← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

بالبيع فلا يصح بخلاف طلاق الهازل فإنه واقع لأن الهزل فى باب الطلاق ملحق بالجد شرعا، قال ﷺ ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد الطلاق والنكاح والعتاق. فألحق الهازل بالجاد فيه ومثل هذا لم يرد بالبيع، والهزل يمنع البيع لأنه يعدم الرضا بمباشرة السبب» ولكن جاء فى الحموى على الأشباه أن مراد الفقهاء ببطلانه أنه كالباطل فى الحكم من حيث انه لا يفيد ملكا بالقبض ولكن الواقع أنه فاسد بدليل أن فساده يرتفع بعدول الهازل عن هزله وبالعدول يصح العقد وينفذ بلا حاجة الى تجديده وذلك صريح فى أن تصرف الهازل تلحقه إجازة الهازل له وهو جاد فى إجازته فينفذ وإن وصف بالبطلان وبالفساد راجع مصطلح «هزل» لبيان أحكام المذاهب فى ذلك. شروط الإجازة إذا كانت إجازه لعقد معاوضة أشترط فيها ما يأتى عند الحنفية: الأول: أن تصدر حال حياة من باشر العقد من غير ولاية إذا كان سينقلب بها وكيلَا يرجع إليه حقوق العقد وذلك يكون فى عقود المعاوضات التى يباشرها فضولى مثل البيع والإجارة إذ بالإجازة ينقلب وكيلا وترجع إليه حقوق العقد فإذا باشر فضولى عقدا من هذه العقود ثم توفى قبل إجازته بطل العقد ولم تلحقه إجازة بعد ذلك ممن عقد له العقد وهذا اذا لم ينفذ العقد على الفضولى كما فى الشراء والاستئجار لأنه فى هذه الحال لا يتوقف بل ينفذ عليه «راجع مصطلح فضولى» لهذا لزم أن تكون الإجارة حال حياته ليقوم بما التزم به من حقوق نتيجة لعقده أما العقود الأخرى التى يعتبر فيها الوكيل سفيرا ومعبرا فلا ترجع إليه فيها الحقوق ومن ثم إذا باشرها فضولى وانقلب بالإجازة وكيلا كان حكمه حكم الرسول فصار فيها سفيرا ومعبرا وأنتهت مهمته فيها بإنتهاء عبارته فإذا توفى ثم أجيزت بعد وفاته نفذت ولزمت اذ ليس هناك حق لزمه بعقد وفات بوفاته وبناء على ذلك إذا زوج فضولى إمرأة ثم توفى كان للزوجة أن تجيز هذا العقد بعد وفاته ويصير العقد بإجازتها نافذا لازما وكذلك الحكم إذا كان الفضولى قد باشر العقد عن الزوج كان للزوج إجازته بعد وفاة الفضولى. ويلاحظ إشتراط هذا الشرط فى التصرف الموقوف الصادر من الصبى المميز أو من السفيه أو من الراهن أو من المؤجر أو من المتبرع فى مرض الموت أو من المحجور عليه للمدين - فيجب أن تكون إجازته فى حياتهم إذ بوفاتهم قبل أجازته تبطل لعدم تمامه قبل الوفاة أما إجازه الوصية للوارث أو بأكثر من الثلث فلا تصح عند الحنفية والشافعية والحنابلة وبعض الزيدية إلا بعد وفاة المتصرف وهو الموصى وذهب عطاء وربيعة الرأى وحماد وعبد الملك بن يعلى

стр. 632

والأوزاعى وأبن أبى ليلى الى صحتها حال حياة الموصى وبعد وفاته وهذا الرأى هو المعتمد عند الزيدية والإباضية وكذلك هو المعتمد عند الشيعة الجعفرية بالنظر إلى الوصية بأكثر من الثلث أما الوصية للوارث فنافذة عندهم. ويرى مالك صحة الإجازة حال حياة الموصى إذا كانت فى أثناء مرضه مرضا مخوفا يغلب فيه الموت وقدمات منه ولم يكن هناك ما يحمل الوارث عليها - وأرجع إلى تفصيل الأحكام الى مصطلح «وصية» عند الكلام عن اجازتها. الثانى: أن تصدر الإجازة حال حياة من عقد العقد له فإذا كان بين فضولى وآخر وجب أن تصدر حال حياة من عقد له الفضولي وإذا كان بين فضوليين وجب أن تصدر حال حياة من عقد العقد لهما وذلك يظهر معنى نفاذها بمطالبة من نسب اليه العقد بما يوجبه عليه بعد نفاذه بالإجازة وعلى ذلك لا يصح اجازة بيع الفضولى بعد وفاة المشترى منه ولا بعد وفاة البائع بإجازته من ورثته إذ يبطل العقد حينئذ بوفاة البائع المالك إذ ليس لورثته حق إجازته كما لا تصح اجازة عقد النكاح بعد وفاة أحد الزوجين وبعد وفاة الموصى له ولا تصح بعد وفاة من باشر العقد مع الصبى المميز أو السفيه لبطلان العقد بوفاته قبل تمامه وارجع فى تفصيل أحكام هذأ الموضوع الى العقد الموقوف فى مصطلح «عقد» الثالث: أن تصدر الإجازة حال بقاء محل العقد حتى يظهر أثرها فيه عند صدورها فلا تصح اجازة البيع بعد هلاك المبيع وإذا كان الثمن عرضا أى عينا كان بقاؤه الى صدورها شرطا فى صحتها أيضا لأنه فى هذه الحال يعد مبيعا اشتراه لنفسه فينفذ عليه، والإجازة هنا تعد إجازة بنقد ثمن هذه العين من مال المجيز فاذا لم يصر اليه كان عليه مثله ان كان مثليا وقيمته ان كان قيميا للمجيز (١). الرابع: أن يكون المجيز أهلا لمباشرة التصرف الذى أجازه فيجب أن يكون أهلا للتبرع إذا كان التصرف تبرعا وأهلا للمعاوضة إذا كان التصرف بيعا أو إجازة ونحو ذلك اذ أن الاجازة لها حكم الانشاء فيجب فيها من الشروط ما يجب فى الانشاء وعلى ذلك لا تصح اجازة المحجور عليه للدين لتبرع باشره عنه فضولى ولا اجازة صبى مميز أو سفيه لمعاوضة باشرها عنه فضولى ولا أجازته لوصية لوارث أو بأكثر من الثلث - ويرى الحنابلة صحة اجازة المحجور عليه للدين لوصية متوقفة وذلك على القول بان الإجازة تنفيذ لا على القول بأنها عطية (٢). الخامس: أن يكون المجيز عالما محل العقد من وجود أو عدم عند أبى يوسف رحمة الله خلافا لمحمد فإذا أجاز المالك وهو غير عالم لقيام محل العقد لم تصح الإجازة عند أبى يوسف وصحت عند محمد ﵀ (٣).

стр. 633

إجٌبارُ تعريف الإجبار لغة: الجبار صفة من الإجبار وهو القهر والإكراه - قال أبن الأثير ويقال جبر الخلق وأجبرهم ويقال رجل جبار مسلط قاهر ومنه قوله وما أنت عليهم بجبار - وأجبره أكرهه. يقال أجبر القاضى الرجل على الحكم إذا أكرهه عليه. وتميم تقول جبرته على الأمر أجبره جبرا وجبورا. قال الأزهرى وهى لغة معروفة وكان الشافعى يقول جبر السلطان وهو حجازى فصيح فهما لغتان جيدتان وهما جبرته وأجبرته (١). الإجبار اصطلاحا: ليس له تعريف مخصوص فى كتب الفقه ويمكن تعريفه أخذا من إستعمالات الفقهاء بأنه حمل الغير من ذى ولإية بطريق الإلزام على عمل تحقيقا لحكم الشرع «الفرق بين الاجبار والاكراه» من تعريف كل من الإجبار والإكراه فى الاصطلاح يمكن معرفة الفرق بينهما لأن المعنى اللغوى لكل منهما قد يكون متقاربا اذ الإكراه فى اللغة يتضمن القهر (٢). وفى الاصطلاح: هو الحمل على الفعل بالابعاد والتهديد مع وجود شرائطه المقررة فى باب الإكراه وإذاً يكون الفرق بينهما أن الإجبار يكون ممن له ولاية شرعية فى حمل الغير على فعل مشروع أما الإكراه فيكون من ذى قوة على تنفيذ ما توعد به فى سبيل حمل الغير على فعل أمر غير مشروع على تفصيل موضعه مصطلح إكراه (٣). ما يرد فيه الإجبار: يرد الإجبار فى كثير من أبواب الفقه المختلفة. كالإجبار فى القسمة والإجبار فى حقوق الجوار. والإجبار على كرى النهر والإجبار على الشركة والاجبار فى الشفعة والإجبار على الوفاء بالدين والإجبار على الارضاع والإجبار على النكاح وألاجبار على الكلالة والإجبار على تولى القضاء والإجبار على تولى الخصومة والإجبار على رد المغصوب والمستأجر والإجبار على الزكاة والإجبار على عمارة المشترك من دار أو جدار وغير ذلك. ولما كان بعض الفقهاء قد عبر عن الإجبار بالمعنى المذكور بكلمة «جبر» فانظر أحكامه فى مصطلح «جبر».

стр. 634

اجتهاد الاجتهاد فى اللغة تحمل الجهد (أى المشقة)، فلا يستعمل لغة على سبيل الحقيقة إلا فيما فيه مشقة، فلا يقال اجتهد فى حمل الخردلة إلا على نحو من التجوز لضعف الحامل مثلا (١). الاجتهاد عند الأصوليين وهو فى اصطلاح الأصوليين بذل الفقيه غاية جهده فى تحصيل حكم شرعى بحيث يشعر من نفسه أنه عاجز عن المزيد على ذلك (٢). وعرفه ابن حزم بأنه استنفاد الطاقة فى حكم النازلة حيث يوجد ذلك الحكم، لأن أحكام الشريعة كلها متيقن أن الله تعالى قد بينها بلا خلاف، وهى مضمونة الوجود لعامة العلماء، وإن تعذر وجود بعضها على بعض الناس، فمحال ممتنع أن يتعذر وجوده على كلهم، لأن الله تعالى لا يكلفنا ما ليس فى وسعنا، وما تعذر وجوده على الكل فلم يكلفنا الله تعالى إياه (٣). والاجتهاد نوعان عند من يقول بإمكان تجزى الاجتهاد: اجتهاد مطلق فى جميع الأحكام، وهو ما يقتدر به على استنباط الأحكام القليلة من أمارة معتبرة عقلا أو نقلا فى الموارد التى يظفر فيها بها (٤). واجتهاد فى حكم دون حكم، وهو ما يقتدر به على استنباط بعض الأحكام، ولا بد بالنسبة للمجتهد فى هذا من أن يعرف جميع ما يتعلق بهذا الحكم، ومن جملة ما يعرفه فيه أن يعلم أنه ليس مخالفا لنص أو إجماع ولا يشترط معرفة ما يتعلق بجميع الأحكام، ويشترط للاجتهاد المطلق عند أهل السنة شروط: الأول: معرفة مواقع آيات الأحكام من الكتاب بحيث يتمكن من الرجوع إليها عند الحاجة، ولا يتمكن من الرجوع إليها إلا إذا عرف: (أ) معانى مفرداتها وتراكيبها وخواص ذلك فى الإفادة والاستفادة. فمعرفة معانى مفرداتها تقتضى أن يعرف وضع كل منها مما يدرك بدراسة كتب اللغة والصرف، ومعانى التراكيب تحتاج إلى النحو، وخواص ذلك تحتاج إلى علوم البلاغة من المعانى والبيان. (ب) معانيها شريعة، وتتوقف على معرفة علم أصول الفقه، فيعرف علل الأحكام الشرعية كمعرفة أن الحدث المعبر عنه بقوله تعالى: «أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ» علته النجاسة فقيس عليه كل خارج نجس وكمعرفة العلة فيما له مفهوم موافق، إذ أن المجتهد لمعرفته بالأحكام المتبادرة لكل

стр. 635

عالم باللغة يتبين أن العلة شاملة كشمول دلالة النص فتقدم على القياس. (ج) أقسام الكتاب من العام والخاص والمشترك والمجمل والخفى والظاهر والناسخ والمنسوخ وغير ذلك من تقسيمات الأصوليين، وهذا شئ آخر غير معانيه على ما هو واضح. الشرط الثانى: أن يعرف من السنة متنا وسندا القدر الذى تتعلق به الأحكام بأن يعرف بالنسبة للمتن نفس الأخبار أنها رويت بلفظ الرسول أو بالمعنى ومواضع المتن لهذا القدر بحيث يتمكن من الرجوع إليه عند الحاجة كما ذكرنا فى معرفة الكتاب، ويعرف بالنسبة للسند سند ذلك القدر من تواتر أو شهرة أو آحاد، وفى ذلك معرفة حال الرواة من الجرح والتعديل، ويكتفى فى هذا الزمان بتعديل أئمة الحديث الموثوق بهم كالبخارى ومسلم والبغوى وغيرهم من أئمة الحديث، وجملة ما يشترط فى معرفة السنة على ما ذكره الغزالى خمسة شروط: ١ - معرفة طرقها من تواتر وآحاد لكون المتواترات قطعية الثبوت، والآحاد ظنية الثبوت. ٢ - معرفة طرق الآحاد وروايتها ليعمل بالصحيح منها ويبعد عن غيره. ٣ - معرفة أحكام أقوال الرسول وأفعاله ليعلم ما يوجبه كل منها. ٤ - معرفة ما انتفى عنه الاحتمال وحفظ ألفاظ ما وجد فيه الاحتمال. ٥ - معرفة الترجيح بينه وبين ما يعارض من الأخبار. الشرط الثالث: معرفة أنواع القياس عند القائلين به، والمراد منها الأنواع الثلاثة الآتية: الأول: قياس العلة «إثبات حكم معلوم فى معلوم آخر لاشتراكهما فى علة الحكم عند المثبت» كقياس الحنفية، الخارج النجس من غير السبيلين كالدم الذى يسيل إلى موضع يلحقه حكم التطهير على الخارج من السبيلين لعلة خروج النجاسة. الثانى: قياس الدلالة (مساواة فرع لأصل فى وصف جامع لا يكون علة للحكم بل يكون لازما مساويا لعلة الحكم) كقياس المكره بالقتل على المكره بجامع الإثم، والإثم ليس علة للقصاص بل هو مساو لها كمساواة الضاحك للناطق فى الأفراد. الثالث: قياس العكس (إثبات نقيض حكم الأصل فى الفرع لوجود نقيض علته فيه) كما قاس الرسول ﵊ وط ء المنكوحة فأثبت الأجر فيه قياسا على وط ء المحرمة فى إثبات الوزر بقياس العكس، وقد سئل ﵊: أيأتى أحدنا شهوته، أى الحلال، فيكون له أجر. فقال: أرأيت لو وضعها فى حرام يكون عليه وزر (١). ويرجع إلى مصطلح «قياس». وقالت طائفة: لا موضع ألبته لطلب

стр. 636

حكم النوازل من الشريعة ولا لوجوده إلا إلى نص القرآن وسنة رسول الله ﷺ أو دلالتهما على حكم تلك النازلة دلالة لا تحتمل إلا وجها واحدا، وهذا قول جميع أهل الإسلام قطعا، وهو قول جميع أصحابنا الظاهريين، وبه نأخذ (١). وقال أيضا: وجوه الاجتهاد تنحصر فيما جاء فى القرآن، والخبر المسند بنقل الثقات إلى النبى ﵊ إما نصا على الاسم وإما دليلا من النص لا يحتمل إلا معنى واحدا. فإن قال قائل: فكيف يفعل العالم إذا سئل عن مسألة فأعيته أو نزلت به نازلة فأعيته، قيل له وبالله تعالى التوفيق يلزم أن يسأل الرواة عن أقوال العلماء فى تلك المسألة النازلة ثم يعرض تلك الأقوال على كتاب الله تعالى وكلام النبى ﵇ كما أمره الله تعالى، اذ يقول «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ»، وإذ يقول: «وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ» وقوله تعالى: «فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» فليرد ما اختلف فيه من الدين إلى القرآن والسنة الواردة عن النبى ﵇، وليتق الله ولا يرد ذلك إلى رجل من المسلمين لم يؤمر بالرد إليه (٢). وقال ابن حزم: الاجتهاد فى طلب حكم الله تعالى ورسوله ﵇ فى كل ما خص المرء من دينه لازم للكل لم يخص الله تعالى بذلك عاميا من عالم (٣). ومجتهدو الشيعة لا يسوغون نسبة أى رأى يكون وليد الاجتهاد إلى المذهب ككل بل يتحمل كل مجتهد مسئولية رأيه الخاص (٤). وما كان من ضروريات المذهب يصح نسبته إليه وهم مجتهدون ضمن إطار الإسلام، وهو معنى الاجتهاد المطلق (٥). والشيعة لا يرون أئمتهم مجتهدين، وإنما يرونهم مصادر يرجع إليها لاستقاء الأحكام من منابعها الأصيلة، ولذلك يعتبرون ما يأتون به من السنة. فأقوال أهل البيت إذن مصدر من مصادر التشريع لديهم وهم مجتهدون فى حجيتها كسائر المصادر والأصول (٦). محل الاجتهاد وحكمه كل حكم (٧) شرعى ليس فيه دليل قطعى هو محل الاجتهاد، فلا يجوز الاجتهاد فيما ثبت بدليل قطعى كوجوب الصلوات الخمس والزكوات وباقى أركان الإسلام وما اتفقت عليه جليات الشرع التى تثبت بالأدلة القطعية. فالاجتهاد المقصود هنا هو الاجتهاد فى الظنيات على ما ظهر من تعريفه السابق عند الجمهور. والاجتهاد بالظنيات عند الجمهور حكمه غلبة الظن بأن ما وصل اليه المجتهد باجتهاد

стр. 637

هو الحكم الصواب ويحتمل أن يكون خطأ عند أهل السنة (والمراد بالصواب الموافقة بما عند الله فى الواقع ونفس الأمر). والمراد بالحطأ (المخالفة بما عند الله فى الواقع ونفس الأمر). وأصحاب هذا الرأى يطلق عليهم اسم «المخطئة»، ورأيهم هو المختار عند الحنفية وعامة الشافعية بأدلته الآتية: وعامة المعتزلة يقولون: كل مجتهد مصيب وهذا الخلاف بين أهل السنة وبين عامة المعتزلة ناشئ عن الخلاف فى أن لله تعالى حكما معينا قبل الاجتهاد أولا. فعند أهل السنة لكل حادثة حكم معين عند الله تعالى عليه دليل ظنى إن وجده المجتهد أصاب وله أجران: أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، وإن اخطأ فله أجر الاجتهاد فقط فإذا اجتهدوا فى حادثة وكان لكل مجتهد حكم، فالحكم عند الله تعالى واحد وغيره الخطأ. وقالت المعتزلة: لا حكم قبل الاجتهاد بل الحكم تابع لظن المجتهد حتى كان الحكم تابعا لظن المجتهد، حتى كان الحكم عند الله تعالى فى حق كل واحد مجتهده هو وكل المجتهدات صواب، فكأن الشرع يقول كل ما وصل إليه المجتهد باجتهاده فهو الحكم فى حقه، وأصحاب هذا الرأى يطلق عليهم اسم «المصوبة». الأدلة على أن الحق واحد استدل القائلون بأن الحق واحد، وهم الأئمة الأربعة وعامة الأصوليين من أهل السنة بأدلة منها. أما الكتاب قوله تعالى: «وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾. ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ، وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً». وجه الدلالة: أنه تعالى خص سليمان بالفهم فى قوله ففهمناها سليمان، ومنَّ عليه، وكمال المنة فى إصابة الحق، فلو كانا مصيبين لما كان لتخصيص سليمان بالفهم فائدة، ولا مانع من القول، بمفهوم المخالفة فى هذا الموضع عند الحنفية، وواضح أنهما حكما بالاجتهاد لأنه لو كان حكم داود بالنص لما وسع سليمان مخالفته ولما جاز رجوع داود عنه. وأما السنة فهى الأحاديث الدالة على ترديد الاجتهاد بين الصواب والخطأ، وهى كثيرة، منها ما روى أنه ﵇ قال: «جعل الله للمصيب أجرين وللمخطئ أجرا». وقال ابن حزم الظاهرى: أقسام المجتهدين بقسمة العقل الضرورية لا تخرج عن ثلاثة أقسام عندنا: مصيب نقطع على صوابه عند الله تعالى، ومخطئ نقطع على خطئه عند الله تعالى، أو متوقف فيه لا ندرى أمصيب عند الله تعالى أم مخطئ، وإن أيقنا أنه فى أحد الخيرين عند الله تعالى بلا شك، لأن الله تعالى لا يشك بل عنده علم حقيقة كل شئ، لكنا نقول مصيب عندنا ومخطئ عندنا، أو نتوقف فلا نقول أنه عندنا مخطئ ولا مصيب، وإنما هذا فيما

стр. 638

لم يقم على حكمه عندنا دليل أصلا، وما كان من هذه الصفة فلا تحل الفتيا فيه لمن لم يلح له وجهة، إذ لا شك أن عند غيرنا بيان ما جهلناه، كما أن عندنا بيان كثير مما جهله غيرنا، ولم يعر بشر من نقص أو نسيان أو غفلة (١). وقال أيضا: إن المجتهدين قسمان، إما مصيب مأجور مرتين، وإما مخطئ، والمخطئ قسمان، مخطئ معذور مأجور مرة وهو الذى أداه اجتهاده إلى أنه على حق عنده، ومخطئ غير معذور ولا مأجور ولكن فى جناح وإثم، وهو من تعمد القول بما صح عنده الخطأ فيه، أو بما لم يقم عنده دليل باجتهاده على أنه حق عنده (٢). أنواع الاجتهاد الأول: اجتهاد فى دائرة النص وهو يتضمن الاجتهاد فى معرفة القواعد الكلية التى هى الدليل الإجمالى كاجتهاد الحنفية فى دلالة العام والمطلق أنها قطعية فى مدلولها فلا يخصصها ولا يقيدها خبر الآحاد إلا إذا صارت ظنية بالتخصيص والتقييد كاجتهاد الشافعية فى أن دلالة العام والمطلق ظنية فتخصص بأخبار الآحاد. الثانى: الاجتهاد بطريق النظر يتضمن قياس المجتهد أمرا لا نص فيه ولا إجماع على ما ورد فيه نص أو حكم مجمع عليه كما يتضمن استنباط الحكم من قواعد الشريعة الإسلامية العامة مما يطلق عليه البعض الاجتهاد بالرأى. وقال ابن حزم: نص الله تعالى على أنه لم يكل بيان الشريعة إلى أحد من الناس ولا إلى رأى ولا إلى قياس، ولكن إلى نص القرآن وإلى رسوله ﵇ فقط، وما عداهما فضلال وباطل ومحال (٣). اجتهاد الرسول ﷺ اختلف العلماء فيه على أربعة آراء: الأول: ليس له ذلك لقدرته على النص بنزول الوحى، وإليه ذهب أبو على الجبائى وأبو هاشم، ونقله أبو منصور الماتريدى عن أصحاب الرأى. لأنه لو جاز له ﷺ الاجتهاد لجاز مخالفته لمجتهد آخر لأن أحكام الاجتهاد تجوز مخالفتها. والثانى: أن ذلك جائز له ووقع منه فعلا، وإليه ذهب الجمهور محتجين بما وقع من مثل قياسه القبلة على المضمضة فى عدم لفساد الصوم، وقياسه دين الله على دين العباد فى وجوب قضاء الحج. ويرى كثير من الحنفية أنه ﷺ مأمور بانتظار الوحى فإن لم يرد كان عدم وروده أذنا له بالاجتهاد. الثالث: وقوعه فى الحروب والآراء دون الأحكام الشرعية كالتأبد وأخبار مكان نزول الجيش فى موقعة بدر. الرابع: التوقف عن القطع فى ذلك، وحكاه الآمدى عن الشافعى فى رسالته (٤).

стр. 639

أدلة القائلين بأنه ﷺ متعبد بالقياس: من الكتاب قوله تعالى: «فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ»، والنبى منهم. وقوله تعالى: «فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ» وقد سبق بيان وجه الدلالة فيها. وأبو يوسف احتج بعموم قوله تعالى: «إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللهُ» أى بما جعله الله لك رأيا. ومن السنة حديث الخثعمية، قالت: يا رسول الله، إن أبى مات وعليه حجة أفأحج عنه؟ قال ﵊: «أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان يجزيه». قالت: نعم. قال «فدين الله أحق بالقضاء» .. قاس رسول الله ﷺ دين الله على دين العباد. وبحديث القبلة للصائم لما سأل عمر رضى الله عنه عنها أهى تفطر الصائم؟ قال ﵊: «أرأيت لو تضمضت بماء ثم مججته .. » إلى أخر الرواية، اعتبر فيه رسول الله ﷺ مقدمة الجماع وهى القبلة بمقدمة الشرب وهى المضمضمة فى عدم فساد الصوم. أما المعقول فهو أن الاجتهاد مبنى على العلم بمعانى النصوص، ورسول الله ﷺ أسبق الناس فى العلم حتى كان يعلم المتشابه الذى لا يعلمه أحد من الأمة بعده (١). الاجتهاد فى زمن الرسول جواز الاجتهاد: اختلفوا فى جواز الاجتهاد لأمة محمد ﷺ فى زمنه على مذاهب: الأول يجوز الاجتهاد مطلقا بحضوره وغيبته ونقل عن محمد بن الحسن واختاره الغزالى والآمدى ودليله أن الأمر بالاجتهاد غير ممتنع عقلا، فيجوز للرسول ﷺ أن يقول قد أوحى إلى أنكم مأمورون بالاجتهاد والعمل، فإن ذلك لا يلزم منه محال لا لذاته ولا لغيره. الثانى: يمتنع مطلقا فى زمنه ﷺ ، دليله أن أهل عصره ﵊ قادرون على الرجوع إليه فامتنع ارتكاب طريق الظن وهو الاجتهاد مع القدرة على النص من الرسول ﷺ ، وقبيح أن يترك القادرون على العمل باليقين فيعمدون إلى العمل بالظن. الثالث: يجوز للغائبين من القضاة والولاة دون الحاضرين ودليل الامتناع للحاضرين هو الدليل الذى سبق فى الرأى الثانى، ودليل الجواز للقضاة والولاة هو

стр. 640

الوقوع، والوقوع أكبر دليل على الجواز. الرابع: أنه إذا ورد فيه إذن خاص جاز وإلا فلا، فهو ممتنع عقلا لغير إذن خاص ودليله هو المذكور فى الرأى الثانى أيضا على أن الجواز للغائب لضرورة تعسر الرجوع أو تعذره إليه ﷺ والإذن الخاص يقتضى الاطمئنان إلى أنه لا يخطئ. وقوع الاجتهاد فى زمن النبى ﷺ اختلفوا فى وقوع هذا الاجتهاد على أقوال: الأول: أنه لم يقع اجتهاد من غيره ﷺ زمنه أصلا، ولو وقع لنقل إلينا، وأيضا فإن الصحابة كانوا يرفعون إليه ﷺ الحوادث ولو كانوا مأمورين بالاجتهاد لم يرفعوها. الثانى: أن الاجتهاد فى زمنه وقع من الحاضرين والغائبين. أما الغائبون فدليل وقوعه لهم حديث معاذ لما بعثه رسول الله ﷺ الى اليمن وقال له ﷺ : «بم تقضى؟». قال: بكتاب الله. قال: «فإن لم تجد؟». قال: بسنة رسول الله ﷺ . قال: «فإن لم تجد؟». قال: أقضى برأيى. فقال الرسول ﷺ : «الحمد لله الذى وفق رسول رسوله إلى ما يرضى به رسوله»، وهذا الحديث مشهور تلقته الأمة بالقبول فصح أن يثبت به أصل من أصول الدين. وأما الحاضرون فدليل الوقوع لهم أولا: تحكيم سعد بن معاذ فى بنى قريظة وعمرو بن العاص وعقبة بن عامر ليحكما بين رجلين. وثانيا: قوله تعالى: «وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (١)». الثالث: أنه وقع من غائبين دون الحاضرين وهو رأى الأكثر ودليل الوقوع للغائبين حديث معاذ السابق ذكره، أما حديثا التحكيم لسعد ولعمرو بن العاص وعقبة فهما من أخبار الآحاد التى لا تثبت بها أصول الدين. الاجتهاد بعد زمن الرسول أما الاجتهاد بعد عصره فجائز عند عامة الأصوليين والفقهاء بالشروط التى سبق توضيحها لم يخالف فى ذلك إلا الشيعة الذين يقولون بعصمة أئمتهم وأنهم مصادر التشريع على ما سبق بيانه.

стр. 641

ولكن فى حالة غيبة الإمام يجوزون الاجتهاد. وباب الاجتهاد المطلق مفتوح عندهم (١). جواز خلو الزمان عن مجتهد يجوز خلو الزمان عن مجتهد عند أبى حنيفة، ومالك والشافعى والسلف جميعا ومنع الحنابلة ذلك فقالوا لا يجوز خلو الزمان عن مجتهد. استدل القائلون بالجواز بأنه ليس ممتنعا لذاته، إذ لا يلزم من فرض وقوعه محال فلو كان ممتنعا لكان ممتنعا لغيره والأصل عدم الغير. وقد قال ﷺ «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور العلماء، ولكن يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فيسيئوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا»، وهذا ظاهر فى جواز خلو الزمان عن مجتهد. واستدل الحنابلة بقوله ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق حتى يأتى أمر الله»، وهو ظاهر فى عدم الخلو إلى يوم القيامة أو إلى أشراط الساعة. وقالوا أيضا: الاجتهاد فرض كفاية، فيكون انتقاؤه بخلو الزمان عن المجتهد مستلزما لاتفاق المسلمين على الباطل وأنه محال. انظر مصطلح «مجتهد». إجزاء المعنى اللغوى الإجزاء مصدر أجزأ بمعنى كفى. جاء فى لسان العرب مادة «جزأ» أجزأه كفاه. وفى حديث الأضحية: «ولن تجزئ عن أحد بعدك» أى لن تكفى. وفى حديث آخر: «ليس شئ يجزئ من الطعام والشراب إلا اللبن»، أى ليس شئ يكفى. ويقال: ما لفلان إجزاء، أى: ماله كفاية. وفى حديث سهيل: «ما أجزأ منا اليوم أحد ما أجزأ فلان» أى فعل فعلا ظهر أثره وقام فيه مقاما لم يقمه غيره، ولا كفى فيه كفايته. المعنى الاصطلاحى يتكلم علماء أصول الفقه عن الإجزاء عند تقسيمهم لمتعلق الحكم الشرعى، وكلامهم على الصحة والفساد والبطلان، ولهم فى تعريفه مذهبان: أحدهما: أن الإجزاء هو كون الفعل كافيا فى الخروج عن عهدة التكليف به، وهذا التعريف ينسب إلى فريق من الأصوليين يعرف بفريق المتكلمين.

стр. 642

ثانيهما: أن الإجزاء هو إسقاط القضاء، وهذا التعريف ينسب إلى فريق آخر من الأصوليين يعرف بفريق الفقهاء. وفى ذلك يقول القرافى فى كتابه الذخيرة (١): الإجزاء هو كون الفعل كافيا فى الخروج عن عهدة التكليف، وقيل ما أسقط القضاء. وقد فصل الإسنوى فى شرحه على المنهاج الكلام على الإجزاء عند المتكلمين وعند الفقهاء، ورجع تعريف المتكلمين. فالإجزاء عند المتكلمين هو الأداء الكافى لسقوط التعبد به، وقد شرح أجزاء هذا التعريف فبين: أولا: أن الأداء له معنيان: معنى لغوى: ومعنى فقهى. أما معناه اللغوى فهو الاتيان، من قولهم أديت الشئ أى آتيته، ومنه قوله تعالى: «فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ». وأما معناه الاصطلاحى: فهو الإتيان بالعبادة فى وقتها لأول مرة، وهو بالمعنى الأول أعم لأنه يشمل آداء العبادة فى وقتها لأول مرة وإعادتها بعد أول مرة وقضاءها بعد وقتها، والمراد هنا هو هذا المعنى الأعم، وقد غفل عن هذا بعض الناس فظن أن المراد بالأداء المذكور فى تعريف الإجزاء هو المعنى الاصطلاحى ولذلك ادعى أن القضاء والإعادة لا يوصفان بإجزاء لأن القضاء والإعادة لا يسميان فى الاصطلاح بالأداء وهو غلط. ثانيا: يقال تعبد الله المكلفين بالصلاة، أى دعاهم إلى أن يعبدوه بها وطلبها منهم، فمعنى التعبد بالشئ طلبه، فإذا أتيت بالعبادة إتيانا كافيا لسقوط طلبها بأن اجتمعت فيها شرائطها وانتفت عنها موانعها فقد أجزأتك هذه العبادة وكفتك، وإذا لم تأت بها على هذا النحو فهى غير مجزئة. ثم ذكر تعريف الفقهاء للإجزاء وبين بطلانه، فالإجزاء عند الفقهاء هو إسقاط القضاء، ومن المعروف أن القضاء إنما يجب بأمر جديد على المذهب الصحيح لا بالأمر الأول. فإذا أمر الشارع بعبادة أمرا أوليا ولم يأمر بقضائها بأمر ثان فليس معنا إلا أمر واحد، وهذا الأمر الواحد إنما يتجه إلى الأداء الأول فقط ولا شأن له بالأداء الثانى وإذن فالأداء الثانى غير واجب لأنه ليس معنا أمر يوجبه، وإذا لم يكن واجبا فكيف يقال سقط مع أن السقوط فرع الوجوب والثبوت. على أن القضاء إنما يجب بخروج الوقت حتى لو أخذنا بمذهب من يقول: إن الأمر الأول كاف فى إيجابه فموجبه وسببه هو خروج الوقت، فإذا أدى الصلاة على وجهها فى الوقت فلا ينبغى أن يقال أجزأت بمعنى أنه سقط قضاؤها لأن القضاء لم

стр. 643

يجب حتى يقال أنه سقط، ولكن يقال أجزأت بمعنى كفى فعلها عن المطلوب شرعا. ثم أنكم أيها الفقهاء تقولون أحيانا: هذا المطلوب سقط قضاؤه لأنه أجزأ، فتأتون بعلة ومعلول، أما المعلول فهو قولكم «سقط قضاؤه» وأما العلة فقولكم «لأنه أجزأ»، ومن المعروف أن العلة مغايرة للمعلول، فكيف تعرفون الإجزاء بأنه سقوط القضاء وهل يفسر الشئ بمغايره (١). وفى التحرير وشرحه من كتب أصول الحنفية أن الصحة هى ترتب المقصود من الفعل عليه، وذلك فى المعاملات هو الحل والملك، أما فى العبادات فإن المتكلمين قالوا إنها موافقة أمر الشارع بأن يكون مستجمعا ما يتوقف عليه من الشروط وغيرها وذلك نفسه هو معنى الإجزاء، وقال الفقهاء الصحة والإجزاء فى العبادات هما موافقة أمر الشارع على وجه يندفع به القضاء، وثمرة الخلاف تظهر فيمن صلى على ظن الطهارة ثم تبين له أنه محدث فإن صلاته صحيحة ومجزئة عند المتكلمين لموافقة الأمر إذ المكلف مأمور بأن يصلى بطهارة سواء أكانت معلومة أو مظنونة، وهى فاسدة عند الفقهاء لعدم اندفاع القضاء وتوصف أيضا بأنها غير مجزئة. ثم قال صاحب التحرير بعد أن بين هذا المعنى «والاتفاق على القضاء عند ظهوره» أى وقد اتفق المتكلمون والفقهاء على وجوب القضاء عند ظهور عدم الطهارة (٢). ولذلك قال أبو حامد الغزالى فى المستصفى: وهذه الاصطلاحات وإن اختلفت فلا مشاحة فيها، إذ المعنى متفق عليه (٣). وقال الإسنوى فى شرحه تعليقا على مسألة ظان الطهارة: فإن قيل إذا لم يتبين أنه محدث فواضح أنه لا قضاء عليه، وليس كلامكم فيه وإن تبين أنه محدث وجب القضاء عليه عند الفقهاء وعند المتكلمين القائلين بالصحة أيضا، فما وجه الخلاف؟ قلنا: الخلاف إنما هو فى إطلاق الاسم أى اسم الإجزاء على الأداء ثم تبين عدم الطهارة، وممن نبه عليه القرافى (٤). وفى روضة الناظر لموفق الدين ابن قدامة المقدسى الدمشقى، وهو فى الأصول على مذهب الحنابلة: «الصحيح من العبادات ما أجزأ وأسقط القضاء». وفى شرحه نقلا عن الشيخ علاء الدين المرداوى فى التحرير: «الصحة مطلقا ترتب الأثر المطلوب من الفعل عليه فبصحة

стр. 644

العقد بترتب أثره من ملك غيره، وبصحة العبادة يترتب إجزاؤها وهو الكفاية فى إسقاط التعبد ويختص الإجزاء بالعبادة (١) وفى إرشاد الفحول يقول الشوكانى: أعلم أن الإتيان بالمأمور به على وجهه الذى أمر به الشارع قد وقع الخلاف فيه بين أهل الأصول: هل يوجب الإجزاء أم لا، وقد فسر الإجزاء بتفسيرين: أحدهما حصول الامتثال به، والآخر سقوط القضاء به. فعلى التفسير الأول أن الإتيان بالمأمور به على وجهه يقتضى تحقق الإجزاء المفسر بالامتثال، وذلك متفق عليه، فإن معنى الامتثال وحقيقته ذلك. وإن فسر بسقوط القضاء فقد اختلف فيه، فقال جماعة من أهل الأصول إن الإتيان بالمأمور به على وجهه يستلزم سقوط القضاء. وقال القاضى عبد الجبار: لا يستلزم. واستدل فى المحصول على القول الأول بأنه لو لم يقتض الإجزاء لكان يجوز أن يقول السيد لعبده: افعل، فإذا فعلت لا يجزئ عنك، ولو قال ذلك أحد لعد مناقضا واستدل للمخالف بأن كثيرا من العبادات يجب على من شرع فيها أن يتمها ويمضى فيها ولا تجزئه عن المأمور به كالحج الفاسد والصوم الذى جامع فيه (٢) أى فوجد الإتيان بالمأمور به وهو تتميم الحج أو الصوم الفاسد، ولم يستلزم ذلك سقوط القضاء. وفى كتاب الإحكام فى أصول الأحكام للآمدى: مذهب أصحابنا والفقهاء وأكثر المعتزلة أن الإتيان بالمأمور به يدل على الإجزاء خلافا للقاضى عبد الجبار من المعتزلة ومتبعيه فإنه قال لا يدل على الإجزاء. ثم قال الآمدى: كون الفعل مجزئا قد يطلق بمعنى أنه امتثل به الأمر وذلك إذا أتى به على الوجه الذى أمر به وقد يطلق بمعنى أنه مسقط للقضاء، وإذا علم معنى كون الفعل مجزئا فقد اتفق الكل على أن الإتيان بالمأمور به على الوجه الذى أمر به يكون مجزئا بمعنى كونه امتثالا للأمر، وذلك مما لا خلاف فيه. وإنما خالف القاضى عبد الجبار فى كونه مجزئا بالاعتبار الآخر (٣)، يريد أن كلام القاضى إنما هو فى الإجزاء الذى هو بمعنى سقوط القضاء فهو ينازع فى أن فعل المأمور به يستلزم سقوط القضاء لما سبق ذكره من أن المكلف قد يطالب بإتمام الحج أو الصوم الفاسد فيتمهما فيكون بذلك فاعلا لما طلب منه ومع ذلك لا يسقط قضاؤهما. ما الذى يوصف بالإجزاء وعدمه لقد فرق علماء الأصول بين الصحة

стр. 645

والأجزاء بأن الصحة توصف بها العبادات والمعاملات على حد سواء، فيقال هذه صلاة صحيحة وهذا بيع صحيح. أما الإجزاء فلا يوصف به إلا العبادات، فيقال: هذه صلاة مجزئة، ولا يقال هذا بيع مجزئ. وفى ذلك يقول الأسنوى فى شرحه على المنهاج: معنى الإجزاء وعدمه قريب من معنى الصحة والبطلان، كما قال فى المحصول، وبين الإجزاء والصحة فرق، وهو أن الصحة أعم لأنها تكون صفة. للعبادات والمعاملات، وأما الإجزاء فلا يوصف به إلا العبادات (١). وقد نقلنا من قبل ما ذكره شارح روضة الناظر الحنبلى عن الشيخ علاء الدين المرداوى، وفيه يقول: ويختص الإجزاء بالعبادة (٢)، وقد سوى الكمال بن الهمام فى كتابه التحرير بين الصحة والاجزاء فى العبادات خاصة (٣). وقرر العلماء أيضا: أنه ليس كل فعل من أفعال العبادات يوصف بالإجزاء أو بعدمه، وإنما يوصف بذلك فعل له وجهان: وجه يعتد به، ووجه لا يعتد به. فالصلاة مثلا إذا وقعت مستوفية الشروط والأركان خالية من الموانع وصفت بالإجزاء، وإذا لم تقع كذلك وصفت بعدم الإجزاء، وقل مثل هذا فى الصوم والحج إلخ. أما ما لا يقع من العبادات إلا على جهة واحدة فلا يوصف بالإجزاء وعدمه، وقد مثلوا لذلك بمثالين: أحدهما: معرفة الله تعالى، فإنها إما أن تقع فيقال: إن هذا الشخص قد عرف الله تعالى بطريق ما، وإما ألا تقع فلا يكون قد عرفه، وحينئذ لا يقال عرفه معرفة غير مجزئة لأن المعرفة لم تحصل حتى توصف بأنها غير مجزئة. المثال الثانى: رد الوديعة فإنه إما أن يردها أو لا يردها، فان ردها قيل قد وقع الرد، وان لم يرد قيل لم يقع الرد، ولكن لا يقال: مجزئ أو غير مجزئ. وهذا المثال قد مثل به صاحب المنهاج فى أصول الشافعية والإسنوى فى شرحه وتابعه على ذلك صاحبا التحرير والتيسير، كما تابعاه فى المثال الأول وهو معرفة الله تعالى. وتمثيلهم برد الوديعة كان موضع نقاش بينهم: فهو أولا من باب المعاملات، والمعاملات لا توصف بالإجزاء وعدمه من أصلها سواء أكانت ذات وجهين أم ذات وجه واحد، الا أن يقال: نظر إلى ناحية العبادة فيها وهى خلوص الذمة أمام الله برد الوديعة وعدم خلوصها بعدم ردها فتكون حينئذ من باب العبادات. وهذا لا يفيد، لأن المعاملات كلها يمكن أن يقال فيها ذلك، إذ هى ذات جانب عبادى تخلص

стр. 646

الذمة بموافقة أمر الله فيه، ولا تخلص إذا لم تقع هذه الموافقة. ومن جهة أخرى: إن الوديعة قد ترد على السفيه والمحجور عليه فلا يكون هذا الرد مجزئا، وقد ترد على المتصرف فيكون هذا الرد مجزئا وإذن فلها وجهان فتوصف بالإجزاء وعدمه، فالتمثيل بها غير دقيق. ونقل البدخشى فى شرحه على المنهاج للبيضاوى بعد الكلام على المعرفة بالله تعالى ورد الوديعة: أن الفنرى يرى أن الموصوف بالإجزاء وعدمه إنما هو العبادات المحتملة للوجهين دون ما عداها، ويؤيد ذلك بأن بيع النقدين مثلا يحتمل الوجهين، أحدهما أن يكون مستجمعا للشرائط من التساوى والحلول والتقابض فى المجلس، وثانيهما أن يكون قد اختل فيه شئ من الشروط، ففيه احتمال الوجهين، ومع ذلك لا يوصف بالإجزاء وعدمه. هذا هو رأى الفنرى، وقد علق عليه البدخشى بقوله: كأنه أراد بذلك أن رد الوديعة من المعاملات فلا يوصف بهما وإن اشتمل على الوجهين، وأقول: الأظهر أن استعمالهما - أى الإجزاء وعدمه - إنما هو فى تفريغ الذمة عن الأمور المتقررة فيها يشهد بذلك التعريفات المذكورة وموارد استعمال الفقهاء ورد الوديعة منها وبهذا بتبين اختلافهم حول هذا المثال ووجهة كل منهم فيه (١). ويوصف بالإجزاء وعدمه كل من الفرض والواجب والمندوب أداء أو قضاء أو إعادة وفى ذلك يقول صاحب المنهاج: ويوصف بالإجزاء الأداء المصطلح عليه للعبادة أو قضاؤها أو إعادتها سواء أكان ذلك فرضا أو نفلا (٢). وفى التحرير والتيسير أن مقتضى كلام الفقهاء أن الإجزاء لا يختص بالواجب، ودليل ذلك حديث الأضحية، عن أبى بردة أنه ذبح شاة قبل الصلاة فذكر ذلك للنبى ﷺ فقال: «لا تجزئ عنك». فقال: عندى جذعة من المعز. فقال النبى ﵊: «تجزئ عنك ولا تجزئ عن أحد بعدك» رواه أبو حنيفة. وهو بمعناه فى الصحيحين وغيرهما، وهو بناء على أن الأضحية سنة كما هو قول الجمهور، وصاحبى الإمام، فدل ذلك على أن الإجزاء وعدمه يستعملان فيما هو سنة كما يستعملان فيما هو واجب أو فرض (٣). وفى كلام الفقهاء ما يؤيد ذلك، ومن أمثلة ذلك فى المندوب أن الحنفية يقولون أن الأضحية واجبة عند أبى حنيفة، سنة عند صاحبيه (٤).

стр. 647

وعندما يتكلمون عما يجزئ منها وما لا يجزئ يقولون: ويجزئ منها ما يجزئ من الهدى (١). والمالكية يقولون فى الأضحية أيضا، وهى عندهم سنة: ويدخل وقتها الذى لا تجزئ قبله من ذبح الإمام أضحيته بعد صلاته وأدائه الخطبة فلا يجزئ إن سبق ذبحه، ولو أتم بعده، إلا إذا لم يبرزها الإمام للمصلى (٢). والشافعية يقولون فى المسح على الخف: ويسن مسح أعلاه الساتر لمشط الرجل وأسفله خطوطا بأن يضع يده اليسرى تحت العقب واليمنى على ظهر الأصابع، ثم يمر اليمنى إلى ساقه واليسرى إلى أطراف الأصابع من تحت مفرجا بين أصابع يديه، ولا يسن استيعاب المسح، ويكره تكراره، وكذا غسل الخف، وقيل: لا يجزئ، ولو وضع يده المبتلة ولم يمرها أجزأه وقيل: لا (٣). والحنابلة يقولون فى الأضحية وهى سنة عندهم: فأما العضباء وهى ما ذهب نصف أذنها فلا تجزئ (٤). مذهب الظاهرية: ويقول ابن حزم الظاهرى فى الأضحية هى سنة حسنة وليست فرضا، ثم يقول: ولا تجزئ فى الأضحية العرجاء البين عرجها، ولا المريضة البين مرضها، فإن كان كل ما ذكرنا لا يبين أجزأ، ولا تجزئ فى الأضاحى جذعة ولا جذع أصلا لا من الضأن ولا من غير الضأن ويجزئ ما فوق الجذع (٥). مذهب الإمامية: ويقول الإمامية فى الزكاة: يجب دفع الزكاة إلى الإمام إذا طلبها، ويقبل قول المالك لو ادعى الإخراج، ولو بادر المالك بإخراجها أجزأته ويستحب دفعها إلى الإمام ابتداء (٦). ويحكى المهدى فى البحر عن الهادى والقاسم من الزيدية أن الشاة فى الأضحية تجزئ عن ثلاثة (٧). وجاء فى شرح النيل فى فقه الإباضية فى الكلام على العقيقة، ندب لمن ولد له ذكر أن ينسك بشاتين ولأنثى بواحدة ولا يجزى إلا الشياه وإن كان الجمهور على إجزاء الإبل والبقر (٨). ويتبين من هذه النصوص الفقهية فى المذاهب الثمانية أن الفقهاء يعبرون بالإجزاء وعدمه فيما هو مندوب وسنة، وتعبيرهم بذلك فى الواجب والفرض معروف كذلك، ومن أمثلته قول الحنفية فى الذبائح ولو عطس عند الذبح فقال: الحمد لله لا تحل فى الأصح لعدم قصد التسمية بخلاف الخطبة حيث يجزئه، لأن المأمور به فى

стр. 648

الجمعة ذكر الله تعالى مطلقا، وههنا الشرط ذكر اسم الله تعالى على الذبح (١). مذهب المالكية: وقول المالكية فى الزكاة: ومجئ الساعى - إن كان ثم ساع - شرط وجوب فلا تجب قبل مجيئه، وشرط صحة أيضا فلا تجزئ اذا أخرجها قبله وانما لم تجزئ مع أن تقديم زكاة العين على الحول بنحو شهر يجزئ لأن التقدم فى زكاة العين رخصة لاحتياج الفقراء إليها دائما مع عدم المانع وليس الأمر هنا كذلك لأن الاخراج قبل مجئ الساعى فيه إبطال لأمر الإمام الذى عينه لجبى الزكاة على نهج الشريعة ومحل عدم الأجزاء ما لم يتخلف الساعى عن المجئ لأمر من الأمور فإن تخلف أجزأت (٢). مذهب الشافعية: وقول الشافعية فى باب التيمم: ويشترط قصده الى التراب لقوله تعالى «فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً، فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ» (٣) أى اقصدوه بأن تنقلوه إلى العضو فلو سفته الريح عليه فردده ونوى لم يجزئ لانتفاء القصد بانتفاء النقل المحقق له وقيل: إن قصد بوقوفه فى مهب الريح التيمم أجزأه ما ذكر كما لو برز فى الوضوء للمطر (٤). مذهب الحنابلة: وقول الحنابلة فى باب المسح على الخفين: إذا انقضت المدة أى مدة المسح على الخفين بطل الوضوء، وليس له المسح إلا أن ينزعهما ثم يلبسهما على طهارة كاملة وفيه رواية أخرى: أنه يجزئه غسل قدميه كما لو خلعهما (٥). وقول الشيعة الإمامية فى باب الزكاة: الشاة المأخوذة فى الزكاة أقلها الجذع من الضأن أو الثنى من المعز ويجزئ الذكر والأنثى (٦). وقول الزيدية فى باب التيمم، قال زيد ابن على ﵇ كل شئ تيممت به من الأرض يجزئك وظاهر كلام الامام أنه يجزئ التيمم بجميع أجزاء الأرض سواء كان ترابا أو رملا أو سبخة أو زرنيخا أو آجرا أو غير ذلك (٧). وقول الإباضية فى باب الذكاة: وتجزئ التسمية فى الذكاة، أى الذبح، وإن بغير العربية لمن لا يعلمها إن كان ثقة، وتجزئ بكل ذكر لله تعالى مثل ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾، ومثل باسم الله، الله أكبر، مثل لا إله إلا الله (٨). مذهب الظاهرية: وقول ابن حزم الظاهرى فى الكلام على الهدى: قال على: قد صح اجماع المخالفين

стр. 649

لنا مع ظاهر الآية يريد قوله تعالى: «فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ» (١) بأن شاة تجزئ فى الهدى الواجب فى التمتع والإحصار والتطوع، وقد عدل رسول الله ﷺ عشر شياة ببعير، فصح أن الشاة بإزاء عشر البعير جملة، وأن البقرة كالبعير فى جواز الاشتراك فيهما فى الهدى الواجب فيما ذكرنا، فصح أن البعير والبقرة تجزئان عما يجزئ عنه عشر شياه، وعشر شياه تجزئ عن عشرة، والبعير والبقرة كل واحد منهما عن عشرة وهو قول ابن عباس وسعيد بن المسيب واسحاق ابن راهوية، وبه نقول لما ذكرنا (٢). قد يجزئ ما ليس بواجب عن الواجب يقول شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافى المالكى: إن إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب هو خلاف الأصل، فلو صلى الإنسان ألف ركعة ما أجزأت عن صلاة الصبح، ودفع ألف دينار صدقة لا يجزئ عن الزكاة، وغير ذلك. ثم ذكر سبع مسائل مستثناة من هذا الأصل فى مذهب المالكية، زادها بعضهم إلى اثنتى عشرة مسألة. منها: إذا سلم المصلى من ركعتين ساهيا أنه فى رباعية ثم قام فصلى ركعتين بنية النافلة هل تجزئه هاتان الركعتان عن ركعتى الفرض؟ قولان: مشهورهما عدم الإجزاء ومنها: إذا نسى طواف الإفاضة وهو ركن عندهم وقد طاف طواف الوداع وهو مندوب وراح إلى بلده أجزأه طواف الوداع عن طواف الإفاضة على المشهور من المذهب (٣). ومنها: وهو مما زيد على ما ذكره القرافى: أن المعتمر إذا ساق هدى التطوع فى عمرته فلما حل منها ووجب نحره أخره ليوم النحر ثم بدا له وأحرم بالحج وحج من عامه ذلك وصار متمتعا. فإن هدى التطوع يجزئه عن متعته ولو لم ينو عند سوقه أنه يجعله فى متعته على تأويل سند وهو المذهب، كما أجزأه عن قرانه (٤). وذكر القرافى فرعا آخر فى إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب وهذا الفرع ليس من باب المندوب الذى يجزئ عن الواجب، بل من باب ما لا يجوز الإقدام على فعله، ومع ذلك لو فعله أجزأ عن الواجب. قال القرافى: المريض إذا كان يقدر على الصوم لكن مع مشقة عظيمة لا يخشى معها علي نفسه ولا عضو من أعضائه، فهذا يسقط عنه الخطاب بخصوص رمضان لأجل المشقة، ويبقى مخاطبا بأحد الشهرين إما شهر الأداء أو شهر القضاء، فإن كان يخشى على نفسه أو عضو من أعضائه أو منفعة من منافعه - يريد منافع العضو - فهذا يحرم عليه الصوم، ولا نقول انه يجب عليه

стр. 650

أحد الشهرين: الأداء أو القضاء، بل يتعين الأداء للتحريم والقضاء للوجوب إن بقى مستجمع الشرائط سالم الموانع فى زمان القضاء، فإن أقدم وصام وفعل المحرم فهل يجزئ عنه؟ قال الغزالى فى المستصفى: يحتمل عدم الأجزاء لأن المحرم لا يجزئ عن الواجب ويحتمل الإجزاء كالصلاة فى الدار المغصوبة فإنه متقرب إلى الله تعالى بترك شهوتى فمه وفرجه جان على نفسه كما أن المصلى فى الدار المغصوبة متقرب إلى الله بركوعه وسجوده وتعظيمه وإجلاله، جان على صاحب الدار، وهو تخريج حسن (١). ويقول الآمدى فى الإحكام عن الصلاة فى الدار المغصوبة التى وقع التنظير بها فى هذا الموضوع: إن إجماع سلف الأمة وهلم جرا منعقد على الكف عن أمر الظلمة بقضاء الصلوات المؤداة فى الدور المغصوبة مع كثرة وقوع ذلك منهم ولو لم تكن صحيحة مع وجوبها عليهم لبقى الوجوب مستمرا وامتنع على الأمة عدم الإنكار عادة وهو لازم على المعتزلة وأحمد بن حنبل وأهل الظاهر والزيدية الذين يقولون: إن الصلاة فى الدار المغصوبة غير واجبة ولا صحيحة ولا يسقط بها الفرض (٢). قد يجزئ الفعل الواحد عن واجب ومندوب ومن ذلك أن تحية المسجد بصلاة ركعتين عند دخوله سنة. مذهب الحنفية: ويقول الحنفية: إن آداء الفرض ينوب عنها بلا نية (٣). ونقل ابن عابدين عن الحلية أنه لو اشتغل داخل المسجد بالفريضة غير ناو للتحية قامت تلك الفريضة مقام التحية لحصول تعظيم المسجد (٤). ومن ذلك أيضا أنه يكفى عند الحنفية غسل واحد لعيد وجمعة اجتمعا مع جنابة وقد علق ابن عابدين على هذا بقوله: وكذا لو كان معهما كسوف واستسقاء وهذا كله إذا نوى ذلك ليحصل له ثواب الكل (٥). مذهب المالكية: ومثله قول المالكية: إذا نوى المكلف بالغسل رفع الجنابة والغسل المندوب للجمعة حصلا معا، وكذا لو نوى نيابة غسل الجنابة عن النفل بخلاف ما لو نوى نيابة النفل عن الجنابة فلا تكفى عن واحد منهما (٦). مذهب الشافعية: وقول الشافعية: إن نوى بغسله غسل الجنابة والجمعة حصلا جميعا على الصحيح (٧).

стр. 651

وقول الحنابلة: وإن اغتسل للجمعة والجنابة غسلا واحدا ونواهما أجزأه بغير خلاف علمناه لأنهما غسلان اجتمعا فأشبها غسل الحيض والجنابة، وإن اغتسل للجنابة ولم ينو غسل الجمعة ففيه وجهان: أحدهما لا يجزئه لقول النبى ﷺ : «وإنما لكل امرئ ما نوى». وروى عن ابن لأبى قتادة أنه دخل عليه يوم الجمعة مغتسلا فقال: للجمعة؟ قال: لا، ولكن للجنابة قال فأعد غسل الجمعة، والثانى يجزئه لأنه مغتسل فدخل فى عموم الحديث، يريد قوله ﷺ : من توضأ يوم الجمعة فيها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل» ونحوه، ولأن المقصود التنظيف وقد حصل (١) إلى غير ذلك. الأجزاء لا يستلزم الكمال قال فى حاشية كشف الأسرار للبزدوى: إن المأمور إذا أتى بالمأمور به على وجه الكراهية أو الحرمة يخرج من العهدة على القول الأصح كالحاج إذا طاف محدثا (٢). مذهب المالكية: ومن ذلك قول المالكية: وسن ركعتان بعد الغسل وقبل الإحرام وأجزأ عنهما الفرض وحصل به السنة وفاته الأفضل (٣). ويشترط المالكية فى حصى الرمى أن تكون الحصاة قدر الفولة أو النواة، ثم يقولون ولا يجزئ صغير جدا كالحمصة وكره كبير وأجزأ (٤). ويقول الحنفية فى باب الصلاة فى الكعبة: يصح فرض ونفل فيها وفوقها وإن كره الثانى أى الصلاة فوقها (٥). وقد أورد السيوطى الشافعى فى الأشباه والنظائر فروعا مما تجزئ فيه نية العبادة وتشريك غيرها معها مثل أن ينوى الضوء أو الغسل، وينوى مع ذلك التبرد بالماء ومثل أن ينوى الصوم لله تعالى وللحمية أو التداوى أو أن ينوى الطواف وملازمة غريمه الذى عليه دين له لكيلا يفلت منه، أو ينوى الصلاة لله تعالى مع دفع غريمه المطالب له. ثم قال السيوطى بعد أن بين آراء الشافعية فى صحة النية فى هذه الفروع وما صححوه من الصحة فى هذه الصور إنما هو بالنسبة إلى الإجزاء. وأما الثواب فصرح ابن الصباغ بعدم حصوله فى مسألة التبرد نقله ابن الخادم ولا شك أن مسألة الصلاة والطواف أولى بذلك (٦)، وعلى هذا كل ما جاء فى الفقه من الإجزاء مع الكراهة التنزيهية أو التحريمية أو مع حرمة الإقدام كصيام من يضر به الصوم ضررا بليغا على ما بينا من قبل أو كون الفعل خلاف الأولى أو الأفضل أو نحو ذلك.

стр. 652

أجلٌ المعنى اللغوى جاء فى المصباح: أجل الشئ مدته ووقته الذى يحل فيه، وهو مصدر أجل الشئ أجلا من باب تعب، وهو من باب قعد لغة، وأجلته تأجيلا من باب جعلت له أجلا. وجاء فى القاموس: الأجل محركة غاية الوقت فى الموت، وحلول الدين، ومدة الشئ. وجمعه آجال، والتأجيل تحديد الأجل واستأجلته فأجلنى إلى مدة. واستعمال الفقهاء للفظ أجل لا يخرج عن بعض الاستعمالات اللغوية، فإنه يدور فى اصطلاحاتهم بمعنى المدة، وبمعنى نهاية الوقت، وبمعنى حلول الدين، وهم يستعملون كلمة التأجيل أيضا بالمعنى اللغوى، وقد جاء الأجل فى القرآن بمعنى مدة العدة فى قول الله «وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ» (١). والمراد مدة تربصهن طوال مدة الحمل حتى تمام الوضع. وجاء بمعنى نهاية المدة المضروبة فى قوله تعالى: «إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى» (٢) وغير ذلك من المعانى التى بينتها اللغة. اشتراط العلم بالأجل والخلاف فيما يعتبر منه معلوما أو مجهولا اتفق الفقهاء على اشتراط العلم بالأجل فى العقود مع اختلاف فيما يكون به الأجل معلوما وإليك التفصيل فى المذاهب: مذهب الحنفية: قال الميرغينانى فى الهداية (٣) «ولا بد فى الأجل أن يكون معلوما لأن الجهالة فيه مانعة من التسليم الواجب بالعقد» وعلق البابرتى على ذلك بقوله (٤): لا بد أن يكون الأجل معلوما كى لا يفضى إلى ما يمنع الواجب بالعقد وهو التسليم والتسلم فربما يطلب البائع فى مدة قريبة والمشترى يؤخر إلى مدة بعيدة. وقال الكمال بن الهمام (٥) «ولأنه ﵊ فى موضع شرط الأجل وهو السلم أوجب التعيين حيث قال: من أسلف فى تمر فليسلف فى كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم وعلى ذلك انعقد الإجماع. وقال الكاسانى فى باب الإجارة (٦): يتحقق الأجل ببيان المدة سواء قصرت أو طالت من يوم أو شهر أو سنة أو أكثر من ذلك بعد أن تكون المدة معلومة، سواء عين اليوم أو الشهر أو السنة أو لم يعين، ويتعين الزمان الذى يعقب العقد لثبوت حكمه، ولا يلزم التعيين صراحة لأن التعيين قد يكون نصا وقد يكون دلالة. وفى مثل قولنا يوم أو شهر أو سنة وجدت دلالة التعيين من وجهين: أحدهما أن الإنسان إنما يعقد الإجارة للحاجة، والحاجة عقيب العقد قائمة، والثانى: أن العقد يقصد بعقده الصحة ولا صحة لهذا العقد إلا بالصرف إلى الشهر الذى يعقب العقد

стр. 653

فيتعين. فإن وقع العقد فى غرة الشهر يقع على الأهلة بلا خلاف عند الأحناف حتى لو نقص الشهر يوما فى عقد إجارة مثلا كان عليه كمال الأجرة لأن الشهر اسم للهلال، وإن وقع بعد ما مضى بعض الشهر. ففى إجارة الشهر يقع على ثلاثين يوما بالإجماع لتعذر اعتبار الأهلة فتعتبر بالأيام، وفى إجارة الشهور هناك روايتان عن أبى حنيفة إحداهما اعتبار الشهور كلها بالأيام، والثانية اعتبار تكميل الشهر الأول بالأيام من الشهر الأخير والباقى بالأهلة». ثم قال الكاسانى نقلا عن الأصل: أنه إذا استأجر سنة أولها هذا اليوم وهو لأربعة عشر من الشهر - أى بقين - فإنه يسكن بقية هذا الشهر وأحد عشر شهرا بالأهلة وستة عشر يوما من الشهر الأخير. وقال الكاسانى: وهذا الأخير هو قول أبى يوسف ومحمد، ووجهه أن اسم الشهور للأهلة إذ الشهر اسم للهلال لغة إلا أنه لا يمكن اعتبار الأهلة فى الشهر الأول فاعتبر فيه الأيام ويمكن فيما بعده فيعمل بالأصل. ووجه الرواية الأولى أن الشهر الأول يكمل بالأيام بلا خلاف، وإنما تكمل الأيام من الشهر التالى، فإذا أكمل منه يصير أوله بالأيام فيكمل من الذى يليه وهكذا. وجاء فى التنوير وشرحه (١): «أن ابتداء الأجل فى البيع من وقت التسليم - إذا لم يكن هناك خيار. ولو كان فيه خيار فمن وقت سقوط الخيار عند أبى حنيفة، وعلق ابن عابدين على ذلك بقوله: لأن ذلك وقت استقرار البيع. وجاء فى التنوير وشرحه وحاشية ابن عابدين (٢): لا يصح البيع بثمن مؤجل إلى مجهول كى لا يفضى ذلك إلى النزاع. وقال ابن عابدين: إن من جهالة الأجل ما إذا باعه بألف على أن يؤدى الثمن إليه فى بلد آخر ولو قال: إلى شهر على أن يؤدى الثمن فى بلد آخر جاز بألف الفى شهر ويبطل الشرط، ومنها اشتراط أن يعطيه الثمن مفرقا أو كل أسبوع البعض فإن لم يشترط فى البيع بل ذكر بعده لم يفسد. وجاء فى موضع آخر (٣): لا يصح البيع بثمن مؤجل إلى النيروز. وهو أول يوم من الربيع. ولا إلى يوم المهرجان أول يوم من الخريف. ولا صوم النصارى أو اليهود وفطرهم إذا لم يدر شيئا من ذلك المتعاقدان فلو عرفه جاز بخلاف فطر النصارى بعد ما شرعوا فى صومهم للعلم به، ولا يصح التأجيل إلى قدوم الحاج والحصاد للزرع والدياس للحب والقطاف للعنب لأنها تتقدم وتتأخر، ولو باع مطلقا عن الآجال ثم أجل الثمن إليها صح التأجيل. وعلق ابن عابدين على ذلك بأنه يفيد أن ما ذكره من الفساد بهذه الآجال إنما هو إذا ذكرت فى أصل العقد بخلاف ما إذا ذكرت بعده كما لو ألحقا بعد العقد شرطا فاسدا، وجاء فى موضع آخر (٤) أن الآجال على ضربين: معلومة ومجهولة. والمجهولة على ضربين: متقاربة كالحصاد ومتفاوته كهبوب الريح فالثمن العين يفسد

стр. 654

بالتأجيل ولو معلوما والدين لا يجوز لمجهول لكن لو جهالة متقاربة وأبطله المشترى قبل محله وقبل فسخه للفساد انقلب جائزا لا لو بعد مضيه. أما لو متفاوتة وأبطله المشترى قبل التفرق انقلب جائزا ثم قال: ونقل الحصكفى فى موضع آخر عن البعض أن إبطاله فى التفرق شرط فى المجهول جهالة متقاربة كالحصاد وعلق على ذلك بأنه خطأ. وفى الهداية وشروحها (١): لا يجوز السلم إلا بأجل معلوم لقوله ﵇ «من أسلف .. الحديث» ولأن الجهالة فى الأجل مفضية إلى المنازعة فهذا يطالبه فى مدة قريبة وذلك يؤديه فى بعيدها. مذهب المالكية: قال خليل والدردير فى باب السلم (٢): «يشترط أن يكون الأجل بمعلوم للمتعاقدين ولو حكما كمن لهم عادة بوقت القبض» وعلق الدسوقى على ذلك بقوله: يشترط فى الأجل أن يكون معلوما ليعلم منه الوقت الذى يقع فيه قضاء المسلم فيه ومثل خليل والدردير للأجل المعلوم بالنيروز والحصاد والدراس وقدوم الحاج والصيف والشتاء. وقال الدردير: إن فى ذلك إشارة إلى أن الأيام المعلومة كالمنصوصة وعلق الدسوقى على ذلك بقوله: إن الأيام المعلومة للمتعاقدين كالمنصوصة، والأيام المعلومة مثل خذ هذا الدينار سلما على إردب قمح إلى النيروز أو إلى عاشوراء أو لعيد الفطر أو لعيد الأضحى أو لمولد النبى ﷺ ، والحال أنهما يعلمان أن النيروز أول يوم من شهر توت وأن عاشوراء عاشر يوم من شهر المحرم، وأن مولد النبى ﷺ ثانى عشر ربيع الأول وهكذا. والمنصوصة كخذ هذا الدينار سلما فى أردب قمح إلى أول شهر رجب أو آخذه منك بعد عشرين يوما. ثم قال خليل والدردير (٣): إن الأشهر إذا ضربت أجلا تحسب بالأهلة إن وقع العقد فى أولها فإن وقع فى أثناء شهر من ثلاثة مثلا حسب الثانى والثالث بالهلال وتمم الأول المنكسر بثلاثين يوما من الرابع، وهذا يوافق الرواية الثانية التى نقلناها عن أبى حنيفة. ويقولان أيضا (٤). وجاز عدم بيان الابتداء لمكتر شهر أو سنة مثلا من غير ذكر مبدأ، وحمل من حين العقد وجيبة - أى مدة محدودة - أو مشاهرة، فإن وقع على شهر فى أثنائه فثلاثون يوما من يوم العقد، وجاز الكراء مشاهرة وهو عبارة عما عبر فيه بكلمة كل. نحو كل شهر بكذا أو كل يوم أو كل جمعة أو كل سنة. ثم قال الدردير (٥): فإن بين المبدأ، وإلا فمن يوم العقد. وقال خليل والدردير: ويجوز أن يقول هذا الشهر أو هذه السنة أو شهرا بالتنكير، أو إلى شهر كذا أو إلى سنة كذا أو إلى يوم كذا كل ذلك وجيبة تلزم بالعقد نقد أو لم ينقد ما لم يشترطا أو أحدهما الحل عن نفسه متى شاء.

стр. 655

وعلق الدسوقى على قول الدردير «فإن وقع العقد على شهر. إلخ» فقال: إن وقع العقد على شهر وكان العقد فى أول الشهر لزمه كله على ما هو عليه من نقص أو تمام، وكذا السنة إذا وقع العقد عليها فإن كان فى أول يوم منها لزمه اثنا عشر شهرا بالأهلة وإن كان بعد ما مضى من السنة أيام لزمه أحد عشر شهرا بالأهلة وشهر ثلاثون يوما وقال الدسوقى فى التعليق على اشتراط العلم بالأجل فى باب السلم (١) إن الأجل المجهول لا يجوز للغرر. وقال الدردير: لا يجوز التأجيل فى السلم إلى ما لا يجوز التأجيل فى البيع إليه. ومثل لذلك الدسوقى بمدة التعمير وقال: إن تأجيل الثمن أو المثمن إليها مفسد للعقد. مذهب الشافعية: يقول الشافعى رضى الله عنه فى الآجال فى السلف والبيوع (٢): إن قول الرسول ﷺ «من سلف فيسلف فى كيل معلوم وأجل معلوم» يدل على أن الآجال لا محل لها إلا أن تكون معلومة، وكذلك قال الله جل شأنه «إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى». فلهذا اشترط الشافعية كغيرهم كون الأجل معلوما. جاء فى المنهاج وشرحه (٣) يشترط العلم بالأجل. فلو لم يكن معلوما لم يصح ويدخل فى العلم ما إذا قال: إلى أول رمضان أو إلى آخره على الصحيح. قال الشارح: وقد سوى الشيخ أبو حامد بين التأجيل إلى رمضان أو إلى غرته أو إلى هلاله أو إلى أوله فإن قال إلى أول يوم من الشهر حل بأول جزء من أول اليوم وقال (٤): لا يصح السلم مع جهالة الأجل كالسلم إلى الحصاد واليسرة - أى وقت يسار الناس عادة - وقدوم الحاج وطلوع الشمس. أى ظهور ضوئها لأن الضوء قد يستره الغيم. ولم يريدا وقتهما المعين، ونحو أول رمضان أو أخره لوقوعه على نصفه الأول أو الآخر كله. ونقل عن الإمام البغوى أن ذلك ينبغى أن يصح ويحمل على الجزء الأول من كل نصف وقال السبكى: إنه الصحيح، ونقله الأوزاعى وغيره عن نص الأم وقال: إنه الأصح نقلا ودليلا وقال الزركشى إنه المذهب. ثم قال صاحب شرح المنهاج. ولو أجل بقوله فى رمضان لا يصح لأنه جعل جميعه ظرفا فكأنهما قالا يحل فى جزء من أجزائه وهو مجهول. ويقول قليوبى (٥) الأجل بالنيروز صحيح وهو نزول الشمس أول برج الميزان وهو نصف شهر توت القبطى والمشهور الآن أنه أوله، وكذا بالصليب وهو سابع عشر شهر توت، وبالمهرجان وهو نزول الشمس أول برج الحمل وهو نصف شهر برمهات وقال فى حاشية قليوبى (٦): لا يجوز بفصح النصارى ولا بفطير اليهود - وهما عيدان لهما - كما نص عليه الشافعى رضى الله عنه لاختلاف وقتيهما. وقال بعضهم ولعل ذلك كان فى زمنه وإلا فهما الآن فى زمن

стр. 656

معين عندهم. ونرد بأن وقتهما قد يتقدم ويتأخر كما يعرفه من له إلمام بحساب القبط. وقد رجعنا إلى كتاب الأم للشافعى فى هذا فإذا هو يقول (١): ولا يصلح بيع إلى العطاء ولا حصاد ولا جداد ولا عيد النصارى وهذا غير معلوم لأن الله حتم أن تكون المواقيت بالأهلة فيما وقت لأهل الاسلام. فقال جل ثناؤه «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ.﴾. الآية (٢)»، وساق جملة آيات ثم قال: فأعلم الله بالأهلة جمل المواقيت والأهلة مواقيت الأيام ولم يجعل علما لأهل الإسلام إلا بها فمن أعلم بغيرها فبغير ما أعلم الله. وقال: ولو لم يكن هذا هكذا ما كان من الجائز أن تكون العلامة بالحصاد والجداد بخلافه. وخلافه قول الله «أَجَلٍ مُسَمًّى» والأجل المسمى ما لا يختلف، والعلم يحيط أن الحصاد والجداد يتقدمان ويتأخران بقدر عطش الأرض وريها وبقدر برد الأرض والسنة وحرها، ولم يجعل الله فيما استأخر أجلا إلا معلوما. والعطاء موكول إلى السلطان يتأخر ويتقدم، وفصح النصارى عندنا يخالف خساب الإسلام ويخالف ما أعلم الله به فلو أجزناه إليه أجزناه على أمر مجهول فكره لأنه مجهول وأنه خلاف ما أمر به الله ورسوله أن يتأجل فيه ولم يجز فيه إلا قول النصارى على حساب يقيسون فيه أياما فكنا إنما أعلمنا فى ديننا بشهادة النصارى الذين لا نجيز شهادتهم على شئ وهذا عندنا غير حلال لأحد من المسلمين، ثم أيد ذلك بما رواه عكرمة عن ابن عباس أنه قال: لا تبيعوا إلى العطاء ولا إلى الأندر - أى البيدر وهو موضع دراس القمح - ولا إلى الدياس. ثم قال: إن رجلا لو باع إلى العطاء أو الجداد أو الحصاد كان فاسدا وجاء فى المنهاج وشرحه (٣): إن أطلق المتعاقدان فى السلم الشهر حمل على الهلالى وهو ما بين الهلالين وإن اضطرد عرفهم بغير ذلك إذ هو عرف الشرع، وقيده الأوزاعى كما فى حاشية الرشيدى بما إذا لم يجر العرف بخلافه. والذى فى حاشية قليوبى .. إلخ.» أنه إن أطلق الشهر حمل على الهلالى، وإن خالف عرف العاقدين ثم قال صاحب المنهاج وشارحه هذا إن عقد أول الشهر فإن انكسر شهر بأن وقع العقد فى أثنائه وكان التأجيل بشهور حسب الباقى بعد الأول بالأهلة وتمم الأول ثلاثين يوما ولا يلغى المنكسر لئلا يتأخر ابتداء الأجل عن العقد. نعم لو عقدا فى يوم أو ليلة آخر الشهر اكتفى فى الأشهر بعده بالأهلة وإن نقص بعضها ولا يتمم الأول مما بعدها لأنها مضت عربية كوامل هذا إن نقص الشهر الأخير وإلا لم يشترط انسلاخه بل يتمم منه المنكسر ثلاثين يوما لتعذر اعتبار الهلال فيه حينئذ. وعلق الشبراملسى على قول الرملى فى شرح المنهاج «هذا ان نقص الشهر الأخير

стр. 657

بأن الإشارة بكلمة هذا ترجع إلى الاكتفاء بالأهلة بعد يوم العقد، ومفاد ذلك أنهم يقولون بأنه إذا عقد المتعاقدان فى يوم أو ليلة أخر الشهر لا يكتفى بالأشهر بعده إلا إذا كان الشهر الأخير ناقصا فإن لم يكن ناقصا يتمم منه المنكسر ثلاثين يوما تحسب بالأيام بالنسبة للشهر الذى وقع العقد فى أخر يوم أو ليلة منه. مذهب الحنابلة: يقول ابن قدامة (١): لا بد من كون الأجل معلوما، لقوله تعالى: «إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى»، وقول النبى ﷺ : «إلى أجل معلوم». ولا نعلم فى اشتراط العلم فى الجملة اختلافا. فأما كيفيته فإنه يحتاج أن يعلم بزمان بعينه لا يختلف. ثم قال (٢): إذا جعل الأجل إلى شهر تعلق بأوله وإن جعل الأجل اسما يتناول شيئين كجمادى وربيع ويوم النفر تعلق بأولهما، وإن قال: إلى ثلاثة أشهر انصرف إلى انقضائها لأنه إذا ذكر ثلاثة أشهر مبهمة وجب أن يكون ابتداؤها من حين لفظه بها، وكذا لو قال إلى شهر كان الأجل إلى أخره وينصرف ذلك إلى الأشهر الهلالية بدليل قوله تعالى: «إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ (٣)» وأراد الهلالية، وإن كان فى أثناء شهر كانا شهرين بالهلال وشهرا بالعدد ثلاثين يوما، وقيل تكون الثلاثة كلها عددية وإن قال محل الأجل شهر كذا أو يوم كذا صح وتعلق بأوله. ثم قال (٤) كون الأجل معلوما بالأهلة أمر لا خلاف فى صحة التأجيل به وذلك نحو أول الشهر أو وسطه أو أخره أو يوم معلوم منه لقوله تعالى: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجِّ» ولو أسلم إلى عيد الفطر أو النحر أو يوم عرفة أو عاشوراء أو نحوها جاز لأنه معلوم بالأهلة. قال وإن جعل الأجل مقدرا بغير الشهور الهلالية فذلك قسمان: أحدهما ما يعرفه المسلمون وهو بينهم مشهور مثل كانون وشباط، أو عيد لا يختلف كالنيروز والمهرجان عند من يعرفهما فظاهر كلام الخرقى وابن أبى موسى أنه لا يصح لأنه أجل إلى غير الشهور الهلالية أشبه ما إذا أجل إلى الشعانين - عيد الأحد الذى قبل الفصح - وعيد الفطير ولأن هذه لا يعرفها كثير من المسلمين، وقال القاضى: يصح. والقسم الثانى ما لا يعرفه المسلمون كعيد الشعانين وعيد الفطير فهذا لا يجوز التأجيل إليه لأن المسلمين لا يعرفونه ولا يجوز تقليد أهل الذمة فيه لأن قولهم غير مقبول ولأنهم يقدمونه ويؤخرونه على حساب لهم وان أجل الى ما لا يختلف مثل كانون الأول ولا يعرف المتعاقدان أو أحدهما لم يصح لأنه مجهول عنده. وقال: ولا يصح أن يؤجله إلى الحصاد والجداد وما أشبهه وكذلك قال ابن عباس وابن المنذر وأبو حنيفة والشافعى وعن أحمد رواية أخرى أنه قال: أرجو ألا يكون به بأس وبه قال مالك وأبو ثور وعن

стр. 658

ابن عمر أنه كان يبتاع إلى العطاء وبه قال ابن أبى ليلى. وقال أحمد: ان كان شئ يعرف فأرجو. وكذلك إن قال: إلى قدوم الغزاة وهذا محمول على أنه أراد وقت العطاء لأن ذلك معلوم فأما نفس العطاء فهو فى نفسه مجهول يختلف ويتقدم ويتأخر ويحتمل أنه أراد نفس العطاء لكونه يتفاوت أيضا فأشبه الحصاد واستدل لما رجحه من عدم جواز التأجيل إلى الحصاد ونحوه بما روى عن ابن عباس أنه قال: لا تبايعوا إلى الحصاد والدياس ولا تبايعوا إلا إلى شهر معلوم، ولأن ذلك يختلف ويقرب ويبعد فلا يجوز أن يكون أجلا كقدوم زيد. وقال إن حديث عائشة أن رسول الله ﷺ بعث إلى يهودى أن ابعث لى بثوبين إلى الميسرة رواه حرمى بن عمارة وفيه غفلة فربما كان هذا الحديث من غفلاته إذ لم يتابع عليه. على أنه لا خلاف فى أنه لو جعل الأجل إلى الميسرة لم يصح. وقال فى باب الإجارة (١): إن الإجارة إذا وقعت على مدة يجب أن تكون معلومة .. فإن قدر المدة بسنة مطلقة حمل على سنة الأهلة لأنها المعهودة فى الشرع. قال الله تعالى «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ الآية» فوجب أن يحمل العقد عليه فإن شرط هلالية كان تأكيدا، وإن قال عددية أو سنة بالأيام كان له ثلثمائة وستون يوما لأن الشهر العددى يكون ثلاثين يوما وإن استأجر سنة هلالية عد اثنى عشر شهرا بالأهلة سواء كان الشهر تاما أو ناقصا لأن الشهر الهلالى ما بين الهلالين ينقص مرة ويزيد أخرى قال: وإن كان العقد فى أثناء شهر عد ما بقى من الشهر وعد بعده أحد عشر شهرا بالهلال ثم كمل الشهر الأول بالعدد ثلاثين يوما لأنه تعذر إتمامه بالهلال فتممناه بالعدد وأمكن استيفاء ما عداه بالهلال فوجب ذلك لأنه الأصل. وحكى عن أحمد رواية أخرى أنه يستوفى الجميع بالعدد فوجب استيفاء جميعها به كما لو كانت المدة شهرا واحدا ولأن الشهر الأول ينبغى أن يكمل من الشهر الذى يليه فيحصل ابتداء الشهر الثانى فى أثنائه فكذلك كل شهر يأتى بعده. وهكذا إن كان العقد على أشهر دون السنة وإن جعلا السنة رومية أو شمسية أو فارسية أو قبطية وكانا يعلمان ذلك جاز. مذهب الظاهرية: يقول ابن حزم الظاهرى (٢): إنما يجوز الأجل إلى ما لا يتأخر ساعة ولا يتقدم كالشهور العربية والعجمية وكطلوع الشمس وغروبها وطلوع كوكب مسمى أو غروبه فكل هذه محدود الوقت عند من يعرفها قال تعالى: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ الآية» واستدل بعموم قوله تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى» على أن الأجل يعم كل محدود وهذا قول الحسن بن حى وأبى سليمان وأصحابنا .. واستثنى ابن حزم من اشتراط تحديد الأجل، الأجل إلى الميسرة، وقال (٣) إنه حق النص فى ذلك ولأنه حكم الله تعالى فى كل من لا يجد أداء دينه. ويقول (٤):

стр. 659

لا يجوز البيع إلى أجل مجهول كالحصاد والجداد والعطاء والزريعة - وقت الزرع - والعصير وما أشبه هذا وهو قول أبى سليمان لأن كل ذلك يتقدم بالأيام ويتأخر. والحصاد والجداد يتأخران أياما إن كان المطر متواترا ويتقدمان بحر الهواء وعم المطر، وكذلك العصير، وأما الزريعة فتتأخر شهرين أو أكثر لعدم المطر، وأما العطاء فقد ينقطع جملة. فكل ذلك شرط ليس فى كتاب الله فهو باطل. ثم قال: ولا يجوز الأجل إلى صوم النصارى أو اليهود أو فطرهم ولا إلى عيد من أعيادهم لأنها من زينتهم ولعلهم سيبدو لهم فيها فهذا ممكن. وأيد ذلك (١) بما روى عكرمة عن ابن عباس لا يسلم إلى عصير ولا إلى العطاء ولا إلى الأندر، وعن سعيد ابن جبير لا تبع إلى الحصاد ولا إلى الجداد ولا إلى الدراس ولكن سم شهرا وبسنده إلى ابن سيرين أنه سئل عن البيع إلى العطاء فقال: لا أدرى ما هو وعن منصور بن إبراهيم أنه كره الشراء إلى العطاء والحصاد ولكن يسمى شهرا، وبسنده إلى الحكم أنه كره البيع إلى العطاء ثم قال: هو قول سالم بن عبد الله بن عمر وعطاء. وأطال قبل ذلك فى مناقشة المخالفين له. مذهب الزيدية: قال صاحب البحر الزخار فى باب السلم (٢): يجب كون الأجل معلوما ويصح تقييده بالشهر الرومى والعربى والأيام المشهورة كالعيدين والنفرين - النفر إلى منى وإلى عرفة - ويوم عاشوراء لتعيينها، فإن أطلق العيد أو ربيع أو جمادى تعين الأول، وإن عين النيروز أو المهرجان أو عيد اليهود أو فطير اليهود أو فصح النصارى والشعانين صح أن عرفها المسلمون لا اليهود وحدهم إذ لا يوثق بقولهم وقال الإمام يحيى: لو قال أسلمت إليك إلى رأس الشهر لم يصح إذ لا يعلم أى يوم يطالبه ونقل عنه أنه لو قال: أجلتك إلى شهر تدفع كل أسبوع رطلا صح لأن ما جاز إلى أجل جاز إلى أجلين وآجال قال صاحب البحر بل المذهب فى ذلك أن له إلى أخر اليوم المطلق، ورأس شهر هو فيه لأخره وإلا فللشروق فى أول يوم فيه. ثم قال: ولو أجله خمسة أشهر تعينت القمرية إذ هى المعهودة فى الشرع لقوله تعالى: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ الآية» ويعتبر بالأهلة لا بالعدد إلا حيث دخل بعض الشهر اعتبر بالعدد وما بعده بالأهلة لقوله ﷺ : « .. فإن غم عليكم فأكملوا عدته ثلاثين يوما» ونقل عن العترة وغيرهم أنه لا يصح التأجيل إلى الحصاد ونحوه للجهالة بدليل قول النبى ﷺ : «لا تبايعوا إلى الحصاد والدياس ولا تبايعوا إلا إلى أجل معلوم» ونقل عن الهادى أيضا أنه لا يصح إلى قدوم غائب ونحوه للجهالة ويصح إلى وقت العطاء إن كان معلوما. مذهب الإمامية: قال صاحب الروضة (٣): لا يناط الأجل بما يحتمل الزيادة والنقصان، كقدوم

стр. 660

الحاج أو إدراك الغلة، ولا بالمشترك بين أمرين أو أمور حيث لا مخصص لأحدهما كنفرهم من منى فانه مشترك بين أمرين، وشهر ربيع المشترك بين شهرين فيبطل العقد بذلك، ومثل التأجيل إلى يوم معين من الأسبوع كالخميس، وقيل يصح ويحمل على الأول فى الجميع لتعليقه الأجل على اسم معين وهو يتحقق بالأول لكن يعتبر علمهما بذلك قبل العقد ليتوجه قصدهما إلى أجل مضبوط فلا يكفى ثبوت ذلك شرعا مع جهلهما أو أحدهما به، ومع القصد لا إشكال فى الصحة وإن لم يكن الإطلاق محمولا عليه ويحتمل الاكتفاء فى الصحة بما يقتضيه الشرع فى ذلك قصداه أم لا. نظرا إلى كون الأجل الذى عيناه مضبوطا فى نفسه شرعا، وإطلاق اللفظ منزل على الحقيقة الشرعية. وقال (١) فى موضع آخر من باب السلف: الشهور يحمل إطلاقها على الهلالية مع إمكانه كما إذا وقع العقد فى أول الشهر ولو وقع فى أثنائه ففى عده هلاليا يجبره بمقدار ما مضى منه أو إكماله ثلاثين يوما أو انكسار الجميع لو كان معه غيره أقوال: وعدها ثلاثين يوما أوجه. مذهب الإباضية: جاء فى النيل وشرحه (٢): فسد كل بيع أجل لغير وقت منضبط، لا لمنضبط كحصاد وجداد ودوس وقدوم الأعراب أو المسافرين أو الحاج، وخروج إلى بلد كذا، ووصول إلى البيت أو السوق والأخذ والعطاء والرزق عند الأكثر. وقيل يجوز إلى الأجل المجهول على ما أسسا عليه البيع كما فى المنهاج، وقيل: إنه إن باع إلى خروج المشترى إلى بلد كذا أو إلى أن يصل إلى البيت أو السوق أو نحو ذلك فسد بالجهل وعدم العلم أيخرج أم لا ويصل أم لا. ثم قال: وأجاز ابن محبوب البيع إلى أيام وهى ثلاثة وكذا السلف لا إلى الأيام، وقيل بالجواز على أنها لسبعة، وفى التأجيل إلى القيظ والصيف والربيع والخريف والشتاء خلاف قيل يثبت الا اذا تقضاه وقيل لا يثبت الأجل إلا أن أتماه، وإن أراد الفصول بالحساب الذى يذكر بالفلك جاز قطعا وإن قال إلى شهر كذا فأوله، وإن قال إلى ربيع أو جمادى فالتأجيل ضعيف لأنهما ربيعان وجماديان ولهما النقض والصحيح فساده إلا إن قصدا معينا جاز قطعا. ثم قال: ويجوز الأجل بالسنة العجمية وشهورها على التحقيق وزعم بعض أنه لا يجوز وأصح الآجال الأهلة لقوله تعالى «هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ». اختلاف المتعاقدين فى الأجل مذهب الحنفية: يقول الحصكفى فى الدر المختار وابن عابدين فى حاشيته (٣): لو اختلفا فى الأجل فالقول لنافيه وهو البائع، لأن الأصل

стр. 661

الحلول الا فى السلم، فان القول لمثبته لأن نافيه يدعى فساده فقد شرط صحته وهو التأجيل، ومدعيه يدعى صحته بوجوده والقول لمدعى الصحة والفتوى على ذلك. ولو اختلفا فى قدر الأجل فلمدعى الأقل إنكار الزيادة، والبينة فيهما أى فى المسألتين للمشترى لأنه يثبت خلاف الظاهر والبيانات للإثبات ولو اختلفا فى مضى الأجل فالقول والبينة للمشترى لأنهما لما اتفقا على الأجل فالأصل بقاؤه فكان القول للمشترى فى عدم مضيه ولأنه منكر توجه المطالبة. وقد أورد صاحب تنوير الأبصار وشارحه فى باب السلم فروعا (١) يختص منها الاختلاف فى أجل السلم بقوله: وإن اختلفا فى التأجيل فالقول لمدعى التأجيل، والأصل أن من خرج كلامه تعنتا فالقول لصاحبه بالاتفاق وعلق ابن عابدين على ذلك فقال: إن التعنت أن ينكر ما ينفعه. فلو قال رب السلم كان له أجل وأنكر المسلم إليه فهو متعنت فى إنكاره حقا له وهو الأجل كما فى الهداية. وقال الحصكفى فى الدر: وإن خرج كلامه خصومة ووقع الاتفاق على عقد واحد فالقول لمدعى الصحة عند الصاحبين وعند الإمام للمنكر. وفسر ابن عابدين عبارة «وإن خرج خصومة» فقال بأن أنكر ما يضره كعكس التصوير فى المسألة السابقة أى قال المسلم إليه كان التعاقد على الأجل وأنكر رب السلم ذلك. وقد رجعنا إلى الهداية (٢) فوجدنا عبارة الميرغينانى فى السلم بخاصة: ولو قال بل كان له أجل. فالقول قول رب السلم المسلم إليه لم يكن له أجل وقال رب السلم لأن المسلم إليه متعنت فى إنكاره حقا له وهو الأجل، والفساد لعدم الأجل غير متيقن فكان الاجتهاد فلا يعتبر النفع فى رد رأس المال بخلاف عدم الوصف وفى عكسه وهو أن يدعى المسلم إليه الأجل ورب السلم ينكره كما فى الفتح. القول لرب السلم عندهما لأنه ينكر حقا له عليه فيكون القول قوله. مذهب المالكية: قال خليل والدردير (٣): لو اختلفا فى قدر الأجل كبعت لشهر، وقال المشترى لشهرين، حلفا وفسخ إن كانت السلعة قائمة على المشهور، ومحل الفسخ إن حكم به الحاكم أو تراضيا عليه ثم تعود السلعة على ملك البائع ظالما أو مظلوما ويكون الفسخ ظاهرا أى عند الناس وباطنا

стр. 662

- أى عند الله تعالى - وصدق المشترى إن ادعى الأشبه - أى الأقرب إلى ما عليه التعامل - وإن انفرد البائع بالشبه فالقول قوله بيمينه فمحل التحالف ان لم يدعى أحدهما الأشبه، وفى حالة التحالف يبدأ البائع بالحلف (١). ثم قال بعد ذلك (٢): إذا اختلف المتبايعان فى انتهاء الأجل مع اتفاقهما عليه كأن يقول البائع هو شهر وأوله هلال رمضان وقد انتقض فيقول المشترى بل أوله نصف رمضان فالانتهاء فى نصف شوال فالقول عند الانتهاء - وهو هنا المشترى - بيمينه لأن الأصل بقاؤه - إن أشبه، سواء أشبه غيره أم لا - فإن أشبه غيره فقط فالقول قوله بيمينه فإن لم يشبه أيضا حلف وفسخ العقد فإن كانت السلعة قائمة ردت للبائع وإن فاتت ردت قيمتها ويقضى للحالف على الناكل. وأما إن اختلفا فى أصل الأجل فإنه يعمل بالعرف بيمينين فإن لم يكن عرف تحالفا وتفاسخا إن كانت السلعة قائمة وإلا صدق المشترى بيمينه إن ادعى أجلا قريبا لا يتهم فيه، وإلا فالقول للبائع إن حلف. مذهب الشافعية: جاء فى المنهاج وشرحه (٣): إذا اتفق المتبايعان على صحة البيع ثم اختلفا فى أصل الأجل بأن أثبت المشترى الأجل ونفاه البائع، أو اختلفا فى قدره كشهر أو شهرين ولا بيتة لأحدهما يعول عليها. فإن كانت لهما بينة لا يعول عليها بأن أقام كل بينة وتعارضتا لإطلاقهما عن التاريخ أو إطلاق أحدهما فقط أو لكونهما أرخا بتاريخين مختلفين فإنهما يتحالفان فى هذه الصور لخبر مسلم «اليمين على المدعى» وكل منهما مدع ومدعى عليه. قال الرملى (٤) فيحلف كل منهما على نفى قول صاحبه وإثبات قوله لما مر من أن كلا مدع ومدعى عليه فينفى ما ينكره ويثبت ما يدعيه هو. مذهب الحنابلة: يقول ابن قدامة (٥): وإن اختلفا فى أصل الأجل أو قدره أو نحو ذلك ففيه روايتان، إحداهما يتحالفان وهو قول الشافعى لأنهما اختلفا فى صفة العقد فوجب أن يتحالفا قياسا على الاختلاف فى الثمن والثانية القول قول من ينفى ذلك مع يمينه

стр. 663

وهو قول أبى حنيفة لأن الأصل عدمه فالقول قول من ينفيه كأصل العقد لأنه منكر والقول قول المنكر. وقال ابن قدامة فى باب السلم (١): إذا اختلف المسلم والمسلم إليه فى حلول الأجل فالقول قول المسلم إليه لأنه منكر. مذهب الزيدية: ينقل صاحب البحر (٢) عن الهادى وأبى طالب أن المتبايعين إذا اختلفا فى قدر المسلم فيه أو أجله تحالفا وبطل إذ كل مدع لقوله ﷺ «إذا اختلف المتبايعان تحالفا وترادا البيع» فإن بينا فبينة المسلم: ثم قال: المذهب أن القول للمسلم إليه فى عدة مسائل منها عدم اقتضاء الأجل إذ هو الظاهر ويقول صاحب البحر فى موضوع الكتابة (٣) إن المذهب وهو قول الإمام يحيى أن القول للعبد فى قدر المال وأجله وتنجيمه إذ الظاهر البراءة فى ذلك كله. مذهب الإباضية: جاء فى النيل وشرحه (٤): إن اختلف الأجير والمستأجر، أو المكرى والمكترى فى المدة، فالقول فيها قول الأجير والمكرى، فعلى مدعى الزيادة فيها وهو المكترى والمستأجر غالبا بيان الزيادة وكذا لو ادعاها الأجير والمكرى وذلك مثل أن يقول الأجير مدة الكراء نصف سنة ويقول المستأجر سنة فعلى المستأجر البينة، وكذا لو قال الأجير مدة الكراء سنة وقال المستأجر نصف سنة لداع إلى ذلك كيمين أو إرادة رفق على الأجير أو إرادة زيادة خير للمستأجر فعلى الأجير بيان الزيادة، وذلك لأن المدعى لزيادة المدة يدعى شيئا بعد ما اتفقا على ما قبله فلا يقبل بلا بيان ولا سيما إن كانت نفعا له فى العمل وكذا إن اتفقا على المدة واختلفا فى انقضائها مثل أن يقولا إنها شهر ولم يكن البدء من أول الشهر بل حسب الأيام لكن اختلفا هل استهل ليلة كذا فينسلخ ليلة كذا فالقول قول من لم يدع الانقضاء وكذا لو كان عدم الانقضاء مضرة عليه كالمكرى والأجير وذلك لأن الذمة شغلت بالمدة فلا تقبل البراءة منها بادعاء الانقضاء بلا بيان ثم قال وأصل ذلك حرمة أموال الناس وأبدانهم إلا ما أجاز إليه صاحبهما فمن أنكر منهما كان القول قوله وحلف. حكم الأجل الأجل يكون جائزا فى بعض العقود كالتأجيل بالنسبة لثمن المبيع ويكون واجبا فى بعضها كخيار الشرط كما هو مقتضى ماهيته وكالسلم خلافا لبعض الفقهاء كالشافعية. ويكون ممنوعا فى بعضها كالصرف وبيع الربويات على تفصيل فى المذاهب. مذهب الحنفية: مما يجوز التأجيل فيه عندهم البيع. جاء فى الهداية وشروحها (٥): يجوز

стр. 664

البيع بثمن حال ومؤجل إذا كان الأجل معلوما للإطلاق فى قول الله تعالى «وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا» ولما رواه البخارى عن السيدة عائشة رضى الله عنها قالت: إن الرسول ﷺ «اشترى طعاما نسيئة من يهودى إلى أجل ورهنه درعا له من حديد» ومما يجوز التأجيل فيه رأس مال السلم عند الإقالة وكذا القرض يقول ابن عابدين (١) إن القرض يصح تأجيله مع كونه غير لازم لكن قال فى الهداية إن تأجيله لا يصح لأنه إعارة وصلة فى الابتداء حتى يصح بلفظ الإعارة ولا يملكه من لا يملك التبرع وهو معاوضة فى الانتهاء فعلى اعتبار الابتداء لا يلزم التأجيل فيه كما فى الإعارة إذ لا جبر فى التبرع وعلى اعتبار الانتهاء لا يصح لأنه يصير بيع الدراهم بالدراهم نسيئة وهو ربا، قال ابن عابدين إن مقتضى هذه العبارة أن قوله «لا يصح على حقيقته لأنه إذا وجد فيه ما يقتضى عدم اللزوم وما يقتضى عدم الصحة ولا منافاة وجب اعتبار عدم الصحة، ولهذا علل فى الفتح لعدم الصحة أيضا بقوله: ولأنه لو لزم كان التبرع ملزما للمتبرع. ثم نقل ابن عابدين عن القنية أن التأجيل فى القرض باطل. وقالوا: إن التأجيل فى بدل الكتابة جائز كالتنجيم. جاء فى الدر المختار (٢) تعليقا على ما أورده التمرتاشى فى تنوير الأبصار عن شرط الكتابة. قال لا يشترط كون البدل منجما أو مؤجلا لصحتها بالحال ونقل عن باب السلم فى الجوهرة أنه يجوز تأجيل رأس مال السلم بعد الإقالة لأنه دين لا يجب قبضه فى المجلس كسائر الديون ومما يجب التأجيل فيه السلم جاء فى الهداية وشروحها (٣) لا يجوز السلم إلا مؤجلا لقوله ﵊ «من أسلم منكم فليسلم إلى أجل معلوم» ولأنه شرع رخصة دفعا لحاجة المفاليس فلا بد من الأجل ليقدر على التحصيل فيسلم ولو كان قادرا على التسليم لم يوجد المرخص ويحرم الأجل عند الأحناف فى مثل الربويات ومنها عقد الصرف. جاء فى الهداية وشروحها (٤): ولا بد من قبض العوضين قبل الافتراق لقوله ﷺ «الذهب بالذهب مثلا بمثل يدا بيد» ولقول عمر فى الصرف «وإن استنظرك أن يدخل بيته فلا تنظره ولأنه لا بد من قبض أحدهما ليخرج العقد عن الكالئ بالكالئ، ثم لا بد من قبض الآخر تحقيقا للمساواة فلا يتحقق الربا ولأن أحدهما ليس بأولى من الآخر فوجب قبضهما سواء كانا متعينين كالمصوغ أم لا يتعينان كالمضروب. مذهب المالكية: المالكية يجيزون البيع فى غير الربويات بثمن مؤجل. جاء فى فروعهم (٥) «سئل عبد الرحمن بن القاسم عمن باع ثوبا بمائة درهم إلى أجل شهر ثم اشترى بمائة درهم إلى الأجل. أيصح ذلك فى قول مالك. قال: نعم لا بأس فى ذلك

стр. 665

وقد لخص الدسوقى فى باب القرض (١) أن المقترض إذا قبض القرض فإن كان له أجل مضروب أو معتاد لزمه رده إذا اقتضى ذلك الأجل وإن لم ينتفع به عادة أمثاله، فإن لم يكن ضرب له أجل ولم يعتد فيه أجل فلا يلزم المقترض رده لمقرضه إلا إذا انتفع به عادة أمثاله، ثم قال خلافا لمن قال ان القرض إذا لم يؤجل بشرط أو عادة كان على الحلول فإذا طلبه المقرض قبل انتفاع المقترض به رده إليه، والسلم عندهم يجب تأجيله كالأحناف جاء فى متن خليل وشرح الدردير (٢) من شروط السلم أن يؤجل السلم بأجل معلوم «وعلله الدسوقى بأن التأجيل ليسلم من بيع ما ليس عند الإنسان المنهى عنه بخلاف ما إذا ضرب الأجل فإن الغالب تحصيل المسلم فيه فى ذلك الأجل فلم يكن من بيع ما ليس عنده إذ كأنه إنما يبيع ما هو عنده عند الأجل ويختلفون فى وجوب تنجيم بدل الكتابة يقول خليل «والظاهر اشتراط التنجيم» ويقول الدردير إنهم اختلفوا فى لزوم تنجيم بدل الكتابة - أى وجوبه كما قال الدسوقى - فقيل يلزم تنجيمه وفسر الدسوقى التنجيم بالتأجيل لأجل معين ثم قال الدردير. فإذا وقعت الكتابة بغير تنجيم فهى صحيحة وتنجم لزوما على الراجح - أى وجوبا - لأن العرف فيها التأجيل كما يقول الدسوقى. وقال ابن رشد: الصحيح جوازها حالة ولا يجب التنجيم لكنها إن وقعت حالة فقطاعة قال الدسوقى أى فيقال لها قطاعة كما يقال لها كتابة فالقطاعة عنده من أفراد الكتابة (٣). ويحرم التأجيل عندهم فى الربويات فقالوا (٤): وحرم كتابا وسنة وإجماعا فى نقد أى ذهب وفضة وطعام ربا فضل ونساء أى تأخير والنساء - أى نسيئة يحرم فى النقد مطلقا وكذا فى الطعام ولو غير ربوى - ونقل الدسوقى عن الأجهورى أن ربا النساء فى النقد حرام ومثله طعام وإن جنساهما قد تعددا ثم قال (٥) ولا يجوز صرف مؤخر ولو كان التأخير قريبا مع فرقة ببدن اختيارا ولو بأن يدخل أحدهما فى الحانوت ليأتى له بالدراهم منه لا إن لم تحصل فرقة فلا يضر إلا إذا طال. مذهب الشافعية: يجيز الشافعية الأجل فى البيع فى غير الربويات. جاء فى شرح المنهاج لجلال الدين المحلى (٦): «إذا بيع الطعام بغيره كنقد أو ثوب أو غير الطعام بغير الطعام وليسا نقدين كحيوان بحيوان لم يشترط فى البيع حلول ولا مماثلة ولا تقابض فيكون الأجل جائزا فى هذه الأنواع وهم يذكرون ذلك فى فروعهم ففى المنهاج (٧) «للمشترى قبض المبيع استقلالا إن كان الثمن مؤجلا» وهم يقيسون السلم على البيع فى جوازه بثمن حال ومؤجل (٨).

стр. 666

والسلم ينص الشافعى على أن التأجيل فيه جائز لا واجب يقول أبو شجاع والخطيب والبيجرمى فى حاشيته على الإقناع (١) «يصح السلم حالا ومؤجلا بأن يصرح بهما فإن أطلق انعقد حالا. وأما الحال فبالأولى لبعده عن الغرر كما يجب الأجل فى بدل الكتابة عندهم. جاء فى المنهاج وشرحه (٢) فى كتاب الكتابة «وصيغتها كاتبتك على كذا منجما ويبين وجوبا عدد النجوم» وقال (٣) وشرط العوض كونه دينا مؤجلا لأنه المنقول عن السلف والخلف ولأنه عاجز حالا .. ثم قال الرملى «ولا بأس بكونها ولو فى الذمة حالة لقدرته على الشروع فيها حالا وتصح بنجمين قصيرين» وعلق الشبراملسى على ذلك بقوله: الذى فى شرح المنهج نصه «ولا تخلو المنفعة من التأجيل وإن كان فى بعض نجومها تعجيل فالتأجيل فيها شرط فى الجملة ومثله فى التحفة. ويحرم عندهم التأجيل فى الربويات أيضا على ما يصوره تعبيرهم جاء فى المنهاج وشرحه (٤) إذا بيع الطعام بالطعام أو النقد بالنقد إن كانا جنسا واحدا اشترط الحلول من الجانبين بالإجماع لاشتراط المقابضة ومن لازمها الحلول فمتى اقترن بأحدهما تأجيل وإن قل زمنه أو حل قبل تفرقهما لم يصح أو جنسه كحنطة وشعير جاز التفاضل واشترط الحلول والتقابض لحديث «الذهب بالذهب» .. فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد». مذهب الحنابلة: وهم أيضا يجيزون تأجيل الثمن فى البيع فى غير الربويات ويذكرون ذلك فى فروعهم، يقول ابن قدامة (٥): «فإن قال بعتك على أن تنقدنى الثمن إلى ثلاث أو مدة معلومة وإلا فلا بيع بيننا فالبيع صحيح». وقالوا: يجب التأجيل فى السلم (٦) إذ نصوا على أنه يشترط لصحة السلم أن يكون مؤجلا ولا يصح الثمن الحال قال أحمد فى رواية المروزى: لا يصح حتى يشترط الأجل وذكر الحديث. ثم قال: فأمر بالأجل وأمره يقتضى الوجوب ولأنه أمر بهذا الأمور مبينا لشروط السلم ومنعنا منه بدونها وكذا لا يصح إذا انتفى الكيل والوزن فكذلك الأجل لأن السلم رخصة للرفق ولا يحصل الرفق الا بالأجل فاذا انتفى الأجل انتفى الرفق ولأن الحلول يخرجه عن اسمه ومعناه أما الاسم فلأنه يسمى سلما وسلفا لتعجيل أحد العوضين وتأخير الآخر وأما معنى فلأن الشارع أرخص فيه للحاجة الداعية إليه ومع حضور ما يبيعه حالا لا حاجة إلى السلم فلا يثبت كما قالوا: بوجوب الأجل فى بدل الكتابة (٧) ويحرم الأجل عندهم فى الربويات، يقول ابن قدامة (٨): وكل ما كيل أو وزن من سائر الأشياء فلا يجوز التفاضل فيه إذا كان جنسا واحدا ثم يقول (٩): وكل ما حرم فيه التفاضل حرم فيه النساء بغير خلاف نعلمه ويحرم التفرق

стр. 667

قبل القبض لقول النبى ﷺ «عينا بعين» وقوله «يدا بيد» ولأن تحريم النساء أولى بالتحريم ثم قال: وما كان من جنسين فجائز التفاضل فيه ولا يجوز نسيئة لقوله ﷺ : «إذا اختلفت هذه الأشياء فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد». مذهب الظاهرية: ومما يجوز التأجيل فيه عندهم ثمن المبيع بشرط تحديد الأجل. يقول ابن حزم الظاهرى فى كتاب البيع (١) لا يجوز البيع بثمن مجهول ثم قال وانما يجوز الأجل إلى ما لا يتأخر ساعة ولا يتقدم وكذا فالقرض عندهم مما يجوز فيه الأجل يقول ابن حزم (٢) القرض إما حالا فى ذمته وإما إلى أجل مسمى هذا مجمع عليه ثم قال (٣) فإن كان الدين حالا فللذى أقرض أن يأخذ به المقترض متى أحب وعنده (٤) أن القرض جائز فى الأصناف الربوية ويجوز إلى أجل مسمى ومؤخرا تحت الطلب فيكون حالا فى الذمة متى طلبه صاحبه أخذه كما أجازوا الأجل فى بدل الكتابة قال ابن حزم (٥) ومن كوتب إلى غير أجل مسمى فهو على كتابته ما عاش السيد ومن كوتب إلى أجل مسمى نجم واحد أو نجمين فصاعدا فحل وقت النجم ولم يؤد رد عبدا ويجب الأجل عندهم فى السلم يقول ابن حزم (٦) السلم لا يجوز إلا إلى أجل مسمى ولا بد. واستدل بالحديث ثم قال ففى هذا إيجاب الأجل المعلوم ويحرم التأجيل عندهم فى بيع الربويات وهو بيع صنف من الأصناف الواردة فى حديث «الذهب بالذهب» بمثله نسيئة كما يحرم متفاضلا ويجوز بيع كل صنف منها بالأصناف الأخرى بشرط أن يكون يدا بيد قال ابن حزم (٧) لا يحل أن يباع قمح بقمح الا مثلا بمثل يدا بيد وذكر مثل ذلك فى باقى الأصناف ثم قال (٨) وجاز بيع كل صنف مما ذكرنا بالأصناف الأخرى متفاضلا ومتماثلا إذا كان يدا بيد ولا يجوز فى ذلك التأخير طرفة عين فأكثر لا فى بيع ولا فى سلم ثم قال (٩) وجاز بيع الذهب بالفضة سواء فى ذلك الدنانير بالدراهم أو بالحلى والدراهم بحلى الذهب، يدا بيد ولا بد عينا بعين، ولا يجوز التأخير فى ذلك طرفة عين لا فى بيع ولا فى سلم ويباع الذهب بالذهب لا يحل التفاضل ولا التأخير طرفة عين، وتباع الفضة بالفضة وزنا بوزن يدا بيد ولا يجوز التأخير فى ذلك طرفة عين لا بيعا ولا سلما. مذهب الزيدية: يجوز البيع عندهم بثمن مؤجل أيضا ويذكرونه فى فروعهم. يقول صاحب البحر (١٠): «ولا يصح أن يأخذ بالثمن المؤجل غير جنسه قبل حلول أجله. ويجب عندهم فى السلم لأن التأجيل فى ماهيته يقول صاحب البحر. السلم هو تعجيل أحد البدلين وتأجيل الآخر كما ذكر فى شروط السلم الأجل (١١) كما

стр. 668

يشترطون فى باب الكتابة التأجيل والتنجيم مع اختلافهم فى أقل النجوم، ونقل صاحب البحر عن المؤيد بالله وأبى طالب وأبى العباس أن التأجيل والتنجيم شرط وأقله نجمان قيل ولو فى ساعتين وقيل بل أقل أجل السلم وقال إنه قوى، وأن وجه اشتراط التأجيل والتنجيم قول على الكتابة على نجمين، ولفعل عثمان ذلك مع عبده. ويحرم التأجيل فى الربويات نقل صاحب البحر (١) عن العترة إن ما لا يكال ولا يوزن جاز التفاضل فيه كالرمانة بالرمانتين ويحرم النساء لقوله ﵇ لا ربا إلا بالنسيئة فعم إلا ما خصه دليل، ثم نقل أنهما إذا اتفقا جنسا وتقديرا أو فى أحدهما اشترط التقابض فى المجلس لقوله ﵇ «إلا يدا بيد» ولقوله (التمر بالملح يدا بيد كيف شئتم) وكذلك يحرم فى الصرف يقول صاحب البحر (٢) إن من شروط الصرف الحلول لقوله ﷺ «إلا ها وها» والتأجيل يفسده ولو حل قبل التفرق إذ يخالف موجب عقده وهو التعجيل. كما نقل (٣) عن المؤيد بالله وأبى طالب والقاضى زيد وأبى العباس أنه لا يصح الأنظار بالقرض إذ هو تبرع كالعارية، والتأجيل نقص للعوض وموضوع القرض تماثلها. مذهب الإمامية: مما يجوز التأجيل فيه عندهم ثمن المبيع إذا اتفق عليه الطرفان، جاء فى المختصر النافع (٤): «من ابتاع مطلقا فالثمن حال ولو شرط التأجيل مع تعيين المدة صح». وفى قلائد الدرر (٥): ويجوز تأجيل القرض عندهم إذ يقول: ان آية «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى». تدل على جواز تأجيل القرض. كما جاء فيه (٦) إن فى قوله تعالى «إِلى أَجَلٍ» يفهم إباحة المعاملة بالدين مؤجلا نسيئة وسلما لأن الدين حق يثبت فى الذمة فهو أعم من المؤجل وغيره. ويجب الأجل فى السلم الذى يسمونه سلفا فقد عرفه صاحب المختصر النافع (٧) بأنه ابتياع مضمون إلى أجل بمال حاضر واشترطوا لصحته تعيين الأجل. ويقول صاحب الروضة البهية (٨) وتقارن الكتابة البيع فى اعتبار الأجل فى الشهور. ثم قال: «ولا بد فى الكتابة من العقد المشتمل على الإيجاب مثل كاتبتك على أن تؤدى إلى كذا فى وقت كذا إن اتحد الأجل أو أوقات كذا إن تعدد الأجل» ثم قال (٩) والأقرب اشتراط الأجل فى الكتابة مطلقا بناء على أن العبد لا يملك شيئا فعجزه حال العقد عن العوض حاصل، ووقت الحصول متوقع مجهول فلا بد من تأجيله بوقت يمكن فيه حصوله عادة. ثم قال: وقيل لا يشترط الأجل مطلقا للأصل ولا طلاق الأمر بها خصوصا على القول بكونها بيعا.

стр. 669

مذهب الإباضية: يرون كغيرهم كما فى النيل وشرحه، جواز تأجيل الثمن فى البيع إذ يقولون (١): «يفسد كل بيع لأجل غير منضبط لا منضبط» ويقولون بوجوب الأجل فى السلم فقد نصوا عند ذكرهم شروط السلم (٢) على أنه بوزن وعيار وأجل يوفى فيه ما فيه السلم، ونقل عن أحد فقهائهم إن علة الأجل حصول مصلحتين إحداهما للبائع وهو دفع قليل ليأخذ أكثر منه والثانية للمشترى وهى الانتفاع بالثمن فى أجله. ويمنعونه فى الربويات على طريقتهم ويستدلون بحديث يروونه عن زيد بن أرقم والبراء بن عازب «إن الصرف يد بيد وأما بالنسيئة فلا» (٣) وبما رواه جابر بن زيد عن طلحة بن عبيد الله أنه التمس من رجل صرفا فأخذ طلحة الذهب يقلبه بيده وقال حتى يأتى خازنى من الغابة وعمر بن الخطاب حاضر فقال: والله لا تفترقان حتى يتم الأمر بينكما وقد عرفوا (٤) الصرف بأنه بيع وإن بلا وزن بشرط التقابض فى المجلس وهم يمنعون ربا النسيئة على تفصيل لهم فى ذلك (٥). حكم الأجل من ناحية اللزوم وعدمه واضح أن كل تأجيل مشروع يلتزم به العاقدان إلا أن الفقهاء عدا المالكية يستثنون القرض ويضيف الأحناف إلى القرض فى عدم التزام الأجل مع ذكره ست مسائل أخرى وإليك البيان. مذهب الحنفية: جاء فى التنوير وشرحه (٦): لزم تأجيل كل دين إن قبل المدين إلا فى سبع بدلى صرف وسلم، وثمن عند إقالة وفيما بعدها وما أخذ به الشفيع ودين الميت والقرض، غير أن القرض يلزم تأجيله فى أربع مسائل إذا كان محجورا، أو حكم مالكى بلزومه بعد ثبوت أصل الدين عنده أو أحاله على آخر فأجله المقرض أو أحال على مدين مؤجل دينه أو أوصى بأن يقرض فلان من ماله ألف درهم إلى سنة أو أوصى بتأجيل قرضه إلى زيد سنة واستخلص أن تأجيل الدين على ثلاثة أوجه: باطل فى بدلى الصرف والسلم، وصحيح غير لازم فى قرض وإقالة وشفيع ودين ميت ولازم فيما عدا ذلك، وأضاف إلى ذلك نقلا عن النهر أن الملحق بالقرض تأجيله باطل ومن إضافات ابن عابدين فى هذا المقام أنه علل عدم اللزوم فى تأجيل بدلى الصرف والسلم باشتراط القبض فى بدلى الصرف فى المجلس واشتراطه فى رأس المال، وهذا يقضى بعدم جواز التأجيل فى بدلى الصرف وفى رأس مال السلم كما نقل ابن عابدين عن القنية: إن المشترى إذا أجل البائع سنة عند الإقالة صحت الإقالة وبطل الأجل ولو تقايلا ثم أجله ينبغى ألا يصح الأجل عند أبى حنيفة فإن الشرط اللاحق بعد العقد ملتحق بأصل العقد عندهم ونقل عن الجوهرة أنه يجوز تأجيل رأس مال السلم بعد الإقالة لأنه دين لا يجب قبضه فى المجلس كسائر الديون. وقال فى موضوع ما أخذ به الشفيع أنه يشمل ما إذا كان الشراء بثمن مؤجل فإن الأجل لا يثبت فى أخذ الشفيع، ثم صور

стр. 670

دين الميت بقوله لو مات المدين وحل المال فأجل الدائن وارثه لم يصح لأن الدين فى الذمة. ثم قال وفائدة التأجيل أن يتجر فيؤدى الدين من نماء المال فإذا مات من له الأجل تعين المتروك لقضاء الدين فلا يفيد التأجيل وفى ملتقى الأبحر وشرحه مجمع الأنهر (١) كل دين أجل بأجل معلوم صح تأجيله وإن كان حالا فى الأصل لأن المطالبة حقه فله أن يؤخره سواء كان ثمن مبيع أو غيره تيسيرا على من له عليه. ألا ترى أنه يملك ابراءه مطلقا فكذا مؤقتا ولا بد من قبوله ممن عليه الدين فلو لم يقبل بطل التأجيل فيكون حالا ويصح تعليق التأجيل بالشرط. ثم استثنى كصلحب التنوير القرض ونص على أنه لا يصح تأجيله. وقد صور ابن عابدين تعليق التأجيل بالشرط بقوله (٢) فلو قال لمن عليه ألف حالة إن دفعت إلى غدا خمسماية فالخمسماية الأخرى مؤخرة إلى سنة فهو جائز. مذهب المالكية: جاء فى متن خليل وشرح الدردير عليه (٣): «جاز قضاء قرض بمساو لما فى الذمة قدرا وصفة حل الأجل أم لا». وعلق الدسوقى على ذلك بكلام يقول فيه: إن الحق فى الأجل فى القرض لمن عليه الدين. وقال (٤) إن ثمن المبيع إذا كان عرضا أو طعاما كان الحق فى الأجل لرب الدين، وأما القرض وثمن المبيع إذا كان عينا فالحق فيه لمن عليه الدين إن شاء عجل أو بقى الأجل. مذهب الشافعية: جاء فى منهاج الطالبين وشرحه فى باب القرض (٥): «ولو شرطا أجلا فى القرض فلا يعتبر الأجل ويصح العقد وعلق على ذلك عميرة فى حاشيته بقوله: وعندنا لا يلزم التأجيل فى الحال إلا بالإيصاء أو النذر. مذهب الحنابلة: يقول ابن قدامة (٦): «وللمقروض المطالبة ببدله فى الحال لأنه سبب يوجب رد المثل فى المثليات فأوجبه حالا كالإتلاف. ولو أجل القرض لم يتأجل وكان حالا. وكل دين حل أجله لم يصر مؤجلا بتأجيله». مذهب الظاهرية: يقول ابن حزم الظاهرى (٧): من كان له دين حال أو مؤجل فحل فرغب إليه الذى عليه الحق فى أن ينظره أيضا إلى أجل مسمى ففعل أو أنظره كذلك بغير رغبة وأشهد أو لم يشهد لم يلزمه من ذلك شئ، والدين حال ويأخذه به متى شاء، وهو قول أصحابنا. مذهب الزيدية: قدمنا عن الزيدية نقلا عن البحر الزخار (٨) أنهم يقولون بعدم صحة تأجيل القرض فضلا عن عدم اللزوم.
следующие страницы →