مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى (١): أنه لا يحل فداء الأسير المسلم إلا بمال أو بأسير كافر.
ولا يحل أن يرد صغير سبى من أرض الحرب اليهم لا بفداء ولا بغير فداء لأنه قد لزمه حكم الإسلام بملك المسلمين له فهو وأولاد المسلمين سواء ولا فرق.
ومن كان أسيرا (٢) عند الكفار فعاهدوه على الفداء وأطلقوه فلا يحل له أن يرجع اليهم ولا أن يعطيهم شيئا.
ولا يحل للامام أن يجبره على أن يعطيهم شيئا
فإن لم يقدر على الإطلاق إلا بالفداء ففرض على المسلمين أن يفدوه إن لم يكن له مال يفى بفدائه قال الله ﵎: «وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ» (٣).
وأخذ الكافر أو الظالم ماله فداء من أبطل الباطل، فلا يحل إعطاء الباطل ولا العون عليه، وتلك العهود والأيمان التى أعطاهم لا شئ عليه فيها لأنه مكره عليها اذ لا سبيل له الى الخلاص إلا بها ولا يحل له البقاء فى أرض الكفر وهو قادر على الخروج.
وقد قال رسول الله ﵌ «رفع عن آمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه».
وهكذا كل عهد أعطيناهم حتى نتمكن من استنقاذ المسلمين وأموالهم من أيديهم فإن عجزنا عن استنقاذه إلا بالفداء ففرض علينا فداؤه، لخبر رسول الله ﵌ الذى رويناه من طريق أبى موسى الأشعرى: «أطعموا الجائع وفكوا العانى» وهو قول أبى سليمان.
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار (٤): أنه يجوز مبادلة أسرى أهل الحرب ولو كثروا بأسرانا ولو كان أسيرنا واحدا بلا خلاف.
قال أبو طالب بن يحيى ولا يجوز فك أسراهم من أيدينا بالمال اذا بذلوه قياسا على بيع السلاح والكراع منهم، لئلا يستعينوا به، وهذا أبلغ.
قال مولانا ﵇ والصحيح للمذهب جواز ذلك، لقول الله ﵎: «فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً ٥»﴾.
ولفعله ﵌ فى أسرى بدر، وربما كان فى أخذ المال للمسلمين من القوة ما هو أبلغ من حبس المشرك وربما كان نفع المال للمسلمين أكثر من نفع الرجل لقومه.
стр. 6057
وقد حمل كلام أبى طالب على أنه لا مصلحة للمسلمين فى ذلك.
وكلام أهل المذهب حيث المصلحة حاصلة جمعا بين الكلامين، وهذا أقرب والله أعلم.
وقيل يحرم أيضا رد الأسير من المشركين بالمن عليه أو مفاداته بعوض، ذكر ذلك أبو طالب والقاضى زيد.
قال مولانا ﵇ والصحيح خلاف ذلك وهو أنه يجوز رده الا لمصلحة وهو خاص فى الأسير، لفعله ﵌.
وجاء فى التاج (١) المذهب أنه يجوز أن يغتنم المسلمون من الكفار المحاربين نفوسهم من الذكور والأناث الصغار والكبار إذا قهروا وكان الاستيلاء عليهم وأسروا فى الحرب فإنهم يصيرون بذلك سبيا فى أيدى المسلمين يملكونهم إذا أمر الامام بالاسترقاق وذلك بعد أن يثبت عنده بمشاورة أهل الحل والعقد من ذوى الرأى أن المصلحة فيه أرجح.
وكذا أم ولد المسلم وكذا أم ولد الذمى اذا كان قد استولى عليها المشركون ثم أسلم من هى فى يده فى دار الحرب فإنه لا يستقر ملكه عليها باسلامه فيردها، لكن لا يجب عليه ردها بلا عوض بل بالفداء يسلمه له سيدها الأول، وله حبسها حتى يستوفى الفداء، ويعان من بيت المال ان لم يكن له شئ
فان لم يكن فى بيت المال شئ سلمت له أم الولد بقى فداؤها دينا فى ذمة مستولدها ولا سعاية هنا عليها، لأنه لم ينفذ عتقها ولا حصل منها جناية توجب السعاية.
والمدبر الذى دبره المسلم ثم استولى عليه كافر فى دار الحرب ثم أسلم ذلك الكافر، فإنه لا يحصن المدبر بإسلامه عن أن يرده بل يجب عليه رده لمدبره من المسلمين بالفداء كأم الولد سواء بسواء، وأم الولد والمدبر يعتقان معا فى يد المشرك بموت السيد الأول وهو المستولد والمدبر.
وسواء مات قبل إسلام الثانى أم بعده، ولا يلزمه فداؤهما، ولا سعاية عليهما لو مات قبل إسلام الحربى الذى صار فى يده لأنه لم يكن قد لزمه الفداء له، وأما المكاتب الذى كاتبه مسلم ثم استولى عليه كافر فإن الكافر اذا أسلم لم يلزمه رده لمكاتبه المسلم بفداء ولا غيره، ولا ينقض عقد المكاتبة، لكنه يعتق بالوفاء بمال الكتابة يدفعه للآخر، أى لسيده الكافر، لأنه قد ملكه فإن عجز نفسه ملكه الكافر. وأعتقت أم الولد أو المدبر أو المكاتب الذى استولى عليهم الكافر. ووجب أن يكون ولاؤهم للأول من السيدين وهو المسلم أصالة، لأن حريتهم وقعت من جهته إلا أن ينجز عتقهم الآخر كان الولاء له إذا كان قبل الإسلام فى غير المكاتب، وأما هو فيعتق مطلقا، سواء أعتقه قبل الإسلام أو بعده، والوجه فيه أن عقد الكتابة لم ينفسخ.
стр. 6058
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية (١): إن أسر المسلمون الذكور البالغين قتلوهم حتما إن أخذوهم والحرب قائمة إلا أن يسلموا فيسقط قتلهم.
ويتخير الإمام حينئذ بين استرقاقهم والمن عليهم والفداء، وقيل يتعين المن عليهم هنا لعدم استرقاقهم حال الكفر فمع الإسلام أولى، وفيه أن عدم استرقاقهم حال الكفر إهانة ومصير إلى ما هو أعظم منه لا إكرام لهم فلا يلزم مثله بعد الإسلام، ولأن الإسلام لا ينافى الاسترقاق، وحيث يجوز قتلهم يتخير الإمام تخير شهوة بين ضرب رقابهم، وقطع أيديهم وأرجلهم، وتركهم حتى يموتوا أن اتفق وإلا أجهز عليهم، وأن أخذوا بعد أن وضعت الحرب أوزارها أى أثقالها من السلاح وغيره لم يقتلوا، ويتخير الإمام فيهم تخير نظر ومصلحة بين المن عليهم والفداء لأنفسهم بمال حسب ما يراه من المصلحة والاسترقاق، كتابيين أو غير كتابيين وحيث تعتبر المصلحة لا يتحقق التخيير إلا مع اشتراك الثلاثة فيها على السواء وإلا تعين الراجح واحدا كان أم أكثر وحيث يختار الفداء أو الاسترقاق، فيدخل ذلك فى الغنيمة كما دخل من استرق ابتداء فيها من النساء والأطفال.
وجاء فى شرائع الإسلام (٢): أنه لو سبيت امرأة فصولح أهلها على إطلاق أسير فى يد أهل الشرك فأطلق لم يجب إعادة المرأة ولو أعتقت بعوض جاز ما لم يكن استولدها مسلم.
قال: وإذا خرقوا الذمة فى دار الإسلام (٣) كان للإمام ردهم إلى مأمنهم.
وهل له قتلهم واسترقاقهم ومفاداتهم؟
قيل: نعم وفيه تردد.
واذا أسلم بعد خرق الذمة قبل الحكم فيه سقط الجميع عدا القود والحد واستعادة ما أخذ.
ولو أسلم بعد الاسترقاق أو المفاداة لم يرتفع ذلك عنه.
واذا خلى المشركون (٤) أسيرا على مال يوجهه اليهم وأنه إن لم يقدر على المال يرجع اليهم فإن قدر على المال لم يلزمه إنفاذه وإن لم يقدر عليه لم يلزمه الرجوع بل لا يجوز له ذلك.
وقال أبو هريرة والنخعى والحسن البصرى والترمذى والزهرى والأوزاعى عليه إنفاذ المال إن قدر، وإن لم يقدر لا يلزمه الرجوع.
وقال الأوزاعى إن لم يقدر على المال يلزمه الرجوع، «ودليلنا أن الأصل براءة الذمة وإيجاب المال، والرجوع يحتاج إلى دليل.
وأما الرجوع اليهم وإعطاء المال إياهم فظاهر الفساد، لأنه اذا كان بينهم يلزمه الخروج، فكيف
стр. 6059
يجب عليه الرجوع، وفى إعطاء المال إياهم تقوية للكفار وذلك باطل.
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل (١): أن للامام وللمسلمين بعد اثخان بقتل محاربيهم وتوهين شوكتهم وقوتهم أسرهم لفداء أو استعباد لبيع وخدمة وغير ذلك
ولا يقتلون بعد أخذ الفداء منهم ولا يستخدمون بعده
وإن تبين أنهم ممن لا يؤخذ منهم مال وقد أخذ الإمام أو غيره مالهم أو تبين أنه لا يجوز فداؤهم وقد أخذ عنهم كأن تبين أنهم موحدون أو ذميون قد ضربت عليهم الجزية أو قوتلوا بلا تقدم دعوة رد لهم ما أخذ منهم.
ورخص فى فداء أسرى المسلمين بهم ولو لغير قومهم من المشركين بأن يكون أسرى المسلمين فى يد قومهم أو فى يد مشركين آخرين غير قومهم فيفادونهم بهم وأما إن يعطوهم لمشركين غير قومهم بمال فذلك مكروه، لأنه كالبيع والعبد لا يباع لمشرك، وسواء فى ذلك كله الرجال والنساء والأطفال والبلغ ولهم أن يقبلوا المال من غير قومهم ويطلقوهم ولا يمكنوهم منهم.
وكيفية الفداء أن تعطى الفدية مرة واحدة أو تعطى منجمة على أيام أو شهور أو سنين.
حكم الافتداء فى الصوم
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع (٢): أن من الأعذار التى تبيح فطر شهر رمضان مع الفدية كبر السن الذى لا يقدر معه على الصوم حتى يباح للشيخ الفانى أن يفطر فى شهر رمضان، لأنه عاجز عن الصوم وعليه الفدية عند عامة العلماء.
وذلك أن أصحاب رسول الله ﵌ رأوا وجوب الفدية على الشيخ الفانى فكان ذلك اجماعا منهم.
والمراد من قوله تعالى «وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ» (٣). هو الشيخ الفانى.
أما على إضمار حرف لا فى الآية على تقدير لا يطيقونه.
وأما على إضمار كانوا أى وعلى الذين كانوا يطيقونه أى الصوم ثم عجزوا عنه فدية طعام مسكين.
وإنما كانت الفدية لأن الصوم لما فاته فقد مست الحاجة إلى الجابر وتعذر جبره بالصوم فيجبر بالفدية ويجعل الفدية مثلا للصوم شرعا فى هذه الحالة للضرورة كالقيمة فى ضمان المتلفات، كذلك من الاعذار المبيحة للفطر حمل المرأة.
стр. 6060
مذهب المالكية:
جاء فى الحطاب (١): أن الفدية تكون للإفطار من عطش وللشيخ الهرم الكبير الذى لا يقدر على الصوم بوجه من الوجوه.
وأما الذى يقدر عليه فى زمن دون زمن فيؤخر للزمن الذى يقدر فيه على الصوم ولا قائل فى المذهب بأنه يطعم.
وجاء فى التاج (٢) والإكليل نقلا عن الرسالة أنه يستحب للشيخ الكبير اذا أفطر أن يطعم
وقال الباجى لا اطعام عليه، واستحبه سحنون.
وقال ابن عرفة ضعف بنية الصحيح وشيخوخته كالمريض.
وجاء فى حاشية الدسوقى (٣) على الشرح الكبير أنه ندب فدية وهى الكفارة الصغرى مد عن كل يوم لهرم وعطش بكسر الطاء أى لا يقدر واحد منهما على الصوم فى زمن من الأزمنة
فان قدر فى زمن ما أخر اليه ولا فدية، لأن من عليه القضاء لا فدية عليه.
وللمرضع التى تخاف على نفسها أو ولدها من الصوم ثلاثة أحوال على المشهور من مذهب مالك:
حال لا يجوز لها فيه الفطر والاطعام، وهو ما اذا قدرت على الصوم ولم يجهدها الارضاع، ولم يحصل لولدها ضرر بسببه.
وحال يجوز لها فيه الفطر والاطعام، وهى ما اذا جهدها الارضاع، ولم تخف على ولدها أو خافت عليه حدوث مرض أو زيادته ولم يمكنها الارضاع.
وحال يجب عليها فيها الفطر والاطعام وهى ما اذا لم يمكنها الارضاع وخافت على ولدها شدة الأذى (٤).
مذهب الشافعية:
جاء فى المهذب (٥): ومن لا يقدر على الصوم بحال وهو الشيخ الكبير الذى يجهده الصوم والمريض الذى لا يرجى برؤه فإنه لا يجب عليهما الصوم، لقول الله ﵎ «وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (٦)
وفى الفدية قولان:
أحدهما لا تجب لأنه أسقط عنهما فرض الصوم فلم تجب عليهما الفدية كالصبى والمجنون.
والثانى: يجب عن كل يوم مد من طعام وهو الصحيح، لما روى عن ابن عباس رضى الله تعالى
стр. 6061
عنهما أنه قال الشيخ الكبير يطعم عن كل يوم مسكينا، وعن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أنه قال من أدركه الكبر فلم يستطع صوم رمضان فعليه لكل يوم مد من قمح، وقال ابن عمر رضى الله تعالى عنهما: اذا ضعفت عن الصوم أطعم عن كل يوم مدا، وروى أن أنسا رضى الله تعالى عنه ضعف عن الصوم عاما قبل وفاته فأفطر وأطعم.
وان لم يقدر على الصوم لمرض يخاف زيادته ويرجو البرء لم يجب عليه الصوم للآية فاذا برئ وجب عليه القضاء، لقول الله «فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ» (١)
وإن أصبح صائما وهو صحيح ثم مرض أفطر، لأنه أبيح له الفطر للضرورة والضرورة موجودة فجاز له الفطر.
وان خافت (٢) الحامل أو المرضع على أنفسهما من الصوم أفطرتا وعليهما القضاء دون الكفارة، لأنهما أفطرتا للخوف على أنفسهما، فوجب عليهما القضاء دون الكفارة كالمريض، وان خافتا على ولديهما أفطرتا وعليهما القضاء بدلا عن الصوم.
وفى الكفارة ثلاثة أقوال:
قال فى الأم يجب عن كل يوم مد من طعام، وهو الصحيح، لقول الله ﵎ «وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ» (٣)
قال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما نسخت هذه الآية وبقيت الرخصة للشيخ الكبير والعجوز، والحامل والمرضع اذا خافتا على ولديهما أفطرتا وأطعمتا مكان كل يوم مسكينا.
والثانى أن الكفارة مستحبة غير واجبة، وهو قول المزنى، لأنه افطار لعذر فلم تجب به الكفارة كإفطار المريض.
والثالث: أنه يجب على المرضع دون الحامل، لأن الحامل أفطرت لمعنى فيها كالمريض والمرضع أفطرت لمنفصل عنها فوجبت عليها الكفارة.
واذا كان (٤) عليه قضاء أيام من رمضان ولم يكن له عذر لم يجز له أن يؤخر إلى أن يدخل رمضان آخر حتى أدركه رمضان آخر وجب عليه لكل يوم مد من طعام، لما روى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما وابن عمر وأبى هريرة رضى الله تعالى عنهما أنهم قالوا فيمن عليه صوم فلم يصمه حتى أدركه رمضان يطعم عن الأول، فان أخر سنين ففيه وجهان:
أحدهما يجب لكل سنة مد لأنه تأخير سنة فأشبه السنة الأولى.
والثانى لا يجب للثانية شئ لأن القضاء مؤقت فيما بين رمضانين، فاذا أخر عن السنة الأولى فقد أخره عن وقته فوجبت الكفارة، وهذا المعنى لا يوجد فيما بعد السنة الأولى فلم يجب للتأخير كفارة، وإذا كان عليه قضاء شئ من رمضان فلم يصم حتى مات نظرت، فان أخره لعذر اتصل حتى مات لم يجب عليه شئ، لأنه فرض لم يتمكن منه
стр. 6062
إلى الموت فسقط حكمه كالحج. وان زال العذر وتمكن فلم يصم حتى مات أطعم عنه لكل مسكين مد من طعام.
ومن أصحابنا من قال فيه قول آخر أنه يصام عنه، لما روت عائشة رضى الله تعالى عنها أن النبى ﵌ قال: من مات وعليه صوم رمضان صام عنه وليه، ولأنها عبادة تجب الكفارة بافسادها، فجاز أن يقضى عنه بعد الموت كالحج.
والمنصوص فى الأم هو الأول، وهو الصحيح. والدليل عليه ما روى ابن عمر رضى الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال:
من مات وعليه صيام فليطعم عنه مكان كل يوم مسكين، ولأنه عبادة لا يدخلها النيابة فى حال الحياة فلا يدخلها النيابة بعد الموت كالصلاة. فان قلنا أنه يصام عنه فصام عنه وليه أجزأه، وان أمر أجنبيا فصام عنه بأجرة أو بغير أجرة أجزأه كالحج.
وان قلنا يطعم عنه نظرت. فان مات قبل أن يدركه رمضان آخر أطعم عنه عن كل يوم مسكين، وان مات بعد أن أدركه رمضان آخر ففيه وجهان:
أحدهما يلزمه مدان مد للصوم ومد للتأخير
والثانى أنه يكفيه مد واحد للتأخير، لأنه اذا أخرج مدا للتأخير زال التفريط بالمد، فيصير كما لو أخره من غير تفريط، فلا تلزمه كفارة، ومصرف (١) الفدية الفقراء والمساكين دون غيرهما من مستحقى الزكاة، لأن المسكين ذكر فى الآية والخبر، والفقير أسوأ حالا من المسكين، أو داخل فيه اذ كل منهما اذا ذكر منفردا يشمل الآخر ولا يجب الجمع بينهما، وله صرف أمداد منها إلى شخص واحد بخلاف المد الواحد فإنه يجوز صرفه إلى شخصين لأن كل مد كفارة ومن ثم لم يجز إعطاؤه من امداد الكفارة الواحدة أكثر من مد أما اعطاء دون المد أو مع مد كامل فتمتنع مطلقا لأنه يدل عن صوم يوم وهو لا يتبعض وجنس الفدية الفطرة وفيها أن المد رطل وثلث وان المعتبر الكيل لا الوزن.
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع (٢): أن من عجز عن الصوم لكبر أو مرض لا يرجى برؤه له أن يفطر اجماعا لعدم وجوب الصوم عليه، لأنه عاجز عنه فلا يكلف به، لقول الله ﵎ «لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها ٣»
وأطعم عن كل يوم مسكينا ما يجزى فى كفارة مدّا من بر أو نصف صاع من تمر أو زبيب أو شعير أو أقط، لقول ابن عباس رضى الله تعالى عنهما فى قول الله «وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ ٤» ليست منسوخة فى الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان الصوم فيطعمان مكان كل يوم مسكينا
стр. 6063
رواه البخارى.
ولا يجزئ أن يصوم عن الشيخ الكبير والمريض الذى لا يرجى برؤه، ولا كفارة، لأنه عبادة بدنية محضة وجبت بأصل الشرع فلم تدخله النيابة كالصلاة.
وان سافر الكبير العاجز عن الصوم أو مرض فلا فدية عليه، لأنه أفطر بعذر معتاد، ولا قضاء لعجزه عنه.
وان أطعم الشيخ الكبير والمريض الذى لا يرجى برؤه والعاجز عن الصوم لكبر أو مرض لا يسقط عنه الإطعام لعدم القدرة عليه كفدية الحج. فمتى قدر عليه أطعم.
وجاء فى المغنى (١): ومن خاف على نفسه الهلاك لعطش أو نحوه يباح له الفطر وعليه أوجب الإطعام بدلا عن الصيام ان كان لا يرجو امكان القضاء، فان رجا ذلك فلا فدية عليه، والواجب انتظار القضاء وفعله اذا قدر عليه، لقول الله ﵎ «فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ ٢ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ»
ولا يصار إلى الفدية الا عند اليأس من القضاء، فان أطعم مع يأسه ثم قدر على الصيام احتمل أن لا يلزمه، لأن ذمته قد برئت بأداء الفدية التى كانت هى الواجبة عليه فلم يعد إلى الشغل بما برئت منه، ولهذا قال الخرقى: فمن كان مريضا لا يرجى برؤه أو شيخا لا يستمسك على الراحلة أقام من يحج عنه ويعتمر، وقد أجزأ عنه وأن عوفى.
واحتمل أن يلزمه القضاء لأن الإطعام بدل يأس وقد تبينا ذهاب اليأس فأشبه من اعتدت بالشهور عند اليأس من الحيض ثم حاضت.
ثم قال (٣): ومن مات وعليه صيام من رمضان فان مات قبل امكان الصيام لضيق الوقت أو لعذر من مرض أو سفر أو عجز عن الصوم فهذا لا شئ عليه فى قول أكثر أهل العلم.
وحكى عن طاووس وقتاده أنهما قالا: يجب الإطعام عنه. لأنه صوم واجب سقط بالعجز عنه فوجب الإطعام عنه كالشيخ الهرم اذا ترك الصيام لعجزه عنه.
ولنا أنه حق الله تعالى وجب بالشرع مات من يجب عليه قبل امكان فعله فسقط إلى غير بدل كالحج.
ويفارق الشيخ الهرم فانه يجوز ابتداء الوجوب عليه بخلاف الميت، وان مات بعد امكان القضاء فالواجب أن يطعم عنه لكل يوم مسكين، وهذا قول أكثر أهل العلم، روى ذلك عن عائشة وابن عباس رضى الله تعالى عنهم
وقد روى ابن ماجة عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما أن رسول الله ﵌ قال «من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه
стр. 6064
مكان كل يوم مسكينا».
ثم قال: (١) ومن عليه صوم من رمضان فله تأخيره ما لم يدخل رمضان آخر، لما روت عائشة رضى الله تعالى عنها قالت: كان يكون على الصيام من شهر رمضان فما أقضيه حتى يجئ شعبان، متفق عليه.
ولا يجوز له تأخير القضاء إلى رمضان آخر من غير عذر، لأن عائشة رضى الله تعالى عنها لم تؤخره إلى ذلك، ولو أمكنها لأخرته، ولأن الصوم عبادة متكررة فلم يجز تأخير الأولى عن الثانية كالصلوات المفروضة، فإن أخره عن رمضان آخر، فان كان لعذر فليس عليه الا القضاء، وان كان لغير عذر فعليه مع القضاء اطعام مسكين لكل يوم، ولهذا قال ابن عباس وابن عمر وأبو هريرة ومجاهد وسعيد ابن جبير والثورى والأوزاعى واسحاق.
وقال الحسن والنخعى لا فدية عليه لأنه صوم واجب فلم يجب عليه فى تأخيره كفارة كما لو أخر الأداء والنذر.
ودليل الرأى الأول ما روى عن ابن عمر وابن عباس وأبى هريرة رضى الله تعالى عنهم أنهم قالوا:
أطعم عن كل يوم مسكينا ولم يرو عن غيرهم من الصحابة خلافهم.
وأن تأخير صوم رمضان عن وقته اذا لم يوجب القضاء أوجب الفدية كالشيخ الهرم.
فإن أخره (٢) لغير عذر حتى أدركه رمضانان أو أكثر لم يكن عليه أكثر من فدية مع القضاء لأن كثرة التأخير لا يزاد بها الواجب، كما لو أخر الحج الواجب سنين لم يكن عليه أكثر من فعله فإن مات المفرط بعد أن أدركه رمضان آخر أطعم عنه لكل يوم مسكين واحد نص عليه أحمد فيما روى عنه أبو داود أن رجلا سأله عن امرأة أفطرت رمضان ثم أدركها رمضان آخر ثم ماتت قال:
يطعم عنها، قال له السائل: كم أطعم؟ قال: كم أفطرت؟ قال: ثلاثين يوما قال: أجمع ثلاثين مسكينا وأطعمهم مرة واحدة وأشبعهم، قال:
ما أطعمهم؟ قال: خبزا ولحما ان قدرت من أوسط طعامكم، وذلك لأنه بإخراج كفارة واحدة أزال تفريطه بالتأخير فصار كما لو مات من غير تفريط.
وقال أبو الخطاب يطعم عنه لكل يوم فقيران، لأن الموت بعد التفريط بدون التأخير عن رمضان آخر يوجب كفارة والتأخير بدون الموت يوجب كفارة فاذا اجتمعا وجبت كفارتان كما لو فرط فى يومين.
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى (٣): أن الحامل والمرضع والشيخ
стр. 6065
الكبير كلهم مخاطبون بالصوم فصوم رمضان فرض عليهم.
فان خافت المرضع على المرضع قلة اللبن وضيعته لذلك ولم يكن له غيرها أو لم يقبل ثدى غيرها أو خافت الحامل على الجنين، أو عجز الشيخ عن الصوم لكبره أفطروا ولا قضاء عليهم ولا إطعام، فان افطروا لمرض بهم عارض فعليهم القضاء لقوله تعالى: «فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ» وإنما وجب الفطر على الحامل والمرضع فى الخوف على الجنين والرضيع، لقول الله ﵎ «قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ» (١)، وقال رسول الله ﷺ «من لا يرحم لا يرحم»
فإذ رحمة الجنين والرضيع فرض ولا وصول اليها إلا بالفطر، فالفطر فرض، واذ هو فرض فقد سقط عنهما الصوم
واذا سقط الصوم فايجاب القضاء عليهما شرع لم يأذن الله تعالى به.
وأما الشيخ الذى لا يطيق الصوم لكبره، فالله تعالى يقول «لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها» (٢)، فاذا لم يكن الصوم فى وسعه فلم يكلفه، وأما تكليفهم إطعاما فقد قال رسول الله ﵌ «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام».
فلا يجوز لأحد ايجاب غرامة لم يأت بها نص ولا اجماع، أما قول الله ﵎ «وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ» (٣)، فقد نزلت هذه الآية فى الحبلى والمرضع والشيخ والعجوز.
وروى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أنه كان يقرأ الآية «وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ» يكلفونه ولا يطيقونه، قال: هذا الشيخ الكبير الهرم والمرأة الكبيرة الهرمة لا يستطيع الصوم يفطر ويطعم كل يوم مسكينا.
وقال جرير عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس مثله ومن طريق يحيى بن سعيد القطان عن عبد الرحمن بن حرملة قال سمعت سعيد بن المسيب يقول فى قول الله تعالى «وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ» هو الكبير الذى عجز عن الصوم والحبلى يشق عليها الصوم فعلى كل واحد منهما اطعام مسكين عن كل يوم. وعن الحسن وقتادة فى الشيخ الكبير والعجوز أنهما يطعمان مكان كل يوم مسكينا.
وعن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أنه يتصدق عن كل يوم بدرهم.
وعن مكحول وطاووس ويحيى بن أبى كثير فيمن منعه العطاش (٤) من الصوم أنه يفطر ويطعم عن كل يوم مدا.
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار (٥): أن الصائم ان فاته
стр. 6066
من رمضان شئ ثم لم يقضه فى بقية السنة حتى حال عليه رمضان المستقبل لزمته فدية مع القضاء مطلقا، سواء ترك القضاء لعذر أم لغير عذر، وسواء أفطر لعذر أو لغير عذر، هذا قول الهادى ﵇ فى الأحكام.
فعلى من حال عليه الحول القضاء والفدية، ولقول رسول الله ﵌» ومن أفطر رمضان لمرض وصح ولم يصمه حتى أدركه رمضان آخر فليصم ما أدركه وليقض ما فاته وليطعم عن كل يوم مسكينا رواه أبو هريرة.
وعلى كل من أفطر لعذر اذا حال عليه الحول، وقال السيد أبو العباس أنه ان ترك الأداء لغير عذر وجبت الفدية والا فلا، وقدر الفدية عندنا نصف صاع من أى قوت عن كل يوم.
واذا حالت عليه أعوام كثيرة ولم يقض فقد قال المنصور بالله أنها لا تكرر بتكرر الأعوام فلا يجب عليه إلا فدية واحدة لكل يوم فإن كان عليه شئ من رمضان ولم يقضه فى شوال وما بعده من الشهور المستقبلة حتى مات فى آخر شهر شعبان فيحتمل أن تلزمه الفدية لحولان الحول، لأنه فى حكم من قد حال عليه رمضان، لأنه لو عاش حال عليه الحول لتعذر القضاء فى رمضان، ويحتمل أن لا فدية عليه لأنه لم يحل عليه رمضان.
قال الفقيه محمد بن يحيى والأولى أن لا فدية عليه، قال مولانا ﵇: والأظهر عندى لزومها لأن العلة فى وجوبها تأخير القضاء إلى آخر أيام إمكانه قبل حول رمضان. وهذا قد وقع منه تأخيره على هذا الوجه، ولا تأثير لعدم حول رمضان، لأنه لو بقى لزمته قطعا.
ويجب (١) على من أفطر فى رمضان لعذر ميئوس من زواله إلى الموت أو فاته شئ من رمضان لغير عذر أو لعذر مرجو الزوال ولم يقضه حتى أيس من قضاء ما أفطره أن يكفر بنفسه صاع من أى قوت كان عن كل يوم.
وصاحب العذر الميئوس هو كالشيخ الهرم الذى قد ضعف بالشيخوخة عن الصيام (٢) والشيخوخة لا يرجى زوالها إلى الموت.
وهكذا من كان به علة ضعف بها عن الصوم ولا يرجى زوالها حتى الموت فإن هذا يسقط عنه الصوم.
مذهب الإمامية:
من فاته (٣) صوم شهر رمضان لمرض واستمر المرض الذى أفطر معه فى شهر رمضان إلى رمضان آخر فلا قضاء لما أفطره ويفدى عن كل يوم بمد من طعام فى المشهور والمروى.
وقيل القضاء لا غير، وقيل بالجمع.
وعلى المشهور لا تتكرر الفدية بتكرار السنين.
ومحل الفدية مستحق الزكاة لحاجته وإن اتحد وذلك من دون السعاة والمؤلفة قلوبهم وفى سبيل الله - وكذا كل فدية.
стр. 6067
وفى تعدى الحكم إلى غير المرض كالسفر المستمر وجهان:
أجودهما: وجوب الكفارة مع التأخير لا لعذر ووجوب القضاء مع دوامه ولو برأ بينهما وتهاون فى القضاء بأن لم يعزم عليه فى ذلك الوقت أو عزم فى السعة، فلما ضاق الوقت عزم على عدمه فدى وقضى ولو لم يتهاون بأن عزم على القضاء فى السعة وأخر اعتمادا عليها، فلما ضاق الوقت عرض له مانع عنه قضى لا غير فى المشهور.
والأقوى ما دلت عليه النصوص الصحيحة من وجوب الفدية مع القضاء على من قدر عليه ولم يفعل حتى دخل الثانى، سواء عزم عليه أم لا.
واكتفى ابن إدريس بالقضاء مطلقا عملا بالآية وطرحا للرواية على أصله وهو ضعيف.
ثم قال (١) المرأة والعبد ما فاتهما على الوجه السابق كالحر لإطلاق النص ومساواتهما للرجل الحر فى كثير من الأحكام وقيل لا لأصالة البراءة وإذا تمكن من القضاء ثم مات قضى عنه أكبر ولده الذكور وقيل يجب القضاء مطلقا عن مراتب الإرث حتى الزوجين ويقدم الأكبر من ذكورهم فالأكبر ثم الإناث ولو مات المريض قبل التمكن من القضاء سقط وفى القضاء عن المسافر لما فاته منه بسبب السفر خلاف.
وحيث لا يكون هناك ولى أو لم يجب عليه القضاء يتصدق من التركه عن اليوم بمد فى المشهور هذا إذا لم يوصى الميت بقضائه، وإلا سقطت الصدقة حيث يقضى عنه.
والشيخان ذكرا أو أنثى إذا عجزا عن الصوم أصلا أو مع مشقة شديدة فديا عن كل يوم بمد ولا قضاء عليهما لتعذره وهذا مبنى على الغالب من أن عجزهما عنه لا يرجى زواله لأنهما فى نقصان وإلا فلو فرض قدرتهما على القضاء وجب.
وهل يجب حينئذ الفدية معه؟ قطع به فى الدروس.
والأقوى أنهما إن عجزا عن الصوم أصلا فلا فدية ولا قضاء، وإن أطاقاه بمشقة شديدة لا يتحمل مثلها عادة فعليهما الفدية.
ثم ان قدرا على القضاء وجب. والأجود حينئذ ما اختاره فى الدروس من وجوبها معه لأنها وجبت بالإفطار أولا بالنص الصحيح والقضاء وجب بتجدد القدرة والأصل بقاء الفدية لإمكان الجمع ولجواز أن تكون عوضا عن الإفطار لا بدلا عن القضاء. وذو العطاش بضم أوله وهو داء لا يروى صاحبه ولا يتمكن من ترك شرب الماء طول النهار - الميئوس من برئه كذلك يسقط عنه القضاء ويجب عليه الفدية عن كل يوم بمد ولو برأ قضى وهل يجب مع القضاء الفدية الماضية الأقوى ذلك وقال المرتضى عليه القضاء من غير فدية أما غير الميئوس من برئه فإنه يفطر ويجب القضاء حيث يمكن من غير فدية.
والحامل التى قاربت الوضع والمرضعة القليلة اللبن اذا خافتا على الولد تفطران وتفديان وتقضيان
стр. 6068
مع زوال العذر والفدية من مالهما وان كان لهما زوج والولد له.
ولو كان خوفهما على أنفسهما فكالمريض تفطران وتقضيان من غير فدية، وكذا كل من خاف على نفسه ولا فرق فى ذلك بين الخوف لجوع وعطش ولا فى المرتضع بين كونه ولدا من النسب والرضاع ولا بين المستأجرة والمتبرعة، نعم لو قام غيرها مقامها متبرعا أو أخذ مثلها أو انقص امتنع الأفطار.
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل (١): أنه يباح للكبير الذى لا يطيق الصوم أن يفطر وليس عليه القضاء وكذلك المريض الذى لا يرجى برؤه فى قول.
ويلزمهما إطعام مسكين غداء وعشاء أو عشاء وسحورا عن كل يوم أفطر فيه.
وقيل يعطى لكل مسكين حفنة. وقيل يسقط عنهما الإطعام أيضا كالصوم، وهو المتبادر، لأنهما لم يكلفا بالصوم فكيف يلزمهما الإطعام.
ووجه من ألزمهما الإطعام التمسك بقول الله ﵎: «وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ»
حملا له على تقدير لا النافية أى لا يطيقونه لكبر أو مرض لا يرجى برؤه.
والحامل والمرضع إن خافتا ضياع ولدهما بالصوم جاز لهما الفطر اتفاقا.
فإن تيقنتا ضياع الولد بالصوم وجب عليهما الفطر.
وسواء فى الضياع هلاكه أو ضعفه الذى يخاف منه الهلاك أو ذهاب حس كسمع أو بصر ويلزمهما القضاء والإطعام عن كل يوم أفطرتا فيه.
وقيل عليهما القضاء فقط دون الإطعام.
والحامل تطعم من مالها على القول بوجوب الاطعام والمرضع تطعم من مال والد الصبى.
ومن أفطر لمرض أو لسفر ثم عوفى من مرضه أو قدم من سفره ولم يصم، حتى دخل رمضان الثانى صام الحاضر، وأطعم عن الماضى عن كل يوم مسكينا غداء وعشاء أن ضيع القضاء، حتى دخل الثانى، ويكون الإطعام عن قدر الأيام التى يلزمه صومها لا عن قدر ما ضيع.
فلو عوفى قبل رمضان الثانى بيوم وقد لزمه ثلاثة أيام ولم يصم حتى دخل رمضان أو رجع اليه مرضه فإنه يطعم عن الثلاثة أيام، لا عن يوم واحد، لأنه لما أمكنه صوم يوم ولم يصمه حتى عاد إليه العذر كان مطيقا، إذ لم يدخل فى القضاء، وقد أمكنه.
وقيل لا يطعم الا على يوم أمكنه ولم يصمه ثم يصوم ما فاته بعد ذلك.
وان لم يصم القضاء حتى أتى رمضان الثالث أطعم مرة ثانية وهكذا إن ضيع إلى الرابع أو أكثر.
وان لم يطعم بجهل أو نسيان أو بعمد (٢) أو
стр. 6069
بصوم ما يطعم أو من يطعم حتى انقضى الحاضر لم يلزمه إطعام بعد انقضائه وعليه صوم الماضى فقط، ولكن إذا جاء رمضان آخر قبل أن يصومه أطعم عنه.
وقيل الإطعام. دين عليه ولا يلزمه إيصاء الإطعام عنه إذا احتضر إن لم يضيع حتى احتضر خلافا لبعض.
ومن دام مرضه أو سفره حتى استهل رمضان الثانى صام الحاضر إن قدر ولا يلزمه الإطعام عن الماضى والإيصاء بصومه عند احتضاره، وقيل بلزومهما، ومن فاتته أيام غير (١) متتابعة أطعم عنها أول رمضان متتابعة كما لزمه القضاء متتابعا.
ومن أجاز عدم التتابع فى القضاء أجاز عدمه فى الإطعام
وإن لم يطعم أوله وأطعم وسطه أو آخره أجزأه ومن لزمه رمضانان ولم يصمهما حتى حضر الثالث أطعم عن كل ثلاثين مسكينا وقيل ستين.
حكم الافتداء فى الحج
مذهب الحنفية:
من (٢) فعل محظورا من محظورات الاحرام وجبت عليه فدية وهى أحد ثلاثة أشياء:
الصيام أو الصدقة أو النسك. لقول الله تعالى «فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ٣»﴾.
وروى عن رسول الله ﵌ أنه قال لكعب بن عجرة أيؤذيك هوام رأسك قال: نعم فقال: احلق واذبح شاة، أو صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من بر، وهذا الواجب يختلف باختلاف فعل المحظور.
ففى بعض المواضع يجب الدم عينا، وفى بعضها تجب الصدقة عينا، وفى بعضها تجب أحد الأشياء الثلاثة على التخيير، الصيام، أو الصدقة، أو الدم.
وجهات التعيين تكون الى من عليه هذا الواجب.
فمن المحظورات (٤): لبس المخيط، فالمحرم لا يلبس المخيط جملة لا قميصا، ولا قباء، ولا جبة، ولا سراويل، ولا عمامة، ولا قلنسوة، ولا يلبس خفين، لما روى عن عبد الله بن عمران أن رجلا سأل النبى ﵌ قال:
ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال رسول الله ﵌: لا يلبس القميص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف إلا أن لا يجد نعلين فيلبس الخفين وليقطعهما أسفل من
стр. 6070
الكعبين، ولا يلبس من الثياب شيئا مسه الزعفران، ولا الورس، ولا تنتقب المرأة، ولا تلبس القفازين.
وإنما يمنع المحرم من لبس المخيط إذا لبسه على الوجه المعتاد.
أما إن كان على غير الوجه المعتاد فلا يمنع منه كأن يتشح بالقميص أو يتزر بالسراويل، ولا يلبس الجوربين، لأنهما فى معنى الخفين.
فمن فعل هذا المحظور ولبس المخيط من غير عذر وضرورة يوما كاملا فعليه الدم لا يجوز غيره، لأن الأصل أن الارتفاق الكامل باللبس يوجب فداء كاملا، ولبس أحد هذه الأشياء يوما كاملا ارتفاق كامل فيوجب فداء كاملا وهو الدم لا يجوز غيره، لأنه فعله من غير ضرورة فلا يستحق التخفيف، وإن لبس أقل من يوم فلا دم عليه وعليه الصدقة.
وكان أبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول أولا إن لبس أكثر اليوم فعليه دم.
وكذا روى عن أبى يوسف رحمه الله تعالى، ثم رجع أبو حنيفة وقال: لا دم عليه حتى يلبس يوما كاملا.
وروى عن محمد رحمه الله تعالى أنه إذا لبس أقل من يوم يحكم عليه بمقدار ما لبس من قيمة الشاة ان لبس نصف يوم فعليه قيمة نصف شاة على هذا القياس.
ومقدار الصدقة نصف صاع من بر كذا روى ابن سماعة عن أبى يوسف رحمه الله تعالى أنه يطعم مسكينا نصف صاع من بر.
وكل صدقة تجب بفعل ما يحظر بالإحرام فهى مقدرة بنصف صاع إلا ما يجب بقتل القملة والجرادة فإنه يتصدق فى قتلهما بما شاء.
وروى ابن سماعة عن محمد رحمهما الله تعالى أن من لبس ثوبا يوما إلا ساعة فعليه من قيمة الدم بمقدار ما لبس، ولو غطى ربع رأسه يوما كاملا فصاعدا فعليه دم وإن كان أقل من الربع فعليه صدقة كذا ذكر فى الأصل، لأن ربع الرأس له حكم الكل فى هذا الباب.
وعن محمد رحمه الله تعالى أنه لا دم عليه حتى يغطى الأكثر من رأسه، لأن تغطية الأقل ليس بارتفاق كامل فلا يجب به جزاء كامل، ووجوب الفدية فى لبس المخيط إذا لبسه يوما كاملا حالة الإختيار، أما إذا لبسه لعذر وضرورة فعليه أحد الأشياء الثلاثة على التخيير، فإن شاء صام ثلاثة أيام، وإن شاء تصدق بثلاثة آصع من طعام على ستة مساكين وان شاء ذبح شاة، والأصل فيه قول الله ﵎ فى كفارة الحلق من مرض أو أذى فى الرأس «فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ» (١)، وقول رسول الله ﵌ السابق.
والنص وان ورد بالتخيير فى الحلق لكنه معلول بالتيسير والتسهيل للضرورة والعذر، وقد وجدها هنا لأن التخيير فى حال الضرورة للتيسير والتخفيف والجانى لا يستحق التخفيف.
стр. 6071
ولا فرق (١) فى لبس المخيط بين أن يكون مختارا للبس أو مكرها عليه أو كان نائما فغطى انسان رأسه ليلة كاملة أو وجهه، فيجب الجزاء على النائم لأن الارتفاق حصل له وعدم الاختيار أسقط الإثم عنه لا الموجب.
ولو جمع المحرم (٢) اللباس كله القميص والعمامة والخفين لزمه دم واحد، لأنه لبس واحد فوقع على جهة واحدة فيكفيه كفارة واحدة.
ولو اضطر إلى لبس ثوب فلبس ثوبين، فان لبسهما على موضع الضرورة فعليه كفارة واحدة وهى كفارة الضرورة، لأن اللبس حصل على وجه واحد فيوجب كفارة واحدة، وان لبسهما على موضعين مختلفين موضع الضرورة، وغير موضع الضرورة كما اذا اضطر إلى لبس العمامة أو القلنسوة فلبسهما مع القميص أو غير ذلك فعليه كفارتان كفارة الضرورة للبسه ما يحتاج اليه، وكفارة الاختيار للبسه ما لا يحتاج إليه.
ولو لبس ثوبا للضرورة ثم زالت الضرورة فدام على ذلك يوما أو يومين فمادام فى شك من زوال الضرورة لا يجب عليه إلا كفارة واحدة، وإن تيقن بأن الضرورة قد زالت فعليه كفارتان، ولو حصره عدو فاحتاج إلى لبس الثياب فلبس ثم ذهب فنزع ثم عاد العدو فعاد إلى اللبس أو كان العدو لم يبرح مكانه فكان يلبس فيقاتل بالنهار وينزع بالليل فعليه كفارة واحدة ما لم يذهب هذا العدو ويجئ عدو آخر.
والأصل فى جنس هذه المسائل أنه ينظر إلى اتحاد الجهة واختلافها لا إلى صورة اللبس، فإن لبس المخيط أياما فإن لم ينزع ليلا ولا نهارا يكفيه دم واحد بلا خلاف، لأن اللبس على وجه واحد.
وكذلك اذا كان يلبسه بالنهار وينزعه بالليل للنوم من غير أن يعزم على تركه لا يلزم إلا دم بالإجماع، لأنه اذا لم يعزم على الترك كان اللبس على وجه واحد، فإن لبس يوما كاملا فأراق دما ثم دام على لبسه يوما كاملا فعليه دم آخر بلا خلاف لأن الدوام على اللبس بمنزلة لبس مبتدأ، وإن لم يكفر للأولى فعليه كفارتان فى قول أبى حنيفة ﵀ وأبى يوسف رحمه الله تعالى وعليه كفارة واحدة.
ومن محظورات (٣) الإحرام الطيب فلو طيب المحرم عضوا كاملا كالفخذ والرأس والساق ونحو ذلك فعليه دم وإن طيب أقل من عضو فعليه صدقة، وقال محمد رحمه الله تعالى يقوم ما يجب فيه الدم فيتصدق بذلك القدر حتى لو طيب ربع عضو فعليه من الصدقة قدر قيمة ربع شاة وإن طيب نصف عضو تصدق بقدر قيمة نصف شاة، وان طيب الأعضاء (٤) كلها فإن كان فى مجلس
стр. 6072
واحد فعليه دم واحد، لأن جنس الجناية واحد، وان كان فى مجلسين مختلفين بأن طيب كل عضو فى مجلس على حدة فعليه لكل واحد دم فى قول أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى، سواء ذبح للأول أو لم يذبح.
وقال محمد ﵀ إن ذبح للأول فكذلك وإن لم يذبح فعليه دم واحد، وسائر الأدهان التى فيها الطيب إذا ادهن بها عليه دم إذا بلغ عضوا وإن كان الدهن غير مطيب بان ادهن بزيت أو بشيرج فعليه دم فى قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى، لأنه أصل الطيب.
وعند أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى عليه صدقه، ولو داوى بالزيت جرحه أو شقوق رجليه فلا كفارة عليه، لأنه لم يستعمله على وجه الطيب بخلاف ما اذا تداوى بالطيب أنه تجب به الكفارة لأنه طيب فى نفسه فيستوى فيه استعماله للتطيب أو لغيره، ومن حلق (١) رأسه من غير عذر فعليه دم لا يجزيه غيره لأنه ارتفاق كامل من غير ضرورة وإن حلق رأسه لعذر فعليه أحد الأشياء الثلاثة، لقول الله : «فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ» (٢)، ولما روى من حديث كعب بن عجرة، ولأن الضرورة لها أثر فى التخفيف فخير بين الأشياء الثلاثة تخفيفا وتيسيرا، وإن حلق ثلثه أو ربعه فعليه دم، وإن حلق دون الربع فعليه صدقة كذا ذكر فى ظاهر الرواية، ولم يذكر اختلافا.
وحكى الطحاوى فى مختصره الاختلاف فقال: إذا حلق ربع رأسه يجب عليه الدم فى قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى.
وفى قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى لا يجب ما لم يحلق أكثر رأسه.
وذكر القدورى فى شرحه مختصر الحاكم اذا حلق ربع رأسه يجب عليه دم فى قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى.
وعند أبى يوسف رحمه الله تعالى اذا حلق أكثره يجب.
وعند محمد رحمه الله تعالى اذا حلق (٣) شعره يجب. هذا اذا حلق رأس نفسه. فأما اذا حلق رأس غيره فعلى الحالق صدقة، لأن المحرم كما هو ممنوع من حلق رأس نفسه ممنوع من حلق رأس غيره، لقول الله ﵎ «وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ» (٤).
الإنسان لا يحلق رأس نفسه عادة سواء كان المحلوق حلالا أو محرما غير أن المحلوق له إن كان حلالا فلا شئ عليه، وإن كان محرما فعليه الدم، لحصول الارتفاق الكامل له، وإن حلق شاربه فعليه صدقة، ولو نتف أحد الابطين فعليه الدم، ولو نتف الإبطين جميعا تكفيه كفارة واحدة، ومن قلم أظافر يد أو رجل من غير عذر وضرورة فعليه
стр. 6073
دم، لأنه ارتفاق كامل فتكاملت الجناية فتجب كفارة كاملة، وإن قلم أقل من يد أو رجل فعليه صدقة لكل ظفر نصف صاع، وهذا قول الأصحاب الثلاثة رحمهم الله تعالى.
وقال زفر رحمه الله تعالى: إذا قلم ثلاثة أظفار فعليه دم لأن ثلاثة أظافير من اليد أكثرها والأكثر يقوم مقام الكل فى هذا الباب
ووجه قول الأصحاب الثلاثة: إن قلم ما دون اليد ليس بارتفاق كامل فلا يوجب كفارة كاملة، وفعل المحظور عامدا (١) لا يرفع الاثم ولا تخرجه الفدية والغرم عليها من كونه عاصيا
قال النووى وربما ارتكب بعض العامة شيئا من هذه المحرمات وقال: أنا أفدى متوهما أنه التزام الفداء يتخلص من وبال المعصية وذلك خطأ صريح وجهل قبيح فإنه يحرم عليه الفعل فإذا خالف أثم ولزمته الفدية وليست الفدية مبيحة للإقدام على فعل المحرم (٢).
مذهب المالكية:
يحرم على المرأة (٣) اذا أحرمت بحج أو عمرة لبس (٤) القفاز فإن لبسته فعليها الفدية، ويحرم عليها ستر الوجه، فإن غطت المحرمة شيئا من وجهها وجبت عليها الفدية، لأن إحرام المرأة فى وجهها وكفيها، ووجوب الفدية فى ستر الوجه إذا لم تقصد به الستر عن أعين الرجال، فإن قصدت ذلك فلا فدية عليها، لكن بشرط أن يكون الستر بلا غرز للساتر بإبرة ونحوها، وبلا ربط له برأسها كالبرقع بربط أطرافه بعقده بل المطلوب سدله على رأسها ووجهها فإن سترت وجعها بلا عذر أو سترته لعذر، ولكن بغرز أو ربط فعليها الفدية.
وشرط وجوب الفدية عليها الانتفاع باللبس من حر أو برد وشبهه مما وضع له ذلك اللباس، ولذلك تجب الفدية إذا طال اللبس، فإن أزالته بالقرب فلا فدية، لأنه لم يحصل انتفاع، وتجب الفدية على الرجل بلبس المخيط وكذلك المحيط بالبدن أو لعضو من أعضائه وإن كانت إحاطته بسبب نسج أو زر بقفله عليه أو بسبب عقد أو تخليل بعود كخاتم وقباء، وإن لم يدخل يديه فى كمه بأن وضعه على منكبيه مخرجا يديه من تحته، فإن نكس القباء بأن جعل أسفله على منكبيه فلا فدية، ويحرم عليه أن يستر رأسه ووجهه (٥) بما يعد ساترا من خرقة أو رداء.
قال مالك لا يستر المحرم على رأسه ولا على
стр. 6074
وجهه من الشمس بعصا فيها ثوب فإن فعل افتدى، وكل ما أوجب رفاهية للبدن مخيطا كان أو محيطا أو جلد حيوان يسلخ فيلبس ففيه الفدية، والاحتزام فوق الازار لغير عمل يوجب الفدية، ويجوز الاحتزام لوضع الدراهم فيه بشرطين، أن يكون ذلك لحمل نفقته التى ينفقها على نفسه وعياله، وأن يكون الاحتزام على جلده لا على إزاره، فإن احتزم لتجارة أو لحمل نفقة غيره أو لبس على جلده فعليه الفدية.
واذا (١) ضم نفقة غيره لنفقته التى وضعها فى حزامه الذى شده على جسده ثم إنه نفذت نفقته وترك ذا النفقة ذهب لمحل وهو يعلم بذهابه ولم يردها له فإنه تجب عليه الفدية، وكذلك تجب الفدية إذا ترك ردها له مع تمكنه من الرد، وجاز لبس خف قطع أسفل من كعب لفقد نعل أو غلوه غلوا فاحشا، فمن لم يجد نعلين ووجد خفين فليقطعما أسفل من الكعبين ويلبسهما ولا فدية عليه، وإن وجد نعلين واحتاج إلى لبس الخفين لضرورة بقدميه فقطعهما أسفل من الكعبين فيلبسهما ويفتدى، لأن لبسه الخفين لضرورة بسبب الدواء فلذلك لزمته الفدية
ويجوز أن يحمل المحرم على رأسه ما تدعو الحاجة اليه من زاد ونحوه اذا لم يجد من يحمله له أو كان فقيرا لا يجد أجرة من يحمله ولا فدية عليه، فان حمل زاده وما يحتاج اليه بخلا فعليه الفدية:
قال مالك: وجائز أن يحمل المحرم على رأسه اذا كان راجلا مما لا بد له منه مثل خرجه فيه زاده أو جرابه ولا يحمل ذلك لغيره تطوعا ولا باجارة فان فعل افتدى
وان أجر نفسه لحمل أو حمل لتجارة فعليه الفدية، لأنه خرج عن موضع الرخصة العامة
وتجب الفدية ان عصب جرحه أو دمله أو رأسه ولو لضرورة وذلك جائز للضرورة
وكذلك ان لصق خرقة على جرحه أو رأسه وان كانت الخرقة كبيرة كدرهم يغلى
فان كانت الخرقة صغيرة فلا فدية.
فلو تعددت الخرقة بمواضع فعليه فدية واحدة
ولو وضع قطنة ولو صغيرة غير مطيبة بأذنيه أو بواحدة فعليه الفدية لأنها لنفع الأذن.
ومن اضطر إلى فعل محظور فعله وافتدى وتأثير الضرورة عند وقوعها فى رفع الاثم وجواز الفعل لا فى سقوط الفدية كما فى الحلق ولبس المخيط.
وتجب الفدية اذا احتجم وأزال شعرا أو قتل قملا كثيرا. وأما القليل ففيه الاطعام وسواء احتجم فى ذلك لعذر أم لا.
وتجب الفدية بالأدهان بالطيب ولو لعلة ولو كان ببطن الكف أو الرجل. وكذلك تجب الفدية بالأدهان بغير الطيب لغير علة ولو ببطن كف أو رجل.
أما الأدهان بغير الطيب لعلة فإن كان ببطن كف أو رجل فلا فدية عليه. وإن كان فى الجسد فقولان:
стр. 6075
بوجوب الفدية وعدمه. ولو وضع الطيب (١) فى طعام أو شراب من غير طبخ فيه فالفدية.
فلو مسه ولم يعلق به أو حمل قارورة سدت سدا وثيقا بحيث لم يظهر منها ريح فلا فدية والطيب المطبوخ إن أماته الطبخ ولو صبغ الفم لا فدية فيه فإن لم يمته الطبخ فالفدية.
والظاهر أن المراد بإماته استهلاكه فى الطعام وذهاب عينه بحيث لا يظهر منه سوى الريح كالمسك أو أثره كالزعفران والطيب اليسير الباقى فى ثوبه أو بدنه مما تطيب به قبل إحرامه لا فدية عليه وإن كره.
ومن أصابه الطيب (٢) من إلقاء ريح أو غيره على ثوبه أو بدنه فلا فدية قل أو كثر إلا أن يتراخى فى طرحه فالفدية.
ولو أصابه من خلوق الكعبة - بفتح الخاء - فلا فدية عليه ولو كثر لطلب القرب منها وخير فى نزع يسير خلوق الكعبة والباقى من الطيب مما قبل إحرامه.
وأما ما أصابه من إلقاء الريح أو غيره فيجب نزع يسيره وكثيره فورا فإن تراخى فيهما افتدى. وإن لم يكن الخلوق أو الباقى مما قبل إحرامه يسيرا بل كان كثيرا افتدى. وإن تراخى فى نزعه لكن فى خلوق الكعبة فقط.
وأما الباقى مما قبل الإحرام فيفتدى فى كثيره وإن لم يتراخ على المعتمد.
وقال بعض المحققين النص فى خلوق الكعبة التخيير فى نزع يسيره، وأما الكثير فيؤمر بنزعه استحبابا. وإن غطيت رأس المحرم النائم (٣) بفعله أو فعل غيره فإن تراخى فى نزعه بعد يقظتهما افتدى. وإن نزعه فورا فلا فدية عليه.
وإن ألقى حل طيبا على محرم نائم أو ألقى ثوبا على رأسه فإن تراخى المحرم فى نزعه بعد يقظته فعليه الفديه .. وإن لم يتراخ فى نزعه بعد انتباهه فالفدية على الحل.
وفدية الحل تكون بإطعام ستة مساكين لكل مسكين مدان أو يذبح شاة مما تجزئ فى الأضحية
ولا يفتدى بالصوم، لأنه عبادة بدنية لا تكون عن الغير. فإن لم يجد الحل ما يفتدى به فليفتد المحرم بواحد من أنواع الفدية الثلاثة.
وإنما جاز الصوم هنا لأنه فى الحقيقة صام عن نفسه وإن كانت كفارته نيابة عن الحل.
وهذا على رأى ابن المواز.
وقيل إذا لم يجد الحل الملقى ما يفتدى به لا شئ على المحرم الذى نزع فورا، وهو لابن يونس وعبد الحق. وإن حلق الحل رأس المحرم فإن الفدية بغير الصوم على الحل الحالق إذا كان المحرم مكرها أو نائما، فان لم يجد الحل فليفتد المحرم بواحد من أنواع الفدية الثلاثة.
стр. 6076
وإذا افتدى المحرم بغير الصوم فإنه يرجع على الحل بالأقل من قيمة النسك وكيل الطعام أو ثمنه إن اشتراه. وان كان افتدى بالصوم فلا رجوع.
وإن ألقى محرم طيبا على محرم نائم ولم يتراخ النائم فى نزعه بعد انتباهه فعلى الملقى فديتان على الأرجح فدية لمسه الطيب، وفدية أخرى لتطيبه النائم، فان لزمت الفدية النائم بأن تراخى فى الإزالة بعد نومه فعلى الملقى واحدة فقط.
وإن حلق حل محرما بإذن من المحرم ولو حكما بأن رضى بفعله فعلى المحرم الفدية. وان حلق محرم رأس حل افتدى المحرم لاحتمال أن يكون قتل قملا فى حلاقه فإن تيقن نفيه فلا ولذلك لو قلم المحرم ظفر الحل فلا شئ على المقلم.
وفى قلم الظفر الواحد لإماطة الأذى حفنة من طعام وفى قص ما زاد على الواحد فدية سواء كان لإماطة الأذى أولا وإن أبان واحدا بعد آخر فإن كانا فى فور ففدية وإلا ففى كل واحد حفنة، والفدية (١) منحصرة فيما يترفه به أو فيما يزيل به أذى كقص شارب أو قلم ظفر، والأصل أن الفدية تتعدد بتعدد موجبها إلا فى مواضع أربعة:
الأول: أن يظن الفاعل أو يعتقد أنه يباح له فعل الأشياء الممنوعة على المحرم، بأن يعتقد أنه خرج من إحرامه، كأن يطوف بالإفاضة أو للعمرة على غير وضوء معتقدا أنه متوضئ فلما فرغ من حجه أو عمرته بالسعى بعدهما فى اعتقاده فعل موجبات الكفارة، ثم تبين له فسادهما، وأنه باق على احرامه، فعليه كفارة واحدة.
وثانيها: أن تعدد موجبها من لبس وتطيب وقلم أظفار وقتل دواب بفور ففدية واحدة، لأنه كالفعل الواحد.
ومن ذلك ما يفعله من لا قدرة له على التجرد من إحرامه، ثم يلبس بعده جميع ملبوسه من قلنسوة وعمامة وقميص وسراويل، وغير ذلك.
فإن تراخى ما بين الفعلين تعددت الفدية.
وثالثها: أن ينوى تكرار الفعل الموجب لها عند فعل الأول أو إرادته وتراخى ما بين الفعلين ولو اختلف الموجب.
ورابعها: أن يتراخى ما بين الفعلين ولم ينو التكرار عند الفعل الأول، إلا أنه قدم ما نفعه أعم كأن قدم الثوب على السراويل أو القميص على الجبة أو القلنسوة على العمامة إلا أن يكون للخاص زيادة نفع على العام كما إذا أطال السراويل طولا له بال يحصل به انتفاع أو دفع حر أو برد فتتعدد كما إذا عكس فقدم السراويل على الثوب.
وشرط الفدية فى اللبس لثوب أو خف أو غيرهما انتفاع من حر أو برد باعتبار العادة العامة بالاعتبار - عادة بعض الأشخاص فلو لبس ثوبا رقيقا لا يقى حرا ولا بردا أو تراخى فى نزعه، فإنه يفتدى لحصول نفع فى الجملة من حيث الدوام، لا إن نزع مكانه فلا شئ عليه.
وفى الفدية يلبسه فى صلاة لم يطول فيها
стр. 6077
قولان: الراجح عدم الفدية، وظاهره ولو رباعية. فإن طول فالفدية اتفاقا، أما ما لا يقع إلا منتفعا به كالطيب فالفدية تجب بمجرده بلا تفصيل. ولم يأثم مرتكب موجب الفدية إن فعل لعذر حاصل أو مترقب. والفدية أنواع ثلاثة:
نسك شاة.
أو إطعام ستة مساكين، لكل مدان فهى ثلاثة آصع.
أو صيام ثلاثة أيام، ولو أيام منى.
مذهب الشافعية:
إذا احرم (١) الرجل حرم عليه حلق الرأس
لقول الله ﵎ «وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ» (٢).
ويحرم عليه حلق شعر سائر البدن، لأنه حلق يتنظف به ويترفه به فلم يجز كحلق الرأس ويجب به الفدية. لقول الله «فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ» (٣). ولما روى كعب بن عجرة أن رسول الله ﵌ قال: لعلك أذاك هوام رأسك فقلت نعم يا رسول الله فقال: احلق رأسك وصم ثلاثة أيام أو اطعم ستة مساكين أو انسك شاة.
ويجوز له أن يحلق شعر الحلال، لأن نفعه يعود إلى الحلال فلم يمنع منه كما لو أراد أن يعممه أو يطيبه. ويحرم عليه أن يقلم أظفاره لأنة جزء ينمى وفى قطعه ترفيه وتنظيف فمنع الإحرام منه كحلق الشعر ويجب به الفدية قياسا على الحلق.
ويحرم ان يستر رأسه لما روى ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن النبى ﷺ قال فى المحرم الذى خر من بعيره: لا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا. وتجب به الفدية، لأنه فعل محرم فى الاحرام فتعلقت به الفدية كالحلق.
ويحرم عليه لبس القميص. لما روى ابن عمر رضى الله تعالى عنهما أن النبى ﵌ قال فى المحرم: لا يلبس القميص ولا السراويل ولا البرنس ولا العمامة ولا الخف إلا أن لا يجد نعلين فيقطعهما أسفل من الكعبين.
ولا يلبس من الثياب ما مسه ورس أو زعفران وتجب به الفدية، لأنه فعل محظورا فى الإحرام فتعلقت به الفدية كالحلق.
ويحرم لبس السراويل لحديث ابن عمر رضى الله تعالى عنه المتقدم وتجب به الفدية.
وإن زر الأزار أو خاطه أو شوكه لم يجز، لأنه يصير كالمحيط. وإن لم يجد إزارا جاز أن يلبس السراويل ولا فدية عليه.
ويحرم عليه لبس الخفين للخبر وتجب به الفدية لما ذكرناه من القياس على الحلق. فإن لبس الخف مقطوعا من اسفل الكعب مع وجود النعل لم يجز
стр. 6078
على المنصوص من قول الشافعى وتجب عليه الفدية.
ومن مشايخنا من قال يجوز ولا فدية عليه
ويحرم عليه لبس القفازين وتجب به الفدية، لأنه ملبوس على قدر العضو فأشبه الخف.
ويحرم على المرأة ستر الوجه (١)، لما روى ابن عمر رضى الله تعالى عنهما أن النبى ﵌ نهى النساء فى إحرامهن عن القفازين والنقاب ومامسه الورس والزعفران وتجب به الفدية بستر الوجه قياسا على الحلق.
ويحرم عليه استعمال الطيب فى ثيابه وبدنه، لحديث ابن عمر رضى الله عنهما أن النبى ﵌ قال: «ولا تلبس من الثياب ما مسه ورس أو زعفران» وتجب به الفدية قياسا على الحلق.
ولا يلبس ثوبا مبخرا بالطيب ولا ثوبا مصبوغا بالطيب ويجب به الفدية قياسا على ما مسه الورس والزعفران. وإن علق بخفه طيب وجبت به الفدية لأنه ملبوس فهو كالثوب. ويحرم عليه استعمال الطيب فى بدنه. ولا يجوز أن يأكله ولا أن يكتحل به ولا يستعط به ولا يحتقن به.
فإن استعمله فى شئ من ذلك لزمته الفدية، لأنه إذا وجب ذلك فيما يستعمله من الثياب فلأن يجب فيما يستعمله ببدنه أولى.
وان كان الطيب فى طعام نظرت فإن ظهر ذلك فى طعمه أو رائحته لم يجز أكله وتجب به الفدية وإن ظهر ذلك فى لونه وصبغ به اللسان من غير طعم ولا رائحة فقد قال فى المختصر الأوسط من كتاب الحج: لا يجوز، وقال فى الأم: والإملاء يجوز، وقال أبو إسحاق: يجوز قولا واحدا ويحرم ستر بعض رأس الرجل وإن قل بما يعد ساترا عرفا بخلاف ما لا يعد ساترا كخيط شده به (٢).
وله أن يحمل (٣) الطيب فى خرقة أو قارورة والمسك فى نافجة ولا فدية عليه لأن دونه حائلا.
وأن مس طيبا فعبقت به رائحته ففيه قولان:
أحدهما: لا فدية عليه لأنه رائحة عن مجاورة فلم يكن لها حكم كالماء إذا تغيرت رائحته بجيفة بقربه.
والثانى: يجب، لأن المقصود من الطيب هو الرائحة، وقد حصل ذلك ويجوز ستر بعض رأس الرجل أو كله لحاجة من حر أو برد أو مداواة كأن جرح رأسه فشد عليه خرقة، لقول الله ﵎ «وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (٤)
ويلزمه مع ذلك الفدية كما مر قياسا على الحلق بسبب الأذى. وإن لبس (٥) أو تطيب أو دهن رأسه أو لحيته جاهلا بالتحريم أو ناسيا للإحرام لم تلزمه الفدية. لما روى أبو يعلى بن أمية قال: أتى
стр. 6079
رسول الله ﵌ رجل بالجعرانة وعليه جبة وهو مصفر لحيته ورأسه فقال: يا رسول الله أحرمت بعمرة وأنا كما ترى فقال: اغسل عنك الصفرة وانزع عنك الجبة وما كنت صانعا فى حجك فاصنع فى عمرتك، ولم يأمره بالفدية، فدل على أن الجاهل لا فدية عليه.
فإذا ثبت هذا فى الجاهل ثبت فى الناسى لأن الناسى يفعل وهو يجهل تحريمه عليه. فإن ذكر ما فعله ناسيا أو علم ما فعله جاهلا نزع اللباس وأزال الطيب، لحديث يعلى بن أمية، فإن لم يقدر على إزالة الطيب لم تلزمه الفدية لأنه مضطر إلى تركه فلم تلزمه فدية كما لو أكره على التطيب.
وإن قدر على إزالته واستدام لزمته الفدية، لأنه تطيب من غير عذر فأشبه ما إذا ابتدأ به وهو عالم بالتحريم. وإن مس طيبا وهو يظن أنه يابس وكان رطبا ففيه قولان:
أحدهما: تلزمه الفدية، لأنه قصد مس الطيب.
والثانى: لا تلزمه لأنه جهل تحريمه فأشبه إذا جهل تحريم الطيب فى الإحرام.
فإن حلق الشعر أو قلم الظفر ناسيا أو جاهلا بالتحريم فالمنصوص أنه تجب عليه الفدية، لأنه اتلاف، فاستوى فى ضمانه العمد والسهو، كاتلاف مال الآدمى. وفيه قول آخر مخرج أنه لا تجب لأنه ترفه وزينة. فاختلف فى فدية السهو والعمد كالطيب.
وإن حلق رجل رأس غيره فإن كان بإذنه وجبت عليه الفدية، لأنه أزال شعره بسبب لا عذر فيه، فأشبه إذا حلقه بنفسه.
وإن حلق رجل رأس محرم وهو نائم أو على كره منه فعليه الفدية. وعلى من تجب؟ فيه قولان:
أحدهما: تجب على الحالق، لأنه أمانة عنده، فإذا أتلفه غيره وجب الضمان على من أتلفه كالوديعة إذا أتلفها غاصب.
والثانى: أنها تجب على المحلوق، لأنه هو الذى ترفه بالحلق فكانت الفدية عليه، وللمحلوق مطالبته بإخراجها، لأنها تجب بسببه. فإن مات الحالق أو أعسر بالفدية لم تجب على المحلوق الفدية وأخذها من الحالق وأخرج.
وإن افتدى المحلوق نظرت، فإن افتدى بالمال رجع بأقل الأمرين من الشاة أو ثلاثة آصع. فان أداها بالصوم لم يرجع عليه، لأنه لا يمكن الرجوع به.
ويكره للمحرم أن يحك شعره بأظفاره حتى لا ينتثر شعره، فإن انتثر منه شعره لزمته الفدية.
ويكره أن يفلى رأسه ولحيته، فإن فلى وقتل قملة استحب له أن يفديها.
قال الشافعى رحمه الله تعالى وأى شئ فداها به فهو خير منها.
وإذا حلق (١) المحرم شعر رأسه فكفارته أن يذبح شاة أو يطعم ستة مساكين ثلاثة آصع لكل مسكين نصف صاع أو يصوم ثلاثة أيام وهو مخير بين الثلاثة
стр. 6080
لقول الله ﵎: «فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ» (١). ولحديث كعب بن عجرة.
وإن حلق ثلاث شعرات كانت كفارته ما ذكرناه فى حلق الرأس لأنه يقع عليه اسم الجمع المطلق. وإن حلق شعر رأسه وشعر بدنه لزمه ما ذكرناه
وقال أبو القاسم الأنماطى يجب عليه فديتان، لأن شعر الرأس مخالف لشعر البدن.
والمذهب الأول، لأنهما وإن اختلفا فى النسك إلا أن الجمع جنس واحد فاجزأه لهما فدية واحدة.
وإن قبل (٢) امرأته بشهوة أو باشرها فيما دون الفرج بشهوة لم يفسد حجه، لأنها مباشرة لا توجب الحد، فلم تفسد الحج، كالمباشرة لغير شهوة، ويجب عليه فدية الأذى لأنه استمتاع لا يفسد الحج، فكانت كفارته ككفارة فدية الأذى.
مذهب الحنابلة:
تجب الفدية بحلق (٣) المحرم رأسه ولا خلاف فى ذلك
فقد قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم علي وجوب الفدية على من حلق وهو محرم بغير علة.
والأصل فى ذلك قول الله ﵎: «وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ» (٤).
ولا فرق فى ذلك بين العامد والمخطئ ومن له عذر ومن لا عذر له فى ظاهر المذهب، لأنه اتلاف، فاستوى عمده وخطأه كقتل الصيد، ولأن الله تعالى أوجب الفدية على من حلق رأسه لأذى به، وهو معذور، فكان ذلك تنبيها على وجوبها على غير المعذور، ودليلا على وجوبها على المعذور ودليلا على وجوبها على غير المعذور بنوع آخر مثل المحتجم الذى يحلق موضع محاجمه أو شعرا عن شجته.
وفى معنى الناسى النائم الذى يقلع شعره أو يصوب شعره إلى تنور فيحرق لهب النار شعره ونحو ذلك.
والفدية هى إحدى الثلاثة المذكورة فى الآية.
ولخبر أيها شاء فعل، لأنه أمر بها بلفظ التخيير.
ولا فرق فى ذلك بين المعذور وغيره والعامد والمخطئ فى رواية.
وعن أحمد أنه اذا حلق لغير عذر فعليه الدم من غير تخيير، لأن الله تعالى خير بشرط العذر، فإذا عدم الشرط وجب زوال التخيير.
ودليل الرأى الأول أن الحكم ثبت فى غير المعذور بطريق التنبيه تبعا له والتبع لا يخالف أصله وأن كل كفارة ثبت التخيير فيها إذا كان سببها
стр. 6081
مباحا، ثبت كذلك إذا كان محظورا كجزاء الصيد.
ولا فرق بين قتله للضرورة إلى أكله أو لغير ذلك وإنما الشرط لجواز الحلق لا التخيير. والقدر الذى يجب به الدم أربع شعرات فصاعدا. وفيه رواية أخرى عن أحمد أنه يجب فى الثلاث ما فى حلق الرأس.
قال القاضى أبو يعلى هو المذهب لأنه شعر آدمى يقع عليه اسم الجمع المطلق فجاز أن يتعلق به الدم كالربع، وشعر الرأس وغيره سواء فى وجوب الفدية لأن شعر غير الرأس يحصل بحلقه الترفه والتنظيف فأشبه الرأس.
فإن حلق من شعر رأسه وبدنه ففى الجميع فدية واحدة وإن كثر.
وإن حلق من رأسه شعرتين ومن بدنه شعرتين فعليه دم واحد.
هذا ظاهر كلام الخرقى واختيار أبى الخطاب ومذهب أكثر الفقهاء.
وذكر أبو الخطاب أن فيها روايتين:
إحداهما: ما ذكرنا.
والثانية: إذا قلع من شعر رأسه وبدنه ما يجب الدم بكل واحد منهما منفردا ففيهما دمان وهو الذى ذكره القاضى وابن عقيل، لأن الرأس يخالف البدن بحصول التحلل به دون البدن.
والدليل على الرواية الأولى أن الشعر كله جنس واحد فى البدن فلم تتعدد الفدية فيه باختلاف مواضعه كسائر البدن وكاللباس ودعوى الاختلاف تبطل باللباس فإنه يجب كشف الرأس دون غيره والجزاء فى اللبس فيهما واحد.
والفدية (١) الواجبة بحلق الشعر هى المذكورة فى حديث كعب بن عجرة. لقول رسول الله ﵌ «احلق رأسك وصم ثلاثة أيام أو اطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع أو انسك شاة» وفى لفظ أو اطعم فرقا بين ستة مساكين متفق عليه. وفى لفظ أو اطعم ستة مساكين بين كل مسكينين صاع.
ويجزئ (٢) البر والشعير والزبيب فى الفدية لأن كل موضع أجزأ فيه التمر أجزأ فيه ذلك كالفطرة وكفارة اليمين.
وقد روى أبو داود فى حديث كعب بن عجرة قال: فدعانى رسول الله ﵌ فقال لى: «احلق رأسك وصم ثلاثة أيام أو اطعم ستة مساكين فرقا من زبيب أو انسك شاة» رواه أبو داود. ولا يجزى من هذه الأصناف أقل من ثلاثة آصع إلا البر ففيه روايتان.
إحداهما: مد من بر لكل مسكين مكان نصف صاع من غيره كما فى كفارة اليمين والثانية لا يجزئ إلا نصف صاع، لأن الحكم ثبت فيه بطريق التنبيه أو القياس والفرع يماثل أصله ولا يخالفه.
وإذا حلق ثم حلق فالواجب فدية واحدة ما لم يكفر عن الأول قبل فعل الثانى. فان كفر عن
стр. 6082
الأول ثم حلق ثانيا فعليه للثانى كفارة أيضا.
وكذلك الحكم فيما إذا لبس ثم لبس أو تطيب ثم تطيب أو كرر من محظورات الإحرام اللاتى لا يزيد الواجب فيها بزيادتها ولا يتقدر بقدرها.
فأما ما يتقدر الواجب بقدره وهو اتلاف الصيد ففى كل واحد منها جزاؤه، وسواء فعله مجتمعا أو متفرقا ولا تداخل فيه ففعل المحظورات متفرقا كفعلها مجتمعة فى الفدية ما لم يكفر عن الأول قبل فعل الثانى.
وروى عن أحمد أنه إن كرره لأسباب مثل أن لبس للبرد ثم لبس للحر ثم لبس للمرض فكفارات. وإن كان لسبب واحد فكفارة واحدة.
وقد روى عنه الأثرم فيمن لبس قميصا وجبة وعمامة وغير ذلك لعلة واحدة، قلت له: فإن اعتل فلبس جبة ثم برأ ثم اعتل فلبس جبة فقال:
هذا الآن عليه كفارتان.
والدليل على القول الأول أن ما يتداخل إذا كان بعضه عقيب بعض يجب أن يتداخل وإن تفرق كالحدود وكفارة الأيمان وان الله تعالى أوجب فى حلق الرأس فدية واحدة ولم يفرق بين ما وقع فى دفعة واحدة أو فى دفعات.
والقول بأنه لا يتداخل غير صحيح فإنه إذا حلق رأسه لا يمكن إلا شيئا بعد شئ.
فأما جزاء الصيد (١) فلا يتداخل ويجب فى كل صيد جزاؤه سواء وقع متفرقا أو فى حال واحدة
وعن أحمد يتداخل قياسا على سائر المحظورات ولا يصح، لأن الله ﵎ قال: «فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ» (٢). ومثل الصيدين لا يكون أحدهما، ولأنه لو قتل صيدين دفعة واحدة وجب جزاؤهما فإذا تفرقا أولى أن يجب لأن حالة التفريق لا تنقص عن حالة الاجتماع كسائر المحظورات.
وإذا (٣) حلق المحرم رأس حلال أو قلم أظفاره فلا فدية عليه، لأنه شعر مباح الإتلاف فلم يجب بإتلافه شئ كشعر بهيمة الأنعام.
وإن حلق محرم رأس محرم بإذنه فالفدية على من حلق رأسه وكذلك إن حلقه حلال بإذنه لأن الله تعالى قال: «وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ» (٤).
وقد علم أن غيره هو الذى يحلقه فأضاف الفعل إليه وجعل الفدية عليه.
وإن حلقه مكرها أو نائما فلا فدية على المحلوق رأسه لأنه لم يحلق بإذنه فأشبه ما لو انقطع الشعر بنفسه إذا ثبت هذا فإن الفدية على الحالق حراما كان أو حلالا، لأنه أزال ما منع من إزالته لأجل الإحرام فكانت عليه فديته كالمحرم يحلق رأس نفسه.
وإذا قلع جلدة عليها شعر فلا فدية عليه، لأنه زال تابعا لغيره والتابع لا يضمن كما لو قلع أشفار
стр. 6083
عينى إنسان فإنه لا يضمن إهدابهما.
وإذا خلل شعره فسقطت شعرة فإن كانت ميتة فلا فدية فيها، وإن كانت من شعره النابت ففيها الفدية. وإن شك فيها فلا فدية فيها، لأن الأصل نفى الضمان إلى أن يحصل يقين.
وإذا حلق دون الأربع أو الثلاث على الخلاف السابق فعليه فى كل شعرة مد من طعام
وروى عن أحمد فى الشعرة درهم وفى الشعرتين درهمان. وروى عنه أيضا فى كل شعرة قبضة من طعام
ومن أبيح (١) له حلق رأسه لأذى به فهو مخير فى الفدية قبل الحلق وبعده نص عليه أحمد. لما روى أن الحسين بن على رضى الله عنهما اشتكى رأسه فأتى على فقيل له: هذا الحسين يشير إلى رأسه فدعا بجزور فنحرها ثم حلقه وهو بالسعياء رواه أبو إسحاق الجوزجانى، ولأنها كفارة فجاز تقديمها على وجوبها ككفارة الظهار واليمين والمحرم ممنوع من أخذ أظفاره وعليه الفدية بأخذها، لأنه أزال ما منع إزالته، لأجل الترفه، فوجبت عليه الفدية كحلق الشعر، وعدم النص فيه لا يمنع قياسه عليه كشعر البدن مع شعر الرأس.
والحكم فى فدية الأظفار كالحكم فى فدية الشعر سواء ..
ولا خلاف فى وجوب الفدية (٢) على المحرم إذا تطيب أو لبس عامدا لأنه ترفه بمحظور فى إحرامه فلزمته الفدية كما لو ترفه بخلق شعره أو قلم ظفره والواجب عليه أن يفديه بدم ويستوى فى ذلك قليل الطيب وكثيره وقليل اللبس وكثيره لأنه متى حصل به الاستمتاع بالمحظورات فاعتبر مجرد الفعل كالوط ء محظورا فلا تتعدد فديته بالزمن كسائر المحظورات.
وإن فعل (٣) محظورا من أجناس فحلق ولبس وتطيب ووطئ فعليه لكل واحد فدية، سواء فعل ذلك مجتمعا أو متفرقا، لأنها محظورات مختلفة الأجناس فلم تتداخل أجزاؤها كالحدود المختلفة والأيمان المختلفة وعكسه ما إذا كان من جنس واحد.
وإن لبس (٤) أو تطيب ناسيا فلا فدية عليه ويخلع اللباس ويغسل الطيب ويفرغ إلى التلبية وهو المشهور فى المذهب أن المتطيب أو اللابس ناسيا أو جاهلا لا فدية عليه.
ومن قتل وهو (٥) محرم من صيد البر عامدا أو مخطئا فداه بنظيره من النعم إن كان المقتول دابة،
стр. 6084
وإن كان طائرا (١) فداه لقيمته فى موضعه يعنى يجب قيمته فى المكان الذى أتلفه فيه لا خلاف بين أهل العلم فى وجوب ضمان الصيد من الطيور.
مذهب الظاهرية:
من احتاج الى (٢) حلق رأسه - وهو محرم - لمرض أو صداع أو لقمل أو لجرح به أو نحو ذلك مما يؤذيه فيحلقه وعليه أحد ثلاثة أشياء هو مخير فى أيهما شاء لا بد له من أحدها:
إما أن يصوم ثلاثة أيام.
وإما أن يطعم ستة مساكين متغايرين، لكل مسكين منهم نصف صاع تمر ولا بد. وإما أن يهدى شاة يتصدق بها على المساكين
برهان ذلك قول الله تعالى: «فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ» (٣).
فكان فى هذه الآية التخيير فى أى هذه الثلاثة الأعمال أحب وليس فيها بيان كم يصوم ولا بكم يتصدق ولا بماذا ينسك وفى الآية أيضا حذف بينه الاجماع والسنة وهو: فحلق رأسه.
وروى أن رسول الله ﵌ قال: لكعب بن عجرة إن شئت فانسك نسيكة وإن شئت فصم ثلاثة أيام وان شئت فاطعم ثلاثة آصع من تمر لستة مساكين.
فإن حلق رأسه لغير ضرورة أو حلق بعض رأسه دون بعض عامدا عالما أن ذلك لا يجوز، بطل حجه.
فلو قطع من شعر رأسه ما لا يسمى به حالقا بعض رأسه فلا شئ عليه لا إثم ولا كفارة بأى وجه قطعه أو نزعه، لأن الله تعالى لم يوجب الكفارة إلا على من حلق رأسه لمرض أو أذى به فقط.
ولا يجوز أن تجب فدية لم يوجبها الله ﵎، ولا رسوله ﵌.
ومن حلق رأسه بنورة (٤) فهو حالق فى اللغة ففيه ما فى الحالق من التخيير بين الصيام، أو الصدقة، أو النسك
فإن نتفه فلا شئ فى ذلك لأنه لم يحلقه، والنتف غير الحلق. وإنما جاء النهى والفدية فى الحلق لا فى النتف.
مذهب الزيدية:
يحرم على (٥) المحرم لبس المخيط بالنسبة للرجل، كالقميص، والسراويل، والقلنسوة، والخف، والجورب، وكل مخيط عن تفصيل
стр. 6085
وتقطيع، فإنه محظور للرجل، فإذا لبسه أوجب الإثم، إن تعمد لبسه لغير ضرورة.
وتجب الفدية مطلقا سواء لبسه عامدا أو ناسيا لعذر، أم لغير عذر، إلا أن يلبس المخيط كما يلبس الثوب، وهو أن يصطلى به اصطلاء، نحو أن يرتدى بالقميص أو بالسراويل منكوسا أم غير منكوس إذا أمكن ذلك فإنه لا إثم عليه، ولا فدية، سواء كان لعذر أم لا.
فإن نسى كونه محرما أو جهل تحريم لبس المخيط فلبسه، ثم ذكر التحريم شقه وأخرجه من ناحية رجليه ولا يخرجه من رأسه إذا كانت فتحته ضيقة لا يمكن إخراج رأسه إلا بتغطيته. وعليه دم، ذكره أحمد بن يحيى وهو الذى اختاره الأصحاب.
وقال الهادى: لادم عليه.
ومثله عن الناصر والمنصور.
ويحرم تغطية رأس الرجل، لأن إحرامه فى رأسه وتغطية وجه المرأة، لأن إحرامها فى وجهها فتغطيتها بأى مباشر لهما محظور، سواء كان الغطاء لباسا كالقلنسوة للرجل والنقاب والبرقع للمرأة، أو غير لباس كالظلة إذا باشرت الرأس أو الثوب إذا رفع ليستظل به فباشر الرأس.
فأما إذا غطى الرأس والوجه بشئ لا يماسهما كالخيمة المرتفعة ونحو أن تعمم المرأة ثم ترسل النقاب من فوق العمامة لا يمس النقاب الوجه، فإن ذلك جائز، ولا فدية فيه.
ويحرم التماس الطيب فلا يجوز شمه، ولو كان فى دواء، ولا مسه إذا كان يعلق ريحه، وإلا جاز ولو من وقت حله. ومنه الرياحين ونحوها.
ولا يأكل طعاما مزعفرا إلا ما أذهبت النار ريحه.
والحناء طيب فلا (١) يشم ولا يختضب به، لقوله ﵌: الحناء طيب فمن فعل فدى.
ومن ألقت الريح عليه طيبا ألقاه فورا وإلا فدى ومن لطخ بالطيب فالفدية على اللاطخ وكذا الملقى. ولو بطلت حاسة الشم لم تسقط فدية الطيب اذ قد استعمله.
ولا فدية ولا إثم على من اتجر فى الطيب أو حمل مسكا فى قارورة مختومة.
وكذا يحظر (٢) على المحرم أكل صيد البر فقط سواء اصطاده هو أم اصطاده محرم غيره أم اصطاده له حلال أم لغيره فأكله محظور فى ذلك عندنا.
وكل هذه الأشياء تجب فى كل واحد منها الفدية وهى إحدى ثلاثة أشياء (٣) يخير بينها:
شاة ينحرها للمساكين.
стр. 6086
أو طعام ستة مساكين.
نصف صاع من بر أو صاع من غيره أو صوم ثلاثة أيام متوالية. وقيل تجوز متفرقة.
فأى هذه فعل أجزأه وسواء فعل شيئا من تلك الأمور لعذر أم لغير عذر، وسواء طال لبسه للمخيط أم لم يطل، وسواء كان المخيط قميصا أو فروا قطنا أم صوفا أم حريرا.
وقال فى الكافى عن الأصحاب: إن التخيير ثابت فى الفدية إذا لم يتعمد، فلو تعمد لم يخير بل يجب الدم، ثم الصوم، ثم الإطعام، واختاره فى الانتصار.
قال مولانا ﵇: والمذهب خلاف ذلك وهو أنه مخير من غير فرق.
وكذلك تجب الفدية فى خضب كل الأصابع من اليدين والرجلين، وتقصير كل أظفار أصابع اليدين والرجلين، أو خضاب أو تقصير فى خمس منها. فمتى خضب أو قصر خمس أصابع ولو كانت متفرقة فى اليدين والرجلين فلزمه الفدية.
ويحرم حلق الرأس إجماعا. لقول الله ﵎ «وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ» (١)، وفيه الفدية إجماعا. لقول الله : «فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ» (٢).
وشعر البدن يقاس على حلق الرأس.
وتجب الفدية فى إزالة سن أو شعر من جسد المحرم أو بشر المحرم وسواء أزالها من جسده بنفسه أو أزالها من جسد إنسان محرم غيره فإنه تلزمه الفدية وسواء كان ذلك الغير طائعا أم مكرها.
وانما تجب الفدية فى الشعر والبشر بشرط أن يكون ما أزيل منهما يبين أثره فى حال اللقاء من غير تكلف. فأما لو أزالها حلال من محرم لزمت الحلال فى الأصح.
وتجب فيما دون ذلك وهو ما لا يبين أثره من السن والشعر والبشرة. وعن كل أصبع خضبها أو قصر ظفرها صدقة. والصدقة نصف صاع. وفى الأصبعين صدقتان. وفى الثلاث ثلاث. وفى الأربع أربع.
فمتى كملت خمسا لزمت الفدية ولو كانت متفرقة.
وتجب (٣) فيما دونهما حصته أى يجب فى إزالة دون ما يوجب الصدقة من الشعر والبشرة والسن نحو أن يزيل أربع شعرات ونحو ذلك.
وفى خضب بعض الأصابع حصته من الصدقة، ويعتبر فى الأصابع بالمساحة. ففى نصفها نصف صدقة. وفى ثلثها ثلث صدقة ونحو ذلك.
وفى الشعر والبشرة على حسب ما يرى.
ولا تتضاعف الفدية والصدقة بتضعيف الجنس الواحد من هذه المحظورات فى المجلس.
стр. 6087
فلبس المخيط جنس (١) واحد وهو أربعة أنواع:
للرأس كالقلنسوة ونحوها.
ولليدين كالقفازين.
وللرجلين كالخف والجورب.
وللبدن كالقميص.
فإذا لبس المحرم جميعها فى مجلس واحد لم تلزمه إلا فدية واحدة ولو طال المجلس واستمر فى لبسه فى مجالس عدة وهكذا لو لبس شيئا فوق شئ.
ومثاله فى الطيب أن يتبخر ويتطيب ويشم الرياحين وما أشبه ذلك، فإنه إذا جمعه فى مجلس واحد لم تتعدد الفدية بتعدده.
وعلى الجملة فتغطية الرأس ولبس المحيط جنس واحد. والتماس الطيب على أى صفة كان جنس واحد، وأكل الصيد أى صيد كان جنس واحد.
وخضب الأصابع جنس. وتقصيرها جنس آخر.
وإزالة الشعر والبشرة كلاهما جنس.
قال الإمام المهدى ولم أقف فيه على نص صريح إلا أن فى اللمع اشارة إلى أنهما جنسان.
فأما إذا فعل المحرم جنسين فصاعدا تعددت الفدية نحو أن يلبس مخيطا ثم يحلق رأسه ولو فعل ذلك فى مجلس واحد.
نعم فمتى فعل جنسا وكرره فى مجلس واحد لم تكرر عليه الفدية، ما لم يتخلل الإخراج للفدية فى المجلس. فإن تخلل تكررت.
مثاله أن يقصر شاربه ثم يخرج الفدية فى ذلك المجلس ثم يحلق رأسه فإنه يلزمه أيضا لحلق الرأس فدية أو يتخلل نزع اللباس نحو أن يلبس المخيط ثم ينزعه فى المجلس ثم يلبسه فيه فإنه يلزمه فديتان.
وكذلك أن يتضمخ بالطيب ثم يغسله فى المجلس حتى يزول بالكلية جرمه وقيل ريحه ثم يتضمخ به.
وكذا لو خضب يديه ساعة ثم زاله بالكلية ثم خضبهما فى ذلك المجلس فإن هذا كنزع اللباس فيلزمه فديتان.
ومن محظورات (٢) الإحرام قتل بعض الحيوان وهو نوعان.
أحدهما: يستوى فيه العمد والخطأ لا فى الإثم فلا إثم فى الخطإ.
الثانى: يختلف الحال فيه.
فالأول: هو قتل القمل فإنه لا يجوز للمحرم وتجب كفارة مطلقا سواء قتله عمدا أو خطأ وسواء قتله فى موضعه أو غير موضعه، بأن يطرحه من ثوبه فيموت جوعا أو بغيره، فإن ذلك لا يجوز، ويجوز له تحويله من موضع إلى موضع من جسده.
قال الفقيه على ولا يجوز له نقله إلى غيره.
والنوع الثانى: الذى يختلف فيه العمد والخطأ هو قتل كل حيوان جنسه متوحش سواء كان صيدا
стр. 6088
أم سبعا كالظبى والضبع والذئب، وإنما يحرم قتل المتوحش بشرط أن يكون مأمون الضرر، فأما لو خشى المحرم من ضرره جاز له قتله كالضبع حيث تكون مفترسة وعدت عليه، وكذا الأسد ونحوه إذا خاف ضرره وذلك بأن يعدو عليه، فإن لم يعد لم يجز قتله على ما حصله الإخوان، وكالبق والبرغوت والدبر (١) فإنها ضارة فيجوز (٢) قتلها وسواء قتله مباشرة، أو لسبب بما لولاه لما انقتل نحو إن يمسكه حتى مات عنده أو حتى قتله غيره أو حفر له بئرا أو مد له شبكة أو يدل عليه أو يغرى به أو يشير اليه ولولا فعله لما صيد أو يدفع إلى الغير سلاحا لولاه لما أمكن قتله فإنه فى هذه الوجوه كلها يلزمه الجزاء والإثم إن تعمد.
إلا المستثنى وهى الحية والعقرب والفأرة والغراب والحدأة فإن هذه أباح الشرع قتلها، وسواء المحرم والحلال.
وقد قيل إن المراد بالغراب الأيقع الذى لا يلتقط الطعام.
ولا الصيد البحرى فإنه يجوز للمحرم قتله وأكله والأهلى من (٣) الحيوانات كالحمير والخيل وكل ما يؤكل لحمه فانه لا يجب الجزاء فى قتلها، لأنها غير صيد والمحرم هو الصيد ونحوه.
وان توحش الأهلى لم يجب الجزاء فى قتله لأن توحشه لا يصيره وحشيا.
وإذا تولد حيوان بين وحش وأهلى كان العبرة بالأم. فان كانت وحشية فولدها وحشى.
وان كانت أهلية فولدها أهلى، وفيه مع العمد، أى إنما يلزمه الإثم والجزاء حيث قتله عمدا لا خطأ.
والمبتدئ والعائد فى قتل الصيد على سواء فى وجوب الجزاء عليهما عندنا.
قال فى الانتصار قتل المحرم للصيد من الكبائر ولو قتله ناسيا لإحرامه لزمه الجزاء - قد يجتمع الجزاء والفدية والقيمة فى شئ واحد فالجزاء لقتل الصيد والفدية لأكل لحمه والقيمة للحرمة.
قال فى الكافى وهو إجماع إلا عن الناصر،
ومن محظورات الإحرام الوط ء فى صالح (٤) له وأقله ما يوجب الغسل وهو توارى الحشفة ولو ملفوفا بخرقة. ومثل الوط ء مقدماته من لمس أو تقبيل بشهوة فذلك محظور إجماعا.
ويكره اللمس من غير ضرورة ولو لم تقارنه شهوة، وكذلك المضاجعة لأنه لا يأمن وجود الشهوة مع اللمس.
وتجب الكفارة فى هذه الأمور فيجب فى الإمناء والوط ء بدنة يعنى إذا كان الإمناء بشهوة فى يقظة وسواء كان عن تقبيل أو لمس أو نظر أو تفكر
стр. 6089
وسواء وقع مع الوط ء إنزال أم لا وفى أى فرج كان، وسواء الرجل والمرأة.
وفى الإمذاء أو ما فى حكمه بقرة.
والذى فى حكمه صورتان:
أحدهما: حيث لمس أو قبل ثم بعد ساعة أمنى لكنه خرج لغير شهوة وغلب فى ظنه أن المستدعى لخروجه ذلك اللمس،
والصورة الثانية (١): حيث استمتع من زوجته بظاهر الفرج وأوائل باطنه ولم يولج فإن له حكما أغلظ من ترك الساكن وأخف من الوط ء الكامل فيلزم بقرة.
قال ﵇ ولم أقف فى هذه المسألة على نص لأصحابنا لكن القياس يقتضيها فذكرناها لذلك.
وفى تحرك الساكن أو تحرك لأجل شهوة عن لمس أو تقبيل أو نظر.
قال ﵇ أو تفكر وجب فى ذلك شاة للمساكين.
وقيل ثم إذا لم يجد البدنة والبقرة والشاة وجب عليه عدلها صوما أو إطعاما مرتبا فيقدم الهدى ثم الصوم ثم الإطعام.
وهذا القول ذكره ابن أبى النجم.
قال مولانا ﵇ والصحيح ما ذكره المنصور بالله للمذهب أن هذه الدماء لا بدل لها.
وتكرر (٢) الفدية بتكرر النزع والإيلاج ولو فى مجلس واحد وسواء الوط ء فى نوم أو يقظة لكنه فى النوم على الفاعل بالنائم.
وقال فى الشفاء لا تكرر بتكرره ما لم يتخلل الإخراج والمراد بالوط ء غير المفسد نحو أن يكون بعد الرمى وقبل طواف الزيارة فأما المفسد ففدية على الترتيب.
مذهب الإمامية:
إذا تطيب (٣) المحرم كان عليه دم شاة سواء استعمله صبغا أو طلاء ابتداء أو استدامة أو بخورا أو فى الطعام ولا بأس بخلوق - هو طيب معروف مركب يتخذ من الزعفران وغيره من أنواع الطيب وتغلب عليه الحمرة والصفرة وقد ورد تارة بإباحته وتارة بالنهى عنه والنهى أكثر وأثبت، وإنما نهى عنه، لأنه من طيب النساء، وكن أكثر استعمالا له منهم.
والظاهر أن أحاديث النهى ناسخة (٤) - ولا
стр. 6090
بأس بخلوق الكعبة ولو كان فيه زعفران وكذا الفواكه كالأترج والتفاح والرياحين كالورد والنيلوفرا ضرب من الرياحين ينبت فى المياه الراكدة بارد فى الثالثة رطب فى الثانية ملين صالح للسعال وأوجاع الجنب والرئة والصدر وإذا عجن أصله بالماء ويطلى به البهق مرات أزاله وإذا عجن بالزفت أزال داء (١) الثعلب.
وفى قلم كل ظفر مد من طعام. وفى أظفار يديه ورجليه فى مجلس واحد دم. ولو كان قلم أظفار يديه فى مجلس وقلم أظفار رجليه فى مجلس لزمه دمان.
ولو أفنى بتقليم ظفره فأدماه لزم المفنى شاة.
والمخيط حرام على المحرم فلو لبس كان عليه دم، ولو اضطر إلى لبس ثوب يتقى به الحر والبرد جاز وعليه شاة.
وحلق الشعر فيه شاة أو إطعام عشرة مساكين لكل منهم مد. وقيل ستة لكل منهم مدان أو صيام ثلاثة أيام.
ولو مس لحيته أو رأسه فوقع منهما شئ أطعم كفّا من طعام. ولو فعل ذلك فى وضوء الصلاة لم يلزمه شئ.
ولو نتف أحد إبطيه أطعم ثلاثة مساكين. ولو نتفهما لزمه شاة.
وفى التظليل سائرا شاة وكذا لو غطى رأسه بثوب أو طينه بطين يستره أو ارتمس فى الماء أو حمل ما يستره.
ومن استعمل دهنا طيبا فى إحرامه ولو فى حال الضرورة كان عليه شاة على قول.
وكذا قيل فيمن قلع ضرسه.
ويجوز أكل ما ليس بطيب من الأدهان كالسمن والشيرج ولا يجوز الادهان به.
وتتعدد الكفارة بتعدد انواع موجبها كاللبس وتقليم الأظافر والطيب لزمه عن كل واحد كفارة سواء فعل ذلك فى وقت واحد أو وقتين كفر عن الأولى أو لم يكفر.
وإذا كرر الوط ء لزمه بكل كفارة.
ولو كرر الحلق فإن كان فى وقت واحد لم تتكرر الكفارة وإن كان فى وقتين تكررت.
ولو تكرر منه اللبس أو الطيب فإن اتحد المجلس لم يتكرر وإن اختلف تكرر.
وتسقط الكفارة عن الجاهل والناسى والمجنون إلا فى الصيد فإن الكفارة تلزم وإن كان سهوا.
وفى قتل الجرادة (٢) تمرة والأظهر كف من طعام وكذا فى القملة يلقيها عن جسده وفى قتل الكثير من الجراد دم شاة وإن لم يمكنه التحرز من قتله بأن كان على طريقه فلا إثم ولا كفارة وكل ما لا تقدير لفديته ففى قتله قيمته.
واذا قتل المحرم (٣) حيوانا وشك فى كونه صيدا
стр. 6091
لم يضمن وفى موجبات الضمان وهى ثلاثة: مباشرة الإتلاف، واليد، والسبب.
أما المباشرة فنقول: قتل الصيد موجب لفديته فإن أكله لزمه فداء آخر. وقيل يفدى ما قتل ويضمن قيمة ما أكل وهو الوجه.
ولو رمى صيدا فأصابه ولم يؤثر فيه فلا فدية، ولو جرحه ثم رآه سويا ضمن أرشه. وقيل ربع قيمته.
وإذا لم يعلم حاله لزمه الفداء وكذا لو لم يعلم أثر فيه أم لا.
وروى فى كسر قرنى الغزال نصف قيمته وفى كل واحد ربع وفى عينيه كمال قيمته. وفى كسر إحدى يديه نصف قيمته. وكذا فى إحدى رجليه.
وفى الرواية ضعف.
ولو اشترك جماعة فى قتل الصيد ضمن كل واحد منهم فداء كاملا.
ومن ضرب بطير على الأرض كان عليه دم وقيمته للحرم، وأخرى لاستصفاره.
ومن شرب لبن ظبية فى الحرم لزمه دم وقيمة اللبن
ولو رمى الصيد وهو محل فأصابه وهو محرم لم يضمنه وكذا لو جعل فى رأسه ما يقتل القمل وهو محل ثم أحرم فقتله.
الموجب الثانى: اليد ومن كان معه صيد فأحرم زال ملكه عنه ووجب إرساله - فلو مات قبل إرساله لزمه ضمانه ولو كان الصيد نائيا عنه لم يزل ملكه.
ولو أمسك المحرم صيدا فذبحه محرم ضمن كل منهما فداء، ولو كانا فى الحرم تضاعف الفداء ما لم يكن بدنة ولو كانا محلين فى الحرم لم يتضاعف، ولو كان أحدهما محرما تضاعف الفداء فى حقه، ولو أمسكه المحرم فى الحل فذبحه المحل ضمنه المحرم خاصة.
ولو نقل بيض صيد عن موضعه ففسد ضمنه فلو أحضنه فخرج الفرخ سليما لم يضمنه.
ولو ذبح المحرم صيدا كان ميتة ويحرم على المحل.
أما لو صاده وذبحه محل فلا يحرم.
الموجب الثالث: السبب (١) وهو يشتمل على مسائل:
الأولى: من أغلق على حمام من حمام الحرم وله فراخ وبيض ضمن بالإغلاق فإن زال السبب وأرسلها سليمة سقط الضمان، ولو هلكت ضمن الحمامة بشاة والفرخ بحمل والبيضة بدرهم إن كان محرما، وإن كان محلا ففى الحمامة درهم وفى الفرخ نصف وفى البيضة ربع. وقيل يستقر الضمان بنفس الإغلاق بظاهر الرواية. والأول أشبه.
الثانية: قيل إذا أنفر حمام الحرم فإن عاد فعليه شاة واحدة وإن لم يعد فعن كل حمامة شاة.
الثالثة: إذا رمى اثنان فأصاب أحدهما وأخطأ الآخر فعلى المصيب فداء بجنايته وكذا على المخطئ لإعانته.
стр. 6092
الرابعة: إذا أوقد جماعة نارا فوقع فيها صيد لزم كل واحد منهم فداء إذا قصدوا الاصطياد وإلا ففداء واحد.
الخامسة: إذا رمى صيدا فاضطرب فقتل فرخا أو صيدا آخر كان عليه فداء الجميع لأنه سبب للاتلاف.
ويحرم من الصيد على المحل فى الحرم ما يحرم على المحرم فى الحل.
فمن قتل صيدا فى الحرم كان عليه فداؤه، ولو اشترك جماعة فى قتله فعلى كل واحد منهم فداء، وفيه تردد.
ولو كان فى الحل (١) ورمى صيدا فى الحرم فقتله فعليه فداء، ويضمن الصيد بقتله عمدا وسهوا
ولو رمى صيدا فمرق السهم فقتل آخر كان عليه فداءان.
ولو اضطر المحرم إلى أكل الصيد أكله وفداه،
ولو كان عنده ميتة أكل الصيد إن أمكنه الفداء وإلا أكل الميتة وإذا كان الصيد مملوكا ففداؤه لصاحبه ولو لم يكن مملوكا تصدق به وكل ما يلزم للمحرم من فداء يذبحه أو ينحره بمكة إن كان معتمرا وبمنى إن كان حاجا.
وروى أن كل من وجب عليه شاة فى كفارة الصيد وعجز عنها (٢) كان عليه إطعام عشرة مساكين فإن عجز صام ثلاثة أيام فى الحج.
مذهب الإباضية:
يمنع المحرم (٣) من لبس المخيط لما روى عن النبى ﵌ أنه قال: لا يلبس المحرم القميص ولا العمامة ولا السراويل ولا البرانس ولا الأخفاف، وإن لم يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما من أسفل الكعبين.
ولا يلبس المحرم شيئا من الثياب مسه الزعفران ولا الورس. وقد ذكر رسول الله ﵌ فى هذا الحديث ما ذكر. وقاس الفقهاء ما لم يذكر فيه على ما ذكر مما هو فى معناه.
ولا يغطى المحرم رأسه ووجه بشئ إلا أن يكون فوقه ظل لا يمسه مثل العريش والخيمة والقبة إذا كان يريد الاستظلال فإذا لم يمس رأسه فلا بأس عليه وإن مس رأسه فعليه دم.
ولا يحتزم المحرم ولا يزر عليه ثوبا ولا يتقلد سيفا ولا قوسا إلا إن كان خائفا فيمسكه ولا يتمنطق به.
فان فعل (٤) المحرم شيئا من ذلك كله عامدا فعليه دم وإن كان ناسيا ونزعه من حينه فلا شئ عليه إلا أن ينسى ذلك إلى الليل فعليه الدم.
стр. 6093
ومن غطى رأسه ناسيا نزعه من حينه ولا شئ عليه إلا أن ينسى ذلك إلى الليل (١).
ومعنى ذلك إن مر عليه يوم أو ليلة كفّر، ومن لبس قميصا أو سراويل أو خفين فى وقت واحد فعليه كفارة واحدة وإن لبس فى أوقات مختلفة فعليه ثلاثة كفارات وإن احتاج إلى قميص أو عمامة من برد أو مرض كفّر. لقوله تعالى «فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ» (٢).
والمرأة تخالف الرجل فى هذا كله لأن المرأة تلبس فى الإحرام ما كانت تلبس قبل الإحرام إلا ما كان فيه طيب وإلا البراقع وتغطية الوجه، وكذلك لا تلبس القفازين، لما روى عن عمر رضى الله تعالى عنه أنه سمع رسول الله ﵌ ينهى المرأة عن لبس القفازين والنقاب وما مسه من الثياب الورس والزعفران.
ويمنع (٣) المحرم من الطيب لقول النبى ﵌ لا يلبس المحرم شيئا من الثياب مسه الزعفران ولا الورس ولا يشم الطيب ولا يتلذذ به وان استنشقه متعمدا فعليه دم.
وأما إن أكل طعاما فيه طيب فقد قالوا لا بأس عليه لأنه لم يكن فى أكله ما فى استعماله من اللذة والزينة.
ويمنع (٤) المحرم من قص شارب وتقليم ظفر ونتف إبط.
ومن نزع شعرة (٥) فعليه إطعام مسكين وفى نزع الشعرتين إطعام مسكينين، وفى الثلاث شعرات أو أكثر دم.
وكذلك فى قلم الظفر الواحد إطعام مسكين، وفى الظفرين إطعام مسكينين. وفى الثلاثة أظفار دم. ومن حلق رأسه فعليه دم.
ومن اضطر إلى فعل شئ من ذلك فعله وافتدى. لما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: خرج كعب بن عجرة يريد الحج مع رسول الله ﵌ فأذاه القمل فأمره النبى ﵌ أن يحلق رأسه وقال له:
صم ثلاثة أيام أو اطعم ستة مساكين لكل مسكين مدان أو انسك بشاة أى ذلك فعلت أجزأك.
ولا شئ (٦) على المحرم إذا احتجم إلا إن قطع به شعرا.
стр. 6094
حكم افتداء العبد فى حال جنايته
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع (١): عند الكلام على القتل الخطأ: أنه إذا كان المقتول حرا أجنبيا والقاتل عبدا قنا، وظهرت جنايته بالبينة أو إقرار المولى أو علم القاضى، فإن العبد يدفع إلى ولى المقتول، إلا أن يختار المولى الفداء، وهذا عندنا.
وذلك لإجماع الصحابة رضى الله تعالى عنهم، فإنه روى عن سيدنا على وعن عبد الله بن العباس رضى الله تعالى عنهما مثل ذلك بمحضر من الصحابة رضى الله تعالى عنهم ولم ينقل الإنكار عليهما من أحد، فيكون إجماعا منهم، فصفة الحكم هو صيرورة العبد واجب الدفع على سبيل التعيين
سواء كثرت قيمة العبد أو قلت.
وعند اختيار المولى الفداء ينتقل الحق من الدفع إلى الفداء. سواء كان المجنى عليه واحد أو أكثر.
غير أنه إن كان واحدا دفع إليه ويصير كله مملوكا له. وإن كانوا جماعة يدفع اليهم وكان مقسوما بينهم على قدر أروش جنايتهم.
وسواء كان على العبد دين وقت الجناية أو لم يكن.
فاذا مات العبد الجانى قبل اختيار الفداء بطل حق المجنى عليه أصلا، لأن الواجب دفع العبد على طريق التعيين وذلك لا يتصور بعد هلاكه العبد فيسقط الحق أصلا ورأسا وذا يدل.
أما لو مات العبد بعد أن اختار المولى الفداء فإن المولى لا يبرأ بموت العبد، لأنه لما اختار الفداء فقد انتقل الحق من رقبته إلى ذمة المولى، فلا يحتمل السقوط بهلاك العبد بعد ذلك.
ولو كانت (٢) قيمة العبد أقل من الدية فليس على المولى إلا الدفع، لأن وجوب الدفع حكمه لهذه الجناية ثبت بإجماع الصحابة رضى الله تعالى عنهم ولم يفصلوا بين قليل القيمة وكثيرها.
فلو جنى العبد على جماعة فإن شاء الولى دفعه إليهم لأن تعلق حق المجنى عليه للأول لا يمنع حق الثانى والثالث.
واذا دفعه إليهم كان مقسوما بينهم بالحصص قدر أروش جنايتهم.
وإن شاء المولى أمسك العبد وغرم الجنايات بكمال أروشها. ولو أراد المولى أن يدفع من العبد إلى بعضهم مقدار ما يتعلق به حقه ويفدى بعض الجنايات فله ذلك.
ولو جنى العبد على واحد وله وليان فأراد المولى أن يدفع العبد إلى أحدهما وان يدفع الفداء إلى الآخر فليس له ذلك، لأن الجناية واحدة ولها حكم واحد، وهو، وجوب الدفع على التعيين.
стр. 6095
وعند اختيار الفداء يكون الفداء هو الواجب على التعيين.
ولا يجوز أن يجمع فى جناية واحدة بين حكمين مختلفين بخلاف ما إذا جنى على جماعة لأن الجناية هناك متعددة وله خيار الدفع والفداء فى كل واحد منهم والدفع فى البعض والفداء فى البعض لا يكون جمعا بين حكمين مختلفين فى جناية واحدة.
ولو قتل العبد إنسانا وفقا عين آخر فإن اختار المولى الدفع دفعه إليهما.
وإن اختار المولى الفداء فدى عن كل جناية بأرشها، وكذلك لو شج شجاجا مختلفة فان دفع العبد إليهم كان مقسوما بينهم على قدر جناياتهم.
وإن اختار الفداء فدى عن الكل بأروشها
ولو قتل (١) العبد رجلا وعلى العبد دين فإن المولى يخير بين الدفع والفداء ولا يسقط الدين بحدوث الجناية فإذا دفعه المولى إلى ولى الجناية دفعه مشغولا بالدين ويباع بعد ذلك لأجل دين الغرماء، وبدئ بالدفع لا بالدين، لأن فيه رعاية الحقين حق أولياء الجناية بالدفع إليهم وحق أصحاب الدين بالبيع لهم، ولو بدئ بالدين فبيع به لبطل حق أولياء الجناية فى الدفع، لأنه بالبيع يصير ملكا للمشترى لذلك بدئ بالدفع لأولياء الجناية.
وفائدة ذلك هى أن يثبت لأولياء الجناية حق استخلاص العبد بالفداء، لأن للناس أغراضا فى الأعيان.
وإن فدى بالدية يباع العبد فى الدين، لأنه لما فدى فقد طهرت رقبة العبد فوق الجناية فيباع، إلا أن يستخلصه المولى لنفسه ويقضى دين الغرماء، ولو حضر الغرماء أولا فباع المولى العبد فإن فعل ذلك بغير أمر القاضى ينظر؟
فإن كان عالما بالجناية صار مختارا للفداء ولزمه الأرش وان كان غير عالم بالجناية فعليه الأقل من قيمة العبد ومن الأرش وهو الدية.
قتل العبد الجانى:
ولو جنى العبد (٢) ثم قتل قبل أن يدفع إلى ولى الجناية فإن كان القاتل حرا فان المولى يأخذ قيمته ويدفعها إلى ولى الجناية إن كان واحدا. وإن كانوا جماعة يدفعها إليهم على قدر حقوقهم لأن القيمة بدل العبد فتقوم مقامه.
ولا خيار للمولى بين القيمة والفداء حتى لو تصرف فى تلك القيمة لا يصير مختارا للفداء. ولو تصرف فى العبد يصير مختارا للفداء، وذلك لأن القيمة دراهم أو دنانير فإن كانت مثل الأرش فلا فائدة فى التخيير وكذلك إن كانت أقل من الأرش أو أكثر منه لأنه يختار الأقل لا محالة بخلاف العبد فإنه وإن كان قليل القيمة فللناس رغائب فى الأعيان.