← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.

стр. 6091

لم يضمن وفى موجبات الضمان وهى ثلاثة: مباشرة الإتلاف، واليد، والسبب. أما المباشرة فنقول: قتل الصيد موجب لفديته فإن أكله لزمه فداء آخر. وقيل يفدى ما قتل ويضمن قيمة ما أكل وهو الوجه. ولو رمى صيدا فأصابه ولم يؤثر فيه فلا فدية، ولو جرحه ثم رآه سويا ضمن أرشه. وقيل ربع قيمته. وإذا لم يعلم حاله لزمه الفداء وكذا لو لم يعلم أثر فيه أم لا. وروى فى كسر قرنى الغزال نصف قيمته وفى كل واحد ربع وفى عينيه كمال قيمته. وفى كسر إحدى يديه نصف قيمته. وكذا فى إحدى رجليه. وفى الرواية ضعف. ولو اشترك جماعة فى قتل الصيد ضمن كل واحد منهم فداء كاملا. ومن ضرب بطير على الأرض كان عليه دم وقيمته للحرم، وأخرى لاستصفاره. ومن شرب لبن ظبية فى الحرم لزمه دم وقيمة اللبن ولو رمى الصيد وهو محل فأصابه وهو محرم لم يضمنه وكذا لو جعل فى رأسه ما يقتل القمل وهو محل ثم أحرم فقتله. الموجب الثانى: اليد ومن كان معه صيد فأحرم زال ملكه عنه ووجب إرساله - فلو مات قبل إرساله لزمه ضمانه ولو كان الصيد نائيا عنه لم يزل ملكه. ولو أمسك المحرم صيدا فذبحه محرم ضمن كل منهما فداء، ولو كانا فى الحرم تضاعف الفداء ما لم يكن بدنة ولو كانا محلين فى الحرم لم يتضاعف، ولو كان أحدهما محرما تضاعف الفداء فى حقه، ولو أمسكه المحرم فى الحل فذبحه المحل ضمنه المحرم خاصة. ولو نقل بيض صيد عن موضعه ففسد ضمنه فلو أحضنه فخرج الفرخ سليما لم يضمنه. ولو ذبح المحرم صيدا كان ميتة ويحرم على المحل. أما لو صاده وذبحه محل فلا يحرم. الموجب الثالث: السبب (١) وهو يشتمل على مسائل: الأولى: من أغلق على حمام من حمام الحرم وله فراخ وبيض ضمن بالإغلاق فإن زال السبب وأرسلها سليمة سقط الضمان، ولو هلكت ضمن الحمامة بشاة والفرخ بحمل والبيضة بدرهم إن كان محرما، وإن كان محلا ففى الحمامة درهم وفى الفرخ نصف وفى البيضة ربع. وقيل يستقر الضمان بنفس الإغلاق بظاهر الرواية. والأول أشبه. الثانية: قيل إذا أنفر حمام الحرم فإن عاد فعليه شاة واحدة وإن لم يعد فعن كل حمامة شاة. الثالثة: إذا رمى اثنان فأصاب أحدهما وأخطأ الآخر فعلى المصيب فداء بجنايته وكذا على المخطئ لإعانته.

стр. 6092

الرابعة: إذا أوقد جماعة نارا فوقع فيها صيد لزم كل واحد منهم فداء إذا قصدوا الاصطياد وإلا ففداء واحد. الخامسة: إذا رمى صيدا فاضطرب فقتل فرخا أو صيدا آخر كان عليه فداء الجميع لأنه سبب للاتلاف. ويحرم من الصيد على المحل فى الحرم ما يحرم على المحرم فى الحل. فمن قتل صيدا فى الحرم كان عليه فداؤه، ولو اشترك جماعة فى قتله فعلى كل واحد منهم فداء، وفيه تردد. ولو كان فى الحل (١) ورمى صيدا فى الحرم فقتله فعليه فداء، ويضمن الصيد بقتله عمدا وسهوا ولو رمى صيدا فمرق السهم فقتل آخر كان عليه فداءان. ولو اضطر المحرم إلى أكل الصيد أكله وفداه، ولو كان عنده ميتة أكل الصيد إن أمكنه الفداء وإلا أكل الميتة وإذا كان الصيد مملوكا ففداؤه لصاحبه ولو لم يكن مملوكا تصدق به وكل ما يلزم للمحرم من فداء يذبحه أو ينحره بمكة إن كان معتمرا وبمنى إن كان حاجا. وروى أن كل من وجب عليه شاة فى كفارة الصيد وعجز عنها (٢) كان عليه إطعام عشرة مساكين فإن عجز صام ثلاثة أيام فى الحج. مذهب الإباضية: يمنع المحرم (٣) من لبس المخيط لما روى عن النبى ﵌ أنه قال: لا يلبس المحرم القميص ولا العمامة ولا السراويل ولا البرانس ولا الأخفاف، وإن لم يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما من أسفل الكعبين. ولا يلبس المحرم شيئا من الثياب مسه الزعفران ولا الورس. وقد ذكر رسول الله ﵌ فى هذا الحديث ما ذكر. وقاس الفقهاء ما لم يذكر فيه على ما ذكر مما هو فى معناه. ولا يغطى المحرم رأسه ووجه بشئ إلا أن يكون فوقه ظل لا يمسه مثل العريش والخيمة والقبة إذا كان يريد الاستظلال فإذا لم يمس رأسه فلا بأس عليه وإن مس رأسه فعليه دم. ولا يحتزم المحرم ولا يزر عليه ثوبا ولا يتقلد سيفا ولا قوسا إلا إن كان خائفا فيمسكه ولا يتمنطق به. فان فعل (٤) المحرم شيئا من ذلك كله عامدا فعليه دم وإن كان ناسيا ونزعه من حينه فلا شئ عليه إلا أن ينسى ذلك إلى الليل فعليه الدم.

стр. 6093

ومن غطى رأسه ناسيا نزعه من حينه ولا شئ عليه إلا أن ينسى ذلك إلى الليل (١). ومعنى ذلك إن مر عليه يوم أو ليلة كفّر، ومن لبس قميصا أو سراويل أو خفين فى وقت واحد فعليه كفارة واحدة وإن لبس فى أوقات مختلفة فعليه ثلاثة كفارات وإن احتاج إلى قميص أو عمامة من برد أو مرض كفّر. لقوله تعالى «فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ» (٢). والمرأة تخالف الرجل فى هذا كله لأن المرأة تلبس فى الإحرام ما كانت تلبس قبل الإحرام إلا ما كان فيه طيب وإلا البراقع وتغطية الوجه، وكذلك لا تلبس القفازين، لما روى عن عمر رضى الله تعالى عنه أنه سمع رسول الله ﵌ ينهى المرأة عن لبس القفازين والنقاب وما مسه من الثياب الورس والزعفران. ويمنع (٣) المحرم من الطيب لقول النبى ﵌ لا يلبس المحرم شيئا من الثياب مسه الزعفران ولا الورس ولا يشم الطيب ولا يتلذذ به وان استنشقه متعمدا فعليه دم. وأما إن أكل طعاما فيه طيب فقد قالوا لا بأس عليه لأنه لم يكن فى أكله ما فى استعماله من اللذة والزينة. ويمنع (٤) المحرم من قص شارب وتقليم ظفر ونتف إبط. ومن نزع شعرة (٥) فعليه إطعام مسكين وفى نزع الشعرتين إطعام مسكينين، وفى الثلاث شعرات أو أكثر دم. وكذلك فى قلم الظفر الواحد إطعام مسكين، وفى الظفرين إطعام مسكينين. وفى الثلاثة أظفار دم. ومن حلق رأسه فعليه دم. ومن اضطر إلى فعل شئ من ذلك فعله وافتدى. لما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: خرج كعب بن عجرة يريد الحج مع رسول الله ﵌ فأذاه القمل فأمره النبى ﵌ أن يحلق رأسه وقال له: صم ثلاثة أيام أو اطعم ستة مساكين لكل مسكين مدان أو انسك بشاة أى ذلك فعلت أجزأك. ولا شئ (٦) على المحرم إذا احتجم إلا إن قطع به شعرا.

стр. 6094

حكم افتداء العبد فى حال جنايته مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع (١): عند الكلام على القتل الخطأ: أنه إذا كان المقتول حرا أجنبيا والقاتل عبدا قنا، وظهرت جنايته بالبينة أو إقرار المولى أو علم القاضى، فإن العبد يدفع إلى ولى المقتول، إلا أن يختار المولى الفداء، وهذا عندنا. وذلك لإجماع الصحابة رضى الله تعالى عنهم، فإنه روى عن سيدنا على وعن عبد الله بن العباس رضى الله تعالى عنهما مثل ذلك بمحضر من الصحابة رضى الله تعالى عنهم ولم ينقل الإنكار عليهما من أحد، فيكون إجماعا منهم، فصفة الحكم هو صيرورة العبد واجب الدفع على سبيل التعيين سواء كثرت قيمة العبد أو قلت. وعند اختيار المولى الفداء ينتقل الحق من الدفع إلى الفداء. سواء كان المجنى عليه واحد أو أكثر. غير أنه إن كان واحدا دفع إليه ويصير كله مملوكا له. وإن كانوا جماعة يدفع اليهم وكان مقسوما بينهم على قدر أروش جنايتهم. وسواء كان على العبد دين وقت الجناية أو لم يكن. فاذا مات العبد الجانى قبل اختيار الفداء بطل حق المجنى عليه أصلا، لأن الواجب دفع العبد على طريق التعيين وذلك لا يتصور بعد هلاكه العبد فيسقط الحق أصلا ورأسا وذا يدل. أما لو مات العبد بعد أن اختار المولى الفداء فإن المولى لا يبرأ بموت العبد، لأنه لما اختار الفداء فقد انتقل الحق من رقبته إلى ذمة المولى، فلا يحتمل السقوط بهلاك العبد بعد ذلك. ولو كانت (٢) قيمة العبد أقل من الدية فليس على المولى إلا الدفع، لأن وجوب الدفع حكمه لهذه الجناية ثبت بإجماع الصحابة رضى الله تعالى عنهم ولم يفصلوا بين قليل القيمة وكثيرها. فلو جنى العبد على جماعة فإن شاء الولى دفعه إليهم لأن تعلق حق المجنى عليه للأول لا يمنع حق الثانى والثالث. واذا دفعه إليهم كان مقسوما بينهم بالحصص قدر أروش جنايتهم. وإن شاء المولى أمسك العبد وغرم الجنايات بكمال أروشها. ولو أراد المولى أن يدفع من العبد إلى بعضهم مقدار ما يتعلق به حقه ويفدى بعض الجنايات فله ذلك. ولو جنى العبد على واحد وله وليان فأراد المولى أن يدفع العبد إلى أحدهما وان يدفع الفداء إلى الآخر فليس له ذلك، لأن الجناية واحدة ولها حكم واحد، وهو، وجوب الدفع على التعيين.

стр. 6095

وعند اختيار الفداء يكون الفداء هو الواجب على التعيين. ولا يجوز أن يجمع فى جناية واحدة بين حكمين مختلفين بخلاف ما إذا جنى على جماعة لأن الجناية هناك متعددة وله خيار الدفع والفداء فى كل واحد منهم والدفع فى البعض والفداء فى البعض لا يكون جمعا بين حكمين مختلفين فى جناية واحدة. ولو قتل العبد إنسانا وفقا عين آخر فإن اختار المولى الدفع دفعه إليهما. وإن اختار المولى الفداء فدى عن كل جناية بأرشها، وكذلك لو شج شجاجا مختلفة فان دفع العبد إليهم كان مقسوما بينهم على قدر جناياتهم. وإن اختار الفداء فدى عن الكل بأروشها ولو قتل (١) العبد رجلا وعلى العبد دين فإن المولى يخير بين الدفع والفداء ولا يسقط الدين بحدوث الجناية فإذا دفعه المولى إلى ولى الجناية دفعه مشغولا بالدين ويباع بعد ذلك لأجل دين الغرماء، وبدئ بالدفع لا بالدين، لأن فيه رعاية الحقين حق أولياء الجناية بالدفع إليهم وحق أصحاب الدين بالبيع لهم، ولو بدئ بالدين فبيع به لبطل حق أولياء الجناية فى الدفع، لأنه بالبيع يصير ملكا للمشترى لذلك بدئ بالدفع لأولياء الجناية. وفائدة ذلك هى أن يثبت لأولياء الجناية حق استخلاص العبد بالفداء، لأن للناس أغراضا فى الأعيان. وإن فدى بالدية يباع العبد فى الدين، لأنه لما فدى فقد طهرت رقبة العبد فوق الجناية فيباع، إلا أن يستخلصه المولى لنفسه ويقضى دين الغرماء، ولو حضر الغرماء أولا فباع المولى العبد فإن فعل ذلك بغير أمر القاضى ينظر؟ فإن كان عالما بالجناية صار مختارا للفداء ولزمه الأرش وان كان غير عالم بالجناية فعليه الأقل من قيمة العبد ومن الأرش وهو الدية. قتل العبد الجانى: ولو جنى العبد (٢) ثم قتل قبل أن يدفع إلى ولى الجناية فإن كان القاتل حرا فان المولى يأخذ قيمته ويدفعها إلى ولى الجناية إن كان واحدا. وإن كانوا جماعة يدفعها إليهم على قدر حقوقهم لأن القيمة بدل العبد فتقوم مقامه. ولا خيار للمولى بين القيمة والفداء حتى لو تصرف فى تلك القيمة لا يصير مختارا للفداء. ولو تصرف فى العبد يصير مختارا للفداء، وذلك لأن القيمة دراهم أو دنانير فإن كانت مثل الأرش فلا فائدة فى التخيير وكذلك إن كانت أقل من الأرش أو أكثر منه لأنه يختار الأقل لا محالة بخلاف العبد فإنه وإن كان قليل القيمة فللناس رغائب فى الأعيان.

стр. 6096

وكذلك إن قتله عبد أجنبى فخير مولاه بين الدفع والفداء وفدى بقيمة العبد المقتول أن المولى يأخذ القيمة ويدفعها إلى ولى الجناية لما قلنا ولو دفع القاتل إلى مولى العبد المقتول يخير ولى العبد بين الدفع والفداء حتى لو تصرف فى العبد المدفوع بالبيع ونحوه يصير مختارا للفداء، لأن العبد القاتل قام مقام المقتول لحما ودما فكأن الأول قائم .. وان قتله عبد آخر لمولاه يخير المولى فى شيئين فى العبد القاتل بين الدفع والفداء، لأن تعلق حق ولى الجناية بالعبد، جعل المولى كالأجنبى فصار كأن عبد أجنبى قتل العبد الجانى، وهناك يخير بين الدفع والفداء بقيمة المقتول فكذا هنا. ولو قطعت (١) يد عبد أو فقئت عينه وأخذ المولى الأرش ثم جنى هذا العبد جناية فإن شاء المولى اختار الفداء وإن شاء دفع العبد كذلك ناقصا وسلم له ما كان أخذ من الأرش، لأنه كان عند الجناية ناقصا. ولو شج العبد إنسانا موضحة وقيمته ألف درهم، ثم قتل آخر وقيمته ألفان. فإن اختار المولى الفداء فدى عن كل واحدة من الجنايتين بأرشها. وإن اختار الدفع دفعه مقسوما بينهما على قدر تعلق حق كل واحد منهما به. هل يتعدد الفداء بتعدد الجناية من العبد ؟ ولو جنى (٢): العبد جناية ففداه المولى ثم جنى جناية أخرى خير المولى بين الدفع والفداء، لأن العبد قد طهر عن الجناية الأولى بفدائه، فإذا جنى بعد ذلك فتعتبر جناية مبتدأة فيبتدئ حكمها، وهو الدفع، أو الفداء. واذا جنى العبد ثم جنى جناية أخرى قبل أن يختار المولى الفداء فإنه يدفع إليهما جميعا، أو يفدى، لأنه لما لم يفد للأولى حتى جنى ثانيا، فحق كل واحد منهما تعلق بالعبد فيدفع إليها أو يفدى. ما يصير به المولى مختارا للفداء وبيان صحة الاختيار: ما يصير به المولى مختارا للفداء نوعان: نص ودلالة: أما النص فهو الصريح بلفظ الاختيار، وما يجرى مجراه. نحو أن يقول. اخترت الفداء وآثرته أو رضيت به ونحو ذلك. وسواء كان المولى موسرا أو معسرا فى قول أبى حنيفة فيسار المولى ليس بشرط لصحة الاختيار عنده حتى لو اختار الفداء ثم تبين أنه فقير معسر صح اختياره وصارت الدية دينا عليه، لأنه وان كانت العزيمة هى وجوب الدفع، لكن الشرع رخص الفداء عند الاختيار، والإعسار لا يمنع

стр. 6097

صحة الاختيار، لأنه لا يقدح فى الأهلية والولاية، وقد وجد الاختيار مطلقا عن شرط السلامة فلا يجوز تقييد المطلق إلا بدليل. وعند أبى يوسف ومحمد يسار المولى شرط صحة اختياره الفداء، ولا يصح اختياره إذا كان معسرا إلا برضا الأولياء، ويقال له: إما أن تدفع أو تفتدى حالا. ووجه قولهما أن الحكم الأصلى لهذه الجناية هو لزوم الدفع، وعند الاختيار ينتقل إلى الذمة فيتقيد الاختيار بشرط السلامة ولا سلامة مع الإعسار فلا ينتقل إليها فيبقى العبد واجب الدفع. أما النوع الثانى مما يصير به المولى مختارا للفداء هو: الدلالة، وهى أن يتصرف المولى فى العبد تصرفا يفوت الدفع أو يدل على إمساك العبد مع العلم بالجناية. فكل تصرف يفوت الدفع أو يدل على إمساك العبد مع العلم بالجناية يكون اختيارا للفداء، لأن حق المجنى عليه متعلق بالعبد، وهو حق الدفع، وفى تقويت الدفع تفويت حقه، والظاهر أن المولى لا يرضى بتفويت صحته مع العلم بذلك إلا بما يقوم مقامه وهو الفداء فكان إقدامه عليه اختيارا للفداء. فإن (١) باع العبد بيعا باتا وهو عالم بالجناية فإنه يصير مختارا للفداء، لأنه تصرف مزيل للملك فيفوت الدفع. وكذا اذا باع بشرط خيار المشترى. ولو عرض العبد على البيع لم يكن ذلك اختيارا عند أصحابنا الثلاثة، لأن العرض على البيع لا يوجب زوال الملك فلا يفوت الدفع وليس ذلك أيضا دليل إمساك العبد بل هو دليل الإخراج من الملك فلا يصلح دليل اختيار الفداء وقال زفر رحمه الله تعالى: إن عرض العبد على البيع يكون اختيارا للفداء لأن العرض على البيع دليل استيفاء الملك، ألا ترى أن المشترى بشرط الخيار اذا عرض المشترى على البيع بكل اختياره فكان دليل إمساك العبد لنفسه، وذلك دليل اختيار الفداء. ولو باع المولى العبد بيعا فاسدا لم يكن مختارا للفداء حتى يسلمه إلى المشترى، لأن الملك لا يزول قبل التسليم فلا يفوت الدفع. ولو وهبه من إنسان وسلمه إليه صار مختارا للفداء، لأن الهبة والتسليم يزيلان الملك فيفوت الدفع. ولو كانت الجناية فيما دون النفس فوهبه المولى من المجنى عليه لا يصير مختارا للفداء ولا شئ على المولى، ولو باعه من المجنى عليه كان مختارا لأن التسليم بالهبة فى معنى الدفع، لأن كل واحد منهما تمليك بغير عوض، فوقعت الهبة موقع الدفع، بخلاف البيع لأنه تمليك بعوض، والدفع تمليك بغير عوض فلا يقوم مقامه فكان الإقدام على البيع منه اختيارا للفداء. وكذلك لو تصدق به على إنسان أو على المجنى عليه فهو والهبة سواء، لأن كل واحد منهما تمليك بغير عوض.

стр. 6098

ولو أعتقه أو دبره أو كانت أمة فاستولدها وهو عالم بالجناية صار مختارا للفداء، لأن هذه التصرفات تفوت الدفع إذ الدفع تمليك، وهذه التصرفات تمنع من التمليك فكانت اختيارا للفداء. ولو كانت الجناية فيما دون النفس فأمر المولى المجنى عليه بإعتاقه وهو عالم بالجناية صار المولى مختارا للفداء، لأن إعتاقه بأمره مضاف إليه فكان دليل اختيار الفداء كما لو أعتق بنفسه. ولو قال لعبده إن قتلت فلانا فأنت حر فقتله صار مختارا للفداء عند أصحابنا الثلاثة رحمهم الله تعالى، لأن المعلق بالشرط يصير منجزا عند وجود الشرط بتخير مبتدء كأنه قال له بعد وجود الجناية أنت حر. وعند زفر رحمه الله تعالى: لا يصير مختارا للفداء، لأن العبد إنما صار معتقا بالقول السابق وهو قوله: أنت حر ولا جناية عند ذلك وعند وجود الجناية لا إعتاق فكيف يصير مختارا للفداء. ولو أخبر المولى إنسان أن عبده قد جنى فأعتقه فإن صدقه ثم أعتقه صار مختارا للفداء بلا خلاف، وان كذبه فأعتقه لا يصير مختارا للفداء عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى، ما لم يكن المخير رجلان أو رجل واحد عدل. وعندهما يصير مختارا للفداء ولا يشترط العدد فى المخير ولا عدالته. ولو (١) كاتبه وهو عالم بالجناية صار مختارا اختيارا على التوقف لفوات الدفع فى الحال على التوقف، فإن أدى بدل الكتابة فعتق تقرر الاختيار، وإن عجز ورد فى الرق ينظر فى ذلك: إن خوصم قبل أن يعجز فيقضى بالدية ثم عجز لا يرتفع القضاء. وإن لم يخاصم حتى عجز كان للمولى أن يدفعه، لأن الدفع كأن لم يثبت على القطع والبتات، لاحتمال أن يعجز، فان عجز جعل كأن الكتابة لم تكن، فكان له أن يدفعه. وروى عن أبى يوسف رحمه الله تعالى أنه يصير مختارا بنفس الكتابة لتعذر الدفع بنفسها لزوال يده عنه ثم عادت إليه بسبب جديد وهو العجز. ولو كاتبة كتابة فاسدة كان ذلك اختيارا منه للفداء. أما الإجارة والرهن والتزويج، بأن زوج العبد الجانى امرأة أو زوج الأمة الجانية إنسانا فهل يكون ذلك اختيارا للفداء؟ ذكر فى ظاهر الرواية أنه لا يكون اختيارا، لأن الدفع لم يفت، لأن الملك قائم فكان الدفع ممكنا فى الجملة. وذكر الطحاوى رحمه الله تعالى: أنه يكون اختيارا، لأن الدفع للحال متعذر فأشبه البيع والتزويج تعييب فأشبه التعييب حقيقة. ولو أقر به لغيره لا يكون مختارا للفداء، كذا ذكر فى الأصل، لأن الإقرار به لغيره لا يفوت الدفع، لأن المقر مخاطب بالدفع والفداء. وذكر الكرخى رحمه الله تعالى فى مختصره أنه يكون مختارا، لأن إقراره به لغيره فى معنى التمليك منه إذ العبد ملكه من حيث الظاهر لوجود دليل

стр. 6099

الملك وهو اليد، فإذا أقر به لغيره فكأنه ملكه منه، ولو قتله المولى صار مختارا للفداء لأنه فوت الدفع بالقتل. ولو قتله أجنبى، فإن كان عمدا بطلت الجناية، وللولى أن يقتله قصاصا، لأنه فات محل الدفع، لا إلى خلف هو مال فتبطل الجناية. وإن كان خطأ يأخذ المولى القيمة ويدفعها إلى ولى الجناية، ولا يخير المولى فى القيمة. ولو عيبه المولى بأن قطع يده أو فقأ عينه أو ضربه ضربا أثر فيه ونقصه وهو عالم بالجناية صار مختارا للفداء، لأنه بالنقصان حبس عن المجنى عليه جزءا من العبد وحبس الكل دليل اختيار الفداء، لأنه دليل إمساك العبد لنفسه فكذا حبس الجزء، لأن حكم الجزء حكم الكل. ولو ضرب المولى عينه فابيضت وهو عالم بالجناية حتى جعل مختارا للفداء ثم ذهب البياض، فإن ذهب قبل أن يخاصم فيه بطل الاختيار ويؤمر بالدفع أو الفداء، لأنه إنما جعل مختارا لأجل النقصان، وقد زال، فجعل كأن ذلك لم يكن. وإن استخدمه وهو عالم بالجناية لا يصير مختارا للفداء، لأنه لا يفوت الدفع بالاستخدام لقيام الملك، وكذا الاستخدام لا يختص بالملك. ولو كان الجانى أمة فوطئها المولى. فإن كانت بكرا فقد صار مختارا للفداء لأنه فوت جزءا منها حقيقة بإزالة البكارة. وإن كانت ثيبا فإن علقت منه صار مختارا للفداء وإن لم تعلق لا يصير مختارا وهذا جواب ظاهر الرواية. وروى عن أبى يوسف رحمه الله تعالى أنه يصير مختارا للفداء سواء علقت منه أو لم تعلق، لأن رجل الوط ء لا بد له من الملك أما ملك النكاح أو ملك اليمين ولم يوجد هاهنا ملك النكاح فتعين ملك اليمين لثبوت الحل، فكان إقدامه على الوط ء دليلا على إمساكها لنفسه، فكان دليل الاختيار. ووجه ظاهر الرواية أن الوط ء ليس إلا استيفاء منفعة البضع وأنه لا يوجب نقصان العين حقيقة، ولو أذن لعبده فى التجارة فركبه دين لم يصر المولى مختارا للفداء وعليه قيمته (١) ثم جميع ما ذكر مما يصير به المولى مختارا للفداء اذا فعله وهو عالم بالجناية. فإن كان لم يعلم بالجناية لم يكن مختارا للفداء، سواء كانت الجناية على النفس أو على ما دون النفس. لأن الاختيار هاهنا اختيار الإيثار وهو لا يتحقق بدون العلم بما يختاره وهو الفداء عن الجناية، واختيار الفداء عن الجناية اختيار الإيثار واختيار الإيثار بدون العلم بالجناية محال. ثم الجناية إن كانت على النفس فعليه الأقل من قيمة العبد ومن الدية. وإن كانت على مادون النفس فعليه الأقل من قيمته ومن الأرش، لأنه فوت الدفع المستحق من غير اختيار الفداء فيضمن القيمة. ولو باعه بيعا باتا وهو لا يعلم بالجناية فلم يخاصم فيها حتى رد العبد إليه بعيب بقضاء القاضى أو بخيار

стр. 6100

يقال له ادفع أو افد، لأنه إذا لم يعلم بالجناية لم يصر مختارا. ولو كان بعد العلم بالجناية فعليه الفداء لأنه إذا باعه بعد العلم بالجناية فقد صار مختارا للفداء لتعذر الدفع لزوال ملكه بالبيع. ولو قطع العبد يد إنسان أو جرحه جراحة فخير فيه فاختار الدفع ثم مات من ذلك فالدفع على حاله لا يبطل، لأن وجوب الدفع لا يختلف بالقتل والقطع، لأنه يدفع فى الحالين جميعا. وإن اختار الفداء ثم مات يبطل الاختيار ثم يخير ثانيا عند محمد استحسانا. وهو قول أبى يوسف رحمه الله تعالى الأول، والقياس ألا يبطل وعليه الدية وهو قول أبى يوسف الأخير، ولم يذكر فى ظاهر الرواية قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى. وذكر الطحاوى قوله مثل قول محمد رحمه الله تعالى. ولو كان اختار الفداء بالإعتاق بأن أعتق العبد للحال حتى صار مختارا للفداء ثم مات المجنى عليه لا يبطل الاختيار ويلزمه جميع الدية قياسا واستحسانا. ووجه القياس أن المولى لما اختار الفداء عن أصل الجناية فقد صح اختياره ولزمه موجبها بالسراية لم يتغير أصل الجناية وإنما تغير وصفها والوصف تبع للأصل، فكان اختيار الفداء عن المتبوع اختيارا عن التابع. ووجه الاستحسان أن اختيار الفداء عن القطع لما سرى إلى النفس ومات فقد صار قتلا وهما متغايران، فاختيار الفداء عن أحدهما لا يكون اختيارا عن الآخر، فيخير اختيارا مستقبلا. بخلاف ما إذا كان الاختيار بالإعتاق، لأن إقدامه على الإعتاق مع علمه أنه ربما يسرى إلى النفس، فيلزمه كل الدية، ولا يمكنه الدفع بعد الإعتاق دلالة اختيار الكل والرضا به، وهذا المعنى لم يوجد هاهنا، لأنه لم يرض بالزيادة على ما كان ثابتا وقت الاختيار والعبد للحال محل للدفع. صفة الفداء الواجب: والفداء (١) الواجب عند الاختيار يجب فى ماله حالا لا مؤجلا، لأن الحكم الأصلى لهذه الجناية هو وجوب الدفع والفداء كالخلف عنه فيكون على نعت الأصل. ثم الدفع يجب حالا فى ماله لا مؤجلا فكذلك الفداء. الفداء فى جناية العبد المدبر: واذا كان العبد القاتل مدبرا فجنايته على مولاه إذا ظهرت وأصل الواجب بجناية المدبر قيمته على المولى، لإجماع الصحابة رضى الله تعالى عنهم. فإنه روى عن سيدنا عمر وأبى عبيدة بن الجراح رضى الله تعالى عنهما أنهما قضيا بجناية المدبر على مولاه بمحضر من الصحابة ولم ينقل أنه أنكر عليهما أحد منهم، فيكون إجماعا من الصحابة، ولأن الأصل فى

стр. 6101

جناية العبد هو وجوب الدفع على المولى وبالتدبير منع الدفع من غير اختيار الفداء يوجب القيمة على المولى كما لو دبر القن وهو لا يعلم الجناية. الفداء فى جناية المكاتب: وإذا كان (١) العبد مكاتبا فقتل أجنبيّا خطأ فجنايته على نفسه إذا ظهرت لا على مولاه وأصل الواجب بجنايته قيمة نفسه عليه لا على مولاه، لأن كسب المكاتب لنفسه لا لمولاه. واختلف أصحابنا فى كيفية الوجوب، فقال علماؤنا الثلاثة أن قيمته تصير دينا فى ذمته على طريق القطع والبتات، وفائدة هذا الاختلاف تظهر فيما اذا جنى ثم عجز عقيب الجناية بلا فصل أنه يخاطب المولى بالدفع أو الفداء عندنا، وعنده يباع ويدفع ثمنه إلى أولياء القتيل. الفداء فى جناية العبد على مولاه (٢): وإن قتل العبد القن مولاه خطأ فجنايته هدر، لأن المولى لا يجب له على عبده دين، وإن قتله عمدا فعليه القصاص، ولو قتله عمدا وله وليان فعفا أحدهما حتى سقط القصاص بطلت الجناية ولا يجب للذى لم يعف شئ فى قولهما. وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى يقال للذى عفا إما أن تدفع نصف نصيبك وهو ربع العبد إلى الذى لم يعف أو تفديه بربع الدية. الفداء فى جناية العبد على العبد: وإذا كانت الجناية من عبد على عبد بأن قتل عبد عبدا خطأ فالمقتول لا يخلو، إما أن يكون عبدا لأجنبى، وإما أن يكون عبد المولى القاتل. فإن كان عبد الأجنبى بأن كان القاتل قنا يخاطب المولى بالدفع أو الفداء سواء كان المقتول قنا أو مدبرا أو أم ولد أو مكاتبا، وهذا إذا كان المقتول حرّا أجنبيّا سواء، إلا أن هناك يخاطب المولى بالدفع أو الفداء بالدية وها هنا يخاطب بالدفع أو الفداء بالقيمة. وإن كان القاتل مدبرا أو أم ولد فعلى المولى القيمة سواء كان المقتول قنّا أو مدبرا أو مكاتبا. الفداء فى جناية العبد من طريق التسبب وهو الحافر فى الطريق: وإذا (٣) كان العبد قنا فجنايته بالحفر فى طريق عام بمنزلة جنايته بيده، والحكم فى ذلك أن يخاطب المولى بالدفع أو الفداء قلت جنايته أو كثرت، غير أنه إن كان المجنى عليه واحدا (٤) يدفع إليه أو يفدى، وإن كانوا جماعة يدفع إليهم أو يفدى بجميع الأروش، لأن جنايات القن فى رقبته فيقال للمولى ادفع أو افد.

стр. 6102

مذهب المالكية: جاء فى حاشية الدسوقى على الشرح الكبير (١): أن المدبر إن جنى فإن كان له مال يفى بجنايته دفع فيها وبقى مدبرا لسيده ولا خيار لسيده من فدائه واسلام خدمته للمجنى عليه، وإن لم يكن له مال يفى بجنايته خير سيده بين فدائه وإسلامه، فان فداه بقى مدبرا، وإن لم يفده أسلم خدمته للمجنى عليه يستوفى منها أرش الجناية حتى يستوفى الجناية، فلو جنى جناية ثانية على شخص آخر فيختص الأول بالخدمة السابقة على الجناية الثانية ويشترك معه الثانى فيما بقى من الخدمة. وهل يقتسمان الخدمة مناصفة بينهما أو على حسب الكل؟ الظاهر الثانى وهو ظاهر المدونة بها قال البنانى هو الصواب. فإذا كان أرش كل جناية من الجنايتين عشرين إلا أن صاحب الأولى أخذ من خدمته عشرة قبل أن تحصل الجناية الثانية وبقيت له عشرة فإنهما يتحاصان خدمته أثلاثا على ظاهر كلام المدونة وبه جزم ابن مرزوق لا أن الخدمة يقسمانها مناصفة ورجع مدبرا إن وفى أرش الجناية، وإن عتق هذا الجانى بموت سيده بعد إسلامه خدمته وقبل استيفاء أرش الجناية اتبع بالباقى من الأرش فى ذمته. أما لو مات سيده قبل إسلامه وفدائه فإنه لا شئ للمجنى عليه، ولو عتق بعضه ورق باقيه للوارث لضيق الثلث اتبع فيما عتق منه بحصته، أى بما يقابل الجزء الحر، لأن ما بقى من أرش الجناية يتعلق بعضه بالجزء الحر وبعضه بالجزء الرق. فإذا كان الأرش عشرة ورق نصفه اتبع بخمسة وخير الوارث لبعضه من إسلام مارق منه ملكا للمجنى عليه أو فكه بقدر ما يخصه من أرش الجناية، وإذا (٢) جنى المكاتب على سيده أو على أجنبى، فإن دفع أرش الجناية فهو باق على كتابته، وإن عجز عنه رق، ثم إن كانت الجناية على سيده ولا كلام، وعجزه عن أرش الجناية عليه كعجزه عن الكتابة. وان كانت الجناية على أجنبى وعجز عن أرشها خير السيد، إما أن يدفع أرش الجناية ويرق له العبد، أو يدفعه فى الجناية فيرق للمجنى عليه، وإن قتل (٣) عبد عبدا مثله أو حر عبدا وثبت ببينة مطلقا أو قسامة فى الحر خير الولى ابتداء فى قتل العبد واستحيائه، فإن قتله فواضح، وإن استحياه فلسيده الخيار ثانيا فى أحد أمرين: إسلامه للولى، أو فداؤه بدية الحر، أو بقيمة العبد المقتول، ومفهوم ببينة أو قسامة أنه لو ثبت بإقرار القاتل أنه لا يكون الحكم كذلك. والحكم أنه ليس للولى استحياؤه فان استحياه

стр. 6103

بطل حقه إلا أن يدعى الجهل ومثله يجهل ذلك فانه يحلف ويبقى على حقه فى القصاص، وهذا فى العمد. وأما فى الخطإ فيخير سيد القاتل من أول الأمر فى الدية واسلامه ولا خيار لولى المقتول، هذا إذا كان المقتول حرّا، فإن كان عبدا خير سيد القاتل بين إسلامه ودفع قيمة المقتول ويقتل العبد (١) أيضا إن كان مكلفا فإن كان صغيرا فلا يقتل وعليه نصف الدية جناية فى رقبته فيخير سيده الوارث له بين أن يفديه بنصف الدية أو يدفعه فى الجناية كذا فى عبد الباقى. والذى ذكره شيخنا فى حاشية الخرشى أن الصغير لا شئ عليه على ظاهر النقل. مذهب الشافعية: وجناية غير المميز (٢) بأمر سيده أو غيره على الآمر فيفديه بأرش الجناية بالغا ما بلغ، والبعض يجب عليه من واجب جنايته بنسبة حريته وما فيه من الرق يتعلق به باقى الجناية ويفديه السيد بأقل الأمرين من أرش الجناية والقيمة. وإن جنى (٣) عبد على حر أو عبد جناية توجب المال تعلق المال برقبته، لأنه لا يجوز إيجابه على المولى، لأنه لم يوجد منه جناية، ولا يجوز تأخيره إلى أن يعتق، لأنه يؤدى إلى إهدار الدماء فتعلق برقبته، والمولى بالخيار بين أن يبيعه ويقضى حق الجناية من ثمنه، وبين أن يفديه، ولا يجب عليه تسليم العبد إلى المجنى عليه، لأنه ليس من جنس حقه، وإن اختار بيعه فباعه فإن كان الثمن بقدر مال الجناية صرف فيه، وإن كان أكثر قضى ما عليه والباقى للمولى، وإن كان أقل لم يلزم المولى ما بقى، لأن حق المجني عليه لا يتعلق بأكثر من الرقبة، فإن اختار أن يفديه ففيه قولان: أحدهما: يلزمه أن يفديه بأقل الأمرين من أرش الجناية أو قيمة العبد، لأنه لا يلزمه ما زاد على واحد منهما. والقول الثانى: يلزمه أرش الجناية بالغا ما بلغ أو يسلمه للبيع، لأنه قد يرغب فيه راغب فيشتريه بأكثر من قيمته، فإذا امتنع من البيع لزمه الأرش بالغا ما بلغ، وإن قتل عشرة أعبد لرجل عبدا لآخر عمدا فاقتص مولى المقتول من خمسة وعفا عن خمسة على المال تعلق برقبتهم نصف القيمة فى رقبة كل واحد منهم عشرها، لأنه قتل خمسة بنصف عبده وعفا عن خمسة على المال وبقى له النصف والمعتبر قيمته يوم الجناية لتوجه طلب الفداء فيه، لأنه يوم تعلقها واعتبر القفال يوم الفداء، لأن النقص قبله لا يلزم السيد بدليل ما لو مات العبد قبل اختيار الفداء. ولو فداه ثم (٤) جنى سلمه للبيع أو فداه مرة

стр. 6104

أخرى، وان تكرر ذلك مرارا لأنه الآن لم يتعلق به غير هذه الجناية. ولو جنى ثانيا قبل الفداء باعه أو سلمه ليباع فيهما ووزع الثمن على أرش الجنايتين أو فداه بالأقل من قيمته والأرش على الجديد، وفى القديم يفديه بالأرش. ومحل الخلاف إن لم يمنع من بيعه مختارا للفداء، والا لزمه فداء كل منهما بالأقل من أرشها وقيمته، ولو أعتقه أو باعه موسرا أو باعه بعد اختيار الفداء أو قتله فداه وجوبا، لأنه فوت محل التعلق، فإن تعذر الفداء لنحو إفلاسه أو غيبته أو صبره على الحبس فسخ البيع وبيع فى الجناية وفداؤه هنا بالأقل من قيمته والأرش جزما لتعذر البيع، وقيل يجرى هنا أيضا القولان السابقان. ولو هرب العبد الجانى أو مات قبل اختيار سيده الفداء برئ سيده لفوات الرقبة إلا إذا طلب منه ليباع فمنعه لتعديه بالمنع ويصير بذلك مختارّا للفداء، بخلاف ما لو لم يطلب منه أو طلب فلم يمنعه فإنه لا يلزم به، ولو اختار الفداء بالقول دون (١) الفعل فالأصح أن له الرجوع وتسليمه ليباع إذ اختياره مجرد وعد لا يلزم ولم يحصل يأس من بيعه، فلو مات العبد أو قتل فليس للسيد الرجوع عن قوله لحصول اليأس من بيع لم يرجع جزما، وكذا لو نقصت قيمته بعد اختياره لا حق له فى الرجوع عن قوله ما لم يغرم النقص، ولو باعه بإذن المستحق بشرط الفداء لزمه وامتنع رجوعه، وكذا يمتنع لو كان البيع يتأخر تأخرا يضر المجنى عليه كما قاله البلقينى، ومقابل الأصح يلزمه الفداء. ويفدى أم ولده وجوبا وإن ماتت عقب الجناية لمنعه بيعها بالإيلاد كما لو قتلها. ومن ثم لم تتعلق الجناية بذمتها، خلافا للزركشى بل بذمته كما بحثه الشيخ، لأنه المانع لبيعها. وفداء أم الولد يكون بالأقل من قيمتها يوم جنايتها لا يوم إحبالها اعتبارا بوقت لزوم فدائها ووقت الحاجة إلى بيعها الممنوع بالإحبال: مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى (٢) أنه إذا جنى العبد فعلى سيده أن يفديه أو يسلمه، فإن كانت الجناية أكثر من قيمته لم يكن على سيده أكثر من قيمته. هذا فى الجناية التى تؤدى بالمال، أما لكونها لا توجب إلا المال، وأما لكونها موجبة للقصاص، فعفا عنها إلى المال، فإن جناية العبد تتعلق برقبته، لأن الضمان موجب جنايته فتتعلق برقبته كالقصاص، ثم لا يخلوا أرش الجناية من أن يكون بقدر قيمته فأقل أو أكثر. فإن كان بقدرها فأقل فالسيد مخير بين أن يفدية بأرش جنايته أو يسلمه الى ولى الجناية فيملكه، لأنه إن دفع أرش الجناية فهو الذى وجب للمجنى عليه فلم يملك المطالبة بأكثر منه، وإن سلم العبد

стр. 6105

فقد أدى المحل الذى تعلق الحق به، ولأن حق المجني عليه لا يتعلق بأكثر من الرقبة وقد أداها، وإن طلب المجنى عليه بتسليمه إليه وأبى ذلك سيده لم يجبر عليه، وإما إن كانت الجناية أكثر من قيمته ففيه روايتان: عن أحمد إحداهما: أن سيده يخير بين أن يفديه بقيمته أو أرش جنايته، وبين أن يسلمه، لأنه إذا أدى قيمته فقد أدى قدر الواجب عليه، فإن حق المجنى عليه لا يزيد على العبد فلم يلزمه أكثر من ذلك، كما لو كانت الجناية بقدر قيمته. الرواية الثانية: يلزمه تسليمه إلا أن يفديه بأرش جنايته بالغة ما بلغت، لأنه ربما إذا عرض للبيع رغب فيه راغب بأكثر من قيمته فإذا أمسكه فقد فوت تلك الزيادة على المجنى عليه. ووجه الرواية الأولى أن الشرع قد جعل له فداءه فكان له فداؤه وكان الواجب قدر قيمته كسائر المتلفات، فإن كانت الجناية موجبة للقصاص (١) فعفا ولى الجناية على أن يملك العبد لم يملكه بذلك، لأنه اذا لم يملكه بالجناية فلأن لا يملكه بالعفو أولى ولأنه إذا عفى عن القصاص انتقل حقه إلى المال فصار كالجانى جناية موجبة للمال، وفيه رواية أخرى أنه يملكه لأنه مملوك استحق إتلافه فاستحق إبقاؤه على ملكه كعبده الجانى عليه. قال أبو طالب سمعت أبا عبد الله أحمد يقول اذا أمر السيد غلامه فجنى فعليه ما جنى وإن كان أكثر من ثمنه إن قطع يدخر فعليه دية يد الحر وان كان ثمنه أقل وإن أمره سيده أن يجرح رجلا فما جنى فعليه قيمة جنايته وإن كانت أكثر من ثمنه لأنه بأمره. وقال أحمد حدثنا حماد بن سلمة حدثنا قتادة عن خلاس أن عليا قال: إذا أمر الرجل عبده فقتل إنما هو كسوطه أو كسيفه يقتل المولى والعبد يستودع السجن، ولأنه فوت شيئا بأمره فكان على السيد ضمانه كما لو استدان، فإن جنى جنايات بعضها بعد بعض فالجانى بين أولياء الجنايات بالحصص، لأنهم تساووا فى سبب تعلق الحق به فتساووا فى الاستحقاق، كما لو جنى عليهم دفعة واحدة، وإن أعتق (٢) السيد عبده الجانى عتق وضمن ما تعلق به من الأرش، لأنه أتلف محل الجناية على من تعلق حقه به فلزمه غرامته كما لو قتله. ونقل ابن منصور عن أحمد أنه إن أعتقه عالما بجنايته فعليه دية المقتول، وإن لم يكن عالما بجنايته فعليه قيمة العبد، وذلك لأنه إذا أعتقه مع العلم كان مختارا لفدائه، بخلاف ما إذا لم يعلم فإنه لم يختر الفداء لعدم علمه به فلم تلزمه أكثر من قيمة ما فوته، فإن باعه أو وهبه صح بيعه ولم يزل تعلق الجناية عن رقبته، فإن كان المشترى عالما بحاله فلا

стр. 6106

خيار له لأنه دخل على بصيرة وينتقل الخيار بين فدائه وتسليمه إليه كالسيد الأول، وإن لم يعلم فله الخيار بين إمساكه ورده كسائر المعيبات. مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى (١): أن قتل العبد أو المدبر أو أم الولد أو المكاتب مسلما خطأ أو جنوا على حامل فأصيب جنينها فقد قضى رسول الله ﵌ وهو الذى قضاؤه من قضاء الله تعالى أن الدية والغرة على عصبة الجانى فى ذلك وان على كل بطن عقوله ولم يخص النبى ﵌ حرا من عبد «وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى﴾ (٢)» وقد حكم رسول الله ﵌ على كل بطن عقوله والبطون هى الولادات أبا بعد أب فهى فى العجم كما هى فى العرب وفى الأحرار كما هى فى العبيد، والدية على العصبة لا على الورثة بنص حكم رسول الله ﵌. مذهب الزيدية: جاء فى البحر الزخار (٣): أن العبد إذا جنى على طرف فللولى القصاص بشروطه أو العفو بعوض أو بدونه إذا الحق له، وإذا اختار الأرش خير السيد بين تسليمه أو فدائه به بالغا ما بلغ وكذا لو جنى ما لا قصاص فيه. ولو باع السيد العبد قبل علمه بجنايته لزمه قيمته لا غير، ولو عفا أحد الوليين عن قود العبد سلم أو بعضه بحصة من لم يعف عن الدية أو لسيده إمساكه وتسليم الأرش بسقوط القتل، وإذا امتنع المجنى عليه من أخذ العبد فبيع للجناية ولم يف ثمنه بها ثم أعتق طولب بالزائد اذ هو فى ذمته، وقيل: لا يطالب. وإن هلك العبد وفى رقبته جناية لم يضمنه السيد أرشها لتعلقها برقبته إلا أن يموت بعد اختياره للفداء فإن أعتقه أو قتله أو باعه عالما فهو اختيار للفداء فيلزمه ولا يلزم المشترى إذا لم تقع فى ملكه قال يحيى وكذا لو رهنه بعد الجناية إذا أوجب فيه حقا للغير كالبيع. مذهب الإمامية: جاء فى الروضة البهية (٤): أنه لا يضمن المولى جناية عبده على غيره، لأن المولى لا يعقل عبدا، وله الخيار إن كانت الجناية صدرت عن المملوك خطأ فكه بأقل الأمرين من أرش الجناية وقيمته، لأن الأقل إن كان هو الأرش فظاهر وإن كانت القيمة فهى بدل من العين فتقوم مقامها وإلا لم تكن

стр. 6107

بدلا ولا سبيل إلى الزائد لعدم عقل المولى وبين تسليمه إلى المجنى عليه أو وليه ليسترقه أو يسترق منه ما قابل جنايته. وفى الجناية العمد يكون المجنى عليه أو وليه مخيرا بين طلب القصاص منه أو استرقاقه. والمدبر فى جميع ذلك كالقن فيقتل إن قتل عمدا حرّا أو عبدا أو يدفع إلى ولى المقتول يسترقه أو يفديه مولاه بالأقل كما مر. ثم إن فداه أو بقى منه شئ بعد أرش الجناية بقى على تدبيره وإلا بطل، ولو مات مولاه قبل استرقاقه وفكه فالأقوى انعتاقه، لأنه لم يخرج عن ملكه بالجناية فعلا وحينئذ فيسعى فى فك رقبته من الجناية. ولو قتل العبد عبدين (١) لمالكين يستوعب كل منهما قيمته أو قتل حرا وعبدا كذلك، فإن مولى العبدين يشتركان فيه ما لم يسبق مولى الأول إلى استرقاقه قبل جنايته على الثانى فيكون لمولى الثانى وكذا ولى الحر ومولى العبد، ولو اختار الأول المال ورضى به المولى تعلق حق الثانى برقبته، وقيل يقدم الأول، لأن حقه أسبق ويسقط الثانى لقوات محل استحقاقه، والأول أقوى. مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل (٢): أنه ان قتل عبد حرا ولو خطأ فالعبد لولى الحر مطلقا إن شاء استعبده وإن شاء قتله، وقيل له أن يدرك قيمة العبد على سيده، وقيل إن قتله عمدا فله العبد لا غيره وان قتله خطأ فالخيار لربه. أما ما دون النفس من الجروح والآثار وفوات المنافع كالصمم فالخيار لربه إذا كان الجرح مثل قيمة العبد أو أكثر وكذا غير الجرح كذهاب السمع فإن شاء رب العبد أعطاه ذلك العبد وإن شاء أعطاه قيمته بتقويم العدول وإن كان أقل من نفس العبد فالأرش. وإن جرح (٣) مدبر عبدا غرم ربه أرش الجرح فإن مات بالجرح بعد الغرم خير رب القتيل فى قتل المدبر ورد ما أخذ من الأرش لربه وفى أخذ قيمته بالبناء على الأرش الذى أخذ، والأولى أن لا يغرم الجرح بل ينتظرون موته إن ظنوا أنه يموت به فان مات أخذت قيمته أو قتل المدبر وإن لم يقتله حتى حرر فله قيمة عبده على السيد بالبناء على ما أخذ من الأرش. افتداء العبد الجانى على الرهن مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع (٤): أنه إذا وقعت

стр. 6108

جناية على الرهن فإن كان الجانى عبدا أو أمة فإن مولى القاتل يخاطب بالدفع أو الفداء بقيمة المقتول. فإن اختار الدفع فإن كانت قيمة المقتول مثل قيمة المدفوع أو أكثر فالمدفوع رهن بجميع الدين ويجبر الراهن على الافتكاك بلا خلاف. وإن كانت قيمته أقل من قيمة المقتول بأن كانت قيمة المقتول ألفا والدين ألف وقيمة المدفوع مائة فهو رهن بجميع الدين أيضا، ويجبر الراهن على الافتكاك بجميع الدين كما كان يجبر على افتكاك العبد المقتول لو كان حيّا بجميع الدين فى قول أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى. وقال محمد رحمه الله تعالى إن لم يكن بقيمة القاتل وفاء بقيمة المقتول فالراهن بالخيار إن شاء افتكه بجميع الدين وإن شاء تركه للمرتهن بدينه فمحمد مر على أصله فى الجعل بالدين عند تعذر الجبر على الافتكاك وهنا تعذر لما فيه من الغرر بالراهن، ووجه ما قاله أبو حنيفة وأبو يوسف أنه لما دفع الثانى بالأول قام مقام الأول لحما ودما والأول كان رهنا بجميع الدين وكان يجبر الراهن على الافتكاك بجميع الدين، فكذا الثانى. وكذلك لو كان العبد المرتهن نقص فى السعر حتى صار يساوى مائة درهم فقتله عبد يساوى مائة درهم فدفع به فهو على الاختلاف، هذا إذا كان مولى القاتل اختار الدفع، فأما إذا اختار الفداء فإنه يفديه بقيمة المقتول وكانت القيمة رهنا عند المرتهن، ثم ينظر إن كانت القيمة من جنس الدين استوفى دينه منها وإن كانت من خلاف الجنس حبسها رهنا حتى يستوفى جميع دينه، ويجبر الراهن على الافتكاك عند أبى حنيفة وأبى يوسف، وعند محمد يخير الراهن بين الافتكاك بجميع الدين وبين الترك للمرتهن بالدين هذا إذا كانت الجناية فى النفس. فأما إذا كانت فيما دون النفس فإن كان الجانى حرّا يجب أرشه فى ماله لا على عاقلته، سواء كانت الجناية خطأ أو عمدا. أما الوجوب فى ماله فلأن العاقلة لا تعقل فيما دون النفس، وأما التسوية بين الخطإ والعمد فلأن القصاص لا يجرى بين الحر والعبد فيما دون النفس. فاستوى فيه العمد والخطأ فى وجوب الأرش فكان الأرش رهنا مع العبد لأنه بدل جزء مرهون. وإن كان الجانى عبدا يخاطب مولاه بالدفع أو الفداء بأرش الجناية فإن اختار الفداء بالأرش كان الأرش مع المجنى عليه رهنا، وإن اختار الدفع يكون الجانى مع المجنى عليه رهنا، والخصومة فى ذلك كله إلى المرتهن لأن حق الحبس له والجانى فوت الحبس عن بعض أجزاء الرهن فله أن يقيم بدل الفائت فبقيمة مقامه رهنا. هذا الذى ذكرنا حكم جناية غير الراهن على الرهن. أما حكم جناية الراهن على غير الرهن فجنايته لا تخلو: إما إن كانت على بنى آدم وإما إن كانت على غير بنى آدم من سائر الأموال. فإن كانت على

стр. 6109

بنى آدم فلا تخلو، إما إن كانت عمدا وإما إن كانت خطأ أو فى معناه، فإن كانت عمدا يقتص منه كما إذا لم تكن رهنا لأن ملك الراهن لا يمنع وجوب القصاص ألا يرى أنه لا يمنع إذا لم يكن رهنا. وإذا لم يكن الملك مانعا فحق المرتهن أولى لأنه دون الملك سواء قتل أجنبيّا أو الراهن أو المرتهن، لأن القصاص ضمان الدم ولا حق للمولى فى دمه، بل هو أجنبى عنه وكذا للمرتهن من طريق الأولى إذ الثابت له الحق والحق دون الملك فصارت جنايته على الراهن والمرتهن فى حق القصاص، وجنايته على الأجنبى سواء. وإذا قتل قصاصا سقط الدين لأن هلاكه حصل فى ضمان المرتهن فسقط دينه كما إذا هلك بنفسه، هذا إذا كانت جنايته عمدا فأما إذا كانت خطأ (١) أو ملحقة بالخطإ فإن كانت شبه عمد أو كانت عمدا لكن القاتل ليس من أهل وجوب القصاص عليه بأن كان صبيّا أو مجنونا أو كانت جنايته فيما دون النفس فإنه يدفع أو يفدى لأن هذه الجنايات من العبيد والإماء توجب الدفع أو الفداء، ثم ينظر إن كان العبد كله مضمونا بأن كانت قيمته مثل الدين أو دونه نحو إن تكون قيمة العبد ألفا والدين ألفا، أو كان الدين ألفا وقيمة العبد خمسمائة يخاطب المرتهن أولا بالفداء لأن الفداء يستبقى حق نفسه فى الرهن بتطهيره عن الجناية من غير أن يسقط حق المرتهن، ولو بدئ بالراهن وخوطب بالدفع أو الفداء على ما هو حكم الشرع فربما يختار الدفع فيبطل حق المرتهن ويسقط دينه، فكانت البداءة بخطاب المرتهن بالفداء أولى. وإذا فداه بالأرش فقد استخلصه واستصفاه عن الجناية، وصار كأنه لم يجن أصلا فيبقى رهنا، كما كان ولا يرجع بشئ مما فدى على الراهن لأنه فدى ملك الغير بغير إذنه، فكان متبرعا فيه فلا يملك الرجوع، كما لو فداه أجنبى، ولأنه بالفداء أصلح الرهن باختياره واستبقى حق نفسه فكان عاملا لنفسه بالفداء فلا يرجع على غيره، وليس له أن يدفع لأن الدفع تمليك الرقبة وهو لا يملك رقبته. وإن أبى المرتهن أن يفدى يخاطب الراهن بالدفع أو الفداء لأن الأصل فى الخطاب هو الراهن لأن الملك له، وإنما يبدأ بالمرتهن بخطاب الفداء صيانة لحقه فإذا أبى عاد الأمر إلى الأصل، فإن اختار الدفع بطل الرهن وسقط الدين. أما بطلان الرهن فلأن العبد زال عن ملكه بالدفع إلى خلف فخرج عن كونه رهنا. وأما سقوط الدين فلأن استحقاق الزوال حصل بمعنى فى ضمان المرتهن فصار كأنه هلك فى يده، وكذلك إن اختار الفداء لأنه صار قاضيا بما فدى المرتهن، لأن الفداء على المرتهن لحصول الجناية فى ضمانه إلا أنه لما أبى الفداء والراهن محتاج إلى استخلاص عبده ولا يمكنه ذلك إلا بالفداء

стр. 6110

فكان مضطرا فى الفداء فلم يكن متبرعا فكان له أن يرجع على المرتهن بما فدى وله على الراهن مثله فيصير قصاصا به. وإذا صار قاضيا دين المرتهن مما فدى ينظر إلى ما فدى وإلى قدر قيمة العبد وإلى الدين فإن كان الفداء مثل الدين وقيمة العبد مثل الدين أو أكثر سقط الدين كله وإن كان الفداء بأقل من الدين وقيمة العبد مثل الدين أو أكثر سقط من الدين بقدر الفداء وحبس العبد رهنا بالباقى. وإن كان الفداء قدر الدين أو أكثر وقيمة العبد أقل من الدين يسقط من الدين قدر قيمة العبد ولا يسقط بأكثر منها، لأنه لو هلك العبد لا يسقط من الدين أكثر من قيمته فكذا عند الفداء. وإن كان العبد بعضه مضمونا والبعض أمانة بأن كانت قيمة العبد ألفين والدين ألفا فالفداء عليهما جميعا، لأن نصفه مضمون ونصفه أمانة فكان فداء نصف المضمون منه على المرتهن وفداء نصف الأمانة على الراهن فيخاطبان جميعا بالدفع أو الفداء. والمعنى من خطاب الدفع فى جانب المرتهن الرضا بالدفع لا، فيعمل الدفع لأن فعل الدفع ليس إليه ثم إذا خوطب بذلك. فإما أن يجتمعا على الدفع وإما أن يجتمعا على الفداء، وإما أن يختلفا فيختار أحدهما الدفع ويختار الآخر الفداء، والحال لا يخلو إما أن يكونا حاضرين وإما أن يكون أحدهما غائبا. فإن كانا حاضرين واجتمعا على الدفع ودفعا فقد سقط دين المرتهن لأن الدفع بمنزلة الهلاك، وإن اجتمعا على الفداء فدى كل واحد منهما بنصف الأرش، وإذا فديا طهرت رقبة العبد عن الجناية ويكون رهنا كما كان. وكان كل واحد منهما متبرعا حتى لا يرجع على صاحبه بما فدى، لأن كل واحد منهما أدى ما عليه فكان مؤديا عن نفسه لا عن صاحبه. وإن اختلفا فأراد أحدهما الفداء والآخر الدفع فأيهما اختار الفداء فاختياره أولى. أما المرتهن فلأنه بالفداء يستبقى حق نفسه ولا يسقط حق الراهن والراهن بالدفع يسقط حق المرتهن، فكان اختيار المرتهن أولى. وأما الراهن فلأنه يستبقى ملك الرقبة بالفداء، والمرتهن باختيار الدفع يريد إسقاط دينه وإبطال ملك الراهن فلم يكن له فى اختيار الدفع نفع بل كان سفها محضا وتعنتا باردا فلا يلتفت إليه فكان للراهن أن يفدى، ثم أيهما اختار الفداء فدى العبد بجميع الأرش ولا يملك الآخر دفعه. ثم ينظر إن كان الذى اختار الدفع هو المرتهن ففدى بجميع الأرش بقى العبد رهنا كما كان لأنه طهرت رقبته عن الجناية بالفداء فصار كأنه لم يجن. ويرجع المرتهن على الراهن بدينه، وهل يرجع عليه بحصة الأمانة ذكر الكرخى فيه روايتين: فى رواية لا يرجع بل يكون متبرعا وفى رواية يرجع. وذكر القاضى فى شرحه مختصر الطحاوى أنه

стр. 6111

لا يرجع إلا بدينه خاصة ولم يذكر اختلاف الرواية. وجه الرواية الأولى (١): أنه التزم الفداء باختياره مع قدرته على ألا يلتزم لأنه لو لم يلتزم لخوطب الراهن فكان متبرعا فيه فلا يملك الرجوع. ووجه الرواية الأخرى: أن المرتهن يحتاج إلى إصلاح قدر المضمون منه ولا يمكنه ذلك إلا بإصلاح قدر الأمانة فكان مضطرّا فلم يكن متبرعا. وإن كان الذى اختار الفداء هو الراهن ففداه بجميع الأرش لا يكون متبرعا بل يكون قاضيا بنصف الفداء دين المرتهن. ثم ينظر إن كان نصف الفداء مثل كل الدين سقط الدين كله. وإن كان أقل منه سقط من الدين بقدره ورجع بالفضل على الراهن ويحبسه رهنا به. مذهب المالكية: وإن ادعى شخص على الراهن (٢) جناية الرهن واعترف راهنه بالجناية لم يصدق الراهن إن أعدم به بأن كان معدما. ولو بالبعض حال اعترافه لاتهامه على تخليصه من المرتهن ودفعه للمجنى عليه. والمراد أنه لم يصدق بالنسبة للمرتهن. وأما بالنسبة للراهن فيصدق لأنه مكلف يؤخذ بإقراره فيخير بعد وفاء الدين فى تسليمه للمجنى عليه وفدائه. فإن بيع فى الدين تبع المجنى عليه الراهن بالأقل من الثمن وأرش الجناية، وهذا فى رهن تتعلق به الجناية كعبد. وأما حيوان لا يعقل فلا تتعلق به جناية، بل إما هدر، وإما أن تتعلق بالغير كالسائق والقائد والراكب. وألا يكن الراهن معدما بل كان مليّا بقى الرهن على رهنيته إن فداه راهنه بأن دفع للمجنى عليه أرش الجناية وإلا يفده سيده الملئ أسلم الرهن وجوبا للمجنى عليه لكن بعد مضى الأجل ودفع الدين لربه لأنه وثيقة مقدمة على الجناية. فإذا حل الأجل جبر على دفعه وعلى إسلامه. كذا فى المدونة. وقد علم من هذا أنه يبقى رهنا فى المسألتين. لكنه فى حال الفداء يبقى ساقطا حق المجنى عليه منه. وفى حال عدمه يبقى معه تعلق حق المجنى عليه به. وإن ثبتت الجناية بعد الرهن ببينة أو اعترفا معا أى المرتهنان فإن فداه الراهن بقى رهنا بحاله. وإن لم يفده وأسلمه أى أراد اسلامه للمجنى عليه خير المرتهن فإن أسلمه مرتخنه أيضا كالراهن فالعبد الجانى للمجنى عليه بحاله رهن معه أولا ويبقى دين المرتهن بلا رهن لرضاه بذلك وإن فداه المرتهن بغير اذن الراهن ففداؤه نافذ فى رقبته فقط دون ماله مبدأ به على الدين ويبقى رهنا على حاله وإن لم يرهن بحاله فإن رهن ففداؤه فيهما وأما ذمة الراهن فلا يتعلق الفداء بها مطلقا ولم يبع العبد الجانى المفدى سواء

стр. 6112

كان فداؤه فى الرقبة فقط أو فيهما وفى المال إلا فى الأجل أى بعده لأنه رجع لما كان عليه من الرهنية وهو أنه انما يباع عند الأجل وإن فداه المتهن بإذن الراهن فليس الرهن رهنا بالفداء بل هو سلف فى ذمة الراهن وهذا ضعيف والمعتمد أنه يكون رهنا به. مذهب الشافعية: جاء فى نهاية المحتاج (١) أنه لا يصح بيع عين تعلق بها حق قيدت بالبيع لله تعالى كما إن تعين للطهر، أو لآدمى، كثوب استحق الأجير حبسه لقبض أجره نحو قصره أو إتمام العمل فيه نحو المرهون جعلا بعد القبض أو شرعا بغير إذن مرتهنه إلا أن يباع منه، ولا القن الجانى المتعلق برقبته مال لكونها خطأ أو شبه عمد أو عمدا وعفا على مال، أو أتلف مالا بغير إذن المجنى عليه، كما أرشد إليه ما قبله أو تلف ما سرقه فى الأظهر، لتعلق حقهما بالرقبة. ومحل الثانى: إن بيع لغير غرض الجناية ولم يفده السيد ولم يختر فداؤه مع كونه موسرا. والأصح انتقال الحق إلى ذمته فى الأخيرة وإن كان الرجوع عنه جائزا مادام القن باقيا بملكه على أوصافه لتبين بطلان بيعه حينئذ وبقاء التعليق. فإن لم يرجع أجبر على دفع أقل الأمرين من قيمته والأرش. فإن تعذر بفلسه أو تأخر غيبته أو صبره على الحبس فسخ البيع وبيع فى الجناية. نعم: إن أسقط الفسخ حقه كأن كان وارث البائع فلا فسخ إذ به يرجع العبد إلى ملكه فيسقط الأرش نبه على ذلك الزركشى. ومقابل الأظهر يصح فى الموسر. وقيل والمعسر. ولا يضر فى صحة البيع تعلق المال بكسبه كأن زوجه سيده، ولا بذمته كأن اشترى فيها شيئا من غير إذن سيده وأتلفه لانتفاء تعلق الدين بالرقبة التى هى محل البيع. ولا حجر للسيد على ذمة عبده. وكذا لا يضر تعلق القصاص برقبته فى الأظهر لأنه مرجو السلامة بالعفو عنه كرجاء عصمة المرتد والحربى وشفاء المريض، بل لو تحتم قتله فى قطع الطريق لقتله وأخذه المال كان كذلك نظرا لحالة البيع. أما تعلقه ببعض أعضائه فلا يضر جزما. والثانى لا يصح، لأن المستحق يجوز له له العفو على مال فلو عفا بعد البيع على مال بطل البيع كما رجحه البلقينى. مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى (٢) أنه إذا جنى العبد المرهون فالمجنى عليه أحق برقبته من مرتهنه حتى يستوفى حقه فإن اختار سيده أن يفديه وفعل فهو رهن بحاله.

стр. 6113

وجملته أن العبد المرهون إذا جنى على إنسان أو على ماله تعلقت الجناية برقبته فكانت مقدمة على حق المرتهن لا نعلم فى هذا خلافا وذلك لأن الجناية مقدمة على حق المالك والملك أقوى من الرهن فأولى أن يقدم على الرهن. فإن قيل: فحق المرتهن أيضا يقدم على حق المالك. قلنا: حق المرتهن ثبت من جهة المالك بعقده وحق الجناية ثبت بغير اختياره مقدما على حقه فيقدم على ما ثبت بعقده، ولأن حق الجناية مختص بالعين يسقط بفواتها وحق المرتهن لا يسقط بفوات العين ولا يختص بها، فكان تعلقه بها أحق وأولى. فإن كانت جنايته موجبة للقصاص فلولى الجناية استيفاؤه. فإن اقتص سقط الرهن، كما لو تلف. وإن عفا على مال تعلق برقبة العبد وصار كالجناية الموجبة للمال فيقال للسيد أنت مخير بين فدائه وبين تسليمه للبيع، فإن اختار فداؤه فبكم يفديه. على روايتين: أحدهما: بأقل الأمرين من قيمته أو أرش جنايته، لأنه إن كان الأرش أقل فالمجنى عليه لا يستحق أكثر من أرش جنايته وإن كانت القيمة أقل فلا يلزمه أكثر منها، لأن ما يدفعه عوض عن العبد فلا يلزم أكثر من قيمته كما لو أتلفه. والرواية الثانية: يفديه بأرش جنايته بالغا ما بلغ، لأنه ربما يرغب فيه راغب فيشتريه بأكثر من قيمته فإذا فداه (١) فهو رهن بحاله لأن حق المرتهن قائم لوجود سببه وإنما قدم حق المجنى عليه لقوته. فإذا زال ظهر حكم الرهن كحق من لا رهن له مع حق المرتهن فى تركة المفلس إذا سقط المرتهن حقه ظهر حكم الآخر. فإن امتنع قيل للمرتهن أنت مخير بين فدائه وبين تسليمه. فإن اختار فداءه فبكم يفديه؟ على الروايتين. فإن فداه بإذن الراهن رجع به عليه لأنه أدى الحق عنه بإذنه فرجع به كما لو قضى دينه بإذنه. وإن فداه متبرعا لم يرجع بشئ. وإن نوى الرجوع فهل يرجع بذلك؟ على وجهين، بناء على ما قضى دينه بغير إذنه. وإن زاد فى الفداء على الواجب لم يرجع به وجها. واحدا ومذهب الشافعى كما ذكرنا فى هذا الفصل، إلا أنه لا يرجع بما فداه به بغير إذنه قولا واحدا. وإن شرط له الراهن الرجوع رجع قولا واحدا. وإن قضاه بإذنه من غير شرط الرجوع ففيه وجهان. فإن فداه به وشرط أن يكون رهنا بالفداء مع الدين الأول، فقال القاضى: يجوز ذلك لأن المجنى عليه يملك بيع العبد وإبطال الرهن فصار بمنزلة الرهن الجائز قبل قبضه والزيادة فى دين الرهن قبل لزومه جائزة ولأن أرش الجناية متعلق به وإنما ينتقل من الجناية إلى الرهن.

стр. 6114

ويحتمل ألا يصح، لأن العبد رهن بدين فلا يجوز رهنه ثانيا بدين سواء كما لو رهنه بدين سوى هذا. وذهب أبو حنيفة إلى أن ضمان جناية الرهن على المرتهن فإن فداه لم يرجع بالفداء وإن فداه الراهن أو بيع فى الجناية سقط دين الرهن إن كان بقدر الفداء وبناء على أصله فى أن الرهن من ضمان المرتهن. وإذا لم يفد الجانى فبيع فى الجناية التى تستغرق قيمته بطل الرهن وإن لم تستغرقها بيع منه بقدر أرش الجناية وباقيه رهن إلا أن يتعذر بيع بعضه فيباع الكل ويجعل بقية الثمن رهنا. وقال أبو الخطاب هل يباع منه بقدر الجناية أم يباع جميعه ويكون الفاضل من ثمنه عن أرش جنايته رهنا؟ على وجهين. مذهب الزيدية: جاء فى التاج المذهب (١) أن جناية المرهون لا تخرجه عن صحة الرهنية والضمان على المرتهن ما دام فى يده، إلا أن يكون الرهن عبدا ويجنى ما يجب القصاص فيه من النفس أيضا. ويختار المستحق للقصاص أخذ العبد لقتله أو لاسترقاقه أو لبيعه أو لما شاء ويسلم لذلك، أو كانت لا توجب القصاص بأن تكون خطأ، أو على ماله عمدا أو خطأ، أو توجبه فيما دون النفس، واختار السيد التسليم للعبد بجنايته، والمالك متمكنا من الإيفاء لما رهن العبد فيه من الدين الحال، أو لم يكن حالا بل مؤجلا والمالك متمكنا من الإبدال للعبد الجانى برهن آخر مساو لقيمة العبد فإنه يخرج بها عن الرهنية. والضمان متى سلم للمجنى عليه فإن كان المالك معسرا بقى الرهن فى يد المرتهن حتى يجد الراهن الوفاء أو البدل، ولا يكون للمجنى عليه المطالبة بجنايته فى هذه الحال لقوة حق المرتهن. وإنما كان حق المرتهن أقوى لأن دينه أقدم، وهو متعلق بذمة الراهن وعين الرهن بخلاف المجنى عليه. فإن تعذر الوفاء والبدل بيع العبد بالدين مع بيان عيبه إن وجد من يشتريه مع ذلك. ويقال للمجنى عليه اتبع العبد، لأن البيع هنا ليس باختيار من السيد لنقل الأرش إلى ذمته لكونه ملجأ إلى بيعه لحق المرتهن. وسواء كانت الجناية توجب القصاص أو الأرش فقط فإنهما يؤخران حتى يستوفى المرتهن فإن لم يوجد من يشتريه نجم الدين على الراهن إن أمكنه بدون تكسب إذ لا يجب عليه التكسب هنا. فإن لم يمكنه استسعى العبد بقدر الدين ثم يتبعه المجنى عليه. وكذلك يصح الرهن ويكون مضمونا على المرتهن لو تقدمت جناية العبد على العقد للرهن لم تمنع صحة الرهن والضمان لتعلق حق المجنى عليه بالرقبة وحق المرتهن بالثمن وصح بيعه مع وجوب

стр. 6115

القصاص عليه فى النفس لأن له مع ذلك قيمة إذ يصح أن يشتريه مشتر ليعتقه. ولم يجعل أهل المذهب رهنه مع العلم بجنايته اختيارا لنقل الأرش إلى ذمته كما لو لم يجعلوا تأجيره مع جنايته اختيارا لنقل الأرش إلى ذمة السيد إذ لو كان اختيارا لنقل الأرش إلى ذمته لم يكن له أن يختار تسليمه للمجنى عليه ويسلم دين المرتهن أو يبدل رهنا مع أن له ذلك بلا إشكال. مذهب الإمامية: جاء فى شرائع الإسلام (١) أنه لو قتل العبد عبدا عمدا فالقود لمولاه. فإن قتل جاز. وإن طلب الدية تعلقت برقبة الجانى. فإن تساوت القيمتان كان لمولى المقتول استرقاقه ولا يضمنه مولاه. لكن لو تبرع فكه بقيمة الجناية وإن كانت قيمة القاتل أكثر فلمولاه منه بقدر قيمة المقتول. وإن كانت قيمته أقل فلمولى المقتول قتله أو استرقاقه. ولا يضمن مولى القاتل شيئا إذ المولى لا يعقل عبدا. ولو كان القتل خطأ كان مولى القاتل بالخيار بين فكه بقيمته ولا تخيير لمولى المجنى عليه وبين دفعه، وله منه ما يفضل عن قيمة المقتول وليس عليه ما يعوز. ولو اختلف الجانى ومولى العبد فى قيمته يوم قتل فالقول قول الجانى مع يمينه إذا لم يكن للمولى بينة. والمدبر كالقن ولو قتل عمدا قتل. وإن شاء الولى استرقاقه كان له. وإن قتل خطأ فإن فكه مولاه بأرش الجناية وإلا سلمه للرق. وجاء فى موضع آخر (٢) أنه إذا جنى المرهون عمدا تعلقت الجناية برقبته وكان حق المجنى عليه أولى به. وإن جنى خطأ فإن فكه بقى رهنا وإن سلمه كان للمجنى عليه منه بقدر أرش الجناية والباقى رهن وإن استوعبت الجناية قيمته كان المجنى عليه أولى به من المرتهن. ولو جنى على مولاه عمدا اقتص منه ولا يخرج عن الرهانة. ولو كانت الجناية نفسا جاز قتله. أما لو كانت خطأ لم يكن لمولاه عليه شئ وبقى رهنا. ولو كانت الجناية على من يرثه المالك ثبت للمالك ما يثبت للمورث من القصاص أو انتزاعه فى الخطإ أن استوعبت الجناية قيمته أو إطلاق ما قابل الجناية إن لم يستوعب. مذهب الإباضية: جاء فى الديوان (٣) أن قتل العبد المرهون المرتهن فهو للورثة فإن شاءوا قتلوه وذهب بما فيه أو باعوه وأخذوا ثمنه ولو أكثر من الدية. وإذا باعوه ولم

стр. 6116

يعفوا عنه فلهم قتله ويغرموا قيمته للمشترى إن لم يعلم أنه جان. وقيل لا يجوز قتله إذا باعوه وإن اعتقوه من الرق والقتل لم يجز لهم قتله. وإن قتلوه قتلوا به. وإن أعتقوه من الرق فلهم قتله. وإن أعطوه الرهن فجائز. وإن قال لهم الراهن خذوا ما رهن فيه مع دية وارثكم فردوه لى فأبوا من ذلك فلا يشتغلوا بالراهن فى ذلك. وكذلك إن أراد الراهن أن يفديه بالدين أو بالدية فقالوا له أفده بهما جميعا فالقول قول الورثة. فإن أراد أن يفديه أفداه ولا يجبر على ذلك. وإن استعفوا بذلك العبد فلا ينفسخ وقد خرج من الرهن حين قتل وارثهم ولا يدرك فيه غرماء الراهن شيئا. ثم قال: وأن قتل المرتهن خطأ فهو للورثة على حسب ما ذكرنا الا القتل فلا يقتلوه. وإن جرح المرتهن جرحا يحيط بثمنه عمدا أو خطأ فقيل العبد له بجنايته وذهب ماله. وقيل: هو باق فى حكم الرهن ولا يدرك الجناية. وإن كان الجرح أقل من قيمة العبد ومن قيمة الرهن فالرهن فيما بقى من الدين. فإذا حل الأجل استوفى منه أرش الجرح وما بقى له من دينه. وإن استنفع به كذلك انفسخ. وإن أفسد الرهن فى مال المرتهن فإنه ينظر إلى فساده. فإن كان الفساد مقدار الدين أو مقدار قيمة الرهن فليبيعوه ويستوفوا من ثمنه قيمة الفساد وذهب الدين. فإن كانت قيمة الفساد مقدار قيمة العبد أو أقل من الدين ذهب من الدين ما قابل رقبة العبد ويتبعه بالباقى ويبيع العبد ويستوفى من ثمنه ما فضل عن العبد. وإن كان الفساد أكثر وأقل من قيمة العبد ذهب ماله ويبيع العبد ويستوفى من ثمنه قيمة الفساد. وجائز له بيعه بغير إذن الراهن ولا ينظر إلى أجل بيع الرهن الأول، لأنه قد انفسخ. فإن استنفع به فلا يرجع للراهن وهو أحق به من الغرماء. وإن أراد الراهن أن يفديه بجنايته كلها وأراد المرتهن بيعه فالقول قول الراهن. وإن قتل العبد المرهون ولى المرتهن مثل أبيه أو ابنه أو غيرهما فإنه إن أراد أن يقتله بوليه قتله وذهب ماله. وإن أراد بيعه باعه واستوفى من ثمنه رأس ماله على حسب ما ذكرنا من قتله للمرتهن. إلا إن كان للمقتول أولياء غير المرتهن فصاروا فى الجناية سواء فيكون العبد بينهم وذهب دينه إن قتل. وإن قتل العبد الراهن ذهب دين المرتهن ويرجع العبد إلى ورثة الراهن. فإن شاءوا قتلوه بوارثهم وإن شاءوا أمسكوه. وإن أراد المرتهن أن يفديه بقيمته فقال له الورثة لا تفديه إلا بدية وارثنا فالقول قول الورثة. فإن أفداه بالدية وباعه فليستوف من ثمنه ما أدى من الدية. وإن لم يجد فى ثمنه ما أدى من الدية فلا يدرك على الورثة أكثر من ثمنه لغيره بأكثر من الدية فليس ذلك الأكثر للورثة ولا يقضيه فى ماله، لأنه قد ذهب بدينه ولا بجنايته.

стр. 6117

وكذلك إن قتل الراهن خطأ إلا فى القتل فلا يقتل. وكذلك إن جرح الراهن عمدا أو خطأ جرحا يحيط بدينه أو أفسد فى ماله أكثر من الدين فإن الرهن منفسخ. فإن أراد المرتهن أن يفديه بأرش الجناية فله ذلك وإن كانت جنايته أقل من دينه فهو ثابت فيما بقى من دينه. وكذلك إن قتل ولى الراهن على هذا الحال. وإن قتل الأجنبى فلورثته أن يقتلوه بوارثهم وذهب مال المرتهن. وكذلك إن قتله بالخطإ فهو لورثته أيضا. وكذلك إن جرحه جرحا يحيط بثمنه عمدا أو خطأ فقد ذهب مال المرتهن ويكون بيد المرتهن ويغرمه الجريح أرش جرحه إن شاء. وإن شاء أن يغرم الراهن غرمه. وإن غرمه ما يقابل ما عليه من الدين أو أكثر منه فإنه يرجع إليه رهنه. ومنهم من يقول: يكون العبد بيد المجروح إن شاء باعه وإن شاء أمسكه. وإن أراد الراهن أو المرتهن أن يفديه بجنايته كلها فله ذلك. فإن أفداه الراهن فله ذلك، وذهب مال المرتهن. وإن أفداه المرتهن ثبت فى يده ويبيعه وقت ما أراد ويستوفى منه ما أفداه به وذهب ما رهن فيه. فإن استنفع فلا ينفسخ لأنه قد خرج من الرهن. وقال آخرون: إن أفداه صار رهنا فى الدين الأول على شروطه الأولى. وإن قال الراهن للمرتهن أفدى رهنى من الأجنبى فأبى من ذلك فلا يجبر. وكذلك إن قال له المرتهن أفده على هذا الحال. وإن أفداه المرتهن فمات أو تلف فى يده فقد ذهب ماله ولا يدرك على الراهن ما أفداه به. وإن تبين لهما أن أصل الرهن لم يصح فلا يذهب من ماله شئ ويرجع بماله على الراهن وبما أفداه. وإن أفسد العبد المرهون فى أموال الناس أكثر من قيمته فمن أراد أن يفديه بين الراهن والمرتهن فليس عليه أكثر من رقبته. فإن أفداه الراهن والدين مثل قيمة العبد أو أقل ذهب مال المرتهن ورجع العبد إلى الراهن. وإن كان الدين أكثر من قيمته صار رهنا ثابتا فيما زاد من الدين على قيمته. وإن باعه فليستوف المرتهن ما زاد من الدين على قيمته. وإن أفداه المرتهن بأكثر من الدين أو بأقل أو مثله صار رهنا فى يده وإن جاء الأجل باعه واستوفى من ثمنه ما هو أكثر ما أفداه به أو الدين. وإن أفداه كل واحد منهما على حدة ولم يعلم بفداء الآخر فإنما يستوفى من أفداه أولا من ثمنه ما أفداه به ويرجع الآخر بماله على من أعطاه له. وإن لم يعلم من أفداه أولا فهو موقوف بينهم حتى يتبين ذلك. ومن ادعى أنه أفداه أولا فلا يشتغل به إلا بالنية. وكذا إن مات صاحب المال الذى أفسده العبد المرهون فورثه أحدهما أو ترك له ذلك الفساد صار ذلك بمنزلة الفداء ..

стр. 6118

إفراد التعريف فى اللغة: إفراد مصدر للفعل أفرد المزيد بالهمزة ومادته فرد. قال فى لسان العرب (١) الفرد فى صفات الله هو الواحد الأحد، الذى لا نظير له ولا مثل ولا ثانى. والفرد الوتر. والجمع أفراد وفرادى على غير قياس. والفرد نصف الزوج. وفرد بالأمر يفرد وتفرد وانفرد واستفرد. واستفرد فلانا انفرد به. قال أبو زيد: فردت بهذا الأمر أفرد به فرودا إذا انفردت به. ويقال: استفردت الشئ إذا أخذته فردا لا ثانى له ولا مثل. وقال الليث: الفرد ما كان وحده، يقال: فرد يفرد، وأفردته جعلته واحدا وعددت الجوز أو الدراهم أفرادا أى واحدا واحدا. ويقال: فرد برأيه وأفرد وفرد واستفرد بمعنى انفرد به. وأفردته عزلته وأفردت إليه رسولا. وأفردت الأنثى وضعت واحدا. التعريف فى الشرع: لا يكاد استعمال الفقهاء للفظ إفراد يغاير التعريف اللغوى، فهم يستعملون الإفراد بمعنى جعل الشئ مفردا أى واحدا دون ضم أى شئ آخر معه. ومن ذلك ما قيل فى إفراد الحج. فقد جاء فى الحطاب (٢): أن الإفراد فى الحج هو أن يأتى بالحج وحده. وفى البحر الزخار (٣): وضع الإحرام على الحج فقط. ومن ذلك أيضا ما جاء فى باب البيوع من المغنى لابن قدامة (٤) ﵀ قوله: لو أبر بعض

стр. 6119

الحائط فأفرد بالبيع ما لم يؤبر فللمبيع حكمه. ومن ذلك أيضا ما جاء فى بدائع الصنائع (١) فى الوصية: من أن الموصى إذا أفرد ملك النفعة بالوصية صحت الوصية بها منفردة، خلافا لما رآه ابن أبى ليلى. ومن ذلك ما جاء فى المحلى (٢) لابن حزم الظاهرى رحمه الله تعالى: «أن من أعطى شيئا غير معين من جملة أو عددا كذلك أو زرعا كذلك أو وزنا كذلك أو كيلا كذلك فهو باطل لا يجوز به، مثل أن يعطى درهما من هذه الدراهم أو دابة من هذه الدواب لأنه لم يوقع الهبة على شئ أبانه عن ملكه. لما روى أن عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه كتب أنه لا يجوز من النحل إلا ما أفرد. والأمثلة كثيرة فى الأبواب المختلفة من كتب الفقه. حكم أفراد كل من المضمضة والاستنشاق بماء واحد على حده مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع (٣) أن من سنن الوضوء عند الحنفية المضمضة والاستنشاق وقال أصحاب الحديث ومنهم أحمد بن حنبل هما فرضان فى الوضوء والغسل جميعا. ولنا أن الواجب فى باب الوضوء غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس وداخل الأنف، والفم ليس من جملتها. ومن السنن الترتيب فى المضمضة والأستنشاق وهو تقديم المضمضة على الاستنشاق، لأن النبى ﷺ كان يواظب على التقديم. ومن السنن كذلك إفراد كل واحد من المضمضة والاستنشاق بماء على حدة عندنا. وعند الشافعى رحمه الله تعالى السنة الجمع بينهما بماء واحد، بأن يأخذ الماء بكفه فيتمضمض ببعضه ويستنشق ببعضه. واحتج بما روى أن رسول الله ﷺ تمضمض واستنشق بكف واحد. ويدل لنا أن الذين حكوا وضوء رسول الله ﷺ أخذوا لكل واحد منهما ماء جديدا، ولأنهما عضوان منفردان فيفرد كل واحد منهما على حدة كسائر الأعضاء. وما رواه الشافعى رحمه الله تعالى محتمل يحتمل أنه تمضمض واستنشق بكف واحد بماء واحد. ويحتمل أنه فعل ذلك بماء على حدة فلا يكون حجة مع الاحتمال. أو يرد المحتمل إلى المحكم وهو ما ذكرنا توفيقا بين الدليلين.

стр. 6120

وذكر صاحب فتح القدير (١) أن كيفية المضمضة والاستنشاق أن يمضمض ثلاثا يأخذ لكل مرة ماء جديدا ثم يستنشق كذلك وهو المحكى من وضوئه ﷺ . ثم قال صاحب فتح القدير: جميع من حكى وضوء النبى ﷺ فعلا وقولا اثنان وعشرون نفرا. ومنها عن ابن عباس رضى الله عنهما فى البخارى فعلا وفيه: أخذ غرفة من ماء فتمضمض بها واستنشق. وحديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده كعب بن عمرو اليامى أن رسول الله ﷺ توضأ فتمضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا يأخذ لكل واحدة ماء جديدا .. إلى آخر ما ذكره صاحب فتح القدير من بقية الأحاديث التى أشار إليها. مذهب المالكية: جاء فى الحطاب (٢) من سنن الوضوء المضمضة والاستنشاق قال خليل وفعلهما بست أفضل وجازا، أو إحداهما بغرفة قال الحطاب: يعنى أن المضمضة والاستنشاق بست غرفات أفضل من بقية الصور المذكورة بعد ذلك. وظاهر كلام خليل فى التوضيح وابن رشد فى شرح ابن الحاجب وابن عبد السلام: إن فعلهما بست متفق على أنه الأفضل. وحكى الباجى فى ذلك عن الأصحاب قولين: أحدهما: ما ذكره خليل. والثانى: أن الأفضل أن يأتى بثلاث غرفات فى كل مضمضة واستنشاق. قال الحطاب واختار ابن رشد هذا القول الثانى. وجعل ما ذكر خليل أنه الأفضل من الجائز ولم يحك فى ذلك خلافا. قال فى رسم الوضوء والجهاد من سماع أشهب الاختيار أن يأخذ غرفة يمضمض بها ويستنشق ثم يأخذ أخرى يمضمض بها ويستنشق بها ثم غرفة ثالثة يمضمض ويستنشق على ظاهر الحديث وإن شاء مضمض ثلاثا بغرفة واحدة أو بثلاث غرفات ثم استنشق ثلاثا بغرفة واحدة أو بثلاث غرفات الأمر فى ذلك واسع واتباع ظاهر الحديث أولى. ونقله ابن عرفة باختصار فقال الباجى فى كون الأولى فعلهما من غرفة واحدة ثلاثا أو لكل واحدة ثلاث قولا. أصحابنا فى فهم قول مالك بن رشد الأول أولى. وإذا قلنا الأكمل أن يتمضمض ويستنشق بست غرفات فقال البساطى ذلك على وجهين: أحدهما: أن يتمضمض بثلاث على الولاء ثم يستنشق كذلك. والثانى: أن يتمضمض بغرفة ثم يستنشق بغرفة كذلك. قال الحطاب ولم أقف على من ذكر هذا الوجه الثانى فيما أتى بهما بست غرفات بل الذى يظهر من

стр. 6121

كلامهم هو الوجه الأول. قال فى الطراز: لما ذكر القول الذى اختاره خليل ما نصه الوجه الثانى: أن يأتى بالمضمضة ثلاثا نسقا من ثلاث غرفات ثم الاستنثار كذلك. ويظهر ذلك من كلام ابن رشد السابق وكلام ابن الفاكهانى الآتى. وقد يؤخذ جواز ما ذكره البساطى من كلام خليل فى التوضيح فيما إذا جمع المضمضة والأستنشاق فى غرفة واحدة. فإنه قال: وذلك يحتمل وجهين: أحدهما: أن يتمضمض بها أولا ثلاثا ثم يستنشق كذلك. والثانى: أن يتمضمض ثم يستنشق ثم يتمضمض ثم يستنشق ثم كذلك وإلى هذه الصورة أشار خليل بقوله: وجازا بغرفة. قال فى العارضة أخبرنى شيخنا محمد بن يوسف القيسى قال: رأيت النبى ﷺ فى المنام فقلت له: أجمع بين المضمضة والاستنشاق فى غرفة واحدة؟ فقال: نعم. وقوله: أو إحداهما يشير إلى أنه يجوز أن يتمضمض ثلاث مرات بغرفة واحدة ثم يستنشق ثلاثا بغرفة واحدة. ولم يذكر خليل الوجه الثانى فى كلام الباجى الذى اختاره ابن رشد ولم يشر إليه ولا فى الجائزات ويتعين ذكره لاختيار ابن رشد له. ذكر الفاكهانى فى شرح الرسالة أن اختيار مالك أن يتمضمض ثلاثا من غرفة ثم يستنشق ثلاثا من غرفة قال: وهو أولى ليكون الاستنشاق كله بعد المضمضة كلها ويسلم من التنكيس وهو غريب أعنى كونه اختيار مالك. بقى من صفات المضمضة والاستنشاق صفة لم أقف على من ذكرها وهو أن يأخذ غرفة فيتمضمض منها مرتين ثم غرفة ثانية فيتمضمض منها الثالثة ثم يستنشق منها المرة الأولى ثم غرفة ثالثة يستنشق منها مرتين والظاهر جوازها. وقال فى الطراز: ويستحب أن يتمضمض ويستنشق بيمناه وهو متفق عليه ومأثور فى وضوء النبى ﷺ . وقال فى الزاهى: وحمل الماء لذلك يعنى للمضمضة والاستنشاق باليمنى خاصة. وقال فى الزاهى: من لم يستطع ذلك يعنى المضمضة والاستنشاق من علة تمنعه منه لم يلزمه. قال الفاكهانى فى شرح قول الرسالة: يجزيه أقل من ثلاث فى المضمضة والاستنشاق، هذا لا يختص بالمضمضة والاستنشاق، أعنى الاقتصار على ثلاث فإن مغسولات الوضوء كلها كذلك وكان مراده والله تعالى أعلم بقوله أحسن، أى أحسن من الاثنين لا أحسن من الواحدة، إذ الاقتصار على الواحدة مكروه وليس بين الكراهة والحسن صيغة أفعل. ولو قال: ويجزيه الاقتصار على الاثنين لكان أبين. وقال الشيخ زروق فى شرح قول الرسالة أيضا ويجزيه أقل من ثلاث فى المضمضة والاستنشاق ويعنى بحيث يفعل لكل واحدة واحدة أو لواحدة أكثر من الأخرى وأثنتين اثنتين وسواء الفعلات وهو

стр. 6122

المقصود هنا أو الغرفات (١). مذهب الشافعية: جاء فى المهذب (٢): المستحب أن يتمضمض ويستنشق والمضمضة أن يجعل الماء فى فيه ويديره ثم يمجه. والاستنشاق أن يجعل الماء فى أنفه ويمده بنفسه إلى خياشيمه ثم يستنثر. لما روى عمرو بن عنبسة أن النبى ﷺ قال: ما منكم من أحد يقرب وضوءه ثم يتمضمض ثم يستنشق ويستنثر إلا جرت خطايا فيه وخياشيمه مع الماء. والمستحب أن يبالغ فيهما لقوله ﷺ للقيط بن صبره: أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع وبالغ فى الاستنشاق الا أن تكون صائما ولا يستقصى فى المبالغة فيكون سعوطا. فإن كان صائما لم يبالغ للخبر. وهل يجمع بينهما أو يفصل؟ قال فى الأم: يجمع، لأن على بن أبى طالب ﵇ وصف وضوء رسول الله ﷺ فتمضمض مع الاستنشاق بماء واحد وقال فى البويطى يفصل بينهما لما روى طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده قال: رأيت رسول الله ﷺ يفصل بين المضمضة والاستنشاق ولأن الفصل أبلغ فى النظافة فكان أولى. واختلف أصحابنا فى كيفية الجمع والفصل. فقال بعضهم على قوله فى الأم يغرف غرفة واحدة فيتمضمض منها ثلاثا ويستنشق منها ثلاثا ويبدأ بالمضمضة. وعلى رواية البويطى يغرف غرفة فيتمضمض منها ويستنشق ثم يغرف غرفة أخرى فيتمضمض منها ويستنشق ثم يغرف غرفة ثالثة فيتمضمض منها ويستنشق فيجمع فى كل غرفة بين المضمضة والاستنشاق. وعلى رواية البويطى يأخذ ثلاث غرفات للمضمضة وثلاث غرفات للاستنشاق. والأول: أشبه بكلام الشافعى رحمه الله تعالى، لأنه قال يغرف غرفة لفيه وأنفه. والثانى: أصح لأنه أمكن. فإن ترك المضمضة والاستنشاق جاز لقوله ﷺ للأعرابى: توضأ كما أمرك الله تعالى وليس فيما أمر الله تعالى المضمضة ولا الاستنشاق ولأنه عضو باطن دونه حائل معتاد فلا يجب غسله كالعين. مذهب الحنابلة: إفراد المضمضة والاستنشاق: قال فى المغنى (٣): يستحب أن يتمضمض ويستنشق بيمناه ثم يستنثر بيسراه. لما روى عن

стр. 6123

عثمان رضى الله عنه أنه توضأ فدعى بماء فغسل يديه ثلاثا ثم غرف بيمينه ثم رفعها إلى فيه فمضمض واستنشق بكف واحدة واستنثر بيسراه فعل ذلك ثلاثا ثم ذكر سائر الوضوء. ثم قال: أن النبى ﷺ توضأ لنا كما توضأت لكم فمن كان سائلا عن وضوء رسول الله ﷺ فهذا وضوءه، رواه سعيد بن منصور بإسناده. وعن على رضى الله عنه أنه أدخل يده اليمنى فى الإناء فملأ كفه فمضمض واستنشق ونثر بيده اليسرى فعل ذلك ثلاثا ثم قال هذا وضوء نبى الله ﷺ رواه أبو بكر فى الشافى والنسائى. ويستحب أن يتمضمض ويستنشق من كف واحد يجمع بينهما. قال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل أيما أعجب إليك المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة أو كل واحدة منهما على حدة؟ قال بغرفة واحدة. وذلك لما ذكرنا من حديث عثمان وعلى رضى الله عنهما. وفى حديث عبد الله بن زيد أن رسول الله ﷺ أدخل يديه فى التنور فمضمض واستنثر ثلاث مرات يمضمض ويستنثر من غرفة واحدة رواه سعيد. وفى لفظ تمضمض واستنثر ثلاثا ثلاثا من غرفة واحدة رواه البخارى. وفى لفظ فتمضمض واستنشق من كف واحدة ففعل ذلك ثلاثا متفق عليه. وفى لفظ أنه مضمض واستنشق واستنثر ثلاثا بثلاث غرفات متفق عليه. وفى لفظ فمضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا من كف واحدة رواه الأثرم وابن ماجه. فإن شاء المتوضئ تمضمض واستنشق من ثلاث غرفات. وإن شاء فعل ذلك بغرفة واحدة، لما ذكرنا من الأحاديث. وإن أفرد المضمضة بثلاث غرفات والاستنشاق بثلاث جاز، لأنه قد روى فى حديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده عن النبى ﷺ أنه فصل بين المضمضة والاستنشاق رواه أبو داود ولأن الكيفية فى الغسل غير واجبة. مذهب الظاهرية: قال ابن حزم (١) الظاهرى فى المحلى: وصفة الوضوء أنه إن كان انتبه من نومه فعليه أن يغسل يديه ثلاثا وان يستنشق وان يستنثر ثلاثا ليطرد الشيطان عن خيشومه، ثم يختار له أن يتمضمض ثلاثا وليست المضمضة فرضا وإن تركها فوضوءه تام وصلاته تامة، ثم يضع الماء فى أنفه ويجبذه بنفسه ولا بد ثم ينثره بأصابعه ولا بد مرة فإن فعل الثانية والثالثة فحسن. وهما فرضان لا يجزى الوضوء ولا الصلاة دونهما لا عمدا ولا نسيانا ثم يغسل وجهه إلى آخر ما ذكره ابن حزم فى صفة الوضوء. ثم قال: أما قولنا فى المضمضة فلم يصح بها عن رسول الله ﷺ أمر، وإنما هى فعل فعله النبى ﷺ وأفعاله صلى الله

стр. 6124

عليه وسلم ليست فرضا وإنما فيها الإيتساء به ﵇. وأما الاستنشاق والاستنثار فقد روى عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال إذا توضأ أحدكم فليجعل فى فمه ماء ثم ليستنثر. مذهب الزيدية: إفراد المضمضة والاستنشاق: قال فى الأزهار (١): الفرض الرابع المضمضة وهى جعل الماء فى الفم والاستنشاق وهو استصعاد الماء فى المنخرين فإنهما من تمام غسل الوجه، وإذا ثبت وجوبهما فالواجب أن يكون بالدلك. ثم قال فى موضع آخر (٢) والثانى من سنن الوضوء الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة فإنه مسنون عند يحيى ﵇ والغرفة. بفتح الغين المرة الواحدة من الاغتراف ذكره فى الصحاح والضياء. واختلف فى تفسيره. فقيل: المراد الجمع من غرفة واحدة - بكف واحد وإلا لم يكن متسننا - ويكرر ذلك فى ثلاث غرفات عند الهادى ﵇ وهذا هو الظاهر. وقيل: المراد غرفة لهما يأخذ منها ثلاث مرات. قال المهدى ﵇ وهو ضعيف جدّا لأن الكف لا يتسع لذلك ولا تأتى الثالثة إلا وقد ذهب ما فيه إلا قليلا. وقال المؤيد بالله إن الجمع غير مسنون بل قال المسنون التفريق وأنه يؤخذ للأنف ماء جديد. وقد روى صاحب الروض النضير (٣) ما رواه ابن حجر فى التلخيص فقال فى سياق الروايات الدالة على إفراد المضمضة والاستنشاق ما لفظه. وقد روى عن على بن أبى طالب أيضا فى الجمع. ففى مسند أحمد عن على أنه دعا بماء فغسل وجهه وكفيه ثلاثا وتمضمض وأدخل بعض أصابعه فى فيه واستنشق ثلاثا انتهى. ثم أورد فيه حديث على ﵇ من طرق متعددة فقال وأما حديث على فى صفة الوضوء فله عنه طرق: أحدها عن أبى حية بالحاء المهملة والياء المثناه من تحت قال رأيت عليا توضأ فغسل كفيه حتى أنقاهما ثم تمضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا إلخ. مذهب الإمامية: جاء فى اللمعة الدمشقية (٤) والمضمضة وهى إدخال الماء الفم وإدارته فيه والاستنشاق وهو جذبه إلى داخل الأنف وتثليثهما بأن يفعل كل واحد منهما ثلاثا ولو بغرفة واحدة وبثلاث أفضل وكذا.

стр. 6125

يستحب تقديم المضمضة أجمع على الاستنشاق والعطف بالواو لا يقتضيه، وتثنية الغسلات الثلاث بعد تمام الغسلة الأولى فى المشهور وأنكرها الصدوق؛ والدعاء عند كل فعل من الأفعال الواجبة والمستحبة المتقدمة بالمأثور. وجاء فى العروة الوثقى (١): المضمضة والاستنشاق كل منهما ثلاث مرات بثلاث أكف يكفى الكف الواحدة أيضا لكل من الثلاث. مذهب الإباضية: جاء فى النيل (٢): قال صاحب كتاب النيل ومن تعمد ترك المضمضة والاستنشاق أعاد الوضوء اتفاقا. ثم قال ومن رعف واستنشق بلا قصد لغسل الأنف أولا فإن جعل الماء فى فيه وأنفه معا أى دفعة لا واحدا بعد آخر بل ذلك بأن يمضمض مرة ويستنشق مرة ثم يمضمض مرة ويستنشق فذلك ثلاثا ولم ير أولا ولا ثانيا ولا ثالثا للدم أثر فى عضو أو ثوب أجزاه مرتان للغسل ومرة للوضوء وان رآه أولا لا ثانيا ولا ثالثا أجزاه. ثم قال وجوز الوضوء إن مضمض ثلاثا. وفى المرتين أيضا قولان. وفى الفم الأبحاث المذكورة فى الأنف كلها. الإفراد فى الحج . مذهب الحنفية: جاء فى العناية شرح الهداية بهامش فتح القدير (٣): اعلم أن المحرم على أربعة أنواع: مفرد بالحج وهو أن ينوى بقلبه أو يذكر بلسانه فيقول: نويت الحج وأحرمت به لله تعالى ثم يلبى. ومفرد بالعمرة وهو من ينوى العمرة بقلبه ويقول: لبيك بعمرة ثم يأتى بأفعالها. وقارن وهو من يجمع بين العمرة والحج فى الإحرام فينوى بهما ويقول لبيك بحجة وعمرة ويأتى بأفعال العمرة ثم يأتى بأفعال الحج من غير تحلل بينهما، أو يدخل إحرام الحج على إحرام العمرة. ومتمتع وهو من يأتى بأفعال العمرة فى أشهر الحج أو بأكثر طوافها ثم يحرم بالحج ويحج من عامه ذلك على وصف الصحة من غير أن يلم بأهله إلماما صحيحا. وجاء فى المبسوط (٤): أن الإفراد هو أن يحج

стр. 6126

أولا ثم يعتمر بعد الفراغ من الحج أو يؤدى كل نسك فى سفر على حدة أو يكون أداء العمرة فى غير أشهر الحج. منزلة الأفراد بين القران والتمتع: جاء فى الهداية وشروحها (١) أن القران أفضل من التمتع والأفراد. وقال الشافعى رحمه الله تعالى: الأفراد أفضل. لقول النبى ﷺ : القران رخصة ولأن فى الأفراد زيادة التلبية والسفر والحلق ويدل لنا قول النبى ﷺ يآل محمد: آهلو بحجة وعمرة معا، ولأن فيه جمعا بين العبادتين فأشبه الصوم مع الاعتكاف والحراسة فى سبيل الله مع صلاة الليل. والتلبية غير محصورة يعنى لا يلزم زيادتها فى الأفراد على القران لأنها غير محصورة ولا مقدر لكل نسك قدر منها فيجوز زيادة تلبية من قرن على من أفرد كما يجوز زيادة تلبية من أفرد على من قرن. وكذلك السفر غير مقصود والحلق خروج عن العبادة فلا ترجيح بما ذكره الشافعى. والمقصد بما روى من قول النبى ﷺ : القران رخصة ففى قول أهل الجاهلية: إن العمرة فى أشهر الحج من أفجر الفجور فكان تجويز الشرع إياها فى أشهر الحج حتى لا تحتاج إلى وقت آخر. وقد علق (٢) صاحب حاشية سعد جلبى على قول صاحب الهداية القران أفضل من التمتع والأفراد بقوله: أقول: ثم المراد بالافراد يحتاج فيه إلى البيان. هل هو إفراد الحجة أو العمرة أو افراد كل واحد منهما على حدة بإحرام؟ قال فى النهاية: المراد الثالث دون الأولين استدلالا بمواضع الاحتجاج فإنه قال من جهة الشافعى رحمه الله تعالى بأن فى الافراد زيادة التلبية والسفر والحلق وهذا لا يكون إلا بإحرام لكل واحد منهما. وكذا روى عن محمد رحمه الله تعالى: أنه قال حجة كوفية وعمرة كوفية أفضل عندى من القران. فعلم بذلك أن الاختلاف الواقع فيه إنما هو فى أن الحج والعمرة كل واحد منهما على انفراد أفضل أو الجمع بينهما أفضل. وفى فتح القدير: المراد بالإفراد فى الخلافية أن يأتى بكل منهما مفردا. خلافا لما روى عن محمد بن قوله حجة كوفية وعمرة كوفية أفضل عندى من القران. أما مع الاقتصار على إحداهما فلا إشكال أن

стр. 6127

القران أفضل بلا خلاف. وحقيقة الخلاف ترجع إلى الخلاف فى أن النبى هل كان فى حجته قارنا أو مفردا أو متمتعا. اختلفت الأمة فى إحرامه ﷺ . فذهب قائلون إلى أنه ﷺ أحرم مفردا ولم يعتمد فى سفرته تلك. وذهب آخرون إلى أنه ﷺ أفرد واعتمر فيها من التنعيم. وذهب آخرون إلى أنه تمتع ولم يحل لأنه ساق الهدى. وذهب آخرون إلى أنه تمتع وحل. وذهب آخرون إلى أنه ﷺ قرن فطاف طوافا واحدا وسعى سعيا واحدا لحجته وعمرته. وذهب آخرون إلى أنه ﷺ قرن فطاف طوافين وسعى سعيين لهما وهذا مذهب علمائنا رحمهم الله تعالى. ووجه الأول ما فى الصحيحين من حديث عائشة رضى الله تعالى عنها أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحجة، وأهل رسول الله ﷺ بحجة. فهذا التقسيم يفيد أن من أهل بالحج لم يضم إليه غيره. ولمسلم عنها أنه ﷺ أهل بالحج مفردا. وللبخارى عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما أنه ﷺ أهل بالحج وحده. وفى سنن ابن ماجه عن جابر رضى الله تعالى عنه أنه ﷺ أفرد الحج. وللبخارى عن عروة بن الزبير رضى الله تعالى عنه قال: حج رسول الله ﷺ فأخبرتنى عائشة رضى الله تعالى عنها أن أول شئ بدأ به الطواف بالبيت ثم لم تكن عمرة. ثم حج عمر رضى الله تعالى عنه مثل ذلك. ثم حج عثمان رضى الله تعالى عنه فرأيته أول شئ بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ ثم طاف بالبيت. ثم حج أبو بكر رضى الله تعالى عنه فكان أول شئ بدأ به الطواف بالبيت ثم لم تكن عمرة. ثم معاوية وعبد الله بن عمر رضى الله تعالى عنهما. ثم حججت مع أبى الزبير بن العوام رضى الله تعالى عنه وكان أول شئ بدأ به الطواف بالبيت ثم لم تكن عمرة. ثم رأيت المهاجرين والأنصار يفعلون ذلك ثم لم تكن عمره. ثم آخر من رأيت يفعل ذلك ابن عمر رضى الله تعالى عنه ثم لم ينقضها بعمرة ولا أحد ممن مضى ما كانوا يبدءون بشئ حين يضعون أقدامهم أول من الطواف ثم لا يحلون، وقد رأيت أمى وخالتى حين تقدمان لا تبدآن بشئ أول من البيت تطوفان به ثم لا تحلان. فهذه كلها تدل على أنه أفرد ولم ينقل أحد مع كثرة ما نقل أنه اعتمر بعده فلا يجوز الحكم بأنه فعله. ومن ادعاه فإنما اعتمد على ما رأى من فعل الناس فى هذا الزمان من اعتمارهم بعد الحج من التنعيم فلا يلتفت إليه ولا يعول عليه. ووجه القائلين بأن النبى صلى الله عليه وسلم

стр. 6128

كان متمتعا، هو ما فى الصحيحين عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما: تمتع رسول الله ﷺ وأهدى فساق معه الهدى من ذى الحليفة فلما قدم مكة قال للناس أمن كان منكم أهدى فلا يحل من شئ حرم منه حتى يقضى حجة ومن لم يكن أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليحلل ثم يهل بالحج وليهد. ولم يحلل من شئ حرم منه حتى قضى حجه ونحر هديه. ثم ساق صاحب فتح القدير (١) كثيرا من الأحاديث التى استدل بها أصحاب كل رأى. ثم ذكر دليل أفضلية القران على الإفراد. فقال: لم يختلف على أنس رضى الله تعالى عنه أحد من الرواة فى أنه ﷺ كان قارنا. قالوا: اتفق عن أنس رضى الله عنه ستة عشر راويا أنه ﵊ قرن مع زيادة ملازمته لرسول الله ﷺ ، لأنه كان خادمه لا يفارقه حتى أن فى بعض طرقه: كنت آخذ بزمام ناقة رسول الله ﷺ وهى تفصع بجرتها ولعابها يسيل على يدى وهو يقول: لبيك بحجة وعمرة معا. وفى صحيح مسلم عن عبد العزيز وحميد ويحيى بن أبى إسحق رضى الله تعالى عنهم أنهم سمعوا أنسا رضى الله تعالى عنه يقول: سمعت رسول الله ﷺ أهل بهما لبيك عمرة وحجّا وغير ذلك من الأحاديث. وفى المبسوط (٢) قال: وأهل الحديث جمعوا رواة نسك رسول الله ﷺ فكانوا ثلاثين نفرا: فعشرة منهم تروى أنه كان قارنا، وعشرة تروى أنه كان مفردا، وعشرة منهم تروى أنه كان متمتعا. فنوفق بين هذه الروايات فنقول: لبى رسول الله ﷺ أولا بالعمرة فسمعه بعض الناس ثم رأوه بعد ذلك حج فظنوا أنه كان متمتعا فنقلوا كما وقع عندهم، ثم لبى بعد ذلك بالحج، فسمعه قوم آخرون فظنوا أنه كان مفردا بالحج، ثم لبى بهما فسمعه قوم آخرون فعلموا أنه كان قارنا، وكل نقل ما وقع عنده. وهو نظير ما روينا من توفيق ابن عباس رضى الله تعالى عنهما فى اختلاف الروايات فى وقت تلبية الرسول ﷺ . ثم لما وقع الاختلاف فى فعله نصير إلى قوله: وقد قال ﷺ : أتانى أت من ربى وأنا بالعقيق فقال: صل فى هذا الوادى المبارك ركعتين وقل: لبيك بحجة وعمرة معا. وقال ﷺ : يا آل محمد أهلوا بحجة وعمرة معا. ولأن فى القران معنى الوصل والتتابع فى العبادة ومعنى الجمع بين العبادتين وهو أفضل من إفراد كل واحد منهما كالجمع بين الصوم والاعتكاف والجمع بين الحراسة فى سبيل الله تعالى مع صلوات الليل، ولأن فى القران زيادة نسك وهو إراقة دم الهدى.

стр. 6129

وقد قال ﷺ أفضل الحج العج والثج. والثج إراقة الدم، وإذا ثبت أنه دم نسك فما يكون فيه زيادة نسك فهو أفضل. أما بالنسبة للإفراد (١) مع التمتع فإن التمتع أفضل من الإفراد فى ظاهر الرواية لأن فيه زيادة نسك ولأن فى التمتع جمعا بين العبادتين، فأشبه القران وسفره واقع لحجته وإن تخللت العمرة، لأنها تبع للحج كتخلل السنة بين الجمعة والسعى إليها. وقد ثبت أن رسول الله ﷺ حج قارنا، ومعلوم أن ما فعله أفضل خصوصا فى عبادة فريضة لم يفعلها إلا مرة واحدة فى عمره. ثم رأينا المعنى الذى كان به القران أفضل من الإفراد متحققا فى التمتع دون الإفراد فيكون أفضل منه، وذلك المعنى هو ما يلزم كونه جمعا بين العبادتين فى وقت الحج من زيادة التحقق بالإذعان والقبول للمشروع الناسخ لشرع الجاهلية فى المطلوب رفضه ثم هذا أرفق فوجب دم للشكر: على أمرين: أحدهما: إطلاق الارتفاق بالعمرة فى وقت الحج حتى خفت المئونة بالنسبة إلى لزوم إنشاء سفر آخر للعمرة أو التأخير بعد قضاء الأفعال لينشئ أخرى من أدنى الحل، وهذا شكر على أمر دنيوى. وثانيهما: توفيقه للتحقق بهذا الإذعان الشرعى المطلوب تحقيقه وإظهاره وجعله مظهرا له فإنه أكمل من مجرد اعتقاد الحقية من غير تحقق به بالفعل وهذا يرجع إلى أمر أخروى. ولهذا تسمعهم يقولون تارة وفق لأداء النسكين، ومرة ترفق بأدائهما فى سفرة واحدة فزادت الفضيلة بشرعية هذا الدم، لأنه زاد فى النسك عبادة أخرى شكرا لا جبرا لنقصان متمكن فيه. أما عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى فإن الإفراد أفضل من التمتع، لأن المتمتع سفره واقع لعمرة والمفرد سفره واقع لحجته. وفى المبسوط قال وعلى رواية ابن شجاع رحمه الله تعالى الإفراد أفضل من التمتع لهذا المعنى أن حجة المتمتع مكية يحرم بها من الحرم والمفرد يحرم بكل واحد منهما من الحل. ولهذا جعل محمد رحمه الله تعالى الإفراد بكل واحد منهما من الكوفة أفضل لأنه ينشئ سفرا مقصودا لكل واحد منهما. وقد صح أن عمر رضى الله تعالى عنه نهى الناس عن المتعة فقال: متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ وأنا أنهى الناس عنهما متعة النساء ومتعة الحج. وتأويله أنه كره أن يخلو البيت من الزوار فى غير أشهر الحج فأمرهم أن يعتمروا بسفر مقصود فى غير أشهر كى لا يخلو البيت من الزوار فى شئ من الأوقات لا أن يكون التمتع مكروها عنده. بدليل حديث الصبى بن معبد قال: كنت امرأ

стр. 6130

نصرانيّا فأسلمت فوجدت الحج والعمرة واجبتين على فقرنت بينهما فلقيت نفرا من الصحابة فيهم زيد ابن صوحان وسلمان بن ربيعة رضى الله عنهما، فقال أحدهما لصاحبه: هو أضل من بعيرة، فلقيت عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه فأخبرته بذلك فقال: ما قالا ليس بشئ هديت لسنة نبيك ﷺ . وهذا بالنسبة لمن كان خارج الميقات. أما من هو من أهل المواقيت فقد قال فى المبسوط (١): ليس للرجل من أهل المواقيت ومن دونها إلى مكة أن يقرن أو أن يتمتع وهم فى ذلك بمنزلة أهل مكة. أما المكى فليس له أن يتمتع بالنص، لأن الله قال فى: «ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ» (٢). واختلف العلماء رحمهم الله تعالى فى حاضرى المسجد الحرام. فقال مالك رحمه الله تعالى هم أهل مكة خاصة. وقال الشافعى رحمه الله تعالى هم أهل مكة ومن يكون منزله من مكة على مسيرة لا يجوز فيها قصر الصلاة. ونحن نقول: أهل المواقيت ومن دونها إلى مكة من حاضرى المسجد الحرام بمنزلة أهل مكة. بدليل أنه يجوز لهم دخول مكة بغير إحرام فلا يكون لهم أن يتمتعوا. وكما لا يتمتع من هو من حاضر المسجد الحرام فكذلك لا يقرن بين الحج والعمرة، إلا أن المكى إذا كان بالكوفة فلما انتهى إلى الميقات قرن بين الحج والعمرة فأحرم لهما صح ويلزمه دم القران، لأن صفة القارن أن تكون حجته وعمرته متقارنتين يحرم بهما جميعا معا وقد وجد هذا فى حق المكى. ولو اعتمر هذا المكى فى أشهر الحج ثم حج من عامه ذلك لا يكون متمتعا، لأن الآفاقى إنما يكون متمتعا إذا لم يلم بأهله بين النسكين إلماما صحيحا والمكى هنا يلم بأهله بين النسكين حلالا إن لم يسق الهدى وكذلك إن ساق الهدى لا يكون متمتعا. بخلاف الآفاقى إذا ساق الهدى ثم ألم بأهله محرما كان متمتعا. ولو قرن المكى (٣) بين الحج والعمرة رفض العمرة ومضى فى الحج لأنه ممنوع من الجمع بينهما، فلا بد من رفض أحدهما ورفض العمرة أيسر، لأنها دون الحج فى القوة، لأنه يمكنه أن يقضيها متى شاء. وكذلك إن أحرم أولا بالعمرة ثم أحرم بالحج رفض العمرة، لأن الترجيح بالبداءة بعد المساواة فى القوة، ولا مساواة هنا، فيرفض العمرة على كل حال. وإن مضى فيهما حتى قضاهما أجزاه، لأن النهى لا يمنع تحقق المنهى عنه. وهذا بخلاف الجامع بين الحجتين والعمرتين،
следующие страницы →