← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.

стр. 6126

أولا ثم يعتمر بعد الفراغ من الحج أو يؤدى كل نسك فى سفر على حدة أو يكون أداء العمرة فى غير أشهر الحج. منزلة الأفراد بين القران والتمتع: جاء فى الهداية وشروحها (١) أن القران أفضل من التمتع والأفراد. وقال الشافعى رحمه الله تعالى: الأفراد أفضل. لقول النبى ﷺ : القران رخصة ولأن فى الأفراد زيادة التلبية والسفر والحلق ويدل لنا قول النبى ﷺ يآل محمد: آهلو بحجة وعمرة معا، ولأن فيه جمعا بين العبادتين فأشبه الصوم مع الاعتكاف والحراسة فى سبيل الله مع صلاة الليل. والتلبية غير محصورة يعنى لا يلزم زيادتها فى الأفراد على القران لأنها غير محصورة ولا مقدر لكل نسك قدر منها فيجوز زيادة تلبية من قرن على من أفرد كما يجوز زيادة تلبية من أفرد على من قرن. وكذلك السفر غير مقصود والحلق خروج عن العبادة فلا ترجيح بما ذكره الشافعى. والمقصد بما روى من قول النبى ﷺ : القران رخصة ففى قول أهل الجاهلية: إن العمرة فى أشهر الحج من أفجر الفجور فكان تجويز الشرع إياها فى أشهر الحج حتى لا تحتاج إلى وقت آخر. وقد علق (٢) صاحب حاشية سعد جلبى على قول صاحب الهداية القران أفضل من التمتع والأفراد بقوله: أقول: ثم المراد بالافراد يحتاج فيه إلى البيان. هل هو إفراد الحجة أو العمرة أو افراد كل واحد منهما على حدة بإحرام؟ قال فى النهاية: المراد الثالث دون الأولين استدلالا بمواضع الاحتجاج فإنه قال من جهة الشافعى رحمه الله تعالى بأن فى الافراد زيادة التلبية والسفر والحلق وهذا لا يكون إلا بإحرام لكل واحد منهما. وكذا روى عن محمد رحمه الله تعالى: أنه قال حجة كوفية وعمرة كوفية أفضل عندى من القران. فعلم بذلك أن الاختلاف الواقع فيه إنما هو فى أن الحج والعمرة كل واحد منهما على انفراد أفضل أو الجمع بينهما أفضل. وفى فتح القدير: المراد بالإفراد فى الخلافية أن يأتى بكل منهما مفردا. خلافا لما روى عن محمد بن قوله حجة كوفية وعمرة كوفية أفضل عندى من القران. أما مع الاقتصار على إحداهما فلا إشكال أن

стр. 6127

القران أفضل بلا خلاف. وحقيقة الخلاف ترجع إلى الخلاف فى أن النبى هل كان فى حجته قارنا أو مفردا أو متمتعا. اختلفت الأمة فى إحرامه ﷺ . فذهب قائلون إلى أنه ﷺ أحرم مفردا ولم يعتمد فى سفرته تلك. وذهب آخرون إلى أنه ﷺ أفرد واعتمر فيها من التنعيم. وذهب آخرون إلى أنه تمتع ولم يحل لأنه ساق الهدى. وذهب آخرون إلى أنه تمتع وحل. وذهب آخرون إلى أنه ﷺ قرن فطاف طوافا واحدا وسعى سعيا واحدا لحجته وعمرته. وذهب آخرون إلى أنه ﷺ قرن فطاف طوافين وسعى سعيين لهما وهذا مذهب علمائنا رحمهم الله تعالى. ووجه الأول ما فى الصحيحين من حديث عائشة رضى الله تعالى عنها أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحجة، وأهل رسول الله ﷺ بحجة. فهذا التقسيم يفيد أن من أهل بالحج لم يضم إليه غيره. ولمسلم عنها أنه ﷺ أهل بالحج مفردا. وللبخارى عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما أنه ﷺ أهل بالحج وحده. وفى سنن ابن ماجه عن جابر رضى الله تعالى عنه أنه ﷺ أفرد الحج. وللبخارى عن عروة بن الزبير رضى الله تعالى عنه قال: حج رسول الله ﷺ فأخبرتنى عائشة رضى الله تعالى عنها أن أول شئ بدأ به الطواف بالبيت ثم لم تكن عمرة. ثم حج عمر رضى الله تعالى عنه مثل ذلك. ثم حج عثمان رضى الله تعالى عنه فرأيته أول شئ بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ ثم طاف بالبيت. ثم حج أبو بكر رضى الله تعالى عنه فكان أول شئ بدأ به الطواف بالبيت ثم لم تكن عمرة. ثم معاوية وعبد الله بن عمر رضى الله تعالى عنهما. ثم حججت مع أبى الزبير بن العوام رضى الله تعالى عنه وكان أول شئ بدأ به الطواف بالبيت ثم لم تكن عمرة. ثم رأيت المهاجرين والأنصار يفعلون ذلك ثم لم تكن عمره. ثم آخر من رأيت يفعل ذلك ابن عمر رضى الله تعالى عنه ثم لم ينقضها بعمرة ولا أحد ممن مضى ما كانوا يبدءون بشئ حين يضعون أقدامهم أول من الطواف ثم لا يحلون، وقد رأيت أمى وخالتى حين تقدمان لا تبدآن بشئ أول من البيت تطوفان به ثم لا تحلان. فهذه كلها تدل على أنه أفرد ولم ينقل أحد مع كثرة ما نقل أنه اعتمر بعده فلا يجوز الحكم بأنه فعله. ومن ادعاه فإنما اعتمد على ما رأى من فعل الناس فى هذا الزمان من اعتمارهم بعد الحج من التنعيم فلا يلتفت إليه ولا يعول عليه. ووجه القائلين بأن النبى صلى الله عليه وسلم

стр. 6128

كان متمتعا، هو ما فى الصحيحين عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما: تمتع رسول الله ﷺ وأهدى فساق معه الهدى من ذى الحليفة فلما قدم مكة قال للناس أمن كان منكم أهدى فلا يحل من شئ حرم منه حتى يقضى حجة ومن لم يكن أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليحلل ثم يهل بالحج وليهد. ولم يحلل من شئ حرم منه حتى قضى حجه ونحر هديه. ثم ساق صاحب فتح القدير (١) كثيرا من الأحاديث التى استدل بها أصحاب كل رأى. ثم ذكر دليل أفضلية القران على الإفراد. فقال: لم يختلف على أنس رضى الله تعالى عنه أحد من الرواة فى أنه ﷺ كان قارنا. قالوا: اتفق عن أنس رضى الله عنه ستة عشر راويا أنه ﵊ قرن مع زيادة ملازمته لرسول الله ﷺ ، لأنه كان خادمه لا يفارقه حتى أن فى بعض طرقه: كنت آخذ بزمام ناقة رسول الله ﷺ وهى تفصع بجرتها ولعابها يسيل على يدى وهو يقول: لبيك بحجة وعمرة معا. وفى صحيح مسلم عن عبد العزيز وحميد ويحيى بن أبى إسحق رضى الله تعالى عنهم أنهم سمعوا أنسا رضى الله تعالى عنه يقول: سمعت رسول الله ﷺ أهل بهما لبيك عمرة وحجّا وغير ذلك من الأحاديث. وفى المبسوط (٢) قال: وأهل الحديث جمعوا رواة نسك رسول الله ﷺ فكانوا ثلاثين نفرا: فعشرة منهم تروى أنه كان قارنا، وعشرة تروى أنه كان مفردا، وعشرة منهم تروى أنه كان متمتعا. فنوفق بين هذه الروايات فنقول: لبى رسول الله ﷺ أولا بالعمرة فسمعه بعض الناس ثم رأوه بعد ذلك حج فظنوا أنه كان متمتعا فنقلوا كما وقع عندهم، ثم لبى بعد ذلك بالحج، فسمعه قوم آخرون فظنوا أنه كان مفردا بالحج، ثم لبى بهما فسمعه قوم آخرون فعلموا أنه كان قارنا، وكل نقل ما وقع عنده. وهو نظير ما روينا من توفيق ابن عباس رضى الله تعالى عنهما فى اختلاف الروايات فى وقت تلبية الرسول ﷺ . ثم لما وقع الاختلاف فى فعله نصير إلى قوله: وقد قال ﷺ : أتانى أت من ربى وأنا بالعقيق فقال: صل فى هذا الوادى المبارك ركعتين وقل: لبيك بحجة وعمرة معا. وقال ﷺ : يا آل محمد أهلوا بحجة وعمرة معا. ولأن فى القران معنى الوصل والتتابع فى العبادة ومعنى الجمع بين العبادتين وهو أفضل من إفراد كل واحد منهما كالجمع بين الصوم والاعتكاف والجمع بين الحراسة فى سبيل الله تعالى مع صلوات الليل، ولأن فى القران زيادة نسك وهو إراقة دم الهدى.

стр. 6129

وقد قال ﷺ أفضل الحج العج والثج. والثج إراقة الدم، وإذا ثبت أنه دم نسك فما يكون فيه زيادة نسك فهو أفضل. أما بالنسبة للإفراد (١) مع التمتع فإن التمتع أفضل من الإفراد فى ظاهر الرواية لأن فيه زيادة نسك ولأن فى التمتع جمعا بين العبادتين، فأشبه القران وسفره واقع لحجته وإن تخللت العمرة، لأنها تبع للحج كتخلل السنة بين الجمعة والسعى إليها. وقد ثبت أن رسول الله ﷺ حج قارنا، ومعلوم أن ما فعله أفضل خصوصا فى عبادة فريضة لم يفعلها إلا مرة واحدة فى عمره. ثم رأينا المعنى الذى كان به القران أفضل من الإفراد متحققا فى التمتع دون الإفراد فيكون أفضل منه، وذلك المعنى هو ما يلزم كونه جمعا بين العبادتين فى وقت الحج من زيادة التحقق بالإذعان والقبول للمشروع الناسخ لشرع الجاهلية فى المطلوب رفضه ثم هذا أرفق فوجب دم للشكر: على أمرين: أحدهما: إطلاق الارتفاق بالعمرة فى وقت الحج حتى خفت المئونة بالنسبة إلى لزوم إنشاء سفر آخر للعمرة أو التأخير بعد قضاء الأفعال لينشئ أخرى من أدنى الحل، وهذا شكر على أمر دنيوى. وثانيهما: توفيقه للتحقق بهذا الإذعان الشرعى المطلوب تحقيقه وإظهاره وجعله مظهرا له فإنه أكمل من مجرد اعتقاد الحقية من غير تحقق به بالفعل وهذا يرجع إلى أمر أخروى. ولهذا تسمعهم يقولون تارة وفق لأداء النسكين، ومرة ترفق بأدائهما فى سفرة واحدة فزادت الفضيلة بشرعية هذا الدم، لأنه زاد فى النسك عبادة أخرى شكرا لا جبرا لنقصان متمكن فيه. أما عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى فإن الإفراد أفضل من التمتع، لأن المتمتع سفره واقع لعمرة والمفرد سفره واقع لحجته. وفى المبسوط قال وعلى رواية ابن شجاع رحمه الله تعالى الإفراد أفضل من التمتع لهذا المعنى أن حجة المتمتع مكية يحرم بها من الحرم والمفرد يحرم بكل واحد منهما من الحل. ولهذا جعل محمد رحمه الله تعالى الإفراد بكل واحد منهما من الكوفة أفضل لأنه ينشئ سفرا مقصودا لكل واحد منهما. وقد صح أن عمر رضى الله تعالى عنه نهى الناس عن المتعة فقال: متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ وأنا أنهى الناس عنهما متعة النساء ومتعة الحج. وتأويله أنه كره أن يخلو البيت من الزوار فى غير أشهر الحج فأمرهم أن يعتمروا بسفر مقصود فى غير أشهر كى لا يخلو البيت من الزوار فى شئ من الأوقات لا أن يكون التمتع مكروها عنده. بدليل حديث الصبى بن معبد قال: كنت امرأ

стр. 6130

نصرانيّا فأسلمت فوجدت الحج والعمرة واجبتين على فقرنت بينهما فلقيت نفرا من الصحابة فيهم زيد ابن صوحان وسلمان بن ربيعة رضى الله عنهما، فقال أحدهما لصاحبه: هو أضل من بعيرة، فلقيت عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه فأخبرته بذلك فقال: ما قالا ليس بشئ هديت لسنة نبيك ﷺ . وهذا بالنسبة لمن كان خارج الميقات. أما من هو من أهل المواقيت فقد قال فى المبسوط (١): ليس للرجل من أهل المواقيت ومن دونها إلى مكة أن يقرن أو أن يتمتع وهم فى ذلك بمنزلة أهل مكة. أما المكى فليس له أن يتمتع بالنص، لأن الله قال فى: «ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ» (٢). واختلف العلماء رحمهم الله تعالى فى حاضرى المسجد الحرام. فقال مالك رحمه الله تعالى هم أهل مكة خاصة. وقال الشافعى رحمه الله تعالى هم أهل مكة ومن يكون منزله من مكة على مسيرة لا يجوز فيها قصر الصلاة. ونحن نقول: أهل المواقيت ومن دونها إلى مكة من حاضرى المسجد الحرام بمنزلة أهل مكة. بدليل أنه يجوز لهم دخول مكة بغير إحرام فلا يكون لهم أن يتمتعوا. وكما لا يتمتع من هو من حاضر المسجد الحرام فكذلك لا يقرن بين الحج والعمرة، إلا أن المكى إذا كان بالكوفة فلما انتهى إلى الميقات قرن بين الحج والعمرة فأحرم لهما صح ويلزمه دم القران، لأن صفة القارن أن تكون حجته وعمرته متقارنتين يحرم بهما جميعا معا وقد وجد هذا فى حق المكى. ولو اعتمر هذا المكى فى أشهر الحج ثم حج من عامه ذلك لا يكون متمتعا، لأن الآفاقى إنما يكون متمتعا إذا لم يلم بأهله بين النسكين إلماما صحيحا والمكى هنا يلم بأهله بين النسكين حلالا إن لم يسق الهدى وكذلك إن ساق الهدى لا يكون متمتعا. بخلاف الآفاقى إذا ساق الهدى ثم ألم بأهله محرما كان متمتعا. ولو قرن المكى (٣) بين الحج والعمرة رفض العمرة ومضى فى الحج لأنه ممنوع من الجمع بينهما، فلا بد من رفض أحدهما ورفض العمرة أيسر، لأنها دون الحج فى القوة، لأنه يمكنه أن يقضيها متى شاء. وكذلك إن أحرم أولا بالعمرة ثم أحرم بالحج رفض العمرة، لأن الترجيح بالبداءة بعد المساواة فى القوة، ولا مساواة هنا، فيرفض العمرة على كل حال. وإن مضى فيهما حتى قضاهما أجزاه، لأن النهى لا يمنع تحقق المنهى عنه. وهذا بخلاف الجامع بين الحجتين والعمرتين،

стр. 6131

فإن الجمع بينهما عملا منفى هناك ومع النفى لا يتحقق الاجتماع فيكون رافضا لأحدهما على كل حال. وهنا الجمع بين الحج والعمرة فى حق المكى منهى عنه. ومع النهى يتحقق الجمع، فيجب عليه الدم لجمعه بينهما. ولكن هذا الدم ليس نظير الدم فى حق الآفاقى إذا قرن بينهما، فإن ذلك نسك يحل التناول منه وهذا جبر لا يحل التناول منه، لأن وجوب هذا الدم بارتكاب ما هو منهى عنه فيكون واجبا بطريق الجبر للنقصان، فلهذا لا يباح التناول منه. وإن كان طاف للعمرة شوطا أو ثلاثة أشواط، ثم أحرم بالحج رفض الحج فى قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى. وفى قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى: يرفض العمرة لأنه أهل بالحج فأكثر أعمال العمرة باق عليه وللأكثر حكم الكل فكأنه أهل بالحجة قبل أن يأتى بشئ من أعمال العمرة فيرفضها. وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول: إن إحرام العمرة قد تأكد بما أتى من طواف العمرة وإحرام الحج لم يتأكد بشئ من عمله، والمتأكد بأداء العمل أقوى من غير المتأكد، فلهذا يرفض الحجة. والدليل على أن التأكد يحصل بشئ من الطواف ما بينا فى الآفاقى إذا طاف للحج شوطا ثم أحرم للعمرة كان عليه رفضها لتأكد إحرام الحج بالعمل قبل الإهلال بالعمرة. بخلاف ما لو أهل بالعمرة قبل أن يأتى بشئ من طواف الحج. ولو كان المكى طاف للعمرة أربعة أشواط ثم أحرم بالحج، فنقول: إنما أحرم بالحج بعد ما أتى بأكثر طواف العمرة وللأكثر حكم الكل فكأنه أحرم بالحج بعد الفراغ من العمرة فلا يرفض شيئا، ولكن يفرغ من عمرته ومن حجته وعليه دم لأنه صار كالمتمتع وهو منهى عن التمتع، إلا أنه لا يحل له التناول من هذا الدم، لأنه دم جبر كما بينا. ولو كان هذا الطواف منه للعمرة فى غير أشهر الحج كان عليه الدم أيضا، لأنه أحرم بالحج قبل أن يفرغ من العمرة. وليس للمكى أن يجمع بينهما، فإذا صار جامعا كان عليه الدم. ولو كان (١) هذا آفاقيّا لم يكن عليه هذا الدم، لأنه غير ممنوع من الجمع بينهما. قال فى الأصل وعليه دم، لترك الوقت فى العمرة أيضا. وإنما أراد به إذا كان أحرم للعمرة فى الحرم فإن ميقات أهل مكة لإحرام العمرة هو الحل. ثم قال فى المبسوط (٢): كوفى أهل بحجة وطاف لها، ثم أهل بعمرة، قال: يرفض عمرته، لأنه لو لم يرفضها كان بانيا للعمرة على الحجة. وهذا إذا أهل بعمرة بعرفة. فإن أهل بها يوم النحر قبل أن يحل بحجته أو بعد ما حل قبل أن يطوف أمر أن يرفضها أيضا.

стр. 6132

وإن لم يرفضها ومضى فيها أجزاه وعليه دم إن كان أهل بها قبل أن يحل بحجته. وإن كان بعدما حل من حجته فليس عليه شئ إن لم يترك الوقت فيها. ولا يؤمر بأن يرفضها إذا احرم بها بعد تمام الإحلال، لأنه وإن كان منهيا عن الإحرام فيعد ما أحرم، يجب عليه الإتمام، لأنه غير جامع بينه وبين إحرام آخر، فإذا أداها كان صحيحا. بخلاف ما إذا أهل بها بعرفات فإن هناك قد صار رافضا للعمرة، لتحقق المنافى على ما سبق. ثم إن كان إهلاله بالعمرة قبل أن يحل من الحج فقد صار جامعا بين الإحرامين على وجه هو منهى عنه ذلك فلزمه لذلك دم. وإن كان بعد ما حل لم يصر جامعا بين الإحرامين فلا يلزمه شئ. ثم قال فى المبسوط (١) مكى أهل بالحجة فطاف لها شوطا ثم أهل بالعمرة قال يرفض العمرة لأن إحرامه للحج قد تأكد وقبل تأكده كان يؤمر برفض العمرة فبعد تأكده أولى. فإن لم يرفضها وطاف لها وسعى أجزأه، لما بينا أن النهى لا يمنع تحقق المنهى عنه لكن عليه دم لإهلاله بها قبل أن يفرغ من حجته، وقد صار جامعا بينهما وهو ممنوع من هذا الجمع. ثم قال (٢): محرم بحجتين معا ثم جامع قبل أن يسير فعليه للجماع دمان فى قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى، لأن من أصله. أنه لا يصير رافضا لأحدهما، ما لم يأخذ فى عمل الأخرى. وعند أبى يوسف رحمه الله تعالى عليه دم واحد للجماع، لأنه لما فرغ من الإحرامين صار رافضا لأحدهما فجماعه جناية على إحرام واحد. وإن كان ذلك الجماع منه بعد ما سار فعليه دم واحد، لأنه صار رافضا لأحدهما حين صار إلى مكة فجماعه جناية على إحرام واحد. ثم ما يلزمه بالرفض والإفساد من القضاء والدم قد بيناه فيما سبق. فإن أحرم لا ينوى شيئا فطاف ثلاثة أشواط ثم أهل بعمرة فإنه يرفض هنا الثانية، لأن الأولى قد تعينت عمرة حين أخذ فى الطواف، لما بينا أن الإبهام لا يبقى بعد الشروع فى الأداء بل يبقى ما هو المتيقن، وهو العمرة، فحين أهل بعمرة أخرى، فقد صار جامعا بين عمرتين فلهذا يرفض الثانية. ما يفعله من أفرد الإحرام فى الحج: جاء فى الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه (٣): صفة المفرد بالحج أى الأوصاف التى يفعلها الحاج المفرد بعد تحقق دخوله فيه بالإحرام. قال ابن عابدين: وقدم الكلام فى المفرد على

стр. 6133

القارن والمتمتع، لأنه بمنزلة المفرد من المركب. ثم قال صاحب الدر من شاء الإحرام بالحج مفردا توضأ وغسله أحب ولبس إزارا ورداء، ثم يطيب بدنه، ويقول بلسانه مطابقا لقلبه: اللهم إنى أريد الحج فيسره لى وتقبله منى، لقول سيدنا إبراهيم وسيدنا إسماعيل عليهما الصلاة والسلام: «رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا» (١)، ثم يلبى دبر صلاته ناويا بالتلبية الحج. وهذا بيان للأكمل. وإلا فيصح الحج بمطلق النية ولو بقلبه، لأن ذكر ما يحرم به من الحج أو العمرة باللسان ليس بشرط. لكن يشرط مقارنتها بذكر يقصد به التعظيم كتسبيح وتهليل، ولو بالفارسية وإن أحسن بالعربية. بخلاف الصلاة. والتلبية أن يقول: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، أن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك ويزيد ندبّا فيها ولا ينقص عنها فإنه مكروه تحريما. ويستحب أن يرفع صوته بالتلبية ثم يخفضه. ويصلى على النبى ﷺ . ثم يدعو بما شاء. وتكرارها سنة فى المجلس الأول. وكذا فى غيره. وعند تغيير الحالات مستحب مؤكدا. والإكثار مطلقا مندوب. ويستحب أن يكررها كلما شرع فيها ثلاثا على الولاء. ولا يقطعها بكلام. وإذا لبى ناويا نسكا فقد أحرم. ثم يجتنب ما يحظر على المحرم من قتل صيد ورفث وفسوق وجدال حتى يدخل مكة ويطوف ويسعى. قال فى البدائع (٢): من أحرم ودخل مكة وطاف وسعى فإن كان محرما مفردا أى محرما بالحج فقط فإنه يقيم على إحرامه ولا يتحلل، لأن أفعال الحج باقية عليه فلا يجوز له التحلل إلى يوم النحر. ومن الناس من قال: يجوز له أن يفتتح إحرام الحج بفعل العمرة وهو الطواف والسعى والتحلل منهما بالحلق أو التقصير. لما روى عن جابر رضى الله تعالى عنه أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا أهلوا بالحج مفردين، فقال لهم رسول الله ﷺ : أحلوا من إحرامكم بطواف البيت والسعى بين الصفا والمروة وقصروا، ثم أقيموا حلالا، حتى إذا كان يوم التروية أهلوا بالحج. وأجيب بأن ذلك كان ثم نسخ. وعن أبى ذر رضى الله تعالى عنه أنه قال: أشهد أن فسخ الإحرام كان خاصّا للركب الذين كانوا مع رسول الله ﷺ . وإذا فرغ المفرد (٣) بالحج من السعى يقيم على إحرامه ويطوف طواف التطوع ماشيا إلى يوم التروية، لأن الطواف خير موضوع كالصلاة فمن شاء استقل، ومن شاء استكثر. وطواف التطوع أفضل من صلاة التطوع للغرباء. وأما لأهل مكة فالصلاة أفضل، لأن

стр. 6134

الغرباء يفوتهم الطواف إذ لا يمكنهم الطواف فى كل مكان، ولا تفوتهم الصلاة، لأنه يمكن فعلها فى كل مكان، وأهل مكة لا يفوتهم الطواف، ولا الصلاة. ولا يرمل فى هذا الطواف، بل يمشى على هيننة. ولا يسعى بعده بين الصفا والمروة غير السعى الأول. ويصلى لكل أسبوع ركعتين فى الوقت الذى لا يكره فيه التطوع (١) فإذا كان يوم التروية يروح مع الناس إلى مى فيصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر. ثم يتوجه إلى عرفات فإذا انتهى (٢) إليها ينزل فى أى موضع شاء. وإذا زالت الشمس اغتسل إن أحب. ثم يروح إلى الموقف عقب خطبة الإمام والصلاة. وإذا غربت الشمس سار إلى مزدلفة. ثم يذهب قبل طلوع الشمس إلى منى. ثم يأتى جمرة العقبة قبل الزوال فيرميها بسبع حصيات. ثم بعد الرمى (٣) ذبح إن شاء، لأنه مفرد والذبح له أفضل ثم قصر وحلقه أفضل. وفى فتح القدير (٤) ثم يذبح إن أحب ثم يحلق أو يقصر. لما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: إن أول نسكنا فى يومنا هذا أن نرمى ثم نذبح ثم نحلق. ولأن الحلق من أسباب التحلل، وكذا الذبح حتى يتحلل به المحصر، فيقدم الرمى عليهما، ثم الحلق من محظورات الإحرام فيقدم عليه الذبح. وإنما علق الذبح بالمحبة فى قوله: (ثم يذبح إن أحب) لأن الدم الذى يأتى به المفرد تطوع والكلام فى المفرد. وهذا الذبح ليس بواجب (٥) على المفرد. قال الكرمانى ثم الحاج إن كان مفردا لا يجب عليه ذبح الهدى بالإجماع بل يحلق. والحلق أفضل. لقول النبى ﷺ على ما ورد فى الصحيحين أنه ﷺ قال: اللهم ارحم المحلقين قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: اللهم ارحم المحلقين قالوا: والمقصرين يا رسول الله قال: اللهم ارحم المحلقين: قالوا: والمقصرين يا رسول الله: قال والمقصرين. وفى رواية أخرى فى كتاب البخارى فلما كانت الرابعة قال: والمقصرين. والحلق أكمل فى قضاء التفث وهو المقصود وفى التقصير بعض التقصير فأشبه الاغتسال مع الوضوء. وقد حل له كل شئ إلا النساء. وقال مالك رحمه الله تعالى: وإلا الطيب أيضا، لأنه من دواعى الجماع.

стр. 6135

ولنا قول رسول الله ﷺ فيه حل له كل شئ إلا النساء وهو مقدم على القياس. ولا يحل له الجماع فيما دون الفرج عندنا. خلافا للشافعى رحمه الله تعالى. لأنه قضاء الشهوة بالنساء فيؤخر إلى تمام الإحلال. ثم طاف للزيارة يوما من أيام النحر الثلاثة سبعة أشواط بلا رمل ولا سعى إن كان سعى قبل هذا الطواف وإلا فعلهما. وحل له النساء بالحلق السابق، حتى لو طاف قبل الحلق لم يحل له شئ. فإن أخره عن أيام النحر كره ووجب عليه دم. وبعد زوال ثانى أيام النحر يرمى الجمار الثلاث وله النفر من منى قبل طلوع فجر اليوم الرابع. ثم إذا أراد السفر طاف طواف الوداع بلا رمل ولا سعى (١) والمرأة بمنزلة الرجل فى جميع ما ذكر لأنها مخاطبة كالرجل. ألا ترى أن أم سلمة رضى الله تعالى عنها لما سألت رسول الله ﷺ عن الاغتسال من الجنابة وصف لها حال نفسه فى الاغتسال فدل أن حال الرجل والمرأة سواء. غير أنها تلبس ما بدا لها من الدروع والقمصان والخمار والخف والقفازين، لأنها عورة. كما قال رسول الله ﷺ : المرأة عورة مستورة. وفى لبس الإزار والرداء ينكشف بعض البدن عادة وهى مأمورة بأداء العبادة على أستر الوجوه. فلهذا تلبس المخيط والخفين وتغطى رأسها. ولا تغطى وجهها، لأن الرأس منها عورة. وقد قال النبى ﷺ إحرام الرجل فى رأسه وإحرام المرأة فى وجهها. فعرفنا أنها لا تغطى وجهها، إلا أن لها أن تسدل على وجهها إذا أرادت ذلك على وجه تجافى عن وجهها. هكذا روى عن عائشة رضى الله تعالى عنها قال: كنا فى الإحرام مع رسول الله ﷺ نكشف وجوهنا فإذا استقبلنا قوم أسد لنا من غير أن نصيب وجوهنا ولا نلبس المصبوغ بورس ولا زعفران ولا عصفر إلا أن يكون قد غسل. ولا حلق على المرأة إنما عليها التقصير. هكذا روى عن رسول الله ﷺ أنه نهى النساء عن الحلق وأمرهن بالتقصير عند الخروج من الإحرام ولأن الحلق فى حقها مثلة والمثلة حرام. وكذلك لا رمل على المرأة فى الطواف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، لأن الرمل لإظهار التجلد والقوة، والمرأة ليست من أهل القتال، لتظهر الجلادة من نفسها ولا يؤمن أن يبدو شئ من عورتها فى رملها وسعيها أو تسقط لضعف بنيتها فلهذا تمنع من ذلك وتؤمر بأن تمشى مشيا. وقد قال مشايخنا أيضا إنها لا ترفع صوتها بالتلبية لما فى رفع صوتها من الفتنة. وكذلك لا تستلم الحجر إذا كان هناك جمع، لأنها ممنوعة من مماسة الرجال والزحمة معهم.

стр. 6136

أحكام تتعلق بالمفرد بالحج والعمرة: منها ما جاء فى المبسوط (١) أن المفرد بالحج إذا جامع قبل الوقوف يفسد حجه. لقول الله تعالى: «فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ» (٢). فهو دليل على المنافاة بين الحج والجماع فإذا وجد الجماع فسد الحج وعليه المضى فى الفاسد والقضاء من قابل. على هذا اتفق أصحاب رسول الله ﷺ أنه من شرع فى الإحرام لا يصير خارجا عنه إلا بآداء الأعمال فاسدا كان أو صحيحا وعليه دم عندنا. وعند الشافعى رحمه الله تعالى عليه بدنة. فأما إذا جامع بعد الوقوف بعرفة لا يفسد حجه عندنا، ولكن يلزمه بدنة ويتم حجه. وعلى قول الشافعى رحمه الله تعالى إذا جامع قبل الرمى بفسد حجه، ودليلنا حديث ابن عباس رضى الله عنهما قال إذا جامع قبل الوقوف فسد نسكه وعليه بدنة، وإذا جامع بعد الوقوف فحجته تامة وعليه دم. وقد قال النبى ﷺ : الحج عرفة. فمن وقف بعرفة فقد تم حجه. وبالاتفاق لم يرد التمام من حيث أداء الأفعال فقد بقى عليه بعض الأركان وإنما أراد به الإتمام من حيث أنه يأمن الفساد بعده. وهو المعنى الفقهى أن بالوقوف تأكد حجه. ومنها: ما إذا (٣) وقف الحاج بعرفة ثم أهل وهو واقف بحجة أخرى فإنه يرفضها وعليه دم لرفضها وحجة وعمرة مكانها ويمضى فى التى هو فيها. وهذا قول أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى. فأما عند محمد رحمه الله تعالى فإحرامه باطل بمنزلة اختلافهم فيمن أحرم بحجتين. وإنما يرفضها لأنه لم يرفضها ووقف لها لبقاء وقت الوقوف يصير مؤديا حجتين فى سنة واحدة، ولا يجوز أن يؤدى فى سنة واحدة أكثر من حجة واحدة. وإذا رفضها فعليه الدم لرفضها لأنه خرج من الإحرام بعد صحة الشروع قبل أداء الأفعال فلزمه الدم كالمحصر وعليه قضاء حجة وعمرة مكانها بمنزلة المحصر بالحج إذا تحلل. وهذا لأنه فى معنى فائت الحج وفائت الحج يتحلل بأفعال العمرة وهذا لم يأت بأعمال العمرة فكان عليه قضاؤها مع قضاء الحج. وكذلك إن أهل بعمرة أيضا يرفضها، لأن وقوفه لو طرأ على عمرة صحيحة أوجب رفضها على ما بينا فى القارن إذا وقف قبل أن يطوف لعمرته فكذلك إذا اقترن بوقوفه إحرام العمرة. وهذا لأنه لو لم يرفضها أدى أفعالها فيكون بانيا أعمال العمرة على أعمال الحج فلهذا يرفضها وعليه دم وقضاؤها لخروجه منها بعد صحة الشروع. وكذلك لو كان أهل بالحج ليلة المزدلفة

стр. 6137

بالمزدلفة فهو رافض ساعة أهلّ، لأنه لو لم يرفضها عاد إلى عرفات فوقف فيصير مؤديا حجتين فى سنة واحدة. وهذا بخلاف ما إذا أهل بحجتين فإن هناك إذا عجل فى عمل أحدهما لا يصير رافضا للآخر وهاهنا هو مشغول بعمل أحدهما بل هو مؤد له فلهذا يرتفض الآخر فى الحال. ومنها: أن المفرد (١) إذا ارتكب شيئا من محظورات الإحرام فعليه كفارة واحدة بخلاف القارن فإنه يكون عليه كفارتان، لأنه محرم بإحرامين ففعله جناية على كل واحدة منهما. فقد جاء فى الدر المختار وحاشية ابن عابدين (٢) عليه وكل ما على المفرد به دم بسبب جنايته على إحرامه وذلك بفعل شئ من محظوراته فعلى القارن ومثله المتمتع دمان وكذا الحكم فى الصدقة. ومنها: أن المفرد يختلف عن غيره إذا أحصر. فقد قال فى الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه: إذا أحصر المحرم بعدو أو مرض أو موت محرم أو هلاك نفقة أو بأى مانع من الموانع التى يعتبرها المحرم محصرا فإنه يحل له التحلل حينئذ. ويبعث المفرد سواء كان مفردا بالحج أو بالعمرة دما أو قيمته. فإن لم يجد بقى محرما حتى يجد. قال ابن عابدين: فلا يتحلل عندنا إلا بالدم، ولا يقوم الصوم والإطعام مقامه كما فى البحر. ولا يفيد اشتراط الإحلال عند الإحرام شيئا كما فى اللباب. قال شارحه هذا هو المسطور فى كتب المذهب. ونقل الكرمانى والسروجى عن محمد رحمه الله تعالى أنه إن اشترط الإحلال عند الإحرام إذا أحصر جاز له التحلل بغير هدى. قال فى الدر المختار: أو يتحلل بطواف. أما القارن فعليه دمان. فلو بعث واحدا لم يتحلل عنه. وعين المفرد يوم الذبح ليعلم متى يتحلل ويذبحه فى الحرم ولو قبل يوم النحر. خلافا لهما حيث قالا: إنه لا يجوز الذبح للمحصر بالحج إلا فى يوم النحر. ويجوز للمحصر بالعمرة متى شاء كما جاء فى الهداية. فعلى قولهما لا حاجة إلى المواعدة فى الحج لتعين يوم النحر وقتا له، إلا إذا كان بعد أيام النحر، فيحتاج إليها عند الكل، كما فى المحصر بالعمرة. ولو لم يفعل ورجع إلى أهله بغير تحلل وصير محرما حتى زال الخوف جاز، فإن أدرك الحج فيها ونعمت وإلا تحلل بالعمرة، لأن التحلل بالذبح إنما هو للضرورة حتى لا يمتد إحرامه فيشق عليه ويذبحه ويحل ولو بلا حلق وتقصير. ويجب عليه إن حل من حجه ولو نفلا حجة بالشروع وعمرة للتحلل إن لم يحج من عامه وعلى المعتمر عمرة وعلى القارن حجة وعمرتان. وإن بعث المفرد الهدى ثم زال الإحصار وقدر

стр. 6138

على إدراك الهدى والحج معا توجه وجوبا. وإن لم يقدر عليهما لا يلزمه ولا إحصار بعد ما وقف بعرفة لأمن الفوات والممنوع لو بمكة عن الركنين محصر على الأصح. ومنها: أنه إذا (١) مات الرجل فأوصى بأن يحج عنه فعلى الوصى أن يحج بماله. ولو قرن مع الحج عمرة كان مخالفا ضامنا للنفقة عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى. وعندهما لا يصير مخالفا استحسانا، لأنه أتى بالمأمور به، وزاد عليه ما يجانسه فلا يصير به مخالفا. كالوكيل بالبيع إذا باع بأكثر مما سمى له من جنسه. ذلك أن القران أفضل من الإفراد فهو بالقران زاد للميت خيرا فلا يكون مخالفا. وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول: هو مأمور بإنفاق المال فى سفر مجرد للحج وسفره هذا ما تفرد للحج بل للحج والعمرة جميعا، فكان مخالفا، كما لو تمتع، ولأن العمرة التى زادها لا تقع عن الميت، لأنه لم يأمره بذلك، ولا ولاية عليه للحاج فى أداء النسك عنه إلا بقدر ما أمره. ألا ترى أنه لو لم يأمره بشئ لم يجز أداؤه عنه. فكذلك إذا لم يأمره بالعمرة. فإذا لم تكن عمرته عن الميت صار كأنه نوى العمرة عن نفسه. وهناك يصير مخالفا، فكذا هنا. إلا أنه ذكر ابن سماعة عن أبى يوسف رحمهما الله تعالى أنه وإن نوى العمرة عن نفسه لا يصير مخالفا، ولكن يرد من النفقة بقدر حصة العمرة التى أداها عن نفسه. وذهب فى ذلك إلى أنه مأمور بتحصيل الحج للميت بجميع النفقة. فإذا ضم إليه عمرة نفسه فقد حصل الحج للميت ببعض النفقة وبهذا لا يكون مخالفا. ومنها: من أهل بحجة (٢) ففاته فإنه يحل بعمرة وعليه الحج من قابل. بلغنا ذلك عن النبى ﷺ وعن عمر وزيد بن ثابت رضى الله تعالى عنهما. والمراد بالحديث المرفوع ما رواه ابن عباس وابن عمر رضى الله تعالى عنهم أن النبى ﷺ قال: من أدرك عرفة بليل فقد أدرك الحج ومن فاته عرفة بليل فقد فاته الحج وليتحلل بالعمرة وعليه الحج من قابل. وأما حديث عمر وزيد بن ثابت رضى الله تعالى عنهم ما رواه الأسود قال: سمعت عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه يقول من فاته الحج تحلل بعمرة وعليه الحج من قابل: ثم لقيت زيد بن ثابت رضى الله تعالى عنه بعد ذلك بثلاثين سنة فسمعته يقول مثل ذلك وكان المعنى فيه أن الإحرام بعد ما انعقد صحيحا فطريق الخروج عنه أداء أحد النسكين، أما الحج أو العمرة كمن أحرم إحراما بهما، وهنا

стр. 6139

تعذر عليه الخروج عنه بالحج حين فاته الحج فعليه الخروج بعمل العمرة. ثم إن عند أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى أصل إحرامه باق بالحج ويتحلل بعمل العمرة. وعند أبى يوسف رحمه الله تعالى يصير إحرامه إحرام عمرة. وعند زفر رحمه الله تعالى ما يؤديه من الطواف والسعى بقايا أعمال الحج، لأنه بالإحرام بالحج التزم أداء أفعال يفوت بعضها بمضى الوقت، ولا يفوته البعض فيسقط عنه ما يفوت بمضى المدة، ويلزمه ما لا يفوت وهو الطواف والسعى. وأبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى قالا: الطواف والسعى للحج إنما يتحلل بهما من الإحرام بعد الوقوف فأما قبل الوقوف فلا، وحاجته إلى التحلل هنا قبل الوقوف فإنما يأتى بطواف وسعى يتحلل بهما من الإحرام، وذلك طواف العمرة. ولهذا قال أبو يوسف رحمه الله تعالى يصير أصل إحرامه للعمرة ضرورة، لأن التحلل بطواف العمرة إنما يكون بإحرام العمرة. وأبى حنيفة ومحمد رحمهما الله قالا: لا يمكن جعل إحرامه للعمرة إلا بفسخ إحرام الحج الذى كان شرع فيه، ولا طريق لنا إلى ذلك. والدليل عليه أن المكى إذا فاته الحج يتحلل بعمل العمرة من غير أن يخرج من الحرم، ولو انقلب إحرامه للعمرة لكان يلزمه الخروج إلى الحرم، لأنه ميقات إحرام العمرة فى حق للكى. ثم قال فى المبسوط (١) ولو فاته الحج فمكث حراما حتى دخلت أشهر الحج من قابل فتحلل بعمل العمرة ثم حج من عامه ذلك لم يكن متمتعا. وهذا يدل على أن إحرامه لم ينقلب إحرام عمرة. فإنه لو انقلب إحرام عمرة كان متمتعا. كمن أحرم للعمرة فى رمضان فطاف لها فى شوال. ولكنه بعمل العمرة يتحلل من إحرام الحج فى شوال وليس هذا صورة المتمتع. ومن أهل بحجة (٢) فجامع فيها ثم قدم وقد فاته الحج فعليه دم لجماعه ويحل بالطواف والسعى، لأن الفاسد معتبر بالصحيح، فكما أن التحلل بالإحرام الصحيح بعد الفوات يكون بالطواف والسعى فكذلك عن الإحرام الفاسد. ولو كان أصاب فى حجه صيدا فعليه الكفارة، لأن إحرامه بعد الفساد باق فيجب بارتكاب المحظور ما يلزمه بارتكابه فى الإحرام الصحيح. وهذا الذى أفسد الحج إنما يقطع التلبية بعد الفوات حين يأخذ فى الطواف. ألا ترى أنه لو لم يفته كان أوان قطع التلبية فى حقه حين يرمى جمرة العقبة اعتبارا بمن صح حجه فكذلك بعد الفوات.

стр. 6140

ومن أهل بحجة فقدم مكة وقد فاته الحج فأقام حراما حتى يحج مع الناس من قابل بذلك الإحرام قال: لا يجزئه عن حجته. وبهذا يستدل أبو يوسف رحمه الله تعالى على أن إحرامه صار للعمرة حيث لا يجوز أداء الحج به. ولكنا نقول قد بقى أصل إحرامه للحج ولكنه تعين عليه الخروج بأعمال العمرة فلا يبطل هذا التعيين بتحول السنة مع أن إحرامه انعقد لأداء الحج فى السنة الأولى، فلو صح أداء الحج به فى السنة الثانية تغير موجب ذلك العقد بفعله وليس إليه تغيير موجب عقد الإحرام. ومنها (١): من أهل بشئ واحد لا ينوى حجة ولا عمرة ينعقد إحرامه مع الإبهام. لما روى أن عليا وأبا موسى رضى الله تعالى عنهما لما قدما من اليمن قال لهما رسول الله ﷺ : بم أهللتما؟ قالا: أهللنا بإهلال كإهلال رسول الله ﷺ ، فقد صحح رسول الله ﷺ إحرامهما مع الإبهام والإحرام بمنزلة الشرط للنسك ابتداء والإبهام فيه لا يمنع صحته كالطهارة للصلاة. وبعد ما انعقد الإحرام مبهما فللخروج منه طريقان شرعا: إما الحج، أو أعمال العمرة. فيتخير بينهما إن شاء خرج عنه بأعمال العمرة وإن شاء بأعمال الحج، وكان تعيينه فى الانتهاء بمنزلة التعيين فى الابتداء. فإن أحصر قبل أن يعين شيئا فعليه أن يبعث بهدى واحد، لأنه محرم بإحرام واحد فالتحلل عن إحرام واحد وعليه قضاء عمرة استحسانا. وفى القياس عليه قضاء حجة وعمرة لأن إحرامه إن كان للحج فعليه قضاء حجة وعمرة والأخذ بالاحتياط فى قضاء العبادات واجب. ولكنه استحسن فقال المتيقن به يصير دينا فى ذمته فقط والمتيقن العمرة ولما كان متمكنا من الخروج عن عهدة هذا الإحرام قبل الإحصار بأداء العمرة فكذلك بعد الإحصار يتمكن من الخروج عن هذه العهدة بأداء العمرة. ومنها (٢): أن المفرد بالعمرة إذا جامع قبل أن يطوف أكثر الأشواط فسدت عمرته وعليه دم. وإن جامع بعد ما طاف أكثر الأشواط لا تفسد عمرته، لأن ركن العمرة هو الطواف فيتأكد إحرامه بأداء أكثر الأشواط كما يتأكد إحرام الحج بالوقوف ولكن عليه دم عندنا. وعلى قول الشافعى رحمه الله تعالى فى الوجهين جميعا تفسد عمرته وعليه بدنة، لأن الجماع محصور كل واحد من النسكين، فكما أن فى الحج تجب البدنة بالجماع فكذلك بالعمرة. وعندنا لا مدخل للبدنة فى العمرة بخلاف الحج. واحتج الشافعى رحمه الله تعالى بقول الله

стр. 6141

سبحانه وتعالى: «وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ» (١)، فقد قرن بينهما فى الأمر بالإتمام فدل على فرضيتهما. وفى حديث ابن ثابت رضى الله تعالى عنه أن النبى ﷺ قال: العمرة فريضة الحج. ودليلنا حديث أم سلمة رضى الله تعالى عنها أن النبى ﷺ قال: الحج جهاد والعمرة تطوع. وسأل رجل رسول الله ﷺ عن العمرة أواجبة هى؟ فقال: لا وإن تعتمر خير لك. ولأن العمرة لا تتوقت بوقت معلوم فى السنة. وإنما باين النفل الفرض بهذا. فإن الفرض يتوقف بوقت والنفل لا يتوقف. ولأنه يتأدى بنية غيره فإن عنده المحرم بالحج قبل أشهر الحج يكون محرما بالعمرة. وبالإجماع فائت الحج يتحلل بأعمال العمرة والفرض إنما باين النفل. فأما الآية فقد قرأت بالنصب وبالرفع والعمرة لله. فالقراءة بالرفع ابتداء خبر العمرة لله والنوافل لله تعالى كالفرائض. ثم هذا أمر بالإتمام بعد الشروع ولا خلاف فيه (٢). وما عرفنا ابتداء فرضية الحج بهذه الآية. بل عرفناه بقول الله تعالى: «وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ» (٣). وبهذا تبين أن المقصود زيارة البيت. وهذا المقصود حاصل بفرضية نسك واحد فلا تثبت صفة الفرضية فى عدد منه ولهذا لا تتكرر فرضية الحج. ومعنى قول الشافعى رحمه الله تعالى: أن العمرة فريضة أى مقدرة بأعمال الحج فإن الفرض هو التقدير. وبه نقول: إنها مقدرة. فأكثر ما فى الباب أن الآثار قد اشتبهت فيه. ولكن صفة الفرضية مع اشتباه الأدلة لا تثبت. فإذا ثبت عندنا أن أصله ليس بفرض بل هو تبع للحج لا يكون وجوب البدنة بالجماع فى الحج دليلا على وجوبها فى العمرة. وعنده لما كان فرضا وجب بالجماع فيه ما يجب فى الحج. الإفراد فى العمرة . جاء فى المبسوط (٤) ومثله فى الفتاوى الهندية أن المفرد بالعمرة إذا أرادها يتأهب لها كما يتأهب للحج فيحرم بها من الميقات أو قبل الميقات فى أشهر الحج أو فى غير أشهر الحج ويذكر العمرة بلسانه عند التلبية مع قصد القلب فيقول: لبيك بالعمرة أو يقصد بقلبه ولا يذكرها بلسانه والذكر باللسان أفضل ويجتنب المحرم بالعمرة ما يجتنبه المحرم بالحج ويفعل فى إحرامه وطوافه وسعيه بين الصفا والمروة ما يفعله الحاج. فإذا طاف وسعى وحلق يخرج عن إحرام العمرة.

стр. 6142

ومن كان بمكة وأراد أن يعتمر خرج من الحرم إلى الحل من أى جانب شاء وأقرب الجوانب التنعيم وعنده مسجد عائشة رضى الله تعالى عنها. وسبب ذلك أنها قالت يا رسول الله: أوكل نسائك ينصرفن بنسكين وأنا بنسك واحد فأمر أخاها عبد الرحمن أن يعمرها من التنعيم مكان العمرة التى رفضتها فمن ذلك الوقت عرف الناس موضع إحرام العمرة فيخرجون إليه إذا أرادوا الإحرام بالعمرة. ويستمر المعتمر حتى يقدم مكة ويدخل المسجد، فيبدأ بالحجر فيستلمه ويطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة. ثم يحلق أو يقصر، وقد فرغ من عمرته وحل له كل شئ. هكذا فعل رسول الله ﷺ فى عمرة القضاء حين اعتمر من الجعرانة. ثم إن المعتمر يقطع التلبية فى العمرة حين يستلم الحجر الأسود عند أول شوط من الطواف بالبيت. وعند مالك رحمه الله تعالى: كلما وقع بصره على البيت يقطع التلبية، لأن العمرة زيارة البيت وقد تم حضوره بوقوع بصره على البيت، ولكنا نستدل بحديث ابن مسعود رضى الله تعالى عنه أن النبى ﷺ فى عمرة القضاء قطع التلبية حين استلم الحج الأسود. والمعنى فيه أن قطع التلبية هنا عند الطواف بالاتفاق. ثم إن فى العمرة بعد الطواف والسعى يحلق عندنا. وعلى قول مالك رحمه الله تعالى: لا حلق عليه إنما العمرة الطواف والسعى فقط. وحجتنا قوله تعالى: «مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ ١»﴾. وهو بشرى لهم بما عاينوه فى عمرة القضاء وقد صح أن النبى ﷺ أمرهم بالحلق وحلق رأسه فى عمرة القضاء، ولأن التحرم للإحرام بالتلبية والتحلل بالحلق، فكما سوى بين إحرام العمرة وإحرام الحج فى التحرم فكذلك فى التحلل. وفى المبسوط (٢): إذا طاف المعتمر أربعة أشواط من طواف العمرة فى أشهر الحج، بأن كان أحرم بالعمرة فى رمضان فطاف ثلاثة أشواط ثم دخل شوال فأتم طوافه وحج من عامه ذلك كان متمتعا. وإن كان طاف الأكثر فى رمضان لم يكن متمتعا، لأن الأكثر يقوم مقام الكل. وعلى هذا لو جامع المعتمر بعد ما طاف لعمرته أربعة أشواط لم تفسد عمرته ويمضى فيها وعليه دم. وإن جامع بعد ما طاف لها بثلاثة أشواط فسدت عمرته فيمضى فى الفاسد حتى يتمها وعليه دم للجماع وعمرة مكانها. لما ذكرنا أن الأكثر يقوم مقام الكل، وجماعه بعد إكمال طواف العمرة غير مفسد، لأنها صارت مؤداة بأداء ركنها، فكذلك بعد أداء الأكثر من الطواف.

стр. 6143

وإن طاف للعمرة فى رمضان جنبا أو على غير وضوء لم يكن متمتعا إن أعاده فى شوال أو لم يعده. وقال فى المبسوط (١): محرم بعمرة جامع ثم أضاف إليها عمرة أخرى قال: يرفض هذه ويمضى فى الأولى، لأن الفاسد معتبر بالصحيح فى وجوب الإتمام. ولو كانت الأولى صحيحة كان عليه أن يمضى فيها ويرفض الثانية. فكذلك بعد فسادها. وكذلك لو لم يجامع فى الأولى، ولكنه طاف لها شوطا، ثم أحرم بالثانية يرفض الثانية، لأن الأولى قد تأكدت لما طاف لها فتعينت الثانية للرفض. وقال فى المبسوط (٢). ومن أهل بعمرة فى أشهر الحج ثم قدم مكة بعد يوم النحر يقضى عمرته وليس عليه شئ، لأن العمرة غير مؤقتة فلا يفوته عمل العمرة بمضى أيام النحر، فلهذا لا يلزمه شئ. والحاصل أن جميع السنة وقت العمرة عندنا. ولكن يكره آداؤها فى خمسة أيام. يوم عرفة ويوم النحر. وأيام التشريق. هكذا روى عن عائشة رضى الله تعالى عنها أنها كانت تكره العمرة فى هذه الأيام الخمسة. ولأن الله سمى هذه الأيام أيام الحج، فيقتضى أن تكون متعينة للحج الأكبر، فلا يجوز الاشتغال فيها بغيرها. وعلى قول الشافعى رحمه الله تعالى لا تكره العمرة فى هذه الأيام الخمسة. وعن أبى يوسف رحمه الله تعالى أنه لا تكره العمرة فى يوم عرفة قبل الزوال، لأن دخول وقت ركن الحج بعد الزوال لا قبله. ولكن مع هذه الكراهة لو أدى العمرة فى هذه الأيام صح فيبقى محرما فى هذه الأيام بها. وهو نظير بقاء حرمة الصلاة بعد دخول وقت الكراهة. ومن كان (٣) محرما بعمرة فأحصر فإنه يتحلل بالهدى. إلا على قول مالك رحمه الله تعالى، فإنه يقول: حكم الإحصار لمن يخاف الفوت والمعتمر لا يخاف الفوت. ولكنا نقول: أن رسول الله ﷺ حين أحصر بالحديبية كان محرما بالعمرة. وقد بينا حديث ابن مسعود رضى الله تعالى عنه فى الملدوغ وهو ما روى عن الأسود بن يزيد رحمه الله تعالى قال: خرجنا من البصرة عمارا أى معتمرين فلدغ صاحب لنا فأعرضنا الطريق لنسأل عن نجده فإذا نحن بركب فيهم ابن مسعود رضى الله تعالى عنه فسألناه عن ذلك فقال ليبعث صاحبكم

стр. 6144

بدم ويواعد المبعوث على يديه أى يوم شاء فإذا ذبح عنه حل. والمعنى فيه: أن المعنى الذى لأجله ثبت حق التحلل للمحصر بالعدو موجود هنا وهو زيادة مدة الإحرام عليه، لأنه إنما التزم إلى أن يؤدى أعمال الحج ويتعذر الأداء وتزداد مدة الإحرام عليه ويلحقه فى ذلك ضرب مشقة فأثبت له الشرع حق التحلل وهذا المعنى موجود هنا فقد يزداد عليه مدة الإحرام بسبب المرض والمشقة عليه فى المكث محرما مع المرض أكثر فيثبت له حق التحلل بطريق الأولى. والمعنى فيه زيادة مدة الإحرام عليه والمعتمر فى هذا كالحاج فيتحلل بالهدى. إلا أنه إذا بعث بالهدى هنا يواعد صاحبه يوما أى يوم يشاء، لأن عمل العمرة لا يختص بوقت فكذا الهدى الذى يتحلل به عن إحرام العمرة بخلاف المحصر بالحج على قولهما، لأن أعمال الحج مختصة بوقت الحج فكذلك الهدى الذى به يتحلل مؤقت بيوم النحر وإذا حل من عمرته فعليه عمرة مكانها لأن الشروع فيها قد صح. وليس على المعتمر طواف صدر ولا طواف قدوم (١) أما طواف القدوم فلأنه كلما وصل إلى البيت يتمكن من أداء الطواف الذى هو ركن فى هذا النسك فلا يشتغل بغيره، بخلاف الحج، فإنه عند القدوم لا يتمكن من الطواف الذى هو ركن الحج. فيأتى بالطواف المسنون إلى أن يجئ وقت الطواف الذى هو ركن. وأما طواف الصدر فقد قال الحسن رحمه الله تعالى: فى العمرة طواف الصدر أيضا فى حق من قدم معتمرا إذا أراد الرجوع إلى أهله كما فى الحج. ولكنا نقول: إن معظم الركن فى العمرة الطواف وما هو معظم الركن فى النسك لا يتكرر عند الصدر كالوقوف فى الحج لأن الشئ الواحد لا يجوز أن يكون معظم الركن فى نسك وهو بعينه. غير ركن فى ذلك النسك، ولأن ما هو معظم الركن مقصود، وطواف الصدر تبع يجب لقصد توديع البيت والشئ الواحد لا يكون مقصودا وتبعا. وجاء فى موضع آخر من المبسوط (٢): لا ينبغى لمن اعتمر أن يحل حتى يسعى بين الصفا والمروة، لأن الأثر جاء فيها: أنه إذا طاف وسعى وحلق أو قصر حل إنما أراد به الفرق بين سعى العمرة وسعى الحج فإن أداء سعى الحج بعد تمام التحلل بالطواف صحيح ولا يؤدى سعى العمرة إلا فى حال بقاء الإحرام، لأن الأثر فى كل واحد منهما ورد بهذه الصفة وفى مثله علينا الاتباع إذ لا يعقل فيه معنى. ثم من واجبات الحج ما هو مؤدى بعد تمام التحلل كالرمى فيجوز السعى أيضا بعد تمام التحلل

стр. 6145

وليس من أعمال العمرة ما يكون مؤدى بعد تمام التحلل والسعى من أعمال العمرة فعليه أن يأتى به قبل التحلل بالحلق. مذهب المالكية: جاء فى الحطاب (١) نقلا عن ابن عرفة رحمه الله تعالى: أن الإفراد وهو الإحرام بنية حج فقط منزلة الإفراد بالحج: جاء فى الحطاب (٢): أن الإحرام بالحج مفردا أفضل من الإحرام بالقران أو التمتع وظاهر كلامه وإن كان لم يأت بعد الحج بعمرة وهو ظاهر كلامه فى التوضيح والمناسك. وقال فى مناسكه فى فضل أوجه الإحرام والإفراد أفضلها وهو أن يحرم بالحج مفردا. ثم إذا فرغ يسن. له أن يحرم بعمرة فلم يجعل العمرة داخلة فى حقيقة الإفراد المحكوم له بالأفضلية بل جعلها سنة مستقلة فإذا أحرم بالإفراد وترك العمرة ترك السنة. وهو نحو قوله فى التوضيح والإفراد وإن لم يكن مستلزما للعمرة لكنه إذا أتى بالعمرة بعد الحج فقد أتى بهما وإن كان حجه إفرادا وهو ظاهر كلام غيره من أهل المذهب. وقال المقرى رحمه الله تعالى فى قواعده: قال مالك ومحمد رحمهما الله تعالى: الإفراد أفضل إذا كان بعد عمرة، وأما إذا لم يعتمر بعده فالقران أفضل. ولم أر من صرح بذلك من المالكية. إنما نقله سند عن الشافعى رحمه الله تعالى. وعند المالكية أن الإفراد: أن يأتى بالحج وحده ولم يذكروا العمرة وأطلقوا القول بأنه أفضل من القران والتمتع. ونص على ذلك مالك رحمه الله تعالى. ونقل الطرطوشى اتفاق مالك وأصحابه عليه. قال الحطاب: ولعل المقرى أخذ ما قاله مما وقع فى رسم حلف من سماع لابن القاسم رحمه الله تعالى من كتاب الحج. ونصه: سئل مالك رضى الله تعالى عنه عمن أحرم بعمرة ثم حج أذلك أحب إلىّ أم إفراد الحج والعمرة بعده فى ذى الحجة؟ فقال: بل إفراد الحج والعمرة فى ذى الحجة بعد الحج أحب إلىّ صرورة كان أو غير صرورة. قال ابن رشد رحمه الله تعالى كما فعلت عائشة رضى الله تعالى عنها حين أعمرها رسول الله ﷺ من التنعيم. وهذا على مذهبه فى تفضيل الإفراد. ثم ذكر قول ابن عمر رضى الله تعالى عنه بتفضيل المتمتع. انتهى.

стр. 6146

لكنه لم يصرح فى العتبية بأنه إذا لم يعتمر بعد الحج فلا يكون الإفراد أفضل كما قال ابن المقرى رحمه الله تعالى. قال الحطاب ومما يستدل به على خلاف ما قاله ابن المقرى رحمه الله تعالى استدلال أهل المذهب على أفضلية الإفراد بفعل رسول الله ﷺ ولم ينقل عن النبى ﷺ أنه اعتمر بعد حجته. قال سند رحمه الله تعالى: وإنما كان الإفراد أفضل من القران والتمتع لأنه لا يترخص فيه بالخروج من الإحرام، ولأنه يأتى بكل نسك على انفراده فاجتمع فيه أمران، ولأنه مجمع عليه وغيره مختلف فيه. فكان عمر رضى الله تعالى عنه ينهى عن التمتع. وكان عثمان رضى الله تعالى عنه ينهى عن القران. ولأنه لا خلل فيه بدليل أنه لا يتعلق به وجوب الدم وغيره يوجب الدم ووجوبه دليل على الخلل فكان الإفراد الذى لا خلل فيه أفضل ولأنه فعل الأئمة. قال الحطاب (١): وإذا أحرم وأبهم ولم يعين النسك الذى يحرم به فإن الإحرام ينعقد مطلقا ويخير فى صرفه إلى أحد الأوجه الثلاثة. والأولى أن يصرفه للحج. فقوله وصرفه للحج، هو على جهة الأولى. قال ابن الحاجب رحمه الله تعالى: وإذا أحرم مطلقا أحب إلى أن يفرد. والقياس أن يقرن .. وقاله أشهب رحمه الله تعالى: وقيل القياس أن يصرفه إلى العمرة. وقال ابن عرفة ومن نوى مطلق الإحرام فلا بن محرز عن أشهب خير فى الحج والعمرة. وللصقلى واللخمى عنه الاستحسان إفراده والقياس قرانه. وتعقبه التونسى بأن لازم قوله فى القران فمحتمل أقله العمرة. وقال سند: الصحيح أن العمرة تجزئه كما أنه إذا التزم الإحرام من غير تعيين تجزئه العمرة. وقال الشيخ زروق فى شرح الإرشاد: ومن أحرم بالإطلاق أى دون تعيين نسك قال أشهب يخير بين الحج والعمرة. والمشهور يحمل على الحج. وقاله مالك رحمه الله تعالى فى الموازية. والقياس على القران لأنه أحوط. وقال اللخمى ان كان آفاقيا كأهل المغرب حمل على الحج. وهذا كله ما لم يقصد أحد الأقوال ويعمل عليها. وهذا إذا أحرم فى أشهر الحج. فإن أحرم مطلقا قبل أشهر الحج. فقال ابن جماعة الشافعى: إطلاق ابن الحاجب يقتضى أنه يخير فى التعيين. قال الحطاب: ولكنه يكره له صرفه إلى الحج قبل أشهره على المشهور، لأن ذلك كإنشاء الحج

стр. 6147

حينئذ. وعلى مقابله إنما ينعقد عمرة وهذا ظاهر. قال سند رحمه الله تعالى: إذا احرم مطلقا ولم يعينه حتى طاف فالصواب أن يجعله حجّا ويقع هذا طواف القدوم. وإنما قلنا لا يجعله عمرة، لأن طواف القدوم ليس بركن فى الحج وطواف العمرة ركن فيها وقد وقع هذا الطواف بغير نية فلم يصلح أن يقع ركنا فى العمرة بغير نية وخف ذلك فى القدوم ويؤخر سعيه إلى إفاضته. وانظر لو سعى وصرفه لحج بعد السعى هل يعيد السعى بعد الإفاضة أم لا؟ والذى ظهر للذاكرين أنه يعيد احتياطا. قال ابن جماعة رحمه الله تعالى (١) فى منسكه الكبير فى أوجه الإحرام لو أحرم بعمرة ثم أحرم مطلقا فوجهان عند الشافعى: أحدهما: أن يكون مدخلا للحج على العمرة. والثانى: إن صرفه إلى الحج كان كذلك. وإن صرفه إلى العمرة يبطل الثانى. وعند المالكية أنه يصير قارنا. ومن أحرم بنسك معين ثم إن نسى ما أحرم به فإنه يبنى على القران ويجدد الآن نية الإحرام بالحج احتياطا فإن إحرامه الأول إن كان حجا أو قرانا لم يضره ذلك، وإن كان عمرة ارتدف ذلك الحج عليها وقد صار قارنا ويكمل حجه. فإذا فرغ من حجه الأول أتى بعمرة لاحتمال أن يكون إحرامه الأول إنما هو بحجة فقط فلم يحصل له عمرة. وهذا معنى قوله وبرئ منه فقط. قال فى التوضيح إذا أحرم بمعين ثم نسى ما أحرم به أهو عمرة أو قران أو إفراد فإنه يحمل على الحج والقران، أى يحتاط بأن ينوى الحج إذ ذاك ويطوف ويسعى بناء على أنه قارن ويهدى للقران ويأتى بعمرة لاحتمال أن يكون إنما أحرم أولا بإفراد. أحكام تتعلق بالمفرد: جاء فى الحطاب (٢): أن المفرد بالحج إذا طاف الطواف الواجب أول ما دخل مكة وسعى بين الصفا والمروة على غير وضوء، ثم خرج إلى عرفات فوقف المواقف ثم رجع إلى مكة يوم النحر. فطاف طواف الإفاضة على غير وضوء، ولم يسع حتى رجع إلى بلده، فأصاب النساء والصيد والطيب ولبس الثياب، فليرجع لابسا للثياب حلالا، إلا من النساء، والصيد، والطيب، حتى يطوف ويسعى، ثم يعتمر ويهدى. وليس عليه أن يحلق إذا رجع بعد فراغه من السعى، لأنه قد حلق بمنى. ولا شئ عليه فى لبس الثياب، لأنه لما رمى الجمرة حل له لبس الثياب. ولا شئ عليه فى الطيب لأنه بعد رمى

стр. 6148

جمرة العقبة فهو خفيف. وعليه لكل صيد أصابه الجزاء. ولا دم عليه لتأخير الطواف الذى طافه حين دخل مكة على غير وضوء وأرجو أن يكون خفيفا، لأنه لم يتعمد ذلك وهو كالمراهق والعمرة مع الهدى تجزئه من ذلك كله وجل الناس يقولون لا عمرة عليه فلم يذكر العمرة إلا مع إصابة النساء وإن لم يصب النساء فلا عمرة عليه. صرح بذلك فى الموازية. ونقله ابن يونس وعبد الحق رحمهما الله تعالى فى نكته وتهذيبه. قال ابن يونس: قال ابن المواز: رحمه الله تعالى: وإذا لم يطأ فليرجع فيفعل ما وصفنا ويهدى هديا واحدا ولا عمرة عليه ولو ذكر ذلك فى مكة بعد أن فرغ من حجة فليعد طوافه وسعيه ولا دم عليه. وفى الدسوقى على الشرح الكبير (١): وأجزأ تمتع قضاء عن إفراد أفسد. وعكسه وهو إفراد عن تمتع لا قران عن إفراد فلا يجزى أو قران عن تمتع فلا يجزى أيضا. ولا عكسهما وهو إفراد عن قران. أو تمتع عن قران وقوله وهو إفراد عن تمتع بأن يقع الإفساد فى الحج الذى أحرم به بعد أن فرغت العمرة فإذا قضاه مفردا فإنه يجزئه، ففى الحقيقة أجزأ إفراد عن إفراد وعليه هديان، هدى للتمتع يعجله وهدى للإفساد يؤخره. وفى حاشية الدسوقى على الشرح الكبير أنه قال (٢): ومن منع من الحج أو العمرة بعد الإحرام ويقال للممنوع محصور. ولما كان الحصر على ثلاثة أقسام: عن البيت وعرفة معا. وعن البيت فقط. وعن عرفة فقط. بدأ بالأول منها مصدرا بواو الاستئناف فقال: وإن منعه، أى المحرم، عدو أو فتنة أو حبس لا بحق بحج أو عمرة فله التحلل إن لم يعلم به وأيس من زواله قبل فوته الحج ولا دم عليه لما فاته من الحج بحصر العدو على المشهور بنحر هديه وحلقه. ولا دم عليه إن أخره أى التحلل أو تحلل وأخر الحلق لبلده إذ القصد به التحلل لا النسك ولا يلزمه. وكره لمن يتحلل بفعل عمرة وهو الذى تمكن من البيت وفاته الوقوف بأمر من الأمور إبقاء إحرامه بالحج لقابل من غير تحلل بفعل عمرة إن قارب مكة أو دخلها.

стр. 6149

فالوجه أن يؤخر هذا إلى من حصر عن عرفة. وأما من يتحلل بلا فعل عمرة وهو المحصور عنهما الذى الكلام فيه، فتقدم أن التحلل فى حقه أفضل قارب مكة أو دخلها أم لا. ولا يتحلل بفعل عمرة إن استمر على إحرامه مرتكبا للمكروه، حتى دخل وقته، أى الإحرام من العام القابل ليساره ما بقى. وإلا بأن خالف وتحلل بفعل عمرة بعد دخول وقته وأحرم بالحج. فثالثها أى الأقوال: يمضى تحلله وهو متمتع فعليه دم لتحلله بتمتعه. وأولها: يمضى وبئس ما صنع ولا يكون متمتعا، لأن المتمتع من تمتع بالعمرة إلى الحج وهذا من حج إلى حج، أى لأن عمرته كلا عمرة إذ شرطها الإحرام وهو مفقود هنا. وثانيها: لا يمضى وهو باق على إحرامه بناء على أن الدوام كالإنشاء. ولا يسقط عن المحصر الذى تحلل بنحر هديه وحلقه أو بفعل عمرة الفرض المتعلق بذمته من حجة إسلام أو نذر مضمون أو عمرة إسلام. ولم يفسد إحرامه بوط ء حصل منه قبل تحلله إن لم ينو البقاء على إحرامه بأن نوى عدمه أو لا نية له. لكن الراجح أن من لا نية له كمن نوى البقاء لأنه محرم. والأصل بقاء ما كان على ما كان فيفسد إحرامه. فلو قال: إن نوى التحلل كان أحسن. وإن وقف بعرفة وحصر عن البيت فحجه تم ولا يحل إلا بالإفاضة. وإن تمكن من البيت وحصر عن الإفاضة يعنى عرفة ولو عبر به كان أخصر وأظهر أو فاته الوقوف بغير مرض أو خطر عدو أو حبس بحق لم يحل فى ذلك كله إلا بفعل عمرة إن شاء التحلل. ولما كان فعل العمرة يوهم أنه يجدد إحراما رفعه بقوله: بلا تجديد إحرام، بالمعنى السابق. وإلا فلا بد من نية التحلل بها. فيطوف ويسعى ويحلق بنية التحلل ويكفيه الإحرام السابق. وفى حاشية الدسوقى على الشرح الكبير قال (١): وخرج وجوبا كل من فاته الحج وتمكن من البيت وأراد التحلل بعمرة للحل، ويلبى منه من غير إنشاء إحرام إن أحرم بحجة، أو لا يحرم أو أردف الحج فيه، ليجمع فى إحرامه لتحلله بين الحل والحرم، ويقضى حجه فى العام القابل. وجاء فى الحطاب (٢): ومن فاته الحج وأراد التحلل هل ينقلب إحرامه عمرة ويحل بها؟ أولا، وإنما يأتى بطواف وسعى فى حجه يكون ذلك من شرط تحلله إذ لا يكمل تحلل حتى يطوف ويسعى فيكون طوافه وسعيه لتحلله من حجه وهو باق على إحرام حجه هذا يختلف فيه. فظاهر المذهب أنه ينقلب عمرة وينويها. قال فى العتبية عن ابن القاسم رحمه الله تعالى إذا أتى عرفة بعد الفجر فليرجع إلى مكة ويطوف

стр. 6150

ويسعى ويقصر وينوى بها عمرة وهل تنقلب عمرة من أصل الإحرام أو من وقت ينوى فعل عمرة يختلف فيه وقال بعده فى باب الفوات. ويختلف فيه هل ينقلب إحرامه عمرة وينوى أنه فى عمرة أو يطوف ويسعى على اعتقاد الحج ويتحلل بذلك. وفى الحطاب قال (١): وتخالف المرأة الرجل فى عشرة أشياء فى الحج: فى تغطية الرأس. وفى حلقه. وفى لبس المخيط. وفى لبس الخفين. وفى عدم رفع الصوت بالتلبية. وفى الرمل بالطواف. وفى الجنب فى السعى بين الصفا والمروة. وفى الوقوف بعرفة والركوب والقيام أفضل للرجل والقعود أفضل للنساء. وفى البعد عن البيت فى الطواف والقرب منه أفضل للرجال والبعد منه أفضل للنساء. وفى الارتقاء على الصفا والمروة. قال الحطاب: وفى ركوب البحر والمشى من المكان البعيد فيكره ذلك للنساء ولو قدرن، ويجب على الرجل إذا قدر، وفى أنها يشترط فى حقها زوج أو محرم أو رفقة مأمونة. وفى التاج والأكليل (٢): وأجزأ تمتع عن أفراد. قال اللخمى رحمه الله تعالى: إن أفسد مفردا فقضى متمتعا أجزاه، لأن الهدى لإتيانه بالعمرة حينئذ وليس بواضح فى الحج وعكسه من مناسك خليل. وما وقع من عدم الإجزاء فى العكس فى قول ابن بشير وابن الحاجب رحمهما الله تعالى فليس بجيد. قال اللخمى: وإن أفسد وهو متمتع فقضى مفردا غير متمتع أجزأه، لا قران عن إفراد. قال ابن القاسم رحمه الله تعالى: من أفسد وهو مفرد فقضى قارنا لم يجزه أو تمتع وعكسها من مناسك خليل. ولا يجزئ الإفراد والتمتع عن القران. وفى الذخيرة إذا طاف القارن أول دخوله مكة وسعى ثم جامع قارنا. قال الأئمة: له أن يقضى مفردا. وفى ابن شاس فلو قضى عن الأول إفرادا أو تمتعا لم يجز. وقال فى الدسوقى (٣): ووجب طواف القدوم

стр. 6151

كما يجب تقديم السعى قبل عرفة. ولذلك شروط ثلاثة فيهما أشار لها بقوله: إن أحرم من وجب عليه مفردا، أو قارنا من الحل ولو مقيما بمكة خرج إليه ولم يراهق، بفتح الهاء، أى لم يزاحمه الوقت وبكسرها أى لم يقارب الوقت بحيث يخشى فوات الحج إن اشتغل بالقدوم فإن خشيه خرج لعرفة وتركه. فقوله: إن أحرم من الحل أى إن أحرم من وجب عليه الطواف والسعى من الحل بالفعل كان إحرامه منه واجبا كالآفاقى القادم من بلده سواء أحرم مفردا أو قارنا وكالمقيم بمكة إذا أراد القران وخرج للحل وأحرم منه أو مندوبا كالمقيم بمكة إذا كان معه نفس من الوقت أى سعة من الوقت وخرج للميقات وأحرم منه مفردا ولم يردف الحج على العمرة. وإلا بأن اختل شرط من هذه الشروط الثلاثة سعى، أى أخر السعى الركنى بعد الإفاضة ولا طواف قدوم عليه ولا دم. كما لا يجب على ناس وحائض ونفساء ومغمى عليه ومجنون حيث بقى عذرهم بحيث لا يمكنهم الإتيان بالقدوم والسعى قبل الوقوف. وإلا بأن طاف المردف بحرم أو المحرم منه غير المراهق تطوعا فدم بشرطين إن قدم سعيه بعد ذلك الطواف على الإفاضة والحال أنه لم يعد سعيه بعد الإفاضة فلا دم عليه. وفى حاشية الدسوقى على الشرح الكبير (١): ورجع المعتمر من أى موضع من الأرض إن لم يصح طواف عمرة اعتمرها لفقد شرط كفعله بغير وضوء حرما بكسر فسكون، أى محرما متجردا عن المحيط كما كان عند إحرامه إذ ليس معه إلا الإحرام فيحرم عليه ما يحرم على المحرم ويجب عليه ما يجب على المحرم. فإن كان قد أصاب النساء فسدت عمرته فيتمها ثم يقضيها من الميقات الذى أحرم منه ويهدى. وعليه لكل صيد أصابه الجزاء وعليه فدية للبسه وطيبه. أما طواف الإفاضة بالنسبة للمفرد إذا فسد فإنه يرجع إليه إلا أن يتطوع بعده بطواف صحيح فيجزئه عن الفرض الفاسد ولا يرجع له، نعم: إن كان بمكة طولب بالإعادة كما قال بعضهم. وظاهره وجوب الإعادة. ولا دم عليه إذا تطوع بعده، أى وكان غير ذاكر فساد الإفاضة وإلا لم يجزه كما استظهره بعضهم حلاّ أى يرجع حلالا من ممنوعات الإحرام كلها لأن كلا منهما حصل له التحلل الأول برمى جمرة العقبة فيكمل ما عليه بإحرامه الأول ولا يجدد إحراما، لأنه باق على إحرامه الأول فيما بقى عليه إلا من نساء وصيد فلا يكون حلاّ.

стр. 6152

حكم الإجارة على الحج المفرد: جاء فى التاج والإكليل للحطاب (١): وأجزأ حج الأجير إن قدم على العام المشترط ولو قدم الحج على العام المشترط. فقال بعض الأندلسيين يجزئه كما قدم دينا قبل محله أو ترك الزيادة ورجع بقسطها. وفى الحطاب قال: أو خالف إفرادا لغير الإفراد من تمتع أو قران إن لم يشترطه الميت. وما ذكره من الإجزاء هو أحد القولين. قال سند إذا قلنا يجزيه فالهدى على المستأجر، لأنه تعمد سبب ذلك كدم الجزاء والفدية وله جميع الأجرة ولا يزاد فيها لزيادته نسكا. وإن قلنا لا يجزيه فلا شئ له من الأجرة ويقع ذلك نافلة للمستأجر والمستأجر بفتح الجيم فى الموضعين وإلا فلا. قال الحطاب (٢): أى وإن اشترط الميت فلا يجزئه. وشمل كلامه الصورتين المتقدمتين. وهما: أن يخالف الإفراد إلى التمتع أو إلى القران. قال ابن عبد السلام: والحاصل أنه إذا خالف شرط الميت لم يجزئه وتنفسخ الإجارة إذا خالفه إلى القران سواء كان العام معينا أو غير معين. وإن خالفه إلى تمتع لم تنفسخ. وأعاد إن لم يكن العام معينا انتهى. ونحوه فى التوضيح. كتمتع بقران أو عكسه أو هما بإفراد. قال الحطاب: هذه أربع صور نص سند على عدم الإجزاء فيها: الأولى: أن يشترط عليه التمتع فيأتى بالقران. الثانية: عكسها أن يشترط عليه القران فيأتى بالتمتع. الثالثة: أن يشترط عليه القران فيفرد. الرابعة: أن يشترط عليه التمتع فيفرد. وذكرها فى التوضيح: إلا إذا خالف التمتع إلى الإفراد. ونقلها القرافى عن سند. ونقلها عن القرافى التادلى. وظاهر كلامهم سواء كان ذلك بوصية الميت أم لا، كما هو مقتضى كلام المصنف. وزاد سند فيما إذا خالف التمتع إلى الإفراد أنه لا يجزئه أن يعتمر بعد الحج، قال: لأن الشرط لا يتناوله. إفراد العمرة: جاء فى الحطاب (٣): ووقت الإحرام بالعمرة جميع السنة إلا لمن أحرم بالحج فلا ينعقد إحرامه للعمرة إلى تحليله برمى جمرة العقبة وطواف

стр. 6153

الإفاضة والسعى بعده لمن لم يسع. ويكره الإحرام بالعمرة بعد التحللين. وقبل غروب الشمس من اليوم الرابع من أيام منى. فإن أحرم بها حينئذ انعقد إحرامه مع الكراهة. واعلم أن ميقات الإحرام بالعمرة جميع أيام السنة لمن لم يحرم بحج حتى يوم عرفة وأيام التشريق. وقال فى المدونة: وتجوز العمرة فى أيام السنة كلها إلا للحاج فيكره لهم أن يعتمروا حتى تغيب الشمس من آخر أيام الرمى. قال ابن رشد رحمه الله تعالى: جائز لمن لم يحج أن يعتمر فى أيام التشريق. والأصل فيه أمر عمر رضى الله عنه أبا أيوب الأنصارى رحمه الله تعالى وهبار بن الأسود رضى الله تعالى عنه لما قدما عليه يوم النحر وقد فاتهما الحج لإضلال راحلته وبخطإ الثانى فى العدة أن يتحللا من إحرامهما بالحج ويقضياه قابلا ويهديا كما وقع فى الموطأ. فلمن لم يحج أن يهل بعمرة فى أيام التشريق سواء حل منها فى أيام التشريق أو بعدها قاله ابن القاسم رحمه الله تعالى فى المدونة. وقال سند رحمه الله تعالى (١): من لم يكن من أهل الحج فلا حجة عليه يعتمر متى شاء. وهذا قول الشافعى وابن حنبل رحمهما الله تعالى. وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: تكره العمرة فى يوم عرفة وأيام منى. ووافقه أبو يوسف رحمه الله تعالى على غير يوم عرفة. وروى عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت السنة كلها عمرة إلا خمسة أيام يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق. ودليلنا أنه وقت يصح فيه الطواف والسعى فلا تكره فيه العمرة كسائر السنة. ويوم عرفة يصح فيه القران فلا يكره فيه إفراد العمرة كما لا يكره إفراد الحج، ولأن من فاته الحج يفعل أفعال العمرة فى أيام منى. وقد قال أبو يوسف رحمه الله تعالى ينقلب إحرامه عمرة: فإذا كان الوقت صالحا لأفعال العمرة والذمة خالية مما ينافى العمرة لم يبق للكراهة وجه. وما رواه لا يثبت عند أهل الحديث. وإن صح فمحمول على من أحرم بالحج. وقال اللخمى فى تبصرته: والوقت الذى يؤتى بها فيه على وجهين. فمن لم يتقدم له حج ولا يريده فى ذلك العام فيعتمر من السنة فى أى وقت أحب وفى أشهر الحج ويوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق ويكون الناس فى الوقوف بعرفة وهو يعمل عمل العمرة. وأما من حج فلا يعتمر حتى تغيب الشمس من آخر أيام التشريق. قال: وإن تعجل فلا يحرم بعمرة فإن فعل لم ينعقد.

стр. 6154

قال ابن القاسم رحمه الله تعالى (١): إلا أن يحرم فى أيام التشريق بعد الرمى فيلزمه. قال محمد رحمه الله تعالى: يلزمه الإحرام ولا يحل حتى تغرب الشمس وإحلاله قبل ذلك باطل، وإن وطئ قبل ذلك أفسد عمرته وقضاها وأهدى. والقياس إذا أكمل الإحرام للحجة أن ينعقد الإحرام لعمرة ويصح عملها. وقال ابن عبد السلام رحمه الله تعالى فى شرح ابن الحاجب رحمه الله تعالى: يعنى أن العمرة لا تختص بزمن معين كالحج. فقد اعتمر رسول الله ﷺ فى أشهر الحج وأمر عبد الرحمن بن الصديق رضى الله عنهما أن يعمر عائشة فى ذى الحجة، وقال: عمرة فى رمضان تعدل حجة، أو قال: حجة معى. إلا أن الفقهاء يقولون العمرة لا ترتدف على الحج، فلذلك يشترطون ألا يكون فى أيام منى لمن حج وأما من لم يحج، فيجوز أن يأتى بها فى سائر السنة، ولو فى يوم عرفة أو يوم النحر. مذهب الشافعية: جاء فى المجموع (٢): صورة الأفراد الأصلية أن يحرم بالحج وحده ويفرغ منه ثم يحرم بالعمرة. أما التمتع فصورته الأصلية أن يحرم بالعمرة من ميقات بلده ويدخل مكة ويفرغ من أفعال العمرة ثم ينشئ الحج من مكة ويسمى متمتعا لاستمتاعه بمحظورات الإحرام بينهما، فإنه يحل له جميع المحظورات إذا تحلل من العمرة سواء كان ساق الهدى أم لا، ويجب عليه دم. أما القران فصورته الأصلية أن يحرم بالحج والعمرة معا فتدرج أعمال العمرة فى أعمال الحج، ويتحد الميقات والفعل، فيكفى لهما طواف واحد وسعى واحد، وحلق واحد، وإحرام واحد. ولو أحرم بالعمرة ثم أدخل عليها الحج، أى أحرم به نظر إن أدخله فى غير أشهر الحج لغا إدخاله ولم يتغير إحرامه بالعمرة. وإن أدخله فى أشهره نظر إن كان أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج ففى صحة إدخاله وجهان: أحدهما: وهو اختيار الشيخ أبى على السنجى رحمه الله تعالى وحكاه عن عامة الأصحاب: أنه لا يصح الإدخال، لأنه يؤدى إلى صحة الإحرام بالحج قبل أشهره. وأصحهما يصح. وهو اختيار القفال رحمه الله تعالى. وبه قطع صاحبا الشامل والبيان وآخرون، لأنه أحرم بكل واحد منهما فى وقته، ولأنه إنما يصير محرما بالحج فى حال إدخاله وهو وقت صالح للحج. ولو أحرم بالعمرة فى أشهر الحج ثم أدخله عليها

стр. 6155

فى أشهره. فإن لم يكن شرع فى شئ من طوافها صح وصار قارنا بلا خلاف. وإن كان قد شرع فيه وخطى منه خطوة لم يصح إحرامه بالحج بلا خلاف. وإن وقف عند الحجر الأسود للشروع فى الطواف ولم يمسه ثم أحرم بالحج صح وصار قازنا. منزلة الإفراد بين التمتع والقران: جاء فى المجموع (١): ويجوز إفراد الحج عن العمرة والتمتع بالعمرة إلى الحج والقران بينهما. لما روت عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ ، فمنا من أهل بالحج، ومنا من أهل بالعمرة، ومنا من أهل بالحج والعمرة. والإفراد والتمتع أفضل من القران. وقال المزنى رحمه الله تعالى: القران أفضل. والدليل عليه أن المفرد والمتمتع يأتى بكل واحد من النسكين بكمال أفعاله، والقارن يقتصر على عمل الحج وحده، فكان الإفراد والتمتع أفضل. وفى التمتع والأفراد قولان: أحدهما: أن التمتع أفضل. لما روى ابن عمر رضى الله عنهما قال: تمتع رسول الله ﷺ فى حجة الوداع بالعمرة إلى الحج. والثانى: أن الإفراد أفضل. لما روى جابر رضى الله تعالى عنه قال: أهل رسول الله ﷺ بحج ليس معه عمرة، ولأن التمتع يتعلق به وجوب دم فكان الإفراد أفضل منه كالقران. وأما حديث ابن عمر رضى الله تعالى عنهما فإنه يحتمل أنه أراد الأمر بالتمتع. كما روى أنه رجم ماعزا وأراد أنه أمر برجمه. والدليل عليه أن ابن عمر هو الراوى. وقد روى أن النبى ﷺ أفرد بالحج. أما الأحكام فقد اتفقت نصوص الشافعى والأصحاب على جواز الإحرام على خمسة أنواع: الإفراد والتمتع. والقران. والإطلاق، وهو أن يحرم بنسك مطلقا ثم يصرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة أو كليهما. والتعليق، وهو أن يحرم بإحرام كإحرام زيد مثلا. فهذه الأنواع الخمسة جائزة بلا خلاف. وأما الأفضل من هذه الأنواع الثلاثة الأولى ففيه طرق وأقوال منتشرة. الصحيح منها: الإفراد، ثم التمتع، ثم القران. هذا هو المنصوص للشافعى ﵀ فى عامة كتبه. والمشهور من مذهبه. والقول الثانى: أن أفضلها التمتع ثم الإفراد وهذا القول فى الكتاب، وهذا الثانى نصه فى كتاب اختلاف الحديث حكاه عنه القاضى أبو الطيب والأصحاب.

стр. 6156

والثالث أفضلها الإفراد ثم القران، ثم التمتع حكاه صاحب الفروع والسرخسى وصاحب البيان وآخرون. قالوا نص عليه فى أحكام القرآن. ومن اختاره من أصحابنا المزنى وابن المنذر وأبو إسحاق المروزى والقاضى حسين فى تعليقه. قال أصحابنا: وشرط تقديم الإفراد أن يحج ثم يعتمر فى سنة فإن أخر العمرة عن سنة فكل واحد من التمتع والقران أفضل منه بلا خلاف، لأن تأخير العمرة عن سنة الحج مكروه. هكذا قاله جماهير الأصحاب. وممن صرح به الماوردى والقاضى أبو الطيب رحمهما الله تعالى فى تعليقه وصاحب الشامل والبيان والرافعى وآخرون. وقال القاضى حسين والمتولى رحمهم الله تعالى الإفراد أفضل من التمتع والقران سواء اعتمر فى سنته أم فى سنة أخرى. وهذا شاذ ضعيف والله أعلم. وقد ذكرنا أن مذهبنا جواز الثلاثة. وبه قال العلماء وكافة الصحابة والتابعين ومن بعدهم. إلا ما ثبت فى الصحيحين عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضى الله تعالى عنهما أنهما كانا ينهيان عن التمتع. وقد ذكر الشيخ أبو حامد رحمه الله تعالى فى تعليقه وآخرون من أصحابنا ومن غيرهم من العلماء فى نهى عمر وعثمان رضى الله تعالى عنهما تأويلين. أحدهما: أنهما نهيا عنه تنزيها وحملا للناس على ما هو الأفضل عندهما وهو الإفراد. لا أنهما يعتقدان بطلان التمتع هذا مع علمهما: بقول الله ﵎: «فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ» (١). والثانى: أنهما كانا ينهيان عن التمتع الذى فعلته الصحابة فى حجة الوداع وهو فسخ الحج إلى العمرة، لأن ذلك كان خاصّا لهم. وهذا التأويل ضعيف وإن كان مشهورا. وسياق الأحاديث الصحيحة يقتضى خلافه. ومن العلماء من أصحابنا وغيرهم من يقتضى كلامه أن مذهب عمر بطلان التمتع، وهو ضعيف، ولا ينبغى أن يحمل كلامه عليه، بل المختار فى مذهبه ما قدمته والله أعلم. وجاء فى مغنى المحتاج (٢): أنه لو أفسد مفرد نسكه فتمتع فى القضاء أو قرن جاز وكذا عكسه. ولو أفسد القارن نسكه لزمه بدنة واحدة لانغمار العمرة فى الحج، ولزمه دم للقران الذى أفسده، لأنه لزم بالشروع فلا يسقط بالإفساد، ولزمه دم آخر للقران الذى التزمه بالإفساد فى القضاء، ولو أفرده، لأنه متبرع بالإفراد. ولو فات القارن الحج لفوات الوقوف فاتت العمرة تبعا له، ولزمه دمان، دم للفوات، ودم لأجل القران، وفى القضاء دم ثالث. ولو ارتد فى أثناء نسكه فسد إحرامه فيفسد نسكه كصومه وصلاته فلا كفارة عليه ولا يمضى

стр. 6157

فيه، وإن أسلم لعدم ورود شئ فيهما بخلاف الجماع، فإنه وإن أفسد به نسكه لم يفسد به إحرامه، حتى يلزمه المضى فى فاسده. ثم قال (١): والدم الواجب على محرم بفعل حرام وإن لم يكن حراما فى ذلك الوقت كالحلق لعذر أو ترك واجب عليه غير ركن أو غيرهما كدم الجبرانات كدم التمتع والقران والحلق لا يختص بزمان ويختص ذبحه بأى مكان بالحرم فى الأظهر. لقول الله تعالى: «هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ» (٢) ولقول رسول الله ﷺ : نحرت هاهنا ومنى كلها منحر رواه مسلم. وأفضل بقعة من الحرم لذبح المعتمر الذى ليس متمتعا ولا قارنا ولو مفردا المروة، لأنها موضع تحلله ولذبح الحاج ولو قارنا أو مريدا إفرادا أو متمتعا ولو عن دم تمتعه منى لأنها محل تحلله. والأحسن كما قاله بعض شراح الكتاب فى بقعه ضبطها بفتح القاف وكسر العين على لفظ الجمع المضاف لضمير الحرم وكذا حكم ما ساقا أى المعتمر والحاج من هدى نذر أو نفل مكانا فى الاختصاص والأفضلية. ووقت ذبح هذا الهدى وقت الأضحية على الصحيح. وجاء فى المهذب (٣): أن المفرد والقارن فى كفارات الإحرام واحد، لأن القارن كالمفرد فى الأفعال فكان كالمفرد فى الكفارات. ثم قال (٤): وإن كان محرما بالعمرة وحدها وأراد دخول مكة اغتسل بذى طوى. لما روى ابن عمر رضى الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ لما جاء وادى طوى بات حتى صلى الصبح فاغتسل ثم دخل من ثنية كداء ويدخل من ثنية كداء من أعلى مكة ويخرج من السفل. لما روى ابن عمر رضى الله تعالى عنهما أن النبى ﷺ كان يدخل مكة من الثنية العليا ويخرج من الثنية السفلى. فإذا دخل مكة طاف وسعى وحلق (٥)، وذلك جميع أفعال العمرة. والدليل عليه ما روت عائشة رضى الله تعالى عنها قالت خرجنا مع رسول الله ﷺ ، فمنا من أهل بالحج، ومنا من أهل بالعمرة، ومنا من أهل بالحج والعمرة، وأهل رسول الله ﷺ بالحج. فأما من أهل بالعمرة فأحلوا حين طافوا بالبيت وبين الصفا والمروة. وأما من أهل بالحج والعمرة فلم يحلوا إلا يوم النحر. فإن كان قارنا بين الحج والعمرة فعل ما يفعله المفرد بالحج فيقتصر على طواف واحد وسعى واحد. والدليل عليه ما روى أن النبى صلى الله

стр. 6158

عليه وسلم قال من جمع بين الحج والعمرة كفاه لهما طواف واحد وسعى واحد. ولأنه يدخل فيهما بتلبية واحدة ويخرج منهما بحلاق واحد، فوجب أن يطوف لهما طوافا واحدا، ويسعى لهما سعيا واحدا كالمفرد بالحج. وفى نهاية المحتاج (١): أن الحاج لو كان يكسب فى سفره ما يفى بزاده أى بمؤنته وسفره طويل مرحلتان فأكثر لم يكلف الحج وإن كان يكسب فى يوم كفاية أيام، لاحتمال انقطاع كسبه لعارض مرض ونحوه. وعلى تقدير عدم انقطاعه فالجمع بين تعب السفر والكسب فيه مشقة عظيمة. وإن قصر السفر كأن كان بمكة أو على دون مرحلتين وهو يكسب فى يوم كفاية أيام، أى أيام الحج، كلف الحج، بأن يخرج له حينئذ لاستغنائه بكسبه بخلاف ما إذا كان يكسب كفاية يوم بيوم لانقطاعه عن الكسب أيام الحج. وبحث الأذرعى أخذا من التعليل السابق: أنه لا بد أن يتيسر له الكسب فى أول يوم من خروجه. والإسنوى: أنه لو كان يقدر فى الحضر على أن يكسب فى يوم ما يكفيه له وللحج لزمه إن قصر السفر، لأنهم إذا ألزموه به فى السفر ففى الحضر أولى. واستنبط الأسنوى من التعليل بإنقطاعه عن الكسب أيام الحج أنها من خروج الناس غالبا، وهو من أول الثامن إلى آخر الثالث عشر. وهذا فى حق من لم ينفر النفر الأول. وما ادعاه فى الإسعاد من كون تقديرها بثلاثة أيام كما قاله ابن النقيب رحمه الله تعالى أقرب، لأن تحصيل أعمال الحج تمتعا وإفرادا ممكن فى ثلاثة أيام. والمراد بالأعمال الأركان ورمى جمرة العقبة لأن له مدخلا فى التحلل من الحج. والقارن يمكنه تحصيل أعمالهما فى يوم عرفة ويوم النحر فيه نظر. والأقرب ما قاله الإسنوى رحمه الله تعالى. ثم قال (٢): ولو علق المحرم إحرامه على إحرام زيد فى المستقبل كإذا أو متى أو إن أحرم زيد فأنا محرم لم ينعقد إحرامه مطلقا كإذا جاء رأس الشهر فأنا محرم، لأن العبادة لا تتعلق بالإخطار، أو إن كان زيد محرما فأنا محرم أو فقد أحرمت وكان زيد محرما انعقد إحرامه، وإلا فلا، لأن المعلق بحاضر أقل غررا لوجوده فى الواقع فكان قريبا من أحرمت كإحرام زيد فى الجملة، بخلاف المعلق بمستقبل. فإن تعذر أى تعسر كما فى الحاوى الصغير لأنه يعبر عن التعسر بالتعذر كثيرا. نعم يمكن حمل التعذر على ظاهره بما إذا كان يرجو اتضاح الحال فيمتنع عليه نية الإفراد، لأنه

стр. 6159

يورط نفسه فى إبهام وتعاطى ما يحتمل الحرمة من غير ضرورة معرفة إحرامه بموته أو جنونه أو نسيانه ما أحرم به أو غيبته الطويلة لم يتحر لتلبسه بالإحرام يقينا فلا يتحلل إلا بيقين الإتيان بالمشروع فيه، كما لو شك فى عدد الركعات لا يتحرى، وإنما يتحرى فى الأوانى والقبلة، لأن أداء العبادة، ثم لا يحصل بيقين إلا بعد فعل محظور وهو صلاته لغير القبلة أو استعماله نجسا. وهنا يحصل الأداء بيقين من غير فعل محظور جعل نفسه قارنا، بأن ينوى القران وعمل أعمال النسكين فيتحقق الخروج عن عهدة ما هو فيه فتبرأ ذمته من الحج بعد إتيانه بأعماله إذ هو إما محرم به أو مدخل له على العمرة ولا تبرأ ذمته عن العمرة لاحتمال أنه أحرم بحج ويمتنع إدخالها عليه ولا دم عليه فى الحالين إذ الحاصل له الحج فقط واحتمال حصول العمرة فى صورة القران لا يوجبه إذ لا وجوب بالشك. نعم يسن الاحتمال كونه أحرم بعمرة فيكون قارنا ذكره المتولى رحمه الله تعالى. أما لو لم يقرن ولا أفرد بأن اقتصر على أعمال الحج من غير نية حصل له التحلل لا البراءة من شئ منهما. وإن تيقن أنه أتى بواحد منهما لكن لما يتعين الساقط منهما وجب عليه الإتيان بهما. كمن نسى صلاة من الخمس لا يعلم عينها. أو على عمل العمرة لم يحصل التحلل أيضا، وإن نواها، لاحتمال أنه أحرم بحج ولم يتم أعماله مع أن وقته باق. ولو أحرم كإحرام زيد وبكر صار مثلهما فى إحرامهما إن اتفقا فيما أحرما به وإلا صار قارنا ليأتى بما يأتيان به. نعم إن كان إحرامهما فاسدا انعقد إحرامه مطلقا أو إحرام أحدهما فقط فالقياس كما قاله الشيخ أن إحرامه ينعقد صحيحا فى الصحيح ومطلقا فى الفاسد. والمحرم أى مريد الإحرام ينوى بقلبه وجوبا دخوله فى حج أو عمرة أو كليهما أو ما يصلح لشئ منهما وهو الإحرام المطلق ويلبى مع النية فينوى بقلبه ويقول بلسانه نويت الحج مثلا وأحرمت به لله تعالى لبيك اللهم لبيك إلخ ولا يجهر بهذه التلبية. ويندب كما قاله ابن الصلاح رحمه الله تعالى وتبعه فى الأذكار ونقله فى الإيضاح عن الجوينى رحمه الله تعالى وأقره أن يذكر فى هذه التلبية لا غيرها ما أحرم به وهو الأوجه، لكن نقل الإسنوى عن النص عدم ندبه وصوبه والعبرة بما نواه لا بما ذكره فى تلبيته. والأفضل (١) للمحرم بالحج ولو قارنا دخول مكة قبل الوقوف بعرفة إن لم يخش فوته للاتباع ولكثرة ما يحصل له من السنن.

стр. 6160

ويبدأ استحبابا (١) أول دخوله المسجد قبل تغيير ثيابه واكتراء منزله ونحوهما بطواف القدوم للاتباع رواه الشيخان. والمعنى أن الطواف تحية البيت لا المسجد فلذلك يبدأ به إلا لعذر. ويختص طواف القدوم فى المحرم بحاج ولو قارنا دخل مكة قبل الوقوف فلا يطلب من الداخل بعده ولا من المعتمر لدخول وقت الطواف المفروض عليهما، فلا يصح أدائه تطوعهما بطواف قياسا على أصل النسك. وبهذا فارق ما نحن فيه الصلاة حيث أمر بالتحية قبل الفرض. واقتصار المصنف على الحاج مثال. فالحلال مسنون له أيضا. وإدخاله الباء على بحاج صحيح. وإن كان الأفصح خلافه. إذ دخولها على المقصور أكثرى لا كلى. وفى المجموع شرح المهذب (٢): أنه يجب الإحرام فى القضاء من حيث أحرم فى الأداء، لأنه قد تعين ذلك بالدخول فيه فإذا أفسده وجب قضاؤه كحج التطوع. فإن سلك طريقا آخر لزمه أن يحرم من مقدار مسافة الإحرام فى الإداء. وإن كان قارنا فقضاه بالإفراد جاز، لأن الإفراد أفضل من القران. ولا يسقط عنه دم القران، لأن ذلك دم وجب عليه فلا يسقط عنه بالإفساد وكدم الطيب. وفى نفقة المرأة فى القضاء وجهان. أحدهما: فى مالها كنفقة الأداء. والثانى: تجب على الزوج لأنها غرامة تتعلق بالوط ء. فكانت على الزوج كالكفارة. وفى ثمن الماء الذى تغتسل به وجهان: أحدهما: يجب على الزوج لما ذكرناه. والثانى: يجب عليها، لأن الغسل يجب للصلاة فكان ثمن الماء عليها. وهل يجب عليهما أن يفترقا فى موضع الوط ء؟ فيه وجهان: أحدهما: يجب لما روى عن عمر وعلى وابن عباس رضى الله تعالى عنهم أنهم قالوا: يفترقان ولأن اجتماعهما فى ذلك الوقت يدعو إلى الوط ء فمنع منه. والثانى: لا يجب وهو ظاهر النص. مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى (٣): أن الإفراد هو الإحرام بالحج مفردا من الميقات وهو أحد الأنساك الثلاثة. والحكم فى إحرامه كالحكم فى إحرام العمرة سواء فيما يجب ويستحب وحكم الاشتراط. وإذا أراد الإفراد قال اللهم: إنى أريد الحج.

стр. 6161

منزلة الإفراد بين التمتع والقران: قال فى المغنى: إن الإحرام يقع بالنسك من وجوه ثلاثة: تمتع، وإفراد، وقران. فالتمتع: أن يهل بعمرة مفردة من الميقات فى أشهر الحج، فإذا فرغ منها أحرم بالحج من عامه. والإفراد: أن يهل بالحج مفردا. والقران: أن يجمع بينهما فى الإحرام بهما، أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج قبل الطواف. فأى ذلك أحرم به جاز. قالت عائشة خرجنا مع رسول الله ﷺ ، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة ومنا من أهل بالحج متفق عليه. فهذا هو التمتع والإفراد والقران. وأجمع أهل العلم على جواز الإحرام بأى الأنساك الثلاثة شاء: إما أفضلية الإفراد (١): فقد جاء فى المغنى أنهم اختلفوا فى أفضلها. فاختار إمامنا التمتع ثم الإفراد ثم القران. وممن روى عنه اختيار التمتع ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وعائشة. وروى المروزى عن أحمد إن ساق الهدى فالقران أفضل. وإن لم يسقه فالتمتع أفضل، لأن النبى ﷺ قرن حين ساق الهدى ومنع كل من ساق الهدى من الحل حتى ينحر هديه. وإليه ذهب الثورى وأصحاب الرأى إلى اختيار القران. لما روى أنس قال سمعت رسول الله ﷺ أهل بهما جميعا لبيك عمرة وحجّا لبيك عمرة وحجّا متفق عليه. وحديث الضبى بن معبد حين لبى بهما ثم أتى عمر فسأله فقال: هديت لسنة نبيك ﷺ . وروى عن مروان بن الحكم قال: كنت جالسا عند عثمان بن عفان فسمع عليّا يلبى بعمرة وحج فأرسل إليه فقال ألم نكن نهينا عن هذا؟ قال: بلى، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يلبى بهما جميعا فلم أكن أدع قول رسول الله ﷺ لقولك رواه سعيد. ولأن القران مبادرة إلى فعل العبادة وإحرام بالنسكين من الميقات وفيه زيادة نسك وهو الدم فكان أولى. وذهب مالك وأبو ثور إلى اختيار الإفراد. وهو ظاهر مذهب الشافعى. وروى ذلك عن عمر وعثمان وابن عمر وجابر وعائشة. لما روت عائشة وجابر أن النبى ﷺ أفرد الحج متفق عليهما. وعن ابن عمر وابن عباس مثل ذلك متفق عليهما، ولأنه يأتى بالحج تامّا من غير احتياج إلى جبر فكان أولى. قال عثمان: رحمه الله تعالى إلا أن الحج التام من أهليكم والعمرة التامة من أهليكم. وقال إبراهيم رحمه الله تعالى إن أبا بكر وعمر

стр. 6162

وابن مسعود وعائشة رضى الله تعالى عنهما كانوا يحددون الحج. ولنا ما روى ابن عباس وجابر وأبو موسى وعائشة رضى الله تعالى عنهم أن النبى ﷺ أمر أصحابه لما طافوا بالبيت أن يحلوا ويجعلوها عمرة فنقلهم من الإفراد والقران إلى المتعة ولا ينقلهم إلا إلى الأفضل. وهذه الأحاديث متفق عليها (١) ولم يختلف عن النبى ﷺ أنه لما قدم مكة أمر أصحابه أن يحلوا إلا من ساق هديا وثبت على إحرامه وقال: «لو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما سقت الهدى ولجعلتها عمرة». قال جابر رضى الله تعالى عنه حججنا مع رسول الله ﷺ يوم ساق البدن معه وقد أهلوا بالحج مفردا فقال لهم: «حلوا من إحرامكم بطواف البيت وبين الصفا والمروة ثم أقيموا حلالا حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج واجعلوا التى قد قمتم بها متعة» فقالوا كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج؟ فقال: «افعلوا ما أمرتكم به فلولا أنى سقت الهدى لفعلت مثل الذى أمرتكم به». وفى لفظ فقام رسول الله ﷺ فقال: «وقد علمتم أنى أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم ولولا هديى لحللت كما تحلون ولو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما أهديت» فحللنا وسمعنا وأطعنا متفق عليهما. فنقلهم إلى التمتع، وتأسف إذ لم يمكنه ذلك فدل على فضله. ولأن التمتع منصوص عليه فى كتاب الله تعالى بقوله: ﴿(فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ)﴾ (٢). دون سائر الأنساك. ولأن المتمتع يجتمع له الحج والعمرة فى أشهر الحج مع كمالهما وكمال أفعالهما على وجه اليسر والسهولة مع زيادة نسك فكان ذلك أولى. فأما القران (٣) فإنما يؤتى فيه بأفعال الحج وتدخل العمرة فيه. والمفرد فإنما يأتى بالحج وحده. وإن أعتمر بعده من التنعيم فقد اختلف فى أجزائها عن عمرة الإسلام. وكذلك اختلف فى أجزاء عمرة القران. ولا خلاف فى أجزاء التمتع عن الحج والعمرة جميعا فكان أولى. فأما حجتهم فإنما احتجوا بفعل النبى ﷺ . والجواب عنها من أوجه: الوجه الأول: انا نمنع أن يكون النبى ﷺ محرما بغير التمتع. ولا يصح الاحتجاج بأحاديثهم لأمور: أحدها: أن رواة أحاديثهم قد رووا أن النبى ﷺ تمتع بالعمرة إلى الحج روى ذلك ابن عمر وجابر وعائشة من طرق صحاح

стр. 6163

فسقط الاحتجاج بها (١). الثانى: أن روايتهم اختلفت فرووا مرة أنه أفرد ومرة أنه تمتع ومرة أنه قرن والقضية واحدة ولا يمكن الجمع بينها فيجب إطراحها كلها. وأحاديث القران أصحها حديث أنس، وقد أنكره ابن عمر فقال: رحم الله أنسا ذهل أنس متفق عليه. وفى رواية كان أنس يتولج على النساء يعنى أنه كان صغيرا. وحديث على رواه حفص بن أبى داوود وهو ضعيف عن ابن أبى ليلى وهو كثير الوهم قاله الدارقطنى. الثالث: أن أكثر الروايات أن النبى ﷺ كان متمتعا. روى ذلك عمر وعلى وعثمان وسعد بن أبى وقاص وابن عباس وابن عمر ومعاوية وأبو موسى وجابر وعائشة وحفصة بأحاديث صحيحة. وإنما منعه من الحل الهدى الذى كان معه. ففى حديث عمر أنه قال: انى لا أنهاكم عن المتعة وإنها لفى كتاب الله. ولقد صنعها رسول الله ﷺ يعنى العمرة فى الحج. وفى حديث على أنه اختلف هو وعثمان فى المتعة بعسفان فقال على ما تريد إلى أمر فعله رسول ﷺ تنهى عنه. متفق عليه وللنسائى وقال على لعثمان ألم تسمع رسول الله ﷺ تمتع؟ قال: بلى. وعن ابن عمر قال تمتع رسول الله فى حجة الوداع بالعمرة إلى الحج. وعنه أن حفصة قالت لرسول الله ﷺ ما شأن الناس حلوا ولم تحلل أنت من عمرتك؟ فقال «إنى لبدت رأسى وقلدت هديى فلا أحل حتى أنحر» متفق عليه وقال سعد صنعها رسول الله وصنعناها معه (٢). وهذه الأحاديث راجحة لأن رواتها أكثر وأعلم بالنبى ﷺ ولأن النبى أخبر بالمتعة عن نفسه فى حديث حفصة فلا تعارض بظن غيره، ولأن عائشة كانت متمتعة بغير خلاف، وهى مع النبى ﷺ ، ولا تحرم إلا بأمره ولم يكن ليأمرها بأمر ثم يخالف إلى غيره. ولأنه يمكن الجمع بين الأحاديث بأن يكون النبى ﷺ أحرم بالعمرة ثم لم يحل منها لأجل هديه حتى أحرم بالحج فصار قارنا وسماه من سماه مفردا لأنه اشتغل بأفعال الحج وحدها بعد فراغه من أفعال العمرة. فإن الجمع بين الأحاديث مهما أمكن أولى من حملها على التعارض. الوجة الثانى (٣): فى الجواب أن النبى ﷺ قد أمر أصحابه بالانتقال إلى المتعة عن

стр. 6164

الإفراد والقران ولا يأمرهم إلا بالانتقال إلى الأفضل، فإنه من المحال أن ينقلهم من الأفضل إلى الأدنى، وهو الداعى إلى الخير الهادى إلى الأفضل، ثم أكد ذلك بتأسفه على فوات ذلك فى حقه، وأنه لا يقدر على انتقاله وحله لسوقه الهدى، وهذا ظاهر الدلالة. الوجة الثالث: إن ما ذكرناه قول النبى ﷺ وهم يحتجون بفعله، وعند التعارض يجب تقديم المقول لاحتمال اختصاصه بفعله دون غيره كنهيه عن الوصال مع فعله له ونكاحه بغير ولى ولا شهود مع قوله: «ولا نكاح إلا بولى». فإن قيل: فقد قال أبو ذر رحمه الله تعالى: كانت متعة الحج لأصحاب محمد ﷺ خاصة رواه مسلم. قلنا: هذا قول صحابى يخالف الكتاب والسنة والإجماع وقول من هو خير منه وأعلم. أما الكتاب فقوله تعالى: «فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ» (١). وهذا عام. وأجمع المسلمون على إباحة التمتع فى جميع الأعصار. وإنما اختلفوا فى فضله. وأما السنة فروى سعيد حدثنا هشيم أنبأنا حجاج عن عطاء بن جابر أن سراقة بن مالك سأل النبى ﷺ : المتعة لنا خاصة أو هى للأبد؟ فقال: بل هى للأبد. وفى لفظ قال: ألعامنا أو للأبد؟ قال: «لا بل لأبد الآبد» دخلت العمرة فى الحج إلى يوم القيامة. وفى حديث جابر (٢) الذى رواه مسلم فى صفة حج النبى ﷺ نحو هذا. ومعناه والله أعلم: أن أهل الجاهلية كانوا لا يجيزون التمتع ويرون العمرة فى أشهر الحج من أفجر الفجور، فبين النبى ﷺ أن الله تعالى قد شرع العمرة فى أشهر الحج وجوز المتعة إلى يوم القيامة، وقال طاوس: كان أهل الجاهلية يرون العمرة فى أشهر الحج أفجر الفجور، ويقولون: إذا انفسخ صفر وبرأ الدبر، وعفاه الأثر، حلت العمرة لمن اعتمر، فلما كان الإسلام أمر الناس أن يعتمروا فى أشهر الحج فدخلت العمرة فى أشهر الحج إلى يوم القيامة. رواه سعيد. وقد خالف أبا ذر على وسعد (وابن عباس) وابن عمر وعمران بن حصين وسائر الصحابة وسائر المسلمين. قال عمران: تمتعنا مع رسول الله ﷺ ونزل فيه القرآن ولم ينهنا عنه رسول الله ﷺ ولم يفسخها شئ فقال فيها رجل برأيه ما شاء. متفق عليه. وقال سعد بن أبى وقاص فعلناها مع رسول الله ﷺ ، يعنى المتعة، وهذا يومئذ كافر بالعرش يعنى الذى نهى عنها، والعرش بيوت مكة.

стр. 6165

وقال أحمد حين ذكر له حديث أبى ذر: أفيقول بهذا أحد؟ المتعة فى كتاب الله وقد أجمع المسلمون على جوازها. فإن قيل: فقد روى أبى داود بإسناده عن سعيد بن المسيب أن رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ أتى عمر فشهد عنده أنه سمع رسول الله ﷺ ينهى عن العمرة قبل الحج قلنا: هذا حاله (١) فى مخالفة الكتاب والسنة والإجماع كحال حديث أبى ذر بل هو أدنى حالا فإن فى إسناده مقال. وإن قيل: فقد نهى عنها عمر وعثمان ومعاوية. قلنا: فقد أنكر عليهم علماء الصحابة نهيهم عنها وخالفوهم فى فعلها. والحق مع المنكرين عليهم دونهم. وقد ذكرنا إنكار على على عثمان واعتراف عثمان له وقول عمران بن حصين منكرا (٢) لنهى من نهى وقول سعد عاتبا على معاوية نهيه عنها وردهم عليهم بحجج لم يكن لهم جواب عنها. بل قد ذكر بعض من نهى عنها فى كلامه ما يرد نهيه. فقال عمر: والله إنى لا أنهاكم عنها وإنها لفى كتاب الله وقد صنعها رسول الله ﷺ ولا خلاف فى أن من خالف كتاب الله وسنة رسوله ونهى عما فيهما حقيق بألا يقبل نهيه ولا يحتج به مع أنه قد سأل سالم بن عبد الله ابن عمر أنهى عمر عن المتعة؟ قال: لا والله ما نهى عنها عمر، ولكن نهى عثمان. وسئل ابن عمر عن متعة الحج فأمر بها فقيل إنك تخالف أباك قال: إن عمر لم يقل الذى يقولون. ولما نهى معاوية من المتعة أمرت عائشة حشمها ومواليها أن يهلوا بها فقال معاوية من هؤلاء؟ فقال حشم أو موالى عائشة فأرسل إليها ما حملك على ذلك؟ قالت أحببت (٣) أن يعلم أن الذى قلت ليس كما قلت. وقيل لابن عباس إن فلانا ينهى عن المتعة قال انظروا فى كتاب الله فإن وجدتموها فيه فقد كذب على الله وعلى رسوله وإن لم تجدوها فقد صدق فأى الفريقين أحق بالاتباع وأولى بالصواب الذين معهم كتاب الله وسنة رسوله أم الذين خالفوهما. ثم قد ثبت عن النبى ﷺ الذى قوله حجة على الخلق أجمعين فكيف يعارض بقول غيره؟ قال سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: تمتع النبى ﷺ فقال عروة نهى أبو بكر وعمر عن المتعة فقال ابن عباس: أراهم سيهلكون أقول قال النبى ﷺ ويقولون نهى عنها أبو بكر وعمر وسئل ابن عمر عن متعة الحج فأمر بها فقال إنك تخالف أباك فقال عمر لم يقل
следующие страницы →