منزلة الإفراد بين التمتع والقران:
قال فى المغنى: إن الإحرام يقع بالنسك من وجوه ثلاثة: تمتع، وإفراد، وقران.
فالتمتع: أن يهل بعمرة مفردة من الميقات فى أشهر الحج، فإذا فرغ منها أحرم بالحج من عامه.
والإفراد: أن يهل بالحج مفردا.
والقران: أن يجمع بينهما فى الإحرام بهما، أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج قبل الطواف.
فأى ذلك أحرم به جاز.
قالت عائشة خرجنا مع رسول الله ﷺ ، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة ومنا من أهل بالحج متفق عليه. فهذا هو التمتع والإفراد والقران.
وأجمع أهل العلم على جواز الإحرام بأى الأنساك الثلاثة شاء:
إما أفضلية الإفراد (١): فقد جاء فى المغنى أنهم اختلفوا فى أفضلها. فاختار إمامنا التمتع ثم الإفراد ثم القران.
وممن روى عنه اختيار التمتع ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وعائشة.
وروى المروزى عن أحمد إن ساق الهدى فالقران أفضل. وإن لم يسقه فالتمتع أفضل، لأن النبى ﷺ قرن حين ساق الهدى ومنع كل من ساق الهدى من الحل حتى ينحر هديه.
وإليه ذهب الثورى وأصحاب الرأى إلى اختيار القران.
لما روى أنس قال سمعت رسول الله ﷺ أهل بهما جميعا لبيك عمرة وحجّا لبيك عمرة وحجّا متفق عليه. وحديث الضبى بن معبد حين لبى بهما ثم أتى عمر فسأله فقال: هديت لسنة نبيك ﷺ . وروى عن مروان بن الحكم قال: كنت جالسا عند عثمان بن عفان فسمع عليّا يلبى بعمرة وحج فأرسل إليه فقال ألم نكن نهينا عن هذا؟ قال: بلى، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يلبى بهما جميعا فلم أكن أدع قول رسول الله ﷺ لقولك رواه سعيد.
ولأن القران مبادرة إلى فعل العبادة وإحرام بالنسكين من الميقات وفيه زيادة نسك وهو الدم فكان أولى.
وذهب مالك وأبو ثور إلى اختيار الإفراد. وهو ظاهر مذهب الشافعى.
وروى ذلك عن عمر وعثمان وابن عمر وجابر وعائشة. لما روت عائشة وجابر أن النبى ﷺ أفرد الحج متفق عليهما. وعن ابن عمر وابن عباس مثل ذلك متفق عليهما، ولأنه يأتى بالحج تامّا من غير احتياج إلى جبر فكان أولى.
قال عثمان: رحمه الله تعالى إلا أن الحج التام من أهليكم والعمرة التامة من أهليكم.
وقال إبراهيم رحمه الله تعالى إن أبا بكر وعمر
стр. 6162
وابن مسعود وعائشة رضى الله تعالى عنهما كانوا يحددون الحج.
ولنا ما روى ابن عباس وجابر وأبو موسى وعائشة رضى الله تعالى عنهم أن النبى ﷺ أمر أصحابه لما طافوا بالبيت أن يحلوا ويجعلوها عمرة فنقلهم من الإفراد والقران إلى المتعة ولا ينقلهم إلا إلى الأفضل.
وهذه الأحاديث متفق عليها (١) ولم يختلف عن النبى ﷺ أنه لما قدم مكة أمر أصحابه أن يحلوا إلا من ساق هديا وثبت على إحرامه وقال: «لو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما سقت الهدى ولجعلتها عمرة».
قال جابر رضى الله تعالى عنه حججنا مع رسول الله ﷺ يوم ساق البدن معه وقد أهلوا بالحج مفردا فقال لهم: «حلوا من إحرامكم بطواف البيت وبين الصفا والمروة ثم أقيموا حلالا حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج واجعلوا التى قد قمتم بها متعة» فقالوا كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج؟ فقال: «افعلوا ما أمرتكم به فلولا أنى سقت الهدى لفعلت مثل الذى أمرتكم به». وفى لفظ فقام رسول الله ﷺ فقال: «وقد علمتم أنى أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم ولولا هديى لحللت كما تحلون ولو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما أهديت» فحللنا وسمعنا وأطعنا متفق عليهما. فنقلهم إلى التمتع، وتأسف إذ لم يمكنه ذلك فدل على فضله.
ولأن التمتع منصوص عليه فى كتاب الله تعالى بقوله: ﴿(فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ)﴾ (٢). دون سائر الأنساك.
ولأن المتمتع يجتمع له الحج والعمرة فى أشهر الحج مع كمالهما وكمال أفعالهما على وجه اليسر والسهولة مع زيادة نسك فكان ذلك أولى.
فأما القران (٣) فإنما يؤتى فيه بأفعال الحج وتدخل العمرة فيه.
والمفرد فإنما يأتى بالحج وحده.
وإن أعتمر بعده من التنعيم فقد اختلف فى أجزائها عن عمرة الإسلام.
وكذلك اختلف فى أجزاء عمرة القران. ولا خلاف فى أجزاء التمتع عن الحج والعمرة جميعا فكان أولى.
فأما حجتهم فإنما احتجوا بفعل النبى ﷺ . والجواب عنها من أوجه:
الوجه الأول: انا نمنع أن يكون النبى ﷺ محرما بغير التمتع. ولا يصح الاحتجاج بأحاديثهم لأمور:
أحدها: أن رواة أحاديثهم قد رووا أن النبى ﷺ تمتع بالعمرة إلى الحج روى ذلك ابن عمر وجابر وعائشة من طرق صحاح
стр. 6163
فسقط الاحتجاج بها (١).
الثانى: أن روايتهم اختلفت فرووا مرة أنه أفرد ومرة أنه تمتع ومرة أنه قرن والقضية واحدة ولا يمكن الجمع بينها فيجب إطراحها كلها.
وأحاديث القران أصحها حديث أنس، وقد أنكره ابن عمر فقال: رحم الله أنسا ذهل أنس متفق عليه. وفى رواية كان أنس يتولج على النساء يعنى أنه كان صغيرا.
وحديث على رواه حفص بن أبى داوود وهو ضعيف عن ابن أبى ليلى وهو كثير الوهم قاله الدارقطنى.
الثالث: أن أكثر الروايات أن النبى ﷺ كان متمتعا. روى ذلك عمر وعلى وعثمان وسعد بن أبى وقاص وابن عباس وابن عمر ومعاوية وأبو موسى وجابر وعائشة وحفصة بأحاديث صحيحة.
وإنما منعه من الحل الهدى الذى كان معه. ففى حديث عمر أنه قال: انى لا أنهاكم عن المتعة وإنها لفى كتاب الله. ولقد صنعها رسول الله ﷺ يعنى العمرة فى الحج.
وفى حديث على أنه اختلف هو وعثمان فى المتعة بعسفان فقال على ما تريد إلى أمر فعله رسول ﷺ تنهى عنه. متفق عليه وللنسائى وقال على لعثمان ألم تسمع رسول الله ﷺ تمتع؟ قال: بلى.
وعن ابن عمر قال تمتع رسول الله فى حجة الوداع بالعمرة إلى الحج. وعنه أن حفصة قالت لرسول الله ﷺ ما شأن الناس حلوا ولم تحلل أنت من عمرتك؟ فقال «إنى لبدت رأسى وقلدت هديى فلا أحل حتى أنحر» متفق عليه وقال سعد صنعها رسول الله وصنعناها معه (٢).
وهذه الأحاديث راجحة لأن رواتها أكثر وأعلم بالنبى ﷺ ولأن النبى أخبر بالمتعة عن نفسه فى حديث حفصة فلا تعارض بظن غيره، ولأن عائشة كانت متمتعة بغير خلاف، وهى مع النبى ﷺ ، ولا تحرم إلا بأمره ولم يكن ليأمرها بأمر ثم يخالف إلى غيره.
ولأنه يمكن الجمع بين الأحاديث بأن يكون النبى ﷺ أحرم بالعمرة ثم لم يحل منها لأجل هديه حتى أحرم بالحج فصار قارنا وسماه من سماه مفردا لأنه اشتغل بأفعال الحج وحدها بعد فراغه من أفعال العمرة.
فإن الجمع بين الأحاديث مهما أمكن أولى من حملها على التعارض.
الوجة الثانى (٣): فى الجواب أن النبى ﷺ قد أمر أصحابه بالانتقال إلى المتعة عن
стр. 6164
الإفراد والقران ولا يأمرهم إلا بالانتقال إلى الأفضل، فإنه من المحال أن ينقلهم من الأفضل إلى الأدنى، وهو الداعى إلى الخير الهادى إلى الأفضل، ثم أكد ذلك بتأسفه على فوات ذلك فى حقه، وأنه لا يقدر على انتقاله وحله لسوقه الهدى، وهذا ظاهر الدلالة.
الوجة الثالث: إن ما ذكرناه قول النبى ﷺ وهم يحتجون بفعله، وعند التعارض يجب تقديم المقول لاحتمال اختصاصه بفعله دون غيره كنهيه عن الوصال مع فعله له ونكاحه بغير ولى ولا شهود مع قوله: «ولا نكاح إلا بولى».
فإن قيل: فقد قال أبو ذر رحمه الله تعالى:
كانت متعة الحج لأصحاب محمد ﷺ خاصة رواه مسلم.
قلنا: هذا قول صحابى يخالف الكتاب والسنة والإجماع وقول من هو خير منه وأعلم.
أما الكتاب فقوله تعالى: «فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ» (١).
وهذا عام. وأجمع المسلمون على إباحة التمتع فى جميع الأعصار. وإنما اختلفوا فى فضله.
وأما السنة فروى سعيد حدثنا هشيم أنبأنا حجاج عن عطاء بن جابر أن سراقة بن مالك سأل النبى ﷺ : المتعة لنا خاصة أو هى للأبد؟ فقال: بل هى للأبد.
وفى لفظ قال: ألعامنا أو للأبد؟ قال:
«لا بل لأبد الآبد» دخلت العمرة فى الحج إلى يوم القيامة.
وفى حديث جابر (٢) الذى رواه مسلم فى صفة حج النبى ﷺ نحو هذا.
ومعناه والله أعلم: أن أهل الجاهلية كانوا لا يجيزون التمتع ويرون العمرة فى أشهر الحج من أفجر الفجور، فبين النبى ﷺ أن الله تعالى قد شرع العمرة فى أشهر الحج وجوز المتعة إلى يوم القيامة، وقال طاوس: كان أهل الجاهلية يرون العمرة فى أشهر الحج أفجر الفجور، ويقولون: إذا انفسخ صفر وبرأ الدبر، وعفاه الأثر، حلت العمرة لمن اعتمر، فلما كان الإسلام أمر الناس أن يعتمروا فى أشهر الحج فدخلت العمرة فى أشهر الحج إلى يوم القيامة. رواه سعيد.
وقد خالف أبا ذر على وسعد (وابن عباس) وابن عمر وعمران بن حصين وسائر الصحابة وسائر المسلمين.
قال عمران: تمتعنا مع رسول الله ﷺ ونزل فيه القرآن ولم ينهنا عنه رسول الله ﷺ ولم يفسخها شئ فقال فيها رجل برأيه ما شاء. متفق عليه.
وقال سعد بن أبى وقاص فعلناها مع رسول الله ﷺ ، يعنى المتعة، وهذا يومئذ كافر بالعرش يعنى الذى نهى عنها، والعرش بيوت مكة.
стр. 6165
وقال أحمد حين ذكر له حديث أبى ذر:
أفيقول بهذا أحد؟ المتعة فى كتاب الله وقد أجمع المسلمون على جوازها. فإن قيل: فقد روى أبى داود بإسناده عن سعيد بن المسيب أن رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ أتى عمر فشهد عنده أنه سمع رسول الله ﷺ ينهى عن العمرة قبل الحج قلنا: هذا حاله (١) فى مخالفة الكتاب والسنة والإجماع كحال حديث أبى ذر بل هو أدنى حالا فإن فى إسناده مقال.
وإن قيل: فقد نهى عنها عمر وعثمان ومعاوية. قلنا: فقد أنكر عليهم علماء الصحابة نهيهم عنها وخالفوهم فى فعلها. والحق مع المنكرين عليهم دونهم.
وقد ذكرنا إنكار على على عثمان واعتراف عثمان له وقول عمران بن حصين منكرا (٢) لنهى من نهى وقول سعد عاتبا على معاوية نهيه عنها وردهم عليهم بحجج لم يكن لهم جواب عنها. بل قد ذكر بعض من نهى عنها فى كلامه ما يرد نهيه. فقال عمر: والله إنى لا أنهاكم عنها وإنها لفى كتاب الله وقد صنعها رسول الله ﷺ ولا خلاف فى أن من خالف كتاب الله وسنة رسوله ونهى عما فيهما حقيق بألا يقبل نهيه ولا يحتج به مع أنه قد سأل سالم بن عبد الله ابن عمر أنهى عمر عن المتعة؟ قال: لا والله ما نهى عنها عمر، ولكن نهى عثمان.
وسئل ابن عمر عن متعة الحج فأمر بها فقيل إنك تخالف أباك قال: إن عمر لم يقل الذى يقولون. ولما نهى معاوية من المتعة أمرت عائشة حشمها ومواليها أن يهلوا بها فقال معاوية من هؤلاء؟ فقال حشم أو موالى عائشة فأرسل إليها ما حملك على ذلك؟ قالت أحببت (٣) أن يعلم أن الذى قلت ليس كما قلت.
وقيل لابن عباس إن فلانا ينهى عن المتعة قال انظروا فى كتاب الله فإن وجدتموها فيه فقد كذب على الله وعلى رسوله وإن لم تجدوها فقد صدق فأى الفريقين أحق بالاتباع وأولى بالصواب الذين معهم كتاب الله وسنة رسوله أم الذين خالفوهما.
ثم قد ثبت عن النبى ﷺ الذى قوله حجة على الخلق أجمعين فكيف يعارض بقول غيره؟
قال سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: تمتع النبى ﷺ فقال عروة نهى أبو بكر وعمر عن المتعة فقال ابن عباس: أراهم سيهلكون أقول قال النبى ﷺ ويقولون نهى عنها أبو بكر وعمر وسئل ابن عمر عن متعة الحج فأمر بها فقال إنك تخالف أباك فقال عمر لم يقل
стр. 6166
الذى يقولون، فلما أكثروا عليه قال أفكتاب الله أحق أن تتبعوا أم عمر؟ روى الأثرم هذا كله.
أحكام تتعلق بالإفراد
جاء فى المغنى (١): وإذا أحرم بنسك ثم نسيه قبل الطواف فله صرفه إلى أى الأنساك شاء.
فإنه إن صرفه إلى عمرة وكان المنسى عمرة فقد أصاب. وإن كان حجّا مفردا أو قرانا فله فسخهما إلى العمرة. وإن صرفه إلى القران وكان المنسى قرانا فقد أصاب. وإن كان عمرة فإدخال الحج على العمرة جائز قبل الطواف فيصير قارنا. وإن كان مفردا لغا إحرامه بالعمرة وصح بالحج وسقط فرضه. وإن صرفه إلى الإفراد وكان مفردا فقد أصاب.
وإن كان متمتعا فقد أدخل الحج على العمرة فصار قارنا فى الحكم وفيما بينه وبين الله تعالى وهو يظن أنه مفرد. وأن كان قارنا فكذلك.
والمنصوص عن أحمد أنه يجعله عمرة.
قال القاضى (٢): هذا على سبيل الاستحباب، لأنه إذا استحب ذلك فى حال العلم فمع عدمه أولى.
وقال أبو حنيفة يصرفه إلى القران.
وهو قول الشافعى فى الجديد. وقال فى القديم يتحرى فيبنى على غالب ظنه، لأنه من شرائط العبادة فيدخله التحرى كالقبلة.
ومنشأ الخلاف على فسخ الحج إلى العمرة. فإنه جائز عندنا. وغير جائز عندهم.
فعلى هذا إن صرفه إلى المتعة فهو متمتع عليه دم المتعة ويجزئه عن الحج والعمرة جميعا.
وإن صرفه إلى إفراد أو قران لم يجزئه عن العمرة إذ من المحتمل أن يكون المنسى حجّا مفردا وليس له إدخال العمرة على الحج فتكون صحة العمرة مشكوكا فيها فلا تسقط من ذمته بالشك. ولا دم عليه لذلك، فإنه لم يثبت حكم القران يقينا، ولا يجب الدم مع الشك فى سببه. ويحتمل أن يجب.
فأما إن شك بعد الطواف لم يجز صرفه إلا إلى العمرة لأن إدخال الحج على العمرة بعد الطواف غير جائز. فإن صرفه إلى حج أو قران فإنه يتحلل بفعل الحج ولا يجزئه عن واحد من النسكين، لأنه يحتمل أن يكون المنسى عمرة فلا يصح إدخال الحج عليها بعد طوافها.
ويحتمل أن يكون حجّا وإدخال العمرة عليه غير جائز فلم يجزئه واحد منهما مع الشك ولا دم عليه للشك فيما يوجب الدم ولا قضاء عليه للشك فيما يوجبه. وإن شك وهو فى الوقوف بعد أن طاف وسعى جعله عمرة فقصر ثم أحرم بالحج فإنه إن كان المنسى عمرة فقد أصاب وكان متمتعا.
وإن كان إفرادا أو قرانا لم ينفسخ بتقصيره
стр. 6167
وعليه دم بكل حال، فإنه لا يخلو من أن يكون متمتعا عليه دم المتعة أو غير متمتع فيلزمه دم لتقصيره. وإن شك ولم يكن طاف وسعى جعله قرانا، لأنه إن كان قارنا فقد أصاب وإن كان معتمرا فقد أدخل الحج على العمرة وصار قارنا، وإن كان مفردا لغا إحرامه بالعمرة وصح إحرامه بالحج. وإن صرفه إلى الحج جاز أيضا.
ولا يجزئه عن العمرة فى هذه المواضع لاحتمال أن يكون مفردا، وإدخال العمرة على الحج غير جائز ولا دم عليه للشك فى وجود سببه. ومنها ما يفعله المفرد إذا طاف وسعى (١) وكان معه هدى أولا.
جاء فى المغنى: من كان مفردا أو قارنا أحببنا له أن يفسخ إذا طاف وسعى ويجعلها عمرة إلا أن يكون معه الهدى فيكون على إحرامه لأمر رسول الله ﷺ أصحابه بذلك إلا أن يكون معه الهدى فيكون على إحرامه.
وجاء فى الشرح الكبير (٢): إذا كان مع المفرد والقارن هدى فليس له أن يحل من احرامه ويجعله عمرة بغير خلاف علمناه. لما روى ابن عمر رضى الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ لما قدم مكة قال للناس «من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شئ حرم منه حتى يقضى حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم يهل بالحج وليهد ومن لم يحل هديا فليصم ثلاثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله متفق عليه».
فأما من لا هدى معه فيستحب له إذا طاف وسعى أن يفسخ نيته بالحج وينوى عمرة مفرده فيقصر ويحل من إحرامه ليصير متمتعا إن لم يكن وقف بعرفة.
وكان ابن عباس رضى الله عنهما يرى أن من طاف بالبيت وسعى فقد حل وإن لم ينو ذلك.
وبهذا الذى ذكرناه قال مجاهد والحسن وداود.
لنا أنه قد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه أمر أصحابه فى حجة الوداع الذى أفردوا الحج وقرنوا أن يحلوا كلهم ويجعلوها عمرة إلا من كان معه الهدى.
ومنها: إذا أمر النائب بالإفراد وأتى بغيره بالنسبة للحج عن الغير.
قال فى المغنى: إن أمر النائب المستنيب بالإفراد فقرن لم يضمن لأنه أتى بما أمر به وزيادة فصح ولم يضمن كما لو أمره بشراء شاة بدينار فاشترى شاتين تساوى إحداهما دينارا.
ثم إن كان أمره بالعمرة بعد ففعلها فلا شئ عليه. وإن لم يفعل رد من النفقة بقدرها.
وإن أمره بالتمتع فقرن وقع عن الآمر لأنه
стр. 6168
أمر بهما وإنما خالف فى أنه أمره بالإحرام بالحج من مكة فأحرم به من الميقات.
وظاهر كلام أحمد أنه لا يرد شيئا من النفقة.
وقال القاضى يرد نصف النفقة لأن غرضه فى عمرة مفردة وتحصيل فضيلة التمتع وقد خالفه فى ذلك وفوته عليه.
وإن أفرد وقع عن المستنيب أيضا ويرد نصف النفقة لأنه أخل بالإحرام بالعمرة من الميقات وقد أمره به وإحرامه بالحج من الميقات زيادة لا يستحق به شيئا.
وإن أمره بالقران (١) فأفرد أو تمتع صح ووقع النسكان عن الآمر ويرد من النفقة بقدر ما ترك من إحرام النسك الذى تركه من الميقات.
وفى جميع ذلك إذا أمره بنسكين ففعل أحدهما دون الآخر رد من النفقة بقدر ما ترك ووقع المفعول عن الآمر وللنائب من النفقة بقدره.
ومنها الإحصار بالنسبة إذا كان المحرم مفردا أو كان غير ذلك.
ومتى كان المحصر محرما بعمرة فله (٢) التحلل ونحر هديه وقت حصره، لأن النبى ﷺ وأصحابه زمن الحديبية حلوا ونحروا هداياهم بها قبل يوم النحر.
وإن كان مفردا أو قارنا فكذلك فى إحدى الروايتين لأن الحج أحد النسكين فجاز الحل منه ونحر هديه وقت حصره كالعمرة ولأن العمرة لا تفوت وجميع الزمان وقت لها، فإذا جاز الحل منها ونحر هديها من غير خشية فواتها فالحج الذى يخشى فواته أولى.
الرواية الثانية (٣): لا يحل ولا ينحر هديه إلى يوم النحر. نص عليه فى رواية الأثرم وحنبل، لأن للهدى محل زمان ومحل مكان، فإذا عجز عن محل المكان فقط بقى محل الزمان واجب لا مكانه.
وإذا لم يجز له نحر الهدى قبل يوم النحر لم يجز التحلل لقوله «وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ»﴾.
وإذا قلنا بجواز التحلل قبل يوم النحر فالمستحب له مع ذلك الإقامة، مع إحرامه رجاء زوال الحصر فمتى زال قبل تحلله فعليه المضى لإتمام نسكه بغير خلاف نعلمه.
قال ابن المنذر قال كل من أحفظ عنه من أهل العلم: إن من يئس أن يصل إلى البيت فجاز له أن يحل فلم يفعل حتى خلى سبيله أن عليه أن يقضى مناسكه.
وإن زال الحصر بعد فوات الحج تحلل بعمل عمرة. فإن فات الحج قبل زوال الحصر تحلل بهدى. وقيل عليه هاهنا هديان: هدى للفوات
стр. 6169
وهدى للإحصار.
ولم يذكر أحمد فى رواية الأثرم هديا ثانيا فى حق من لا يتحلل إلا يوم النحر.
ومن الأحكام التى تتعلق بأعمال الحج إذا كان مفردا (١): أن يزور البيت فيطوف به سبعا وهو الطواف الواجب الذى به تمام الحج ثم يصلى ركعتين إن كان مفردا أو قارنا.
وإذا طاف للزيارة بعد الرمى والنحر والحلق حل له كل شئ حرمه الإحرام (٢).
وقد ذكرنا أنه لم يكن بقى عليه من المحظورات سوى النساء فهذا الطواف حلل له النساء.
قال عمر لم يحل النبى ﷺ من شئ حرم منه حتى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر فأفاض بالبيت ثم حل من كل شئ حرمه.
وعن عائشة مثله متفق عليه ولا نعلم خلافا فى حصول الحل بطواف الزيارة على الترتيب الذى ذكر الخرقى وأنه كان قد سعى مع طواف القدوم وإن لم يكن سعى لم يحل حتى يسعى إن قلنا إن السعى ركن. وإن قلنا هو سنة فهل يحل قبله على وجهين:
أحدهما: يحل لأنه لم يبق عليه شئ من واجباته.
والثانى: لا يحل لأنه من أفعال الحج فيأتى به فى إحرام الحج كالسعى فى العمرة. فإنما خص الخرقى المفرد والقارن بهذا لكونهما سعيا مع طواف القدوم والمتمتع لم يسع.
ومن الأحكام التى تتعلق بالمفرد (٣): إذا أفسد القارن نسكه ثم قضى مفردا لم يلزمه فى القضاء دم.
وقال الشافعى يلزمه لأنه يجب فى القضاء ما يجب فى الأداء. وهذا كله كان واجبا فى الأداء.
ولنا أن الإفراد أفضل من القران مع الدم فإذا أتى بهما فقد أتى بما هو أولى فلا يلزمه شئ كمن لزمته الصلاة بتيمم فقضى بالوضوء.
والسنة لمن أراد الإحرام: أن يغتسل ويلبس ثوبين أبيضين نظيفين ثم يحرم عقيب مكتوبة أو نافلة فينوى بقلبه قائلا بلسانه: «اللهم إنى أريد النسك الفلانى فيسره لى وتقبله منى»، ويشترط فيقول:
«وإن حبسنى حابس فمحلى حيث حبستنى»، فمتى حبس بمرض أو غيره، حل ولا شئ عليه. فإذا أحرم لبى.
وقال الخرقى: إذا ركب يقول: «لبيك اللهم لبيك … » ويلبى كلما علا نشزا أو هبط أو سمع
стр. 6170
ملبيا أو ركب راحلة أو لقى رفقة أو أتى محظورا ناسيا … إلخ.
ولا يسن تكرار التلبية فى حال واحدة ..
ولا تكره الزيادة فيها. ويسن الدعاء بعدها والجهر بها.
إلا أن المرأة لا تجهر إلا بحيث تسمع رفيقتها ويقطعها الحاج إذا أخذ فى الرمى. والمعتمر إذا شرع فى الطواف.
وقال الخرقى رحمه الله تعالى إذا وصل إلى البيت.
ويحظر على المحرم بالحج الوط ء (١)، ودواعيه، والنكاح، وقطع الشعر، وتقليم الأظافر وتغطية الرأس بملبوس وغيره ولبس المخيط، والطيب.
ويحرم عليه صيد البر المأكول وما تولد منه ومن غيره. ويحرم عليه أكل لحم الصيد إلا صيد الحلال.
فإذا أراد دخول مكة طاف سبعا ينوى به المفرد طواف القدوم. ثم يخرج إلى منى قبل الزوال من يوم التروية. ثم يسير بسكينة إلى المزدلفة ويبيت بالمزدلفة إلى أن يصلى الفجر بغلس. ثم يأتى المشعر الحرام فيرقاه ويحمد الله ويكبر ويهلل. ثم يسير إلى منى. ثم يأتى مكة وطاف الفرض. ثم يسعى إن كان لم يسع مع طواف قدومه وإلا فلا يسعى. ثم قد حل من كل شئ. ثم يرجع فيبيت بمنى ثلاث ليال. فإذا أراد أن يخرج طاف للوداع.
والمرأة كالرجل فى جميع ذلك كله إلا أنها لا ترمل ولا تضطبع ولا ترقى المشعر ولا الصفا والمروة وتقصر من شعرها قدر أنملة ولا وداع عليها مع حيض أو نفاس. ولا دم بسبب ذلك. لكن يسن أن تقف عند باب المسجد فتدعو.
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى لابن حزم الظاهرى (٢): من أراد الحج فإنه إذا جاء إلى الميقات فلا يخلو من أن يكون معه هدى أو ليس معه هدى. والهدى إما من الإبل أو البقر أو الغنم.
فإن كان لا هدى معه. وهذا هو الأفضل.
ففرض عليه أن يحرم بعمرة مفردة ولا بدلا يجوز له غير ذلك.
فإن أحرم بحج أو بقران حج وعمرة ففرض عليه أن يفسخ إهلاله ذلك بعمرة يحل إذا أتمها لا يجزئه غير ذلك ثم إذا أحل منها ابتدأ الإهلال بالحج مفردا من مكة وهذا يسمى متمتعا.
وإن كان معه هدى ساقه مع نفسه فنستحب له أن يشعر هديه إن كان من الإبل وهو أن يضربه بحديدة فى الجانب الأيمن من جسده حتى يدميه ثم
стр. 6171
يقلده وهو أن يربط نعلا فى حبل ويعلقها فى عنق الهدى. وإن جلله يجل (١) فحسن.
فإن كان الهدى من الغنم فلا أشعار فيه لكن يقلده رقعة جلد فى عنقه. فإن كان من البقر فلا إشعار فيه ولا تقليد سواء كانت له أسنمة أم لم تكن.
ثم يقول: لبيك اللهم بعمرة وحج معا لا يجزئه إلا ذلك ولا بد. وإن قال لبيك بحج وعمرة أو قال: لبيك عمرة وحجّا أو حجة وعمرة أو نوى كل ذلك فى نفسه ولم ينطق به فكل ذلك جائز وهذا يسمى القران.
ومن ساق من المعتمرين الهدى فعل فيه من الإشعار والتقليد ما ذكرنا ونحب له فى كل ما ذكرنا أن يشترط فيقول عند إهلاله: اللهم إنى محلى حيث تحبسنى فإن قال ذلك فأصابه أمر ما يعوقه عن تمام ما خرج له من حج أو عمرة أحل ولا شئ عليه لا هدى ولا قضاء إلا إن كان لم يحج قط ولا اعتمر فعليه أن يحج حجة الإسلام وعمرته.
وبرهان ما ذكرنا ما رويناه من طريق مسلم حدثنا ابن أبى عمر حدثنا سفيان بن عيينه عن الزهرى عن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت:
خرجنا مع رسول الله ﷺ فقال:
من أراد منكم أن يهل بحج أو عمرة فليفعل ومن أراد أن يهل بحج فليهل ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل.
قالت عائشة رضى الله تعالى عنها فأهل رسول الله ﷺ بحج وأهل به ناس معه وأهل ناس بالحج والعمرة وأهل ناس بعمرة وكنت فيمن أهل بالعمرة.
قال أبو محمد فهذا أول أمره ﷺ بذى الحليفة عند ابتداء إحرامهم وإرادتهم الإهلال بلا شك إذ هو نص الحديث.
وحدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا أحمد بن فتح حدثنا موسى بن نافع (٢) قال قدمت مكة متمتعا بعمرة قبل التروية بأربعة أيام فقال الناس: تصير حجتك الآن مكية فدخلت على عطاء بن أبى رباح فقال: حدثنى جابر بن عبد الله رضى الله تعالى عنه أنه حج مع رسول الله ﷺ عام ساق الهدى معه وقد أهلوا بالحج مفردا فقال رسول الله ﷺ : أحلوا من إحرامكم فطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة وقصروا وأقيموا حلالا حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج واجعلوا الذى قد قدمتم بها متعة.
وكذلك روى إسحق - هو ابن راهويه - عن حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد بن على بن الحسين عن أبيه عن جابر بن عبد الله رضى الله تعالى عنه أنه أخبره عن حجة النبى صلى الله عليه
стр. 6172
وسلم فقال: حتى إذا كان آخر طواف على المروة قال ﵊: لو أنى استقبلت من أمرى ما استدبرت لم أسق الهدى وجعلتها عمرة فمن كان منكم ليس معه هدى فليحل وليجعلها عمرة فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال يا رسول الله:
ألعامنا هذا أم للأبد فشبك رسول الله ﷺ أصابعه واحدة فى الأخرى وقال: دخلت العمرة فى الحج مرتين. لا بل لأبد آبد.
وروى أيضا عن أنس بن مالك رضى الله تعالى عنه أنه قال ﷺ ونحن معه بالمدينة:
الظهر أربعا والعصر بذى الحليفة ركعتين ثم بات بها حتى أصبح ثم ركب حتى استوت به راحلته على البيداء حمد الله وسبح وكبر ثم أهل بحج وعمرة وأهل الناس بهما فلما قدمنا أمر الناس فحلوا حتى إذا كان يوم التروية أهلوا بالحج.
وروى معمر عن الزهرى عن عروة عن عائشة رضى الله تعالى عنها أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال النبى ﷺ من كان معه هدى فليهل بالحج مع العمرة ولا يحل حتى يحل منهما جميعا.
قال ابن حزم ففى هذه الأحاديث الثابتة برهان كل ما قلنا وهى أربعة أحاديث.
ففى الحديث الأول الذى من طريق جابر رضى الله تعالى عنه أمر النبى ﷺ من أهل بحج مفرد ولا هدى معه أن يحل بعمرة ولا بد، ثم يهل بالحج يوم التروية فيصير متمتعا.
وفى الحديث الثانى (١) الذى من طريق أنس أمره ﷺ ، من أهل بحج وعمرة قارنا ولا هدى معه أن يهل بعمرة ولا بد، ثم يهل بالحج يوم التروية فيصير أيضا متمتعا.
وفى الحديث الثالث الذى من طريق جابر أمره ﷺ كل من لا هدى معه عموما بأن يحل بعمرة وان هذا هو آخر أمره على الصفا بمكة وأنه ﵊ أخبر بأن التمتع أفضل من سوق الهدى معه وتأسف إذ لم يفعل ذلك هو، وأن هذا الحكم هو باق إلى يوم القيامة وما كان هكذا فقد آمنا أن ينسخ أبدا. وفيه أن العمرة قد دخلت فى الحج.
وهذا هو قولنا، لأن الحج لا يجوز إلا بعمرة متقدمة له يكون بها متمتعا أو بعمرة مقرونة معه ولا قرن.
وفى الحديث الرابع الذى من طريق عائشة رضى الله تعالى عنها أمره ﷺ من معه هدى أن يقرن بين الحج والعمرة.
وبه يقول ابن عباس ومجاهد وعطاء وإسحق ابن راهويه رضى الله تعالى عنهم.
وساق ابن حزم الظاهرى كثيرا من الأحاديث التى تؤيد رأيه فى أن الحج إما أن يكون تمتعا وإما أن يكون قرانا.
ثم قال بعد ذلك: واحتج بعضهم (٢) فى
стр. 6173
جواز الإفراد بالحج بالخبر الثابت عن طريق أبى هريرة رضى الله تعالى عنه عن النبى ﷺ أنه قال: والذى نفسى بيده ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجّا أو معتمرا أو ليثنيهما (١).
قال أبو محمد (ابن حزم) كل مسلم فلا يشك فى أن النبى ﷺ . لم يعلم هذا إلا بوحى من الله إليه لا يمكن غير هذا أصلا. ولا شك فى أن وحى الله لا يترك بشك.
فصح أن هذا الشك من قبل أبى هريرة أو ممن دونه لا من قبل رسول الله ﷺ ثم لو صح أنه من قبله ﵇ لكان ذلك إذ كان الإفراد مباحا ثم نسخ بأمره ﷺ من لا هدى معه بالمتعة ولا بد ومن معه الهدى بالقران ولا بد
مذهب الزيدية:
تعريف الإفراد:
جاء فى الروض النضير (٢): أن الإفراد أن يحرم بالحج فى أشهر الحج ثم يأتى به ولفظ المصباح أفردت الحج عن العمرة فعلت كل واحد على حدة.
منزلة الإفراد:
قال فى الأزهار (٣): أنواع الحج الإفراد مع عمرة تضاف إليه بعد أيام التشريق، ثم القران أفضل من التمتع، ثم العكس، أى إذا لم تنضم إلى الحج عمرة بعد أيام التشريق فالأفضل عكس هذا الترتيب فيكون القران أفضل ثم الإفراد أفضل من التمتع.
وقال الهادى ﵇ فى الإحكام أن الإفراد أفضل ثم القران.
وقال أبو العباس أن القران أفضلها لمن قد حج. والإفراد أفضلها لمن لم يكن قد حج.
وعن الصادق والباقر والناصر أن التمتع أفضل ثم القران ثم الإفراد.
وقد يروى أن النبى ﷺ وآله وسلم حج قرانا وقيل إفرادا.
قال مولانا المهدى ﵇ والأظهر القران.
стр. 6174
أحكام تتعلق بالإفراد:
منها (١): إذا نوى الحج وعين ما نواه ثم التبس عليه ما قد عين أو نوى أنه محرم كإحرام فلان أى بما أحرم به فلان من حج أو عمرة أو تمتع أو قران وجهله أى لم يعلم ما أحرم له فلان بل التبس عليه صحت تلك النية ولم يفسد بعروض اللبس، لكن إذا اتفق له ذلك طاف وسعى وجوبا مثنيّا ندبا.
وإنما يندب له تثنية الطواف والسعى لجواز كونه قارنا فى الصورتين، لأنه يستحب للقارن تقديم طواف القدوم والسعى. نعم ويكون فى طوافه الأول وسعيه ناويا ما أحرم له على سبيل الجملة.
هكذا أطلق أبو العباس وأبو طالب للمذهب.
قال البعض ولعل هذه النية مستحبة فقط لأن أعمال الحج لا تفتقر إلى نية بل النية الأولى كافية وهى نية الحج جملة ولا يتحلل عقيب السعى أى لا يحلق ولا يقصر لجواز كونه قارنا أو مفردا.
ثم إذا فرغ من السعى لزمه أن يستأنف نية معينة للحج كأنه مبتدئ للإحرام بالحج ويكون ذلك الابتداء من أى مكة، وتكون تلك النية مشروطة بأن لم يكن أحرم له فيقول فى نيته: اللهم إنى محرم بالحج إن لم أكن محرما به لئلا يدخل حجة على حجة ثم يستكمل المناسك المشروعة فى الحج كالمتمتع أى يفعل بعد استئناف النية للحج كما يفعل المتمتع حين يحرم للحج من مكة فإنه يستكمل أعمال الحج مؤخرا لطواف القدوم.
ويلزمه أن ينحر بدنة لجواز أن يكون قارنا وشاة لترك السوق إن كان قارنا، أو لترك الحلق أو التقصير بين النسكين إن كان متمتعا.
ويلزمه أيضا دمان ونحوها من الصيام والصدقات يلزم ذلك لما ارتكب من محظورات إحرامه. فما فعله مما يوجب دما لزمه دمان.
وما يوجب صيام يوم يلزمه صيام يومين.
وما يوجب صدقة يلزمه صدقتان إذا ارتكب شيئا من ذلك قبل كمال السعى الأول.
فأما بعده فلا يتثنى عليه شئ من ذلك وإنما يثنى عليه ذلك قبل كمال السعى الأول لجواز كونه قارنا. ويجزيه للفرض ما التبس نوعه، أى إذا تيقن أنه نوى حجة الإسلام لكن التبس عليه هل جعله قارنا أو تمتعا أو مفردا فالتبس نوعه لا عينه فإنه يفعل فى أعمال الحج ما تقدم فيمن نسى ما أحرم له ويجزيه ذلك عن حجة الإسلام.
ومنها (٢): وإن جهل نيته فى إحرامه فلم يدر أحاج هو أم معتمر أم مفرد أم متمتع أم قارن فكناس ما أحرم له يفعل به رفيقه كما يفعله من نسى ما أحرم له على التفصيل الذى تقدم.
стр. 6175
الأحكام التى تتعلق بالإفراد:
ومن الأحكام التى تتعلق بالمفرد منها (١):
إذا أفسد المفرد إحرامه بالوط ء فى أى فرج لزمه أن ينحر بدنة ثم إذا لم يجد البدنة لزمه عدلها وهو صيام مائة يوم أو إطعام مائة لكنه يجب مرتبا.
ومنها: (٢) إذا أحصر المفرد بعث بهدى أقله شاة. وإذا بعث المحصر بالهدى إلى منى أو مكة عين لنحره وقتا معلوما للرسول ينحره فيه ليحل من إحرامه بعد ذلك الوقت. ولا بد أن يكون ذلك الوقت من أيام النحر. فلو عين غيرها قبلها لم يصح.
ولا يصح إلا فى محله وهو منى إن كان المحصر حاجّا. ومكة إن كان معتمرا فيحل بعده.
ومنها (٣): إذا عين الموصى نوعا نحو أن يقول تكون الحجة مفردة أو قرانا أو تمتعا فعند المخالفة فإنه لا يصح إلا النوع الذى عينه الميت.
وقال أبو العباس أنه يجوز المخالفة إلى الأعلى إذا كانت الأجرة واحدة أو تبرع الوصى بالزيادة.
ومنها (٤): إذا لم يعين الموصى شيئا بل أمرهم بالتحجيج وأطلق أو عين والتبس فالواجب على الوصى أن يعين للأجير الإفراد. فلو عين غيره لم يصح. كما لو عين الموصى الأفراد فخالفه الوصى.
صفة الحج المفرد وفروضه (٥):
هى الإحرام، وطواف القدوم، والسعى، والرمى، والمبيت بمنى، وطواف الزيارة، وطواف الوداع.
ثم قال فى شرح الأزهار ومناسك الحج المفروضة عشرة.
الأول الإحرام وندب قبله ستة أمور: قلم الظفر، ونتف الإبط، وحلق الشعر والعانة، ثم بعد هذه الثلاثة الغسل، أو التيمم للعذر، ثم بعد الغسل لبس جديد أو غسيل، والسادس من المندوبات (٦) توخى عقيب صلاة فرض أى يتوخى أن يكون عقد إحرامه عقب صلاة فرض.
ثم بعد أن عقد الإحرام يندب له أمران:
أحدهما: ملازمة الذكر.
والأمر الثانى: مما يندب بعد عقد الإحرام الغسل لدخول الحرم.
وأما مكان الإحرام الذى شرع عقده فيه فهو الميقات. وإنما ينعقد الإحرام بالنية وهى إرادة الإحرام بالقلب إلا أنه يستحب التلفظ بالنية عندنا وتكون مقارنة لتلبية ينطق بها حال النية.
стр. 6176
ثم قال ومحظوراته (١) أربعة أنواع.
النوع الأول: الرفث والفسوق والجدال بالباطل والتزين بالكحل ونحوه من الأدهان التى فيها زينة، ولبس ثياب الزينة وعقد النكاح وهو أن يتزوج المحرم أو يزوج غيره.
والنوع الثانى: الوط ء ومقدماته من تقبيل لشهوة فذلك محظور إجماعا.
النوع الثالث (٢): منها سبعة أشياء.
الأول: لبس الرجل المخيط.
والثانى: منها تغطية رأسه أى رأس الرجل لأن إحرامه فى رأسه عندنا وتغطية وجه المرأة لأن إحرامها فى وجهها فتغطيتهما بأى مباشر لهما محظور.
والثالث: التماس الطيب فلا يجوز شمه.
والرابع: أكل صيد البر فقط سواء اصطاده هو «أم محرم غيره أم حلال له أم لغيره فأكله محظور عندنا».
الخامس: خضب كل الأصابع من اليدين والرجلين. أو تقصيرها أى أو تقصير كل أظافر أصابع اليدين والرجلين وهذا هو السادس. أو خضاب أو تقصير فى خمس منها. فمتى خضب أو قصر خمس أصابع ولو كانت متفرقة فى اليدين والرجلين لزمه الفدية.
السابع: قوله وتجب الفدية أيضا فى إزالة سن أو شعر.
النوع الرابع: من المحظورات قتل بعض الحيوان وهو نوعان:
أحدهما: يستوى فيه العمد والخطأ.
والثانى: يختلف الحال فيه.
فالأول هو: قتل القمل فإنه لا يجوز للمحرم وتجب الكفارة مطلقا سواء قتله عمدا أو خطأ.
والنوع الذى اختلف الحال فيه العمد والخطأ هو قتل كل حيوان جنسه متوحش سواء كان صيدا أم سبعا.
الثانى من المناسك (٣): طواف القدوم فإنه واجب على ما حصله الأخوان وأبو العباس. فإذا قدم مكة وأراد تقديم طواف القدوم دخل المسجد مغتسلا نديا. ويجب أن يكون حال الطواف على طهارة كطهارة المصلى.
النسك الثالث: السعى فهو واجب وهو أن يبتدئ من الصفا إلى المروة (٤).
النسك الرابع: الوقوف بعرفة ولا خلاف فى وجوبه وعرفة كلها موقف (٥).
والنسك الخامس: المبيت بمزدلفة ليلة النحر فإنه واجب إجماعا وحدها من مأزمى عرفة إلى
стр. 6177
مأزمى منى وادى محسر (١).
والنسك السادس: المرور بالمشعر الحرام فإنه فرض واجب عندنا (٢).
والنسك السابع: رمى جمرة العقبة بسبع حصيات (٣).
والنسك الثامن: المبيت بمنى ليلة ثانى النحر وثالثه وهما ليلتا حادى عشر وليلة ثانى عشر من شهر ذى الحجة فهاتان الليلتان يجب أن يبيت فيهما بمنى مطلقا وسميت منى بهذا الاسم لما يمنى فيها من دم المناسك أى يراق (٤).
والنسك التاسع: طواف الزيارة ولا خلاف فى وجوبه وأنه لا يجبره دم وصفته أن يطوف كما مر فى طواف القدوم إلا أن طواف الزيارة يكون بلا رمل اجماعا لأنه لا سعى بعده ووقت أدائه من فجر يوم النحر إلى آخر أيام التشريق
والنسك العاشر: طواف الوداع فهو واجب عندنا وصفته أن يطوف كما مر فى طواف القدوم إلا أن هذا بلا رمل لأنه لا سعى بعده (٥).
مذهب الإمامية:
جاء فى متمسك العروة الوثقى (٦) فى مصحح معاوية بن عمار قال: سمعت أبا عبد الله ﵇ يقول: الحج ثلاثة أصناف: حج مفرد، وقران وتمتع بالعمرة إلى الحج وبها أمر رسول الله ﵌ ولا نأمر الناس إلا بها.
وخبر منصور الصيقل قال أبو عبد الله ﵇: الحج عندنا على ثلاثة أوجه:
حاج متمتع.
وحاج مفرد سائق للهدى.
وحاج مفرد للحج ونحوهما غيرهما.
والذى يظهر من النصوص أن المشروع فى صدر الإسلام القران والإفراد. وأن التمتع شرع فى حجة الوداع.
ففى صحيح الحلبى عن أبى عبد الله ﵇ قال: إن رسول الله ﵌ حين حج حجة الإسلام خرج فى أربع بقين من ذى القعدة حتى أتى الشجرة فصلى بها ثم قاد راحلته حتى أتى البيداء فأحرم منها، وأهل بالحج وساق مائة بدنة وأحرم الناس كلهم بالحج، لا ينوون عمرة، ولا يدرون ما المتعة، حتى إذا قدم رسول الله ﵌ مكة إلى أن قال: فلما قضى طوافه عند المروة قام خطيبا، فأمرهم أن يحلوا ويجعلوها عمرة وهو شئ أمر الله به إلى أن قال وأن رجلا قام فقال يا رسول الله نخرج حجاجا ورءوسنا تقطر؟ فقال رسول الله ﵌: إنك لن تؤمن بهذا أبدا.
стр. 6178
وجاء فى العروة الوثقى (١): أن أقسام الحج ثلاثة بالإجماع والأخبار: تمتع وقران وإفراد.
والأول: فرض من كان بعيدا عن مكة.
والآخران: فرض من كان حاضرا أى غير بعيد. وحد البعد الموجب للأول ثمانية وأربعون ميلا من كل جانب على المشهور الأقوى.
لصحيحه زرارة عن أبى جعفر ﵇ قلت له؟ قول الله فى كتابه: «ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ» (٢) فقال ﵇ يعنى أهل مكة ليس عليهم متعة. وكل من كان أهله دون ثمانية وأربعين ميلا ذات عرق وعسفان كما يدور حول مكة فهو ممن دخل فى هذه الآية الكريمة. وكل من كان أهله وراء ذلك فعليه المتعة.
وخبره عنه ﵇ سألته فى قول الله : «ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ»﴾.
قال: لأهل مكة ليس لهم متعة ولا عليهم عمرة. فقلت فما حدّ ذلك. قال ثمانية وأربعون ميلا من جميع نواحى مكة دون عسفان وذات عرق. ويستفاد أيضا من جملة من أخبار أخر.
والقول بأن حده اثنى عشر ميلا من كل جانب كما عليه جماعة ضعيف لا دليل عليه إلا الأصل.
فإن مقتضى جملة من الأخبار وجوب التمتع على كل أحد.
والقدر المتيقن الخارج منها من كان دون الحد المذكور، وهو مقطوع بما مر أو دعوى أن الحاضر مقابل للمسافر، أو السفر أربعة فراسخ، وهو كما ترى، أو دعوى أن الحاضر المعلق عليه وجوب غير التمتع أمر عرفى والعرف لا يساعد على أزيد من اثنى عشر ميلا، وهذا أيضا كما ترى كما أن دعوى أن المراد من ثمانية وأربعين على التوزيع على الجهات الأربع فيكون من كل جهة اثنى عشر ميلا منافية لظاهر تلك الأخبار.
وأما صحيحة حريز الدالة على أن حد البعد ثمانية عشر ميلا فلا عامل بها. كما لا عامل بصحيحتى حماد بن عثمان والحلبى الدالتين على أن الحاضر من كان دون المواقيت إلى مكة. وهل يعتبر الحد المذكور من مكة أو من المسجد؟ وجهان أقربهما الأول.
ومن كان على نفس الحد فالظاهر أن وظيفته التمتع لتعلق حكم الإفراد والقران على ما دون الحد.
ولو شك فى كون منزله فى الحد أو خارجه وجب عليه الفحص مع عدم تمكنه يراعى الاحتياط. وإن كان لا يبعد القول بأنه يجرى عليه حكم الخارج فيجب عليه التمتع لأن غيره معلق على عنوان الحاضر وهو مشكوك. فيكون كما لو شك فى أن المسافة ثمانية فراسخ أولا فإنه يصلى تماما لأن القصر معلق على السفر وهو مشكوك. ثم ما ذكر إنما
стр. 6179
هو بالنسبة إلى حجة الإسلام حيث لا يجزى للبعيد إلا التمتع ولا للحاضر إلا الإفراد أو القران.
وأما بالنسبة إلى الحج الندبى فيجوز لكل من البعيد والحاضر كل من الأقسام الثلاثة بلا أشكال.
وإن كان الأفضل اختيار التمتع. وكذا بالنسبة إلى الواجب غير حجة الإسلام كالحج النذرى وغيره.
ومن كان له وطنان أحدهما فى الحد والآخر فى خارجه لزمه فرض أغلبهما (١). لصحيحة زرارة عن أبى جعفر ﵇ من أقام بمكة سنتين فهو من أهل مكة ولا متعة له. فقلت لأبى جعفر ﵇: أرأيت إن كان له أهل بالعراق وأهل بمكة. فقال ﵇ فلينظر أيهما الغالب.
فإن تساويا فإن كان مستطيعا من كل منهما خير بين الوظيفتين. وإن كان الأفضل اختيار التمتع.
وإن كان مستطيعا من أحدهما دون الآخر لزمه فرض وطن الاستطاعة.
ومن كان (٢) من أهل مكة وخرج إلى بعض الأمصار ثم رجع إليها فالمشهور جواز حج التمتع له وكونه مخيرا بين الوظيفتين. واستدلوا بصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبى عبد الله ﵇ عن رجل من أهل مكة يخرج إلى بعض الأمصار ثم يرجع إلى مكة فيمر ببعض المواقيت أله أن يتمتع؟
قال ﵇: ما أزعم أن ذلك ليس له لو فعل، وكان الإهلال أحب إلى. ونحوها صحيحة أخرى عنه عن عبد الرحمن ابن أعين عن أبى الحسن ﵇.
وعن ابن أبى عقيل عدم جواز ذلك وأنه يتعين عليه فرض المكى إذا كان الحج واجبا عليه وتبعه جماعة. لما دل من الأخبار على أنه لا متعة لأهل مكة. وحملوا الخبرين على الحج الندبى بقرينة ذيل الخبر الثانى.
ولا يبعد قوة هذا القول مع أنه أحوط لأن الأمر دائر بين التخيير والتعيين.
ومقتضى الاشتغال هو الثانى خصوصا إذا كان مستطيعا حال كونه فى مكة فخرج قبل الإتيان بالحج. بل يمكن أن يقال أن محل كلامهم صورة حصول الاستطاعة بعد الخروج عنها.
وأما إذا كان مستطيعا فيها قبل خروجه منها فيتعين عليه فرض أهلها.
والأفاقى (٣) إذا صار مقيما فى مكة فإن كان ذلك بعد استطاعته ووجوب التمتع عليه فلا إشكال فى بقاء حكمه سواء كانت إقامته لقصد التوطن أو المجاورة ولو بأزيد من سنتين.
وأما إذا لم يكن مستطيعا ثم استطاع بعد إقامته فى مكة فلا أشكال فى انقلاب فرضه إلى فرض
стр. 6180
المكى فى الجملة كما لا إشكال فى عدم الانقلاب بمجرد الإقامة.
وإنما الكلام فى الحد الذى به يتحقق الانقلاب. فالأقوى ما هو المشهور من أنه بعد الدخول فى السنة الثالثة. لصحيحة زرارة عن أبى جعفر ﵇ من أقام بمكة سنتين فهو من أهل مكة ولا متعة له .. إلخ.
وصحيحة عمر بن يزيد عن الصادق ﵇ المجاور بمكة يتمتع بالعمرة إلى الحج سنتين فإذا جاوز سنتين كان قاطنا وليس له أن يتمتع.
وقيل بأنه بعد الدخول فى الثانية لجملة من الأخبار وهو ضعيف لضعفها بأعراض المشهور عنها مع أن القول الأول موافق للأصل.
وأما القول بأنه بعد تمام ثلاث سنين فلا دليل عليه إلا الأصل المقطوع بما ذكر مع أن القول به غير محقق لاحتمال إرجاعه إلى القول المشهور بإرادة الدخول فى السنة الثالثة.
وأما الأخبار الدالة على أنه بعد ستة أشهر أو بعد خمسة أشهر فلا عامل بها مع احتمال صدورها تقية وإمكان حملها على محامل أخر.
والظاهر من الضميمتين اختصاص الحكم بما إذا كانت الإقامة بقصد المجاورة فلو كانت بقصد التوطن فينقلب بعد قصده من الأول فما يظهر من بعضهم من كونها أعم لا وجه له الغريب ما عن آخر من الاختصاص بما إذا كانت بقصد التوطن.
ثم الظاهر أن فى صورة الانقلاب يلحقه حكم المكى بالنسبة إلى الاستطاعة أيضا فيكفى فى وجوب الحج الاستطاعة من مكة.
ولا يشترط فيه حصول الاستطاعة من بلده فلا وجه لما يظهر من صاحب الجواهر من اعتبار استطاعة النائى فى وجوبه لعموم أدلتها وان الانقلاب إنما أوجب تغيير نوع الحج.
وأما الشرط فعلى ما عليه فيعتبر بالنسبة إلى التمتع هذا. ولو حصلت الاستطاعة بعد الإقامة فى مكة لكن قبل مضى السنتين فالظاهر أنه كما لو حصلت فى بلده فيجب عليه التمتع ولو بقيت إلى السنة الثالثة أو أزيد. فالمدار على حصولها بعد الانقلاب.
وأما المكى إذا خرج إلى سائر الأمصار مقيما بها فلا يلحقه حكمها فى تعين التمتع عليه لعدم الدليل وبطلان القياس إلا إذا كانت الإقامة فيها بقصد التوطن وحصلت الاستطاعة بعده فإنه يتعين عليه التمتع مقتضى القاعدة ولو فى السنة الأولى.
وأما إذا كانت بقصد المجاورة أو كانت الاستطاعة حاصلة فى مكة فلا تعم الظاهر دخوله فى المسألة السابقة. فعلى القول بالتخيير فيها كما عن المشهور يتخير. وعلى قول ابن أبى عقيل يتعين عليه وظيفة المكى.
والمقيم فى مكة (١) إذا وجب عليه التمتع كما إذا كانت استطاعته فى بلده أو استطاع فى مكة قبل انقلاب فرضه فالواجب عليه الخروج إلى الميقات
стр. 6181
لإحرام عمرة التمتع. واختلفوا فى تعيين ميقاته على أقوال:
أحدها: أنه مهل أرضه ذهب إليه جماعة بل ربما يسند إلى المشهور كما فى الحدائق. لخبر سماعه عن أبى الحسن ﵇ سألته عن المجاور أله أن يتمتع بالعمرة إلى الحج؟
قال ﵇ نعم يخرج إلى مهل أرضه فليلب إن شاء المعتضد بجملة من الأخبار الواردة فى الجاهل والناسى الدالة على ذلك بدعوى عدم خصوصية للجهل والنسيان وأن ذلك لكونه مقتضى حكم التمتع.
وبالأخبار الواردة فى توقيت المواقيت وتخصيص كل قطر بواحد منها أو من مر عليها بعد دعوى أن الرجوع إلى الميقات غير المرور عليه.
ثانيها: أنه أحد المواقيت المخصوصة مخيرا بينها.
وإليه ذهب جماعة أخرى لجملة أخرى من الأخبار مؤيدة بأخبار المواقيت بدعوى عدم استفادة خصوصية كل بقطر معين.
ثالثها: أنه أدنى الحل نقل عن الحلبى وتبعه بعض متأخرى المتأخرين لجملة ثالثة من الأخبار.
والأحوط الأول. وإن كان الأقوى الثانى لعدم فهم الخصوصية من خبر سماعه وأخبار الجاهل والناسى وأن ذكر المهل من باب أحد الإفراد ومنع خصوصية للمرور فى الأخبار العامة الدالة على المواقيت وأما أخبار القول الثالث فمع ندرة العامل بها مقيدة بأخبار المواقيت أو محمولة على صورة التعذر.
ثم الظاهر أن ما ذكرنا حكم كل من كان فى مكة وأراد الإتيان بالتمتع ولو مستحبّا هذا كله مع إمكان الرجوع إلى المواقيت.
وأما إذا تعذر فيكفى الرجوع إلى أدنى الحل.
بل الأحوط الرجوع إلى ما يتمكن من خارج الحرم وما هو دون الميقات وإن لم يتمكن من الخروج إلى أدنى الحل أحرم من موضعه والأحوط الخروج إلى ما يتمكن.
وجاء فى مستمسك العروة الوثقى: وفى كشف اللثام بعد حكاية ذلك قال: والأمر كذلك فقد سمعت خبرى الحلبى وحماد عن الصادق ﵇ قال ﵇ فى خبر عبد الله بن سنان «المجاور بمكة سنة يعمل عمل أهل مكة.
قال الراوى: «يعنى يفرد الحج مع أهل مكة وما كان دون السنة له أن يتمتع».
وقال الباقر ﵇ فى مرسل جرير: من دخل مكة بحجة عن غيره ثم أقام سنة فهو مكى.
ثم جاء فى موضع آخر (١): أن المحرم لو نوى التمتع ندبا وضاق وقته عن إتمام العمرة وإدراك الحج جاز له العدول إلى الإفراد.
وفى وجوب العمرة بعده إشكال والأقوى عدم وجوبها. ولو علم من وظيفته التمتع ضيق الوقت عن إتمام العمرة وإدراك الحج قبل أن يدخل فى العمرة هل يجوز له العدول من الأول إلى الإفراد؟
стр. 6182
فيه أشكال، وإن كان غير بعيد.
ولو دخل فى العمرة بنية التمتع فى سعة الوقت وأخر الطواف والسعى متعمدا إلى ضيق الوقت ففى جواز العدول وكفايته إشكال
والأحوط العدول وعدم الاكتفاء إذا كان الحج واجبا عليه. واختلفوا فى الحائض والنفساء إذا ضاق وقتهما عن الطهر وإتمام العمرة وإدراك الحج على أقوال:
أحدها: أن عليهما العدول إلى الإفراد والاتمام ثم الإتيان بعمرة بعد الحج لجملة من الأخبار.
الثانى ما عن جماعة من أن عليهما ترك الطواف والإتيان بالسعى، ثم الإحلال وإدراك الحج، وقضاء طواف بعده، فيكون عليهما الطواف ثلاث مرات، مرة لقضاء طواف العمرة، ومرة للحج، ومرة للنساء. ويدل على ما ذكره أيضا جملة من الأخبار.
والثالث: ما عن الإسكافى وبعض متأخرى المتأخرين من التخيير بين الأمرين للجمع بين الطائفتين بذلك.
الرابع: التفصيل بين ما إذا كانت حائضا قبل الإحرام فتعدل أو كانت طاهرا حال الشروع فيه ثم طرأ الحيض فى الأثناء فتترك الطواف وتتم العمرة وتقضى بعد الحج. اختاره بعض، بدعوى أنه مقتضى الجمع بين الطائفتين بشهادة خبر أبى بصير سمعت أبا عبد الله ﵇ يقول فى المرأة المتمعة إذا أحرمت وهى طاهر ثم حاضت قبل أن تقضى متعتها سعت ولم تطف حتى تطهر ثم تقضى طوافها وقد قضت عمرتها. وإن أحرمت وهى حائض لم تسع ولم تطف حتى تطهر.
وفى الرضوى ﵇ إذا حاضت المرأة من قبل أن تحرم إلى قوله ﵇: وإن طهرت بعد الزوال يوم التروية فقد بطلت متعتها فتجعلها حجة مفردة. وإن حاضت بعد ما أحرمت سعت بين الصفا والمروة وفرغت من المناسك كلها إلا الطواف بالبيت فإذا طهرت قضت الطواف بالبيت وهى متمتعة بالعمرة إلى الحج - وعليها طواف الحج وطواف العمرة وطواف النساء.
وقيل فى توجيه الفرق بين الصورتين أن فى الصورة الأولى لم تدرك شيئا من أفعال العمرة طاهرا فعليها العدول إلى الإفراد. بخلاف الصورة الثانية فإنها أدركت بعض أفعالها طاهرا فتبنى عليها وتقضى الطواف بعد الحج.
نعم لو فرض كونها حائضا حال الإحرام وعالمة بأنها لا تطهر لإدراك الحج يمكن أن يقال: يتعين عليها العدول إلى الإفراد من الأول لعدم فائدة فى الدخول فى العمرة ثم العدول إلى الحج.
وإذا حدث (١) الحيض وهى فى أثناء طواف العمرة أى عمرة التمتع فإن كان قبل تمام أربعة أشواط بطل طوافه على الأقوى وحينئذ فإن كان الوقت موسعا أتمت عمرتها بعد الطهر وإلا فلتعدل إلى حج الإفراد وتأتى بعمرة مفردة بعده.
وإن كان بعد تمام أربعة أشواط فتقطع الطواف
стр. 6183
وبعد الطهر تأتى بالثلاثة الأخرى وتسعى وتقصر مع سعة الوقت ومع ضيقه تأتى بالسعى وتقصر ثم تحرم للحج وتأتى بأفعاله ثم تقضى بقية طوافها قبل طواف الحج أو بعده ثم تأتى ببقية أعمال الحج وحجها صحيح تمتعا. وكذا الحال إذا حدث الحيض بعد الطواف وقبل صلاته.
ثم قال (١): وميقات حج القران والافراد أحد تلك المواقيت مطلقا أيضا إلا إذا كان منزله دون الميقات أو مكة فميقاته منزله، ويجوز من أحد تلك المواقيت أيضا بل هو الأفضل وميقات عمرتها أدنى الحل إذا كان فى مكة ويجوز من أحد المواقيت أيضا وإذا لم يكن فى مكة فيتعين أحدها.
وكذا الحكم فى العمرة المفردة مستحبة كانت أو واجبة. وإن نذر الإحرام من ميقات معين تعين.
والمجاور بمكة بعد السنتين حاله حال أهلها وقبل ذلك حاله حال النائى فإذا أراد حج الإفراد أو القران يكون ميقاته أحد الخمسة أو محاذاتها.
وإذا أراد العمرة المفردة جاز إحرامها من أدنى الحل. ولو كان (٢) قاصدا من الميقات للعمرة المفردة وترك الإحرام لها متعمدا يجوز له أن يحرم من أدنى الحل. وإن كان متمكنا من العود إلى الميقات فأدنى الحل له مثل كون الميقات أمامه. وإن كان الأحوط مع ذلك العود إلى الميقات ولو لم يتمكن ولا الإحرام من أدنى الحل بطلت عمرته.
ثم قال (٣) لا ينعقد إحرام حج التمتع وإحرام عمرته ولا إحرام حج الإفراد ولا إحرام العمرة المفردة إلا بالتلبية وأما فى حج القران فيتخير بين التلبية وبين الإشعار أو التقليد.
ويعتبر (٤) فى النية تعيين كون الإحرام لحج أو عمرة وأن الحج تمتع أو قران أو إفراد، وأن الحج لنفسه أو نيابة عن غيره وأنه حجة الإسلام أو الحج النذرى أو الندبى فلو نوى الإحرام من غير تعيين وأوكله إلى ما بعد ذلك بطل فما عن بعضهم من صحته وأن له صرفه إلى أيهما شاء من حج أو عمرة لا وجه له.
إذ الظاهر أنه جزء من النسك فيجب نيته كما فى أجزاء سائر العبادات وليس مثل الوضوء والغسل بالنسبة إلى الصلاة، نعم الأقوى كفاية التعيين الإجمالى حتى بأن ينوى الإحرام لما سيعينه من حج أو عمرة فإنه نوع تعيين وفرق بينه وبين ما لو نوى مرددا مع إبطال التعيين إلى ما بعد.
ولا يعتبر فيها (٥) نية الوجه من وجوب أو ندب إلا إذا توقف التعيين عليها وكذا لا يعتبر فيها التلفظ بل ولا الإخطار بالبال فيكفى الداعى.
стр. 6184
ثم قال (١): ويشترط فى حج التمتع أمور:
أحدها: النية بمعنى قصد الإتيان بهذا النوع من الحج حين الشروع فى إحرام العمرة. فلو لم ينوه أو نوى غيره أو تردد فى نيته بينه وبين غيره لم يصح. نعم فى جملة من الأخبار أنه لو أتى بعمرة مفردة فى أشهر الحج جاز أن يتمتع بها بل يستحب ذلك إذا بقى فى مكة إلى هلال ذى الحجة ويتأكد إذا بقى إلى يوم التروية. بل عن القاضى وجوبه حينئذ.
ولكن الظاهر تحقق الإجماع على خلافه. ففى موثق سماعة عن الصادق ﵇ من حج معتمرا فى شوال ومن نيته أن يعتمر ورجع إلى بلاده فلا بأس بذلك.
وإن هو أقام إلى الحج فهو متمع لأن أشهر (٢) الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة فمن اعتمر فيهن فأقام إلى الحج فهى متعة.
ومن رجع إلى بلاده ولم يقم إلى الحج فهى عمرة، وإن اعتمر فى شهر رمضان أو قبله فأقام إلى الحج فليس بتمتع وإنما هو مجاور أفرد العمرة، فإن هو أحب أن يتمتع فى أشهر الحج بالعمرة إلى الحج فليخرج منها حتى يجاوز ذات عرق أو يتجاوز عسفان فيدخل متمتعا بعمرته إلى الحج.
فإن هو أحب أن يفرد الحج فليخرج إلى الجعرانة فيلبى منها.
وفى صحيحة عمر بن يزيد عن أبى عبد الله ﵇ من اعتمر عمرة مفردة فله أن يخرج إلى أهله إلا أن يدركه خروج الناس يوم التروية وفى قوية عنه ﵇ من دخل مكة معتمرا مفردا للحج فيقضى عمرته كان له ذلك وإن أقام إلى أن يدركه الحج كانت عمرته متعة قال ﵇ وليس تكون متعة إلا فى أشهر الحج وفى صحيحة عنه ﵇ من دخل مكة بعمرة فأقام إلى هلال ذى الحجة فليس له أن يخرج حتى يحج مع الناس.
وفى مرسل موسى بن القاسم من اعتمر فى أشهر الحج فليتمتع إلى غير ذلك من الأخبار وقد عمل بها جماعة بل فى الجواهر لا أجد فيه خلافا ومقتضاها صحة التمتع مع عدم قصده حين إتيان العمرة.
بل الظاهر من بعضها أنه يصير تمتعا قهرا من غير حاجة إلى نية التمتع بها بعدها.
بل يمكن أن يستفاد منها أن التمتع هو الحج عقيب عمرة وقعت فى أشهر الحج بأى نحو أتى بها ولا بأس بالعمل بها لكن القدر المتيقن منها هو الحج الندبى (٣) ففيما إذا وجب عليه التمتع فأتى بعمرة مفردة ثم أراد أن يجعلها عمرة التمتع يشكل الاجتزاء بذلك عما وجب عليه سواء كان حجة الاسلام أو
стр. 6185
غيرها مما وجب بالنذر أو الاستئجار.
وإذا أتى بالعمرة قبل أشهر الحج قاصدا بها التمتع فقد عرفت عدم صحتها تمتعا.
لكن هل تصح مفردة أو تبطل من الأصل؟ قولان:
اختار الثانى فى المدارك لأن ما نواه لم يقع والمفردة لم ينوها.
وبعض أختار الأول لخبر الأحول عن أبى عبد الله ﵇ فى رجل فرض الحج غير أشهر الحج قال يجعلها عمرة.
وقد يستشعر ذلك من خبر سعيد الأعرج قال أبو عبد الله ﵇: من تمتع فى أشهر الحج ثم أقام بمكة حتى يحضر الحج من قابل فعليه شاة.
وإن تمتع فى غير أشهر الحج ثم جاور حتى يحضر الحج فليس عليه دم إنما هى حجة مفردة.
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل: أن المحرم (١): إما مفرد بكسر الراء بحج الباء زائدة فى المفعول أو ضمن مفرد معنى محرم فلا تكون زائدة وهو أنواع:
محرم بحج وحده وأتمه فقط.
ومحرم بحج وحده وأتمه ثم أحرم بعمرة.
ومحرم بحج فى أشهره وقد أحرم بعمرة قبل أشهره وأتمها.
ومحرم بحج فى أشهره ثم فسخه إلى عمرة فهذا كان مفردا ثم صار متمتعا.
والمفرد لا يطوف بالبيت ولا يسعى وكذا القارن إلا بعد عرفة إلا طواف العمرة وسعيها فجائز قبلها ويدخل المسجد ويقرأ القرآن ويذكر الله تعالى ويصلى. وإن طافا فسدا إحرامهما.
وقيل: أخطئا وصح إحرامهما. وفى لزوم الدم قولان.
وقيل: لا دم إن لم يحلقا. أو متمتع بعمرة فى أشهر الحج أو قارن بهما أو محرم بعمرة قبل أشهر الحج والأولى إسقاط متمتع ليشمل أنواع إفراد العمرة كلها ما يكون به متمتعا وما يكون به غير متمتع. والتمتع نوعان:
أحدهما: أن يهل بعمرة فى أشهر الحج من الميقات حتى يصل البيت ويطوف ويسعى، ثم يحلق رأسه كله أو بعضه ويحل بمكة.
والثانى: أن يفرد بحج ثم يحوله لعمرة، وشرطه أن يكون غير مقلد للهدى. وإن كان معه هدى وجب عليه إتمام حجه ولم يجز له فسخه.
لحديث عائشة رضى الله تعالى عنها: خرجنا مع رسول الله ﷺ لخمس ليال بقين من ذى القعدة ولا نرى إلا أنه الحج أى إلا أن الذى أحرمنا به الحج فلما دنونا من مكة أمر رسول الله ﷺ من لم يكن معه هدى إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة أن يحل.
ولحديث جابر بن عبد الله قدمنا مع رسول الله ﷺ ونحن محرمون بالحج فطفنا
стр. 6186
بالبيت وسعينا بين الصفا والمروة فأمرنا النبى ﷺ من لم يكن معه هدى (١) أن يحلق قلنا يا نبى الله أمرتنا بالإحلال وأنت محرم فقال أحلوا فإنى لو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما قلدت الهدى ولا حللت .. إلخ.
فنراه أمر من لم يكن معه هدى فإن من بدل من الضمير فى أمرنا النبى ﷺ أو ضمن أمرنا معنى قال لنا فيكون من مفعولا.
وفى قوله أيضا لو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما قلدت الهدى ولأحللت، إشارة إلى أن الهدى مانع من الإحلال كأنه قال ما قلدت الهدى، ليكون الإحلال جائزا إلى فأحل.
ومعنى لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لو كان الباقى من عمرى هو ما مضى منه لتركت التقليد وأحللت لما ظهر لى أن هذا الآن خير فيلزمه هدى ويكون متمتعا.
فإذا طاف وسعى أحل إلى أن يخرج لمنى إلى أن يريد الخروج لمنى فيهل بحج أى يرفع صوته بالتلبية له محرما به من بطحاء مكة ما بين جبليها أبى قبيس والأحمر إلى مفترق الطريقين طريق أهل مكة إلى عرفة وطريق العراق ويطلق البطحاء على المسيل الواسع الذى فيه دقاق الحصى.
والتمتع بنوعيه (٢) أسهل وأرفق وأفضل عندنا من الإفراد. والإفراد أفضل من القران.
ولا نحب أن يفرد ولا أن يقرن إلا من اعتمر رمضان أو رجب، فإنه إن أفرد بعد ذلك فى أشهر الحج كان حسنا. ولا نحب له أن يفرد إلا فى أيام العشر، وننهاه عن الإفراد إن جاء قبل ذلك.
ونكره أن يقيم زمانا بمكة لا يطوف بالبيت إلا لمعتمر فى رجب أو رمضان فيقيم فى أيام العشر فحسن له الإفراد كما مر. وهذا أى لزوم الهدى لغير مكة ومقيم بها.
وأما هما فلا متعة عليهما أى لا هدى. لقول الله ﵎ «لِمَنْ ٣ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ»﴾.
وجوز لمكى (٤) كغيره التمتع والجمع والإفراد بلا لزوم هدى للمكى إن تمتع أو جمع.
وصفة المفرد (٥) وهو الإهلال أى ذو الإهلال أو معناه المهل مصدر بمعنى اسم الفاعل أو الضمير للإفراد الذى دل عليه المفرد يكسر الراء أو عائد إلى المفرد بفتح الراء بمعنى الإفراد فيكون مصدرا ميميّا بحج فقط أن يلتزم إحرامه حتى يرمى جمرة العقبة يوم النحر.
وإذا قدم مكة ملبيا بالحج فلا يطف بالبيت وليقم بالمسجد إن شاء على إحرامه وليستلم، «يمس» البيت «الحجر وغيره بلا طواف»
стр. 6187
ولا يطف به. وإن طاف وسعى لزمه هدى، لأن ذلك تمتع لا إن طاف فقط ويفسخ حجه عمرة وأجزأته فيجدد الإحرام بالحج
وقيل لا يلزمه دم إلا أن طاف وسعى وحلق سواء فعل ذلك بنية الحج أو العمرة إفساخا له قيل لا ينفسخ إحرامه بالحج إن لم يحلق ولكنه يكون إدخالا للعمرة فى الحج.
وقال ابن عباس لزمه دم ولو طاف ولم يسع ويلبى بحج كلما صلى ركعتين ركعهما للطواف فيجوز له تعمد ذلك يطوف ويركع ركعتين يلبى بعدهما ثم يطوف ويركع ويلبى وهكذا. وإن لم يصل الركعتين أحرم بعد فرض أو نفل أو احرم بلا صلاة.
ومن كلام ابن عباس ما طاف بالبيت طائف إلا وأحل بعمرة يعنى ما طاف طائف قارن أو مفرد إلا أن كان طوافه إحلالا بعمرة سواء نوى بالإحلال لها أم لا فيلزمه، وسمع رجلا ملبيا حول البيت يطوف وهو مفرد بالحج أو قارن ويلبى على أنه فى زعمه باق على احرامه فقال له: أيا هذا الناقض لحجه؟ فقيل له فعل كثير من الناس، قال: فمن فعل فليحدث كلما صلى ركعتين تلبية بالحج يعنى بالركعتين ركعتى الطواف وترك الطواف له أفضل.
وإذا حل وزار البيت أحرم لعمرته من التنعيم، ومن بلغ الميقات ولبس ثوبى (١) الإحرام وركع ولبى ولم تكن له نية حج ولا عمرة ولم يسم شيئا جاهل لذلك ونوى أن إحرامه كأحرام المسلمين فهو محرم بعمرة وإن لم ينو ذلك وهو فى أشهر الحج فهو محرم بالحج أو فى غيرها فبالعمرة قاله محبوب بن الرحيل رحمه الله تعالى.
ومن نوى حجا فقال بلسانه بعمرة أو عكس فعلى نيته.
ومن أحرم بأحدهما ونسى كان قارنا وإن شك هل أفرد أو قرن فليكن على القران.
ما يفعله المفرد وما يتعلق به من أحكام
جاء فى النيل (٢): وصفة المفرد وهو الإهلال بحج فقط أن يلتزم إحرامه حتى يرمى جمرة العقبة يوم النحر.
وإذا قدم مكة ملبيا بالحج فلا يطف بالبيت وليقم بالمسجد إن شاء على إحرامه، وليستلم يمس البيت الحجر وغيره بلا طواف، ولا يطف به.
وإن طاف وسعى لزمه هدى، لأن ذلك تمتع لا إن طاف فقط ويفسخ حجه عمرة وأجزته فيجدد الإحرام بالحج.
وقيل لا يلزم دم إلا إن طاف وسعى وحلق، سواء فعل ذلك بنية الحج أو العمرة إفساخا له.
قيل لا ينفسخ احرامه بالحج إن لم يحلق، ولكنه يكون إدخالا للعمرة فى الحج.
وقال ابن عباس رحمه الله تعالى لزمه دم ولو
стр. 6188
طاف ولم يسع ويلبى بحج كلما صلى ركعتين ركعهما للطواف فيجوز له تعمد ذلك يطوف ويركع ركعتين يلبى بعدهما ثم يطوف ويركع ويلبى وهكذا. وإن لم يصل الركعتين أحرم بعد فرض أو نفل أو أحرم بلا صلاة.
ومن كلام ابن عباس رحمه الله تعالى ما طاف بالبيت طائف إلا وأحل بعمرة يعنى ما طاف طائف قارن أو مفرد إلا إن كان طوافه إحلالا بعمرة، سواء نوى بالإحلال لها أم لا فليزمه.
وسمع رجلا حول البيت يطوف وهو مفرد بالحج أو قارن ويلبى على أنه فى زعمه باق على إحرامه فقال له أيا هذا الناقض لحجه؟ فقيل له:
فعل ذلك كثير من الناس قال فمن فعل ذلك فليحدث كلما صلى ركعتين تلبية بالحج يعنى بالركعتين ركعتى الطواف وترك الطواف له أفضل.
وإذا حل وزار البيت أحرم لعمرته من التنعيم.
ومن أراد أن يحرم ونسى وجامع فإن قدر أن يرجع للحد فيحرم منه وإلا وخاف الفوت أحرم من حيث ذكر وذبح.
ومن أفرد فأصاب امرأته ذبح ورجع للحد فيعيد الإحرام ويحج من قابل.
وقال الأكثر يهدى بدنة وتم حجه وكذا فى التمتع.
وقال بعض بذلك أيضا فى القران وإن أعاد الوط ء أعاد مثل ذلك. وقيل غير ذلك. وإن جامعها وطاوعته قبل الوقوف مثلا فعن عمر رحمه الله تعالى بينهما جزور. وقبل على كل بدنة.
قال الربيع رضى الله تعالى عنه إن أكرهها أو أصابها نائمة لزمه ما ذكر دونها وتقضى مناسكها ويتكرر الذبح بتكرر الوط ء. ومن قصر وجامعها قبل أن تقصر فعليه بدنة.
وقيل على المجامع ولو مرارا كفارة واحدة ما لم يكفر.
وفى التاج ولزمه من يترك ركعتى الطواف دم وإعادة الطواف والسعى.
قال محبوب رحمه الله تعالى إن اعتمر لزمه دم وإن أفرد لزمه حج قابلا لا دم (١) ولا إعادة الطواف. وقيل يعيده والركوع والسعى ويذبح.
وقيل بدنة إن وطئ وحجه تام، وقيل فاسد ويعيده قابلا.
وإن ركعهما بعد العصر وقصر أعاد الطواف.
وهو قول أبى عبيدة رحمه الله تعالى. وقال فيمن ركعهما بمنى بعد العصر بعد ما سعى ثم خرج لبلده فأرجو أن يتم حجه ولا يعيد السعى ولا الركوع وأقل ما يلزمه بدنة. وقيل عليه أن يرجع ويرجع خلف المقام أو حيث أمكنه فى المسجد ويعيد السعى ولا عليه فإن وطئ قبل الركوع فسد حجه.
وفى موضوع من النيل (٢): ويكره للمفرد الطواف بالبيت وإن فعل ملبيا فلا ينقض حجه خلافا لابن عباس رضى الله تعالى عنهما فإنه قال
стр. 6189
ينقضه فقيل له قد فعله كثير.
قال فليجدد كلما صلى ركعتين تلبية بالحج.
ما يفعله المعتمر
ومن اعتمر (١) فى غير أشهر الحج لا فى أشهره ثم أقام حتى حج ولا سيما إن لم يقم فلا دم عليه.
خلافا لجابر بن زيد ولو أتمها فى أشهره ولو لم يفعل منها قبل أشهره إلا الإحرام بها فالمعتبر وقت الإحرام لا الفراغ منها.
وفى قول جابر رضى الله تعالى عنه أنه يعتبر الفراغ. فإن كان فى أشهر الحج لزمه هدى ولو كان الإحرام قبلها.
وكذا إن اعتمر فيها ثم خرج لأهله أو لأفق بعيد ورجع فى سنته فحج أو لم يحج أو لم يرجع فلا دم عليه إلا على ما قيل أى قال الحسن رضى الله عنه العمرة مطلقا فى أشهر الحج متعة فعليه دم.
وكذلك لا دم على من اعتمر فى اشهر الحج ولم يحج ولم يرجع. وكذلك إن رجع لأهله وهم داخل الحرم.
وقال طاووس: من اعتمر فى غير أشهر الحج وأقام يحج من عامه أنه متمتع يلزمه الهدى. ثم قال: وتجوز العمرة فى كل شهر من شهور العام إلا أشهر الحج فلا تجوز فيه إلا عمرة الدخول.
وعلى أنها واجبة يجوز أن تؤدى فى كل عام ويحج فى عام بعده أو فى أى عام شاء أو يقدم الحاج عليها بعام أو أكثر ولا دم على المتمتع إن كانت العمرة لغير من له الحج ولا إن فعل أحدهما واستأجر للآخر.
ومن اعتمر فى باقى أشهر الحج فلا دم عليه لأنه إن فعل بعد عرفة وقبل الزيارة لم يتمتع بطيب أو نحوه أو بطواف نفل أو بعد الزيارة لم يصدق عليه قوله تعالى: «لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ» (٢)
ومن حج لنفسه واعتمر لغيره وبالعكس فلا دم عليه. ومن أحرم بعمرة فى غير أشهر الحج وأتمها فى أشهره فلا دم عليه.
وعن جابر بن زيد عليه دم ولو لم يدرك منها فى أشهره إلا الحلق.
ومن دخل مكة فى غير أشهر الحج بعمرة ثم أحرم بعمرة فى أشهر الحج من مسجد عائشة رضى الله تعالى عنها فليست بعمرة ولزمه الإحرام وسعى وطاف ومسجد عائشة مسجد التنعيم ولا يتمتع بعمرة النفل إلى حج الفرض.
قال ومن أهل بعمرة (٣) وخاف فوت الحج فلينو الحج ويمض لعرفات ولا يأتى البيت وإذا رجع
стр. 6190
طاف للحج والعمرة. وقيل يرفض العمرة ويهل بالحج (١).
وإذا تم حجه أهل بعمرة من التنعيم وطاف بالبيت وسعى وعليه دم لرفض العمرة شاة يذبحها ويتصدق بلحمها.
ومن طاف يوم التروية. وخرج لمنى وجاوز مسجد الجن ولم يحرم بالحج ناسيا حتى وصل طريق منى ركع فى ذلك الموضع وأحرم بالحج وإن لم يكن وقت صلاة أخر حتى يدخل وقتها. وإن أحرم بلا صلاة جاز وجاز إحرامه ولو بلغ منى.
قال الشيخ إسماعيل ويستحب للمعتمر إذا حل من عمرته أن يقصر من شعر رأسه ولا يحلقه ليوفره للحلق يوم النحر.
الإفراد فى البيع
مذهب الحنفية:
من القواعد المقررة عند الحنفية أن ما صح إيراد العقد عليه بانفراده صح استثناؤه سواء دخل فى البيع تبعا كالبناء والشجر أولا.
وما لا يصح إيراد العقد عليه بانفراده لا يصح استثناؤه (٢). وعلى ذلك إذا باع (٣) حيوانا واستثنى ما فى بطنه من الحمل فإن البيع فاسد لأن بيع الحمل بانفراده لا يجوز فكان استثناؤه بمنزلة شرط فاسد أدخل فى البيع، فوجب فساد البيع وكذلك هذا فى عقد الإيجارة والكتابة والرهن. بخلاف النكاح والخلع والصلح عن دم العمد والهبة والصدقة لأن استثناء الحمل فى هذه العقود لا يبطلها.
وكذلك فى الإعتاق، لما أن استثناء ما فى البطن بمنزلة شرط فاسد والبيع وأخواته تبطلها الشروط الفاسدة فكان الشرط فاسدا والعقد فاسدا. فأما النكاح ونحوه فلا تبطله الشروط الفاسدة فجاز العقد وبطل الشرط. فيدخل فى العقد الأم والولد جميعا.
وكذا فى العتق. وكذا إذا باع حيوانا واستثنى شيئا من أطرافه فالبيع فاسد. ولو باع صبرة واستثنى قفيزا منها فالبيع جائز فى المستثنى منه.
وكذا إذا باع صبرة واستثنى جزءا شائعا منها ثلثها أو ربعها أو نحو ذلك. ولو باع قطيعا من الغنم واستثنى شاة منها بغير عينها فالبيع فاسد. ولو استثنى شاة منها بعينها فالبيع جائز.
والأصل فى هذا أن من باع جملة واستثنى منها شيئا، فإن استثنى ما يجوز إفراده بالبيع فالبيع فى المستثنى منه جائز. ولو باع ثمرة على رءوس النخل واستثنى منها صاعا ذكر القاضى رحمه الله تعالى فى شرحه مختصر الطحاوى أنه يجوز، لأنه استثنى ما يجوز إفراده بالبيع. فأشبه ما إذا باع جزءا مشاعا منه من الثلث والربع.
стр. 6191
وكذا لو كان الثمر مجذوذا فباع الكل واستثنى صاعا يجوز. وأى فرق بين المجذوذ وغير المجذوذ؟
وذكر الطحاوى فى مختصره أنه لا يجوز. وإليه أشار محمد رحمه الله تعالى فى الموطأ فإنه قال:
لا بأس بأن يبيع الرجل ثمره ويستثنى منها بعضا إذا استثنى شيئا فى جملته ربعا أو خمسا أو سدسا. قيد الجواز بشرط أن يكون المستثنى مشاعا فى الجملة.
فلو ثبت الجواز فى المعين لم يكن لتقيده بهذا الشرط معنى.
وكذا روى الحسن بن زياد رحمه الله تعالى أنه قال: لا يجوز، وكذا ذكره القدورى رحمه الله تعالى فى مختصره.
ثم فساد العقد بما ذكرنا من الشروط مذهب أصحابنا.
وقال ابن أبى ليلى: البيع جائز والشرط باطل.
وقال ابن شبرمة: البيع جائز والشرط جائز.
والصحيح قولنا، لما روى أبو حنيفة رحمه الله تعالى عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع وشرط. والنهى يقتضى فساد المنهى فيدل على فساد كل بيع وشرط إلا ما خص عن عموم النص.
والمبيع (١) إن كان أصلا لا بد من الإشارة إليه بطريق الأصالة ليصير معلوما وإن كان تبعا يصير معلوما بالإشارة إلى الأصل، لأن المبيع كما لا يفرد بعلة على حدة لا يفرد بشرط على حدة إذ لو أفرد لانقلب أصلا وهذا قلب الحقيقة.
وعلى ذلك إذا باع جارية حاملا من غير مولاها أو بهيمة حاملا دخل الحمل فى البيع تبعا للأم كسائر أطرافها وإن لم يسمه ولا أشار إليه.
ولو باع عقارا دخل ما فيها من البناء والشجر بنفس البيع ولا يدخل الثمر والزرع إلا بقرينة.
وجملة الكلام فى بيع العقار أن المبيع (٢) لا يخلو من أن يكون أرضا، أو كرما، أو دارا، أو منزلا، أو بيتا. وكل ذلك لا يخلو إما ألا يذكر فى بيعه الحقوق ولا المرافق ولا ذكر كل قليل وكثير منها. وإما أن يذكر شيئا.
فإن كان المبيع أرضا ولم يذكر شيئا من القرائن دخل ما فيها من الأبنية والأشجار. ولم يدخل الزرع والثمار عند عامة العلماء.
لما روى عن محمد رحمه الله تعالى فى كتاب الشفعة عن رسول الله ﷺ أنه قال:
من اشترى أرضا فيها نخل فالثمرة للبائع إلا أن يشترطها المبتاع. جعل ﵊ الثمرة للبائع مطلقا عن وصف وشرط.
فدل على أن الحكم لا يختلف بالتأبير وعدمه.
ولأن النخل اسم لذات الشجر فلا يدخل ما عداه إلا بقرينة زائدة ولهذا لم يدخل ثمار سائر الأشجار.
وكذلك إن كان كرما يدخل فى بيعه بما فيه من
стр. 6192
الزراعة والعرايش والحوائط من غير ذكر قرينة.
ولا تدخل الفواكه والبقول.
والأصل أن كل مركب فى الأرض يدخل وما لم يركب فيها أو ركب لا للبقاء بل لوقت معلوم لا يدخل. وكذا يدخل الطريق إلى الطريق الأعظم والطريق إلى سكة غير نافذة من غير ذكر قرينة.
وإن ذكر شيئا من القرائن.
فإن ذكر الحقوق أو المرافق دخل فيها الشرب ومسيل الماء والطريق الخاص الذى يكون فى ملك إنسان وهو حق المرور فى ملكه.
ولا يدخل الزرع والثمر، لانها أعيان قائمة بنفسها فلا يتناولها اسم الحقوق والمرافق. وإن ذكر القليل والكثير بأن قال بعتها منك بكل قليل وكثير هو فيها ومنها فهل يدخل الزرع والثمر؟ ينظر. إن قال فى آخره من حقوقها فلا يدخلان، لأن قوله من حقوقها خرج تفسيرا لأول الكلام، فكأنه نص على البيع بحقوقها.
وإن لم يقل فى آخره من حقوقها دخل فيه الزرع والثمر وكل ما كان متصلا به، لأن اسم القليل والكثير فيه ومنه يتناول ذلك.
وأما المنفصل منها كالثمار المجذوذة والزرع المحصود والحطب واللبن والقصب الموضوع فلا يدخل فى البيع إلا بالتسمية.
وإن كان المبيع (١) دارا يدخل فى بيعها جميع ما كان فيها من بيت ومنزل وعلو وسفل وجميع ما تجمعه الحدود الأربعة من غير ذكر قرينة.
وتدخل أغاليق الدار ومفاتيح أغاليقها.
ويدخل طريقها إلى طريق العامة وطريقها إلى سكة غير نافذة ويدخل الكنيف والشارع والجناح كل ذلك يدخل من غير قرينة.
وأما الظلة فإن لم يكن مفتحها إلى الدار لا تدخل بالإتفاق وإن كان مفتحها إلى الدار لا تدخل أيضا عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى.
وعند أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى تدخل.
ووجه قولهما أن الظلة إذا كانت مفتحها إلى الدار كانت من أجزاء الدار فتدخل فى بيع الدار كالجناح والكنيف.
ولأبى حنيفة رحمه الله تعالى أن ظلة الدار خارجة عن حدودها فإنها اسم لما يظل عند باب الدار خارجا منها فلا تدخل تحت بيع الدار كالطريق الخارج.
وما كان لها بستان فإن كان داخل حد الدار يدخل، وأن كان يلى الدار لا يدخل من غير تسمية.
وقال بعضهم إن كانت الدار صغيرة يدخل وإن كانت كبيرة لا يدخل، لأنها إذا كانت صغيرة يمكن أن يجعل تبعا للدار، وإذا كانت كبيرة لا يمكن.
وقال بعضهم يحكم الثمن فإن صلح لهما يدخل وإلا فلا يدخل. وأما مسيل الماء والطريق الخاص فى ملك إنسان فإن ذكر الحقوق والمرافق يدخل.
стр. 6193
وكذا إن ذكر كل قليل وكثير هو فيها ومنها سواء ذكر فى آخره من حقوقها أو لم يذكر.
وإن كان المبيع بيتا يدخل فى بيعه حوائطه وسقفه وبابه والطريق إلى الطريق العامة والطريق إلى سكة غير نافذة من غير ذكر قرينة (١) ويجوز بيع بيت العلو دون السفل إذا كان على العلو بناء وإن لم يكن عليه بناء لا يجوز لأنه بيع الهواء على الانفراد وهو لا يجوز.
ثم إذا باع العلو وعليه بناء حتى جاز البيع فطريقه فى الدار لا يدخل الطريق إلا بذكر الحقوق ويجوز بيع السفل سواء كان مبنيا أو غير مبنى، لأنه بيع الساحة وذلك جائز. وإن لم يكن عليه بناء.
وإن كان المبيع منزلا لا يدخل فى بيعه بيت السفل ولا يدخل بيت العلو ولا الطريق الخاص إلا بذكر الحقوق أو المرافق أو بذكر القليل والكثير. لأن المنزل أعم من البيت واخص من الدار.
ثم إذا لم تدخل الثمرة بنفس البيع يجبر البائع على قطعها من الشجرة وليس له أن يتركها على الشجرة إلى وقت الإدراك، وكذا الزرع، لأن البيع يوجب تسليم المبيع عقيبه بلا فعل. لأنه عقد معاوضة تمليك بتمليك وتسليم بتسليم. وسواء أبر أو لم يؤبر، بأن كان المبيع نخلا بعد أن ظهرت الثمرة من الشجرة وبانت منها ليس له أن يتركها على شجرة المشترى إلا برضاه.
هذا إذا لم يسم الثمرة فى بيع الشجرة.
فأما إذا سمى دخل الثمر مع الشجر فى البيع وصار للثمرة حصة من الثمن، وينقسم الثمن عليهما يوم العقد، لأنه لما سماها فقد صارت مبيعا مقصودا لورود فعل البيع عليه، حتى لو هلك الثمر قبل القبض بآفة سماوية أو بفعل البائع تسقط حصته من الثمن عن المشترى كما لو هلك الشجر قبل القبض.
والمشترى بالخيار إن شاء أخذ الشجر بحصته من الثمن وإن شاء ترك لأن الصفقة تفرقت عليه.
ولو جذه البائع والمجذوذ قائم بعينه ينظر.
إن جذه فى حينه ولم ينقصه الجذاذ فلا خيار للمشترى ويقبضهما بجميع الثمن.
ولو قبضهما بعد جذاذ البائع ثم وجد فى أحدهما عيبا له أن يرد المعيب خاصة، لأنه قبضهما وهما متفرقان وقت القبض فصار كأنهما متفرقين وقت العقد.
بخلاف ما إذا جذه المشترى بعد القبض ثم وجد بأحدهما عيبا أنه ليس له أن يرد المعيب خاصة بل يردهما جميعا أو يمسكهما، لأنهما كانا مجتمعين عند البيع وعند القبض جميعا، فإفراد أحدهما بالرد يكون تفريق الصفقة بعد وقوعها مجتمعة وهذا لا يجوز. هذا إذا لم ينقصه الجذاذ بأن جذه البائع فى حينه وأوانه.
أما إذا نقصه بأن جذه فى غير حينه فإن حصة النقصان تسقط عن المشترى، لأنه لما نقصه الجذاذ فقد أتلف بعض المبيع قبل القبض فتسقط عن
стр. 6194
المشترى حصته من الثمن، وله الخيار فى الباقى لتفرق الصفقة عليه.
وإذا قبضهما المشترى بعد جذاذ البائع ثم وجد بأحدهما عيبا له أن يرد المعيب خاصة، لأنه قبضهما وهما متفرقان فصار كأنهما كانا متفرقين عند العقد.
وجاء فى البحر (١) الرائق نقلا عن الخانية: لو أن أرضا فيها زرع فباع الأرض بدون الزرع أو باع الزرع بدون الأرض جاز.
وكذا لو باع نصف الأرض بدون الزرع وإن باع نصف الزرع بدون الأرض لا يجوز.
حكم بيع ما لا يكون محلا للبيع بمفرده:
لا ينعقد بيع النحل (٢) إلا إذا كان فى كوارته عسل فباع الكوارة بما فيها من العسل والنحل.
وروى هشام عن محمد رحمهما الله تعالى أنه يجوز بيعه منفردا من غير كوارته إذا كان مجموعا، لأن النحل حيوان منتفع به فيجوز بيعه ودليل عدم الانعقاد أنه ليس منتفع به فلم يكن ما لا ينفسه بل بما يحدث منه وهو معدوم، حتى لو باعه مع الكوارة وفيها عسل يجوز بيعه تبعا للعسل، ويجوز ألا يكون الشئ محلا للبيع بنفسه مفردا، ويكون محلا للبيع مع غيره كالشرب.
وأنكر الكرخى رحمه الله تعالى هذا فقال: إنما يدخل فيه تبعا إذا كان من حقوقه كما فى الشرب مع الأرض وهذا ليس من حقوقه.
وعلى هذا بيع دود القز فإنه لا ينعقد بيعه إلا إذا كان معه قز.
وروى محمد رحمه الله تعالى أنه يجوز بيعه مفردا. والحجج على نحو ما ذكرنا فى النحل.
ولا ينعقد بيع بذر الدود عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى كما لا ينعقد بيع الدود.
وعندهما يجوز بيعه. ووجه الكلام فيه على نحو ما ذكر فى بيع النحل والدود.
ولو جمع (٣) بين ما هو مال وبين ما ليس بمال فى البيع بأن جمع بين حر وعبد أو بين عصير وخمر أو بين ذكية وميتة وباعهما صفقة واحدة فإن لم يبين حصة كل واحدة منهما من الثمن لم ينعقد العقد أصلا بالإجماع. وإن بين فكذلك عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى.
وعندهما يجوز فى العصير والعبد والذكية ويبطل فى الحر والخمر والميتة. ولو جمع بين قن ومدبر أو أم ولد ومكاتب أو بين عبده وعبد غيره وباعهما صفقة واحدة جاز البيع فى عبده بلا خلاف.
ووجه قولهما أن الفساد بقدر المفسد، لأن الحكم يثبت بقدر العلة والمفسد خص أحدهما فلا يتعمم الحكم مع خصوص العلة فلو جاء الفساد فهو إنما يجئ من قبل جهالة الثمن فإذا بين حصة كل واحد منهما من الثمن فقد زال هذا المعنى أيضا، ولهذا جاز بيع القن إذا جمع بينه وبين المدبر أو
стр. 6195
المكاتب أو أم الولد وباعهما صفقة واحدة كذا هذا.
ولأبى حنيفة رحمه الله تعالى أن الصفقة واحدة وقد فسد فى أحدهما فلا تصح فى الآخر، بخلاف الجمع بين العبد والمدبر، لأن هناك الصفقة ما فسدت فى أحدهما بيقين، بل بالاجتهاد الذى يحتمل الصواب والخطأ فاعتبر هذا الاحتمال فى تصحيح الإضافة إلى المدبر، ليظهر فى حق القن إن لم يمكن إظهاره فى حقه، ولأنه لما جمع بينهما فى الصفقة فقد جعل قبول العقد فى أحدهما شرط القبول فى الآخر.
بدليل أنه لو قبل العقد فى أحدهما دون الآخر لا يصح. والخر لا يحتمل قبول العقد فيه، فلا يصح القبول فى الآخر.
بخلاف المدبر، لأنه محل لقبول العقد فيه فى الجملة تصح قبول العقد فيه إلا أنه تعذر إظهاره فيه بنوع اجتهاد فيجب إظهاره فى القن ولأن فى تصحيح العقد فى أحدهما تفريق الصفقة على البائع.
قبل التمام، لأنه أوجب البيع فيهما فالقبول فى أحدهما يكون تفريقا وهذا لا يجوز (١).
ويجوز (٢) أن يبيع الثمرة ويستثنى منها أرطالا معلومة والبيع والاستثناء صحيح لأن ما جاز إيراد العقد عليه بانفراده صح استثناؤه منه وبيع قفيز من صبرة جائز فكذا استثناؤه.
بخلاف استثناء الحمل من الجارية الحامل أو الشاة وأطراف الحيوان فإنه غير جائز.
كما إذا باع هذه الشاة إلا إليتها أو باع هذا العبد إلا يده. وهذا هو المفهوم من ظاهر الرواية.
وروى الحسن عن أبى حنيفة رضى الله تعالى أنه لا يجوز. وهو أقيس بمذهب الإمام فى مسألة بيع صبرة طعام كل قفيز بدرهم، فإنه أفسد البيع بجهالة قدر المبيع وقت العقد، وهو لازم فى استثناء أرطال معلومة مما على الأشجار. وإن لم تفض إلى المنازعة.
فالحاصل (٣) أن كل جهالة تفضى إلى المنازعة مبطلة فليس يلزم أن ما لا يفضى إليها يصح معها بل لا بد من عدم الإفضاء إليها فى الصحة مع كون المبيع على حدود الشرع.
ألا ترى أن المتابعين قد يتراضيان على شرط لا يقتضيه العقد وعلى البيع بأجل مجهول كقدوم الحاج ونحوه ولا يعتبر ذلك مصححا كذا فى فتح القدير.
وفى المعراج وقيل رواية الحسن والطحاوى رحمه الله تعالى محمولة على ما إذا لم يكن الثمن منتفعا به لأنه ربما يصيبه آفة وليس فيه إلا قدر المستثنى فيتطرق فيه الغرر ومحل الاختلاف ما إذا استثنى معينا فإن استثنى جزء كربع وثلث فإنه صحيح اتفاقا كذا فى البدائع.
ولذا قال فى الكتاب أرطالا معلومة مقيد بقوله
стр. 6196
منها أى من الثمرة على رءوس النخل لأنه لو كان مجذوذا واستثنى منه أرطالا جاز اتفاقا.
وقيد بالأرطال لأنه لو استثنى رطلا واحدا جاز اتفاقا، لأنه استثناء القليل من الكثير.
بخلاف الأرطال لجواز أنه لا يكون إلا ذلك القدر فيكون استثناء الكل من الكل كذا فى النهاية. ولو باع صبرة بمائة إلا عشرها فله تسعة أعشارها بجميع الثمن. ولو قال على أن عشرها لى فله تسعة أعشارها بتسعة أعشار الثمن. خلافا لما روى عن محمد رحمه الله تعالى أنه بجميع الثمن فيها.
وعن أبى يوسف رحمه الله تعالى أنه لو قال أبيعك هذه المائة شاة بمائة على أن هذه لى أو لى هذه فسد البيع، ولو قال إلا هذه كان ما بقى بمائة. ولو قال ولى نصفها كان النصف بخمسين.
ولو قال بعتك هذا العبد بألف إلا نصفه بخمسمائة.
فعند محمد رحمه الله تعالى جاز فى كله بألف وخمسمائة لأن المعنى بأنه باع نصفه بألف لأنه الباقى بعد الاستثناء فالنصف المستثنى عين بيعه بخمسمائة.
ولو قال إن لى نصفه بثلاثمائة أو مائة دينار فسد لإدخال صفقة فى صفقة كذا فى فتح القدير.
وقيد باستثناء بعض الثمار أو الصبرة. لأنه لو استثنى شاة من قطيع بغير عينها أو ثوبا من عدل بغير عينه لا يجوز. ولو استثنى واحدا بعينه جاز كذا فى الخانية. وفيها أبيعك دارا على أن لى طريقا من هذا الموضع إلى باب الدار يكون فاسدا.
وكذا لو شرط الطريق للأجنبى وبين موضعه وطوله وعرضه كان فاسدا. ولو قال: أبيعك هذه الدار إلا طريقا منها من هذا الموضع إلى باب الدار ووصف الطول والعرض جاز البيع بشرط الطريق لنفسه أو لغيره لأن الاستثناء تكلم بالباقى بعد الثنيا فيكون جميع الثمن يقابله غير المستثنى فلا يفسد البيع.
أما فى الأول فقد جعل جميع الثمن مقابلا جميع الدار فإذا اشترط منها طريقا لنفسه أو لغيره يسقط حصته من الثمن وهو مجهول فيصير الباقى مجهولا. ولو قال أبيعك دارى هذه بألف على أن لى هذا البيت بعينه لا يصح. ولو قال إلا هذا البيت جاز البيع. ولو قال بعتك هذه الدار إلا بناءها جاز البيع. ولا يدخل البناء فى البيع.
لو باع أرضا إلا هذه الشجرة بعينها بقرارها جاز البيع وللمشترى أن يمتنع عن تدلى أغصان الشجرة فى ملكه لأن المستثنى مقدار غلظ الشجرة دون الزيادة.
ولو اشترى رجلان سيفا وتواضعا على أن يكون الحلية لأحدهما وللآخر النصل كان السيف المحلى بينهما والخاتم مع الفص كذلك.
ولو اشترى رجلان دارا على أن لأحدهما الأرض وللآخر البناء جاز كذلك.
ولو اشتريا بعيرا وتواضعا على أن يكون لأحدهما رأسه وجلده وقوائمه وللآخر بدنه وتواضعا فى ذلك ولم يذكر البائع شيئا فالكل لصاحب البدن، لأن البدن أصل، والكل بمنزلة التبع.
ولو تواضعا على أن لأحدهما رأسه وجلده
стр. 6197
وقوائمه وللآخر لحمه فهو بينهما نصفان، لأن كل واحد كذلك لا يحتمل الإفراد بالبيع وأحدهما ليس بأصل فكان الكل بينهما.
وفى التتار خانية لو قال أبيعك هذا الطعام بألف درهم إلا عشرة أقفزة منه فالبيع فاسد فى قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى.
وفى قول أبى يوسف رحمه الله تعالى البيع جائز وللمشترى الخيار إذا عزل منه العشرة أقفزة.
ولو باع بمائة إلا دينارا كان البيع بتسعة وتسعين ولو اشترى أمة وفى بطنها ولد لغير البائع بالوصية لرجل فأجاز صاحب الولد بيع الجارية جاز ولا شئ عليه من الثمن وإن لم يجز لم يجز لأن الجنين بمنزلة أجزاء الجارية.
ولو باع (١) نصف عبد مشترك جاز وانصرف إلى نصيبه ولو أقر بنصفه انصرف إلى النصفين.
ثم قال صاحب البحر اعلم أن الحاصل فى ذلك أن المسائل تدور على أربع قواعد:
الأولى: أن ما صح إيراد العقد عليه بانفراده صح استثناؤه دخل فى المبيع تبعا كالبناء والشجر أولا وما لا فلا.
الثانية: أن ما صح استثناؤه صح اشتراطه للبائع إذا كان من المقدرات وإن كان من القيميات فلا.
الثالثة: ما صح إيراد العقد عليه بانفراده صح اتفاقهما بعد العقد على أن يكون البعض لهذا والبعض لهذا كالبناء مع الأرض وما لا فلا كالسيف والحلية.
الرابعة: إذا استثنى ما يصح، فإن ذكر للمستثنى ثمنا لم يكن للإخراج، وكان الثمن الأول والثانى كبعتك هذا العبد بألف إلا نصفه بخمسمائة، وإلا كان للاخراج من المبيع، ولا يسقط من الثمن شئ، وإن كان شرطا فى المقدرات سقط ما قابله.
وعن الظهيرية أنه لو باع سفل داره على أن يكون له حق قرار العلو عليه فإنه يجوز.
ويصح بيع البر فى سنبله والباقلاء فى قشره لأنه مال متقوم منتفع به فيجوز بيعه فى قشره كالشعير وكذا الأرز والسمسم والجوز واللوز والفستق.
أما إذا باع حب قطن بعينه دون القطن أو نوى تمر فى تمر بعينه أى باع ما فى هذا القطن من الحب أو ما فى هذا التمر من النوى فإنه لا يجوز هذا البيع مع أنه أيضا فى غلافه.
وأشار أبو يوسف رحمه الله تعالى إلى الفرق بين هذا وبين البر فى سنبله بأن النوى هنالك معتبر عدما هالكا فى العرف فإنه يقال هذا، تمر وهذا قطن، ولا يقال هذا نوى فى ثمره، ولا حب فى قطنه، ويقال هذه حنطة فى سنبلها، وهذا لوز وفستق، ولا يقال هذه قشور فيها لوز، ولا يذهب اليه وهم وما ذكرنا يخرج الجواب عن امتناع بيع اللبن فى الضرع واللحم والشحم فى الشاة والإلية والأركاع والجلد فيها والدقيق فى الحنطة والزيت فى الزيتون
стр. 6198
والعصير فى العنب ونحو ذلك حيث لا يجوز لأن كل ذلك منعدم فى العرف فلا يقال هذا عصير وزيت فى محله، فكذا الباقى.
وقيد بيع الحنطة لأنه لو باع تبن الحنطة فى سنبلها دون الحنطة لم ينعقد، لأنه لا يصير تبنا إلا بالعلاج وهو الدق فلم يكن تبنا قبله فكان بيع المعدوم بخلاف الجذع فى السقف أنه ينعقد حتى لو نزعه وسلمه أجبر على الأخذ.
حكم إفراد جزء من المبيع:
من شرائط (١) جواز فسخ عقد البيع ألا يتضمن تفريق الصفقة على البائع قبل التمام.
فإن تضمن لا يجوز إلا أن يرضى به البائع، لأن تفريق الصفقة على البائع قبل التمام إضرار به، والضرر واجب الدفع ما أمكن إلا أن يرضى به البائع، لأن الضرر لم يرض به من جهة المتضرر لا يجب دفعه.
وعلى هذا يخرج ما إذا وجد المشترى المبيع معيبا فأراد رد بعضه دون بعض قبل القبض.
وجملة الكلام فيه أن المبيع لا يخلو إما أن يكون شيئا واحدا حقيقة وتقديرا كالعين والثوب والدار والكرم والمكيل والموزون والمعدود المتقارب فى وعاء واحد أو صبرة واحدة.
وإما أن يكون أشياء متعددة كالعبدين والثوبين والدابتين والمكيل والموزون والمعدود فى وعاءين أو صبرتين، وكل شئ ينتفع بأحدهما فيما وضع له بدون الآخر.
وإما أن يكون شيئين حقيقة وشيئا واحدا تقديرا كالخفين والنعلين والمكعبين ومصراعى الباب وكل شئ لا ينتفع بأحدهما فيما وضع له بدون الآخر.
فلا يخلو (٢) إما أن يكون المشترى قبض كل المبيع.
وإما أن يكون لم يقبض شيئا منه.
وإما أن يكون قد قبض البعض دون البعض والحادث فى المبيع لا يخلو:
إما أن يكون عيبا أو استحقاقا.
أما العيب فإن وجده ببعض المبيع قبل القبض لشئ منه فالمشترى بالخيار إن شاء رضى بالكل ولزمه جميع الثمن وإن شاء رد الكل وليس له أن يرد المعيب خاصة بحصته من الثمن، سواء كان المبيع شيئا واحدا أو أشياء، لأن الصفقة لا تمام لها قبل القبض وتفريق الصفقة قبل تمامها باطل، لأن التفريق إضرار بالبائع، والضرر واجب الدفع ما أمكن.
وإن كان المشترى قبض بعض المبيع دون البعض فوجد ببعضه عيبا فكذلك لا يملك رد العيب خاصة بحصته من الثمن، سواء كان المبيع شيئا واحدا أو أشياء، وسواء وجد العيب بغير المقبوض أو بالمقبوض فى ظاهر الرواية لأن الصفقة لا تتم إلا بقبض جميع المعقود عليه، فكان رد
стр. 6199
البعض دون البعض تفريق الصفقة قبل التمام وهو باطل.
وروى عن أبى يوسف رحمه الله تعالى أنه إذا وجد العيب بغير المقبوض فكذلك. فأما إذا وجد بالمقبوض فله أن يرده خاصة بحصته من الثمن.
فهو نظر إلى المعيب منهما أيهما كان واعتبر الآخرية فإن كان المعيب غير المقبوض اعتبر الآخر غير مقبوض فكأنهما لم يقبضا جميعا وإن كان المعيب مقبوضا اعتبر الآخر مقبوضا فكأنه قبضهما جميعا.
لكن هذا الاعتبار ليس بسديد، لأنه فى حد التعارض إذ ليس اعتبار غير المعيب بالمعيب فى القبض وعدمه أولى من اعتبار المعيب بغير المعيب فى القبض بل. هذا أولى، لأن الأصل عدم القبض والعمل بالأصل عند التعارض أولى.
هذا إذا كان المشترى لم يقبض شيئا من المبيع أو قبض البعض دون البعض فإن كان قبض الكل ثم وجد به عيبا.
فإن كان المبيع شيئا واحدا حقيقة وتقديرا فكذلك الجواب وهو أن المشترى إن شاء رضى بالكل بكل الثمن وإن شاء رد الكل واسترد جميع الثمن، وليس له أن يرد قدر المعيب خاصة بحصته من الثمن، لأن فيه إلزام عيب الشركة وهو عيب حادث مانع من الرد.
وان كان المبيع أشياء حقيقية شيئا واحدا تقديرا فكذلك لأن إفراد أحدهما بالرد إضرار بالبائع أذ لا يمكن الانتفاع بأحدهما فيما وضع له بدون الآخر فكانا فيما وضعا له من المنفعة كشئ واحد فكأن المبيع شيئا واحدا من حيث المعنى فبالرد تثبت الشركة من حيث المعنى والشركة فى الأعيان عيب.
وإذا كان لا يمكن الانتفاع بأحدهما بدون صاحبه فيما وضع له كان التفريق تعييبا فيعود المبيع إلى البائع بعيب زائد حادث لم يكن عنده.
وإن كان المبيع أشياء حقيقية وتقديرا فليس له أن يرد الكل إلا عند التراضى، وله أن يرد المعيب خاصة بحصته من الثمن عند أصحابنا الثلاثة.
وعند زفر ليس له ذلك بل يردهما أو يمسكهما.
ووجه قول زفر أن فى التفريق بينهما فى الرد أضرارا بالبائع لما ذكرنا أن ضم الردئ إلى الجيد فى البيع من عادة التجار ليروج الردئ بواسطة الجيد وقد يكون العيب بالردئ فيرده على البائع ويلزمه البيع فى الجيد بثمن الردئ وهذا إضرار بالبائع ولهذا امتنع الرد قبل القبض فكذا هذا.
ووجه قول (١) الأصحاب أن ما ثبت له حق الرد وجد فى أحدهما فكان له أن يرد أحدهما، وهذا لأن حق الرد إنما يثبت لفوات السلامة المشروطة فى العقد دلالة والثانية لمقتضى العقد على ما بينا والسلامة فاتت فى أحدهما فكان له رده خاصة فلو امتنع الرد انما يمتنع لتضمنه تفريق الصفقة وتفريق الصفقة باطل قبل التمام لا بعده والصفقة قد تمت بقبضهما فزال المانع، وأما قوله يتضرر البائع برد الردئ خاصة فنعم، لكن هذا ضرر مرضى به من
стр. 6200
جهته، لأن إقدامه على بيع المعيب وتدليس المعيب مع علمه أن الظاهر من حال المشترى أنه لا يرضى بالعيب دلالة الرضا بالرد.
بخلاف ما قبل القبض لأنه لا تمام للعقد قبل القبض فلا يكون قبل القبض دلالة الرضا بالرد، فكان الرد ضررا غير مرضى به فيجب دفعه.
وهذا بخلاف خيار الشرط وخيار الرؤية أن المشترى لا يملك رد البعض دون البعض سواء قبض الكل أو لم يقبض شيئا أو قبض البعض دون البعض.
وسواء كان المعقود عليه شيئا واحدا أو أشياء، لأن خيار الشرط والرؤية يمنع تمام الصفقة بدليل أنه يرده بغير قضاء ولا رضا سواء كان قبل القبض أو بعده ولو تمت الصفقة لما احتمل الرد إلا بقضاء القاضى أو التراضى دل أن هذا الخيار يمنع تمام الصفقة ولا يجوز تفريق الصفقة قبل التمام وهاهنا بخلافه.
ولو قال المشترى أنا أمسك المعيب وآخذ النقصان فليس له ذلك لأن قوله أمسك المعيب دلالة الرضا بالمعيب وأنه يمنع الرجوع بالنقصان.
وكذلك لو كان المعيب أشياء فوجد بالكل عيبا فأراد رد البعض دون البعض.
فإن كان المردود مما لو كان المعيب به وحده لكان له رده وحده كالعبدين والثوبين فله ذلك لأنه إذا أمسك البعض فقد رضى بعيبه فبطل حق الرد فيه، لأنه تبين أن صفقة السلامة لم تكن مشروطة ولا مستحقة بالعقد فيه فصار كأنه كان صحيحا فى الأصل ووجد بالآخر عيبا فيرده.
وإن كان المردود مما لو كان العيب به وحده لكان لا يرده كالخفين والنعلين ونحوهما فليس له ذلك لأن التفريق بينهما تعييب.
ولو اشترى (١) عبدين فوجد بأحدهما عيبا قبل القبض فقبض المعيب وهو عالم بالعيب لم يكن له أن يرد وسقط خياره ولزمه العبدان، لأن قبض المعيب مع العلم بالعيب دليل الرضا وللقبض شبه بالعقد فكان الرضا به عند القبض كالرضا به عند العقد ولو رضى به عند العقد يسقط خياره فلزماه جميعا كذا هذا.
ولو قبض الصحيح منهما، ولو كانا معيبين فقبض أحدهما لم يسقط خياره، لأنه قبض بعض المعقود عليه والصفقة لا تتم بقبض بعض المعقود عليه وإنما تتم بقبض الكل فلو لزمه العقد فى المقبوض دون الآخر لتفرقت الصفقة على البائع قبل التمام وتفريق الصفقة قبل التمام باطل، ولا يمكن إسقاط حقه عن غير المقبوض، لأنه لم يرضى به فبقى له الخيار على ما كان.
هذا إذا كان الحادث فى المبيع عيبا.
أما إن كان استحقاقا فإن استحق بعض المعقود عليه قبل القبض ولم يجز المستحق بطل العقد فى القدر المستحق، لأنه تبين أن ذلك القدر لم يكن ملك البائع ولم توجد الإجازة من المالك فبطل وللمشترى الخيار فى الباقى إن شاء رضى به بحصته