← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 6266–6305 · переход к 6271.

стр. 6266

وصيته بالفص للأول والوصية غير لازمة مادام الموصى حيّا فتحتمل الرجوع. ألا ترى أنه يحتمل الرجوع عن كل ما أوصى به ففى البعض أولى فيجعل رجوعا فى الوصية بالفص للموصى له بالخاتم. وعلى هذا إذا أوصى بهذه الأمة لفلان وبما فى بطنها لآخر. أو أوصى بهذه الدار لفلان وببنائها لآخر. أو أوصى بهذه القوصرة لفلان وبالتمر الذى فيها لآخر. أنه إن كان موصولا كان لكل واحد منهما ما أوصى له به بالإجماع. وإن كان مفصولا فعلى الاختلاف الذى ذكرنا. ولو أوصى لهذا العبد لفلان وبخدمته لفلان آخر. أو أوصى بهذه الدار لفلان وسكناها لآخر. أو بهذه الشجرة لفلان وثمرتها لآخر. أو بهذه الشاة لفلان وبصوفها لآخر فلكل واحد منهما ما سمى له بلا خلاف سواء كان موصولا أو مفصولا، لأن اسم العبد لا يتناول الخدمة، واسم الدار لا يتناول السكنى، واسم الشجرة لا يتناول الثمرة لا بطريق العموم، ولا بطريق التضمن، لأن هذه الأشياء ليست من أجزاء العين إلا أن الحكم متى ثبت فى العين ثبت فيها بطريق التبعية. لكن إذا لم يفرد التبع بالوصية فإذا أفردت صارت مقصودة بالوصية فلم تبق تابعة فيكون لكل واحد منهما ما أوصى له به أو تجعل الوصية الثانية رجوعا عن الوصية بالخدمة والسكنى والثمرة، والوصية تقبل الرجوع. وهذه المسائل حجة أبى يوسف رحمه الله تعالى فى المسألة الأولى. ولو ابتدأ بالتبع فى هذه المسائل، ثم بالأصل بأن أوصى بخدمة العبد لفلان، ثم أوصى بالعبد لآخر.، أو أوصى بسكنى هذه الدار لإنسان ثم بالدار لآخر، أو أوصى بالثمرة لإنسان، ثم بالشجر لآخر. فإذا ذكر موصولا فلكل واحد منهما ما أوصى له به. وإن ذكر مفصولا فالأصل للموصى له بالأصل والتبع بينهما نصفان، لأن الوصية الثانية تناولت الأصل والتبع جميعا فقد اجتمع فى التبع وصيتان فيشتركان فيه ويسلم الأصل لصاحب الأصل. وهذا حجة محمد رحمه الله تعالى فى المسألة المتقدمة. ولو أوصى بعبده لإنسان ثم أوصى بخدمته لآخر ثم أوصى له بالعبد بعد ما أوصى له بالخدمة أو أوصى بخاتمه لإنسان ثم أوصى بفصه لآخر، ثم أوصى له بالخاتم بعد ما أوصى له بالفص أو أوصى بجاريته لإنسان، ثم أوصى بولدها لآخر، ثم أوصى له بالجارية بعد ما أوصى له بولدها فالأصل والتبع بينهما نصفان: نصف العبد لهذا، ونصفه للآخر ولهذا نصف خدمته وللآخر نصف خدمته. وكذا فى الجارية مع ولدها والخاتم مع الفص، لأن الوصية لأحدهما بالأصل وصية بالتبع ويبطل حكم الوصية بالتبع بانفراده وصار كأنه أوصى لكل

стр. 6267

واحد بالأصل والتبع نصا ولو كان كذلك لاشتركا فى الأصل والتبع كذا هذا. فإن كان أوصى للثانى بنصف العبد يقسم العبد بينهما أثلاثا وكان للثانى نصف الخدمة لأنه لما أوصى له بنصف العبد بطلت وصيته فى خدمة ذلك النصف لدخولها تحت الوصية بنصف العبد وبقيت وصيته بالخدمة فى النصف الآخر. وذكر ابن سماعة أن أبا يوسف رجع عن هذا وقال: إذا أوصى بالعبد لرجل وأوصى بخدمته لآخر ثم أوصى برقية العبد أيضا لصاحب الخدمة فإن العبد بينهما والخدمة كلها للموصى له بالخدمة لإفراده الوصية بالخدمة فوقع صحيحا فلا تبطل الوصية بالرقبة فصار الموصى له الثانى موصى له بالرقبة والخدمة على الانفراد فيستحق نصف الرقية لمساواته صاحبه فى الوصية بها وينفرد بالوصية بالخدمة. وقال لو أوصى لرجل بأمة تخرج من الثلث وأوصى لآخر بما فى بطنها وأوصى بها أيضا للذى أوصى له بما فى البطن فالأمة بينهما نصفان والولد كله للذى أوصى له به خاصة لا يشركه فيه صاحبه لما ذكرنا أنهما تساويا فى استحقاق الرقبة وإنفرد صاحب الولد بالوصية به خاصة. ولو أوصى بالدار لرجل وأوصى ببيت فيها بعينه لآخر فإن البيت بينهما بالحصص. وكذا لو أوصى بألف درهم بينهما لرجل وأوصى بمائة منها لآخر كان تسعمائة لصاحب الألف والمائة بينهما نصفان لأن اسم الدار يتناول البيوت التى فيها بطريق الأصالة لا بطريق التبعية وكذا اسم الألف يتناول كل مائة منها بطريق الأصالة وكأن كل واحد منهما أصلا فى كونه موصى به فيكون بينهما. وهذا مما لا خلاف فيه. وإنما الخلاف فى كيفية القسمة. فعند أبى حنيفة، رحمه الله تعالى على طريق المنازعة. وعند أبى يوسف على طريق المضاربة فيقسم على أحد عشر لصاحب المائة جزء من أحد عشر فى المائة ولصاحب الألف عشرة أجزاء فى جميع الألف وكذلك الدار والبيت. ولو أوصى ببيت بعينه لرجل وساحته لآخر كان البناء بينهما بالحصص لأن البيت لا يسمى بيتا بدون البناء فكانت وصية الأول متناولة للبناء بطريق الأصالة فيشارك الموصى له بالساحة بخلاف الوصية بدار الإنسان وبنائها لآخر أنهما لا يشتركان فى البناء بل تكون العرصة للموصى له بالدار والبناء للآخر لأن اسم الدار لا يتناول البناء بطريق الأصالة بل بطريق التبعية إذ الدار اسم للعرصة فى اللغة والبناء فيها تبع بدليل أنها تسمى دارا بعد زوال البناء فكان دخول البناء فى الوصية بالدار من طريق التبعية. فكانت العرصة للأول والبناء للثانى.

стр. 6268

مذهب المالكية: جاء فى الشرح الكبير وحاشية الدسوقى عليه (١): أن من أوصى لشخص بجارية وهى حامل دخل الحمل فى الجارية الموصى بها لأنه كجزء منها إن لم يستثنه فإن استثناه لم يدخل. ولو وضعته فى حياة سيدها لم يدخل فى الوصية. وإذا مات السيد والأمة حامل فإن كان الثلث يحملها وقفت حتى تضع فيأخذ الموصى له الولد ثم يتفادون الأم والجنين ولا يفرق بينهما. ولم يجز أن يعطى الورثة الموصى له شيئا على أن يترك وصيته فى الولد كما فى المدونة وغيرها لأنه من بيع الأجنة وإن لم يحملها الثلث فللورثة أن يوقفوها حتى تضع وإن كرهوا لم يجب ذلك عليهم وسقطت الوصية لأنها وصية فيها ضعف قاله ابن حبيب. واختلف أن أعتق الورثة الأمة والثلث يحملها قيل يعتق ما فى بطنها بعتقها وتبطل الوصية وهو الذى فى المدونة. وقيل لا يعتق وهو قول أصبغ فى الواضحة وإن لم يحملها الثلث فعتقهم فيها غير جائز. ودخل حمل الأمة فى وصيته بولد الأمة كأن يقول أوصيت له بأولاد أمتى أو بما تلد أو بما ولدت أبدا فإنه يدخل فى ذلك حملها. وظاهره لو وضعته بعد موت سيدها وهو كذلك كما نقله المواق عن ابن رشد. وفى البنانى الذى يقيده كلام ابن رشد أن الحمل الموجود يوم الوصية يكون للموصى له مطلقا وضعته فى حياة الموصى أو بعد موته وما حملت به بعد الوصية من الأولاد لا يكون له منهم إلا ما ولدته فى حياة الموصى. مذهب الشافعية: جاء فى مغنى المحتاج (٢): أنه تصح الوصية بالمجهول كالحمل الموجود فى البطن منفردا عن أمه أو معها وعبد من عبيده. وقال فى المجموع اتفق أصحابنا على جواز الوصية باللبن فى الضرع والصوف على ظهر الغنم وصرح به البغوى، وقال: يجز الصوف على العادة وما كان موجودا حال الوصية للموصى له وما حدث للوارث فلو اختلفا فى قدره فالقول قول الوارث بيمينه. ويشترط فى صحة الوصية بالحمل انفصاله حيا لوقت يعلم وجوده عند الوصية ويرجع فى حمل البهيمة إلى أهل الخبرة. أما إذا انفصل ميتا فإن كان حمل أمة وانفصل بجناية مضمونة لم تبطل الوصية وتنفذ من الضمان لأنه انفصل متقوما فتنفذ فى بدله بخلاف ما لو أوصى بحمل فانفصل ميتا بجناية فإنها تبطل لأنه ليس أهلا للملك وإن كان حمل بهيمة فانفصل بجناية أو بغيرها أو حمل أمة وانفصل بلا جناية

стр. 6269

مضمونة لم يستحق الموصى له شيئا وإنما استحق فى حمل الأمة دون حمل البهيمة فيما إذا انفصلا بجناية لأن ما وجب فى جنين الأمة بدله فيكون للموصى له ما وجب فى جنين البهيمة بدل ما نقص منها فيكون للوارث. وإذا كان فى المفهوم تفصيل لم يرد. ويصح القبول هنا فيما مر قبل الوضع بناء على أن الحمل يعلم وهو الراجح. قال الماوردى ولو قال: إن ولدت أمتى ذكرا فهو وصية لزيد أو أنثى فوصية لعمرو جاز وكان على ما قال سواء ولدتهما معا أو مرتبا وإن ولدت خنثى فقيل: لا حق فيه لواحد منهما. وقيل: أنه موقوف بينهما حتى يصطلحا أى وهذا أوجه كما قال الاذرعى وتصح الوصية بالمنافع وحدها مؤقتة ومؤبدة ومطلقة. والإطلاق يقتضى التأبيد لأنها أموال متقابلة بالأعواض كالأعيان. وتصح بالعين دون المنفعة وبالعين لواحد والمنفعة لآخر. وإنما صحت فى العين وحدها لشخص مع عدم المنفعة فيها لا مكان صيرورة المنفعة له بإجارة أو إباحة أو نحو ذلك. قال الزركشى ولا يصح استثناء منفعة العين إلا فى الوصية ولو قبل الموصى له بالعين ورد الموصى له بالمنفعة عادت إلى الورثة لا إلى الموصى له بالعين كما قاله ابن الرفعة. ولم يتعرض الشيخان لهذه المسألة. وكذا تصح بثمرة أو حمل سيحدثان فى الأصح، لأن الوصية احتمل فيها وجوه من الغرر رفقا بالناس وتوسعة فتصح بالمعدوم كما تصح بالمجهول، ولأن المعدوم يصح تمليكه بعقد السلم والمساقاة والإجارة فكذا بالوصية. والثانى: لا يصح لأن التصرف يستدعى متصرفا فيه ولم يوجد. وعلى الأول إذا أوصى بما يحدث هذا العام أو كل عام عمل به. وإن أطلق فقال: أوصيت بما يحدث، فهل يعم كل سنة أو يختص بالسنة الأولى؟ قال ابن الرفعة: الظاهر العموم، وسكت عليه السبكى، وهو ظاهر. وإذا قلنا بالصحة فى الحمل فولدته لدون ستة أشهر لم يكن موصى به لأنه كان موجودا وإنما أوصى بما سيحدث أو لأكثر من أربع سنين كان موصى به أو بينهما وهى ذات زوج صحت وإلا فلا قاله الماوردى. وتصح بالمبهم كأحد عبديه، لأن الوصية تحتمل الجهالة فلا يؤثر فيها الإبهام وتعين الوارث. فإن قيل لما صحت هنا ولم تصح فى أوصيت لأحد الرجلين كما مر. أجيب بأنه يحتمل فى الموصى به ما لا يحتمل فى الموصى له ولهذا صحت بحمل سيحدث لا لحمل حدث. ولو قال أوصيت لفلان وهناك من يشاركه فى الاسم التحق بأحد الرجلين. قال القاضى ولو أوصى بأحد شئين يملك أحدهما انصرف إليه.

стр. 6270

وتصح بنجوم الكتابة وإن لم تكن مستقرة وبالمكاتب وإن لم يقل إن عجز نفسه وبعبد غيره وإن لم يقل إن ملكته كما مرت الإشارة إليه. وإن خالف فى ذلك بعض المتأخرين. وتصح بنجاسة يحل الانتفاع بها ككلب معلم لثبوت الاختصاص فيها وانتقالها بالإرث ونحوه ومثل الكلب المعلم، الكلب القابل للتعليم ولو جروا والفهد ونحوه والكلب المتخذ لحراسة الدور ونحوها لجواز اقتناء ذلك وخرج ما لا يحل الانتفاع به كخنزير وكلب عقور. مذهب الحنابلة: جاء فى كشاف القناع (١): أنه تصح الوصية بالمنفعة المفردة عن الرقبة لأنه يصح تمليكها بعقد المعاوضة فصحت الوصية بها كالأعيان وقياسا على الإعارة. كما لو أوصى لإنسان بخدمة عبد وغلة دار وثمرة بستان أو ثمرة شجر. سواء وصى بما ذكر من المنفعة مدة معلومة أو أوصى بجميع الثمرة والمنفعة فى الزمان كله لأن غايته جهالة القدر وجهالة القدر لا تقدح. ولو قال: وصيت بمنافعه وأطلق أفاد التأييد أيضا لوجود الإضافة المفحمة ولو وقت شهرا أو سنة وأطلق وجب فى أول زمن لظهور معنى الإبهام بقوله من السنين. وإذا كانت الوصية بثمرة بستان أو شجرة أبدا أو مدة معينة لا يملك واحد من الموصى له والوارث إجبار الآخر على السقى لعدم الموجب لذلك فإن أراد أحدهما سقيها بحيث لا يضر بصاحبه لم يملك الآخر منعه من السقى فإن تضرر منع لحديث لا ضرر ولا ضرار، وإن يبست الشجرة الموصى بثمرتها فحطبها للوارث إذ لا حق للموصى له فى رقبتها. وإن لم يحمل الشجر الموصى بثمرته لزيد سنة مثلا فى المدة المعينة فلا شئ للموصى له لفوات محل الوصية. وإن قال الموصى لزيد لك ثمرتها أول عام تثمر صح وله ثمرتها ذلك العام تنفيذا للوصية. وإن وصى له بلبن شاة وصوفها صح كسائر المنافع. ويعتبر خروج ذلك من الثلث كسائر الوصايا. وإن لم تخرج من الثلث أجيز منها بقدر الثلث إن لم تجز الورثة الباقى. وإذا أريد تقويم المنفعة وكانت الوصية بالمنفعة مقيدة بمدة معلومة قوم الموصى بمنفعته مسلوب المنفعة تلك المدة ثم نقوم المنفعة فى تلك المدة فينظر كم قيمتها وذلك بأن يوصى له بسكنى دار سنة فتقوم الدار مستحقة المنفعة سنة، فإذا قيل قيمتها عشرة مثلا قومت بمنفعتها، فإذا قيل قيمتها اثنا عشر فالاثنان قيمة المنفعة الموصى بها إذا خرجا من الثلث نفذت الوصية وإلا فبقدر ما يخرج منهما. وهذا أحد الوجهين. واختاره فى المستوعب قال: هذا الصحيح عندى. والوجه الثانى: يعتبر خروج العين بمنفعتها من الثلث وجزم به صاحب الإقناع.

стр. 6271

قال فى الإنصاف وهو الصحيح. وقال فى تصحيح الفروع حكمها حكم المنفعة على التأييد. وعليه الأكثر منهم القاضى وقدمه فى الخلاصة والنظم والرعايتين والحاوى الصغير وشرح الحارثى وغيرهم من الأصحاب. وإن كانت الوصية بالمنفعة مطلقة فى الزمان فإن كانت منفعة عبد ونحوه فتقوم الرقبة بمنفعتها، لأن عبدا لا منفعة له لا قيمة له. وإن كانت المنفعة ثمرة بستان قومت الرقبة على الورثة وتقوم المنفعة على الوصى، لأن الشجر ينتفع بحطبه إذا يبس فإذا قيل قيمة الشجرة عشرة وبلا ثمرة درهم علمنا أن قيمة المنفعة تسعة فيعتبر خروجها من الثلث. ولو وصى بمنافع عبده أو بمنافع أمته أبدا أو مدة معينة لسنة صح لما تقدم وللورثة عتقها، لأنها مملوكة لهم لا عن كفارة لعجزها عن الاستقلال بنفعها فهى كالزمنة ومنفعتها باقية للموصى له ولا يرجع على المعتق بشئ، لأنه لم يفوت عليه شيئا. وإن أعتقه صاحب المنفعة لم يعتق لأن العتق للرقبة وهو لا يملكها. فإن وهب صاحب المنفعة وهو الموصى له بها منافعه للعبد أو أسقطها عنه فللورثة الانتفاع به لأن ما يوهب للعبد يكون لسيده على هذا إن كان ذلك بعد العتق فليس لهم الانتفاع به وللورثة بيع الرقبة من الموصى له بمنافعها ولغيره لأن المشترى قد يرجو الكمال بحصول منافعها له من جهة الوصى إما بهبة أو وصية أو مصالحة بمال وقد يقصد تكمل المصلحة لمالك المنفعة بتمليك الرقبة للموصى له وقد يعتقها فيكون له الولاء ولأن الرقبة مملوكة لهم فيصح بيعها كغيرها وتباع مسلوبة المنفعة ويقوم المشترى مقام البائع فيما له وعليه. وإن جنت الأمة الموصى بمنافعها أو العبد سلموها لولى الجنابة مسلوبة المنفعة أو قدرها مسلوبة المنفعة ويبقى انتفاع الوصية بماله لأن جنايتها تتعلق برقبتها لا بمنفعتها. وللورثة كتابة الأمة الموصى بمنافعها. وكذا العبد الموصى بمنافعه كبيعه. ولهم ولاية تزويجها. وليس لهم تزويجها إلا بإذن مالك المنفعة لأنه يتضرر به. فإن اتفقا على ذلك جاز. ويجب تزويجها بطلبها لأنه حق لها والمهر فى كل موضع وجب سواء كان بنكاح أو شبهة زنا للموصى له لأنه بدل بضعها وهو من منافعها. وإن وطئت الأمة الموصى بنفعها بشبهة فالولد حر لاعتقاد الواطئ أنه وطئ فى ملك كالمغرور بأمة. وللورثة قيمة الولد عند الوضع على الواطئ جبرا لما فاتهم من رقه لأن فوته عليهم. وإن قتل الأمة وارث أو غيره فللورثة قيمتها دون الموصى له وإن الاتلاف صادف الرقبة وهم مالكوها وفوات المنفعة حصل ضمنا وتبطل الوصية لفوات محلها كالإجارة ويلزم القاتل قيمة المنفعة أى فتقوم العين مسلوبة المنفعة ويغرم قيمتها للورثة كما تقدم. وليس معناه يغرمها للموصى له كما قدمته لك فلا مخالفة فيه لكلام الأصحاب.

стр. 6272

وفى الانتصار إن قتلها وارثها فعليه قيمة المنفعة. قال فى الإنصاف وعموم كلام المصنف وغيره من الأصحاب إن قتل الوارث كقتل غيره. وقطع فى المنتهى بما فى الانتصار. وللموصى له بخدمة أمة ونحوها استخدامها حضرا وسفرا وله المسافرة بها وإجارتها وإعارتها، لأنه إذا ملك النفع جاز له استيفاؤها بنفسه وبمن يقوم مقامه. وكذا حكم العبد الموصى بنفعه وليس لأى من الوارث والموصى له بالنفع وطؤها لأن مالك المنفعة ليس بزوج ولا مالك للرقبة، والوط ء لا يباح بغيرهما ومالك الرقبة لا يملكها ملكا تامّا ولا يأمن أن تحمل منه، وربما أفضى إلى هلاكها فإن وطئها أحدهما أثم ولا حد عليه لأنه وط ء شبهة لوجود الملك لكل منهما. وإن ولدت من أحدهما فولده حر لما تقدم. فإن كان الواطئ صاحب المنفعة وأولدها لم تصر أم ولد له، لأنه لا يملكها وعليه قيمة ولدها يوم وضعه للورثة لما تقدم ولا مهر عليه، لأنه لو وجب لكان له وحكمها على ما ذكر فيما إذا وطئها أجنبى بشبهة على ما سبق وإن كان الواطئ مالك الرقبة صارت أم ولد له لأنها علقت منه بحر فى ملكه وعليه المهر للموصى له بالنفع وتجب عليه قيمة الولد يأخذ شركاؤه حصتهم منها لكونه فوته عليهم. وإن كان الواطئ هو الوارث وحده سقطت عنه قيمة الولد إذ لو وجبت لكانت له ولا تجب للإنسان على نفسه شئ. وإن ولدت الموصى بنفعها من زوج لم يشرط الحرية، أو زنا فالولد لمالك الرقبة لأنه جزء منه وليس من النفع الموصى به ونفقتها على مالك نفعها، لأنه يملك نفعها فكانت النفقة عليه كالزوج. وكذلك سائر الحيوانات الموصى بمنفعتها تكون نفقتها على الموصى له بمنفعتها ويعتبر خروج جميع الأمة الموصى بمنفعتها. وكذلك كل عين موصى بنفعها من الثلث سواء كانت الوصية أبدا أو مدة معينة. وهذا هو الصحيح كما تقدمت الإشارة إليه. فتقوم الأمة بمنفعتها فما بلغت اعتبرت من الثلث، فإن ساواه أو نقص نفذ وإلا فبقدره ويتوقف الزائد على الإجازة. وإن وصى لرجل برقبتها ووصى لآخر بمنفعتها صح ذلك وصاحب الرقبة كالوارث فيما ذكرنا من الأحكام لأنه مالك الرقبة. ولو مات الموصى له بنفعها أو مات الموصى له برقبتها أو ماتا فلورثة كل واحد منهما ما كان له لأن من مات عن حق فهو لورثته. وإن وصى لرجل بحب زرعه ولآخر بتبنه صح والنفقة بينهما على قدر المالين ويجير الممتنع منهما على الانفاق مع الآخر لأن الترك ضرر عليهما وإضاعة للمال وتكون النفقة بينهما على قدر قيمة كل واحد منهما فى الحب والتبن كالشريكين فى أصل الزرع.

стр. 6273

وإن وصى (١) لزيد بخاتم ووصى لآخر. بفصه صح ذلك لأن فيه نفعا مباحا وليس لواحد منهما الانتفاع بالخاتم إلا بإذن الآخر كالمشترك وأيهما طلب قلع الفص من الخاتم أجيب له وأجبر الآخر عليه لتمييز حقه. وإن وصى له بمكاتبه صح، لأنه يصح بيعه ويكون الموصى له به كما لو اشتراه لأن الوصية تمليك أشبهت الشراء فإن أدى عتق والولاء له كالمشترى. وإن عجز عاد رقيقا له. وإن عجز فى حياة الموصى لم تبطل الوصية لأن رقه لا ينافيها وإن أدى إليه بطلت فإن قال إن عجز ورق فهو لك بعد موتى فعجز فى حياة الموصى صحت. وإن عجز بعد موته بطلت. وإن قال إن عجز بعد موتى فهو لك ففيه وجهان. لكن قياس ما تقدم الصحة. وإن وصى له بمال الكتابة كله أو بنجم منها صح لأنها تصح بما ليس بمستقر كما تصح بما لا يملكه فى الحال كحمل الجارية، وللموصى له الاستيفاء عند حلوله والإبراء منه ويعتق المكاتب بأحدهما بالاستيفاء أو الإبراء والولاء للسيد لأنه المنعم عليه. فإن عجز المكاتب فأراد الوارث تعجيزه وأراد الموصى له انظاره أو عكسه بأن أراد الموصى له تعجيزه وأراد الوارث أنظاره فالحكم للوارث لأن حق الموصى له إنما يثبت عند تمام العقد والقدرة على الأداء فإن عجز كان العقد مستحق الإزالة فيملك الوارث الفسخ والانظار. وإن وصى برقبة المكاتب لرجل ووصى بما عليه لآخر صح على ما قال، لأن كلا منهما تصح الوصية به مفردا فجازا مجتمعا فإن أدى المكاتب لصاحب وصية المال أو أبرأه منه عتق وبطلت الوصية برقبته لانتقاء شرطها، وإن عجز المكاتب عن أداء مال الكتابة كله أو بعضه فسخ صاحب الرقبة كتابته وكان رقيقا له عملا بالوصية وبطلت وصية صاحب المال لفوات محلها وإن كان الموصى له بالمال قبض من مال الكتابة شيئا فهو له ولا يرجع به عليه وإن كانت الكتابة فاسدة فأوصى لرجل بما فى ذمة المكاتب لم يصح لأنه لا شئ فى ذمته فإن قال أوصيت لك بما أقبضه من مال الكتابة صح، لأن الأداء فى الفاسدة كالأداء فى الصحيحة من ترتب العتق عليه وإن وصى برقبته صح، لأنه إذا صح فى الصحيحة ففى الفاسدة أولى. وإذا قال اشتروا بثلثى رقابا فأعتقوهم لم يجز صرفه إلى المكاتبين. مذهب الزيدية: جاء فى التاج المذهب (٢): أن الوصية تصح بالحمل والعبد نحو أن يوصى بحمل أمته أو بهيمته حيث تعلقت الوصية بالموجود منهما وإلا كانت مؤبدة كما فى التاج. وتصح الوصية بالرقبة دون المنفعة والفرع دون

стр. 6274

الأصل والنابت دون المنبت نحو أن يوصى لغيره برقبة عبده دون منفعته أو برقبة أرضه دون منفعتها أو بثمر شجره أو ولد دابته دونها، ولا يحتاج إلى استثناء الأصل وهى الشجرة والدابة لأنهما لا يدخلان فى الوصية بالفرع تبعا كالبيع، أو بالنابت، كالشجرة والزرع دون المنبت وهى الأرض فإنها تصح الوصية فى ذلك كله، ولا يحتاج هنا إلى استثناء الأرض إذ لا تدخل تبعا. وحاصله أنه إن أوصى بالأصول احتاج إلى استثناء الفروع وإن أوصى بالفروع فلا يحتاج إلى استثناء الأصول لبقائها على ملكه. ولا يصح الإيصاء بهذه الأشياء الثلاثة مؤبدة إلى موت الموصى له ولا تورث عنه. وتصح الوصية عكس ذلك من الصور الأربع وهو الإيصاء بالمنفعة دون الرقبة، والأصل دون الفرع، والمنبت دون النابت ومنقطعة عكس المؤبدة وذلك فى المنافع دون الأعيان فيلغوا التوقيت وتصير مؤبدة كما فى الهبة. وإذا أوصى لإنسان بخدمة عبده سواء استثنى الرقبة أم لا أو أوصى بها لآخر كان لذى الوصاية بالخدمة فوائده الفرعية كمهر الثيب مطلقا والبكر حيث وجب بغير الدخول والأجرة حيث غصب أو كان مؤجرا حال موت الموصى، وله أن يعيره من شاء ويساقى به، وليس له أن يؤجره لأن الوصية بذلك إباحة، والمباح ليس له أن يؤجره، لأن الأجرة تكون ربحا. وإذا تلفت الرقبة فلا يضمنها من ماله إلا أن يضمن فيضمن من ماله. وإذا أجرها كانت الأجرة له لأنها ربح ما هو مضمون ويأثم. والكسب الحاصل للعبد يكون لذى الخدمة نحو ما يحييه من الأرض الميتة أو يتهبه أو يلتقطه وكان يسيرا يتسامح به فمن جملة المكسب. وإن كان كثيرا فولاية قبضه والتعريف به إلى العبد إذ الولاية إليه. وليس للسيد أن ينتزعه من يده ومن له الخدمة عليه للعبد النفقة والفطرة والسكنى والكسوة والدواء والكفن ونفقة زوجته ولذى الرقبة الفوائد الأصلية وهى الولد والصوف واللبن والثمر أو مهر البكر الواجب لإزالة البكارة. قال فى البيان والإذن له بالتجارة يكون إلى ذى الخدمة والرقبة وما لزمه ففى رقبته ومنفعته ولذى الرقبة أرش الجناية على العبد دون صاحب الفوائد الفرعية فإذا قتل ففيما يجب القصاص لذى الرقبة أن يقتص من دون حضور ذى المنفعة. وله أن يعفو ويستحق الدية وحده وهى قيمته بمنافعه لا مسلوب المنافع. ولا شئ لصاحب المنفعة من القيمة كما لو قتله صاحب الرقبة. وأرش الجناية إذا وقعت من العبد على ذى الرقبة ولا شئ على ذى المنفعة. وأما الإذن بالنكاح للعبد وإنكاح الأمة فإلى مالك الرقبة. ويراضى مستحق الخدمة فإن روضى فلم يرض لم ينفذ النكاح ويبقى موقوفا، لأنه يشترط مراضاته البالغة العاقلة. وأما مهر زوجة العبد فعلى مالك الرقبة. وأما نفقة زوجته فتتبع نفقته وذلك على

стр. 6275

صاحب المنفعة. ويلزم مالك الرقبة لذى المنفعة أعواض المنافع يعنى منافع العبد إن استهلكه مالك الرقبة بغير القتل نحو أن يعتقه أو يكاتبه فإعتاق العبد يبطل المنفعة لأن منافع الحر لا تملك فيضمن المعتق وهو مالك الرقبة لذى المنفعة قيمتها. وكذا لو باعه وتعذر استيفاء المنفعة من المشترى، فإنه يضمن. وإنما فرق بينه وبين العبد المشترك إذا أعتقه أحد الشريكين فإنه لا يضمن لشريكه قيمة الخدمة لأن هنا لم يجب لصاحب الخدمة شئ من قيمة الرقبة. وفى مسألة الشريكين قد يضمن المعتق قيمة نصيب شريكه فى الرقبة. وأما لو استهلكه بالقتل فلا يضمن لذى المنفعة شئ إذ لا تعلم حياته بخلاف العتق فقد علم حياته وهذه القيمة اللازمة لذى الخدمة للحيلولة بينه وبين منافع العبد إلى موت الموصى له وبعد موته لا يلزم تسليمها لورثته لأن المنافع لا تورث أو إلى موت العيد، لأن المنفعة قد انقطعت بموته. ولا تسقط الخدمة الموصى بها لشخص بالبيع من مالك الرقبة أو نحو البيع كالهبة والصدقة والنذر فالمشترى ونحوه يملك الرقبة دون المنفعة فتبقيتها لمستحقها له حق استيفائها إلا أن يجيز البيع ونحوه ولو جاهلا سقط حقه من المنفعة. وكذا لو سلم العبد كان تسليمه إجازة. وكذا لو كان الموصى به الكراء (١) فإنه يصح بيع الوارث للعين ويسلم الكراء من هو عليه للموصى له فإن تعذر سلمه الوارث كما مر للحيلولة. وكذا لو أفلس المشترى عن الكراء سلمه البائع. والوصية بالخدمة هى عيب فى المبيع للمشترى أن يفسخه بذلك إذا جهله حال العقد وحال القبض. ويصح إسقاطها إذا أسقط الموصى له بالخدمة حقه من الخدمة صح ذلك الإسقاط ولم يكن له أن يرجع وليس من شرط الإسقاط لفظه بل لو أجاز البيع صاحب الخدمة بطل حقه من المنفعة ولو عاد عليه بما هو نقص للعقد من أصله. مذهب الإمامية: جاء فى العروة الوثقى (٢). أنه لو أوصى لإنسان بشيئين بإيجاب واحد فقبل الموصى له أحدهما دون الآخر صح فيما قبل وبطل فيما رد. وكذا لو أوصى له بشئ واحد فقبل بعضه مشاعا أو مفروزا ورد بعضه الآخر إن لم نقل بصحة مثل ذلك فى البيع ونحوه بدعوى عدم التطابق حينئذ بين الإيجاب والقبول، لأن مقتضى القاعدة الصحة فى البيع أيضا أن لم يكن إجماع. ودعوى عدم التطابق ممنوعة. نعم لو علم من حال الموصى إرادته تمليك المجموع من حيث المجموع لم يصح التبعيض.

стр. 6276

وتصح الوصية (١) بكل ما يكون فيه غرض عقلائى محلل من عين أو منفعة أو حق قابل للنقل ولا فرق فى العين بين أن تكون موجودة فعلا أو قوة. فتصح بما تحمله الجارية والدابة أو الشجرة. وتصح بالعبد الآبق منفردا ولو لم يصح بيعه إلا بالضميمة. ولا تصح بالمحرمات كالخمر والخنزير ونحوهما، ولا بآلات اللهو، ولا بما لا نفع فيه ولا غرض عقلائى كالحشرات وكلب الهراش. أما كلب الصيد فلا مانع منه وكذا كلب الحائط والماشية والزرع. وإن قلنا بعدم مملوكية ما عدا كلب الصيد إذ يكفى وجود الفائدة فيها. ولا تصح بما لا يقبل النقل من الحقوق كحق القذف ونحوه وتصح بالخمر المتخذ للتخليل. ولا فرق فى عدم صحته بالخمر والخنزير بين كون الموصى والموصى له مسلمين أو كافرين أو مختلفين، لأن الكفار أيضا مكلفون بالفروع. نعم هم يقرون على مذهبهم وإن لم يكن عملهم صحيحا. ولا تصح الوصية بمال الغير ولو أجاز ذلك الغير إذا أوصى لنفسه. نعم لو أوصى فضولا عن الغير احتمل صحته إذا أجاز. وجاء فى الروضة البهية (٢): أنه يتخير الوارث فى المتواطئ وهو المقول على معنى يشترك فيه كثير كالعبد وفى المشترك وهو المقول على معنيين فصاعدا بالوضع الأول من حيث هو كذلك كالقوس، لأن الوصية بالمتواطئ وصية بالماهية الصادقة بكل فرد من الأفراد كالعبد، لأن مدلول اللفظ فيه هو الماهية الكلية، وخصوصيات الأفراد غير مقصودة إلا تبعا فيتخير الوارث فى تعيين أى فرد شاء لوجود متعلق الوصية فى جميع الأفراد، وكذا المشترك، لأن متعلق الوصية فيه هو الاسم وهو صادق على ما تحته من المعانى حقيقة فتحصل البراءة بكل واحد منها. وربما احتمل هنا القرعة، لأنه أمر مشكل إذ الموصى به ليس كل واحد لأن اللفظ لا يصلح له وإنما المراد واحد غير معين فيتوصل إليه بالقرعة بأنها لبيان ما هو معين فى نفس الأمر مشكل ظاهرا وليس هنا كذلك فإن الإبهام حاصل عند الموصى وعندنا وفى نفس الأمر فيتخير الوارث. ولو أوصى بمنافع العبد دائما أو بثمرة البستان دائما قومت المنفعة على الموصى له والرقبة على الوارث إن فرض لها قيمة كما يتفق فى العبد لصحة عتق الوارث له ولو عن الكفارة. وفى البستان بانكسار جذع ونحوه فيستحقه الوارث حطبا وخشبا، لأنه ليس بثمرة ولو لم يكن للرقبة نفع البتة قومت العين أجمع على الموصى له، وطريق خروجها من الثلث يعتبر منه، يستفاد من ذلك فتقوم العين بمنافعها مطلقا، ثم تقوم مسلوبة المنافع الموصى بها فالتفاوت هو الموصى به فإن لم يكن تفاوت فالمخرج من الثلث جميع القيمة ومنه يعلم ما لو كانت المنفعة مخصوصة بوقت.

стр. 6277

ولو أوصى بعتق مملوكه وعليه دين قدم الدين من أصل المال الذى من جملته المملوك وعتق الفاضل عن الدين من جميع التركة ثلثه إن لم يزد على المملوك فلو لم يملك سواه بطل منه فيما قابل الدين وعتق ثلث الفاضل إن لم يجز الوارث، ولا فرق بين كون قيمة العبد ضعف الدين أو أقل على أصح القولين. وقيل تبطل الوصية مع نقصان قيمته عن ضعف الدين ولو نجز عتقه فى مرضه فإن كانت قيمته ضعف الدين صح العتق فيه أجمع. ولو أوصى بعتق ثلث عبيده أو عدد منهم مبهم كثلاثة استخرج الثلث والعدد بالقرعة لصلاحية الحكم لكل واحد فالقرعة طريق التعيين، لأنها لكل أمر مشكل، ولأن العتق حق للمعتق، ولا ترجيح لبعضهم لانتقاء اليقين، فوجب استخراجه بالقرعة. وقيل ينجز الوارث فى الثانى، لأن متعلق الوصية متواطئ فيتخير فى تعيينه الوارث كما سبق، ولأن المتبادر من اللفظ هو الاكتفاء بعتق أى عدد كان من الجميع فيحمل عليه وهو قوى. وفى الفرق بينه وبين الثلث نظر. ولو أوصى بأمور متعددة فإن كان فيها واجب قدم على غيره وإن تأخرت الوصية به سواء كان الواجب ماليّا أم غيره وبدئ بعده بالأول فالأول ثم إن كان الواجب ماليّا كالدين والحج أخرج من أصل المال والباقى من الثلث. وإن كان بدنيا كالصلاة والصوم قدم من الثلث وأكمل من الباقى مرتبا للأول فالأول. وألا يكن فيها واجب بدنى بدئ بالأول منها فالأول حتى يستوفى الثلث ويبطل الباقى إن لم يجز الوارث والمراد بالأول الذى قدمه الموصى فى الذكر ولم يعقبه ما ينافيه. ويدخل فى الوصية بالسيف جفنه بفتح أوله وهو غمده بكسره. وكذا تدخل حليته لشمول اسمه عرفا وإن اختص لغة بالنصل. ورواية أبى جميلة بدخولها شاهد مع العرف وبالصندوق أثوابه الموضوعة فيه. وكذا غيرها من الأموال المظروفة. وبالسفينة متاعها الموضوع فيها عند الأكثر. ومستنده رواية أبى جميلة عن الرضا ﵇ وغيرها مما لم يصح سنده والعرف قد يقضى بخلافه فى كثير من الموارد وحقيقة الموصى به مخالف للمظروف فعدم الدخول أقوى إلا أن تدل قرينة حالية أو مقالية على دخول الجميع أو بعضه فيثبت ما دلت عليه خاصة. ويصح تعدد الوصى (١) فيجتمعان لو كان اثنين فى التصرف بمعنى صدوره عن رأيهما ونظرهما وإن باشر أحدهما إلا أن يشترط لهما الانفراد فيجوز حينئذ لكل واحد منهما التصرف بمقتضى نظره. فإن تعاسرا فأراد أحدهما نوعا وأراد أحدهما نوعا من التصرف ومنعه الآخر صح تصرفهما فيما لا بد منه كمؤنة اليتيم والدابة وإصلاح العقار ووقف غيره

стр. 6278

على اتفاقهما. وللحاكم الشرعى إجبارهما على الاجتماع من غير أن يستبدل بهما مع الإمكان إذ لا ولاية له فيما فيه وصى فإن تعذر عليه جمعهما استبدل بهما تنزيلا لهما بالتعذر منزلة المعدوم لاشتراكهما فى الغاية. كذا أطلق الأصحاب. ولو شرط بهما الانفراد ففى جواز الاجتماع نظر من أنه خلاف الشرط فلا يصح ومن أن الاتفاق على الاجتماع يقتضى صدوره عن رأى كل واحد منهما وشرط الانفراد اقتضى الرضا برأى كل واحد وهو حاصل إن لم يكن آكد. والظاهر أن شرط الانفراد رخصة لهما لا تضيق نعم لو حصل لهما فى حال الاجتماع نظر مخالف له حال الانفراد توجه المنع لجواز كون المصيب هو حالة الانفراد ولم يرضى الموصى إلا به ولو نهاهما عن الاجتماع اتبع قطعا عملا بمقتضى الشرط الدال صريحا على النهى عن الاجتماع فيتبع. ولو جوز لهما الأمرين الاجتماع والانفراد أمضى ما جوزه وتصرف كل منهما كيف شاء من الاجتماع والانفراد. فلو اقتسما المال فى هذه الحالة جاز بالتضعيف والتفاوت حيث لا يحصل بالقسمة ضرر لأن مرجع القسمة حينذ إلى تصرف كل منهما فى البعض وهو جائز بدونها بعد القسمة لكل منهما التصرف فى قسمة الآخر وإن كانت فى يد صاحبه لأنه وصى فى المجموع فلا تزيل القسمة ولايته فيه. ولو ظهر من الوصى المتحد أو المتعدد على وجه يفيد الاجتماع عجز ضم الحاكم إليه معينا لأنه بعجره خرج عن الاستقلال المانع من ولاية الحاكم وبقدرته على المباشرة فى الجملة لم يخرج عن الوصاية بحيث يستقل الحاكم فيجمع بينهما بالضم. ومثله ما لو مات أحد الوصيين على الاجتماع. أما المأذون لهما فى الانفراد فليس للحاكم الضم إلى أحدهما بعجز الآخر لبقاء وصى كامل. وبقى قسم آخر وهو ما لو شرط لأحدهما الاجتماع وسوغ للآخر الانفراد فيجب اتباع شرطه فيتصرف المستقل بالاستقلال والآخر مع الاجتماع خاصة. وقريب منه ما لو شرط لهما الاجتماع موجودين وانفراد الثانى بعد موت الآخر أو عجزه فيتبع شرطه. وكذا يصح شرط مشرف على أحدهما بحيث يكون للمشرف شئ من التصرفات وإنما يصدر عن رأيه فليس للوصى التصرف بدون إذنه مع الإمكان فإن تعذر ولو بامتناعه ضم الحاكم إليه معينا كالمشروط له الاجتماع على الأقوى لأنه فى معناه حيث لم يرضى برأيه منفردا. وكذا يجوز اشتراط تصرف أحدهما فى نوع خاص والآخر، فى الجميع منفردين ومجتمعين على ما اشترطا فيه. ولا يوصى الوصى (١) إلى غيره عمن أوصى إليه إلا بإذنه فيه له فى الإيصاء على أصح القولين. وحيث لا يصرح له بالإذن فى الإيصاء يكون

стр. 6279

النظر بعده فى وصية الأول إلى الحاكم، لأنه وصى من لا وصى له. وكذا حكم كل من مات ولا وصى له مع تعذر الحاكم لفقده أو بعده بحيث يشق الوصول إليه عادة يتولى إنفاذ الوصية بعض عدول المؤمنين من باب الحسبة والمعاونة على البر والتقوى المأمور بها. مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل (١): أن الإباضية اختلفوا فى الإيصاء بالمنافع كغلة شجر وسكنى دور وحرث أراضى، وخدمة عبيد، أو دواب يستخدمها عنده، أو يخدمان غيره فيأخذ الأجرة، وذمة العبد، وهى ما أوصى به له، أو وهب له على قول أن العبد يملك مالا وغرس فى أرض، وبناء فى أرض، ونجارة بقادوم، وخياطة بإبرة ونحو ذلك. قيل يجوز مطلقا، لأن المنفعة كنفس المال، بل هى المقصودة بالذات من نفس المال وهى ولو لم توجد، لكن تعلقت الوصية لوجودها وهى أولى من بيع وشرط، مع أن الصحيح فى البيع والشرط الجواز، إذا حل تملك الشرط وعلم، وجواز الوصية بالمنفعة هو الصحيح عندى وأحاديث العمرى والرقبى نص فيه. وقيل: لا يجوز مطلقا، لأن المنفعة معدومة والمعدوم غير مملوك فإذا أوصى بها فقد أوصى بمال الغير. ويرده أحاديث العمرى والرقبى. وقيل: إن أجل جاز، وإلا فلا، والمنفعة لصاحب الأرض والشجر والبناء ولا يجد صاحبها أن يقلعهما ربهما، لكن إذا زالا لم يجد أن يجددهما وإن أجل له قلعهما عند الأجل. وقيل لا يقلع الشجر ولكن له قيمة الأرض فمن أوصى لأحد بثمار جنانه عشر سنين أو أقل أو أكثر أو سكنى داره عشرا أو أقل أو أكثر أو بغير ذلك بتأجيل فمات الموصى فلا يحكم له أى لأحد وهو الموصى له بذلك أجل أو لم يؤجل ولزم الوارث كله عند الله. وأجاز بعضهم الحكم له بذلك كله أيضا كما جاز له عند الله. وهذا القول لم يذكره الشيخ فى هذا المقام. ولكن دل عليه قوله وأما الوصية بالمنافع فقد اختلفوا فيها وذكره الشيخ بعد بقوله وفى الأثر وإن أوصى رجل بسكنى هذه الدار أو البيت أو جميع ما يسكن فيه سمى الأجل أو لم يسم فذلك لا يجوز إن وسعه الثلث قيد لقوله جوز ولقوله لزم الوارث لأنه إن لم يسعه الثلث لم يلزم الوارث كله عند الله ولم يجزه ذلك البعض كله بل يلزمه بعضه فيما بينه وبين الله تعالى. ويجيز ذلك البعض بعضه فقط. وقيد الثلث مراد فى قول الشيخ وفى الأثر: إن أوصى رجل بسكنى هذه الدار ويأخذ ما ذكره من الثمار والسكنى وكذا غيرهما فى السنين التالية لموته إن عين الموصى أنها بعد موته باتصال، أو لم يعين أنها بعده بأتصال، ولا بانفصال، ولم يبين أنها بعده

стр. 6280

كما يشاء باتصال، أو انفصال، وأن عين فعلى ما عين. وكذا كل مدة أقل من سنة وإن عدمت ثمار الفدان وكذا غير الثمار من كل منفعة أوصى بها فى عشر السنين. وكذا غيرها من الآجال أو فى بعض العشر. وكذا سائر بعض المدد أو ترك الخدمة بالعبد الذى أوصى له بخدمته أو الخدمة بالداية التى أوصى بالخدمة بها أو بخدمتها عند غيره فيأخذ الأجرة أو السكنى أو البناء أو الغرس أو غير ذلك مما أوصى به له من المنافع فيها أو فى بعضها، أو أخذ من الموصى له محل الخدمة والسكنى مثلهما سائر المنافع، كالغرس والبناء. ومحل الخدمة العبد والدابة والسفينة ونحو ذلك كآلات سواء كان الذى أخذ ذلك جائرا أو غالطا أو مدعيا أنه له أو غير ذلك. وإن أوصى بما ذكرنا ونحوه من المنافع ولا بتأجيل منعه بعض وأجازه بعض بلا تأجيل، كما يجيزه إذا أجل بالنظر إلى الثلث أى باعتباره والنزول فيه بالمحاصة وينزل فى المال بالثلث مع الوصايا إن كانت، وإن لم تكن نزل بالثلث فى الثلث لأنه إن طالت المدة فرغ الثلث. وكذا إن أجل وأحاط ما أوصى به من المنافع أو رقاب الأموال بحاله فإنه لا يجاوز الثلث وينزل فى الثلث بالثلث مع الوصايا، وإن لم تكن الوصايا ينزل فى الثلث بالثلث، نظر. لم ينزل إذا أوصى له بغلة مدة فإنه لا يدرى كم تثمر تلك النخلة أو الشجرة فى المدة فينزله به فى الثلث فلعله يعتبر له الأوسط أو الأدنى أو الأفضل على الخلاف وللضرورة. إلا أنه قد ينكشف الحال بعد ذلك أنها أثمرت أقل أو أكثر مما قدر. ولعلهم يقدرون ثمارها بحسب حالها وعادتها للضرورة فينزل بها ولو كان قد ينكشف خلافه فإن معنى النزول فى الثلث أن يقوم الموصى بالانتفاع منه وجميع ما للموصى من الأصول والعروض وتضم القيمة إلى ماله من الدنانير والدراهم، فينظر كم ثلث ذلك كله فيحاصص الموصى له بالانتفاع مع أصحاب الثلث فى ذلك المقدار، والذى كان ثلثا فما نابه انتفع مما أوصى له بالانتفاع به على مقداره مثل أن ينوبه من الثلث عشرة دنانير فيسكن فى الدار مدة يكون كراءها عشرة دنانير أو يستخدم عند الناس حتى يأخذ من أجرته عشرة أو يستخدمه عنده ما يكون أجره عشرة أو يستغل من النخلة أو الشجرة أو الأرض ما قيمته عشرة وهكذا. ومن أوصى (١) بخدمة عبده سنة ولا مال له سواه فإنه يخدمه يوما والوارث يومين حتى تتم. وكذا إن قال يسكن دارى سنة سكن ثلثها بمشاهرة أو مياومة وقيل يسكن ثلثها سنة. وإن أوصى بغلة عبده أو داره سنة فله ثلث غلة ذلك سنته. وإن قال بغلة عبده وسكن داره فليس له أن يؤاجرهما، لأن الأجرة لا يوجد فيها حق للموصى

стр. 6281

له به وليس له إخراج العبد من مصره، إلا أن أهل الموصى له فى غيره واختير أن يخرج من خدمته وسكن الدار معنى الخلاف فى أن يؤاجره وبخدمة غيره أو يؤاجره سكناها ويسكنها غيره. فإن أوصى، له أن يستخدمه أو يسكنها لم يكن له إلا ذلك وبين قوله سكناها وأن يسكنها فرق وقيل له أن يؤاجرها إذا أوصى له بسكناها وخدمته والأجرة له. وإن أوصى له بخدمة غلامه وللآخر برقبته وهو يخرج من الثلث جاز لكل منهما ما أوصى له به، كما لو أوصى لرجل بأمة، وللآخر بجنينها، أو لرجل بغرارة وللآخر بثمرها كان كما قال. وإن أوصى لزيد بخدمة عبده ولعمرو بغلته خدم زيدا شهرا وطعامه عليه فيه ويغل من عمرو شهرا ومؤنته عليهما، وكذا جنايته. وإن أوصى لرجل بخدمة عبده ولآخر برقبته قومنا فى الثلث، ثم يتحاصصان فيه فيأخذ كل واحد قيمة ماله منه كسائر الوصايا. الإفراد فى الهبة مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع (١): أن من شروط الهبة ألا يكون الموهوب مشغولا بما ليس بموهوب لأن معنى القبض وهو التمكن من التصرف فى المقبوض لا يتحقق مع الشغل. وعلى هذا يخرج ما إذا وهب دارا فيها متاع الواهب وسلم الدار إليه أو سلم الدار مع ما فيها من المتاع، فإنه لا يجوز لأن الفراغ شرط صحة التسليم والقبض ولم يوجد قبل الحيلة فى صحة التسليم أن يودع الواهب المتاع عند الموهوب له أولا، ويخلى بينه وبين المتاع ثم يسلم الدار إليه فتجوز الهبة فيها، لأنها مشغولة بمتاع هو فى يد الموهوب له. وفى هذه الحيلة إشكال وهو أن يد المودع يد المودع معا فكانت يده قائمة على المتاع فتمنع صحة التسليم. ولو أخرج المتاع من الدار ثم سلم فارغا جاز وينظر إلى حال القبض لا إلى حال العقد، لأن المانع من النفاذ قد زال فينفذ كما فى هبة المشاع. ولو وهب ما فيها من المتاع دون الدار وخلى بينه وبين المتاع جازت الهبة لأن المتاع لا يكون مشغولا بالدار، والدار تكون مشغولة بالمتاع، لهذا افترقا فيصح تسليم المتاع ولا يصح تسليم الدار. ولو جمع فى الهبة بين المتاع وبين الدار الذى فيها فوهبهما جميعا صفقة واحدة وخلى بينه وبينها جازت الهبة فيهما جميعا، لأن التسليم قد صح فيهما جميعا. فإن فرق بينهما فى الهبة بان وهب أحدهما ثم وهب الآخر فهذا لا يخلو. إما أن يجمع بينهما فى التسليم. وإما أن يفرق. فإن جمع بينهما فى الهبة جازت الهبة فيهما جميعا.

стр. 6282

وإن فرق بينهما بان وهب أحدهما وسلم ثم وهب الآخر وسلم نظر فى ذلك وروعى فيه الترتيب إن قدم هبة الدار فالهبة فى الدار لم تجز لأنها مشغولة بالمتاع، فلم يصح تسليم الدار، وجازت فى المتاع، لأنه غير مشغول بالدار فيصح تسليمه. ولو قدم هبة المتاع جازت الهبة فيهما جميعا. أما فى المتاع فلأنه غير مشغول بالدار فيصح تسليمه. وأما فى الدار فلأنها وقت التسليم كانت مشغولة بمتاع هو ملك الموهوب، فلا يمنع صحة القبض. وعلى هذا الأصل يخرج ما إذا وهب جارية واستثنى ما فى بطنها، أو حيوانا واستثنى ما فى بطنه أنه لا يجوز لأنه لو جاز لكان ذلك هبة ما هو مشغول بغيره وأنها غير جائزة لأنه لا جواز لها بدون القبض وكون الموهوب مشغولا بغيره يمنع صحة القبض. ولو أعتق ما فى بطن جاريته ثم وهب الأم يجوز. وذكر فى العتاق أنه لو دبر ما فى بطن جاريته لا يجوز. ومنهم من قال فى المسألة روايتان. وجه رواية عدم الجواز أن الموهوب مشغول بما ليس بموهوب فأشبه هبة دار فيها متاع الواهب. ووجه رواية الجواز وهى رواية الكرخى ان حرية الجنين تجعله مستثنى من العقد، لأن حكم العقد لم يثبت فيه مع تناوله إياه ظاهرا وهذا معنى الاستثناء. ولو استثناه لفظا جازت الهبة فى الأم فكذا إذا كان مستثنى فى المعنى. ومنهم من قال فى المسألة رواية واحدة. وفرق بين الإعتاق والتدبير. ووجه الفرق أن المدبر مال المولى فإذا وهب الأم فقد وهب ما هو مشغول بمال الواهب فلم يجز كهبة دار فيها متاع الواهب وأما الحر فليس بمال فصار كما لو وهب دارا فيها حر جالس وذا لا يمنع جواز الهبة كذا هذا. ومن شروط الهبة أيضا ألا يكون الموهوب متصلا بما ليس بموهوب اتصال الأجزاء لأن قبض الموهوب وحده لا يتصور وغيره ليس بموهوب فكان هذا فى معنى المشاع، وعلى هذا يخرج ما إذا وهب أرضا فيها زرع دون الزرع أو شجرا عليها ثمر دون الثمر أو وهب الزرع دون الأرض أو الثمر دون الشجر، وخلى بينه وبين الموهوب له أنه لا يجوز لأن الموهوب متصل بما ليس بموهوب اتصال جزء بجزء فمنع صحة القبض ولو جذ الثمر وحصد الزرع ثم سلمه فارغا جاز لأن المانع من النفاذ وهو ثبوت الملك قد زال. ولو جمع بينهما فى الهبة فوهبهما جميعا وسلم متفرقا جاز. ولو فرق بينهما فى الهبة فوهبه كل واحد منهما بعقد على حدة بأن وهب الأرض ثم الزرع أو الزرع ثم الأرض. فإن جمع بينهما فى التسليم جازت الهبة فيهما جميعا. وإن فرق لا تجوز الهبة فيهما جميعا قدم أو أخر سواء ..

стр. 6283

مذهب المالكية: جاء فى الخرشى (١): أن من وهب شخصا نخلا واستثنى الواهب لنفسه ثمرتها سنين معلومة وشرط على الموهوب له السقى للنخل فى تلك السنين فهذا لا يجوز لأنه مخاطرة وبيع معين يتأخر قبضه، لأن سقيه للنخل خرج مخرج المعاوضة، ولأنه كمن باع نخلا واستثنى ثمرتها أعواما معينة، واشترط على المشترى سقيها فى تلك الأعوام فهذا لا يجوز لأنه غرر ولأنه لا يدرى ما يصير النخل إليه بعد تلك الأعوام، فهو من باب أكل أموال الناس بالباطل. وفهم من قوله واستثناء ثمرتها: أنه لو كان المستثنى بعض ثمرتها لأكلها لجاز. ومن قوله والسقى على الموهوب أنه لو كان السقى على الواهب أو على الموهوب ولكن بماء الواهب لجاز ذلك. وقوله كهبة نخل أى شئ يحتاج إلى سقى وعلاج. ولا مفهوم لسنين خلافا للبساطى، لأن العلة الغرر. وإذا وقع ونزل فإن اطلع على ذلك قبل التغير فيرجع الموهوب له بما أنفق والثمرة والأصول لربها وإن فاتت بتغير ملكه الموهوب له بقيمته يوم وضع يده ويرجع على الواهب بما أكله إن عرف وإلا فبقيمته. وجاء فى الحطاب (٢) قال فى كتاب النوادر عن كتاب ابن المواز: وإن تصدق عليه ببيت من داره ولم يسم له مرفقا، فليس له منعه من مدخل ومخرج ومرفق بئر ومرحاض إن لم يسمه فى الصدقة. وليس له أن يقول افتح بابا حيث شئت. وكذلك فى العتبية من رواية عيسى عن ابن القاسم. قال فى المدونة: وإذا وهب له حائط وله ثمر وزعم أنه إنما وهبه الأصل دون الثمرة فإن كانت لم تؤبر فهى للموهوب له. وإن كانت مؤبرة فهى للواهب ويقبل قوله ولا يمين عليه. مذهب الشافعية: جاء فى المهذب (٣): أن ما جاز بيعه من الأعيان جاز هبته لأنه عقد يقصد به ملك العين فملك به ما يملك بالبيع وما جاز هبته جاز هبة جزء

стр. 6284

مشاع منه. لما روى عمر بن سلمة الضمرى رضى الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ خرج من المدينة حتى أتى الروحاء فإذا حمار عقير (١)، فقيل: يا رسول الله، هذا حمار عقير. فقال دعوه فإنه سيطلبه صاحبه، فجاء رجل من فهر فقال: يا رسول الله إنى أصبت هذا فشأنكم (٢) به. فأمر النبى ﷺ أبا بكر يقسم لحمه بين الرفاق (٣). ولأن القصد منه التمليك والمشاع كالمقسوم فى ذلك، وما لا يجوز بيعه من المجهول، وما لا يقدر على تسليمه، وما لم يتم ملكه عليه كالمبيع قبل القبض لا تجوز هبته، لأنه عقد يقصد به تمليك المال فى حال الحياة فلم يجز فيما ذكرناه كالبيع. ولا يجوز تعليق الهبة على شرط مستقبل، لأنه عقد يبطل بالجهالة، فلم يجز تعليقه على شرط مستقبل كالبيع. ثم قال (٤): وإن زاد الموهوب فى ملك الولد أو زال الملك فيه ثم عاد إليه، فالحكم فيه كالحكم فى المبيع إذا زاد فى يد المشترى، أو زال الملك فيه ثم عاد إليه ثم أفلس فى رجوع البائع، ولا يملك الموهوب منه الهبة من غير قبض. لما روت عائشة رضى الله تعالى عنها أن أباها نحلها جذاذ عشرين وسقا من ماله فلما حضرته الوفاة قال يا بنية إن أحب الناس غنى بعدى لأنت، وإن أعز الناس على فقرا بعدى لأنت، وأنى كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقا من مالى وودت أنك جذذته وحزته، وانما هو اليوم مال الوارث وإنما هما إخواك وأختاك. قالت هذان أخواى فمن أختاى؟ قال: ذو بطن بنت خارجة فإنى أظنها جارية. فإن مات قبل القبض قام وارثه مقامه إن شاء قبض وإن شاء لم يقبض. ومن أصحابنا من قال يبطل العقد بالموت، لأنه غير لازم فبطل بالموت كالعقود الجائزة. ومن المنصوص أنه لا يبطل، لأنه عقد يؤول إلى اللزوم فلم يبطل بالموت كالبيع بشرط الخيار فإذا قبض ملك بالقبض. ومن أصحابنا من قال يتبين أنه ملك بالعقد فان حدث منه نماء قبل القبض كان للموهوب له. لأن الشافعى رضى الله تعالى عنه قال فيمن وهب له عبد قبل أن يهل عليه هلال شوال وقبض بعد ما أهل: إن فطرة العبد على الموهوب له. والمذهب الأول.

стр. 6285

مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى (١): أنه لا تصح هبة الحمل فى البطن واللبن فى الضرع. وبهذا قال أبو حنيفة والشافعى وأبو ثور، لأنه مجهول معجوز عن تسليمه. وفى الصوف على الظهر وجهان بناء على صحة بيعه. ومتى أذن له فى جز الصوف وحلب الشاة كان إباحة. وإن وهب دهن سمسمه قبل عصره أو زيت زيتونه أو جفته لم يصح. وبهذا قال الثورى والشافعى وأصحاب الرأى ولا نعلم لهما مخالفا. ولا تصح هبة المعدوم كالذى تثمر شجرته أو تحمل أمته، لأن الهبة عقد تمليك فى الحياة فلم تصح فى هذا كله كالبيع. ثم قال فى موضع آخر (٢): وإن وهب أمة وأستثنى ما فى بطنها صح فى قياس قول أحمد فيمن أعتق أمة واستثنى ما فى بطنها، لأنه تبرع بالأم دون ما فى بطنها فأشبه العتق. وبه يقول فى العتق النخعى وإسحاق وأبو ثور. وقال اصحاب الرأى تصح الهبة ويبطل الاستثناء. ولنا أنه لم يهب الولد فلم يملك الموهوب له كالمنفصل وكالموصى به. ثم قال فى موضع آخر (٣): ألا تزيد الهبة زيادة متصلة كالسمن والكبر وتعلم صنعة. فإن زادت فعن أحمد فيها روايتان: أحدهما: لا تمنع الرجوع وهو مذهب الشافعى لأنها زيادة فى الموهوب فلم تمنع الرجوع كالزيادة قبل القبض والمنفصلة. والثانية: تمنع الرجوع وهو مذهب أبى حنيفة لأن الزيادة للموهوب له لكونها نماء ملكه ولم تنتقل إليه من جهة أبيه، فلم يملك الرجوع فيها، كالمنفصلة. وإذا أمتنع الرجوع فيها امتنع الرجوع فى الأصل، لئلا يقتضى إلى سوء المشاركة، وضرر التشقيص، ولأنه استرجاع للمال بفسخ عقد لغير عيب فى عوضه فمنعه الزيادة المتصلة كاسترجاع الصداق بفسخ النكاح أو نصفه بالطلاق أو رجوع البائع فى المبيع لفلس المشترى. ويفارق الرد بالعيب من جهة أن الرد من المشترى وقد رضى ببذل الزيادة. وإن فرض الكلام فيما إذا باع عرضا بعوض فزاد أحدهما ووجد المشترى الآخر به عيبا. قلنا بائع المعيب سلط مشتريه على الفسخ ببيعه

стр. 6286

المعيب فكأن الفسخ وجد منه. ولهذا قلنا فيما فسخ لزوج النكاح لعيب المرأة قبل الدخول لا صداق لها كما لو فسخه. وعلى هذا لا فرق فى العين كالسمن والطول ونحوهما أو فى المعانى كتعلم الصناعة أو الكتابة أو القرآن، أو علم، أو إسلام، أو قضاء دين عنه وبهذا قال محمد بن الحسن. وقال أبو حنيفة الزيادة بتعليم القرآن وقضاء الدين عنه لا تمنع الرجوع. ولنا أنها زيادة لها مقابل من الثمن فمنعت الرجوع كالسمن وتعلم الصنعة. وإن زاد ببرئه من مرض أو صمم منع الرجوع كسائر الزيادات. وإن كانت زيادة العين أو التعلم لا يزيد فى قيمته شيئا أو ينقص منها لم يمنع الرجوع لأن ذلك ليس بزيادة فى المالية. وأما الزيادة المنفصلة كولد البهيمة وثمرة الشجرة وكسب العبد فلا يمنع الرجوع بغير أختلاف نعلمه والزيادة للولد، لأنها حادثة فى ملكه ولا تتبع فى الفسوخ فلا تتبع هنا. وذكر القاضى وجها آخر: انها للأب وهو بعيد. فإن كانت الزيادة ولد أمة لا يجوز التفريق بينه وبين أمه منع الرجوع، لأنه يلزم منه التفريق بينه وبين أمه، وذلك محرم، إلا أن نقول أن الزيادة المنفصلة للأب فلا يمنع الرجوع، لأنه يرجع فيهما جميعا أو يرجع فى الأم وبتملك الولد من مال والده. وإن قصر العين أو فصلها فلم تزد قيمتها لم تمنع الرجوع، لأن العين لم تزد ولا القيمة. وإن زادت قيمتها فهى زيادة متصلة هل تمنع الرجوع أو لا؟ يبنى على الروايتين فى السمنة. ويحتمل أن تمنع هذه الزيادة الرجوع بكل حال، لأنها حاصلة بفعل الابن فجرت مجرى العين الحاصلة بفعله بخلاف السمن، فانه يحتمل ان يكون للأب فلا يمنع الرجوع لأنه نماء العين فيكون تابعا لها، وإن وهبه حاملا فولدت فى يد الابن فهى زيادة متصلة فى الولد. ويحتمل أن يكون الولد زيادة منفصلة إذا قلنا الحمل لا حكم له. وإن وهبه حاملا ثم رجع فيها حاملا جاز إذا لم تزد قيمتها وإن زادت قيمتها فهى زيادة منفصلة. وإن وهبته حائلا فحملت فهى زيادة منفصلة وله الرجوع فيها دون حملها. وإن قلنا: إن الحمل لا حكم له فزادت به قيمتها فهى زيادة متصلة وإن تزد قيمتها جاز الرجوع فيها. وإن وهبه نخلا فحملت فهى قبل التأبير زيادة متصلة وبعده زيادة منفصلة (١).

стр. 6287

مذهب الزيدية: جاء فى التاج (١): أنه إن قبل نصف الموهوب أو واحدا من اثنين فلا تصح الهبة، لأن القبول غير مطابق. ولا بد أن يقع الإيجاب والقبول فى المجلس الذى وقع فيه الايجاب ثم جاء فى موضع آخر (٢). فلو وهب شاة مسلوخة وميتة أو خلا وخمرا أو ما أشبه ذلك فى عقد واحد صحت الهبة فى المسلوخة والخل دون الميتة والخمر ولو باع الخل والخمر معا لم يصح حيث لم تتميز الأثمان. والفرق بينهم أن حصة الخل من الثمن تكون مجهولة والهبة ليس فيها عوض. فلو كانت على عوض مشروط كانت كالبيع. نعم (فتصح) هبة هذه الأشياء المستثناة دون بيعها. ثم قال فى موضع آخر (٣). واذا زادت العين الموهوبة فى يد المتهب زيادة متصلة كنمو الشجر أو الزرع أو كبر الحيوان، أو سمن ولو نقص من بعد، فإنه يمنع من الرجوع، لأنه لا يمكن التمييز بين الزائد والمزيد، ولا أن الناقص هو تلك الزيادة. فإن كانت الزيادة فى بعض دون بعض صح الرجوع فى الذى لم يزد. وأما الزيادة المنفصلة كالولد والصوف والثمار ونحوها فإنها لا تمنع الرجوع وهى للمتهب وتبقى للصلاح بلا اجرة. فإن كانت الزيادة كالشجر فى الأرض فلا يمنع الرجوع فى الأصل. وكذا زيادة المعانى فى الأصل لا تمنع الرجوع كالبرء من المرض أو من العمى أو من الجرح وكالصنعة وتعليم القراءة وحرث الأرض وزيادة السعر. مذهب الإمامية: جاء فى العروة الوثقى (٤): أن الموهوب يجوز أن يكون عينا معينة شخصية. ويجوز أن يكون جزءا مشاعا من عين كذا. ويجوز أن يكون كليا فى العين كصاع من صبرة معينة. وأن يكون كليا فى ذمة الواهب، كأن يهبه منا من الحنطة فى ذمته أو عشر ليرات كذلك. وكذا يجوز أن يكون دينا على الغير فيجوز هبته لمن عليه بلا أشكال ولا يكون إبراء كما قد يتخيل بل هو هبة تفيد فائدة الإبراء ولا تحتاج إلى القبض، لأن ما فى الذمة مقبوض لمن عليه.

стр. 6288

وهل يحتاج الى القبول؟ الظاهر ذلك. وربما يحتمل عدم حاجته إليه مع كونه هبة لأنها بمنزلة الإبراء. وأما هبته لغير من عليه فالمشهور عدم صحتها، لأنه كلى لا وجود له فى الخارج فلا يمكن قبضه. وفيه إن قبضه بقبض أحد أفراده أو التحقيق أن الكلى عين الأفراد فإذا أذن له الواهب فى قبضه فقبضه صحت. وكذا إذا قبضه الواهب ثم أقبضه أو أذن له فى القبض عنه ثم القبض لنفسه فالأقوى صحتها، مع أنه يمكن أن يستدل عليه بصحيحة صفوان عن الرضا ﵇ عن رجل كان له على رجل مال فوهبه لولده فذكر له الرجل المال الذى له عليه فقال: إنه ليس فيه عليك شئ فى الدنيا والآخرة يطيب ذلك وقد كان وهبه لولد له. قال ﵇: نعم يكون وهبه ثم نزعه فجعله لهذا. وإنما جاز له ذلك مع كون الهبة للولد لا يجوز الرجوع فيها، لأنه لم يقبضه فلا يستشكل فيها من هذه الجهة وإطلاق النزع بلحاظ إيجاد العقد. ثم قال (١): إنه لا يشترط فى الهبة أن يكون المال الموهوب معلوم المقدار فتصح هبة الصبرة أو الجزء المشاع منها مع عدم العلم بمقدارها. وكذا تصح هبة الدين الذى لم يعلم مقداره نعم يجب تعيين الجزء المشاع من ثلث أو ربع أو نحوهما إن لم يكن متعينا فى الواقع وكذا يجب تعيين المقدار إذا وهبه شيئا كليا فى ذمة نفسه. ثم قال (٢): إن الأقوى جواز هبة الفرد المردد كأحد العبدين وعدم جوازه فى البيع من جهة الإجماع وإلا فبحسب القاعدة لا مانع منه تساويهما فى الصفات والقيمة. ثم قال (٣): إنه يجوز هبة المشاع ويدل عليه بعد الاجماع صحيحة عمران الحلبى عن محمد بن يعقوب الكلينى بإسناده عن أحمد بن عمر الحلبى عن أبيه عن ابى عبد الله ﵇ قال: سألته عن دار لم تقسم فتصدق بعض أهل الدار بنصيبه من الدار قال يجوز. قلت: أرأيت إن كانت هبة. قال يجوز الحديث. وفحوى ما دل على جواز الوقف فى المشاع فلا إشكال فيه. وإنما الكلام فى كيفية قبضه. والظاهر عدم الحاجة إلى إذن الشريك فيما يكفى فى قبضه التخلية إذ هى لا تستلزم التصرف فى العين المشتركة. وما عن الدروس من الحاجة إلى إذنه حتى فى مورد كفاية التخلية لا وجه له. وأما فيما يحتاج قبضه إلى النقل والتحويل فلا يجوز بدون إذن الشريك فإن أذن فهو وإن امتنع

стр. 6289

منه فللمتهب توكيله فى القبض عنه. ومع امتناعه من ذلك أيضا ذكروا أنه يرفع الأمر إلى الحاكم ليقبضه بنفسه أو بنائبه. ومع عدمه وعدم نائبه فالظاهر كفاية عدول المؤمنين فى إجباره أو قبضه. ومع عدمهم قد يقال: إنه حينئذ يكفى فيه التخلية. لكنه مشكل مع عدم صدق القبض. فاللازم التوقف إلى أن يمكن. ولعل وجه الرجوع إلى الحاكم وجواز إجباره أو قبضه أن مقتضى سلطنة الواهب على ماله جواز إلزام الشريك بالقبض عند تصرفه فى حصته بتمليكه للغير. ولو قبض المتهب بدون إذن الشريك فعل حراما. لكن الظاهر كفايته. والقول بعدمها كما عن بعضهم للنهى المتعلق بركن المعاملة لا وجه له، لأنه ليس متعلقا به من حيث أنه قبض بل هو لأمر خارج وهو كونه تصرفا فى مال الشريك بغير إذنه. وإذا وهب (١) كليا فى معين كصاع من صبرة معينة فقبضه إما بتعيينه فى فرد ودفعه إلى المتهب وإما بقبض تمام الصبرة وإما بتوكيل الواهب فى قبضه. ثم قال (٢): إنه لو وهب اثنان فى عقد واحد شيئين لكل منهما واحد منهما أو شيئا واحدا على سبيل الإشاعة فقبلا وقبضا صح. ولو قبض أحدهما دون الآخر صح بالنسبة إلى القابض ولا يضر تبعض العقد الواحد فى الصحة والبطلان، لأنه متعدد فى التحليل نظير ما إذا وهب أو باع خمرا وخلا أو شاة أو خنزيرا أو مال نفسه وغيره. ولو وهب اثنان واحد شيئين أو شيئا واحدا فقبض حصة أحدهما دون الآخر فكذلك. ولو وهب واحدا شيئا واحدا فقبض بعضه دون بعض كما إذا وهبه صبرة فقبض بعضها صح فيما قبضه فقط .. مذهب الإباضية: جاء فى النيل (٣): إنه يجوز هبة الأصل والعرض ما ظهر أو بطن، علم كان موجودا أو غير موجود، أو جهل على الصحيح. وقيل لا تجوز هبة المجهول. ولا تجوز جزءا إن كانت هبة الثواب فهبة المجهول الباطن مثل هبة ما يبطن أى فى بطن أمه، أو شاة أو ناقة أو نحوها كبقرة. ومثل هبة الجزر واللفت والبصل. ومن قال وهبت لزيد هذه النخلة كانت لزيد بأرضها. ومن وهب رجلا مأكلة قطعة نخل فأكلها سنة

стр. 6290

ولبثت بيده حتى حملت ثم مات فليس للمعطى شئ. والنخل وقرها للوارث لانقضاء الأمر الأول قبل إدراكها، إلا إن صارت عند موته فضخا ورطبا فهى للمعطى، لأن الأكل لا يقع إلا على مدرك. وإن أعطاه ثمرتها فأثمرت فأبرها قبل موت المعطى فقد أحرزها لوقوع الاسم عليها من حين الإثمار وتحرز بالتأبير ونحوه. وجاء فى موضع آخر (١): ويجوز استثناء ما فى بطن ما وهب ولا يدرك إرضاعه على الموهوب له مطلقا إلا إن كان الموهوب أمة ولم يجد من يرضع ولدها سواها فإنها ترضعه بالأجرة ويجوز الخيار فى الهبة. وهبة المنافع (٢) كهبة الشاة لإنسان يحلبها والشاة على ملك صاحبها. وكهبة شجرة ليأكل ثمارها وهى ملك لصاحبها. وكالعمرى وهى هبة المنافع وهى: إما مؤجلة إلى بعض من عمره تحقق أو مات قبله ولذلك قابله بالعمرى أجلا معلوما أو مجهولا، أو أجلا مسكوتا عنه مفوضا إلى الموهوب له أو إلى تمام حاجته لكن ليست له إلى موته أو أبدا وتسمى عارية ومنحة ونحوها. ثم قال (٣): ولا ينتفع بغلة العارية إلا باذن مثل لبن الناقة وما يحمله العبد من الفحص ولا يكريها ولا يعيرها وان فعل ضمن ولزمه الكراء. وقيل ضمناه إن علم الأجير أنه عارية. وقيل لا يلزم الأجير ضمان ان كان الأول ثقة. وكذا ان أكرى غلاتها. وجائز لمن استعير له أن ينتفع به. وكذا العارية نفسها عسى أنه جوزه المالك إلى ذلك. وذكر فى الكتاب أنه لا ينتفع بذلك إلا إن كان المعير أمينا. والظاهر أن الغلة كذلك. ومن استعار شاة أو غيرها ولدت أو لم تلد فلا يحلب إلا لبن الولادة التى هى فيها. وإن جعل له أجلا حلب ألبان الأجل كلها. وإن أجل سنة حسب من حينه إلى مثله من المستقبل، وإن قال: أحليها هذه السنة حلبها بقية السنة ولا يضر بولدها. وإن مات ولدها فلا يجبرها على ولد غيرها الا إن كان يصلح ذلك لصاحبها. وإن أذن له فى الانتفاع بالغلة فقيل لا ينتفع بالنتاج ولا بالصوف لأنهما ليس من الغلة. وقيل ينتفع وهما منها. وإن أذن له أن ينتفع بها وما قام عنها انتفع بذلك وغيره وعليه حفظ غلتها وهى كأصلها وعليه الرعاية والسقى ولا يخاطر فى موضع الخوف، ولا يستعمل بعضا لبعض، ولا يمنعها فيما بينهما. وإن حمل بعضا على بعض فهلكت بذلك ضمن.

стр. 6291

الإفراد فى الشركة مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع (١) أن عقد الشركة عقد جائز غير لازم، حتى ينفرد كل منهما بالفسخ، إلا أن من شرط جواز الفسخ أن يكون بحضرة صاحبه أو بعلمه حتى لو فسخ بمحضر من صاحبه جاز الفسخ. وكذا لو كان صاحبه غائبا وعلم بالفسخ، وإن كان غائبا ولم يبلغه الفسخ لم يجز الفسخ ولم ينفسخ العقد، لأن الفسخ من غير علم صاحبه إضرار بصاحبه ولهذا لم يصح عزل الوكيل من غير علمه مع ما أن الشركة تتضمن الوكالة وعلم الوكيل بالعزل شرط جواز العزل فكذا فى الوكالة التى تضمنت الشركة. أما شركة العنان (٢)، فإنه يجوز لأحد شريكى العنان أن يبيع مال الشركة لأنهما بعقد الشركة أذن كل واحد لصاحبه ببيع مال الشركة، ولأن الشركة تتضمن الوكالة فيصير كل واحد منهما وكيل صاحبه بالبيع، ولأن غرضهما من الشركة الربح، وذلك بالتجارة وما التجارة إلا البيع والشراء فكان إقدامهما على العقد إذنا من كل واحد منهما لصاحبه بالبيع والشراء دلالة. وله أن يبيع مال الشركة بالنقد والنسيئة لأن الإذن بالبيع بمقتضى الشركة وجد مطلقا، ولأن الشركة تنعقد على عادة التجار ومن عادتهم البيع نقدا ونسيئة وله أن يبيع بقليل الثمن وكثيره إلا بما لا يتغابن الناس فى مثله لأن المقصود من العقد وهو الاسترباح لا يحصل به فكان مستثنى من العقد دلالة وذكر القاضى فى شرحه مختصر الطحاوى وجعله على الاختلاف فى الوكالة بالبيع مطلقا أنه يجوز عند أبى حنيفة، وعندهما لا يجوز. ولو باع أحدهما وأجل الآخر لم يجز تأجيله فى نصيب شريكه بالإجماع. وهل يجوز فى نصيب نفسه؟ هو على الخلاف الذى ذكرنا فى الدين المشترك إذا أخر أحدهما نصيبه، هذا إذا عقد أحدهما وأجل الآخر. فأما إذا عقد أحدهما ثم أجل العاقد فلا خلاف فى أنه يجوز تأجيله فى نصيب نفسه لأنه مالك وعاقد، وأما فى نصيب شريكه فيجوز تأجيله فى قول أبى حنيفة ومحمد. وعند أبى يوسف لا يجوز والكلام فيه بناء على مسألة الوكيل بالبيع أنه يملك تأخير الثمن والإبراء عنه عندهما. وعنده لا يملك ووجه البناء ظاهر، لأن العاقد فى نصيب الشريك وكيل عنه وهى من مسائل كتاب الوكالة

стр. 6292

إلا أن هناك إذا أخر يضمن من ماله للموكل عندهما وهنا لا يضمن الشريك العاقد، لأن الشريك العاقد يملك أن يقابل بالبيع ثم يبيعه بنسيئة وإذا لم يقابل وأخر الدين جاز والوكيل بالبيع لا يملك أن يقابل ويبيع بالنسيئة فإذا أخر يضمن وله أن يشترى بالنقد والنسيئة. وهذا إذا كان فى يده مال ناض للشركة وهو الدراهم والدنانير فاشترى بالدراهم والدنانير شيئا نسيئة وكان عنده شئ من المكيل والموزون فاشترى بذلك الجنس شيئا نسيئة. فأما إذا لم يكن فى بلده دراهم ولا دنانير فاشترى بدراهم أو دنانير شيئا كان المشترى له خاصة دون شريكه، لأنا لو جعلنا شراءه على الشركة لصار مستدينا على مال الشركة والشريك لا يملك الاستدانة على مال الشركة من غير أن يؤذن له بذلك كالمضارب، لأنه يصير مال الشركة أكثر مما رضى الشريك بالمشاركة فلا يجوز من غير رضاه. ثم قال صاحب البدائع (١) وحقوق العقد الذى يتولاه أحد الشريكين ترجع إلى العاقد، حتى لو باع أحدهما لم يكن للآخر أن يقتضى شيئا من الثمن. وكذلك كل دين لزم إنسانا بعقد وليه احدهما ليس للآخر قبضه. وللمديون أن يمتنع من دفعه إليه كالمشترى من الوكيل بالبيع له أن يمتنع عن دفع الثمن إلى الموكل، لأن القبض من حقوق العقد وحقوق العقد تعود إلى العاقد، لأن المديون لم يلتزم الحقوق للمالك، وإنما التزمها العاقد، فلا يلزمه ما لم يلتزمه إلا بتوكيل العاقد. فإن دفع إلى الشريك من غير توكيل برئ من حصته ولم يبرأ من حصة الداين، وهذا استحسان والقياس ألا يبرأ الدافع. ووجه القياس أن حقوق العقد لا تتعلق بالقابض بل هو أجنبى عنها وإنما تتعلق بالعاقد فكان الدافع إلى القابض بغير حق فلا يبرأ. ووجه الاستحسان أنه لا فائدة فى نقض هذا القبض إذ لو نقضناه لاحتجنا إلى إعادته، لأن المديون يلزمه دفعه إلى العاقد والعاقد يرد حصة الشريك إليه فلا يفيد القبض. ثم الإعادة فى الحال، وهذا على القياس، والاستحسان فى الوكيل بالبيع إذا دفع المشترى الثمن إلى الموكل من غير إذن الوكيل لا يطالب الشريك بتسليم المبيع لما قلنا وليس لأحدهما أن يخاصم فيما أدانه الآخر أو باعه والخصومة للذى باع وعليه ليس على الذى لم يل من ذلك شئ فلا يسمع عليه بينة فيه، ولا يستحلف وهو والأجنبى فى هذا سواء، لأن الخصومة من حقوق العقد وحقوق العقد تتعلق بالعاقد. ولو اشترى أحدهما شيئا لا يطالب الآخر بالثمن وليس للشريك قبض المبيع، لما قلنا. وللعاقد أن يوكل وكيلا بقبض الثمن والبيع فيما اشترى وباع لما ذكرنا فيما تقدم.

стр. 6293

ولأحدهما أن يقابل فيما باعه الآخر لأن الإقالة فيها، معنى الشراء وأنه يملك الشراء على الشركة فيملك الإقالة، وما باعه أحدهما أو اشترى فظهر عيب لا يرد الآخر بالعيب ولا يرد عليه لأن الرد بالعيب من حقوق العقد وأنها ترجع إلى العاقد والرجوع بالثمن عند استحقاق المبيع على البائع لأنه العاقد، فإن أقر أحدهما بعيبه فى متاع جاز إقراره عليه وعلى صاحبه. قال الكرخى وهذا قياس قول أبى حنيفة وزفر وأبى يوسف رحمهم الله تعالى. وفرق بين هذا وبين الوكيل إذا أقر بالعيب فرد القاضى المبيع عليه أنه لا ينفذ إقراره على الموكل، حتى يثبت بالبينة لأن موجب الإقرار بالعيب ثبوت حق الرد عليه. ولأحد الشريكين أن يقابل فيما باعه الآخر، لأن الإقالة فيها معنى الشراء، وأنه يملك الشراء إلى أن يسترد المبيع ويقبل العقد، والوكيل لا يملك ذلك، فإن باع أحدهما متاعا من الشركة فرد عليه فقبله بغير قضاء القاضى جاز عليهما، لأن قبول المبيع بالتراضى عن غير قضاء بمنزلة شراء مبتدأ بالتعاطى، وكل واحد منهما يملك أن يشترى ما باعه على الشركة وكذا القبول من غير قضاء القاضى بمنزلة الإقالة وإقالة أحدهما تنفذ على الآخر. وكذا لو حط من ثمنه أو أخر ثمنه لأجل العيب فهو جائز، لأن العيب يوجب الرد، ومن الجائز أن يكون الصلح والحط أنفع من الرد، فكان له ذلك، فإن حط من غير علة، أو أمر يخاف منه جاز فى حصته، ولم يجز فى حصة صاحبه لأن الحط من غير عيب تبرع، والإنسان يملك التبرع من مال نفسه، لا من مال غيره، وكذلك لو وهب لأن الهبة تبرع ولكل واحد منهما أن يبيع ما اشتراه وما اشترى صاحبه مرابحة على ما اشترياه لأن كل واحد منهما وكيل صاحبه بالشراء والبيع، والوكيل بالبيع يملك البيع مرابحة. وهل لاحدهما أن يسافر بالمال من غير رضا صاحبه؟ ذكر الكرخى أنه ليس له ذلك. والصحيح من قول أبى يوسف ومحمد أن له ذلك. وكذا المضارب والمبضع والمودع لهم أن يسافروا. وروى عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى أنه ليس للشريك والمضارب أن يسافر وهو قول أبى يوسف. وروى عن أبى يوسف أن له المسافرة إلى موضع لا يبيت عن منزله، وروى عنه يسافر أيضا بما لا حمل له ولا مؤنة، ولا يسافر بما له حمل ومؤنة ووجه ظاهر قول أبى يوسف أن السفر له خطر فلا يجوز فى ملك الغير إلا بإذنه. ووجه الرواية التى فرق فيها بين القريب والبعيد أنه إذا كان قريبا بحيث لا يبيت عن منزله كان فى حكم المصر. ووجه الرواية التى فرق فيها بين ما له حمل ومؤنة، وما ليس له حمل ومؤنة أن ما له حمل إذا

стр. 6294

احتاج شريكه إلى رده يلزمه مؤنة الرد فيتضرر به، ولا مؤنة تلزمه فيما لا حمل له. ووجه قول أبى حنيفة ومحمد أن الإذن بالتصرف يثبت مقتضى الشركة، وأنها صدرت مطلقة عن المكان، والمطلق يجرى على إطلاقه، إلا لدليل، ولهذا جاز للمودع أن يسافر على أنه فى معنى المودع، لأنه مؤتمن فى مال الشركة، كالمودع فى مال الوديعة، مع ما أن الشريك يملك أمرا زائدا لا يملكه المودع، وهو التصرف، فلما ملك المودع السفر، فلأن يملك الشريك أولى. وقول أبى يوسف أن المسافرة بالمال مخاطرة به، مسلم، إذا كان الطريق مخوفا، فأما إذا كان آمنا، فلا خطر فيه، بل هو مباح، لأن الله أمر بالابتغاء فى الأرض من فضل الله، ورفع الجناح عنه بقوله عز شأنه: «لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ» (١)، مطلقا من غير فصل. وما ذكر من لزوم مؤنة الرد فيما له حمل ومؤنة فلا يعد ذلك غرامة فى عادة التجار، لأن كل مؤنة تلزم تلحق برأس المال .. مذهب المالكية: جاء فى الحطاب (٢): أنه لا يفسد انفراد أحد الشريكين بشئ فى شركة المفاوضة. قال البساطى: يحتمل أن يريد أن شركة المفاوضة لا يفسدها أن يعين كل صنفا للآخر يعمل فيه ويشتركان فى غيرهما فى العمل. ويحتمل أن يريد أن عمل كل فى مال لنفسه لا يفسدها إذا استويا فى عمل الشركة. والثانى هو المنصوص. ولا يبعد الأول إذا كان المنفردان قريبين. قال الحطاب فى المدونة: ولأحد المتفاوضين أن يبضع ويقارض دون إذن الآخر. قال اللخمى هذا إذا كان المال واسعا يحتاج فيه إلى مثل ذلك. فإن لم يكن فيه فضل عنهما لم يخرجه عن نظره إلا برضا شريكه. أو يكون ذلك فى شئ بار عليهما وبلغه عن بلد نفاق ولا يجد إلى السفر به سبيلا. أو يبلغه عن سلع نفاق ببلد فيبعث ما يشبه أن يبعث به من مثل ما بأيديهما. ومثل هذا يعرف عند النزول ونقله أبو الحسن. وظاهره أنه وفاق للمدونة. وفى المدونة وإن أبضع أحدهما مع رجل دنانير من الشركة ثم علم الرجل بموت الذى أبضعها معه، أو بموت شريكه، فإن علم أنها من الشركة فلا يشترى بها شيئا وليردها على الباقى. وإن بلغه افتراقهما فله أن يشترى، لأن ذلك لهما بعد، وفى الموت يقع بعضه للورثة وهم لم يأمروه. قال أبو الحسن: ولا يشترى بنصيب الباقى، لأن نصيبه مشاع فى جميع المال، وليس للمبضع

стр. 6295

معه أن يقسم ذلك. قال اللخمى: وإن علم فى الموت أن المال من غير المفاوضة لم يكن له أن يشترى إن مات المبضع وإن مات من لم يبضع كان له أن يشترى، وإن لم يعلم ذلك المال من المفاوضة أو مما يخصه لم يشتر، لأن أمره موقوف على الكشف بعد الوصول، فقد يكون من مال المفاوضة. ونقل أبو الحسن هذا الأخير عن ابن يونس واللخمى. ومن المدونة قال (١): ولأحد المتفاوضين أن يبضع ويقارض دون إذن شريكه. ولا يجوز لأحدهما أن يقارض شريكا إلا بإذن شريكه. وأما إن شاركه فى سلعة بعينها غير شركة مفاوضة فجائز. وأما إيداعه فإن كان لوجه عذر لنزوله ببلد فيرى أن يودع، إذ منزله الفنادق وما لا أمن فيه فذلك له. وأما ما أودع لغير عذر فإنه يضمنه ويقبل ويولى، ويقبل المعيب، وإن أبى الآخر. ومن المدونة: إن اشترى أحدهما عبدا فوجد به عيبا فرضيه هو أو شريكه لزم ذلك الآخر، فإن رده مبتاعه ورضيه شريكه لزمه رضاه. وإقالة أحدهما فيما باعه هو أو شريكه وتوليته لازمة كبيعه ما لم تكن فيه محاباة فيكون كالمعروف لا يلزم إلا ما جرّ به إلى التجارة نفعا، وإلا لزمه قدر حصته منه وإقالة لخوف عدم الغريم ونحوه من النظر وكشراء حادث. ثم قال (٢): واستبد آخذ قراض ومستعير دابة بلا إذن وأن للشركة ومتجر بوديعة بالمودع بالربح والخسر إلا أن يعلم شريكه بتعديه فى الوديعة. قال ابن حبيب: إذا أخذ أحد الشريكين قراضا لنفسه، أو أجر نفسه فى عمل، أو فى حراسة، أو وكالة أو تسلف ما لا فاشترى به سلعة فربح فيها، أو اشترى لنفسه شيئا بدين فربح فيه، فإن لم يكونا متفاوضين فمجتمع عليه أن له ذلك دون شريكه. وإن كانا متفاوضين فابن القاسم يرى ذلك له أيضا دون شريكه، ولا يجعل عليه فى ذلك إجارة لشريكه. قال ابن القاسم: وإن استعار أحدهما بغير إذن الآخر ما حمل عليه لنفسه، أو لمال الشركة فهلك فضمانه من المستعير خاصة لأن شريكه يقول له: كنت تستأجر لئلا أضمن. قال أبو محمد: يريد بالضمان إن تبين كونه فى الحيوان. وقال القابسى يضمن المستعير وحده الدابة إن قضى بذلك قاض من يرى ذلك وكان القاضى بمصر يومئذ ممن يرى ذلك. ومن المدونة وإن أودع رجل لأحدهما وديعة

стр. 6296

فعمل بالوديعة تعديا فربح فإن علم شريكه بالعداء ورضى بالتجارة بها بينهما فلهما الربح والضمان عليهما وإن لم يعلم فالربح للمتعدى وعليه الضمان خاصة .. انفراد أحد الشريكين فى الشركة مذهب الشافعية: جاء فى مغنى المحتاج (١): أنه لا يشترط فى الشركة تساوى قدر المالين أى تساويهما فى القدر كما فى المحرر وغيره، بل تثبت الشركة مع تفاوتهما على نسبة المالين لأنه لا محذور فيه إذ الربح والخسران على قدر المالين. والأصح أنه لا يشترط العلم بقدرهما أى بقدر كل من المالين أهو النصف أم غيره عند العقد إذا أمكن معرفته من بعد بمراجعة حساب أو وكيل، لأن الحق لا يعدوهما وقد تراضيا بخلاف ما لا يمكن معرفته. والثانى يشترط وألا يؤدى إلى جهل كل منهما بما أذن فيه وبما أذن له فيه. ومأخذ الخلاف أنه إذا كان بين اثنين مال مشترك كل منهما جاهل بقدر حصته وأذن كل منهما للآخر فى التصرف فى نصيبه منه يصح الإذن فى الأصح ويكون الثمن بينهما كالمثمن. ولو جهلا القدر وعلما النسبة بأن وضع أحدهما بدراهم فى كفة الميزان ووضع الآخر بإزائها مثلها صح جزما كما قاله الماوردى وغيره. ولو اشتبه ثوباهما لم يكف للشركة كما فى أصل الروضة لأن ثوب كل منهما متميز عن الآخر، ويتسلط كل منهما على التصرف إذا وجد الإذن من الطرفين بلا ضرر كالوكيل فلا يبيع نسيئة للغرر ولا بغير نقد البلد، ولا يبيع ولا يشترى بغبن فاحش كالوكيل. فلو خالف فى ذلك لم يصح تصرفه فى نصيب شريكه، ويصح فى نصيب نفسه فتنفسخ الشركة فى المشترى أو فى المبيع، ويصير مشتركا بين البائع أو المشترى والشريك. فإن اشترى بالغبن فى الذمة اختص الشراء به فيزن الثمن من ماله ولا يسافر بالمال المشترك لما فى السفر من الخطر فإن سافر ضمن فإن باع صح البيع، وإن كان ضامنا. نعم إن عقد الشركة بمفازه لم يضمن بالسفر إلى مقصده لأن القرينة قاضية له بذلك. ومثل ذلك كما قاله بعض المتأخرين ما لو جلى أهل بلد لقحط أو عدو ولم تمكنه مراجعة الشريك أن له السفر بالمال بل يجب عليه ولا يبضعه أى يدفعه لمن يعمل فيه متبرعا، لأنه لم يرض بغير يده. فإن فعل ضمن هذا كله إن فعله بغير إذن من شريكه، لأنها فى الحقيقة توكيل وتوكل، فإن أذن له فى شئ جاز. نعم لا تستفيد بمجرد الإذن فى السفر ركوب البحر، بل لا بد من التنصيص عليه كنظيره فى القراض، ولكل من الشريكين فسخه متى شاء

стр. 6297

كالوكالة وينعزلان عن التصرف جميعا بفسخهما. وجاء فى المهذب (١): أنه لا يجوز لأحد الشريكين أن يتصرف فى نصيب شريكه إلا بإذنه، فإن أذن كل واحد منهما لصاحبه فى التصرف تصرفا، وإن أذن أحدهما ولم يأذن الآخر تصرف المأذون فى الجميع، ولا يتصرف الآخر إلا فى نصيبه. ولا يجوز لأحدهما أن يتجر فى نصيب شريكه إلا فى الصنف الذى يأذن فيه الشريك، ولا أن يبيع بدون ثمن المثل، ولا بثمن مؤجل، ولا بغير نقد البلد، إلا أن يأذن له شريكه، لأن كل واحد منهما وكيل للآخر فى نصفه فلا يملك الا ما يملك الوكيل .. مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى: أن شركة العنان مبنية على الوكالة والأمانة، لأن كل واحد منهما يدفع المال إلى صاحبه لأمنه وبإذنه له فى التصرف وكله. ومن شرط صحتها أن يأذن كل واحد منهما، لصاحبه فى التصرف. فإن أذن له مطلقا فى جميع التجارات تصرف فيها. وإن عين له جنسا أو نوعا أو بلدا تصرف فيه دون غيره لأنه متصرف بالإذن فوقف عليه كالوكيل. ويجوز لكل واحد منهما أن يبيع ويشترى مساومة ومرابحة وتولية ومواضعة وكيف رأى المصلحة لأن هذا عادة التجار، وله أن يقبض المبيع والثمن ويقبضهما ويخاصم فى الدين، ويطالب به، ويحيل، ويحتال، ويرد بالعيب فيما وليه هو، وفيما ولى صاحبه، وله أن يستأجر من رأس مال الشركة، ويؤجر، لأن المنافع أجريت مجرى الأعيان فصار كالشراء والبيع والمطالبة بالأجر لهما وعليهما، لأن حقوق العقد لا تختص العاقد. وليس له أن يكاتب الرقيق ولا يعتق على مال ولا غيره، ولا يزوج الرقيق، لأن الشركة تنعقد على التجارة، وليست هذه الأنواع تجارة سيما تزويج العبد فإنه محض ضرر. وليس له أن يقرض ولا يحابى، لأنه تبرع وليس له التبرع، وليس له أن يشارك بمال الشركة ولا يدفعه مضاربة لأن ذلك يثبت فى المال حقوقا ويستحق ربحه لغيره وليس، ذلك له. وليس له أن يخلط مال الشركة بماله ولا مال غيره لأنه يتضمن إيجاب حقوق فى المال وليس هو من التجارة المأذون فيها ولا يأخذ بالمال سفتجة، ولا يعطى به سفتجة لأن فى ذلك خطرا لم يؤذن فيه. وليس له أن يستدين على مال الشركة، فإن فعل فذلك له، وله ربحه وعليه وضيعته. قال أحمد فى رواية صالح فيمن استدان فى المال بوجهه ألفا فهو له وربحه له والوضيعة عليه. وقال القاضى إذا استقرض شيئا لزمهما وربحه لهما، لأنه تمليك مال بمال فهو كالصرف.

стр. 6298

ونص أحمد يخالف هذا. ولأنه أدخل فى الشركة أكثر مما رضى الشريك بالمشاركة فيه فلم يجز كما لو ضم إليها ألفا من ماله، ويفارق الصرف، لأنه بيع وإبدال عين بعين فهو كبيع الثياب بالدراهم. وليس له أن يقر على مال الشركة فإن فعل لزم فى حقه دون صاحبه، سواء أقر بعين أو دين، لأن شريكه إنما أذن فى التجارة وليس الاقرار داخلا فيها وإن أقر بعيب فى عين باعها قبل إقراره. وكذلك يقبل إقرار الوكيل على موكله بالعيب نص عليه أحمد. وكذلك إن أقر ببقية ثمن البيع أو بجميعه أو بأجر للمنادى أو الحمال وأشباه هذا ينبغى أن يقبل، لأن هذا من توابع التجارة فكان له ذلك كتسليم المبيع وأداء ثمنه. وإن ردت السلعة عليه بعيب فله أن يقبلها، وله أن يعطى أرش العيب أو يحط من ثمنه أو يؤخر ثمنه لأجل العيب، لأن ذلك قد يكون أحط من الرد، وإن حط من الثمن ابتداء أو أسقط دينا لهما عن غريمهما لزم فى حقه وبطل فى حق شريكه، لأنه تبرع والتبرع يجوز فى حق نفسه دون شريكه. وإن كان لهما دين حال، فأخر أحدهما حصته من الدين جاز. وبه قال أبو يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة لا يجوز. ولنا: أنه أسقط حقه من المطالبة فصح أن ينفرد أحدهما به كالإبراء. وهل لأحدهما أن يبيع نساء؟ يخرج على روايتين بناء على الوكيل والمضارب وإن اشترى نساء بنقد عنده مثله أو نقد من غير جنسه أو اشترى بشئ من ذوات الأمثال وعنده مثله جاز لأنه إذا اشترى بجنس ما عنده فهو يؤدى مما فى يديه فلا يفضى إلى الزيادة فى الشركة وإن لم يكن فى يده نقد ولا مثلى من جنس ما اشترى به أو كان عنده عرض فاستدان عرضا فالشراء له خاصة وربحه له وضمانه عليه، لأنه استدانه على مال الشركة وليس له ذلك. والأولى أنه متى كان عنده من مال الشركة ما يمكنه أداء الثمن منه ببيعه أنه يجوز، لأنه أمكنه أداء الثمن من مال الشركة فأشبه ما لو كان عنده نقد، ولأن هذا عادة التجار، ولا يمكن التحرز منه، وهل له أن يبضع أو يودع؟ على روايتين: إحداهما: له ذلك لأنه عادة التجار وقد تدعو الحاجة إلى الإيداع. والرواية الثانية: لا يجوز، لأنه ليس من الشركة وفيه غرر. والصحيح أن الإيداع يجوز عند الحاجة إليه، لأنه من ضرورة الشركة أشبه دفع المتاع إلى الحمال وفى التوكيل فيما يتولى مثله بنفسه وجهان بناء على الوكيل. وقيل يجوز للشريك التوكيل، بخلاف الوكيل، لأنه لو جاز للوكيل التوكيل لاستفاد بحكم العقد مثل العقد، والشريك يستفيد بعقد الشركة ما هو أخص منه ودونه لأن التوكيل أخص من عقد

стр. 6299

الشركة، فإن وكل احدهما ملك الآخر عزله، لأن لكل واحد منهما التصرف فى حق صاحبه بالتوكيل، فكذلك بالعزل. وهل لأحدهما أن يرهن بالدين الذى عليهما أو يرهن بالدين الذى لهما؟ على وجهين: أصحهما أن له ذلك عند الحاجة لأن الرهن يراد للإيفاء والارتهان يراد للاستيفاء، وهو يملك الإيفاء والاستيفاء فملك ما يراد لهما. والثانى: ليس له ذلك لأن فيه خطرا ولا فرق بين أن يكون ممن ولى العقد أو من غيره لكون القبض من حقوق العقد، وحقوق العقد لا تختص العاقد فكذلك ما يراد له. وهل له السفر بالمال؟ فيه وجهان: فأما الإقالة فالأولى: أنه يملكها لأنها إن كانت بيعا فهو يملك البيع وإن كانت فسخا فهو يملك الفسخ بالرد بالعيب إذا رأى المصلحة فيه فكذلك يملك الفسخ بالإقالة إذا كان الحظ فيه فإنه قد يشترى ما يرى أنه قد غبن فيه. ويحتمل ألا يملكها إذا قلنا هو فسخ، لأن الفسخ ليس من التجارة، وإن قال له أعمل برأيك جاز له أن يعمل كل ما يقع فى التجارة من الإيضاع والمضاربة بالمال والمشاركة به وخلطه بماله والسفر به والايداع. والبيع نساء والرهن والارتهان والإقالة ونحو ذلك، لأنه فوض إليه الرأى فى التصرف الذى تقتضيه الشركة فجاز له كل ما هو من التجارة، فأما ما كان تمليكا بغير عوض كالهبة والحطيطة بغير فائدة والقرض والعتق ومكاتبة الرقيق وتزويجهم ونحوه فليس له فعله، لأنه إنما فوض إليه العمل برأيه فى التجارة وليس هذا منها. وإن أخذ أحدهما مالا مضاربة فربحه له ووضيعته عليه دون صاحبه، لأنه يستحق ذلك فى مقابلة عمله وليس ذلك من المال الذى اشتركا فيه. وقد قال أصحابنا فى المضاربة إذا ضارب الرجل آخر رد ما حصل من الربح فى شركة الأول إذا كان فيه ضرر على الأول فيجئ ههنا مثله. ثم قال (١): وحكم المضاربة حكم شركة العنان فى أن كل ما جاز للشريك عمله جاز للمضارب عمله، وما منع منه الشريك منع منه المضارب، وما اختلف فيه ثم فههنا مثله. وما جاز أن يكون رأس مال الشركة جاز أن يكون رأس مال المضاربة، وما لا يجوز ثم لا يجوز ههنا على ما فصلناه (٢) .. مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار (٣): أنه متى عقدت شركة المفاوضة فقال كل واحد منهما لصاحبه شاركتك

стр. 6300

بمالى والتصرف بوجهى ليتجرا مجتمعين أو مفترقين انعقدت فيصير كل واحد منهما فيما يتعلق بالتصرف فيه وكيلا للآخر وكفيلا، له ما له، وعليه ما عليه مطلقا. فإذا اشترى أحدهما شيئا لزم الآخر وللبائع أن يطالب بالثمن أيهما شاء. وإذا باع أحدهما فللاخر المطالبة بالثمن وقبضه وللمشترى أن يطالب بتسليم المبيع وبثمن ما استحق أيهما شاء ويرد بالعيب والرؤية والشرط على أيهما شاء. قوله فيما يتعلق بالتصرف فيه يعنى فيما يتعلق بالتصرف فى النقد من معاوضة. فأما ما جناه أحدهما أو لزمه من نكاح أو نحو ذلك فإنه لا يلزم الآخر. وقوله مطلقا يعنى به سواء علم أحدهما بتصرف الآخر أم لا. ثم قال (١) بالنسبة لشركة العنان. ولا يصير أيهما فيما يتصرف فيه الآخر وكيلا ولا كفيلا فكل واحد منهما ليس بملزوم بما لزم الآخر لكن لكل واحد منهما أن يرجع على صاحبه فى حصته ولا له أن يطالب بما للآخر. وأما بالنسبة (٢) لشركة الوجوه قال فى التفريعات حكم هذه الشركة حكم العنان فى أن ما لزم أحدهما لم يطالب به الآخر ما لم ينطقا بالتفويض. وأما بالنسبة لشركة الأبدان هى أن يوكل كل من الصانعين الآخر أن يتقبل ويعمل عنه فى قدر معلوم مما استؤجر عليه .. مذهب الإمامية: جاء فى شرائع الإسلام (٣): أنه إذا اشترك المال لم يجز لأحد الشركاء التصرف فيه إلا مع إذن الباقين، فإن حصل الإذن لأحدهم تصرف هو دون الباقين، ويقتصر من التصرف على ما أذن له فإن أطلق له الإذن تصرف كيف شاء، وإن عين له السفر فى جهة لم يجز له الأخذ فى غيرها أو نوع من التجارة لم يتعد إلى سواها ولو أذن كل واحد من الشريكين لصاحبه جاز لهما التصرف وإن انفردا ولو شرطا الاجتماع لم يجز الانفراد ولو تعد المتصرف ما حد له ضمن ولكل من الشركاء الرجوع فى الإذن والمطالبة بالقسمة لأنها غير لازمة وليس لأحدهما المطالبة بإقامة رأس المال بل يقتسمان العين الموجودة ما لم يتفقا على البيع ولو شرط التأجيل فى الشركة لم يصح، ولكل منهما أن يرجع متى شاء، ولا يضمن الشريك ما تلف فى يده، لأنه أمانة إلا مع التعدى أو التفريط فى الاحتفاظ ويقبل قوله مع يمينه فى دعوى التلف، سواء ادعى سببا ظاهرا كالحرق والغرق أو خفيا كالسرقة، وكذا القول قوله مع يمينه لو ادعى عليه الخيانة أو التفريط ويبطل الإذن بالجنون والموت.

стр. 6301

ثم قال (١): إنه لو باع اثنان عبدين كل واحد منهما لواحد منهما بانفراده صفقة بثمن واحد مع تفاوت قيمتهما قيل: يصح. وقيل يبطل لأن الصفقة تجرى مجرى عقدين فيكون ثمن كل واحد منهما مجهولا. أما لو كان العبدان لهما أو كانا لواحد جاز. وكذا لو كان لكل واحد قفيز من حنطة على انفراده فباعاهما صفقة لانقسام الثمن عليهما بالسوية .. مذهب الإباضية: جاء فى كتاب النيل (٢) أنه يجوز لكل من الشريكين المتفاوضين مبايعة بيع وشراء بأنواعهما من التولية والإقالة والمقايضة والنقد والسلم والصرف ونحو ذلك. وجازت مبايعته بالنقد والعاجل والآجل، وجازت له التولية والإقالة ولو على قول من قال فسخ بيع. وجاز له أن يقيل وأن يولى وأن يأخذ التولية والإقالة وأن يحاول وأن يقبل الحوالة وأن يتحمل ويقبل الحمالة إن ظهرت له مصلحة وقبض للدين نفسه وقضاء فى الدين بغير ما به المداينة وخلاص الدين الذى عليه من حيث الشركة. وسواء استأنف ذلك أو بنى على ما فعل صاحبه مثل أن يبيع صاحبه فيقيل هو المشترى أو يشترى صاحبه فيقيل البائع. أو يولى ما اشتراه لأحد أو يقبض ثمن ما باع صاحبه أو يوفى ثمن ما اشترى صاحبه ويقبض دين أحدهما عن الآخر. ويدرك عيب ما باع أحدهما على الآخر ونحو ذلك. وأذن لعبدهما بأن يأذن له أحدهما فى التجر وإن أذن له أحدهما وسكت الآخر، أو لم يعلم فهو مأذون له، وإن منع الآخر فغير مأذون ويمضى فعل العبد مع من لم يعلم بالمنع إن لم يناد عليه بالمنع. الإفراد فى الوكالة مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع (٣): الوكيلان هل ينفرد أحدهما بالتصرف فيما وكلا به. أما الوكيلان بالبيع فلا يملك أحدهما التصرف بدون صاحبه. ولو فعل لم يجز حتى يجيز صاحبه أو الموكل لأن البيع مما يحتاج فيه إلى الرأى والموكل إنما رضى برأيهما لا برأى أحدهما واجتماعهما على ذلك ممكن فلم يمتثل امر الموكل فلا ينفذ عليه. وكذا الوكيلان بالشراء سواء كان الثمن مسمى أو لم يكن. وسواء كان الوكيل الآخر غائبا أو حاضرا لما ذكرنا فى البيع إلا أن فى الشراء إذا اشترى

стр. 6302

أحدهما بدون صاحبه ينفذ على المشترى ولا يقف على الإجازة. وفى البيع يقف على الإجازة. وكذلك الوكيلان بالنكاح والطلاق على مال والعتق على مال والخلع والكتابة. وكل عقد فيه بدل هو مال لأن كل ذلك مما يحتاج إلى الرأى ولم يرض برأى أحدهما بانفراده. وكذا ما خرج مخرج التمليك بأن قال لرجلين جعلت أمر امرأتى بيدكما. أو كما قال لهما طلقا امرأتى إن شئتما لا ينفرد أحدهما بالتطليق لأنه جعل أمر اليد تمليكا. ألا ترى بأنه يقف على المجلس والتمليكات هى التى تختص بالمجلس. والتمليك على هذا الوجه مشروط بالمشيئة كأنه قال طلقا امرأتى إن شئتما وهناك لا يملك أحدهما التطليق دون صاحبه. لأن المعلق بشرطين لا ينزل إلا عند وجودهما. فكذا هذا. وكذا الوكيلان بقبض الدين لا يملك أحدهما أن يقبض دون صاحبه لأن قبض الدين مما يحتاج إلى الرأى والأمانة وقد فوض الرأى إليهما جميعا لا إلى أحدهما ورضى بأمانتهما جميعا لا بأمانة أحدهما. فإن قبض أحدهما لم يبرئه الغريم حتى يصل ما قبضه إلى صاحبه فيقع فى أيديهما جميعا. أو يصل إلى الموكل لأنه لما وصل المقبوض إلى صاحبه أو إلى الموكل فقد حصل المقصود بالقبض. فصار كأنهما قبضا جميعا ابتداء. وأما الوكيلان بالطلاق على غير مال والعتق على غير مال. والوكيلان بتسليم الهبة ورد الوديعة وقضاء الدين فينفرد أحدهما بالتصرف فيما وكلا به. لأن هذه التصرفات مما لا تحتاج إلى الرأى فكان إضافة التوكيل اليهما تفويضا للتصرف إلى كل واحد منهما بانفراده. وأما الوكيلان بالخصومة فكل واحد منهما يتصرف بانفراده، عند أصحابنا الثلاثة رحمهم الله تعالى. وعند زفر رحمه الله تعالى لا ينفرد. ووجه قول زفر أن الخصومة مما يحتاج إلى الرأى فيها ولم يرض برأى أحدهما فلا يملكه أحدهما دون صاحبه. ووجه قول أصحابنا الثلاثة أن الغرض من الخصومة إعلام القاضى بما يملكه المخاصم واستماعه. واجتماع الوكيلين على ذلك يخل بالإعلام والاستماع لأن ازدحام الكلام يخل بالفهم فكان إضافة التوكيل إليهما تفويضا للخصومة إلى كل واحد منهما فأيهما خاصم كان تمثيلا إلا أنه لا يملك أحدهما القبض دون صاحبه. وإن كان الوكيل بالخصومة يملك القبض عندنا لأن اجتماعهما على القبض ممكن فلا يكون راضيا بقبض أحدهما بانفراده. وأما المضاربان فلا يملك أحدهما التصرف بدون إذن صاحبه إجماعا. وفى الوصية خلاف بين أصحابنا.

стр. 6303

مذهب المالكية: جاء فى الدسوقى (١): أنه يجوز لأحد الوكيلين على مال ونحوه إذا وكلا على التعاقب علم أحدهما بالآخر أم لا إلا الاستبداد أى الاستقلال بما يفعله دون الآخر. وقوله على مال بأن يكون وكلهما على بيع أو شراء أو اقتضاء، دين. وكون ذلك غير خصام كطلاق وعتق وإبراء وهبة ووقف. وأما على الخصام فإنه لا يجوز تعدد الوكيل فيه فلا يوكل اثنين على خصام واحد إلا برضاه. فكذلك لأحدهما الاستبداد إن ترتبا. والاستبداد يكون فى الوكالة إلا لشرط من الموكل ألا يستبد فليس له استقلال. كما اذا وكلا معا فى آن واحد إذ ليس لأحدهما الاستبداد إلا بشرط أن كل واحد يستبد. والحاصل أنهما إن وكلا مترتبين فلأحدهما الاستبداد إلا إذا شرط الموكل عدم الاستبداد. وإن وكلا معا فليس لأحدهما الاستبداد إلا إذا شرط الموكل لهما الاستبداد هذا هو المعتمد فى المسألة. وكالوصيين مطلقا أى فلا يستقل أحدهما بالتصرف سواء أوصاهما معا أو مترتبين وذلك لأن الإيصاء إنما يكون تحتمه ولزومه فى لحظة الموت إذ له الرجوع قبل ذلك. وحينئذ فلا أثر للترتب الواقع قبله وحينئذ فلم يلزم إلا معا. فإن تنازعا فى الترتيب فالقول للموكل. مذهب الشافعية: جاء فى المهذب (٢): أنه إن وكل نفسين فى بيع أو طلاق فإن جعله إلى كل واحد منهما جاز لكل واحد منهما أن ينفرد به لأنه أذن لكل واحد منهما فى التصرف. وإن لم يجعل إلى كل واحد منهما لم يجز لأحدهما أن ينفرد به لأنه لم يرض بتصرف أحدهما فلا يجوز أن ينفرد به. وإن وكلهما فى حفظ ماله حفظاه فى حرز لهما. وخرج أبو العباس وجها آخر أنه إن كان مما ينقسم جاز أن يقتسما ويكون عند كل واحد منهما نصفه. وإن لم ينقسم جعلاه فى حرز لهما كما يفعل المالكان. والصحيح هو الأول لأنه تصرف أشرك فيه بينهما فلم يجز لأحدهما أن ينفرد ببعضه فيه كالبيع. ويخالف المالكين لأن تصرف المالكين بحق الملك ففعلا ما يقتضى الملك. وتصرف الوكيلين بالإذن والإذن يقتضى اشتراكهما ولهذا يجوز لأحد

стр. 6304

المالكين أن ينفرد ببيع بعضه. ولا يجوز لأحد الوكيلين أن ينفرد ببيع بعضه .. مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى (١): إنه إذا وكل وكيلين فى تصرف وجعل لكل واحد الأنفراد بالتصرف فله ذلك لأنه مأذون له فيه. فإن لم يجعل له ذلك فليس لأحدهما الانفراد به، لأنه لم يأذن له فى ذلك. وإنما يجوز له ما أذن فيه موكله وبهذا قال الشافعى وأصحاب الرأى. وإن وكلهما فى حفظ ماله حفظاه معا فى حرز لهما لأن قوله افعلا كذا يقتضى اجتماعهما على فعله وهو مما يمكن فتعلق بهما. وفارق هذا قوله بعتكما حيث كان منقسما بينهما لأنه لا يمكن كون الملك لهما على الاجتماع فانقسم بينهما. فإن غاب أحد الوكيلين لم يكن للآخر أن يتصرف. ولا للحاكم ضم أمين إليه ليتصرفا لأن الموكل رشيد جائز التصرف لا ولاية للحاكم عليه فلا يضم الحاكم وكيلا له بغير أمره. وفارق ما لو مات أحد الوصيين حيث يضيف الحاكم إلى الوصى أمينا ليتصرف لكون الحاكم له النظر فى حق الميت واليتيم. ولهذا لو لم يوص إلى أحد أقام الحاكم أمينا فى النظر لليتيم وإن أحضر الحاكم أحد الوكيلين والآخر غائب وادعى الوكالة لهما وأقام بينة سمعها الحاكم وحكم بثبوت الوكالة لهما. ولم يملك الحاضر التصرف وحده فإذا حضر الآخر تصرفا معا ولا يحتاج إلى إعادة البينة لأن الحاكم سمعها لهما مرة. فإن قيل هذا حكم للغائب. قلنا يجوز تبعا لحق الحاضر كما يجوز أن يحكم بالوقف الذى يثبت لمن لم يخلق لأجل من يستحقه فى الحال. كذا ههنا. وإن جحد الغائب الوكالة أو عزل نفسه لم يكن للآخر أن يتصرف وبما ذكرناه قال أبو حنيفة والشافعى ولا نعلم فيه خلافا. وجميع التصرفات فى هذا سواء وقال أبو حنيفة إذا وكلهما فى خصومة فلكل واحد منهما الانفراد بها. ولنا أنه لم يرض بتصرف أحدهما أشبه البيع والشراء .. مذهب الزيدية: جاء فى البحر الزخار (٢): أنه إذا وكل اثنين على شئ كل على انفراده صح تصرفهما مجتمعين ومتفرقين. فإن شرط اجتماعهما لزما اتفاقا. فإن

стр. 6305

وكلهما معا فى حال ولم يشترط (المذهب) لم ينفرد أيهما بالتصرف إلا فيما خشى فوته كالبيع والشراء والإجارة فى معين أو جنس خشى عدمه أو نحو ذلك لا الطلاق والنكاح والعتق بلا عوض: اذ لا يخشى فوتهما. فتوكيله لاثنين إمارة اشتراط اجتماعهما فلزم اتفاقا .. مذهب الإمامية: جاء فى شرائع الإسلام (١): أنه لو وكل اثنين فإن شرط الاجتماع لم يجز لأحدهما ان ينفرد بشئ من التصرف. وكذا لو أطلق. ولو مات أحدهما بطلت الوكالة. وليس للحاكم أن يضم إليه أمينا. أما لو شرط الانفراد جاز لكل منهما أن يتصرف غير مستصحب رأى صاحبه. ولو وكل زوجته أو عبد غيره ثم طلق الزوجة وأعتق العبد لم تبطل الوكالة. أما لو أذن لعبده فى التصرف بماله ثم أعتقه بطل الإذن لأنه ليس على حد الوكالة بل هو إذن تابع للملك. وإذا وكل إنسانا فى الحكومة إذنا فى قبض الحق إذ قد يوكل من لا يستأمن على المال. وكذا لو وكله فى قبض المال فأنكر الغريم لم يكن ذلك إذنا فى محاكمته لأنه قد لا يرتضى للخصومة. مذهب الإباضية: جاء فى النيل (٢): أنه لا يعقد وكيل أو مأمور أو خليفة دون صاحبه إن وكلا معا أو أمرا معا أو استخلفا معا على شراء أو بيع. وذلك لأنه نزلهما منزلة رجل واحد. وصفة ذلك أن يقول وكلتكما معا أو وكلتهما معا أو أمرتكما معا أو أمرتهما معا أو استخلفتكما معا أو استخلفتهما معا. أو يسقط لفظ مع ويقول جعلتكما أو جعلتهما وكيلا أو مامورا أو خليفة. أو يقول بع أو اشتر أنت وفلان أو مع فلان أو نحو ذلك مما يصرح أو يتبادر منه أنه قرنهما إلا إن أجاز له صاحبه قبل العقد أو بعده أو عنده أو أجاز له موكلهما أو آمرهما أو مستخلفهما قبله أو بعده أو عنده كذلك. وإن جوز صاحبه ودفع الموكل أو جوز الموكل ودفع صاحبه والآمر والمستخلف كالموكل نظر للأول اعتبر من سبق منهما بالتجويز أو بالدفع. فإن سبق أحدهما بالتجويز جاز. أما إن سبق به الصاحب فلتمام فعلهما قبل أن ينقضه موكلهما أو آمرهما أو مستخلفهما، إذ لا يجد النقض بعد تمامه. وأما إن سبق به الموكل أو الآمر المستخلف فلإمضائه الفعل فلا يؤثر دفع الصاحب بعد وقد
следующие страницы →