← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 6301–6340 · переход к 6306.

стр. 6301

ثم قال (١): إنه لو باع اثنان عبدين كل واحد منهما لواحد منهما بانفراده صفقة بثمن واحد مع تفاوت قيمتهما قيل: يصح. وقيل يبطل لأن الصفقة تجرى مجرى عقدين فيكون ثمن كل واحد منهما مجهولا. أما لو كان العبدان لهما أو كانا لواحد جاز. وكذا لو كان لكل واحد قفيز من حنطة على انفراده فباعاهما صفقة لانقسام الثمن عليهما بالسوية .. مذهب الإباضية: جاء فى كتاب النيل (٢) أنه يجوز لكل من الشريكين المتفاوضين مبايعة بيع وشراء بأنواعهما من التولية والإقالة والمقايضة والنقد والسلم والصرف ونحو ذلك. وجازت مبايعته بالنقد والعاجل والآجل، وجازت له التولية والإقالة ولو على قول من قال فسخ بيع. وجاز له أن يقيل وأن يولى وأن يأخذ التولية والإقالة وأن يحاول وأن يقبل الحوالة وأن يتحمل ويقبل الحمالة إن ظهرت له مصلحة وقبض للدين نفسه وقضاء فى الدين بغير ما به المداينة وخلاص الدين الذى عليه من حيث الشركة. وسواء استأنف ذلك أو بنى على ما فعل صاحبه مثل أن يبيع صاحبه فيقيل هو المشترى أو يشترى صاحبه فيقيل البائع. أو يولى ما اشتراه لأحد أو يقبض ثمن ما باع صاحبه أو يوفى ثمن ما اشترى صاحبه ويقبض دين أحدهما عن الآخر. ويدرك عيب ما باع أحدهما على الآخر ونحو ذلك. وأذن لعبدهما بأن يأذن له أحدهما فى التجر وإن أذن له أحدهما وسكت الآخر، أو لم يعلم فهو مأذون له، وإن منع الآخر فغير مأذون ويمضى فعل العبد مع من لم يعلم بالمنع إن لم يناد عليه بالمنع. الإفراد فى الوكالة مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع (٣): الوكيلان هل ينفرد أحدهما بالتصرف فيما وكلا به. أما الوكيلان بالبيع فلا يملك أحدهما التصرف بدون صاحبه. ولو فعل لم يجز حتى يجيز صاحبه أو الموكل لأن البيع مما يحتاج فيه إلى الرأى والموكل إنما رضى برأيهما لا برأى أحدهما واجتماعهما على ذلك ممكن فلم يمتثل امر الموكل فلا ينفذ عليه. وكذا الوكيلان بالشراء سواء كان الثمن مسمى أو لم يكن. وسواء كان الوكيل الآخر غائبا أو حاضرا لما ذكرنا فى البيع إلا أن فى الشراء إذا اشترى

стр. 6302

أحدهما بدون صاحبه ينفذ على المشترى ولا يقف على الإجازة. وفى البيع يقف على الإجازة. وكذلك الوكيلان بالنكاح والطلاق على مال والعتق على مال والخلع والكتابة. وكل عقد فيه بدل هو مال لأن كل ذلك مما يحتاج إلى الرأى ولم يرض برأى أحدهما بانفراده. وكذا ما خرج مخرج التمليك بأن قال لرجلين جعلت أمر امرأتى بيدكما. أو كما قال لهما طلقا امرأتى إن شئتما لا ينفرد أحدهما بالتطليق لأنه جعل أمر اليد تمليكا. ألا ترى بأنه يقف على المجلس والتمليكات هى التى تختص بالمجلس. والتمليك على هذا الوجه مشروط بالمشيئة كأنه قال طلقا امرأتى إن شئتما وهناك لا يملك أحدهما التطليق دون صاحبه. لأن المعلق بشرطين لا ينزل إلا عند وجودهما. فكذا هذا. وكذا الوكيلان بقبض الدين لا يملك أحدهما أن يقبض دون صاحبه لأن قبض الدين مما يحتاج إلى الرأى والأمانة وقد فوض الرأى إليهما جميعا لا إلى أحدهما ورضى بأمانتهما جميعا لا بأمانة أحدهما. فإن قبض أحدهما لم يبرئه الغريم حتى يصل ما قبضه إلى صاحبه فيقع فى أيديهما جميعا. أو يصل إلى الموكل لأنه لما وصل المقبوض إلى صاحبه أو إلى الموكل فقد حصل المقصود بالقبض. فصار كأنهما قبضا جميعا ابتداء. وأما الوكيلان بالطلاق على غير مال والعتق على غير مال. والوكيلان بتسليم الهبة ورد الوديعة وقضاء الدين فينفرد أحدهما بالتصرف فيما وكلا به. لأن هذه التصرفات مما لا تحتاج إلى الرأى فكان إضافة التوكيل اليهما تفويضا للتصرف إلى كل واحد منهما بانفراده. وأما الوكيلان بالخصومة فكل واحد منهما يتصرف بانفراده، عند أصحابنا الثلاثة رحمهم الله تعالى. وعند زفر رحمه الله تعالى لا ينفرد. ووجه قول زفر أن الخصومة مما يحتاج إلى الرأى فيها ولم يرض برأى أحدهما فلا يملكه أحدهما دون صاحبه. ووجه قول أصحابنا الثلاثة أن الغرض من الخصومة إعلام القاضى بما يملكه المخاصم واستماعه. واجتماع الوكيلين على ذلك يخل بالإعلام والاستماع لأن ازدحام الكلام يخل بالفهم فكان إضافة التوكيل إليهما تفويضا للخصومة إلى كل واحد منهما فأيهما خاصم كان تمثيلا إلا أنه لا يملك أحدهما القبض دون صاحبه. وإن كان الوكيل بالخصومة يملك القبض عندنا لأن اجتماعهما على القبض ممكن فلا يكون راضيا بقبض أحدهما بانفراده. وأما المضاربان فلا يملك أحدهما التصرف بدون إذن صاحبه إجماعا. وفى الوصية خلاف بين أصحابنا.

стр. 6303

مذهب المالكية: جاء فى الدسوقى (١): أنه يجوز لأحد الوكيلين على مال ونحوه إذا وكلا على التعاقب علم أحدهما بالآخر أم لا إلا الاستبداد أى الاستقلال بما يفعله دون الآخر. وقوله على مال بأن يكون وكلهما على بيع أو شراء أو اقتضاء، دين. وكون ذلك غير خصام كطلاق وعتق وإبراء وهبة ووقف. وأما على الخصام فإنه لا يجوز تعدد الوكيل فيه فلا يوكل اثنين على خصام واحد إلا برضاه. فكذلك لأحدهما الاستبداد إن ترتبا. والاستبداد يكون فى الوكالة إلا لشرط من الموكل ألا يستبد فليس له استقلال. كما اذا وكلا معا فى آن واحد إذ ليس لأحدهما الاستبداد إلا بشرط أن كل واحد يستبد. والحاصل أنهما إن وكلا مترتبين فلأحدهما الاستبداد إلا إذا شرط الموكل عدم الاستبداد. وإن وكلا معا فليس لأحدهما الاستبداد إلا إذا شرط الموكل لهما الاستبداد هذا هو المعتمد فى المسألة. وكالوصيين مطلقا أى فلا يستقل أحدهما بالتصرف سواء أوصاهما معا أو مترتبين وذلك لأن الإيصاء إنما يكون تحتمه ولزومه فى لحظة الموت إذ له الرجوع قبل ذلك. وحينئذ فلا أثر للترتب الواقع قبله وحينئذ فلم يلزم إلا معا. فإن تنازعا فى الترتيب فالقول للموكل. مذهب الشافعية: جاء فى المهذب (٢): أنه إن وكل نفسين فى بيع أو طلاق فإن جعله إلى كل واحد منهما جاز لكل واحد منهما أن ينفرد به لأنه أذن لكل واحد منهما فى التصرف. وإن لم يجعل إلى كل واحد منهما لم يجز لأحدهما أن ينفرد به لأنه لم يرض بتصرف أحدهما فلا يجوز أن ينفرد به. وإن وكلهما فى حفظ ماله حفظاه فى حرز لهما. وخرج أبو العباس وجها آخر أنه إن كان مما ينقسم جاز أن يقتسما ويكون عند كل واحد منهما نصفه. وإن لم ينقسم جعلاه فى حرز لهما كما يفعل المالكان. والصحيح هو الأول لأنه تصرف أشرك فيه بينهما فلم يجز لأحدهما أن ينفرد ببعضه فيه كالبيع. ويخالف المالكين لأن تصرف المالكين بحق الملك ففعلا ما يقتضى الملك. وتصرف الوكيلين بالإذن والإذن يقتضى اشتراكهما ولهذا يجوز لأحد

стр. 6304

المالكين أن ينفرد ببيع بعضه. ولا يجوز لأحد الوكيلين أن ينفرد ببيع بعضه .. مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى (١): إنه إذا وكل وكيلين فى تصرف وجعل لكل واحد الأنفراد بالتصرف فله ذلك لأنه مأذون له فيه. فإن لم يجعل له ذلك فليس لأحدهما الانفراد به، لأنه لم يأذن له فى ذلك. وإنما يجوز له ما أذن فيه موكله وبهذا قال الشافعى وأصحاب الرأى. وإن وكلهما فى حفظ ماله حفظاه معا فى حرز لهما لأن قوله افعلا كذا يقتضى اجتماعهما على فعله وهو مما يمكن فتعلق بهما. وفارق هذا قوله بعتكما حيث كان منقسما بينهما لأنه لا يمكن كون الملك لهما على الاجتماع فانقسم بينهما. فإن غاب أحد الوكيلين لم يكن للآخر أن يتصرف. ولا للحاكم ضم أمين إليه ليتصرفا لأن الموكل رشيد جائز التصرف لا ولاية للحاكم عليه فلا يضم الحاكم وكيلا له بغير أمره. وفارق ما لو مات أحد الوصيين حيث يضيف الحاكم إلى الوصى أمينا ليتصرف لكون الحاكم له النظر فى حق الميت واليتيم. ولهذا لو لم يوص إلى أحد أقام الحاكم أمينا فى النظر لليتيم وإن أحضر الحاكم أحد الوكيلين والآخر غائب وادعى الوكالة لهما وأقام بينة سمعها الحاكم وحكم بثبوت الوكالة لهما. ولم يملك الحاضر التصرف وحده فإذا حضر الآخر تصرفا معا ولا يحتاج إلى إعادة البينة لأن الحاكم سمعها لهما مرة. فإن قيل هذا حكم للغائب. قلنا يجوز تبعا لحق الحاضر كما يجوز أن يحكم بالوقف الذى يثبت لمن لم يخلق لأجل من يستحقه فى الحال. كذا ههنا. وإن جحد الغائب الوكالة أو عزل نفسه لم يكن للآخر أن يتصرف وبما ذكرناه قال أبو حنيفة والشافعى ولا نعلم فيه خلافا. وجميع التصرفات فى هذا سواء وقال أبو حنيفة إذا وكلهما فى خصومة فلكل واحد منهما الانفراد بها. ولنا أنه لم يرض بتصرف أحدهما أشبه البيع والشراء .. مذهب الزيدية: جاء فى البحر الزخار (٢): أنه إذا وكل اثنين على شئ كل على انفراده صح تصرفهما مجتمعين ومتفرقين. فإن شرط اجتماعهما لزما اتفاقا. فإن

стр. 6305

وكلهما معا فى حال ولم يشترط (المذهب) لم ينفرد أيهما بالتصرف إلا فيما خشى فوته كالبيع والشراء والإجارة فى معين أو جنس خشى عدمه أو نحو ذلك لا الطلاق والنكاح والعتق بلا عوض: اذ لا يخشى فوتهما. فتوكيله لاثنين إمارة اشتراط اجتماعهما فلزم اتفاقا .. مذهب الإمامية: جاء فى شرائع الإسلام (١): أنه لو وكل اثنين فإن شرط الاجتماع لم يجز لأحدهما ان ينفرد بشئ من التصرف. وكذا لو أطلق. ولو مات أحدهما بطلت الوكالة. وليس للحاكم أن يضم إليه أمينا. أما لو شرط الانفراد جاز لكل منهما أن يتصرف غير مستصحب رأى صاحبه. ولو وكل زوجته أو عبد غيره ثم طلق الزوجة وأعتق العبد لم تبطل الوكالة. أما لو أذن لعبده فى التصرف بماله ثم أعتقه بطل الإذن لأنه ليس على حد الوكالة بل هو إذن تابع للملك. وإذا وكل إنسانا فى الحكومة إذنا فى قبض الحق إذ قد يوكل من لا يستأمن على المال. وكذا لو وكله فى قبض المال فأنكر الغريم لم يكن ذلك إذنا فى محاكمته لأنه قد لا يرتضى للخصومة. مذهب الإباضية: جاء فى النيل (٢): أنه لا يعقد وكيل أو مأمور أو خليفة دون صاحبه إن وكلا معا أو أمرا معا أو استخلفا معا على شراء أو بيع. وذلك لأنه نزلهما منزلة رجل واحد. وصفة ذلك أن يقول وكلتكما معا أو وكلتهما معا أو أمرتكما معا أو أمرتهما معا أو استخلفتكما معا أو استخلفتهما معا. أو يسقط لفظ مع ويقول جعلتكما أو جعلتهما وكيلا أو مامورا أو خليفة. أو يقول بع أو اشتر أنت وفلان أو مع فلان أو نحو ذلك مما يصرح أو يتبادر منه أنه قرنهما إلا إن أجاز له صاحبه قبل العقد أو بعده أو عنده أو أجاز له موكلهما أو آمرهما أو مستخلفهما قبله أو بعده أو عنده كذلك. وإن جوز صاحبه ودفع الموكل أو جوز الموكل ودفع صاحبه والآمر والمستخلف كالموكل نظر للأول اعتبر من سبق منهما بالتجويز أو بالدفع. فإن سبق أحدهما بالتجويز جاز. أما إن سبق به الصاحب فلتمام فعلهما قبل أن ينقضه موكلهما أو آمرهما أو مستخلفهما، إذ لا يجد النقض بعد تمامه. وأما إن سبق به الموكل أو الآمر المستخلف فلإمضائه الفعل فلا يؤثر دفع الصاحب بعد وقد

стр. 6306

مضى. فإن إجازته إبطال للصاحب. وله إبطاله حيث شاء حتى أنه لو أجاز ثم أجاز الصاحب أيضا صح البيع أو الشراء بأجازته. وأما إجازة الصاحب فضائعة. وجوز عقد وكيل وحده ولو وكلهما معا وجعلهما وكيلا واحدا ولو أبى الآخر. وكذا لو باعاه جميعا مضى فعل السابق لأن المراد العقد وقد وقع ولم يقل لهما لا يبع أحدكما أو أحدهما أو يشتر إلا بحضرة الآخر أو ما يقوم مقام هذا الكلام. والأصل فى الكلام الكلية لا الكل فيستقل الواحد بالحكم وهكذا اللغة. وأيضا هما كاسمان واحد. وإذا أمر ثلاثة فصاعدا لو وكلهم أو استخلفهم فحكمهم كحكم الاثنين فيما مر. وإن فرقهما وحكم الثلاثة فصاعدا حكمهما أيضا. وصفة التفريق أن يجتمع مع كل واحد وحده فيقول له قد وكلتك أو أمرتك أو استخلفتك أو يكتب إليه أو يرسل أو يستشهد على ذلك أو يجتمع الكل فيقول لكل واحد ذلك على حدة. أو يقول قد وكلتكما أو أمرتكما أو استخلفتكما كل واحد يكفى وحده أو كل منكما مأمور أو خليفة أو وكيل أو نحو ذلك مما يفيد استقلال كل واحد بنفسه جاز فعل كل. ولو علم كل منهما أن الآخر وكيل وأن بالشراء من صاحبه للآمر أو الموكل أو المستخلف أو ببيع ماله أو مال من ناب عنه غير الذى نابا عنه معا له أى لصاحبه بنية الموكل أو الآمر أو المستخلف. كما فى النكاح أن لكل من المأمورين أن يزوج وليته غير بنته للآمر بواسطة المأمور الآخر. وإن باع كل فلأول مشتر إن علم الأول وبطل البيع للثانى ومن بعده وإلا وقف المبيع بأيدى مشترييه أو المشترين حتى يتبين. وإن اتحد وقتهما صح العقد واشتركا فيه أو اشتركوا فيه على الرءوس. ويدل على صحة العقد الإجبار على الطلاق فى صورة النكاح الإفراد فى الرهن مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع (١): أن من شروط الرهن أن يكون المرهون فارغا عما ليس بمرهون. فإن كان مشغولا به بأن رهن دارا دون متاع الراهن. أو سلم الدار مع ما فيها من المتاع أو رهن جوالقا دون ما فيه وسلم الجوالق أو سلمه مع ما فيه لم يجز لأن معنى القبض هو التخلية الممكنة من التصرف ولا يتحقق مع الشغل. ولو أخرج المتاع من الدار ثم سلمها فارغة جاز وينظر إلى حال القبض لا إلى حال العقد لأن المانع هو الشغل وقد زال فينفذ. كما فى رهن المشاع. ولو رهن المتاع الذى فيها دون الدار وخلى بينه وبين الدار جاز. بخلاف ما إذا رهن الدار دون

стр. 6307

المتاع لأن الدار تكون مشغولة بالمتاع فأما المتاع فلا يكون مشغولا بالدار فيصح قبض المتاع ولم يصح قبض الدار. ولو رهن الدار والمتاع والذى فيها صفقة واحدة وخلى بينه وبينهما وهو خارج الدار جاز الرهن فيهما جميعا لأنه رهن الكل وسلم الكل وصح تسليمهما جميعا. ولو فرق الصفقة فيهما بأن رهن أحدهما ثم الآخر فإن جمع بينهما فى التسليم صح الرهن فيهما جميعا. أما فى المتاع فلا شك فيه لما ذكرنا. أن المتاع لا يكون مشغولا بالدار. وأما فى الدار فلأن المانع وهو الشغل قد زال. وإن فرق بأن رهن أحدهما وسلم ثم رهن الآخر وسلم لم يجز الرهن فى الدار وجاز فى المتاع سواء قدم أو أخر بخلاف الهبة فإن هناك يراعى فيه الترتيب إن قدم هبة الدار لم تجز الهبة فى الدار وجازت فى المتاع كما فى الرهن. وإن قدم هبة المتاع جازت الهبة فيهما جميعا. أما فى المتاع فلأنه غير مشغول بالدار. وأما فى الدار فلأنها وإن كانت مشغولة وقت القبض لكن بمتاع هو ملك الموهوب له فلم يمنع صحة القبض. وهنا الدار مشغولة بمتاع هو ملك الراهن فيمنع صحة القبض فهو الفرق. ولو رهن دارا والراهن والمرتهن فى جوف الدار فقال الراهن سلمتها إليك لم يصح التسليم حتى يخرج من الدار ثم يسلم لأن معنى التسليم وهو التخلية لا يتحقق مع كونه فى الدار فلا بد من تسليم جديد بعد الخروج منها. ولو رهن دابة عليها حمل دون الحمل لم يتم الرهن حتى يلقى الحمل عنها ثم يسلمها إلى المرتهن، ولو رهن الجمل دون الدابة ودفعها إليه كان رهنا تامّا فى الحمل لأن الدابة مشغولة بالحمل أما الحمل فليس مشغولا بالدابة كما فى رهن الدار التى فيها المتاع بدون المتاع. ورهن المتاع الذى فى الدار بدون الدار، ولو رهن سرجا على دابة أو لجاما فى رأسها أو رسنا فى رأسها فدفع إليه الدابة مع اللجام والسرج والرسن لم يكن رهنا حتى ينزعه من رأس الدابة ثم يسلم. بخلاف ما إذا رهن متاعا فى الدار لأن السرج ونحوه من توابع الدابة فلم يصح رهنها بدون الدابة. كما لا يصح رهن الثمر بدون الشجر. بخلاف المتاع فإنه ليس تبعا بالدار. ولهذا قالوا لو رهن دابة عليها سرج أو لجام دخل ذلك فى الرهن بحكم التبعية. وعلى هذا يخرج ما إذا رهن جارية واستثنى ما فى بطنها أو بهيمة واستثنى ما فى بطنها أنه لا يجوز الاستثناء ولا العقد. أما الاستثناء فلأنه لو جاز لكان المرهون مشغولا بما ليس بمرهون. وأما العقد فلأن استثناء ما فى البطن بمنزلة الشرط الفاسد والرهن تبطله الشروط الفاسدة كالبيع. بخلاف الهبة. ولو اعتق ما فى بطن جاريته ثم رهن الأم أو

стр. 6308

دبر ما فى بطنها ثم رهن الأم فالكلام فيه كالكلام فى الهبة ومنها أن يكون المرهون منفصلا متميزا عما ليس بمرهون فإن كان متصلا به غير متميز عنه لم يصح قبضه لأن قبض المرهون وحده غير ممكن. والمتصل به غير مرهون فأشبه رهن المشاع. وعلى هذا الأصل يخرج ما إذا رهن الأرض بدون البناء أو بدون الزرع والشجر أو الزرع والشجر بدون الأرض أو الشجر بدون الثمر أو الثمر بدون الشجر أنه لا يجوز سواء سلم المرهون بتخلية الكل أو لا. لأن المرهون متصل بما ليس بمرهون وهذا يمنع صحة القبض. ولو جذ الثمر وحصد الزرع وسلم منفصلا جاز لأن المانع من النفاذ قد زال. ولو جمع بينهما فى عقد الرهن فرهنهما جميعا وسلم متفرقا جاز. وإن فرق الصفقة بأن رهن الزرع ثم الأرض أو الأرض ثم الزرع ينظر إن جمع بينهما فى التسليم جاز الرهن فيهما جميعا. وإن فرق لا يجوز فيهما جميعا سواء قدم أو أخر بخلاف الفصل الأول لأن المانع فى الفصلين مختلف فالمانع من صحة القبض فى هذا الفصل هو الاتصال وأنه لا يختلف والمانع من صحة القبض فى الفصل الأول هو الشغل وأنه يختلف. مثال هذا إذا رهن نصف داره مشاعا من رجل ولم يسلم إليه حتى رهنه النصف الباقى وسلم الكل أنه يجوز. ولو رهن النصف وسلم ثم رهن النصف الباقى وسلم لا يجوز كذا هذا. وعلى هذا إذا رهن صوفا على ظهر غنم بدون الغنم إنه لا يجوز لأن المرهون متصل بما ليس بمرهون وهذا يمنع من صحة القبض. ولو جزه وسلمه جاز لأن المانع قد زال، وعلى هذا أيضا إذا رهن دابة عليها جمل بدون الحمل لا يجوز. ولو رفع الحمل عنها وسلمها فارغة جاز لما قلنا. بخلاف ما إذا رهن ما فى بطن جاريته أو ما فى بطن غنمه أو ما فى ضرعها. أو رهن سمنا فى لبن أو دهنا فى سمسم أو زيتا فى زيتون أو دقيقا فى حنطة أنه يبطل. وإن سلطه على قبضه عند الولادة أو عند استخراج ذلك فقبض لأن العقد هناك لم ينعقد أصلا لعدم المحل لكونه مضافا إلى المعدوم، ولهذا لم ينعقد البيع المضاف إليها فكذا الرهن. أما هنا فالعقد منعقد موقوف نفاذه على صحة التسليم بالفصل والتمييز. فإذا وجد فقد زال المانع. ولو رهن شجرا وفيه ثمر لم يسمه فى الرهن دخل فى الرهن. بخلاف البيع إنه لا يدخل الثمر فى بيع الشجر من غير تسمية لأنه قصد تصحيح الرهن. ولا صحة له بدون القبض ولا صحة للقبض بدون دخول ما هو متصل به فيدخل تحت العقد تصحيحا له. بخلاف البيع فإنة يصح فى الشجر بدون الثمر ولا ضرورة إلى إدخال الثمر للتصحيح. ولو قال رهنتك هذه الدار أو هذه الأرض أو هذا الكرم وأطلق القول ولم يخص شيئا دخل فيه كل ما كان متصلا به من البناء والغرس، لأن ذلك

стр. 6309

يدخل فى البيع مع أن القبض ليس من شرط صحته فلأن يدخل فى الرهن أولى. إلا أنه يدخل فيه الزرع والثمر ولا يدخل فى البيع. بخلاف المتاع إنه لا يدخل فى رهن الدار ويدخل الثمر فى رهن الشجر. لأن الثمر تابع للشجر والمتاع ليس بتابع للدار. ولو استحق بعض المرهون بعد صحة الرهن ينظر إلى الباقى إن كان الباقى بعد الاستحقاق مما يجوز رهنه ابتداء لا يفسد الرهن فيه. وإن كان مما لا يجوز رهنه ابتداء فسد الرهن فى الكل لأنه لما استحق بعضه تبين أن العقد لم يصح فى القدر المستحق. وأنه لم يقع إلا على الباقى فكأنه رهن هذا القدر ابتداء فينظر فيه إن كان محلاّ لابتداء الرهن يبقى الرهن فيه وإلا فيفسد فى الكل. كما لو رهن هذا القدر ابتداء إلا أنه إذا بقى الرهن فيه يبقى بحصته حتى لو هلك الباقى يهلك بحصته من الدين. وإن كان فى قيمته وفاء بجميع الدين ولا يذهب جميع الدين. وإذا رهن الباقى ابتداء وفيه وفاء بالدين فهلك يهلك بجميع الدين. وإن شئت أن تجعل الحيازة شرطا مفردا. ويخرج المشاع على هذا الأصل لأنه مرهون متصل بما ليس بمرهون حقيقة فكان تخريجه عليه مستقيما. مذهب المالكية: جاء فى التاج والإكليل للحطاب (١) ومن المدونة قال مالك كراء الدور وإجارة العبيد كل ذلك للراهن. لأنه غلة ولا يكون فى الرهن إلا أن يشترطه المرتهن. وكذلك صوف الغنم. قال ابن القاسم إلا صوف كمل نباته يوم الرهن فإنه يكون رهنا معها. قال ابن يونس القضاء أن من ارتهن أمة حاملا مما فى بطنها وما تلده بعد ذلك رهن معها كالبيع، وكذلك نتاج الحيوان كله. وقاله مالك. قال ابن المواز: ولو شرط أن ما تلده ليس برهن معها لم يجز. قال الجلاب فراخ النخل والشجر رهن مع أصوله. قال ابن شاس النماء الذى هو متميز عن الرهن لكنه على خلقته وصورته كالولد، فإنه داخل فى الرهن. وكذلك ما فى معناه من فلان النخيل فإنه داخل مع الأصول فى الرهن. ومن المدونة من ارتهن نخلا لم يدخل ما فيها من ثمر فى الرهن أبر أو لم يؤبر أزهى أو لم يزه ولا ما يثمر بعد ذلك، إلا أن يشترط ذلك المرتهن.

стр. 6310

قال بعض القرويين فلو كانت الثمرة يوم الرهن يابسة دخلت فيه كالصوف التام. ومن المدونة لا يكون مال العبد الرهن رهنا إلا أن يشترطه المرتهن، كالبيع فيدخل فى البيع والرهن كان ماله معلوما أو مجهولا. ومن المدونة (١) قال مالك لا بأس برهن جزء مشاع غير مقسوم من ربع أو حيوان أو عرض وقبضه إن كان بين الراهن وغيره أن يحوز المرتهن حصة الراهن ويكريه ويليه مع من له فيه شرك لربه ولا بأس أن يضعاه على يد الشريك، والحوز فى ارتهان نصف ما يملك الراهن جميعه من عين أو دابة أو ثوب قبض جميعه ولا يستأذن شريكه. قال ابن عرفة رهن المشاع فيما باقيه لغير الراهن ربعا أو منقسما لا يقتصر لإذن شريكه وإن كان غيره فكذلك عند ابن القاسم. وقال أشهب من كان له نصف عبد أو نصف دابة أو ما ينقل كالثوب والسيف لم يجز أن يرهن حصته إلا بإذن شريكه وكذا كل ما لا ينقسم. ومن المدونة إن كان الرهن مما ينقسم من طعام ونحوه فرهن حصة منه جاز ذلك إذا حازه المرتهن. فإن شاء الشريك البيع قاسم فيه الراهن والرهن كما هو فى يد المرتهن لا يخرجه من يده. فإن غاب الراهن أقام الإمام من يقسم له ثم تبقى حصة الراهن فى الوجهين رهنا، ويطبع على كل ما لا يعرف بعينة ويبيع ويسلم. قال ابن الحاجب على المشهور لا يستأذن الشريك وله أن يقسم ويبيع ويسلم. مذهب الشافعية: جاء فى المهذب (٢): أن ما يسرع إليه الفساد من الأطعمة والفواكه الرطبة التى لا يمكن استصلاحها يجوز رهنه بالدين الحال والمؤجل الذى يحل قبل فساده، لأنه يمكن بيعه واستيفاء الحق من ثمنه. فأما ما رهنه بدين مؤجل إلى وقت يفسد قبل محله ينظر فيه. فإن شرط أن يبيعه إذا خاف عليه الفساد جاز رهنه. وإن أطلق ففيه قولان: أحدهما: لا يصح وهو الصحيح لأنه لا يمكن بيعه بالدين فى محله فلم يجز رهنه كأم الولد. والثانى: يصح إذا خيف عليه أجبر على بيعه ويجعل ثمنه رهنا لأن مطلق العقد يحمل على المتعارف ويصير كالمشروط والمتعارف فيما يفسد أن يباع قبل فساده فيصير كما لو شرط ذلك، ولو شرط ذلك جاز رهنه، فكذلك إذا أطلق. فإن رهن ثمرة يسرع إليها الفساد مع الشجر ففيه طريقان. من أصحابنا من قال فيه قولان كما لو أفرده بالعقد. ومنهم من قال يصح قولا واحدا، لأنه تابع للشجرة فإذا هلكت الثمرة بقيت الشجرة.

стр. 6311

ثم قال (١): ويجوز أن يرهن الجارية دون ولدها، لأن الرهن لا يزيل الملك فلا يؤدى إلى التفريق بينهما. فإن حل الدين ولم يقضه وبيعت الأم والولد ويقسم الثمن عليهما فما قابل الأم تعلق به حق المرتهن فى قضاء دينه وما قابل الولد يكون للراهن لا يتعلق به حق المرتهن. ثم قال (٢): وإن كان للمرهون أصول تحمل فى السنة مرة بعد أخرى كالتين والقثاء فرهن الحمل الظاهر فإن كان بدين يستحق فيه بيع الرهن قبل أن يحدث الحمل الثانى ويختلط به جاز لأنه يأمن الغرر بالاختلاط وإن كان بدين لا يستحق البيع فيه إلا بعد حدوث الحمل الثانى واختلاطه به نظر. فإن شرط إنه إذا خيف الاختلاط قطعه جاز لأنه منع الغرر بشرط القطع. وان لم يشترط القطع ففيه قولان: أحدهما: أن العقد باطل لأنه يختلط بالمرهون غيره فلا يمكن إمضاء العقد على مقتضاه. والثانى: أنه صحيح لأنه يمكن الفصل عند الاختلاط بأن يسمح الراهن بترك ثمرته للمرتهن أو ينظركم كان المرهون فيحلف عليه ويأخذ ما زاد فإذا أمكن إمضاء العقد لم يحكم ببطلانه. ثم قال (٣): إن ما يحدث من عين الرهن من النماء المتميز كالشجر والثمر واللبن والولد والصوف والشعر لا يدخل فى الرهن، لما روى سعيد بن المسيب عن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال لا يغلق الرهن من راهنه الذى رهنه له غنمه وعليه غرمه والنماء من الغنم فوجب أن يكون له. وعن ابن عمر وأبى هريرة مرفوعا: الرهن محلوب ومركوب ومعلوم. إنه لم يرد أنه محلوب ومركوب للمرتهن فدل على أنه أراد به محلوب ومركوب للراهن، ولأنه عقد لا يزيل الملك فلم يسر إلى النماء المتميز كالإجارة. فإن رهن نخلا على أن ما يتميز داخل فى الرهن أو ماشية على أن ما تنتج داخل فى الرهن فالمنصوص فى الأم أن الشرط باطل. وقال فى الأمالى القديمة. لو قال قائل: إن الثمرة والنتاج يكون رهنا كان مذهبا. ووجهه أنه تابع للأصل فجاز أن يتبعه كأساس الدار. والمذهب الأول. وهذا مرجوع عنه، لأنه رهن مجهول ومعدوم فلم يصح. بخلاف أساس الدار فإنه موجود ولكنه شق رؤيته فعفى عن الجهل به. وأما النماء الموجود فى حال العقد ينظر فيه فإن كان شجرا فقد قال فى الرهن لا يدخل فيه وقال فى البيع يدخل. واختلف أصحابنا فيه على ثلاث طرق وقد بيناها فى البيوع. وإن كان ثمرا نظر فإن كان ظاهرا كالطلع المؤبر وما أشبهه من الثمار لم يدخل فى الرهن لأنه إذا لم

стр. 6312

يدخل ذلك فى البيع وهو يزيل الملك فلأن لا يدخل فى الرهن وهو لا يزيل الملك أولى وإن كان ثمرا غير ظاهر كالطلع الذى لم يؤبر وما أشبهه من الثمار ففيه طريقان. من أصحابنا من قال فيه قولان: أحدهما: يدخل فيه قياسا على البيع. والثانى: لا يدخل فيه وهو الصحيح، لأنه لما لم يدخل فيه ما يحدث بعد العقد لم يدخل الموجود حال العقد. ومنهم من قال لا يدخل فيه قولا واحدا، ويخالف البيع فإن فى البيع ما يحدث بعد العقد ملك للمشترى، والحادث بعد العقد لا حق للمرتهن فيه، ولأن البيع يزيل الملك فيدخل فيه النماء، والرهن لا يزيل الملك فلم يدخل فيه. واختلف أصحابنا فى ورق التوت والآس وأغصان الخلاف. فمنهم من قال هو كالورق والأغصان من سائر الأشجار فيدخل فى الرهن. ومنهم من قال إنها كالثمار من سائر الأشجار فيكون حكمها حكم الثمار. وإن كان النماء صوفا أو لبنا فالمنصوص أنه لا يدخل فى العقد. قال الربيع فى الصوف قول آخر أنه يدخل. فمن أصحابنا من قال فيه قولان. ومنهم من قال لا يدخل قولا واحدا. وما قاله الربيع من تخريجه. مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى (١): أنه يصح أن يرهن بعض نصيبه من المشاع كما يصح أن يرهن جميعه سواء رهنه مشاعا فى نصيبه مثل أن يرهن نصف نصيبه أو يرهن نصيبه من معين مثل أن يكون له نصف دار فيرهن نصيبه من بيت منها بعينه. وقال القاضى يحتمل ألا يصح رهن حصته من معين من شئ تمكن قسمته لاحتمال أن يقتسم الشريكان فيحصل الرهن فى حصة شريكه. ولنا أنه يصح بيعه فصح رهنه كغيره. وما ذكره لا يصح، لأن الراهن ممنوع من التصرف فى الرهن بما يضر بالمرتهن فيمنع من القسمة المضرة كما يمنع من بيعه. ثم قال فى موضع آخر فى المغنى (٢): ويجوز رهن الجارية دون ولدها، ورهن ولدها دونها، لأن الرهن لا يزيل الملك، فلا يحصل بذلك تفرقة، ولأنه يمكن تسليم الولد مع أمه، والأم مع ولدها، فإن دعت الحاجة إلى بيعها فى الدين بيع ولدها معها، لأن الجمع فى العقد ممكن، والتفريق بينهما حرام فوجب بيعه معها، فإذا بيعا معا تعلق حق المرتهن من ذلك بقدر قيمة الجارية من الثمن، فإذا كانت قيمتها مائة مع أنها ذات ولد وقيمة الولد خمسون فحصتها ثلثا الثمن، وإن لم يعلم المرتهن

стр. 6313

بالولد ثم علم فله الخيار فى الرد والإمساك، لأن الولد عيب فيها لكونه لا يمكن بيعها بدونه، فإن أمسك فهو كما لو علم حال العقد ولا شئ له غيرها وإن ردها فله فسخ البيع إن كانت مشروطة فيه. ثم قال فى موضع آخر: ولو رهن ثمرة شجر يحمل فى السنة حملين لا يتميز أحدهما من الآخر، فرهن الثمرة الأولى إلى محل تحدث الثانية على وجه لا يتميز، فالرهن باطل، لأنه مجهول حين حلول الحق فلا يمكن استيفاء الدين منه فلم يصح، كما لو كان مجهولا حين العقد وكما لو رهنه إياها بعد اشتباهها. فإن شرط قطع الأولى إذا خيف اختلاطها بالثانية صح. فإن كان الحمل المرهون بحق حال وكانت الثمرة الثانية تتميز من الأولى إذا حدثت فالرهن صحيح. فإن وقع التوانى فى قطع الأولى حتى اختلطت بالثانية وتعذر التمييز لم يبطل الرهن، لأنه وقع صحيحا، وقد اختلط بغيره على وجه لا يمكن فصله. فعلى هذا إن سمح الراهن بكون الثمرة رهنا، أو اتفقا على قدر المرهون منهما فحسن. وإن اختلفا فالقول قول الراهن مع يمينه فى قدر الرهن، لأنه منكر للقدر الزائد والقول قول المنكر. وجاء فى موضع آخر (١): فإن جعلا الرهن فى يد عدلين جاز لهما إمساكه ولا يجوز لأحدهما الانفراد بحفظه. وإن سلمه أحدهما إلى الآخر فعليه ضمان النصف، لأنه القدر الذى تعدى فيه وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعى. وفى الآخر وإذا رضى أحدهما بإمساك الآخر جاز وبهذا قال أبو يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة إن كان مما ينقسم اقتسماه وإلا فلكل واحد منهما إمساك جميعه، لأن اجتماعهما على حفظه يشق عليهما، فيحمل الأمر على أن لكل واحد منهما الحفظ. ولنا أن المتراهنين لم يرضيا إلا بحفظهما فلم يجز لأحدهما الانفراد بذلك كالوصيين لا ينفرد أحدهما بالتصرف. وقولهم إن الاجتماع على الحفظ يشق ليس كذلك، فإنه يمكن جعله فى مخزن لكل واحد منهما عليه قفل. وجاء فى موضع آخر (٢): وإذا ارتهن أرضا أو دارا أو غيرهما تبعه فى الرهن ما يتبع فى البيع. فإن كان فى الأرض شجر، فقال: رهنتك هذه الأرض بحقوقها، أو ذكر ما يدل على أن الشجر فى الرهن دخل فيه. وإن لم يذكر ذلك فهل يدخل الشجر فى الرهن؟ على وجهين بناء على دخوله فى البيع. وإن رهنه شجرا مثمرا وفيه ثمرة ظاهرة لم تدخل فى الرهن، كما لا تدخل فى البيع، وإن لم تكن ظاهرة دخلت. وقال الشافعى لا تدخل الثمرة فى الرهن بحال.

стр. 6314

وقال أبو حنيفة تدخل بكل حال، لأن الرهن عنده لا يصح على الأصول دون الثمرة، وقد قصد إلى عقد صحيح، فتدخل الثمرة ضرورة الصحة. ولنا أن الثمرة المؤبرة لا تدخل فى البيع مع قوته وازالته لملك البائع فالرهن مع ضعفه أولى. وعلى رأى الشافعى أنه عقد على الشجرة استتبع الثمرة غير المؤبرة كالبيع. ويدخل فى الرهن الصوف واللبن الموجودان كما يدخل فى البيع. وكذلك الحمل، وسائر ما بيع فى البيع، لأنه عقد وارد على العين فدخلت فيه التوابع كالبيع. ولو كان الرهن دارا فخربت كانت أنقاضها رهنا لأنها من أجزائها، وقد كانت مرهونة قبل خرابها. ولو رهنه أرضا فنبت فيها شجر فهو من الرهن سواء نبت بفعل الراهن أو فعل غيره لأنه من نمائها. مذهب الزيدية: جاء فى التاج المذهب (١): من الأشياء التى يصح بيعها ولا يصح رهنها الفرع كالثمرة دون الأصل كالشجرة. وهذا حيث استثنى الشجرة وأما لو أطلق دخلت تبعا كالبيع فيصح الرهن. ورهن النابت كالزرع دون المنبت وهى الأرض حيث كان الفرع مع أصله والنابت مع المنبت لمالك واحد والأصح رهن أحدهما دون الآخر والعكس وهو رهن الأصل دون الفرع والمنبت دون النابت فإن هذه كلها يصح بيعها ولا يصح رهنها. إلا أن يرهن الفرع دون الأصل والنابت دون المنبت أو العكس بعد شرط القطع صح. ومما يصح بيعه ولا يصح رهنه أن يكون الرهن جزءا مشاعا فإنه يصح بيعه ولا يصح رهنه سواء قارن الشياع العقد أم طرأ إلا أن يرهن المشاع كله فيصح ذلك حيث كان صفقة واحدة من الشركاء جميعها. ولو رهن الاثنان المشاع بينهما من اثنين صح ذلك. ولا بد أن يكون بصفة واحدة فيقول أحد الراهنين للمرتهنين موجبا عنه وعن شريكه، ليكون عقدا واحدا رهنته من كل واحد منكما ويقولان قبلنا ويقبضانه معا، أو يوكلان ثالثا يقبضه لهما مضيفا، أو يوكل أحدهما الآخر فيقسمان ذلك الرهن إن كان ينقسم أو يتهايآن ذلك الرهن إن كان لا ينقسم أو تضره القسمة على حسب الحال من امكان قسمته او قدر مدة المهايأة ويكون الضمان والمهايأة فى حبسه على عدد الرءوس وإن تفاوت الدين وإذا بيع للإيفاء قسم الثمن على قدر الدين لا على عدد الرءوس ويضمن كل منهما يعنى من المرتهنين كله يعنى كل الرهن إذا تلفا لأن الرهن كله

стр. 6315

فى يد كل واحد منهما ولو كان التلف فى يد أحدهما وللراهن أن يطالب به من شاء ويد أحد المرتهنين للآخر أمانة كالوديعة يضمن لصاحبه ما جنى أو فرط ويضمنان معا للمالك. وإذا استوفى أحدهما دينه كان الرهن محبوسا بحق الآخر ويبقى ضمان المستوفى حتى يقبض المالك جميع الرهن لا المبرئ قبل تلف العين، فيخرج عن الضمان. لأن الدين بطل بغير قبض. وهذا حيث كان الإبراء من جميع الدين، أو من الدفعة الأخيرة. فإن أبرأه من بعضه ثم استوفى الباقى بقى ضمانه. أو رهن اثنان أو أكثر عينا مشاعة لهما من واحد بعقد واحد وكل منهما رهن جميعه صح ذلك الرهن. وإذا تلف فيضمن المرتهن ذلك الرهن كله وإذا استوفى ماله من أحدهما لم يخرج نصيبه عن الرهنية. وله أن يحبسه حتى يستوفى منهما معا، لأن كله رهن بجميع الدين. فإن طرأ على الرهن الشياع وقد كان وقع الرهن فى العين كلها فسد الرهن. مثال ذلك أن يرهن منه أرضا فيقبضها ثم يتفاسخا الرهن فى بعضها دون البعض، أو يبيع الراهن بعضها مشاعا لا معينا بإذن المرتهن أو يرث الراهن بعض الدين أو المرتهن بعض الرهن، فإنه إذا طرأ أى هذه فسد الرهن. مذهب الإمامية: جاء فى شرائع الإسلام (١): أن الرهن لازم من جهة الراهن ليس له انتزاعه إلا مع إقباض الدين أو الإبراء منه أو تصريح المرتهن بإسقاط حقه من الارتهان وبعد ذلك يبقى الرهن أمانة فى يد المرتهن ولا يجب تسليمه إلا مع المطالبة. ولو شرط إن لم يؤد أن يكون الرهن مبيعا لم يصح. ولو غصبه ثم رهنه صح ولم يزل الضمان. وكذا لو كان فى يده بيع فأفسده ولو أسقط عنه الضمان صح. وما يحصل من الرهن من فائدة فهى للراهن. ولو حملت الشجرة أو الدابة أو المملوكة بعد الارتهان كان الحمل رهنا كالأصل على الأظهر. ولو كان فى يده رهنان بدينين متغايرين ثم أدى أحدهما لم يجز إمساك الرهن الذى يخصه بالدين الآخر. وكذا لو كان له دينان وبأحدهما لم يجز له أن يجعله رهنا بهما، ولا أن ينقله إلى دين مستأنف. وإذا رهن مال غيره بإذنه ضمنه بقيمته إن تلف أو تعذر إعادته. ولو بيع بأكثر من ثمن مثله كان له المطالبة بما بيع به. وإذا رهن النخل لم يدخل الثمرة وإن لم تؤبر وكذا إذا رهن الأرض لم يدخل الزرع ولا الشجر

стр. 6316

ولا النخل، ولو قال بحقوقها أدخل، فهو فيه تردد ما لم يصرح، وكذا ما ينبت فى الأرض بعد رهنها سواء أنبته الله أو الراهن أو الأجنبى إذا لم يكن الغرس من الشجر المرهون. وهل يجبر الراهن على ازالته؟ قيل: لا. وقيل نعم. وهو الأشبه، ولو رهن لقطة مما يلتقط كالخيار. فإن كان الحق يحل قبل تجدد الثانية صح. وإن كان متأخرا تأخرا يلزم منه اختلاط الرهن بحيث لا يتميز، قيل يبطل. والوجه أنه لا يبطل. وكذا البحث فى رهن الخرطة مما يخرط والجزة مما يجز. مذهب الإباضية: جاء فى النيل وشرحه (١): ويجوز رهن الحيوان إلا حمله إن تبين، أو إلا صوفه أو شعره مثلا، والشجر إلا غلته التى فيه لا رهن ما يكال أو يوزن، إلا كيلا أو وزنا معلوما، ولا رهن كيل أو وزن معلوم منه. لا رهن ما يسكن إلا سكناه ولو وقت. وكذا الأشجار إلا ما تستغل والحيوان إلا ما يلد أو يستغل أو ما ينتفع به إلا تلك المنفعة أو العين، أو البير إلا ماءها، أو كذا وكذا ذراعا من هذه الأرض أو هذه الأرض إلا كذا وكذا ذراعا منها. ويجوز رهن البيت إلا بقعته أو حيطانه أو إلا ما فوقه من الهواء أو الأرض إلا ما فوقها من الهواء أى إلا إن ترك إليها ما تنتفع به لما هى له أو الغار إلا جوه. واختلف (٢) فى رهن المشاع وهبته يعنى التسمية. فأجاز ذلك بعض وقاسوه بالبيع. ووافقهم أهل الحجاز وكثير من المحدثين. ومنعه بعض ووافقهم عليه أهل الكوفة، وهو مذهب الشيخ أبى مالك لأن القبض يتعذر فيه لغير الشريك. وقيل لا رهن فى الأصول، لتعذر القبض. وقيل إن عقده وتسليم الراهن له هو قبضه. والأكثر أن قبضه حوزه وإخراج عامل وإدخال آخر ..

стр. 6317

إفراز المعنى اللغوى: جاء فى لسان العرب: فرزت الشئ وأفرزته إذا قسمته. والفرز بكسر الفاء وسكون الراء النصيب المفروز لصاحبه واحدا كان أو اثنين. وفرزه فرزا. وأفرزه إفرازا. بمعنى مازه. وفارز فلان شريكه أى فاصله وقاطعه. وتقول فرزت الشئ من الشئ بمعنى فصلته، وتكلم فلان بكلام فارز أى فصل به بين أمرين (١) المعنى الاصطلاحى: وهذا المعنى الذى قرره علماء اللغة هو الذى اعتمد عليه فقهاء الشريعة. وهم بصدد الكلام عن مصطلح إفراز فى المواطن التى يتطلب الأمر فيها بيان أحكام خاصة به. فمن مجموع ما قالوه فى باب القسمة مثلا يمكن أن يقال: إن الإفراز هو أثر من آثار القسمة على الأقل فى صورتها العينية البسيطة إذ يترتب عليها أن يستقل كل شريك بجزء مفرز من الأموال الشائعة محل القسمة بعد أن كان كل منهم يملك على الشيوع حصة شائعة فى كل هذا المال. الصلة بين الإفراز وبين القسمة: مذهب الحنفية: جاء فى تبيين الحقائق: أن القسمة هى جمع نصيب شائع فى مال معين .. وركنها هو الفعل الذى يحصل به الإفراز والتمييز بين النصيبين كالكيل والوزن والعد. بمعنى أن القسمة تشتمل على الإفراز الذى هو تمييز الحقوق بعضها من بعض وعلى المبادلة أيضا. غير أن الإفراز هو المعنى الظاهر فى ذوات الأمثال، إذ يجوز عند إرادة اقتسام المثليات أن يأخذ كل شريك نصيبه منها حتى فى حال غيبة صاحبه. والدليل على أن القسمة فيها معنى الإفراز والمبادلة بأن ما يأخذه كل واحد من الشريكين يشتمل كل جزء من أجزائه على النصيبين فكان (٢)

стр. 6318

نصفه ملكه ولم يستفده من جهة صاحبه (١) فكان إفرازا. والنصف الآخر كان لصاحبه أخذه عوضا عما فى يد صاحبه من نصيبه فكان مبادلة بالضرورة. إلا أن معنى الإفراز والتمييز فى المكيلات والموزونات والمعدودات المتقاربة أظهر لعدم التفاوت بين أبعاضه لأن ما يأخذه كل منهما من نصيب شريكه مثل حقه صورة ومعنى فأمكن أن يجعل عين حقه (٢). مذهب المالكية: وتستفاد الصلة بين الإفراز والقسمة مما قرره فقهاء المالكية بشأن أنواع القسمة حيث ذكروا أن أهم هذه الأنواع هو ما يترتب عليه تمييز حق كل شريك عن حقوق بقية الشركاء (٣) وهذا التمييز للأنصبة والحقوق لا يكون إلا بإفراز كل نصيب عن غيره فى الأشياء التى يمكن فيها ذلك. مذهب الشافعية: يذكر فقهاء الشافعية أن القسمة تتنوع إلى ثلاثة أقسام: أحدها: قسمة الإفراز، وقد سميت بذلك لكونها أفرزت نصيب كل واحد من الشركاء وميزته عن بقية الأنصبة الأخرى. وقد تسمى عندهم قسمة المتشابهات أو قسمة الأجزاء، وذلك بالنظر إلى الأجزاء المتساوية. وهى إفراز حق كل واحد من الشركاء. ويظهر ذلك جليا فى قسمة المثليات وكذا فى قسمة المتقومات المتساوية فى القيمة والصورة لأن هذا النوع لا يختص بالمثليات بل يجرى فى المتقومات كما سيأتى. مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى: والقسمة إفراز حق وتميز أحد النصيبين من الآخر، وليست بيعا .. لأنها لا تفتقر إلى لفظ التمليك ولا تجب فيها الشفعة ويدخلها الإجبار. وتلزم بإخراج القرعة. ويتقدر أحد النصيبين بقدر الآخر والبيع لا يجوز فيه ذلك. ولأنها تنفرد عن البيع باسمها وأحكامها فلم تكن بيعا كسائر العقود. ويترتب على القول بأن القسمة افراز: جواز قسمة الثمار خرصا والمكيل وزنا والموزون كيلا، والتفرق قبل القبض فيما يعتبر فيه القبض فى البيع ولا يحنث إذا حلف لا يبيع بها وإذا كان العقار أو نصفه وقفا جازت القسمة وإن قلنا هى بيع وليست إفرازا انعكست هذه الأحكام (٥)

стр. 6319

مذهب الظاهرية: يقرر ابن حزم (١): أن الأصل فى القسمة أن تتم بالمساواة والمماثلة بين الشركاء لأن القسمة تمييز حق كل واحد وتخليصه. ومن هذا الذى قرره ابن حزم يمكن القول بأنه يرى أن القسمة - فى معظم أحوالها - هى إفراز حق كل شريك وتخليصه عن حقوق بقية الشركاء. مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار (٢): القسمة هى افراز الحقوق وتعديل الأنصباء بمعنى أن يفرز لكل وارث أو لكل شريك نصيبه على حدة، وذلك فى كيل ما يكال ووزن ما يوزن وعد ما يعد وذرع ما يذرع وتقويم ما يقوم. وفى هامش الشرح المذكور منسوبا إلى بعض كتبهم (٣): القسمة هى إفراز الحقوق فى المثليات وتعديل الأنصباء فى القيميات. مذهب الإمامية: نص فقهاء الإمامية (٤) على أن القسمة تمييز حق لا بيع. ومن هذا النص يمكن القول بوجود العلاقة بين الإفراز والقسمة عندهم. إذ المراد من تمييز الحقوق افرازها وعزل بعضها عن بعض. مذهب الإباضية: هذا المعنى الذى سبق تقريره من المذاهب المختلفة هو ما يمكن أن يتوصل إليه فى مذهب الإباضية. فصاحب شرح النيل يعرف القسمة بأنها، تمييز بعض الانصباء من بعض (٥)، إذ المراد من تمييز الانصباء افراز نصيب كل شريك أو وارث من أنصبة باقى الشركاء أو الورثة الآخرين. راجع مصطلح قسمة. المواضع التى يرد فيها الافراز بمعنى التجنيب والعزل وأثر ذلك أولا: فى باب القسمة: مذهب الحنفية: يقرر فقهاء المذهب الحنفى أن معنى الإفراز هو الغالب فى قسمة ذوات الأمثال كالمكيلات والموزونات وأثر ذلك يظهر فى أنه عند قسمة هذه الأشياء يثبت لصاحب الحق خيار العيب دون خيار الشرط والرؤية .. وثبوت خيار العيب سببه رفع الضرر الذى قد يلحق صاحب الحق من جراء ذلك العيب. وهذا بخلاف خيار الشرط والرؤية إذ لا فائدة

стр. 6320

فى إثباتهما لعدم الضرر، لأن قسمة المثليات يغلب فيها معنى الإفراز فلا فائدة فى خيار الشرط والرؤية بخلاف غيرهما. ومما يترتب على وجود معنى الإفراز فى هذه الأشياء إباحة قضاء الدين بتلك الأعيان المفرزة لأنها عين حقه. إذ يقول الزيلعى وكذا فى قضاء الدين جعل المقبوض عين حقه (١). ومن أثر ذلك أيضا أجرة من يقوم بإفراز الأنصبة وتمييزها هل تكون بحسب الأنصبة المفرزة أم بعدد الرءوس؟ فعند أبى حنيفة ﵀ أجرة العزل والتجنيب على عدد الرءوس. وقال أبو يوسف ومحمد هى على قدر الأنصبة لأنه مؤنة الملك فتقدر بقدره كأجرة الكيال والوزان وحفر البئر المشترك. ولأن المقصود من إفراز أنصبة الشركاء هنا أن يتوصل كل واحد منهم إلى الانتفاع بنصيبه. ومنفعة صاحب النصيب الكبير أكثر فتكون مؤنته عليه أكثر وهذا نظير زوائد العين المشتركة. ولأبى حنيفة رحمه الله تعالى أن الأجر مقابل بالتمييز وأنه لا يتفاوت وربما يكثر الحساب بالنظر إلى القليل. وقد ينعكس الأمر باعتبار كسور فيه فيتعذر اعتباره ألا ترى أنه لا يتصور تمييز القليل من الكثير إلا بما يفعله فيهما فيتعلق الحكم بأصل التمييز، لأن عمل الإفراز لهما جملة، بخلاف حفر البئر لأن الأجر مقابل بنقل التراب وكذلك مما يترتب على اعتبار الإفراز عزلا وتجنيبا أن القاضى يملك إجبار الشركاء على القسمة فى حالات كثيرة. منها ما ذكره الزيلعى بقوله: إذا كانت الأشياء المقسومة من جنس واحد أجبر القاضى على القسمة بطلب بعضهم لما فيها من معنى الإفراز. وفيها تكميل المنفعة والمقاصد متقاربة لاتحاد الجنس فجاز الإجبار عليها لدفع الضرر عنهم (٢). مذهب المالكية: ويقرر المالكية أن تمييز الحقوق والأموال المراد قسمتها - بإفراز كل نصيب على حدته - يكون فيما تماثل أو تجانس ومن أثر ذلك أنه لا يرد فيها بالغبن. وكذلك يجبر على القسمة من أباها. وأجرة من يقوم بإفراز الأنصبة تكون على عدد الورثة أو الشركاء ممن طلب القسمة أو أباها لأن تعب القيام فى تمييز النصيب اليسير كتعبه فى تمييز النصيب الكثير (٣). مذهب الشافعية: يذكر فقهاء المذهب الشافعى أن الإفراز يرد بمعنى العزل والتجنيب فى قسمة الأشياء التى يمكن قسمتها بغير ضرر. ومثلوا لذلك بقسمة المثليات

стр. 6321

كالحبوب ونحوها. وقد جاء فى حاشية الباجورى أن ضابط قسمة الإفراز: أن تكون القسمة فيما استوت أجزاؤه صورة وقيمة مثليا كان أو متقوما. ولذلك مثل له فى المنهج بقوله: كمثلى ودار متفقة الأبنية وأرض مشتبهة الأجزاء (١). ومن الآثار التى تترتب على وجود معنى الإفراز فى قسمة هذه الأشياء أنه إذا دعا أحد الشريكين شريكه إلى هذا النوع من القسمة فإنه يلزم الشريك الآخر أن يجيبه إلى طلبه بل إن القاضى يستطيع أن يجبر الشركاء على القسمة هنا إذا طلبها بعضهم وامتنع عنها الآخرون، لأن قسمة الإفراز يدخلها الإجبار (٢) عند الشافعية. مذهب الحنابلة: أوضح الحنابلة أن قسمة المثليات ونحوها إنما يراد منها عزل نصيب كل شريك وتجنيبه عن أنصبة بقية الشركاء الآخرين. ويترتب على وجود معنى الإفراز فى قسمة هذه الأشياء أن القاضى يستطيع أن يجبر كل شريك على القسمة حتى وإن امتنع عنها ولذلك أطلق الحنابلة على هذا النوع اصطلاح قسمة الإجبار، وهى تصدق على قسمة الأشياء التى يمكن إفرازها بدون ضرر (انظر قسمة) (٣). ومما يترتب على وجود معنى الإفراز فى قسمة هذه الأشياء أجرة من يقوم بإفراز الأنصبة، حيث ذكر الحنابلة أن الأصل أن تكون هذه الأجرة فى بيت المال فإذا لم يكن ذلك ممكنا فإن الأجرة تكون بين الشركاء وإن كان الطالب لها واحدا فقط. وقد علل ابن قدامة هذا الحكم بقوله: «لأن الأجرة تجب بإفراز الأنصباء، وهم - أى الشركاء - فيها سواء فكانت الأجرة عليهم كما لو تراضوا عليها» (٤). مذهب الزيدية: نص فقهاء الزيدية على أنه: يجوز لكل واحد من الشركاء أن يأخذ نصيبه فى قسمة المكيل والموزون ونحوهما وإن لم يحضر الشريك الآخر لأن القسمة فى هذه الحالة قسمة إفراز إذ يراد منها عزل نصيب كل وتجنيبه. غير أنهم يشترطون لجواز أخذ الشريك حصته فى غيبة الآخرين أن يصل بقية الشركاء إلى أخذ أنصبتهم كاملة (٥). وهذا الشرط يجب توافره فى حالة ما إذا قام بتنفيذ القسمة شخص غير الحاكم. أما إذا قام الحاكم بافراز الأنصبة فلا يشترط توافر هذا الشرط لأن قيام الحاكم بذلك يعتبر ضمانا لكل الشركاء. وكذا إذا كانت القسمة بأمر من الحاكم فإنه

стр. 6322

لا يشترط حضور بقية الشركاء من غير تفريق بين قسمة الإفراز وغيرها (١). مذهب الإمامية: نص فقهاء الإمامية على أن قسمة متساوى الأجزاء كذوات الامثال مثل الحبوب والأدهان .. يجبر عليها الممتنع عنها مع مطالبة الشريك بالقسمة لأن الإنسان له ولاية الانتفاع بماله، والانفراد أكمل نفعا. ويقسم كيلا ووزنا أو متفاضلا ربويا كان أو غيره لأن القسمة تمييز حق لا بيع (٢). أى لأن القسمة إفراز للحقوق وعزل بعضها عن بعض ومن أثر ذلك أيضا أجرة القاسم تكون على المتقاسمين إن لم تكن فى بيت المال (٣). مذهب الإباضية: يذكر الإباضية أن القسمة فى كثير من أنواعها يراد منها عزل الأنصبة وإفرازها. ومن آثار ذلك عندهم أن الشركاء يجبرون على القسمة فى الأشياء التى يمكن قسمتها من غير ضرر مثل المكيل والموزون والعروض ويدخل فى ذلك الدنانير والدراهم والفلوس (٤). ومن آثار معنى الإفراز هنا أيضا أن الشركاء يجبرون على القسمة فى الأراضى المشتركة. سواء كانت أرض بناء أو أرض حرث أو أرض رعى ونحو ذلك (٥). ثانيا: فى باب الوقف مذهب الحنفية: يقرر الحنفية أن الملك يزول عن الموقوف مسجدا بالإفراز. ويبين ابن عابدين فى تعليقه على هذا الحكم أهمية التعبير بكلمة «إفراز» قائلا: لأنه - أى وقف المسجد - لو كان مشاعا لا يصح إجماعا. وأفاد هذا التعبير أيضا أنه يلزم بلا قضاء (٦) بمعنى أن وقف المسجد يلزم بمجرد إفرازه من غير حاجة إلى قضاء. ومن ناحية أخرى يقرر بعض الحنفية أن الوقف بصفة عامة لا يتم حتى يقبض وذلك فى المسجد بالإفراز وفى غيره بنصب المتولى وبتسليمه إياه. ولا بد أيضا من أن يفرز المال الموقوف عموما، إذ لا يجوز وقف مشاع يقبل القسمة. ويقول بعضهم: إن شرط الإفراز وإن كان فى حقيقته مفرعا على اشتراط القبض، لأن القسمة من تمامه، إلا أن النص عليه صراحة هنا من قبيل الإيضاح. غير أن أبا يوسف ﵀ لما لم يشترط التسليم أجاز وقف المشاع.

стр. 6323

أما ما لا يقبل القسمة كالبئر والحمام والرحى فيجوز وقفه اتفاقا إلا فى المسجد والمقبرة (١). إذ الإفراز شرط جوهرى بالنسبة لوقف المسجد والمقبرة، لأنه لا بد أن يكون خالصا لله تعالى، لقوله : «وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ» أى مختصة به تعالى فلا يخلص له إلا بالإفراز (٢). مذهب المالكية: نص المالكية على صحة وقف المشاع إذا كان يقبل القسمة. ويبدو من هذا أن سبب ذلك يرجع إلى إمكان إفراز العين الموقوفة فى هذه الحالة. وذكر العلامة الدردير أن لفقهاء المالكية قولين مرجحين فى وقف الحصة الشائعة إذا كان المال الشائع لا يقبل القسمة (٣). مذهب الشافعية: جاء فى نهاية المحتاج: ويصح وقف عقار بالإجماع ومنقول ومشاع وإن جهل قدر حصته أو صفتها وهذا يشمل ما لو كان المشاع قد وقف جزء منه ليكون مسجدا وقد صرح به ابن الصلاح وغيره إلا أنه يجب فى هذه الحالة إفراز الجزء الذى وقف ليكون مسجدا وهذا ظاهر إن كانت القسمة ممكنة فإن كانت غير ممكنة فى الحال، كأن جهل مقدار الموقوف بقى على شيوعه ولا يبطل الوقف (٤). مذهب الحنابلة: جاء فى كشاف القناع ويصح وقف المشاع. فلو وقفه مسجدا ثبت فيه حكم المسجد فى الحال عند التلفظ بالوقف، أى دون توقف على الإفراز، فيمنع منه الجنب والسكران ومن عليه نجاسة تتعدى ثم إن القسمة متعينة هنا، أى أنه إذا وقف المشاع مسجدا وجب إفرازه لتعين ذلك طريقا للانتفاع بالموقوف (٥). مذهب الزيدية: نص الزيدية على إفراز العين الموقوفة بصفة عامة حيث جاء فى شرح الأزهار أنه إذا ثبتت صحة الوقف مع الشيوع فقد حكى عن بعضهم أن للورثة أن يميزوا الوقف كما يميزون الزكاة لأن الجميع حق الله تعالى (٦).

стр. 6324

مذهب الإمامية: جاء فى شرائع الاسلام: ويصح وقف المشاع وقبضه كقبضه فى البيع. ثالثا: إفراز خمس الغنائم قبل قسمتها بين المقاتلين انظر مصطلح (غنيمة) رابعا: إفراز الزكاة من المال الذى وجبت فيه (ينظر مصطلح زكاة)

стр. 6325

إفساد التعريف اللغوى افساد مصدر فعله أفسد المزيد بالهمزة فى أوله، فأصل مادته فسد. يقال: فسد اللحم أو اللبن أو نحوهما يفسد - بضم السين - فسادا اذا أنتن أو عطب، ويقال فسد العقد ونحوه اذا بطل، وفسد الرجل جاوز الصواب والحكمة، وفسدت الأمور اضطربت وأدركها الخلل وعلى ذلك قول الله «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا﴾ (١)» والفساد الجدب والقحط قال الله «ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ﴾ (٢)» والفساد الحاق الضرر قال الله «وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً﴾ (٣)» وزيدت الهمزة فى أوله لتفيد التعدية تقول أفسد الرجل الشئ جعله فاسدا، وقد لا يفيد التعدية ويظل الفعل معها لازما بمعنى فعل يقال أفسد الرجل اذا فسد (٤). التعريف فى اصلاح الفقهاء لا يكاد التعبير الفقهى بكلمة افساد يخرج بها على المعنى اللغوى، فهى تارة بمعنى اصابة الشئ بالعطب، وتارة بمعنى الابطال وأخرى تأتى بمعنى ايقاع الاضطراب والخلل ومرة بمعنى الحاق الضرر. وجاء فى المستصفى أن الفاسد مرادف للباطل فى اصطلاح أصحاب الشافعى رضى الله تعالى عنهم فالعقد اما صحيح وأما باطل وكل باطل فاسد. وأبو حنيفة رحمه الله تعالى أثبت قسما آخر فى العقود بين البطلان والصحة وجعل الفاسد عبارة عنه وزعم أن الفاسد منعقد لافادة الحكم لكن المعنى بفساده أنه غير مشروع بوصفه والمعنى بانعقاده أنه مشروع بأصله كعقد الربا فانه مشروع من حيث أنه بيع وممنوع من حيث أنه يشتمل على زيادة فى العوض فاقتضى هذا درجة بين الممنوع بأصله ووصفه جميعا وبين المشروع بأصله ووصفه جميعا فلو صح له هذا القسم لم يناقش فى التعبير عنه بالفاسد ولكنه ينازع فيه اذ كل ممنوع بوصفه فهو ممنوع بأصله (٥). ما يفسد الماء وما لا يفسده مذهب الحنفية: جاء فى المبسوط أن لعاب ما لا يؤكل لحمه من الدواب والسباع يفسد الماء لما روى أن ابن عمر وعمرو بن العاص رضى الله تعالى عنهما وردا حوضا فقال عمرو بن العاص: يا صاحب الحوض أترد السباع ماءكم هذا؟ فقال ابن عمر رضى الله تعالى عنهما: يا صاحب الحوض لا تخبرنا. فلولا أنه كان اذا أخبر بورود السباع يتعذر عليهم استعماله لما نها عن ذلك. والمعنى فيه أن عين هذه الحيوانات مستخبث غير طيب فسؤرها كذلك كالكلب والخنزير وهذا لأن سؤرها يتحلب من عينها كلبنها، ثم لبنها حرام غير مأكول فكذلك سؤرها وهو القياس فى

стр. 6326

الهرة أيضا لكن تركنا ذلك بالنص وهو قول رسول الله ﷺ فى الهرة ليست بنجسة انها من الطوافين عليكم والطوافات أشار الى العلة وهى كثرة البلوى لقربها من الناس وهذا لا يوجد فى السباع فأنها تكون فى المغارة لا تقرب من الناس اختيارا. وأما سؤر الحمار فانه مشكوك فيه غير متيقن بطهارته ولا بنجاسته، فان ابن عمر رضى الله عنهما كان يقول: انه رجس فيتعارض قوله وقول ابن عباس رضى الله تعالى عنهما الذى كان يقول: الحمار يعلف القت والتبن فسؤره طاهر. ولأن الأصل الذى أشار اليه رسول الله ﷺ فى الهرة موجود فى الحمار لأنه لا يخالط الناس لكنه دون ما فى الهرة فانه لا يدخل المضايق، فلوجود أصل البلوى لا نقول بنجاسته. ولكون البلوى فيه ضعيفة لا نقول بطهارته فيبقى مشكوكا فيه وأدلة الشرع أمارات لا يجوز أن تتعارض والحكم فيها الوقف. وأما سؤر حشرات البيت كالفارة والحية ونحوهما فى القياس فنجس لأنها تشرب بلسانها ولسانها رطب من لعابها يتحلب من لحمها، ولحمها حرام، ولكنه استحسن فقال طاهر مكروه لأن البلوى التى وقعت الاشارة اليها فى الهرة موجودة هنا فانها تسكن البيوت، ولا يمكن أن تصان الأوانى عنها. وأما سؤر سباع الطير كالبازى والصقر والشاهين والعقاب وما لا يؤكل لحمه من الطير فى القياس نجس لأن ما لا يؤكل لحمه من سباع الطير معتبر بما لا يؤكل لحمه من سباع الوحش ولكنا استحسنا فقلنا بأنه طاهر مكروه لأنها تشرب بمنقارها ومنقارها عظم جاف بخلاف سباع الوحش فانها تشرب بلسانها ولسانها رطب بلعابها. ولأن فى سؤر سباع الطير تتحقق البلوى فانها تنقض من الهواء فلا يمكن صون الأوانى عنها خصوصا فى الصحارى بخلاف سباع الوحش وعن أبى يوسف رحمه الله تعالى قال: ما يقع على الجيف من سباع الطير فسؤره نجس لأن منقاره لا يخلو عن نجاسة عادة. وأما سؤر السنور ففى كتاب الصلاة قال: وان توضأ بغيره أحب الى، وفى الجامع الصغير قال: هو مكروه. وهو قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى. وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: لا بأس بسؤره لحديث عائشة رضى الله تعالى عنها أن النبى ﷺ كان يصغى الاناء لهرة حتى تشرب ثم يتوضأ بالباقى. ويدل لأبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى حديث ابن عمر رضى الله تعالى عنهما: يغسل الأناء من ولوغ الهرة مرة. وهو اشارة الى الكراهة، وعن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أن النبى ﷺ قال: الهرة سبع وهى من السباع التى لا يؤكل لحمها فهذا الحديث يدل على النجاسة وحديث عائشة رضى الله تعالى عنها يدل على الطهارة فأثبتنا حكم الكراهة عملا بهما جميعا وان مات فى الاناء ذباب أو عقرب أو غير ذلك مما ليس له دم سائل لم يفسده عندنا لحديث أبى هريرة رضى الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : اذا وقع الذباب فى اناء أحدكم فامقلوه ثم أمقلوه ثم أنقلوه فان فى أحد جناحيه سما وفى الآخر شفاء وانه ليقدم السم على الشفاء. ومعلوم أن الذباب اذا مقل مرارا فى الطعام الحار يموت فلو كان مفسدا لما أمر بمقله وفى حديث سلمان الفارسى رضى الله تعالى عنه عن رسول الله صلّى الله ﷺ قال: ما ليس له دم سائل اذا مات فى الاناء فهو الحلال أكله وشربه والوضوء به، لأن الحيوان اذا مات فانما يتنجس لما فيه من الدم المسفوح حتى لو ذكى فسال الدم منه كان طاهرا وهذا لأن المحرم هو الدم المسفوح قال الله تعالى:

стр. 6327

«أَوْ دَماً مَسْفُوحاً﴾ (١)» فما ليس له دم سائل لا يتناوله نفس التحريم فلا ينجس بالموت ولا يتنجس ما مات فيه قياسا على ما خلق منه (٢). وان وقع فى الماء دم أو خمر أو عذرة أو بول أفسده عندنا لقول رسول الله ﷺ : لا يبولن أحدكم فى الماء الدائم ولا يغتسلن فيه من الجنابة. فلو لم يكن ذلك مفسدا للماء ما كان للنهى عنه معنى ولا فائدة. وفيه طريقتان: احداهما أن الماء ينجس بوقوع النجاسة فيه لأن صفة الماء تتغير بما يلقى فيه حتى تضاف اليه كماء الزعفران وماء الباقلا. والثانية أن عين الماء لا يتنجس ولكن يتعذر استعماله لمجاورة الفاسد لأن النجاسة تتفرق فى أجزاء الماء فلا يمكن استعمال جزء من الماء الا باستعمال جزء من النجاسة، واستعمال النجاسة حرام. وأما ما روى من أن النبى ﷺ كان يتوضأ من بئر بضاعة وهى بئر يلقى فيه الجيف وحايض النساء فقد قيل أن بئر بضاعة كان ماؤه جاريا يسقى منه خمسة بساتين وعندنا الماء الجارى لا يتنجس بوقوع النجاسة فيه ما لم يتغير أحد أوصافه وقيل انما كان يلقى فيه الجيف فى الجاهلية فان فى الاسلام نهيا عن مثل هذا. وكان رسول الله ﷺ من التنزه والتقذر ما يمنعه من التوضئ والشرب من بئر يلقى فيه ذلك فى وقته (٣). وان بزق فى الماء أو ان امتخط لم يفسده لأنه طاهر لاقى طاهرا والدليل على طهارة البزاق أن النبى ﷺ استعان فى محو بعض الكتابة به، والدليل على طهارة المخاط أن النبى ﷺ امتخط فى صلاة فأخذه بثوبه ولكه، ثم المخاط والنخامة سواء. ولما رأى رسول الله ﷺ عمار بن ياسر رضى الله تعالى عنه يغسل ثوبه من النخامة قال: ما نخامتك ودموع عينيك والماء الذى فى ركوتك الا سواء. وان أدخل جنب وحائض ومحدث يده فى الاناء قبل أن يغسلها وليس عليها قذر لم يفسد الماء استحسانا، وكان ينبغى فى القياس أن يفسده لأن الحدث زال عن يده بادخالها فى الاناء فيصير الماء مستعملا كالماء الذى غسل به يده. ووجه الاستحسان ما روى أن المهراس كان يوضع على باب مسجد رسول الله ﷺ وفيها ماء فكان أصحاب الصفة رضوان الله تعالى عليهم يغترفون منه الوضوء بأيديهم، ولأن فيه بلوى وضرورة، فقد لا يجد شيئا يغترف به الماء من الاناء العظيم فيجعل يده لأجل الحاجة كالمغرفة. واذا ثبت هذا فى المحدث فكذلك فى الجنب والحائض لما روى عن عائشة رضى الله تعالى عنها أنها قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من اناء واحد فربما بدأت أنا وربما بدأ هو، وكنت أقول: أبق لى، وهو يقول: ابقى لى. وعن أبى يوسف رحمه الله تعالى فى الأمالى قال: اذا أدخل الجنب يده أو رجله فى البئر لم يفسده، وان أدخل رجله فى الاناء أفسده، وهذا معنى الحاجة، ففى البئر الحاجة الى ادخال الرجل لطلب الدلو فجعل عفوا، وفى الاناء الحاجة الى ادخال اليد، فلا تجعل الرجل عفوا فيه. وان أدخل فى البئر بعض جسده سوى اليد والرجل أفسده لأنه لا حاجة اليه. وقال فى الأصل اذا اغتسل الطاهر فى البئر

стр. 6328

أفسده، وهو بناء على ما تقدم أن المستعمل للماء على قصد التقرب وان كان طاهرا فالماء بفعله يصير مستعملا فاذا اغتسل فى البئر صار الماء مستعملا واذا انغمس فيه لطلب دلو وليس على بدنه قذر لم يفسد الماء لأنه لم يوجد فيه ازالة الحدث ولا اقامة القربة لما لم يغتسل فيه. وان انغمس فى جب يطلب دلوا لم يفسد الماء ولم يجزئه من الغسل فى قول أبى يوسف رحمه الله تعالى. وقال محمد رحمه الله تعالى: لا يفسد الماء ويجزئه من الغسل. وعن أبى يوسف رحمه الله تعالى فى الأمالى أن الماء يفسد ولا يجزئه من الغسل. ومن أصحابنا من قال هذا الخلاف ينبنى على أصل وهو أن عند أبى يوسف الماء يصير مستعملا بأحد شيئين اما بازالة الحدث أو باقامة القربة فلو زال الحدث هنا صار الماء مستعملا فلا يجزئه من الاغتسال، فلهذا قال الرجل بحاله والماء بحاله. ومن أصل محمد أن الماء لا يصير مستعملا الا باقامة القربة والاغتسال يتحصل بغير نية فكان الرجل طاهرا والماء غير مستعمل لعدم القصد منه الى اقامة القربة، وهذا ليس بقوى فان هذا المذهب غير محفوظ عن محمد نصا، ولكن الصحيح أن ازالة الحدث بالماء مفسد للماء الا عند الضرورة كما بينا فى الجنب يدخل يده فى الاناء وفى البئر معنى الضرورة موجود فانهم اذا جاءوا بفواص لطلب دلوهم لا يمكنهم أن يكلفوه الاغتسال أولا فلهذا لا يصير الماء مستعملا ولكن الرجل يطهر لأن الماء مطهر من غير قصد. وجه رواية الاملاء أنه لما أدخل بعض أعضائه فى البئر صار الماء مستعملا فبعد ذلك سواء اغتسل أو لم يغتسل لم يطهره الماء المستعمل (١). وان وقع فى البئر بول ما يؤكل لحمه أفسده فى قول أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى ولا يفسده فى قول محمد رحمه الله تعالى ويتوضأ منه ما لم يغلب عليه. وأصل المسألة أن بول ما يؤكل لحمه نجس عندهما طاهر عند محمد رحمه الله تعالى واحتج بحديث أنس رضى الله تعالى عنه أن قوما من عرنة جاءوا الى المدينة فأسلموا فاجتووا المدينة فأصفرت الوانهم وانتفخت بطونهم فأمرهم رسول الله ﷺ أن يخرجوا الى ابل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها الحديث فلو لم يكن طاهرا لما أمرهم بشربه. والعادة الظاهرة من أهل الحرمين بيع أبوال الابل فى القوارير من غير نكير دليل ظاهر على طهارتها. ويدل لأبى حنيفة وأبى يوسف قول النبى ﷺ : استنزهوا من البول فان عامة عذاب القبر منه ولما ابتلى سعد بن معاذ رضى الله عنه بضغطة القبر سئل رسول الله ﷺ عن سببه فقال: انه كان لا يستنزه من البول. ولم يرد به بول نفسه فان من لا يستنزه منه لا يجوز صلاته وانما أراد أبوال الابل عند معالجتها والمعنى أنه مستحيل من أخذ الغذاءين الى نتن وفساد فكان نجسا كالبعر. وأما حديث أنس رضى الله تعالى عنه فقد ذكر قتادة عن أنس رضى الله تعالى عنه أنه رخص لهم فى شرب ألبان الابل ولم يذكر الأبوال، وانما ذكره فى حديث حميد عن أنس رضى الله تعالى عنهما والحديث حكاية حال فاذا دار بين أن يكون حجة أولا يكون حجة سقط الاحتجاج به. ثم نقول خصهم رسول الله ﷺ بذلك لأنه عرف من طريق الوحى أن شفاءهم فيه لا يوجد مثله فى زماننا. وهو كما خص الزبير رضى الله تعالى عنه بلبس الحرير لحكة كانت به. اذا عرفنا هذا فنقول اذا وقع فى الماء فعند محمد رحمه تعالى هو

стр. 6329

طاهر فلا يفسد الماء حتى يجوز شربه ولكن اذا غلب على الماء لم يتوضأ به كسائر الطاهرات اذا غلبت على الماء وعند أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى هو نجس فكان مفسدا للماء والبئر والاناء فيه سواء (١). مذهب المالكية: جاء فى مواهب الجليل أن الماء الكثير اذا خالطه شئ نجس ولم يغيره فانه باق على طهوريته ويعلم قدر الكثير من تحديد القليل الآتى ثم ان هذا الكثير ان اتفقت الأمة على أنه كثير فلا خلاف فى طهوريته سواء خلط بنجس أو طاهر كما قال صاحب التوضيح واذا تغير الماء وشك فى الذى غيره هل هو ما يسلبه الطهورية أو مما لا يسلبه الطهورية فالأصل بقاؤه على الطهورية وأن الشئ متى شك فى حكمه رد الى أصله والأصل فى الماء الطهارة والتطهير. وقال فى سماع موسى من ابن القاسم من كتاب الطهارة فى الحوض يتغير ريحه ولم ير فية أثر ميتة ولا جيفة والدواب والسباع تشرب منه. قال ابن القاسم لا بأس به اذا لم ير فيه شئ يعلم أن فساد الماء منه. وقال ابن ناجى رحمه الله تعالى فى شرح المدونة. وأما آبار المدن اذا انتفت فقال المازرى ان كانت هناك حالة تريب كالآبار القريبة من المراحيض فان الامام مالكا رحمه الله تعالى قال تترك اليومين فان طابت والا لم يتوضأ منها. ومسألة البئر التى ذكرها المازرى أواخر سماع أشهب مكررة قال فى المواضع الأخر ولو علم أن نتنها ليس من ذلك ما رأيت بأسا أن يتوضأ منها قال ابن رشد حمل الماء على أنه انما أنتن من نجاسة قنوات المراحيض التى تتخلل الدور فى القرى بخلاف البئر فى الصحراء فأنتن ولم يدر بماذا فأنه يحمل على الطهارة وأنه انما أنتن من ركوده وسكونه فى موضعه اذا لم يعلم لنجاسته سبب ولو علم أن أنتن البئر ليس من قنوات المراحيض التى بجانبها لم يكن به بأس زاد فى الموضع الثانى ويحمل على الطهارة (٢). واذا تغير الماء بمجاورة شئ له فان تغيره بالمجاورة لا يسلبه الطهورية وسواء كان المجاور منفصلا عن الماء أو ملاصقا له فالأول كما لو كان الى جانب الماء ميتة أو عذرة أو غيرهما فنقلت الريح رائحة ذلك الى الماء فتغير ولا خلاف فى هذا (٣). واذا تغير الماء برائحة القطران التى فى وعاء المسافر فان ذلك لا يسلبه الطهورية وظاهر كلامه سواء حصل التغيير بالرائحة الباقية مع أنه لم يبق من جرم القطران فى الوعاء شئ او تغبر الماء برائحة قطران باق فى الوعاء فأما ان كان التغير انما هو من الرائحة الباقية فى الوعاء ولم يبق من جرم القطران فى الوعاء شئ فلا شك أنه من التغير بالمجاور فلا يسلب الماء الطهورية ولا اشكال فى ذلك. وأما ان حصل التغير براحة القطران مع وجود جرمه فى الوعاء فالذى يظهر من كلام صاحب الطراز الآتى أنه اختار أن ذلك لا يضر وكأنه يجعله من التغير بالمجاور الملاصق وهذا هو الجارى على ما ذكر المصنف. واذا لم يضر تغير الماء برائحة القطران الموجودة فى الوعاء فأحرى اذا لم يكن موجود أو يفهم منه أنه اذا حصل التغير فى لونه أو طعمه سلبه الطهور به وهذا هو الذى يظهر من كلام صاحب الطراز فكأنه قال ان رائحة

стр. 6330

القطران اذا بقيت فى الوعاء فلا بأس به ولا يستغنى عنه عند العرب وأصل البوادى. وأما اذا القى فى الماء وظهر عليه فان راعينا مطلق الاسم قلنا يجوز الوضوء به وهو ماء مطلق حتى يتغير لونه وتثبت له صفة الاضافة وان راعينا مجرد التغير منعناه والأول عندى أرجح (١). ونقل فى التوضيح عن ابن رشد رحمه الله تعالى النص أنه قال رأيت لبعض المتأخرين أنه رأى فى القرب التى يسافر بها الى الحج وفيها القطران فيتغير الماء أن الوضوء به جائز للضرورة. وظاهره سواء كان التغير فى الرائحة أو فى الطعم أو فى اللون واذا تغير الماء بما يتولد منه كالطحلب (٢). والخز (٣) قال الشيخ زروق رحمه الله تعالى والزغلان (٤). فان ذلك التغير لا يسلبه الطهورية لأن ذلك مما يتعذر الاحتراز منه وهذا هو المعروف فى المذهب (٥). واذا تغير الماء بقراره أى الأرض التى هو بها أو يمر عليها فان ذلك لا يسلبه الطهورية كما قال فى الرسالة الا ما غير لونه الأرض التى هو بها من سبخة أو حمأة أو نحوها (٦) ومثل ذلك الكبريت والزرنيخ والنحاس والحديد والمغرة (٧) والكحل والزاج والنورة. قال اللخمى رحمه الله تعالى وسواء تغير بذلك الماء وهو فى قراره أو صنع منه أناء فتغير الماء منه. ولم يكره أحد الوضوء من أناء الحديد على سرعة تغير الماء فيه. وقد ثبت أن رسول الله ﷺ توضأ من أناء صفر ومعلوم أنه يغير طعم الماء (٨). وحكى اللخمى فيما اذا كانت أجزاء المخالط الطاهر المغير للماء أقل من أجزاء الماء قولين قال والمعروف من المذهب أنه غير طهور. وروى عن مالك رحمه الله تعالى أنه مطهر وان تركه مع وجود غيره استحسان وأخذ ذلك من الرواية التى فى مسئلة الغدير يتغير بروث الماشية ومثله البئر اذا تغير بورق الشجر. ورد عليه صاحب الطراز وقال ان ذلك فاسد وانما تردد فيه مالك لاشتباه الأمر فيه هل يمكن الاحتراز وذكر ابن ناجى رحمه الله تعالى. وأما الحوض ونحوه فقال فى المدونة ولا يغتسل الجنب فى الماء الدائم فان فعل أفسده اذا كان مثل حياض الدواب الا أن يكون غسل موضع الأذى قبل دخولها فلا بأس به قال ابن ناجى أشار ابن الحاجب الى أن قوله أفسدها يحتمل الكراهة والتنجيس والصواب حملها على التنجيس مثل ما نص عليه ابن رشد رحمه الله تعالى أن آنية الغسل لا تنجسها القطرة ونحوها من النجاسة بل ما له بال كالذى على جسد الجنب. وهذا الذى اختاره ابن ناجى رحمه الله تعالى انما يأتى على مقابل المشهور أن اليسير اذا حتله نجاسة أفسدته وان لم تغيره وهو قول ابن

стр. 6331

القاسم رحمه الله تعالى ورواية المصريين عن ذلك (١). وأما الحيوان الذى لا يتوقى النجاسة اذا عصر الاحتراز منه كالهر والفأرة فأنه لا يكره استعمال سؤره من الماء لمشقة الاحتراز منه ولما ورد فى الهرة عن رسول الله ﷺ أنه قال الهرة ليست بنجس انما هى من الطوافين عليكم والطوافات هكذا رواه مالك فى الموطأ (٢). مذهب الشافعية: جاء فى المهذب: أنه اذا اختلط بالماء شئ طاهر ولم يتغير به لقلته لم يمنع الطهارة به لأن الماء باق على اطلاقه وان لم يتغير به لموافقته الماء فى الطعم واللون والرائحة كماء ورد انقطعت رائحته ففيه وجهان: أحداهما ان كانت الغلبة للماء جازت الطهارة به لبقاء اسم الماء المطلق وان كانت الغلبة للمخالط لم يجز لزوال اطلاق اسم الماء. والثانى ان كان ذلك قدرا لو كان مخالفا للماء فى صفاته لم يغيره لم يمنع وان كان قدرا لو كان مخالفا له غيره منع لأن الماء لما لم يغير بنفسه غير بما يغيره وان تغير أحد أوصافه من طعم أو لون أو رائحة نظرت فان كان مما لا يمكن حفظ الماء منه كالطحلب وما يجرى عليه الماء من الملح والنورة وغيرهما جاز الوضوء به لأنه لا يمكن صون الماء عنه فعفى عنه كما عفى عن النجاسة اليسيرة والعمل القليل فى الصلاة وان كان مما يمكن حفظ الماء منه نظرت فان كان ملحا انعقد فى الماء لم يمنع الطهارة به لأنه كان ماء فى الأصل فهو كالثلج اذا ذاب فيه وان كان ترابا خرج فيه لم يؤثر لأنه يوافق الماء فى التطهير فهو كما لو طرح فيه ماء آخر فتغير به وان كان شيئا سوى ذلك كالزعفران والتمر والدقيق والملح الجبلى والطحلب اذا اخذ ودق وطرح فيه وغير ذلك مما يستغنى الماء عنه لم يجز الوضوء به لأنه زال عنه اطلاق اسم الماء بمخالطة ما ليس بمطهر والماء مستغن عنه فلم يجز الوضوء به كماء اللحم وماء البقلا وان وقع فيه ما لا يختلط به فتغيرت به رائحته كالدهن الطيب والعود ففيه قولان. قال فى البويطى لا يجوز الوضوء به كما لا يجوز بما تغير بالزعفران وروى المزنى رحمه الله تعالى أنه يجوز الوضوء به لأن تغيره عن مجاوره فهو كما لو تغير بجيفة بقرب وان وقع فيه قليل كافور فتغير به ريحه ففيه وجهان احدهما لا يجوز الوضوء به كما لو تغير بالزعفران والثانى يجوز لأنه لا يختلط به وانما يتغير من جهة المجاورة (٣). اما اذا أوقعت فى الماء نجاسة فلا يخلو من ان يكون الماء راكدا أو جاريا أو بعضه جاريا فان كان راكدا نظرت فى النجاسة فان كانت نجاسة يدركها الطرف من خمر أو بول أو ميتة لا نفس سائلة نظرت فان تغير أحد أوصافه من طعم أو لون أو رائحة فهو نجس لقوله ﷺ الماء طهور لا ينجسه شئ الا ما غير طعمه أو ريحه فنص على الطعم والريح وقسنا اللون عليهما لأنه فى معناهما وان تغير بعضه دون بعض نجس الجميع لأنه ماء واحد فلا يجوز أن ينجس بعضه دون بعض فان لم يتغير نظرت فان كان الماء دون القلتين فهو نجس وان كان قلتين فصاعدا فهو طاهر لقوله ﷺ اذا كان الماء قلتين فانه لا يحمل الخبث ولأن القليل يمكن حفظه من النجاسة فى الظروف والكثير لا يمكن حفظه من النجاسة فجعل القلتان حدا فاصلا بينهما والقلتان خمسمائة رطل بالببغدادى لأنه روى فى الخبر بقلال هجر قال: ابن جريج رأيت قلال هجر

стр. 6332

فرأيت القلة منها تسع قربتين أو قربتين وشيئا فجعل الشافعى رحمه الله تعالى الشئ نصفا احتياطا وقرب الحجاز كبار تسع كل قربة مائة رطل فصار الجميع خمسمائة رطل وهل ذلك تحديد أو تقريب منه وجهان. احدهما أنه تقريب فان نقص منه رطل أو رطلان لم يؤثر لأن الشئ يستعمل فيما دون النصف فى العادة والثانى أنه تحديد فلو نقص منه ما نقص نجس لأنه لما وجب أن يجعل الشئ نصفا نجس لأنه لما وجب أن يجعل الشئ نصفا احتياطا وجب استيفاؤه فان كانت النجاسة مما لا يدركها الطرف ففيه ثلاث طرق من أصحابنا من قال لا حكم لها لأنها لا يمكن الاحتراز منها فهى كغبار السرجين. ومنهم من قال حكمها حكم سائر النجاسات لأنها نجاسة متيقنة فهى كالنجاسة التى يدركها الطرف ومنهم من قال فيه قولان احدهما لا حكم لها والثانى لها حكم ووجههما ما ذكرناه وان كانت النجاسة ميتة لا نفس لها سائلة كالذباب والزنبور وما أشبههما ففيه قولان. احدهما أنها كغيرها من الميتات لأنه حيوان لا يؤكل بعد موته لا لحرمته فهو كالحيوان الذى له نفس سائلة والثانى أنه لا يفسد الماء لما روى أن النبى صلي الله عليه وسلّم قال اذا وقع الذباب فى اناء أحدكم فاملقوه فان فى أحد جناحيه داء وفى الآخر دواء وقد يكون الطعام حارا فيموت بالمقل فيه فلو كان يفسده لما أمر بمقله ليكون شفاء لنا اذا أكلناه فان كثر من ذلك ما غير الماء ففيه وجهان. احدهما أنه ينجس لأنه ماء تغير بالنجاسة والثانى لا ينجس لأن ما لا ينجس الماء اذا وقع فيه وهو دون القلتين لم ينجسه وان تغير به كالسمك والجراد (١). وان (٢) كان الماء جاريا وفيه نجاسة جارية كالميتة والجرية المتغيرة فالماء الذى قبلها طاهر لأنه لم يصل الى النجاسة فهو كالماء الذى يصب على النجاسة من ابريق والذى بعدها طاهر أيضا لأنه لم تصل اليه النجاسة وأما ما يحيط بالنجاسة من فوقها وتحتها ويمينها وشمالها فان كان قلتين ولم يتغير فهو طاهر وان كان دونهما فهو نجس. قال أبو العباس بن القاضى رحمه الله تعالى فيه قول آخر قاله فى القديم أنه لا ينجس الماء الجارى الا بالتغبر لأنه ماء ورد على النجاسة فلم ينجس من غير تغير كالماء المزال به النجاسة وان كانت النجاسة واقفة والماء يجرى عليها فان ما قبلها وما بعدها طاهر وما يجرى عليها ان كان قلتين فهو طاهر وان كان دونهما فهو نجس وكذلك كل ما يجرى عليها بعدها فهو نجس ولا يطهر شئ من ذلك حتى يركد فى موضع ويبلغ قلتين وقال أبو اسحق وأبو العباس القاضى والقاضى أبو حامد ما لم تصل الى الجيفة فهو طاهر والماء الذى بعد الجيفة يجوز أن يتوضأ منه اذا كان بينه وبين الجيفة قلتان والأول أصح لأن لكل جرية حكم نفسها فلا يعتبر فيه القلتان. وان كان بعض الماء جاريا وبعضه راكدا بأن يكون فى النهر موضع منخفض يركد فيه الماء والماء يجرى بجنبه والراكد زائل عن سمت الجرى فوقع فى الراكد نجاسة وهو دون القلتين فان كان مع الجرية التى يحاذيها يبلغ قلتين فهو طاهر وان لم يبلغ قلتين فهو نجس وتنجس كل جرية التى بجنبها الى أن يجتمع فى موضع قلتان فيطهر هذا وذكر صاحب كتاب المهذب ان

стр. 6333

ما يفسد الماء من الاستعمال وما لا يفسده ضربان. مستعمل فى طهارة الحدث ومستعمل فى طهارة النجس فأما المستعمل فى طهارة الحدث فينظر فيه فان استعمل فى رفع حدث فهو طاهر لأنه ماء طاهر لاقى محلا طاهرا فكان طاهرا كما لو غسل به ثوب طاهر وهل تجوز به الطاهر أم لا فيه طريقان من أصحابنا من قال فيه قولان المنصوص أنه لا يجوز لأنه زال عنه اطلاق اسم الماء فصار كما لو تغير بالزعفران. وروى عنه أنه قال يجوز الوضوء به لأنه استعمال لم يغير صفة الماء فلم يمنع الوضوء به كما لو غسل به ثوب طاهر ومن أصحابنا من لم يثبت هذه الرواية فان قلنا لا يجوز الوضوء به فهل تجوز ازالة النجاسة به أم لا فيه وجهان قال أبو القاسم الانماطى وأبو على بن خيران رحمة الله عليهما يجوز لأن للماء حكمين رفع الحدث وازالة النجس فاذا رفع الحدث بقى عليه ازالة النجس والمذهب أنه لا يجوز لأنه ماء لا يرفع الحدث فلم يزل النجس كالماء النجس فان جمع الماء المستعمل حتى صار قلتين ففيه وجهان أحدهما أنه يزول حكم الاستعمال كما يزول حكم النجاسة ولأنه لو توضأ فيه واغتسل وهو قلتان لم يثبت له حكم الاستعمال فاذا بلغ قلتين وجب أن يزول عنه حكم الاستعمال ومن أصحابنا من قال لا يزول لأن المنع منه لكونه مستعملا وهذا لا يزول لأن المنع منه لكونه مستعملا وهذا لا يزول بالكثرة وان استعمل فى نفل الطهارة كتجديد الوضوء والدفعة الثانية والثالثة ففيه وجهان أحدهما أنه لا تجوز الطهارة لأنه مستعمل فى طهارة فهو كالمستعمل فى رفع الحدث والثانى أنه يجوز لأنه ماء لم يرفع به حدث ولا نجس فهو كما لو غسل به ثوب طاهر. وأما المستعمل فى النجس فينظر فيه فان انفصل من المحل متغيرا فهو نجس لقوله ﷺ الماء طهور لا ينجسه شئ الا ما غير طعمه أو ريحه وان كان غير متغير ففيه ثلاثة اوجه احدها أنه طاهر وهو قول أبى العباس وأبى اسحاق رحمهما الله تعالى لأنه ماء لا يمكن حفظه من النجاسة فلم ينجس من غير تغير كالماء الكثير اذا وقعت فيه نجاسة والثانى أنه ينجس وهو قول أبى القاسم الانماطى رحمه الله تعالى لأنه ماء قليل لاقى نجاسة فأشبه ما اذا وقعت فيه نجاسة والثالث أنه ان انفصل والمحل طاهر فهو طاهر وان انفصل والمحل نجس فهو نجس وهو قول أبى العباس ابن القاصى رحمه الله تعالى لأن المنفصل من جملة الباقى فى المحل فكان حمه فى النجاسة والطهارة حكمه فاذا قلنا أنه طاهر فهل يجوز الوضوء به فيه وجهان قال أبو على بن خيران رحمه الله تعالى يجوز وقال سائر أصحابنا لا يجوز وقد مضى توجيههما (١). مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى ان الماء اذا طبخ فيه طاهر فتغير به كماء الباقلا المغلى فانه لا يجوز الوضوء بها ولا الغسل. لا نعلم فيه خلافا الا ما حكى عن ابن أبى ليلى والأصم رحمهما الله تعالى فى المياه المعتصرة انها طهور يرتفع بها الحدث. ويزال بها النجس واذا خالط الماء طاهر يمكن التحرز منه فتغير احدى صفاته طعمه أو لونه أو ريحه كماء الباقلا وماء الحمص وماء الزعفران فقد اختلف أهل العلم فى الوضوء به واختلفت الرواية عن امامنا رحمه الله تعالى فى ذلك. فروى عنه أنه لا تحصل الطهارة به. وقال القاضى أبو يعلى وهى أصح وهى المنصورة عند أصحابنا رحمهم الله تعالى فى الخلاف ونقل عن أحمد جماعة من أصحابه منهم أبو الحارث والميمونى واسحاق بن منصور انه يجوز الوضوء به لأن الله تعالى قال «فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا» وهذا عام فى كل ماء لأنه نكرة فى سياق النفى.

стр. 6334

والنكرة فى سياق النفى تعم. فلا يجوز التيمم مع وجوده. وأيضا ما روى عن رسول الله ﷺ فى حديث أبى ذر رضى الله تعالى عنه (التراب كافيك ما لم تجد الماء) وهذا واجد للماء (١). واذا خالط الماء ما لا يمكن التحرز منه كالطحلب وسائر ما ينبت فى الماء وكذلك ورق الشجر الذى يسقط فى الماء أو تحمل الريح فتلقيه فيه وما تجذبه السيول من العيدان والتبن ونحوه فتلقيه فى الماء. وما هو فى قرار الماء كالكبريت والقار وغيرهما اذا جرى عليه الماء فتغير به. أو كان فى الأرض التى يقف الماء فيها وهذا كله يعنى عنه لأنه يشق التحرز منه. فان أخذ شئ من ذلك فألقى فى الماء وغيره كان حكمه حكم ما يمكن التحرز منه من الزعفران ونحوه لأن الاحتراز منه ممكن. واذا خالط الماء ما يوافق فى صفتيه الطهارة والطهورية كالتراب اذا غير الماء لا يمنع الطهورية لأنه طاهر ومطهر كالماء أما ان ثخن بحيث لا يجرى على الأعضاء لم تجز الطهارة به لأنه طين وليس بماء. ولا فرق فى التراب بين وقوعه فى الماء عن قصد أو عن غير قصد وكذلك الملح الذى أصله كالبحرى والملح الذى ينعقد من الماء الذى يرسل على السبخة فيصير ملحا. فلا يسلب الطهورية لأن أصله الماء. فهو كالجليد والثلج وان كان معدنيا ليس أصله الماء فهو كالزعفران وغيره. وما يتغير به الماء بمجاورته من غير مخالطة كالدهن على اختلاف أنواعه والطاهرات الصلبة. كالعود والكافور والعنبر اذا لم يهلك فى الماء ولم يمنع فيه لا يخرج به عن اطلاقه لأنه تغيير مجاورة. اشبه ما لو تروح الماء بريح شئ على جانبه ولا نعلم فى هذه الأنواع خلافا وفى معنى المتغير بالدهن ما تغير بالقطران والزفت والشمع لأن فى ذلك دهنية يتغير بها الماء تغير مجاورة فلا يمنع كالدهن (٢). واذا وقع فى الماء مائع لا يغيره لموافقة صفته صفته. وهذا يبعد اذ الظاهر أنه لا بد أن ينفرد عنه بصفة فيعتبر التغير بظهور تلك الصفة فان اتفق ذلك اعتبرناه بغيره مما له صفة تظهر على الماء. كالحر اذا جنى عليه دون الموضحة قومناه كأنه عبد. وان شك فى كونه يمنع بنى على يقين الطهورية لأنها الأصل فلا يزول عنها بالشك وان كان الواقع فى الماء ماء مستعملا عفى عن يسيره قال اسحاق بن منصور قلت لأحمد الرجل يتوضأ فينتضح من وضوئه فى انائه؟ قال لا بأس به قال ابراهيم النخعى لا بد من ذلك روى نحوه عن الحسن وهذا ظاهر حال النبى ﷺ وأصحابه لأنهم كانوا يتوضأون من الأقداح والأتوار ويغتسلون من الجفان. وقد روى أن النبى ﷺ كان يغتسل هو وميمونة رحمها الله تعالى من جفنة فيها أثر العجين. واغتسل هو وعائشة رضى الله تعالى عنها من اناء واحد تختلف أيديهما فيه كل واحد يقول لصاحبه أبق لى ومثل هذا لا يسلم من رشاش يقع فى الماء. وان كثر الواقع وتفاحش منع على احدى الروايتين (٣). وان كان الماء قلتين وهو خمس قرب فوقعت فيه نجاسة فلم يوجد لها طعم ولا لون ولا رائحة فهو طاهر. فقد دلت هذه المسألة بصريحها على أن ما بلغ القلتين فلم يتغير بما وقع فيه لا ينجس. وبمفهومها على أن ما تغير بالنجاسة نجس وان كثر وأن ما دون

стр. 6335

القلتين ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة وان لم يتغير فأما نجاسة ما تغير بالنجاسة فلا خلاف فيه. قال ابن المنذر رحمه الله تعالى أجمع أهل العلم على أن الماء القليل والكثير اذا وقعت فيه نجاسة فغيرت الماء طعما أو لونا أو رائحة أنه نجس مادام كذلك. وقد روى أبو أمامة الباهلى رضى الله تعالى عنه أن النبى ﷺ قال (الماء طهور لا ينجسه شئ الا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه. رواه ابن ماجة. وقال حرب بن اسماعيل. سئل أحمد رحمه الله تعالى عن الماء اذا تغير طعمه وريحه قال: لا يتوضأ به ولا يشرب وليس فيه حديث ولكن الله تعالى حرم الميتة. فاذا صارت الميتة فى الماء فتغير طعمه أو ريحه فذلك طعم الميتة وريحها فلا يحل له وذلك أمر ظاهر وقال الخلال رحمه الله تعالى: انما قال أحمد ليس فيه حديث لأن هذا الحديث يرويه سليمان بن عمر ورشدين بن سعد وكلاهما ضعيف وابن ماجه رواه من طريق رشدين. واما ما دون القلتين اذا لاقته النجاسة فلم يتغير بها فالمشهور المذهب أنه ينجس. هذا وقد روى أبو سعيد رضى الله تعالى عنه قال: قيل يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة؟ وهى بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن. فقال ان الماء طهور لا ينجسه شئ. رواه أبو داود والنسائى والترمذى وقال حديث حسن قال الخلال قال أحمد. حديث بئر بضاعة صحيح. وروى أن النبى ﷺ سئل عن الحياض التى بين مكة والمدينة. تردها السباع والكلاب والحمر. وعن الطهارة بها فقال: لها ما حملت فى بطونها ولنا ما بقى شراب وطهور ولم يفرق بين القليل والكثير ولأنه لم يظهر عليه احدى صفات النجاسة فلم ينجس بها كالزائد عن القلتين (١). هذا واذا كان الماء كثيرا فوقع فى جانب منه نجاسة فتغير بها نظرت فيما لم يتغير فان نقص عن القلتين فالجميع نجس لأن المتغير تنجس للتغير والباقى تنجس لملاقاته وان زاد عن القلتين فهو طاهر. وذلك لما روى عن النبى ﷺ أنه قال اذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شئ ولقوله ﷺ : الماء طهور لا ينجسه شئ وغير المتغير قد بلغ القلتين ولم يتغير. فيدخل فى عموم الأحاديث. ولأنه ماء كثير لم يتغير بالنجاسة فكان طاهرا كما لو لم يتغير منه شئ ولأن العلة فى نجاسة الماء الكثير التغير فقط. فيختص التنجيس بمحل العلة كما لو تغير بعضه بطاهر. واذا كان فى جانب النهر ماء واقف مائل عن سنن الماء متصل بالجارى أو كان فى أرض النهر هذه فيها ماء واقف وكان ذلك مع الجرية المقابلة له دون القلتين نجسا جميعا بوجود النجاسة فى احدهما لأنه ماء متصل دون القلتين فينجس بها جميعه. كالراكد وان كان احدهما قلتين لم ينجس واحد منهما مادام متلاقين الا بالتغير لأن القلتين تدفع النجاسة عن نفسها. وعما لاقته. ثم لا يخلو من كون النجاسة فى النهر أو فى الواقف. فان كانت فى النهر وهو قلتان فهو طاهر على كل حال. كذلك الواقف وان كان دون القلتين فهو نجس قبل ملاقاته للواقف فاذا حاذاه طهر باتصاله به. فاذا فارقه عاد الى التنجس لقلته مع وجود النجاسة فيه. وان كانت النجاسة فى الواقف لم ينجس بحال. ولأنه لا يزال هو وما لاقاه قلتين. فان كان الواقف دون القلتين والجرية كذلك الا أنهما بمجموعهما يزيدان عن القلتين وكانت النجاسة فى الواقف لم ينجس واحد منهما لأنها مع ما تلاقيه أكثر من قلتين (٢). واذا كانت بئر الماء ملاصقة لبئر فيها بول أو غيره من النجاسات. وشك فى وصولها الى الماء فهو على أصله فى الطهارة قال أحمد رحمه

стр. 6336

الله تعالى يكون بين البئر والبالوعة ما لم يغيّر طعما ولا ريحا. وقال الحسن رحمه الله تعالى: ما لم يتغير لونه أو ريحه فلا بأس أن يتوضأ منها وذلك لأن الأصل فيه الطهارة فلا تزول بالشك وان أحب علم حقيقة ذلك فليطرح فى البئر النجسة نفطا. فان وجد رائحته فى الماء علم وصوله اليه والا فلا. وان تغير الماء تغيرا يصلح أن يكون من النجاسة ولم يعلم له سببا آخر فهو نجس لأن الملاصقة سبب فيحال الحكم عليه وما عداه مشكوك فيه (١). واذا مات فى الماء حيوان لا يعلم أهل ينجس بالموت أم لا؟ فالماء طاهر لأن الأصل طهارته والنجاسة مشكوك فيها فلا تزول عن اليقين بالشك وكذلك الحكم ان شرب منه حيوان يشك فى نجاسة سؤره وطهارته لما ذكرنا. والحيوان قسمان نجس وطاهر فالنجس نوعان: أحدهما ما هو نجس رواية واحدة وهو الكلب والخنزير وما تولد منهما أو من أحدهما فهذا نجس عينه وسؤره وجميع ما خرج منه روى ذلك عن عروة وهو مذهب الشافعى وأبى عبيد رضى الله تعالى عنهم وهو قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى فى السؤر خاصة. واستدل الحنابلة فى ذلك بما روى عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: (اذا ولغ الكلب فى اناء أحدكم فليغسله سبعا) متفق عليه. ولمسلم (فليرقه ثم ليغسله سبع مرات) ولو كان سؤره طاهرا لم تجز اراقته ولا وجب غسله فان قيل انما وجب غسله تعبدا كما تغسل أعضاء الوضوء وتغسل اليد من نوم الليل. قلنا الأصل وجوب الغسل من النجاسة بدليل سائر الغسل ثم لو كان تعبدا لما أمر باراقة الماء ولما اختص الغسل بموضع الولوغ لعموم اللفظ فى الاناء كله. وأما غسل اليد من النوم فانما أمر به للاحتياط لاحتمال أن تكون يده قد أصابتها نجاسة فيتنجس الماء ثم تنجس أعضاؤه به. وغسل أعضاء الوضوء شرع للوضاءة والنظافة ليكون العبد فى حال قيامه بين يدى الله تعالى على أحسن حال وأكملها ثم ان سلمنا ذلك فانما عهدنا التعبد فى غسل اليدين أما الآنية والثياب فانما يجب غسلها من النجاسات. وقد روى فى لفظ (طهور أناء أحدكم اذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبعا) أخرجه أبو داود ولا يكون الطهور الا فى محل الطهارة. وقولهم ان الله تعالى أمر بأكل ما أمسكه الكلب قبل غسله قلنا الله تعالى أمر بأكله والنبى ﷺ أمر بغسله فيعمل بأمرهما وان سلمنا أنه لا يجب غسله فلأنه يشق فعفى عنه وحديثهم قضية فى عين يحتمل أن الماء المسئول عنه كان كثيرا ولذلك قال فى موضع آخر حين سئل عن الماء وما ينوبه من السباع (اذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) ولأن الماء لا ينجس الا بالتغير على رواية لنا وشربها من الماء لا يغيره فلم ينجسه ذلك (٢). والنوع الثانى: ما اختلف فيه وهو سائر سباع البهائم الا السنور ومادونها فى الخلقة وكذلك جوارح الطير والحمار الأهلى والبغل فعن أحمد رحمه الله تعالى أن سؤرهما نجس اذا لم يجد غيره تيمم وتركه روى عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما انه كره سؤر الحمار وهو قول الحسن وابن سيرين والشعبى والأوزاعى وحماد واسحاق. وعن أحمد انه قال فى البغل

стр. 6337

والحمار اذا لم يجد غير سؤرهما تيمم معه. وهذه الرواية تدل على طهارة سؤرهما لأنه لو كان نجسا لم تجز الطهارة به. وروى عن اسماعيل بن سعيد لا بأس بسؤر السباع لأن عمر قال فى السباع: ترد علينا ونرد عليها. ورخص فى سؤر جميع ذلك الحسن وعطاء والزهرى ويحيى الأنصارى وبكير بن الأشج وربيعة وأبو الزناد ومالك والشافعى وابن المنذر لحديث أبى سعيد فى الحياض وقد روى عن جابر أيضا. وفى حديث آخر عن جابر رضى الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ سئل أنتوضأ بما أفضلته الحمر؟ قال نعم وبما أفضلت السباع كلها) رواه الشافعى فى مسنده وهذا نص ولأنه حيوان يجوز الانتفاع به من غير ضرورة فكان طاهرا كالشاة. ووجه الرواية الأولى أن النبى ﷺ سئل عن الماء وما ينوبه من السباع فقال: (اذا بلغ الماء قلتين لم ينجس) ولو كانت طاهرة لم يحده بالقلتين وقال النبى ﷺ فى الحمر يوم خيبر (انها رجس) ولأنه حيوان حرم أكله لا لحرمته يمكنه التحرز عنه غالبا أشبه الكلب ولأن السباع والجوارح الغالب عليها أكل الميتات والنجاسات فتنجس أفواهها ولا يتحقق وجود مطهرها فينبغى أن يقضى بنجاستها كالكلاب. وحديث أبى سعيد قد أجبنا عنه ويتعين حمله على الماء الكثير عند من يرى نجاسة سؤر الكلب والحديث الآخر يرويه ابن أبى حبيبة وهو منكر الحديث قاله البخارى وابراهيم بن يحيى وهو كذاب والصحيح عندى طهارة البغل والحمار لأن النبى ﷺ كان يركبها ونركب فى زمنه وفى عصر الصحابة فلو كان نجسا لبين النبى ﷺ ذلك ولأنهما لا يمكن التحرز منهما لمقتنيهما فأشبه السنور وقول النبى ﷺ (انها رجس) أراد أنها محرمة كقول الله فى الخمر والميسر والأنصاب والأزلام انها رجس ويحتمل أنه أراد لحمها الذى كان فى قدورهم فأنه رجس فان ذبح ما لا يحل أكله لا يطهر (١). والقسم الثانى طاهر فى نفسه وسؤره وعرقه وهو ثلاثة أضرب. الأول: الآدمى فهو طاهر وسؤره طاهر سواء كان مسلما أو كافرا عند عامة أهل العلم الا أنه حكى عن النخعى رحمه الله تعالى أنه كره سؤر الحائض وعن جابر بن زيد رضى الله تعالى عنه لا يتوضأ منه. وقد ثبت أن رسول الله ﷺ قال (المؤمن ليس بنجس). وفى رواية أخرى (ان المؤمن لا ينجس) وعن عائشة رضى الله تعالى عنها أنها كانت تشرب من الاناء وهى حائض فيأخذه رسول الله ﷺ فيضع فاه على موضع فيها فيشرب وتتعرق العرق فيأخذه فيضع فاه على موضع فيها رواه مسلم. وكانت تغسل رأس رسول الله ﷺ وهى حائض. متفق عليه وقال لعائشة (ناولينى (٢) الخمرة من المسجد) قالت انى حائض قال ﷺ (ان حيضتك ليست فى يدك) رواه الجماعة الا البخارى (٣). الضرب الثانى: ما اكل لحمه فقال أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى أجمع أهل العلم على أن سؤر ما أكل لحمه يجوز شربه والوضوء به

стр. 6338

فان كان جلالا يأكل النجاسات فذكر القاصى روايتين احداهما أنه نجس والثانية طاهر فيكون هذا من النوع الثانى من القسم الأول المختلف فيه. الضرب الثالث: السنور وما دونها فى الخلقة كالفأرة وابن عرس فهذا ونحوه من حشرات الأرض سؤره طاهر يجوز شربه والوضوء به ولا يكره وهذا قول أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين من أهل المدينة والشام وأهل الكوفة وأصحاب الرأى الا أبا حنيفة فانه كره الوضوء بسؤر الهر فان فعل أجزأه وقد روى عن ابن عمر رضى الله تعالى عنه أنه كرهه وكذلك يحيى الأنصارى وابن أبى ليلى رضى الله تعالى عنهما وقال أبو هريرة يغسل مرة أو مرتين وبه قال ابن المنذر وقال الحسن وابن سيرين يغسل مرة وقال طاووس رحمه الله تعالى يغسل سبعا كالكلب وقد روى أبو داود باسناده عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه عن رسول الله ﷺ فذكر الحديث وقال: (اذا ولغت فيه الهرة غسل مرة) يدل لنا ما روى عن كبشة بنت كعب ابن مالك وكانت تحت أبى قتادة أن أبا قتادة دخل عليها فسكبت له وضوءا قالت فجاءت هرة فأصفى لها الاناء حتى شربب قالت كبشة فرانى أنظر اليه فقال: أتعجبين يا ابنة أخى فقلت نعم. فقال أن رسول الله ﷺ قال: (انها ليست بنجس انها من الطوافين عليكم والطوافات) أخرجه أبو داود والنسائى والترمذى. وقال هذا حديث حسن صحيح وهذا أحسن شئ فى الباب وقد دل بلفظه على نفى الكراهة عن سؤر الهر وبتعليله على نفى الكراهة عما دونها مما يطوف علينا. وروى ابن ماجه عن عائشة رضى الله تعالى عنها أنها قالت إن رسول الله ﷺ قال: (انها ليست بنجس انها من الطوافين عليكم). وقد رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ بفضلها) رواه أبو داود واذا أكلت الهرة نجاسة ثم شربت من ماء يسير بعد أن غابت فالماء طاهر لأن النبى ﷺ نفى عنها النجاسة وتوضأ بفضلها مع علمه بأكلها النجاسات وان شربت قبل أن تغيب فقال القاضى وابن عقيل رحمهما الله تعالى بنجس لأنه وردت عليه نجاسة متيقنة أشبه ما لو أصابه بول. وقال أبو الحسن الآمدى رحمه الله تعالى: ظاهر مذهب أصحابنا أنه طاهر وان لم تغب لأن النبى ﷺ عفى عنها مطلقا وعلل بعدم امكان الاحتراز عنها ولأننا حكمنا بطهارة سؤرها مع الغيبة فى مكان لا يحتمل ورودها على ماء كثير يطهر فاها ولو احتمل ذلك فيوشك لا يزيل يقين النجاسة فوجب احالة الطهارة على العفو عنها وهو شامل لما قبل الغيبة (١). وان وقعت الفأرة أو الهر ونحوهما فى مائع أو ماء يسير ثم خرجت حية فهو طاهر نص عليه أحمد رحمه الله تعالى فانه سئل عن الفأرة تقع فى السمن الذائب فلم تمت قال لا بأس بأكله. وفى رواية قال اذا كان حيا فلا شئ أنما الكلام فى الميت وقبل أن يحتمل أن ينجس اذا أصاب الماء مخرجها لأن مخرج النجاسة نجس فينجس به الماء يدل لنا ان الأصل الطهارة واصابة الماء لموضع النجاسة مشكوك فيه فان المخرج منضم اذا وقع الحيوان فى الماء فلا يزول اليقين بالشك وكل حيوان حكم جلده وشعره وعرقه ودمعه ولعابه. حكم سؤره فى الطهارة والنجاسة لأن السؤر انما ثبت فيه حكم النجاسة فى المواضع الذى ينجس لملاقاته لعاب الحيوان وجسمه فلو كان

стр. 6339

طاهرا كان سؤره طاهرا واذا كان نجسا كان سؤره نجسا (١). مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى أن كل شئ مائع من ماء أو زيت أو سمن أو لبن أو ماء ورد أو عسل أو مرق أو طيب أو غير ذلك أى شئ كان اذا وقعت فيه نجاسة أو شئ حرام يجب اجتنابه أو ميتة فان غير ذلك لون ما وقع فيه أو طعمه أو ريحه فقد فسد كله. وحرم أكله ولم يجز استعماله ولا بيعه فان لم يغير شيئا من لون ما وقع فيه ولا من طعمه ولا من ريحه فذلك المائع حلال أكله وشربه واستعماله. والوضوء حلال بذلك الماء. والتطهر به فى الغسل أيضا كذلك. الا أن البائل فى الماء الراكد الذى لا يجرى حرام عليه الوضوء بذلك الماء والاغتسال به لفرض أو لغيره وحكمه التيمم ان لم يجد غيره. وذلك الماء طاهر حلال شربه له ولغيره ان لم يغير البول شيئا من أوصافه وحلال الوضوء به والغسل به لغيره. فلو أحدث فى الماء أو بال خارجا منه ثم جرى البول فيه فهو طاهر. ويجوز الوضوء منه والغسل له ولغيره. الا أن يغير ذلك البول أو الحدث شيئا من أوصاف الماء فلا يجزئ حينئذ استعماله أصلا لا له ولا لغيره. وحاشى ما ولغ فيه الكلب فانه يهرق ولا بد (٢). ولو بنجس الماء بما يلاقيه من النجاسات ما طهر شئ أبدا لأنه كان اذا صب على النجاسة لغسلها ينجس على قولهم ولا بد واذا تنجس وجب تطهيره وهكذا أبدا ولو كان كذلك لتنجس البحر والأنهار الجارية كلها. لأنه اذا تنجس الماء الذى خالطته النجاسة وجب أن يتنجس الماء الذى يماسه أيضا ثم يجب أن يتنجس مامسه أيضا كذلك أبدا. وهذا لا مخلص منه. وأما اذا تغير لون الحلال الطاهر بما مازجه من نجس أو حرام. أو تغير طعمه بذلك أو تغير ريحه بذلك فاننا حينئذ لا نقدر على استعمال الحلال الا باستعمال الحرام. واستعمال الحرام فى الأكل والشرب وفى الصلاة حرام كما قلنا ولذلك وجب الامتناع منه لا لأن الحلال الطاهر حرم ولا تنجست عينه. ولو قدرنا على تخليص الحلال الطاهر من الحرام والنجس لكان حلالا بحسبه وكذلك اذا كانت النجاسة أو الحرام على جرم طاهر فأزلناها. فان النجس لم يطهر والحرام لم يحل. لكنه زايل الحلال الطاهر. فقدرنا على أن نستعمله حينئذ حلالا طاهرا كما كان. وكذلك اذا استحالت صفات عين النجس أو الحرام فبطل عنه الاسم الذى به ورد ذلك الحكم فيه. وانتقل الى اسم آخر وارد على حلال طاهر فليس هو ذلك النجس ولا الحرام بل قد صار شيئا آخر ذا حكم آخر. وكذلك اذا استحالت صفات عين الحلال الطاهر فبطل عنه الاسم الذى به ورد ذلك الحكم فيه. وانتقل الى اسم آخر وارد على حرام أو نجس. فليس هو ذلك الحلال الطاهر. بل قد صار شيئا آخر ذا حكم آخر. كالعصير يصير خمرا. وكالماء يصير بولا. والطعام يصير عذرة والعذرة والبول تدهن بهما الأرض فيعودان ثمرة حلالا. ومثل هذا كثير. وكنقطة ماء تقع فى خمر أو نقطة خمر تقع فى ماء. فلا يظهر لشئ من ذلك أثر. وهكذا كل شئ والأحكام للأسماء والأسماء

стр. 6340

تابعة للصفات التى هى حد ما هى فيه المفرق بين أنواعه (١). مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار أن الذى ينجس من المياه أربعة أنواع الأول مجاورا النجاسة والمجاوران هما الأول وهو الذى يتصل بالنجاسة. والثانى وهو الذى يتصل بالأول. وأما نجاسة الأول فمتفق عليها وأما الثانى ففيه الخلاف واختلف فى تحديد المجاور الأول. فقال بعض العلماء جوهر وهذا ضعيف عندى لأن الجوهر لا يدرك فيلزم طهارة ما يلصق بالنجاسة لأنه اذا فصل عنها بقى منه جوهر وان لم ندركه والظاهر الاجماع على خلاف ذلك وقيل قدر جسم. النوع الثانى وهو ما غيرته النجاسة بأن أزالت أحد أوصافه فان هذين النوعين من المياه ينجسان مطلقا سواء كان الماء قليلا ام كثيرا. والنوع الثالث وهو ما وقعت فيه النجاسة فى حال كونه قليلا فانه ينجس بوقوعها فى جملته ولو لم يباشر كل أجزائه سواء تغير بها أو لم يتغير (٢). والنوع الرابع وهو من المياه المتنجسة وهو المتغير بطاهر. يعنى أو وقعت فيه النجاسة فى حال كونه متغيرا بطاهر كالمسك والكافور ونحوهما فانها تنجسه وان الماء وان كثر الماء المتغير بالطاهر فانه وان كثر حال وقوع النجاسة فيه فانه ينجس ولا تنفع الكثرة حينئذ. حتى يصلح أى يزول تغيره فمتى صلح طهر. وما عدا هذه الأنواع الأربعة فطاهر. لا ينجس سواها من المياه (٣). هذا واذا غير بعض أوصاف الماء - وهى اللون والطعم والريح - شئ متصل به من غير خلل بينهما فسد الماء بخلاف ما اذا نشأ ذلك عن مجاور وهو المتصل به مع خلل ذكر فعلى هذا لا يصح التطهر بماء الورد. فأما لو جعل ماء الورد على أعضاء الوضوء ثم توضأ أجزأه الوضوء اذ لا يمازج الماء الا بعد الأجزاء. وأما ماء الكرم وسائر أعواد الشجر فلا حق بما الورد عند أكثر الأئمة والفقهاء حكاه الانتصار واستثنى ﵇ من الممازج الذى يفسد الماء وماء البحر والثلج وكذلك ملح البحر ذكره ما اذا كان الممازج مطهرا من نحو المنصور عبد الله بن حمزة وأبو مضر لأن أصله الماء فاذا تغير به الماء لم يخرجه عن كونه مطهرا. وكذا السمك فانه اذا تغير الماء بميتة السمك لم يخرج عن كونه طهورا قال يحيى وقد خرج أبو مضر أنه ينجس الماء اذا كان للسمك دم وكذا ما يتوالد فى الماء فان ما كان متوالدا فى الماء اذا مات فيه وغيره لم يضر ذلك التغير ولا يكفى كونه. متوالدا فى الماء بل لا بد من كونه أيضا مما لا دم له. فأما اذا كان ذا دم سائل تنجس الماء بموته فيه. وقال ابن أبى الفوارس ما لا يعيش الا فى الماء لا ينجس الماء بموته فيه ولو كان ذا دم اذا تغير الماء بأصله وهو منبعه نحو أن يكون تابعا من معدن ملح أو غيره فيتغير بمجاورته بعض
следующие страницы →