الله تعالى يكون بين البئر والبالوعة ما لم يغيّر طعما ولا ريحا.
وقال الحسن رحمه الله تعالى: ما لم يتغير لونه أو ريحه فلا بأس أن يتوضأ منها وذلك لأن الأصل فيه الطهارة فلا تزول بالشك وان أحب علم حقيقة ذلك فليطرح فى البئر النجسة نفطا.
فان وجد رائحته فى الماء علم وصوله اليه والا فلا. وان تغير الماء تغيرا يصلح أن يكون من النجاسة ولم يعلم له سببا آخر فهو نجس لأن الملاصقة سبب فيحال الحكم عليه وما عداه مشكوك فيه (١).
واذا مات فى الماء حيوان لا يعلم أهل ينجس بالموت أم لا؟ فالماء طاهر لأن الأصل طهارته والنجاسة مشكوك فيها فلا تزول عن اليقين بالشك وكذلك الحكم ان شرب منه حيوان يشك فى نجاسة سؤره وطهارته لما ذكرنا. والحيوان قسمان نجس وطاهر فالنجس نوعان:
أحدهما ما هو نجس رواية واحدة وهو الكلب والخنزير وما تولد منهما أو من أحدهما فهذا نجس عينه وسؤره وجميع ما خرج منه روى ذلك عن عروة وهو مذهب الشافعى وأبى عبيد رضى الله تعالى عنهم وهو قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى فى السؤر خاصة.
واستدل الحنابلة فى ذلك بما روى عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: (اذا ولغ الكلب فى اناء أحدكم فليغسله سبعا) متفق عليه.
ولمسلم (فليرقه ثم ليغسله سبع مرات) ولو كان سؤره طاهرا لم تجز اراقته ولا وجب غسله فان قيل انما وجب غسله تعبدا كما تغسل أعضاء الوضوء وتغسل اليد من نوم الليل. قلنا الأصل وجوب الغسل من النجاسة بدليل سائر الغسل ثم لو كان تعبدا لما أمر باراقة الماء ولما اختص الغسل بموضع الولوغ لعموم اللفظ فى الاناء كله.
وأما غسل اليد من النوم فانما أمر به للاحتياط لاحتمال أن تكون يده قد أصابتها نجاسة فيتنجس الماء ثم تنجس أعضاؤه به. وغسل أعضاء الوضوء شرع للوضاءة والنظافة ليكون العبد فى حال قيامه بين يدى الله تعالى على أحسن حال وأكملها ثم ان سلمنا ذلك فانما عهدنا التعبد فى غسل اليدين أما الآنية والثياب فانما يجب غسلها من النجاسات.
وقد روى فى لفظ (طهور أناء أحدكم اذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبعا) أخرجه أبو داود ولا يكون الطهور الا فى محل الطهارة.
وقولهم ان الله تعالى أمر بأكل ما أمسكه الكلب قبل غسله قلنا الله تعالى أمر بأكله والنبى ﷺ أمر بغسله فيعمل بأمرهما وان سلمنا أنه لا يجب غسله فلأنه يشق فعفى عنه وحديثهم قضية فى عين يحتمل أن الماء المسئول عنه كان كثيرا ولذلك قال فى موضع آخر حين سئل عن الماء وما ينوبه من السباع (اذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) ولأن الماء لا ينجس الا بالتغير على رواية لنا وشربها من الماء لا يغيره فلم ينجسه ذلك (٢).
والنوع الثانى: ما اختلف فيه وهو سائر سباع البهائم الا السنور ومادونها فى الخلقة وكذلك جوارح الطير والحمار الأهلى والبغل فعن أحمد رحمه الله تعالى أن سؤرهما نجس اذا لم يجد غيره تيمم وتركه روى عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما انه كره سؤر الحمار وهو قول الحسن وابن سيرين والشعبى والأوزاعى وحماد واسحاق. وعن أحمد انه قال فى البغل
стр. 6337
والحمار اذا لم يجد غير سؤرهما تيمم معه.
وهذه الرواية تدل على طهارة سؤرهما لأنه لو كان نجسا لم تجز الطهارة به.
وروى عن اسماعيل بن سعيد لا بأس بسؤر السباع لأن عمر قال فى السباع: ترد علينا ونرد عليها.
ورخص فى سؤر جميع ذلك الحسن وعطاء والزهرى ويحيى الأنصارى وبكير بن الأشج وربيعة وأبو الزناد ومالك والشافعى وابن المنذر لحديث أبى سعيد فى الحياض وقد روى عن جابر أيضا. وفى حديث آخر عن جابر رضى الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ سئل أنتوضأ بما أفضلته الحمر؟ قال نعم وبما أفضلت السباع كلها) رواه الشافعى فى مسنده وهذا نص ولأنه حيوان يجوز الانتفاع به من غير ضرورة فكان طاهرا كالشاة. ووجه الرواية الأولى أن النبى ﷺ سئل عن الماء وما ينوبه من السباع فقال:
(اذا بلغ الماء قلتين لم ينجس) ولو كانت طاهرة لم يحده بالقلتين وقال النبى ﷺ فى الحمر يوم خيبر (انها رجس) ولأنه حيوان حرم أكله لا لحرمته يمكنه التحرز عنه غالبا أشبه الكلب ولأن السباع والجوارح الغالب عليها أكل الميتات والنجاسات فتنجس أفواهها ولا يتحقق وجود مطهرها فينبغى أن يقضى بنجاستها كالكلاب.
وحديث أبى سعيد قد أجبنا عنه ويتعين حمله على الماء الكثير عند من يرى نجاسة سؤر الكلب والحديث الآخر يرويه ابن أبى حبيبة وهو منكر الحديث قاله البخارى وابراهيم بن يحيى وهو كذاب والصحيح عندى طهارة البغل والحمار لأن النبى ﷺ كان يركبها ونركب فى زمنه وفى عصر الصحابة فلو كان نجسا لبين النبى ﷺ ذلك ولأنهما لا يمكن التحرز منهما لمقتنيهما فأشبه السنور وقول النبى ﷺ (انها رجس) أراد أنها محرمة كقول الله فى الخمر والميسر والأنصاب والأزلام انها رجس ويحتمل أنه أراد لحمها الذى كان فى قدورهم فأنه رجس فان ذبح ما لا يحل أكله لا يطهر (١).
والقسم الثانى طاهر فى نفسه وسؤره وعرقه وهو ثلاثة أضرب.
الأول: الآدمى فهو طاهر وسؤره طاهر سواء كان مسلما أو كافرا عند عامة أهل العلم الا أنه حكى عن النخعى رحمه الله تعالى أنه كره سؤر الحائض وعن جابر بن زيد رضى الله تعالى عنه لا يتوضأ منه.
وقد ثبت أن رسول الله ﷺ قال (المؤمن ليس بنجس).
وفى رواية أخرى (ان المؤمن لا ينجس) وعن عائشة رضى الله تعالى عنها أنها كانت تشرب من الاناء وهى حائض فيأخذه رسول الله ﷺ فيضع فاه على موضع فيها فيشرب وتتعرق العرق فيأخذه فيضع فاه على موضع فيها رواه مسلم.
وكانت تغسل رأس رسول الله ﷺ وهى حائض. متفق عليه وقال لعائشة (ناولينى (٢) الخمرة من المسجد) قالت انى حائض قال ﷺ (ان حيضتك ليست فى يدك) رواه الجماعة الا البخارى (٣).
الضرب الثانى: ما اكل لحمه فقال أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى أجمع أهل العلم على أن سؤر ما أكل لحمه يجوز شربه والوضوء به
стр. 6338
فان كان جلالا يأكل النجاسات فذكر القاصى روايتين احداهما أنه نجس والثانية طاهر فيكون هذا من النوع الثانى من القسم الأول المختلف فيه.
الضرب الثالث: السنور وما دونها فى الخلقة كالفأرة وابن عرس فهذا ونحوه من حشرات الأرض سؤره طاهر يجوز شربه والوضوء به ولا يكره وهذا قول أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين من أهل المدينة والشام وأهل الكوفة وأصحاب الرأى الا أبا حنيفة فانه كره الوضوء بسؤر الهر فان فعل أجزأه وقد روى عن ابن عمر رضى الله تعالى عنه أنه كرهه وكذلك يحيى الأنصارى وابن أبى ليلى رضى الله تعالى عنهما وقال أبو هريرة يغسل مرة أو مرتين وبه قال ابن المنذر وقال الحسن وابن سيرين يغسل مرة وقال طاووس رحمه الله تعالى يغسل سبعا كالكلب وقد روى أبو داود باسناده عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه عن رسول الله ﷺ فذكر الحديث وقال: (اذا ولغت فيه الهرة غسل مرة) يدل لنا ما روى عن كبشة بنت كعب ابن مالك وكانت تحت أبى قتادة أن أبا قتادة دخل عليها فسكبت له وضوءا قالت فجاءت هرة فأصفى لها الاناء حتى شربب قالت كبشة فرانى أنظر اليه فقال: أتعجبين يا ابنة أخى فقلت نعم. فقال أن رسول الله ﷺ قال: (انها ليست بنجس انها من الطوافين عليكم والطوافات) أخرجه أبو داود والنسائى والترمذى.
وقال هذا حديث حسن صحيح وهذا أحسن شئ فى الباب وقد دل بلفظه على نفى الكراهة عن سؤر الهر وبتعليله على نفى الكراهة عما دونها مما يطوف علينا. وروى ابن ماجه عن عائشة رضى الله تعالى عنها أنها قالت إن رسول الله ﷺ قال: (انها ليست بنجس انها من الطوافين عليكم).
وقد رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ بفضلها) رواه أبو داود واذا أكلت الهرة نجاسة ثم شربت من ماء يسير بعد أن غابت فالماء طاهر لأن النبى ﷺ نفى عنها النجاسة وتوضأ بفضلها مع علمه بأكلها النجاسات وان شربت قبل أن تغيب فقال القاضى وابن عقيل رحمهما الله تعالى بنجس لأنه وردت عليه نجاسة متيقنة أشبه ما لو أصابه بول.
وقال أبو الحسن الآمدى رحمه الله تعالى:
ظاهر مذهب أصحابنا أنه طاهر وان لم تغب لأن النبى ﷺ عفى عنها مطلقا وعلل بعدم امكان الاحتراز عنها ولأننا حكمنا بطهارة سؤرها مع الغيبة فى مكان لا يحتمل ورودها على ماء كثير يطهر فاها ولو احتمل ذلك فيوشك لا يزيل يقين النجاسة فوجب احالة الطهارة على العفو عنها وهو شامل لما قبل الغيبة (١).
وان وقعت الفأرة أو الهر ونحوهما فى مائع أو ماء يسير ثم خرجت حية فهو طاهر نص عليه أحمد رحمه الله تعالى فانه سئل عن الفأرة تقع فى السمن الذائب فلم تمت قال لا بأس بأكله.
وفى رواية قال اذا كان حيا فلا شئ أنما الكلام فى الميت وقبل أن يحتمل أن ينجس اذا أصاب الماء مخرجها لأن مخرج النجاسة نجس فينجس به الماء يدل لنا ان الأصل الطهارة واصابة الماء لموضع النجاسة مشكوك فيه فان المخرج منضم اذا وقع الحيوان فى الماء فلا يزول اليقين بالشك وكل حيوان حكم جلده وشعره وعرقه ودمعه ولعابه.
حكم سؤره فى الطهارة والنجاسة لأن السؤر انما ثبت فيه حكم النجاسة فى المواضع الذى ينجس لملاقاته لعاب الحيوان وجسمه فلو كان
стр. 6339
طاهرا كان سؤره طاهرا واذا كان نجسا كان سؤره نجسا (١).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أن كل شئ مائع من ماء أو زيت أو سمن أو لبن أو ماء ورد أو عسل أو مرق أو طيب أو غير ذلك أى شئ كان اذا وقعت فيه نجاسة أو شئ حرام يجب اجتنابه أو ميتة فان غير ذلك لون ما وقع فيه أو طعمه أو ريحه فقد فسد كله. وحرم أكله ولم يجز استعماله ولا بيعه فان لم يغير شيئا من لون ما وقع فيه ولا من طعمه ولا من ريحه فذلك المائع حلال أكله وشربه واستعماله.
والوضوء حلال بذلك الماء. والتطهر به فى الغسل أيضا كذلك.
الا أن البائل فى الماء الراكد الذى لا يجرى حرام عليه الوضوء بذلك الماء والاغتسال به لفرض أو لغيره وحكمه التيمم ان لم يجد غيره.
وذلك الماء طاهر حلال شربه له ولغيره ان لم يغير البول شيئا من أوصافه وحلال الوضوء به والغسل به لغيره.
فلو أحدث فى الماء أو بال خارجا منه ثم جرى البول فيه فهو طاهر. ويجوز الوضوء منه والغسل له ولغيره. الا أن يغير ذلك البول أو الحدث شيئا من أوصاف الماء فلا يجزئ حينئذ استعماله أصلا لا له ولا لغيره. وحاشى ما ولغ فيه الكلب فانه يهرق ولا بد (٢).
ولو بنجس الماء بما يلاقيه من النجاسات ما طهر شئ أبدا لأنه كان اذا صب على النجاسة لغسلها ينجس على قولهم ولا بد واذا تنجس وجب تطهيره وهكذا أبدا ولو كان كذلك لتنجس البحر والأنهار الجارية كلها. لأنه اذا تنجس الماء الذى خالطته النجاسة وجب أن يتنجس الماء الذى يماسه أيضا ثم يجب أن يتنجس مامسه أيضا كذلك أبدا. وهذا لا مخلص منه.
وأما اذا تغير لون الحلال الطاهر بما مازجه من نجس أو حرام. أو تغير طعمه بذلك أو تغير ريحه بذلك فاننا حينئذ لا نقدر على استعمال الحلال الا باستعمال الحرام. واستعمال الحرام فى الأكل والشرب وفى الصلاة حرام كما قلنا ولذلك وجب الامتناع منه لا لأن الحلال الطاهر حرم ولا تنجست عينه.
ولو قدرنا على تخليص الحلال الطاهر من الحرام والنجس لكان حلالا بحسبه وكذلك اذا كانت النجاسة أو الحرام على جرم طاهر فأزلناها. فان النجس لم يطهر والحرام لم يحل. لكنه زايل الحلال الطاهر. فقدرنا على أن نستعمله حينئذ حلالا طاهرا كما كان.
وكذلك اذا استحالت صفات عين النجس أو الحرام فبطل عنه الاسم الذى به ورد ذلك الحكم فيه. وانتقل الى اسم آخر وارد على حلال طاهر فليس هو ذلك النجس ولا الحرام بل قد صار شيئا آخر ذا حكم آخر. وكذلك اذا استحالت صفات عين الحلال الطاهر فبطل عنه الاسم الذى به ورد ذلك الحكم فيه.
وانتقل الى اسم آخر وارد على حرام أو نجس. فليس هو ذلك الحلال الطاهر. بل قد صار شيئا آخر ذا حكم آخر. كالعصير يصير خمرا. وكالماء يصير بولا. والطعام يصير عذرة والعذرة والبول تدهن بهما الأرض فيعودان ثمرة حلالا. ومثل هذا كثير. وكنقطة ماء تقع فى خمر أو نقطة خمر تقع فى ماء. فلا يظهر لشئ من ذلك أثر.
وهكذا كل شئ والأحكام للأسماء والأسماء
стр. 6340
تابعة للصفات التى هى حد ما هى فيه المفرق بين أنواعه (١).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار أن الذى ينجس من المياه أربعة أنواع الأول مجاورا النجاسة والمجاوران هما الأول وهو الذى يتصل بالنجاسة.
والثانى وهو الذى يتصل بالأول.
وأما نجاسة الأول فمتفق عليها وأما الثانى ففيه الخلاف واختلف فى تحديد المجاور الأول.
فقال بعض العلماء جوهر وهذا ضعيف عندى لأن الجوهر لا يدرك فيلزم طهارة ما يلصق بالنجاسة لأنه اذا فصل عنها بقى منه جوهر وان لم ندركه والظاهر الاجماع على خلاف ذلك وقيل قدر جسم.
النوع الثانى وهو ما غيرته النجاسة بأن أزالت أحد أوصافه فان هذين النوعين من المياه ينجسان مطلقا سواء كان الماء قليلا ام كثيرا.
والنوع الثالث وهو ما وقعت فيه النجاسة فى حال كونه قليلا فانه ينجس بوقوعها فى جملته ولو لم يباشر كل أجزائه سواء تغير بها أو لم يتغير (٢).
والنوع الرابع وهو من المياه المتنجسة وهو المتغير بطاهر.
يعنى أو وقعت فيه النجاسة فى حال كونه متغيرا بطاهر كالمسك والكافور ونحوهما فانها تنجسه وان الماء وان كثر الماء المتغير بالطاهر فانه وان كثر حال وقوع النجاسة فيه فانه ينجس ولا تنفع الكثرة حينئذ. حتى يصلح أى يزول تغيره فمتى صلح طهر.
وما عدا هذه الأنواع الأربعة فطاهر.
لا ينجس سواها من المياه (٣). هذا واذا غير بعض أوصاف الماء - وهى اللون والطعم والريح - شئ متصل به من غير خلل بينهما فسد الماء بخلاف ما اذا نشأ ذلك عن مجاور وهو المتصل به مع خلل ذكر فعلى هذا لا يصح التطهر بماء الورد.
فأما لو جعل ماء الورد على أعضاء الوضوء ثم توضأ أجزأه الوضوء اذ لا يمازج الماء الا بعد الأجزاء.
وأما ماء الكرم وسائر أعواد الشجر فلا حق بما الورد عند أكثر الأئمة والفقهاء حكاه الانتصار واستثنى ﵇ من الممازج الذى يفسد الماء وماء البحر والثلج وكذلك ملح البحر ذكره ما اذا كان الممازج مطهرا من نحو المنصور عبد الله بن حمزة وأبو مضر لأن أصله الماء فاذا تغير به الماء لم يخرجه عن كونه مطهرا. وكذا السمك فانه اذا تغير الماء بميتة السمك لم يخرج عن كونه طهورا قال يحيى وقد خرج أبو مضر أنه ينجس الماء اذا كان للسمك دم وكذا ما يتوالد فى الماء فان ما كان متوالدا فى الماء اذا مات فيه وغيره لم يضر ذلك التغير ولا يكفى كونه. متوالدا فى الماء بل لا بد من كونه أيضا مما لا دم له.
فأما اذا كان ذا دم سائل تنجس الماء بموته فيه.
وقال ابن أبى الفوارس ما لا يعيش الا فى الماء لا ينجس الماء بموته فيه ولو كان ذا دم اذا تغير الماء بأصله وهو منبعه نحو أن يكون تابعا من معدن ملح أو غيره فيتغير بمجاورته بعض
стр. 6341
أوصافه فان هذا التغير لا يضر لتعذر الاحتراز.
واذا تغير الماء من مقره (١) أو ممره (٢).
فاذا تغير الماء بمجاوراتها أو بما هو ثابت فيها لم يخرجه عن كونه طهورا فأما لو قدرنا أنه فى أصل شجرة فسقط من أوراقها ما تغير به الماء فالذى صحح للمذهب أنه يمنع من التطهر به وقال على خليل وروى عن القاسم أنه يجوز التطهر به قال مولانا وهو الأرجح عندى لأن تعذر الاحتراز عنه فى رأس الشجرة لا ينقص عن تعذره فى أصلها واذا أخذ الطحلب (٣) من موضع فألقى فى ماء آخر فتغير فقال على خليل أنه يجوز التطهر به لأن ما عفى عنه لتعذر الاحتراز عفى عنه وان لم يتعذر. وقال فى الزوائد والانتصار أنه لا يعفى عنه (٤).
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية: أن الماء ينجس بالتغير بالنجاسة فى أحد أوصافه الثلاثة اللون والطعم والريح. دون غيرها من الأوصاف.
واحترز بتغيره بالنجاسة عما لو تغير بالتنجس خاصة فانه لا ينجس بذلك كما لو تغير طعمه بالدبس المتنجس من غير أن تؤثر نجاسته فيه.
والمعتبر من التغير الحسى لا التقديرى على الأقوى ويطهر الماء بزوال التغير ولو بنفسه أو بعلاج ان كان الماء جاريا. وهو التابع من الأرض مطلقا غير البئر على المشهور (٥).
وينجس الماء القليل بالملاقاة لغيره على المشهور كالماء الملاقى للخمر قليله وكثيره والمسكر المائع بالأصالة ودم الحدث وهو الدماء الثلاثة على المشهور.
والفقاع بضم الفاء والحق به المصنف فى الذكرى عصير العنب بعد اشتداده بالغليان قبل ذهاب ثلثيه وكذلك ينجس الماء القذرة الرطبة وهى فضلة الانسان والمروى اعتبار ذوبانها وهو تفرق اجزائها. وشيوعها فى الماء.
أما الرطوبة فلا نص على اعتبارها لكن ذكرها الشيخ وتبعه المصنف وجماعة (٦).
أما الماء المضاف للشئ الذى لا يصدق عليه اسم الماء باطلاقه مع صدقه عليه مع القيد كالمعتصر من الأجسام والممتزج بها مزجا يسلبه الاطلاق كالامراق دون الممتزج على وجه يسلبه الاسم وان تغير لونه كالممتزج بالتراب أو طعمه كالممتزج بالملح وان أضيف اليهما فهذا الماء المضاف طاهر فى ذاته بحسب الأصل غير مطهر لغيره مطلقا من حدث ولا خبث اختيارا واضطرارا على القول الأصح (٧).
أما سؤر (٨) الحيوان فتابع لصاحبه الذى باشره فى الطهارة والنجاسة والكراهة ويكره سؤر الجلال. وهو المغتذى بعذرة الانسان محضا الى أن ينبت عليها لحمه واشتد عظمه أو سمى فى العرف جلالا قبل أن يستبرى بما يزيل الجلل وآكل الجيف مع خلو موضع الملاقاة للماء عن النجاسة وسؤر الحائض المتهمة بعدم التنزه عن النجاسة والحق بها المصنف فى البيان كل متهم بها وهو حسن.
وسؤر البغل والحمار وهما داخلان فى تبعيته للحيوان فى الكراهية وانما خصهما لتأكد الكراهة فيهما.
وسؤر الفأرة والحية وكل ما لا يؤكل لحمه
стр. 6342
الا الهر وولد الزنا قبل بلوغه أو بعده مع اظهاره للاسلام (١).
وذكر صاحب كتاب الخلاف أن الدليل فى ذلك اجماع الفرقة وأيضا لأن الأصل فى الماء الطهارة فمن يحكم بنجاسته يحتاج الى دليل وروى الفضل بن عبد الملك عن أبى عبد الله ﵇ قال سألته عن فضل الهر والشاة والبقرة والابل والحمار والخيل والبغال والوحش والسباع فلم أترك شيئا الا سألته عنه فقال لا بأس حتى انتهيت الى الكلب فقال رجس لا تتوضأ بفضله وأصيب ذلك الماء واغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء.
وما لا نفس له سائلة كالذباب والخنفساء والزنابير وغير ذلك لا ينجس بالموت ولا ينجس الماء ولا المائع الذى يموت فيه لما روى عن أبى عبد الله ﵇ قال سئل عن الخنفساء والذباب والجراد والنملة وما أشبه ذلك تموت فى البئر والزيت والسمن وشبهه قال كل ما ليس لها سم أو له دم فلا بأس به وروى حفص بن غياث عن جعفر بن محمد ﵇. قال لا يفسد الماء الا ما كانت له نفس سائلة (٢).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل أنه لا يجوز أن يستنجى بماء ولغ فيه ذو ناب ككلب وسبع لا كجمل وفرس وقيل بالجواز. وذلك غير الهر. وكذلك لو ولغ فيه ذو مخلب وهو ظفر كل سبع من الماشى والطائر وقد يكون فى منقره وجوز اذا ولغ فيه مثل حية ونحوها من الأفاعى والأماحى وجوز الا ما يضر من سمها (٣).
واذا كان الماء كثيرا خلط بنجس لم يغير النجس وصفا من الماء لم ينجس وان غيره نجس على الصحيح وقيل لا حتى يغير جميع الأوصاف اللون والطعم والريح.
وقيل ماء غير المطر ينجس بتغير وصف وماء المطر لا ينجس الا بتغيرها جميعا فاذا شك من وقوع صغيرة فيه أو هل غيره أولا وهو نجس فينجس الماء ان غيره أولا فهو طاهر رافع للحدث ما لم يتيقن أو تغير بمتولد منه ولو جميع أوصافه كطحلب وكالحيوان المتولد منه ان تغير بروثه أو بوله أو غيرهما كميتة خلافا لبعض فيها ومنع بعض ان طبخ فيه كطحلب وان رفع من الماء ما تولد منه ورد فيه وغيره فقيل لا يرفع الحدث ويزيل النجس فقط وقيل يرفعه أيضا وفى المقام بحث لأنه فرض المسألة أولا فى الماء المطلق وفسره بما لم يتغير عن خلقته ثم ذكر أنه يجوز رفع الحدث بما تغير فلعل مراده بالباقى على أوصاف خلقته ما بقى عليها أو تغير بما أصله منه أو بمكانه جاهلا ذلك التغير مثل عدم التغير ومع ذلك يشمل أيضا قوله وبمطروح فيه، أو تغير بطول مكثه أو وعاء أو بقراره كملح بأرضه أى فى أرض الملح أما فى غير أرضه بأن نقل لموضع آخر فتغيره مضر قال بعض اذا وقع فى شئ فهو من جنس الطعام.
وقيل الملح كالتراب لا يضر أصلا فى موضعه أو فى غيره ولو غير واختلف فيه أن طبخ فقيل يتوضأ بماء طبخ فيه وقيل لا ان لم يؤثر لم يبق أثره فى الوضوء وجوز وان أثر أو تغير شئ مطروح فيه وذلك المطروح فى الماء كزرنيخ أصفره وأبيضه وأحمره وهو حجر وكغيره وغيرها مما هو من الأرض كملح أو كبريت أو بجريد.
عليهما أو على مثلهما أو بشجر أو نبات خرج فيه أو بجانبه أو فى غير ذلك كما جاء الماء اليه وهو مغير وصفا والأصح السلب.
ففى التوضؤ بالماء بل بقى الحدث بسبب الشئ الواقع فيه بقصد ان غير لونا أو طعما أو ريحا
стр. 6343
وهو طاهر وقيل لا سلب وان وقع بقصد (١) والأشياء الطاهرة ان وقعت فى بئر. يلحق بها ما فى معناها فى كثرة الماء كالحياض الكبار مثل البركة.
فان كان الواقع طاهرا فهو طاهر. وان كان نجسا وغير وصفا فالماء نجس واختلف فى التوضؤ بماء تغير بحشيش طوى به أو سد بماء جعل فى الفم فقيل ينفك عن الريق فيتوضأ به وقيل لا فلا.
والأصح أيضا السلب بالأوراق والأوراث وغيرها النجسة ان وقعت فيها أو غيرها لنجاسة الماء وغيرت الماء ومقابله طهارة الماء ما لم تجتمع أوصافه تغييرا والتوضؤ بالطاهر ما لم تجتمع وهو شاذ وعلامة الطهارة أنها وقعت بريح وان التغير بنفس الورق والروث ولو نجسا لا بما فيهما من النجس أن كان الروث نجسا بغير ذاته.
وفى الأوراق والأوراث وغيرها الطاهرة المغيرة أقوال. المنع والجواز على الاطلاق ومن أجاز على الاطلاق فانه ممن لم يشترط فى رفع الاحداث بالماء أن يكون مطلقا ومن منع مطلقا فانه يوجب التيمم على الذى لم يجد الا الماء المتغير لرفع الحدث. وان تغير الماء بمخالطة ينفك عنه غالبا - أى لا يوجد فيه غالبا لكونه يقع فيه من خارج فالمختار فيه السلب بالمغير بخلاف ما اذا تغير بمخالطة دائم كشجرة على عين تلقى أوراقها فى الماء وتغيره فانه ليس المختار فيه السلب بالمغير الكثير لأنها كقرار الماء.؟
والماء الراكد قيل هو نجس وان لم يتغير.
لظاهر النهى عن البول فى الماء الدائم ثم التوضؤ منه أو الغسل فيه وأجيب بأن هذا النهى تنفير عن تنجيس ما يحتاج لتناوله لذلك كما فيه من الجفاء وكراهة النفس ولئلا يعتاد ذلك فيكثر حتى يتغير فينجس أو لئلا يتناول من نفس المكان الذى بال فيه فيوافق النجس أو المراد بالماء الدائم ما دون القلتين (٢).
والماء الجارى لا يفسد الا ما تغير منه وقالوا ان غمرت النجاسة مجرى الماء فهو نجس الا أن جرى من جانبه أو فوق أو تحت من غير ملاقات نجس وحكم على الماء الجارى المنقطع من أوله ولو لم ينقطع من آخره على الواضح.
ان حمل بعرة من بعر الشاة بالجارى فهو لا يفسد ان لم يغلب عليه النجس ولو أقل من قلتين وان غلبه وعمه فهو نجس كله وان غلب موضعه نجس الموضع وحده كالكثير الراكد فى عدم الفساد فان الكثير الذى ان حرك تحريكا مأولو ضعيفا من طرف لم يصل أثر التحريك طرفا آخر لا ينجس الا الموضع الذى تغير منه وان تغير كله نجس كله والظاهر أن الجارى كغيره فينجس ان كان أقل من قلتين ولو لم يتغير ويظهر أن لم وكان قلتين أو أكثر.
وحكم على بير تجرى تحت الأرض أى يخرج خروجا ما بالجارية فلا تفسد الا بتغيير وان كانت لا تجرى تحت الأرض ففيها قولان النجس وان لم يتغير والطهارة ان لم تتغير وكانت قلتين والجريان من فمها أولى منه من تحتها اذا كان وان تنجست البئر لا غير أى خالطت نجسا فلو وقعت ميتة مثلا فى غير البئر لم ينجس ان لم يتغير وصف من أوصافه (٣).
وذكر صاحب شرح النيل أنه لو مات فى ماء ما يعيش فى بر وبحر كضفدع لا يفسده ولا يفسد
стр. 6344
ما وقع فيه بعد ذلك من طعام أو غيره لأن موته فى الماء كزكاة فقيل يؤكل وقيل لا يؤكل.
وان مات فى طعام كلبن وخل أفسده وأفسد ما وقع فيه بعد ذلك من ماء وغيره وان مات فى غير ماء ولا طعام فهو نجس أو طاهر قولان وظاهر كونه بحريا أى يعيش فى الماء أنه لا ينجس ما مات فيه ولو مات فى الطعام وهو قول بعض أصحابنا.
وحكى الماوردى عن القفال أن الضفدع لا ينجس بالموت وهو شاذ عندهم (١).
ويحكم بنجاسة طاهر لاقى نجسا. ان ظهر أثر النجس فى الطاهر ظهورا معاينا بالعين كبلل نجس له لون وكشئ نجس يابس له لون كميتة تنجست اتصلت بطاهر ويقى أثرها بعد نفض أو محكوما به لقوة موجبة كما اذا لم يكن له لون يخالف لون البلل الطاهر أو لاقى الطاهر المبلول وهو يابس وأذعن القلب الى أنه قد ارتد البلل من النجس الذى جبد البلل من الطاهر وذلك كأن يكون النجس والطاهر مبلولين أو النجس يكون مبلولا وان كان الطاهر مبلولا فلا ينجس قيل أراد به قولا لا تضعيفا لأن هذا هو الراجح (٢).
هذا وقد روى عن النبى ﷺ أنه قال الماء طاهر الا ما غير لونه أو طعمه أو رائحته وهو محمول على قدر قلتين فصاعدا وزعم بعض أن ماء البحر لا يزيل النجس وهو خطأ لأن ازالة النجس تصح بما أمكن لأنها معقولة المعنى هذا وأجاز بعض رفع الحدث بماء الورد والشجر والبقول وأجاز بعض استعمال ما سال من غسل النجس ان لم يتغير أو من رفع الحدث فى غسل أو شرب والحوطة ترك ما سال من غسل نجس ولو لم يتغير وأجاز بعض الوضوء والاغتسال بلبن أو خل أو نبيذ ان خلطت بماء وكان الماء فوق الثلثين.
واجاز ابن عباس رضى الله تعالى عنهما الوضوء والاغتسال بالنبيذ وأجازهما بعض أن لم يجد غيره ورده ابن بركة بقول الله «فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ (٣)» وهو الصحيح وان تغير الماء ببعر أو روث طاهر أو ورق جاز فى الوضوء والاغتسال ولو تغير.
وزعم بعض أن ما دون خمس قلل وبعض مادون أربعين ينجس ولو لم يتغير والصحيح أن ذلك فى قلتين كما شهر. ومن بال فى ماء فغلبه البول نجس حتى يدخله ماء أكثر منه وان كثر الماء فغلب على موضع منه حكم النجس وليس بأكثر منه نجس الموضع فاذا خالطه الطاهر فاستهلك عينه حكم بطهارته وان تغير لون الغزير مما يلى الأرض وأعلاه صاف ونزل النجس الى أسفل فطاهر من أعلاه ان لم يغلبه حكمه والجارى الحصى كالجارف فوق يغسل فيه نجس وان كان الماء القليل نجسا وعارضه النجس بالداخل قبل أن يصل آخره ويجرى من أسفله كان طاهرا ما لم يغلبه ويتوضأ بماء قطر فيه ماء الوضوء ان قطر أقل من ثلثه وقيل أقل من نصفه.
وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لا يبول أحدكم فى الماء الدائم ثم يتوضأ منه يعنى ان كان قليلا وان بال صبى أو شاة على ثوب أو غيره أجزأ صب الماء عليه بلا عرك قال بعض لا بأس برائحة النجس دون لون وطعم وان غسل المصبوغ بصبغ نجس فى جار وغلبه الصبغ لم ينجس ان كان لا ينجس حتى يغلبه النجس بذاته لا يعارض فى طاهر وان بالت الدواب فى الطرق فأمطر عليها فغلب الماء البول لم يفسد وضوء من مر فيها وقد نقل
стр. 6345
هذا عن أبى عبيدة ولا يتوضأ به قيل لا ينجس الماء ان كان قدر دلوين وقيل ان كان قدر أربعين دلوا (١).
وهذا وذكر الإباضية ان كل ما يفسد روثه من الطير يفسد بوله وما لا يفسد فلا وقيل يفسد وفى الأثر ان الجمهور ان بول الفأر لا يفسد قلت لا وجه له الا ان قيل ضرورة كثرة ذلك ولا يتم والصواب أنه نجس قال ابن محبوب ان وقت فى مائع وأخرجت حية لم ينجس ويستقذر (٢).
ما يفسد الوضوء وما لا يفسده
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع ان الذى ينقض الوضوء الحدث، وهو نوعان حقيقى وحكمى، أما الحقيقى فقد اختلف فيه قال أصحابنا الثلاثة رحمهم الله تعالى: هو خروج النجس من الآدمى الحى سواء كان من السبيلين - الدبر والذكر أو فرج المرأة - أو من غير السبيلين كالجرح والقرح والأنف - من الدم والقيح والرعاف والقئ، سواء كان الخارج من السبيلين معتادا كالبول والغائط والمنى والودى ودم الحيض والنفاس أو غير معتاد كدم الاستحاضة وقال زفر رحمه الله تعالى: ظهور النجس من الآدمى الحى، لما روى عن أبى أمامة الباهلى رضى الله تعالى عنه أنه قال دخلت على رسول الله ﷺ فعرفت له غرفة فأكلها فجاء المؤذن فقلت:
الوضوء يا رسول الله؟ فقال ﷺ : انما علينا الوضوء مما يخرج ليس مما يدخل. فقد علق الحكم بكل ما يخرج أو بمطلق الخارج من غير اعتبار المخرج الا ان خروج الطاهر ليس بمراد فبقى خروج النجس مرادا.
وروى عن عائشة رضى الله عنها عن رسول الله ﷺ أنه قال من قاء أو رعف فى صلاته فلينصرف وليتوضأ وليبين على صلاته ما لم يتكلم، وروى أنه ﷺ قال لفاطمة بنت حبيش توضئ فانه دم عرق انفجر فقد أمرها بالوضوء وعلل بانفجار دم العرق لا بالمرور على المخرج، وعن تميم الدارى عن رسول الله ﷺ أنه قال: الوضوء من كل دم سائل والأخبار فى هذا الباب وردت مورد الاستفاضة حتى روى عن عشرة من الصحابة أنهم قالوا مثل مذهبنا - وهم عمر وعثمان وعلى وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وثوبان وأبو الدرداء وقيل فى التاسع والعاشر انهما زيد بن ثابت وأبو موسى الأشعرى وهؤلاء فقهاء الصحابة متبع لهم فى فتواهم، فيجب تقليدهم، وقيه أنه مذهب العشرة المبشرين بالجنة، ولأن الخروج من السبيلين انما كان حدثا لأنه يوجب تنجيس ظاهر البدن لضرورة تنجس موضع الاصابة فتزول الطهارة ضرورة اذ النجاسة والطهارة ضدان فلا يجتمعان فى محل واحد فى زمان واحد. ومتى زالت الطهارة عن ظاهر البدن خرج عن ان يكون أهلا للصلاة التى هى مناجاة مع الله تعالى فيجب تطهيره بالماء ليصير أهلا لها، أما ما روى عن رسول الله ﷺ من أنه قاء فغسل فمه فقيل ألا تتوضأ وضوءك للصلاة فقال هكذا الوضوء من القئ فيحتمل أنه ﷺ قاء أقل من ملء الفم وكذا اسم الوضوء يحتمل غسل الفم فلا يكون حجة مع الاحتمال. وأما ما روى عن عمر رضى الله تعالى عنه أنه حين طعن كان يصلى والدم يسيل منه، فليس فيه أنه كان يصلى بعد الطعن من غير تجديد الوضوء بل يحتمل أنه توضأ بعد الطعن مع سيلان الدم وصلى وبه نقول كما فى الاستحاضة (٣). وأما الريح الخارجة من قبل المرأة أو ذكر الرجل فلم يذكر حكمها فى ظاهر الرواية وروى عن محمد رحمه الله تعالى أنه قال فيها الوضوء لأن كل
стр. 6346
واحد منهما مسلك النجاسة كالدبر فكانت الريح الخارجة منهما كالخارجة من الدبر فيكون حدثا وذكر الرخى أنه لا وضوء فيها الا ان تكون المرأة مفضاة فيخرج منها ريح منتنة فيستحب لها الوضوء لأن الريح ليست بحدث فى نفسها لأنها طاهرة وخروج الطاهر لا يوجب انتقاض الطهارة وانما انتقاض الطهارة بما يخرج بخروجها من أجزاء النجس، وموضع الوط ء من فرج المرأة ليس بمسلك البول فالخارج منه من الريح لا يجاوره النجس، أما اذا كانت مفضاة فقد صار مسلك البول ومسلك الوط ء مسلكا واحدا فيحتمل أن الريح خرجت من مسلك البول فيستحب لها الوضوء ولا يجب لأن الطهارة الثابتة بيقين لا يحكم بزوالها بالشك، وقيل ان خروج الريح من الذكر لا يتصور وانما هو اختلاج يظنه الانسان ريحا هذا حكم السبيلين أما حكم غير السبيلين من الجرح والقرح فان سال الدم والقيح والصديد عن رأس الجرح والقرح ينتفض الوضوء عندنا لوجود الحدث وهو خروج النجس وهو انتقال النجس من الباطن الى الظاهر خلافا للشافعى رحمه الله تعالى، وعند زفر رحمه الله تعالى ينتقض سواء سال أو لم يسل بناء على ما ذكر فلو ظهر الدم على رأس الجرح ولم يسل لم يكن حدثا عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر يكون حدثا سال أو لم يسل بناء على ما ذكرنا من أن الحدث الحقيقى عنده هو ظهور النجس من الآدمى الحى وقد ظهر وجه قوله ان ظهور النجس اعتبر حدثا فى السبيلين سال عن رأس المخرج أو لم يسل فكذا فى غير السبيلين، ويدل لنا ان ظهور ما اعتبر حدثا فى موضع ما وانما انتقضت الطهارة فى السبيلين اذا ظهر النجس على رأس المخرج لا بالظهور بل بالخروج وهو الانتقال من الباطن الى الظاهر على ما بينا كذا ههنا وهذا لأن الدم اذا لم يسل كان فى محله لأن البدن محل الدم والرطوبات الا أنه كان مستترا بالجلدة وانشقاقها يوجب زوال السترة لا زوال الدم عن محله ولا حكم للنجس مادام فى محله ألا ترى أنه تجوز الصلاة مع ما فى البطن من الأنجاس، فاذا سال عن رأس الجرح فقد انتقل عن محله فيعطى له حكم النجاسة، وفى السبيلين وجد الانتقال لما ذكرنا، وعلى هذا خروج القئ ملء الفم يكون حدثا وان كان أقل من ملء الفم لا يكون حدثا، وعند زفر رحمه الله تعالى يكون حدثا قل أو كثر ووجه البناء على هذا الأصل ان الفم له حكم الظاهر عنده بدليل ان الصائم اذ تمضمض لا يفسد صومه فاذا وصل القئ اليه فقد ظهر النجس من الآدمى الحى فيكون حدثا وأنا نقول له مع الظاهر حكم الظاهر كما ذكره زفر وله مع الباطن حكم الباطن بدليل ان الصائم اذا ابتلع ريقه لا يفسد صومه فلا يكون الخروج من الفم حدثا لأنه انتقال من بعض الباطن الى بعض وانما الحدث هو الخروج من الفم لأنه انتقال من الباطن الى الظاهر، والخروج لا يتحقق فى القليل لأنه يمكن رده وامساكه فلا يخرج بقوة نفسه بل بالاخراج فلا يوجد السيلان ويتحقق فى الكثير لأنه لا يمكن رده وامساكه فكان خارجا بقوة نفسه لا بالاخراج فيوجد السيلان.
وحجة زفر فى ذلك ما روى عن النبى ﷺ أنه قال: القلس حدث من غير فصل بين القليل والكثير ولأن الحدث اسم لخروج النجس وقد وجد لأن القليل خارج نجس كالكثير فيستوى فيه القليل والكثير كالخارج من السبيلين، ويدل لنا ما روى عن على رضى الله تعالى عنه موقوفا عليه ومرفوعا إلى رسول الله ﷺ أنه عد الأحداث جملة وقال فيها أو دفعة تملأ الفم ولو كان القليل حدثا لعده عند عد الأحداث كلها، وأما الحديث فالمراد منه القئ ملء الفم لأن المطلق ينصرف الى المتعارف وهو القئ ملء الفم أو يحمل على هذا توفيقا بين الحديثين صيانة لهما عن التناقض، وقوله: وجد خروج النجس فى القليل، يجاب عليه بأنا ان سلمنا ذلك ففى قليل القئ ضرورة لأن الانسان لا يخلو منه خصوصا حال الامتلاء ومن صاحب السعال، ولو جعل حدثا لوقع الناس فى الحرج والله تعالى ما جعل علينا فى الدين من حرج ولا ضرورة فى القليل من السبيلين. ولا فرق بين ان يكون القئ مرة صفراء أو سوداء وبين
стр. 6347
أن يكون طعاما أو ماء صافيا لأن الحدث اسم لخروج النجس والطعام أو الماء صار نجسا لاختلاطه بنجاسات المعدة ولم يذكر فى ظاهر الرواية تفسير ملء الفم وقال أبو على الدقاق:
هو ان يمنعه من الكلام وعن الحسن بن زياد رحمه الله تعالى هو ان يعجز عن امساكه ورده وعليه اعتمد الشيخ أبو منصور رحمه الله تعالى وهو الصحيح لأن ما قدر على امساكه ورده فخروجه لا يكون بقوة نفسه بل بالاخراج فلا يكون سائلا، وما عجز عن امساكه ورده فخروجه يكون بقوة نفسه فيكون سائلا والحكم متعلق بالسيلان ولو قاء أقل من ملء الفم مرارا هل يجمع ويعتبر حدثا لم يذكر فى ظاهر الرواية، وروى عن أبى يوسف رحمه الله تعالى أنه كان فى مجلس واحد يجمع والا فلا، وروى عن محمد رحمه الله تعالى أنه ان كان بسبب غثيان واحد يجمع والا فلا، وقال أبو على الدقاق رحمه الله تعالى:
يجمع كيفما كان. وجه قول أبى يوسف أن المجلس جعل فى الشرع جامعا لأشياء متفرقة كما فى باب البيع وسجدة التلاوة ونحو ذلك وقول محمد أظهر لأن اعتبار المجلس اعتبار المكان واعتبار الغثيان اعتبار السبب، والوجود يضاف الى السبب لا الى المكان.
ولو سال الدم الى مالان من الأنف أو الى صماخ الأذن يكون حدثا لوجود خروج النجس وهو انتقال الدم من الباطن الى الظاهر، وروى عن محمد فى رجل أقلف خرج البول أو المذى من ذكره حتى صار فى قلفته فعليه الوضوء وصار بمنزلة المرأة اذا خرج المذى أو البول من فرجها ولم يظهر، ولو حشا الرجل احليله بقطنة فابتل الجانب الداخل منها لم ييتقض وضوءه لعدم الخروج وان تعدت البلة الى الجانب الخارج ينظر ان كانت القطنة عالية أو محاذية لرأس الاحليل ينتقض وضوءه لتحقق الخروج وان كانت متسفلة لم ينتقض لأن الخروج لم يتحقق، ولو حشت المرأة فرجها بقطنة فان وضعتها فى الفرج الخارج فابتل الجانب الداخل من القطنة كان حدثا وان لم ينفذ الى الجانب الخارج لا يكون حدثا لأن الفرج الخارج منها بمنزلة الاليتين من الدبر فوجد الخروج وان وضعتها فى الفرج الداخل فابتل الجانب الداخل من القطنة لم يكن حدثا لعدم الخروج وان تعدت البلة الى الجانب الخارج.
فان كانت القطنة عالية أو محاذية لجانب الفرج كان حدثا لوجود الخروج وان كانت متسفلة لم يكن حدثا لعدم الخروج وهذا كله اذا لم تسقط القطنة فان سقطت القطنة فهو حدث وحيض فى المرأة سواء ابتل الجانب الخارج أو الداخل لوجود الخروج ولو كان فى أنفه قرح فسال الدم عن رأس القرح يكون حدثا وان لم يخرج من المنخر لوجود السيلان عن محله ولو بزق فخرج معه الدم فان كانت الغلبة للبزاق لا يكون حدثا لأنه ما خرج بقوة نفسه وان كانت الغلبة للدم يكون حدثا لأن الغالب اذا كان هو البزاق لم يكن خارجا بقوة نفسه فلم يكن سائلا وان كان الغالب الدم كان خروجه بقوة نفسه فكان سائلا وان كان سواء فالقياس ان لا يكون حدثا، وفى الاستحسان يكون حدثا.
وجه القياس أنهما اذا استويا احتمل ان الدم خرج بقوة نفسه واحتمل انه خرج بقوة البزاق فلا يجعل حدثا بالشك، وللاستحسان وجهان أحدهما أنهما اذا استويا تعارضا فلا يمكن ان يجعل أحدهما تبعا للآخر فيعطى كل واحد منهما حكم نفسه فيعتبر خارجا بنفسه فيكون سائلا والثانى ان الأخذ بالاحتياط عند الاشتباه واجب وذلك فيما قلنا.
ولو ظهر الدم على رأس الجرح فمسحه مرارا فان كان بحال لو تركه لسال يكون حدثا والا فلا لأن الحكم متعلق بالسيلان ولو ألقى عليه الرماد أو التراب فتشرب فيه أو ربط عليه رباطا فابتل الرباط ونفذ قالوا يكون حدثا لأنه سائل وكذا لو كان الرباط ذا طاقين فنفذ فى أحدهما لما قلنا ولو سقطت الدودة أو اللحم من القرح لم يكن حدثا ولو سقطت من السبيلين كان حدثا، والفرق ان الدودة الخارجة من السبيل
стр. 6348
نجسة فى نفسها لتولدها من الأنجاس وقد خرجت بنفسها وخروج النجس بنفسه حدث بخلاف الخارجة من القرح لأنها طاهرة فى نفسها لأنها تتولد من اللحم واللحم طاهر وانما النجس ما عليها من الرطوبات وتلك الرطوبات خرجت بالدابة لا بنفسها فلم يوجد خروج النجس فلا يكون حدثا، ولو خلل أسنانه فظهر الدم على رأس الخلال لا يكون حدثا لأنه ما خرج بنفسه وكذا لو عض على شئ فظهر الدم على أسنانه لما قلنا، ولو سعط فى أنفه ووصل السعوط الى رأسه ثم رجع الى الأنف أو الى الأذن لا يكون حدثا لأن الرأس ليس موضع الأنجاس، ولو عاد الى الفم ذكر الكرخى رحمه الله تعالى أنه لا يكون حدثا لما قلنا وروى على بن الجعد عن أبى يوسف أن حكمه حكم القئ لأن ما وصل الى الرأس لا يخرج من الفم الا بعد نزوله فى الجوف ولو قاء بلغما لم يكن حدثا فى قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى لأنه شئ صقيل لا يلتصق به شئ من الأنجاس فكان طاهرا على ان الناس من لدن رسول الله ﷺ اعتادوا أخذ البلغم بأطراف أرديتهم وأكمامهم من غير نكير فكان اجماعا منهم على طهارته.
وعند أبى يوسف رحمه الله تعالى يكون قئ البلغم حدثا لأنه نجس لاختلاطه بالأنجاس لأن المعدة معدن الأنجاس فيكون حدثا كما لو قاء طعاما أو ماء.
ومن مشايخنا من قال لا خلاف فى المسألة لأن جواب أبى يوسف فى الصاعد من المعدة وهو حدث عند الكل وجوابهما فى المنحدر من الرأس وهو ليس بحدث عند الكل ومنهم من قال فى المنحدر من الرأس اتفاقا أنه ليس بحدث وفى الصاعد من المعدة اختلاف.
وذكر أبو منصور أنه لا خلاف فى المسألة فى الحقيقة لأن جواب أبى يوسف - كما أمر - فى الصاعدة من المعدة وهو حدث بالاجماع لأنه نجس وجوابهما فى الصاعدة من حولى الحلق وأطراف الرئة وهو ليس بحدث بالاجماع لأنه طاهر فينظر ان كان صافيا غير مخلوط بشئ من الطعام وغيره تبين انه لم يصعد من المعدة فلا يكون نجسا فلا يكون حدثا وان كان مخلوطا بشئ من ذلك تبين أنه صعد منها نجسا فيكون حدثا وهذا هو الأصح.
وأما اذا قاء دما فلم يذكر فى ظاهر الرواية نصا وذكر المعلى عن أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى أنه يكون حدثا قليلا كان أو كثيرا جامدا كان أو مائعا.
وروى عن الحسن بن زياد عنهما أنه ان كان مائعا بنقض قل أو كثر وان كان جامدا لا ينقض ما لم يملأ الفم.
وروى ابن رستم عن محمد رحمهما الله تعالى أنه لا يكون حدثا ما لم يملأ الفم كيفما كان، وبعض مشايخنا صححوا رواية محمد وحملوا رواية الحسن والمعلى فى القليل من المائع على الرجوع وعليه اعتمد شيخنا لأنه الموافق لأصول أصحابنا فى اعتبار خروج النجس لأن الحدث اسم له والقليل ليس بخارج لما مر، واليه أشار فى الجامع الصغير من غير خلاف فانه قال واذا قلس أقل من ملء الفم لم ينتقض الوضوء من غير فصل بين الدم وغيره، وعامة مشايخنا حققوا الاختلاف وصححوا قولهما لأن القياس فى القليل من سائر أنواع القئ أن يكون حدثا لوجود الخروج حقيقة وهو الانتقال من الباطن الى الظاهر لأن الفم له حكم الظاهر على الاطلاق وانما سقط اعتبار القليل لأجل الحرج لأنه يكثر وجوده ولا حرج فى اعتبار القليل من الدم لأنه لا يغلب وجوده بل يندر فبقى على أصل القياس.
هذا حكم الأصحاء، أما أصحاب الأعذار كالمستحاضة وصاحب الجرح السائل والمبطون ومن به سلس البول ومن به رعاف دائم أو ريح أو نحو ذلك ممن لا يمضى عليه وقت صلاة الا ويوجد ما ابتلى به من الحدث فيه فخروج النجس من هؤلاء لا يكون حدثا فى الحال مادام وقت الصلاة قائما حتى ان المستحاضة لو توضأت فى أول الوقت فلها ان تصلى ما شاءت من الفرائض
стр. 6349
والنوافل ما لم يخرج الوقت وان دام السيلان لما روى الامام أبو حنيفة رحمه الله تعالى باسناده عن رسول الله ﷺ أنه قال المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة وهذا نص فى الباب ولأن العزيمة شغل جميع الوقت بالأداء شكرا للنعمة بالقدر الممكن واحراز للثواب على الكمال الا أنه جوز ترك شغل بعض الوقت بالأداء رخصة وتيسيرا فضلا من الله ورحمة تمكينا من استدراك الفائت بالقضاء والقيام بمصالح القوم وجعل ذلك شغلا لجميع الوقت حكما فصار وقت الأداء شرعا بمنزلة وقت الأداء فعلا ثم قيام الأداء مبق للطهارة فكذلك الوقت القائم مقامه (١).
وانما تبقى طهارة صاحب العذر فى الوقت اذا لم يحدث حدثا آخر أما اذا أحدث حدثا آخر فلا تبقى لأن الضرورة فى الدم السائل لا فى غيره فكان هو فى غيره كالصحيح قبل الوضوء وكذلك اذا توضأ للحدث أولا ثم سال الدم فعليه الوضوء لأن ذلك الوضوء لم يقع لدم العذر فكان عدما فى حقه وكذا اذا سال الدم من أحد منخريه فتوضأ ثم سال من المنخر الآخر فعليه الوضوء لأن هذا حدث جديد لم يكن موجودا وقت الطهارة فلم تقع الطهارة له فكان هو والبول والغائط سواء فأما اذا سال منهما جميعا فتوضأ ثم انقطع أحدهما فهو على وضوء ما بقى الوقت لأن طهارته حصلت لهما جميعا والطهارة متى وقعت لعذر لا يضرها السيلان ما بقى الوقت فبقى هو صاحب عذر بالمنخر الآخر وعلى هذا حكم صاحب القروح اذا كان البعض سائلا ثم سال الآخر او كان الكل سائلا فانقطع السيلان عن البعض ثم اختلف أصحابنا فى طهارة المستحاضة أنها تنتقض عن خروج الوقت أم عند دخوله أم عند أيهما كان.
قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى:
تنتقض عند خروج الوقت لا غير وقال زفر رحمه الله تعالى: عند دخول الوقت لا غير، وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: عند أيهما كان.
وثمرة هذا الاختلاف لا تظهر الا فى موضعين أحدهما: أن يوجد الخروج بلا دخول كما اذا توضأت فى وقت الفجر ثم طلعت الشمس فان طهارتها تنتقض عند أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد لوجود الخروج وعند زفر لا تنتقض لعدم الدخول.
والثانى: أن يوجد الدخول بلا خروج كما اذا توضأت قبل الزوال ثم زالت الشمس فان طهارتها لا تنتقض عند أبى حنيفة ومحمد لعدم الخروج.
وعند أبى يوسف وزفر تنتقض لوجود الدخول وجه قول زفر أن سقوط اعتبار المنافى لمكان الضرورة ولا ضرورة قبل دخول الوقت فلا يسقط وبه يحتج أبو يوسف فى جانب الدخول وفى جانب الخروج يقول كما لا ضرورة الى اسقاط اعتبار المنافى قبل الدخول لا ضرورة اليه بعد الخروج فيظهر حكم المنافى.
ويدل لأبى حنيفة ومحمد ما ذكرنا من أن وقت الأداء شرعا أقيم مقام وقت الأداء فعلا لما بينا من المعنى (٢). هذا عن الحدث الحقيقى، أما الحدث الحكمى فنوعان أيضا أحدهما أن يوجد أمر يكون سببا لخروج النجس الحقيقى غالبا فيقام السبب مقام المسبب احتياطا والثانى أن لا يوجد شئ من ذلك لكنه جعل حدثا شرعا تعبدا محضا.
أما الأول فأنواع منها المباشرة الفاحشة وهو أن يباشر الرجل المرأة بشهوة وينتشر لها وليس بينهما ثوب ولم ير بللا فعند أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى يكون حدثا استحسانا والقياس أن لا يكون حدثا وهو قول محمد رحمه الله تعالى وهل تشترط ملاقاة الفرجين وهى
стр. 6350
مماستهما على قولهما لا يشترط ذلك فى ظاهر الرواية عنهما وشرطه فى النوادر وذكر الكرخى ملاقاة الفرجين أيضا، وجه القياس أن السبب انما يقام مقام المسبب فى موضع لا يمكن الوقوف على المسبب من غير حرج والوقوف على المسبب ههنا ممكن بلا حرج لأن الحال حال يقظته فيمكن الوقوف على الحقيقة فلا حاجة الى اقامة المسبب مقامها.
أما وجه الاستحسان فهو ما روى أن أبا اليسر بائع العسل سأل رسول الله ﷺ فقال أنى أصبت من امرأتى فى كل شئ الا الجماع فقال ﷺ توضأ وصل ركعتين ولأن المباشرة على الصفة التى ذكرنا لا تخلو عن خروج المذى عادة الا أنه يحتمل أنه جف لحرارة البدن فلم يقف عليه أو غفل عن نفسه لغلبة الشبق فكانت سببا مفضيا الى الخروج واقامة السبب مقام المسبب طريقة معهودة فى الشريعة خصوصا فى أمر يحتاط فيه كما يقام المس مقام الوط ء فى حق ثبوت حرمة المصاهرة بل يقام نفس النكاح مقامه ويقام المصاهرة بل يقام نفس النكاح مقامه ويقام نوم المضطجع مقام الحدث ونحو ذلك كذا ههنا، ولو لمس امرأته بشهوة أو غير شهوة لمس فرجها أو سائر أعضائها من غير حائل ولم ينتشر لها ولا ينتقض وضوءه عند عامة العلماء لما روى عن عائشة رضى الله تعالى عنها أنها سئلت عن هذا الحادثة فقالت كان رسول الله ﷺ يقبل بعض نسائه ثم يخرج الى الصلاة ولا يتوضأ ولأن اللمس ليس بحدث بنفسه ولا سببا لوجود الحدث غالبا فأشبه مس الرجل الرجل والمرأة المرأة ولأن مس أحد الزوجين صاحبه مما يكثر وجوده فلو جعل حدثا لوقع الناس فى الحرج وأما قول الله «أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ (١)» فقد نقل عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن المراد من اللمس الجماع وابن عباس ترجمان القرآن وذكر ابن السكيت فى اصلاح المنطق أن اللمس اذا قرن بالنساء يراد به الوط ء تقول العرب لمست المرأة أى جامعتها على أن اللمس يحتمل الجماع اما حقيقة أو مجازا فيحمل عليه توفيقا بين الدلائل ولو مس ذكره بباطن كفه من غير حائل لا ينتقض وضوؤه لما روى عن عمر وعلى وابن مسعود وابن عباس وزيد بن ثابت وعمران بن الحصين وحذيفة بن اليمان وأبى الدرداء وأبى هريرة رضى الله تعالى عنهم أنهم لم يجعلوا مس الذكر حدثا حتى قال على رضى الله تعالى عنه لا أبالى مسسته أو أرنبة أنفى وقال بعضهم للراوى ان كان نجسا فاقطعه ولأنه ليس بحدث نفسه ولا سبب لوجود الحدث غالبا فأشبه مس الأنف ولان مس الانسان ذكره مما يغلب وجوده فلو جعل حدثا يؤدى الى الحرج فأما ما رواه الشافعى عن بسرة بنت صفوان عن النبى ﷺ أنه قال: من مس ذكره فليتوضأ فقد قيل أنه ليس بثابت لوجوه أحدها أنه مخالف لاجماع الصحابة رضى الله تعالى عنهم وهو ما ذكرنا، والثانى أنه روى أن هذه الحادثة وقعت فى زمن مروان بن الحكم فشاور من بقى من الصحابة فقالوا لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا بقول امرأة لا ندرى أصدقت أم كذبت والثالثة أنه خبر واحد فيما تعم به البلوى فلو ثبت لاشتهر ولو ثبت فهو محمول على غسل اليدين لأن الصحابة كانوا يستنجون بالأحجار دون الماء فاذا مسوه بأيديهم كانت تتلوث خصوصا فى أيام الصيف فأمر بالغسل لهذا. ومنها الاغماء والجنون والسكر الذى يستر العقل أما الاغماء فلأنه فى استرخاء المفاصل واستطلاق الوكاء فوق النوم مضطجعا وذلك حدث فهذا أولى وأما الجنون فلأن المبتلى به يحدث حدثا ولا يشعر به فأقيم السبب مقام المسبب والسكر الذى يستر العقل فى معنى الجنون فى عدم التمييز وقد انضاف اليه استرخاء المفاصل ولا فرق فى حق هؤلاء بين الاضطجاع والقيام لأن ما ذكرنا من المعنى لا يوجب الفصل بين حال وحال.
ومنها: النوم مضطجعا فى الصلاة أو فى غيرها بلا خلاف بين الفقهاء وحكى عن النظام أنه ليس بحدث ولا عبرة بخلافه لمخالفته الاجماع وخروجه عن أهل الاجتهاد، والدليل عليه ما روى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن النبى ﷺ نام فى صلاته حتى غط ونفخ ثم قال: لا وضوء على من نام قائما أو قاعدا أو
стр. 6351
راكعا أو ساجدا انما الوضوء على من نام مضطجعا فانه اذا نام مضطجعا استرخت مفاصله نص على الحكم وعلل باسترخاء المفاصل وكذا النوم متوركا بأن نام على أحد وركيه لأن مقعده يكون متجافيا عن الأرض فكان فى معنى النوم (١).
مضطجعا فى كونه سببا لوجود الحدث بواسطة استرخاء المفاصل وزوال مسكة اليقظة فأما النوم فى غير هاتين الحالتين فاما أن يكون فى الصلاة واما أن يكون فى غير الصلاة فان كان فى الصلاة لا يكون حدثا سواء غلبه النوم أو تعمد فى ظاهر الرواية وروى عن أبى يوسف رحمه الله تعالى أنه قال سألت أبا حنيفة عن النوم فى الصلاة فقال لا ينقض الوضوء ولا أدرى أسألته عن العمد أو الغلبة وعندى أنه ان نام معتمدا ينتقض وضوءه لما روينا عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما عن النبى ﷺ حيث نفى الوضوء فى النوم فى غير حال الاضجاع واثبته فيها بعلة استرخاء المفاصل وزوال مسكة اليقظة ولم يوجد فى هذه الأحوال لأن الامساك فيها باق ألا ترى أنه لم يسقط، وفى المشهور من الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال اذا نام العبد فى سجوده يباهى الله تعالى به ملائكته فيقول انظروا الى عبدى روحه عندى وجسده فى طاعتى، ولو كان النوم فى الصلاة حدثا لما كان جسده فى طاعة الله تعالى.
أما ما روى عن صفوان بن عسال المراوى من أنه قال كان النبى ﷺ يأمرنا أن لا ينزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليها اذا كنا سفرا الا من جنابة لكن من نوم أو بول أو غائط فلا حجة فيه لأن مطلق النوم ينصرف الى النوم المتعارف وهو نوم المضطجع وكذا استطلاق الوكاء فيما روى عنه ﷺ أنه قال العينان وكاء الا ست فاذا نامت العينان استطلق الوكاء - يتحقق به لا يكل نوم، ووجه رواية أبى يوسف رحمه الله تعالى أن القياس فى النوم حالة القيام والركوع والسجود أن يكون حدثا لكونه سببا لوجود الحدث الا أنا تركنا القياس حالة الغلبة لضرورة التهجد نظرا للمتهجدين وذلك الغلبة دون التعمد. ويدل لنا ما روينا من الحديثين من غير فصل ولأن الاستمساك فى هذه الأحوال باق لما بينا.
وان كان خارج الصلاة فان كان قاعدا مستقرا على الأرض غير مستند الى شئ لا يكون حدثا لأنه ليس بسبب لوجود الحدث غالبا وان كان قائما أو على هيئة الركوع والسجود غير مستند الى شئ اختلف المشايخ فيه، والعامة على أنه لا يكون حدثا لما روينا من الحديث من غير فصل بين حالة الصلاة وغيرها، ولأن الاستمساك فيها باق على ما مر والأقرب الى الصواب فى النوم على هيئة السجود خارج الصلاة ما ذكره القمى أنه لا نص فيه ولكن ينظر فيه أن سجد على الوجه المسنون بأن كان رافعا بطنه عن فخذيه مجافيا عضويه عن جنبيه لا يكون حدثا وان سجد لا على وجه السنة بأن الصق بطنه بفخذيه واعتمد على ذراعيه على الأرض يكون حدثا لأن فى الوجه الأول الاستمساك باق والاستطلاق منعدم وفى الوجه الثانى بخلافه الا أنا تركنا هذا القياس فى حالة الصلاة بالنص.
ولو نام مستندا الى جدار أو سارية أو رجل أو متكئا على يديه ذكر الطحاوى رحمه الله تعالى أنه ان كان بحال لو أزيل السند لسقط يكون حدثا والا فلا وبه أخذ كثير من مشايخنا وروى خلف بن أيوب عن أبى يوسف رحمهما الله تعالى انه قال سألت أبا حنيفة عمن استند الى سارية أو رجل فنام ولولا السارية والرجل لم يستمسك، قال اذا كانت اليتة مستوثقة من الأرض فلا وضوء عليه وبه أخذ عامة مشايخنا وهو الأصح لما روينا من الحديث وذكرنا من المعنى ولو نام قاعدا مستقرا على الأرض فسقط وانتبه فان انتبه بعد ما سقط على الأرض وهو نائم انتقض وضوءه بالاجماع لوجود النوم
стр. 6352
مضطجعا وان قل وان انتبه قبل أن يصل جنبه الى الأرض، روى عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى أنه لا ينتقض وضوءه لانعدام النوم مضطجعا، وعن أبى يوسف رحمه الله تعالى أنه ينتقض وضوءه لزوال الاستمساك بالنوم حيث سقط وعن محمد رحمه الله تعالى أنه ان انتبه قبل أن يزايل مقعده الأرض لم ينتقض وضوءه وان زايل مقعده قبل أن ينتبه انتقض وضوؤه.
وأما النوع الثانى من الحدث الحكمى فهو القهقهة فى صلاة مطلقة وهى الصلاة التى لها ركوع وسجود فلا يكون حدثا خارج الصلاة ولا فى صلاة الجنازة وسجدة التلاوة، وهذا استحسان، والقياس أن لا يكون حدثا وهو قول الشافعى رحمه الله تعالى ولا خلاف فى التبسم أنه لا يكون حدثا، ويدل على أن القهقهة حدث ما روى فى المشاهير عن النبى ﷺ أنه كان يصلى فجاء أعرابى فى عينيه سوء فوقع فى بئر عليها خصفة فضحك بعض من خلفه فلما قضى النبى ﷺ الصلاة قال من قهقه منكم فليعد الوضوء والصلاة ومن تبسم فلا شئ عليه (١).
وروى عن جرير بن عبد الله البجلى أنه قال ما رآنى رسول الله ﷺ الا تبسم ولو فى الصلاة وروى أنه ﷺ تبسم فى صلاته فلما فرغ سئل عن ذلك فقال أتانى جبريل ﵇ وأخبرنى أن الله تعالى يقول من صلى عليك مرة صلّى الله عليه عشرا ولو قهقه الامام والقوم جميعا فان قهقه الامام أولا انتقض وضوءه دون القوم لأن قهقهتهم لم تصادف تحريمة الصلاة لفساد صلاتهم بفساد صلاة الامام فجعلت قهقهتهم خارج الصلاة، وان قهقه القوم أولا ثم الامام انتقضت طهارة الكل لأن قهقهتهم حصلت فى الصلاة، أما القوم فلا اشكال وأما الامام فلأنه لا يصير خارجا من الصلاة بخروج القوم وكذلك ان قهقهوا معا لأن قهقهة الكل حصلت فى تحريمة الصلاة وأما تغميض الميت وغسله وحمل الجنازة وأكل ما مسته النار والكلام الفاحش فليس شئ من ذلك حدثا عند عامة العلماء وقال بعضهم كل ذلك حدث.
ورووا فى ذلك عن رسول الله ﷺ أنه قال من غمض ميتا فليتوضأ ومن غسل ميتا فليغتسل ومن حمل جنازة فليتوضأ وعن عائشة رضى الله تعالى عنها أنها قالت للمتسابين ان بعض ما أنتما فيه لشر من الحدث فجددا الوضوء.
وعن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه عن النبى ﷺ أنه قال توضؤوا مما مسته النار، ومنهم من أوجب من لحم الابل خاصة وروى توضؤوا من لحوم الابل ولا تتوضؤوا من لحوم الغنم، ويدل لنا ما روينا عن النبى ﷺ أنه قال انما علينا الوضوء مما يخرج ليس مما يدخل، وقال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما: الوضوء مما يخرج يعنى الخارج النجس ولم يوجد والمعنى فى المسألة أن الحدث هو خروج النجس حقيقة أو ما هو سبب الخروج ولم يوجد واليه أشار ابن عباس رضى الله تعالى عنه حين بلغه حديث حمل الجنازة فقال أنتوضأ من مس عيدان يابسة ولأن هذه الأشياء مما يغلب وجودها فلو جعل شئ من ذلك حدثا لوقع الناس فى الحرج وما رووا أخبار آحاد وردت فيما تعم به البلوى ويغلب وجوده ولا يقبل خبر الواحد فى مثله لأنه دليل عدم الثبوت اذ لو ثبت لاشتهر بخلاف خبر القهقهة فانه من المشاهير مع ما أنه ورد فيما لا تعم به البلوى لأن القهقهة فى الصلاة مما لا يغلب وجوده ولو ثبت ما رووا فالمراد من الوضوء بتغميض الميت غسل اليد لأن ذلك الموضع لا يخلو عن قذارة عادة، وكذا بأكل مسته النار ولهذا خص لحم الابل فى رواية لأن له من اللزوجة ما ليس لغيره.
وهكذا روى أنه أكل طعاما فغسل يديه، وقال هكذا الوضوء مما مسته النار، والمراد من حديث الغسل فليغتسل اذا أصابته الغسالات النجسة وقوله فليتوضأ فى حمل الجنازة للمحدث
стр. 6353
ليتمكن من الصلاة عليه وعائشة رضى الله تعالى عنها انما ندبت المتسابين الى تجديد الوضوء تكفير الذنب سبهما، ومن توضأ ثم جز شعره أو قلم ظفره أو قص شاربه أو نتف ابطه لم يجب عليه ايصال الماء الى ذلك الموضع عند عامة العلماء لأن الوضوء قد تم فلا ينتقض الا بالحدث ولم يوجد، وهذا لأن الحدث يحل ظاهر البدن وقد زال الحدث عن الظاهر أما بالغسل أو بالمسح وما بدا لم يحله الحدث السابق، وبعد بدوه لم يوجد حدث آخر فلا تعقل ازالته ولو مس كلبا أو خنزيرا أو وطئ نجاسة لا وضوء عليه لانعدام الحدث حقيقة وحكما الا أنه اذا التزق بيده شئ من النجاسة يجب غسل ذلك الموضع والا فلا (١).
مذهب المالكية:
جاء فى مواهب الجليل أن نواقض الوضوء أحداث وأسباب، فالأحداث جمع حدث وهو ما ينقض الوضوء بنفسه والأسباب جمع سبب (٢)، وهو فى عرف الفقهاء فى نواقض الوضوء هو ما أدى الى خروج الحدث كالنوم المؤدى الى خروج الريح مثلا واللمس والمس المؤديان الى خروج المذى، والحدث يطلق على الخارج المعتاد على سبيل الصحة والاعتباد (٣)، قال ابن يونس رحمه الله تعالى: لا شئ على من خرج من دبره دود عند مالك رحمه الله تعالى قال ابن نافع: اذا لم يخالطه أذى.
قال ابن القاسم رحمه الله تعالى: وكذلك الحصاة تخرج من الاحليل الا أن يخرج بأثرها بول، قال ابن رشد رحمه الله تعالى: ان غير المعتاد لا ينقض كدود يخرج من الدبر سواء خرجت نقية أو غير نقية، قال فى الكافى: وكذلك حكم الدم، قال اللخمى رحمه الله تعالى:
وسواء خرج من الذكر أو من الدبر.
قال ابن العربى رحمه الله تعالى: وكذلك الريح من القبل لا وضوء فيه عند مالك وأبى حنيفة رحمهما الله تعالى وهو كالجشاء خلافا للشافعى رحمه الله تعالى (٤)، هذا عن الحدث الخارج على سبيل الصحة، أما الخارج على وجه السلس ففيه أقوال، فالعراقيون من أصحابنا يقولون ان ما خرج على وجه السلس لا ينقض الوضوء مطلقا وانما يستحب منه الوضوء وذكر المازرى رحمه الله تعالى رواية شاذة أن السلس ينقض مطلقا والمشهور من المذهب طريقة المغاربة أن السلس على أربعة أقسام، الأول أن يلازم ولا يفارق فلا يجب الوضوء ولا يستحب اذ لا فائدة فيه فلا ينتقض وضوء صاحبه بالبول المعتاد، والثانى أن يكون ملازمته أكثر من مفارقته فيستحب الوضوء الا أن يشق ذلك عليه لبرد أو ضرورة فلا يستحب، والثالث: أن يتساوى اتيانه ومفارقته ففى وجوب الوضوء واستحابه قولان:
قال ابن رشد القفصى رحمه الله تعالى والمشهور أنه لا يجب.
وقال ابن هارون: الظاهر الوجوب.
الرابع أن تكون مفارقته أكثر فالمشهور وجوب الوضوء خلافا للعراقيين فانه عندهم مستحب.
قال فى التوضيح: هذا التقسيم لا يخص حدثا دون حدث، وقد قال الابيانى ﵀
стр. 6354
تعالى فيمن بجوفه علة وهو شيخ يستنكحه الريح: أنه كالبول.
وسئل اللخمى رحمه الله تعالى عن رجل أن توضأ انتقض وضوؤه وان تيمم لم ينتقض فأجاب بأنه يتيمم، ورده ابن بشير بأنه قادر على استعمال الماء وما يرد عليه يمنع كونه ناقضا واقتصر ابن عرفة ﵀ على كلام اللخمى ولم يحك خلافه.
قال صاحب مواهب الجليل: والظاهر ما قاله ابن بشير والأبيانى.
قال خليل: أما سلس المذى فاذا كان صاحبه قادرا على رفعه بنحو زواج أو تسر نقض الوضوء ولا يفصل فيه.
قال فى التوضيح فى شرح قول ابن الحاجب رحمه الله تعالى وان كثر المذى للعزبة أو التذكر فالمشهور الوضوء.
وفى قابل التداوى قولان:
ما نصه قال ابن عبد السّلام رحمه الله تعالى الخلاف انما هو فى القادر لا كما يعطيه كلام الصنف، وينبغى أن يكون فى زمن طلب النكاح وشراء السرية معذورا، وجعل قوله وفى قابل التداوى قولان راجعا الى سلس البول.
قال خليل رحمه الله تعالى وفيه نظر لأنى لم أر أحدا ذكر هذا فى البول، قال: فى المنتقى:
سلس المنى لا يجب منه الوضوء ذكره فى اعادة الجنب الصلاة والغسل وقال الشيخ زروق رحمه الله تعالى قد يخرج المنى بلا لذة ولا انعاظ وهذا لا يجب به شئ على المشهور (١).
ويعتبر فى الحدث أن يكون خارجا من المخرجين - يعنى القبل والدبر - وينزل منزلة ذلك ما اذا انفتح لخروج الحدث ثقبة تحت المعدة وأنسد المخرجان.
وهكذا نقل فى التوضيح عن ابن بزيزة رحمه الله تعالى ونحوه لصاحب الطراز، فان انسد المخرجان وانفتحت ثقبة فوق المعدة أو لم ينسدا وانفتحت فوق المعدة أيضا أو لم ينسدا وانفتحت الثقبة تحت المعدة ففيه قولان، وهكذا حكى فى التوضيح عن ابن بزيزة، والذى يظهر من كلام صاحب الطراز ترجيح عدم النقض وانه الجارى على المذهب لم يذكر فى ذلك خلافا، فانه قال فى أوائل باب أحكام النجاسة: ان لم ينسد المخرجان فلا وضوء لأنه خارج من غير المخرج المعتاد خلافا لأبى حنيفة رحمه الله تعالى. ثم قال: وان كان المخرج المعتاد منسدا أو كان الفتح فى المعى الأسفل ودون المعدة فهذا ينقض وهذا مذهب أبى حنيفة والشافعى رحمهما الله تعالى، واذا خرج القئ بصفة المعتاد فان كان ذلك نادرا لم ينتقض الوضوء بلا خلاف وان صار ذلك عادة له فحكى ابن الحاجب رحمه الله تعالى فى ذلك قولين:
قال ابن عبد السّلام رحمه الله تعالى:
والأظهر أنه ان انقطع خروج الحدث من محله وصار موضع القئ محلا له وجب الوضوء فان كان خروجه من محله أكثر لم يجب، ونقله فى التوضيح.
قال الحطاب رحمه الله تعالى: اما اذا انسد المخرجان فالظاهر أن حكمه حكم الثقبة وان لم ينسد ففيه القولان، والظاهر عدم النقض حينئذ (٢).
أما الأسباب فثلاثة أنواع هى زوال العقل ولمس من تشته ومس ذكره المتصل، أما النوع الأول: وهو زوال العقل - فيكون بجنون أو اغماء أو سكر أو بنوم ثقيل (٣) ولو قصر زمنه
стр. 6355
بخلاف ما اذا خف النوم ان طال، وندب ان طال (١).
قال الحطاب: وظاهر كلام خليل رحمه الله تعالى: ان زوال العقل بغير النوم لا يفصل فيه كما يفصل فى النوم وهو ظاهر المدونة والرسالة، قال فى المدونة: ومن نام جالسا أو راكبا الخطوة ونحوها فلا وضوء عليه وان استثقل نومه وطال ذلك فعليه الوضوء، ونومه راكبا قدر ما بين العشاءين طويل، ولا وضوء على من نام محتبيا فى يوم جمعة وشبهها لأنه لا يثبت.
قال أبو هريرة رضى الله تعالى عنه: ليس على المحتبى النائم ولا على القائم النائم وضوء قال ابن شهاب رحمه الله تعالى: السنة فيمن نام راكبا أو ساجدا أن عليه الوضوء.
قال ابن وهب قال ابن أبى سلمة: من استثقل نوما على أى حال كان فعليه الوضوء، ثم قال:
ومن خنق نائما أو قاعدا توضأ ولا غسل عليه، ومن فقد عقله باغماء أو سكر أو جنون توضأ وقال فى الرسالة: ويجب الوضوء من زوال العقل بنوم مستثقل أو اغماء أو سكر أو تخبط جنون.
وقال ابن عبد السّلام رحمه الله تعالى فالأول: زوال العقل بجنون أو اغماء أو سكر ولم يتعرض ابن الحاجب رحمه الله تعالى لكيفية نقصها فى طول أو قصر وذلك يدل على أنها ناقضة مطلقا وهو الحق خلافا لبعضهم.
وقال ابن بشير رحمه الله تعالى: والقليل فى ذلك كالكثير.
قال ابن المنير فى تيسير المقاصد ويغتفر النعاس الخفيف والأولى لأئمة المساجد تجديد الوضوء (٢).
قال فى الطراز قال مالك رحمه الله تعالى:
من غلبه هم حتى ذهل وذهب عقله عليه الوضوء فاذا كان قاعدا فأحب الى أن يتوضأ وعن ابن القاسم رحمه الله تعالى: أنه لا وضوء على من غلبه هم.
قال الشيخ زروق فى شرح الرسالة: وذكر التادلى أن الوضوء من غيبة العقل بالوجد والحال، ونظره غيره بمن استغرق فى حب الدنيا حتى غاب عن احساسه وفيه نظر لعدم اعتباره.
والنوع الثانى من الأسباب لمس يلتذ صاحبه به عادة وظاهره سواء كان الملموس ذكرا أم أنثى أما الأنثى فلا كلام فيها، وأما الذكر فقال ابن العلاء السبتى فى منسكه، قال بعض العقلاء: ينبغى للطائف أن يتحرز من النظر الى امرأة أو صبى حال طوافه لأن من العلماء من قال ان اللذة بالنظر تنقض الوضوء فيكون طوافه فاسدا على هذا القول. قلت: والقولان فى مذهبنا والمشهور عدم التأثير والقولان ذكرهما ابن الحاجب رحمه الله تعالى وكذلك ينبغى أيضا أن يتحرز من ملامسة الصبى فانها تنقض الطهارة عند قوم وهو مذهب القاضى عياض رحمه الله تعالى ومذهب الاصطخرى من أئمة الشافعية وكذلك ينبغى أيضا التحفظ من مصافحته ومعانقته اذا قدم من سفر.
قال القاضى عياض فى قواعده: من موجبات الوضوء اللمس للذة بين الرجال والنساء فالقبلة والجسة ولمس الغلمان أو فرج سائر الحيوان كلمس النساء قال شارحه سيدى أبو العباس رحمه الله تعالى: قوله والغلمان يعنى أن لمس الغلمان لمن قصد به اللذة كلمس النساء وهذا فعل من لا خلاق
стр. 6356
له وان وجدها دون قصد توضأ قال فى المدونة: واذا مست امرأة ذكر رجل فان كان شهوة فعليها الوضوء وان كان بغير شهوة من مرض ونحوه فلا ينتقض وضوؤها.
وقال الشارح فى قول القاضى عياض رحمه الله تعالى بين الرجال والنساء: يعنى اذا لمس الرجل المرأة ولمست المرأة الرجل، ورأيت فى بعض النسخ من الرجال والنساء ومعناه أن الوضوء ينتقض من الرجال والنساء، فلا يتوهم انه يختص بالرجال بل يوجب الوضوء على اللامس كيف كان وكما يجب على الرجل اذا لمس المرأة فكذلك يجب على المرأة اذا لمست الرجل. أما اذا لمست المرأة المرأة فلم أر من تكلم عليها والظاهر أنها كذلك.
وقال ابن فرحون رحمه الله تعالى فى شرحه:
ولمس الأمرد بلذة يوجب الوضوء كما تقدم فى المرأة، قاله القاضى عبد الوهاب فى شرح المختصر وابن العربى فى شرح الجلاب (١).
قال صاحب التاج والأكليل قال ابن رشد رحمه الله تعالى اذا ثبت أن الملامسة ما دون الجماع من القبلة والمباشرة واللمس باليد فان قصد بهذه الأشياء الى الالتذاذ فالتذ فلا خلاف فى ايجاب الوضوء وان لم يقصد بها الالتذاذ ولا التذ فلا وضوء عليه فى المباشرة واللمس وأما القبلة فيجب الوضوء منها على رواية أشهب وهو دليل المدونة. وعلة ذلك أن القبلة لا تنفك من اللذة الا أن تكون صبية صغيرة يقبلها على سبيل الرحمة أو ذات محرم يقبلها على سبيل الوداع، وأما أن قصد بالملامسة اللذة فلم يلتذ فروى عيسى أن عليه الوضوء وهو ظاهر المدونة لأنه ابتغاها بلمسه، وأما ان لم يقصد بالملامسة اللذة ولكنه التذ فلا خلاف فى وجوب الوضوء.
قال ابن رشد رحمه الله تعالى اذا قبل الرجل امرأته على غير الفم أو فعلت ذلك به فليتوضأ الفاعل ولا وضوء على المفعول به الا أن يلتذ، قال ابن يونس رحمه الله تعالى فى المجموعة ان قبلها على الفم مكرهة أو طائعة فليتوضأ جميعا، وروى ابن نافع رحمه الله تعالى أن من غلبته زوجته فقبلته وهو كاره ولا يجد لذة فعليه الوضوء.
وقال ابن يونس رحمه الله تعالى يريد فى هذا القول ولو فى غير الفم.
وكذلك قال أصبغ رحمه الله تعالى ان عليه الوضوء وان أكره واستغفل لما جاء أن القبلة فيها الوضوء مجملا بلا تفصيل (٢).
وروى عن سماع أشهب أن الرجل ان مس شعر امرأته أو جاريته تلذذا فعليه الوضوء وان مسه لغير ذلك استحسانا أو غيره فلا وضوء عليه.
وروى عن الجلاب أن مس الشعر والسن والظفر ناقض وقال اللخمى رحمه الله تعالى:
فى ذلك روايتان.
قال فى الشامل: ولا يمنع حائل مطلقا وان خف تأويلان روى ابن القاسم رحمه الله تعالى النقض مطلقا وقيده ابن زياد بما اذا كان خفيفا وحمله ابن الحاجب رحمه الله تعالى على الخلاف، وحوله فى البيان والمقدمات على التفسير، فالأول تأويل ابن الحاجب والثانى تأويل ابن رشد وهو الظاهر (٣).
قال ابن أبى زيد رحمه الله تعالى قول ابن بكير لذة القلب تنقض لا أعلم من قاله غير المازرى رحمه الله تعالى وجمهور أصحابنا على أن لذة النظر لا تنقض (٤).
стр. 6357
قال اللخمى رحمه الله تعالى فى تبصرته واختلف فى الانعاظ اذا لم يكن معه مسيس، فقيل: لا شئ عليه الا أن يمذى، وقيل عليه الوضوء لأنه لا ينكسر الا عن مذى وهذا مع عدم الاختبار، وأرى أن يحمل على عادته فان كان يعلم أنه لا يمذى كان على طهارته وان كانت عادته أنه يمذى نقض وان اختلفت عادته توضأ أيضا وان اختبر ذلك بالحضرة أو بعد التراخى فلم يجد شيئا كان على طهارته وان انعظ وهو فى الصلاة وكانت عادته أنه لا يمذى مضى عليها وان كان ممن يمذى قطع الا أن يكون ذلك الانعاظ ليس بالبين ولا يخشى من مثله المذى وان كان شأنه المذى بعد زوال الانعاظ ولا يخشى ذلك قبل أن يتم صلاته فانه يتمها الا أن يتبين له أن ذلك كان قبل فيقضى الصلاة ولو شك اختلف هل تجزئه الصلاة أم لا.
وقال فى التوضيح قال ابن عطاء رحمه الله تعالى انه لا وضوء فيه بمجرده فان انكسر عن مذى توضأ والا فلا وليس المذى عندى من الأمور الخفية حتى يجعل له مظنته، وسئل أبو القاسم السيورى رحمه الله تعالى عن الانعاظ بتذكر هل ينقض الوضوء أم لا فأجاب بأنه لو وقع فى الصلاة ما أفسدها فكذلك فى الوضوء وعن بعض أصحابنا هو من شأن الفحل، فان قيل لا ينكسر الا عن بلة قال قد قيل ولا ينتقض الوضوء عندى.
قال البرزلى رحمه الله تعالى ان وقع انكساره عن بلة ظهرت فى الصلاة فهو ناقض الا أن يتكرر ويشق الاحتراز منه ولا يقدر على رفعه فيكون كتكرير المذى وان ظهر بعد الصلاة فالمشهور صحتها (١).
قال الحطاب: كلام سند يدل على أن اللذة بالمحرم تنقض نبه عليه ابن غازى رحمه الله تعالى، وقال فى الشامل فلا أثر لمحرم، ونحوه لابن الحاجب قال ابن عبد السّلام رحمه الله تعالى ظاهره أنه لا وضوء وان وجدت اللذة وظاهر كلام بعض أئمة المذهب أنه اذا وجدت اللذة فى لمس ذات المحرم انتقضت الطهارة لا يبعد اجراء ذلك على الخلاف فى مراعاة الصور النادرة، وقال فى التوضيح ظاهر كلامه ولو التذ بالمحرم. وهو ظاهر الجلاب.
وقال ابن رشد رحمه الله تعالى فى أول سماع أشهب النساء على ثلاثة أقسام قسم لا يوجد فى تقبيلهن لذة وهن الصغار اللواتى لا يشته مثلهن فلا وضوء فى تقبيلهن وان قصد بذلك اللذة ووجدها بقبلة الا على مذهب من يوجب الوضوء فى التذكار بالالتذاذ، وقسم لا ينبغى فى تقبيلهن لذة وهن ذوات المحارم فلا وضوء فى تقبيلهن الا مع القصد الى الالتذاذ بذلك من الفاسق الذى لا يتقى الله تعالى لأن القصد فى تقبيلهن الحنان والرحمة فالأمر محمول على ذلك حتى يقصد سواه، وقسم يبتغى فى تقبيلهن اللذة وهن من سوى ذوات المحارم فيجب الوضوء بتقبيلهن مع وجود اللذة أو القصد اليها وان لم توجد، واختلف اذا عدم الأمران على قولين انته، واقتصر ابن عرفة رحمه الله تعالى فى المحرم على كلام ابن رشد هذا ولم يحك فيه خلافا.
والنوع الثالث من الأسباب مس ذكره المتصل ولو خنثى مشكلا أما اذا مس ذكر الغير فان حكمه فى ذلك حكم الملامسة ان قصد اللذة أو وجدها نقض والا فلا، والملموس ان وجد لذة انتقض وضوؤه قاله فى المدونة ولو قطع ذكره ثم مسه فلا أثر لذلك خلافا للشافعية.
قال فى التوضيح: على أن ابن بزيزة حكاه فى المذهب فقال اذا مس ذكر غيره من جنسه أو ذكرا مقطوعا أو ذكر صبى أو فرج صبية فهل عليه الوضوء أم لا. فيه قولان فى المذهب قال فى التوضيح قال ابن هارون رحمه الله تعالى:
ولو مس موضع الجب فلا نص عندنا وحكى الغزالى أن عليه الوضوء والجارى على أصلنا ففيه لعدم اللذة غالبا.
стр. 6358
قال الحطاب (١): نص عليه ابن شعبان رحمه الله تعالى فى الزاهى فقال والخصى المجبوب مثل المرأة والخصى القائم الذكر مثل الرجل فى ذلك خاصة. والعنين والحصور الذى لا يأتى النساء فى ذلك كله سواء على ظاهر الحديث لا القياس. واذا مس المتوضئ ذكره على حائل فحكى ابن الحاجب فيه ثلاثة أقوال يفرق فى الثالث بين الخفيف فينقض وبين الكثيف فلا ينقض، وقال فى المقدمات الأشهر رواية ابن وهب رحمه الله تعالى لا وضوء عليه.
وقال فى البيان وان كان كثيفا فلا وضوء عليه قولا واحدا، والظاهر عدم النقض مطلقا لما فى صحيح ابن حبان عن رسول الله ﷺ . من أفضى بيده الى فرجه ليس بينهما ستر ولا حجاب فقد وجب عليه الوضوء للصلاة.
وقال ابن العربى: اذا مس خنثى ذكره وقلنا بانتقاض الوضوء بالشك انتقض وضوؤه لاحتمال أن يكون رجلا وكذلك أن مس فرجه فى الفتوى (٢).
وذكر صاحب التاج والاكليل: نقلا عن ابن يونس رحمه الله تعالى أن الوضوء لا ينتقض من مس شرج ولا رفغ (٣) الا من مس الذكر وحده بباطن الكف أو بباطن الأصابع فان مس بظاهر يده أو بباطن ذراعه أو بظاهره لم ينتقض وضوؤه ومن مس ذكره بغير تعمد فأحب الى أن يتوضأ، روى ابن وهب رحمه الله تعالى أنه لا وضوء الا ان تعمده.
وروى عن ابن القاسم رحمه الله تعالى أن من ارتد عن الاسلام ثم راجع الاسلام قبل أن ينتقض وضوؤه فأحب الى أن يتوضأ وقال يحيى ابن عمر: بل واجب عليه أن يتوضأ لقول الله «لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (٤)» وينتقض الوضوء بشك فى حدث بعد طهر، هذا اذا شك قبل الصلاة أما اذا صلى ثم شك هل أحدث أم لا ففيه قولان، ذكرهما الباجى فى المنتقى فى مسئلة من رأى فى ثوبه احتلاما لا يدرى متى وقع منه.
وقال سند: رحمه الله تعالى: الشك فى الحدث له صورتان: احداهما أن يتخيل له الشئ فلا يدرى ما حقيقته أهو حدث أم لا، والأخرى أن يشك هل بال أو تغوط وشبهه أما من شك هل أحدث بعد وضوئه فالمذهب أنه يتوضأ وهل ذلك واجب أم لا؟ ظاهر الكتاب أنه واجب وقال ابن القصار:
روى ابن وهب عن مالك رحمه الله تعالى:
أحب الى أن يتوضأ ثم قال: وأما الصورة الثانية وهى أن يتخيل له الشئ لا يدرى هل هو حدث أو غيره فظاهر المذهب أنه لا شئ عليه وقد نص على ذلك ابن حبيب رحمه الله تعالى.
ويستثنى المستنكح من الشاك - وهو الذى يشك فى كل وضوء وصلاة أو يطرأ له ذلك فى اليوم مرة أو مرتين - ولا ينتقض الوضوء بمس دبرا خلافا للشافعى وحمديس من أصحابنا ولا بمس انثيين - وهما الخصيتان - خلافا لعروة بن الزبير فانه أدخلهما فى معنى الفرج ولا بمس صغيرة وكذا فرج صغيرة خلافا للشافعى، ولا ينتقض بأكل جزور خلافا لأحمد ولا بمس ولا ينتقض بأكل جزور خلافا لأحمد ولا يمس صليب وذبح بهيمة ومس وثن وكلمة قبيحة وقلع ضرس وانشاد شعر خلافا لقوم، ولا بخروج دم حجامة وفصادة خلافا لأبى حنيفة ولا بقهقهة خلافا لأبى حنيفة قاله فى الذخيرة. وفرج البهيمة لا يوجب وضوءا خلافا لليث لأنه مظنة اللذة (٥).
стр. 6359
مذهب الشافعية:
جاء فى مغنى المحتاج أن أسباب الحدث الأصغر أربعة أحدها خروج شئ - عينا كان أو ريحا طاهرا أو نجسا جافا أو رطبا معتادا كبول أو نادرا كدم، انفصل أولا قليلا أو كثيرا طوعا أو كرها - من قبل المتوضئ الحى الواضح ولو بخروج الولد أو من أحد ذكرين يبول بهما أو أحد فرجين يبول بأحدهما ويحيض بالآخر، فان بال بأحدهما أو حاض به فقط اختص الحكم به أما المشكل فان خرج الخارج من فرجيه جميعا فهو محدث وان خرج من أحد فالحكم كما لو خرج من ثقبة تحت المعدة مع انفتاح الأصلى وسيأتى أنه لا نقض بها، أو خروج شئ من دبر المتوضئ الحى والأصل فى ذلك قول الله «أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ﴾ الآية (١)».
وحديث الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال فى المذى: يغسل ذكره ويتوضأ وفيهما اشتكى الى النبى ﷺ الذى يخيل اليه انه يجد الشئ فى الصلاة قال لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا والمراد العلم بخروجه لا سمعه ولا شمه وليس المراد حصر الناقض فى الصوت والريح بل نفى وجوب الوضوء بالشك فى خروج الريح ويقاس بما فى الآية والأخبار كل خارج مما ذكر وان لم تدفعه الطبيعة كعود خرج من الفرج بعد أن دخل فيه ولو انسد مخرجه الأصلى من قبل أو دبر بأن لم يخرج شئ منه وان لم يلتحم وانفتح مخرج بدله تحت معدته فخرج منه المعتاد خروجه كبول نقض اذ لا بد للانسان من مخرج يخرج منه ما تدفع الطبيعة فأقيم هذا مقامه، وكذا نادر كدود ودم فى الأظهر لقيامه مقام الأصلى، وكما ينقض الخارج النادر منه فكذلك هذا أيضا، والثانى لا لأنا انما أقمناه مقام الأصلى للضرورة ولا ضرورة فى خروج غير المعتاد، وما تقرر من الاكتفاء بأحد المخرجين هو ظاهر كلام الجمهور وهو المعتمد، وان صرح الصيمرى باشراط انسدادهما وقال لو انسد أحدهما فالحكم للباقى لا غير، أو انفتح فوق المعدة - والمراد فوق تحتها حتى تدخل هى بأن انفتح فى السرة أو بمحاذيها أو فيما فوق ذلك - والأصلى منسد، أو تحتها وهو منفتح فلا ينقض الخارج منه فى الأظهر أما فى الأولى فلأن ما يخرج من فوق المعدة أو منها أو من محاذيها لا يكون مما أحالته الطبيعة لأن ما تحيله تلقيه الى أسفل فهو بالقئ أشبه وأما فى الثانية فلا ضرورة الى جعل الحادث مخرجا مع انفتاح الأصلى والقول الثانى فى المقابل للأظهر ينقض فيهما ولو نادرا أما فى الأولى فلأنه لا بد من مخرج وأما فى الثانية فلأنه كالمخرج المعتاد وحيث أقمنا المنفتح كالأصلى انما هو بالنسبة للنقض بالخارج منه فلا يجزئ فيه الحجر ولا ينتقض الوضوء بمسه ولا يجب الغسل ولا غيره من أحكام الوط ء بالايلاج فيه ولا يحرم النظر اليه حيث كان فوق العورة.
قال الماوردى رحمه الله تعالى هذا من الانسداد العارض أما الخلقى فينقض معه الخارج من المنفتح مطلقا والمنسد حينئذ كعضو زائد من الخنثى لا وضوء بمسه ولا غسل بايلاجه والايلاج فيه وظاهر كلام الماوردى ان الحكم حينئذ للمنفتح مطلقا حتى يجب الوضوء بمسه والغسل بايلاجه والايلاج فيه وغير ذلك وهو كذلك كما اعتمده شيخى رحمه الله تعالى وان استبعده بعض المتأخرين ومما يرد الاستبعاد أن الانسان لو خلق له ذكر فوق سرته يبول منه ويجامع به ولا ذكر له سواه ألا ترى أنا ندير الأحكام عليه ولا ينبغى ان يقال أنا نجعل له حكم النقض فقط ولا حكم له غير ذلك (٢).
والسبب الثانى زوال العقل أى زوال التمييز بنوم أو غيره كاغماء وسكر وجنون وذلك لقول رسول الله ﷺ : العينان
стр. 6360
وكاء السه (١) فمن نام فليتوضأ رواه أبو داود وغيره والمعنى فيه ان اليقظة هى الحافظة لما يخرج والنائم قد يخرج منه الشئ ولا يشعر به وغير النوم مما ذكر أبلغ منه فى الذهول الذى هو مظنة لخروج شئ من الدبر كما أشعر به الخبر أما النعاس وحديث النفس وأوائل نشوة السكر فلا نقض بها، ولو شك هل نام أو نعس أو نام ممكنا أولا لم ينقض ولو تيقن الرؤيا وشك فى النوم انتقض لأنها من علاماتها الا نوم ممكن مقعده من مقره من أرض أو غيرها فلا ينقض وضوؤه ولو مستندا الى ما لو زال لسقط لأمن خروج شئ حينئذ من دبره ولا عبرة باحتمال خروج ريح من قبله لأنه نادر ومثل ذلك ما لو نام متمكنا بالمنفتح الناقض كما يؤخذ من كلام التنبيه ولقول أنس رضى الله تعالى عنه كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون ثم يصلون ولا يتوضئون رواه مسلم، وفى رواية لأبى داود:
ينامون حتى تخفق رءوسهم الأرض، وحمل على نوم الممكن جمعا بين الحديثين، ودخل فى ذلك ما لو نام محتبيا، ولا فرق فى ذلك بين النحيف وغيره وهو ما صرح به فى الروضة وغيرها، وقال ابن الرفعة رحمه الله تعالى انه المذهب، ونقل الرافعى رحمه الله تعالى فى الشرح الصغير عن الرويانى ان النحيف ينتقض وضوؤه وقال الأذرعى أنه الحق وجمع شيخى بينهما بأن عبارة الروضة محمولة على نحيف لم يكن بين مقره ومقعده تجاف والشرح على خلافه وهو جمع حسن لكن عبارة الشرح الصغير بين بعض مقعده ومقره تجاف فيكون الفرق التجافى الكامل ولا تمكين لمن نام على قفاه ملصقا مقعده بمقره وكذا لو تحفظ بخرقة ونام غير قاعد، ولو نام متمكنا فسقطت يده على الأرض لم ينتقض ما لم تزل اليته عن التمكن ومن خصائصه ﷺ أنه لا ينتقض وضوؤه بنومه مضطجعا ويستحب الوضوء من النوم متمكنا خروجا من الخلاف (٢).
السبب الثالث: التقاء بشرتى الرجل والمرأة لقول الله «أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ (٣)» أى لمستم فعطف اللمس على المجئ من الغائط ورتب عليهما الأمر بالتيمم عند فقد الماء فدل على أنه حدث كالمجئ من الغائط لا جامعتم لأنه خلاف الظاهر اذ اللمس لا يختص بالجماع قال تعالى «فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ (٤)».
وقال ﷺ : (لعلك لمست) ولا فرق فى ذلك بين ان يكون بشهوة أو اكراه أو نسيان أو يكون الذكر ممسوحا أو خصيا أو عنينا أو المرأة عجوزا شوهاء أو كافرة بتمجس أو غيره أو حرة أو رقيقة أو العضو زائدا أو أصليا سليما أو أشل أو أحدهما ميتا لكن لا ينتقض وضوء الميت واللمس الجس باليد والمعنى فيه أنه مظنة ثوران الشهوة ومثله فى ذلك باقى صور الالتقاء فألحق به بخلاف النقض بمس الفرج كما سيأتى فانه يختص ببطن الكف لأن المس انما يثير الشهوة ببطن الكف واللمس يثيرها به وبغيره. والبشرة ظاهر الجلد وفى معناها اللحم كلحم الاسنان واللسان واللثة وباطن العين أما اذا كان على البشرة حائل ولو رقيقا فلا ينقض نعم لو كثر الوسخ على البشرة من العرق فان لمسه ينقض لأنه صار كالجزء من البدن بخلاف ما اذا كان من غبار. ولا ينقض التقاء بشرتى الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة أو الخنثى مع الرجل أو المرأة ولو بشهوة لانتفاء مظنتها ولاحتمال التوافق فى صور الخنثى هذا اذا التقى بشرتا الرجل والمرأة غير المحرم أما المحرم (٥) له بنسب أو رضاع أو مصاهرة فلا ينقض لمسها ولو بشهوة فى الأظهر لأنها ليست مظنة للشهوة بالنسبة اليه كالرجل وهى من حرم نكاحها على التأبيد بسبب مباح لحرمتها والقول الثانى المقابل للأظهر تنقض لعموم الآية والأصح الجواز، وقيل لا ينقض
стр. 6361
المحرم من النسب وينقض من غيره ولو شك فى المحرمية لم ينتقض وضوؤه لأن الأصل الطهارة وظاهر كلامهم ان الحكم كذلك وان اختلطت محرمه بأجنبيات غير محصورات وهو كذلك فقول الزركشى ان اللمس فى هذه الحالة ينقض لأنه لو نكحها جاز بعيد لأن الطهر لا يرفع بالشك ولا بالظن. نعم ان تزوج بواحدة منهن انتقض وضوؤه بلمسها لأن الحكم لا يبتعض ومثل ذلك ما لو تزوج بامرأة مجهولة النسب واستلحقها أبوه ولم يصدقه فان النسب يثبت فتصير أختا له ولا ينفسخ نكاحه وينتقض وضوءه بلمسها لما تقدم، ومثله كذلك ما لو شك هل رضع من هذه المرأة خمس رضعات فتصير أمه أولا وما لو شك هل رضعت هذه المرأة على أمه خمس رضعات فتصير أخته أولا فيأتى فى ذلك التفصيل المذكور وهو ان لمسها لا ينتقض وضوءه ان لم يتزوج بها لأنا لا ننقض الطهارة بالشك واذا تزوج بها لا نبعض الأحكام.
وكما أفتى بذلك شيخى رحمه الله تعالى.
والملموس رجلا كان أو امرأة مثل اللامس فى نقض وضوئه فى الأظهر لاستوائهما فى لذة اللمس كالمشتركين فى لذة الجماع فهما كالفاعل والمفعول.
القول الثانى المقابل للأظهر لا نقض وقوفا مع ظاهر الآية وكما فى مس ذكر غيره وفرق المتولى بأن الملامسة مفاعلة وممن لمس انسانا فقد حصل من الآخر اللمس له.
وأما الملموس فلم يحصل منه مس الذكر وانما حصل له مس اليد والشارع أناط الحكم بمس الذكر، وأجيب عما رواه مسلم عن عائشة رضى الله تعالى عنها أنها قالت فقدت رسول الله ﷺ فى الفراش ليلة فالتمسته فوقعت يدى على بطن قدميه وهو فى سجوده وهما منصوبتان وهو يقول اللهم انى أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك الخ باحتمال الحائل. ولا تنقض صغيرة ولا صغير لم يبلغ كل منهما حدا يشته عرفا وقيل من له سبع سنين فما دونها لانتفاء مظنة الشهوة بخلاف ما اذا بلغاها وان انتفت بعد ذلك لنحو هرم. ولا ينقض شعر وسن وظفر وعظم اذا كانت هذه المذكورات متصلات فى الأصح لأن معظم الالتذاذ فى هذه الحالة انما هو بالنظر دون اللمس.
والقول الثانى المقابل للأصح تنقض أما فى الصغيرة فلعموم الآية وأما فى البواقى من لمس ذلك خروجا من الخلاف أما اذا انفصلت فلا تنقض قطعا ولا ينقض العضو المبان غير الفرج، ولو قطعت المرأة نصفين هل ينقض كل منهما أولا؟ وجهان والأقرب عدم الانتقاض.
وقال الناشرى لو كان أحد الجزأين أعظم نقض دون غيره، والذى يظهر أنه ان كان بحيث يطلق عليه اسم امرأة نقض والا فلا، وتقدم أنه ينتقض الوضوء بلمس الميت ونقل ابن الرفعة فى كفايته عن الرافعى رحمه الله تعالى عدم النقض بلمس الميت ونسب للوهم (١).
والسبب الرابع مس قبل الآدمى ذكرا كان أو أنثى من نفسه أو غيره متصلا كان أو منفصلا ببطن الكف من غير حائل لخبر من مس فرجه فليتوضأ «رواه الترمذى وصححه ولخبر ابن حبان رضى الله تعالى عنه اذا أفضى أحدكم بيده الى فرجه وليس بينهما ستر ولا حجاب فليتوضأ» والافضاء لغة المس ببطن الكف، فثبت النقض فى فرج نفسه بالنص، فيكون فى فرج غيره أولى لأنه أفحش لهتك حرمة غيره ولهذا لا يتعدى النقض اليه، وقيل فيه خلاف الملموس، وتقدم الفرق بينهما، وأما خبر عدم النقض بمس الفرج.
فقال ابن حبان رحمه الله تعالى وغيره أنه منسوخ، والمراد بالمس مس جزء من الفرج بجزء من بطن الكف - وبطن الكف الراحة مع بطون الأصابع - والأصابع الزائدة ان كانت
стр. 6362
على سنن الأصابع انتقض بالمس بها والا فلا خلافا لما نقله فى المجموع عن الجمهور من اطلاق النقض بها، والمراد بفرج المرأة ملتقى الشفرين على المنفذ فلا نقض بمس الانثيين ولا باطن الأليين ولا ما بين القبل والدبر ولا العانة، وما أفتى به القفال رحمه الله تعالى من ان مس شعر الفرج ينقض ضعيف، ومس بعض الذكر المبان كمس كله الا ما قطع فى الختان اذ لا يقع عليه اسم الذكر قاله الماوردى رحمه الله تعالى: وأما قبل المرأة والدبر فالمتجه أنه ان بقى اسمهما بعد قطعهما نقض مسهما والا فلا لأن الحكم منوط بالاسم ويؤخذ من ذلك ان الذكر لو قطع ودق حتى صار لا يسمى ذكرا ولا بعضه أنه لا ينقض وهو كذلك، ومن له كفان نقضتا بالمس سواء أكانتا عاملتين أم غير عاملتين لا زائدة مع عاملة فلا تنقض على الأصح فى الروضة بل الحكم للعاملة فقط، وصحح فى التحقيق النقض بغير العامل أيضا، وعزاه فى المجموع لاطلاق الجمهور.
ثم نقل الأول عن البغوى رحمه الله تعالى فقط، وجمع ابن العماد رحمه الله تعالى بين الكلامين فقال كلام الروضة فيما اذا كان الكفان على معصومين، وكلام التحقيق فيما اذا كانتا على معصم واحد، أى وكانت على سمت الأصلية كالأصبع الزائدة - ومن له ذكران نقض المس لكل منهما سواء أكانا عاملين أم غير عاملين لا زائد مع عامل ومحله كما قال الاسنوى رحمه الله تعالى نقلا عن الفورانى اذا لم يكن مسامتا للعامل والا فهو كأصبع زائدة مسامتة للبقية فينقض، وكذا فى الجديد ينقض الوضوء مس حلقة دبر الآدمى لأنه فرج وقياسا على القبل بجامع النقض بالخارج منهما، والقديم لا نقض بمسها لأنه لا يلتذ بمسها، والمراد بها ملتقى المنفذ لا ما وراءه جزما. ولا ينقض مس فرج بهيمة أو طير فى الجديد قياسا على عدم وجوب ستره وعدم تحريم النظر اليه والقديم - وحكاه جمع جديد - أنه ينقض لأنه كفرج الآدمى فى وجوب الغسل بالايلاج فيه فكذا فى المس، وينقض مس فرج الميت والصغير لشمول الاسم ومحل الجب - أى القطع للفرج - والذكر الأشل - وهو الذى ينقبض ولا ينبسط أو بالعكس - وينبغى ان يكون مثل ذلك الفرج الأشل، وينقض المس باليد الشلاء - وهو التى بطل عملها - فى الأصح لأن محل الجب فى معنى الفرج ومحل الخلاف اذا جب الذكر من أصله فان بقى منه شاخص نقض قطعا ولشمول الاسم فى الباقى والقول الثانى المقابل للأصح لا تنقض المذكورات لانتفاء الفرج فى محل الجب ولانتفاء مظنة الشهوة فى غيره قال فى المجموع: ولو نبت موضع الجب جلدة فمسها كمسه بلا جلدة، هذا كله اذا كان الممسوس واضحا فان كان مشكلا فاما ان يكون الماس له واضحا أو مشكلا وفى ذلك تفصيل وهو أنه ان مس مشكل فرجى مشكل أو فرجى مشكلين بأن مس آلة الرجال من أحدهما وآلة النساء من الآخر، أو فرجى نفسه انتقض وضوءه لأنه مس فى غير الثانية ومس أو لمس فى الثانية الصادقة بمشكلين غيره وبنفسه ومشكل آخر لكن يعتبر فيها ان لا يمنع من النقص مانع من محرمية أو غيرها ولا ينتقض بمس أحدهما فقط لاحتمال زيادته، ولو مس أحدهما وصلى الصبح مثلا ثم مس الآخر وصلى الظهر مثلا أعاد الأخرى ان لم يتوضأ بين المسين عن حدث أو عن المسن احتياطا ولم يظهر له الحال لأنه محدث عندها قطعا بخلاف الصبح اذ لم يعارض شئ وان مس رجل ذكر خنثى أو مست امرأة فرجه انتقض وضوء الماس اذا لم يكن بينهما محرمية أو غيرها مما يمنع النقض كما علم مما مر لأنه ان كان مثله فقد انتقض وضوءه بالمس والا فباللمس، بخلاف ما اذا مس الرجل فرج الخنثى أو مست المرأة ذكره فانه لا نقض لاحتمال زيادته، ولو مس أحد مشكلين ذكر صاحبه والآخر فرجه أو فرج نفسه انتقض واحد منهما لا بعينه لأنهما ان كانا رجلين فقد انتقض الماس الذكر وان كانا امرأتين فلماس الفرج وان كانا مختلفين فلكليهما باللمس واذا لم يكن بينهما ما يمنع النقض كما مر الا ان هذا غير متعين فلم يتعين الحدث فيهما فلكل ان يصلى،
стр. 6363
ولا ينقض المس برأس الأصابع وما بينهما وحرفها وحرف الكف لخروجها عن سمت الكف وضابط ما ينقض ما يستر عند وضع احدى اليدين على الأخرى مع تحامل يسير (١).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع أن نواقض الوضوء ثمانية أنواع:
أحدها: الخارج من السبيلين الى ما هو فى حكم الظاهر، ويلحقه حكم التطهير من الحدث والخبث لقول الله «أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ﴾ (٢).
وقول رسول الله ﷺ (ولكن من غائط أو بول) الحديث، وقوله فى المذى يغسل ذكره ويتوضأ، وقوله لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا.
ويستثنى من ذلك من حدثه دائم فلا يبطل وضوءه بالحدث الدائم للحرج والمشقة قليلا كان الخارج أو كثيرا لعموم ما تقدم، نادرا كان أو معتادا، أما المعتاد كالبول والغائط والودى والمذى والريح فلما تقدم وأما النادر كالدم والدود والحصى.
فلما روى عروة عن فاطمة بنت حبيش رضى الله تعالى عنها أنها كانت تستحاض فسألت النبى ﷺ فقال اذا كان دم الحيض فانه أسود يعرف فاذا كان كذلك فامسكى عن الصلاة واذا كان الآخر فتوضئ وصلى فانما هو دم عرق رواه أبو داود والدار قطنى وقال اسناده كلهم ثقات فأمرها بالوضوء ودمها غير معتاد فيقاس عليه ما سواه وسواء كان طاهرا - كولد بلا دم - أو نجسا كالبول وغيره فينقض الخارج من السبيلين ولو كان ريحا من قبل أنثى أو من ذكر لعموم قوله ﷺ (لا وضوء الا من حدث أو ريح) رواه الترمذى وصححه من حديث أبى هريرة رضى الله تعالى عنه وهو الشامل للريح من القبل.
وقال ابن عقيل رحمه الله تعالى يحتمل أن يكون الأشبه بمذهبنا أن لا ينقض لأن المثانة ليس لها منفذ الى الجوف ولم يجعلها أصحابنا جوفا فلم يبطلوا الصوم بالحقنة فيها قال فى المغنى ولا نعلم لخروج الريح من القبل وجودا ولا نعلم وجوده فى حق أحد فلو احتمل المتوضئ فى قبل أو دبر قطنا أو ميلا ثم خرج ولو بلا بلل نقض صححه فى مجمع البحرين ونصره.
وقال فى تصحيح الفروع: وهو الصواب، وخروجه بلا بلة نادر جدا فعلق الحكم على المظنة وقيل لا ينقض ان خرج بلا بلل قال فى تصحيح الفروع والأنصاف: وهو ظاهر نقله عبد الله عن الامام أحمد وذكره القاضى فى المجرد وصححه ابن حمدان وقدمه ابن رزين فى شرحه قال فى شرح المنتهى وهو المذهب. ولو قطر فى احليله دهنا أو غيره من المائعات ثم خرج نقض لأنه لا يخلو من بلة نجسة تصحبه أو خرجت الحقنة من الفرج نقضت أو ظهر طرف مصران أو رأس دودة نقض.
قال فى الأنصاف على الصحيح من المذهب وكلامه فى الفروع كخروج المقعدة فعليه لا نقض بلا بلل، ولو وطئ دون الفرج فدب ماؤه فدخل فرجها ثم خرج نقض، ولو استدخلت منى الرجل أو استدخلت منى امرأة أخرى ثم خرج نقض الوضوء لأنه خارج من السبيلين ولم يجب عليها الغسل لأنه لم يخرج دفقا بشهوة فان لم يخرج من الحقنة شئ أو لم يخرج من المنى شئ لم ينقض الوضوء لكن ان كان المحتقن أو الحاقن قد أدخل رأس الزراقة ثم أخرجه نقض لأنه خارج من سبيل، ولو ظهرت مقعدته فعلم أن عليها بللا ولو لم ينفصل انتقض وضوءه بالبلل الذى عليها لأنه خارج من سبيل ولا ينقض وضوءه ان جهل ان عليها بللا لأنه لا نقض بالشك ولو صب دهنا أو غيره فى أذنه فوصل الى دماغه ثم خرج منها أو خرج من فيه لم ينقض لأنه خارج طاهر
стр. 6364
من غير السبيل أشبه البصاق. ولا ينقض يسير نجس خرج من أحد فرجى خنثى مشكل غير بول وغائط فانه ينقض مطلقا وكذا اليسير اذا خرج منها لأن أحدهما أصلى ولا بد (١).
الثانى من النواقض خروج النجاسات من بقية البدن فان كانت النجاسات غائطا أو بولا نقض ولو قليلا من تحت المعدة أو فوقها سواء كان السبيلان مفتوحين أو مسدودين لما تقدم من عموم قول الله «أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ﴾ (٢)».
وقول رسول الله ﷺ (ولكن من غائط وبول) ولأن ذلك معتاد خارج أشبه الخارج من المخرج لكن لو انسد المخرج وفتح غيره فأحكام المخرج باقية مطلقا وفى النهاية الا ان يكون سد خلقة فسبيل الحدث المنفتح والمسدود كعضو زائد من الخنثى. ولا يثبت للمنفتح أحكام المعتاد فلا ينقض خروج ريح منه ولا يجزئ الاستجمار فيه وغير ذلك كوجوب الغسل بالايلاج فيه وخروج المنى منه لأنه ليس بفرج وان كانت النجاسات الخارجة من غير السبيلين غير الغائط والبول كالقئ أو الدم والقيح ودود الجرح لم ينقض الا كثيرها أما كون الكثير ينقض فلقول رسول الله ﷺ فى حديث فاطمة رضى الله تعالى عنها أنه دم عرق فتوضئ لكل صلاة رواه الترمذى ولأنها نجاسة خارجة من البدن أشبهت الخارج من السبيلين وأما كون القليل من ذلك لا ينقض فلمفهوم قول ابن عباس رضى الله تعالى عنهما فى الدم اذا كان فاحشا فعليه الاعادة.
قال احمد رحمه الله تعالى عدة من الصحابة تكلموا فيه، ابن عمر عصر بثرة فخرج الدم فصلى ولم يتوضأ وابن أبى أوفى عصر دملا وذكر غيرهما ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة فكان اجماعا والكثير ما فحش فى نفس كل أحد بحسبه نص عليه واحتج بقول ابن عباس: الفاحش ما فحشى فى قلبك.
وقال ابن عقيل انما يعتبر ما يفحش فى نفوس أوساط الناس، فلو مص علق أو قراد - لا ذباب وبعوض - دما كثيرا نقض الوضوء وكذا لو استخرج كثيره بقطنة لأن الفرق بين ما خرج بنفسه أو بمعالجته لا أثر له فى نقض الوضوء أو عدمه بخلاف مص بعوض وبق وذباب وقمل وبراغيث لقلته ومشقة الاحتراز منه، ولو شرب انسان ماء أو نحوه وقذفه فى الحال فنجس ولو لم يتغير لأن نجاسته بوصوله الى الخوف لا باستحالته وينقض كثير مقذوف فى الحال لما روى معدان بن أبى طلحة، عن أبى الدرداء أن النبى ﷺ قاء فتوضأ قال فلقيت ثوبان فى مسجد دمشق فقال صدق أنا سكبت له وضوءه رواه الترمذى وقال هذا أصح شئ فى هذا الباب ولا ينقض بلغم معدة وصدر ورأس لطهارته كالبصاق والنخامة لأنها تخلق من البدن ولا ينقض أيضا جشاء نصا - وهو القلس (٣).
الثالث من النواقض: زوال العقل كحدوث جنون أو برسام كثيرا كان أو قليلا - أو تغطيته باغماء أو سكر قليل أو كثير.
قال فى المبدع اجماعا على كلا الأحوال لأن هؤلاء لا يشعرون بحال بخلاف النائم، ولو كانت تغطيته بنوم.
قال أبو الخطاب محفوظ وغيره ولو تلجم فلم يخرج منه شئ الحاقا بالغالب لأن الحس يذهب معه، ولعموم حديث على العين وكاء السه فمن نام فليتوضأ رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة.
وعن معاوية قال، قال رسول الله ﷺ العين وكاء السه فاذا نامت العينان
стр. 6365
استطلق الوكاء رواه أحمد والدار قطنى ولأن النوم ونحوه مظنة الحدث فأقيم مقامه، الا نوم النبى ﷺ ولو كثيرا على أى حال كان فانه كانت تنام عيناه ولا ينام قلبه، والا النوم اليسير عرفا من جالس وقائم لقول أنس كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفف رءوسهم ثم يصلون ولا يتوضئون رواه أبو داود باسناد صحيح.
ولقول ابن عباس فى تهجده ﷺ فجعلت اذا غفيت يأخذ بشحمة أذنى رواه مسلم ولأن الجالس والقائم يشتبهان فى الانحفاظ واجتماع المخرج وربما كان القائم أبعد من الحدث لكونه لو استثقل فى النوم سقط فان شك فى هل كان نومه كثيرا أو يسيرا لم يلتفت اليه لتيقنه الطهارة وشكه فى نقضها، وان رأى فى نومه رؤيا فهو كثير نص عليه.
قال الزركشى رحمه الله تعالى: لا بد فى النوم الناقض من الغلبة على العقل فمن سمع كلام غيره وفهمه فليس بنائم فان سمعه ولم يفهمه فيسير قال واذا سقط الساجد عن هيئته أو القائم عن قيامه ونحو ذلك بطلت طهارته لأن أهل العرف يعدون ذلك كثيرا، وان خطر بباله شئ لا يدرى أرؤيا أو حديث نفس فلا وضوء عليه لتيقنه الطهارة وشكه فى الحدث وينقض النوم اليسير من راكع وساجد كمضطجع وقياسهما على الجالس مردود بأن محل الحدث فيهما منفتح بخلاف الجالس، وينقض اليسير أيضا من مستند ومتكئ ومحتب كمضطجع بجامع الاعتماد (١).
الرابع من نواقض الوضوء مس ذكر آدمى الى أصول الأنثيين مطلقا أى سواء كان الماس ذكرا أو أنثى بشهوة أو غيرها ذكره أو ذكر غيره لحديث بسرة بنت صفوان أن النبى ﷺ قال من مس ذكره فليتوضأ رواه مالك والشافعى وأحمد وغيرهم وصححه أحمد وابن معين.
وعن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أن النبى ﷺ قال اذا أفضى أحدكم الى ذكره فقد وجب عليه الوضوء رواه الشافعى وأحمد، وفى رواية له: وليس دونه ستر.
وما روى قيس بن طلق عن أبيه ان النبى ﷺ سئل عن الرجل يمس ذكره وهو فى الصلاة هل عليه وضوء؟ قال لا انما هو بضعة منك. فضعفه الشافعى وأحمد. وانما ينقض الوضوء مس الذكر اذا كان المس بيده فلا ينقض المس بغير يده لحديث أبى هريرة رضى الله تعالى عنه السابق، وسواء كان المس ببطن كفه أو بظهره أو بخرقة للعموم فالمراد باليد من رؤس الأصابع الى الكوع كالسرقة غير ظفر فلا ينقض المس به لأنه فى حكم المنفصل من غير حائل لما تقدم من قوله ﷺ وليس دونه ستر، فان مسه من وراء حائل لم ينقض لأنه انما مس الحائل ولا فرق فى نقض الوضوء اذا مس ذكرا بيده بين أن تكون اليد أصلية أو زائدة للعموم وينقض مس الذكر بفرج غير ذكر فينقض مس الذكر بقبل أنثى أو دبر مطلقا بلا حائل لأنه أفحش من مسه باليد ولا ينقض مس ذكر بذكره ولا ينقض وضوء ملموس ذكره أو ملموس قبله أو ملموس دبره لأن رسول الله ﷺ فيما تقدم أمر الماس بالوضوء ولو انتقض وضوء الملموس لأمره أيضا به، ولا ينقض مس ذكر بائن لذهاب حرمته، ولا ينقض أيضا مس محل الذكر المقطوع من أصول الاثنيين كسائر البدن لأنه لم يمس ذكرا، ولا ينقض أيضا مس قلفة (٢) بعد قطعها لزوال الاسم والحرمة وأما قبل قطعها فينقض مسها كالحشفة لأنها من الذكر ولا ينقض مس فرج امرأة بائن لما تقدم ولا ينقض
стр. 6366
مس غير فرج كالمنفتح فوق المعدة أو تحتها مسدودا كان الأصلى أو منفتحا بأصل الخلقة أولا لأنه عضو زائد لا يثبت له حكم المعتاد ولا ينقض مس الذكر بغير يد كالذراع غير ما تقدم من مس الذكر بفرج غيره فانه ينقض، ولا ينقض مس ذكر زائد لأنه ليس فرجا فان لمس رجل أو امرأة أو خنثى قبل خنثى مشكل وذكره ولو كان الخنثى اللامس لقبل نفسه وذكره نقض الوضوء لأن لمس الفرج متيقن لأن الخنثى ان كان ذكرا فقد لمس ذكره وان كان أنثى فقد لمس فرجها، ولا ينقض الوضوء ان لمس ذكر الخنثى أو قبله فقط لاحتمال أن يكون غير فرج فلا ينقض الوضوء مع قيام الاحتمال الا ان يمس الرجل ذكر الخنثى بشهوة فانه ينقض وضوء اللامس لأن الخنثى ان كان ذكرا فقد مس ذكرا أصليا وان كان أنثى فقد مس الرجل امرأة لشهوة وينقض الوضوء اذا مست فرج الخنثى بشهوة لأن الخنثى ان كان امرأة فقد لمست المرأة فرج امرأة وان كان ذكرا فقد لمسته بشهوة وينقض مس حلقة دبر من الماس - بأن يمس حلقة دبر نفسه أو حلقة دبر من غيره بأن يمس حلقة دبر غيره ذكرا كان أو أنثى، وينقض أيضا مس امرأة فرجها الذى بين شفريها - وهو مخرج بول ومنى وحيض - لقول رسول الله ﷺ : من مس فرجه فليتوضأ رواه ابن ماجه وغيره.
والفرج اسم جنس مضاف فيعم، ولقول رسول الله ﷺ : أيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ رواه أحمد من حديث عمرو بن شعيب رضى الله تعالى عنه واسناده جيد اليه ولا ينقض مس امرأة شفريها - وهما اسكتاها - وينقض مس امرأة فرج أخرى، وينقض مس رجل فرجها وينقض مسها ذكره ولو من غير شهوة لأنه اذا انتقض وضوء الانسان بمس فرجه نفسه مع كون الحاجة تدعو الى مسه وهو جائز فلأن ينقض بمس فرج غيره مع كونه معصية أولى (١) الخامس من النواقض مس بشرة الذكر بشرة أنثى لشهوة لقول الله «أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ (٢)» وأما كون اللمس لا ينقض الا اذا كان لشهوة فللجمع بين الآية والأخبار لأنه روى عن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدى على بطن قدميه وهو فى المسجد وهما منصوبتان «رواه مسلم» ونصبهما دليل على أنه ﷺ كان يصلى.
وروى عنها أيضا قالت: كنت أنام بين يدى رسول الله ﷺ ورجلاى فى قبلته فاذا سجد غمزنى فقبضت رجلى، متفق عليه، والظاهر ان غمزه ﷺ رجليها كان من غير حائل ولأن رسول الله ﷺ صلى وهو حامل أمامة بنت أبى العاص بن الربيع اذا سجد وضعها واذا قام حملها، متفق عليه.
والظاهر أنه ﷺ لا يسلم من مسها، ولأن المس ليس بحدث فى نفسه وانما هو داع الى الحدث فاعتبرت الحالة التى يدعو فيها الى الحدث وهى حالة الشهوة.
وكذا من النواقض مس بشرة أنثى بشرة ذكر بشهوة لأنها ملامسة تنقض الوضوء فاستوى فيها الذكر والأنثى كالجماع هذا اذا كان المس المذكور من غير حائل لأنه مع الحائل لم يلمس بشرتها أشبه ما لو لمس ثيابها لشهوة والشهوة لا توجب الوضوء بمجردها كما لو وجدت من غير لمس شئ.
ولا ينقض مس الرجل الطفلة ولا مس المرأة الطفل أى من دون السبع، وينقض اللمس بشهوة كما تقدم ولو كان اللمس بزائد أو لزائد أو شلل أى ينقض المس لأشل والمس به كغيره وينقض اللمس أيضا لشهوة ولو كان الملموس ميتا أو عجوزا أو محرما أو صغيرة تشته وهى بنت سبع فأكثر لعموم قول الله «أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ» لامس من دون السبع كما تقدم،
стр. 6367
ولا ينقض وضوء ملموس بدنه ولو وجد منه شهوة لأنه لا نص فيه وقياسه على اللامس لا يصح لفرط شهوته ولا ينقض وضوء بانتشار ذكر عن فكر وتكرار نظر لأنه لا نص فيه، ولا ينقض لمس شعر وظفر وسن ولا المس به لأنه فى حكم المنفصل، ولا ينقض مس عضو مقطوع لزوال حرمته ولا ينقض وضوء رجل مس أمرد (١).
ولو بشهوة لعدم تناول الآية له، ولأنه ليس بمحل للشهوة شرعا، ولا ينقض مس خنثى مشكل من رجل أو امرأة ولو بشهوة ولا بمسه رجلا أو امرأة ولو لشهوة لأنه متيقن الطهارة شاك فى الحدث، ولا ينقض مس الرجل الرجل ولا المرأة المرأة ولو بشهوة فيما تقدم من الصور.
واذا لم ينقض مس أنثى استحب الوضوء نص عليه وذكره فى الفروع (٢).
السادس من نواقض الوضوء: غسل الميت أو بعضه ولو فى قميص لما روى عطاء أن ابن عمر وابن عباس رضى الله تعالى عنهم كانا يأمران غاسل (٣) الميت بالوضوء، وكان شائعا لم ينقل عنهم الاخلال به، وعن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه: أقل ما فيه الوضوء، ولم يعرف لهم مخالف لأن الغاسل لا يسلم من مس عورة الميت غالبا فأقيم مقامه كالنوم مع الحدث، ولا ينقض تيمم الميت لتعذر غسل لعدم النص فيه، ولا فرق فى الميت بين المسلم والكافر والرجل والمرأة والكبير والصغير للعموم.
السابع من النواقض: أكل لحم الجزور لقول رسول الله ﷺ توضئوا من لحوم الابل ولا تتوضئوا من لحوم الغنم رواه أحمد وأبو داود والترمذى من حديث البراء ابن عازب وروى مسلم معناه من حديث جابر ابن سمره، والأول صححه أحمد واسحق وقال ابن عازب وروى مسلم معناه من حديث جابر الخبر صحيح.
قال الخطابى رحمه الله تعالى: ذهب الى هذا عامة علماء الحديث، فعلى هذا لا فرق بين قليله وكثيره وكونه نيأ أو غير نئ ولا بين كون الآكل عالما بالحديث أو جاهلا. ووجب الوضوء من آكل لحم الجزور تعبدا لا يعقل معناه فلا يتعدى الى غيره فلا يجب الوضوء بشرب لبنها ومرق لحمها وأكل كبدها وطحالها وسنامها وجلدها وكرشها ونحو ذلك كمصرانها لأن النص لم يتناوله ولا ينقض الوضوء طعام محرم أو نجس ولو كلحم خنزير لأن الحكم فى لحم الابل غير معقول المعنى فيقتصر على مورد النص فيه وما روى أسيد بن خضير أن النبى ﷺ سئل عن البان الابل فقال توضئوا من ألبانها رواه أحمد وابن ماجة، أجيب عنه بأن فى طريقه الحجاج عن أرطأة قال أحمد والدارقطنى:
لا يحتج به (٤).
والثامن المتمم للنواقض: موجبات الغسل كالتقاء الختانين وانتقال المنى واسلام الكافر أصليا كان أو مرتدا، وكغير ذلك من موجبات الغسل، فموجبات الغسل كلها توجب الوضوء غير الموت فانه يوجب الغسل ولا يوجب الوضوء.
ولا نقض بكلام محرم كالكذب والغيبة والقذف والسب ونحوها بل يستحب الوضوء من الكلام المحرم، ولا نقض بازالة شعر وأخذ ظفر ونحوهما خلافا لما حكى عن مجاهد والحكم وحماد لأن غسله أو مسحه أصلى لا بدل عما تحته بخلاف الخف ونحوه، ولا نقض بقهقهة (٥)
стр. 6368
ولو فى صلاة، اما ما روى امامة عن أبيه رضى الله تعالى عنهما قال بينما نحن نصلى خلف رسول الله ﷺ اذ أقبل رجل ضرير البصر فتردى فى حفرة فضحكنا منه فأمرنا رسول الله ﷺ باعادة الوضوء كاملا واعادة الصلاة من أولها فقد رواه الدارقطنى من طرق كثيرة وضعفها وقال انما روى هذا الحديث عن أبى العالية مرسلا، وقال بنحو ذلك أحمد وعبد الرحمن بن مهدى، قال ابن سيرين لا تأخذوا بمراسيل الحسن وأبى العالية فانهما لا يباليان عمن اخذا.
ولا نقض بأكل ما مست النار لقول جابر رضى الله تعالى عنه كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار رواه أبو داود والترمذى وابن ماجة، ولا يستحب الوضوء من القهقهة وأكل ما مست النار (١).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أن النوم فى حد ذاته ينقض الوضوء سواء قل أو كثر أو وسواء نام قاعدا أو قائما فى صلاة أو فى غير صلاة، أو راكعا كذلك أو ساجدا كذلك أو متكئا أو مضطجعا أيقن من حواليه أنه لم يحدث أو لم يوقنوا برهان ذلك ما حدثناه يونس بن عبد الله وعبد الله بن ربيع، عن عاصم بن أبى النجود زر بن حبيش باسناده.
قال سالت صفوان بن عسال عن المسح على الخفين فقال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا اذا كنا مسافرين أن نمسح على خفافنا ولا ننزعها ثلاثة أيام من غائط وبول ونوم الا من جنابة فعم ﷺ كل نوم ولم يخص قليله من كثيره ولا حالا من حال وسوى بينه وبين الغائط والبول وهذا قول أبى هريرة وأبى رافع وعروة ابن الزبير وعطاء والحسن البصرى وسعيد بن المسيب وعكرمة والزهرى والمزنى وغيرهم كثير، رضى الله تعالى عنهم (٢).
أما ذهاب العقل بأى شئ ذهب من جنون أو اغماء أو سكر من أى شئ سكر فليس من نواقض الوضوء (٣) خلافا لمن ذهبوا الى ذلك ولا يقاس شئ من ذلك على النوم لأن النوم لا يشبه الاغماء ولا الجنون ولا السكر فيقاس عليه. والمذى والبول والغائط من أى موضع خرجا من الدبر والاحليل أو من جرح فى المثانة أو البطن أو غير ذلك من الجسد أو من الفم ينقض الوضوء فأما المذى فلما روينا عن أحمد بن محمد بن الجسور باسناده عن المقداد بن الأسود أن على بن أبى طالب كرم الله تعالى وجهه أمره أن يسأل له رسول الله ﷺ عن الرجل اذا دنا من امرأته فخرج منه المذى قال فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال اذا وجد احدكم ذلك فلينضح فرجه بالماء وليتوضأ وضوءه للصلاة وأما البول والغائط فاجماع متيقن وأما قولنا من أى موضع خرج فلعموم أمره ﷺ بالوضوء منهما ولم يخص خروجهما من المخرجين دون غيرهما وهذا الاسمان واقعان عليهما فى اللغة التى بها خاطبنا ﷺ من حيث ما خرجا (٤). والريح الخارجة من الدبر - خاصة لا من غيره - سواء خرجت بصوت أم بغير صوت تنقض الوضوء وهذا أيضا اجماع متيقن ولا خلاف فى أن الوضوء من الفسو والضراط، وهذان الاسمان لا يقعان على الريح
стр. 6369
البتة الا أن خرجت من الدبر، والا فانما يسمى جشاء أو عطاسا (١) فقط.
فمن كان مستنكحا بشئ مما ذكرنا توضأ ولا بد لكل صلاة فرضا كانت أو نفلا، ثم لا شئ عليه فيما خرج منه من ذلك فى الصلاة أو فيما بين وضوئه وصلاته ولا يجزئه الوضوء الا فى أقرب ما يمكن أن يكون وضوءه من صلاته، ولا بد للمستنكح ايضا من أن يغسل ما خرج منه من البول والغائط والمذى حسب طاقته مما لا حرج عليه فيه، ويسقط عنه من ذلك ما فيه عليه الحرج منه، برهان ذلك قول رسول الله ﷺ فيما رويناه من قول رسول الله ﷺ (اذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وقول الله «وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾» (٢)» وقوله تعالى «يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ» (٣)» فصح أنه مأمور بالصلاة والوضوء من الحدث، وهذا كله حدث، فالواجب أن يأتى من ذلك ما يستطيع وما لا حرج عليه فيه ولا عسر. وهو مستطيع على الصلاة وعلى الوضوء لها ولا حرج عليه فى ذلك فعليه أن يأتى بهما وهو غير مستطيع للامتناع مما يخرج عنه من ذلك فى الصلاة وفيما بين وضوئه وصلاته فسقط عنه، وكذلك القول فى غسل ما خرج منه من ذلك (٤). فهذه الوجوه تنقض الوضوء عمدا كان أو نسيانا أو بغلبة وهذا اجماع ما ذكرنا مما فيه الخلاف (٥). وينقض الوضوء مس الرجل ذكر نفسه خاصة عمدا بأى شئ مسه من باطن يده أو من ظاهرها أو بذراعه - حاشا مسه بالفخذ أو الساق أو الرجل من نفسه فلا يوجب وضوءا - ومس المرأة فرجها عمدا كذلك أيضا سواء سواء، ولا ينقض الوضوء شئ من ذلك بالنسيان وينقض الوضوء مس الرجل ذكر غيره من صغير أو كبير ميت أو حى بأى عضو مسه عمدا من جميع جسد من ذى رحم محرمة أو من غيره ومس المرأة فرج غيرها عمدا أيضا كذلك سواء سواء، لا معنى للذة فى شئ من ذلك فان كان كل ذلك على ثوب رقيق أو كثيف للذة أو لغير لذة، باليد أو بغير اليد، عمدا أو غير عمد لم ينقض الوضوء، وكلك ان مسه بغلبة أو نسيان فلا ينتقض الوضوء برهان ذلك ما حدثناه حمام بن أحمد باسناده عن عروة بن الزبير رضى الله تعالى عنه قال تذاكر هو ومروان الوضوء فقال مروان حدثتنى بسره بنت صفوان انها سمعت رسول الله ﷺ يأمر بالوضوء من مس الفرج ولفظ هذا الحديث عام يقتضى كل ما ذكرنا.
وأما مس الرجل فرج نفسه بساقه ورجله وفخذه فلا خلاف فى ان المرء مأمور بالصلاة فى قميص كثيف وفى مئزر وقميص ولا بدله ضرورة فى صلاته كذلك من وقوع فرجه على ساقه ورجله وفخذه فخرج هذا بهذا الاجماع المنصوص عليه من جملة هذا الخبر. قال أبو محمد: والماس على الثوب ليس ماسا ولا معنى للذة لأنه لم يأت بها نص ولا اجماع، وانما هى دعوى بظن كاذب، وأما النسيان فى هذا فقد قال الله تعالى «وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٦)» وهذا قول ابن عباس رضى الله تعالى عنهما وروينا عن طريق وكيع عن خصيف عن عكرمة عنه انه قال: مس الذكر عمدا ينقض الوضوء ولا ينقضه بالنسيان (٧). وينقض الوضوء أكل لحوم الابل نيئة أو مطبوخة أو مشوية عمدا وهو يدرى أنه لحم جمل أو ناقة، ولا ينقض الوضوء أكل شحومها محضة ولا أكل
стр. 6370
شئ منها غير لحمها فان كان يقع على بطونها أو رؤسها أو أرجلها أسم لحم عند العرب نقض أكلها الوضوء والا فلا، ولا ينقض الوضوء كل شئ مسته النار غير ذلك، وبهذا يقول أبو موسى الأشعرى وجابر بن سمرة رضى الله تعالى عنهم، وذلك لما روينا عن عبد الله ابن يوسف باسناده عن جابر بن سمرة قال سأل رجل رسول الله ﷺ أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: ان شئت فتوضأ وان شئت فلا تتوضأ، قال: أأتوضأ من لحوم الابل؟ قال: نعم فتوضأ من لحوم الابل. وأما الوضوء مما مست النار فانه قد صحت فى ايجاب الوضوء منه احاديث ثابتة من طريق عائشة وأم حبيبة أم المؤمنين رضى الله تعالى عنهما، وأبى أيوب وأبى طلحة وأبى هريرة وزيد بن ثابت رضى الله تعالى عنهم، لكنها نسخت بما حدثنا عبد الله بن ربيع باسناده عن محمد بن المنكدر قال سمعت جابر بن عبد الله قال (كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار) أما اكل لحوم الابل بنسيان أو بغير علم أنه من لحوم الابل فقد ذكرنا قول الله «وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ» فمن فعل شيئا من غير قصد مسواء ذلك وتركه الا أن يأتى نص فى ايجاب حكم النسيان فيوقف عنده (١).
وينتقض الوضوء كذلك مس الرجل المرأة والمرأة الرجل بأى عضو مس أحدهما الآخر اذا كان عمدا دون أن يحول بينهما ثوب أو غيره سواء كانت المرأة أمه أو ابنته وسواء كان الرجل الذى مسته المرأة ابنها أو أباها، صغيرا كان أو كبيرا بلذة أو بغير لذة فلا معنى للذة فى شئ من ذلك. برهان ذلك قول الله ﵎ «أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ (٢)» والملامسة فعل من فاعلين، وبيقين ندرى أن الرجال والنساء مخاطبون بهذه الآية لا خلاف بين أحد من الأمة فى هذا لأن أول الآية وآخرها عموم للجميع من الذين آمنوا فصح أن هذا الحكم لازم للرجال اذا لامسوا النساء وللنساء اذا لامسن الرجال ولم يخص الله تعالى امرأة من امرأة ولا لذة من غير لذة فتخصيص ذلك لا يجوز وهو قول ابن مسعود رضى الله تعالى عنه.
فان كان المس على ثوب لم ينتقض الوضوء ولو كان للذة (٣). وايلاج الذكر فى الفرج يوجب الوضوء سواء كان معه انزال أو لم يكن برهان ذلك ما حدثنا عبد الله بن يوسف عن أبى أيوب الأنصارى عن أبى بن كعب رضى الله تعالى عنه قال: سألت رسول الله ﷺ عن الرجل يصيب من المرأة ثم يكسل قال يغسل ما اصابه من المرأة ثم يتوضأ ويصلى (٤).
وينقض الوضوء كذلك حمل الميت فى نعش أو فى غيره فقد حدثنا عبد الله بن ربيع باسناده عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: (من غسل ميتا فليغتسل ومن حملها فليتوضأ) قال أبو محمد:
يعنى الجنازة، وروينا مسندا الى حماد بن سلمة عن أيوب السختيانى، عن محمد بن سيرين قال كنت مع عبد الله بن عتبة بن مسعود فى جنازة فلما جئنا المسجد فدخل عبد الله بهته يتوضأ ثم خرج الى المسجد فقال لى أما توضأت؟ قلت:
لا، فقال: كان عمر بن الخطاب ومن دونه من الخلفاء اذا صلى أحدهم على الجنازة ثم أراد أن يصلى المكتوبة توضأ حتى أن أحدهم كان يكون فى المسجد فيدعو بالطشت فيتوضأ فيها. قال أبو محمد: لا يجوز أن يكون وضوؤهم رضى الله تعالى عنهم لأن الصلاة على الجنازة حدث، ولا يجوز أن يظن بهم الا اتباع السنة التى ذكرنا والسنة تكفى (٥).
стр. 6371
وظهور دم الاستحاضة أو العرق السائل من الفرج اذا كان بعد انقطاع الحيض فانه يوجب الوضوء ولا بد لكل صلاة تلى ظهور ذلك الدم سواء تميز دمها أو لم يتميز، عرفت أيامها أو لم تعرف، برهان ذلك ما حدثنا يونس بن عبد الله باسناده عن عائشة رضى الله تعالى قالت: استحيضت فاطمة بنت أبى حبيش فسألت النبى ﷺ : قالت: يا رسول الله انى استحاض فلا أطهر، فأدع الصلاة، فقال ﷺ فانما ذلك عرق وليست بالحيضة قال على: نعم صلى فاذا أقبلت الحيضة فدعى الصلاة فاذا أدبرت فاغسلى عنك أثر الدم وتوضئ وصلى فانما ذلك عرق وليست بالحيضة ولم يخص، وأوجب الوضوء منه لأنه عرق (١).
قال على: لا ينقض الوضوء شئ غير ما ذكرنا لا رعاف ولا دم سائل من شئ من الجسد أو من الحلق أو من الأسنان أو من الاحليل أو من الدبر، ولا حجامة ولا فصد ولا قئ كثير أو قل ولا قلس ولا قيح ولا ماء ولا دم تراه الحامل من فرجها ولا أذى المسلم ولا ظلمه ولا مس الصليب والوثن ولا الانعاظ للذة أو لغير لذة، ولا المعاصى من غير ما ذكرنا، ولا شئ يخرج من الدبر لا عذرة عليه سواء فى ذلك الدود والحجر والحيات ولا حقنة ولا تقطير دواء فى المخرجين ولا مس حيا بهيمة ولا قبلها ولا حلق الشعر بعد الوضوء ولا قص الظفر ولا شئ يخرج من فرج المرأة من قصة بيضاء أو صفراء أو كدرة أو كغسالة اللحم أو دم أحمر لم يتقدمه حيض، ولا الضحك فى الصلاة ولا شئ غير ذلك لأنه لم يأت قرآن ولا سنة ولا إجماع بايجاب وضوء فى شئ من ذلك ولا شرع الله تعالى على أحد من الانس والجن الا من أحد هذه الوجوه وما عداها فباطل ولا شرع الا ما أوجبه الله ﵎ وأتانا به رسول الله ﷺ (٢).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار وحواشيه أن نواقض الوضوء سبعة أمور: والأصل فى هذا قول الله «أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ (٣)» الآية وعن على رضى الله تعالى عنه قال قلت يا رسول الله الوضوء كتبه الله علينا من الحدث فقط، قال: لا بل من سبع، من حدث وتقطار بول ودم سائل وقئ ذراع دسعة (٤) تملأ الفم ونوم مضطجع وقهقهة فى الصلاة.
فالأول من السبعة ما خرج من نحو السبيلين - فيشمل الثقب الذى تحت السرة - وهما القبل والدبر من ريح وبول وغائط ومنى كالمقعدة والولد، فخروج المقعدة ينقض الوضوء، وكذا ما خرج من أحد سبيلى الخنثى ومما انفتح من المعدة فان كان فى أسفلها فهو رجيع وان كان فى اعلاها فهو قئ ولا ينقضه ما داخل الفرج من غير خروج شئ، وكذا لو أدخل شيئا فى فرجه وأخرجه فانه ناقض عندنا لا عند القاسم فأما لو لم يخرجه لم ينقض الوضوء ولا تصح صلاته الا فى آخر الوقت حيث يمكنه اخراجه فان كان لا يمكنه اخراجه صحت الصلاة ولو فى أول الوقت ولا يؤم أكمل منه، وأما ما خرج من السرة أو فوقها فحكمه حكم القئ. فالخارج من نحو السبيلين ينقض الوضوء وان قل الخارج أو كان نادرا كالحصاة والدودة والريح من القبل والودى والمذى.
وقال القاسم ﵇: اذا خرجت
стр. 6372
الحصاة أو الدودة انتقض الوضوء لأنها لا تخرج الا ببلة فأخذ من مفهوم كلامه انها اذا خرجت من غير بلة لم تنقض. أما لو خرجت الدودة من الجرح لم تنقض ذكره فى الحفيظ وهو ظاهر.
وكذا ينقض الوضوء ولو رجع الخارج من نحو السبيلين أو بقى على حاله، نحو أن تخرج الدودة رأسها ثم ترجع فان الظاهر من اطلاقات أصحابنا أنه ينقض لأنه خارج من السبيلين ولو رجع، ولو توضأ ورأس الدودة باد صح وضوؤه لا الصلاة لكونه حاملا لنجس فان رجعت لم تنقض وضوؤه لأنها لم تخرج بعد الوضوء، وقيل أنها اذا رجعت انتقض الوضوء. واطلاقاتهم أن ما خرج من السبيلين نقض.
وقال فى الانتصار لا ينقض على رأى أئمة العترة.
والثانى: زوال العقل بأى وجه من نوم أو اغماء أو جنون (١).
وقال زيد بن على أن النوم فى حال الصلاة لا ينقض سواء كان قائما أم راكعا أم ساجدا أم قاعدا، قال ﵇: ولما كان فى النوم ما يعفى عنه أخرجناه بقولنا الا خفقتى نوم - والخفقة هى ميلان الرأس من شدة النعاس - فيعفى عن خفقتين وان توالتا - وصورة التوالى أن يميل رأسه ثم ينتبه انتباها غير كامل بحيث لا يستكمل رفع رأسه عن ذلك الميل حتى يستيقظ الا ويعود فى النعاس - أو خفقات متفرقات بأن يميل النعاس برأسه ثم ينتبه انتباها كاملا يعود فى نعاسه ثم كذلك. وحد الخفقة أن لا يستقر رأسه من الميل حتى يستيقظ، ومن لم يمل رأسه عفى له عن قدر خفقة وهى ميل الرأس فقط حتى يصل ذقنه صدره قياسا على نوم الخفقة.
وقال أبو موسى: لا ينتقض النوم مطلقا (٢).
والثالث من نواقض الوضوء قئ نجس، وهو القئ من المعدة الى الفم دفعة واحدة ملء الفم سواء كان بلغما أو غيره، فان كان خارجا من اللهاة أو الرأس فظاهر لا ينقض الوضوء.
وكذا ان كان الخارج دون الفم فانه طاهر ولو كان دما عند الهدوية. وقال يزيد بن على أنه ينقض وان قل (٣).
والرابع دم أو نحوه كالمصل والقيح سال قال الفقهيه حسن والفقيه على: والهادى وأحمد بن الحسين يتفقان فى أنه لا ينقض الا السائل لكن اختلف فى حده ففى الشرح عن أحمد بن الحسين والفقيه على أن حده أن يتعدى من موضعه الى الموضع الصحيح.
قال أبو مضر فلو غرز بالابرة فخرج الدم من موضعها فهو سائل وقال الفقيه على والفقيه محمد بن سليمان: يقدر بالشعيرة اذا سال على قول الهادى أو القطرة اذا لم يسل، وقال الباقر والصادق أن الدم لا ينقض الوضوء اذا خرج من غير السبيلين لأن النبى ﷺ احتجم ولم يتوضأ.
وعلى القول بأن الدم ينقض اذا كان سائلا فانه يستوى اذا كان سيلانه تحقيقا أو تقديرا، فالتحقيق ظاهر والتقدير نحو أن ينشف بقطنة على وجه لولاه لسال - ومن التقدير جموده
стр. 6373
على وجه لولاه لسال، قال قرز ولو من الأنف، والعلق اذا مص نقض لأنه يسيل بعده، أما البق اذا مس فلا ينقض ما لم يسل بعد سقوطه، وقال الفقيه يحيى التحقيق أنه لا فرق بين البق والبرغوث ونحوه فى أنه لا ينقض الا ما سال بعد سقوطها ولا عبرة بما يأخذنه فى بطونهما وان كثر لأنه يصير اليهما قبل أن يجاوز المحل ذكره المنصور والامام يحيى ﵇.
وقال أبو مضر وأحد قولى المؤيد بالله:
لا ينقض اذ المعتبر السيلان الحقيقى نعم ولا يكفى كونه سائلا بل لا بد من أن يسيل هذا القدر من موضع واحد فلو خرج من مواضع دون قطرة بحيث لو اجتمع كان أكثر من قطرة لم ينقض.
قال الفقيه على: والجرح الطويل موضع واحد ما لم يتخلل موضع صحيح. ولا يكفى كونه من موضع واحد بل لا بد من أن يكون سيلانه من ذلك الموضع فى وقت واحد، وقدره بعض المتأخرين بما اذا نشف لم ينقطع ولا بد مع هذه القيود من أن يكون سيلانه الى ما يمكن تطهيره من الجسد، أما اذا سال من الرأس دم الى موضع فى الأنف لا يبلغه التطهير فانه لا ينقض ولو جمع القيود أما اذا بلغ موضع التطهير فانه ينقض. ومن رعف ثم توضأ ثم خرج من داخل أنفه باقى الدم جامدا لم ينقض، ذكره المنصور، وقال قرز أنه لا ينقض ما لم يكن قد استحال، اذا كان جموده استحالة والا نقض حيث بلغ النصاب، وقيل أنه كالطارئ لا ينقض مطلقا، ولعل هذا أولى الا أن يغلب فى الظن أنه خرج من نفس الجرح فيكون ناقضا. ولو خرج مع الريق وقدر الذى مع الريق - ولو فى غالب الظن بقطرة لا دونها فانه لا ينقض، وقال أبو طالب: ينقض ما خرج مع الريق ان كان غالبا لا مغلوبا.
قال الفقيه على: وكذا لا ينقض عنده المساوى ولا الملتبس، وقال القاضى زيد: بل ينقض المساوى، وقوى مولانا ﵇: كلام الفقيه على (١).
والخامس: من نواقض الوضوء التقاء الختانين مع توارى الحشفة لأنه يوجب الغسل والحدث الأصغر يدخل تحته، قال قرز: أما لوجوب الغسل فلا بد من توارى الحشفة وأما لنقض الوضوء فينقض وان لم يحصل توار.
والسادس: من النواقض دخول الوقت فى حق المستحاضة والدم سائل أو قد سال بعد الوضوء وفى أثنائه قال قرز وهذا شرط مجمع عليه، ومثل المستحاضة سلس البول ومن به جراحة يستمر اطراؤها.
وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى أنه ينتقض وضوء المستحاضة بمجرد الخروج وقال المنصور أنه ينتقض بمجموعهما، وفائدة الخلاف حيث توضأت بعد طلوع الفجر أو بعد طلوع الشمس فعلى قولنا ينتقض بدخول وقت الظهر فى الصورتين وعلى قول أبى حنيفة بطلوع الشمس فى الأولى وبدخول وقت العصر فى الثانية، وعلى قول المنصور بطلوع الشمس فى الأولى وبدخول وقت الظهر فى الثانية (٢).
والسابع: من النواقض كل معصية كبيرة فانها ناقضة للوضوء عند القاسم والهادى والناصر الأطروش، والخلاف فى ذلك مع الفقهاء وزيد ابن على وأحمد بن الحسين فى أحد قوليه فانهم قالوا لا ينقض الوضوء شئ من المعاصى الا ما كان ناقضا بنفسه كالزنا وشرب الخمر مع زوال العقل وسواء كانت المعصية كفرا أم فسقا فان الخلاف فيها على سواء واختلف علماء الكلام فيما تعرف به الكبيرة فالمحكى عن أهل البيت
стр. 6374
عليهم السّلام أن الكبيرة ما ورد الوعيد عليها كقول الله «وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (١)» وهو قول بعض البغدادية من المعتزلة وقال بعض البغدادية كل عمد كبيرة وما عداه فملتبس، قال مولانا ﵇ وهذا ظاهر السقوط لأنه عقاب على ما ليس عمدا.
وقالت عامة المعتزلة ما ورد عليه الوعيد مع الحد. ولما كان فى الكبائر ما لا ينقض الوضوء وهو كبيرة واحدة وهى الاصرار على الكبيرة أخرجه ﵇ بقوله غير الاصرار على الكبيرة فانه لا ينقض - والاصرار هو الامتناع من التوبة فقط وان لم يعزم على العود والاستمرار على المعاصى.
قال ﵇: والأقرب أنه قول الجمهور لأنه لا واسطة بين التائب والمصر.
وقال أبو هاشم وأبو على: بل الاصرار هو العزم على معاودة المعاصى. ولما كان فى المعاصى ما لا يعلم كونه كبيرا وقد ورد الأثر أنه ناقض للوضوء أدخله ﵇ فى النواقض بقوله: أورد الأثر بنقضها كتعمد أحد خمسة أشياء منها تعمد الكذب (٢) لا بالاشارة من الصحيح فلا تنقض، والمختار وأما من لا يمكنه النطق فينقض اتفاقا، قال فى الغايات: واذا جاز الكذب لم ينقد ككذب الزوج على الزوجة والامام العادل لمصلحة وكذا ما كان فيه صلاح الدين بالصلح بين الناس. ومنها تعمد النميمة (٣)، ومنها تعمد غيبة المسلم سواء كان صغيرا أو كبيرا حيا أو ميتا.
وقال قرز: الذى ينقض غيبة المؤمن لا الفاسق لقول رسول الله ﷺ : اذكروا الفاسق بما فيه كيما تحرزه الناس، وينتقض الوضوء حال النطق فى الغيبة ولو كان المغتاب غائبا والعبرة بحال النطق فى الأذى، وقيل العبرة بحال الأذى مطلقا ولو تقدم السبب. ومنها تعمد أذى المسلم (٤) فانه ناقض، وأما ضرب البهائم الذى لا يجوز فانه لا يكون ناقضا وكذا أذيه الكافر بما لا يجوز على ظاهر مفهوم الصفة فانه لا ينقض، وقيل ينقض فى الكافر.
قال فى التقرير: فلو قال يا كلب أو يا ابن الكلب انتقض وضوؤه ولا عبرة بصلاح الأب وفساده، فأما أذى الفاسق بما يستحقه من الآحاد فلا كلام وأما بما لا يستحقه من الآحاد فناقض ان كان كبيرا كالقذف وان لم يعلم كونه كبيرا أو علم مع القصد لذلك فعلى الخلاف فى سائر المعاصى.
قال ﵇: واذا بنينا على الظاهر لزم فيمن أكل من الخضراوات ما يتأذى برائحته وصلى مع جماعة يتأذون بذلك أن ينتقض وضوؤه مع القصد، ونظائر ذلك كثيرة لكنها تستبعد للعادة بين المسلمين. انما نقض ذلك لما يروى عن رسول الله ﷺ أنه قال الغيبة والكذب ينقضان الوضوء، وكان يأمر بالوضوء من الحدث ومن أذى المسلم (٥).
ومن النواقض تعمد القهقهة فى الصلاة وذلك لما روى أن ابن أم مكتوم وقع فى بئر فلما رآه أهل الصف الأول ضحكوا لوقعته وضحك
стр. 6375
لضحكهم أهل الصف الثانى فأمر النبى ﷺ أهل الصف الأول باعادة الصلاة وأهل الصف الثانى باعادة الوضوء والصلاة. وأما اشتراط تعمدها فلقول رسول الله ﷺ : من ضحك فى صلاته قرقرة فعليه الوضوء والقرقرة تقتضى التعمد لأنها تكرير الضحك.
وعند أحمد بن الحسين والمنصور أن القهقهة تنقض وان لم يتعمد لما روى إنه ﷺ أمر من قهقه فى الصلاة باعادة الوضوء والصلاة. قلنا محمول على أنه تعمدها بدليل قوله ﷺ : الضاحك فى صلاته والمتلفت سواء ومعلوم أن الالتفات فى الصلاة لا يوجب الوضوء. ولقوله ﷺ :
المقهقه يعيد الصلاة ولا يعيد الوضوء.
وقال السيد يحيى بن الحسين: القهقهة فى الصلاة تنقض الوضوء اذا قهقه فى فريضة لا نافلة فاذا كانت فى نافلة لم تنقض الوضوء لأن له أن يتكلم فيها، قال فى البحر: وفيه نظر لعموم الخبر، قال فى الحاشية: وظاهر الأزهار يقتضيه لأن الكلام فى المعاصى.
قال مولانا ﵇: وفى المعاصى ما جعلوه ناقضا للوضوء لزعمهم أنه كبير وهو ضعيف فأشرنا اليه بقولنا قيل ومنها لبس الذكر الحرير.
وفى الشرح عن المؤيد بالله فى أحد قوليه أن الكبائر تنقض وأن لبس الحرير كبير وانما يكون توضأ لابسا له فانه لا ينقض الوضوء باستمراره قال محمد بن سليمان والفقيه على، لأن ذلك اصرار والاصرار لا ينقض الوضوء وفى الشرح عن أحمد ابن الحسين فى أحد قوليه أن الكبائر تنقض وان لبس الحرير كبيرة وانما يكون كبيرة حيث يلبسه لغير عذر عالما بتحريمه متعمدا والمذهب أنه لا ينقض لكن لا تصح الصلاة به سواء لبنسه قبل الوضوء أو بعده. ومنها مطل الفنى والوديع اذا كان عليه دين أو معه وديعة قدر نصاب القطع فطولب فامتنع من القضاء والرد والوقت متسع أو مضيق وخشى فوت المالك أو تضرره وهو متمكن من التخلص فانه ناقض للوضوء لكونه كبيرا قياسا على سرقته لاشتراكهما فى الغضب فأما دونه فلا ينقض (١).
مذهب الإمامية:
جاء فى مستمسك العروة الوثقى أن نواقض الوضوء أمور الأول والثانى منها: البول والغائط من الموضع الأصلى اجماعا كما روى عن المعتبر والمنتهى والدلائل وغيرها، بل لعله اجماع من المسلمين والنصوص بذلك متواترة سواء كان معتادا أو غير معتاد بلا خلاف - كما فى الحدائق - بل هو اجماع كما فى المستند وكذا ينقض الوضوء البول والغائط من غير الموضع الأصلى مع انسداد الأصلى، أو بدون انسداده بشرط الاعتياد أو الخروج على حسب المتعارف، فانه مع الانسداد لا اشكال فى النقض ولا خلاف ظاهر وعن المنتهى والمدارك الاجماع وفى الخروج من غير الأصلى مع عدم الاعتياد وعدم كون الخروج على حسب المتعارف اشكال، والأحوط النقض مطلقا خصوصا اذا كان دون المعدة، ولا فرق فيهما بين القليل والكثير حتى مثل القطرة (ومثل تلوث رأس شيشة الاحتقان بالعذرة للاطلاق الذى لا يقدح فيه التعارف كما عرفت نعم الرطوبات الأخر غير البول والغائط الخارجة من المخرجين ليست ناقضة - لما عرف من روايات الحصر فى البول والغائط - وكذا الدود أو نوى التمر ونحوهما اذا لم يكن متلطخا بالعذرة الثالث الريح الخارج من مخرج الغائط اذا كان كان من المعدة اجماعا كما فى البول بل قيل لا خلاف فيه بين المسلمين، سواء صاحب صوتا أم لا كما نص عليه فى الصحيح، دون ما خرج من القبل أو لم يكن من المعدة كنفخ الشيطان أو اذا دخل من الخارج ثم خرج أما ما خرج من القبل فلعدم