← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.

стр. 6371

وظهور دم الاستحاضة أو العرق السائل من الفرج اذا كان بعد انقطاع الحيض فانه يوجب الوضوء ولا بد لكل صلاة تلى ظهور ذلك الدم سواء تميز دمها أو لم يتميز، عرفت أيامها أو لم تعرف، برهان ذلك ما حدثنا يونس بن عبد الله باسناده عن عائشة رضى الله تعالى قالت: استحيضت فاطمة بنت أبى حبيش فسألت النبى ﷺ : قالت: يا رسول الله انى استحاض فلا أطهر، فأدع الصلاة، فقال ﷺ فانما ذلك عرق وليست بالحيضة قال على: نعم صلى فاذا أقبلت الحيضة فدعى الصلاة فاذا أدبرت فاغسلى عنك أثر الدم وتوضئ وصلى فانما ذلك عرق وليست بالحيضة ولم يخص، وأوجب الوضوء منه لأنه عرق (١). قال على: لا ينقض الوضوء شئ غير ما ذكرنا لا رعاف ولا دم سائل من شئ من الجسد أو من الحلق أو من الأسنان أو من الاحليل أو من الدبر، ولا حجامة ولا فصد ولا قئ كثير أو قل ولا قلس ولا قيح ولا ماء ولا دم تراه الحامل من فرجها ولا أذى المسلم ولا ظلمه ولا مس الصليب والوثن ولا الانعاظ للذة أو لغير لذة، ولا المعاصى من غير ما ذكرنا، ولا شئ يخرج من الدبر لا عذرة عليه سواء فى ذلك الدود والحجر والحيات ولا حقنة ولا تقطير دواء فى المخرجين ولا مس حيا بهيمة ولا قبلها ولا حلق الشعر بعد الوضوء ولا قص الظفر ولا شئ يخرج من فرج المرأة من قصة بيضاء أو صفراء أو كدرة أو كغسالة اللحم أو دم أحمر لم يتقدمه حيض، ولا الضحك فى الصلاة ولا شئ غير ذلك لأنه لم يأت قرآن ولا سنة ولا إجماع بايجاب وضوء فى شئ من ذلك ولا شرع الله تعالى على أحد من الانس والجن الا من أحد هذه الوجوه وما عداها فباطل ولا شرع الا ما أوجبه الله ﵎ وأتانا به رسول الله ﷺ (٢). مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار وحواشيه أن نواقض الوضوء سبعة أمور: والأصل فى هذا قول الله «أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ (٣)» الآية وعن على رضى الله تعالى عنه قال قلت يا رسول الله الوضوء كتبه الله علينا من الحدث فقط، قال: لا بل من سبع، من حدث وتقطار بول ودم سائل وقئ ذراع دسعة (٤) تملأ الفم ونوم مضطجع وقهقهة فى الصلاة. فالأول من السبعة ما خرج من نحو السبيلين - فيشمل الثقب الذى تحت السرة - وهما القبل والدبر من ريح وبول وغائط ومنى كالمقعدة والولد، فخروج المقعدة ينقض الوضوء، وكذا ما خرج من أحد سبيلى الخنثى ومما انفتح من المعدة فان كان فى أسفلها فهو رجيع وان كان فى اعلاها فهو قئ ولا ينقضه ما داخل الفرج من غير خروج شئ، وكذا لو أدخل شيئا فى فرجه وأخرجه فانه ناقض عندنا لا عند القاسم فأما لو لم يخرجه لم ينقض الوضوء ولا تصح صلاته الا فى آخر الوقت حيث يمكنه اخراجه فان كان لا يمكنه اخراجه صحت الصلاة ولو فى أول الوقت ولا يؤم أكمل منه، وأما ما خرج من السرة أو فوقها فحكمه حكم القئ. فالخارج من نحو السبيلين ينقض الوضوء وان قل الخارج أو كان نادرا كالحصاة والدودة والريح من القبل والودى والمذى. وقال القاسم ﵇: اذا خرجت

стр. 6372

الحصاة أو الدودة انتقض الوضوء لأنها لا تخرج الا ببلة فأخذ من مفهوم كلامه انها اذا خرجت من غير بلة لم تنقض. أما لو خرجت الدودة من الجرح لم تنقض ذكره فى الحفيظ وهو ظاهر. وكذا ينقض الوضوء ولو رجع الخارج من نحو السبيلين أو بقى على حاله، نحو أن تخرج الدودة رأسها ثم ترجع فان الظاهر من اطلاقات أصحابنا أنه ينقض لأنه خارج من السبيلين ولو رجع، ولو توضأ ورأس الدودة باد صح وضوؤه لا الصلاة لكونه حاملا لنجس فان رجعت لم تنقض وضوؤه لأنها لم تخرج بعد الوضوء، وقيل أنها اذا رجعت انتقض الوضوء. واطلاقاتهم أن ما خرج من السبيلين نقض. وقال فى الانتصار لا ينقض على رأى أئمة العترة. والثانى: زوال العقل بأى وجه من نوم أو اغماء أو جنون (١). وقال زيد بن على أن النوم فى حال الصلاة لا ينقض سواء كان قائما أم راكعا أم ساجدا أم قاعدا، قال ﵇: ولما كان فى النوم ما يعفى عنه أخرجناه بقولنا الا خفقتى نوم - والخفقة هى ميلان الرأس من شدة النعاس - فيعفى عن خفقتين وان توالتا - وصورة التوالى أن يميل رأسه ثم ينتبه انتباها غير كامل بحيث لا يستكمل رفع رأسه عن ذلك الميل حتى يستيقظ الا ويعود فى النعاس - أو خفقات متفرقات بأن يميل النعاس برأسه ثم ينتبه انتباها كاملا يعود فى نعاسه ثم كذلك. وحد الخفقة أن لا يستقر رأسه من الميل حتى يستيقظ، ومن لم يمل رأسه عفى له عن قدر خفقة وهى ميل الرأس فقط حتى يصل ذقنه صدره قياسا على نوم الخفقة. وقال أبو موسى: لا ينتقض النوم مطلقا (٢). والثالث من نواقض الوضوء قئ نجس، وهو القئ من المعدة الى الفم دفعة واحدة ملء الفم سواء كان بلغما أو غيره، فان كان خارجا من اللهاة أو الرأس فظاهر لا ينقض الوضوء. وكذا ان كان الخارج دون الفم فانه طاهر ولو كان دما عند الهدوية. وقال يزيد بن على أنه ينقض وان قل (٣). والرابع دم أو نحوه كالمصل والقيح سال قال الفقهيه حسن والفقيه على: والهادى وأحمد بن الحسين يتفقان فى أنه لا ينقض الا السائل لكن اختلف فى حده ففى الشرح عن أحمد بن الحسين والفقيه على أن حده أن يتعدى من موضعه الى الموضع الصحيح. قال أبو مضر فلو غرز بالابرة فخرج الدم من موضعها فهو سائل وقال الفقيه على والفقيه محمد بن سليمان: يقدر بالشعيرة اذا سال على قول الهادى أو القطرة اذا لم يسل، وقال الباقر والصادق أن الدم لا ينقض الوضوء اذا خرج من غير السبيلين لأن النبى ﷺ احتجم ولم يتوضأ. وعلى القول بأن الدم ينقض اذا كان سائلا فانه يستوى اذا كان سيلانه تحقيقا أو تقديرا، فالتحقيق ظاهر والتقدير نحو أن ينشف بقطنة على وجه لولاه لسال - ومن التقدير جموده

стр. 6373

على وجه لولاه لسال، قال قرز ولو من الأنف، والعلق اذا مص نقض لأنه يسيل بعده، أما البق اذا مس فلا ينقض ما لم يسل بعد سقوطه، وقال الفقيه يحيى التحقيق أنه لا فرق بين البق والبرغوث ونحوه فى أنه لا ينقض الا ما سال بعد سقوطها ولا عبرة بما يأخذنه فى بطونهما وان كثر لأنه يصير اليهما قبل أن يجاوز المحل ذكره المنصور والامام يحيى ﵇. وقال أبو مضر وأحد قولى المؤيد بالله: لا ينقض اذ المعتبر السيلان الحقيقى نعم ولا يكفى كونه سائلا بل لا بد من أن يسيل هذا القدر من موضع واحد فلو خرج من مواضع دون قطرة بحيث لو اجتمع كان أكثر من قطرة لم ينقض. قال الفقيه على: والجرح الطويل موضع واحد ما لم يتخلل موضع صحيح. ولا يكفى كونه من موضع واحد بل لا بد من أن يكون سيلانه من ذلك الموضع فى وقت واحد، وقدره بعض المتأخرين بما اذا نشف لم ينقطع ولا بد مع هذه القيود من أن يكون سيلانه الى ما يمكن تطهيره من الجسد، أما اذا سال من الرأس دم الى موضع فى الأنف لا يبلغه التطهير فانه لا ينقض ولو جمع القيود أما اذا بلغ موضع التطهير فانه ينقض. ومن رعف ثم توضأ ثم خرج من داخل أنفه باقى الدم جامدا لم ينقض، ذكره المنصور، وقال قرز أنه لا ينقض ما لم يكن قد استحال، اذا كان جموده استحالة والا نقض حيث بلغ النصاب، وقيل أنه كالطارئ لا ينقض مطلقا، ولعل هذا أولى الا أن يغلب فى الظن أنه خرج من نفس الجرح فيكون ناقضا. ولو خرج مع الريق وقدر الذى مع الريق - ولو فى غالب الظن بقطرة لا دونها فانه لا ينقض، وقال أبو طالب: ينقض ما خرج مع الريق ان كان غالبا لا مغلوبا. قال الفقيه على: وكذا لا ينقض عنده المساوى ولا الملتبس، وقال القاضى زيد: بل ينقض المساوى، وقوى مولانا ﵇: كلام الفقيه على (١). والخامس: من نواقض الوضوء التقاء الختانين مع توارى الحشفة لأنه يوجب الغسل والحدث الأصغر يدخل تحته، قال قرز: أما لوجوب الغسل فلا بد من توارى الحشفة وأما لنقض الوضوء فينقض وان لم يحصل توار. والسادس: من النواقض دخول الوقت فى حق المستحاضة والدم سائل أو قد سال بعد الوضوء وفى أثنائه قال قرز وهذا شرط مجمع عليه، ومثل المستحاضة سلس البول ومن به جراحة يستمر اطراؤها. وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى أنه ينتقض وضوء المستحاضة بمجرد الخروج وقال المنصور أنه ينتقض بمجموعهما، وفائدة الخلاف حيث توضأت بعد طلوع الفجر أو بعد طلوع الشمس فعلى قولنا ينتقض بدخول وقت الظهر فى الصورتين وعلى قول أبى حنيفة بطلوع الشمس فى الأولى وبدخول وقت العصر فى الثانية، وعلى قول المنصور بطلوع الشمس فى الأولى وبدخول وقت الظهر فى الثانية (٢). والسابع: من النواقض كل معصية كبيرة فانها ناقضة للوضوء عند القاسم والهادى والناصر الأطروش، والخلاف فى ذلك مع الفقهاء وزيد ابن على وأحمد بن الحسين فى أحد قوليه فانهم قالوا لا ينقض الوضوء شئ من المعاصى الا ما كان ناقضا بنفسه كالزنا وشرب الخمر مع زوال العقل وسواء كانت المعصية كفرا أم فسقا فان الخلاف فيها على سواء واختلف علماء الكلام فيما تعرف به الكبيرة فالمحكى عن أهل البيت

стр. 6374

عليهم السّلام أن الكبيرة ما ورد الوعيد عليها كقول الله «وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (١)» وهو قول بعض البغدادية من المعتزلة وقال بعض البغدادية كل عمد كبيرة وما عداه فملتبس، قال مولانا ﵇ وهذا ظاهر السقوط لأنه عقاب على ما ليس عمدا. وقالت عامة المعتزلة ما ورد عليه الوعيد مع الحد. ولما كان فى الكبائر ما لا ينقض الوضوء وهو كبيرة واحدة وهى الاصرار على الكبيرة أخرجه ﵇ بقوله غير الاصرار على الكبيرة فانه لا ينقض - والاصرار هو الامتناع من التوبة فقط وان لم يعزم على العود والاستمرار على المعاصى. قال ﵇: والأقرب أنه قول الجمهور لأنه لا واسطة بين التائب والمصر. وقال أبو هاشم وأبو على: بل الاصرار هو العزم على معاودة المعاصى. ولما كان فى المعاصى ما لا يعلم كونه كبيرا وقد ورد الأثر أنه ناقض للوضوء أدخله ﵇ فى النواقض بقوله: أورد الأثر بنقضها كتعمد أحد خمسة أشياء منها تعمد الكذب (٢) لا بالاشارة من الصحيح فلا تنقض، والمختار وأما من لا يمكنه النطق فينقض اتفاقا، قال فى الغايات: واذا جاز الكذب لم ينقد ككذب الزوج على الزوجة والامام العادل لمصلحة وكذا ما كان فيه صلاح الدين بالصلح بين الناس. ومنها تعمد النميمة (٣)، ومنها تعمد غيبة المسلم سواء كان صغيرا أو كبيرا حيا أو ميتا. وقال قرز: الذى ينقض غيبة المؤمن لا الفاسق لقول رسول الله ﷺ : اذكروا الفاسق بما فيه كيما تحرزه الناس، وينتقض الوضوء حال النطق فى الغيبة ولو كان المغتاب غائبا والعبرة بحال النطق فى الأذى، وقيل العبرة بحال الأذى مطلقا ولو تقدم السبب. ومنها تعمد أذى المسلم (٤) فانه ناقض، وأما ضرب البهائم الذى لا يجوز فانه لا يكون ناقضا وكذا أذيه الكافر بما لا يجوز على ظاهر مفهوم الصفة فانه لا ينقض، وقيل ينقض فى الكافر. قال فى التقرير: فلو قال يا كلب أو يا ابن الكلب انتقض وضوؤه ولا عبرة بصلاح الأب وفساده، فأما أذى الفاسق بما يستحقه من الآحاد فلا كلام وأما بما لا يستحقه من الآحاد فناقض ان كان كبيرا كالقذف وان لم يعلم كونه كبيرا أو علم مع القصد لذلك فعلى الخلاف فى سائر المعاصى. قال ﵇: واذا بنينا على الظاهر لزم فيمن أكل من الخضراوات ما يتأذى برائحته وصلى مع جماعة يتأذون بذلك أن ينتقض وضوؤه مع القصد، ونظائر ذلك كثيرة لكنها تستبعد للعادة بين المسلمين. انما نقض ذلك لما يروى عن رسول الله ﷺ أنه قال الغيبة والكذب ينقضان الوضوء، وكان يأمر بالوضوء من الحدث ومن أذى المسلم (٥). ومن النواقض تعمد القهقهة فى الصلاة وذلك لما روى أن ابن أم مكتوم وقع فى بئر فلما رآه أهل الصف الأول ضحكوا لوقعته وضحك

стр. 6375

لضحكهم أهل الصف الثانى فأمر النبى ﷺ أهل الصف الأول باعادة الصلاة وأهل الصف الثانى باعادة الوضوء والصلاة. وأما اشتراط تعمدها فلقول رسول الله ﷺ : من ضحك فى صلاته قرقرة فعليه الوضوء والقرقرة تقتضى التعمد لأنها تكرير الضحك. وعند أحمد بن الحسين والمنصور أن القهقهة تنقض وان لم يتعمد لما روى إنه ﷺ أمر من قهقه فى الصلاة باعادة الوضوء والصلاة. قلنا محمول على أنه تعمدها بدليل قوله ﷺ : الضاحك فى صلاته والمتلفت سواء ومعلوم أن الالتفات فى الصلاة لا يوجب الوضوء. ولقوله ﷺ : المقهقه يعيد الصلاة ولا يعيد الوضوء. وقال السيد يحيى بن الحسين: القهقهة فى الصلاة تنقض الوضوء اذا قهقه فى فريضة لا نافلة فاذا كانت فى نافلة لم تنقض الوضوء لأن له أن يتكلم فيها، قال فى البحر: وفيه نظر لعموم الخبر، قال فى الحاشية: وظاهر الأزهار يقتضيه لأن الكلام فى المعاصى. قال مولانا ﵇: وفى المعاصى ما جعلوه ناقضا للوضوء لزعمهم أنه كبير وهو ضعيف فأشرنا اليه بقولنا قيل ومنها لبس الذكر الحرير. وفى الشرح عن المؤيد بالله فى أحد قوليه أن الكبائر تنقض وأن لبس الحرير كبير وانما يكون توضأ لابسا له فانه لا ينقض الوضوء باستمراره قال محمد بن سليمان والفقيه على، لأن ذلك اصرار والاصرار لا ينقض الوضوء وفى الشرح عن أحمد ابن الحسين فى أحد قوليه أن الكبائر تنقض وان لبس الحرير كبيرة وانما يكون كبيرة حيث يلبسه لغير عذر عالما بتحريمه متعمدا والمذهب أنه لا ينقض لكن لا تصح الصلاة به سواء لبنسه قبل الوضوء أو بعده. ومنها مطل الفنى والوديع اذا كان عليه دين أو معه وديعة قدر نصاب القطع فطولب فامتنع من القضاء والرد والوقت متسع أو مضيق وخشى فوت المالك أو تضرره وهو متمكن من التخلص فانه ناقض للوضوء لكونه كبيرا قياسا على سرقته لاشتراكهما فى الغضب فأما دونه فلا ينقض (١). مذهب الإمامية: جاء فى مستمسك العروة الوثقى أن نواقض الوضوء أمور الأول والثانى منها: البول والغائط من الموضع الأصلى اجماعا كما روى عن المعتبر والمنتهى والدلائل وغيرها، بل لعله اجماع من المسلمين والنصوص بذلك متواترة سواء كان معتادا أو غير معتاد بلا خلاف - كما فى الحدائق - بل هو اجماع كما فى المستند وكذا ينقض الوضوء البول والغائط من غير الموضع الأصلى مع انسداد الأصلى، أو بدون انسداده بشرط الاعتياد أو الخروج على حسب المتعارف، فانه مع الانسداد لا اشكال فى النقض ولا خلاف ظاهر وعن المنتهى والمدارك الاجماع وفى الخروج من غير الأصلى مع عدم الاعتياد وعدم كون الخروج على حسب المتعارف اشكال، والأحوط النقض مطلقا خصوصا اذا كان دون المعدة، ولا فرق فيهما بين القليل والكثير حتى مثل القطرة (ومثل تلوث رأس شيشة الاحتقان بالعذرة للاطلاق الذى لا يقدح فيه التعارف كما عرفت نعم الرطوبات الأخر غير البول والغائط الخارجة من المخرجين ليست ناقضة - لما عرف من روايات الحصر فى البول والغائط - وكذا الدود أو نوى التمر ونحوهما اذا لم يكن متلطخا بالعذرة الثالث الريح الخارج من مخرج الغائط اذا كان كان من المعدة اجماعا كما فى البول بل قيل لا خلاف فيه بين المسلمين، سواء صاحب صوتا أم لا كما نص عليه فى الصحيح، دون ما خرج من القبل أو لم يكن من المعدة كنفخ الشيطان أو اذا دخل من الخارج ثم خرج أما ما خرج من القبل فلعدم

стр. 6376

الدليل عليه، بل ظهور الريح فى نصوص الحصر فيما يخرج من الدبر دليل العدم. فما فى المعتبر عن التذكرة وشرح الموجز من النقض بما يخرج من قبل المرأة لأن لها منفذا من الجوف فيمكن خروج الريح من المعدة اليه ضعيف نعم لو خرج منه ما من شأنه أن يخرج من الدبر كان ناقضا كما أنه كذلك لو خرج من غيرهما. وأما الخارج من غير المعدة فلما جاء فى صحيح معاوية قال أبو عبد الله ﵇ ان الشيطان ينفخ فى دبر الانسان حتى يخيل أنه قد خرج منه ريح فلا ينقض الوضوء الا ريح يسمعها أو يجد ريحا. الرابع من نواقض الوضوء: النوم مطلقا وان كان فى حال المشى اذا غلب على القلب والسمع والبصر كما هو المشهور، بل حكى عليه الاجماع صريحا وظاهرا جماعة منهم السيد والشيخ والفاضلان وغيرهم ويقتضيه اطلاق كثير من النصوص وخصوص جملة منها نفى رواية عبد الحميد عن أبى عبد الله ﵇: من نام وهو راكع أو ساجد أو ماش أو على أى الحالات فعليه الوضوء. وصحيح ابن الحجاج المروى فى الوافى: سألت أبا عبد الله ﵇ عن الخفقة والخفقتين فقال: ما أدرى ما الخفقة والخفقتين ان الله تعالى يقول: «بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ (١)». فان عليا ﵇ كان يقول: من وجد طعم النوم قائما أو قاعدا فقد وجب عليه الوضوء. وربما نسب الى الصدوق عدم النقض بالنوم قاعدا مع عدم الانفراج لقوله فى فقهه: وسئل موسى بن جعفر ﵇ عن الرجل يرقد وهو قاعد هل عليه وضوء؟ فقال ﵇: لا وضوء عليه ما دام قاعدا ان لم ينفرج وقريب منها رواية الخضرمى عن أبى عبد الله ﵇ المروية عن التهذيب لكنهما لا يصلحان لمعارضته ما عرفت مما هو أكثر عددا وأصح سندا ومعول عليه عند الأصحاب، بل ذكره الرواية لا يدل على عمله بها لما تقدم من شهادة غير واحد من الاساطين بعدوله عما ذكر فى صدر كتابه من انه لا يذكر فيه الا ما يعتمد عليه ويكون حجة بينه وبين ربه وان كان ذلك بعيدا. وعلى كل فلا تنقض الخفقة اذا لم تصل الى الحد المذكور كما يظهر من صحيح ابن الحجاج المتقدم، وعليه يحمل موثق سماعة عن الرجل يخفق رأسه وهو فى الصلاة قائما أو راكعا فقال ﵇: ليس عليه وضوء. الخامس: كل ما أزال العقل مثل الاغماء والسكر والجنون دون مثل البهت، لا نعرف فيه خلافا بين أهل العلم كما روى عن المنتهى، وعن الغنية والمستدرك والدلائل والكفاية اجماع الأصحاب، وعن التهذيب اجماع المسلمين (٢). السادس: الاستحاضة القليلة، بل الكثيرة والمتوسطة وان أوجبنا الغسل أيضا وأما الجنابة فهى تنقض الوضوء لكن توجب الغسل فقط. واذا شك فى طرو أحد النواقض بنى على العدم للاستصحاب، وكذا اذا شك فى أن الخارج بول أو مذى مثلا الا أن يكون قبل الاستبراء فيحكم بأنه بول فان كان متوضأ انتقض وضوءه كما مر. واذا خرج ماء الاحتقان ولم يكن معه شئ من الغائط لم ينتقض الوضوء، وكذا لو شك فى خروج شئ من الغائط معه، والقيح الخارج من مخرج البول أو الغائط ليس بناقض لأنه ليس بولا ولا غائطا فينفى نقضه بأدلة الحصر وكذا الدم الخارج منهما الا اذا علم أن بوله أو غائطه صار دما وكذا المذى والوذى والودى (٣) لاقتضاء أدلة الحصر نفى ناقضيتها (٤).

стр. 6377

وذكر جماعة من العلماء استحباب الوضوء عقيب المذى والودى والكذب والظلم والاكثار من الشعر الباطل والقئ والرعاف والتقبيل بشهوة ومس الكلب ومس الفرج ولو فرج نفسه ومس باطن الدبر والاحليل ونسيان الاستنجاء قبل الوضوء والضحك فى الصلاة والتخليل اذا أدمى لكن الاستحباب فى هذه الموارد غير معلوم والأولى أن يتوضأ برجاء المطلوبية ولو تبين بعد هذا الوضوء كونه محدثا بأحد النواقض المعلومة كفى، ولا يجب عليه ثانيا، كما أنه لو توضأ احتياطا لاحتمال حدوث الحدث ثم تبين كونه محدثا كفى ولا يجب ثانيا (١). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل أن الوضوء ينتقض بخارج من مخرجى البول والغائط مطلقا أو مدخليه - وهما الفم والأنف - ان كان ما خرج منهما مثل قئ ورعاف لا نحو ريق ومخاط بدليل طهارتهما، وذلك كخروج بول وغائط وكل شئ ولو يابسا كحصاة وريح من دبر لا بريح من قبل. وقيل ينتقض به الا ان كان من بكر فلا ينقض، وعن بعض أن ريح القبل وريح الفم ليسا من جنس ريح الدبر وان ريح القبل دخل من خارج وريح الفم لم يخرج من الطعام النجس بخلاف ريح الدبر، والذى عندى أن ريح القبل من خارج نعم يمكن أن يكون من غير محل الطعام ولا يشك أحد أن فرج المرأة متصل بفضاء البطن لأنها تبول منه والبول من الماء المشروب، وريح الفم عندى من الطعام كالذى من الدبر وانما رخص فيه ترخيصا من الله تعالى، ومن شك فى خروج الريح منه استصحب الأصل حتى يسمع صوتا أو يشم ريحا سواء كان فى الصلاة أو فى غيرها. وكذا ينتقض بخروج دابة ولو من أنف أو فم ولو لم تتلطخ بنجس ولو خرج البول والغائط من غير محل خروجهما نجسا ونقضا خلافا للشافعى رحمه الله تعالى، وينقض الوضوء خروج ودى، ومذى ومنى ودم فائض من مدخل أو مخرج وطهر من امرأة ان اتصل منها بغيرها أو جاء فى أوقات صلاتها أو صلت بجفوف ثم جاء بعد وينقضه رطوبة من فرج امرأة مثل كدرة وصفرة وينقضه قئ وقلس ورعاف وروى قولان فى النقض بدم مرتفع ذى ظل غير مسفوح لجهة - والناقض به يعتبر ارتفاعه سفحا وهو الصحيح عندى وان كان من قرعة فى رأس (٢) أو شقاق فى رجل أو غيرها أو بقلع شعرة من أصل - وقال بعض المشارقة هى ناقضة وان كانت من غير أصل - أو قلع ضرس بلا دم أو جلد حى أو ظفر حى ولا بأس بالميت، وأما الجلد الميت من حى فلا ينقض لأنه طاهر، وقيل ينقض لأنه نجس وقيل ان كان من غير متولى لا ان كان منه، وقيل طاهر ان غسل وهذا فى مسه مطلقا حين النزع وبعده كمس الميت وقيل النقض سنة لا لنجاسة الجلد الميت وأما ما وقع من الشعر أو الضروس وما بعد ذلك بلا قطع ولا مصادمة شئ فلا نقض، وقيل بالنقض لخروجه من الأصل. والصوف والوبر والشعر من الدواب والريش كذلك ان قلعها قالع من أصلها قولان فى نجاستها والنقض بها والراجح النجس والنقض، وكذا الانتتاف بمصادمة وان خرجت من أصلها بلا قلع قالع ولا مصادمة فطاهرة على المشهور ولا نقض وقيل نجسة وتنقض واذا قلنا بالنجاسة فهل النجس ذلك كله أو ما كان داخل الجلد فقط لا ما فوق قولان، ومن قال بالنقض وبالنجس فى شعر مثلا فمن له لحية تنتف ويمس أصل الشعرة سائر شعره غسله ان كان مبلولا بماء مثلا حين الوضوء وهذا تشديد لم يرد حديث به والأرفق

стр. 6378

أن لا نقض ولا نجس بما خرج وحده ولو من أصل. وكذا القول فى الدم الخارج بكى بلغ لحما حيا - سواء كوى نفسه أو كواه غيره بعود أو حديد أو غيرهما جمرة، والحرق وطئ النار كالكى والعمد وغيره سواء - أو بجرح بلا دم، والصحيح أن لا نقض به، وكذا قيل فى الدم الخارج فى عين أو أنف بعد العظم أو أذن أو فى جرح أو قرح أو شقاق من موضعه بلا فيض الى خارج العين والأنف والأذن والصحيح النقض به (١). ولا بأس ان غلب البزاق (٢) الدم فى الضم فى اللون وهو الصحيح وقيل فى الكثرة، وينتقض بعكسه وهو أن يغلب الدم البزاق فى اللون وقيل فى الكثرة، وفى الانتقاض بمس المخ من حى انسان أو حيوان خلاف. وينتقض بالنوم الثقيل - وهو أن تحتبى بيديك فتفترقا أو يقع ما فى يدك ولم تشعر وهو يزول معه الحسى كله وان كان النوم قصيرا أو النائم قاعدا أو قائما لا بخفيفة وان تطاول مع اتكاء أو قعود أو ركوع أو سجود أو قيام على المختار ان لم يكن باضطجاع وان كان به نقض ان تطاول وان خف على المختار، وقيل لا ينقض ولو ثقيلا طويلا باضطجاع الا أن تيقن الحدث استصحابا للأصل، ويرده حديث انما الوضوء على من نام مضطجعا، وقيل ينقض ولو خفيفا غير متطاول ولو قائما، وقيل ينقض ان كثر ولو خف أو قائما، لا ان قل ولو ثقل، وقيل لا ينقض الا أن ثقل مضطجعا أو مستلقيا وقيل الا أن ركع أو سجد وثقل، وقيل الا أن سجد، وقيل ان لم يكن فى الصلاة، وقيل الا ان لم تتمكن مقعدته من الأرض وقيل الثقيل ينقض مطلقا والخفيف لا ينقض مطلقا، وقيل الخفيف القصير لا ينقض مطلقا والخفيف الطويل ينقض مضطجعا، والظاهر أن مراد صاحب النيل بالاضطجاع ما يعم الاستلقاء (٣). وينتقض الوضوء بالجنون والسكر - وانما أراد السكر لمرض أو لطعام أو سراب غير مسكر وانما سكر به لعلة فى نفسه لا تقبله فى عادة أو حدث عدم قبولها اياه فان هذا غير نجس لكن لا يجوز له استعماله اذا علم، والسكر لنحو شمس أو جوع أو نحو ذلك، وأما السكر بطعام أو شراب مسكر فليس ناقضا وانما الناقض مسه لتقدمه على السكر الا من قال بطهارة عين المسكر فالنقض بالسكر، وأما الأفيون والبنج وجوزة الطيب فطاهرة وانما ينقض السكر بها لامسها، ووجه النقض بالسكر والجنون خروج الريح كالنوم، وقيل هما والنوم نواقض بالذات. وكذا ينتقض الوضوء بالاغماء - ويعتبر فى الجنون والسكر والاغماء ما مر فى النوم من ثقل وطول واضطجاع - وأضدادهما وقيل لا ينتقض بالثلاثة ما لم يتيقن انتقاضه وينتقض بالكلام المحرم الذى هو كبيرة على الاطلاق كالدعاء الى الزنا والغيبة، وقيل لا ينتقضه ذكر المتولى بما فيه اذا لم يرد تنقيصه، ويستثنى من ذلك المتولى المفارق لأخلاق السوء فانه لا يكون ذكره بها غيبة محرمة ولا ناقضة للوضوء. بل اذا خيف الاقتداء به وجب اشهاره بذلك والنقض عليه ومن الكلام المحرم الذى ينقض النميمة واليمين الفاجرة ولعن غير مستحق وشتمه كطفل ومجنون على ما صدر منه فى جنونه - لا على صادر منه فى غير جنونه ولم يثب منه، وكشتمه بقوله يا كلب أو نحو ذلك أو يا جاهل ان قصد الشتم ولا يتبرأ منه السامع لعدم علمه أنه شتم أم لا لأن كل الناس جاهلون لأكثر الأشياء فان حصل له علم برئ منه، وقيل ان قال المتولى يا جاهل فى كذا أو كذا لكذا تبرأ منه، وينقض الوضوء أيضا شتم أو لعن من يستحق لكن لا على الوجه الذى يستحق به ذلك.

стр. 6379

وكذا ينتقض الوضوء بالطعن فى الدين والتكلم بموجب كفر نعمة أو منعم مطلقا بأى لفظ كان أو بمنكر أو فحش وقيل لا ينقض الوضوء من الكبائر الا الغيبة أو النميمة أو الزنا أو الارتداد أو نظر الشهوة أو الكذب أو اليمين الفاجرة، وقيل الأربعة الأولى. وينقض بذكر فرج أو عذرة أو بول بأقبح اسم عند الناطق ولو لم يقبح عند غيره ولا سيما أن قبح عند غيره، أو يشتم بهما أو ببول ولو بغير أقبح أسمائها، وقيل لا ينتقض الا أن شتم بهما أحدا، وقيل الا أن شتم بهما ونسبهما للمشتوم ويستثنى شتم المتعزى بعزاء الجاهلية باعضاضه بهن أبيه تصريحا فانه مأمور به فى الحديث فلا يكون ناقضا. والكلام شامل لكل كبيرة فمن دخل الصلاة الفريضة وتعمد الخروج عنها أو افسادها بلا ضرورة ولا شبهة اصلاح فساد كفر نفاقا ولزمته مغلطة أو مرسلة وانتقض وضوءه عند من ينقضه بالكبائر مطلقا، وقال صاحب الأصل: لا ينقض الوضوء بافساد الصلاة بغير القهقهة وفى نقض وضوء من خرج من صلاة النفل عمدا كذلك قولان، وينقض الوضوء بالكذب عن عمد لا عن غلط أو نسيان أو تقليد أو خطأ (١). وينقض الوضوء بالقهقهة فى الصلاة (٢) لحرمتها فان ضحك بدون قهقهة أو تبسم لم ينتقض الوضوء ونقضت الصلاة وقيل لا نقض بالتبسم وهو الصحيح لما روى أن رسول الله ﷺ تبسم لجبريل حين تبسم له فى الصلاة، وقيل لا ينقض الوضوء الضحك فى الصلاة الا خلف الامام العدل. ولا ينتقض بها الوضوء فى غير الصلاة الا ان كانت لغير عجب أو لمعصية من الضاحك أو غيره فتكون كبيرة وتنقض الوضوء، وقيل لا (٣). وينتقض بمس النجس الرطب والميتة مطلقا رطبة أو يابسة سواء كانت اليد التى مستها رطبة أو يابسة وان كانت الميتة لمتولى على المختار ولو بعد الغسل وقيل لا نقض ولو لغير متول، وقيل لا نقض بالمتولى الا قبل الغسل وقيل لا نقض مطلقا سواء كان متوليا أو غيره، والمشهور أن الميتة اليابسة هى واليد تنقض للسنة لا للنجاسة وغير اليد بمس فرج غير الدابة سواء كان فرج نفسه أو فرج غيره عمدا فقيل مطلقا وفرج الدابة لا ينتقض مثلها وخص اليد لأنها الغالبة فى العمل، وينتقض الا بنجس أو بشهوة وفى مس فرج الانسان الصبى أقوال النقض به وعدم النقض لا لرطوبة أو اشتهاء، هذان قولان ثالثهما: المختار النقض بفرج الأنثى وقيل ينتقض بفرج المراهق والمراهقة، وقيل ينتقض بفرج الحيوان حال الانتشار وينقض بمس الفرج المقطوع بنظره على الخلف والحاصل أن مس الفرج المقطوع والنظر اليه كمس غير المقطوع والنظر اليه، وزاد بعضهم الشعر وكل لحم اذا كان عورة ويزيد المقطوع بأنه ميتة وهكذا كل ما كان عورة فعورته باقية بعد قطعه وهكذا كنت أقول والنظر كالمس فى ذلك كله وأقول الآن لا نقض بنظر المقطوع من ذلك اذا كان لا يشته كما لا نقض بالنظر الى من لا تشته الا فرج الأنثى فانه مطلقا مشته فالنظر اليه ناقض ولو مقطوعا من عجوز وفى الديوان رخص بعض أن لا نقض بمس الانسان عورته المقطوعة وفيه نظر لأنها ميتة. والخلف فى موجب النقض فهل هو المس بالعانة والأنثيين وما بين الفرجين والدبر والموضع الذى يقربه وجوانبه أو بالذكر فقط لا بالدبر أو به وبالدبر أو بالثقبتين فقط وهو أوسع الأقوال أو بالسرة والركبة وما بينهما على الخلف فى دخولهما وهو أضيقها، وسواء فى ذلك مس الذكر نفسه أو ذكرا آخر ومس الأنثى نفسها أو أنثى أخرى والأمة مع الرجل كرجلين. اختير النقض بالمحلين أى الذكر والدبر الذى هو الثقبة وما يليها وهو المنخفض عن المقعدتين،

стр. 6380

وان كان المس بنسيان أنه على وضوء أو نسيان أن المس ناقضا أو نسيان أن ذلك عورة أو نحو ذلك (١). وينتقض بمس فرج الغير وان كان الغير زوجة أو سرية (٢). كما ينتقضه مس فرج نفسه على الحد السابق الا أن مس فرج نفسه لأجل حدث ظن خروجه سواء كان فى الصلاة أو غيرها وسواء فى الليل أو النهار ولكن ان مس مع امكان النظر كخلوة فى نهار وامكانه ووجود نار ليلا نقض ولم يجئ فى الحديث أن المس للبحث عن النجس فى الصلاة لا ينقضها والصحيح النقض فان وجده توضأ واستأنف الصلاة. وينتقض الوضوء من كل شخص ملموس فى عمد نقض عورة باليد قال بعضهم أو غيرها، وفى نفس وضوء الزوجين بجماع غير الفرج بلا خروج بلل قولان ولو بالذكر والسرية كالزوجة وقيل من مس أجنبية ولو بلا عمد انتقض وضوءه وقيل لا ولو بعمد، ولا ينتقض بمس كفها ووجهها بلا شهوة ولو عمدا، وقيل ينتقض وكذا باطن القدم على القول بأنه ليس عورة وكذا كل ما حل نظره من الأجنبيات من قواعد ومتبرجات وتهامية وأمة ونحو ذلك هل يحل مسه بلا شهوة أو يحرم، وعلى الآخر ينقض مسه الوضوء ولو بلا شهوة وينتقض بلمس بدن أجنبية بالغة مشتهاة - ولو شعرا أو ظفرا أو سنا - لا كعجوز ونحوها ممن لا تشته وذلك بأن يلمسها بيد سالمة غير شلاء وقيل غير اليد مثل اليد اذا كان اللمس لغير معالجة أو لاضطرار أو تنجية بلا حائل مطلقا وان كان اللمس لغير شهوة. والأمرد المشته مثل المرأة فى الأظهر فيما قيل وليس كذلك بل هو كالرجل فيباح نظره ومسه بلا شهوة ولا نقض. وهل ينتقض الوضوء بأكل ميتة أو دم أو لحم خنزير أبيح أو خمر على القول بجواز تنجية المضطر بها نفسه قياسا على الثلاثة قبله أو لا ينتقض؟ هذان قولان وجه القول بعدم النقض انه انما نجست تلك الأشياء فى غير حال الاضطرار أما فى حال الاضطرار فهى طاهرة فى حق المضطر ووجه القول بالنقض أنها باقية على النجس فأباح الله أكل النجس للاضطرار ويدل للأول عموم قول رسول الله ﷺ : لا يتوضأ من طعام أحل الله أكله. وينتقض الوضوء بالنظر لغير وجه حرة بالغة أجنبية وكفيها مع عمد، ولا ينتقض بالنظر الى الوجه والكفين ولو فيهما زينة وقيل ان لم تكن، وينتقض بالنظر لما بين سرة وركبة أمة واختلف فى دخولهما ومارق من الفخذ ومختار صاحب النيل عدم دخول السرة والركبة كما هو صريح قوله بين، والأمة فى ذلك كالرجل لغير شهوة، فان كان النظر بشهوة نقض وكذا لمس الأجنبية فى غير الوجه والفم والعين والكف والرجل والأمة بين السرة والركبة فى النقض لا شهوة وقيل لمس وجهها أو كفها ناقض أيضا، وينتقض بالشهوة لمسا ونظرا مطلقا ولو للوجه والكف منها وغير ما بين السرة والركبة من الرجل والأمة ورخص النظر لمتبرجة ولو شابة مشتهاة فينظر منها ما أظهرت من فوق السرة والركبة بلا شهوة والتحقيق عندى المنع وأنها كغيرها لأن الله جل وعلا جعل لها حرمة وليست اباحتها حرمتها بمزيلة لها فالواجب الاغضاء عنها ما استطاع. وينتقض بالنظر لحرمة جوف منزل الغير بغير اذنه يعمد ولو لم يرفيه شيئا عند ابن محبوب، وبدخول بيت بغير اذن وقال بعض لا، وقال بعض أصحابنا لا نقض بالنظر لجوف المنزل الا أن رأى فيه حرمة كامرأة مكشوفة أو رجل عريان وبالنظر لكتاب سر لغير كاتبه وغير من علم ما فيه ولا ينتقض بالنظر لبسملة أو عنوان أو بالنظر لكتاب تاجر أبيح أو لكتاب حساب أو دفتر ان كان الدفتر لحاكم فان لم يكن لحاكم نقض الا أن كان دفتر علم لم ينقض النظر اليه وفيه الا أن الأدب

стр. 6381

الاستئذان فى ذلك وقيل لا نقض على ناظر كتاب السر أو جوف المنزل بلا اذن ولا على فاعل كبيرة الا الكذب واليمين الفاجرة ونظر الشهوة والغيبة والنميمة وينتقض باستماع السر الا ان كان المستمع هو الذى وقع كلام السر فيه أما اذا كان هو الذى وقع فيه السر فلا نقض عليه. وينتقض باستماع لباطل كاستماع لكذب أو بهتان أو استماع للهو بما هو معصية فينقض وضوء المستمع ولو لم ينتقض وضوء المسموع، أو استماع لمزمار وغناء ونياح وذلك اذا كان بمحرم وبكل محرم شرعا ولو صغيرة قولا وفعلا وقيل لا نقض بالصغيرة الا أن أصر عليها (١). ما يفسد التيمم وما لا يفسده مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع أن الذى ينقض التيمم نوعان عام وخاص، أما العام فكل ما ينقض الوضوء من الحدث الحقيقى والحكمى ينقض التيمم. وأما الخاص وهو ما ينقض التيمم على الخصوص لوجود الماء وجملة الكلام فيه أن المتيمم اذا وجد الماء لا يخلو اما أن يجده قبل الشروع فى الصلاة واما أن يجده فى الصلاة واما أن يجده بعد الفراغ منها فان وجده قبل الشروع فى الصلاة انتقض تيممه عند عامة العلماء. وعن أبى سلمة بن عبد الرحمن رحمه الله تعالى أنه لا ينتقض التيمم بوجود الماء أصلا لأن الطهارة بعد صحتها لا تنقض الا بالحدث ووجود الماء ليس بحدث ويدل لنا ما روى عن النبى ﷺ أنه قال التيمم وضوء المسلم ولو الى عشر حجج ما لم يجد الماء أو بحدث جعل التيمم وضوء المسلم الى غاية وجود الماء والمحدود الى غاية ينته عند وجود تلك الغاية، ولأن التيمم خلف عن الوضوء ولا يجوز المصير الى الخلف مع وجود الأصل كما فى سائر الأخلاف مع أصولها، وأما كون وجود الماء ليس بحدث فهو مسلم وعندنا أن المتيمم لا يصير محدثا بوجود الماء بل الحدث السابق يظهر حكمه عند وجود الماء الا أنه لم يظهر حكم ذلك الحدث فى حق الصلاة المؤداة ثم وجود الماء نوعان: وجوده من حيث الصورة والمعنى وهو أن يكون مقدور الاستعمال له فينقض التيمم ووجوده من حيث الصورة دون المعنى وهو أن لا يقدر على استعماله وهذا لا ينقض التيمم حتى لو مر المتيمم على الماء الكثير وهو لا يعلم به أو كان غافلا أو نائما لا يبطل تيممه. كذا روى عن أبى يوسف رحمه الله تعالى، وكذا لو مر على ماء فى موضع لا يستطيع النزول اليه لخوف عدو أو سبع لا ينتقض تيممه. كذا ذكر محمد بن مقاتل الرازى رحمه الله تعالى، وقال هذا قياس قول أصحابنا لأنه غير واجد للماء فكان ملحقا بالعدم وكذا اذا أتى بئرا وليس معه دلو أو رشا أو وجد ماء وهو يخاف على نفسه العطش لا ينتقض تيممه لما قلنا وكذا لو وجد ماء موضوعا فى الغلاة فى جب أو نحوه على قياس ما حكى عن أبى نصر محمد بن محمد بن سلام لأنه معد للسقيا دون الوضوء الا أن يكون كثيرا فيستدل بالكثرة على أنه معد للشرب والوضوء جميعا فينتقض تيممه والأصل فيه أن كل ما منع وجوده التيمم نقض وجوده التيمم وما لا فلا ثم وجود الماء انما ينقض التيمم اذا كان القدر الموجود يكفى للوضوء أو الاغتسال فان كان لا يكفى لا ينقض عندنا. وعلى هذا يخرج ما ذكره محمد فى الزيادات لو أن خمسة من المتيممين وجدوا من الماء مقدار ما يتوضأ به أحدهم انتقض تيممهم جميعا لأن كل واحد منهم قدر على استعماله على سبيل البدل فكان كل واحد منهم واجدا للماء صورة ومعنى فينتقض تيممهم جميعا ولأن كل منهم قدر

стр. 6382

على استعماله بيقين وليس البعض أولى من البعض فينتقض تيممهم احتياطا ولو كان لرجل ماء فقال أبحث لكم هذا الماء يتوضأ به أيكم شاء، وهو قدر ما يكفى لوضوء أحدهم انتقض تيممهم جميعا لما قلنا، ولو قال هذا الماء لكم لا ينتقض تيممهم باجماع بين أصحابنا أما على أصل أبى حنيفة رحمه الله تعالى فلأن هبة المشاع فيما يحتمل القسمة لا تصح فلم يثبت الملك رأسا، وأما على أصلهما فالهبة وان صحت وأفادت الملك لكن لا يصيب كل واحد منهم ما يكفى لوضوئه فكان ملحقا بالعدم حتى أنهم لو أذنوا لواحد منهم بالوضوء انتقض تيممه عندهما لأنه قدر على ما يكفى للوضوء، وعنده الهبة فاسدة فلا يصح الاذن (١) وان وجد الماء فى الصلاة فان وجده قبل أن يقعد قدر التشهد الأخير انتقض تيممه وتوضأ به واستقبل الصلاة لأن طهارة التيمم انعقدت ممدودة الى عاية وجود الماء بالحديث الذى روينا، فتنته عند وجود الماء فلو أتمها لأتم بغير طهارة، وهذا لا يجوز، وبه تبين أنه لم تبق حرمة الصلاة وان وجده بعد ما قعد قدر التشهد الأخير أو بعد ما سلم وعليه سجدتا السهو وعاد الى السجود فسدت صلاته عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى ويلزمه الاستقبال، وعند أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى يبطل تيممه وصلاته تامة وهذه من المسائل المعروفة بالأثنى عشرية، والأصل فيها أن ما كان من أفعال المصلى يفسد الصلاة لو وجد فى أثنائها لا يفسدها أن وجد فى هذه الحالة باجماع بين أصحابنا مثل الكلام والحدث العمد والقهقهة ونحو ذلك وأما ما ليس من فعل المصلى بل هو معنى سماوى لكنه لو اعترض فى أثناء الصلاة يفسد الصلاة، فاذا وجد فى هذه الحالة هل يفسدها. قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى يفسدها وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى لا يفسدها وذلك كالمتيمم يجد ماء والماسح على الخفين اذا انقضى وقت مسحه، والعارى يجد ثوبا والأمى يتعلم القرآن وصاحب الجرح السائل ينقطع عنه السيلان وصاحب الترتيب اذا تذكر فائتة ودخول وقت العصر يوم الجمعة وهو فى صلاة الجمعة، وسقوط الخف عن الماسح عليه اذا كان واسعا بدون قلعه وطلوع الشمس فى هذه الحالة لمصلى الفجر والمومى اذا قدر على القيام والقارئ اذا استخلف أميا. والمصلى بثوب فيه نجاسة أكثر من قدر الدرهم ولم يجد ماء ليغسله فوجد فى هذه الحالة، وقاضى الفجر اذا زالت الشمس، والمصلى اذا سقط الجبائر عنه برء. ومن مشايخنا من قال أن حاصل الاختلاف يرجع الى أن خروج المصلى من الصلاة بفعله فرض عند أبى حنيفة وعندهما ليس بفرض، ومنهم من تكلم فى المسئلة من وجه آخر، وجه قولهما أن الصلاة قد انتهت بالقعود قدر التشهد لانتهاء أركانها قال النبى ﷺ لعبد الله بن مسعود رضى الله تعالى عنه حين علمه التشهد: اذا قلت هذا وفعلت هذا فقد تمت صلاتك والصلاة بعد تمامها لا تحتمل الفساد ولهذا لا تفسد بالسلام والكلام والحدث العمد والقهقهة ودل الحديث على أن الخروج بفعله ليس بفرض لأنه وصف الصلاة بالتمام، ولا تمام يتحقق مع بقاء ركن من أركانها. ولهذا قلنا أن الصلاة على النبى ﷺ فى الصلاة ليست بفرض وكذا اصابة لفظ السّلام لأن تمام الشئ وانتهاءه مع بقاء شئ منه محال الا أنه لو قهقه فى هذه الحالة تنتقض طهارته لأن انتقاضها يعتمد قيام التحريمة وانها قائمة فأما فساد الصلاة فيستدعى بقاء التحريمة مع بقاء الركن ولم يبق عليه ركن من أركان الصلاة لما بينا، ولأن الخروج من الصلاة ضد الصلاة لأنه تركها وضد الشئ كيف يكون ركنا له، ولأن عند أبى حنيفة يحصل الخروج بالحدث

стр. 6383

العمد والقهقهة والكلام، وهذه الأشياء حرام ومعصية فكيف تكون فرضا والوجه لتصحيح مذهب أبى حنيفة فى عدة من هذه المسائل من غير البناء على الأصل الذى ذكرنا أن فساد الصلاة ليس لوجود هذه العوارض بل بوجودها يظهر أنها كانت فاسدة، وبيان ذلك أن المتيمم اذا وجد الماء صار محدثا بالحدث السابق فى حق الصلاة التى لم تؤد لأنه وجد منه الحدث ولم يوجد منه ما يزيله حقيقة لأن التراب ليس بطهور حقيقة الا أنه لم يظهر حكم الحدث فى حق الصلاة المؤداة للحرج كيلا تجتمع عليه الصلوات فيخرج فى قضائها فسقط اعتبار الحدث السابق دفعا للحرج ولا حرج فى الصلاة التى لم تؤد، وهذه الصلاة غير مؤداة فان تحريمة الصلاة باقية بلا خلاف وكذا الركن الأخير باق لأنه وان طال فهو فى حكم الركن كالقراءة اذا طالت فظهر فيها حكم الحدث السابق فتبين أن الشروع فيها لم يصح كما لو اعترض هذا المعنى فى وسط الصلاة، وعلى هذا يخرج انقضاء مدة المسح لأنه اذا انقضى وقت المسح صار محدثا بالحدث السابق لأن الحدث قد وجد ولم يوجد ما يزيله عن القدم حقيقة لكن الشرع أسقط اعتبار الحدث فيما أدى من الصلاة دفعا للحرج فالتحق المانع بالعدم فى حق الصلاة المؤداة ولا حرج فيما لم يؤد فظهر حكم الحدث السابق فيه (١). هذا اذا وجد فى الصلاة ماء مطلقا فان وجد سؤر حمار مضى على صلاته لأنه مشكوك فيه وشروعه فى الصلاة قد صح فلا يقطع الشك، بل يمضى على صلاته فاذا فرغ منها توضأ به وأعاد لأنه ان كان مطهرا فى نفسه ما جازت صلاته وان كان غير مطهر فى نفسه جازت به صلاته فوقع الشك فى الجواز فيؤمر بالاعادة احتياطا، وان وجد نبيذا لتمر انتقض تيممه عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى لأنه بمنزلة الماء المطلق عند عدمه عنده، وعند أبى يوسف رحمه الله تعالى لا ينتقض لأنه لا يراه طهورا أصلا. وعند محمد رحمه الله تعالى يمضى على صلاته ثم يعيدها كما فى سؤر الحمار. هذا كله اذا وجد الماء فى الصلاة فأما اذا وجده بعد الفراغ من الصلاة فان كان بعد خروج الوقت فليس عليه اعادة ما صلى بالتيمم بلا خلاف وان كان فى الوقت فكذلك عند عامة العلماء لأن الله تعالى علق جواز التيمم بعدم الماء فاذا صلى حالة العدم فقد أدى الصلاة بطهارة معتبرة شرعا فيحكم بصحتها فلا معنى لوجوب الاعادة. وروى أن رجلين أتيا رسول الله ﷺ وقد تيمما من جنابة وصليا وأدركا الماء فى الوقت فأعاد أحدهما الصلاة ولم يعد الآخر فقال ﷺ للذى أعاد: أما أنت فقد أوتيت أجرك مرتين، وقال للآخر: أما أنت فقد أجزأتك صلاتك عنك، أى كفتك، وهذا ينفى وجوب الاعادة (٢). مذهب المالكية: جاء فى مواهب الجليل أن التيمم يبطله ما يبطل الوضوء من النواقض سواء كان ذلك التيمم للحدث الأصغر أو للحدث الأكبر، ويبطل التيمم أيضا بوجود الماء قبل الدخول فى الصلاة. قال فى التوضيح: يريد اذا كان الوقت متسعا وان كان الوقت ضيقا ان توضأ فيه لم يدرك الصلاة لم يجب استعماله على الصحيح من المذهب. قال اللخمى رحمه الله تعالى. وقال ابن عرفة رحمه الله تعالى: ووجود ماء فى وقت يسعه يبطله فلو ضاق عن استعمال فانتقض لا يبطله وخرجه اللخمى على التيمم. حينئذ قال وان وجد الماء بعد دخوله فى الصلاة فان ذلك لا يبطل تيممه

стр. 6384

ولو كان الوقت متسعا كما صرح به اللخمى وغير واحد. قال فى التوضيح ويحرم عليه قطع الصلاة. قال ابن العربى: وخرج اللخمى قولا بالقطع. قال التلمسانى: اذا قلنا أنه لا يجب عليه أن يقطع فهل المذهب أنه لا يستحب له القطع أو يستحب له القطع. قال ابن العربى: بل يحرم عليه ذلك ويكون عاصيا ان فعل وحكمه كحكمه اذا وجده بعد الصلاة لا يستحب له أن يعيده. قال فى الطراز وهذا فبمن تيمم وهو على اياس من الماء وأما من تيمم وهو يرتجى الماء فهذا لا يبعد أن يقال فيه يقطع لأن الصلاة انما أسندت الى تخمين وقد تبين فساده. ومن تيمم ثم طلع عليه ركب يظن أن معهم الماء فيجب عليه سؤالهم اذا طلعوا عليه قبل شروعه فان لم يجد معهم وجب عليه أن يعيد تيممه وكذلك لو رأى ماء فقصده فحال دونه مانع نقله سند عن الشافعى قال وهو موافق لمذهب مالك فان الطلب اذا وجب كان شرطا فى صحة التيمم ولا يصح التيمم الا بعد الطلب ولأنا نشترط اتصال الصلاة بالتيمم فمتى فرق بينهما تفريقا فاحشا لم يجزه، فان طلعوا عليه وهو فى الصلاة لم يقطع الصلاة ولو كان معهم الماء كما صرح به فى المدونة وقد نبه على ذلك صاحب الطراز فى شرحها. ومن كان معه ماء فى رحله فنسيه وتيمم وشرع فى الصلاة فتذكر فيها أن الماء فى رحله فانه يقطع الصلاة لتفريطه فانه تيمم والماء موجود معه كمن شرع فى صوم الظهار ثم تذكر أنه قادر على الرقبة (١). مذهب الشافعية: جاء فى مغنى المحتاج أن من تيمم لفقد ماء فوجده ان لم يكن فى صلاة بطل تيممه وان ضاق الوقت بالاجماع كما قاله ابن المنذر، ولخبر أبى ذر رضى الله تعالى عنه: التراب كافيك ولو لم تجد الماء عشرة حجج فاذا وجدت الماء فأمسه جلدك. رواه الحاكم وصححه الترمذى وقال حسن صحيح، ولأنه لم يشرع فى المقصود فصار كما لو رآه فى أثناء التيمم ووجود ثمن الماء عند امكان شرائه كوجود الماء، وكذا توهم الماء وان زال سريعا لوجوب طلبه بخلاف توهم السترة فانه يجب عليه طلبها بذلك لأن الغالب عدم وجدانها بالطلب للبخل بها. ومما يبطل التيمم أيضا الردة كما مر فى الوضوء ومن التوهم رؤية سراب (٢) أو رؤية غمامة مطبقة بقربه أو رؤية ركب طلع أو نحو ذلك مما يتوهم معه الماء فلو سمع قائلا يقول عندى ماء لغائب بطل تيممه لعلمه بالماء قبل المانع ولو سمعه يقول عندى لغائب ماء لم يبطل تيممه لمقارنة المانع وجود الماء، ولو قال عندى لحاضر ماء وجب طلبه منه، ولو قال لفلان ماء ولم يعلم السامع غيبته ولا حضوره وجب السؤال عنه وبطل تيممه فى الصورتين لما مر من أن وجوب الطلب يبطله ولو سمعه يقول: عندى ماء ورد فهل يبطل تيممه أولا؟ فيه نظر ولم أر من تعرض له ثم رأيت بعض المتأخرين تعرض له وجزم يبطلان التيمم، ووجود ما ذكر قبل تمام تكبيرة الاحرام كوجوده قبل الشروع فيها. أما بعد الشروع فى الصلاة فلا بطلان بتوهم أو شك أو ظن، هذا اذا تيمم لفقد ماء، فان تيمم لمرض ونحوه فانه انما يبطل تيممه بالقدرة على استعماله ولا أثر لوجوده. وانما يبطل التيمم وجود الماء أو توهمه أن لم يقترن بمانع يمنع من استعماله كعطش

стр. 6385

وسبع لأن وجوده والحالة هذه كالعدم، أو ان وجد الماء فى صلاة لا يسقط قضاؤها بالتيمم بأن صلى فى مكان يغلب فيه وجود الماء بطلت صلاته على المشهور اذ لا فائدة بالاشتغال بها لأنه لا بد من اعادتها. والقول الثانى المقابل للمشهور: لا تبطل صلاته محافظة على حرمتها ويعيدها وهو وجه ضعيف فالخلاف كما فى الروضة وغيرها وجهان (١) ولو رأى الماء فى صلاته التى تسقط بالتيمم بطل تيممه بسلامه منها وان علم تلفه قبل سلامه لأنه ضعف برؤية الماء وكان مقتضاه بطلان الصلاة التى هو فيها لكن خالفناه لحرمتها ويسلم الثانية لأنها من جملة الصلاة كما بحثه صاحب المنهاج تبعا للرويانى وان خالف فى ذلك والد الرويانى. ولو تيممت حائض لفقد الماء ورأت الماء وهو بجامعها حرم عليها تمكينه كما قاله القاضى أبو الطيب وغيره ووجب النزع كما فى المجموع وغيره لبطلان طهرها، ولو رآه وهو دونها لم يجب عليه النزع لبقاء طهرها خلافا لما فى الأنوار من وجوب النزاع ولو رأى الماء فى أثناء قراءة تيمم لها بطل تيممه بالرؤية سواء أنوى قراءة قدر معلوم أم لا لبعد ارتباط بعضها ببعض قاله الرويانى. أما المنتفل الواجد للماء فى صلاته الذى لم ينو قدرا فالأصح أن لا يجاوز ركعتين بل يسلم منهما لأنه الأحب والمعهود فى النفل هذا اذا رأى الماء قبل قيامه للثالثة فما فوقها والا أتم ما هو فيه كما صرح به القاضى أبو الطيب وغيره، وقيل: له أن يزيد ما شاء كما له تطويل الأركان وقيل: يقتصر على ركعة بناء على أن حمل النذر المطلق عليها. أما من نوى عددا أو ركعة فيتمه لانعقاد نيته عليه فأشبه المكتوبة المقدرة ولا يزيد عليه لأن الزيادة كافتتاح نافلة بدليل افتقارها الى قصد جديد، ولو رأى الماء فى أثناء الطواف. قال الفورانى ان قلنا يجوز تفريقه - وهو الأصح - توضأ والا فكالصلاة (٢) ولا تيمم لغرض قبل دخول وقت فعله لقول الله : «إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ (٣)» الآية والقيام اليها بعد دخول الوقت خرج الوضوء بدليل فبقى التيمم، ولأنها طهارة ضرورة فلا تباح الا عند وقت الضرورة وهو قبل الوقت غير مضرور اليها ولا بد من العلم بدخول الوقت يقينا أو ظنا فلو تيمم شاكا فيه لم يصح وان صادف الوقت كما فى زيادة الروضة، ويشترط أخذ التراب المقرون بالنية فى الوقت أيضا فلو أخذه قبله ثم مسح به بعده لم يصح (٤). مذهب الحنابلة: جاء فى كشاف القناع أن التيمم يبطل بخروج الوقت لقول على رضى الله تعالى عنه: التيمم لكل صلاة ولأنه طهارة ضرورة فتقيد بالوقت كطهارة المستحاضة حتى التيمم من جنب لقراءة ولبث فى مسجد، وحتى التيمم من حائض لوط ء وحقى التيمم لطواف، وحتى التيمم من نجاسة ببدن ولصلاة جنازة ونافلة ونحوها كالتيمم من نفساء لوط ء فيبطل فى هذه الصور كلها بخروج الوقت كالتيمم للمكتوبة ما لم يكن فى صلاة جمعة ويخرج الوقت وهو فيها فلا يبطل مادام فيها ويتمها لأنها لا تقضى فيلزم من تيمم لقراءة ووط ء ونحوه كلبث بمسجد اذا خرج الوقت يلزمه الترك حتى يعيد التيمم. لكن لو نوى الجمع فى وقت الثانية ثم تيمم للمجموعة أو تيمم لفائتة فى وقت الأولى لم يبطل التيمم بخروج وقت الأولى لأن نية الجمع صيرت الوقتين كالوقت الواحد، ويبطل التيمم

стр. 6386

بوجود الماء لعادمه اذا قدر على استعماله بلا ضرر لأن مفهوم قول رسول الله ﷺ : الصعيد الطيب وضوء المسلم وان لم يجد الماء عشر سنين فاذا وجد الماء فأمسه جلدك «يدل على أنه ليس بوضوء عند وجود الماء، ويبطل التيمم بزوال عذر مبيح للتيمم كما لو تيمم لمرض فعوفى بزوالها ثم ان وجد الماء بعد صلاته أو طوافه لم يجب اعادته. لما روى عطاء بن يسار رضى الله تعالى عنه قال خرج رجلان فى سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما صعيدا طيبا فصليا ثم وجدا الماء فى الوقت فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة ولم يعد الآخر ثم أتيا رسول الله ﷺ فذكرا ذلك له فقال للذى لم يعد أجزأتك صلاتك، وقال للذى أعاد لك الأجر مرتين» رواه أبو داود. وان وجد الماء فى الصلاة أو الطواف بطلت صلاته وطوافه ولو اندفق الماء قبل استعماله لأن طهارته انتهت بانتهاء وقتها فبطلت صلاته وطوافه كما لو انقضت مدة المسح وهو فى الصلاة ووجبت الاعادة ان كانت الصلاة أو الطواف فرضا، ويبطل التيمم بمبطلات وضوء كخروج شئ من سبيل وزوال عقل ومس فرج اذا كان تيممه عن حدث أصغر لأنه بدل عن الوضوء فحكمه حكمه. ويبطل التيمم عن حدث أكبر بما يوجبه كالجماع وخروج المنى بلذة الا غسل حيض ونفاس اذا تيممت له فلا يبطل بمبطلات غسل ووضوء بل بوجود حيض ونفاس فلو تيممت بعد طهورها من الحيض له ثم أجنبت فله الوط ء لبقاء حكم تيمم الحيض والوط ء انما يوجب حدث الجنابة وان تيمم وعليه ما يجوز المسح عليه كعمامة وجبيرة أو خف لبسه على طهارة ثم خلعه بطل تيممه نصا فى رواية عبد الله على الخفين وفى رواية حنبل عليهما وعلى العمامة وظاهره لا فرق بين أن يكون مسح عليه قبل التيمم أولا وكذا اذا انقضت مدة المسح لأنه معنى يبطل الوضوء وهو ان اختص صورة بعضوين فانه متعلق بالأربعة حكما (١). مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى أن كل حدث ينقض الوضوء فانه ينقض التيمم، هذا ما لا خلاف فيه من أحد من أهل الاسلام (٢). وينقض التيمم أيضا وجود الماء سواء وجده فى صلاة أو بعد أن صلى أو قبل أن يصلى فان صلاته التى هو فيها تنتقض لانتقاض طهارته ويتوضأ أو يغتسل ثم يبتدئ الصلاة ولا قضاء عليه فيما قد صلى بالتيمم. لما حدثنا حماد باسناده عن عمران بن حصين رضى الله تعالى عنه قال: كنت مع رسول الله ﷺ وفى القوم جنب فأمره رسول الله ﷺ فتيمم وصلى، ثم وجدنا الماء بعد فأمره رسول الله ﷺ أن يغتسل ولا يعيد الصلاة. وقد ذكرنا حديث حذيفة رضى الله تعالى عنه عن رسول الله ﷺ وجعلت لنا الأرض مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا اذا لم نجد الماء فصح بهذه الأحاديث أن الطهور بالتراب انما هو ما لم يوجد الماء، وهذا لفظ يقتضى أن لا يجوز التطهر بالتراب الا اذا لم يوجد الماء، ويقتضى أن لا يصح طهور بالتراب الا أن لا نجد الماء الا لمن أباح له ذلك نص آخر. واذا كان هذا فلا يجوز أن يخص بالقبول

стр. 6387

أحد المعنيين دون الآخر، بل فرض العمل بهما معا، وصحح هذا أيضا أمره ﷺ الجنب بالتيمم بالصعيد ثم أمره بالصلاة ثم أمره عند وجود الماء بالغسل فصح ما قلنا (١). والمريض المباح له التيمم مع وجود الماء بخلاف ما ذكرنا فان صحته لا تنتقض طهارته، لأن الخبر الذى اتبعنا انما جاء فيمن لم يجد الماء فهو الذى تنتقض طهارته وأما من أمره الله تعالى بالتيمم والصلاة مع وجود الماء فان وجود الماء قد صح يقينا أنه لا ينقض طهارته بل هى صحيحة مع وجود الماء فاذ ذاك كذلك فان الصحة ليست حدثا أصلا اذ لم يأت بأنها حدث لا قرآن ولا بسنة (٢). مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار ان التيمم للحدثين ينتقض بأحد ستة أمور: الأول الفراغ مما فعل بالتيمم له من صلاة أو قراءة أو لبث فى المسجد أو وط ء اذ شرعية التيمم لاستباحة الصلاة ولا يرفع الحدث اذ لو كان التيمم رافعا للحدث لم يجب عليه أن يغتسل بعد التيمم عند وجود الماء ولم يقل بذلك أحد فثبت أنه مبيح لا رافع. الثانى: الاشتغال بغير ما تيمم له ذكره أبو مضر، وقال المنصور: الاشتغال بغيره لا ينقضه بحال. قال مولانا ﵇ وقد استشكل المتأخرون قول أبو مضر، وربما قالوا انه غير صحيح لأنه لا وجه يقتضى كون ذلك ناقضا ولأنه قد ذكر أن من تيمم جاز له أن يقرأ قبل الصلاة وذلك اشتغال بغير الصلاة ولهذا حمل بعضهم كلامه على أن مراده الاشتغال بمباح غير ما تيمم له ينقض لا غير مباح لئلا يتدافع الكلام. قال مولانا ﵇: والأقرب عندى أن كلامه صحيح قيم لا عوج له فى هذه المسألة على أصل من أوجب التأخير على المتيمم، ومراده الاشتغال بغير ما تيمم له مما لا تعلق له به وهو مانع من فعله أو فعل ما يتعلق به ويستغرق وقتا ظاهرا يعتد به، أما اذا كان ما اشتغل به مما لا تعلق بما تيمم له لم ينقض لأنه لو تيمم ثم سار الى المسجد المعتاد لصلاته ولو بعد فقد انتقل بغير الصلاة وهذا ليس بناقض لتعلقه بالصلاة وكذلك مسئلة القراءة قبل الصلاة على ما تقدم. وان كان ما اشتغل به لا يمنع من فعل ما تيمم له أو فعل ما يتعلق به لم ينتقض التيمم وذلك نحو أن يتيمم لقراءة أو لبث فى المسجد فيقرأ أو بلبث وهو يخيط ثوبا أو غير ذلك مما لا يمنع وجود القراءة فان ذلك لا ينقض ونحو أن يتيمم لصلاة ثم يسير الى المسجد وهو فى خلال المسير يحدث غيره أو يقود فرسه أو نحو ذلك مما لا يمنع من المسير المتعلق بالصلاة فان هذا الشغل لا ينقض. وكذا لا ينتقض التيمم اذا اشتغل بغير ما تيمم لم ولم يستغرق وقتا ظاهرا يعتد به وذلك نحو أن يتيمم لقراءة فيأخذ فيها ثم يتكلم خلالها بكلمتين أو ثلاث أو أكثر مما لا يظهر له تأثير فى الوقت فان ذلك لا ينقض لأن وقته لا يعتد به، ونحو أن يتيمم لدخول المسجد فيزيل صخرة من على الطريق أو بهيمة من زرع بالقرب منه أو نحو ذلك مما لا يعتد بوقته. قال مولانا ﵇: والوجه فى اعتبار هذه القيود اجماع المسلمين على أن نحو هذه الأشياء التى استثنت غير ناقضة لأنه لم يسمع عن أحد من السلف والخلف أنه أعاد التيمم لكلمة تكلمها قبل فعل ما تيمم له ونحو ذلك. قال ﵇: وهذه المسألة مبنية على كلام من أوجب التأخير مع العذر المأيوس - وهو

стр. 6388

المذهب - وقول المنصور انه لا ينقض بالاشتغال بغيره مبنى على قوله بجواز التيمم فى أول الوقت اذا كان العذر مأيوسا. الثالث: من نواقض التيمم زوال العذر الذى يجوز معه العدول الى التيمم نحو أن تزول علة يخشى معها من استعمال الماء أو نحو ذلك فانه حينئذ ينتقض تيممه، وهل يعيد ما قد صلى به حكمه حكم واجد الماء. والرابع: وجود الماء قبل كمال الصلاة فانه ينتقض التيمم بشرط أن لا يحتاجه لنفسه أو لبهائمه المحترمة أو المجحفة ولا يخشى من استعماله ضررا، سواء وجده قبل الدخول فى الصلاة أو بعده وسواء خشى فوت الصلاة باستعماله أم لا، وسواء كان يكفيه لكمال الوضوء أم لا يكفيه عندنا خلافا لأبى مضر وابنى الهادى، وان وجد الماء بعد كمال الصلاة فانه يعيد الصلاتين بالوضوء ان أدرك الصلاة الأولى وركعة من الثانية قبل خروج الوقت بعد الوضوء وان لم يبق من الوقت ما يسع ذلك فالأخرى من الصلاتين يعيدها بالوضوء وان أدرك ركعة كاملة منها أى أن غلب فى ظنه أنه يدرك ذلك لزمته الاعادة والا لم تلزم هذا مذهب الهدوية فعلى هذا يعتبر فى المقيم أن يبقى له من النهار ما يتسع لخمس ركعات فيعيد الظهر والعصر. وفى المسافر ما يتسع لثلاث ركعات وفى المغرب والعشاء ما يتسع لأربع مقيما كان أو مسافرا وان لم يبق الا ما يتسع لثلاث فقط فان كان مقيما صلى العشاء فقط وان كان مسافرا. فقال الفقيه محمد بن سليمان: يصلى العشاء أولا ركعتين لأنه يأتى بها تامة ويدرك بعدها ركعة من المغرب. وقال السيد يحيى بن الحسين: بل يصلى المغرب لأن الترتيب واجب عند الهدوية. قال مولانا ﵇: وهذا هو الصحيح مع وجوب الترتيب. وقال أحمد بن الحسين أنه لا يلزم اعادة العصر. قال السيد أبو العباس وروى عنه السيد يحيى ابن الحسين انه لا يوجب الاعادة الا اذا أدرك الصلاتين معا. قال مولانا ﵇: والأول أصح. وعن أحمد بن الحسين أن المتيمم فى الحضر اذا وجد الماء بعد الوقت أعاد لأنه من الأعذار النادرة. والخامس: من نواقض التيمم خروج وقت الصلاة التى تيمم لها. والسادس: من نواقض التيمم نواقض الوضوء ولا كلام فى أنه ينتقض بها التيمم للحدث الأصغر، أما التيمم للحدث الأكبر فاختلفوا فيه. فقال المنصور: ينتقض بها أيضا. وقال النووى فى الأذكار: لا ينتقض لأنه قائم مقام الغسل والحدث الأصغر لا يبطل الغسل. قال فى الانتصار: اذا تيمم من الحدث الأكبر بطل بمثله وأما بالحدث الأصغر فقال المنصور يبطل. وقال الشافعى رحمه الله تعالى: لا يبطل وهو الذى يظهر على رأى أئمة العترة، وهو المختار بدليل أن الحائض اذا تيممت لعدم الماء جاز جماعها مع أن المذى لا يخلو منها فى الغالب وكذا الايلاج فى الابتداء. قال مولانا ﵇: والأقرب عندى أن كلام الأئمة يقضى بمثل كلام المنصور أعنى أن التيمم للحدث الأكبر ينتقض بالحدث الأصغر. أما ما ذكره الامام يحيى فى الحائض فليس بطريق الى ما ذكر لأن حكم الحائض فى ذلك مخالف للقياس لأنهم لو جروا على القياس فى ذلك لأدى الى تحريم ما قد أباحه الشرع من تحريم وط ء من

стр. 6389

طهرت من الحيض ولم تجد ماء فتيممت للوط ء لأنه لو انتقض تيممها بما ينقض الوضوء لأدى الى أنه لا يجوز له الايلاج رأسا لأنه حين يلتقى الختانان ينتقض تيممها فلا يجوز له الاتمام، ثم كذلك اذا أعادت التيمم فلا يصح منه الوط ء الكامل رأسا وقد ورد الشرع بجوازه مع أنه حدث أكبر ولا يبطل به التيمم فدل على أن هذا النوع من النواقض لا ينقض هذا النوع من التيمم - وهو تيمم الحائض للوط ء - لأجل الضرورة فلا يقاس عليه ما لا ضرورة فيه، وفائدة الخلاف تظهر فى الجنب اذا تيمم للبث فى المسجد وأحدث أو نام هل ينتقض تيممه فيلزمه الخروج أولا؟ على الخلاف (١). مذهب الأمامية: جاء فى مفتاح الكرامة أن التيمم ينقضه ما ينقض الطهارة المائية والتمكن من استعمال الماء أيضا لأنه بدل منه قال فى المدارك انه لا خلاف فيه بين العلماء وفى التذكرة أنه قول العلماء الا ما نقل عن أبى سلمة بن عبد الرحمن والشعبى أنهما قالا: لا يلزمه استعمال الماء لأنه وجد المبدل بعد الفراغ من البدل. فاذا وجد الماء أو تمكن منه قبل الشروع فى الصلاة بطل تيممه وقد نقل على ذلك اجماع أهل العلم سوى شاذ من العامة فى الخلاف والمعتبر والمنتهى والتذكرة. وفى المدارك: لا خلاف فيه بين العلماء وفيه وفى جامع المقاصد وغيرهما أنه يشترط فى انتقاض التيمم مضى مقدار زمان الطهارة المائية متمكنا من فعلها ولا يكفى مجرد وجود الماء والتمكن من استعماله وان لم يمض مقدار زمان الطهارة ومستندهم أصل بقاء الصحة وهو معارض بأصل بقاء شغل الذمة، وبعد التعارض تبقى الأوامر سليمة عن المعارض. وليعلم أن القول بانتقاض تيممه مع التمكن من الماء قد قيده بعضهم بعدم خوف فوت الوقت وأطلق الباقون كما سمعت (٢). وليعلم أنهم اختلفوا فيما اذا حكم باتمام الأصحاب فى المقدمات يدل على أن المراد فى الصلاة مع وجود الماء اما لكونه قد تجاوز محل القطع أو قلنا بالاكتفاء بالشروع فهل يعيد التيمم لو فقد الماء بعد الصلاة؟ ظاهر المبسوط: نعم واختاره أبو العباس، واختار المحقق فى المعتبر والشهيد فى الدروس عدم الاعادة، وتردد صاحب القواعد المختلفة وجملة من كتبه. وقال الأسناذ أدام الله حراسته: ان كلام الأصحاب فى المقدمات يدل على أن المراد فى الضيق المشترط فى التيمم الضيق العرفى لا التحقيقى. قال صاحب القواعد: ولو وجد الماء بعد التلبس بتكبيرة الاحرام استمر فى صلاته، وهو خيرة المقنعة والخلاف وغيرهما، واختار فى النهاية ومجمع البرهان أن يقطع صلاته ما لم يركع وحكاه جماعة عن الصدوق، وحكى عن الكاتب أنه يقطع الصلاة ما لم يركع الركعة الثانية الا مع الضيق واحتمل فى الاستبصار استحباب ذلك. وفى قول رابع أنه ينقض التيمم وجود الماء مع التمكن من استعماله الا أن يجده وقد دخل فى صلاة وقراءة ذهب اليه أبو يعلى ووجهه بعض بأنه يأتى بأكثر الأركان وهى النية والقيام والتكبيرة وأكبر الأفعال وهى القراءة ووجه بعض باعتبار مسمى الصلاة.

стр. 6390

وذكر الشهيد عن الواسطة قولا خامسا وهو أنه اذا وجد الماء بعد الشروع وغلب على ظنه أنه ان قطعها وتطهر بالماء لم تفته الصلاة وجب عليه قطعها والتطهر بالماء وان لم يمكنه ذلك لم يقطعها اذا كبر وقيل يقطع ما لم يركع وهو محمول على الاستحباب، وذهب أبو العباس فى الموجز الحادى الى أنه اذا وجد الماء فى صلاة غير مغنية عن القضاء قطعها والا فلا قطع اذا تلبس بها، ولو كان المتيمم فى نافلة ووجد الماء استمر ندبا كما فى المبسوط والمنتهى وغيرهما وفى نهاية الأحكام وجامع المقاصد: احتمال تعيين القطع، وفى كشف اللثام: يستمر ان لم يتضيق وقت فريضة وطهارتها فان تضيق كذلك أو ظن الفقد ان أتم النافلة فالأحوط القطع. واذا حكمنا باتمام الصلاة مع وجود الماء أما لكونه قد تجاوز محل القطع أو قلنا بالاكتفاء بالشروع فهل يعيد التيمم لو فقد الماء قبل فراغه من الصلاة أم لا؟ فيه قولان الأول أنه يعيد لأنه ينتقض تيممه بالنسبة الى غيرها من الصلوات وهو خيرة المبسوط والموجز الحاوى، والثانى: أنه لا يعيد وهو خيرة المحقق فى المعتبر (١). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل أن التيمم ينقضه ناقض أصله باتفاق فان كان التيمم للحدث الصغير فأصله الوضوء وان كان للجنابة فأصله الاغتسال، فاذا تيمم للجنابة فحدثت جنابة أخرى أعادة باتفاق من يقول يتيمم للجنابة وقيل يتيمم للجنابة عند كل صلاة، واذا كان حكم التيمم حكم أصله فمن تيمم بيدين منجوستين أو تيمم وفى بدنه نجس يقدر على ازالته يريد أن يزيله بعد التيمم لم يصح تيممه، كما لا يصح وضوءه مع نجس وجوز ذلك التيمم لأنه تيمم له بخلاف ما اذا حدث حال التيمم أو بعده فانه لم يتيمم له، ويبحث بأنه لا يتيمم لنجس قدر على نزعه فكيف يعلل بأنه تيمم له كأصله الذى هو الوضوء، وأما أصله الذى هو الغسل فلا ينقضه نجس موجود، وان كان لا يقدر على تطهير يديه جاز له التيمم بهما اجماعا. ومن به قرح أو جرح لا يرقأ دمه أو استحاضة فهل يتيمم لكل صلاة أو يجزيه تيمم واحد ما لم يقطعه وحدث سوى ما به من دم ومثله كل نجس لا يرقأ كبول؟ قولان؟ الراجح منهما الثانى لأنه وجد معه حال الدخول فى التيمم وفى وسط التيمم وفى آخره فلا وجه لاعتباره بعد حتى يعادله، وهل ينقض التيمم وان كان لجنابة ارادة الصلاة الثانية فمادام لم يردها فهو على طهارته يمس بها مصحفا أو يدخل المسجد ونحو ذلك أو لا تنقضه؟ خلاف وكذا جامع بين صلاتين وأكثر هل يجزيه تيمم واحد لهما أو لا يجزيه بل يفصل بينهما بالتيمم للثانية خلاف أيضا مثاره هل التيمم مبيح للصلاة للضرورة مع بقاء الحدث غير مرفوع أو التيمم رافع للحدث فيصلى به ما لم يحدث بما ينقضه. ورجح ثانيهما وهو كونه رافعا (٢). واذا تقرر ذلك فأقول عندنا وجود الماء حدث ينقض التيمم الذى أبيح لعدم الماء سواء كان للوضوء أو للجنابة أو غيرهما، وقيل لا ينقصه الا حدث مثل مس النجس الرطب فاذا مسه مثلا انتقض وتوضأ أو اغتسل، وكذا اذا كان التيمم لعدم القدرة على استعمال الماء فانه ينتقض اذا قدر ووجده، وان لم يجده فقيل ينتقض لأنه تيمم أو لا لعدم القدرة وثانيا لعدم وجود الماء وقيل لا ينتقض، وقال بعض قومنا لا ينتقض عن عادم الصحة بوجودها ولا عن عادم الماء بوجود الماء بل اذا تيمم لعدم صحة أو لعدم ماء لم ينقضه الا اذا أحدث ونحوه مما ينقضه ولا ينقضه وجود الصحة ولا الماء.

стр. 6391

ويرى صاحب هذا القول أن التيمم رافع للحدث رفعا مطلقا، وعندنا هو رافع للحدث رفعا مؤقتا بارتفاع المانع (١). والتيمم على هذا القول الذى هو انتقاضه بوجود الماء أو الصحة كأصله الذى هو الوضوء أو الغسل فكما أنه من استعمل الماء لا ينقض استعماله بوجود ماء كذلك لا ينقض التيمم وجود الماء عندنا وينتقض التيمم بوجود الماء قبل الشروع فى الصلاة بتكبيرة الاحرام أو بعدها بالسلام اتفاقا عندنا والخلف المذكور فى انتقاض التيمم بوجود الماء بعد الشروع فى الصلاة وقبل الخروج منها، فقيل تمت له لشروعه فيها، وقيل لا بل انتقضت ويقطعها لحدوثه قبل الفراغ منها، ثم الناقض للتيمم هل هو رؤية الماء وان لم يمكنه استعماله أو امكان استعماله مع دخول الوقت فان لم يمكنه استعماله أو وجده قبل الوقت لم ينقض تيممه وذلك أنه تيمم وصلى ووجد الماء قبل وقت الصلاة الثانية فتيممه صحيح باقى لأنه لم يخاطب بالوضوء قبل وقت الصلاة فلا ينقضه وجود الماء قبل وقتها فاذا دخل الوقت انتقض لخطابه بالوضوء بالماء وهو المختار لأنه غير واجد اذ لم يقدر على استعماله. وان وجد الماء وضاق الوقت على استعماله فقيل ينتقض وقيل لا، وان وجده وقد احتاج اليه لشرب أو اطعام على ما مر لم ينتقض، وان تيمم اثنان لعدم الماء ثم وجدا ما يكفى أحدهما وهما فيه على حد سواء اذ وصلا اليه بمرة فقيل هما على استصحابه بناء على أنه اذا لم يجد أحد من الماء ما يكفيه يعدل الى التراب وقيل ينتقض ويتوضأ كل بسهمه الى حيث وصل أو ينتقض ويعيدان التيمم وان وهب سهمه لصاحبه انتقض تيمم صاحبه لوجود ما يكفيه وان سبق اليه أحدهما كان له فينتقض تيممه ويتوضأ به، وكذا مقيم أو مسافر تيمم لعذر ثم استراح ولم يجد ماء هل ينتقض تيممه عليه أو لا ينتقض حتى يجده بعد دخول الوقت ويمكنه استعماله قولان ثالثهما أنه ينتقض بوجوده ولو لم يمكن استعماله ورابعها أنه لا ينتقض حتى يجئ ما ينقضه غير الماء (٢). ما يفسد الصلاة وما لا يفسدها مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع أن المفسد للصلاة أنواع منها الحدث العمد قبل تمام أركانها بلا خلاف حتى يمتنع عليه البناء واختلف فى الحدث السابق وهو الذى سبقه من غير قصد وهو ما يخرج من بدنه من بول أو غائط أو ريح أو رعاف أو دم سائل من جرح أو دمل به بغير صنعه قال أصحابنا رحمهم الله تعالى لا يفسد الصلاة فيجوز البناء استحسانا ووجه الاستحسان النص واجماع الصحابة رضى الله تعالى عنهم أما النص فما روى عن عائشة رضى الله تعالى عنها أن النبى ﷺ قال: من قاء أو رعف فى صلاته انصرف وتوضأ وبنى على صلاته ما لم يتكلم وكذا روى ابن عباس وأبو هريرة رضى الله تعالى عنهما عن النبى ﷺ . وأما اجماع الصحابة فان الخلفاء الراشدين والعبادلة الثلاثة وأنس بن مالك وسلمان الفارسى رضى الله تعالى عنهم قالوا مثل مذهبنا وروى أن أبا بكر الصديق رضى الله تعالى عنه سبقه الحدث فى الصلاة فتوضأ وبنى وعمر رضى الله تعالى عنه سبقه الحدث وتوضأ وبنى على صلاته وعلى رضى الله تعالى عنه كان يصلى خلف عثمان رضى الله تعالى عنه فرعف فانصرف وتوضأ وبنى على صلاته فثبت البناء من الصحابة رضى الله تعالى عنهم قولا وفعلا والقياس يترك بالنص والاجماع (١).

стр. 6392

وقال الشافعى رحمه الله تعالى يفسد الصلاة فلا يجوز البناء قياسا (١). ووجه القياس ان التحريمة لا تبقى مع الحدث كما لا تنعقد معه لفوات أهلية أداء الصلاة فى الحالين بفوات الطهارة فيهما اذ الشئ كما لا ينعقد من غير أهلية لا يبقى مع عدم الأهلية فلا تبقى التحريمة لأنها شرعت لأداء أفعال الصلاة ولهذا لا تبقى مع الحدث العمد ولأن صرف الوجه عن القبلة والمشى فى الصلاة مناف لها وبقاء الشئ مع ما ينافيه محال. ومن مفسدات الصلاة أيضا الكلام عمدا أو سهوا لما روينا عن عائشة رضى الله تعالى عنها أن رسول الله ﷺ قال: من قاء أو رعف فى صلاته انصرف وتوضأ وبنى على صلاته ما لم يتكلم جوز البناء الى غاية التكلم فيقتضى انتهاء الجواز بالتكلم وروى عن ابن مسعود رضى الله تعالى عنه أنه قال خرجنا الى الحبشة وبعضنا يسلم على بعض فى صلاته فلما قدمت رأيت رسول الله ﷺ فى الصلاة فسلمت عليه فلم يرد على فأخذنى ما قدم وما حدث فلما سلم قال يا ابن أم عبد أن الله تعالى يحدث من أمره ما يشاء وان مما أحدث أن لا يتكلم فى الصلاة (٢). وروى عن معاوية بن الحكم السلمى رضى الله تعالى عنه أنه قال صليت خلف رسول الله ﵌ فعطس بعض القوم فقلت يرحمك الله فرمانى بعض القوم بأبصارهم فقلت واثكل أماه مالى أراكم تنظرون الى شزار فضربوا أيديهم على أفخاذهم فعلمت أنهم يسكتوننى فلما فرغ النبى ﷺ دعانى فو الله ما رأيت معلما أحسن تعليما منه ما نهرنى ولا زجرنى ولكن قال ان صلاتنا هذه لا يصلح فيها شئ من كلام الناس انما هى التسبيح والتهليل وقراءة القرآن وما لا يصلح فى الصلاة فمباشرته مفسد للصلاة كالأكل والشرب ونحو ذلك ولهذا لو كثر كان مفسدا ولو كان النسيان فيها عذرا لاستوى قليله يقال له ذو اليدين فقال يا رسول الله أقصرت أبو هريرة رضى الله تعالى عنه من أن رسول الله ﷺ صلى بنا احدى صلاتى العشى أما الظهر وأما العصر فسلم على رأس الركعتين فخرج سرعان القوم فقام رجل وكثيره كالأكل فى باب الصوم وأما ما رواه الصلاة ام نسيتها فقال ﷺ كل: ذلك لم يكن، فقال والذى بعثك بالحق فقد كان بعض ذلك ثم أقبل على القوم وفيهم أبو بكر وعمر رضى الله تعالى عنهما فقال ﷺ أحق ما يقول ذو اليدين فقالا نعم صدق ذو اليدين صليت ركعتين فقام وصلى الباقى وسجد سجدتى السهو بعد السّلام. فمحمول على الحالة التى كان يباح فيها التكلم فى الصلاة وهى ابتداء الاسلام بدليل أن ذا اليدين وأبا بكر وعمر رضى الله تعالى عنهم تكلموا فى الصلاة عامدين ولم يأمرهم بالاستقبال مع أن الكلام العمد مفسد للصلاة بالاجماع وما قيل من أن كلام الناسى بمنزلة سلام الناسى غير سديد فان الصلاة تبقى مع سلام العمد فى الجملة وهو قوله السّلام علينا وعلى عباد الله الصالحين والنسيان دون العمد فجاز أن تبقى مع النسيان فى كل احوال وفقهه أن السّلام بنفسه غير مضاد للصلاة لما فيه من معنى الدعاء الا أنه اذا قصد به الخروج فى أوان الخروج جعل سببا للخروج شرعا فاذا كان ناسيا وبقى عليه شئ من الصلاة لم يكن السّلام موجودا فى أوانه فلم يجعل سببا للخروج بخلاف الكلام فانه مضاد للصلاة ولأن النسيان فى أعداد الركعات

стр. 6393

يغلب وجوده فلو حكمنا بخروجه عن الصلاة يؤدى الى الحرج فأما الكلام فلا يغلب وجوده ناسيا فلو جعلناه قاطعا للصلاة لا يؤدى الى الحرج فبطل الاعتبار. أما النفخ فى الصلاة فعلى ضربين نفخ مسموع ونفخ غير مسموع وغير المسموع منه لا يفسد الصلاة بالاجماع لأنه ليس بكلام معهود وهو الصوت المنظوم المسموع ولا عمل كثير الا أنه يكره لما مر أن ادخال ما ليس من أعمال الصلاة فى الصلاة من غير ضرورة مكروه وان كان قليلا فأما المسموع منه فانه يفسد الصلاة فى قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى سواء أراد به التأفيف أو لم يرد وكان أبو يوسف رحمه الله تعالى يقول أولا ان أراد به التأفيف بأن قال أف أو تف على وجه الكراهة للشئ وتبعيده يفسد وان لم يرد به التأفيف لا يفسد ثم رجع وقال لا يفسد أراد به التأفيف كان من كلام الناس لدلالته على الضمير فيفسد واذا لم يرد التأفيف لم يكن من كلام الناس لعدم دلالته على الضمير فلا يفسد كالتنحنح ووجه قوله الأخير أنه ليس من كلام الناس فى الوضع فلا يصير من كلامهم بالقصد والارادة ولأن أحد الحرفين ههنا من الزوائد التى يجمعها قولك اليوم ننساه والحرف الزائد ملحق بالعدم يبقى حرف واحد وأنه ليس بكلام حتى لو كانت ثلاثة أحرف أصلية او زائدة أو كانا حرفين أصليين يوجب فساد الصلاة ويدل لأبى حنيفة ومحمد أن الكلام فى العرف اسم للحروف المنظومة المسموعة وأدنى ما يحصل به انتظام الحروف حرفان وقد وجد المنظومة كلاما فى العرف أن تكون مفهومة المعنى فى التأفيف وليس من شرط كون الحروف فان الكلام العربى نوعان مهمل ومستعمل ولهذا لو تكلم بالمهملات فسدت صلاته مع أن التأفيف مفهوم المعنى لأنه وضع فى اللغة للتعبيد على طريق الاستخفاف حتى حرم استعمال هذا اللفظ فى حق الأبوين احتراما لقوله تعالى «فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ (١)». وهذا النص من أقوى الحجج لهما لأن الله تعالى سمى التأفيف قولا فدل أنه كلام والدليل على أن النفخ كلام ما روى عن النبى ﷺ أنه قال لغلام يقال له رباح حين مر به وهو ينفخ التراب من موضع سجوده فى صلاته لا تنفخ فان النفخ كلام وفى رواية أما علمت أن من نفخ فى صلاته فقد تكلم وهذا نص فى الباب وأما التنحنح عن عذر فانه لا يفسد الصلاة بلا خلاف وأما من غير عذر فقد اختلف المشايخ فيه على قولهما، قال بعضهم يفسد لوجود الحرفين من حروف الهجاء وقال بعضهم ان تنحنح لتحسين الصوت لا يفسد لأن ذلك سعى فى أداء الركن وهو القراءة على وصف الكمال. وروى امام الهدى الشيخ أبو منصور الماتريدى السمرقندى عن الشيخ أبى بكر الجوزجانى صاحب أبى سليمان الجوزجانى رحمهم الله تعالى أنه قال اذا قال أخ فسدت صلاته لأنه له هجاء ويسمع فهو كالنفخ المسموع وبه تبين أن ما ذكره أبو يوسف رحمه الله تعالى من المعنى غير سديد لما ذكرنا أن الله تعالى سماه قولا ولما ذكرنا أن الحروف المنظومة المسموعة كافية للفساد وان لم يكن لها معنى مفهوم كما لو تكلم بمهمل كثرت حروفه وأما قوله ان أحد الحرفين من الحروف الزوائد فنعم هو من جنس الحروف الزوائد لكنه من هذه الكلمة ليس هو بزائد والحاق ما هو من جنس الحروف الزوائد من كلمة ليس هو فيها زائدا بالزوائد (٢) محال وكذا قوله بامتناع التغير بالقصد والارادة غير صحيح بدليل أن من قال لا يبعث الله من يموت وأراد به قراءة القرآن يثاب عليه ولو أراد به الانكار للبعث بكفر فدل أن ما ليس من كلام الناس فى الوضع يجوز أن يصير من كلامهم بالقصد والارادة

стр. 6394

ولو أن فى صلاته أو بكى فارتعع بكاؤه فان كان ذلك من ذكر الجنة أو النار لا تفسد الصلاة وان كان من وجع أو مصيبة يفسدها لأن الأنين أو البكاء من ذكر الجنة أو النار يكون لخوف عذاب الله وأليم عقابه ورجاء ثوابه فيكون عبادة خالصة ولهذا مدح الله خليله ﵇ بالتأوه فقال: «إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ (١)». وقال فى موضع آخر «إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ (٢)» لأنه كان كثير التأوه فى الصلاة وكان لجوف رسول الله ﷺ أزير كأزير الرجل فى الصلاة واذا كان كذلك فالصوت المنبعث عن مثل هذا الأنين لا يكون من كلام الناس فلا يكون مفسدا ولأن التأوه والبكاء من ذكر الجنة والنار يكون بمنزلة التصريح بمسئلة التصريح بمسئلة الجنة والتعوذ من النار وذلك غير مفسد كذا هذا واذا كان ذلك من وجع أو مصيبة كان من كلام الناس وكلام الناس مفسد. وروى عن أبى يوسف أنه قال اذا قال آه لا تفسد صلاته وان كان من وجع أو مصيبة واذا قال أوه تفسد صلاته لأن الأول ليس من قبيل الكلام بل هو شبيه بالتنحنح والتنفس والثانى من قبيل الكلام والجواب ما ذكرنا ولو عطس رجل فقال له رجل فى الصلاة يرحمك الله فسدت صلاته لأن تشميت العاطس من كلام الناس لما روينا من حديث معاوية بن الحكم السلمى ولأنه خطاب للعاطس بمنزلة قوله أطال الله تعالى بقاءك. وكلام الناس مفسد بالنص وان أخبر بخبر يسره فقال الحمد لله أو أخبر بما يتعجب منه فقال سبحان الله فان لم يرد جواب المخبر لم تقطع صلاته وان أراد به جوابا لا يقطع عند أبى يوسف رحمه الله تعالى وان أراد به الجواب فان الصلاة لو فسدت انما تفسد بالصيغة أو بالنية لا وجه للأول لأن الصيغة صيغة الأذكار ولا وجه للثانى لأن مجرد النية غير مفسد. وعند أبى حنيفة رحمه الله تعالى يقطع لأن هذا اللفظ لما استعمل فى محل الجواب وفهم منه ذلك صار من هذا الوجه من كلام الناس وان لم يصر من حيث الصيغة ومثل هذا جائز كمن قال لرجل اسمه يحيى وبين يديه كتاب موضوع «يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ (٣)» وأراد به الخطاب بذلك لا قراءة القرآن انه يعد متكلما لا قارئا وكذا اذا قيل للمصلى بأى موضع مررت فقال «بئر معطلة وقصر مشيد» وأراد به جواب الخطاب لما ذكرنا كذا هذا وكذلك اذا أخبر بخبر يسوؤه فاسترجع لذلك فان لم يرد به جوابه لم يقطع صلاته وان أراد به الجواب قطع لأن معنى الجواب فى استرجاعه أى أعينونى فانى مصاب ولم يذكر خلاف أبى يوسف فى مسئلة الاسترجاع فى الأصل والأصح أنه على الاختلاف ومن ساوى فرق بينهما فقال الاسترجاع اظهار المصيبة وما شرعت الصلاة لأجله فأما التحميد الشكر والصلاة شرعت لأجله ولو مر المصلى بآية فيها ذكر الجنة فوقف عندها وسأل الله الجنة أو بآية فيها ذكر النار فوقف عندها وتعوذ بالله من النار فان كان فى صلاة التطوع فهو حسن اذا كان وحده لما روى عن حذيفة رضى الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قرأ البقرة وآل عمران فى صلاة الليل فما مر بآية فيها ذكر الجنة الا وقف وسأل الله تعالى وما مر بآية فيها ذكر النار الا وقف وتعوذ وما مر بآية فيها مثل الا وقف وتفكر وأما الامام فى الفرائض فيكره له ذلك لأن النبى ﷺ لم يفعله فى المكتوبات وكذا الأئمة بعده الى يومنا هذا فكان من المحدثات ولأنه يثقل على القوم وذلك مكروه ولكن لا تفسد صلاته لأنه يزيد فى خشوعه والخشوع زينة الصلاة وكذا المأموم يستمع وينصت لقوله تعالى «وَإِذا قُرِئَ﴾

стр. 6395

﴿الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١)» ولو استأذن على المصلى انسان فسبح وأراد به اعلامه أنه فى الصلاة لم يقطع صلاته. لما روى عن على رضى الله تعالى عنه أنه قال كان لى من رسول الله ﷺ مدخلان فى كل يوم بأيهما شئت دخلت فكنت اذا أتيت الباب بأن لم يكن فى الصلاة فتح الباب فدخلت وان كان فى الصلاة رفع صوته بالقراءة فانصرفت ولأن المصلى يحتاج اليه لصيانة صلاته لأنه لو لم يفعل ربما يلح المستأذن حتى يبتلى هو بالغلط فى القراءة فكان القصد به صيانة صلاته فلم تفسد وكذا اذا عرض للامام شئ فسبح المأموم لا بأس به لأن القصد به اصلاح الصلاة فسقط حكم الكلام عنه للحاجة الى الاصلاح (٢) ولا يسبح الامام اذا قام الى الآخرين لأنه لا يجوز له الرجوع اذا كان للقيام أقرب فلم يكن التسبيح مفيدا ولو فتح على المصلى انسان فهذا على وجهين أما ان كان الفاتح هو المقتدى به أو غيره فان كان غيره فسدت صلاة المصلى سواء كان الفاتح خارج الصلاة أو فى صلاة أخرى غير صلاة المصلى وفسدت صلاة الفاتح أيضا ان كان هو فى الصلاة لأن ذلك تعليم وتعلم فان القارئ اذا استفتح غيره فكأنه يقول ماذا بعد ما قرأت فذكرنى والفاتح بالفتح كأنه يقول بعد ما قرأت كذا فخذ منى ولو صرح به لا يشكل فى فساد الصلاة فكذا هذا وكذا المصلى اذا فتح على غير المصلى فسدت صلاته لوجود التعليم فى الصلاة ولأن فتحه بعد استفتاحه جواب وهو من كلام الناس فيوجب فساد الصلاة وان كان مرة واحدة هذا اذا فتح على المصلى عن استفتاح فأما اذا فتح عليه من غير استفتاح لا تفسد صلاته بمرة واحدة وانما تفسد عند التكرار لأنه عمل ليس من أعمال الصلاة وليس بخطاب لأحد فقليله يورث الكراهة وكثيره يوجب الفساد وان كان الفاتح هو المقتدى به فالقياس هو فساد الصلاة الا أنا استحسنا الجواز. لما روى أن رسول الله ﷺ قرأ سورة المؤمنون فترك حرفا فلما فرغ فقال الم يكن فيكم أبى قال نعم يا رسول الله قال هلا فتحت على فقال ظننت أنها نسخت فقال ﷺ لو نسخت لأنبأتكم. وعن على رضى الله تعالى عنه أنه قال اذا استطعمك الامام فاطعمه. وعن ابن عمر رضى الله عنهما أنه قرأ الفاتحة فى صلاة المغرب فلم يتذكر سورة فقال نافع اذا زلزلت فقرأها ولأن المقتدى مضطر الى ذلك لصيانة صلاته عن الفساد عند ترك الامام المجاوزة الى آية أخرى أو الانتقال الى الركوع حتى أنه لو فتح على الامام بعد ما انتقل الى آية أخرى فقد قيل أنه ان أخذه الامام فسدت صلاة الامام والقوم وان لم يأخذه فسدت صلاة الفاتح خاصة لعدم الحاجة الى الصيانة ولا ينبغى للمقتدى أن يعجل بالفتح ولا للامام أن يحوجهم الى ذلك بل يركع أو يتجاوز الى آية أو سورة أخرى فان لم يفعل الامام ذلك وخاف المقتدى أن يجرى على لسانه ما يفسد الصلاة فحينئذ يفتح عليه لقول على اذا استطعمك الامام فاطعمه وهو مليم أى مستحق الملامة لأنه أحوج المقتدى واضطره الى ذلك. وقد قال بعض مشايخنا ينبغى للمقتدى أن ينوى بالفتح على امامه التلاوة وهو غير سديد لأن قراءة المقتدى خلف الامام منهى عنها عندنا والفتح على الامام غير منهى عنه فلا يجوز ترك ما رخص له فيه بنية ما هو منهى عنه وانما يستقيم هذا اذا كان الفتح على غير امامه فعند ذلك ينبغى له أن ينوى التلاوة دون التعليم ولا يضره ذلك ولو قرأ المصلى من المصحف فصلاته فاسدة عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى وعند أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى تامة ويكره.

стр. 6396

وقال الشافعى رحمه الله تعالى لا يكره واحتجوا بما روى أن مولى لعائشة رضى الله تعالى عنها يقال له ذكوان كان يؤم الناس فى رمضان وكان يقرأ من المصحف ولأن النظر فى المصحف عبادة والقراءة عبادة وانضمام العبادة الى العبادة لا يوجب الفساد الا أنه يكره عندهما لأنه تشبه بأهل الكتاب والشافعى يقول ما نهينا عن التشبه بهم فى كل شئ فانا نأكل ما يأكلون ولأبى حنيفة طريقتان احداهما أن ما يوحد منه من حمل المصحف وتقليب الأوراق والنظر فيه أعمال كثيرة ليست من أعمال الصلاة ولا حاجة الى تحملها فى الصلاة فتفسد الصلاة وقياس هذه الطريقة أنه لو كان المصحف موضوعا بين يديه ويقرأ منه من غير حمل وتقليب الأوراق أو قرأ ما هو مكتوب على المحراب من القرآن لا تفسد صلاته لعدم المفسد وهو العمل الكثير والطريقة الثانية ان هذا يلقن من المصحف فيكون تعلما منه ألا ترى أن من يأخذ من المصحف يسمى متعلما فصار كما لو تعلم من معلم وذا يفسد الصلاة كذا هذا وهذه الطريقة لا توجب الفصل بين ما اذا كان حاملا للمصحف مقلبا للأوراق وبين ما اذا كان موضوعا بين يديه ولا يقلب الأوراق وأما حديث ذكوان فيحتمل أن عائشة ومن كان من أهل الفتوى من الصحابة لم يعلموا بذلك وهذا هو الظاهر بدليل أن هذا الصنيع مكروه بلا خلاف ولو علموا بذلك لما مكنوه من عمل المكروه فى جميع شهر رمضان من غير حاجة ويحتمل أن يكون قول الراوى كان يؤم الناس فى رمضان وكان يقرأ من المصحف اخبارا عن حالتين مختلفتين أى كان يؤم الناس فى رمضان وكان يقرأ من المصحف فى غير حالة الصلاة اشعارا منه أنه لم يكن يقرأ القرآن ظاهره فكان يؤم ببعض سور القرآن دون أن يختم أو كان يستظهر كل يوم ورد كل ليلة يعلم أن قراءة جميع القرآن فى قيام رمضان ليست بفرض (١) ولو دعا فى صلاته فسأل الله تعالى شيئا فان دعا بما فى القرآن لا تفسد صلاته لأنه ليس من كلام الناس وكذا لو دعا بما يشبه ما فى القرآن وهو كل دعاء يستحيل سؤاله من الناس لما قلنا ولو دعا بما لا يمنع سؤاله من الناسى تفسد صلاته عندنا نحو قوله اللهم أعطنى درهما وزوجنى فلانة والبسنى ثوبا وأشباه ذلك. لأن ما يجوز أن يخاطب به العبد فهو من كلام الناس وضعا ولم يخلص دعاء وقد جرى الخطاب فيما بين العبد بما ذكرنا ألا ترى أن بعضهم يسأل بعضا ذلك فيقول أعطنى درهما أو زوجنى امرأة وكلام الناس مفسد ولهذا عد النبى ﷺ تشميت العاطس كلاما مفسدا للصلاة فى ذلك الحديث لما خاطب الآدمى به وقصد قضاء حقه وان كان دعاء صيغة وهذا صيغته من كلام الناس وان خاطب الله تعالى فكان مفسدا بصيغته والكتاب والسنة محمولان على دعاء لا يشبه كلام الناس أو على خارج الصلاة وأما حديث على رضى الله تعالى عنه فلم يسوغوا له ذلك الاجتهاد حتى كتب اليه موسى الأشعرى أما بعد فاذا أتاك كتابى هذا فأعد صلاتك وذكر فى الأصل رأيت لو أنشد شعرا أما كان مفسدا لصلاته ومن الشعر ما هو ذكر الله تعالى كما قال الشاعر: ألا كل شئ ما خلا الله باطل ولا ينبغى للرجل أن يسلم على المصلى ولا للمصلى أن يرد سلامه باشارة ولا غير ذلك أما السّلام فلأنه يشغل قلب المصلى عن صلاته فيصير مانعا له عن الخير وأنه مذموم وأما رد السّلام بالقول والاشارة فلأن رد السّلام من جملة كلام الناس لما روينا من حديث عبد الله بن مسعود وفيه أنه لا يجوز الرد بالاشارة لأن عبد الله قال فسلمت عليه فلم يرد على فيتناول جميع أنواع الرد ولأن فى الاشارة ترك سنة اليد وهى الكف لقوله ﷺ كفوا أيديكم فى الصلاة غير أنه اذا رد بالقول فسدت صلاته لأنه كلام ولو رد بالاشارة لا تفسد لأن ترك السنة لا يفسد الصلاة ولكن يوجب الكراهة. ومنها السّلام متعمدا وهو سلام الخروج من الصلاة لأنه اذا قصد به الخروج من الصلاة

стр. 6397

صار من كلام الناس لأنه خاطبهم به وكلام الناس مفسد. ومنها القهقهة عامدا كان أو ناسيا لأن القهقهة فى الصلاة أفحش من الكلام ألا ترى أنها تنقض الوضوء والكلام لا ينقض ثم لما جعل الكلام قاطعا للصلاة ولم يفصل فيه بين العمد والسهو فالقهقهة أولى ومنها الخروج من المسجد من غير عذر لأن استقبال القبلة حال الاختيار شرط جواز الصلاة هذا كله من الحدث العمد والكلام والسّلام والقهقهة والخروج من المسجد اذا فعل شيئا من ذلك قبل أن يقعد قدر التشهد الأخير فأما اذا قعد قدر التشهد ثم فعل شيئا من ذلك فقد أجمع أصحابنا على أنه لو تكلم أو خرج من المسجد لا تفسد صلاته سواء كان منفردا أو اماما خلفه لاحقون أو مسبوقون وسواء أدرك اللاحقون الامام فى صلاته وصلوا معه أو لم يدركوا وكذلك لو قهقه أو أحدث متعمدا وهو منفرد وان كان اماما خلفه لاحقون أو مسبوقون فصلاة الامام تامة بلا خلاف بين أصحابنا وصلاة المسبوقين تامة. فى قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى وفاسدة فى قول أبى حنيفة وجه قولهما أن القهقهة والحدث لم يفسدا صلاة الامام فلا يفسدان صلاة المقتدى وان كان مسبوقا لأن صلاة المقتدى لو فسدت انما تفسد بافساد الامام صلاته لا بافساد المقتدى لانعدام المفسد من المقتدى فلما لم تفسد صلاة الامام مع وجود المفسد من جهته فلأن لا تفسد صلاة المقتدى أولى وصار كما لو تكلم أو خرج من المسجد. وفى قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى تفسد للفرق بين الحدث العمد والقهقهة وبين الكلام والخروج من المسجد والفرق ان حدث الامام افساد للجزء الذى لاقاه من صلاته فيفسد ذلك الجزء من صلاته ويفسد من صلاة المسبوق الا أن الامام لم يبق عليه فرض فيقتصر الفساد فى حقه على الجزء وقد بقى للمسبوق فروض فتمنعه من البناء فأما الكلام فقطع للصلاة ومضاد لها كما ذكرنا فيمنع من الوجود ولا تفسد وشرح هذا الكلام أن القهقهة والحدث العمد ليسا بمضادين للصلاة بل هما مضادان للطهارة والطهارة شرط أهلية الصلاة فصار الحدث مضاد للأهلية بواسطة مضادته شرطها والشئ ينعدم بما لا يضاده. فلم تنعدم الصلاة بوجود الحدث لأنه لا مضادة بينهما وانما تنعدم الأهلية فيوجد جزء من الصلاة لانعدام ما يضاده ويفسد هذا الجزء لحصوله ممن ليس بأهل ولا صحة للفعل الصادر من غير الأهل واذا فسد هذا الجزء من صلاة الامام فسدت صلاة المقتدى لأن صلاته مبنية على صلاة الامام فتتعلق بها صحة وفسادا لأن الجزء لما فسد من صلاة الامام فسدت التحريمة المقارنة لهذا الفعل الفاسد لأنها شرعت لأجل الأفعال فتتصف بما تتصف الأفعال صحة وفسادا فاذا فسدت هى فسدت تحريمة المقتدى فتفسد صلاته الا أن صلاة الامام ومن تابعه من المدركين اتصف بالتمام بدون الجزء الفاسد فأما المسبوق فقد فسد جزء من صلاته وفسدت التحريمة المقارنة لذلك الجزء فبعد ذلك لا يعود الا بالتحريمة ولم يوجد فلم يتصور حصول ما بقى من الأركان فى حق المسبوق فتفسد صلاته بخلاف الكلام فأنه ليس بمضاد لأهلية أداء الصلاة بل هو مضاد للصلاة نفسها ووجود الضد لا يفسد الضد الآخر بل يمنعه من الوجود فان أفعال الصلاة كانت توجد على التجدد والتكرار فاذا انعدم فعل يعقبه غيره من جنسه فاذا تعقبه ما هو مضاد للصلاة لا يتصور حصول جزء منها مقارنا للضد بل يبقى على العدم على ما هو الأصل عندنا فى المتضادات وانتهت أفعال الصلاة فلم تتجدد التحريمة لأن تجددها كان لتجدد الأفعال وقد انتهت فانتهت هى أيضا وما فسدت وبانتهاء تحريمة الامام لا تنته تحريمة المسبوق كما لو سلم فان تحريمة الامام منتهية وتحريمة المسبوق غير منتهية لما ذكرنا فلم تفسد صلاة المسبوقين بخلاف ما نحن فيه وأما اللاحقون فانه ينظر ان أدركوا

стр. 6398

الامام فى صلاته وصلوا معه فصلاتهم تامة وان لم يدركوا. ففيه روايتان فى رواية أبى سليمان تفسد وفى رواية أبى حفص لا تفسد هذا (١) اذا كان العارض فى هذه الحالة فعلى المصلى فاذا لم يكن فعله كالمتيمم اذا وجد ماء بعد أن قعد قدر التشهيد الأخير أو بعد ما سلم وعليه سجود السهو وعاد الى السجود فسدت صلاته عند أبى حنيفة ويلزمه الاستقبال. وعند أبى يوسف ومحمد صلاته تامة وهذه من المسائل الاثنى عشرية ولو أن أميا صلى بعض صلاته ثم تعلم سورة فقرأها بقى من صلاته فصلاته فاسدة مثل الأخرس يزول خرسه فى خلال الصلاة وكذلك لو كان قارئا فى الابتداء فصلى بعض صلاته بقراءة ثم نسى القراءة فصار أميا فسدت صلاته وهذا قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى. وقال زفر رحمه الله تعالى لا تفسد فى الوجهين جميعا. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى تفسد فى الأول ولا تفسد فى الثانى استحسانا وجه قول زفر أن فرض القراءة فى الركعتين فقط ألا ترى أن القارئ لو ترك القراءة فى الأوليين وقرأ فى الأخريين أجزأه واذا كان قارئا فى الابتداء فقد أدى فرض القراءة فى الأوليين فعجزه عنها بعد ذلك لا يضره كما لو ترك مع القدرة واذا تعلم وقرأ فى الأخريين فقد أدى فرض القراءة فلا يضره عجزه عنها فى الابتداء كما لا يضره لو تركها. ووجه قول أبى يوسف ومحمد أنه لو استقبل الصلاة فى الأول لحصل الأداء على الوجه الأكمل فأمر بالاستقبال ولو استقبلها فى الثانى لأدى كل الصلاة بغير قراءة فكان البناء أولى ليكون مؤديا البعض بقراءة ولأبى حنيفة أن القراءة ركن فلا يسقط الا بشرط العجز عنها فى كل الصلاة فاذا قدر على القراءة فى بعضها فات الشرط فظهر أن المؤدى لم يقع صلاة ولأن تحريمة الأمى لم تنعقد للقراءة بل انعقدت لأفعال صلاته لا غير فاذا قدر صارت القراءة من أركان صلاته فلا يصح أداؤها بلا تحريمة كأداء سائر الأركان والصلاة لم توجد بدون أركانها ففسدت ولأن الأساس الضعيف لا يحتمل بناء القوى عليه والصلاة بقراءة أقوى فلا يجوز بناؤها على الضعيف كالعارى اذا وجد الثوب فى خلال صلاته والمتيمم اذا وجد الماء واذا كان قارئا فى الابتداء فقد عقد تحريمته لأداء كل الصلاة بقراءة وقد عجز عن الوفاء بما التزم فيلزمه الاستقبال ولو اقتدى الأمى بقارئ بعد ما صلى ركعة فلما فرغ الامام قام الأمى لاتمام الصلاة فصلاته فاسدة فى القياس وقيل هو قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى. وفى الاستحسان يجوز وهو قولهما وجه القياس أنه بالاقتداء بالقارئ التزم أداء هذه الصلاة بقراءة وقد عجز عن ذلك حين قام للقضاء لأنه منفرد فيما يقضى فلا تكون قراءة الامام قراءة له فتفسد صلاته وجه الاستحسان أنه انما التزم القراءة ضمنا للاقتداء وهو مقتد فيما بقى على الامام لا فيما سبقه به ولأنه لو بنى كان مؤديا بعض الصلاة بقراءة ولو استقبل كان مؤديا جميعها بغير قراءة ولا شك أن الأول أولى (٢). ومنها انكشاف العورة فى خلال الصلاة اذا كان كثيرا لأن استتارها من شرائط الجواز فكان انكشافها فى الصلاة مفسدا الا أنه سقط اعتبار هذا الشرط فى القليل عندنا خلافا للشافعى رحمه الله تعالى للضرورة كما فى قليل النجاسة كعدم امكان التحرز عنه على ما بينا

стр. 6399

فيما تقدم وكذلك الحرة اذا سقط قناعها فى خلال الصلاة فرفعته وغطت رأسها بعمل قليل قبل أن تؤدى ركنا من أركان الصلاة أو قبل أن تمكث ذلك القدر لا تفسد صلاتها لأن المرأة قد تبتلى بذلك فلا يمكنها التحرز عنه فأما اذا بقيت كذلك حتى أدت ركنا أو مكثت ذلك القدر أو غطت من ساعتها لكن بعمل كثير فسدت صلاتها لانعدام الضرورة وكذلك الأمة اذا عتقت فى خلال صلاتها وهى مكشوفة الرأس فأخذت قناعها فهو على ما ذكرنا فى الحرة وكذلك المدبرة والمكاتبة وأم الولد لأن هؤلاء ليست بعورة على ما يعرف فى كتاب الاستحسان فاذا عتقن أخذن القناع للحال لأن خطاب الستر توجه للحال الا أن تبين أن عليها الستر من الابتداء لأن رأسها انما صارت عورة بالتحرير وهو مقصور العارى اذا وجد صيرورة الرأس عورة بخلاف العارى اذا وجد كسوة فى خلال الصلاة حيث تفسد صلاته لأن عورته ما صارت عورة للحال بل كانت عند الشروع فى الصلاة الا أن الستر كان قد سقط لعذر العدم فاذا زال تبين أن الوجوب كان ثابتا من ذلك الوقت وعلى هذا اذا كان الرجل يصلى فى أزار واحد فسقط عنه فى خلال الصلاة وهذا كله مذهب علمائنا الثلاثة رحمهم الله تعالى وهو جواب الاستحسان والقياس أن تفسد صلاته فى جميع ذلك. وهو قول زفر والشافعى لأن ستر العورة فرض بالنص والاستار يفوت بالانكشاف وان قل الا أنا استحسنا الجواز وجعلناه ما لا يمكن التحرز عنه عفوا دفعا للحرج وكذلك اذا حضرته الصلاة وهو عريان لا يجد ثوبا جازت صلاته لمكان الضرورة ولو كان معه ثوب نجس. ولو كان معه ثوب نجس فلا يخلو اما ان كان الربع منه طاهرا وأما ان كان كله نجسا فان كان ربعه طاهرا لم يجزه أن يصلى عريانا بل يجب عليه أن يصلى فى ذلك الثوب لأن الربع فما فوقه فى حكم الكمال كما فى مسح الرأس وحلق المحرم ربع الرأس وكما يقال رأيت فلانا وان عاينه من احدى جهاته الأربع فجعل كأن الثوب كله طاهرا وان كان كله نجسا أو الطاهر منه أقل من الربع فهو بالخيار. وفى قول أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى ان شاء صلى عريانا وان شاء مع الثوب لكن الصلاة فى الثوب أفضل. وقال محمد رحمه الله تعالى لا تجزئه الا مع الثوب وجه قوله ان ترك استعمال النجاسة فرض وستر العورة فرض الا أن ستر العورة أهمهما وأكدهما لأنه فرض فى الأحوال أجمع وفرضية ترك استعمال النجاسة مقصورة على حالة الصلاة فيصار الى الأهم فتستر العورة ولا تجوز الصلاة بدونه ويتحمل استعمال النجاسة ولأنه لو صلى عريانا كان تاركا فرائض منها ستر العورة والقيام والركوع والسجود ولو صلى فى الثوب النجس كان تاركا فرضا واحدا وهو ترك استعمال النجاسة فقط فكان هذا الجانب أهون. وقد قالت عائشة رضى الله تعالى عنها ما خير رسول الله ﷺ بين شيئين الا اختار أهونهما فمن ابتلى ببليتين فعليه أن يختار أهونهما ولهما ان الجانبين فى الفرضية فى حق الصلاة على السواء الا ترى أنه كما لا تجوز الصلاة حالة الاختيار عريانا لا تجوز مع الثوب المملوء نجاسة ولا يمكن اقامة أحد الفرضين فى هذه الحالة الا بترك الآخر فسقطت فرضيتهما فى حق الصلاة فيخير فيجزئه كيف ما فعل الا أن الصلاة فى الثوب أفضل لما ذكر محمد رحمه الله تعالى (١). ومنها محاذاة المرأة الرجل فى صلاة مطلقا يشتركان فيها فسدت صلاته عندنا استحسانا والقياس أن لا تكون المحاذاة مفسدة صلاة الرجل وبه أخذ الشافعى رحمه الله تعالى حتى لو قامت امرأة خلف الامام وفوت صلاته وقد نودى الامام امامة النساء ثم حازته فسدت صلاته

стр. 6400

عندنا وعنده لا تفسد وجه القياس أن الفساد لا يخلو اما أن يكون لخساستها أو لاشتغال قلب الرجل بها والوقوع فى الشهوة لا وجه للأول لأن المرأة لا تكون أخس من الكلب والخنزير ومحاذاتهما غير مفسدة ولأن هذا المعنى يوجد فى المحاذاة فى صلاة لا يشتركان فيها والمحاذاة فيها غير مفسدة بالاجماع ولا سبيل الى الثانى لهذا أيضا ولأن المرأة تشارك الرجل فى هذا المعنى فينبغى أن تفسد صلاتها أيضا ولا تفسد بالاجماع والدليل عليه أن المحاذاة فى صلاة الجنازة وسجدة التلاوة غير مفسدة فكذا فى سائر الصلوات وجه الاستحسان. ما روى عن النبى ﷺ أنه قال اخروهن من حيث أخرهن الله عقيب قوله خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها والاستدلال بهذا الحديث من وجهين أحدهما لما أمر بالتأخير صار التأخير فرضا من فرائض الصلاة فيصير بتركه التأخير تاركا فرضا من فرائضها فتفسد والثانى أن الأمر بالتأخير أمر بالتقدم عليها ضرورة فاذا لم تؤخر ولم يتقد فقد قام مقاما ليس بمقام له فتفسد كما اذا تقدم على الامام والحديث ورد فى صلاة مطلقة مشتركة فبقى غيرها على أصل القياس وانما لا تفسد صلاتها لأن خطاب التأخير يتناول الرجل ويمكنه تأخيرها من غير أن تتأخر هى بنفسها ويتقدم عليها فلم يكن التأخير فرضا عليها فتركه لا يكون مفسدا ويستوى الجواب بين محاذاة البالغة وبين محاذاة المراهقة التى تعقل الصلاة فى حق فساد صلاة الرجل استحسانا والقياس أن لا تفسد محاذاة غير البالغة لأن صلاتها تخلق واعتياد لا حقيقة صلاة وجه الاستحسان انها مأمورة بالصلاة مضروبة عليها كما نطق به الحديث فجعلت المشاركة فى أصل الصلاة والمشاركة فى أصل الصلاة تكفى للفساد اذا وجدت المحاذاة واذا عرف أن المحاذاة مفسدة فنقول اذا قامت فى الصف امرأة فسدت صلاة رجل عن يمينها ورجل عن يسارها ورجل خلفها بحذائها لأن الواحدة تحاذى هؤلاء الثلاثة ولا تفسد صلاة غيرهم لأن هؤلاء صاروا حائلين بينها وبين غيرهم بمنزلة اسطوانة أو كارة من الثياب فلم تتحقق المحاذاة ولو كانتا اثنتين أو ثلاثة. فالمروى عن محمد رحمه الله تعالى أن المرأتين تفسدان صلاة أربعة نفر من على يمينها ومن على يسارهما ومن خلفهما بحذائهما والثلاث منهن يفسد صلاة من على يمينهن ومن على يسارهن وثلاثة خلفهن الى آخر الصفوف. وعن أبى يوسف روايتان فى رواية قال الثنتان يفسدان صلاة أربعة نفر من على يمينها ومن على يسارهن واثنان من خلفهما بحذائهما والثلاث يفسدن صلاة خمسة نفر من كان على يمينهن ومن كان على شمالهن وثلاثة خلفهن بحذائهن وفى رواية الثنتان تفسدان صلاة رجلين عن يمينهما ويسارهما وصلاة رجلين رجلين الى آخر الصفوف والثلاث يفسدن صلاة رجل عن يمينهن ورجل عن يسارهن وصلاة ثلاثة ثلاثة الى آخر الصفوف ولا خلاف فى أنهن اذا كن صفا تاما فسدت صلاة الصفوف التى خلفهن وان كانوا عشرين صفا وجه الرواية الأولى لأبى يوسف رحمه الله تعالى أن فساد الصلاة ليس لمكان الحيلولة لأن الحيلولة انما تقع بالصف التام من النساء بالحديث ولم توجد وانما يثبت الفساد بالمحاذاة ولم توجد المحاذاة الا بهذا القدر وجه الرواية الثانية له أن للمثنى حكم الثلاث بدليل أن الامام يتقدم الاثنين ويصطفان خلفه كالثلاثة ثم حكم الثلاثة هذا فكذا حكم الاثنين وجه المروى عن محمد رحمه الله تعالى أن المرأتين لا تحاذيان الا أربعة نفر فلا تفسدان صلاة غيرهم وفى الصف التام القياس هكذا أن تفسد صلاة صف واحد خلفهن لا غير لانعدام محاذاتهن لمن وراء هذا الصف الواحد الا أنا استحسنا فحكمنا بفساد صلاة الصفوف أجمع لحديث عمر رضى الله تعالى عنه موقوفا ومرفوعا إلى رسول الله ﷺ أنه قال من كان بينه وبين الإمام نهر أو طريق أو صف من النساء فلا صلاة له جعل

стр. 6401

صف النساء حائلا كالنهر والطريق ففى حق الصف الذى يليهن من خلفهن وجد ترك التأخير منهم والحيلولة بينهم وبين الامام بهن وفى حق الصفوف الأخر وجدت الحيلولة لا غير وكل واحد من المعنيين بانفراده علة كاملة للفساد ثم الثنتان ليستا بجمع حقيقة فلا يلحقان بالصف من النساء التى هى اسم جمع فانعدمت الحيلولة فيتعلق الفساد بالمحاذاة لا غير والمحاذاة لم توجد الا بهذا القدر فأما الثلاث منهن فجمع حقيقة فالحقن بصف كامل فى حق من صرن حائلات بينه وبين الامام ففسدت صلاة ثلاثة ثلاثة الى آخر الصفوف وفسدت صلاة واحد عن يمينهن وواحد عن يسارهن لأن هناك الفساد بالمحاذاة لا بالحيلولة ولم توجد المحاذاة الا بهذا القدر (١). ولو وقفت بحذاء الامام فأتمت به وقد نوى الامام امامتها فسدت صلاة الامام والقوم كلهم أما صلاة الامام فلوجود المحاذاة فى صلاة مطلقة مشتركة وأما صلاة القوم فلفساد صلاة الامام. وكان محمد بن مقاتل الرازى رحمه الله تعالى يقول لا يصح اقتداؤها لأن المحاذاة قارنت شروعها فى الصلاة ولو طرأت كانت مفسدة فاذا اقترنت منعت من صحة اقتدائها به وهذا غير سديد لأن المحاذاة انما تؤثر فى فساد صلاة مشتركة ولا تقع الشركة الا بعد شروعها فى صلاة الامام فلم يكن المفسد مقارنا للشروع فلا يمنع من الشروع وان كانت بحذاء الامام ولم تأتم به لم تفسد صلاة الامام لانعدام المشاركة وكذا اذا قامت أمام الامام فأتمت به لأن اقتداءها لم يصح فلم تقع المشاركة وكذا اذا قامت الى جنبه ونوت فرضا آخر بان كان الامام فى الظهر ونوت هى العصر فأتمت به ثم حاذته لا تفسد على الامام صلاته وهذا على رواية (٢) باب الحدث لأنها لم تصر شارعة فى الصلاة أصلا فلم تتحقق المشاركة فأما على رواية باب الآذان تفسد صلاة الامام فى الظهر وقد نوى امامتها فأتمت به فنوى المحاذاة فى صلاة مشتركة ففسدت صلاته وفسدت صلاتها بفساد صلاة الامام وعليها قضاء التطوع لحصول الفساد بعد صحة شروعها كما اذا كان الامام فى الظهر وقد نوى امامتها فأتمت به فنوى التطوع ثم قامت بجنبه تفسد صلاته وصلاتها وعليها قضاء التطوع فكذا هذا. وبعض مشايخنا قالوا الجواب ما ذكر فى باب الأذان وتأويل ما ذكر فى باب الحدث أن الرجل لم ينو امامتها فى صلاة العصر - فتجعل هى فى الاقتداء به بنية العصر بمنزلة ما لم ينو امامتها أصلا فلهذا لا تصير شارعة فى صلاته تطوعا ولو قام رجل وامرأة يقضيان ما سبقهما لامام لم تفسد صلاته ولو كانا أدركا أول الصلاة وكانا ناما أو أحدثا فسدت صلاته لأن المسبوقين فيما يقضيان كل واحد منهما فى حكم المنفرد ألا ترى أن القراءة فرض على المسبوق ولو سها يلزمه سجود السهو فلم يشتركا فى صلاة فلا تكون المحاذاة مفسدة صلاته فأما المدركان فهما كأنهما خلف الامام بعد بدليل سقوط القراءة عنهما وانعدام وجوب سجدتى السهو عند وجود السهو كأنهما خلف الامام حقيقة فوقعت المشاركة فوجدت المحاذاة فى صلاة مشتركة فتوجب فساد صلاته (٣). ومرور المرأة والحمار والكلب بين يدى المصلى لا يقطع الصلاة عند عامة العلماء. وقال أصحاب الظواهر يقطع واحتجوا بما روى أبو ذر رضى الله تعالى عنه عن النبى ﷺ أنه قال يقطع الصلاة مرور المرأة والحمار والكلب وفى بعض الروايات والكلب الأسود فقيل لأبى ذر وما بال الأسود من غيره

стр. 6402

فقال أشكل على ما أشكل عليكم فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال الكلب الأسود شيطان ولنا ما روى عن أبى سعيد الخدرى رضى الله تعالى عنه أن النبى ﷺ قال لا يقطع الصلاة مرور شئ وادرؤا ما استطعتم وأما الحديث الذى رووا فقد ردته عائشة رضى الله عنها فأنها قالت لعروة يا عروة ما يقول أهل العراق قال يقولون يقطع الصلاة مرور المرأة والحمار والكلب فقالت يا أهل العراق والنفاق والشقاق بئسما قرنتمونا بالكلاب والحمر كان رسول الله ﷺ يصلى بالليل وأنا نائمة بين يديه معترضة كاعتراض الجنازة وقد ورد فى المرأة نص خاص وكذا فى الحمار والكلب. وروى عن رسول الله ﷺ أنه كان يصلى فى بيت أم سلمة فأراد ابنها عمر أن يمر بين يديه فأشار عليه أن قف فوقف ثم أرادت زينب بنتها أن تمر بين يديه فأشار اليها أن قفى فلم تقف فلما فرغ رسول الله ﷺ من صلاته قال انهن أغلب. وروى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أنه قال زرت رسول الله ﷺ مع أخى الفضل على حمار فى بادية فنزلنا فوجدنا رسول الله ﷺ يصلى فصلينا معه والحمار يرتع بين يديه. وفى بعض الروايات والكلب والحمار يمران بين يديه ولو دفع المار بالتسبيح أو بالاشارة أو أخذ طرف ثوبه من غير شئ ولا علاج لا تفسد صلاته لقوله ﷺ فأدرؤا ما استطعتم وقوله اذا نابت أحدكم نائبة فى الصلاة فليسبح فان التسبيح للرجال والتصفيق للنساء وذكر فى كتاب الصلاة اذا مرت الجارية بين يدى المصلى فقال سبحان الله وأومأ بيده ليصرفها لم تقطع صلاته وأحب الى أن لا يفعل منهم من قال معناه أى لا يجمع بين التسبيح والاشارة باليد لأن باحداهما كفاية ومنهم من قال أى لا يفعل شيئا من ذلك وتأويل قول النبى ﷺ أنه كان فى وقت كان العمل فى الصلاة مباحا .. ومنها الموت فى الصلاة والجنون والاغماء فيها أما الموت فظاهر لأنه معجز عن المضى فيها وأما الجنون والاغماء فلأنهما ينقضان الطهارة ويمنعان البناء لما بينا فيما تقدم أن اعتراضهما فى الصلاة نادر فلا يلحقان بمورد النص والاجماع فى جواز البناء وهو الحدث السابق وسواء كان منفردا أو مقتديا أو اماما حتى يستقبل القوم صلاتهم عندنا وعند الشافعى. يقوم القوم فيصلون وحدانا كما اذا أحدث الامام ومنها العمل الكثير الذى ليس من اعمال الصلاة فى الصلاة من غير ضرورة. فأما القليل فغير مفسد واختلف فى الحد الفاصل بين القليل والكثير. قال بعضهم الكثير ما يحتاج فيه الى استعمال اليدين والقليل ما لا يحتاج فيه الى ذلك حتى قالوا اذا زر قميصه فى الصلاة فسدت صلاته واذا حل أزراره لا تفسد. وقال بعضهم كل عمل لو نظر الناظر اليه من بعيد لا يشك أنه فى غير الصلاة فهو كثير وكل عمل لو نظر اليه ناظر ربما يشتبه عليه أنه فى الصلاة فهو قليل وهو الأصح وعلى هذا الأصل يخرج ما اذا قاتل فى صلاته فى غير حالة الخوف أنه تفسد صلاته لأنه عمل كثير ليس من أعمال الصلاة. وكذا اذا أخذ قوسا ورومى بها فسدت صلاته لأن أخذ القوس وتثقيف السهم عليه ومده حتى يرمى عمل كثير ألا ترى أنه يحتاج فيه الى استعمال اليدين.

стр. 6403

وكذا الناظر اليه من بعيد لا يشك أنه فى غير الصلاة (١). وكذا لو دهن أو سرح رأسه أو حملت امرأة صبيها وأرضعته لوجود حد العمل الكثير على العبارتين. فأما حمل الصبى بدون الارضاع فلا يوجب فساد الصلاة. لما روى أن النبى صلي الله عليه وسلّم كان يصلى فى بيته وقد حمل أمامة بنت أبى العاصى على عاتقه فكان اذا سجد وضعها واذا قام رفعها ثم هذا الصنيع لم يكره منه ﷺ لأنه كان محتاجا الى ذلك لعدم من يحفظها أو لبيانه الشرع بالفعل ان هذا غير موجب فساد الصلاة. ومثل هذا فى زماننا أيضا لا يكره لواحد منا لو فعل ذلك عند الحاجة أما بدون الحاجة فمكروه ولو صلى وفى فيه شئ يمسكه ان كان لا يمنعه من القراءة ولكن يخل بها كدرهم أو دينارا ولؤلؤة لا تفسد صلاته لأنه لا يفوت شئ من الركن ولكن يكره لأنه يوجب الاخلال بالركن حتى لو كان لا يخل به ولا يكره وان كان يمنعه من القراءة فسدت صلاته لأنه يفوت الركن وان كان فيه سكرة لا تجوز صلاته لأنه أكل. وكذلك (٢) أن كان فى كفه متاع يمسكه جازت صلاته غير أنه ان كان يمنعه عن الأخذ بالركب فى الركوع أو الاعتماد على الراحتين عند السجود يكره لمنعه عن تحصيل السنة والا فلا ولو رمى طائرا بحجر لا تفسد صلاته لأنه عمل قليل ويكره لأنه ليس من أعمال الصلاة ولو أكل أو شرب فى الصلاة فسدت صلاته لوجود العمل الكثير. وسواء كان عامدا أو ساهيا فرق بين الصلاة والصوم حيث كان الأكل والشرب فى الصوم ناسيا غير مفسد والفرق أن القياس أن لا يفصل فى باب الصوم بين العمد والسهو أيضا لوجود ضد الصوم فى الحالتين وهو ترك الكف الا أنا عرفنا ذلك بالنص والصلاة ليست فى معناه لأن الصائم كثيرا ما يبتلى به فى حالة الصوم فلو حكمنا بالفساد يؤدى الى الحرج بخلاف الصلاة لأن الأكل والشرب فى الصلاة ساهيا نادر غاية الندرة فلم يكن فى معنى مورد النص فيصل فيها بالقياس المحض وهو أنه عمل كثير ليس من أعمال الصلاة. ألا ترى أنه لو نظر الناظر اليه لا يشك أنه فى غير الصلاة ولو مضغ العلك فى الصلاة فسدت صلاته كذا ذكره محمد لأن الناظر اليه من بعد لا يشك أنه فى غير الصلاة وبهذا تبين أن الصحيح من التحديد هو العبارة الثانية حيث حكمنا بفساد الصلاة من غير الحاجة الى استعمال اليد رأسا فضلا عن استعمال اليدين ولو بقى بين أسنانه شئ فابتلعه ان كان دون الحمصة لم يضره لأن ذلك القدر فى حكم التبع لريقه لقلته ولأنه لا يمكن التحرز عنه لأنه يبقى بين الأسنان عادة فلو جعل مفسدا لوقع الناس فى الحرج ولهذا لا يفسد الصوم به وان كان قدر الحمصة فصاعدا فسدت صلاته ولو قلس أقل من ملء فيه ثم رجع فدخل جوفه وهو لا يملكه لا تفسد صلاته لأن ذلك بمنزلة ريقه ولهذا لا ينقض وضوؤه وكذا المتهجد باليل قد يبتلى به خصوصا فى ليالى رمضان عند امتلاء الطعام عند النظر فلو جعل مفسدا لأدى الى الحرج وقتل الحية والعقرب فى الصلاة لا يفسدها. لقول النبى ﷺ اقتلوا الأسودين ولو كنتم فى الصلاة.

стр. 6404

وروى أن عقربا لدغ الرسول ﷺ فى الصلاة فوضع عليه نعله وغمزه حتى قتله فلما فرغ من صلاته قال لعن الله العقرب لا تبالى نبيا ولا غيره أو قال مصليا ولا غيره وبه تبين أنه لا يكره أيضا. لأنه ﷺ ما كان ليفعل المكروه خصوصا فى الصلاة ولأنه يحتاج اليه لدفع الأذى فكان موضع الضرورة هذا اذا أمكنه قتل الحية بضربة واحدة كما فعل رسول الله ﷺ فى العقرب وأما اذا احتاج الى معالجة وضربات فسدت صلاته كما اذا قاتل فى صلاته لأنه عمل كثير ليس من أعمال الصلاة. وذكر شيخ الاسلام السرخسى أن الأظهر أنه لا تفسد صلاته لأن هذا عمل رخص فيه للمصلى فأشبه المشى بعد الحدث والاستقاء من البئر والتوضؤ هذا الذى ذكرناه من العمل الكثير الذى ليس من أعمال الصلاة اذا عملها المصلى فى الصلاة من غير ضرورة فأما فى حالة الضرورة فأنه لا يفسد الصلاة. كما فى حالة الخوف واذا فسدت الصلاة وجب اعادتها مادام الوقت باقيا لأنها اذا فسدت التحقت بالعدم فبقى وجوب الأداء فى الذمة فيجب تفريغها عنه بالأداء. مذهب المالكية: جاء فى شرح منح الجليل: أن سقوط النجاسة على المصلى مبطل لصلاته ان تعلقت به أو استقرت عليه واتسع الوقت ووجد ما يزيلها به أو وجد ثوبا آخر. وذلك كأن رعف المصلى (١). قبل دخول الصلاة واستمر الدم خارجا من الأنف وتحقق أو ظن انقطاعه فى الوقت المختار أو شك فيه آخر الصلاة وجوبا فى هذه التسع صور لآخر الوقت الاختيارى فان انقطع غسله وصلى. وان لم ينقطع صلى بالدم فى آخر المختار ولعجزه عن ازالته بحيث يصليها كلها أو ركعة منها فيه ويحرم تقديمها قبل آخره لعدم صحتها بالدم مع تحفظه أو ظنه أو شكه فى انقطاعه فى الوقت وان تحقق أو ظن دوامه الآخر المختار فلا يؤخر الصلاة عن أول وقتها المختار لتفويته فصلاته بلا فائدة (٢). وهذا وان حصل الرعاف فى الصلاة ولم يظن دوامه الآخر الوقت فله ثلاث حالات الأولى أن يكون يسيرا يذهبه الفتل بل يكون الدم يرشح لا يسيل ولا يقطر فهذا لا يجوز له قطع الصلاة ولا أن يخرج منها فان قطع أفسد صلاته وان كان اماما أفسده عليه وعلى المأمومين بل يفتله بأصابعه وكيفية فتله أن يجعل أنملة الأصبع فى أنفه ويحركها مديرا لها واختلف فى الفتل هل هو باليدين جميعا وهو ظاهر المدونة وصرح به أبو الحسن الصغير رحمه الله تعالى ووقع فى بعض نسخ الشار مساحى أو بيد واحدة. وهو الذى حكاه الباجى عن مالك رحمهما الله تعالى. وذكر خليل أن الفتل انما يؤمر به فيما اذا كان يرشح فقط أما اذا سال أو قطر فلا ولو كان الدم الذى يسيل ثخينا يذهبه الفتل وكأنه اعتمد كلام اللخمى رحمه الله تعالى فانه قال الرعاف أربعة أقسام يسير يذهبه الفتل وكثير لا يذهبه الفتل ولا يرجى انقطاعه حتى لو حرج لغسله لعادة علمها من نفسه فهذا ان لا يخرجان من الصلاة يغتل هذا ويكف الآخر ما استطاع

стр. 6405

ويمضى فى صلاته وكثير يرجو انقطاعه متى غسله فهذا يخرج لغسله ويعود وكثير يذهبه الغتل لتخانته. واختلف فيه هل يفتله ويمضى أو يخرج يغسله. فقال ابن حبيب رأيت ابن الماجشون رحمه الله تعالى يصيبه الرعاف فى الصلاة فيمسحه بأصابعه حتى تختضب فيغمس أصابعه فى حصباء المسجد ويردها ثم يمضى فى صلاته. وذكر فى المدونة أن المصلى ينصرف من الرعاف فى الصلاة اذا سال أو قطر سواء قل ذلك أو كثر فليغسله ثم يبنى على صلاته وان كان غير سائل ولا قاطر فليغتله بأصابعه. وحمل صاحب الطراز كلام المدونة وكلام ابن حبيب على الوفاق وان معنى قوله فى المدونة ينصرف اذا سال أو قطر وان قل وأنه ليس عليه أن يستبرئ أمره هل يذهبه الفتل أم لا بل متى سال أو قطر جاز له أن ينصرف لأن القدر المؤذن بذلك قد وجد وهو الدم السائل فان لم ينصرف وتربص وانقطع بالقتل فلا تفسد صلاته (١). هذا وقد ذكر المالكية أن من شروط البناء على الصلاة أن لا يسقط على ثوبه أو بدنه من الدم ما لا يغتفر لكثرته لأنه أن سقط من الدم على ثوبه أو جسده كثير بطلت صلاته باتفاق (٢). وان الامام اذا رعف فاستخلف بكلام جاهلا أو عامدا بطلت صلاته وصلاتهم فجعل قطع صلاته بالكلام بعد الرعاف يبطل صلاتهم كما لو تكلم جاهلا أو متعمدا بغير رعاف والصواب ما فى المدونة أن صلاتهم لا تبطل لأنه اذا رعف فالقطع له جائز فى قول أو مستحب فى قول فكيف تبطل صلاة القوم بفعله ما يجوز له أو يستحب له فهذه ثلاثة أقوال (٣). وحكى ابن عرفة وابن ناجى رحمهما الله تعالى فى شرح الرسالة قولا رابعا بأنهما سواء لا مزية لأحدهما على الآخر، قالا نقله غير واحد كصاحب التلقين. وزاد ابن عرفة رحمه الله تعالى خامسا بأنه يقطع ومشى خليل على استحباب البناء لأنه قول مالك رضى الله تعالى عنه على أنه حى الباجى رحمه الله تعالى عن الامام مالك من رواية ابن نافع وعلى بن زياد ترجيح القطع وعليه اقتصر ابن بشير رحمه الله تعالى وعلله الباجى بأنه يخرج من الخلاف ويؤدى الصلاة باتفاق قال فى المقدمات ولا يخرج الراعف عن حكم الصلاة وحرمتها على مذهب من يجيز له البناء الا بأن يقطع بسلام أو كلام أو فعل ما لا يصح فعله فى الصلاة. وهذا وجه قول ابن حبيب رحمه الله تعالى أن من رعف وهو جالس فى وسط صلاته أو ساجد أو راكع أن قيامه من الجلوس أو رفعه من السجود والركوع لرعافه يعتد به من صلاته. وقال فى الطراز فان اختار الراعف أن يبتدئ فليقطع صلاته بما ينافيها من غير فعل الراعف باتفاق فان لم يفعل. قال ابن القاسم رحمه الله تعالى فى المجموعة أن ابتدأ ولم يتكلم أعاد الصلاة وهذا

стр. 6406

صحيح لأنا اذا حكمنا بأن ما هو فيه من العمل لا يقطع البناء حكمنا بأنه باق على حكم احرامه الأول فاذا كان قد صلى ركعة ثم ابتدأ الأولى أربعا صار كمن صلى خمسا جاهلا. قال صاحب مواهب الجليل: والمشهور أن الرفض مبطل فيكفى فى الخروج من الصلاة رفضها وابطالها. فاذا أراد البناء وخرج يغسل الدم أمسك أنفه لئلا يتطاير عليه الدم فيلطخ ثوبه أو جسده فتبطل صلاته، واشترط فى ذلك شروط: أحدهما: أن لا يجاوز أقرب مكان يمكنه غسل الدم فيه فان تعدى الأقرب الى غيره بطلت صلاته. قال فى المقدمات باتفاق وذلك لأنه أتى فى الصلاة بزيادة مستغنى عنها. والثانى: أن يكون المكان الذى يغسل الدم فيه قريبا فان كان بعيدا بطلت صلاته. والثالث: أن لا يستدبر القبلة من غير عذر فان استدبرها من غير عذر بطلت صلاته. قال اللخمى: واذا استدبر الراعف القبلة لطلبه الماء لم تبطل صلاته. الرابع أن لا بطأ فى مشيه نجاسة. فان وطئ المصلى فى مشية نجاسة فسدت صلاته سواء كانت رطبة أو يابسة وسواء كانت من أرواث الدواب وو أبوالها أو من غير ذلك سواء وطئها عمدا أو سهوا. قال فى المقدمات ان وطئ على نجاسة رطبة انتقضت صلاته باتفاق واختلف ان مشى على قشب يابس فقال ابن سحنون تنتقض صلاته. وقال ابن عبدوس لا تنتقض وأما مشيه فى الطريق لغسل الدم وفيها أرواث الدواب وأبوالها فلا تنتقض بذلك صلاته لأنه مضطر الى المشى فى الطريق لغسل الدم كما يضطر للصلاة فيها وليس بمضطر الى المشى (١) على القشب (٢). قاله ابن حارث. وقال صاحب الجمع: قالوا ان مشى على نجاسة - أى عذرة وما فى معناها - وكانت رطبة بطلت باتفاق ثم ذكر الخلاف فى القشب اليابس، ثم قال: وهو عندى اذا مشى عليها غير عالم بها، وأما اذا تعمد المشى عليها بطلت صلاته بلا خلاف. وقال ابن فرحون رحمه الله تعالى فى شرح ابن الحاجب - ان كانت العذرة رطبة فظاهر المذهب الاتفاق على البطلان. ولذلك قال ابن غلاب النجاسة الرطبة متفق على ابطالها والظاهر أن مراده العذرة الرطبة لأنه قال: وأرواث الدواب وأبوالها لا تبطل وقد علم أن البول رطب. قال: وأما عدم البطلان فى زيل الدواب وأبوالها فمعلل بضرورة المشى عليها لكثرتها فى الطرقات وللاختلاف أيضا فى نجاستها وأما الدم الزائد على القدر المعفو عنه وزيل الكلاب وما فى معنى ذلك من النجاسات فغير مغتفر. وقال صاحب الجمع قال ابن رشد: وأما مشيه على أرواث الدواب وأبوالها فى الطريق ومباشرته لغسل الدم فمغتفر، قاله ابن حارث. قال صاحب مواهب الجليل: وينبغى أن يقيد بما اذا وطئها ناسيا أو مضطرا لذلك لعمومها وانتشارها فى الطريق، وأما ان وطئها عامدا

стр. 6407

من غير عذر لسعة الطريق وعدم عمومها وامكان عدوله عنها فينبغى أن تبطل صلاته لانتفاء العلة التى هى الضرورة. الشرط الخامس: أن لا يتكلم فان تكلم عامدا أو جاهلا بطلت صلاته باتفاق قاله فى المقدمات: فان تكلم ساهيا فحكى فى المقدمات فيه قولين. قال ابن حبيب رحمه الله تعالى: لا يبنى لأن السنة انما جاءت فى بناء الراعف ما لم يتكلم ولم يخص ناسيا من متعمد. وحكى ابن سحنون عن أبيه أنه يبنى ويسجد لسهوه الا أن يكون يكون كلامه والامام لم يفرغ من صلاته فانه يحمله عنه. واختلف فى المأموم اذا انصرف لغسل الدم هل يخرج من حكم الامام أم لا على أربعة أقوال حكاها صاحب المقدمات وغيره. أحدها أنه يخرج من حكمه حتى يرجع اليه جملة من غير تفصيل. الثانى أنه لا يخرج من حكمه جملة من غير تفصيل. الثالث ان رعف قبل أن يعقد معه ركعة خرج من حكمه حتى يرجع اليه وان عقد معه ركعة لم يخرج من حكمه. الرابع النظر الى ما آل اليه أمره فان أدرك ركعة من صلاة الامام بعد رجوعه كان فى حكمه حال خروجه عنه وان لم يدرك معه ركعة حين خروجه لم يكن فى حكمه فى حال خروجه. قال فى المقدمات فمن رأى أنه يخرج من حكمه حتى يرجع يقول ان أفسد الامام صلاته متعمدا قبل أن يرجع لم تفسد عليه وان تكلم سهوا سجد بعد السّلام ولم يحمل عنه ذلك الامام خلافا لأصل ابن حبيب الذى يرى أن ذلك يبطل عليه البناء وان ظن الامام قد أتم صلاته فأتم صلاته فى موضعه ثم تبين له أنه لو مضى لأدرك الامام فى الصلاة أجزأته صلاته وان سها الامام لم يلزمه سهوه ومن رأى أنه لا يخرج من حكمه يقول ان أفسد الامام صلاته متعمدا فسدت عليه هو صلاته وان أتم صلاته فى موضعه ثم تبين أنه لو مضى لأدرك الامام فى الصلاة لم تجزه صلاته وان سها الامام لزمه سهوه وان تكلم ساهيا حمله عنه الامام (١). ومن حصل له شئ مما ينافى الصلاة من سبق حدث أو تذكره أو سقوط نجاسة أو تذكرها أو غير ذلك مما يبطل الصلاة فانه لا يبنى على ما مضى من صلاته بل يقطعها ويستأنف الصلاة وهذا هو المذهب. قال فى المدونة ولا يبنى الا فى الرعاف وحده. قال ابن القاسم رحمه الله تعالى فى العتيبة وان تقيأ بلغما أو قلسا فألقاه فليتماد وان ابتلع القلس بعد ما أمكنه طرحه وظهر على لسانه أفسد الصلاة. قال فى المجموعة وان كان سهوا يبنى وسجد بعد السّلام. وقال ابن الحاجب رحمه الله تعالى: لا يبنى فى قرحة ولا جرح ويعنى بذلك: اذا انفجرت القرحة فى الصلاة وسال منها دم كثير ورجا انقطاعه فانه يقطع الصلاة. قال ابن فرحون رحمه الله تعالى: لو حصل له رعاف فخرج له وغسل الدم ورجع الى الصلاة ثم حصل له رعاف آخر لم يبن وبطلت صلاته.

стр. 6408

ومن ظن أنه حصل له رعاف فى الصلاة فخرج ليغسله فتبين أنه ليس برعاف وانما هو ماء فأنه لا يبنى على ما مضى من صلاته لأنها بطلت بل يبتدئها وهذا هو المشهور. ومذهب المدونة قال فى أواخر كتاب الصلاة فى المدونة ومن انصرف من صلاته لحدث أو رعاف ظن أنه أصابه ثم تبين له أنه لا شئ به ابتدأ واذا تعمد الامام قطع صلاته أفسد على من خلفه (١). وقال اللخمى رحمه الله تعالى فى تبصرته اختلف فبمن ظن أنه رعف أو أحدث فخرج ثم تبين أنه لم يصبه ذلك هل يبنى؟ وان كان اماما هل تفسد صلاتهم. قال مالك رحمه الله تعالى: يبتدئ ولا يبنى وظاهر قول ابن القاسم رحمه الله تعالى: انه اذا كان اماما لا تفسد عليهم لأنه لم يعتمد. قال ابن سحنون رحمه الله تعالى فى المجموعة لأنه خرج بما يجوز له ويبتدئ الصلاة خلف الذى استخلف. وقال فى كتاب ابنه ان بنى أبطل عليهم لأنه لا يستطيع أن يعلم ما خرج من قبل أن يخرج من المحراب الا أن يكون فى ليل مظلم. وقال ابن عبد الحكم رحمه الله تعالى: يبنى ولا يبطل على من خلفه فهو بمنزلة من ظن أنه سلم فخرج ثم عاد فسلم وهو أقيس لحديث ذى اليدين أنه ﷺ خرج وهو يظن أنه قد أتم وتكلم ثم بنى. قال صاحب مواهب الجليل: فظهر أن القول ببطلان صلاته المأمومين أرجح لكونه مذهب المدونة. وقال صاحب الجمع أنه الصحيح. قال ابن بشير رحمه الله تعالى: ومن ظن بطلان صلاته بتماديه برعاف أو حدث فانصرف ثم تبين له بطلان ظنه أما فى الرعاف اذا لم يتكلم ولم يمش على نجاسة فانه ينتظر فان كان بحيث لا يمكنه التمييز لأنه فى ليل مظلم واجتهد فأخطأ ففى بنائه قولان أحدهما أنه لا يبنى وهو المشهور، والشاذ أنه يبنى. وأما فى الحدث فان لم يطل فعله بعد الظن كان كالرعاف وان طال فعله أو تكلم عامدا بطلت صلاته لأن هذا انصرف على أن صلاته باطلة والراعف انصرف على أنه يغسل الدم ثم يبنى. قال الحطاب: الظاهر فى الحدث البطلان مطلقا ولا يظهر للقول بالبناء وجه مطلقا لأن المحدث خرج على اعتقاد البطلان ولا يشبه من ظن أنه سلم لأنه خرج على اعتقاد تمام الصلاة وصحتها. واذا عزم على رفض الصلاة وهم بالوضوء فالظاهر بطلان الصلاة نعم أن تفكر قليلا لما حصل له الشك ثم ذكر أنه متوضئ فهذا يبنى على صلاته. هذا ومن غلبه القئ فى الصلاة لم تبطل صلاته ويتمادى فيها فان خرج لغسله بطلت صلاته ولو تعمد القئ بطلت صلاته وهذا اذا كان القئ طاهرا ولم يرده بعد انفصاله الى محل يمكن طرحه فان كان القئ نجسا بأن تغير عن هيئة الطعام على المشهور أو قارب أوصاف العذرة على ما اختاره اللخمى وابن رشد رحمهما الله تعالى بطلت الصلاة. وان كان القئ طاهرا ورده بعد انفصاله الى محل يمكن طرحه ناسيا أو مغلوبا ففى بطلان صلاته قولان وأما أن رده طائعا غير ناسى فلا خلاف فى بطلان صلاته.

стр. 6409

قال ابن رشد أن من ذرعه القئ لا تفسد صلاته كما لا يفسد صيامه بخلاف الذى يستقئ طائعا وهو قول ابن القاسم واختلف قوله ان رده بعد انفصاله فى فساد صلاته وصيامه يريد ان رده ناسيا أو مغلوبا وأما ان رده طائعا غير ناسى فلا اختلاف فى أن ذلك يفسد صومه وصلاته وقد قيل ان المغلوب أعذر من الناسى ولا يوجب ذلك الوضوء وان كان نجسا لتغيره عن حال الطعام الى حال الرجيع أو ما يقاربه اذ لا يوجب الوضوء على مذهب مالك رحمه الله تعالى الا ما خرج من السبيلين من المعتاد على العادة باتفاق أو على غير العادة باختلاف. فتحصل من هذا أن من ذرعه القئ غلبه فالمشهور وهو قول ابن القاسم أن صلاته صحيحه وان من تعمد القئ أو رده بعد انفصاله طائعا فصلاته باطلة كما ذكره ابن رشد. هذا وذكر ابن غازى عن بعض المقيدات أن القئ الكثير يبطل الصلاة ولو كان طاهرا أو كان غلبه. وقد نص على ذلك ابن بشير والقلس (١) وهو ما يخرج عند الامتلاء أو برد المزاج وقد يكون فيه الطعام غير متغير ليس بنجس لكنه أن خرج فى الصلاة وكثر قطع ليس لنجاسته بل لأنه مشغل عن الصلاة وان قل لم يقطع. وذكر ابن رشد أن القلس طاهر وأنه لا يفسد الصلاة وقال فى التوضيح حكم القلس حكم القئ فان كان متغير فهو نجس (٢). وان كان غير متغير فلا يفسد الصلاة لأنه لا يكون غالبا الا غلبة فان تعمد القلس فحكمه حكم تعمد القئ فتبطل صلاته وان ابتلعه بعد أن وصل الى محل يمكن طرحه فاختلف فى بطلان الصلاة بذلك اذا كان نسيانا أو غلبه. وقال ابن عرفة رحمه الله تعالى وغلبة القلس لغو فان ابتلعه بعد فصله عمدا ففى بطلانها نقل الشيخ عن ابن القاسم وابن رشد عن رواية ابن نافع أساء ولا قضاء عليه. هذا وستر العورة المغلظة من واجبات الصلاة على المعروف فى مذهب المالكية وذكر البعض الآخر أن ستر العورة من سنن الصلاة وعلى القول بأنه من فرائضها يخرج ويستخلف من يتم بالقوم صلاتهم فان لم يفعل وتمادى بهم فان استتر بالقرب فصلاته وصلاتهم فاسدة وهو قول سحنون فى كتاب ابنه خلاف. قال البرزلى سئل ابن أبى زيد عن الرجل يصلى فى ليل مظلم فتنكشف فخذه أو بعض عورته وهو وحده هل تفسد صلاته فقال عليه أن يستر عورته وفخذه فان انكشف عورته فى الصلاة فسدت عليه وأما الفخذ فليستره (٣). قال الباجى رحمه الله تعالى: ومن لم يمكن عنده ما يستر به عورته سقط عنه فرضها وصلى قائما وأجزأه. قال ابن القاسم رحمه الله تعالى: ولا يعيد ان وجد ثوبا فى الوقت. وقال المزرى رحمه الله تعالى: المذهب يعيد فى الوقت. قال ابن الحاجب رحمه الله تعالى: وما يصف من الثياب لرقته أو لتحديده مكروه كالسراويل. وروى عن المدونة أن مالكا رحمه الله تعالى كره الصلاة فى السراويل.

стр. 6410

قال ابن يونس رحمه الله تعالى: لأنه يصف، والمئزر أفضل منه. وروى عن المدونة أن مالكا رحمه الله تعالى قال: ان صلت الحرة منتقية لم تعد. قال ابن القاسم رحمه الله تعالى: وكذا الملثمة. قال اللخمى: يكرهان وتسدل على وجهها ان خشيت رؤيا رجل. قال مالك: ومن صلى محتزما جامعا شعره بوقاية أو مشمرا كميه فان كان ذلك لباسه وهيئته قبل ذلك أو كان فى عمل حتى حضرت الصلاة فصلاها كما هو فلا بأس بذلك، وان كان انما فعل ذلك ليكفت به شعرا أو ثوبا فلا خير فيه. فقال ابن عرفة شدد مالك رحمه الله تعالى كراهة تغطية اللحية فى الصلاة (١). ولا بأس فى أن يصلى محلول الأزار وليس عليه سراويل ولا مئزر وهو أستر من الذى يصلى متوشحا بثوب، ومن صلى بسراويل أو مئزر وهو قادر على الثياب لم يعد فى وقت ولا غيره (٢). ومن شروط الصلاة مع الأمن والقدرة والذكر - استقبال القبلة فمن عجز عن استقبال القبلة بنفسه حول اليها فان عجز عن تحويله سقط حكم الاستقبال فى حقه وفى الكتاب اذا صلى لغير القبلة أعاد فى الوقت بمنزلة الصحيح. وأما من صلى وهو قادر على التحول والتحويل فينبغى أن يعيد صلاته أبدا وأما من لم يقدر على ذلك لفقد من يحوله فينبغى أن يختلف فى اعادته ونقل صاحب الذخيرة عن صاحب الطراز أنه اذا أداه الاجتهاد الى جهة فصلى الى غيرها ثم تبين أنه صلى الى الكعبة فصلاته باطلة عندنا خلافا للشافعى وأبى حنيفة رحمهما الله تعالى لتركه الواجب (٢). واذا انحرف الى جهة بعد الاحرام من غير عذر ولا سهو فان كانت القبلة فلا شئ عليه فانها الأصل وان كان غيرها بطلت صلاته. وأما اذا ظن أن تلك طريقة أو غلبته دابته فلا شئ عليه (٣). ومن فرائض الصلاة نية الصلاة المعينة. قال صاحب المقدمات النية الكاملة هى المتعلقة بأربعة أشياء تعيين الصلاة والتقرب بها ووجوبها وآدابها واستشعار الايمان يعتبر ذلك كله فهذه هى النية الكاملة فان سها عن الايمان أو وجوب الصلاة أو كونها أداء أو التقرب بها لم تفسد اذا عينها لاشتمال التعيين على ذلك (٤). قال ابن عرفة رحمه الله تعالى غروب النية وتحويلها بيسير النفل سهوا دون عمل مغتفر. قال المازرى رحمه الله تعالى: اغتفر غروب النية للمشقة فان خطرت بباله وقصد رفضها وأن يوقع بقية صلاته لهوا فلا يجزئه لقطعه النية، وكذا تبطل فيما اذا سلم ظانا اتمام صلاته ثم أحرم بنافلة وهى فى الصورة اتمام لصلاته وكذلك لو لم يسلم ولكنه ظن أنه أتم فان صلاته تبطل فى الصورتين ان أطال القراءة أو ركع وان لم بطل القراءة ولم يركع لم تبطل صلاته فى الصورتين (٥). وأما ان قام الى نافلة ولم يظن السّلام بل ظن
следующие страницы →