← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

والسلم ينص الشافعى على أن التأجيل فيه جائز لا واجب يقول أبو شجاع والخطيب والبيجرمى فى حاشيته على الإقناع (١) «يصح السلم حالا ومؤجلا بأن يصرح بهما فإن أطلق انعقد حالا. وأما الحال فبالأولى لبعده عن الغرر كما يجب الأجل فى بدل الكتابة عندهم. جاء فى المنهاج وشرحه (٢) فى كتاب الكتابة «وصيغتها كاتبتك على كذا منجما ويبين وجوبا عدد النجوم» وقال (٣) وشرط العوض كونه دينا مؤجلا لأنه المنقول عن السلف والخلف ولأنه عاجز حالا .. ثم قال الرملى «ولا بأس بكونها ولو فى الذمة حالة لقدرته على الشروع فيها حالا وتصح بنجمين قصيرين» وعلق الشبراملسى على ذلك بقوله: الذى فى شرح المنهج نصه «ولا تخلو المنفعة من التأجيل وإن كان فى بعض نجومها تعجيل فالتأجيل فيها شرط فى الجملة ومثله فى التحفة. ويحرم عندهم التأجيل فى الربويات أيضا على ما يصوره تعبيرهم جاء فى المنهاج وشرحه (٤) إذا بيع الطعام بالطعام أو النقد بالنقد إن كانا جنسا واحدا اشترط الحلول من الجانبين بالإجماع لاشتراط المقابضة ومن لازمها الحلول فمتى اقترن بأحدهما تأجيل وإن قل زمنه أو حل قبل تفرقهما لم يصح أو جنسه كحنطة وشعير جاز التفاضل واشترط الحلول والتقابض لحديث «الذهب بالذهب» .. فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد». مذهب الحنابلة: وهم أيضا يجيزون تأجيل الثمن فى البيع فى غير الربويات ويذكرون ذلك فى فروعهم، يقول ابن قدامة (٥): «فإن قال بعتك على أن تنقدنى الثمن إلى ثلاث أو مدة معلومة وإلا فلا بيع بيننا فالبيع صحيح». وقالوا: يجب التأجيل فى السلم (٦) إذ نصوا على أنه يشترط لصحة السلم أن يكون مؤجلا ولا يصح الثمن الحال قال أحمد فى رواية المروزى: لا يصح حتى يشترط الأجل وذكر الحديث. ثم قال: فأمر بالأجل وأمره يقتضى الوجوب ولأنه أمر بهذا الأمور مبينا لشروط السلم ومنعنا منه بدونها وكذا لا يصح إذا انتفى الكيل والوزن فكذلك الأجل لأن السلم رخصة للرفق ولا يحصل الرفق الا بالأجل فاذا انتفى الأجل انتفى الرفق ولأن الحلول يخرجه عن اسمه ومعناه أما الاسم فلأنه يسمى سلما وسلفا لتعجيل أحد العوضين وتأخير الآخر وأما معنى فلأن الشارع أرخص فيه للحاجة الداعية إليه ومع حضور ما يبيعه حالا لا حاجة إلى السلم فلا يثبت كما قالوا: بوجوب الأجل فى بدل الكتابة (٧) ويحرم الأجل عندهم فى الربويات، يقول ابن قدامة (٨): وكل ما كيل أو وزن من سائر الأشياء فلا يجوز التفاضل فيه إذا كان جنسا واحدا ثم يقول (٩): وكل ما حرم فيه التفاضل حرم فيه النساء بغير خلاف نعلمه ويحرم التفرق

стр. 667

قبل القبض لقول النبى ﷺ «عينا بعين» وقوله «يدا بيد» ولأن تحريم النساء أولى بالتحريم ثم قال: وما كان من جنسين فجائز التفاضل فيه ولا يجوز نسيئة لقوله ﷺ : «إذا اختلفت هذه الأشياء فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد». مذهب الظاهرية: ومما يجوز التأجيل فيه عندهم ثمن المبيع بشرط تحديد الأجل. يقول ابن حزم الظاهرى فى كتاب البيع (١) لا يجوز البيع بثمن مجهول ثم قال وانما يجوز الأجل إلى ما لا يتأخر ساعة ولا يتقدم وكذا فالقرض عندهم مما يجوز فيه الأجل يقول ابن حزم (٢) القرض إما حالا فى ذمته وإما إلى أجل مسمى هذا مجمع عليه ثم قال (٣) فإن كان الدين حالا فللذى أقرض أن يأخذ به المقترض متى أحب وعنده (٤) أن القرض جائز فى الأصناف الربوية ويجوز إلى أجل مسمى ومؤخرا تحت الطلب فيكون حالا فى الذمة متى طلبه صاحبه أخذه كما أجازوا الأجل فى بدل الكتابة قال ابن حزم (٥) ومن كوتب إلى غير أجل مسمى فهو على كتابته ما عاش السيد ومن كوتب إلى أجل مسمى نجم واحد أو نجمين فصاعدا فحل وقت النجم ولم يؤد رد عبدا ويجب الأجل عندهم فى السلم يقول ابن حزم (٦) السلم لا يجوز إلا إلى أجل مسمى ولا بد. واستدل بالحديث ثم قال ففى هذا إيجاب الأجل المعلوم ويحرم التأجيل عندهم فى بيع الربويات وهو بيع صنف من الأصناف الواردة فى حديث «الذهب بالذهب» بمثله نسيئة كما يحرم متفاضلا ويجوز بيع كل صنف منها بالأصناف الأخرى بشرط أن يكون يدا بيد قال ابن حزم (٧) لا يحل أن يباع قمح بقمح الا مثلا بمثل يدا بيد وذكر مثل ذلك فى باقى الأصناف ثم قال (٨) وجاز بيع كل صنف مما ذكرنا بالأصناف الأخرى متفاضلا ومتماثلا إذا كان يدا بيد ولا يجوز فى ذلك التأخير طرفة عين فأكثر لا فى بيع ولا فى سلم ثم قال (٩) وجاز بيع الذهب بالفضة سواء فى ذلك الدنانير بالدراهم أو بالحلى والدراهم بحلى الذهب، يدا بيد ولا بد عينا بعين، ولا يجوز التأخير فى ذلك طرفة عين لا فى بيع ولا فى سلم ويباع الذهب بالذهب لا يحل التفاضل ولا التأخير طرفة عين، وتباع الفضة بالفضة وزنا بوزن يدا بيد ولا يجوز التأخير فى ذلك طرفة عين لا بيعا ولا سلما. مذهب الزيدية: يجوز البيع عندهم بثمن مؤجل أيضا ويذكرونه فى فروعهم. يقول صاحب البحر (١٠): «ولا يصح أن يأخذ بالثمن المؤجل غير جنسه قبل حلول أجله. ويجب عندهم فى السلم لأن التأجيل فى ماهيته يقول صاحب البحر. السلم هو تعجيل أحد البدلين وتأجيل الآخر كما ذكر فى شروط السلم الأجل (١١) كما

стр. 668

يشترطون فى باب الكتابة التأجيل والتنجيم مع اختلافهم فى أقل النجوم، ونقل صاحب البحر عن المؤيد بالله وأبى طالب وأبى العباس أن التأجيل والتنجيم شرط وأقله نجمان قيل ولو فى ساعتين وقيل بل أقل أجل السلم وقال إنه قوى، وأن وجه اشتراط التأجيل والتنجيم قول على الكتابة على نجمين، ولفعل عثمان ذلك مع عبده. ويحرم التأجيل فى الربويات نقل صاحب البحر (١) عن العترة إن ما لا يكال ولا يوزن جاز التفاضل فيه كالرمانة بالرمانتين ويحرم النساء لقوله ﵇ لا ربا إلا بالنسيئة فعم إلا ما خصه دليل، ثم نقل أنهما إذا اتفقا جنسا وتقديرا أو فى أحدهما اشترط التقابض فى المجلس لقوله ﵇ «إلا يدا بيد» ولقوله (التمر بالملح يدا بيد كيف شئتم) وكذلك يحرم فى الصرف يقول صاحب البحر (٢) إن من شروط الصرف الحلول لقوله ﷺ «إلا ها وها» والتأجيل يفسده ولو حل قبل التفرق إذ يخالف موجب عقده وهو التعجيل. كما نقل (٣) عن المؤيد بالله وأبى طالب والقاضى زيد وأبى العباس أنه لا يصح الأنظار بالقرض إذ هو تبرع كالعارية، والتأجيل نقص للعوض وموضوع القرض تماثلها. مذهب الإمامية: مما يجوز التأجيل فيه عندهم ثمن المبيع إذا اتفق عليه الطرفان، جاء فى المختصر النافع (٤): «من ابتاع مطلقا فالثمن حال ولو شرط التأجيل مع تعيين المدة صح». وفى قلائد الدرر (٥): ويجوز تأجيل القرض عندهم إذ يقول: ان آية «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى». تدل على جواز تأجيل القرض. كما جاء فيه (٦) إن فى قوله تعالى «إِلى أَجَلٍ» يفهم إباحة المعاملة بالدين مؤجلا نسيئة وسلما لأن الدين حق يثبت فى الذمة فهو أعم من المؤجل وغيره. ويجب الأجل فى السلم الذى يسمونه سلفا فقد عرفه صاحب المختصر النافع (٧) بأنه ابتياع مضمون إلى أجل بمال حاضر واشترطوا لصحته تعيين الأجل. ويقول صاحب الروضة البهية (٨) وتقارن الكتابة البيع فى اعتبار الأجل فى الشهور. ثم قال: «ولا بد فى الكتابة من العقد المشتمل على الإيجاب مثل كاتبتك على أن تؤدى إلى كذا فى وقت كذا إن اتحد الأجل أو أوقات كذا إن تعدد الأجل» ثم قال (٩) والأقرب اشتراط الأجل فى الكتابة مطلقا بناء على أن العبد لا يملك شيئا فعجزه حال العقد عن العوض حاصل، ووقت الحصول متوقع مجهول فلا بد من تأجيله بوقت يمكن فيه حصوله عادة. ثم قال: وقيل لا يشترط الأجل مطلقا للأصل ولا طلاق الأمر بها خصوصا على القول بكونها بيعا.

стр. 669

مذهب الإباضية: يرون كغيرهم كما فى النيل وشرحه، جواز تأجيل الثمن فى البيع إذ يقولون (١): «يفسد كل بيع لأجل غير منضبط لا منضبط» ويقولون بوجوب الأجل فى السلم فقد نصوا عند ذكرهم شروط السلم (٢) على أنه بوزن وعيار وأجل يوفى فيه ما فيه السلم، ونقل عن أحد فقهائهم إن علة الأجل حصول مصلحتين إحداهما للبائع وهو دفع قليل ليأخذ أكثر منه والثانية للمشترى وهى الانتفاع بالثمن فى أجله. ويمنعونه فى الربويات على طريقتهم ويستدلون بحديث يروونه عن زيد بن أرقم والبراء بن عازب «إن الصرف يد بيد وأما بالنسيئة فلا» (٣) وبما رواه جابر بن زيد عن طلحة بن عبيد الله أنه التمس من رجل صرفا فأخذ طلحة الذهب يقلبه بيده وقال حتى يأتى خازنى من الغابة وعمر بن الخطاب حاضر فقال: والله لا تفترقان حتى يتم الأمر بينكما وقد عرفوا (٤) الصرف بأنه بيع وإن بلا وزن بشرط التقابض فى المجلس وهم يمنعون ربا النسيئة على تفصيل لهم فى ذلك (٥). حكم الأجل من ناحية اللزوم وعدمه واضح أن كل تأجيل مشروع يلتزم به العاقدان إلا أن الفقهاء عدا المالكية يستثنون القرض ويضيف الأحناف إلى القرض فى عدم التزام الأجل مع ذكره ست مسائل أخرى وإليك البيان. مذهب الحنفية: جاء فى التنوير وشرحه (٦): لزم تأجيل كل دين إن قبل المدين إلا فى سبع بدلى صرف وسلم، وثمن عند إقالة وفيما بعدها وما أخذ به الشفيع ودين الميت والقرض، غير أن القرض يلزم تأجيله فى أربع مسائل إذا كان محجورا، أو حكم مالكى بلزومه بعد ثبوت أصل الدين عنده أو أحاله على آخر فأجله المقرض أو أحال على مدين مؤجل دينه أو أوصى بأن يقرض فلان من ماله ألف درهم إلى سنة أو أوصى بتأجيل قرضه إلى زيد سنة واستخلص أن تأجيل الدين على ثلاثة أوجه: باطل فى بدلى الصرف والسلم، وصحيح غير لازم فى قرض وإقالة وشفيع ودين ميت ولازم فيما عدا ذلك، وأضاف إلى ذلك نقلا عن النهر أن الملحق بالقرض تأجيله باطل ومن إضافات ابن عابدين فى هذا المقام أنه علل عدم اللزوم فى تأجيل بدلى الصرف والسلم باشتراط القبض فى بدلى الصرف فى المجلس واشتراطه فى رأس المال، وهذا يقضى بعدم جواز التأجيل فى بدلى الصرف وفى رأس مال السلم كما نقل ابن عابدين عن القنية: إن المشترى إذا أجل البائع سنة عند الإقالة صحت الإقالة وبطل الأجل ولو تقايلا ثم أجله ينبغى ألا يصح الأجل عند أبى حنيفة فإن الشرط اللاحق بعد العقد ملتحق بأصل العقد عندهم ونقل عن الجوهرة أنه يجوز تأجيل رأس مال السلم بعد الإقالة لأنه دين لا يجب قبضه فى المجلس كسائر الديون. وقال فى موضوع ما أخذ به الشفيع أنه يشمل ما إذا كان الشراء بثمن مؤجل فإن الأجل لا يثبت فى أخذ الشفيع، ثم صور

стр. 670

دين الميت بقوله لو مات المدين وحل المال فأجل الدائن وارثه لم يصح لأن الدين فى الذمة. ثم قال وفائدة التأجيل أن يتجر فيؤدى الدين من نماء المال فإذا مات من له الأجل تعين المتروك لقضاء الدين فلا يفيد التأجيل وفى ملتقى الأبحر وشرحه مجمع الأنهر (١) كل دين أجل بأجل معلوم صح تأجيله وإن كان حالا فى الأصل لأن المطالبة حقه فله أن يؤخره سواء كان ثمن مبيع أو غيره تيسيرا على من له عليه. ألا ترى أنه يملك ابراءه مطلقا فكذا مؤقتا ولا بد من قبوله ممن عليه الدين فلو لم يقبل بطل التأجيل فيكون حالا ويصح تعليق التأجيل بالشرط. ثم استثنى كصلحب التنوير القرض ونص على أنه لا يصح تأجيله. وقد صور ابن عابدين تعليق التأجيل بالشرط بقوله (٢) فلو قال لمن عليه ألف حالة إن دفعت إلى غدا خمسماية فالخمسماية الأخرى مؤخرة إلى سنة فهو جائز. مذهب المالكية: جاء فى متن خليل وشرح الدردير عليه (٣): «جاز قضاء قرض بمساو لما فى الذمة قدرا وصفة حل الأجل أم لا». وعلق الدسوقى على ذلك بكلام يقول فيه: إن الحق فى الأجل فى القرض لمن عليه الدين. وقال (٤) إن ثمن المبيع إذا كان عرضا أو طعاما كان الحق فى الأجل لرب الدين، وأما القرض وثمن المبيع إذا كان عينا فالحق فيه لمن عليه الدين إن شاء عجل أو بقى الأجل. مذهب الشافعية: جاء فى منهاج الطالبين وشرحه فى باب القرض (٥): «ولو شرطا أجلا فى القرض فلا يعتبر الأجل ويصح العقد وعلق على ذلك عميرة فى حاشيته بقوله: وعندنا لا يلزم التأجيل فى الحال إلا بالإيصاء أو النذر. مذهب الحنابلة: يقول ابن قدامة (٦): «وللمقروض المطالبة ببدله فى الحال لأنه سبب يوجب رد المثل فى المثليات فأوجبه حالا كالإتلاف. ولو أجل القرض لم يتأجل وكان حالا. وكل دين حل أجله لم يصر مؤجلا بتأجيله». مذهب الظاهرية: يقول ابن حزم الظاهرى (٧): من كان له دين حال أو مؤجل فحل فرغب إليه الذى عليه الحق فى أن ينظره أيضا إلى أجل مسمى ففعل أو أنظره كذلك بغير رغبة وأشهد أو لم يشهد لم يلزمه من ذلك شئ، والدين حال ويأخذه به متى شاء، وهو قول أصحابنا. مذهب الزيدية: قدمنا عن الزيدية نقلا عن البحر الزخار (٨) أنهم يقولون بعدم صحة تأجيل القرض فضلا عن عدم اللزوم.

стр. 671

مذهب الإمامية: جاء فى كتاب قلائد الدرر (١): إن آية البقرة: «إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى» كما تدل على جواز تأجيل القرض تدل على لزومه عند اشتراطه. واستدل للزوم بعموم الأمر بالوفاء بالشروط والعقود. وقد استدرك صاحب القلائد على ذلك بقوله: إن الأصحاب أطبقوا على كونه من العقود الجائزة وأنه لو شرط فيه الأجل فلا يلزم لأن الآية ليست ناصة فى ذلك لاحتمال أن يكون الغرض من الكتابة المحافظة على المقدار حذرا من تطرق النسيان وإمكان حمل الرواية على الاستحباب. نعم لو شرط تأجيله فى عقد لازم فالأقوى لزومه. انتهاء الأجل وسقوطه واضح أن الأجل ينتهى بانتهاء مدته المتفق عليها بين المتعاقدين دون خلاف فى ذلك فإذا كان البيع بثمن مؤجل انتهى الأجل بانتهاء المدة المضروبة، ومثله فى مدة الإجارة والعارية وأجل القرض وما إلى ذلك. وأما سقوط الأجل فى أثناء المدة فواضح أيضا أنه يسقط باتفاق الدائن والمدين، وبوجود سبب يفسخ العقد الذى بقى عليه الأجل، وهناك اختلاف فى بعض الصور والجزئيات مثل إبطال المدين حقه فى الأجل، ومثل موت أحدهما ومثل الحجر على المدين نبينه فيما يأتى: إبطال المدين حقه فى الأجل مذهب الحنفية: نقل ابن عابدين (٢) أنه لو قال المدين أبطلت الأجل أو تركته صار حالا بخلاف برئت من الأجل أو لا حاجة لى فيه، وإذا قضاه قبل الحلول فاستحق المقبوض من القابض أو وجده زيوفا فرده أو وجد فى المبيع عيبا فرده بقضاء عاد الأجل، لا لو اشترى من ديونه شيئا بالدين وقبضه ثم تقايلا البيع ولو كان بهذا الدين المؤجل كفيل. ثم قال (٣) نقلا عن القنية إنه لو قضى المديون الدين قبل حلول الأجل فإنه لا يأخذ من المرابحة التى جرت بينهما إلا بقدر ما مضى من الأيام. وفى غمز عيون الأبصار للحموى على الأشباه لابن نجيم (٤) يلزم الدائن بقبول الدين المؤجل إذا قضاه المدين قبل حلول الأجل إلا أن يكون فى أخذه ضرر بالدائن فإنه لو لم يأمن مثلا بأن كان بمكة وأعطاه دينه وهو لا يحل إلا بمصر فإنه لا يجبر على أخذه منه. مذهب المالكية: يقول الدردير فى الشرح الكبير (٥): فإن أراد المقترض رد القرض له به قبل أجله لزم المقرض قبوله، لأن الأجل حق لمن هو عليه ولو كان غير عين، ولا يلزم ربه بقبوله فى غير محله ان كان غير عين - أى

стр. 672

النقد ونحوه - لما فيه من الكلفة «أما العين فيلزم ربها أخذها بغير محلها لخفة حملها إلا لخوف أو احتاج إلى كبير حمل، ومثل العين الجواهر النفيسة الخفيفة. مذهب الشافعية: قال الشافعى فى الأم (١) فى باب السلم: فإن دعا المدين الدائن إلى أخذ حقه قبل محله، وكان حقه ذهبا أو فضة أو نحاسا أو تبرا أو عرضا غير مأكول ولا مشروب ولا ذى روح يحتاج إلى العلف والنفقة جبر على أخذ حقه منه إلا أن يبرئه لأنه قد جاءه بحقه وزيادة تعجيله قبل محله. ثم قال: ولست انظر فى هذا إلى تغير قيمته فإن كان يكون فى وقته أكثر قيمة أو أقل قلت للذى له الحق إن شئت حبسته وقد يكون فى وقت أجله أكثر قيمة منه حين يدفعه أو أقل. وجاء فى شرح المنهاج (٢) إن أداء القرض كأداء المسلم فيه صنفا وزمنا ومحلا. وعلق الشبراملسى على ذلك بقوله: إن المراد من تشبيهه به فى الزمان ما ذكروه من أنه إذا أحضر المقترض ما فى ذمته من دين فى زمن النهب لا يجب عليه قبوله، كما أن المسلم فيه إذا أحضره المسلم إليه قبل محله لا يلزمه القبول وإن أحضره فى زمن الأمن وجب قبوله فالمراد من التشبيه مجرد أن القرض قد يجب قبوله إذا أتى به للمقرض وقد لا يجب. مذهب الحنابلة: يقول ابن قدامة (٣) فى باب السلم: «إذا أتى المسلم إليه بالمسلم فيه قبل محله ينظر فيه إن كان فى قبضه قبل محله ضرر لكونه يتغير كالفاكهة أو كان قديمه دون حديثه كالحبوب لم يلزم المسلم قبوله لأن له غرضا فى تأخيره بأن يحتاج إلى أكله أو إطعامه فى ذلك الوقت، وكذلك الحيوان لأنه لا يأمن تلفه فيحتاج إلى الإنفاق عليه إلى ذلك الوقت وربما يحتاج إليه فى ذلك الوقت دون ما قبله، وهكذا إن كان مما يحتاج فى حفظه إلى مؤنة كالقطن ونحوه أو كان الوقت مخوفا يخشى نهب ما يقبضه فلا يلزمه الأخذ فى هذه الأحوال كلها لأن عليه ضررا فى قبضه ولم يأت محل استحقاقه له فجرى مجرى نقص صفة فيه وإن كان مما لا ضرر فى قبضه بأن يكون لا يتغير كالحديد والرصاص والنحاس فإنه يستوى قديمه وحديثه ونحو ذلك الزيت والعسل ولا فى قبضه ضرر لخوف ولا تحمل مؤنة فعليه قبضه لأن غرضه حاصل مع زيادة تعجل المنفعة فجرى مجرى زيادة الصفة وتعجيل الدين المؤجل» وهذا صريح فى أن من حق المدين إبطال حقه فى الأجل وأن على الدائن أن يقبل التعجيل إذا لم يكن فيه ضرر عليه. مذهب الظاهرية: يقول ابن حزم الظاهرى (٤): إن أراد الذى عليه الدين المؤجل أن يعجله قبل أجله بما قل أو كثر لم يجبر الذى له الحق على قبوله أصلا، وكذا لو أراد الذى له الحق أن يتعجل قبض دينه قبل أجله بما قل أو كثر لم يجز أن يجبر الذى عليه الحق علي أدائه سواء فى ذلك الدنانير والدراهم والطعام كله والعروض كلها

стр. 673

والحيوان فلو تراضيا على تعجيل الدين أو بعضه قبل حلول أجله أو على تأخيره بعد حلول أجله أو بعضه جاز ذلك كله وهو قول أبى سليمان وأصحابنا واستدل على ذلك بأن شرط الأجل قد صح بالقرآن والسنة فلا يجوز إبطال ما صححه الله تعالى: وقال فى موضوع الكتابة (١) وإذا كانت الكتابة نجمين فصاعدا أو لأجل فأراد العبد تعجيلها كلها أو تعجيل بعضها قبل أجله لم يلزم السيد قبول ذلك ولا عتق العبد وهى إلى أجلها وكل نجم منها الى أجله لقوله تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» ولقول النبى ﷺ : «المسلمون عند شروطهم». مذهب الزيدية: يقول صاحب البحر الزخار (٢): يجب قبض كل معجل مساو للدين أو زائد فى الصفة لإلزام عمر امرأة كاتبت عبدا قبول تعجيل العبد قبل النجوم ولم يخالفه أحد إلا مع خوف ضرر أو غرامة، وقد نقل الحادثة صاحب جواهر الأخبار فى حاشيته على البحر فقال (٣) روى أن امرأة كاتبت عبدا لها على ثلاثين ألف درهم منجمة فأتى العبد بالمال صبة واحدة فأبت المرأة أن تقبض المال إلا فى النجوم التى اشتراطتها، فجاء العبد إلى عمر فقال له: هات المال. فصبه العبد كاملا، فوضعه عمر فى بيت المال وأطلق العبد من الرق وأرسل إلى المرأة أن مالها قد صار فى بيت المال تأخذه فى أى وقت شاءت. فقال: إن فى الحديث رواية أخرى تفيد أن الحادثة مع أنس بن مالك. ونقل صاحب البحر فى باب السلم (٤) عن الهادى أنه يجوز قبول ما يحمل لتبرأ ذمة المعجل فإن امتنع فوجهان: قيل يجبره الحاكم إذ هو حق عليه وقيل لا بل يقبضه إلى بيت المال حتى يقبله لفعل عمر ذلك وقد نسب هذا إلى بعض أصحاب الشافعى وقال: إنه قوى. مذهب الإمامية: جاء فى الروضة البهية (٥) البائع بتأخير يجب قبض الثمن لو دفعه إلى البائع مع الحلول مطلقا وفى الأجل أى بعده لا قبله لأنه غير مستحق حينئذ وجاز تعلق غرض البائع بتأخير القبض إلى الأجل فإن الأغراض لا تنضبط. موت أحد المتداينين والحجر على المدين يرى الأحناف أن الأجل يسقط بموت المدين. قال الكاسانى (٦): لو مات المسلم إليه قبل الأجل حل الدين، وكذا كل دين مؤجل سواه إذا مات من عليه الدين والأصل فى هذا أن موت من عليه الدين يبطل الأجل وموت من له الدين لا يبطل لأن الأجل حق المدين لا حق صاحب الدين فتعتبر حياته وموته فى الأجل وبطلانه. وفى الأشباه والنظائر لابن نجيم (٧) إن الأجل يحل بموت المدين ولو حكما باللحاق مرتدا بدار الحرب

стр. 674

ولا يحل بموت الدائن ويسقط أيضا عندهم بتنازل المدين عن الأجل المضروب باعتباره صاحب الحق فيه ما لم يكن فى ذلك ضرر بالدائن على ما بينا فى موضوع إبطال المدين حقه فى الأجل .. مذهب المالكية: جاء فى متن خليل والشرح الكبير وحاشية الدسوقى عليهما (١) وحل بموت المدين ما أجل عليه من الدين لخراب ذمته ما لم يشترط المدين عدم حلوله به وما لم يقتل الدائن المدين عمدا فلا يحل كما لا يحل بموت رب الدين ولو كان الدين دين كراء لدار أو دابة أو عبد فإنه يحل بموت المكترى وقال الدسوقى إنه لو طلب بعض الغرماء بقاء دينه مؤجلا لم يجب لذلك لأن للمدين حقا فى تخفيف ذمته بحكم الشرع أما او طلب جميع الغرماء بقاء ديونهم مؤجلة كان لهم ذلك. ثم قال: إن ذلك هو المشهور من المذهب، ومقابله أن الدين المؤجل لا يحل بالموت كما لا يحل بالفلس. وانتهى بقوله فالدين إنما يحل بموت من عليه الدين لا بموت من له الدين. مذهب الشافعية: قال الشافعى (٢): إذا مات الرجل وله على الناس ديون إلى أجل فهى إلى أجلها لا تحل بموته، ولو كانت الديون على الميت إلى أجل فلم أعلم مخالفا حفظت عنه ممن لقيت بأنها حالة يتحاص فيها الغرماء ويمكن أن يستدل بهذا بما جاء فى الأم أيضا: لما كان غرماء الميت أحق بماله فى حياته كانوا أحق بماله بعد وفاته من ورثته، فلو تركنا ديونهم إلى حلولها كما ندعها فى الحياة كنا منعنا الميت أن تبرأ ذمته ومنعنا الوارث أن يأخذ الفضل عن دين غريم أبيه. وجاء فيها: ولعل من حجتهم أن يقولوا: إن رسول الله ﷺ قال: «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه دينه» قال الشافعى: فلما كان كفنه من رأس ماله دون غرمائه ونفسه معلقة بدينه وكان المال ملكا له أشبه أن يجعل قضاء دينه، لأن نفسه معلقة بدينه ولم يجز أن يكون مال الميت زائلا عنه فلا يصير إلى غرمائه ولا إلى ورثته، وذلك أنه لا يجوز أن يأخذه ورثته دون غرمائه، ولو وقف إلى قضاء دينه علق روحه بدينه وكان ماله معرضا أن يهلك فلا يؤدى عن ذمته ولا يكون لورثته فلم يكن فيه منزلة أولى من أن يحل دينه ثم يعطى ما بقى ورثته. مذهب الحنابلة: ينص الحنابلة (٣) على أن من مات وعليه ديون مؤجلة ففى حلولها بالموت روايتان: إحداهما لا تحل إذا وثقها الورثة وهو قول ابن سيرين. والرواية الأخرى أنه يحل بالموت وبه قال الشعبى والنخعى لأنه لا يخلو أما أن يبقى فى ذمة الميت أو الورثة أو يتعلق بالمال لا يجوز بقاؤه فى ذمة الميت لخرابها وتعذر مطالبته بها، ولا ذمة الورثة لأنهم لم يلتزموها ولا رضى صاحب الدين بذممهم وهى مختلفة متباينة ولا يجوز تعليقه على الأعيان وتأجيله لأنه ضرر بالميت وصاحب

стр. 675

الدين ولا نفع للورثة فيه. أما الميت فلحديث «الميت مرتهن بدينه حتى يقضى عنه» وأما صاحبه فيتأخر حقه وقد تتلف العين فيسقط حقه وأما الورثة فإنهم لا ينتفعون بالأعيان ولا يتصرفون فيها وإن حصلت لهم منفعة فلا يسقط حظ الميت وصاحب الدين لمنفعة لهم. وقد اختار الخرقى الرواية الأولى ووافقه على ذلك ابن قدامة مستدلا بقوله: ولنا أن الموت لا يوجب حلول ما عليه اذ الموت ما جعل مبطلا الحقوق إنما هو ميقات للخلافة وعلامة على الوراثة وقد قال النبى ﷺ : «من ترك حقا أو مالا فلورثته» فعلى هذا يبقى الدين فى ذمة الميت كما كان ويتعلق بعين ماله كتعلق حق الغرماء بمال المفلس عند الحجر عليه فإن أحب الورثة أداء الدين والتزامه للغريم ويتصرفون فى المال لم يكن لهم ذلك إلا أن يرضى الغرماء أو يوثق الحق بضمين ملئ أو رهن يثق به - الغريم - لوفاء حقه. وذكر القاضى أن الحق ينتقل إلى ذمم الورثة بموت مورثهم من غير أن يشترط التزامهم له ولا ينبغى أن يلزم الإنسان دين لم يلتزمه ولم يتعاط سببه ولو لزمهم ذلك لموت مورثهم للزمهم. وإن لم يخلف وفاء. ثم قال: وإن مات مفلس وله غرماء بعض ديونهم مؤجلة وبعضها حالة وقلنا المؤجل يحل بالموت تساووا فى التركة فاقتسموها على قدر ديونهم وإن قلنا لا يحل بالموت نظرنا. فإن وثق الورثة لصاحب المؤجل اختص أصحاب الحال بالتركة وإن امتنع الورثة من التوثيق حل دينه وشارك أصحاب الحال كى لا يفضى إلى إسقاط دينه بالكلية. مذهب الظاهرية: يقول ابن حزم الظاهرى (١): وكل من مات وله ديون على الناس مؤجلة أو للناس عليه ديون مؤجلة فكل ذلك سواء، وقد بطلت الآجال كلها وصار كل ما عليه من دين حالا سواء فى ذلك كله القرض والبيع وغير ذلك. واستدل على ذلك بقوله تعالى «وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاّ عَلَيْها» وقوله ﵊ «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام» وقوله تعالى «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ» فصح أن بموت الإنسان بطل حكمه عن ماله وانتقل إلى ملك الغرماء والموصى لهم ووجوه الوصايا والورثة ورغبة الغرماء فى تأجيل ما عليهم أو تأجيل ما على الميت إنما كان بلا شك بينهم دين المتوفى إذ كان حيا وقد انتقل الآن المال عن ملكه إلى ملك غيره فلا يجوز كسب الميت عليهم فيما قد سقط ملكه عنه ولا يحل للغرماء شئ من مال الورثة والموصى لهم والوصية بغير طيب أنفسهم فبطل حكم التأجيل فى ذلك ووجب للورثة وللوصية أخذ حقوقهم وكذلك لا يحل للورثة امساك مال غريم منهم إلا بطيب نفسه لأن عقده إنما كان مع المتوفى إذ كان حيا فلا يلزمه أن يبقى ماله بأيدى ورثته لم يعاملهم قط ولا يحل لهم إمساك مال الذى له الحق عنه والله تعالى لم يجعل لهم حقا ولا للوصية إلا بعد إنصاف أصحاب الديون. وروى بسنده إلى الشعبى والنخعى أنهما قالا: من كان له دين إلى أجل فإذا مات فقد حل كما روى عن الحسن البصرى أنه كان يرى الدين حالا اذا مات وعليه دين.

стр. 676

مذهب الزيدية: جاء فى البحر الزخار (١) نقلا عن القاسم والناصر والمؤيد بالله من أئمتهم أنه لا يحل الدين المؤجل بموت من هو عليه الدين، إذ هو حق له فصار لوارثه وينتقل إلى ذمة الوارث بدليل جواز القضاء من ماله. مذهب الإمامية: جاء فى قلائد الدرر (٢) أن الحسن بن سعيد سأل شيخه عن رجل أقرض رجلا دراهم إلى أجل مسمى ثم مات المقترض، أيحل مال القارض عند موت المستقرض منه أو للورثة من الأجل ما للمستقرض فى حياته. فقال: إذا مات فقد حل مال القارض. وفى الروضة البهية (٣) وتحل الديون المؤجلة إذا مات المديون سواء فى ذلك مال السلم والجناية المؤجلة وغيرهما للعموم ولا تحل الديون المؤجلة بموت الدائن للأصل خرج منه موت المديون فيبقى الباقى. وقيل يحل استنادا إلى رواية مرسلة وبالقياس على موت المدين وهو باطل. سقوط الأجل بالحجر مذهب الحنفية: أما الحجر على المدين فإنه لا يسقط الأجل عندهم كما جاء فى الفتاوى الهندية (٤) ويقول ابن نجيم (٥) إن ظاهر كلام الأحناف أن الجنون لا يوجب حلول الدين لإمكان التحصيل بوليه. مذهب المالكية: جاء فى المدونة (٦): سأل سحنون أستاذه عبد الرحمن بن القاسم عن المفلس إذا كانت عليه ديون إلى أجل، وديون قد حلت ففلسه الذين قد حلت ديونهم، أيكون للذين لم تجل ديونهم أن يدخلوا فى قول مالك. قال: نعم ولكن ما كان للمفلس من دين إلى أجل على الناس فهو إلى أجله. قلت أرأيت المفلس إذا كانت عليه ديون للناس إلى أجل أتحل إذا فلس فى قول مالك قال: إذا فلس فقد حلت ديونهم عند مالك. ونقل عن ابن وهب أن مالكا قال: من مات أو فلس فقد حل دينه، وإن كان إلى أجل. مذهب الشافعية: قال الشافعى (٧): إذا أفلس الرجل وعليه ديون إلى أجل فقد ذهب غير واحد من المفتين ممن حفظت عنهم إلى أن ديونه التى إلى أجل حالة حلول دين الميت، واستدل لذلك بأن مال المفلس وقف كوقف مال الميت وحيل وبينه وبين أن يقضى من شاء. ثم قال: وقد يحتمل أن يباع لمن حل دينه ويؤخر الذين ديونهم متأخرة لأنه غير ميت فإنه قد يملك والميت لا يملك. وفى المنهاج وشرحه (٨): ولا حجر بالدين المؤجل لأنه لا مطالبة فى الحال وإذا حجر بحال لم يحل المؤجل فى الأظهر والثانى يحل بالحجر كالموت بجامع تعلق الدين بالمال، وفرق صاحب الرأى الأول بخراب الذمة بالموت دون الحجر وعلق على ذلك قليوبى فى حاشيته بقوله: لا يجوز الحجر بالدين

стр. 677

المؤجل مستقلا ولا يحسب من الدين من الذى يؤدى من المال ولا يطالب صاحبه، ولا يشارك عند القسمة فإن حل قبلها شارك صاحبه الغرماء كما فى شرح الروض، وقال عميرة فى حلول المؤجل بالجنون قولان: ونقل عن النووى أن المشهور الحلول. مذهب الحنابلة: يقول الخرقى (١): إذا كان على المفلس دين مؤجل لم يحل بالتفليس. ويعلق على ذلك ابن قدامة بقوله: إن الدين المؤجل لا يحل بفلس من هو عليه رواية واحدة، قال القاضى: وذكر أبو الخطاب فيه رواية أخرى أنه يحل. ووجه ذلك أن الأجل حق للمفلس فلا يسقط بفلسه كسائر حقوقه ولأنه لا يوجب حلول ماله فلا يوجب حلول ما عليه كالجنون والإغماء ولأنه دين مؤجل على حى فلا يحل قبل أجله كغير المفلس. فإذا حجر على المفلس. قال أصحابنا لا يشارك أصحاب الديون المؤجلة غرماء الديون الحالة بل يقسم المال الموجود بين أصحاب الديون الحالة ويبقى المؤجل فى الذمة الى وقت حوله. ثم قال: وإن قلنا أن الدين يحل فإنه يضرب مع الغرماء بدينه كغيره من أرباب الديون الحالة. مذهب الظاهرية: يقول ابن حزم (٢) ويقسم مال المفلس الذى يوجد له بين الغرماء بالحصص على الحاضرين الطالبين الذين حلت آجال حقوقهم فقط، ولا يدخل فيهم حاضر لا يطلب ولا غائب لم يوكل ولا حاضر أو غائب لم يحل أجل حقه طلب أو لم يطلب لأن من لم يحل أجل حقه فلا حق له بعده». مذهب الزيدية: جاء فى البحر الزخار فى موضوع الحجر على المدين (٣) قيل لا حجر فى دين مؤجل حتى يحل كما ليس له طلب الكفيل والرهن والحجر توثيق مثل الكفيل والرهن. وقال أبو جعفر: ذو الدين المؤجل كمن لا دين له. ثم قال: يصح الحجر لكل دين نقد أو غيره ويدخل فيه المؤجل تبعا للحال. ثم قال: والمذهب لا يحل به المؤجل لأنه لا وجه لسقوط الأجل لكن إذا انقسم المال ترك قسط المؤجل. وقيل لا بل يستغرقه ذو الحال. ورد ذلك بأن الحق المؤجل تعلق بذمته فاستووا. مذهب الإمامية: جاء فى الروضة البهية (٤): ولا تحل الديون المؤجلة بحجر المفلس عملا بالأصل خلافا لابن الجنيدى ﵀ حيث زعم أنها تحل قياسا على الميت وهو باطل مع وجود الفارق بتضرر الورثة إن منعوا من التصرف إلى أن يحل وصاحب الدين ان ام يمنعوا بخلاف المفلس لبقاء ذمته. الاعتياض عن الأجل أجمع فقهاء المسلمين على أن مد الأجل لدين حال أو مؤجل نظير مال حرام ويعد من ربا النسيئة. (انظر: ربا) مذهب الحنفية: جاء فى باب الصلح (٥): «لا يصح

стр. 678

الصلح عن ألف مؤجل عليه نصفه حالا إلا فى صلح المولى مكاتبه فيجوز، ويعلل ابن عابدين عدم الجواز بأنه اعتياض عن الأجل وهو حرام، وعلل الجواز فى المكاتب بأن معنى الإرفاق فيما بينهما أظهر من معنى المعارضة فلا يكون هذا مقابلة الأجل ببعض المال ولكنه إرفاق من المولى يحط بعض المال ومساهلة من المكاتب فيما بقى قبل حلول الأجل ليتوصل إلى شرف الحرية. مذهب المالكية: جاء فى المدونة (١) ما يدل على منع البيع الذى يدخله ضع عنى وتعجل. وقد ذكر سحنون فيها صورا كثيرة من أوضحها أنه سأل ابن القاسم فقال: لو أنى أقرضت رجلا مائة أردب من الحنطة إلى سنة فجئته قبل الأجل فقلت له: أعطنى خمسين وأضع عنك الخمسين. أيصلح هذا أم لا. قال: قال مالك لا يصح هذا لأنه يدخله ضع عنى وتعجل والقرض فى هذا والبيع سواء. ونقل ابن القاسم وابن وهب عن مالك بسنده إلى مولى السفاح أنه أخبره أنه باع بزا من أصحاب دار بجلة إلى أجل ثم أراد الخروج فسألوه أن ينقدوه ويضع عنهم فسأل زيد بن ثابت عن ذلك فقال: لا آمرك أن تأكل ذلك ولا تؤكله، وذكر عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ أنهم كانوا ينهون عنه. مذهب الشافعية: نص الشافعية على عدم صحة الصلح فى الدين المؤجل على تعجيل بعضه وترك الباقى كما لو صالح من عشرة مؤجلة على خمسة حالة فإنه لا يصح لأنه جعل ترك الخمسة المتروكة فى مقابلة تعجيل الخمسة (٢). مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى إذا كان عليه دين مؤجل فقال لغريمه: ضع عنى بعضه وأعجل لك بقيته لم يجز، وروى عن أبى عباس أنه لم ير به بأسا، وروى ذلك عن النخعى وأبى ثور لأنه آخذ لبعض حقه تارك لبعضه فجاز كما لو كان الدين حالا (٣). مذهب الظاهرية: يقول ابن حزم (٤): لا يجوز تعجيل بعض الدين المؤجل على أن يبرئه من الباقى فإن وقع رد وصرف إلى الغريم ما أعطى. مذهب الزيدية: يقول صاحب البحر الزخار (٥): لو قال عجل لى وأنا أحط عنك كذا، ففعل من غير شرط فى العقد صح إجماعا، إذ لا مانع ولا يصح مع الشرط إذ يقتضى بيع الأجل، ونقل عن الهادى وأبى طالب أنه لا يصح مع الشرط وعن العباس والمؤيد بالله والإمام يحيى أنه يصح مع الشرط إذ الحط يلحق العقد وإذا جاز منفردا جاز مشروطا. وقل صاحب البحر أنه الأقرب إذ الشرط لا يقتضى الربا ولا يشبهه وذكر خلافا فيما إذا كان الدين فى غير السلم، ورجح أنه يصح، ثم قال: فأما الزيادة فى الحق ليزيد فى الأجل فمحرمة إجماعا لأنه ربا الجاهلية

стр. 679

وقال صاحب البحر فى باب الكتابة (١): فإن عجل البعض بشرط إسقاط الباقى فمذهب أبى طالب وبعض الفقهاء أنه لا يصح لشبهه بربا الجاهلية حيث كانوا عند حلول الأجل يطلبون القضاء أو زيادة لأجل المهلة، وقال المؤيد بالله وبعض الفقهاء يجوز استحسانا، وقال صاحب البحر: «إنه الأقرب للمذهب وليس بربا». مذهب الإمامية: يقول صاحب الروضة (٢): «ولو جعل لحال ثمنا ولمؤجل أزيد منه، أو فاوت بين أجلين فى الثمن بأن قال: بعتك حالا بمائة ومؤجلا إلى شهرين بمائتين أو مؤجلا إلى شهر بمائة، أو شهرين بمائتين بطل لجهالة الثمن. وفى المسألة قول ضعيف بلزوم أقل الثمنين إلى أبعد الأجلين». مدة الأجل مدة الأجل فيما لا حظر فيه تختلف باختلاف موضوعها كالسلم وخيار الشرط والكتابة والإجارة، ومثل آجال العدة ومدة الحمل وغير ذلك مما يتبين فى مواضعه من المصطلحات المناسبة كمصطلح عدة وحمل ومرتد ومفقود وخيار شرط، وخيار التعيين والسلم والكتابة والإجارة فيرجع فى بيان أحكامه الى هذه المصطلحات. إجماع معنى الإجماع فى اللغة جاء فى لسان العرب: «جمع الشئ عن تفرقة، يجمعه جمعا، وجمعه، وأجمعه، فاجتمع. والمجموع الذى جمع من ههنا وههنا وأن لم يجعل كالشئ الواحد. والجمع أيضا: المجتمعون، ومثله الجميع. ويقال: جمع أمره، وأجمعه، وأجمع عليه، أى عزم عليه كأنه يجمع نفسه له. ويقال أيضا: أجمع أمرك ولا تدعه منتشرا. ومنه قوله تعالى «فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ» (٣). وقولهم: «أجمع أمره»: معناه: جعله جميعا بعد ما كان متفرقا، وتفرقه أنه جعل يديره، فيقول مرة أفعل كذا ومرة أفعل كذا، فلما عزم على أمر محكم أجمعه، أى جعله جميعا. وفى الحديث: «من لم يجمع الصيام من الليل فلا صيام له». ولم يجئ فى لسان العرب: أجمع القوم على كذا، بمعنى اتفقوا، وكذلك لم يجئ هذا المعنى فى أساس البلاغة ولا فى مختار الصحاح، ولكن صرح به فى كل من القاموس والمصباح والمفردات فى غريب القرآن. قال فى القاموس: والإجماع الاتفاق، وجعل الأمر جميعا بعد تفرقه، والعزم على الأمر، أجمعت الأمر وعليه. وقال فى المصباح: وأجمعت المسير والأمر، وأجمعت عليه، يتعدى بنفسه وبالحرف عزمت عليه، وفى حديث «من لم

стр. 680

يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له»، أى من لم يعزم عليه فينويه، وأجمعوا على الأمر: اتفقوا عليه». وقال فى مفردات القرآن: «وأجمعت كذا: أكثر ما يقال فيما يكون جمعا يتوصل إليه بالفكرة نحو «فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ» ونحو «فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ». ويقال: «أجمع المسلمون على كذا: اجتمعت آراؤهم عليه». ويؤخذ من هذا أن الإجماع فى اللغة يطلق تارة بمعنى العزم وتارة بمعنى الاتفاق (١)، فهو لفظ مشترك، وبذلك جزم الغزالى فى المستصفى وهو ينقل المعنى اللغوى للفظ الإجماع (٢). لكن قال ابن برهان، وابن السمعانى: «الأول، أى العزم، أشبه باللغة. والثانى، أى الاتفاق: أشبه بالشرع» (٣). وكأنهما يترددان فى أن الاتفاق معنى لغوى أصيل كالعزم، ولا محل لهذا بعد مجيئه فى كتب اللغة التى ذكرناها، على أن بعض اللغويين يعكس فيجعل المعنى اللغوى الأصيل للإجماع هو الاتفاق، لأنه من أجمع إذا انضم إليه غيره فصار ذا جمع كما يقال أتمر أى صار ذا تمر، وألبن أى صار ذا لبن، وأبقل المكان أى صار ذا بقل. نقله الإسنوى فى شرحه عن أبى على الفارسى فى الإيضاح، وذكره الرازى ثم قال: والأظهر من جهة اللغة أن المراد الاتفاق على أمر من الأمور، وجزم به الجلال فى شرحه على الفصول، إذ قال هو من الاجتماع بمعنى التوافق لا غير (٤). وفى شرح مسلم الثبوت عند الكلام على المعنى اللغوى: «أن الإجماع لغة العزم والاتفاق، وكلاهما من الجمع، فإن العزم فيه جمع الخواطر، والاتفاق فيه جمع الآراء» (٥). معنى الإجماع فى الاصطلاح الإجماع إما مطلق، وإما مضاف: فالمطلق: هو ما يذكر فيه لفظ الإجماع دون إضافة إلى فريق معين، بأن يذكر مقطوعا عن الإضافة، كما يقال ثبتت الزكاة بالكتاب والسنة والإجماع، أو يذكر مضافا إلى الأمة، أو المسلمين، أو العلماء، أو نحو ذلك مما يفيد عمومه وعدم اختصاصه بفريق دون فريق. كما يقال: إجماع الأمة منعقد على وجوب الصلوات الخمس على كل مكلف، وإجماع المسلمين قائم على وجوب طاعة الرسول ﷺ . والمضاف: هو الذى يذكر فيه اللفظ منسوبا إلى فريق خاص، كما يقال إجماع أهل المدينة، وإجماع عترة الرسول صلى

стр. 681

الله عليه وسلم، وإجماع أهل الحرمين، وإجماع الشيخين، وإجماع الخلفاء الراشدين ونحو ذلك. والتعاريف التى يذكرها جمهور علماء المذاهب الأربعة السنية المعروفة، ومذهب الإباضية، إنما هى للإجماع بالمعنى المطلق. أما غير هذه المذاهب الخمسة فلهم اصطلاحات فى الإجماع تختلف عن ذلك اختلافا بعيدا، أو قريبا، وهذا هو تفصيل القول بعد إجماله. معنى الإجماع فى مذاهب السنة والمذهب الاباضى عرفه الغزالى فى المستصفى بقوله: «وهو اتفاق أمة محمد ﷺ خاصة على أمر من الأمور الدينية» (١). وهذا التعريف يجعل المجمعين هم الأمة كلها، ويجعل المجمع عليه هو ما كان من الأمور الدينية خاصة، ولذلك اعترض عليه الآمدى فى الأحكام باعتراضين: أحدهما: أنه يشعر بعدم انعقاد الإجماع إلى يوم القيامة، فإن أمة محمد هم جملة من اتبعه إلى يوم القيامة، ومن وجد فى بعض الإعصار منهم إنما هم بعض الأمة لا كلها، وليس ذلك - أى كون المجمعين هم جميع الأمة إلى يوم القيامة - مذهبا للغزالى ولا لأى أحد ممن اعترف بوجود الإجماع. الثانى: أنه يلزم من تقييده الإجماع بالاتفاق على أمر دينى ألا يكون إجماع الأمة على قضية عقلية أو عرفية حجة شرعية، وليس الأمر كذلك (٢). ثم قال الآمدى: «والحق فى ذلك أن يقال: الإجماع عبارة عن اتفاق جملة أهل الحل والعقد من أمة محمد ﷺ فى عصر من الأعصار على حكم واقعة من الوقائع. هذا إن قلنا أن العامى لا يعتبر فى الإجماع، وإلا فالواجب أن يقال: الإجماع عبارة عن اتفاق المكلفين من أمة محمد ﷺ إلى آخر الحد المذكور. فقولنا: «اتفاق» يعم الأقوال والأفعال والسكوت والتقرير. وقولنا: «جملة أهل الحل والعقد» احتراز عن اتفاق بعضهم وعن اتفاق العامة وقولنا «من أمة محمد ﷺ » احتراز عن اتفاق أهل الحل والعقد من أرباب الشرائع السابقة. وقولنا «فى عصر من الأعصار» حتى يندرج فيه إجماع أهل كل عصر، وإلا أوهم ذلك أن الإجماع لا يتم الا باتفاق أهل الحل والعقد فى جميع الأعصار إلى يوم القيامة. وقولنا «على حكم واقعة» ليعم الاثبات والنفى، والأحكام العقلية والشرعية» (٣).

стр. 682

وعرفه النسفى فى شرحه للمنار بقوله: «هو اتفاق علماء كل عصر من أهل العدالة والاجتهاد على حكم» (١). وهو يعبر بأهل العدالة والاجتهاد بدل تعبير الغزالى بأمة محمد ﷺ ، وتعبير الآمدى بجملة أهل الحل والعقد من أمة محمد ﷺ وقد أطلق فيه المجمع عليه فقال «على حكم» ليعم الحكم الشرعى وغيره كما فعل الآمدى. وعرفه عبد العزيز البخارى فى حاشيته على أصول البزدوى بقوله: «وهو اتفاق المجتهدين من هذه الأمة فى عصر على أمر من الأمور» (٢). وهو شبيه بتعريف النسفى السابق، غير أنه ذكر «اتفاق المجتهدين» بدل «أهل العدالة والاجتهاد». والقرافى يذكر أنه «اتفاق أهل الحل والعقد .. إلى آخره» (٣). ومعروف أن القرافى مالكى المذهب، وأن إمامه ينسب إليه القول بأن إجماع أهل المدينة يكفى ولو خالفهم غيرهم، وسيأتى بيان ذلك وتخريج المالكية له. ويعرفه موفق الدين ابن قدامة المقدسى الحنبلى فى «روضة الناظر» بقوله: «هو اتفاق علماء العصر من أمة محمد ﷺ على أمر من أمور الدين» (٤). وهو شبيه بتعريف الغزالى السابق فى جعله محل الإجماع هو الأمور الدينية، وفسره بعض الحنابلة بقوله: «أى على أمر يتعلق بالدين لذاته أصلا أو فرعا، وهو احتراز عن اتفاق علماء الأمة على أمر دنيوى، كالمصلحة فى إقامة متجر أو حرفة، أو على أمر دينى لكنه لا يتعلق بالدين لذاته، بل بواسطة، كاتفاقهم على بعض مسائل العربية أو اللغة أو الحساب ونحوه، فإن ذلك ليس إجماعا شرعيا أو اصطلاحيا (٥). ويعرفه الشيخ أبو محمد عبد الله بن حميد السالمى الإباضى فى شرحه المسمى بطلعة الشمس على ألفية الأصول، فيقول: «الإجماع فى عرف الأصوليين والفقهاء وعامة المسلمين هو اتفاق علماء الأمة على حكم فى عصر، وقيل: اتفاق أمة محمد ﷺ فى عصر على أمر، وزاد بعضهم: ولم يسبقه خلاف مستمر، فيخرج علي التعريف الأول عوام الأمة ممن لا علم له، فلا يقدح خلافهم فى انعقاد الإجماع، ويدخلون على التعريف الثانى فيعتبر وفاقهم فى انعقاد الاجماع» (٦).

стр. 683

وقيد «عدم سبق الخلاف المستمر»، موضع خلاف بين العلماء سنبينه إن شاء الله فى شروط الإجماع ودخول العوام فى المجمعين أو عدم دخولهم موضع خلاف أيضا، وسيأتى فى الكلام عمن هم أهل الإجماع. وهناك قيد لا بد منه خلت التعاريف السابقة من التقييد به، وتنبه إليه بعض المؤلفين، ومنهم الشوكانى فى إرشاد الفحول، فقد قال فى تعريفه: «هو اتفاق مجتهدى أمة محمد ﵌ بعد وفاته فى عصر من العصور على أمر من الأمور». فزاد قوله «بعد وفاته» وقال: إنه خرج به الإجماع فى عصره ﵌، فإنه لا اعتبار به (١). وهناك زيادات أخرى يذكرها بعضهم فى تعريف الإجماع، حسب قوله بشرط معين، كالذى يشترط فى حجية الإجماع انقراض عصر المجتهدين المتفقين على ذلك الأمر فيزيد قيد الانقراض وكالذى يشترط بلوغ المتفقين حد التواتر فيزيد فى التعريف ما يفيد ذلك. وقد بين شارح مسلم الثبوت أن التعريف غير محتاج إلى التقييد بكل هذه القيود، فإن منها ما هو شرط للحجية لا دخل له فى الحد (٢). هذه هى آراء جمهور العلماء فى مذاهب السنة الأربعة، ومذهب الإباضية فى تعريف الإجماع اصطلاحا: وإليك أقوال غيرهم: مذهب الظاهرية فى معنى الإجماع: يرى الظاهرية أن الإجماع «هو اتفاق الأمة خاصها وعامها على ما علم من الدين بالضرورة، أو اتفاق الصحابة خاصة فيما وراء ذلك». ويؤخذ هذا من كلام ابن حزم فى كتابه الأحكام، إذ يقول: «أن الإجماع الذى هو الإجماع المتيقن، ولا إجماع غيره لا يصح تفسيره ولا ادعاؤه بالدعوى، لكن ينقسم قسمين: أحدهما: كل ما لا يشك فيه أحد من أهل الإسلام فى أن من لم يقل به فليس مسلما، كشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وكوجوب الصلوات الخمس، وكصوم شهر رمضان وكتحريم الميتة والدم والخنزير، والإقرار بالقرآن، وجملة الزكاة، فهذه أمور من بلغته فلم يقر بها فليس مسلما، فإذ ذلك كذلك، فكل من قال بها فهو مسلم، فقد صح أنها إجماع من جميع أهل الإسلام. والقسم الثانى: شئ شهده جميع الصحابة رضى الله عنهم من فعل رسول الله ﷺ أو تيقن أنه عرفه كل من غاب عنه ﵇ منهم، كفعله فى خيبر، إذ أعطاها يهود بنصف ما يخرج منها من زرع أو ثمر، يخرجهم المسلمون إذا شاءوا، فهذا لا شك عند كل أحد

стр. 684

فى أنه لم يبق مسلم فى المدينة إلا شهد الأمر أو وصل إليه. عرف ذلك الجماعة من النساء والصبيان والضعفاء، ولم يبق بمكة والبلاد النائية مسلم إلا عرفه وسر به (١). ويتبين من هذا أن الظاهرية لا يعتبرون اتفاق غير الصحابة فيما وراء أصول الدين المعلومة بالضرورة إجماعا، وهذا أقرب إلى أن يكون بحثا فى الحجية لا بحثا فى مفهوم الإجماع، وسيأتى الكلام فى ذلك إن شاء الله تعالى. مذهب الزيدية فى معنى الإجماع: يختلف الزيدية عن الإمامية فى تعريف الإجماع، إذ يرون أنه اتفاق المجتهدين على أحد وجهين: الوجه الأول: «اتفاق المجتهدين من أمة محمد ﷺ فى عصر على أمر»، وهذا شامل للعترة وغيرهم. الوجه الثانى: «اتفاق المجتهدين من عترة الرسول ﵌ بعده فى عصر على أمر»، والمراد بعترة الرسول على وفاطمة والحسنان فى عصرهم، ومن كان منتسبا إلى الحسنين فى كل عصر من قبل الآباء، فلو قام إجماع العترة على أمر وخالفهم غيرهم فلا يعتبر خلافهم ناقضا للإجماع. وقولهم «من قبل الآباء» يخرج به من كان من قبل الإناث كأولاد سكينة بنت الحسين بن على فإنها تزوجت بمصعب بن الزبير فمن كان من جهتهما فلا يدخل (٢). مذهب الإمامية فى معنى الإجماع: إن الشيعة الإمامية يعرفون الإجماع بأنه «كل اتفاق يستكشف منه قول المعصوم سواء أكان اتفاق الجميع أو البعض، فلو خلا المائة من الفقهاء من قول المعصوم ما كان حجة ولو حصل فى اثنين كان قولهما حجة (٣). وهذا يفيد أن الإجماع من حيث كونه إجماعا، ليست له قيمة عند الإمامية ما لم يكشف عن قول المعصوم فإذا كشف عن قوله فالحجة فى الحقيقة هو المنكشف، لا الكاشف، فيدخل حينئذ فى السنة، ولا يكون دليلا مستقلا فى مقابلها ومقابل الكتاب، ولذلك يقرر بعضهم أنه إنما عد بين الأدلة تكثيرا لها (٤). مذهب النظام فى معنى الإجماع: واستكمالا للمذاهب الأصولية فى تعريف الإجماع نورد تعريف النظام المعتزلى له، وهو يقول «الإجماع عبارة عن كل قول قامت حجته وان كان قول واحد» (٥).

стр. 685

وقد تعقب العلماء هذا التعريف بالإبطال. فقال الغزالى: «وهو على خلاف اللغة والعرف، لكنه سواه على مذهبه، إذ لم ير الإجماع حجة، وتواتر إليه بالتسامع تحريم مخالفة الإجماع فقال «هو كل قول قامت حجته» (١). وقال الآمدى «إنه قصد بذلك الجمع بين إنكاره كون إجماع أهل الحل والعقد حجة، وبين موافقته لما اشتهر بين العلماء من تحريم مخالفة الإجماع والنزاع معه فى إطلاق اسم الإجماع على ذلك مع كونه مخالفا للوضع اللغوى والعرف الأصولى آيل إلى اللفظ» (٢). وفى روضة الناظر لابن قدامة المقدسى الحنبلى مثل ذلك (٣). أنواع الإجماع الإجماع نوعان: أحدهما: الإجماع القولى، وهو ما فيه اتفاق الأقوال أو تواطؤ الأفعال على شئ واحد وصورته أن ينطق كل واحد من المعتبرين فى الإجماع بأنه يجب كذا، أو يحرم كذا، أو يندب، أو يكره، أو يباح، أو أن يفعل كل واحد من المعتبرين فعلا يواطئ فى ذلك فعل صاحبه، نحو أن يصلوا على الجنازة بأربع تكبيرات لا يزيد بعضهم عليها، ولا ينقص أو يتفقوا على ترك شئ نحو أن يتركوا الأذان فى صلاة العيد أو نحو ذلك فيكون إجماعا على أنه غير واجب فيها. النوع الثانى - الإجماع السكوتى، وصورته: أن يقول بعضهم قولا: أو يعمل عملا ويسكت الباقون بعد انتشار ذلك القول أو العمل فيهم ومع القدرة على إنكاره، فلا ينكروه بل يسكتون عليه، كما إذا قال بعضهم: صلاة الكسوف مشروعة، فانتشر هذا القول فيهم فلم ينكره أحد منهم، كان إجماعا على شرعيتها فلو قال مثلا: مفروضة، ولم ينكروه ثبت الإجماع على فرضيتها (٤). ولكل من النوعين حكم يخالف حكم الآخر، وسيأتى ذلك إن شاء الله تعالى فى الكلام على حجية كل منهما والنزاع فى اعتبار السكوتى إجماعا. والحنفية يصفون الإجماع القولى بالعزيمة، والسكوتى بالرخصة. جاء فى المنار وشرحه المسمى بنور الأنوار لملاجيون: «ركن الإجماع نوعان: عزيمة وهو التكلم بما يوجب الاتفاق أى اتفاق الكل على الحكم بأن يقولوا أجمعنا على هذا ان كان ذلك الشئ من باب القول، أو شروعهم فى الفعل إن كان من بابه، أى كان ذلك الشئ من باب الفعل، كما إذا شرع أهل الاجتهاد جميعا فى المضاربة أو المزارعة أو الشركة، كان ذلك اجماعا منهم

стр. 686

على شرعيتها، ورخصة وهو أن يتكلم أو يفعل البعض، دون البعض، أى يتفق بعضهم على قول أو فعل وسكت الباقون منهم ولا يردون عليهم بعد مضى مدة التأمل، وهى ثلاثة أيام، أو مجلس العلم ويسمى هذا إجماعا سكوتيا» (١). وجاء فى حاشيته للعلامة اللكنوى تعليقا على قوله «عزيمة»: أى أصل (٢). والمراد أن التنصيص من كل واحد من المجمعين هو الأصل ولكن لما كان اشتراطه لانعقاد الإجماع يؤدى إلى ألا ينعقد أبدا لتعذر اجتماع أهل العصر على قول يسمع منهم، والمتعذر معفو عنه، والمعتاد فى كل عصر أن يتولى الكبار الفتوى ويسلم سائرهم، لما كان الأمر كذلك كان الانتقال من التنصيص من كل واحد، الذى هو الأصل، إلى الإجماع السكوتى الذى يتحقق بقول البعض وسكوت الباقين رخصة تقابل الأصل والعزيمة (٣). هذا تعريف النوعين، وسيأتى الكلام على حكم كل منهما من حيث الحجية. الخلاف فى إمكان وقوع الإجماع، وفى إمكان العلم به، وفى إمكان نقله، وفى حجيته: اختلف العلماء فى إمكان وقوع الإجماع على غير ما علم من الدين بالضرورة، وعلى تقدير إمكان وقوعه، اختلفوا فى إمكان العلم به، وعلى تقدير الإمكان فى هذا وذاك، اختلفوا فى إمكان نقل الإجماع إلى من يحتج به من بعد المجمعين. وعلى تقدير إمكان ذلك كله، اختلفوا فى حجيته، فالمقامات أربعة: المقام الأول: إمكانه فى نفسه. المقام الثانى: إمكان العلم به. المقام الثالث: إمكان نقله إلى من يحتج به. المقام الرابع: حجيته (٤). وهذا بيان الخلاف فى كل واحد من هذه المقامات. المقام الأول: إمكان الإجماع إن جمهور العلماء فى مذاهب السنة الأربعة، ومذهب الزيدية ومذهب الإباضية يقولون بإمكان وقوع الإجماع من أهل الحل والعقد على أمر من الأمور، وإن ذلك متصور لا استحالة فيه. وقد خالف فى ذلك النظام، وبعض الشيعة والخوارج وعدد من علماء مذاهب السنة وغيرهم (٥). وكلام القاضى البيضاوى فى المنهاج يقتضى أن النظام يسلم امكان الاجماع،

стр. 687

وإنما يخالف فى حجيته، وهو تابع للإمام الرازى فى ذلك، والمذكور فى الأوسط لابن برهان ومختصر ابن الحاجب وغيرهما أن النظام يقول باستحالته. وقال ابن السبكى إن بعض أصحاب النظام يقولون باستحالة الاجماع، أما هو فيقول إنه يتصور لكن لا حجة فيه (١). والذين يقولون بإمكان الإجماع يستدلون على ذلك بأنه قد وقع فعلا، فإن الأمة مجمعة على وجوب الصلوات الخمس وسائر أركان الإسلام، والوقوع الفعلى يدل على الإمكان، وكيف يمنع تصوره والأمة كلها متعبدة باتباع النصوص والأدلة القاطعة ومعرضون للعقاب بمخالفتها، فكما لا يمتنع اجتماعهم على الأكل والشرب لتوافق الدواعى فكذلك على اتباع الحق، واتقاء النار (٢). والذين يقولون بعدم إمكان الإجماع يقولون: أولا: لا نخالف فى اتفاق الأمة على ما علم من الدين بالضرورة كوجوب الصلوات الخمس وسائر أركان الإسلام، ولكن ثبوت هذه وأشباهها إنما هو بالتواتر لا بالإجماع وأجيب عن ذلك بأن التواتر هو مستند الإجماع، فلما ثبتت بالتواتر أجمع المسلمون عليها، أو أنها ثبتت بالإجماع فتواترت، وكيفما كان فالإجماع فيها ثابت، وبه يحصل المقصود وهو إمكان الإجماع بدليل وقوعه (٣). ثانيا: إن اتفاق الأمة أو جميع المجتهدين، أو جميع أهل الحل والعقد على حكم غير معلوم من الدين بالضرورة محال، كاتفاقهم فى الساعة الواحدة على المأكول الواحد، كالزبيب مثلا أو على التكلم بالكلمة الواحدة، فإن الاتفاق على هذا أو ذاك محال عادة. وأجيب بأن هناك فرقا، هو أنه لا صارف لجميعهم على تناول الزبيب مثلا فى يوم واحد ولجميعهم باعث على الاعتراف بالحق (٤). وأجيب أيضا بأن الاتفاق إنما يمتنع عادة فيما يستوى فيه الاحتمال، كالمأكول المعين، والكلمة الواحدة، أما عند الرجحان بقيام الدلالة أو الإمارة الظاهرة، فذلك غير ممتنع، كاتفاق الجمع العظيم على نبوة نبينا محمد ﵌ (٥). ثالثا: إن اتفاقهم فرع تساويهم فى نقل الحكم إليهم، وانتشارهم فى الأقطار يمنع نقل الحكم إليهم. وأجيب عن هذا بأنه «لا يمتنع نقل الحكم إلى المتفرقين فى الآفاق مع جدهم فى الطلب، وبحثهم عن الأدلة، وإنما

стр. 688

يمتنع ذلك على من قعد فى قعر بيته لا يبحث ولا يطلب» (١). «والمجتهدون عدد قليل، ولهم اجتهادهم فى البحث عن الأحكام فلا يلزم مع ذلك امتناع اطلاع كل واحد منهم على ذلك الحكم» (٢). رابعا: إن الاتفاق إما أن يكون عن دليل قاطع أو عن دليل ظنى، وكلاهما باطل، أما القاطع فلأن العادة تحيل عدم نقله إلينا، فلو كان لنقل، فلما لم ينقل علم أنه لم يوجد، ولو أنه نقل، لأغنى عن الإجماع، وأما الظنى فلأنه يمتنع الاتفاق عادة فى الأدلة الظنية، لاختلاف الأفهام وتباين الأنظار» (٣). وأجيب: «بعدم تسليم ما ذكر بالنسبة للدليل القاطع، إذ قد يستغنى عن نقله بحصول الإجماع الذى هو أقوى منه، وأما الظنى فقد يكون جليا لا تختلف فيه الأفهام، ولا تتباين فيه الأنظار» (٤). «وقد تصور إطباق اليهود على الباطل، فكيف لا يتصور إطباق المسلمين على الحق» (٥). «وليس بممتنع مع الدليل الظنى اتفاق الجمع الكبير على حكمه، بدليل اتفاق أهل الشبه على أحكامها، مع الأدلة القاطعة على مناقضتها، كاتفاق اليهود والنصارى على إنكار بعثة سيدنا محمد ﷺ ، واتفاق الفلاسفة على قدم العالم، والمجوس على التثنية، أى القول بالهين، مع كثرة عددهم كثرة لا تحصى، فالاتفاق على الدليل الظنى الخالى عن معارضة القاطع أولى ألا يمتنع عادة» (٦). المقام الثانى: امكان العلم بالاجماع اختلف العلماء فى هذا أيضا، فأثبته بعضهم، ونفاه بعضهم، قال الآمدى فى الأحكام: «المتفقون على تصور انعقاد الإجماع اختلفوا فى إمكان معرفته والاطلاع عليه، فأثبته الأكثرون أيضا، ونفاه الأقلون، ومنهم أحمد بن حنبل فى إحدى الروايتين عنه، ولهذا نقل عنه أنه قال: «من ادعى الإجماع فهو كاذب» (٧). وأوضح المؤلفين بيانا لوجهة نظر النفاة، وجمعا لأدلتها، هو القاضى الشوكانى فى كتابه «إرشاد الفحول»، ويبدو من كلامه أنه مقتنع بهذا الرأى، معتقد أنه الحق، وهذا هو نص كلامه، مع قليل من التصرف للتوضيح: «على تقدير تسليم إمكان الإجماع فى نفسه، يمنع بعض العلماء إمكان العلم به فيقولون لا طريق لنا إلى العلم بحصوله لأن العلم بالأشياء إما أن يكون وجدانيا،

стр. 689

أو لا يكون وجدانيا، أما الوجدانى فكما يجد أحدنا من نفسه جوعه وعطشه، ولذته وألمه، ولا شك أن العلم باتفاق أمة محمد ﵌، ليس من هذا الباب، وأما الذى لا يكون وجدانيا فقد اتفقوا على أن الطريق إلى معرفته لا مجال للعقل فيها، إذ كون الشخص الفلانى قال بهذا القول أو لم يقل به ليس من حكم العقل بالاتفاق، ولا مجال أيضا للحس فيها، لأن الإحساس بكلام الغير لا يكون إلا بعد معرفته، فإذن العلم باتفاق الأمة لا يحصل إلا بعد معرفة كل واحد منهم، وذلك متعذر قطعا، ومن ذلك الذى يعرف جميع المجتهدين من الأمة فى الشرق والغرب وسائر البلاد الإسلامية، فإن العمر يفنى دون مجرد البلوغ إلى كل مكان من الأمكنة التى يسكنها أهل العلم، فضلا عن اختبار أحوالهم ومعرفة من أهم أهل الإجماع منهم، ومن ليس من أهله، ومعرفة كونه قال بذلك أو لم يقل به، والبحث عمن هو خامل من أهل الاجتهاد بحيث لا يخفى على الباحث فرد من أفرادهم، فإن ذلك قد يخفى على الباحث فى المدينة الواحدة، فضلا عن الإقليم الواحد، فضلا عن جميع الأقاليم التى فيها أهل الإسلام. ومن أنصف من نفسه علم أنه لا علم عند علماء الشرق يحمله علماء الغرب وعكسه، فضلا عن العلم بكل واحد منهم على التفصيل، وبكيفية مذهبه، وبما يقول فى تلك المسألة بعينها، وأيضا قد يحمل بعض من يعتبر فى الإجماع على الموافقة وعدم الظهور بالخلاف التقية والخوف على نفسه كما أن ذلك معلوم فى كل طائفة من طوائف الإسلام، فانهم قد يعتقدون شيئا إذا خالفهم فيه مخالف خشى على نفسه من مضرتهم. وعلى تقدير إمكان معرفة ما عند كل واحد من أهل بلد وإجماعهم على أمر، فيمكن أن يرجعوا عنه، أو يرجع بعضهم قبل أن يجمع أهل بلدة أخرى، بل لو فرضنا حتما اجتماع العالم بأسرهم فى موضع واحد، ورفعوا أصواتهم دفعة واحدة قائلين قد اتفقنا على الحكم الفلانى، فإن هذا مع امتناعه لا يفيد العلم بالإجماع، لاحتمال أن يكون بعضهم مخالفا فيه، وسكت تقية وخوفا على نفسه. ومن ادعى أنه يتمكن الناقل للإجماع من معرفة كل من يعتبر فيه من علماء الدنيا فقد أسرف فى الدعوى وجازف فى القول لما قدمنا من تعذر ذلك تعذرا ظاهرا واضحا، ورحم الله الإمام أحمد بن حنبل فإنه قال: من ادعى الإجماع فهو كاذب. وجعل الأصفهانى الخلاف فى غير إجماع الصحابة وقال: الحق تعذر الاطلاع على الإجماع إلا إجماع الصحابة حيث كان المجمعون وهم العلماء منهم فى قلة، وأما الآن، وبعد انتشار الاسلام وكثرة العلماء فلا مطمع للعلم به. قال: وهو اختيار أحمد مع قرب عهده من الصحابة وقوة حفظه وشدة اطلاعه على الأمور النقلية. قال: والمنصف يعلم أنه لا خبر له عن الإجماع إلا ما يجده مكتوبا فى الكتب، ومن البين أنه لا يحصل الاطلاع عليه الا بالسماع منهم، أو بنقل أهل التواتر الينا،

стр. 690

ولا سبيل إلى ذلك إلا فى عصر الصحابة، وأما من بعدهم فلا (١). ويرد الغزالى فى المستصفى على الذين ينفون إمكان العلم بالإجماع فيقول: «قال قوم لو تصور إجماعهم فمن ذا الذى يطلع عليه مع تفرقهم فى الأقطار، فنقول: يتصور معرفة ذلك بمشافهتهم إن كانوا عددا يمكن لقاؤهم، وإن لم يكن عرف مذهب قوم بالمشافهة، ومذهب الآخرين بأخبار التواتر عنهم كما عرفنا أن مذهب جميع أصحاب الشافعى منع قتل المسلم بالذمى، وبطلان النكاح بلا ولى، ومذهب جميع النصارى التثليث، ومذهب جميع المجوس التثنية. فإن قيل: مذهب أصحاب الشافعى وأبى حنيفة مستند إلى قائل واحد وهو الشافعى وأبو حنيفة، وقول الواحد يمكن أن يعلم، وكذلك مذهب النصارى يستند إلى عيسى ﵇، أى فى غير التثليث ونحوه من الباطل. أما قول جماعة لا ينحصرون فكيف يعلم. قلنا: وقول أمة محمد ﷺ فى أمور الدين يستند إلى ما فهموه من محمد ﷺ وسمعوه منه ثم إذا انحصر أهل الحل والعقد فكما يمكن أن يعلم قول واحد أمكن أن يعلم قول الثانى إلى العشرة والعشرين، فإن قيل: لعل أحدا منهم فى أسر الكفار وبلاد الروم، قلنا: تجب مراجعته، ومذهب الأسير ينقل كمذهب غيره، وتمكن معرفته فمن شك فى موافقته للآخرين لم يكن متحققا للإجماع، فإن قيل: فلو عرف مذهبه ربما رجع عنه بعده، قلنا: لا أثر لرجوعه بعد انعقاد الإجماع، فإنه يكون محجوجا به، ولا يتصور رجوع جميعهم، إذ يصير أحد الإجماعين خطأ، وذلك ممتنع بدليل السمع، أى قوله ﷺ : «لا تجتمع أمتى على الخطأ»، ونحوه» (٢). ويجمل الآمدى الرد عليهم بقوله: «وطريق الرد عليهم أن يقال: جميع ما ذكرتموه باطل بالواقع، ودليل الوقوع ما علمناه علما لا مراء فيه من أن مذهب جميع الشافعية امتناع قتل المسلم بالذمى، وبطلان النكاح بلا ولى، وأن مذهب جميع الحنفية نقيض ذلك مع وجود جميع ما ذكروه من التشكيكات، والوقوع فى هذه الصور دليل الجواز العادى وزيادة» (٣). المقام الثالث: إمكان نقل الإجماع إلى من يحتج به من بعد المجمعين واختلفوا أيضا فى إمكان ذلك، فمنهم من يقول بالإمكان ومنهم من ينفيه. قال النافون للإمكان: لو سلمنا إمكان ثبوت الإجماع عند الناقلين له لكان نقله إلى من يحتج به من بعدهم مستحيلا، لأن

стр. 691

طريق نقله إما التواتر أو الآحاد، والعادة تحيل النقل تواترا لبعد أن يشاهد أهل التواتر كل واحد من المجتهدين شرقا وغربا ويسمعوا ذلك منهم، ثم ينقلوه إلى عدد متواتر ممن بعدهم، ثم كذلك فى كل طبقة إلى أن يتصل به، وأما الآحاد فغير معمول به فى نقل الإجماع. وأجيب بأن ذلك تشكيك فى ضرورى للقطع لإجماع أهل كل عصر على تقديم القاطع على المظنون وما ذلك إلا بثبوته عنهم وبنقله إلينا (١). وقول الإمام أحمد: من ادعى الإجماع فهو كاذب، محمول على تكذيب المدعى بذلك فى انفراده بالاطلاع، فإن الإجماع أمر عظيم يبعد كل البعد أن يخفى على الكثير ويطلع عليه الواحد، أو محمول على حدوثه الآن، فإن كثرة العلماء والتفرق فى البلاد وكونهم غير معروفين، مريب فى نقل اتفاقهم، فإن أحمد ﵀ قد احتج بالإجماع فى مواضع كثيرة، فلو لم ينقل إليه لما ساغ له الاحتجاج به (٢). هذا وممن قال: بأن الوقوف على الإجماع متعذر إلا فى إجماع الصحابة: الإمام الرازى، والقاضى البيضاوى، وجمال الدين الإسنوى، من علماء الشافعية والحسين بن القاسم، صاحب غاية السول وهداية العقول فى أصول الزيدية والمنصور بالله، والإمام يحيى من الزيدية أيضا. قال الإسنوى فى شرحه على المنهاج للبيضاوى: «إن الوقوف على الإجماع لا يتعذر فى أيام الصحابة، رضوان الله عليهم، فإنهم كانوا قليلين محصورين ومجتمعين فى الحجاز، ومن خرج منهم بعد فتح البلاد كان معروفا فى موضعه، وهذا قد ذكره الإمام الرازى، فقال: «والإنصاف أنه لا طريق لنا إلى معرفته إلا فى زمان الصحابة وعلل بما قلناه، نعم لو فرضنا حصول الإجماع من غير الصحابة، أى مع ما تبين من تعذر ذلك. فالأصح عند الإمام والآمدى وغيرهما أنه يكون حجة، وقال أهل الظاهر: لا يحتج إلا بإجماع الصحابة، وهو رواية لأحمد (٣). وسيأتى ذلك فى الكلام على الحجية. وقال الحسين بن القاسم الزيدى: «إن الاحتمالات التى ذكروها، أى ذكرها القائلون بنفى إمكان العلم به وإمكان نقله إلى من يحتج به بعد المجمعين، هذه الاحتمالات منتفية فى أيام الصحابة، لأنهم كانوا قليلين محصورين مجتمعين فى الحجاز ومن خرج منهم بعد فتح البلاد كان معروفا فى موضعه». وعلق عليه الحسن بن يحيى فى الحاشية بقوله: «محصول هذا أنه ممكن من الصحابة لا من غيرهم، وهذا قول المنصور

стр. 692

بالله والإمام يحيى، وأحد قولى أحمد بن حنبل، كما حكاه فى الفصول» (١). وقد ذكرنا فيما سبق أن الظاهرية لا يعتبرون الإجماع فى غير ما هو معلوم من الدين بالضرورة، إلا إجماع الصحابة دون غيرهم من العصور، ومن أسباب قولهم بذلك امتناع العلم بإجماع غيرهم لسعة أقطار المسلمين وكثرة العدد وعدم إمكان ضبط أقوالهم. فقد نقل الشوكانى عن ابن وهب قال: ذهب داود، وأصحابنا إلى أن الإجماع إنما هو إجماع الصحابة فقط وهو قول لا يجوز خلافه، لأن الإجماع إنما يكون عن توقيف، والصحابة هم الذين شهدوا التوقيف، فإن قيل فما تقولون فى إجماع من بعدهم؟ قلنا: هذا لا يجوز لأمرين: أحدهما أن النبى ﷺ أنبأ عن ذلك فقال: «لا تزال طائفة من أمتى على الحق ظاهرين»، أى وذلك دال علي بقاء الخلاف وعدم انعقاد الإجماع بدليل أن هناك من هم على الحق، متغلبون وظاهرون، وفى مقابلتهم طبعا من هم على غير الحق. والثانى: أن سعة أقطار الأرض وكثرة العدد لا تمكن من ضبط أقوالهم، ومن ادعى هذا لا يخفى على أحد كذبه» (٢). وجاء فى الأحكام لابن حزم الظاهرى: قال أبو محمد: قال أبو سليمان وكثير من أصحابنا: «لا إجماع إلا إجماع الصحابة رضى الله عنهم، واحتج فى ذلك بأنهم شهدوا التوقيف من رسول الله ﷺ ، وقد صح أنه لا إجماع إلا عن توقيف، وأيضا فإنهم رضى الله عنهم كانوا جميع المؤمنين، لا مؤمن من الناس سواهم، ومن هذه صفته فإجماعهم هو إجماع المؤمنين وهو الإجماع المقطوع به وأما كل عصر بعدهم فإنما هم بعض المؤمنين لا كلهم وليس إجماع بعض المؤمنين إجماعا. إنما الإجماع: إجماع جميعهم، وأيضا فإنهم كانوا عددا محصورا يمكن أن يحاط بهم، وتعرف أقوالهم، وليس من بعدهم كذلك». وقد علق ابن حزم على هذا الذى نقله عن أبى سليمان وكثير من الأصحاب، بما يدل على موافقته عليه إلا فى نقطة واحدة تحفظ فيها، فقال: «وأما قوله أن عدد الصحابة رضى الله عنهم كان محصورا ممكنا جمعه وممكنا ضبط أقوالهم، وليس كذلك من بعدهم، فإنما كان هذا إذ كانوا كلهم بحضرة رسول الله ﷺ قبل تفرقهم فى البلاد وأما بعد تفرقهم فالحال فى تعذر حصر أقوالهم كالحال فيمن بعدهم سواء ولا فرق، هذا أمر يعرف بالمشاهدة والضرورة» (٣). ويتبين من هذا أن ابن حزم يستبعد أيضا معرفة اجماع الصحابة بعد تفرقهم فى الأمصار.

стр. 693

المقام الرابع حجية الاجماع أولا بيان الخلاف فى ذلك. قال الآمدى: «أتفق أكثر المسلمين على أن الإجماع حجة شرعية يجب العمل به على كل مسلم خلافا للشيعة والخوارج والنظام من المعتزلة (١). وقال فى مسلم الثبوت وشرحه: «الإجماع حجة قطعا، ويفيد العلم الجازم عند الجميع من أهل القبلة، ولا يعتد بشرذمة من الحمقى الخوارج والشيعة، لأنهم حادثون بعد الاتفاق، يشككون فى ضروريات الدين مثل السوفسطائية فى الضروريات العقلية» (٢). وقال الإسنوى فى شرحه على المنهاج: «ذهب الجمهور إلى أن الإجماع حجة يجب العمل به خلافا للنظام والشيعة والخوارج فإنه وإن نقل عنهم ما يقتضى الموافقة، لكنهم عند التحقيق مخالفون. أما النظام فإنه لم يفسر الإجماع باتفاق المجتهدين، بل قال كما نقله عنه الآمدى إن الإجماع كل قول يحتج به. وأما الشيعة، يريد الإمامية منهم، فإنهم يقولون: إن الإجماع حجة، لا لكونه إجماعا بل لاشتماله على قول الإمام المعصوم، وقوله بانفراده عندهم حجة. وأما الخوارج فقالوا كما نقله القرافى فى الملخص: أن إجماع الصحابة حجة قبل حدوث الفرقة، أى الاختلاف، وهذا غير التفرق الذى ذكره ابن حزم وأراد به التفرق فى الأمصار، وأما بعدها فقالوا الحجة فى إجماع طائفتهم لا غير، لأن العبرة بقول المؤمنين، ولا مؤمن عندهم إلا من كان على مذهبهم» (٣). وقال عبد الله بن حميد السالمى الإباضى: بعد أن ذكر الخلاف فيمن هم أهل الإجماع: «أعلم أن ثمرة الخلاف فى هذا المقام إنما هى فى كون الإجماع حجة على كل قول من هذه الأقوال عند القائل به، فمن يعتبر أهل الاجتهاد فقط، كان إجماع المجتهدين من الأمة حجة عنده، وافقهم غيرهم على ذلك أم خالفهم، ومن يعتبر المجتهدين الكاملين فى الإيمان دون الفسقة والمبتدعين كان إجماع المؤمنين الكاملين حجة معه وإن خالفهم أهل الأهواء، ومن يعتبر الفقهاء من أهل الفروع دون غيرهم كان إجماعهم حجة عندهم وإن خالفهم غيرهم فى ذلك. وهكذا من يعتبر الأصوليين ومن اعتبر جميع الأمة لم يكن إجماع بعضها وإن كانوا مجتهدين حجة معه، وأهل هذه الأقوال لا يخطئ بعضهم بعضا، لأنه مقام اجتهاد. وحجية الإجماع على كل قول من الأقوال المذكورة إنما هى حجة ظنية عند

стр. 694

من أثبتها حجة هنالك فيلزم العمل بها دون العلم ولا يكون الإجماع حجة قطعية يحكم بتفسيق من خالفها إلا إذا اجتمعت الأمة عالمها وجاهلها ومؤمنها وفاسقها ومحقها ومبتدعها، فإذا اجتمعوا جميعا على حكم لم يسبقهم فيه خلاف وانقرضوا على ذلك من غير أن يرجع أحدهم عن ذلك الحكم، فها هنا يكون الإجماع حجة قطعية، بإجماع جميع من اعتبر الإجماع، وذلك بعد كمال الشروط الآتى ذكرها، ومنها ألا يكون إجماعهم مخالفا للنص، وأن ينقل إجماعهم إلينا التواتر، إلى غير ذلك من الشروط المعتبرة، ودون هذا فالإجماع حجة ظنية، ويكفى اعتبار المجتهدين فى كون الإجماع حجة ظنية على حسب ما اخترناه» (١). ثانيا: الأدلة على حجيته: استدل القائلون بحجيته بالكتاب، والسنة، والمعقول (٢): فهى مسالك ثلاثة فى الاستدلال، أما الإجماع فلا يمكن إثبات الإجماع به، لأنه استدلال على الشئ بنفسه (٣). على أن منهم من قصر الاستدلال على الكتاب والسنة فقط، ولم ير أن يستدل بالمعنى المعقول على الحجية. قالوا: لأن العدد الكثير وإن بعد فى العقل اجتماعهم على الكذب، فلا يبعد اجتماعهم على الخطأ، كاجتماع الكفار على جحد النبوة (٤). ونحن نذكر المسالك الثلاثة استيعابا للأدلة التى تمسكوا بها: المسلك الأول: الاستدلال بالكتاب. استدلوا من الكتاب الكريم بخمس آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: «وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً ٥». وجه الدلالة: أن الله تعالى جمع بين مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين فى الوعيد، حيث قال «نُوَلِّهِ ما تَوَلّى، وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ» فيلزم أن يكون اتباع غير سبيل المؤمنين محرما لأنه لو لم يكن حراما لما جمع بينه وبين المحرم الذى هو المشاقة فى الوعيد، فإنه لا يحسن الجمع بين حلال وحرام فى وعيد بأن نقول مثلا: إن زنيت وشربت الماء عاقبتك، وإذا حرم أتباع غير سبيل المؤمنين وجب اتباع سبيلهم لأنه لا مخرج عنهما، أى لا واسطة بينهما، ويلزم من وجوب اتباع سبيلهم كون الإجماع حجة، لأن سبيل الشخص هو ما يختاره من القول أو الفعل أو الاعتقاد (٦)»

стр. 695

وهذا الدليل قد تمسك به الشافعى فى الرسالة كما ذكره الإسنوى وغيره، وقد دارت فيه مناقشات كثيرة بين مثبتى حجية الإجماع ومنكريها تجدها مفصلة فى كتب الأصول كالأحكام للآمدى، ومسلم الثبوت وشرحه، وإرشاد الفحول وغيرها، وحسبنا أن نذكر بعضها على سبيل المثال، فمن ذلك قول المنكرين للحجية: لا نسلم أن المراد بسبيل المؤمنين فى الآية هو إجماعهم، لاحتمال أن يكون المراد سبيلهم فى متابعة الرسول ﵌، أو فى مناصرته، أو فى الاقتداء به، أو فيما به صاروا مؤمنين وهو الإيمان به، ومع الاحتمال لا يتم الاستدلال (١). ولمثل هذا الاعتراض قرر بعض العلماء القائلين بالحجية أن دلالة الآية محتملة، فالغزالى يقول: «والذى نراه أن الآية ليست نصا فى الغرض، بل الظاهر أن المراد بها أن من يقاتل الرسول ويشاققه ويتبع غير سبيل المؤمنين فى مشايعته والذب عنه والانقياد له فيما يأمر وينهى، وهذا هو الظاهر السابق إلى الفهم فإن لم يكن ظاهرا فهو محتمل. ولو فسر رسول الله ﷺ الآية بذلك لقبل (٢)». والحسين بن القاسم الزيدى يقول: والاحتجاج المأخوذ من هذه الآية الكريمة ظنى، لأنه معترض عليه بوجوه، منها - وهو أقواها - جواز أن يريد سبيلهم فى مطاوعة الرسول ﵌، وترك مشاقته، أو فى مناصرته، أو فى التأسى به فى الأعمال، أو فيما صاروا به مؤمنين، وهو الإيمان بالله ورسوله، وإذا قام الاحتمال كان غايته الظهور، والتمسك بالظاهر إنما يثبت بالإجماع، لأن غيره من أدلة التمسك لا يخلو عن قدح، فلو أثبتت حجية الإجماع به لزم الدور، وإثبات الأصل الكلى بدليل ظنى لا يجوز (٣). الآية الثانية قوله تعالى: «وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ٤»، ووجه الاستدلال بها «أن الله تعالى عدل هذه الأمة، لأنه تعالى جعلهم وسطا، والوسط من كل شئ أعدله، قال الله تعالى «قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ ٥» أى أعدلهم. وقال الجوهرى: «الوسط من كل شئ أعدله، ومنه قوله تعالى: «وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً» أى عدولا وقد علل الله تعالى جعلهم وسطا بأن يكونوا شهداء على الناس، والشاهد لا بد أن يكون عدلا، وهذا التعديل الحاصل للأمة وإن لزم منه تعديل كل فرد منها بالضرورة، لكون نفيه عن واحد يستلزم نفيه عن المجموع، لكنه ليس المراد تعديلهم فيما ينفرد به كل واحد منهم، لأنا نعلم بالضرورة خلافه، فتعين

стр. 696

تعديلهم فيما يجتمعون عليه، وحينئذ فتجب عصمتهم عن الخطأ قولا وفعلا صغيرة وكبيرة، لأن الله تعالى، يعلم السر والعلانية، فلا يعدلهم مع ارتكابهم بعض المعاصى، بخلاف تعديلنا فإنه قد لا يكون كذلك لعدم اطلاعنا على الباطن (١)». وقد دار فى هذه الآية نقاش كثير كالآية الأولى تراه مفصلا فى كتب الأصول، ومن ذلك ما ذكره الإسنوى فى شرحه على المنهاج إذ يقول «لقائل أن يقول أن الآية لا تدل على المدعى، لأن العدالة لا تنافى صدور الباطل غلطا ونسيانا، ولو سلمنا أن كل ما أجمعوا عليه حق، فلا يلزم المجتهد أن يفعل كل ما هو حق فى نفسه بدليل أن المجتهد لا يتبع مجتهدا آخر، وإن قلنا كل مجتهد مصيب (٢)». ويقول الشوكانى بعد أن أورد مناقشات الموافقين والمخالفين فى دلالة هذه الآية: «ولا يخفاك ما فى هذه الأجوبة من الضعف - يريد أجوبة المستدلين بالآية على ما أثير عليهم من اعتراضات - وعلى كل حال فليس فى الآية دلالة على محل النزاع أصلا، فإن ثبوت كون أهل الإجماع بمجموعهم عدولا لا يستلزم أن يكون قولهم حجة شرعية، فإن ذلك أمر إلى الشارع لا إلى غيره، وغاية ما فى الآية أن يكون قولهم مقبولا اذا أخبرونا عن شئ من الأشياء. وأما كون اتفاقهم على أمر دينى يصير دينا ثابتا عليهم وعلى من بعدهم إلى يوم القيامة فليس فى الآية ما يدل على هذا، ولا هى مسوقة لهذا المعنى ولا تقتضيه بمطابقة ولا تضمن ولا التزام (٣)». يريد أنها لا تقتضيه بأى وجه من وجوه الدلالة الثلاثة المعروفة. ولذلك أسقط الاستدلال بهذه الآية بعض المؤلفين مع شدة تمسكهم بالحجية كابن الحاجب فى مختصره، وابن قدامة الحنبلى فى روضة الناظر، وأوردها بعضهم معقبا بأن الاستدلال بها لا يفيد قطعا ولا ظنا قويا (٤)، وبعضهم معقبا أنها لا تفيد إلا ظنا (٥). الآية الثالثة قوله تعالى: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ٦»﴾. والاستدلال بها من حيث أنها جملة خبرية تصفهم بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، والألف واللام فى المعروف والمنكر للعموم لأنها داخلة على اسم جنس، فهم إذن يأمرون بكل معروف، وينهون عن كل منكر، فمن خالف فيما أمروا به أو نهوا عنه فقد خالف طريقتهم، فيكون مبطلا

стр. 697

وضالا «فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ ١». وأيضا: لو أجمعوا على الخطأ لكانوا آمرين بالمنكر وناهين عن المعروف، وهو خلاف المنصوص (٢). وقد نوقش هذا الاستدلال كذلك بما لا نطيل بذكره، وفيه يقول الشوكانى: «ولا يخفاك أن الآية لا دلالة لها على محل النزاع لأن اتصافهم بكونهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لا يستلزم أن يكون قولهم حجة شرعية تصير دينا ثابتا على كل الأمة، بل المراد أنهم يأمرون بما هو معروف، فى هذه الشريعة وينهون عما هو منكر فيها. فالدليل على كون ذلك الشئ معروفا أو منكرا هو الكتاب أو السنة، لا إجماعهم، غاية ما فى الباب أن إجماعهم يصير قرينة على أن فى الكتاب أو السنة ما يدل على ما أجمعوا عليه، وأما أنه دليل بنفسه فليس فى هذه الآية ما يدل على ذلك (٣)». الآية الرابعة قوله تعالى: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ٤». «ووجه الاحتجاج بها أنه تعالى نهى عن التفرق، ومخالفة الإجماع تفرق، فكان منهيا عنه، ولا معنى لكون الإجماع حجة سوى النهى عن مخالفته (٥)». وقد أعقب الآمدى بيان الاحتجاج بذكر ما ورد عليه من المناقشات والإجابة عن كل منها (٦). الآية الخامسة قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ، فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ، إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ٧». ووجه الاحتجاج بالآية أنه شرط التنازع فى وجوب الرد إلى الكتاب والسنة، والمشروط ينعدم عند عدم الشرط. وذلك يدل على أنه إذا لم يوجد التنازع فالاتفاق على الحكم كاف عن الكتاب والسنة ولا معنى لكون الإجماع حجة سوى هذا (٨)». وقد عقب الآمدى بذكر ما نوقش به هذا الدليل أيضا، وما ورد به على المناقشة. وبهذا انتهى المسلك الأول وهو الاستدلال بالكتاب على حجية الإجماع. وقد علق الآمدى على هذا المسلك بقوله «واعلم أن التمسك بهذه الآيات، وإن كانت مفيدة للظن، فغير مفيدة للقطع، ومن زعم أن المسألة قطعية، فاحتجاجه فيها بأمر ظنى غير مفيد للمطلوب، وانما يصح ذلك على رأى من يزعم أنها اجتهادية ظنية (٩)».

стр. 698

وعلق الغزالى على مسلك الاستدلال بالآيات أيضا بقوله: «فهذه كلها ظواهر لا تنص على الغرض، بل لا تدل أيضا دلالة الظواهر (١)». المسلك الثانى: الاستدلال بالسنة: قال الغزالى فى المستصفى: المسلك الثانى: وهو الأقوى - التمسك بقوله ﷺ : «لا تجتمع أمتى على الخطأ» وهذا من حيث اللفظ أقوى وأدل على المقصود، ولكن ليس بالمتواتر، كالكتاب، والكتاب متواتر لكن ليس بنص، فطريق تقرير الدليل أن نقول: تظاهرت الرواية عن رسول الله ﷺ بألفاظ مختلفة مع اتفاق المعنى فى عصمة هذه الأمة من الخطأ، واشتهر على لسان المرموقين والثقات من الصحابة كعمر وابن مسعود وأبى سعيد الخدرى، وأنس بن مالك، وابن عمر، وأبى هريرة، وحذيفة بن اليمان، وغيرهم ممن يطول ذكره من نحو قوله ﷺ : «لا تجتمع أمتى على الضلالة» و «لم يكن الله ليجمع أمتى على الضلالة» و «سألت الله تعالى ألا يجمع أمتى على الضلالة فأعطانيها» و «من سره أن يسكن بحبوحة الجنة - فيلزم الجماعة، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم» و «أن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد». وقوله ﷺ : «يد الله مع الجماعة، ولا يبالى الله بشذوذ من شذ» و «ولا تزال طائفة من أمتى على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم». وروى: «لا يضرهم خلاف من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء». و «من خرج عن للجماعة أو فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه» و «من فارق الجماعة ومات، فميتته جاهلية (٢)». وهذه الأخبار لم تزل ظاهرة فى الصحابة والتابعين إلى زماننا هذا لم يدفعها أحد من أهل النقل من سلف الأمة وخلفها بل هى مقبولة من موافقى الأمة ومخالفيها، ولم تزل الأمة تحتج بها فى أصول الدين وفروعه، فإن قيل فيما وجه الحجة ودعوى التواتر فى آحاد هذه الأخبار غير ممكن، ونقل الآحاد لا يفيد العلم؟ قلنا فى تقرير وجه الحجة طريقان: أحدهما: أن ندعى العلم الضرورى بأن رسول الله ﷺ قد عظم شأن هذه الأمة، وأخبر عن عصمتها عن الخطأ بمجموع هذه الأخبار المتفرقة، وأن لم تتواتر آحادها، وبمثل ذلك نجد أنفسنا

стр. 699

مضطرين إلى العلم بشجاعة على، وسخاوة حاتم، وفقه الشافعى، وخطابة الحجاج، وميل رسول الله ﷺ إلى عائشة من نسائه، وتعظيمه صحابته وثنائه عليهم، وإن لم تكن آحاد الأخبار فيها متواترة، بل يجوز الكذب على كل واحد منها لو جردنا النظر إليه. ولا يجوز على المجموع، وذلك يشبه ما يعلم من مجموع قرائن آحادها لا ينفك عن الاحتمال ولكن ينتفى الاحتمال عن مجموعها حتى يحصل العلم الضرورى. الطريق الثانى: ألا ندعى علم الاضطرار بل علم الاستدلال من وجهين: الأول أن هذه الأحاديث لم تزل مشهورة بين الصحابة والتابعين، يتمسكون بها فى إثبات الإجماع ولا يظهر أحد فيها خلافا وإنكارا، إلى زمان النظام. ويستحيل فى مستقر العادة توافق الأمم فى أعصار متكررة على التسليم بما لم تقم الحجة بصحته مع اختلاف الطباع وتفاوت الهمم والمذاهب فى الرد والقبول. ولذلك لم ينفك حكم ثبت بأخبار الآحاد عن خلاف مخالف وإبداء تردد فيه. الوجه الثانى: إن المحتجين بهذه الأخبار أثبتوا أنها أصلا مقطوعا به وهو الإجماع الذى يحكم به على كتاب الله تعالى، وعلى السنة المتواترة، ويستحيل فى العادة التسليم بخبر يرفع به الكتاب المقطوع به إلا إذا استند إلى مستند مقطوع به، فأما رفع المقطوع بما ليس بمقطوع فليس معلوما حتى لا يتعجب متعجب ولا يقول قائل: كيف ترفعون الكتاب القاطع بإجماع مستند إلى خبر غير معلوم الصحة وكيف تذهل عنه جميع الأمة إلى زمان النظام، فتختص بالتنبه له (١). والذى قرره الغزالى من الاستدلال بالأحاديث المذكورة على عصمة الأمة من الخطأ، هو استدلال بالتواتر المعنوى فى هذه الأحاديث وإن لم تتواتر آحادها. وقد استدل به صاحب مسلم الثبوب وشرحه، ثم ساق استبعاد الإمام الرازى لذلك مشفوعا بالرد عليه، وهذا هو نص كلامهما مع تصرف يسير للتوضيح: «واستدل ثانيا بقوله صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم: «لا تجتمع أمتى على الضلال»، فإنه يفيد عصمة الأمة عن الخطأ. فإنه متواتر المعنى، فإنه قد ورد بألفاظ مختلفة يفيد كلها العصمة، وبلغت رواة تلك الألفاظ حد التواتر، وتلك الألفاظ نحو «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن»، ونحو «من فارق الجماعة شبرا فقد خلع ربقة الإسلام»، ونحو «عليكم بالجماعة»، ونحو «الزموا الجماعة» ونحو «من فارق الجماعة مات ميتة الجاهلية»، ونحو «عليكم بالسواد الأعظم» ونحو «لا

стр. 700

تجمتع أمتى علي الخطأ» وغير ذلك من الألفاظ التى يطول الكلام بذكرها، واستحسنه ابن الحاجب فإنه دليل لا خفاء فيه بوجه، ولا مساغ للارتياب فيه، واستبعد الإمام الرازى صاحب المحصول، كما هو دأبه من التشكيكات فى الأمور الظاهرة، التواتر المعنوى، سيما على حجيته - أى استبعد التواتر عامة، واستبعده على حجية الإجماع خاصة - وقال لا نسلم بلوغ مجموع هذه الآحاد حد التواتر المعنوى، فإن الرواة العشرين أو الألف، لا تبلغ حد التواتر ولا تكفى للتواتر المعنوى، فإنه ليس بمستبعد فى العرف إقدام عشرين على الكذب فى وقعة معينة، بعبارات مختلفة، ولو سلم فتواتره بالمعنى غير مسلم، فإن القدر المشترك هو أن الإجماع حجة، أو ما يلزم ذلك منه، وقد ادعيتم أن حجية الإجماع متواترة من رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم، ويلزم أن يكون كغزوة بدر، فإنه لو كان كذلك لم يقع الخلاف فيه، وإنكم بعد تصحيح المتن - أى ألفاظ الحديث ونصه - توردون على دلالته على حجية الإجماع، الأسئلة والأجوبة، ولو كان متواترا لأفاد العلم ولغت تلك الأسئلة والأجوبة، وإن ادعيتم أن هذه الأخبار تدل على عصمة الأمة وهى بعينها حجية الإجماع - وقرر الرازى هذه الاعتراضات بعبارات مطلية كما هو دأبه - وهذا الاستبعاد فى بعد بعيد، فإن القدر المشترك المفهوم من هذه الأخبار قطعا هو عصمة الأمة عن الخطأ، ولا شك فيه، واجتماع عشرين من العدول الخيار، بل أزيد، على الكذب على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم، مما لا يتوهم. وأما قوله: لو كان لكان كغزوة بدر، قلنا نعم إنه كغزوة بدر - كيف وقد عرفت سابقا أنه تواتر فى كل عصر من لدن رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم إلى الآن، أى إلى هذا الوقت - تخطئة المخالف للإجماع قطعا، وهل هذا إلا تواتر الحجية. وأيضا يجوز أن تكون المتواترات مختلفة بحسب قوم دون قوم، فهذا متواتر عند من طالع كثرة الوقائع والأخبار. وما قال من أنه لو كان متواترا لما وقع الخلاف فيه، قلنا التواتر لا يوجب أن يكون الكل عالمين به، ألا ترى أن أكثر العوام لا يعلمون غزوة بدر أصلا بل التواتر إنما يكون متواترا عند من وصل إليه أخبار تلك الجماعة، وذلك بمطالعة الوقائع والأخبار، والمخالفون لم يطالعوا. وأيضا الحق إن مخالفتهم كمخالفة السوفسطائية فى القضايا الضرورية الأولية، فكما أن مخالفتهم لا تضر كونها أولية، فكذا مخالفة المخالفين لا تضر التواتر، وأما إيراد الأسئلة والأجوبة فعلى بعض المتون - أى نصوص بعض الأحاديث لا على القدر المشترك المستفاد من الأخبار - فافهم ولا تزل فانه مزلة (١)».

стр. 701

المسلك الثالث: الاستدلال بالمعقول، قال الآمدى: «وأما المعقول فهو أن الخلق الكثير وهم أهل كل عصر إذا اتفقوا على حكم قضية وجزموا به جزما قاطعا، فالعادة تحيل على مثلهم الحكم الجزم بذلك والقطع به وليس له مستند قاطع بحيث لا يتنبه واحد منهم إلى الخطأ فى القطع بما ليس بقاطع، ولهذا وجدنا أهل كل عصر قاطعين بتخطئة مخالفى ما تقدم من إجماع من قبلهم، ولولا أن يكون ذلك عن دليل قاطع لاستحال فى العادة اتفاقهم على القطع بتخطئة المخالف، ولا يقف واحد منهم على وجه الحق فى ذلك (١)». وقد عبر صاحب مسلم الثبوت وشرحه عن هذا الدليل بقولهما: لنا (أى يدل لنا على ما قلناه من حجية الإجماع) اتفاقهم فى كل عصر على القطع بتخطئة المخالف للإجماع من حيث هو إجماع، واتفاقهم على تقديمه على القاطع، وعدهم تفريق عصا الجماعة من المسلمين أمرا عظيما وإثما كبيرا والعادة تحيل اجتماع مثل هؤلاء من الأخيار الصالحين من الصحابة والتابعين المحققين على قطع فى حكم ما، لا سيما القطع بكون المخالفة أمرا عظيما، لا عن نص قاطع، بحيث لا يكون للارتياب فيه احتمال، فإنه قد علم بالتجربة والتكرار من أحوالهم وفتاويهم علما ضروريا أنهم ما كانوا يقطعون بشئ إلا ما كان كالشمس على نصف النهار (٢). ويعلق الآمدى على هذا الاستدلال بالمعنى المعقول فيقول: «ولقائل أن يقول: إن العادة لا تحيل الخطأ على الخلق الكثير بظنهم ما ليس قاطعا قاطعا ولهذا فإن اليهود والنصارى مع كثرتهم كثرة تخرج عن حد التواتر قد أجمعوا على تكذيب محمد ﵇ وإنكار رسالته وليس ذلك إلا لخطئهم فى ظن ما ليس قاطعا قاطعا، وبالجملة، فإما أن يقال باستحالة الخطأ عليهم فيما ذهبوا إليه، أو لا يقال باستحالته، فإن كان الأول لزم ألا يكون محمد نبيا حقا بإجماعهم على تكذيبه، وإن كان الثانى - أى عدم استحالة الخطأ عليهم - فهو المطلوب (٣)». وهذا الذى قاله الآمدى هو تلخيص لما ذكره الغزالى فإنه اعترض على هذه الطريقة قائلا: «وهذه الطريقة ضعيفة عندنا، لأن منشأ الخطأ إما تعمد الكذب وإما ظنهم ما ليس بقاطع قاطعا، والأول غير جائز على عدد التواتر، وأما الثانى فجائز، فقد قطع اليهود ببطلان نبوة عيسى ومحمد ﵉، وهم أكثر من عدد التواتر، وهو قطع فى غير محل القطع، ولكن ظنوا ما ليس بقاطع قاطعا (٤)». ثالثا: ما استدل به القائلون بعدم حجية الإجماع: المنكرون للإجماع يسلكون فى الاستدلال على رأيهم مسلكين:

стр. 702

أولهما: معارضة أدلة الجمهور من الكتاب والسنة والمعانى المعقولة، بمثلها، فيأتون بآيات وأخبار ومعان معقولة تدل على بطلان حجية الإجماع. ثانيهما: مناقشة ما استدل به الجمهور بإبطال دلالته على ما ذهبوا إليه من الحجية وبتأويل الآيات والأحاديث تأويلا آخر، ونحن نذكر أهم ما جاء به المنكرون لحجية الإجماع كما ذكرنا أهم ما جاء به المثبتون، وسنشفع كلا منها بما ورد عليه من المناقشة كما فعلنا أيضا حين ذكرنا أدلة المثبتين. المسلك الأول: معارضة أدلة الجمهور بمثلها «قالوا: إن كتاب الله تعالى يدل على ما ذهبنا إليه، والله تعالى يقول «وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ ١». وذلك يدل على عدم الحاجة إلى الإجماع (٢) فلا مرجع فى تبيان الأحكام إلا إلى الكتاب والإجماع غيره (٣). وقد رد الآمدى على ذلك بأنه ليس فى بيان كون الإجماع حجة متبعة بالأدلة التى ذكرناها ما ينافى كون الكتاب تبيانا لكل شئ (٤). ورد عليه العضد فى شرحه على مختصر ابن الحاجب بأن هذه الآية «لا تنافى كون غيره أيضا تبيانا، ولا كون الكتاب تبيانا لبعض الأشياء بواسطة الإجماع (٥)». واستدلوا أيضا بقوله تعالى: «فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ ٦» فلا مرجع عند التنازع الا الى الكتاب والسنة (٧). وقد رد الآمدى بأن هذه الآية «دليل عليهم لأنها دليل على وجوب الرد إلى الله والرسول فى كل متنازع فيه، وكون الإجماع حجة متبعة مما وقع النزاع فيه، وقد رددناه إلى الله تعالى، حيث أثبتناه بالقرآن، وهم مخالفون فى ذلك (٨)». ورد العضد بأن الآية «مختصة بما فيه النزاع والمجمع عليه ليس كذلك (٩)». يريد أن لفظها يختص بما فيه النزاع، والمجمع عليه لا نزاع فيه فيمكن أن يدل المفهوم على أن المتفق عليه لا يحتاج فيه إلى الرجوع. وقد صرح بإفادة الآية لذلك بمفهوم الكلام: شارح مسلم الثبوت (١٠). واستدلوا أيضا بمثل قوله تعالى: «وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ ١١».

стр. 703

«وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ (١)» «وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٢)». قالوا: هذه الآيات وأمثالها من كل ما فيه نهى للأمة عن القول الباطل، والفعل الباطل، تدل على تصور ذلك منهم، ومن يتصور منه المعصية لا يكون قوله ولا فعله موجبا للقطع. ويرد الآمدى على ذلك فيقول: «لا نسلم أن النهى فى هذه الآيات راجع إلى اجتماع الأمة على ما نهو عنه، بل هو راجع إلى كل واحد على انفراد، ولا يلزم من جواز المعصية على كل واحد جوازها على الجملة، أى على المجموع، سلمنا أن النهى لجملة الأمة عن الاجتماع على المعصية، ولكن غاية ذلك جواز وقوعها منهم عقلا، ولا يلزم من الجواز الوقوع، ولهذا فإن النبى ﵇ قد نهى عن أن يكون من الجاهلين بقوله تعالى: «فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ ٣». وقال تعالى لنبيه: «لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ٤»، واذ ورد ذلك فى معرض النهى مع العلم بكونه معصوما من ذلك، وأيضا فإنا نعلم أن كل أحد منهى عن الزنا وشرب الخمر وقتل النفس بغير الحق إلى غير ذلك من المعاصى، ومع ذلك فإن من مات ولم يصدر عنه بعض المعاصى، نعلم أن الله قد علم منه أنه لا يأتى بتلك المعصية فكان معصوما عنها ضرورة تعلق علم الله بأنه لا يأتى بها، ومع ذلك فهو منهى عنها (٥)». وقالوا: وأما السنة فإن النبى ﵊ أمر معاذا لما سأله عن الأدلة المعمول بها، على إهماله لذكر الإجماع، ولو كان الإجماع دليلا، لما ساغ ذلك مع الحاجة إليه. وأيضا فإنه قد ورد عن النبى ﵊ ما يدل على جواز خلو العصر عمن تقوم الحجة بقوله، فمن ذلك قوله ﵊: «بدأ الإسلام غريبا، وسيعود كما بدأ». وأيضا قوله: «لا ترجعوا بعدى كفارا» نهى الكل عن الكفر وهو دليل جواز وقوعه منهم. وقوله: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ولكن يقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». وقوله: «تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإنها أول ما ينسى». وقوله ﵊: «لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة (٦)»

стр. 704

وقوله: «خير القرون القرن الذى أنا فيه، ثم الذى يليه، ثم الذى يليه، ثم تبقى حثالة كحثالة التمر، لا يعبأ الله بهم (١)». ويرد الآمدى على ذلك فيقول: «أما خبر معاذ فإنما لم ينكر فيه الإجماع لأنه ليس بحجة فى زمن النبى ﵊، فلم يكن مؤخرا لبيانه مع الحاجة إليه. وقوله ﵊: «بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ»، لا يدل على أنه لا يبقى من تقوم الحجة بقوله، بل غايته أن أهل الإسلام هم الأقلون. وقوله: «لا ترجعوا بعدى كفارا» فيحتمل أنه خطاب مع جماعة معينين وإن كان خطابا مع الكل فجوابه ما سبق فى آيات المناهى للأمة. وقوله: «حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا» .. الحديث: غايته الدلالة على جواز انقراض العلماء، ونحن لا ننكر امتناع وجود الإجماع مع انقراض العلماء، وإنما الكلام فى اجتماع من كان من العلماء، وعلى هذا يكون الجواب عن باقى الأحاديث الدالة على خلو آخر الزمان من العلماء، كيف وأن ما ذكروه معارض بما يدل على امتناع خلو عصر من الأعصار عمن تقوم الحجة بقوله، وهو قوله ﵊: «لا تزال طائفة من أمتى على الحق حتى يأتى أمر الله، وحتى يظهر الدجال» «وأيضا ما روى عنه أنه قال: «واشوقاه إلى إخوانى. قالوا: يا رسول الله، ألسنا إخوانك؟ فقال: أنتم أصحابى، إخوانى قوم يأتون من بعدى يهربون بدينهم من شاهق إلى شاهق ويصلحون إذا فسد الناس (٢)». قالوا: وأما المعنى المعقول الذى يدل على عدم حجية الإجماع فى نظر القائلين بذلك، فيرجع: أولا: إلى ما ذكروه من عدم إمكانه وعدم إمكان العلم به، وعدم إمكان نقله، وقد سبق بيان الرد على ذلك. ثانيا: إلى اعتبارهم أمة محمد ﷺ كغيرها من الأمم بحيث لم يعتبر إجماع أهل الملل السابقة حجة، فلا يكون إجماع أمة محمد ﷺ حجة (٣). وجوابه كما ذكر الآمدى من وجهين: أحدهما: أن يقال من العلماء من اعتبر إجماع علماء من تقدم حجة قبل النسخ، فقد ذهب إلى ذلك أبو اسحاق الاسفرايينى وغيره من أصاحبنا - هكذا يقول الآمدى - وجماعة من العلماء، وإذن فلم يتم لهم الاستدلال لعدم حجية إجماع من سبقنا من الملل.

стр. 705

الوجه الثانى: أن نسلم بأن إجماع من سبقنا من أهل الملل ليس حجة - كما هو قول الأكثرين من العلماء - ولكن هناك فرقا بيننا وبينهم، لأنه لم يرد فى حقهم من الدلالة الدالة على الاحتجاج بإجماعهم ما ورد فى علماء هذه الأمة فافترقا (١)». وخلاصة الوجهين أننا إذا أخذنا بمذهب الأسفرايينى ومن معه فإجماعنا كإجماعهم كلاهما يحتج به، وإن أخذنا بمذهب الأكثرين فإن إجماعنا قد وردت الأدلة بحجيته ولم ترد الأدلة باعتبار إجماعهم حجة، فهذا هو الفرق بين إجماعنا وإجماعهم. وثالث المعانى المعقولة يرجع إلى ما هو مقرر من أن كل حكم لا بد أن يكون ثابتا بدليل، والإجماع لا يكون فى نظر القائلين بحجيته إلا عن دليل، والدليل يغنى عنه، ثم إن بعض الأحكام الشرعية لا يكون إجماع الأمة دليلا عليها كالتوحيد، وكذلك سائر الأحكام العقلية (٢). ويرد الآمدى على ذلك بقوله: «لا نسلم أنه إذا كان الحكم ثبت بالدليل لا يجوز إثباته بالإجماع، أى فهذا ما جرى عليه العلماء حين يقولون: هذا الحكم ثبت بالكتاب والسنة والإجماع، وأما التوحيد فلا نسلم أن الإجماع فيه ليس بحجة، وإن سلمنا أنه لا يكون حجة فيه، بل فى الأحكام الشرعية، أى العملية لا غير، فإن بينهما فرقا، هو أن التوحيد لا يجوز فيه تقليد العامى للعالم، وإنما يرجع إلى أدلة يشترك فيها الكل، وهى أدلة العقل، بخلاف الأحكام الشرعية، العملية، فإنه يجب على العامى الأخذ بقول العالم فيها، وإذا جاز أو وجب الأخذ بقول الواحد كان الأخذ بقول الجماعة أولى (٣). هذا هو كلام المنكرين بحجية الإجماع والرد عليهم، فى المسلك الأول وهو المعارضة بالكتاب والسنة والمعقول. المسلك الثانى: مناقشتهم وتأويلهم لأدلة الجمهور أما مناقشتهم لأدلة الجمهور فقد تقدمت عند عرض هذه الأدلة فلا نعود اليها وأما تأويلهم للأدلة، بحملها على معان أخرى، فمثل: قولهم فى تأويل حديث «لا تجتمع أمتى على ضلالة»، فإنهم فسروا الضلالة بالكفر والبدعة، وقالوا: لعله أراد عصمة جميعهم عن الكفر بالتأويل والشبهة، - والرواية التى تقول «لا تجتمع أمتى على الخطأ» غير متواترة وإن صحت فالخطأ أيضا عام يمكن حمله على الكفر. ويرد الغزالى على هذا بقوله: «قلنا الضلال فى وضع اللسان لا يناسب الكفر، قال الله تعالى: «وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى ٤»، وقال تعالى، اخبارا عن موسى
следующие страницы →