صلّى الله عليه وسلّم صلوا كما رأيتمونى أصلى والاقتداء به واجب (١).
مذهب الإباضية:
قال صاحب الايضاح قال أبو محمد رحمه الله تعالى: اختلف أصحابنا رحمهم الله تعالى فى صلاة الجمعة خلف الجبابرة. فقال بعضهم - وهم الأقل - لا تجوز معهم، وحجتهم فى ذلك أن الجمعة وجبت فى الأصل مع الامام العادل باتفاق الأمة وهى واجبة مع الامام العادل بالاجماع على ذلك، واختلفوا فى لزومها مع غير العادل وقالوا لا نوجبها الا حيث أوجبها بالاجماع ولا دليل لنا على وجوبها مع غير العادل.
وقال الباقون: الجمعة تجب مع العادل ومع غير العادل لأن فرضها واجب لأمر الله تعالى فى قوله «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ﴾ (٢)» وهذا أمر عام فلا يزول فرضها الا بالاجماع، ولم يكن فى الأمر عادل ولا غير عادل، وهذا القول الأخير عندى أشبه القولين وأقربهما فى الحجة.
وقال أبو الحوارى رحمه الله تعالى: تجوز صلاة الجمعة خلف الجبابرة فى الأمصار التى مصرها أبو حفص عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه ولا تجوز فى غيرها، والذى عليه نحن ومضى عليه أسلافنا أنه لا بأس بالصلاة خلف أئمة قومنا اذا أقاموا الصلاة لوقتها.
وقد كان جابر بن زيد رحمه الله تعالى يصلى الجمعة خلف الحجاج وقيل أن جابر صلى بالايماء يوم الجمعة والحجاج يخطب الى أن فات الناس الوقت.
وقال جابر: اليوم ينفع كل ذى علم علمه (٣) ومن شروط الجمعة الوقت والأذان والخطبة أما الوقت فوقتها هو الزوال لأنها لما كانت بدلا من الظهر كان وقتها وقت الظهر الذى هى بدل منه فان كانت الخطبة قبل الزوال والصلاة بعده.
قال الشيخ أبو بكر رحمه الله تعالى لا تجوز الخطبة والصلاة الا بعد الزوال (٤) والخطبة من شروط صحة الصلاة للجمعة واذا لم تكن خطبة لم تكن جمعة وصلوا أربعا ولم تكن بدلا من الركعتين كما قال بعض مخالفينا لأن المصلى يستقبل القبلة بالاجماع والخطيب يستدبرها وكذلك من فاتته الخطبة كان مدركا للجمعة ولم يبدل شيئا.
وقال قوم المقصود بالخطبة الموعظة المقصودة من سائر الخطب وهى ليست من شروط الصلاة وعلى هذا القول فان صلى الامام ركعتين من غير خطبة فلا اعادة عليه والقول الأول أصح وعليه العمل (٥) والخطيب يوم الجمعة اذا تكلم بما لا ينبغى له أن يتكلم به فسدت صلاته لنفسه وصلاة من صلى خلفه ان كان هو الامام بالقوم والا فسدت صلاته لنفسه دون غيره (٦) واختلف أصحابنا رحمهم الله تعالى فى حكم الكلام لمن يحضر الجمعة والامام يخطب قال بعضهم تفسد صلاته ويأمرونه بالخروج من المسجد ثم يدخل من باب آخر فيكون حكمه كحكم من دخل معهم فى ذلك الوقت وفاته ما كان يستحقه من الثواب بالسبق الذى أفسده بالكلام كما فات من دخل مع توالى السابقين اليها بالعدد.
وقال بعضهم من تكلم بما يقرب الى الله
стр. 6477
كالتسبيح فليس بلغو انما اللغو فى القول المكروه.
وقال آخرون: اللغو لا يفسد الفرض وانما ورد النهى لكمال الثواب وعلى هذا ان لم يخرج من المسجد فلا نقض عليه (١).
ما يفسد الصوم وما لا يفسده
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع أن الصوم لا يوجد بدون ركنه لأن انتقاض الشئ عند فوات ركنه أمر ضرورى وذلك بالأكل والشرب والجماع سواء كان صورة ومعنى أو صورة لا معنى أو معنى لا صورة وسواء كان بغير عذر أو بعذر وسواء كان عمدا أو خطأ طوعا أو كرها بعد أن كان ذاكرا لصومه لا ناسيا ولا فى معنى الناسى والقياس أن يفسد وان كان ناسيا.
وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى لولا قول الناسى أن أبا حنيفة خالف الأمر لقلت يقضى لكنا تركنا القياس بالنص وهو ما روى عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه عن النبى ﷺ أنه قال من نسى وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فان الله أطعمه وسقاه حكم ببقاء صومه وعلل بانقطاع نسبة فعله عنه باضافته الى الله تعالى لوقوعه من غير قصده.
وروى عن أبى حنيفة أنه قال لا قضاء على الناسى للأثر المروى عن رسول الله ﷺ والقياس أن يقضى ذلك ولكن تباع الأثر أولى اذا كان صحيحا وحديث أبو حنيفة حيث قال وليس حديث شاذ نجترئ على رده وكان من صيارفة الحديث.
وروى على وابن عمر وأبى هريرة رضى الله تعالى عنهم مثل مذهبنا ولأن النسيان فى باب الصوم فما يغلب وجوده ولا يمكن دفعه الا بحرج فجعل عذرا دفعا للحرج.
وعن عطاء والثورى أنهما فرقا بين الأكل والشرب وبين الجماع ناسيا فقالا يفسد صومه فى الجماع ولا يفسد فى الأكل والشرب لأن القياس يقتضى الفساد فى الكل لفوات ركن الصوم فى الكل الا أنا تركنا القياس بالخبر وأنه ورد فى الأكل والشرب فبقى الجماع على أصل القياس وأنا نقول نعم الحديث ورد فى الأكل والشرب لكنه معلول بمعنى يوجد فى الأكل وهو أنه فعل مضاف الى الله تعالى على طريق التخصيص بقوله فأنما أطعمه الله وسقاه، قطع اضافته عن العبد لوقوعه فيه من غير قصد. واختياره هذا المعنى يوجد فى الكل والعلة اذا كانت منصوصا عليها كان الحكم منصوصا عليه ويتعمم الحكم بعموم العلة وكذا معنى الحرج يوجد فى الكل ولو أكل فقيل له انك صائم وهو لا يتذكر أنه صائم ثم علم بعد ذلك فعليه القضاء.
فى قول أبى يوسف رحمه الله تعالى وعند زفر والحسن وزياد رحمهما الله تعالى لا قضاء عليه لأنه لما تذكر أنه كان صائما تبين أنه أكل ناسيا فلم يفسد صومه.
وعند أبى يوسف رحمه الله تعالى عليه القضاء لأنه أكل متعمدا لأن عنده أنه ليس بصائم فيبطل صومه ولو دخل الذباب حلقه لم يفطره لأنه لا يمكنه الاحتراز عنه فأشبه الناسى ولو أخذه فأكله فطره لأنه تعمد أكله وان لم يكن مأكولا كما لو أكل التراب ولو دخل الغبار أو الدخان أو الرائحة فى حلقه لم يفطره لما قلنا وكذا لو ابتلع البلل الذى بقى بعد المضمضة فى فمه مع البزاق أو ابتلع البزاق الذى اجتمع فى
стр. 6478
فمه لما ذكرنا ولو بقى بين أسنانه شئ فابتلعه ذكر لا يفسد صومه وان أدخله حلقه متعمدا.
روى عن أبى يوسف رحمه الله تعالى أنه أن تعمد عليه القضاء ولا كفارة عليه.
ووفق ابن أبى مالك فقال ان كان مقدار الحمصة أو أكثر يفسد صومه وعليه القضاء ولا كفارة.
كما قال أبو يوسف رحمه الله تعالى وقول أبى يوسف محمول عليه وان كان دون الحمصة لا يفسد صومه كما ذكر فى الجامع الصغير والمذكور فيه محمول عليه وهو الأصح (١). ولو أكره على الأكل أو الشرب فأكل أو شرب بنفسه مكرها وهو ذاكر لصومه لم يفسد صومه عند زفر رحمه الله تعالى لأن هذا أعذر من الناسى لأن الناسى وجد منه الفعل حقيقة وانما انقطعت نسبته عنه شرعا بالنص وهذا لم يوجد منه بالفعل أصلا فكان أعذر من الناسى ثم لم يفسده صوم الناسى فهذا أولى أما عندنا فيفسد صومه لأن معنى الركن قد فات لوصول المغذى الى جوفه بسبب لا يغلب وجوده ويمكن التحرز عنه فى الجملة فلا يبقى الصوم كما لو أكل أو شرب بنفسه مكرها وهذا لأن المقصود من الصوم معناه وهو كونه وسيلة الى الشكر والتقوى وقهر الطبع الباعث على الفساد على ما بينا ولا يحصل شئ من ذلك اذا وصل الغذاء الى جوفه.
وكذا النائمة الصائمة جامعها زوجها ولم تنتبه أو المجنونة جامعها زوجها فسد صمها عندنا خلافا لزفر والكلام فيه على نحو ما ذكرنا ولو تمضمض أو استنشق فسبق الماء حلقه ودخل جوفه فان لم يكن ذاكرا لصومه لا يفسد صومه لأنه لو شرب لم يفسد فهذا أولى وان كان ذاكرا فسد صومه عندنا.
وقال ابن ليلى رحمه الله تعالى ان كان وضوؤه للصلاة المكتوبة لم يفسد وان كان للتطوع فسد.
وقال بعضهم ان تمضمض ثلاث مرات فسبق الماء حلقه لم يفسد وان زاد على الثلاث فسد ولو احتلم فى نهار رمضان فأنزل لم يفطره لقول النبى ﷺ ثلاث لا يفطرون الصائم القئ والحجامة والاحتلام ولأنه لا صنع له فيه فيكون كالناسى. ولو نظر الى امرأة وتفكر فأنزل لم يفطره فان تتابع النظر لم يفطر أيضا لأنه لم يوجد الجماع لا صورة ولا معنى لعدم الاستمتاع بالنساء فأشبه الاحتلام بخلاف المباشرة (٢).
ولو كان يأكل أو يشرب ناسيا ثم تذكر فأبقى اللقمة أو قطع الماء أو كان يتسحر فطلع الفجر وهو يشرب الماء فقطعه أو يأكل فألقى اللقمة فصومه تام لعدم الأكل والشرب بعد التذكر والطلوع ولو كان يجامع امرأته فى النهار ناسيا لصومه فتذكر فنزع من ساعته أو كان يجامع فى الليل فطلع الفجر وهو مخالط فنزع من ساعته.
وقال زفر رحمه الله تعالى فسد صومه وعليه القضاء لأن جزأ من الجماع حصل بعد طلوع الفجر والتذكر وأنه يكفى لفساد الصوم لوجود المضادة له وان قل وأما عندنا فصومه تام وأن الموجود منه بعد الطلوع والتذكر هو النزع والنزع ترك الجماع وترك الشئ لا يكون محصلا له بل يكون اشتغالا بضده فلم يوجد منه الجماع بعد الطلوع والتذكر رأسا فلا يفسد صومه ولهذا لم يفسد فى الأكل والشرب وكذا فى الجماع وهذا اذا نزع بعد ما تذكر أو بعد ما طلع الفجر فأما
стр. 6479
اذا لم ينزع وبقى فعليه القضاء وكفارة عليه فى ظاهر الرواية.
وروى عن أبى يوسف رحمه الله تعالى أنه فرق بين الطلوع والتذكر فقال فى الطلوع عليه الكفارة وفى التذكر لا كفارة عليه (١). والجماع العمد يوجب الكفارة وأما فى التذكر فابتدأ الجماع كان ناسيا وجماع الناسى لا يوجب فساد الصوم فضلا عن وجوب الكفارة وجه ظاهر الرواية أن الكفارة انما تجب فساد الصوم وأفساد الصوم يكون بعد وجوده وبقاؤه فى الجماع يمنع وجود الصوم فاذا امتنع وجوده استحال الافساد فلا تجب الكفارة. ووجوب القضاء لانعدام صومه اليوم لا لافساده بعد وجوده ولا هذا جماع لم يتعلق بابتدائه وجوب الكفارة فلا يتعلق بالبقاء عليه لأن الكل فعل واحد. وله شبهة الاتحاد وهذه الكفارة لا تجب مع الشبهة.
ومن قاء فلا قضاء عليه لأن ذرع القئ مما لا يمكن التحرز عنه بل يأتيه على وجه لا يمكنه دفعه فأشبه الناسى ولأن الأصل أن لا يفسد الصوم بالقئ سواء ذرعه أو تقيأ لأن فساد الصوم متعلق بالدخول شرعا.
قال النبى ﷺ الفطر مما يدخل والوضوء مما يخرج علق كل جنس الفطر بكل ما يدخل ولو حصل لا بالدخول لم يكن كل جنس الفطر معلقا بكل ما يدخل لأن الفطر الذى يحصل بما يخرج لا يكون ذلك حاصلا بما يدخل وهذا خلاف النص الا أنا عرفنا الفساد بالاستيفاء بنص آخر وهو قول النبى ﷺ ومن استقاء فعليه القضاء فبقى الحكم فى الذرع على الأصل ولأنه لا صنع له فى الذرع وهو سبق القئ بل يحصل بغير قصده واختياره والانسان لا يؤاخذ بما لا صنع له فيه فلهذا لا يؤاخذ الناسى بفساد الصوم فكذا هذا لأن هذا فى معناه بل أولى لأنه لا صنع له فيه أصلا بخلاف الناسى على ما مر فان عاد الى جوفه فان كان أقل من ملء الفم لا يفسد بلا خلاف وان كان ملء الفم.
فذكر القاضى فى شرحه مختصر الطحاوى ان فى قول أبى يوسف رحمه الله تعالى يفسد.
وفى قول محمد رحمه الله تعالى لا يفسد وذكر القدورى فى شرحه مختصر الكرخى الاختلاف على العكس فقال فى قول أبى يوسف لا يفسد.
وفى قول محمد يفسد وجه قول من قال يفسد أنه وجد المفسد وهو الدخول فى الجوف لأن القئ ملء الفم له حكم الخروج بدليل انتقاض الطهارة والطهارة لا تنتقض الا بخروج النجاسة فاذا عاد فقد وجه الدخول فيدخل تحت قول النبى ﷺ والفطر مما يدخل ووجه قول من قال لا يفسد أن العود ليس صنعه بل هو صنع الله تعالى على طريق التمحض يعنى به مصنوعه لا صنع للعبد فيه رأسا فأشبه ذرع القئ وأنه غير مفسد كذا عود القئ فان أعاده فان كان ملء الفم فسد صومه بالاتفاق لوجود الادخال متعمدا لما ذكرنا ان القئ ملء الفم له حكم الخروج حتى يوجب انتقاض الطهارة فاذا أعاده فقد أدخله فى الجوف عن قصد فيوجب فساد الصوم وان كان أقل من ملء الفم.
ففى قول أبى يوسف رحمه الله تعالى لا يفسد.
وفى قول محمد رحمه الله تعالى يفسد لأنه وجد الدخول الى الجوف بصنعه فيفسد.
стр. 6480
وفى قول أبى يوسف رحمه الله تعالى لا يفسد لأن الدخول انما يكون بعد الخروج وقليل القئ ليس له حكم الخروج بدليل عدم انتقاض الطهارة به فلم يوجد الدخول فلا يفسد هذا الذى ذكرنا كله اذا ذرعه القئ فأما اذا استقاء فان كان ملء الفم يفسد صومه بلا خلاف لقول النبى ﷺ . ومن استقاء فعليه القضاء وان كان أقل من ملء الفم لا يفسد.
وفى قول أبى يوسف أفسد وعند محمد رحمه الله تعالى يفسد واحتج بقول النبى ﷺ ومن استقاء فعليه القضاء مطلقا من غير تفصيل بين القليل والكثير ولا يفسد فى قول أبى يوسف رحمه الله تعالى لما ذكرنا أن الأصل أن لا يفسد الصوم الا بالدخول بالنص الذى روينا ولم يوجد ههنا فلا يفسد والحديث محمول على الكثير توفيقا بين الدليلين بقدر الامكان ثم كثير المستقاء ولا يتفرغ عليه العدد والاعادة لأن الصوم قد فسد بالاستقاء وكذا قليله فى قول محمد لأن عنده فسد الصوم بنفس الاستقاء وان كان قليلا.
وأما على قول أبى يوسف فان عاد لا يفسد أن أعاده (١).
ففيه عن أبى يوسف روايتان فى رواية يفسد وفى رواية لا يفسد وما وصل الى الجوف أو الى الدماغ من المخارق الأصلية كالأنف والأذن والدبر بان استقطر أو احتقن أو أقطر فى أذنه فوصل الى الجوف أو الى الدماغ فسد صومه أما اذا وصل الى الجوف فلا شك فيه لوجود الأكل من حيث الصورة وكذا اذا وصل الى الدماع لأنه له منفذا الى الجوف فكان بمنزلة زاوية من زوايا الجوف.
وقد روى عن النبى ﷺ أنه قال للقيط بن صبرة بالغ فى المضمضة والاستنشاق الا أن تكون صائما ومعلوم أن استثناءه حالة الصوم بلا احتراز عن فساد الصوم والا لم يكن للاستثناء معنى ولو وصل الى الرأس ثم خرج لا يفسد بأن استعط بالليل ثم خرج بالنهار لأنه لما خرج علم أنه لم يصل الى الجوف أو لم يستقر فيه وأما ما وصل الى الجوف أو الى الدماغ عن غير المخارق الأصلية بأن داوى الجائفة والامة فان دواها بدواء يابس لا يفسد لأنه لم يصل الى الجوف ولا الى الدماغ ولو علم أنه وصل يفسد فى قول أبى حنيفة وان دواها بدواء رطب يفسد عند أبى حنيفة ولا يفسد عندهما لأنهما اعتبر المخارق الأصلية لأن الوصول الى الجوف من المخارق الأصلية متيقن به ومن غيرها مشكوك فيه فلا يحكم بالفساد مع الشك.
ولأبى حنيفة أن الدواء اذا كان رطبا فالظاهر هو الوصول لوجود المنفذ الى الجوف فيبنى الحكم على الظاهر.
وأما الافطار فى الأحليل فلا يفسد فى قول أبى حنيفة وعندهما يفسد قيل أن الاختلاف بينهم بناء على أمر خفى وهو كيفية خروج البول من الأحليل فعندهما أن خروجه منه لأن له منفذا فاذا قطر فيه يصل الى الجوف كالاقطار فى اذن.
وعند أبى حنيفة أن خروج البول منه من طريق الترشح كترشح الماء من الخزف الجديد فلا يصل الاقطار فيه الى الجوف والظاهر أن البول يخرج منه خروج الشئ من منفذه كما قالا.
وروى الحسن عن أبى حنيفة مثل قولهما وعلى هذه الرواية اعتمد أستاذى رحمه الله تعالى.
وذكر القاضى فى شرحة مختصر الطحاوى وقول محمد مع أبى حنيفة وأما الاقطار فى قبل المرأة.
стр. 6481
فقد قال مشايخنا أنه يفسد صومها بالاجماع لأن لمسانتها منفذا فيصل الى الجوف كالاقطار فى الاذن ولو طعن برمح فوصل الى جوفه أو الى دماغه فان أخرجه مع النصل لم يفسد وان بقى النصل فيه فسد.
وكذا قالوا فبمن ابتلع لحما مربوطا على خيط ثم انتزعه من ساعته أنه لا يفسد وان تركه فسد.
وكذا روى عن محمد فى الصائم اذا أدخل خشبة فى المقعد أنه لا يفسد صومه الا اذا غاب طرفا الخشبة وهذا يدل على أن استقرار الداخل فى الجوف شرط فساد الصوم ولو أدخل أصبعه فى دبره.
قال بعضهم يفسد صومه وقال بعضهم لا يفسد وهو قول الفقيه أبى الليث لأن الأصبع ليست بآلة الجماع فصارت كالخشب ولو اكتحل الصائم لم يفسد وان وجد طعمه فى حلقه عنه عامة العلماء.
وقال ابن أبى ليلى يفسد وجه قوله أنه لما وجد طعمه فى حلقه فقد وصل الى جوفه ولنا ما روى عن عبد الله بن مسعود أنه قال خرج علينا رسول الله ﷺ فى رمضان وعيناه مملوأتان كحلا كحلتهما أم سلمة ولأنه لا منفذ من العين الى الجوف ولا الى الدماغ وما وجد من طعمه فذاك أثره لا عينه وأنه لا يفسد كالغبار والدخان. وكذا لو دهن رأسه أو أعضاءه فتشرب فيه أنه يضره لأنه وصل اليه الأثر لا العين (١).
ولو أكل حصاة أو نواه أو خشبا أو حشيشا أو نحو ذلك مما لا يؤكل عادة لا يحصل به قوام البدن يفسد صومه لوجود الأكل صورة ولو جامع امرأته فيما دون الفرج فأنزل وباشرها أو قبلها أو لمسها بشهوة فأنزل يفسد صومه وعليه القضاء ولا كفارة عليه وكذا اذا فعل ذلك فأنزلت المرأة لوجود الجماع من حيث المعنى وهو قضاء الشهوة بفعله وهو المس بخلاف النظر فأنه ليس بجماع أصلا لأنه ليس بقضاء للشهوة بل هو سبب لحصول الشهوة على ما نطق به الحديث اياكم والنظرة فأنها تزرع فى القلب الشهوة.
ولو عالج ذكره فأمنى اختلف المشايخ فيه قال بعضهم لا يفسد وقال بعضهم يفسد.
وهو قول محمد بن سلمة والفقيه أبى الليث لوجود قضاء الشهوة بفعله فكان جماعا من حيث المعنى.
وعن محمد فبمن أولج ذكره فى امرأته قبل الصبح ثم خشى الصبح فانتزع منها فأمنى بعد الصبح أنه لا يفسد صومه وهو بمنزلة الاحتلام ولو جامع بهيمة فأنزل فسد صومه وعليه القضاء ولا كفارة عليه لأنه وان وجد الجماع صورة ومعنى وهو قضاء الشهوة لكن على سبيل القصور لسعة المحل ولو جامعها ولم ينزل لا يفسد ولو حاضت المرأة أو نفست بعد طلوع الفجر فسد صومها لأن الحيض والنفاس منافيان للصوم لمنافاتهما أهلية الصوم شرعا بخلاف القياس باجماع الصحابة رضى الله عنهم على ما بينا فيما تقدم (٢).
هذا ويتعلق بفساد الصوم أحكام بعضها يعم الصيامات كلها وبعضها يخص البعض دون البعض أما الذى يعم الكل فالاثم اذا أفسد بغير عذر لأنه أبطل عمله من غير عذر وابطال العمل من غير عذر حرام لقول الله سبحانه
стр. 6482
وتعالى «وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ﴾ (١)» وأما صيام التطوع فهو خلاف ذلك. لأنه ليس بموجب واذا خفف الحكم بالعذر فلا بد من معرفة الأعذار المسقطة للاثم والمؤاخذة. وهى المرض والسفر والاكراه والحبل والرضاع والجوع والعطش وكبر السن ولكن بعضها مرخص وبعضها مبيح مطلق بلا موجب.
أما المرض فالمرخص منه هو الذى يخاف أن يزداد بالصوم واليه وقعت الاشارة فى الجامع الصغير فأنه قال فى رجل خاف أن لم يفطر يزداد عيناه وجعا أو حماة شدة أفطر. وذكر الكرخى فى مختصره أن المرض الذى يبيح الافطار هو ما يخاف منه الموت أو زيادة لعلة كائنا ما كانت العلة.
وروى عن أبى حنيفة أنه ان كان بحال يباح له أداء صلاة الفرض قاعدا فلا بأس بأن يفطر والمبيح المطلق بل الموجب هو الذى يخاف منه الهلاك لأن فيه القاء النفس الى التهلكة لا لاقامة حق الله تعالى وهو الوجوب والوجوب لا يبغى فى هذه الحالة وأنه حرام (٢) .. وأما حبل المرأة وارضاعها اذا خافت الضرر بولدها فمرخص لقوله تعالى «فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ (٣). وعلى ذلك فان المريض الذى لا يضره الصوم ليس له أن يفطر فكان ذكر المرض كتابة عن أمر يضر الصوم معه وقد وجد ههنا فتدخل تحت رخصة الافطار.
وقد روى عن النبى ﷺ أنه قال يفطر المريض والحبلى اذا خافت أن تضع ولدها والمرضع اذا خافت الفساد على ولدها.
وقد روى عن النبى ﷺ أنه قال ان الله وضع عن المسافر شطر الصلاة وعن الحبلى والمرضع الصيام وعليهما القضاء ولا فدية عليهما عندنا (٤).
وأما المريض فلو جاء وقت الصوم وهو مريض مرضا لا يستطيع معه الصوم أو يستطيع مع ضرر أفطر وقضى هذا ما يعم الصيامات كلها.
وأما الذى يخص البعض دون البعض.
فأما صوم رمضان فيتعلق بفساده حكمان.
أحدهما وجوب القضاء.
والثانى وجوب الكفارة أما وجوب القضاء فأنه يثبت بمطلق الافساد سواء كان صورة ومعنى أو صورة لا معنى أو معنى لا صورة وسواء كان عمدا أو خطأ وسواء كان بعذر أو بغير عذر لأن القضاء يجب جبر الغائب فيستدعى فوات الصوم لا غير والفوات يحصل بمطلق الافساد فتقع الحاجة الى الجبر بالفضاء ليقوم مقام الفائت فينجبر الفوات معنى.
وأما وجوب الكفارة فيتعلق بافساد مخصوص وهو الافطار الكامل بوجود الأكل أو الشرب أو الجماع صورة ومعنى متعمدا من غير عذر مبيح ولا مرخص ولا شبهة الاباحة ونعنى صورة الأكل والشرب ومعناهما ايصال ما يقصد به التغذى أو التداوى الى جوفه من الفم لأن به يحصل قضاء شهوة البطن على سبيل الكمال.
ونعنى بصورة الجماع ومعناه ايلاج الفرج فى القبل لأن كمال قضاء شهوة الفرج لا يحصل الا به ولا خلاف فى وجوب الكفارة على الرجل بالجماع والأصل فيه حديث الأعرابى وهو ما روى أن اعرابيا جاء الى رسول الله صلى
стр. 6483
الله عليه وسلم وقال يا رسول الله هلكت وأهلكت فقال ماذا صنعت قال واقعت امرأتى فى نهار رمضان متعمدا وأنا صائم فقال اعتق رقبة وفى بعض الروايات قال له من غير عذر ولا سفر قال نعم فقال أعتق رقبة وأما المرأة فكذلك يجب عليها عندنا اذا كانت مطاوعة فقد تبين أنه لا سبيل الى التحمل لأن الكفارة انما وجبت عليها بفعلها وهو أفساد الصوم ويجب مع الكفارة القضاء عند عامة العلماء.
وقال الأوزاعى رحمه الله تعالى أن كفر بالصوم فلا قضاء عليه وزعم أن الصومين يتداخلان وهذا غير سديد لأن صوم الشهرين يجب تكفيرا زجرا عن جناية الافساد (١) ورفعا لذنب الافساد وصوم القضاء يجب جبرا للفائت فكل واحد منهما شرع لغير ما شرع له الآخر.
فلا يسقط صوم القضاء بصوم شهرين كما لا يسقط بالاعتاق.
وقد روى عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنهم أن النبى ﷺ أو الذى واقع أمرأته أن يصوم يوما.
ولو جامع فى الموضع المكروه فعليه الكفارة فى قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى لأنه يجب به الحد فلأن تجب به الكفارة أولى.
وعن أبى حنيفة رحمه الله تعالى روايتان روى الحسن عنه أنه لا كفارة عليه.
وروى أبو يوسف عنه اذا توارت الحشفة وجب الغسل أنزل أو لم ينزل وعليه القضاء والكفارة وجه رواية الحسن أنه لا يتعلق به وجوب الحد فلا يتعلق به وجوب الكفارة والجامع أن كل واحد منهما شرع للزجر والحاجة الى الزجر فيما يغلب وجوده وهذا يندر ولأن المحل مكروه فأشبه وط ء الميته ووجه رواية أبى يوسف أن وجوب الكفارة يعتمد افساد الصوم بافطار كامل وقد وجد لوجود الجماع صورة ومعنى ولو أكل أو شرب ما يصلح به البدن أما على وجه التغذى أو التداوى متعمدا فعليه القضاء والكفارة عندنا وذلك لما روى عن النبى ﷺ أنه قال من أفطر فى رمضان متعمدا فعليه ما على المظاهر وعلى المظاهر الكفارة بنص الكتاب فكذا على المفطر متعمدا ولنا أيضا الاستدلال بالموافعة والقياس عليها أما الاستدلال بها فهو أن الكفارة فى المواقعة وجبت لكونها افساد لصوم رمضان من غير عذر ولا سفر على ما نطق به الحديث والأكل والشرب افساد لصوم رمضان متعمدا من غير عذر ولا سفر. فكان ايجاب الكفارة هناك ايجابا ههنا دلالة والدليل على أن الوجوب فى المواقعة لما ذكرنا. وجهان:
أحدهما مجمل والآخر مفسر.
أما المجمل فالاستدلال بحديث الأعرابى ووجهه ما تقدم ذكره وأما الدليل المفسر فلأن افساد صوم رمضان ذنب ورفع الذنب واجب عقلا وشرعا لكونه قبيحا والكفارة تصلح رافعة لأنها حسنة.
وقد جاء الشرع بكون الحسنات من التوبة والايمان والأعمال الصالحات رافعة للسيئات الا أن الذنوب مختلفة المقادير (١). ولو أكل مالا يتعذى به ولا بتداوى كالحصاة والنواة والتراب وغيرها فعليه القضاء ولا كفارة عليه عند عامة العلماء ولأن هذا افطار صورة لا معنى لأن معنى الصوم الكف عن الأكل والشرب الذى هو وسيلة الى العواقب الحميدة قائم وانما الفائت صورة الصوم الا أنا حقنا الصورة بالحقيقة وحكمنا بفساد الصوم احتياطا ولو بلع جوزة صحيحة يابسة أو لوزة يابسة فعليه القضاء
стр. 6484
وكفارة عليه لوجود صورة لا معنى لأنه يعتاد أكله على هذا الوجه. ولو أكل مسكا أو غالية أو زعفران فعليه القضاء والكفارة لأن هذا يؤكل ويتداوى به.
وروى عن محمد رحمه الله تعالى فيمن تناول سمسمة قال فطرته ولم يذكر عليه الكفارة أولا.
واختلف المشايخ فيه. قال محمد بن مقاتل الرازى عليه القضاء والكفارة.
وقال أبو القاسم الصفار عليه القضاء ولا كفارة عليه وقد ذكر أن السمسمة لو كانت بين أسنانه فابتلعها لا يفسد لأنه لا يمكن التحرز عنه.
وروى عن أبى يوسف فيمن امتص سكرة بفيه فى رمضان متعمدا حتى دخل الماء حلقه عليه القضاء والكفارة لأن السكر هكذا يؤكل ولو مص أهليلجة فدخل الماء حلقه قال لا يفسد صومه ذكره فى الفتاوى. ولو خرج من بين أسنانه دم فدخل حلقه أو ابتلعه فان كانت الغلبة للدم فسد صومه وعليه القضاء ولا كفارة عليه وان كانت الغلبة للبزاق فلا شئ عليه وان كانوا سواء فالقياس ان لا يفسد وفى الاستحسان يفسد احتياطا ولو أخرج البزاق من فيه ثم ابتلعه فعليه القضاء ولا كفارة عليه وكذا اذا ابتلع بزاق غيره لأن هذا مما يعاف منه حتى لو ابتلع لعاب حبيبه أو صديقه ذكر الشيخ الامام الزاهد شمس الأئمة الحلوانى ان عليه القضاء والكفارة لأن الحبيب لا يعاف ريق حبيبه أو صديقه (١).
ومن أصبح فى رمضان لا ينوى الصوم فأكل أو شرب أو جامع عليه قضاء ذلك اليوم ولا كفارة عليه عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر عليه الكفارة بناء على أن صوم رمضان يتأدى بدون نية عنده فوجد افساد صوم رمضان بشرائطه وعندنا لا يتأدى فلم يوجد الصوم فاستحال الافساد.
وروى عن أبى يوسف رحمه الله تعالى أنه أن أكل قبل الزوال فعليه القضاء والكفارة وان أكل بعد الزوال فلا كفارة عليه كذا ذكر القدورى الخلاف بين أبى حنيفة ومحمد وبين أبى يوسف فى شرحه مختصر الكرخى.
وذكر القاضى فى شرحه مختصر الطحاوى الخلاف بين أبى حنيفة وبين صاحبيه وجه قول من فصل بين ما قبل الزوال أو بعده ان الامساك قبل الزوال كان بفرض أن يصبر صوما قبل الأكل والشرب والجماع لجواز أن ينوى فاذا أكل فقد أبطل الفرضية وأخرجه من أن يصبر صوما فكان أفسادا للصوم معنى بخلاف ما بعد الزوال لأن الأكل بعد الزوال لم يقع ابطالا للفرضية لبطلانها قبل الأكل (٢). ولو جامع فى رمضانين ولم يكفر للأول فعليه لكل جماع كفارة فى ظاهر الرواية وذكر محمد فى الكيسانيات أن عليه كفارة واحدة وكذا حكى الطحاوى عن أبى حنيفة وجه ظاهر الرواية أنه تكرر سبب أفساد الصوم والحكم يتكرر بتكرر سببه وهو الأصل الا فى موضع فيه ضرورة كما فى العقوبات البدنية وهى الحدود (٣).
وأما صيام غير رمضان فلا يتعلق بافساد شئ منه وجوب الكفارة لأن وجوب الكفارة بافساد صوم رمضان عرف بالتوقيف وأنه صوم شريف فى وقت شريف لا يوازيهما غيرهما من الصيام (٤). وكره أبو حنيفة رحمه الله تعالى أن يمضغ الصائم العلك لأنه لا يؤمن أن ينفصل شئ منه فيدخل خلقه فكان المضغ تعريضا لصومه للفساد فيكره ولو فعل لا يفسد صومه لأنه لا يعلم وصول شئ منه الى الجوف (٥).
стр. 6485
مذهب المالكية
جاء فى مواهب الجليل أنه يستحب للصائم أن يكف لسانه عن الاكثار من الكلام المباح والكلام بغير ذكر الله سبحانه.
وأما كف اللسان عن الغيبة والنميمة والكلام الفاحش فواجب فى غير الصوم ويتأكد وجوبه فى الصوم ولكنه لا يبطل به الصوم.
قال فى شرح قول الرسالة وينبغى للصائم أن يحفظ لسانه وجوارحه لأن كف اللسان عن المعصية فى النميمة وغير ذلك وان كان واجبا الا أنه لا تأثير له فى فساد الصوم حمل على الاستحباب.
وقال فى الاحباء قال أبو سفيان الغيبة تفسد الصوم وعن مجاهد خصلتان يفسدان الصوم الغيبة والكذب.
قال القسطلافى فى شرح البخارى والجمهور على أن الكذب والغيبة والنميمة لا تفسد الصوم (١). واذا ابتلع الصائم فى النهار ما يبقى بين أسنانه من الطعام لم يجب عليه قضاء لأنه أمر غالب.
وقال ابن الماجشون وان كان معتمدا لأنه ابتدأ أخذه فى وقت يجوز له واذا احتقن الصائم فى فرض أو واجب بشئ يصل الى جوفه فليقض صومه ولا يكفر (٢).
قال فى تهذيب الطالب عن السليمانية فبمن تبخر بالدواء فوجد طعم الدخان فى حلقه يقضى صومه.
وقال أبو محمد أخبرنى بعض أصحابنا عن ابن لبابة أنه قال من استنشق بخورا لم يفطر وأكره له ذلك وعلى ذلك فيحمل قول ابن لبابة على من شم الرائحة ولم يجد طعم البخور فى حلقه فيتفق النقلان (٣). والقئ والبلغم اذا عرف صاحبه أنه رجع الى حلقه منه شئ بعد وصوله الى فيه فليقض فى الواجب ولا يقضى فى التطوع.
وقال اللخمى ان رجع الى حلقه قبل فصله فلا شئ عليه فان رجع بعد فصله مغلوبا أو غير مغلوب وهو ناسى فقد اختلف فى ذلك عند من مالك (٤).
قال الجزولى مفسدات الصوم عشرون عشرة متفق عليها وعشرة مختلف فيها فالمتفق عليها تعوى الصوم من النية والأكل والشرب والجماع وان لم يكن انزال والانزال وان لم يكن جماع والمذى ومداومته والحيض والنفاس وخروج الولد والاستقاء اذا رجع من القئ شئ والمختلف فيها الفلقة من الطعام وغبار الدقيق وغبار الطريق وما وصل من غير مدخل الطعام والشراب بل من أنف وأذن أو عين وما ينحدر من الرأس وابتلاع ما لا يتحلل مثل الحصاة والمذى اذا لم يتعمد سببه والاستقاء اذا لم يرجع من القئ شئ والقئ غلبة اذا رجع منه شئ والردة ورفض النية. ومن أكره أو كان نائما فصب فى حلقه ماء فى رمضان أو فى نذر أو ظهار أو صيام كفارة القتل أو فى صيام متتابع أو جومعت امرأة نائمة فى رمضان فالقضاء ذلك كله يجزى بلا كفارة وتصل القضاء فى ذلك بما كان من الصوم متتابعا وان كان فى صوم تطوع فلا قضاء عليه (٥).
стр. 6486
واذا أكره المرأة على الوط ء ورجلان فالكفارة على الأول منهما دون الثانى وذلك أن الثانى لم يفسد صومها ولا أوجب عليها بوطئه ما لم يكن واجب (١). ومن تسحر قرب الفجر فظن أن صومه بطل وان ذلك يبيح له الافطار فأفطر بعد ذلك متعمدا فعلبه القضاء ولا كفارة والعذر فى هذا أضعف من المسئلتين قبله ان لم يقل أحد أن من تسحر قرب الفجر يبطل صومه (٢).
مذهب الشافعية:
جاء فى مغنى المحتاج أن شرط صحة الصوم من حيث الفعل الامساك عن الجماع. بالاجماع ولو بغير انزال لقوله تعالى: «أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ﴾ (٣)» والرفث والجماع نعم فى اتيان البهيمة أو الدبر اذا لم ينزل خلاف فقيل لا يفطر بناء على أن فيه التعزير فقط.
وكذلك الاستقاءة أى القئ يجب على الصائم القضاء اذا كان عالما بالتحريم عامدا مختارا لذلك فان كان جاهلا لقرب عهده بالاسلام أو نشأ بعيد عن العلماء أو قاسيا أو مكرها فانه لا يفطر.
وقال فى البحر الى أن الجاهل. يعذر مطلقا والمتعمد خلافه كما قيده القاضى حسين بما ذكر.
والصحيح أنه لو تيقن أنه لم يرجع شئ الى جوفه. بالاستقاءة كأن تقاربا منكسا بطل صومه بناء على أن المفطر عينهما كالانزال لظاهر الخبر ووجه مقابله البناء على أن المفطر رجوع شئ مما خرج وان قل. ولو غلبة القئ فلا بأس أى لم يضر. ولو اقتلع نخامة من الباطن وهى الفضلة الغليظة التى يلفظها الشخص من فيه ويقال لها أيضا النخاعة بالعين ولفظها أى رماها فلا بأس بذلك فى الأصح. سواء أقلعها من دماغه أم من باطنه لأن الحاجة اليه تتكرر فرخص فيه والثانى يفطر به كالاستقاء ورجح فى الروضة والمجموع القطع بالأول ولو لفظها مع نزولها بنفسها بغلبة أو سعال فلا بأس به جزما واحترز بلفظها عما اذا بقيت فى محلها فأنه لا يفطر جزما وعما اذا ابتلعها بعد أن خرجت الى الظاهر فأنه يفطر جزما فلو نزلت من دماغه وحصلت فى حد الظاهر من الفم بأن أنصبت من الدماغ فى الثقبة النافذة منه الى أقصى الفم فوق الحلقوم فليقطعها من مجراها وليمجها ان أمكن حتى لا يصل شئ الى الباطن فان تركها مع القدرة على ذلك فوصلت الجوف أفطر فى الأصل لتقصيره والثانى لا يفطر لأنه لم يفعل شيئا وانما أمسك عن الفعل فلو لم تصل الى حد الظاهر من الفم وهو مخرج الخاء المعجمة وكذا الحاء المهملة (٤) لم يضر التقطير فى باطن الأذن وان لم يصل الى الدماغ وباطن الأحليل وهو مخرج البول من الذكر واللبن فى الثدى وان لم بيصل الى المثانة ولم يجاوز الحشفة أو الحلمة مفطر فى الأصح. وينبغى الاحتراز حالة الاستنجاء فأنه لو أدخل طرف أصبعه دبره بطل صومه وكذا حكم فرج المرأة ولو طعن نفسه أو طعنه غيره باذنه فوصل السكين جوفه أو أدخل فى احليله أو أذنه عود أو نحوه فوصل الى الباطن بطل صومه. وان أكره حتى أكل أو شرب أفطر فى الأظهر لأنه حصل من فعله لدفع الضرر عن نفسه فأفطر به كما لو أكل لدفع الضرر والجوع.
وقال النووى الأظهر لا يفطر. لأن حكم اختياره ساقط بخلاف من أكل خوفا على نفسه فأشبه الناسى بل هو أولى منه لأنه مخاطب بالأكل لدفع ضرر الاكراه عن نفسه وان أكل ناسيا لم يفطر لخبر الصحيحين من نسى وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فانما أطعمه الله وسقاه الا أن
стр. 6487
يكثر فيفطر به فى الأصح لأن النسيان مع الكثرة نادر (١).
ومن وطئ بتغييب جميع الحشفة أو قدرها من قطر مقطوعها عامدا مختارا عالما بالتحريم فى الفرج ولو دبرا. من آدمى أو غيره فى نهار رمضان ولو قبل اتمام الغروب وهو مكلف صائم آثم بالوط ء بسبب الصوم فعليه وعلى الموطؤة المكلفة القضاء. لافساد صومها بالجماع وعليه وحده الكفارة دونها لنقصان صومها بتعرضه للبطلان بعروض الحيض أو نحوه فلم تكمل حرمته حتى تتعلق بها الكفارة. فتختص بالرجل الواطئ ولأنها غرم مالى يتعلق بالجماع. كالمهر.
فلا يجب على الموطؤة. ولا على الرجل الموطوء. كما نقله ابن الرفعة رحمه الله تعالى وللواط واتيان البهيمة حكم الجماع فيما ذكر.
كما شمله ما ذكر فى الحد. أما الفطر بغير الوط ء كالأكل والشرب والاستمناء والمباشرة فيما دون الفرج المفضية الى الانزال. فلا كفارة به. وأن أدخل بعض الحشفة فلا كفارة به لعدم فطره به ولا كفارة على من جامع ناسيا أو عامدا بعد الأكل ناسيا وظن أنه أفطر بالأكل لأنه يعتقد أنه غير صائم وان كان الأصح بطلان صومه بهذا الجماع، كما لو جامع على ظن بقاء الليل فبان خلافه (٢). والانزال ولو قطرة عن مباشرة بنحو لمس كقبلة بلا حائل يفطر الصائم. لأنه يفطر بالايلاج بغير انزال فبالانزال مع نوع شهوة أولى بخلاف ما لو كان بحائل أو نظر أو فكر ولو بشهوة لأنه انزال بغير مباشرة كالاحتلام (٣).
ومما يفطر الصائم ما وصل من عين وان قلت كسمسمة. عمدا مختارا عالما بالتحريم الى مطلق الجوف من منفذ مفتوح سواء أكان يحيل الغذاء أو الدواء أم لا كباطن الحلق والبطن والأمعاء وباطن الرأس لأن الصوم هو الامساك عن كل ما يصل الى الجوف فلا يضرر وصول دهن أو كحل يتشرب مسام جوفه ولا يفسد ولا يضر ريقه من معدته جوفه. أو وصول ذباب أو بعوض أو غبار طريق أو غربلة دقيق الى جوفه. لعسر التحرز عنه والتقطير فى باطن الأذن مفطر. ولو سبق ماء المضمضة أو الاستنشاق الى جوفه نظر ان بالغ أفطر. والا فلا ولو بقى طعام بين أسنانه فجرى به ريقه من غير قصد لم يفطر أن عجز عن تمييزه وحجيه. لأنه معذور فيه غير مفرط (٣). ومما يفطر الصائم كذلك الحقنة وهى ادخال دواء أو نحوه فى الدبر. أو من أحد السبيلين وذلك بالتقطير فى باطن الأحليل أو ادخال عود أو نحوه فيه فهو مفطر. وكالحقنة دخول طرف أصبع فى الدبر حالة الاستنجاء فيفطر به الا أن أدخل الميسور مقعدته بأصبه فلا يفطر به كما صححه البغوى لاضطراره اليه والقئ عمدا يفطر الصوم وان تيقن أنه لم يرجع منه شئ الى الجوف كأن تقايأ منكسا. لخبر ابن حبان وغيره (من ذرعه القئ). أى غلبه وهو صائم فليس عليه قضاء. ومن استقاء فليقض الصوم (٤).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع: ان من أكل ولو ترابا أو ما لا يغذى، ولا يماع فى الجوف كالحصى أو شرب فسد صومه لقوله تعالى: «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٦)» فأباحهما الى غاية وهى تعيين
стр. 6488
الفجر ثم أمر بالامساك منهما الى دليل لأن حكم ما بعد الغاية مخالف لما قبلها وقوله ﷺ «كل عمل ابن آدم له الا الصوم فانه لى وأنا أجزى به انه ترك طعامه وشرابه من أجلى» متفق عليه ولا فرق بين القليل والكثير.
ومن استعط فى أنفه بدهن أو غيره فوصل الى حلقه أو دماغه. وفى الكافى أو استعط فى خياشيمه فسد صومه لنهيه ﷺ الصائم عن المبالغة فى الاستنشاق ولأن الدماغ جوف والواصل اليه يغذيه فيفطر كجوف البدن.
ولو احتقن فى دبره فسد صومه لأنه يصل الى الجوف ولأن غير المعتاد كالمعتاد فى الواصل ولأنه أبلغ وأولى من الاستعاط ولو داوى الجائفة أو جرحا بما يصل الى جوفه فسد صومه لأنه أوصل الى جوفه شيئا باختياره أشبهه ما لو أكل وكذا لو اكتحل بكحل أو جمر أو قطور أو ذرور أو أثمد ولو غير مطيب يتحقق معه وصوله الى حلقه غصب عليه لأن النبى ﷺ أمر بالأثمد المروح عند النوم وقال ليتقه الصائم رواه أبو داود والبخارى فى تاريخه من حديث عبد الرحمن بن النعمان بن سعيد ابن هوذة عن أبيه عن جده.
ولأن العين منفذ لكنه غير معتاد وكالواصل من الأنف. وان لم يتحقق وصوله الى حلقه. فلا فطر لعدم تحقق ما ينافى الصوم.
ويفسد الصوم أيضا اذا استقاء فقاء طعاما أو مرارا أو بلغما أو دما أو غيره ولو قل.
لحديث أبى هريرة المرفوع من ذرعه القئ فليس عليه قضاء ومن استقاء عمدا فليقض رواه الخمسة.
وقال الترمذى حسن غريب. رواه الدارقطنى ويفسد الصوم لو أدخل الى جوف أو مجوف فى جسده كدماغه وحلقه وباطن فرجه كالدبر.
مما ينفذ الى معدته شيئا من أى موضع كان ولو خيطا ابتلعه كله أو ابتلع بعضه أو رأس سكين من فعله أو فعل غيره باذنه فغاب فى جوفه فسد صومه ويعتبر العلم بالواصل وجزم فى منتهى الغاية بأنه يكفى الظن واختار الشيخ تقى الدين أنه لا يفطر بمداوة جائفة ومأمومة ولا بحقنة ولو داوى المأمومة فوصل الى دماغه أفطر لأن الدماغ أحد الجوفين فالواصل اليه يغذيه فأفسد الصوم كالآخر .. ويفسد الصوم لو استمنى فأمنى أو أمذى لأنه اذا فسد بالقبلة المقترنة بالانزال فلأن يفسد به بطريق أولى فان لم ينزل فقد أتى محرما ولم يفسد صومه وان أنزل لغير شهوة فلا يفسد كالبول. ولو قبل أو لمس أو باشر دون الفرج فأمنى أو أمذى أفطر.
لما روى أبو داود عن عمر رضى الله عنه أنه قال نسيت فقبلت وأنا صائم فقلت يا رسول الله انى فعلت أمرا عظيما قبلت وأنا صائم قال أرأيت لو تمضمت من اناء وأنت صائم قلت لا بأس به وعلل فمه فشبه القبلة بالمضمضة من حيث انها من مقدمات الفطر فأن القبلة اذا كان معها نزول أفطر والا فلا.
ذكره فى المغنى والشرح وفيه نظر لأن غايته انها قد تكون وسيلة وذريعة الى الجماع وعلم منه أنه لا فطر بدون الانزال لقول عائشة وكان النبى ﷺ يقبل وهو صائم وكان أملككم لا ربه رواه البخارى (١) ويفسد الصوم لو كرر النظر فأمنى لأنه انزال بفعل يلتذ به ويمكن التحرز منه أشبه الانزال باللمس. ولا يفطر ان أمذى بتكرار النظر وأنه لا نص فيه والقياس على انزال المنى لا يصبح لمخالفته اياه فى الأحكام - ولا يفطر ان أمنى من غير تكرار النظر لعدم امكان التحرز من النظرة الأولى وعلم منه أنه لو كرر. النظر فلم ينزل فلا فطر (٢). ويفسد الصوم لو حجم أو احتجم فى القنا أو الساق وظهر دم نص
стр. 6489
عليه لقول رسول الله ﷺ أفطر الحاجم والمحجوم رواه أحمد والترمذى من حديث رافع بن خديج (١).
ولو فعل الصائم هذه الأشياء المذكورة عن الأكل والشرب وغيرهما عامد أو قاصدا للفعل.
ذاكرا لصومه مختارا لفعله فسد صومه ولو جهل التحريم فلا يفطر اذا كان غير قاصد الفعل (٢).
ويفطر الصائم بردة مطلقا لقوله تعالى «لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ» وكذلك كل عبادة حصلت الردة فى أثنائها فانها تفسدها. ويفطر الصائم يموت فيطعم من تركته فى نذر وكفارة مسكين لفساد ذلك اليوم الذى مات فيه لتعذر قضائه. وان دخل حلقه ذباب أو غبار طريق أو غبار دقيق أو دخان من غير قصد لم يفطر لعدم القصد كالنائم وعلم منه أن من ابتلع الدخان قصدا فسد صومه. ولو قطر فى أحليله دهنا أو غيره لم يفطر. ولو وصل مثانته لعدم المنفذ وانما يخرج البول رشحا كمداواة جرح عميق لم يصل الى الجوف (٣) .. ولو ولج بفرج أصلى فى فرج غير أصلى كفرج الخنثى المشكل أو أولج بفرج غير أصلى فى فرج غير أصلى كما لو جامع خنثى مشكل خنثى مشكلا فلا كفارة على واحد منهما لاحتمال الزيادة ولم يفسد صوم واحد منهما الا أن ينزل كالغسل فان أنزل وجب عليه القضاء فقط وان أولج بغير فرج أصلى فى فرج أصلى فسد صومها فقط دون صوم الخنثى لأن داخل فرجها فى حكم الباطن فيفسد صومها.
بادخال غير الفرج الأصلى كأصبعها وأصبع غيرها وأولى أى افساد صومها بادخال الفرج غير الأصلى أولى من افساده بادخال أصبع فى فرجها وكلام الأصحاب هنا يخالفه حيث قالوا لا يفسد صوم واحد منهما الا أن ينزل (٤) ..
واذا ظهر دم حيضها اليه ولم يخرج معه فسد صومها ولو كان فى حكم الباطن لم يفسد صومها حتى يخرج منه ولم يجب غسله كالدبر واذا ثبت أنه فى حكم الظاهر فهو كفمها وعمق سرتها وطى تمكنها وانما فسد صومها بايلاج ذكر الرجل فيه لكونه جماعا لا لكونه وصولا الى باطن بدليل انه لو أولج أصبعه فى قبلها فانه لا يفسد صومها والجماع يفسد لكونه مظنة الانزال فأقيم مقام الانزال كما أقيم مقامه فى وجوب الغسل ولهذا يفسد به صوم الرجل وان لم ينزل ولم يصل الى جوفه شئ. وان جامع دون الفرج عامدا فأنزل ولو مذيا فسد الصوم لأنه اذا فسد بالمس مع الانزال مقيما ذكر بطريق الأولى ولا كفارة لأنه ليس بجماع وان لم ينزل لم يفسد صومه كاللمس والقبلة.
واذا أنزل مجبوب أو امرأتان بمساحقة فسد الصوم ولا كفارة (٥) وان اندفعت شهوته بغير الجماع. كالاستمناء بيده أو يد زوجته أو يد جاريته ونحوه كالمفاخذة لم يجز له الوط ء. وأن أمكنه ان لا يفسد صوم زوجته أو أمته المسلمة البالغة بأن يطأ زوجته أو أمته الكتابيتين أو يطأ زوجته أو أمته الصغيرتين أو المجنونتين أو اندفعت شهوته بالوط ء دون الفرج فلا يباح له افساد صومها لعدم الضرورة اليه. وان لم يمكنه عدم أفساد صوم الزوجة أو الأمة المسلمة البالغة جاز له افساد صومها للضرورة كأكل الميتة للمضطر (٦).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أن من نوى وهو صائم صمة
стр. 6490
بطل. اذا تعمد ذلك ذاكرا أنه فى صوم وان لم يأكل ولا يشرب ولا يطأ لقول رسول الله ﷺ «انما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى» فصح يقينا أن من نوى ابطال ما هو فيه من الصوم فله ما نوى (١) ويبطل الصوم تعمد الأكل أو تعمد الشرب أو تعمد الوط ء فى الفرج أو تعمد القئ وهو ذلك ذاكرا لصومه. وسواء قل ما أكل أو كثر. أخرجه من بين أسنانه أو أخذه من خارج فمه فأكله. وهذا كله مجمع عليه اجماعا متيقنا. لقول الله تعالى: «فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٢)».
وروى محمد بن سبرين عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: من ذرعه القئ وهو صائم فليس عليه قضاء ومن استقاء فليقض فليقض (٣).
ويبطل الصوم أيضا تعمد كل معصية. اذا فعلها عامدا ذاكرا لصومه كمباشرة من لا يحل له من أنثى أو ذكر أو تقبيل غير امرأته وأمته المباحتين له من أنثى أو ذكر. أو اتيان فى دبر امرأته أو أمته أو غيرهما أو كذب. أو غيبة.
أو نميمة. أو تعمد ترك الصلاة أو ظلم أو غير ذلك من كل ما حرم على المرء فعله.
لما روى عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : الصيام جنة فاذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذ. ولا يصخب فان سابه أحد أو قاتله فليقل. انى صائم.
ولما روى عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أن النبى ﷺ قال (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة فى أن يدع طعامه وشرابه).
ولما روى عن سليمان التيمى عن عبيد مولى رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ . أتى على امرأتين صائمتين تغتابان الناس. فقال لهما قيئا.
ققاءتا قيحا ودما ولحما عبيطا. ثم قال ﷺ ها ان هاتين صامتا عن الحلال.
وأفطرتا على الحرام (٤). فمن تعمد ذاكرا لصومه شيئا مما ذكر فقد بطل صومه. ولا يقدر على قضائه ان كان فى رمضان أو فى نذر معين الا فى تعمد القئ لخاصة فعلية القضاء.
وذلك لما سبق أن روى عن رسول الله ﷺ أن وجوب القضاء فى تعمد القئ قد صح عن رسول الله ﷺ ولم يأت فى فساد الصوم بالتعمد للأكل أو الشرب أو الوط ء نص بايجاب (٥) القضاء.
لما روى عن أبى هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال هلكت يا رسول الله قال: وما أهلكت قال: وقعت على امرأتى فى رمضان. قال: هل تجد ما تعتق رقبة؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا.
قال: فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا؟ قال: لا. ثم جلس فأتى النبى ﷺ بعرق فيه تمر. فقال: تصدق بهذا فقال:
أفقر منا؟. لأبتيها أهل بيت أحوج اليه منا.
стр. 6491
فضحك النبى ﷺ حتى بدت أنيابه ثم قال: اذهب فأطعمه أهلك (١).
ويبطل صوم من لاط بانسان فى دبره فأمنى أو ببهيمة فى قبل أو دبر فأمنى. ومن بقى الى بعد الزوال لا ينوى صوما. ومن قبل داكرا لصومه فأمنى. ومن لمس كذلك فأمنى. أو جامع كذلك دون الفرج فأمنى ومن تمضمض فدخل الماء فى حلقه وهو ذاكرا لصومه.
ومن أكل أو شرب أو جامع بعد طلوع الفجر وهو غير عالم بطلوعه ثم علم. ومن فعل شيئا من ذلك وهو يرى أن الشمس قد غربت فاذا بها لم تغرب. ومن جن فى يوم من رمضان أو أياما أو الشهر كله الا ساعة واحدة منه - ومن أغمى عليه شهر كله. ومن أغمى عليه بعد ما دخل رمضان. حاشا يوم الليلة التى أغمى عليه فيها. ومن أصبح صائما فى السفر ثم جامع أو أكل أو شرب عامدا ذاكرا. ومن جامع أو أكل أو شرب عمدا ثم مرض من نهاره ذلك أو حاضت ان كانت امرأة.
ومن أصبح فى رمضان لا ينوى صوما ثم أكل أو شرب أو جامع فى صدر النهار أو فى آخره.
والمرأة تجامع وهى نائمة أو مجنونة أو مكرهة ومن احتقن أو استعط أو قطر فى أذنه قطورا. واختلف فبمن قطر فى احليله قطورا فمرة أبطل صومه ومرة لم يبطله وأبطل صوم من داوى جائغة به أو مأمومة بدواء رطب والا فلا - وأبطل صوم من بلع حصاة عامدا. أو بلع جوزة رطبة أو يابسة أو لوزة يابسة ومن رفع رأسه الى السماء فوقع فسقط من المطر فى حلقه وأوجبوا فى كل ذلك القضاء ولكن لا تجب فيه الكفارة (٢).
ولا ينقض الصوم حجامة ولا احتلام ولا استمناء ولا مباشر الرجل امرأته أو أمته المباحة له فيما دون الفرج تعمد الأمناء أم لم يمن أمذى أم لم يمذ ولا قبلة كذلك فيهما. ولا قئ غالب ولا قيئ خارج من الحلق ما لم يتعمد رده بعد حصوله فى فمه وقدرته على رميه ولا دم خارج من الأسنان أو الجوف ما لم يتعمد بلعه ولا حقنه ولا سعوط ولا تقطير فى أذن. أو فى احليل أو فى أنف ولا استنشاق وان بلغ الحلق ولا مضمضة دخلت من غير تعمد. ولا كحل بعقاقير أو بغيرها ولا غبار طحن أو غربلة دقيق أو حناء أو غير ذلك أو عطر أو حنظل أو أى شئ كان ولا ذباب دخل الحلق بغلبة ولا من رفع رأسه فوقع فى حلقه نقطة ماء بغير تعمد لذلك منه ولا مضغ زفت أو مصطلكى أو علك ولا من تعمد أن يصبح جنبا ما لم يترك الصلاة. ولا من تسحر أو وطئ وهو يظن أنه ليل فاذا بالفجر قد كان طلع ولا من أفطر بأكل أو وط ء ويظن أن الشمس قد غربت فاذا بها لم تغرب ولا من أكل أو شرب أو وطئ ناسيا لأنه صائم ولا مضغ طعام أو ذوقة ما لم يتعمد بلعه ولا مداواته جائغة أو مأمومة بما يؤكل أو يشرب أو بغير ذلك ولا طعام وجد بين الأسنان أى وقت من النهار وجد (٣).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار: أنه يندب للصائم توقى مظان الأفطار. ويكره للصائم مضاجعة أهله فى النهار ومقدمات الجماع سيما للشباب ولا كراهة لمن تتحرك شهوته. وينبغى للصائم أن يتحرز عند تمضمضه واستنشاقه من دخول الماء الى حلقه ووصوله الى خياشيمه فان نزل الى جوفه من فيه أو خياشيمه فسد صومه وعليه القضاء ويعفى عما بقى بعد الاستقصاء.
стр. 6492
وعن أبى مضر وأن الاستقصاء بأن يبصق ثلاث مرات. كما ينبغى للصائم أن يتحرز من دخول الغبار والذباب فمه لأنه ربما اجتمع فصار بحيث يمكنه اخراجه باليد أو بالريق من فيه فيصل مع ذلك الى جوفه فيفسد صومه فان دخلا بغير اختياره لم يفسد صومه (١).
واذا استاك نهارا توقى أن يدخل حلقه مما جمعه السواك من خلاف ريقه لأن ذلك يؤدى الى فساد صومه. ويكره للصائم مضغ العلك وهو كل ما يعلك فى الفم من الكندر والمصطكى والشمع واللبان (٢).
ومن شك فى فساد صومه بعد صحة انعقاده حكم بالأصل وهو الصحة فلو شك هل تناول شيئا من المفطرات لم يفسد صومه لأن الأصل الصحة ولو تسحر وهو شاك فى طلوع الفجر حكم بالأصل وهو بقاء الليل فيصح صومه وهكذا لو أفطر وهو شاك فى غروب الشمس حكم بالأصل وهو بقاء النهار فيفسد صومه ويكره للصائم الحجامة. لقوله ﷺ أفطر الحجام والمحجوم له وكراهة الحجامة للصائم وذلك لأنه بيخشى منه الضعف من أجلها ولا يفسد صومه لأن النبى ﷺ احتجم وهو صائم ورخص للصائم فيها (٣).
ويفسد أمور ثلاثة:
الأول الوط ء وهو التقاء الختانين مع توارى الحشفة وقدرها من المقطوع فما أوجب الغسل أفسد الصوم وهكذا يعتبر فى الخنثى.
والثانى الامناء وهو انزال المنى لشهوة ولم يكن بجماع اذا وقع ذلك فى يقظة أو أمنى من غير شهوة أو لأجل احتلام أو جومعت وهى نائمة، ليس عدم فساده لكونها نائمة بل لأنها لم يبق لها فيه فعل والا لزم أن النائم ولو وطئ لا يفسد صومه كذلك بل يفسد صومه كما لو أكل وهو نائم. ولا خلاف فى أن الامناء مفسد اذا كان بسبب مباشرة أو مماسة كتقبيل ولمس وأما اذا وقع لأجل النظر لشهوة أو لأجل فكر فاختلف فيه أما النظر فقال بعض الأئمة أنه يفسد وقال البعض الآخر أنه لا يفسد.
وأما الأفكار فقال بعض العلماء وحكاه أبو جعفر عن الهادى والقاسم والناصر أنه يفسد أيضا واحد احتالى السيدين أنه لا يفسد. ومن جومعت مكرهة من دون أن يكون منها تمكين ولا استطاعة فانه يفسد صومها ومن جومعت وهى مجنونة جنونا عارضا ولم يكن منها فعل فانه لا يفسد صومها.
والثالث مما يفسد الصوم هو ما وصل الجوف. ومن ابتلع طرف خيط وبقى طرفه خارجا أفسد. وسواء ما وصل الى الجوف مما يؤكل أم لا كالحصاة والدرهم ونحوهما وانما يفسد الصوم بشروط:
الأول: أن يكون مما يمكن الصائم الاحتراز منه فان كان مما يتعذر الاحتراز منه كالدخان لم يفسد وهكذا الغبار اذا كان يسيرا بحيث لا يمكن الاحتراز منه ولو تعمد دخولهما:
الشرط الثانى: أن يكون جاريا فى الحلق فلو وصل الجوف من دون أن يجرى فى الحلق لم يفسد عندنا وذلك كالحقنة والطعنة والرمية دواء الجائفة بما بصل الى الجوف وقال بعض العلماء بل يفسده الحقنة.
والشرط الثالث: أن يكون جاريا فى الحلق من خارجه فلو جرى فى الحلق ولم يجر من خارحه
стр. 6493
بل نزل من الدماغ أو العين أو الخيشوم كالنخامة اذا نزلت من مخرج الخاء فانه لا يفسد وكالقئ لو رجع من مخرج الخاء ولو عمدا.
الشرط الرابع: أن يكون جريه فى حلق الصائم بفعله أو سبه فأما لو كان ذلك بغير فعله ولا سبه لم يفسد صومه كمن أو جر ماء فدخل بغير اختياره وكمن جومعت مكرهة لا فعل لها أو نائمة فأن ذلك لا يفسد وفعله نحو أن يرد رده وأما سببه فنحو أن يفتح فاه للدخول قطر المطر أو البرد فيدخل ولم يرد رده فان ذلك مفسد لأن السبب كالفعل فأما لو فتح فاه للتساؤب لم يفسد وأما لو فتحه لغير غرض رأسا فدخله ذباب أو مطر أو نحوهما لم يفسد صومه ذكره البعض للمذهب (١) ومن السبب أن يتعمد القئ فيرجع منه شيئا فأنه يفطر لذلك ومنه أن يتعمد استخراج النخامة فنزلت الجوف من فمه فأنها تفسد لأنها قد مرت فى الحلق من خارجه بسببه وضابط النخامة ان تعمد الدخول أو الخروج أفسد والا فلا، والمراد بالفم حيث يبلغه التطهير وهو ما يصله الماء عند المضمضة.
ومن السبب أن يتعمد القئ فيرجع منه شئ فانه يفطر بذلك ومنه أن يتعمد الدخول أو الخروج أفسد والا فلا. والمراد بالفم حيث يبلغه التطهير. وهو ما يصله الماء عند المضمضة.
قال الغزالى بل اذا رجعت من مخرج الخاء المعجمة فسد الصوم واختاره الفقيه فى التذكرة.
قال مولانا ﵇. وفيه نظر لأنه مخالف لاطلاق أصل المذهب من اعتبار رجوعها من الفم لا من الحلق والحاء والخاء جميعا من حروف الحلق (٢).
ولو أفطر بأى أسباب الافطار وكان فى تلك الحال ناسيا لصومه فان الناسى فى هذا الباب كالعامد.
وعند أبى على والناصر والفقهاء أنه اذا أكل ناسيا أو جامع ناسيا فلا قضاء عليه ولا يفسد صومه عندهم. حجتهم قوله ﷺ . الله أطعمه وسقاه فيتم صومه أو اذا أفطر الصائم بأى أسباب الافطار مكرها على ذلك فأنه يفسد صومه اذا وقع الافطار بفعله أو فعل سببه ولو كان مكرها بالوعيد على أن يفعل ذلك فلا تأثير فلا اكراه فى عدم الفساد فأما لو أكره على وجه لم يبق له فعل لم يفسد صومه (٣).
وكل ما وصل الى الجوف جاريا فى الحلق من خارجه بفعل الصائم أو سببه أفسد الصوم الا ثلاثة أشياء:
الأول: الريق فان ابتلاعه لا يفسد الصوم اذا ابتلعه الصائم من موضعه. ومضعه هو الفم واللسان واللهوات (٤) فلو أخرجه الى كفه ثم ابتلعه فسد صومه.
وقال أبو مضر لا يفسد وهكذا لو أخرجه الى خارج الشفتين ثم نشفه وابتلعه.
وأما اذا أخرج الريق على طرف اللسان ثم ابتلعه فانه لا يفسد فان أخرج لسانه واسترسل الريق منها فى السواء وهو متصل وابتلعه فسد صومه اذ قد خرج عن موضعه. وقيل لا يفسد ذكره الامام على الدين (٥).
والثانى: من المستثنيات هو يسير الخلالة وهو اللحم ونحوه الذى يبقى بين الأسنان بعد الأكل فأنه لا يفسد الصوم اذا كان يسيرا بحيث يجرى مع الريق وسواء ابتلعه عمدا أو سهوا. قال ﵇ وليس المقصود بقولنا ويسير
стр. 6494
الخلالة معه أن ينزل مصاحبا للريق وانما المقصود أنه يعفى عنه مهما بقى مع الريق أى فى موضعه يعنى من داخل الفم لو بذق الخلالة اليسيرة الى يده ثم ابتلعها عمدا فسد صومه كالريق.
الثالث: من المستثنيات ما نزل من الخيشوم الى الجوف من سقوط الليل (١). وضابطه أنه اذا استسعط فى وقت يباح له لم يفسد ولو نزل فى النهار وان كان فى وقت لا يباح له أفسد ولو تخلل الليل. وعلى ذلك فان سقوط الليل لا يفسد الصوم فأما سقط النهار فانه يفسده (٢).
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية: أنه يجب على الصائم. الكف نهارا عن الأكل والشرب مطلقا المعتاد منهما وغيره. والجماع كله قبلا ودبرا لآدمى وغيره على أصح القولين. والاستمناء وهو طلب الامناء بغير الجماع مع حصوله.
لا مطلق طلبه وان كان محرما أيضا. وايصال الغبار المتعدى الى الحلق غليظا كان أم لا بمحلل كدقيق وغيره كتراب وتقييده. بالغليظ فى بعض العبارات ومنها الدروس لا وجه له.
والبقاء على الجنابة مع علمه بها سواء نوى الغسل أم لا. ومعاودة النوم جنبا بعد انتباهتين.
متأخرتين عن العلم بالجنابة وان نوى الغسل اذا طلع الفجر عليه جنبا لا بمجرد النوم كذلك فيكفر من لم يكف عن أخذ هذه السبعة اختيارا فى صوم واجب متعين أو فى شهر رمضان مع وجوبه بقرينة المقام ويقضى الصوم مع الكفارة لو تعمد الاخلال بالكف المؤدى الى فعل أحدهما. والحكم فى الستة السابقة قطعى وفى السابعة مشهورى ومستنده غير صالح.
وهذا حكم المتعمد بخلاف الجاهل بتحريمها وافسادها. وخرج الناسى فلا قضاء عليه (٣).
ولما روى عن جميل بن دراج عن أبى عبد الله ﷺ . أنه سئل عن رجل أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا. فقال ان رجلا أتى النبى ﷺ فقال: هلكت يا رسول الله فقال: مالك. فقال: النار يا رسول الله. قال: ومالك قال: وقعت على أهلى. قال: تصدق واستغفر الله. فقال الرجل: فو الذى عظم حقك ما تركت فى البيت شيئا لا قليلا ولا كثيرا. قال فدخل رجل من الناس بمكثل من تمر فيه عشرون صاعا يكون عشرة أصدع بصاعنا فقال له رسول الله ﷺ خذ هذا التمر فتصدق به.
فقال: يا رسول على من أتصدق به وقد أخبرتك أنه ليس فى بيتى قليل ولا كثير. قال فخذه وأطعمه عيالك واستغفر الله (٤).
ولو أرتمس الصائم بأن غمس رأسه أجمع فى الماء دفعة واحدة عرفية وان بقى البدن متعمدا فيجب على الصائم القضاء. والأقوى تحريمه من دون افساد.
وفى الدروس أوجب به القضاء والكفارة وحيث يكون الارتجاس فى غسل مشروع يقع فاسدا مع التعمد للنهى ولو نسى صح الصوم (٥).
ويفسد صوم ممن تعمد القئ مع عدم رجوع شئ منه الى حلقه اختيارا. والا وجبت الكفارة.
وذلك بخلاف ما لو كان القئ بغير اختياره فانه لا قضاء عليه فانه مع تحفظه (٦).
стр. 6495
ويفسد الصوم اذا نظر الصائم الى امرأة محرمة بقرينة. أو نظر الى غلام فأمنى مع عدم قصده الامناء ولا اعتياده ولو كان بقصد فالأقرب الكفارة وخصوصا مع الاعتياد اذ لا ينقص عن الاستمناء بيده أو ملاعبته ويجب القضاء على الصائم.
انما وجب القضاء مع النظر الى المحرم مع عدم الوصفين للنهى عنه فأقل مراتبه الفساد كغيره من المنهيات فى الصوم من الارتماس والحقنة وغيرهما. والأقوى عدم القضاء بدونهما كغيره من المنهيات وان أثم واذ لا دلالة فى التحريم على الفساد لأنه أعم. فلا يفسد الا مع النص عليه. كالتناول والجماع ونظائرهما.
ولا فرق حينئذ بين المحللة والمحرمة الا فى الاثم وعدمه ولا يفسد الصيام بمص الخاتم.
وشبهه وأما مص النواة فكمروه وزق الطائر ومضغ الطعام وزق المرق وكل ما لا يتعدى الى الحلق (١).
وروى عن أبى عبد الله ﷺ أنه سئل عن رجل يمس من المرأة شيئا أيفسد ذلك صومه أو ينقصه فقال. ان ذلك يكره للرجل الشاب مخافة أن يسبقه المنى.
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل: أنه يجب على الصائم الامساك عن كل مفطر يصل الى الجوف أى المبطن. واختلف فيما خرج عن حد الفم الى داخل والتصق به فأنه كالبطن سواء كان من أى منفذ يصل الى مطلق البطن لا بخصوص دخول المعدة أو المصارين. سواء كان ذلك مغذيا أو غير مغذ كذهب وفضة ونحاس ورصاص وتراب وصوف وحرير وغير ذلك.
وعن بعض أهل الخلاف لا فطر بما وصل الجوف من طعام وشراب وغيرهما من غير الموضع المعتاد للأكل والشرب والمأخوذ به الأول فمن جعل ماء ونحوه لحاجة فى المجارى التى تؤدى الى الحلق أو الى البطن انتقض صومه كله وقيل يومه ولزمته المغلظة والصحيح أنه لا شئ عليه الا أن تبين له أنه وصل الحلق والجوف فالاعادة فقط ومن أمسك فى فيه حديدا أو نحاسا أو فضة أعاد الصوم صوم ما مضى أو اليوم ولزمه الكفارة أن تعمد والا أعاد يومه ذكرا كان أو امرأة (٤).
ومن جعل فى فيه نحو حصاة فسبقت الى حلقه أعاد يومه وقيل لا والظاهر عندى أن المراد بقولهم أمسك حديدا أو نحاسا أو فضة فى فيه أنه أمسكه وكان كحاله قبل الامساك من بلع الريق لأنه ان بلعه فقد بلع الصدى وأما ان لم يبلع فلا فساد قطعا ويشير الى ذلك قولهم أنه لا يفسد بامساك الذهب فى الفم وذلك لأنه لا يصدى فلو خلط به فضة أو نحاس أو حديد أو غير ذلك مما ينحل منه شئ لفسد أيضا (٥).
كما يجب الامتناع عن اخراج المنى بعمد زمان الصوم سواء بتحريك العورة باليد أو بغير اليد أو بادامة النظر والفكر أو الاستماع الى كلام أو بمس الذكر الى جسد أو ثوب أو غيرهما أو سواء كان ذكرا أو أنثى فيما بين الزوج والزوجة أو السيد وأمته وأما غيرهم فأن ذلك منه كبيرة تنقض الوضوء والصوم ولو لم ينزل
стр. 6496
النطفة ولو حرك ذكره بيده أو حركت فرجها تشهيا وقيل لا ينقض فى غير النظر والانزال ولا نقض بالنظر ومس الزوج والسيد ما لم يكن انزال ولا نقض بانزال بلا عمد ولو كان أصله من نظر أو مس أو سماع اذا كان النظر والمس والسماع بلا تعمد ولا قصد وقيل يعيد يومه والصحيح أن لا اعادة وعن كل ما يفسد الصوم مما ذكر وكذلك يفسده أيضا الافطار بالحرام من مال مغصوب أو مسروق على العمد ونحو ذلك وقيل لا يفسد الصوم.
وفى الديوان ان أفطر بالحرام وبدأ بالفاحة فى وقت الافطار كفر وصح صومه وقبل يبدل (١) يومه، وقيل انهدم ما صام كله.
ومن انعط ذكره. حتى أمنى لا بمس أو نظر أو فكر وأن بكيد بمثل يد ولا يتفكر أو نظر مدام بل خطر له فى قلبه أمر الجماع ضرورة ولم يستعمل اليه أو نظر بلا عمد فكيف ووقع فى قلبه ذلك ضرورة أو مس بلا عمد ووقع فى قلبه ضرورة أو سمع بدون استماع فوقع ذلك ضرورة أو فعل مثل ذلك فيجب على الصائم أن يبدل يومه وقيل لا يجب ابداله ان لم يعالجه ولم يرده وكذلك يفسده أيضا الافطار بالحرام من مال مغصب أو مسروق على العمد ونحو ذلك وقيل لا يفسد الصوم بالافطار بالحرام لكن يلزمه رد مثله لمولاه أو قيمته وفى الديوان أن أفطر بالحرام أو بدأ بالفاحشة فى وقت الافطار كفر وصح صومه ومن أكل أو شرب أو فعل مفسد للصوم بعد الاصباح وقد نظر الى الفجر ولم يره لخلل فى نظره كسحاب رقيق لم يظنه سحابا ولم يره وكضعف بصره لنوم أو غيره هل يقضى يومه أو لا يقضى؟ فمن يقول بأن موجب الامساك هو تبين الفجر لا يوجبه، ومن ثم فعلى القول الأول أوجب القضاء على من ظن أن الشمس قد غابت فأكل فاذا هى لم تغب لكن هل يعيد ما مضى أو يومه فقط قولان والثانى هو الأصح وعليه الأكثر وقيل انهدم صومه ولزمته المغلظة ذكره فى الديوان ولا يأكل منتبه من نوم ليلة غيم حتى يسأل فان تعمد أكلا قبل السؤال ثم بان أن الأكل بعد الصباح فسد ماضيه ويومه (٣).
وفسد الماضى كله أو اليوم بالوارد جوفا ولو حلقا عمدا ولو دمعا أو مخاطا وخلا من فم أو كان فى الفم من الأنف أو ريقا بأن عن فم منقطعا لا ان خرج متصلا ورجع متصلا، وفى لزوم مغلظة بالرميق البائن والمخاط البائن قولان ورخص فى عدم فساده فلا مغلظة والأول وهو الفساد أصح وعليه الأكثر والأصح أيضا لزوم المغلظة ولا يجعل الصائم وهنا أو دواء أو ماء أو غير ذلك فى مجرى مؤدى للحلق ولو أذن عند من قال بأن الأذن توصل الحلق من الفم - فخلافا لمن أجاز ذلك وكره أبو الحسن ذلك.
ومن سقط أو احتقن فى الدبر فقد لزمه القضاء والكفارة وكره بعضهم السعوط والاحتقان كراهة ولا بأس بالاحتقان فى الذكر ولا بأس يفطر الدواء فى الأذن تضرر لأنه يوصل الى الدماغ لا الى الجوف وفى الافطار يطالع من صدر ونازل من رأس ولو لم يصلا حد الفم أقوال أحدها عدم الافطار بهما لأنهما فى داخل كالريق، والآخر الافطار بهما، ثالثها المختار الافطار بالطالع لا النازل.
قال الشيخ يحيى رحمه الله تعالى: والذى نزل الرأس اذا كان متعمدا ينقض الصوم ولا بأس به فى الصلاة وما يطلع من الصدر اذا كان متعمدا ينقض الصلاة لا الصوم وقيل ما نزل من
стр. 6497
الرأس ينقض الصلاة لا الصوم وما طلع من الصدر ينقض الصوم لا الصلاة وقيل ما نزل من الرأس ينقضها والذى يطلع لا ينقضهما وقيل ما طلع ينقضمها وما نزل لا ينقضهما، وقيل ينقضهما الطالع والنازل، وقيل لا ينقضهما الطالع ولا النازل.
وفى الديوان وان بلع دموعه أو مخاطه وهما متصلان فقد انهدم صومه وعليه مغلظة، ومنهم من يرخص، وان طلع العقدة التى تجئ من الرأس فقد انهدم صومه وعليه مغلظة ومنهم من يرخص ولا ينهدم بالعقدة التى تجئ من الصدر وقيل ينهدم (١).
ومن عبث بذكره أو أدام نظرا بشهوة أو أدام فكرا فى الجماع أو مس البدن باليد أو الذكر أو غيرهما أو قيل عمدا انهدم صومه ولزمته مغلظة عند الأكثر ان أمنى - وقيل ولو لم يخرج من ذكره اذا انفصل عنه فى داخله - كالمجامع الغائب الحشفة مطلقا ان أمنى أو لم يمن لا أن أمذى أو أوذى ذلك العابث أو مديم النظر أو الفكر أو المقبل وقيل الامذاء والابذاء كالامناء وهو قول من ألزم الغسل بهما، ومن ثم كره التقبيل لصائم ولو شيخا على الأصح وأوجب بعض به أفطارا مطلقا ولو بلا امذاء.
وروى بعض قومنا عن جابر بن زيد رضى الله تعالى عنه أنه لا شئ على من مردد النظر حتى أمنى.
وعن مالك رحمه الله تعالى أن لم يتابع النظر فعليه قضاء ما مضى وان قبل بشهوة من لا يحل له أو نظره بشهوة أو فكر فيه أعاد ما مضى، وقيل أعاد يومه واختلف فى الكفارة سواء أمنى أو لم يمن، وقيل أن من أمنى بيده يلزمه ما يلزم من زنا.
وان نظرت امرأة أو فكرت فيما يحل أو فيما لا يحل حتى أتاها بلل لم يضرها ذلك فى صومها.
وقيل ينهدم كذا فى الديوان ووجهه أنها فكرت معرضة عن قصد الامناء ففاجأها، وأجاز بعضهم التقبيل للشيخ ومن يملك أربه وأجازه بعض للشيخ والشاب ومن لا يملك أربه بلا كراهة، ومن خاف الانزال بالتقبيل وقبل فسبقه المنى أفطر لأنه متعرض له، ومن لزمته الجنابة ليلا باحتلام ولم يعلم حتى أصبح ولم يفق حتى أصبح.
قال أصحابنا صح يومه ولا بدل عليه اذ لو احتلم نهارا لم يلزمه بدل ان لم يضيع الغسل، وأما ما روى عن رسول الله ﷺ «من أصبح جنبا أصبح مفطرا» فمحمول على من أصبح جنبا عمدا (٢).
ومن انعظ ذكره (٣) حتى أمنى لا يمس أو نظر أو فكر وان ترامع بمثل يد ولا بتفكر أو نظر مدام بل خطر له فى قلبه أمر الجماع ضرورة ولم يستعمل اليه أو نظر بلا عمد ووقع فى قلبه ذلك ضرورة أو مس بلا عمد وقع فى قلبه ضرورة أو سمع بدون اسماع فوقع ذلك ضرورة أو فعل مثل ذلك فيجب على الصائم أن يبدل يومه وقيل لا يجب ابداله ان لم يعالجه ولم يرده (٤).
ويفسد صوم اليوم أو الماضى على من ادخلت
стр. 6498
فى فرجها عودا أو أصبعا ان التذت به ولزمتها مغلظة قولان وقيل لا تلزمها المغلظة بل ينهدم ما صامت فقط وقيل يومها وقل لا تلزمها المغلظة ولا ما مضى ولا يومها بل الاثم (١).
وفى الديوان: ان التذت بذلك وكان منها بلل انهدم صومها ولزمتها مغلظة وان لم يكن بلل فلتعد يومها.
والصحيح أنه ان أمنت لزمتها المغلظة وقضاء يومها وما مضى والا فيومها فقط وانهدم صوم المتراكبتين بالبلل أو بالامناء على ما مر، ولزمت كل واحدة منهما مغلظة.
ومن لم يغتسل حتى أصبح أو لزمه غسل نهارا فى نوم أو ضرورة أو نسيان من الليل فضيعه أو قدر ما يؤدى فيه الاغتسال مع مقدماته التى يصبح بها أفطر وأعاد ما مضى، وقيل أعاد يومه وقيل تلزمه المغلظة ذكره فى جامع أبى مسئلة وقيل ان منع مانع من الاغتسال فلا افطار حتى يضيع قدر الاغتسال وكذلك الكلام فيما اذا تيمم للجنابة لمانع وزال المانع وضيع بعد زواله نهارا، ومن انتبه من النوم بعد الاصباح أو قبله بقدر ما لا يغتسل مثلا فليغتسل من حين انتبه ووجد الجنابة.
وقال قومنا الجنابة لا تضر الصوم.
وفى الديوان: وقيل من ضيع الغسل قدر ما يغسل فيه شيئا من جسده انهدم صومه، وقيل ينهدم ان ضيع مقدار ما يتيمم فيه ومنهم من يرخص لجنب أن يؤخر الغسل الى وقت صلاة الأولى ان أجنب بعد صلاة الفجر وكذلك أن أجنب بعد صلاة الظهر وآخر الغسل الى العصر وان أجنب بعد العصر وأخره الى غروب الشمس انهدم ورخص بعضهم ان أخره الى صلاة المغرب، وان أجنب بعد العصر وقد بقى من النهار ما لا يدرك فيه الغسل فضيع حتى غابت الشمس فلا ينهدم وقيل ينهدم، وكذلك ان نزلت عليه الجنابة قبل طلوع الشمس بمقدار ما لا يتم فيه الغسل الا طلعت عليه.
وذكر فى الديوان أنه من توانى أو رقد حتى دخل عليه النسيان انهدم وان علمه ونسى أنه فى رمضان فلا ينهدم، وان رقد ناويا أن يقوم فأنتبه بعد الاصباح أو فى وقت لا يدرك الغسل انهدم قلت وقيل الا يومه وفيه: وان انتبه بليل فنزع النجس وأفاض الماء على رأسه فأصبح انهدم ورخص بعض ومن ضيع بليل حتى لا يدركه فحدثت اليه علة تمنعه من الغسل فيتيمم قبل الصبح انهدم ورخص وان بقى له ما يغتسل فلا ينهدم (٢). واصح النقض ليومه وقيل للماضى كله بكذب عمدا وبكل كبيره كالغيبة والتحريمة وترك الصلاة، وقيل بالكذب عمدا والغيبة والنميمة فقط، وزعم بعض أنه لا ينقض بالثلاثة أيضا وينتقض بكبيرة الشرك، وقيل ينتقض بالكذب والغيبة والنميمة واليمين الكاذبة ونظر الشهوة لحديث انهن ينتقضن الوضوء ويبطل الأعمال ويسقين أصول الشر، ولا ينقض الصوم عند بعضهم بكبيرة الا ما ورد به الحديث من الكبائر وهو تلك الخمسة، وقيل لا نقض بكذب الا بأن كان كذبا عن الله ورسوله أو أضاع به شيئا أو كان ظلما مطلقا، وقيل ان تاب عن كذب فى حينه صح صومه (٣).
ويفسد الصوم بالقئ العمد وقيل تلزم به الكفارة المغلظة أيضا الا أن غلبه الصوم القئ وقيل لا ينتقض الصوم ولو عمدا أو لشبع.
وقيل من تقيأ بشبع أعاد يومه. وقيل من ذرعه
стр. 6499
القئ ولا لم يكن بشبع أعاد يومه ويردهما الحديث ان النقض على من استقاء لا على من ذرعه القئ وان رجع منه شئ غلبة فالحكم كحكم من بلع شيئا غلبة قيل يعيد يومه وقيل لا.
ولا نقض بالتبشم عن شبع وهو مكروه وكره احتجام نهارا مطلقا وقيل فى آخره وقيل فى أوله لا لفساده بل لخوف الضعف فيؤدى للافطار أو ليصوم يومه معه لليل وكذا القاء التفث (١).
والأكثر على اجازة الاكتحال نهارا مطلقا ولو كان فيه طعام وهذا لا يظهر الى أنه أخذه من قول الشيخ رحمه الله تعالى. وقيل ان لم يخلط بدواء يؤكل جاز وان خلط بدواء يوكل فلا يجوز وهذا يناسب قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى انه لا يفطر الا بما يؤكل. وجوز مع الكراهة لصائم ان يذوق طعم خل أو قدر أو عجين أو غير ذلك بلسانه وأن يمضغ لصبى مع حذر من أن يبلع شيئا وسواء كان الصائم ذكرا أو أنثى (٢).
والاغماء مفسد للصوم مطلقا ان بهت اليه من الليل. أو يفرق بين أن يغمى على شخص قبل الفجر أو بعده واذا أغمى عليه بعده. فأما أن يكون بعد مضى أكثر النهار أو أقله أقوال فالأول يوجب قضاء كل يوم وقع الاغماء فيه والثانى لا الا أن أفطر بأكل أو شرب أو جماع أو نحو ذلك وان لم يبيت النية من الليل. والمفسد له ان أغمى عليه قبل الفجر أوجب قضاء كل يوم طلع فجره على من لا يعقل صومه وهذا أحوط لدخوله فيه أى لشروعه فيه مع الفجر (٣).
ولزم من قاء عمدا بأصبعه أو مداومة النظر الى شئ قضاء للماضى وقيل ليومه فقط. لأنه الوارد فى الحديث دون الكفارة وقيل تلزمه كفارة أيضا لفعله المحرم.
فان كل فعل يفسد الصوم حرام أصله ومنه القئ. والأكل فان أكل عمدا يلزمه القضاء والمغلظة فكذا القائى عمدا وقيل يعيد يومه فقط وقيل مع الكفارة (٤).
ما يفسد الاعتكاف وما لا يفسده
مذهب الحنيفية:
جاء فى بدائع الصنائع: أن المعتكف لا يخرج من معتكفه فى الاعتكاف الواجب ليلا ولا نهارا الا لما لا بد له منه من الغائط والبول وحضور الجمعة لأن الاعتكاف لما كان لبا واقامة فالخروج يضاده ولا بقاء للشئ مع ما يضاده فكان ابطالا له وابطال العبادة حرام. لقول الله تعالى «وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ﴾ (٥)» الا أنا جوزنا له الخروج لحاجة الانسان اذ لا بد منها وتعذر قضاؤها فى المسجد فدعت الضرورة الى الخروج ولأن فى الخروج لهذه الحاجة تحقيق هذه القربة لأنه لا يتمكن المرء من أداء هذه القربة الا بالبقاء ولا بقاء بدون الفوت عادة ولا بد لذلك من الاستفراغ على ما عليه مجرى العادة فكان الخروج لها من ضرورات الاعتكاف ووسائله وما كان من وسائل الشئ كان حكمه حكم ذلك الشئ فكان المعتكف فى حال خروجه عن المسجد لهذه الحاجة كأنه فى المسجد.
وقد روى عن عائشة رضى الله تعالى عنها أن النبى ﷺ كان لا يخرج من
стр. 6500
معتكفه ليلا ولا نهارا الا لحاجة الانسان وكذا فى الخروج فى الجمعة ضرورة لأنها فرض عين ولا يمكن اقامتها فى كل مسجد فيحتاج الى الخروج اليها كما يحتاج الى الخروج لحاجة الانسان فلم يكن الخروج اليها مبطلا لاعتكافه. ولأن اقامة الجمعة فرض لقوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ﴾ (١)» والأمر بالسعى الى الجمعة أمر بالخروج من المعتكف ولو كان الخروج الى الجمعة مبطلا للاعتكاف لما أمر به لأنه يكون أمرا بابطال الاعتكاف وأنه حرام ولأن الجمعة لما كانت فرضا حقا لله تعالى عليه والاعتكاف قربة ليست هى عليه فمتى أوجبه على نفسه بالنذر لم يصح نذره فى ابطال ما هو حق لله تعالى عليه بل كان نذره عدما فى ابطال لهذا الحق ولأن الاعتكاف دون الجمعة فلا يؤذن بترك الجمعة لأجله وأما وقت الخروج الى الجمعة ومقدار ما يكون فى المسجد الجامع.
فذكر الكرخى رحمه الله تعالى وقال ينبغى أن يخرج الى الجمعة عند الآذان فيكون فى المسجد مقدار ما يصلى قبلها أربعا وبعدها أربعا أو ستا وروى الحسن بن زياد عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى مقدار ما يصلى قبلها أربعا وبعدها وهو على الاختلاف فى سنة الجمعة بعدها أنها أربع فى قول أبى حنيفة وعندهما ستة على ما ذكرنا فى كتاب الصلاة.
وقال محمد رحمه الله تعالى اذا كان منزله بعيدا يخرج حين يرى أنه يبلغ المسجد عند النداء وهذا أمر يختلف بقرب المسجد وبعده فيخرج فى أى وقت يرى أنه يدرك الصلاة والخطبة ويصلى قبل الخطبة أربع ركعات لأن اباحة الخروج الى الجمعة اباحة لها بتوابعها وسننها من توابعها بمنزلة الأذكار المسنونة فيها ولا ينبغى أن يقيم فى المسجد الجامع بعد صلاة الجمعة الا مقدار ما يصلى بعدها أربعة أو ستا على الاختلاف ولو أقام يوما وليلة ينتقض اعتكافه لكن يكره له ذلك أما عدم الانتقاض فلأن الجامع لما صلح لابتداء الاعتكاف فلأن يصلح للبقاء أولى لأن البقاء أسهل من الابتداء وأما الكراهة فلأنه لما ابتدأ الاعتكاف فى مسجد فكأنه عينه للاعتكاف فيه فيكره له التحول عنه مع امكان الاتمام فيه ولا يخرج لعبادة مريض ولا لصلاة جنازة لأنه لا ضرورة الى الخروج لأن عيادة المريض ليست من الفرائض بل من الفضائل وصلاة الجنازة ليست بفرض عين بل فرض كفاية تسقط عنه بقيام الباقين بها فلا يجوز ابطال الاعتكاف لأجلها.
وما روى عن النبى ﷺ من الرخصة فى عبادة المريض وصلاة الجنازة فقد قال أبو يوسف رحمه الله تعالى أن ذلك محمول عندنا على الاعتكاف الذى يتطوع به من غير ايجاب فله أن يخرج متى شاء ويجوز أن تحمل الرخصة على ما اذا كان خرج المعتكف لوجه مباح كحاجة الانسان أو للجمعة ثم عاد مريضا أو صلى على جنازة من غير أن يكون خروجه
لذلك قصدا وذلك جائز وأما المرأة اذا اعتكفت فى مسجد بيتها لا تخرج منه الى منزلها لا لحاجة لانسان لأن ذلك فى حكم المسجد لها على ما بينا. فان خرج من المسجد الذى يعتكف فيه لعذر بأن انهدم المسجد أو اخرجه المسجد مكرها أو غير السلطان فدخل مسجدا آخر غيره من ساعته لم يفسد اعتكافه استحسانا والقياس أن يفسد وجه القياس أنه وجد ضد الاعتكاف وهو الخروج الذى هو ترك الاقامة فيبطل كما لو خرج عن اختيار ووجه الاستحسان أنه خرج
стр. 6501
لضرورة أما عند انهدام المسجد لظاهر لأنه لا يمكنه الاعتكاف فيه بعد ما انهدم فكان الخروج منه أمرا لا بد منه بمنزلة الخروج لحاجة الانسان وأما عند الاكراه فلأن الاكراه من أسباب العذر فى الجملة فكان هذا القدر من الخروج ملحقا بالعدم كما اذا خرج لحاجة الانسان وهو يمشى مشيا رفيقا فان خرج من المسجد لغير عذر فسد اعتكافه.
فى قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى وان كان ساعة.
وعند أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى لا يفسد حتى يخرج أكثر من نصف يوم.
قال محمد قول أبى حنيفة أقيس.
وقول أبى يوسف أوسع وجه قولهما أن الخروج القليل عفوا لأبى حنيفة أنه ترك الاعتكاف باشتغاله بضده من غير ضرورة فيبطل اعتكافة لفوات الركن وبطلان الشئ بفوات ركنه يستوى فيه الكثير والقليل.
وفى الخروج لحاجة الانسان ضرورة وأحوال الناس فى المشى مختلفة لا يمكن ضبطها فسقط اعتبار صفة المشى وههنا لا ضرورة فى الخروج (١). ولو صعد المئذنة لم يفسد اعتكافه بلا خلاف وان كان باب المئذنة خارج المسجد لأن المئذنة من المسجد ألا ترى أنه يمنع فيه كل ما يمنع فى المسجد من البول ونحوه ولا يجوز بيعها فأشبه زاوية من زاويا المسجد.
وكذا اذا كان داره بجنب المسجد فأخرج رأسه الى داره لا يفسد اعتكافه لأن ذلك ليس بخروج.
وروى عن عائشة رضى الله تعالى عنها أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يخرج رأسه من المسجد فيغسل رأسه وان غسل رأسه فى المسجد فى اناء لا بأس به اذا لم يلوث المسجد بالماء المستعمل فان كان بحيث يتلوث المسجد يمنع منه لأن تنظيف المسجد واجب (٢).
وأما اعتكاف التطوع فهو يفسد بالخروج لغير عذر كالخروج لعيادة المريض وتشييع الجنازة فيه روايتان فى رواية الأصل لا يفسد.
وفى رواية الحسن بن زياد عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى بناء على أن اعتكاف التطوع غير مقدر على رواية الأصل فله أن يعتكف ساعة من نهار أو نصف يوم أو ما شاء من قليل أو كثير أو يخرج فيكون معتكفا ما أقام تاركا ما خرج.
وعلى رواية الحسن رحمه الله تعالى هو مقدر بيوم كالصوم ولهذا قال أنه لا يصح بدون الصوم وجه رواية الحسن أن الشروع فى التطوع موجب للاتمام على أصل أصحابنا صيانة المؤدى عن البطلان كما فى صوم التطوع وصلاة التطوع ومست الحاجة الى صيانة المؤدى ههنا لأن القدر المؤدى انعقد قربة فيحتاج الى صيانته وذلك بالمضى فيه الى آخر البوم وجه رواية الأصل أن الاعتكاف لبث واقامة فلا يتقدر بيوم كامل كالوقوف بعرفة وهذا لأن الأصل فى كل فعل قام بنفسه فى زمان اعتباره فى نفسه من غير أن يقف اعتباره على وجود غيره وكل لبث واقامة توجد فهو فعل تام فى نفسه فكان اعتكافا فى نفسه فلا تقف صحته واعتباره على وجود أفعاله الى آخر اليوم هذا هو الحقيقة الا اذا جاء دليل التغيير فتجعل الأفعال المتعددة المتغايرة حقيقة متحددة حكما كما فى الصوم (٣).
стр. 6502
ولو جامع فى حال الاعتكاف يفسد اعتكافه لأن الجماع من محظورات الاعتكاف لقوله تعالى:
«وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ﴾ (١)» قيل المباشرة كفاية عن الجماع.
كذا روى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنه أن ما ذكر الله فى القرآن من المباشرة والرفث والغشيان فانما عنى به الجماع لكن الله تعالى حى كريم يكنى بما شاء دلت الآية على أن الجماع محظور فى الاعتكاف فان حظر الجماع على المعتكف ليس لمكان المسجد بل لمكان الاعتكاف وان كان ظاهر النهى عن المباشرة فى حال الاعتكاف فى المسجد بقوله «وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ» لأن الآية الكريمة نزلت فى قوم كانوا يعتكفون فى المساجد وكانوا يخرجون يقضون حاجتهم فى الجماع ثم يغتسلون ثم يرجعون الى معتكفهم لا أنهم كانوا يجامعون فى المساجد فنهوا عن ذلك بل المساجد فى قلوبهم كانت أجل وأعظم من أن يجعلوها مكانا لوط ء نسائهم فثبت أن النهى عن المباشرة فى حال الاعتكاف لأجل الاعتكاف فكان الجماع من محظورات الاعتكاف ليلا ونهارا وسواء كان عامدا أو ناسيا بخلاف الصوم فان جماع الناسى لا يفسد الصوم والنسيان لم يجعل عذرا فى باب الاعتكاف وجعل عذرا فى باب الصوم والفرق من وجهين أحدهما أن الأصل أن لا يكون عذرا لأن فعل الناسى معذور الامتناع عنه فى الجملة اذ الوقوع فيه لا يكون الا لنوع تقصير ولهذا كان النسيان جائزا لمؤاخذة عليه عندنا وانما رفعت المؤاخذة ببركة دعاء النبى ﷺ بقوله «رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا﴾ (٢)» ولهذا لم يجعل عذرا فى باب الصلاة الا أنه جعل عذرا فى باب الصوم بالنص فيقتصر عليه (٣).
والثانى أن المحرم فى الاعتكاف عين الجماع فيستوى فيه العمد والسهو والمحرم فى باب الصوم هو الافطار لا عين الجماع أو حرم الجماع لكونه افطارا لا لكون جماعا فكانت حرمته لغيره وهو الافطار والافطار يختلف حكمه بالعمد والنسيان ولو أكل أو شرب فى النهار عامدا فسد صومه وفسد اعتكافه لفساد الصوم ولو أكل ناسيا لا يفسد اعتكافه لأنه لا يفسد صومه والأصل ان كان من محظورات الاعتكاف وهو مانع عنه لأجل الاعتكاف لا لأجل الصوم يختلف فيه العمد والسهو والنهار والليل كالجماع والخروج من المسجد (٤).
ولو باشر فأنزل فسد اعتكافه لأن المباشرة منصوص عليها فى الآية وقد قيل فى بعض وجوه التأويل أن المباشرة الجماع وما دونه ولأن المباشرة مع الانزال لا يكون فى معنى الجماع لكى يكون حراما وكذا التقبيل والمعانقة واللمس انه ان أنزل فى شئ من ذلك فسد اعتكافه والا فلا يفسد لكنه يكون حراما بخلاف الصوم. ولو نظر فأنزل لم يفسد اعتكافه لانعدام الجماع صورة ومعنى فأشبه الاحتلام.
ولا يأتى الزوج امرأته وهى معتكفة اذا كانت اعتكفت باذن زوجها لأن اعتكافها اذا كان باذن زوجها فأنه لا يملك الرجوع عنه. فلا يجوز وطؤها لما فيه من افساد عبادتها (٥).
ويفسد الاعتكاف بالردة لأن الاعتكاف قربة والكافر ليس من أهل القربة ولهذا لم ينعقد مع الكفر فلا يبقى مع الكفر أيضا. ونفس الاغماء لا يفسده بلا خلاف حتى لا ينقطع التتابع ولا يلزمه أن يستقبل الاعتكاف اذا أفاق
стр. 6503
وان أغمى عليه أياما أو أصابه ألم فسد اعتكافه وعليه اذا برئ أن يستقبل لأنه لزمه متتابعا وقد فاتت صفة التتابع فيلزمه الاستقبال.
ولو حاضت المرأة فى حال الاعتكاف فسد اعتكافها لأن الحيض ينافى أهلية الاعتكاف لأنه لا صنع له فيه فلم يكن جماعا ولا فى معنى الجماع ثم ان أمكنه الاغتسال فى المسجد من غير أن يتلوث المسجد فلا بأس به والا فيخرج فيغتسل ويعود الى المسجد ولا بأس للمعتكف أن يبيع ويشترى ويتزوج ويراجع ويلبس ويتطيب ويدهن ويأكل ويشرب بعد غروب الشمس الى طلوع الفجر ويشرب بعد غروب الشمس الى طلوع الفجر ويتحدث ما بداله بعد أن لا يكون مأثما وينام فى المسجد (١) والمراد من البيع والشراء هو كلام الايجاب والقبول من غير نقل الأمتعة الى المسجد لأن ذلك ممنوع عنه لأجل المسجد لما فيه من اتخاذ المسجد متجرا لا جل الاعتكاف (٢).
ما يترتب على فساد الاعتكاف:
واذا فسد - فالذى فسد منه لا يخلو اما أن يكون واجبا وأعنى به المنذور وأما أن يكون تطوعا فان كان واجبا يقضى اذا قدر على القضاء الا الردة خاصة لأنه اذا فسد التحق بالعدم فصار فائقا معنى فيحتاج الى القضاء جبرا للفوات.
غير أن المنذور به ان كان اعتكاف شهو بعينه يقضى قدر ما فسد لا غير ولا يلزمه الاستقبال كالصوم المنذور به فى شهر بعينه واذا فطر يوما انه يقضى ذلك اليوم ولا يلزمه الاستئناف كما فى صوم رمضان. واذا كان اعتكاف شهر بغير عينه يلزمه الاستقبال لأنه يلزمه تتابعا فيراعى فيه صفة التتابع وسواء فسد بصنعه من غير عذر كالخروج والجماع والأكل والشرب فى النهار الا الردة أو فسد بصنعه لعذر كما اذا مرض فاحتاج الى الخروج فخرج أو بغير صنعه رأسا كالحيض والجنون والاغماء الطويل لأن القضاء يجب جبرا للفائت والحاجة الى الجبر متحققة فى الأحوال كلها الا أن سقوط القضاء فى الردة عرف بالنص وهو قوله تعالى: «قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ﴾ (٣)» وقول النبى ﷺ الاسلام يجب ما قبله والقياس فى الجنون الطويل ان سقط القضاء كما فى صوم رمضان الا أن فى الاستحسان يقضى لأن سقوط القضاء فى صوم رمضان انما كان لدفع الحرج لأن الجنون اذا طال قلما يزول فتكرر عليه صوم رمضان فيخرج فى قضائه وهذا المعنى لا يتحقق فى الاعتكاف (٤).
وأما اعتكاف التطوع اذا قطعه قبل تمام اليوم فلا شئ عليه فى رواية الأصل وفى رواية الحسن رحمه الله تعالى يقضى بناء على أن اعتكاف التطوع غير معتد فى رواية محمد عن أبى حنيفة وفى رواية الحسن عنه مقدر بيوم (٥).
مذهب المالكية
جاء فى بلغة السالك. أن من اعتكف فى غير الجامع وهو ممن تلزمه الجمعة ووجبت عليه الجمعة وهو فى معتكفه وجب عليه أن يخرج لها وقت وجوب السعى لها وفى بطلان اعتكافه بذلك الخروج وعدم بطلانه أقوال ثلاثة:
فيها الجمعة.
البطلان مطلقا. وهو المشهور وعدمه وهو رواية ابن الجهم رحمه الله تعالى عن ذلك والتفصيل وذلك اذا نذر أو نوى أياما فأخذه
وأما لو نذر أياما لا تأخذه فيها الجمعة فمرض فيها بعد أن شرع ثم خرج ثم رجع يتم وصادف
стр. 6504
الجمعة قال فلا خلاف أن هذا يخرج اليها ولا يبطل اعتكافه. ومفهوم ذلك أنه ان ارتكب النهى ولم يخرج لم يبطل على الظاهر اذ لم يرتكب كبيرة وانما ارتكب صغيرة لأن ترك الجمعة لا يكون كبيرة الا اذا كان ثلاثا متوالية فاذا حصل الترك فى ثلاث جرى على الخلاف فى الكبائر هل تبطل الاعتكاف أم لا (١).
فاذا فرض أحد أبويه مسلمين كانا أو كافرين فانه يجب عليه أن يخرج من اعتكافه بخلاف الأجداد والجدات فلا يجب الخروج من المعتكف لعبادتهم فان لم يخرج لأحد أبويه جرى فى اعتكافه التأويلان فى البطلان بالكبائر لأن العقوق من جملتها. فاذا مات أحد أبويه والآخر حيا. فانه يجب عليه الخروج جبرا للحى منهما فأن لم يكن الثانى حيا لم يجب عليه الخروج (٢).
واختلف فى فعله الكبائر غير المسكر كالغيبة والنميمة والقذف والسرقة والعقوق فقيل يبطل اعتكافه بذلك وقيل لا يبطل. ويبطل الاعتكاف بالوط ء فأن وطئ عمدا أو سهوا بطل اعتكافه واستأنفه من أوله ويفسد على الموطؤة ولو نائما والوط ء المذكور مفسد وان لغير مطيفة لأن أدناه أن يكون كلمس الشهوة (٣).
قال ابن الحاجب والجماع ومقدماته من القبلة والمباشرة وما فى معناها مفسدة ليلا ونهارا ولو كانت حائضه (٤). حاصلة أن المعتكفة اذا حاضت وخرجت وعليها حرمة الاعتكاف فحصل منها ما ذكر ناسية لاعتكافها فأنه يبطل وتستأنفه من أوله ومثل الحائضة غيرها من بقية أرباب الأعذار المانعة. من الصوم كالعبد (٥).
ما يترتب على أفساد الاعتكاف
قال ابن الحاجب رحمه الله تعالى: اذا فسد الاعتكاف فانه اذا كان ما فعله المعتكف على سبيل العمد فهو مبطل لجميع الاعتكاف لأنه لما كانت سنته التتابع تنزل بذلك منزلة العبادة الواحدة فلذلك كله يفسد صومه بفساد جزئه وان لم يكن عمدا بأن كان سهوا أو غلبة فانه يجب القضاء متصلا بآخره. وظاهر ذلك أن القبلة والمباشرة بل والوط ء سهوا مما يقضى فيه ويبنى وليس كذلك (٦).
مذهب الشافعية:
جاء فى مغنى المحتاج: أن الاعتكاف يبطل بالجماع من عالم بتحريمة ذاكر للاعتكاف سواء أجامع فى المسجد أم خارجة عند خروجه لقضاء حاجة أو نحوها لمنافاته العبادة البدنية. وأعلم أن جماعه فى المسجد حرام مطلقا اذا أدى الى مكث فيه سواء كان معتكفا أم لا وسواء كان اعتكافه فرضا أم نفلا. وأما اذا جامع خارج المسجد وكان معتكفا فان كان الاعتكاف منذورا وحرام وان كان تطوعا لم يحرم اذ غايته الخروج من العبادة وهو جائز قال فى المهمات والحكم بالبطلان انما هو بالنسبة الى المستقبل وأما الماضى ان كان منذورا متتابعا فيستأنف وان لم يكن متتابعا لم يبطل ما مضى سواء أكان منذورا أم نفلا. ولو شتم انسانا أو اغتابه أو أكل حراما لم يبطل اعتكافه وبطل ثوابه.
قال فى الأنوار ولو أولج فى دبر خنثى بطل اعتكافه أو أولج فى قبله أو أولج الخنثى فى رجل أو امرأة أو خنثى ففى بطلان اعتكافه الخلاف المذكور فى قوله.
стр. 6505
وأظهر الأقوال أن المباشرة بشهوة فيما دون الفرج كلمس وقبلة تبطل الاعتكاف أن أنزل والا فلا تبطله.
والثانى: تبطله مطلقا لعموم قوله تعالى «وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ﴾ (١).
والثالث: لا تبطله مطلقا كالحج وعلى قول هى حرام فى المسجد ان لزم منها مكث فيه وهو جنب وكذا خارجه ان كان الاعتكاف واجبا بخلاف ما اذا كان نفلا. واذا نظر أو تفكر فأنزل فأنه لا يبطل واذا قبل بدون شهوة بل بقصد الاكرام ونحوه أو بلا قصد فلا يبطله اذا أنزل جزما والاستمناء كالمباشرة (٢).
ولا يصح اعتكاف كافر ومجنون ومبرسم وسكران ومغمى عليه ومن لا تمييز له لعدم صحة فيتهم ولا حائض ونفساء وجنب لحرمة مكثهم فى المسجد وكل من حرم مكثه فى المسجد لا يصح اعتكافه فيه (٣).
ومحل عدم صحة اعتكاف المغمى عليه فى الابتداء أما لو طرأ عليه فى أثناء اعتكافه فأنه لا يبطل ويحسب زمنه من اعتكافه (٤).
ولو ارتد المعتكف أو سكر معتديا بطل اعتكافه فى زمن ردته وسكره لعدم أهليته أما غير المعتدى فيشبه كما قال الأذرعى أنه كالمغمى عليه.
والمذهب بطلان ما مضى من اعتكافهما المتتابع.
فلا بد من استئنافه لأن ذلك أشد وأقبح من الخروج من المسجد بلا عذر وهو يقطع التتابع (٥).
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى والشرح الكبير: أن المعتكف اذا خرج لما له منه بدعامدا بطل اعتكافه ألا يكون اشتراط وان خرج ناسيا فقال القاضى رحمه الله تعالى ألا يفسد اعتكافه لأنه فعل المنهى عنه ناسيا فلم تفسد العبادة كالأكل فى الصوم.
وقال ابن عقيل رحمه الله تعالى يفسد لأنه ترك للاعتكاف وهو لزوم للمسجد وترك الشئ عمده وسهوه سواء كترك النية فى الصوم فان أخرج بعض جسده لم يفسد اعتكافه عمدا كان أو سهوا لأن النبى ﷺ كان يخرج رأسه من المسجد وهو معتكف الى عائشة رضى الله تعالى عنها فتغسله وهى حائض (٦). والوط ء مفسد للاعتكاف فهو محرم بالاجماع والأصل فيه قول الله تعالى «وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَقْرَبُوها﴾ (٧)».
فان وطئ فى الفرج متعمدا أفسد اعتكافه باجماع أهل العلم حكاه ابن المنذر رحمه الله تعالى عنهم ولأن الوط ء اذا حرم فى العبادة أفسدها كالحج والصوم. وان كان ناسيا فكذلك عند امامنا رحمه الله تعالى لأن ما حرم فى الاعتكاف استوى عمده وسهوه فى افساده كالخروج من المسجد ولا يسلم أنها لا تفسد الصوم ولأن المباشرة دون الفرج لا تفسد الاعتكاف الا اذا اقترن بالانزال اذ ثبت هذا فلا كفارة بالوط ء فى ظاهر المذهب وهو ظاهر كلام الخرفى وعطاء والنخعى وأهل المدينة وغيرهم من العلماء.
واختيار القاضى رحمه الله تعالى لأنه عبادة يفسدها الوط ء لعينه فوجبت الكفارة بالوط ء فيها
стр. 6506
كالحج وصوم رمضان. ويدل لنا أنها عبادة لا تجب بأصل الشرع فلم تجب بافسادها كفارة كالنوافل ولأنها عبادة لا يدخل المال فى جبرانها فلم تجب الكفارة بافسادها كالصلاة ولأن وجوب الكفارة انما يثبت بالشرع ولم يرد الشرع بايجابها فتبقى على الأصل وما ذكروه ينتقض بالصلاة وصوم غير رمضان.
والقياس على الحج لا يصح لأنه مباين لسائر العبادات ولهذا يمضى فى فاسده ويلزم بالشروع فيه ويجب بالوط ء فيه بدنة بخلاف غيره ولأنه لو وجبت الكفارة ههنا بالقياس عليه للزم أن يكون بدنة ون الحكم فى الفرع يثبت على صفة الحكم فى الأصل (١). فأما المباشرة دون الفرج فان كانت لغير شهوة فلا بأس بها مثل أن تغسل رأسه أو تغلبه أو تناوله شيئا لأن النبى ﷺ كان يدنى رأسه الى عائشة رضى الله تعالى عنها وهو معتكف فترجله.
وان كانت عن شهوة فهى محرمة لقول الله تعالى «وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ» ولقول عائشة رضى الله تعالى عنها السنة للمعتكف أن لا يعود مريضا ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها. رواه أبو داود ولأنه لا يأمن افضاءها الى افساد الاعتكاف.
وما أفضى الى الحرام كان حراما. فأن فعل فأنزل فسد اعتكافه وان لم ينزل لم يفسد (٢).
وان ارتد المعتكف فسد اعتكافه لقوله تعالى «لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ» ولأنه خرج بالردة عن كونه من أهل الاعتكاف. وان شرب ما أسكره فسد اعتكافه لخروجه عن كونه من أهل المسجد.
ما يترتب على افساد اعتكافه:
وكل موضع فسد اعتكافه فأن كان تطوعا فلا قضاء عليه لأن التطوع لا يلزم بالشروع فيه فى غير الحج والعمرة. وان كان نذرا نظرنا فان كان نذر أياما متتابعة فسد ما مضى من اعتكاف واستئناف لأن التتابع وصف فى الاعتكاف قد أمكن الوفاء به فلزمه. وان كان نذر أياما معينة كالعشر الأواخر من شهر رمضان ففيه وجهان.
أحدهما: يبطل ما مضى ويستأنف لأنه نذر اعتكافا متتابعا فبطل بالخروج منه كما لو قيده بالتتابع بلفظه.
والثانى: لا يبطل لأن ما مضى منه قد أدى العبادة فيه أداءا صحيحا فلم يبطل بتركها فى غيره واذا لم يكن بد من الاخلال بأحدهما ففيما حصل ضرورة أولى. ولأن وجوب التتابع من حيث الوقت لا من حيث النذر فالخروج فى بعضه لا يبطل ما مضى منه كصوم رمضان اذا أفطر فيه.
فعلى هذا يقضى ما أفسد فيه فحسب. وعليه الكفارة على الوجهين جميعا لأنه تارك لبعض ما نذره (٣).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أنه لا يحل للرجل مباشرة المرأة ولا للمرأة مباشرة الرجل فى حال الاعتكاف بشئ من الجسم الا فى ترجيل المرأة للمعتكف خاصة.
فهو مباح. وله اخراج رأسه من المسجد للترجيل. لقول الله تعالى «وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ﴾ (٤)».
فصح أن من تعمد ما نهى عنه من عموم المباشرة ذاكرا لاعتكافه فلم يعتكف كما أمر. فلا
стр. 6507
اعتكاف له فان كان نذرا قضاه. والا فلا شئ عليه وقوله تعالى: «وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ»﴾.
خطاب للجميع من الرجال والنساء فحرمت المباشرة بين الصنفين.
ومن طريق البخارى عن ابراهيم النخعى عن الأسود عن عائشة أم المؤمنين قالت: كان رسول الله ﷺ يخرج رأسه من المسجد وهو معتكف. فأرجله وأنا حائض.
فخرج هذا النوع من المباشرة من عموم نهى الله (١).
وجائز للمعتكف أن يشترط ما شاء من المباح له والخروج له. لأنه بذلك انما التزم الاعتكاف فى خلال ما استثناه وهذا مباح له أن يعتكف اذا شاء ويترك اذا شاء. لأن الاعتكاف طاعة.
وتركه مباح فان أطاع أجر وان ترك لم يقض.
وان العجب ليكثر ممن لا يجيز هذا الشرط.
والنصوص كلها من القرآن والسنة موجبة لما ذكرنا.
ثم يقول: بلزوم الشروط التى أبطلها القرآن والسنن. من اشتراط الرجل للمرأة أن تزوج عليها أو تسرى فأمرها بيدها.
والداخلة بنكاح طالق والسرية حرة. وهذه شروط الشيطان. وتحريم ما أحل الله وقد أنكر الله تعالى ذلك فى القرآن (٢).
وكل فرض على المسلم فأن الاعتكاف لا يمنع منه. وعليه أن يخرج اليه. ولا يضر ذلك باعتكافه وكذلك يخرج لحاجة الانسان. ومن البول وللغائط وغسل النجاسة وغسل الاحتلام وغسل الجمعة ومن الحيض. ان شاء فى حمام أو فى غير حمام. ولا يتردد على أكثر من تمام غسله. وقضاء حاجته فان فعل بطل اعتكافه وكذلك يخرج لابتياع ما لا يد له ولأصله منه.
من الأكل واللباس ولا يتردد على غير ذلك. فان تردد بلا ضرورة بطل اعتكافه وله أن يشيع أصله الى منزلها وانما يبطل الاعتكاف خروجه لما ليس فرضا عليه.
وقد افترض الله تعالى على المسلم ما روينا من طريق البخارى عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: حق المسلم على المسلم خمس رد السّلام وعيادة المريض واتباع الجنائز واجابة الدعوة وتشميت العاطس.
وأمر ﵇ من دعى ان كان مفطرا فليأكل. وأن كان صائما فليصل. بمعنى أن يدعو لهم وقال تعالى: «إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (٣)».
وقال تعالى: «وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا﴾ (٤)».
وقال تعالى: «اِنْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً﴾ (٥)».
فهذه فرائض لا يحل تركها للاعتكاف وبلا شك عند كل مسلم أن كل من أدى ما افترض الله تعالى عليه فهو حسن.
стр. 6508
قال الله تعالى: «ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (١)» ففرض على المعتكف أن يخرج لعبادة المريض مرة واحدة. يسأل عن حاله واقفا وينصرف لأن ما زاد على هذا فليس من الفرض.
وانما هو تطويل. فهو يبطل الاعتكاف. وكذلك يخرج لشهود الجنازة فاذا صلى عليها انصرف لأنه قد أدى الفرض. وما زاد فليس فرضا.
وهو به خارج عن الاعتكاف وفرض عليه أن يخرج اذا دعى فان كان صائما بلغ الى دار الداعى ودعا وانصرف ولا يزد على ذلك. فرض عليه أن يخرج الى الجمعة بمقدار ما يدرك أول الخطبة فاذا سلم رجع. فان زاد على ذلك خرج من الاعتكاف فان خرج كما ذكرنا ثم رأى أن فى الوقت فسحة فان علم أنه ان رجع الى معتكفه ثم خرج أدرك الخطبة فعليه أن يرجع والا فليتم.
وكذلك ان كان عليه فى الرجوع حرج. لقول الله تعالى: «وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢).
وكذلك يخرج للشهادة اذا دعى سواء قبل أو لم يقبل لأن الله تعالى أمر الشهداء بأن لا يأبوا اذا دعوا.
ولم يشترط من يقبل ممن لا يقبل. وما كان ربك نسيا. فاذا أداهما رجع الى معتكفه فان تردد لغير ضرورة بطل اعتكافه وهو كله قول أبى سليمان وأصحابنا وروينا من طريق سعيد ابن منصور عن عاصم بن حمزة قال: قال على ابن أبى طالب: اذا اعتكف الرجل فليشهد الجمعة وليحضر الجنازة وليعد المريض وليأت أصله بأمرهم بحاجته وهو قائم (٣).
ولا يبطل الاعتكاف شئ الا خروجه عن المسجد لغير حاجة عامدا ذاكرا. لأنه قد فارق العكوف وتركه. وبمباشرة المرأة فى غير الترجيل لقول الله تعالى: «وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ﴾ (٤). وتعمد معصية الله تعالى: أى معصية كانت. لأن العكوف الذى ندب الله تعالى اليه هو الذى لا يكون على معصية ولا شك عند أحد من أهل الاسلام فى أن الله تعالى حرم العكوف على المعصية فمن عكف فى المسجد على معصية فقد ترك العكوف على الطاعة فيبطل عكوفه (٥).
ومن عصى ناسيا أو خرج ناسيا أو مكرها أو باشر أو جامع ناسيا أو مكرها. فالاعتكاف تام لا يكدح كل ذلك فيه شيئا. لأنه لم يعمد ابطال اعتكافه وقد صح عن النبى ﷺ أنه قال: رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه (٦).
ويؤذن فى المئذنة ان كان بابها فى المسجد أو فى صحته ويعمد على ظهر المسجد لأن كل ذلك من المسجد. فان كان باب المئذنة خارج المسجد بطل اعتكافه اذا تعمد ذلك، واذا حاضت المعتكفة أقامت فى المسجد كما هى تذكر الله تعالى وكذلك اذا ولدت فانها ان اضطرت الى الخروج خرجت ثم رجعت اذا قدرت لما ذكر أن الحائض تدخل المسجد. ولا يجوز منعها منه ان لم يأت بالمنع لها منه نص ولا اجماع (٧).
وهو قول أبى سليمان.
стр. 6509
وروينا من طريق البخارى. عن عكرمة عن عائشة أم المؤمنين قالت: اعتكفت مع رسول الله ﷺ امرأة من أزواجه مستحاضة فكانت ترى الحمرة والصفرة. فربما وضعت الطست تحتها وهى تصلى (١).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار: أن ما يفسد الاعتكاف ثلاثة أمور وذكر بعضهم أن ما يفسد الاعتكاف أربعة وذلك باضافة الردة.
أحدها الوط ء والامناء كما سبق ذكره فى باب الصيام. وسواء وقع الوط ء فى النهار أم فى الليل اذا كان معتكفا بالليل مع النهار فأما حيث يعتكف نهارا فقط فلا يفسده الوط ء بالليل.
والثانى: ما يفسد الصوم من الأمور التى يفطر بها الصائم لأن الصوم شرط فى صحة الاعتكاف فاذا بطل الشرط بطل المشروط.
والثالث: الخروج من المسجد الذى اعتكف فيه لغير حاجة بكل بدنه فانه يفسد بذلك اعتكافه ولو لحظة واحدة الا أن يخرج لواجب سواء كان فرض عين كالجمعة ونحوها أم فرض كفاية كصلاة الجنازة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. أو كان خروجه مندوبا كعيادة المرضى أو كان خروجه لمباح دعت اليه حاجة. نحو أن يخرج ليأمر أهله وينهاهم أو يقضى لهم حاجة أو يخرج لقضاء الحاجة فان هذه كلها اذا خرج لها لم يفسد اعتكافه عندنا بشرط أن لا يلبث خارج المسجد الا فى الأقل من وسط النهار. (هو مادون النصف أو نصفه لأن الأكثر ما زاد على النصف) أما لو خرج لها أول جزء من النهار أو آخر جزء منه وذلك عند الغروب أو لبث أكثر وسط النهار خارج المسجد فسد بذلك اعتكافه ولو كان لهذه الأمور الثلاثة (٢).
قال ﵇ هذا هو الصحيح من المذهب عندنا. واذا أراد أن يعتكف من أول الليل.
ثم تعرض له حاجة عند طلوع الفجر فخرج لها فأنه لا يفسد بخروجه فى أول جزء من النهار.
ولو خرج آخر جزء من النهار وفى عزمه اعتكاف الليلة المستقبلة لم يفسد اعتكافه (٣).
واذا فرغ المعتكف من الحاجة التى خرج لها فأنه يرجع الى موضع الاعتكاف اذا كان رجوعه من غير مسجد.
فأما اذا كانت الحاجة التى خرج لها فى مسجد فأنه لا يجوز له الرجوع منه الى المسجد الذى ابتدأ فيه الاعتكاف الا اذا عرضت له حاجة أخرى والا لزمه اتمام الاعتكاف فى المسجد الذى خرج اليه وأما اذا كانت الحاجة التى خرج لها فى غير مسجد لزمه الرجوع الى مسجده فورا والا بطل اعتكافه. فاذا كان له غرض فى المسجد الذى ابتدأ الاعتكاف فيه رجع اليه فان لم يكن له غرض فيه ووجد مسجدا أقرب اليه فى تلك الحال لزمه اتمام الاعتكاف فيه. فان رجع الى الأول فسد اعتكافه.
وهكذا اذا انهدم المسجد الذى هو فيه أن أكره على الخروج منه انتقل الى أقرب مسجد اليه (٤).
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية وكتاب الخلاف: أنه
стр. 6510
يحرم على المعتكف ما يحرم على الصائم ذلك حيث يكون الاعتكاف واجبا. ويفسده الصوم من حيث فوات الصوم الذى هو شرط الاعتكاف فاذا باشر امرأته فى حال اعتكافه فيما دون الفرج أو لمس ظاهرها بطل اعتكافه أنزل أو لم ينزل.
وكذلك يفسده الاستمتاع بالنساء لمسا وتقبيلا وغيرهما وقيل لا يفسد به الاعتكاف على الأقوى بخلاف الجماع.
واذا فسد الاعتكاف الواجب بالجماع فانه يجب عليه كفارتان. ان كان شهر رمضان واحداهما عن الصوم والأخرى عن الاعتكاف وقيل تجب الكفارتان بالجماع فى الواجب مطلقا.
وهو ضعيف. نعم لو كان وجوبه متعينا بنذر وشبهة وجب بافساده كفارة يسببه. ووجب فى الجماع ليلا كفارة واحدة فى رمضان وغيره الا أن يتعين بنذر وشبهة فيجب كفارة يشبه أيضا لافساده (١).
دليلنا فى ذلك قول الله تعالى: «وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ﴾ (٢)» وهذا عام فى كل مباشرة أنزل أو لم ينزل والنهى يدل على فساد المنهى عنه (٣). ولو كان افساده للاعتكاف بباقى مفسدات الصوم غير الجماع وجب نهارا كفارة واحدة ولا شئ ليلا الا أن يكون متعينا بنذر وشبهة فيجب كفارته أيضا.
ولو فعل غير ذلك من المحرمات على المعتكف كالتطيب والبيع والمجاراة أثم ولا كفارة ولو كان بالخروج فى واجب متعين بالنذر وشبهه وجبت كفارته (٤).
واذا سكر المعتكف بطل اعتكافه. دليلنا فى ذلك أن الاعتكاف هو المقام واللبث للعبادة فاذا سكر نقض حقيقة الاعتكاف لأنه فسق فوجب أن يبطل اعتكافه وكذلك اذا ارتد المعتكف بطل اعتكافه. دليلنا فى ذلك أنه اذا ارتد وهو مولود على الفطرة وجب قتله على كل حال وان كان أسلم ثم ارتد فهو محكوم بنجاسته فلا يجوز أن يقيم فى المسجد ولا تصح منه الطاعة وذلك ينافى مع الاعتكاف (٥).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل: أن من شروط الاعتكاف ترك الجماع وان كان ليلا لا التقبيل ومن تعمد الجماع ليلا لزمه البدل والكفارة المغلظة ولو لم يصم نهارا بناء على أن الاعتكاف يصح بلا صوم.
وقال مالك وغيره يفسد بالتقبيل واللمس فليسوا مجتمعين على أن التقبيل يفسد كما قيل.
ومن تعمد انزال فأنزل بأى وجه كان فكالمجامع عمدا (٦).
ومن حاضت قبل الغروب فسد يومها وتدخل قبل الفجر اذا طهرت.
ويفسد صوم الاعتكاف ما يفسد صوم غيره (٧). واذا خرج المعتكف لما لا بد منه
стр. 6511
فأنه لا يفسد اعتكافه بالخروج ولا قائل بفساد الاعتكاف به وانما الخلاف فيما لا بد منه وأمكنه أن يعمله فى المسجد وكل خروج مخير فيه غير مضطر اليه فهو مفسد للاعتكاف ولا يعمل دنيويا باختيار كبيع وشراء (١).
ما يفسد الحج والعمرة وما لا يفسدها
مذهب الحنيفية:
جاء فى بدائع الصنائع أن الذى يفسد الحج الجماع عند وجود شرطه فيقع الكلام فيه فى موضعين فى بيان أن الجماع يفسد الحج فى الجملة وفى بيان شرط كونه مفسدا أما الأول فالدليل عليه ما روى عن جماعة من الصحابة رضى الله عنهم أنهم قالوا فيمن جامع امرأته وهما محرمان مضيا فى احرامهما وعليهما هدى ويقضيان من قابل ويفترقان ولأن الجماع فى نهاية الارتفاق بمرافق المقيمين فكان فى نهاية الجنابة على الاحرام فكان مفسدا للاحرام.
وأما شرط كونه مفسدا فشيئان أحدهما أن يكون الجماع فى الفرج حتى لو جامع فيما دون الفرج أو لمس بشهوة أو عانق أو قبل أو باشر لا يفسد حجه لانعدام الارتفاق البالغ لكن تلزمه الكفارة سواء أنزل أو لم ينزل لوجود استمتاع مقصود (٢).
ولو وطئ بهيمة لا يفسد حجه ولا كفارة عليه الا اذا أنزل لأنه ليس باستمتاع مقصود بخلاف الجماع فيما دون الفرج وأما الوط ء فى الموضع المكروه فأما على أصلهما فيفسد الحج لأنه فى معنى الجماع فى القبل عقدهما حتى قالوا بوجوب الحد.
وعن أبى حنيفة رحمه الله تعالى فيه روايتان فى رواية يفسد لأنه مثل الوط ء فى القبل فى قضاء الشهوة ويوجب الاغتسال من غير انزال.
وفى رواية لا يفسد لعدم كمال الارتقاق لقصد قضاء الشهوة فيه لسوء المحل فأشبه الجماع فيما دون الفرج.
ولهذا قال محمد رحمه الله تعالى: أنه لا يجب الحد.
والثانى أن يكون قبل الوقوف بعرفة فان كان بعد الوقوف بها لا يفسد الحج عندنا لأن الركن الأصلى للحج هو الوقوف بعرفة لقول النبى ﷺ الحج عرفة أى الوقوف بعرفة فمن وقف بعرفة فقد تم حجه أخبر عن تمام الحج بالوقوف ومعلوم أنه ليس المراد منه التمام الذى هو ضد النقصان لأن ذا لا يثبت بنفس الوقوف فعلم أن المراد منه خروجه عن احتمال الفساد والفوات ولأن الوقوف ركن مستقل بنفسه وجودا وصحة لا يقف وجوده وصحته على الركن الآخر وما وجد ومضى على الصحة لا يبطل الا بالردة ولم توجد واذا لم يفسد الماضى لا يفسد الباقى لأن فساده بفساده ولكن يلزمه بدنة لما نذكره ويستوك فى فساد الحج بالجماع الرجل والمرأة لاستوائهما فى المعنى الموجب للفساد وهو ما بينا (٣).
وذلك لما روى أن جماعة من الصحابة رضى الله تعالى عنهم أفتوا بفساد حجهما حيث أوجبوا القضاء عليهما ويستوى فيه العامد والخاطئ والذاكر والناسى عند أصحابنا.
стр. 6512
وقال الشافعى لا يفسد الخطأ والنسيان والكلام فيه بناء على أصل أن فساد الحج لا يثبت الا بفعل محظور فزعم الشافعى أن الحظر لا يثبت مع الخطأ والنسيان وقلنا نحن يثبت وانما المرفوع هو المؤاخذة عليهما. ويستوى فيه الطوع والاكراه لأن الاكراه لا يزيل الحظر ولو كانت المرأة مكرهة فانها لا ترجع بما لزمها على المكره لأنه حصل لها استمتاع بالجماع فلا ترجع على أحد كالمغرور اذا وطئ الجارية ولزمه الغرم أنه لا يرجع به على الغار كذا هذا ويستوى فيه كون المرأة المحرمة مستيقظة أو نائمة حتى يفسد حجها فى الحالين سواء كان المجامع لها محرما أو حلالا لأن النائمة فى معنى الناسية والنسيان لا يمنع فساد الحج كذا النوم ويستوى فيه كون المجامع عاقلا بالغا أو مجنونا أو صبيا بعد أن كانت المرأة المحرمة عاقلة بالغة حتى يفسد حجها لأن التمكين محظور عليها (١).
وأما بيان حكمه اذا فسد ففساد الحج يتعلق به أحكام منها وجوب الشاة عندنا.
وقال الشافعى وجوب بدنة وجه قوله أن المجامع بعد الوقوف انما أوجب البدنة لتغليظ الجنابة والجنابة قبل الوقوف أغلظ لوجودها حال قيام الاحرام المطلق لبقاء ركنى الحج وبعد الوقوف يبعد الا أحدهما فلما وجبت البدنة بعد الوقوف فلأن تجب قبله أولى.
ولنا ما روى ابن عباس رضى الله تعالى عنه أنه قال البدنة فى الحج فى موضعين أحدهما اذا طاف للزيارة جنبا ورجع الى أهله ولم يعد والثانى اذا جامع بعد الوقوف.
وروينا عن جماعة من الصحابة رضى الله تعالى عنهم أنهم قالوا وعليهما هدى واسم الهدى وان كان يقع على الغنم والابل والبقر لكن الشاة أدنى والأدنى متيقن به فحمله على الغنم أولى على أنه روينا رسول الله ﷺ أنه سئل عن الهدى فقال أدناه شاة ويجزئ فيه شركه.
فى جزور أن بقرة لما روى أن رسول الله ﷺ أشرك بين أصحابه رضى الله عنهم فى البدن عام الحديبية فذبحوا البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة واعتباره قبل الوقوف غير سديد لأن الجنابة قبل الوقوف أخف من الجنابة بعده لأن الجماع قبل الوقوف أوجب القضاء لأنه أوجب فساد الحج والقضاء خلف عن الفائت فيجبر معنى الجنابة فتخف الجنابة فيوجب نقصان الموجب وبعد الوقوف لا يفسد الحج عندنا لما ذكرنا فلم يجب القضاء فلم يوجد ما تجب به الجنابة فبقيت متغلظة فتغلظ الموجب.
ولو جامع قبل الوقوف بعرفة ثم جامع فان كان فى مجلس لا يجب عليه الا دم واحد استحسانا والقياس أن يجب عليه لكل واحد دم على حدة لأن سبب الوجوب قد تكرر فتكرر الواجب الا أنهم استحسنوا فما أوجبوا الا دما واحدا لأن أسباب الوجوب اجتمعت فى مجلس واحد من جنس واحد فيكتفى بكفارة واحدة لأن المجلس الواحد يجمع الأفعال المتفرقة كما يجمع الأقوال المتفرقة كايلاجات فى جماع واحد أنها لا توجب الا كفارة واحدة وان كان كل ايلاجة لو انفردت أوجبت الكفارة كذا هذا وان كان فى مجلسين مختلفين يجب دمان فى قول أبى حنيفة وأبى يوسف.
وقال محمد يجب دم واحد الا اذا كان كفر للأول كما فى كفارة الافطار فى شهر رمضان وجه قول محمد أن الكفارة انما وجبت بالجماع الأول
стр. 6513
جزاء لهتك حرمة الاحرام والحرمة حرمة واحدة اذا انتهكت مرة لا يتصور انتهاكها ثانيا كما فى صوم شهر رمضان.
وكما اذا جامع ثم جامع فى مجلس واحد واذا كفر فقد جبر الهتك فالتحق بالعدم وجعل كأنه لم يوجد فلم يتحقق الهتك ثانيا ولهما ان الكفارة تجب بالجنابة على الاحرام وقد تعددت الجنابة فيتعدد الحكم وهو الأصل اذا قام دليل يوجب جعل الجنابات المتعددة حقيقة متحدة حكما وهو اتحاد المجلس ولم يجد ههنا بخلاف الكفارة للصوم فأنها لا تجب بالجنابة على الصوم بل جبرا لهتك حرمة الشهر على ما ذكرنا. فيما تقدم ولا يجب عليه فى الجماع الثانى الا شاة واحدة لأن الأول لم يوجب الا شاة واحدة فالثانى أولى ولو جامع بعد الوقوف بعرفة ثم جامع ان كان فى مجلس واحد لا يجب عليه الا بدنة واحدة وان كان فى مجلسين يجب عليه بدنة للأول وللثانى شاة على قول أبى حنيفة وأبى يوسف وعلى قول محمد ان كان ذبح للأول بدنة يجب للثانى شاة والا فلا يجب هذا اذا لم يرد بالجماع بعد الجماع رفض الاحرام فأما اذا أراد به رفض الاحرام والاحلال فعليه كفارة واحدة فى قولهم جميعا سواء كان فى مجلس واحد أو فى مجالس مختلفة لأن الكل مفعول على وجه واحد فلا يجب بها الا كفارة واحدة كالايلاجات فى الجماع الواحد ومنها وجوب المضى فى الحجة الفاسدة لقول جماعة من الصحابة رضى الله تعالى عنهم يمضيا فى احرامهما ولأن الاحرام عقد لازم لا يجوز التحلل عنه الا بأداء أفعال الحج أو لضرورة الاحصار ولم يوجد أحدهما فيلزمه المضى فيه فيفعل جميع ما يفعله فى الحجة الصحيحة ويجتنب جميع ما يجتنبه فى الحجة الصحيحة ومنها وجوب القضاء لقول الصحابة رضى الله تعالى عنهم بقضيانه من قابل ولأنه لم يأت بالمأمورية على الوجه الذى أمر به لأنه أمر بحج خال عن الجماع ولم يأت به فبقى الواجب فى ذمته فيلزمه تفريغ ذمته عنه ولا يجب عليه العمرة لأنه ليس بفائت الحج ألا ترى أنه لم تسقط عنه أفعال الحج بخلاف المحصر اذا حل من احرامه بذبح الهدى أنه يجب عليه قضاء الحجة والعمرة أما قضاء الحجة فظاهر وأما قضاء العمرة فلفوات الحج فى ذلك العام وهل يلزمها الافتراق فى القضاء.
قال أصحابنا الثلاثة لا يلزمهما ذلك لكنهما ان خانا المعاودة يستحب لمها أن يفترقا.
وقال زفر ومالك والشافعى يفترقان واحتجوا بما روينا من قول جماعة الصحابة رضى الله عنهم يفترقان ولان الاجتماع فيه خوف الوقوع فى الجماع ثانيا فيجب التحرز عنه بالافتراق ثم اختلفوا فى مكان الافتراق.
قال مالك اذا خرجا من بلدهما يفترقان حسما للمادة.
وقال زفر يفترقان عند الاحرام لأن الاحرام هو الذى حظر عليه الجماع فأما قبل ذلك فقد كان مباحا ولنا أنهما زوجان والزوجة علة الاجتماع لا الافتراق وأما ما ذكروا من خوف الوقوع يبطل بالابتداء فأنه لم يجب الافتراق فى كل من يفعل فعلا فى مكان يتذكر ذلك الفعل اذا وصل اليه ثم ان كانا يتذكران ما فعلا فيه يتذكران ما لزمهما من وبال فعلهما فيه أيضا فيمنعهما ذلك عن الفعل ثم يبطل هذا بلبس المخيط والتطيب فانه اذا لبس المخيط أو تطيب فدل أن الافتراق ليس بلازم لكنه مندوب اليه ومستحب عند خوف الوقوع فيما وقعا فيه على هذا يحمل قول الصحابة رضى الله تعالى عنهم يفترقان (١).
стр. 6514
وهذا اذا كان مفردا بالحج فأما اذا كان قارنا فالقارن اذا جامع فان كان قبل الوقوف وقبل الطواف للعمرة أو قبل أكثره فسدت عمرته وحجته وعليه دمان لكل واحد منهما شاة وعليه المضى فيهما واتماهما على الفساد وعليه قضاؤهما ويسقط عنه دم القران أما فساد العمرة فلوجود الجماع قبل الطواف وهو مفسد للعمرة فلوجود الجماع قبل الطواف وهو مفسد للعمرة كما فى حال الانفراد وأما فساد الحجة فلحصول الجماع قبل الوقوف بعرفة وهو مفسد للحج كما فى حال الانفراد وأما وجوب الدمين فلأن القارن محرم باحرامين عندنا فالجماع حصل جناية على احرامين فأوجب نقصا فى العبادتين فيوجب كفارتين كالمقيم اذا جامع فى رمضان وأما لزوم المضى فيهما فلأن وجوب الاحرام عقد لازم وأما وجوب قضائهما فلافسادهما فيقتضى عمرة مكان عمرة وحجة مكان حجة وأما سقوط دم القران عنه فلأنه أفسدهما والأصل أن القارن اذا فسد حجته وعمرته أو أفسد أحداهما يسقط عنه دم القران لأن وجوبه ثبت شكرا لنعمة الجمع بين القربتين بالفساد بطل معنى القربة فسقط الشكر ولو جامع بعد ما طاف لعمرته أو طاف أكثره وهو أربعة أشواط أو بعد ما طاف لها وسعى قبل الوقوف بعرفة فسدت حجته ولا تفسد عمرته أما حجته فلما ذكر وهو حصول الجماع قبل الوقوف بعرفة وأما عدم فساد عمرته فلحصول الجماع بعد وقوع الفراغ من ركنها فلا يوجب فسادها كما فى حال الانفراد وعليه دمان أحدهما لفساد الحجة بالجماع والآخر لوجود الجماع فى احرام العمرة لأن احرام العمرة باق عليه وعليه المضى فيهما واتمامهما.
وعليه قضاء الحج دون العمرة لأن الحجة هى التى فسدت دون العمرة ويسقط عنه دم القران لأنه فسد أحدهما وهو الحج ولو جامع بعد طواف العمرة وبعد الوقوف بعرفة فلا يفسد حجه ولا عمرته أما فساد عدم الحج فلأن الجماع وجد بعد الوقوف بعرفة وهو لا يفسد الحج.
وأما عدم فساد العمرة فلأنه جامع بعد الفراغ من ركن العمرة وعليه اتمامها لأنه لما وجب اتمامها على الفساد فعلى الصحة والجواز أولى وعليه بدنة وشاة البدنة لأجل الجماع بعد الوقوف والشاة لأن الاحرام للعمرة باق والجماع فى احرام العمرة يوجب الشاة وههنا لا يسقط عنه دم القران لأنه لم يوجد فساد الحج والعمرة ولا فساد احدهما فأمكن ايجاب الدم شكرا فان جامع مرة بعد أخرى فهو على ما ذكر من التفصيل فى المفرد بالحج أنه ان كان فى مجلس واحد فلا يجب عليه غير ذلك وان كان فى مجلس آخر فعليه دمان (١). على الاختلاف الذى ذكرنا فان جامع أول مرة بعد الحلق قبل الطواف للزيارة فعليه بدنة وشاة لأن القارن يتحلل من الاحرامين معا ولم يحل له النساء بعد احرام الحجة فكذا فى احرام العمرة كما يقع له التحلل من غير النساء بالحلق فيهما جميعا ولو جامع بعد ما طاف طواف الزيارة كله أو أكثره فلا شئ عليه لأنه قد حل له النساء فلم يبق له الاحرام رأسا الا اذا طاف طواف الزيارة قبل الحلق والتقصير فعليه شاتان لبقاء الاحرام لهما جميعا.
وروى ابن سماعة عن محمد فى الرقيات فيمن طاف طواف الزيارة جنبا أو على غير وضوء وطاف أربعة أشواط طاهرا ثم جامع النساء قبل أن يعيده.
قال محمد أما فى القياس فلا شئ ولكن أبا حنيفة استحسن فيما اذا طاف جنبا ثم جامع ثم أعاده طاهرا أنه يوجب عليه دما.
стр. 6515
وكذا قول أبى يوسف وقولنا وجه القياس أنه قد صح من مذهب أصحابنا أن الطهارة ليست بشرط لجواز الطواف واذا لم تكن شرطا فقد وقع التحلل بطوافه والجماع بعد التحلل من الاحرام لا يوجب الكفارة وجه الاستحسان أنه اذا أعاده وهو طاهر فقد انفسخ الطواف الأول على طريق بعض مشايخ العراق وصار طوافه المعتبر هو الثانى لأن الجنابة توجب نقصانا فاحشا فتبين أن الجماع كان حاصلا قبل الطواف فيوجب الكفارة بخلاف ما اذا طاف على غير وضوء لأن النقصان هناك يسير فلم ينفسخ الأول فبقى جماعه بعد التحلل فلا يوجب الكفارة.
وذكر ابن سماعة عن محمد فى الرقيات فيمن طاف أربعة أشواط من طواف الزيارة فى جوف الحجر أو فعل ذلك فى طواف العمرة ثم جامع انه تفسد العمرة وعليه عمرة مكانها وعليه فى الحج بدنة لأن الركن فى الطواف أكثر الأشواط وهو أربعة فاذا طاف فى جوف الحجر فلم يأت بأكثر الاشواط فحصل الجماع قبل الطواف.
وروى ابن سماعة عن محمد فيمن فانه الحج فجامع أنه يمضى على احرامه وعليه دم الجماع والقضاء للفوات أما وجوب المضى فلبقاء الاحرام
وأما وجوب الدم بالجماع فى الاحرام وليس عليه قضاء العمرة لأن هذا تحلل بمثل أفعال العمرة وليس بعمرة بل هو بقية أفعال حج قد وجب قضاؤه بخلاف العمرة المبتدأة وأما المتمتع اذا جامع فحكمه حكم المفرد بالحج والمفرد بالعمرة لأنه يحرم بعمرة أولا ثم يحرم بحجة (١).
ولو أحرم بالعمرة فى أشهر الحج ثم أفسدها وأتمها على الفساد وحل منها ثم أحرم بالحج وحج من عامه ذلك قبل أن يقضيها لم يكن متمتعا لأنه لا يصير متمتعا الا بحصول العمرة والحجة ولما أفسد العمرة لم تحصل له العمرة والحجة فلا يكون متمتعا ولو قضى عمرته وحج ومن عامه ذلك فهذا لا يخلو من ثلاثة أوجه فان فرغ من عمرته الفاسدة وحل منها ورجع الى أهله ثم عاد الى مكة وقضى عمرته وأحرم بالحج وحج من عامه ذلك فانه يكون متمتعا بالاجماع لأنه لما لحق بأهله صار من أهل التمتع وقد أتى به فكان متمتعا واذا فرغ من عمرته الفاسدة وحل منها لكنه لم يخرج من الحرم أو خرج منه لكنه لم يجاوز الميقات حتى قضى عمرته وأحرم بالحج لا يكون متمتعا بالاجماع لأنه لما حل من عمرته الفاسدة صار كواحد من أهل مكة ولا تمتع لأهل مكة ويكون مسيئا وعليه لاساءته دم، وان فرغ من عمرته الفاسدة وحل منها وخرج من الحرم وجاوز الميقات حتى قضى عمرته ولحق بموضع لأهله التمتع والقران كالبصرة وغيرها ثم رجع الى مكة وقضى عمرته الفاسدة ثم أحرم بحج وحج من عامه ذلك لم يكن متمتعا فى قول أبى حنيفة كأنه لم يبرح من مكة.
وفى قول أبى يوسف ومحمد يكون متمتعا كأنه لحق بأهله وجه قولهما أنه لما حصل فى موضع لأهله التمتع والقران صار من أهل ذلك الموضع وبطل حكم ذلك السفر ثم اذا قدم مكة كان هذا انشاء سفر وقد حصل له نسكان فى هذا السفر وهو عمرة وحجة فيكون متمتعا كما لو رجع الى أهله ثم عاد الى مكة وقضى عمرته فى أشهر الحج وأحرم بالحج وحج من عامه ذلك أنه يكون متمتعا كذا هذا بخلاف ما اذا اتخذ مكة دارا لأنه صار من أهل مكة ولا تمتع لأهل مكة ولأبى حنيفة أن حكم السفر الأول باق لأن الانسان اذا خرج من وطنه مسافرا فهو على حكم السفر ما لم يعد الى وطنه واذا كان حكم السفر الأول باقيا فلا عبرة بقدومه البصرة واتخاذه دارا بها فصار كأنه أقام بمكة لم يبرح منها