← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 6616–6655 · переход к 6621.

стр. 6616

لأن ماليته لم تبطل ولو بطلت ماليته لم يبطل أرش الجناية عليه فان الحر يجب أرش الجناية عليه فان قتل وجبت قيمته وليس للموقوف عليه العفو عنها لأنه لا يختص بها مثل المجنى عليه يكون وقفا وذلك لأنه ملك لا يختص به فلم يختص ببدله كالعبد المشترك والمرهون وبيان عدم الاختصاص ظاهر فانه يتعلق به حق البطن الثانى فلم يجز ابطاله ولا تعلم قدر ما يستحق هذا منه فنعفوا عنه فلم يصح العفو عن شئ منه كما لو أتلف رجل رهنا أخذت منه قيمته فجعلت رهنا ولم يصح عفو واحد منهما عنه وان كانت الجناية عمدا فحصا من مكافئ له فالظاهر انه لا يجب القصاص لأنه محل لا يختص به الموقوف عليه فلم يجز أن يقتص من قاتله كالعبد المشترك. وقال بعض أصحاب الشافعى يكون ذلك الى الامام فان قطعت يد العبد أو طرف من أطرافه فالقصاص أو موجبه فعفى عنه وجب نصف قيمته فان أمكنه أن يشترى بها عبد كامل والا اشترى بها شقص من عبد (١). ويجوز تزويج الأمة الموقوفة لأنه عقد على منفعتها أشبهه الاجارة ولأن الموقوف عليه لا يملك استيفاء هذه المنفعة فلا يتضرر بتمليك غيره واياها ووليها الموقوف عليه لأنها ملكه والمهر له لأنه بدل نفعها أشبهه الأجر فى الاجارة ويحتمل أن لا يجوز تزويجها لأنه عقد على نفعها فى العمر فيفضى الى تفويت نفعها فى حق البطن الثانى ولأن النكاح يتعلق به حقوق من وجوب تمكين الزوج من استمتاعها ومبيتها عنده فتفوت خدمتها فى الليل على البطن الثانى الا أن تطلب التزويج فيتعين تزويجها. لأنه حق لها طلبته فيتعين الاجابة اليه وما فات من الحق به فات تبعا لايفائها حقها فوجب ذلك كما يجب تزويج الأمة غير الموقوفة اذا طلبت ذلك واذا زوجها فولدت من الزوج فولدها وقف معها لأن ولد كل ذات رحم ثبت لها حرمة حكمه حكمها كأم الولد والمكاتبة وان أكرهها أجنبى فوطئها أو طاوعته فعليه الحد اذا انتفت الشبهة وعليه السهر لأهل الوقف لأنه وطئ جارية غيره أشبه الأمة المطلقة وولدها يكون وقفا معها وان وطئها بشبهة يعتقدها حرة فالولد حر ولو كان الواطئ عبدا وتجب قيمته لأنه كان من سبيله أن يكون مملوكا فمنعه اعتقاد الحرية من الرق فوجبت قيمته يشترى بها عبد يكون رقيقا وتعتبر قيمته يوم تضعه حيا لأنه لا يمكن تقويمه قبل ذلك (٢) وليس للموقف عليه وط ء الأمة الموقوفة لأنا لا نأمن حبلها فتنقص أو تتلف أو تخرج من الوقف لكونها أم ولد ولأن ملكه ناقص فان وطئ فلا حد عليه للشبهة ولا مهر عليه لأنه لو وجب لوجب له ولا يجب للانسان شئ على نفسه والولد حر لأنه من وطئ شبهة وعليه قيمة الولد يشترى بها عبدا مكانه وتصير أم ولد لأنه أجلها بحر فى ملكه فاذا مات عتق ووجبت قيمتها فى تركته لأنه أتلفها على من بيده من البطون فيشترى بها جارية تكون وفقا مكانها وان قلنا ان الموقوف عليه لا يملكها لم تصر أم ولد له لأنها غير مملوكة له. وان أعتق العبد الموقف لم ينفذ عتقه لأنه يتعلق به حق غيره ولأن الوقف لازم فلا يمكن ابطاله وان كان نصف العبد وقفا ونصفه طلقا فأعتق صاحب الطلق لم يسر عتقه الى الوقف لأنه اذا لم يعتق بالمباشرة فبالسراية أولى (٣).

стр. 6617

مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى أنه لا يبطل الحبس ترك الحيازة فان استغله المحبس ولم يكن سبله على نفسه فهو مضمون عليه كالغصب ولا يحل الا فيما أبقى عليه وهو جائز فى المشاع وغير المشاع فيما ينقسم وفيما لا ينقسم (١). مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار أن الوقف اذا انقطع مصرفه لم يعد ملكا للواقف اذ قد خرج عنه كالعتق. وقال بعض أصحابنا بل يعود ملك له أو لورثته لبطلان وقفيته بانقطاع من عين له اذا هو كالشرط يدل لنا ما مر. وقال الليثى بن سعد تعود منافعه للواقف أو ورثته كفعله ﷺ فى وقف عبد الله بن زيد. وقال المؤيد بالله بل للمصالح اذ الرقبة ملك لله تعالى فتتبعها المنفعة. قال صاحب البحر، الواقف وورثته أخص اذا خبر وقف عبد الله لم يفصل. قالت العترة وما بطل نفعه فى المقصود بيع لا عاضته كعبد شاخ أو ثوب خلق أو شجر يبس والمذهب على أن ثمنه يصرف فى عوضه وفاء بغرض الواقف. قال المؤيد بالله بل يصرف الى المصالح اذ الرقبة ملك لله تعالى ومن أتلفه غرمه لقول رسول الله ﷺ «على اليد ما أخذت حتى ترد» (٢). ولا يصح عتق العبد الموقوف اذا العتق لا يصح الا من مالك (٣). مذهب الإمامية: جاء فى شرائع الاسلام أن الوقف ينتقل الى ملك الموقوف عليه لأن فائدة الملك موجودة فيه والمنع من البيع لا ينافيه كما فى أم الولد وقد يصح بيعه على وجه نفوذ وقف حصته من عبد ثم أعتقه لم يصح العتق لخروجه عن ملكه ولو أعتقه الموقوف عليه لم يصح أيضا لتعلق حق البطون به ولو أعتقه الشريك مضى العتق فى حصته ولم يقوم عليه لأن العتق لا ينفذ فيه مباشرة فالأولى أن لا ينفذ فيه سراية يلزم من القول انتقاله الى الموقوف عليهم افتكاكه من الرق ويفرق بين العتق مباشرة لأنه يتوقف على انحصار المالك فى المباشر أو فيه وفى شريكه وليس كذلك افتكاكه فانه ازالة للرق شرعا فيسرى باقيه فيضمن الشريك القيمة لأنه يجرى مجرى الاتلاف وفيه تردد ولو جنى العبد الموقوف عمدا لزمه القصاص فان كانت دون النفس بقى الباقى وقفا وان كانت نفسا اقتصى ممنه وبطل الوقف وليس للمجنى عليه استرقاته وان كانت الجناية خطأ تعلقت بمال الموقوف عليه لتعذر استيفائه من رقبته وقيل يتعلق بكسبه لأن المولى لا يعقل عبدا ولا يجوز اهدار الجناية ولا طريقة الى عتقه فيتوقع وهو أشبهه. فالموجودين من الموقوف عليهم وان كانت نفسا توجب القصاص فاليهم. وان أوجبت دية أخذت من الجانى وهل يقام بها مقامه قيل نعم لأن الدية

стр. 6618

عوض رقبة وهى ملك للبطون وقيل لا تكون للموجودين من الموقوف عليهم وهو أشبهه لأن الوقف لا يتناول القيمة (١). وجاء فى الخلاف أنه اذا وقف على من يصح انقراضه فى العادة مثل أن يقف على ولده وسكت على ذلك فمن أصحابنا من قال لا يصح الوقف ومنهم من قال يصح فاذا انقرض الموقوف عليه رجع الى الواقف ان كان حيا وان كان ميتا رجع الى ورثته لأن عوده الى البر بعد انقراض الموقوف عليهم يحتاج الى دليل وليس فى الشرع ما يدل عليه والأصل بقاء الملك عليه أو على ولده (٢).

стр. 6619

إفطار التعريف بالافطار: جاء فى المصباح المنير ومختار الصحاح (١): فطرت الصائم بالتثقيل أعطيته فطورا (بفتح الفاء) أو أفسدت عليه صومه فأفطر هو، ويفطر بالاستمناء ونحوه أى يفسد صومه، والفطور وزان رسول: ما يفطر عليه، والفطور بالضم المصدر والإسم الفطر بالكسر. ورجل فطر وقوم فطر (بكسر الفاء) لأنه مصدر فى الأصل ولهذا يذكر فيقال: كان الفطر بموضع كذا ورجل مفطر والجمع مفاطير مثل مفلس مفاليس. استعماله فى لسان الفقهاء: يطلق الفقهاء إسم الافطار على فعل ما لا يتفق مع الصيام بعد الإمساك يوما كاملا بنية الصوم كما يطلقونه على فعل الصائم شيئا من ذلك قبل الغروب أو على ترك الإمساك فى يوم يطلب صومه شرعا. وقت الإفطار شرعا بالنسبة للصائم: يفطر الصائم عند غروب الشمس من يوم الصيام ويستمر إلى طلوع الفجر لقوله تعالى «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٢)» «وقال ﷺ » لا يغرنكم أذان بلال ولا الفجر المستطيل وكلوا واشربوا حتى يطلع الفجر المستنير المنتشر (٣) ومن المستحب تعجيل الإفطار لقوله ﷺ ثلاثة من أخلاق المرسلين: تعجيل الإفطار وتأخير السحور والسواك (٤) وعند انتهاء رمضان يكون الإفطار بالإخبار بهلال شوال (أنظر أخبار) وأن يكون على رطبات فتمرات فإن لم يجد حسا حسوات من ماء وأن يكون ذلك وترا. وندب أن يقول اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت فاغفر لى ما قدمت وما أخرت. وفى حديث اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله (راجع باب الصيام فى جميع المذاهب) أحكام الإفطار بترك الصيام: يكون الإفطار واجبا أو محرما أو مستحبا أو مكروها تبعا لحكم الصيام فمتى كان الصيام محرما كان الإفطار واجبا ومتى كان الصيام واجبا كان الإفطار محرما ومتى كان الصيام مكروها كان الإفطار مستحبا ومتى كان الصيام مستحبا كان الإفطار مكروها (أنظر صوم أو صيام) ما به الإفطار مذهب الحنفية: إذا أكل أو شرب أو جامع نهارا ناسيا لم يفطر (٥) لقوله ﷺ للذى أكل وشرب ناسيا: أتم صومك فإنما أطعمك الله وسقاك ولا فرق بين النفل (٦) والفرض، وإن أكل فى رمضان ناسيا وظن أن ذلك يفطره فأكل بعد ذلك متعمدا فسد صيامه. وإذا أفطر مخطئا أو مكرها فعليه القضاء (٧) وأما حديث رفع الخطأ فالمراد به رفع الإثم (٨) فإذا تسحر وهو يظن أن الفجر لم يطلع أو أفطر وهو يرى أن الشمس قد غربت فإذا هى لم تغرب أمسك بقية يومه وفسد صيامه [أنظر ذلك فى مصطلح صوم].

стр. 6620

مذهب المالكية: من أكل أو شرب أو جامع ناسيا أفطر وكذلك إذا أكل أو شرب لضرورة أفطر وعلى كل منهما القضاء (١) أما من أفطر ساهيا فلا قضاء عليه ولا يفطر أن يبلع ما بين الأسنان طعاما عمدا (٢) ويفطر إن وصل مائع إلى الحلق من الأنف أو الأذن أو العين أو الفم سواء كان المائع ماء أو غيره وصل عمدا أو سهوا أو غلبة كماء غلب من المضمضة أو السواك حتى وصل الى الحلق أو وصل خطأ كأكله نهارا معتقدا بقاء الليل أو غروب الشمس أو شاكا فى ذلك ما لم يتبين أن أكله قبل الفجر أو بعد غروب الشمس [أنظر مصطلح صوم]. مذهب الشافعية: إذا دخل فى الصوم ونوى الخروج منه بطل الصوم لأن النية شرط فى جميعه فإذا قطعها فى أثنائه بقى الباقى بلا نية فبطل (٣) وإذا فعل ما يوجب الإفطار من أكل أو جماع أو نحوهما وكان ناسيا لم يبطل صومه لما روى عن أبى هريرة عن النبى ﷺ قال: «من أكل ناسيا أو شرب ناسيا فلا يفطر فإنما هو رزق رزقه الله تعالى» فنص على الاكل والشرب وقيس عليهما كل ما يبطل الصوم من الجماع وغيزه، فإن فعل ذلك وهو جاهل بتحريمه لم يبطل صومه لأنه يجهل تحريمه فهو كالناسى، وان فعل ذلك بغير اختياره بأن أوجد الطعام فى حلقه مكرها لم يبطل صومه وأن استدخلت المرأة ذكر رجل وهو نائم لم يبطل صومه، وإن أكره حتى أكل بنفسه أو أكره المرأة حتى مكنته من وطئها ففيه قولان. أحدهما يبطل الصوم كما لو شرب لدفع عطش (٤). والثانى لا يبطل لأنه وصل إلى جوفه بغير اختياره. وما يصل الى جوفه بغير اختياره من غبار الطريق وغربلة الدقيق والذباب والبعوض. لا يبطل الصوم لأن الاحتراز عن ذلك من شأنه المشقة، وإن أكل أو جامع وهو يظن أن الفجر لم يطلع وكان قد طلع أو يظن أن الشمس قد غربت فأفطر ولم تكن غربت لزمه القضاء لما روى حنظلة قال: كنا فى المدينة فى شهر رمضان فى السماء شئ من السحاب فظننا أن الشمس قد غربت فأفطر بعض الناس فأمر عمر رضى الله عنه من كان أفطر أن يصوم يوما مكانه ولأنه مفرط لأنه كان يمكن أن يمسك إلى أن يعلم فلم يعذر (٥) فإن طلع الفجر وفى فيه طعام فأكله أو كان مجامعا فاستدام بطل الصوم وإن أكل وهو يشك فى طلوع الفجر صح الصوم لأن الأصل بقاء الليل وإن أكل وهو يشك فى غروب الشمس لم يصح لأن الأصل بقاء النهار (٦) وإن أكل الصائم وشرب وهو ذاكر لصومه عالم بالتحريم مختار بطل صومه لأنه فعل ما ينافى الصوم من غير عذر فبطل (٧) (ينظر: مصطلح صوم) فإن استعط (تناول سعوطا) أو صب ماء فى أذنه فوصل إلى دماغه بطل صومه (٨)، وان قلع ما بين أسنانه بلسانه وابتلعه بطل صومه وإن جمع فى فمه ريقا كثيرا فابتلعه ففيه وجهان. أحدهما أنه يبطل صومه لأنه ابتلع ما يمكن الاحتراز منه مما لا حاجة إليه به فأشبه إذا قلع ما بين أسنانه وابتلعه. والثانى لا يبطل لأنه وصل إلى جوفه من معدته فأشبه ما يبلعه من ريقه على عادته، وإن أخرج البلغم من صدره وقذفه إلى الخارج لم يبطل صومه أما لو بلعه بعد وصوله واستقراره فى فمه فإنه يفطر.

стр. 6621

مذهب الحنابلة: يفطر الصائم بالأكل والشرب والجماع بدلالة الكتاب والسنة (١) قالوا يفسد الصوم الحجامة ويفطر بالحجامة الحاجم والمحجوم به لقوله ﷺ أفطر الحاجم والمحجوم (٢) ويفطر الصائم بكل ما أدخله إلى جوفه إذا وصل باختياره وكان مما يمكن التحرز منه سواء وصل من الفم أو الأنف أو ما يدخل من الأذن الى الدماغ أو ما يدخل من العين إلى الحلق كالكحل أو ما يدخل إلى الجوف من الدبر بالحقنة فهذا كله يفطره لأنه وصل إلى جوفه باختياره سواء استقر فى جوفه أو عاد فخرج منه (٣) (انظر فى تفصيل ذلك مصطلح صوم) مذهب الظاهرية: قال ابن حزم: للمرء أن يفطر فى صوم التطوع ولا يكره له ذلك إلا أن عليه أن أفطر عامدا قضاء يوم مكانه (٤) ومن أجهده الجوع أو العطش حتى غلبه الأمر ففرض عليه أن يفطر (٥) لقوله تعالى: (﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾) «وقوله تعالى» (﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)﴾ «وقوله تعالى» ﴿(وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)﴾ «ولقول رسول الله ﷺ : (إذا امرتكم بامر فاتوا منه ما استطعتم) ولا ينقض الصوم ذباب دخل الحلق بغلبة ولا من رفع رأسه فوقع فى حلقه نقطة ماء بغير تعمد لذلك ولا من تعمد أن يصبح جنبا ما لم يترك الصلاة ولا من تسحر أو وطئ وهو يظن أنه ليل فإذا بالفجر طلع ولا من أفطر بأكل أو وطئ ويظن أن الشمس قد غربت فإذا بها لم تغرب ولا من أكل أو شرب أو وطئ ناسيا لأنه صائم (٦) ولا من أكره على ما ينقض ويبطل الصوم تعمد المعصية أى معصية كانت إذا فعلها عامدا ذاكرا لصومه. ولا يقدر على القضاء إن كان فى رمضان أو فى نذر معين (٧)، ومن تعمد الفطر فى يوم رمضان عاصيا الله تعالى لم يحل له أن يأكل فى باقيه ولا أن يشرب ولا أن يجامع وهو عاص بتعمد الفطر ولا صوم له (٨) مع ذلك. واذا طهرت الحائض والنفساء قبل الفجر فأخرت الغسل عمدا إلى طلوع الفجر ثم اغتسلت وأدركت الدخول فى صلاة الصبح قبل طلوع الشمس لم يضرها شئ وصومها تام فان فاتتها الصلاة بطل صيامها لأنها عاصية بترك الصلاة عمدا. (٩) (انظر مصطلح صوم). مذهب الزيدية يفسد الصوم بثلاثة أمور: أولها الوط ء وهو التقاء الختانين مع توارى الحشفة فما أوجب الغسل أفسد الصوم، وهكذا يعتبر فى الخنثى ثانيها: الإمناء وهو إنزال المنى لشهوة ولو لم يكن بجماع إذا وقع ذلك فى يقظة، وإلا فلا كما لو أمنى من غير شهوة أو لأجل احتلام أو جومعت وهى نائمة. ولا خلاف فى أن الامناء يفسد اذا كان بسبب مباشرة أو مماسة كتقبيل أو لمس. أما إذا وقع لأجل النظر لشهوة أو لأجل فكر فاختلف فيه، فأما النظر فالمذهب أنه يفسد أيضا، وأما الأفكار فقيل لا يفسد. ولا يفسد صيامها اذا جومعت مكرهة دون أن يكون منها تمكين ولا استطاعة مدافعة. وثالثها: هو ما يصل الجوف سواء أكان مما يؤكل أم لا كالحصاة والدرهم ونحوهما وقالوا: إنما يفسد الصيام بشروط. الأول: أن يكون مما يمكن الاحتراز منه، فان

стр. 6622

كان مما لا يمكن الاحتراز منه كالدخان والغبار لم يفسد اذا كان يسيرا بحيث لا يمكن الاحتراز منه. والثانى: أن يكون جاريا فى الحلق فلو وصل إلى جوف دون أن يجرى فى الحلق لم يفسد وذلك كالحقنة والطعنة والرمية ودواء الجائفة مما يصل إلى الجوف واستثنى مما يصل جاريا فى الحلق الريق ويسير الخلالة بغير فعله وسعوط الليل. والثالث: أن يدخل فى الحلق من خارجه فلو لم يجر فيه من خارجه بل نزل من الدماغ أو العين أو الخيشوم كالنخامة نزلت من مخرج الخاء فإنه لا يفسد. والرابع: أن يكون جريه فى حلق الصائم يفعله وبسببه. وأما لو كان بغير ذلك لم يفسد صومه كمن أوجر ماء فدخل بغير اختياره وكمن جومعت مكرهة لا فعل لها أو نائمة، ولو أفطر بأى سبب وكان فى تلك الحال ناسيا لصومه فإن الناسى لاقضاء عليه ولا يفسد صومه وقال البعض الناسى كالعامد. وإن أفطر مكرها فان صومه يفسد إذا وقع الإفطار بفعله أو بسببه ولو كان مكرها. وأما إن أكره على وجه لم يبق له فعل لم يفسد صومه كما تقدم وقيل غير ذلك (١) (ينظر مصطلح صوم). مذهب الإمامية: يجب الإمساك عن كل مأكول معتادا كان كالخبز والفواكه أو غير معتاد كالحصى والبرد، وعن كل مشروب ولو لم يكن معتادا كمياه الأنهار وعصارة الاشجار وعن الجماع فى القبل إجماعا وفى غير المرأة على الأظهر ويفسد صوم المرأة. (٢) وقيل أن الكذب على الله وعلى رسوله وعلى الأئمة ﵈ يفسد الصوم وقيل لا وهو الأشبه. وفى إيصال الغبار إلى الحلق خلاف وفى الأظهر التحريم وفساد الصوم. ولو استمنى أو لمس امرأة فسد صومه. ولو احتلم بعد نية الصوم نهارا لم يفسد صومه، وكذا لو نظر إلى إمرأة فأمنى على الأظهر أو استمع فأمنى (٣). والحقنة بالجامد جائزة، وبالمائع محرمة. ويفسد بها الصوم على تردد. (٤) ولا يفسد الصوم ما يصل إلى الجوف بغير الحلق عدا الحقنة بالمائع وقيل صب الدواء فى الإحليل إلى الجوف يفسده وفيه تردد. ولا يفسد الصوم بابتلاع النخامة والبصاق ولو كان عمدا ما لم ينفصل عن الفم وما ينزل من الفضلات من رأسه إذا استرسل فتعدى الحلق من غير قصد لم يفسد الصوم، ولو تعمد ابتلاعه أفسد. (٥) (ينظر مصطلح صوم) مذهب الإباضية: يجب على الصائم الإمساك عن كل مفطر يصل إلى الجوف ولو رجع من حينه من أى منفذ كان الى مطلق البطن لا بخصوص دخول المعدة والمصارين وإن كان غير مغذ كذهب وتراب وصوف وغير ذلك. فمن جعل ماء ونحوه لحاجة فى المجارى التى تؤدى إلى الحلق أو البطن انتقض صومه كله، وقيل: يومه ولزمته المغلظة. والصحيح أنه لا شئ عليه إلا إذا تبين أنه وصل الحلق أو الجوف. ومن أمسك فى فيه حديدا أو نحاسا أو فضة غير متعمد أو متعمدا انتقض صومه كله إذا كان متعمدا أما إذا كان غير متعمد انتقض صوم يومه فقط ومن جعل فى فيه نحو حصاة فسبقت الى حلقه أعاد صوم يومه (٦) وقيل لا. وإذا نظر الزوج أو السيد أو مس متعمدا وأنزل انتقض صومه وقالوا إذا كان الإفطار بالحرام من مال مغصوب أو مسروق عمدا وميتة ونحو ذلك يفسد الصوم وقيل لا يفسد بالإفطار

стр. 6623

الحرام لكن يلزمه رد مثله لمولاه أو قيمته. وفى الديوان: إن أفطر بالحرام أو بدأ بالفاحشة فى وقت الإفطار كفر وصح صومه، وقيل يبدل يومه. وقيل انهدم ما صام كله ومن ظن ان الشمس قد غابت فأكل فإذا هى لم تغب فسد صومه وعليه القضاء لما مضى أو يومه فقط قولان: الأصح اعادة يومه فقط ولو أكل متنبه من نوم ليلة غيم قبل السؤال عمدا ثم بان أن الأكل بعد الإصباح فسد صوم ما مضى ويومه لأن أكله قبل السؤال مساهلة فى أمر الدين (١) ويفسد الصوم كله او اليوم بالوارد جوفا عمدا ولو دمعا أو مخاطا أو ريقا بأن عن فم منقطعا وفى الإفطار يطالع من صدر أو نازل من رأس أقوال ثالثها الإفطار بالطالع لا النازل ومن لم يتعمد شيئا فعليه بدل يومه. (٢) ومن أصبح جنبا فسد صومه لقوله ﷺ «من أصبح جنبا أصبح مفطرا» (٣) ومن لم يغتسل حتى أصبح أو لزمه غسل نهارا أو التيمم اللازم لفقد ماء أو صحة وضاع وقت الغسل أو التيمم أفطر وأعاد ما مضى. وقيل يومه، وقيل تلزمه المغلظة، من كذب عمدا أو ارتكب كبيرة أو قاء فسد صوم يومه وقيل للماضى كله ومن تقيأ بشبع أعاد يومه، وينتقض الصوم بالغيبة والنميمة واليمين الكاذبة ونظر الشهوة لحديث «إنهن ينقضن الوضوء ويبطلن الأعمال» ومن أكل أو شرب ناسيا فسد صومه وعليه بدل يومه وكذا من جامع ناسيا وقيل تلزمه المغلظة والانهدام ويفسد صوم الناسى لغسل من جنابة أو حيض أو نفاس وكذا من وطئ بنسيان ومن جعل بفيه ماء لحاجة أو ذاق طعم خل أو مضغ لصبى أو مريض فسبق لحلقه وكذا ما أكره على أكل أو جماع والمكرهة على الوط ء ولو زنى وعلى مكره المرأة على الوط ء ما على مفسد رمضان عمدا من وزر وكفارات وقضاء. (٤). (ينظر مصطلح صوم) الاعذار المبيحة للافطار مذهب الحنفية: من كان مريضا فى رمضان فخاف إن صام زاد مرضه أفطر (٥) وقضى وكذلك الصحيح إذا خاف على نفسه المرض، وخادمة خافت الضعف بغلبة الظن أو بتجربة باخبار طبيب مسلم صادق مستور. ومن أغمى عليه فى رمضان لم يقض اليوم الذى حدث فيه الإغماء لوجود الصيام فيه وقضى ما بعده لانعدام النية (٦). وإن كان مسافرا لا يستضر بالصوم فصومه أفضل وإن أفطر جاز لأن السفر لا يخلو من المشقة فجعل لنفسه عذرا بخلاف المرض فإنه قد يخف بالصوم فشرط كونه مقضيا إلى (٧). الحرج، وإذا قدم المسافر فى بعض النهار أمسك بقية يومه. وإذا نوى المسافر الإفطار ثم قدم المصر قبل الصيام فنوى الصيام أجزاه وإن كان فى رمضان فعليه أن يصوم (٨) وإذا حاضت المرأة أو نفست وأفطرت قضت فإذا طهرت فى بعض النهار أمسكت بقية يومها (٩). والحامل والمرضع إذا خافتا على نفسيهما أو ولديهما أفطرتا وقضتا دفعا للحرج ولا كفارة عليهما لأنه إفطار بعذر، ولا فدية عليهما والشيخ الفانى الذى لا يقدر على الصيام يفطر ويطعم كل يوم مسكينا كما يطعم فى الكفارات

стр. 6624

لقوله تعالى «وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ» ويباح الإفطار فى صوم التطوع بغير عذر على قول. وقيل لا يباح إلا بعذر وعليه القضاء. وهل تعد الضيافة عذرا؟ فقيل نعم، وقيل: لا، وقيل: هى عذر قبل الزوال لا بعده، إلا اذا كان فى عدم الفطر بعده عقوق لأحد الوالدين لا غيرهما وقيل: إن كان صاحب الطعام يرضى بمجرد حضوره وإن لم يأكل، لا يباح الفطر. وإن كان يتأذى بذلك يباح له. والمخطئ والمكره يفطران وعليهما القضاء. مذهب المالكية: المريض (١) الذى يخاف بالصوم زيادة المرض أو تأخر البرء أو حصول مشقة شديدة أو غلب على ظنه الهلاك بسبب الصوم أو الضرر الشديد وجب عليه الفطر. والصحيح إذا ظن بالصوم هلاكا أو أذى شديدا وجب عليه الفطر كالمريض. والحامل والمرضع سواء كانت المرضع اما للولد من النسب أم غيرها إذا خافتا بالصوم مرضا أو زيادة على أنفسهما أو ولدهما يجوز لهما الإفطار وعليهما القضاء ولا فدية على الحامل بخلاف المرضع فعليها الفدية أما إذا خافتا بالصوم هلاكا أو ضررا شديدا فيجب عليهما الفطر وإنما يباح للمرضع الفطر إذا تعين الرضاع عليها والمسافر سفرا يبيح له قصر الصلاة ويجوز له الفطر وإذا بيت المسافر نية الصوم وأصبح صائما ثم أفطر لزمه القضاء والكفارة سواء أفطر متأولا أو لا. ويجب على من حاضت أو نفست الفطر وعليها القضاء، ومن الأعذار المبيحة للفطر الجوع والعطش الشديدان اللذان لا يقدر معهما على الصوم فله الفطر وعليه القضاء ومنها كبر السن فالشيخ الهرم الفانى يفطر ويستحب له الفدية على المشهور وقيل: لا فدية عليه ومثله المريض الذى لا يرجى برؤه. ومنها الجنون: فإذا طرأ على الصائم ولو لحظة لم يجب عليه الصوم فإذا جن يوما كاملا أو جله سلم فى أوله أو لا فعليه القضاء وإن جن نصف اليوم أو أقله ولم يسلم أوله فيهما فعليه القضاء أيضا، وإلا فلا مذهب الشافعية: قال الشافعى لا يجب الصيام على المجنون حتى يفيق فإن أفاق لا يجب عليه قضاء ما فاته فى حال الجنون لأنه صوم فات فى حال يسقط فيه التكليف فإن أفاق فى أثناء اليوم من رمضان استحب له الامساك بقية النهار لحرمة الوقت ولا يلزمه ذلك، فإن زال عقله بإغماء لم يجب عليه الصيام فى الحال لأنه لا يصح منه فإن أفاق وجب عليه القضاء لقوله تعالى «فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ﴾ (٢) وإذا نوى الصوم من الليل ثم أغمى عليه جميع النهار لم يصح صومه وعليه القضاء وقبل: يصح صومه وإذا نام جميع النهار فقيل لم يصح صومه والمذهب أنه يصح صومه لأن النائم ثابت العقل إذ أنه انتبه وإن نوى الصوم ثم جن فقد قال فى الجديد يبطل الصوم وقال فى القديم هو كالاغماء (٣). وإذا أسلم الكافر فى نهار رمضان وبلغ الصبى المفطر استحب لهما الإمساك بقية اليوم ولا يلزمهما ويجب على الكافر قضاؤه لأنه أدرك جزءا من وقت الفرض وقيل لا يجب عليه لأنه لم يدرك ما يمكن الصوم (٤) فيه. والحائض والنفساء لا يجب عليهما الصوم لأنه لا يصح منهما فاذا طهرتا وجب عليهما القضا. ومن لا يقدر على الصوم بحال وهو الشيخ الذى يجهده الصوم والمريض الذى لا يرجى برؤه فإنه لا

стр. 6625

يجب عليهما الصوم لقوله : «وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١) «أما قوله ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ» فقد قال ابن عباس: إنه قد نسخ. وإن لم يقدر على الصوم لمرض يخاف زيادته ويرجو البرء منه لم يجب عليه الصوم للآية، فإذا برئ وجب عليه القضاء لقوله تعالى «فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ» فإن أصبح صائما وهو صحيح ثم مرض أفطر لأنه أبيح له الفطر للضرورة (٢). واذا برئ المريض وهو صائم ففى إفطاره وجهان (٣). أما المسافر فإن كان سفره دون مسافة القصر لم يجز له أن يفطر لأنه اسقاط لغرض. وإن كان سفره فى معصية لم يجز له أن يفطر لأن ذلك إعانة على المعصية وإن كان سفره فى غير معصية فله أن يصوم وله أن يفطر. وإن كان ممن لا يجهده السفر فالأفضل أن يصوم. فإن صام المسافر وأراد أن يفطر فله ذلك لأن العذر قائم ومن أصبح فى الحضر قائما ثم سافر لم يجز له أن يفطر فى ذلك اليوم وقيل له أن يفطر والمذهب على الأول وإذا قدم المسافر ففى جواز افطاره وجهان (٤). وان خافت المرضع أو الحامل على نفسها من الصوم أفطرت (٥) مذهب الحنابلة: الكبير أو المريض (٦) مرضا لا يرجى برؤه يفطر ويطعم لكل يوم فقيرا. وإن خافت المرضع أو الحامل على ولديهما أفطرتا وأطعمتا فقيرا لكل يوم، والسنة لمن سافر قصر ولمن مرض فخاف ضررا بالصوم أن يفطر فان صاما أجزأهما، ولا يجوز أن يصوما فى رمضان عن غيره. وللمسافر أن يفطر رمضان أو غيره بدلالة الكتاب والسنة والإجماع، وانما يباح الفطر فى السفر الطويل الذى يبيح القصر. فإذا دخل عليه شهر رمضان وهو فى السفر فلا خلاف فى أباحة الفطر وإذا سافر فى أثناء الشهر ليلا فله الفطر فى صبيحة الليلة التى يخرج منها وما بعدها وقيل لا يفطر لقوله تعالى «فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ» وهذا قد شهده. والأول أظهر واذا سافر فى أثناء يوم رمضان فحكمه كمن سافر فى ليله ولا يباح له الفطر حتى يخلف البيوت وراء ظهره يعنى أن يجاوزها ويخرج من بين بنيانها وقيل يفطر فى بيته ان شاء يوم يريد أن يخرج، والأول أرجح لأنه شاهد للشهر ولا يوصف بكونه مسافرا حتى يخرج من البلد (٧) وليس للمسافر أن يصوم فى رمضان عن غيره كالنذر والقضاء لأن الفطر يباح رخصة وتخفيفا فاذا لم يرد التخفيف عن نفسه لزمه أن يأتى بالأصل. (٨) وإذا نوى المسافر الصوم فى سفره ثم بداله أن يفطر فله ذلك مذهب الظاهرية: قال ابن حزم من أجهده الجوع أو العطش حتى غلبه الأمر ففرض عليه أن يفطر لقوله تعالى: «وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ» ومن سافر فى رمضان سفر طاعة أو سفر معصية أو لا طاعة ولا معصية ففرض عليه الفطر إذا جاوز ميلا أو بلغه أو إزاءه وقد بطل صومه حينئذ ويقضى بعد ذلك فى أيام أخر. فإن نوى من الليل وهو فى سفر أن يرحل غدا فلم ينو الصوم فلما كان من الغد حدثت له إقامة فهو مفطر لأنه مأمور بما فعل، وقالوا الحامل والمرضع والشيخ الكبير كلهم مخاطبون بالصوم فلو خافت الحامل على جنينها أو المرضع من قلة اللبن أو عجز الشيخ عنه لكبره أفطروا ولا قضاء عليهم ولا إطعام

стр. 6626

فإن أفطروا لمرض بهم عارض فعليهم القضاء (١). ومن أسلم بعد ما تبين الفجر له أو بلغ كذلك أو رأت الطهر من الحيض أو من النفاس أو أفاق من مرضه أو قدم من سفره فإنهم يأكلون باقى نهارهم ويستأنفون الصوم من غد ولا قضاء على من أسلم أو بلغ وتقضى الحائض والنفساء والمفيق والقادم. مذهب الزيدية: يرخص فى الإفطار لثلاثة أمور: أولها (٢). السفر إذا كانت مسافته توجب القصر، ولا يجوز الإفطار الا إذا خرج من الميل كالقصر وقيل إذا خرج من العمران، فلو خرج من الميل ثم أضرب عن السفر لم يلزمه الإمساك بقية اليوم. ثانيها: الإكراه على الفطر بأن يتوعده وهو قادر على إنفاذ ما توعده بأن يحبسه أو يضربه أو يضره ضررا مجحفا إن لم يفطر فانه حينئذ يجوز له الإفطار، واختلف فى حد الإحجاف، فقيل أن يخشى التلف فقط لأن هذا إكراه على فعل محظور وقيل خشية الضرر وهو القوى عندهم. ثالثها: خشية الضرر من الصوم وذلك كالمريض يخشى إن صام حدوث علة أو زيادة فيها، وكذلك الشيخ الكبير يخشى ذلك ونحوهما كالمستعطش فإنه رخص لهؤلاء فى الافطار لخشية الضرر مطلقا. ويجب الإفطار لخشية التلف فإن خشى التلف جوعا أو عطشا أو علة تحدث بسبب الصيام أو تقوى لزمه الإفطار. ولخشية ضرر الغير كرضيع أو جنين خافت أمهما عليهما أنها إذا صامت لحقهما ضرر. ولا يجزئ صوم الحائض والنفساء وعليهما القضاء، ويجب على من ترك الصوم بعد تكليفه ولو لعذر أن يقضى بنفسه بشرط أن لا يكون فى زمن يجب فيه صوم آخر. وإن لا يكون فى زمن يجب فيه الافطار كالعيدين، ويثبت لمن زال عذره أن يمسك فإن قدم المسافر أو طهرت الحائض وكل من جاز له الإفطار لعذر فزال ذلك العذر وفى اليوم بقية فإنه يستحب له أن يمسك بقية اليوم لحرمة الشهر ولئلا تلحقه تهمة. مذهب الإمامية: من الأعذار المبيحة للفطر المرض إذا كان يخاف، الزيادة بالصوم ويبنى فى ذلك على ما يعلمه من نفسه أو بظنه لأمارة كقول الطبيب العارف، ولو صام مع تحقق الضرر متكلفا قضاه. والمسافر إذا اجتمعت فيه شرائط القصر وجب الإفطار ولو صام عالما بوجوبه قضاه، وان كان جاهلا لم يقض. والشرائط المعتبرة فى قصر الصلاة معتبرة فى قصر الصوم ويزيد على ذلك تبييت النية، وقيل لا يعتبر بل يكفى خروجه قبل الزوال، وقيل لا يعتبر أيضا بل يجب التقصير ولو خرج قبل الغروب والأول أشبه، وكل سفر يجب قصر الصلاة فيه يجب قصر الصوم. ولا يفطر الصائم حتى يتوارى عنه جدران بلده أو يخفى عليه أذان مصره فلو أفطر قبل ذلك كان عليه مع القضاء الكفارة. الهرم والمرأة الكبيرة وذو العطاش يفطرون فى رمضان ويتصدقون عن كل يوم بمد من الطعام. ثم إن أمكن القضاء وجب وإلا سقط، وقيل إن عجز الشيخ أو الشيخة سقط التكفير كما يسقط الصوم، وإن أطاقا بمشقة كفرا والأول أظهر والحامل الى قاربت الوضع والمرضع القليلة اللبن يجوز لهما الإفطار فى رمضان وتقضيان مع الصدقة عن كل يوم بمد من الطعام والحائض والنفساء يجب عليهما الإفطار ولا يصح صومهما وعليهما القضاء. ويستحب تأخير الإفطار حتى يصلى المغرب إلا أن تنازعه نفسه (٣) مذهب الإباضية: يباح الإفطار لمريض عجز عن أكل مبلع ليلا غير

стр. 6627

مطيق بذلك العجز صوما، وقيل إن كان لا يشته طعاما وعجز عن الصوم. والمسافر فى مباح جاوز فرسخين من بيته أو بلده عمران بلده، وقيل من سافر ناويا وهل هو الخروج من الحوزة أو مجاوزة ثلاثة أيام فأكثر قولان، والصحيح الأول لأنه ﷺ قصر لما جاوز الفرسخين من المدينة والإفطار والقصر أخوان. والإفطار رخصة والصوم فيه أفضل وعليه أن يبيت نية الافطار من الليل إذا صار فى حد السفر كالمريض ولا يفطر المسافر ناويا حتى يجاوز الفرسخين مع انتهاء إلى حد أبيح فيه وقيل يباح له إذا برز من منزله للنائى وجاوزهما وقد أكل وقصر قبل أن يجاوزهما وإن رئى من أكل نهارا سئل فإن أقر بنسيان أو اضطرارا بجوع أو مرض ترك، ونكل إن أقر بعمد. ويباح الإفطار لكبير لا يطيق صوما أن يفطر ولا يقضى كمريض لا يرجى برؤة ولزمهما الإطعام عن كل يوم وقيل بسقوط الإطعام عنهما كالصوم لأنهما لم يكلفا بالصوم فكيف يلزمهما الاطعام عنه. ويجوز الإفطار لحامل ومرضع إن خافتا ضياع ولدهما اتفاقا والمجنون إن جن فى بعضه صام ما أدرك فقط وقيل يقضى ما مضى لأن من شهد بعضه فقد شهد كله ويلزم الإفطار للحائض والنفساء. ويندب الفطر من فرض قبل صلاة المغرب ومن نفل بعدها، ومن دخل صوم تطوع ثم قطعه قضاه إن تعمده لا لعذر وقيل مطلقا وقيل لا مطلقا ولا يصام فى سنة من السنة يومى الفطر والأضحى وثلاثة أيام بعده ويوم الشك (١). آثار الإفطار مذهب الحنفية: قد يترتب على الإفطار القضاء فقط أو الفدية دون القضاء أو القضاء والكفارة. فأما القضاء فقط دون الكفارة فيكون إذا أكل خطأ أو ظن أن الفجر لم يطلع أو أن الشمس قد غربت. وكذا إذا أكل ما بين أسنانه فى مقدار الحمصة عند أبى يوسف. وعند زفر عليه القضاء والكفارة ولو قل عن ذلك لأنه طعام متغير. واختلف فيمن رأى الهلال ورد قوله وأفطر قبل الرد يقضى فقط أم عليه الكفارة أيضا والراجح عدم وجوبها. أو بعده فتجب الكفارة. ومن ابتلع حصاة او حديدا قضى بلا كفارة، ومن استقاء عامدا يقضى بلا كفارة ولو جامع فيما دون الفرج ولم ينزل يقضى بلا كفارة أو جامع ميتة أو بهيمة أو صغيرة لا تشته أنزل أم لم ينزل فلا كفارة. وكذا المجنونة والنائمة إذا جومعت وهى صائمة تقضى بلا كفارة (٢) والمسافر والمريض والحائض والنفساء وذوو الأعذار يقضون بلا كفارة. واما الفدية فهى تجب على الشيخ الفانى إن أفطر. ولو مات المريض أو المسافر وهما على حالهما لم تلزم الوصية بالإطعام لأنه لم يلزمهما القضاء ولو صح المريض أو أقام المسافر ثم مات لزمهما. وأما الكفارة والقضاء فلا يكونان إلا على من أفطر فى رمضان، أما فى غير رمضان فلا كفارة ويكون القضاء فقط.

стр. 6628

فإذا أكل أو شرب ما يتغذى به أو ما يداوى به فعليه القضاء والكفارة، ومن أصبح غير ناو الصيام فأكل قبل الزوال فعليه الكفارة عند زفر ومحمد ولا تجب عليه عند أبى يوسف. ومن أكل من بين أسنانه قدر حمصه عليه الكفارة عند زفر وليس عليه كفارة عند أبى يوسف. وإذا احتجم وظن أن ذلك يفطر فأكل فعليه كفارة لانه لا يستند إلى دليل شرعى إلا إذا أفتى بالفساد. وكذا إذا جامع فى أحد السبيلين فعليه القضاء والكفارة لتكامل الجنابة وقال أبو حنيفة لا تجب الكفارة فى الموضع المكروه. (الدبر) وتجب الكفارة على المرأة والرجل بالوقاع، والكفارة فى الصيام ككفارة الظهار (انظر كفارة). مذهب المالكية: يجب القضاء فقط على من أفطر لعذر أو ضرورة فى رمضان دون كفارة ومن أفطر لعذر أو ضرورة فى غير رمضان فلا قضاء عليه وليس على من أفطر فى غير رمضان كفارة. ومن أفطر لمرض أو ضرورة فعليه القضاء ومن سافر سفرا تقصر فيه الصلاة فله أن يفطر ولو لم ينله ضرر وعليه القضاء والصوم أحب. ومن سافر أقل من مسافة القصر فظن أن الفطر مباح له فأفطر فلا كفارة عليه وعليه القضاء. وكل من أفطر متأولا فلا كفارة عليه. ومن أمذى فى نهار رمضان بمباشرة أو قبلة فعليه القضاء. ولا كفارة فيما يصل الى الجوف من أنف وأذن وعين ونحوها. (١) لأن الكفارة معللة بالانتهاك الذى هو أخص من العمد. وتكون الكفارة على من أفطر متعمدا بأكل أو شرب أو جماع مع القضاء. ومن تعمد المباشرة أو القبلة فى نهار رمضان حتى أمنى فعليه الكفارة. والكفارة اطعام ستين مسكينا وهو على المكلفين المعتادين وله أن يكفر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين. (انظر: مصطلح كفارة). والحامل التى تخاف على ما فى بطنها تطعم فى قول ولا تطعم فى قول آخر. والمرضع التى تخاف على ولدها ولم تجد من تستأجره له تفطر وتطعم. ويستحب للشيخ الكبير أن يطعم والإطعام فى هذا كله عن كل يوم تقضيه. مذهب الشافعية: من أفطر فى رمضان بغير جماع من غير عذر وجب عليه القضاء لأن الله تعالى أوجب القضاء على المريض والمسافر مع وجود العذر فلأن يجب مع عدم العذر أولى ويجب عليه الإمساك بقية النهار لأنه افطر بغير عذر فلزمه الإمساك (٢) وكذلك من أفطر بعذر يجب عليه الامساك بقية النهار حتى لا يتعرض للتهمة وعقوبة السلطان (٣). ولا يجب عليه الكفارة لأن الأصل عدم الكفارة إلا فيما ورد به الشرع وإن بلغ ذلك السلطان عزره لأنه محرم ليس فيه حد ولا كفارة فثبت فيه التعزير كالمباشرة فيما دون الفرج (٤).

стр. 6629

والحامل والمرضع إن خافتا على أنفسهما وأفطرتا فعليهما القضاء دون الكفارة كالمريض فإن خافتا على ولديهما أفطرتا وعليهما القضاء (١). ومن أفطر بالجماع بغير عذر وجب عليه القضاء والكفارة ويجب عليه إمساك بقية النهار لانه أفطر بغير عذر، ووط ء المرأة فى الدبر واللواط كالوط ء من إفساد الصوم ووجوب الكفارة والقضاء. وأما إتيان البهيمة ففيه وجهان: فإن قلنا يجب فيه الحد أفسد الصوم وأوجب الكفارة كالجماع فى الفرج (القبل والدبر) وإن قلنا يجب فيه التعزير لم يفسد ولم تجب به الكفارة لأنه كالوط ء فيما دون الفرج. ومن أصحابنا من قال يفسد الصوم ويوجب الكفارة قولا واحدا لأنه يوجب الغسل فجاز أن يتعلق به فساد الصوم وايجاب الكفارة كوط ء (٢) المرأة وفى وجوب الكفارة على الرجل والمرأة ثلاثة أقوال. أحدها تجب على الرجل دون المرأة لأنه حق مالى يختص بالجماع فاختص به الرجل دون المرأة كالمهر. والثانى تجب على كل واحد منهما كفارة لأنها عقوبة تتعلق بالجماع فاستوى فيها الرجل والمرأة كحد الزنا. والثالث: تجب عليه عنه وعنها كفارة لان الاعرابى سأل النبى ﵊ عن فعل مشترك بينهما فأوجب عتق رقبة فدل على ان ذلك عنه وعنها (٣) (أنظر مصطلح كفارة) فمن كان من أهل الإعتاق أعتق ومن كان من أهل الإطعام أطعم ومن كان من أهل الصوم صام. وإن قدم الرجل من السفر وهو مفطر وهى صائمة فقالت: أنا مفطرة، فوطئها - فإن قلنا إن الكفارة عليه لم يلزمه ولم يلزمها وإن قلنا: إن الكفارة عنه وعنها، وجب عليها الكفارة فى مالها لأنها غرته بقولها: إنى مفطرة. وإن أخبرته بصومها فوطئها وهى مطاوعة - فإن قلنا: إن الكفارة عنه دونها لم يجب عليه شئ وإن قلنا: إن الكفارة عنه وعنها، لزمه أن يكفر عنها إن كانت من أهل العتق أو الإطعام وأن كانت من أهل الصيام لزمها أن تصوم. وإن زنى بها فى رمضان فلا يتحمل الرجل كفارتها لأن الكفارة تتحمل بالملك ولا تملك هنا. وإن جامع فى يومين وجب عليه لكل يوم كفارة، وإن جامع مرتين فى يوم لم يلزم كفارة للثانى. وكفارة الصوم تجب عند المأثم ولا تجب مع اعتقاد الإباحة كالحد، وإن أكل ناسيا فظن أنه مفطر فجامع لم تجب عليه الكفارة (٦). وإن أفطر بجماع وهو مريض أو مسافر لم تجب الكفارة، وإن جامع ثم سافر لم تسقط عنه الكفارة، وإن جامع ثم مرض أو حبس ففيه قولان: أحدهما لا تسقط عنه الكفارة. والثانى تسقط ومن وطئ وطأ يوجب الكفارة ولم يقدر على الكفارة ففيه قولان: أحدهما يجب عليه، لما رواه أبو هريرة: «أن النبى ﷺ أمر الذى وقع على امرأته فى يوم من شهر رمضان أن يعتق رقبة قال: لا أجد، قال: صم شهرين متتابعين قال لا أستطيع قال: أطعم ستين مسكينا قال: لا أجد، فأتى النبى ﷺ بعرق من تمر فيه خمسة عشر صاعا قال: خذه وتصدق به قال: على أفقر من أهلى والله ما بين لابتى المدينة أحوج من أهلى - فضحك النبى ﷺ حتى بدت نواجذه قال: خذه واستغفر الله تعالى واطعم أهلك «ولأنه حق مالى يجب لله تعالى لا على وجه البدل بل يجب مع العجز.

стр. 6630

والثانى: أنها تثبت فى الذمة فإذا قدر لزم أداؤها. وفى فدية من لا يقدر على الصوم وهو الشيخ الكبير والمريض الذى لا يرجى برؤه قولان: أحدهما أنها لا تجب لأنه أسقط عنهما فرض الصوم فلم تجب عليهما الفدية كالصبى والمجنون. والثانى يجب عن كل يوم فدية من طعام قال: فى المهذب وهو الصحيح لما روى عن أبى هريرة وابن عمر فى ذلك. مذهب الحنابلة: من أكل أو شرب أو احتجم أو أسعط أو أدخل إلى جوفه شيئا من أى موضع كان أو قبل فأمنى أو أمذى أو كرر النظر فأنزل أى ذلك فعل عامدا وهو ذاكر لصومه فعليه القضاء بلا كفارة إذا كان الصوم واجبا (١). ومن أدركه الفجر مجامعا فاستدام لزمه أن يقضى ويكفر، وأن نزع فكذلك عند القاضى وقيل لا شئ عليه ويتخرج إن قضى لا يكفر. وإذا وطئ فى دبر أو قبل من آدمى أو بهيمة عمدا أو سهوا فعليه الكفارة مع القضاء نص عليه أحمد وذلك إذا كان فى شهر رمضان وعنه لا كفارة عليه مع العذر كالناسى والمكره والواطئ بظنه ليلا فتبين نهارا، وأما المرأة الموطوءة فيلزمها القضاء ولا تلزمها الكفارة مع العذر فإن لم يكن لها عذر فعلى روايتين (٢). ومن مرض أو جن أو سافر فى يوم قد وطأ فيه لم تسقط الكفارة عنه. ومن أكل ثم جامع لزمته الكفارة وكذلك كل مفطر وطئ (٣). ومن وطئ فى يوم مرتين فكفارة واحدة إلا أن يكفر بينهما فتلزمه ثانية وأن وطئ فى يومين ولم يكفر فكفارتان قال أبو بكر كفارة (٤). ومن باشر دون الفرج أو قبل أو كرر النظر فأمنى لزمه القضاء وفى الكفارة روايتان ورواية ثالثة لا كفارة بذلك إلا بالوط ء دون الفرج واختارها الخرقى والكفارة عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينا (انظر مصطلح كفارة) والمفطر لكبر سن والمريض لا يرجى برؤه يطعم كل يوم فقيرا ولا يقسط الإطعام لعجزه عنه وإطعام المسكين من بر أو نصف صاع تمر أو شعير والمرضع والحامل إن خافتا على ولديهما وافطرتا قضتا وتطعمان لكل يوم فإن عدمت الطعام فإنه يسقط وأن افطرتا خوفا على نفسيهما كفاهما القضاء. مذهب الظاهرية: قالوا لا قضاء إلا على خمسة فقط وهم الحائض والنفساء فإنهما يقضيان أيام الحيض والنفاس، والمريض والمسافر سفرا تقصر فيه الصلاة لقوله تعالى «شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» (٥) «والمتقئ» عمدا لأن وجوب القضاء فى تعمد القئ قد صح عن رسول الله ﷺ (٦). ولا كفارة على من تعمد فطرا فى رمضان بما لم يبح له إلا من وطئ فى الفرج من إمرأته أو أمته المباح له وطؤهما فإن هذا عليه الكفارة ولا يقدر على القضاء (٧). ومن وطئ عمدا فى نهار رمضان ثم سافر فى يومه ذلك أو جن أو مرض لا تسقط عنه الكفارة. وصفة الكفارة عتق رقبة فإن لم يقدر عليها فصوم

стр. 6631

شهرين متتابعين فإن لم يقدر عليها لزمه إطعام ستين مسكينا ولا يجزئ إطعام أقل من ستين ولا صيام أقل من شهرين. والحامل إن خافت على جنينها أو المرضع من قلة اللبن والشيخ الكبير لهم أن يفطروا ولا قضاء عليهم ولا إطعام إلا أن أفطروا لمرض بهم عارض فعليهم القضاء. ومن وطئ مرارا فى اليوم عامدا فكفارة واحدة، ومن وطئ فى يومين عامدا فصاعدا فعليه لكل يوم كفارة سواء أكفر قبل أن يطأ الثانية أم لم يكفر ومن أفطر عامدا فى قضاء رمضان فليس عليه إلا قضاء يوم واحد. وعن قتاده أن عليه الكفارة كمن فعل ذلك فى رمضان لأنه بدل عنه وعن بعض السلف عليه قضاء يومين يوم رمضان ويوم القضاء ومن أقطر فى صوم نذر عامدا أو لعذر فلا قضاء عليه إلا أن يكون نذر أن يقضيه فيلزمه. مذهب الزيدية (١): قالوا إن أفطر الصائم لأى سبب من الأسباب التى ذكرت آنفا لغير عذر فإنه يلزمه أربعة أحكام. إثنان يستوى فيهما الناسى والعامد. وإثنان يختص بهما العامد. وما يستوى فيه الناسى والعامد. الأول إتمام الصوم بالامساك رعاية لحرمة الشهر ولو كان يسمى مفطرا غير صائم. وأما ما يخص العامد فقد قالوا فيه: يفسق المتعمد بالإفطار ولو يوما واحدا ويندب له كفارة والمستحب أن يرتبها كالظهار، فإن أمكنه العتق قدمه على الصوم وإن لم يمكنه قدم الصوم على الإطعام، وقيل أن الكفارة تجب مرتبة على المجامع عامدا فى الفرج دون الأكل والمجامع فى غير الفرج. وقيل إذا جامع الصائم فى رمضان ثم تعقب الجماع مرض أو حيض أو سفر فى ذلك اليوم فإنه يعتبر الانتهاء وتسقط الكفارة … وفيه نظر. ويجب على كل مسلم ترك الصوم بعد أن صار مكلفا ولو لعذر أن يقضى بنفسه ولا يجب على الكافر والصبى والمجنون الأصلى فلا يلزمهم القضاء، ولا بد أن يكون قضاؤه فى زمان غير الزمن الذى هو واجب فيه فلا يقضى رمضان فى رمضان ولا فى أيام نذر صيامها بعينها ولا فى الزمان الذى يجب فيه الإفطار كأيام الحيض والعيدين والتشريق، وندب الولاء، أى أن يقضى ما فاته من رمضان متواليا غير مفرق فإن فاته من رمضان شئ ثم لم يقضه فى بقية السنة حتى حال عليه رمضان مستقبل لزمته فدية مع القضاء مطلقا سواء أترك القضاء لعذر أم لغير عذر، وقيل أن ترك الأداء لغير عذر وجبت الفدية وإلا فلا، وقيل إن ترك القضاء فى ذلك العام فلا لعذر فلا فدية عليه، وإن تركه لغير عذر وجبت وقدر الفدية نصف صاع من أى قوت عن كل يوم وإذا حالت عليه أعوام كثيرة لم تتكرر بتكرر الأعوام وقيل تتكرر لكل عام. ويجب على من أفطر لعذر مأيوس أيس عن قضاء ما أفطره كالذى ضعف بالشيخوخة أن يكفر بنصف صاع عن كل يوم ولا يجزى التعجيل. وإذا مرض من عليه صوم ولم يقضه أو كفارة صوم ولم يخرجها فإنه يجب عليه الإيصاء بها وقيل لا يجب عليه الإيصاء بالكفارة. والنذر المعين كرمضان أداء وقضاء، ولا يجزئ صوم الحائض والنفساء فإن صامتا لم يجزهما ولزمهما القضاء بعد مضى رمضان. مذهب الإمامية: من أفطر يوما من شهر رمضان عمدا وجب

стр. 6632

عليه مع القضاء كفارة مخيرة بين عتق أو صوم شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا فإن عجز تصدق بما يطيق. ومن أكل أو شرب أو جامع ناسيا لم يفسد صومه واجبا كان أو ندبا ووجب عليه إتمامه ان كان واجبا ولم يجب عليه قضاء ولا كفارة ومن أكره زوجته على الجماع نهارا فى شهر رمضان أو وطئها وهى نائمة لم يبطل صومها وبطل صومه ووجب عليه كفارتان وعزر بخمسين سوطا ولا شئ عليها فإن طاوعته فعلى كل منهما كفارة والتعزيز بخمسة وعشرين سوطا ومن أجنب ليلا فى رمضان ناويا للغسل حتى طلع الفجر صح صومه ولا قضاء ولا كفارة عليه وإذا تعذر عليه الغسل فلم يتمكن منه حتى طلع الفجر فلا شئ عليه ومن تعمد البقاء على الجنابة فى شهر رمضان حتى طلع الفجر وجب عليه القضاء والكفارة. ومن أفطر فى شهر رمضان عامدا عالما عزر مرة فإن عاد عزر كذلك فإن عاد قتل. ومن أكل ناسيا فظن فساد صومه فأفطر عامدا فسد صومه وعليه القضاء وفى وجوب الكفارة تردد، والأشبه الوجوب. ولو وجر فى حلقه أو أكره اكراها يرتفع معه الاختيار لم يفسد صومه ولو خوف فأفطر وجب القضاء على تردد ولا كفارة لا تجب الكفارة ولا القضاء بالارتماس، وقيل يجبان به والأول أشبه ويجب القضاء بالحقنة بالمائع على الأظهر، وقالوا تجب الكفارة مع القضاء بسبعة أشياء. الأكل المتعمد وغيره، والشرب المعتاد وغيره، والجماع حتى تغيب الحشفة فى قبل المرأة أو دبرها، وتعمد البقاء على الجنابة حتى يطلع الفجر، والاستمناء وإيصال الماء إلى الحلق. يجوز الجماع حتى يبقى لطلوع الفجر مقدار إيقاعه والغسل ولو تيقن ضيق الوقت فواقع فسد صومه وعليه الكفارة ولو فعل ذلك ظانا سعته فإن كان مع المراعاة لم يكن عليه شئ وإن أهمل فعليه القضاء. من أجنب ونام ناويا الغسل ثم انتبه ونام - وكذلك ثم إنتبه ونام ثالثا ناويا حتى طلع الفجر لزمته الكفارة على القول المشهور وفيه تردد. الكفارة فى شهر رمضان عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا مخيرا فى ذلك. وقيل: بل هى على الترتيب، وقيل: يجب بالإفطار بالمحرم ثلاث كفارات وبالمحلل كفارة. ولا تجب الكفارة إلا فى صوم رمضان أو قضائه بعد الزوال والنذر المعين وفى صوم الاعتكاف إذا وجب وما عداه لا تجب فيه الكفارة مثل صوم الكفارات والنذر غير المعين والمندوب وإن فسد الصيام. وإذا أفطر زمانا نذر صومه على التعيين كان عليه القضاء وكفارة كبرى (١). مذهب الإباضية: إذا شهد عدلان برؤية الهلال ولم يصم فعليه الكفارة ومن أفطر بخبر واحد ظانا الجواز لزمه إعادة رمضان والكفارة إن وافق رمضان وإلا فلا ولو علم قولهم أن الواحد لا يقبل فى الإفطار لزمه إعادة رمضان والكفارة، ولو وافق شوالا، قيل فى الإعادة إنه يعيد يوما. ومن أهمل ترك نية الصوم فى رمضان وأصبح لزمه القضاء والكفارة. ومن جعل ماء ونحوه لحاجة فى المجارى التى تؤدى إلى الحلق أو البطن وتبين أنه وصل الحلق أو الجوف فعليه الإعادة فقط ومن أمسك فى فيه حديدا أو نحاسا أو نحوهما أعاد صوم يومه إذا كان غير متعمد، أما إذا تعمد فيلزمه صوم ما مضى واليوم والكفارة. ولا يقضى مجنون ولا يطعم إن جن قبل رمضان وأفاق بعده وإن جن فى بعضه صام ما

стр. 6633

أدرك فقط، وقيل يقضى ما مضى لأن من شهد بعضه فقد شهد كله. والمغمى عليه وهو كالمجنون فلا يقضى وقيل هو كالنائم والمريض فيقضى ولزم صبيا بلغ فى بعضه ومشركا أسلم فيه قضاء ماض، ومن جعل كل يوم وحده فرضا لزمهما ما أدركا فقط والحائض والنفساء عليهما القضاء وأوجبوا القضاء على من ظن أن الشمس قد غابت فأكل فإذا هى لم تغب ثم هل يقضى ما مضى أو يومه فقط وهو الأصح وعليه الأكثر ولو أكل متنبه من نوم ليلة غيم قبل السؤال عمدا ثم بان أنه بعد الاصباح فسد ماضيه ورخص فى إعادة يومه. وعلى هذا الخلف من اعتاد تسحره لسماع تحرك جاره لسحوره فسمعه يوما تحرك لغيره فظنه السحور فأكل كعادته فإذا هو قد أصبح. ويفسد بالوارد جوفا عمدا ولو دمعا أو مخاطا أو ريقا بان عن فم، وفى لزوم مغلظة به قولان، ورخص فى عدم فساده، والأول أصح وعليه الأكثر ورخص أن لا يعيد متجامعان بنسيان ولو ليومهما. ومن أتعظ حتى أمنى لا بمس أبدل يومه، وقيل لا إن لم يعالجه ومن أدخلت بفرجها عودا أو اصبعا ففى فساد الصوم كله أو يومها أقوال والصحيح أنها إن أمنت لزمتها المغلظة وقضاء يومها وما مضى وإلا فيومها فقط. والمسافر إن أفطر وقد أصبح فى بلده يوم خروجه أعاد ما مضى وعليه الأكثر، وقيل يومه، وإن أفطر المسافر والمريض بعد ما أصبحا صائمين بلا مخوف على أنفسهما فسد صومهما ولا كفارة عليهما وقيل لا يبدل مسافر بعد ما أصبح صائما ما مضى ولو أفطر يوم خروجه من يومه لزمه بدل يومه واستحسن كون المريض كذلك. ومن خرج من منزله فأكل قبل أن يجاوز الفرسخين ثم ظهر له الرجوع قبل أن يجاوزهما ثم أكل بمنزله بعد دخوله فسد صومه ولزمته المغلظة لأكله أو لا قبل أن يصير مسافرا. وإن أكل المريض بعد ما صح ولم يخف ضررا انهدم صومه وعليه المغلظة، ومن صام فى سفره فأفطر بعذر أو بغير عذر انهدم ما صام فى سفره وقيل: لا ينهدم إن كان بعذر. ومن أفطر بمرض أو فى سفر ثم مات لم يلزمه قضاء ولا صوم على وارثه وقيل: على المريض أن يصوم ولزمه الايصاء به والأول أصح، وإن عفى من مرضه أو قدم من سفره ولم يصم حتى دخل الثانى صام الحاضر وأطعم عن الماضى كل يوم مسكينا غداء وعشاء ان ضيع قدر ما لزمه صومه. وإن لم يطعم لجهل أو نسيان حتى انقضى الحاضر لم يلزمه إطعام وعليه صوم الماضى فقط ومن دام مرضه أو سفره حتى استهل رمضان الثانى صام الحاضر إن قدر ولا يلزمه إطعام عن الماضى ولا إيصاء بصومه عند احتضاره وقيل: يلزمهما. ومن جعل بفيه ماء لحاجة أو ذاق طعم خل أو مضغ لصبى أو مريض فسبق لحلقه أبدل يومه وقيل: لا إن كان لأخروى كوضوء، ومن دخل حلقه نحو ذباب أو وتراب أو دخان بلا عمد لا بأس عليه فإن كان عمدا - بأن بلعه - ففى لزوم القضاء والكفارة عليه قولان، الأصح منهما لزوم القضاء فقط. ولزم على من قاء عمدا قضاء وقيل كفارة لفعله المحرم، ومن تقيأ بشبع أعاد يومه. ومن أكل أو شرب ناسيا فلا عليه - وقيل يبدل يومه. وصائم بنسيان غسل من جنابة أو حيض أو نفاس يعيد صوم الأيام التى نسى فيها ويعيد الصائم يومه إن وطئ بنسيان وقيل بسقوطه وقالوا: من تعمد إفساد الصوم بجماع لزمه القضاء والعتق إن وجد وإلا صام شهرين متتابعين فإن عجز أطعم ستين مسكينا، وكفارة القضاء مخير فيها بين الخصال على الأصح. وكذا من أفسد صومه عمدا بأكل أو شرب أو نحوهما ولزمت الكفارة الزوجة إن طاوعته

стр. 6634

ما لزم الزوج. والمتعمد بإنزال النطفة بتفكر أو نظر كالواطئ المتعمد. ولا كفارة على من ضيع غسلا أو تيمما لصبح أو احتلم ليلا حتى أصبح ولزمه قضاء ماض على المشهور وقيل يومه. ومن نام عن جنابة على أن يقوم فلم ينتبه لصبح فاغتسل من حينه لزمه قضاء ماض بلا كفارة ومن أكل وجامع فعليه كفارتان. ومن أكل محرما وزنى نهارا فعليه ثلاثة وليلا فعليه ثنتان ومن عمل كبيرة لزمته مغلظة قياسا على نقض الميثاق. والمكرهة على الوط ء ولو زنا تعيد يومها وقيل لا وعلى مكره المرأة على الوط ء ما على مفسد رمضان عمدا ومن تعمد إفطار آخر يوم منه ثم ظهر أنه من شوال قيل عليه كفارة وفسد يوم منه وقيل أساء ولزمته توبة على الأصح. وتلزم الكفارة صحيحا تعمد أكله ثم نزل به فيه مرض مبيح لأكله وكذا إمرأة تعمدت ثم حاضت أو نفست فيه لزمهما قضاء ما مضى وقيل ما عليهما. والشيخ الكبير الذى لا يطيق الصوم والمريض الذى لا يرجى برؤه عليهما إطعام مسكين كل يوم وقيل بسقوطه عنهما كالصوم. والحامل والمرضع إن خافتا ضياع ولدهما لزمهما إن أفطرتا إطعام عن كل يوم أكلتاه، ثم قضاء بعد، وقيل عليهما القضاء دون إطعام، قالوا من أفسد القضاء عمدا لم يكفر ولم تلزمه المغلظة لأنه فى ذمته متى قضاه فذلك، وقيل يكفر ولزمته لأنه أبطل عمله والله يقول: «لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ» ولأن حكم البدل حكم المبدل منه (١) افلاس تعريفه لغة: الفلس بالتحريك - هو عدم النيل من أفلس الرجل اذا لم يبق له مال كأنما صارت دراهمه فلوسا وزيوفا أو أنه صار الى حال بحيث يقال فيها: ليس معه فلس. وحقيقته الانتقال من حالة اليسر الى حالة العسر. وقد فلسه القاضى تفليسا حكم بإفلاسه، ونادى عليه وشهره بين الناس بأنه صار مفلسا ويفلس افلاسا صار مفلسا (٢). وهم قوم مفاليس اسم جمع مفلس او جمع مفلاس. وهو مفلس مفلس وهو الذى فلسه القاضى أى نادى عليه بالافلاس (٣). تعريفه فى اصطلاح الفقهاء: مذهب الحنفية: الافلاس هو أن يحكم القاضى بتفليس الشخص الذى يكون عليه ديون تستغرق كل أمواله أو تزيد على أمواله (٤). والمفلس قد يراد به الذى لا مال له أصلا. وقد يراد به الذى يدعى الافلاس وان كان غنيا فى نفسه. وقد يراد به من حاله حال المفلس (٥). مذهب المالكية: قال ابن رشد: الافلاس فى الشرع يطلق على معنيين: (أحدهما - أن يستغرق الدين مال المديون فلا يكون فى ماله وفاء يدينه. (والثانى) ألا يكون له مال معلوم أصلا (٦). وهو ينقسم الى قسمين: عام وخاص فالافلاس العام: هو قيام الدائن على مديونه الذى ليس له مال يفى بدينه. والافلاس الخاص: هو قضاء القاضى بخلع كل مال المديون.

стр. 6635

والمفلس: هو المحكوم عليه بالافلاس والمفلس هو كل من عدم المال (١). مذهب الشافعية: الافلاس: هو جعل القاضى المديون مفلسا بمنعه من التصرف فى أمواله لتعلق الدين بها. والمفلس هو من حجر عليه لنقص ماله عن دين عليه لآدمى (٢). مذهب الحنابلة: الافلاس شرعا: هو عجز الشخص عن قضاء الديون الحالة عليه (٣). والمفلس شرعا: هو من كان دينه أكثر من ماله الموجود، وخرجه أكثر من دخله. وسمى مفلسا وان كان ذا مال، لأن ماله مستحق الصرف فى جهة دينه فكأنه معدوم، ويجوز أن يكون قد سمى بذلك لما يؤول اليه من عدم ماله بعد وفاء دينه (٤). مذهب الظاهرية: قال ابن حزم: المفلس هو من لا يبقى له شئ بعد قضاء دين الدائنين (٥). مذهب الزيدية: المفلس: هو من لا يفى ماله وان كثر بدينه. والمعسر: هو من لا يملك شيئا غير ما إستثنى له فى باب الزكاة وقد يجتمع المفلس والمعسر وذلك حيث كان المعسر لا يفى ماله بدينه فهو حينئذ يعتبر مفلسا ومعسرا. وينفرد المعسر عن المفلس حيث كان ماله المستثنى له يفى بدينه، فهو معسر ولا يسمى مفلسا. وينفرد المفلس عن المعسر حيث كان ماله أكثر مما استثنى له. إلا أنه لا يفى بدينه فهو يسمى مفلسا لا معسرا (٦). مذهب الإمامية: المفلس من عليه ديون ولا مال له يفى بها (٧). وهو شامل لمن ينقص ماله عن الديون ومن لا مال له أصلا. والمفلس هو الذى جعل مفلسا أى منع من التصرف فى أمواله (٨). مذهب الإباضية: الافلاس هو نزع القاضى مال المفلس أو حجره عليه. وهذا هو ما يسمى بالتفليس الخاص أما مجرد قيام الدائنين على المفلس الذى ليس له ما يفى بدينه فهو التفليس العام «والمفلس - بتشديد اللام - هو المحكوم عليه بحكم الافلاس وفى المنهاج: المفلس هو الذى يقضى عليه القاضى بحقوق تثبت عليه ويصح عنده أنه معدم. والمفلس بكسر اللام - من يكون عليه ديون ولا تفى أمواله بها (٩). الحجر على المفلس وشرائطه مذهب الحنفية: اذا طلب الدائنون من القاضى الحكم بافلاس المديون الذى يدعى الافلاس والحجر عليه ومنعه من كل تصرف يضر بقضاء ديونهم، وبيع ماله ونحوه من كل ما يترتب على الحجر بسبب الافلاس فعند أبى حنيفة: لا يجوز للقاضى أن يحجر عليه. بل يحبسه فقط كما سيأتى فى هذا البحث فى هذا المصطلح. وذلك لأن فى الحجر عليه اهدارا لأهليته والحاقا له بالبهائم، وهو ضرر عظيم يفوق ضرر المال فلا يجوز الحاقه به لدفع ضرر خاص يمكن دفعه عن الدائن بالحبس. وعند أبى يوسف ومحمد: يحجر عليه القاضى، وذلك لما روى كعب بن مالك: «أن النبى ﷺ حجر على معاذ ماله

стр. 6636

وباعه فى دين كان عليه.» ولأن فى الحجر على المفلس نظرا ومصلحة للدائنين كى لا يلحق بهم الضرر بالاقرار بماله للغير أو تلجئته ونحوها (١). ويرى أبو حنيفة أن بيع النبى ﷺ مال معاذ - فى الحديث المشار اليه - كان بإذنه، والدليل على ذلك أن بيع مال المفلس لا يجوز حتى يأمره القاضى ويأبى، ولا يظن معاذ أنه أبى وخالف أمر النبى ﷺ . وقولهما هو الذى عليه الفتوى، وهو المعتمد وبناء على قولهما أيضا يشترط لصحة الحكم بالافلاس أن يطلب الدائنون ذلك من القاضى. وبناء على قولهما يتوقف الحجر بسبب الافلاس على القاضى كما يشترط لصحة الحجر على المفلس - عندهما أن يقضى القاضى بالافلاس أولا، ثم يقضى بالحجر بناء عليه (٣)، حتى لو حجر عليه من غير أن يقضى عليه بالافلاس لا يصح حجره بلا خلاف (٢). وينبغى للقاضى أن يشهر ويعلن أنه حجر على المفلس فى ماله لأنه يتعلق بهذا الحجر أحكام، وربما يقع التجاحد فيحتاج الى إثباته، فيشهد إحتياطا ليقع الأمن عند الانكار. وكذلك ينبغى له أن يبين أن الافلاس هو سبب الحجر. ويبين أيضا اسم الدائن الذى تم الحجر لأجله فيقول: حجرت عليه بسبب الدين لفلان ابن فلان، وذلك لاختلاف أسباب الحجر عندهما، ولأنه يرتفع بإبراء الدائن، وبوصول حقه اليه فيحتاج الى معرفته (٣). ولا يشترط لصحة الحكم بالافلاس والحجر بناء عليه أن يكون المديون حاضرا، فيصح الحكم بهما وإن كان المدعى عليه المديون غائبا. إلا أنه يشترط علم المحجور عليه بعد الحجر حتى أن كل تصرف باشره بعد الحجر قبل العلم به يكون صحيحا عندهما. وكذلك يصح هذا الحجر سواء كان قبل حبس المفلس أو بعده من حق صاحب الدين المؤجل أن يطلب حبس المديون أو الحكم بإفلاسه والحجر عليه بسبب ذلك قبل حلول الأجل، لأن صاحب الدين هو الذى أخر حق نفسه بالتأجيل فلا يملك مطالبته قبل حلول الأجل. مذهب المالكية: اذا عجز المديون عن قضاء ما لزمه من ديون ورفع الدائنون أمره للقاضى جاز للقاضى أن يحكم بإفلاسه ويحجر عليه وذلك بأن يحكم بخلع ما بيده من ماله لدائنيه. فاذا تعذر وصول الدائنين لديونهم إلا بحكم القاضى بذلك فإنه يجب على القاضى أن يحكم به. وجوبه عليه حينئذ أمر عارض لا لذات الافلاس لأنه من أصله جائز (٤). وهذا هو ما يسمى بالافلاس الخاص. ويحتاج لحكم القاضى به. واستدلوا لذلك بحديث معاذ السابق الذى أستند اليه أبو يوسف ومحمد فى مذهب الحنفية فى الحجر على المفلس. وقد روى الحجر على المديون واعطاء الدائنين ماله من فعل عمر كما فى الموطأ والدار قطنى وابن أبى شيبة والبيهقى وغيرهم، ولم ينقل أنه أنكر ذلك عليه أحد من الصحابة (٥) وسواء فى ذلك أن يكون المديون حاضرا أو غائبا ولم يعلم يساره حين سفره فيحكم بإفلاسه ولا يتوقف الحكم على حضوره فإن علم يساره حين سفره لم يحكم بإفلاسه إستصحابا لحالة غيبته وهذا فى الغيبة البعيدة كشهر أو المتوسطة كعشرة أيام أما القريبة

стр. 6637

كثلاثة أيام فحكمه فيها كحكم الحاضر، فيكتب اليه ويكشف عن حاله. واذا حضر المديون وغاب ماله غيبة بعيدة وشك فى قدره أو وجوده فإنه يحكم بإفلاسه بالاتفاق، وإن علم وجوده وفيه وفاء بالدين فابن القاسم لا يرى الحكم بإفلاسه وهو المشهور أما ان غاب المال غيبة متوسطة فابن القاسم يقول: لا يحكم بإفلاسه وأشهب يقول: يحكم به وأما اذا كانت الغيبة قريبة فإنه يكشف عن المال ويفحص عنه هل يفى بالدين فلا يحكم بإفلاسه أو لا يفى به فيحكم بإفلاسه ويشترط للحكم بالافلاس ما يأتى: - (١) أولا: أن يطلب الدائنون - كلهم أو بعضهم - من القاضى الحكم بافلاس المديون والحجر عليه فلا يجوز للقاضى أن يحكم بذلك بدون طلب من واحد من الدائنين فإن طلب ذلك واحد وأبى غيره فإنه يحكم بإفلاسه لحق الطالب. وإذا حكم القاضى بإفلاسه بطلب البعض فللآخرين مشاركة ذلك البعض الذى حكم بإفلاس المديون بناء على طلبه، لأن تفليس المديون لواحد من الدائنين تفليس للجميع. وكذلك ليس للمديون المفلس أن يرفع أمر نفسه للقاضى ويثبت فقره وعجزه عن ايفاء الدين ويطلب الحكم بإفلاسه بدون طلب الدائنين ذلك. ثانيا: أن يكون الدين المطلوب افلاس المديون به حالا من الأصل أو حل لانتهاء أجله فلا يصح الحكم بالافلاس بدين مؤجل لم يحل أجله. ثالثا: أن يكون الدين الحال زائدا على ما بيد المفلس من مال. أو غير زائد على ذلك ولكن ما بقى من مال المفلس بعد وفاء الدين الحال لا يفى بالدين المؤجل عليه ان كان. فمثلا لو كان عليه مائتان مائة حالة ومائة مؤجلة ومعه مائة وخمسون فقط فالباقى بعد وفاء المائة الحالة لا يفى بالدين المؤجل فيحكم بإفلاسه حينئذ على المذهب ولو أتى بكفيل. وقيده ابن محرز بما اذا كان الباقى من ماله لا يعامله الناس فيه، ولا يرجى من استثماره له ما يقضى به الدين المؤجل وبما اذا لم يأت بكفيل والا لم يحكم بإفلاسه. وظاهر كلام ابن عرفة أن هذا التقييد هو المذهب فيحمل القول بالحكم بإفلاسه على هذا وقال المازرى لا يحكم بافلاسه فى هذه الحالة مطلقا، لأن الديون المؤجلة لا يحكم بالافلاس بها. واذا كان ما بيد المديون مساويا للدين الذى عليه فإنه لا يحكم بإفلاسه ولا تهتك حرمته اتفاقا. رابعا: أن يكون المديون ملدا - أى مماطلا - فى دفع دينه بعد حلول أجله فلا يحكم بإفلاسه بطلب بعض الدائنين إلا اذا تبين لدده .. أما اذا دفع لهم جميع ما بيده ولم يتهم بإخفاء شئ لم يحكم بإفلاسه. خامسا: ألا يقدم المديون لطالب الحكم بإفلاسه كفيلا بماله، فإذا قدم له لا يجوز إفلاسه. مذهب الشافعية: اذا ركبت الديون شخصا ورفع الدائنون أمره الى القاضى وطلبوا منه أن يحجر عليه فإنه يجب على القاضى أن يحجر عليه فى ماله أن استقل - أى كان رشيدا - أو على وليه فى مال موليه ان لم يستقل وذلك اذا وجدت شروط الحجر على المفلس وهى: أولا: أن يكون ذلك بطلب الدائنين أو من ينوب عنهم، فلا يجوز الحجر على المفلس بدون طلب منهم ان كانوا من أهل الرشد، لأنه لمصلحتهم. ولا يشترط أن يطلب ذلك جميعهم بل لو طلب بعضهم ذلك وجب الحجر أيضا بشرط أن يكون دين ذلك البعض زائدا على مال المديون وإلا فلا حجر. ثم اذا حجر فلا يختص أثر الحجر بالطالب بل يعم جميع الدائنين. وكذلك يجب الحجر بطلب المفلس نفسه أو وكيله على الأصح ولكن بعد دعوى الدائنين بالدين واثباتهم له بالبينة أو الاقرار بدون طلبهم الحجر، لأن له غرضا ظاهرا من ذلك وهو صرف ما له إلى ديونه. وروى أن الحجر على معاذ كان

стр. 6638

بطلبه (١). ومقابل الأصح: لا يحجر على المفلس بطلبه لأن الحلق للدائنين فى ذلك والحجر ينافى الحرية والرشد. وإنما يحجر عليه بطلب الدائنين للضرورة وأنهم لا يتمكنون من تحصيل مقصودهم إلا بالحجر خشية الضياع بعكس المفلس فإن غرضه الوفاء وهو متمكن منه ببيع أمواله وقسمتها على دائنيه. ويستثنى من هذا الشرط ما اذا كان الدين لمحجور عليه لصغر أو جنون أو سفه وقصر وليه فى طلب الحجر على المديون المفلس فانه يجب على القاضى الحجر عليه بدون (٢) طلب من الدائن أو وليه لأنه ناظر لمصلحته ومثله ما لو كان الدين أجرة مكان لمسجد مثلا قد تجمدت على المفلس أو كان لجهته عامة كالفقراء أو المسلمين فيمن مات بدون وارث فورثوه وله مال على مفلس. ولا يحجر على المفلس بسبب افلاسه بدين غائب رشيد بدون طلب، لأنه ليس للقاضى إستيفاء مال الغائبين من الذمم وإنما له حفظ أعيان أموالهم. ومحله - كما قال الفارقى - اذا كان المديون ثقة فإن كان غير موثوق فللقاضى الحجر عليه حينئذ بدون طلب.، ثانيا: أن يكون الدين عينيا، فلا حجر للافلاس بالمنافع نحو أن يلتزم حمل جماعة الى مكة مثلا. وقيل: يحجر عليه بها (٣) ثالثا: أن يكون الدين لازما فلا حجر للافلاس بالثمن فى مدة خيار المشترى لانتفاء اللزوم (٤). رابعا: أن يكون الدين لآدمى فلا حجر للافلاس بدين الله تعالى وإن كان فوريا كالزكاة اذا حال الحول وحضر المستحقون (٥). خامسا: أن يكون الدين حالا، فلا حجر للافلاس بدين مؤجل، ولا يحسب من الديون المقابلة بمال المفلس، لأنه لا حق لصاحبه فى المطالبة به فى الحال (٦). سادسا: أن يكون الدين زائدا على مال المفلس الذى يتيسر أداء الدين منه عينا كان أو منفعة يتمكن من تحصيل أجرتها أو دينا على مقربه غنى حاضر بنفسه أو ماله. فلا يعتبر ضمن مال المفلس المال المغصوب منه أو الغائب عنه أو المنافع التى لا يتمكن من تحصيل أجرتها. ولو كانت الديون مساوية للمال فإن كان المديون كسوبا ينفق من كسبه فلا حجر عليه، لعدم الحاجة. بل يلزمه القاضى بقضاء الديون. وإن لم يكن كسوبا وكانت نفقته من رأس ماله فكذلك لا حجر عليه فى الأصح، لتمكن الدائنين من المطالبة فى الحال. وقيل: يحجر عليه كى لا يضيع ماله فى النفقة (٧). واذا كان المديون المفلس لا مال له أصلا فالأصح أنه لا حجر عليه لأن الحجر إنما يكون على ماله دون نفسه وما يحدث له من المال إنما يدخل فى الحجر تبعا لا استقلالا، وما جاز تبعا لا يجوز قصدا، وقال الرافعى: يجوز الحجر عليه منعا له من التصرف فيما عساه يحدث له من مال باصطياد ونحوه وكان يخاف عليه اتلافه فيحجر عليه القاضى حتى اذا وجد فى يده مال كان للدائنين وكان هو ممنوعا من إتلافه (٨). سابعا: أن يكون الحاجر على المفلس هو القاضى دون غيره من محكم أو مصلح، لأن ذلك يحتاج الى نظر واجتهاد. وقيل: أن مثل القاضى فى ذلك المحكم (٩). والمراد بالقاضى هو قاضى بلد المحجور عليه لا قاضى بلد ماله خلافا للأزرعى (١٠). ويكفى فى الحجر بسبب الافلاس لفظ يدل عليه على الأوجه نحو حجرت

стр. 6639

بالفلس على فلان أو منعته من التصرف فى أمواله أو أبطلت تصرفاته فيها. وقيل المعتبر أن يقول القاضى: حجرت بالفلس إذا منع التصرف من أحكام الحجر المترتبة عليه فلا يقع به الحجر ويستحسن ويستحب للقاضى أن يشهد على حجر المفلس وأن يشهر النداء عليه فيأمر مناديا ينادى فى البلد أن القاضى حجر على فلان بن فلان ماله ليحذر الناس معاملته وأجرة المنادى أن احتيج اليها تكون من مال المفلس فان لم يكن له شئ فمن بيت المال. مذهب الحنابلة: اذا رفع الى القاضى شخص عليه دين فطلب دائنوه من القاضى الحجر عليه لم يجبهم حتى تثبت ديونهم عنده بالبينة أو باقرار المديون. فاذا ثبتت نظر فى ماله فإن كان وافيا بدينه لم يحجر عليه ويأمره بقضاء دينه فإن أبى حبسه فإن لم يقضه وصبر على الحبس قضى القاضى دينه من ماله. وإن احتاج الى بيع ماله فى قضاء دينه باعه عليه، وإن كان ماله لا يفى بدينه الحال وطلب دائنون كلهم أو بعضهم من القاضى أن يحجر عليه لافلاسه فإنه يلزمه اجابتهم لذلك ويحجر عليه بعد اثبات ديونهم بما ذكر. ولا يثبت الحجر بسبب الافلاس الا بحكم القاضى ولا يجوز للقاضى إن يحجر على المفلس بغير طلب الدائنين لأنه لا ولاية له فى ذلك. إنما يفعله لحق الدائنين فاعتبر رضاهم. وكذلك لا يجوز له أن يحجر على من لا مال له يوفى منه شيئا من الدين، لأنه تحرم مطالبته كما لا يجوز له أن يحجر على المديون بدين مؤجل لم يحل لأنه لا يلزمه أداؤه قبل حلول تظهر عليه أمارات الافلاس ولأن الدائنين لا يمكنهم طلب حقوقهم فى الحال فلا حجر. واذا طلب المفلس من القاضى أن يحجر عليه بدون طلب الدائنين ذلك فلا يلزم القاضى اجابته الى ذلك لأن الحجر عليه حق لدائنيه لا له. ويستحب للقاضى اظهار الحجر على المفلس، ليعلم الناس حالة فلا يعاملوه الا على بصيرة حتى لا تضيع أموالهم كما يستحب له أن يشهد عليه لينشر ذلك وربما عزل القاضى أو مات فيثبت الحجر عليه عند القاضى الآخر فلا يحتاج الى ابتداء حجر ثان بخلاف ما اذا لم يشهد (١). مذهب الظاهرية: قال ابن حزم: لا يجوز الحجر على أحد فى ماله الا على من لم يبلغ، أو على مجنون فى حال جنونه. وقال ايضا: إنه ليس لدائنى المفلس فى الحكم الا إن يقضى القاضى لهم بعين ماله، ثم يباع لهم ويقسم عليهم بالحصص، لأنه لا سبيل الى انصافهم بغير هذا، ولما روى عن عمر: «أن رجلا من جهينة كان يشترى الرواحل الى أجل فيغالى بها فأفلس، فرفع الى عمر بن الخطاب قال: أما بعد أيها الناس فإن الاسفع أسفع بنى جهينة رضى من دينه وأمانته بأن يقال: سبق الحاج، وأنه أدان معرضا فأصبح قد دين به فمن كان له عليه شئ فليغد بالغداة فأنا قاسمون ماله بالحصص «وكذلك لما روى أنه ﵇ باع للدائنين مال معاذ فنحن نقول به وإن لم يصح من طريق السند لأنه مرسل (٢). مذهب الزيدية: يجب على القاضى أن يحجر على المديون المفلس اذا ثبت الدين عليه سواء كان الدين لآدمى أو لله

стр. 6640

تعالى ماليا ولا يصح الحجر للافلاس بالدين الا من القاضى اذ ولاية الاموال اليه. ويصح منه ولو كان المديون المطلوب الحجر عليه غائبا. والحجر هو أن يقول القاضى: حجرت عليك التصرف فى مالك، أو منعتك من التصرف، أو حصرتك أو عزلتك عن التصرف فى مالك وما فى معناه. ويدخله التعميم نحو أن يقول القاضى: حجرتك عن التصرف فى كل شئ من مالك. كما يدخله التخصيص أيضا اما بزمان نحو حجرتك سنة، أو بمكان نحو حجرتك عن التصرف فى غير بلدك، أو فى سلعة نحو حجرتك عن التصرف فى السلعة الفلانية، أو فى قدر من المال نحو حجرتك عن التصرف فى ثلث مالك أو فى شخص معين نحو حجرتك أن تبيع لفلان، اذ لا مانع من حجر البعض كالكل. ولا يصح تعليقه بمستقبل عند الامام يحيى اذ هو أمر ناجز فلا يعلق بمجهول والاقرب عند صاحب البحر الزخار صحته وإنما يصح الحجر على المديون بدين حال لا بدين مؤجل قبل حلول أجله وإن كان يدخل فى الحجر تبعا للدين الحال. وهذا إن لم يخش القاضى ضياع المال قبل حلول الاجل والا كان له أن يحجر عليه وكذا اذا رأى القاضى فى ذلك اصلاحا - ويصح الحجر لكل دين سواء كان نقدا أو غيره. وليس للقاضى أن يحجر على المديون الا اذا طلب ذلك خصومه وهم أصحاب الدين فلو حجر عليه من غير طلب لم يصح حجره ولا يجوز. ولا يشترط اقامة الدعوى من كل الدائنين، بل يكفى أى يطلب احدهم الحجر على المديون المفلس فإنه يلزم القاضى أن يحجر عليه لذلك الطلب، ويكون هذا حجرا عليه لكلهم ولو كانوا غائبين. وهذا اذا أطلق القاضى الحجر. أما لو قال: حجرت عليك حتى توفى فلانا دينه لم يكن للكل فلا يرتفع الحجر عنه الا بفك بقية الدائنين الحجر له حجرا لغيره. والصحيح أنه يكون حجرا الذين دخلوا تبعا واذا ادعى رجل دينا على شخص وطلب الحجر عليه قبل أن يقيم البينة على الدين جاز للقاضى إن يحجر عليه ولو قبل اثبات الدين بثلاثة ايام، وهذا اذا غلب على ظن القاضى صدق المدعى والا لم يصح الحجر عليه. ولا يشترط ذكر الايام الثلاثة فإن بين المدعى خلالها استمر الحجر والا بطل ويستحب للقاضى أن يشهد على الحجر بسبب الافلاس ويأمر مناديا فى البلد: أن فلانا قد حجر عليه القاضى لئلا يفتر الناس، وليمضيه القاضى الآخر إن مات الاول ولا يحتاج الى تجديد. (١) ويصح الحجر على الموسر المديون حيث خشى من اخفاء لماله أو تفريط فيه، لقوله ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» وقوله: «ليس على مال امرئ توى» ويتناول الحجر المال الزائد على الدين «فلا يتصرف المحجور عليه فيه أيضا. وهذا هو المذهب فى الحجر على المديون المفلس وغيره. وقال زيد بن على والناصر: أنه لا يجوز على المديون سواء كان مفلسا أم لا. بل يحبسه القاضى حتى يقضى دينه لقوله ﷺ : «لا يحل مال امرئ مسلم الا بطيبة من نفسه» (٢). مذهب الإمامية: اذا جاء دائنو المفلس الى القاضى وسألوه الحجر عليه لافلاسه بديونهم فإن هذا يكون سببا فى أنه يجب على القاضى أن يحجر عليه فى ماله إلا مقدار نفقته. ولا يثبت الحجر على المفلس الا بحكم القاضى. وكذلك الولاية على المفلس فى ماله للقاضى دون غيره. ولا يتحقق الحجر على المفلس الا بشروط خمسة. الاول: المديونية: الثانى: اثبات الدائنين لديونهم عند القاضى لأن

стр. 6641

الحجر إنما يقع من القاضى وحينئذ فلا بد من ثبوت الديون عنده. وتثبت الديون بالبينة أو باعتراف المفلس لها. الثالث: أن تكون الديون حالة غير مؤجلة، لأنها اذا كانت مؤجلة فلا وجه للحجر عليه لعدم استحقاق المطالبة وربما يجد الوفاء عند توجه المطالبة فلا وجه لتعجيل العقوبة. ولو كان بعض الديون حالا والباقى مؤجلا فإن وفت أمواله بالديون الحالة فقط دون المؤجلة لم يحجر عليه لعدم اعتبار الديون المؤجلة وإن لم تف أمواله بالديون الحالة وجب الحجر إن طلب أصحابها الحجر. وكما لا يحجر على المفلس بالديون المؤجلة ابتداء فكذلك لا يدام الحجر عليه لاصحابها. (الرابع) أن تكون أموال المفلس أقل من ديونه التى يجب عليه قضاؤها - وإن قل التفاوت - لأنها إن كانت زائدة أو مساوية لديونه فلا حجر عليه اجماعا. بل يكلف قضاء الديون فإن امتنع تخير القاضى بين حبسه الى أن يقضى الدين بنفسه، وبين أن يقضى عنه من ماله ولو ببيع ما خالف جنس الدين. ولا فرق فى ذلك بين من ظهرت عليه أمارات الافلاس مثل أن تكون نفقته من رأس ماله أو يكون ما فى يده من مال بازاء دينه ولا وجه لنفقته الا مما فى يده. وبين من لم تظهر عليه أمارات ذلك كمن كان كسوبا ينفق من كسبه وربح رأس ماله فلا يحجر عليه أيضا وإن طلب ذلك الدائنون. بل يجرى عليه ما سبق ذكره من الخيار بين حبسه الى إن يقضى الدين وبين أن يقضى عنه من ماله. ويقوم القاضى أعيان مال المفلس الى أثمانها عليه، وتحتسب من أمواله وإن كان لاصحابها الرجوع فيها .. (الخامس) أن يطلب الدائنون كلهم أو بعضهم - من القاضى أن يحجر عليه لأنه ليس للقاضى أن يتولى ذلك تبرعا منه بدون طلب الدائنين لأن ذلك حق لهم وهم ناظرون أنفسهم لا ولاية للقاضى عليهم نعم لو كانت الديون لمن للقاضى عليه ولاية كالمجانين والاطفال والمحجور عليهم لسفه وكان وليهم القاضى فإنه يكون له أن يحجر على من أفلس بدينهم بدون طلب منهم لأنه هو الدائن فى الحقيقة فله التماس ذلك من نفسه وفعله. واذا طلب بعض الدائنين الحجر على المديون دون البعض فلا يحجر عليه القاضى الا اذا كان ماله لا يفى بديون من طلب ذلك منهم لأن دين غير الطالب بالنسبة الى الحجر بمنزلة المعدوم فليس للقاضى الحجر لاجله فاذا حجر القاضى على المفلس لاجل البعض الطالبين لم يختص الحجر بهم بل يعم أثره جميع الدائنين بلا فرق بين طلب ومن لم يطلب لأن الجميع مستحقون للمطالبة كما أن ديونهم جميعا ثابتة فلا يختص بأمواله من انفرد بطلب الحجر عليه. وقرب صاحب التذكرة جواز حجر القاضى عليه بطلب البعض وإن كانت أمواله تفى بديونهم دون غيرهم ولا ينتظر طلب الباقين لئلا يضيع على الطالب ماله. ولو حجر القاضى على المفلس لظهور افلاسه تبرعا منه بدون طلب من الدائنين أو بطلب المفلس نفسه لم ينفذ حجره على المشهور لأن الحجر عقوبة فلا يصار اليه إلا بدليل صالح، وإنما يتحقق ذلك بالتماس الدائنين وقال صاحب التذكرة: الاقرب عندى جواز الحجر على المفلس اذا طلب ذلك لأن فى الحجر مصلحته كما أن فيه مصلحة الدائنين، وكما أجبنا الدائنين لذلك حفظا لحقوقهم كذا يجب أن يجاب المفلس تحصيلا لحقه وهو حفظ أموال الدائنين ليسلم من المطالبة والاثم، وقد روى أن حجر النبى ﷺ على معاذ كان بالتماس منه دون طلب من دائنيه. ويستحب للقاضى اظهار الحجر على المفلس واعلانه والاشهاد عليه لئلا يتضرر من يعامله. وهذا كله فى الحجر على المفلس اذا كان الدائنون حاضرين. أما اذا كانوا غائبين فلا ولاية للقاضى فى الحجر لهم بسبب افلاس مديونهم لأن القاضى ليس من شأنه أن يستوفى ما للغائبين فى الذمم بل يحفظ

стр. 6642

أعيان أموالهم فقط. (١) مذهب الإباضية: يجب على القاضى الحجر على المفلس اذا كانت أمواله لا تفى بديونه. (٢) كما يصح تفليس من لم يملك ما يصدق عليه اسم مال زائد على ما تقوم به بينته وما لا بد له منه من ثوب ونعل ونحو ذلك وكان حقيرا وبالاولى يصح تفليس من لم يكن له شئ من ذلك، وسواء فى ذلك أنه لم يكن له مال أصلا أو كان وزال. (٣) والقضاء بذلك أن يقول القاضى فى مجلس حكمه: اعلموا إنى فلست فلانا بن فلان فلا تبايعوه. (٤) ولا يحكم القاضى بافلاس المفلس وفى ملكه شئ مما يباع ويعطى منه الدائنون ديونهم. كما لا يحكم بافلاسه اذا كان له ديون على الناس سواء حل أجلها أو لم يحل، وسواء علم قدرها أم جهل كالمتعة أو صداق المثل إن كان المفلس امرأة، ومثل الجروح التى لا يجب فيها الا الدية أو وجبت له دية الخطأ، أما ما يجب فيه القصاص من النفس وما دونها فإنه يحكم بافلاسه حتى يرفع الامر للقاضى ويطلب الارش أو الدية. وكذلك يحكم بافلاس المفلس اذا كان ما فى يده من مال مما حرمه الله كخمر وخنزير أو كان مما يجب عليه أن يرده لأصحابه. مثل ما أخذ بطريق العدوان أو الربا أو الرشوه ونحوها من كل مال يحل له أخذه أو كان من الضوال أو المشاع وما أشبه ذلك مما لا يحل له. كما يحكم بافلاسه على الرهن اذا لم يكن فيه زيادة على دينه. ولا يحكم بافلاس الشخص اذا كان له مال وقفه على غيره أو وقفه غيره عليه. وكذلك لا يحكم بافلاس أصحاب الصناعات - فى قول - لأنه إنما يلحق من لا صناعة له ولا مال خاصة. (٥) ويشترط فى المفلس لكى يحكم بافلاسه أن يكون حرا بالغا عاقلا أو مأذونا له اذا كان غير بالغ سواء كان مسلما أم لا، وسواء كان ذكرا أم أنثى. ويحكم بافلاسه لجميع الناس. وقيل: لا يحكم بافلاس الاب بدين الابن، وضعفه، فى الديوان كما لا يحكم بافلاس الاب لما كان على ابنه الذى يلى أمره الا ما لزمه غرمه من ماله. وكذلك الخليفة لا يحكم بافلاسه بما على اليتيم أو غيره ممن يلى أمره الا أن لزمه غرمه. ويحكم القاضى بافلاس المفلس فى كل ما يجب عليه من أموال - سوى النفقة ونحوها - سواء كان الدين ناشئا من تعد أو من معاملة أو غيرها. ويشترط فى الدين الذى يحكم بافلاس المفلس به أن يكون حالا أو مؤجلا حل أجله. (٦) كما يشترط فى الحجر بسبب الافلاس أن يكون بطلب الدائن. وليس للقاضى أن يحجر على المديون المفلس حال غيبته فى قول البعض وقال البعض يحجر عليه فى ماله إن غاب أيضا. واذا حكم القاضى بافلاس المفلس نادى عليه واعلم به الناس وشهره فى مجامعهم لئلا يخدعهم واذا أراد القاضى أن يشهر المفلس فإنه يأمره أن يلبس لباسا يتبين به فى الناس ويخضب بديه بالحناء ويركبه على الدابة ويطاف به فإن أبى أجبره على ذلك. ولا يختص ذلك بالامام ولا بزمانه لكن يكون بأمر القاضى واشهاره هو الذى عليه العمل ووجهه ظاهر وهو أن يعرف الناس حاله فلا يعامله أحد الا على بصيرة من أمره

стр. 6643

والاصل فى ذلك فعل عمر رضى الله تعالى عنه (١) طرق اثبات الافلاس مذهب الحنفية: يثبت الافلاس أمام القاضى باحدى الطرق الآتية: - أولا - البينة يقيمها مدعى الافلاس بعد حبس القاضى له مدة يقدرها باجتهاده ولو يوما على الصحيح. وتقبل حينئذ بالاتفاق وأما اذا أقامها قبل حبسه ففى رواية عن محمد لا تقبل وعليه عامة المشايخ وهو الاصح. لأن هذه بينة على النفى فلا تقبل الا اذا تأيدت بمؤيد وقبل الحبس ما تأيدت فاذا حبس ومضت مدة فقد تأيدت به، اذ الظاهر أن القادر على خلاص نفسه من مرارة الحبس لا يتحملها. وفى رواية عنه أيضا تقبل، وبه كان يفتى ابو بكر محمد بن الفضل، وهو قول اسماعيل بن حماد. وفى كيفية الشهادة على الافلاس قال ابو القاسم الصغار: ينبغى أن يقول الشهود: نشهد أنه مفلس لا نعلم له مالا سوى كسوته التى عليه، وثياب ليله وقد اختبرنا آمره سرا وعلانية. ولا يشترط حضور الدائن عند اقامة البينة على الافلاس وهذا كله اذا لم يقم الدائن البينة على يسار مدعى الافلاس أما اذا أقام كل منهما البينة على ما أدعاه فبينة اليسار أحق بالقبول من بينة الافلاس، لأن اليسار أمر عارض والبينات للاثبات اللهم الا أن يدعى الدائن أنه موسر، وهو يقول: أعسرت بعد ذلك وأقام بينة بذلك فإنها تقدم لأن معها علما بأمر حادث وهو حدوث ذهاب المال - ثانيا: اذا لم يقم المفلس البينة على افلاسه وطلب من الدائن أن يحلف أنه ما يعلم أنه مفلس فإنه يلزمه أن يحلف فإن امتنع من الحلف أطلق القاضى المفلس ولو قبل حبسه ثالثا: يثبت افلاس المديون المشتبه حاله أيضا بسؤال القاضى عن حاله بعد حبسه المدة المذكورة ويسأل جيرانه وأهل الخبرة به ممن يخالطونه فى المعاملات، والواحد يكفى إن كان من أهله الثقة والاثنان أحوط وكيفيته أن يقول المخبر: إن حاله حال المعسرين فى نفقته وكسوته، وحاله ضيقة وقد اختبرنا حاله فى السر والعلانية ولا يشترط فى ذلك لفظ الشهادة ولا حضور الدائن والسؤال هنا لا يجب على القاضى وإنما ينبغى له ذلك احتياطا، لأن الشهادة بالافلاس شهادة بالنفى وهى ليست بحجة فكان للقاضى الا يسأل ويعمل برأيه. وهذا كله فى الديون التى لا يقبل فيها قول المديون ودعواه الافلاس بها، وهو كل دين يكون بدلا عن مال حصل فى يده كالقرض ولو لذمى، والثمن ولو لمنفعة كالاجرة. أو يكون قد التزمه بعقد كالمهر المعجل وبدل الخلع وما لزمه بكفالة لأنه اذا دخل المال فى يده ثبت غناه به وزواله عن الملك محتمل والثابت لا يترك بالمحتمل، ولأن اقدامه عى التزامه ذلك المال باختياره دليل يساره وقدرته على الاداء، لأن العاقل لا يلتزم ما لا قدرة له عليه. فيكون كالمتناقض فى دعواه الفقر لوجود دلالة اليسار. والمراد بالغنى المذكور هو القدرة على قضاء الدين لا ملك النصاب لأن الدين قد يكون دون النصاب فى الزكاة أما ما عدا ذلك من الديون كنفقة القريب والمهر المؤجل وما لزم الشخص حكما لفعله لا لعقد كضمان الاتلاف والغصب فإنه يثبت اعسار المديون بها بمجرد دعواه ذلك مع يمينه ما لم يكذبه ظاهر حالة أو يثبت الدائن بالبينة إن له مالا، لأنه لم توجد دلالة قدرته على أداء الدين المدعى به فيكون القول قول من عليه الدين وعلى المدعى اثبات غناه. وكذلك الحكم اذا ادعى الاعسار بنفقة الزوجة لأن دين النفقة ليس بدين

стр. 6644

مطلق بل هو صلة واجبة، ولذا يسقط بالموت بالاتفاق وقال الخصاف: القول قول من عليه الدين فى كل ذلك لأن الاصل هو العسرة فى حق كل إنسان لأنه خلق عديم المال. وروى أيضا: أن القول للمديون الا فيما بدله ماله كالقرض والثمن. والاول هو المعتمد. (١) مذهب المالكية: يثبت افلاس المديون المجهول الحال أو ظاهر اليسار ان ادعى الافلاس وكذبه الدائن أمام القاضى بالآتى: أولا: بشهادة عدلين فأكثر عند القاضى ولو قبل حبسه، ويقول الشهود فى شهادتهم: انه لا يعرف له مال ظاهر ولا باطن ثم يحلف بعد ذلك مدعى الافلاس وجوبا على طبق شهادة الشهود أنه لا يعلم له مالا ظاهرا ولا باطنا ويستحب أن يزيد فى يمينه وان وجد مالا ليقضين الدائنين حقهم، وفائدة هذه الزيادة تظهر فى المستقبل اذا ادعى الدائن على المفلس انه استفاد ما لا ولم يأت ببنية فلا يمين عليه لتقدم هذه اليمين، ولولاها لحلفه كما يستحب أن يزيد فيه أيضا، وليؤدين الدين عاجلا ويمين المديون هذه من تمام النصاب عند ابن رشد بمعنى أنه يتوقف عليها ثبوت افلاسه قضاء. وقال اللخمى: هى يمين استظهار لا يتوقف عليها ثبوت افلاسه، وهو المشهور. والمذهب عند ابن رشد أنه يحلف على البت بأن يقول: ليس عندى مال ظاهر ولا باطن، وعليه اقتصر ابن عرفة والارجح عند ابن سلمون: هو أن يحلف على نفى العلم كما ذكره، لاحتمال أن يكون له مالا لا يعلمه بنحو ارث أو وصية وعليه اقتصر خليل فى مختصره. وهذا الخلاف فى اليمين. أما الشهادة فهى على نفى العلم لا على البت والا بطلت اتفاقا، لاحتمال أن يكون له مال فى الواقع ولا يعلم الشاهد به. هذا فى مجهول الحال وظاهر اليسار. أما معلوم اليسار اذا ادعى الافلاس فلا تنفعه سوى البينة التى تشهد بذهاب ما بيده من مال بنحو حريق أو سلب، ولا يكفى قول البينة: لا نعرف له مالا ظاهرا ولا باطنا. ومثل معلوم اليسار فى ذلك من كان عليه دين مقسط يؤدى منه شيئا فشيئا فأدى البعض وادعى الافلاس فى الباقى وكذلك من طولب بنفقة ولده بعد طلاق أمه فادعى العجز عن ذلك، لانه كان ينفق عليه وعلى أمه قبل الطلاق وهو الآن أقدر لزوال نفقة الام. (ثانيا:) اذا ادعى المديون على الدائن أنه يعلم افلاسه وفقره وكذبة الدائن فان اليمين على الدائن لازمة، فيحلف أنه ما يعلم افلاسه المديون فان نكل عن اليمين ردت اليمين على المديون فان حلف ثبت افلاسه وحكم به. (ثالثا) اذا كان المديون مدعى الافلاس معلوم الفقر، أو كان ظاهر حاله يدل على ذلك فان ذلك يكون دليلا على افلاسه ويحكم بموجبه. (رابعا) لو شهد قوم بافلاس المديون وفقره، وشهد آخرون بيساره فان بينة اليسار تقدم ان بينت سبب يساره أى عينت ما هو موسر به بأن قالت: له مال باطن أخفاه. وسواء بينت بينة الافلاس سببه بأن قالت: ماله حرق أو غرق أم لا. فان لم تبين بينة اليسار ما هو موسر به رجحت بينة الافلاس سواء بينة سبب الافلاس أم لا. وهذا هو الراجح. ولكن الذى به العمل تقديم بينه اليسار وان لم تبين سببه والقاعدة تقديم ما به العمل على المشهور (٢). مذهب الشافعية: اذا ادعى المديون أنه مفلس أو أن ماله المعروف تلف أو قسم بين الدائنين وزعم أنه لا يملك غيره وأنكر دائنوه ذلك فان لم يعهد له مال ولزمه الدين لا فى مقابلة مال كصداق وضمان واتلاف فانه يصدق فى دعواه الافلاس بيمينه فى الاصح، لانه خلف ولا مال له والاصل بقاء ذلك. وقيل: لا يصدق

стр. 6645

الا ببينة لان الظاهر من حال الحر أنه يملك شيئا. وقيل: ان لزمه الدين باختياره كالصداق والضمان لم يصدق الا ببينة وان لزمه بغير اختياره كأرش الجناية وغرامة المتلف صدق بيمينه، والفرق أن الظاهر أنه لا يشغل ذمته بمالا يقدر عليه. وان عهد له مال ولزمه الدين فى معاملة مال كشراء أو قرض لغير النفقة أم بغيرها فعليه البينة بافلاسه من الاصل أو بأنه لا يملك غير المال التالف أو الذى قسم بين الدائنين لان الاصل بقاء ما وقعت عليه المعاملة ومحل ذلك فى مال يبقى ما غيره كلحم ونحوه فهو من القسم الاول فيقبل قوله بيمينه فيه. ويحلف المفلس مع هذه البينة ان طلب الدائن ذلك وتقبل بينة الافلاس من المفلس فى الحال بدون مضى مدة يحبس فيها ليختبر حاله كما تقبل فى غيبة الدائن ولا يتوقف ثبوت الافلاس على حضوره. ويكفى فى بينة الافلاس رجلان ولا يشترط ثلاثة، ولا يكفى فيها رجل وأمرأتان ولا شاهد ويمين ويشترط فى شاهد الافلاس خبرة باطن المفلس بطول الجوار أو المعاملة أو المرافقة فى السفر، لان الاموال تخفى فلا يجوز الاعتماد على ظاهر الحال ويعتمد قول الشاهد: انه خبير بباطن المفلس، وان عرفه القاضى كفى. ويقول الشاهد فى شهادته: هو معسر لا يملك الا قوت يومه، وثياب بدنه. ولا يقتصر فى شهادته على أنه لا يملك شيئا، لانه لا يمكن الاطلاع عليه. وكذلك يثبت الافلاس باليمين المردودة بأن يدعى المفلس علم دائنه بافلاسه ويطلب تحليفه أنه لا يعلم افلاسه فينكل الدائن عن اليمين فيحلف المديون أنه مفلس فيثبت افلاسه بذلك. وللمفلس تكرير طلب يمين الدائن بذلك ويحلفه القاضى حتى يظهر له أن قصده الايذاء فلا يجيبه لذلك. وكذلك يثبت افلاس المفلس بعلم القاضى ذلك فيجوز له الحكم به خلافا لامام الحرمين واذا عجز غريب لا يعرف حاله عن اثبات افلاسه وجب على القاضى بعد حبسه أن يعهد الى اثنين فأكثر من الرجال البحث بقدر الطاقة عن حاله فاذا غلب على الظن افلاسه شهدوا به. وثبت بذلك افلاسه وأجرة الموكل اليه بالبحث عن بيت المال. فان لم يكن ففى ذمة المديون الى أن يوسر فيما يظهر فإن لم يرض أحد بذلك سقط الوجوب عن القاضى فيما يظهر أيضا. واذا تعارضت بينة اليسار وبينة الافلاس قدمت بينة اليسار حيث لم يعرف لمدعى الافلاس مال وبينت سبب يساره لانها نافلة. فان عرف له مال قبل ذلك قدمت بينة الافلاس. واذا ثبت افلاس المديون بالنسبة لقدر من المال ثبت به افلاسه بالنسبة لما هو أكثر منه من الديون دون ما هو أقل منه قدرا. (١) مذهب الحنابلة: من وجب عليه دين فطولب (٢) به فادعى الافلاس وأنه لا شئ معه يؤديه فى الدين، فان لم يظهر له مال وصدقة دائنه كان بها وثبت بذلك افلاسه. وان كذبه فى دعوى الافلاس وكان دين يدعى ذلك عن عوض مالى كالبيع والقرض أو عرف له مال سابق والغالب بقاء ذلك المال فلا بد لمدعى الافلاس من اقامة بينة تشهد بافلاسه. فان شهدت البينة بتلف ماله أو بقاؤه ولم تشهد بافلاسه قبلت شهادتهم، سواء كان الشهود ممن يعرفون حال المفلس ظاهرا وباطنا أم لا، لان تلف المال يطلع عليه من عرف باطن حال المفلس وغيره. وان طلب الدائن تجليف المديون على ذلك لم يجب اليه لانه تكذيب للبينة. أما ان طلب تحليفه اليمين على افلاسه وأنه ليس له مال آخر استحلف على ذلك، لانه غير ما شهدت به البينة فان حلف المفلس ثبت افلاسه. وان لم تشهد البينة بتلف ماله وانما شهدت بافلاسه لم تقبل الشهادة الا من ذى خبرة بباطن حال المفلس لان الافلاس والاعسار من الامور الباطنة التى لا يطلع عليها فى الغالب الا أهل الخبرة والمخالطة ويكتفى فيها بشهادة اثنين، ولا يحلف المفلس مع بينته الشاهدة

стр. 6646

بافلاسه، لانه تكذيب للبينة. ويكفى أن تشهد البينة بالتلف أو الافلاس فلا يعتبر الجمع بينهما وفى التلخيص: لا يكتفى بالشهادة بالافلاس بل لا بد من الشهادة بالتلف والافلاس معا. وفى الفائق وغيره: لا بد أن تشهد بذهاب مال المديون وافلاسه ولا يكفى ان تشهد بأنه لا يملك شيئا. وتسمع البينة على الافلاس أو التلف ونحوه فى الحال، سواء قبل حبس المفلس أو بعده ولو بيوم لان كل بينة جاز سماعها بعد مدة جاز سماعها فى الحال كسائر البينات لكن قال ابن تيمية: وان كان دين مدعى الافلاس ثبت عليه فى غير مقابلة مال أخذه كأرش جناية وقيمة متلف ومهر أو ضمان أو كفالة أو عوض خلع ان كان امرأة، ولم يعرف له مال الغالب بقاؤه ولم يسبق منه اقرار بالغنى فان القول حينئذ يكون قول مدعى الافلاس بيمينه فيحلف أنه لا مال له وبذلك يثبت افلاسه ويخلى سبيله. الا اذا أقام الدائن البينة على يساره فيعمل بها. وكذلك يثبت الافلاس ولو فى المواضع التى لا بد فيها من البينة بيمين المديون أنه مفلس اذا طلب من الدائن أن يحلف أنه لا يعلم افلاسه وامتنع الدائن من الحلف، واذا عجز الغريب عن اثبات افلاسه بالبينة يأمر القاضى من يسأل عنه فاذا ظن السائل افلاسه شهد به عند القاضى وثبت بذلك افلاسه. (١) مذهب الظاهرية: قال ابن حزم: إن كانت الحقوق التى على المفلس نشأت من معاملة ببيع أو قرض فإنه يلزمه اثبات افلاسه بالبينة ولا يكفى فى ذلك يمينه لأنه صح أنه قد ملك مالا، ومن صح أنه قد ملك مالا فواجب أن يقضى دينه من ذلك المال حتى يصح أن ذلك المال قد تلف وهو فى تلفه مدع وقد قضى رسول الله ﷺ بالبينة على المدعى. أما إن كانت الحقوق التى على المفلس من نفقات أو صداق أو ضمان أو جناية فإنه يكفى فى اثبات افلاسه بذلك يمينه أنه معدم لا مال له، لأن الاصل فى الانسان أن يولد ولا شئ له. فالناس كلهم قد صح لهم الفقر فهم على ما صح منهم حتى يصح أنهم كسبوا مالا، وهو فى أنه قد كسب مالا مدعى عليه، وقد قضى رسول الله ﷺ باليمين على المدعى عليه، فاذا حلف فلا سبيل اليه حتى يثبت خصمه أن له مالا (٢). مذهب الزيدية: يقبل قول مدعى الافلاس مع يمينه لأجل حق يدعى عليه به حيث ظهر من حاله الافلاس. واذا كان الظاهر من حاله الافلاس وحكم له به فادعى دائنه إنه قد صار موسرا وجب إن يحلف المفلس على القطع، ولا ترد لأنها تشبه التهمة، ثم كلما لبث مدة ثم ادعى يساره حلف له ايضا اذا تحلل بين الدعويين مدة يمكن فيها يساره فى مجرى العادة والكسب. فإن لم يظهر حال مدعى الافلاس بأن كان الظاهر يساره أو التبس حاله لزمه إن يقيم البينة إنه فقير، مفلس، ويحلف مع البينة إن طلب الدائن منه ذلك، لأن البينة غير محققة الا إن تكون البينة على اقرار الدائن بعسره وافلاسه فلا يمين عليه حينئذ. وحكى عن المؤيد بالله وأبى العباس إنه لا يستحلف مع بينته. وبينة المفلس ويمينه إنما يسمعان بعد حبسه مدة يغلب على الظن إنه لا يبقى فيه وهو متمكن من التخلص من ذلك بوفاء دينه. وهذا اذا لم يكن المفلس مشهورا بالعدالة والفضل. فإن بينا معا فبينة المفلس اولى، اذا هى كالخارجة ولو قال المفلس لدائنه (٣). انت تعلم عسرى وافلاسى بدينك فأنا أطلب يمينك بالله ما تعلمه فإنه يجب تحليف الدائن إنه ما يعلمه ولا يظنه مفلسا ولا ترد اليمين لأنها يمين تهمة فإن لم يحلف الدائن ثبت افلاس المديون ولم يحبس،

стр. 6647

ذكر ذلك المؤيد بالله وظاهر مذهب يحيى إنه يحبس من غير يمين صاحب الدين. مذهب الإمامية: يثبت افلاس المديون الذى يدعى ذلك باقرار الدائن واعترافه بذلك. اما إن كذبه الدائن ولم يكن لمدعى الافلاس بالدين مال ظاهر فإن كان اصل الدين مالا كالقرض او عوضا عن مال كثمن المبيع او عرف له أصل مال وادعى تلفه فإنه يلزمه أن يثبت افلاسه بالبينة المطلعة على باطن امره بكثرة مخالطته وصحبته إن شهدت بالاعسار مطلقا او بتلف المال حيث لا يكون منحصرا فى أعيان مخصوصة والا كفى اطلاع البينة على تلف المال إن كان المال منحصرا فى اعيان مخصوصة. وإن لم تكن البينة مطلعة على باطن امره يسرا وعسرا. وتشهد البينة باثبات يتضمن النفى لا بالنفى الصرف بإن يقول الشاهد فى الاثبات: إنه معسر وفى النفى: لا يملك الا قوت يومه وثياب بدنه، ونحو ذلك. واذا أقام المديون البينة على افلاسه وطلب الدائنون من القاضى تحليفه اليمين كان لهم ذلك، لأن الشاهدين يشهدان على ظاهر حاله، ويجوز إن يكون له مال لا يقف عليه احد فيتوجه عليه اليمين والاحتياط يقتضيه ولا يؤدى هذا الى تكذيب الشهود، لأنهم شهدوا على ظاهر حاله دون باطنه. وهذا اذا شهدت البينة بالاعسار مطلقا اما لو شهدت بتلف ماله فلا يكلف اليمين ولو لم تكن البينة مطلعة على باطن امره. واذا قامت البينة على الافلاس وجب سماعها فى الحال وتقبل لأن هذه الشهادة ليست على مجرد النفى، وإنما يتضمن النفى اثبات صفة الحال وهى الاعسار فوجب أن تكون مقبولة مثل سائر الحقوق والصفات. وإن كان أصل الدين عليه من جناية او اتلاف مال وادعى الافلاس ولم يعرف له أصل مال فإنه لا يلزمه اثبات ذلك بالبينة، وتقبل دعواه بدونها، لأن الأصل عدم المال، وللدائنين مطالبته باليمين (١). مذهب الإباضية: يثبت افلاس المديون بشهادة رجلين أمينين أو رجل أمين وامرأتين امينتين فصاعدا، ولا يثبت بقول شهادة غيرهم. واذا أراد الشهود إن يشهدوا على رجل بالافلاس فإنهم يقولوا: شهدنا ان هذا الرجل مفلس. وليس له شئ الا إن كان له ما لم نعلم. وإن قالوا: هذا الرجل مفلس، او قالوا: قد حكم القاضى فلان بافلاسه فأنه يجوز قولهم فى ذلك يكون مفلسا. اما إن قالوا: إن هذا الرجل فقير أو مسكين أو مملوك فلا يفلسه القاضى بذلك. وإن شهر عليه الدائنون بانه قد فلسه القاضى بدينهم فلا تجوز شهادتهم بذلك. ولا يشهد عليه أنه مفلس الا من اختبر حاله وعلم سره بأن يكون قد علم أنه مفلس من الأصل، أو علم أنه تلف ماله بمعنى من المعانى. وأما من لم يخالطه ولم يختبره الا أنه لم يعلم له مالا هكذا فلا يشهد عليه أنه مفلس وإن لم يعرف للمفلس مال إلا ما كان فى يد غاصب له او لم يعرف له الا حيوان ضال أو مال له على آخر وجحده، وحلف فإن الشهود يستثنونه فى شهادتهم بافلاسه ويقولون: لكن له كذا وكذا بيد الغاصب او نحو ذلك. ولا تقبل شهادة الرجل لابنه ولغيره من كل من يتهم بشهادته له. وإن رجع الشهود عن شهادتهم بالافلاس بعد الحكم بها فلا عبرة برجوعهم هذا اما إن رجعوا قبل الحكم بها فلا يحكم بافلاسه. وإن كتموا شهادتهم بافلاس المديون أثموا ولا ضمان عليهم. وإن شهدوا بالزور إنه مفلس ضمنوا ما أتلفوا لأصحاب الديون الا إن دفع المديون ما طلب منه والشهادة بالافلاس واجبة على الناس كغيرها من الشهادة. وقيل لا تجب عليهم الا

стр. 6648

اذا طلبهم لادائها من له دخل فى ذلك ولو لم يتحملوها. وإن ادعى المديون الافلاس وادعى الدائن يساره طالب القاضى كلا منهم ببينة وحكم بما صح عنده منهما. وقيل: إن كان المدين الذى عليه مما له بدل فهو مدع فى الافلاس لا بد له من اثباته بالبينة. وإن كان مما لا عوض له ولا بدل كالصداق والجرح فالقول قوله مع يمينه على ما ذكر فان ادعى الدائن ان له مالا كلفه القاضى بيانه. وان لم يدع الدائن ذلك سأل القاضى عن حاله. وسيأتى فى حبس المفلس تمام هذا الموضوع. وان لم يثبت المفلس افلاسه فلا يمين له على الدائن ان جحد الافلاس، قال صاحب شرح النيل: والذى عندى انه يكون له تحليف الدائن اليمين على علمه بما جحده فيحلف الدائن والله ما علمت انه مفلس (١). تصرفات المفلس قبل الحكم بأفلاسه والحجر عليه مذهب الحنفية: المفلس قبل الحكم بافلاسه والحجر عليه أهل لكل التصرفات الشرعية من البيع والشراء والهبة والصدقة والاقرار وغيره حتى لو فعل شيئا من ذلك نفذ ولا يملك دائنوه ولاية منعه من ذلك ولا ابطاله بعد صدوره منه وسواء فى كل ذلك كان المفلس محبوسا لأجل دين الدائنين أم لا، لأن الحبس لاجل ذلك لا يوجب بطلان أهليته للتصرفات (٢). مذهب المالكية: المفلس الذى أحاط الدين بماله - أى زاد عليه أو ساواه - له ثلاث أحوال الأولى: قبل قيام الدائنين عليه وقبل تفليسه والحجر عليه فلا يجوز له فى هذه الحالة التصرف فى ماله بغير عوض فيما لا يلزمه مما لم تجر العادة بفعله من هبة وصدقة ووقف وقرض وما اشبه ذلك. وكذلك لا يجوز اقراره بدين لمن يتهم فى اقراره له كابن وأخ وزوجة يميل اليها وصديق ملاطف فللدائنين منعه من ذلك على المختار والأصح. كما لا يجوز له ان يعطى كل ما بيده من مال لبعض الدائنين دون البعض، ومثل اعطاء الكل ما اذا بقى فى يده فضلة من المال لا يعامله الناس عليها. وكذلك لا يجوز له ان يعجل لاحد الدائنين دينه قبل حلول أجله لأن من عجل ما أجل يعتبر مقرضا، والقرض من جملة التبرعات فيرد كل ما أعطاه لهذا الدائن. وقال بعضهم: لا يرد كل ما أعطاه له بل بعضه لأن قيمة الدين المؤجل أقل من قيمته معجلا، فالزائد على قيمته مؤجلا هبة ترد اتفاقا كما يمنع من التزوج بأكثر من امرأة واحدة على المختار، لأنها تعفه عادة. واذا فعل شيئا من ذلك كان لاصحاب الديون الحالة ابطاله وقت ان يعلموا به ولو بعد طول زمان، أما ما جرت العادة به ككسرة خبز لسائل وأضحية ونفقة عيدين، أو كان واجبا عليه كنفقة ابنه وأبيه المعدمين دون سرف فى الجواز فانه جائز ولا يمنع منه .. كما لا يمنع من تصرفاته المالية كالبيع والشراء بدون غبن ونحوهما من كل ما فيه تنمية المال وكذا الهبة بشرط العوض، والاقرار بدين لمن لا يتهم فى اقراره له. وكذلك لا يمنع من اعطاء بعض ما بيده من مال لدائن حل دينه بشرط ان يكون البعض الباقى يصلح للمعاملة عليه. كما لا يمنع من رهن بعض ماله لبعض دائنيه فى معاملة حادثة بعد احاطة الدين بماله او قبلها ولا يمنع أيضا من الزواج بامرأة واحدة، بشرط ان تكون ممن تشبه نساءه، وأن يصدقها صداق مثلها فان أصدقها أكثر من صداق مثلها فللدائنين الزائد يرجعون عليها به حتى ولو كان الزائد ما زال دينا لها عليه. اما الحج فان كان تطوعا فيمنع منه من أحاط الدين بماله اتفاقا، وكذا ان كانت حجة الفريضة على المختار لأن ماله الآن للدائنين. وسواء فى كل هذا كان صاحب الدين واحدا أو متعددا، وسواء كان دينه حالا أو مؤجلا. وهذا كله فيما اذا علم يقينا احاطة الدين بمال المديون. أما من شك فى احاطة الدين بماله فلا يمنع من شئ من ذلك. وكذلك لا يمنع من ذلك ان ادعى اليسار الا بعد

стр. 6649

كشف القاضى عن ماله فان وجد وفاء لم يفلس والا فلس، وهو المشهور. ولا يحتاج هذا الى حكم من القاضى. الثانية: التفليس العام وهو قيام الدائنين عليه قبل الحجر عليه ولهم فى هذه الحالة حبسه والحيلولة بينه وبين ماله ومنعه من جميع التصرفات حتى المالية منها كالبيع والشراء والأخذ والعطاء ولو بدون غبن وكذلك لهم منعه من التزوج ولو بامرأة واحدة من هذا المال الموجود فى يده كما يكون للدائنين حينئذ قسمة ماله بينهم بنسبة دين كل منهم. الا أن الدين المؤجل على المفلس لا يحل بذلك ولا يحتاج هذا التفليس ايضا الى حكم القاضى. الثالثة: تفليسه تفليسا خاصا، وهو حكم القاضى بخلع مال المفلس للدائنين لعجزه عن قضاء ما لزمه من الديون وقد سبق تفصيل شروطه فى الحجر على المفلس وشرائطه اما ما يترتب عليه فسنذكره فى الفصل التالى وهو ما يترتب على الحكم بافلاس المفلس والحجر عليه (١). مذهب الشافعية: المفلس قبل الحجر عليه بسبب افلاسه يصح تصرفه مطلقا حتى وان زادت الديون الحالة على ماله وطالبه الدائنون بها وامتنع من الأداء. كما يصح منه ان يقسم أمواله - اذا أراد بين الدائنين كيف شاء قال السبكى: لكن ينبغى اذا استووا وطالبوا حقهم على الفور ان تجب عليه التسوية بينهم وبينه ومع ذلك لو فاضل بينهم نفذ فعله لبقاء الحق فى ذمته وعدم تعلقه بعين ماله. وكذلك لا يحل الدين المؤجل عليه بلا خلاف (٢). مذهب الحنابلة: كل ما فعله المفلس فى ماله قبل الحجر عليه من البيع والهبة والاقرار وقضاء بعض الدائنين ديونهم وغير ذلك فهو جائز نافذ ولو استغرق التصرف جميع ماله، لأنه من مالك جائز التصرف فينفذ تصرفه كغيره ولأن سبب المنع عن ذلك هو الحجر فلا يتقدم على سببه. الا أنه مع ذلك يحرم على المديون التصرف فى ماله بما يضر به بدائنه. واختار الشيخ ابن تيميه: ان من ضاق ماله عن ديونه وطالبه الدائنون بها فلا ينفذ منه تصرف من ذلك ويصير محجورا عليه بغير قضاء القاضى به، قال: وهو رواية عن أحمد. كما ذكر ايضا ان من عليه نفقة واجبة فلا يملك التبرع بما يخل بالنفقة الواجبة قال وكلام احمد يدل عليه (٣). مذهب الظاهرية: قال ابن حزم: اقرار المفلس بالدين قبل ان يقضى القاضى بماله للدائنين لازم مقبول ويدخل المقر له مع الدائنين لأن الاقرار واجب قبوله وليس لأحد ابطاله بغير نص قرآن أو سنة (٤). مذهب الزيدية: للمفلس أن يتصرف فى ماله بعد افلاسه كل تصرف من بيع او هبة او وقف او قضاء احد الدائنين بجميع ماله او نحو ذلك ويكون هذا التصرف منه صحيحا نافذا اذا وقع قبل ان يصدر الحكم بالحجر عليه من القاضى ولو بعد مطالبته بالدين ورفع طلب الحجر عليه من الدائنين للقاضى الا انه يأثم اذا قضى بعض الدائنين بجميع ماله بعد مطالبة الباقين وكذلك لو اقر بسلعة او دين للغير صح اقراره ما لم يثبت انه اقر توليجا فلا حكم (٥) له.

стр. 6650

مذهب الإمامية: كل ما يفعله المفلس قبل الحجر عليه من التصرفات يكون نافذا سواء كان التصرف بعوض أم بغير (١). مذهب الإباضية: الافلاس العام: وهو مجرد قيام الدائنين على المفلس المذهب فيه انه لا يمنع المفلس من شئ فله ان يفعل فى ماله ما شاء ما لم يحكم القاضى بافلاسه ويحجر عليه. وهناك قول فى المذهب إنه يمنع من ذلك (٢). ما يترتب على الحكم بافلاس المديون والحجر عليه الأول منع المفلس من التصرفات: مذهب الحنفية: المحجور عليه بسبب الافلاس يمنع - عند أبى يوسف ومحمد - من كل تصرف يؤدى الى ابطال حق الدائنين او يضرهم وذلك كالهبة والصدقة ونحوهما من كل التبرعات اما البيع فان كان يمثل القيمة جاز من المفلس وان كان بأقل منها لا يجوز منه سواء كان الغبن يسيرا أو فاحشا، ويخير المشترى حينئذ بين ازالة الغبن وبين الفسخ ورد المبيع (٣). وان باع شيئا من عقاره او عروضه للدائن الذى حجر لاجله ليصير الثمن قصاصا بدينه جاز بيعه وهذا اذا كان الدائن واحدا. فان كانا اثنين فاكثر وحجر عليه بسبب افلاسه بديونهم فباع لاحدهم شيئا بمثل قيمته صح بيعه. ولكن المقاصة لا تصح فلا يصير كل الثمن قصاصا بدين هذا المشترى لان فيه ايثار بعض الدائنين على البعض، ولكن يكون الثمن بين الدائنين بالحصص. وكذلك يمنع المحجور عليه للدين من قضاء دين بعض الدائنين، فان فعل كان لباقى الدائنين ان يشاركوا القابض فيما قبض فيسلم للقابض حصته ويدفع ما زاد على حصته الى غيره من الدائنين ولو تزوج المحجور عليه للدين امرأة صح نكاحه فان زاد مهرها على مهر المثل فمقدار مهر مثلها يظهر فى حق الدائنين الذين حجر عليهم لاجلهم فيكون لها ان تزاحمهم وتقاسمهم فيما فى يد الزوج المديون من مال اما ما زاد على مهر مثلها فلا يظهر فى حق الدائنين ويظهر فى حق المال الحادث له بعد الحجر (٤). وان اقر المفلس فى حالة الحجر عليه بدين لانسان فانه يصح اقراره بالنسبة لذمته ويلزمه ان يقضيه بعد قضاء الديون التى حجر لاجلها. اما بالنسبة للدائنين الذين حجر عليه لافلاسه بديونهم فلا يصح اقراره فى حقهم لانه تعلق بهذا المال حق الاولين فلا يتمكن من ابطال حقهم بالاقرار لغيرهم ولاحتمال ان يكون كاذبا فيرد اقراره للتهمة حتى لو كان سبب وجوب الدين المقر به ثابتا عند القاضى بعلمه او بشهادة الشهود على الاستقراض او الشراء بمثل القيمة مثلا فان اقراره يكون صحيحا ويكون من حق المقر له حينئذ ان يشارك الدائنين بحصته. ولو اقر المحجور عليه بحد او قصاص صح اقراره، والقاعدة فى هذا أن كل تصرف لا يحتمل الفسخ ولا يبطله الهزل ينفذ منه ولا يحجر عليه فيه اتفاقا. اما ما يحتمل الفسخ ويبطله الهزل فلا ينفذ منه الا باذن القاضى ويحجر عليه فيه عند الصاحبين. ولتفصيل هذا (انظر مصطلح حجر). ولو استهلك المفلس مال انسان فى حالة الحجر وثبت استهلاكه له بشهادة الشهود فانه يلزمه ضمان ذلك ويكون من حق من له الضمان ان يشارك الدائنين الذين حجر لاجلهم فيما يكون فى يد المفلس من مال لان الاستهلاك فعل حسى مشاهد فيشاركهم لانتفاء التهمة (٥)

стр. 6651

مذهب المالكية: يترتب على افلاس الشخص افلاسا خاصا منعه من كل التصرفات التى سبق ذكرها فى تصرفات المفلس قبل الحكم بافلاسه والحجر عليه وهو الافلاس العام، لانه كلما وجد الافلاس الخاص وجد الافلاس العام ولا عكس اذ قد يقوم الدائنون على المديون من غير ان يرفعوا الامر الى القاضى فيمنع المفلس افلاسا خاصا من كل تصرف مالى بيده من مال كبيع وشراء وتأجير واستئجار وزواج ونحوه سواء كان بغبن ومحاباة ام لا فان وقع منه شئ من هذه التصرفات لم يبطل بل يوقف على نظر الدائنين ورأيهم فى حالة اتفاقهم او نظر القاضى ورأيه عند عدم اتفاق الدائنين واختلافهم فى رد وامضاء هذا التصرف منه. وكذلك يمنع من جميع التبرعات كالهبة والصدقة ونحوها بالاولى، لانه يمنع من ذلك بمجرد احاطة الدين بماله قبل الحكم بافلاسه والحجر عليه كما سبق. اما ان التزم المفلس شيئا فى ذمته لغير الدائنين على ان يوفيه من مال يحدث له غير الذى حجر عليه فيه كأن يقترض شيئا فى ذمته او يشترى او يستأجر بشئ فى ذمته الى أجل معلوم فلا يمنع من دفع ما التزمه فى ذمته من المال الحادث له لكن اذا بقى من هذا المال شئ بعد وفاء الدين الذى فى الذمة وكان دين الدائنين باقيا عليه فلهم منعه من التصرف فى هذا المال الباقى حتى يوفيهم دينهم. وان اقر بدين فى ذمته فإنه يقبل منه اذا أقر به لمن لا يتهم عليه فى المجلس الذى حكم بافلاسه او قام الدائنون عليه فيه او قريبا منه عرفا، فيدخل المقر له حينئذ مع الدائنين فى قسمة المال. وذلك بشرط ان يكون الدين الذى حكم بخلع مال المفلس لاجله أو قام الدائنون عليه لاجله قد ثبت باقرار المفلس أيضا واما ان كان ثابتا بالبينة الشرعية فان اقرار المفلس به فى المجلس او قربه لا يقبل ولا يفيد شيئا بالنسبة الى المال الموجود فى يده حتى ولو علم تقدم معاملة بين المقر والمقر له. اما بالنسبة لتعلقه بذمته فيقبل ويفيد فيما تجدد للمفلس من مال بعد الحجر عليه. ويكون من حق المقر له حينئذ ان يقاسم الدائنين فى هذا المال الحادث. وكذلك يتعلق بذمة المفلس ما اقر به من دين لمن لا يتهم عليه بعد مجلس الافلاس بمدة طويلة عرفا او لمن يتهم عليه كابن وأخ وزوج حتى ولو كان الدين الاول الذى فلس بسببه ثابتا باقراره، فلا يدخل المقر له فى قسمة مال المقر المفلس مع الدائنين الا بالنسبة للمال الحادث له بعد الافلاس فقط، وهذا هو المعتمد. وقيل: يقبل اقرار المفلس سواء كانت الديون ثابتة عليه باقرار أو بينة واختاره بعض الشيوخ واستظهره ابن عبد السّلام ولمالك فى الموازية قول ثالث هو: ان من اقر له المفلس ان كان يعلم تقدم مداينة وخلطة بينه وبين المقر حلف المقر له ودخل فى قسمة مال المفلس مع من له بينة بدينه. ويقبل اقرار المفلس افلاسا خاصا أو عاما وتعيينه مال المضاربة الذى تحت يده أو الوديعة بأن يقول: هذا المال مضاربة تحت يدى أو وديعة لفلان وذلك بشرط أن تقوم بينة بأصل ما ذكر بأن تشهد تلك البينة بأن عنده مال مضاربة أو وديعة لفلان أو على اقراره بذلك قبل تفليسه ويقبل منه ذلك سواء كان المتهم عليه م لا، وسواء كان بالمجلس وقربه أم لا على المعتمد، فان لم تقم بينة بأصل ذلك فلا عبرة باقراره ولا تقبل تعيينة ما ذكر سواء كان المفلس صحيحا او مريضا، وكذلك لا يقبل اقراره بذلك ان لم يعين المال بأن قال: لفلان عندى وديعة أو مال مضاربة وهذا كله هو ما ذهب اليه ابن القاسم خلافا لاصبغ حيث قال: يقبل تعيين المفلس لمال المضاربة والوديعة ولو لم تشهد بينة بأصلهما، واختاره اللخمى. والمختار قبول قول الصانع اذا افلس فى تعيين ما بيده لاصحابه بلا بينة بأصله، ويكتفى بقوله: هذا الثوب أو هذا الغزل مثلا لفلان مع يمين المقر له، لان الشأن ان ما بيد الصانع هو امتعة الناس وليس العرف والعادة الاشهاد عليه عند الدفع ولا يعلم صاحبه لا من قوله فيبعد ان يقربه لغير صاحبه. وسواء كان فلان ممن يتهم عليه ام لا، وسواء كان الاقرار بمجلس التفليس وقربة ام لا. ولا يمنع المفلس من تصرف لا يضر بحقوق الدائنين مثل خلع الرجل لزوجته فإنه يجوز وينفذ، لانه قد يأخذ منها ما لا يستعين به على قضاء دينه أو تحط عنه

стр. 6652

دين مهرها أو دينا غيره. وأما المرأة المفلسة فلا يجوز لها أن تخالع زوجها على مال الا اذا كان فى ذمتها من مال يحدث لها غير ما فلست فيه، لأنه تصرف مالى كتزوج الرجل المفلس وهى ممنوعة منه. وكذلك لا يمنع المفلس من طلاق زوجته ولو ادى الى حلول مؤخر مهرها، لأنه يسقط عنه بسبب الطلاق بنفقتها، اما المهر فمن حقها ان تطالب به وتدخل به عند قسمة المال مع الدائنين سواء طلقها زوجها ام لا، فليس الطلاق موجبا لذلك. وكذلك لا يمنع المفلس من ان يتقص ممن وجب له عليه قصاص فله ذلك وليس للدائنين ان يلزموه العفو على مال ومثل القصاص فى النفس جراح العمد التى ليس فيها شئ مقدر. ولا يمنع ايضا من العفو عن قصاص او حد مما لا مال فيه بخلاف الخطأ وجراح العمد الذى فيه مال مقدر، فللدائنين منعه من العفو عن ذلك بدون عوض مالى (١) مذهب الشافعية: اذا حجر على المفلس بطلب او بدونه - تعلق حق الدائنين بماله عينا كان او دينا او منفعة، حتى لا ينفذ تصرفه فيه بما يضرهم. وضابط ذلك انه لا يصح ممن حجر عليه بسبب الافلاس كل تصرف مالى بالنقد منشأ منه ابتداء يفوت على دائنيه شيئا من أعيان ماله فى خلال حياته لا مضافا الى ما بعد موته. فلا يصح بيع المفلس حينئذ ولا شراؤه بالنقد ولو باذن الدائنين ولا هبته ولا وقفة ولا رهنة ولا ابراؤه من دين له ولو مؤجلا، ويبطل تصرفه هذا فى الحال لأنه محجور عليه بحكم القاضى فلا يصح تصرفه بما يخالف المقصود من الحجر. وهذا هو الاظهر وقيل: يوقف تصرفه المذكور فان فضل ذلك عن الدين لارتفاع القيمة او ابراء الدائنين او بعضهم نفذ وإلا لغا. وكذا لو باع ماله كله أو بعضه لدائنيه بدينهم من غير اذن القاضى بطل البيع فى الاصح لأن الحجر يثبت على العموم ومن الجائز أن يكون له دائن آخر. أما باذن القاضى فيصح بشرط أن يقع العقد لجميع الدائنين بلفظ واحد، وأن يكون دينهم من نوع واحد. وقيل: يصح لأن الاصل عدم غيرهم، وقياسا على صحة بيع المرهون للمرتهن. ويستثنى من منع المفلس من الشراء بالنقد ما لو دفع له القاضى مالا لنفقته ونفقة عياله فاشترى به شيئا من النفقة فانه يصح جزما فيما يظهر كما قاله الاذرعى وغيره. وهذا كله فيما اذا تصرف المفلس تصرفا ماليا بالنقد. أما اذا تصرف فى ذمته كما لو باع فى ذمته سلما أو غيره او اشترك او استأجر او اقترض شيئا فى الذمة فالصحيح صحته وعدم منعه منه، ويثبت البيع والثمن ونحوهما فى ذمته لأنه لا ضرر على الدائنين فى ذلك بل فيه نفعهم. وكذلك تصح وصيته اثناء الحجر عليه ولا يمنع منها لتعلقها بما بعد موته فلا ضرر على الدائنين كما يصح نكاح المفلس بمهر فى ذمته، ورجعته وطلاقه والخلع على مال ولو قال ان كان رجلا. أما المرأة المفلسة فان خالعت زوجها على عين من أعيان مالها لم يصح. وان خالعته على دين فى ذمتها صح. كما يصح استلحاقه النسب ونفيه له باللعان، واجازة وصية زادت على الثلث، واستيفاؤه القصاص واسقاطه ولو بدون مال، ولا يلزمه ترك القصاص الواجب له بجناية عليه او على غيره لاجل الارش، وليس للمفلس العفو عن المال الواجب له بجناية، لما فيه من تفويت الحاصل فيمنع منه لمنافاته غرض الحجر. وكذلك ليس له المسامحة بصفة مقصودة مشروطة فى السلم فيه او نحوه عند قبضة له. ويجوز للمفلس ان يرد بالعيب ما كان اشتراه قبل افلاسه والحجر عليه ان كانت المصلحة فى رده بان كان ثمنه اكثر من قيمته او استوى الامران على ما صرح به امام الحرمين، لأن هذا ليس تصرفا مبتدأ بل من أحكام البيع السابق الذى لم يشمله الحجر. والحجر لا ينعطف على ما مضى، ولأن هذا من مصلحته ومصلحة الدائنين ومثل ذلك الاقالة. وكذلك يجوز له الفسخ بالخيار مطلقا، سواء كان الثمن اكثر من القيمة او العكس لعدم استقرار ملكه

стр. 6653

وان اقر المفلس بعين كقوله غصبتها أو استعرتها أو استودعتها قبل الحجر او بعده فانه يقبل منه ذلك فى حقه اتفاقا وفى حق الدائنين ايضا فى أظهر الاقوال، فيأخذ المقر له العين بدون ان يحلف المفلس على المعتمد. وكذلك يقبل اقراره بالدين فى حق الدائنين فى الاظهر ان اسند وجوب الدين الى ما قبل الحجر بمعاملة مثلا وان لم يلزم الا بعد الحجر كبيع مع خيار لأن الضرر فى حقه بالاقرار بالعين أو الدين أكثر منه فى حقهم فتبعد تهمة المواطأة، وعلى هذا لو طلب الدائنون تحليفه على ذلك لم يحلف على الاصح، لأنه لو امتنع لم يفد امتناعه شيئا اذ لا يقبل رجوعه على الصحيح. بخلاف ما اذا طلبوا تحليف المقر له ان المقر المفلس صادق فى اقراره فانهم يجابون ويلزمه ان يحلف بذلك. والفرق بين الانشاء فى التصرفات السابقة من بيع ونحوه حيث يمنع منها وبين اقراره هذا حيث يقبل منه ان مقصود الحجر منع التصرف فالغى انشاؤه اما الاقرار فاخبار والحجر بسبب الافلاس لا يسلب العبارة عن المفلس وقيل: لا يقبل اقراره فى حق الدائنين لئلا تضرهم المزاحمة، ولأنه ربما واطأ المقر له. قال الرويانى فى الحيلة والاختيار فى زماننا الفتوى به لأنا نرى مفلسين يقرون للظلمة حتى يمنعوا اصحاب الحقوق من مطالبتهم وحبسهم أما ان اقر بدين وأسند وجوبه الى ما بعد افلاسه والحجر عليه اسنادا مقيدا بمعاملة او اسنادا مطلقا بان لم يقيده بمعاملة ولا غيرها، أو أسنده الى معاملة ولم يسنده الى ما قبل الحجر ولا الى ما بعده وتعذرت مراجعته فانه لا يقبل فى حق الدائنين فلا يزاحمهم المقر له فى مال المفلس. بل يطالب به بعد فك الحجر، لأنه قصر فى معرفة حال من تعامل معه وان اقر بدين وقال: عن جناية او استهلاك ولو بعد الحجر قيل فى الاصل، فيزاحم المجنى على الدائنين لعدم تقصيره ولا يحلف للمفلس ولا المقر له. ومثل ذلك ما حدث بعد الحجر وتقدم سببه عليه كانهدام بناء اجرة المفلس قبل افلاسه. ولو اقر المفلس بالمال الذى معه لمجهول لم يقبل والدائنين اخذه وكذا اذا اقر به لمعين حاضر فكذبه المقر له لظهور كذبه فى صرف المال عنه وأن أقر به لغائب انتظر قدومه فان صدقه اخذه والا اخذه الدائنون قال الأذرعى: والظاهر ان الطفل ونحوه كالغائب فينتظر والظاهر انه ان صدقه الولى فلا انتظار. ولو شهد شاهد بدين للمفلس وامتنع المفلس من الحلف معه فليس للدائنين ان يحلفوا مع الشاهد اذ ليس لهم اثبات حق المفلس لمصلحتهم بل اذا ثبت تعلق حقهم به. وكذلك ليس لهم ابتداء الدعوى اذا تركها المفلس (١). مذهب الحنابلة: متى حجر على المفلس تعلق حق الدائنين بماله فلا يصح تصرفه فى شئ من ماله فان تصرف فيه ببيع أو هبة أو وقف أو اصداق امرأة مالا له أو صدقه بشئ قليل أو كثير أو نحو ذلك لم يصح لأنه محجور عليه فيه أشبه الراهن يتصرف فى الرهن ولأنه متهم فى ذلك. وهذا اذا كان التصرف متبدأ. اما ان تصرف المفلس تصرفا غير مبتدأ كامضاء ما تصرف فيه قبل الحجر أو فسخ مما اشتراه قبل الحجر لعيب أو لشرط الخيار بتدليس ونحوه فانه يصح لأن ذلك اتمام لتصرف سابق على حجره فلم يمنع منه كاسترداد وديعة له أودعها قبل حجره ولا يتقيد ذلك بكونه فيه مصلحة للمفلس. وان أقر المفلس بدين لم يقبل فى الحال، ويطالب به بعد فك الحجر عنه، سواء اضاف ما اقر به الى ما قبل الحجر أو بعده أو اطلق ولو كان المفلس صانعا تحت يده متاع فأقر به لاصحابه لم يقبل اقراره ايضا لأنه متهم فيه، وتباع العين التى تحت يده حيث لا بينة بها وتقسم بين الدائنين كسائر امواله، وتكون قيمتها واجبة على المفلس لصاحبها اذا قدر عليها بعد فك الحجر عنه، لأنها صرفت فى دينه بسبب من جهته فكانت

стр. 6654

قيمتها عليه كما لو أذن فى ذلك. وان ادعى شخص على المفلس دينا فأنكر فطلب المدعى يمينه فنكل المفلس عنها فقضى عليه بالنكول فحكمه حكم اقراره يلزم فى حقه دون الدائنين، فلا يشاركهم المقر له للتهمة، وانما يطالب به المفلس بعد فك الحجر عنه وكذلك لا يصح بيع المفلس ماله لدائنيه كلهم أو بعضهم ولو بكل الدين، لاحتمال ظهور دائن غيرهم وان تصرف المفلس فى ذمته بشراء أو ضمان أو اقرار أو اصداق ونحوه صح، لأنه اهل للتصرف والحجر يتعلق بماله لا بذمته لكن لا يشارك اصحاب هذه الديون الدائنين له قبل الحجر سواء علم من عامله بعد الحجر بافلاسه ام لا، لأن من علم بافلاسه ثم عامله فقد رضى بالتأخير، ومن لم يعلم فقد فرط فى ذلك فان هذا فى مظنة الشهرة. فعلى هذا يطالب المفلس بهذه الديون بعد فك الحجر عنه، لأنه حق عليه منع تعلقه بماله حق الدائنين السابق عليه، فاذا استوفوا ديونهم فقد زال المعارض. واذا جنى المفلس بعد الحجر عليه جناية وجبت مالا أو قصاصا واختار المجنى عليه أو وليه المال فانه يلزمه ذلك المال فى الحال، فيشارك المجنى عليه أو وليه الدائنين بارش الجناية لأن سبب هذا المال ثبت على المفلس بغير اختيار صاحبه ولم يرض بتأخيره (١). وان كان للمفلس حق له به شاهد واحد وحلف المفلس معه ثبت المال وتعلقت حقوق الدائنين به كسائر امواله فان ابى المفلس ان يحلف مع شاهده لم يجبر على ذلك لاحتمال كذب الشاهد ولم يكن من حق دائنيه ان يحلفوا مع شاهده، لأنهم يثبتون ملكا لغيرهم لتتعلق حقوقهم به بعد ثبوته فلم يجز (٢). وليس للمفلس اسقاط شئ من ثمن مبيع أو أجرة مستأجر ولا قبض ردئ ولا قبض المسلم فيه بدون صفاته الا بأذن الدائنين (٣). مذهب الظاهرية: قال ابن حزم: ان اقر المفلس بدين بعد ان قضى القاضى بماله للدائنين فأنه يلزمه ما أقر به فى ذمته ولم يدخل المقر له مع الدائنين فى مال قد قضى لهم به وملكوه قبل اقراره (٤). مذهب الزيدية: اذا حجر القاضى على المفلس فالمذهب ان تصرفاته بعد ذلك تكون موقوفة وليست باطلة فلا ينفذ منه فيما تناوله الحجر تصرف الا باجازة القاضى الذى حجر عليه أو غيره أو باجازة الدائنين أو بعد فك الحجر عنه بان يقضى الدائنين ديونهم أو يسقط دينهم باى وجه من الوجوه. وعند العترة: يبطل كل تصرف له فيما تناوله الحجر اذ تعلق به حق الدائنين. ولو باع المفلس المحجور عليه شيئا من ماله ليقضى الدائنين أو لحاجته الماسة لنفقته صح ذلك البيع ان كان بدون غبن ومن باع بخيار ثم حجر عليه لافلاسه فقبل: هو على خياره. وقيل: يتعين الاصلح للدائنين من فسخ أو امضاء. وللمحجور عليه لافلاسه ان يشترى بثمن فى ذمته ويصح منه هذا اذ لم يتناول الحجر عليه الا تفويته لما له ويبقى الثمن فى ذمته حتى يفك الحجر عنه وللبائع ان يفسخ لتعذر تسليم الثمن ان جهل افلاسه والحجر عليه لسببه واذا قضى المفلس بعض الدائنين بجميع ماله فان كان بعد الحجر لا يصح. وان كان قبله يصح ولا يأثم الا اذا كان الآخرون قد طالبوه بديونهم. واقرار المفلس كتصرفه - اى موقوف - ولو اضافة الى ما قبل الحجر. ولو اقام المحجور عليه لافلاسه البينة بدين عليه لغائب من قبل الحجر سمعت بينته، لأن له حقا فى دعواه وهو ترك حصته المقر له من ماله، ولا يقال: ان هذه بينة لغير مدعى. وان ادعى المفلس على غيره مالا وله شاهد واحد وامتنع من اليمين معه فوجهان أصحهما ما قاله الامام يحيى: وهو انه لا يصح للدائنين ان يحلفوا مع

стр. 6655

هذا الشاهد لأنهم يثبتون بشهادتهم معه ملكا لغيرهم. ومن ادعى انه اشترى من المفلس المحجور عليه قبل الحجر أو ان المفلس قضاه دينه قبل الحجر وانكر الدائنون ذلك فانه يلزم المشترى والمستوفى دينه اقامة البينة على ذلك، لأن ظاهر الحال يشهد بالمنع ولئلا يؤدى ذلك الى عدم تأثير الحجر لو قلنا بغير ذلك الاحتمال. ولا يجب الحج على المفلس المحجور عليه، لأنه ممنوع من الانتفاع بماله فاشبه مال الغير. ولا يجوز له ان يكفر بالصوم اذا حنث فى يمينه بعد الحجر، لأن المال باق على ملكه ويتوقع فك الحجر عنه بأى وجه من الوجوه لأن المانع شرعى أما ان كان الحنث متقدما على الحجر فان الكفارة تشارك الدين. ويجوز للمفلس حتى ولو كان محجورا عليه حجرا عاما ان يتصرف فى ماله بدفع زكاته لأنها فى عين المال. بخلاف زكاة الفطر، لأنها تكون دينا فى الذمة (١). مذهب الإمامية: يمنع المفلس المحجور عليه من كل تصرف مبتدأ فى أعيان أمواله اذا كان هذا التصرف يضر بحقوق الدائنين فلو صادف تصرفه عين ماله فى الحال بالاتلاف بمعاوضة كالبيع والاجارة، أو بغير معاوضة كالهبة والوقف أو بالمنع من الانتفاع كالرهن فانه يبطل سواء كان العوض مثل المعوض أو أزيد أو اقل لأنه ممنوع على وجه سلبت أهليته فيه فكانت عبارته كعبارة الصبى فلا يصح تصرفه حتى وان لحقته الاجازة، وهذا هو المناسب للحجر، فان معنى قول القاضى حجرت عليك منعتك من التصرف ومعناه تعذر وقوع هذه العقود منه. وقيل: يحتمل ان يكون تصرفه هذا موقوفا والوجه فيه انه لا يقل عن التصرف فى مال الغير كالفضولى وحينئذ فلا ينافيه منعه من التصرف المنافى لحق الدائنين فعلى هذا اذا اجازه الدائنون جميعا نفذ وان لم يجيزوه أخر الى ان يقسم ماله بين دائنيه الذين حجر عليهم لاجلهم. وان كان مورد المصرف بالامس الذمة لا عين المال - فانه يصح كما لو اشترى بثمن فى ذمته أو باع سلما أو قترض، وليس للبائع الفسخ وان كان جاهلا لأنه فرط بأقدامه على معاملة من لم يعلم حاله فكان كما بعسره ويسره. وقيل: يشارك الدائنين وقيل: يكون له حق الفسخ ويختص بعين ماله. وقيل: يصبر، اما العالم بأفلاسه فانه يصبر ولا يشارك الدائنين اجماعا. وكذلك لا يمنع المفلس من التصرفات التى تصادف ماله بالاتلاف بعد موته كالوصية لأنها تخرج من الثلث بعد وفاء الدين وعبارة المفلس معتبرة فيما لا يكون مصادفا للمال وقت الحجر، فتصرفه فى ذلك ونحوه جائز اذ لا ضرر على الدائنين فيه. وكذلك لا يمنع من التصرفات التى تصادف المال بالتحصيل كالاحتطاب والاتهاب وقبول الوصية لان فى ذلك كله جلب المال للدائنين فكيف يمنع منه؟ ولا يمنع المفلس ايضا من التصرفات التى لا تصادف المال كالنكاح والطلاق واستيفاء القصاص والعفو عنه. واستلحاق النسب ونفيه والخلع واللعان اما النكاح فلان الصداق اذا كان فى الذمة فلم يصادف التصرف المال الموجود عند الحجر، وأما مؤنة النكاح فسيأتى بيانها فى الانفاق على المفلس، وأما الطلاق واستيفاء القصاص وكذلك استلحاق النسب فلانه ليس تصرفا فى المال وان وجبت المؤنة ضمنا. وكذلك الخلع لأنه اذا صح له الطلاق مجانا كانت صحة الخلع الذى هو فى الحقيقة طلاق بعوض أولى بالجواز. وهذا اذا كان المفلس المحجور عليه رجلا. اما اذا افلست المرأة وحجر عليها فانها. تمنع من مخالعة زوجها على عوض. ولو وهب المديون بشرط العوض ثم أفلس لم يكن له اسقاط العوض عن الموهوب له لأنه مال ثبت له فلا يكون له اسقاطه لأنه تصرف فى المال بالاسقاط فيكون ممنوعا منه. فان كان العوض غير معين فلا يجوز للمفلس ان يأحذ عوضا اقل من قيمة الموهوب. وقيل: يأخذ ما جرت العادة ان يعوض بمثله فليس
следующие страницы →