← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 6651–6690 · переход к 6656.

стр. 6651

مذهب المالكية: يترتب على افلاس الشخص افلاسا خاصا منعه من كل التصرفات التى سبق ذكرها فى تصرفات المفلس قبل الحكم بافلاسه والحجر عليه وهو الافلاس العام، لانه كلما وجد الافلاس الخاص وجد الافلاس العام ولا عكس اذ قد يقوم الدائنون على المديون من غير ان يرفعوا الامر الى القاضى فيمنع المفلس افلاسا خاصا من كل تصرف مالى بيده من مال كبيع وشراء وتأجير واستئجار وزواج ونحوه سواء كان بغبن ومحاباة ام لا فان وقع منه شئ من هذه التصرفات لم يبطل بل يوقف على نظر الدائنين ورأيهم فى حالة اتفاقهم او نظر القاضى ورأيه عند عدم اتفاق الدائنين واختلافهم فى رد وامضاء هذا التصرف منه. وكذلك يمنع من جميع التبرعات كالهبة والصدقة ونحوها بالاولى، لانه يمنع من ذلك بمجرد احاطة الدين بماله قبل الحكم بافلاسه والحجر عليه كما سبق. اما ان التزم المفلس شيئا فى ذمته لغير الدائنين على ان يوفيه من مال يحدث له غير الذى حجر عليه فيه كأن يقترض شيئا فى ذمته او يشترى او يستأجر بشئ فى ذمته الى أجل معلوم فلا يمنع من دفع ما التزمه فى ذمته من المال الحادث له لكن اذا بقى من هذا المال شئ بعد وفاء الدين الذى فى الذمة وكان دين الدائنين باقيا عليه فلهم منعه من التصرف فى هذا المال الباقى حتى يوفيهم دينهم. وان اقر بدين فى ذمته فإنه يقبل منه اذا أقر به لمن لا يتهم عليه فى المجلس الذى حكم بافلاسه او قام الدائنون عليه فيه او قريبا منه عرفا، فيدخل المقر له حينئذ مع الدائنين فى قسمة المال. وذلك بشرط ان يكون الدين الذى حكم بخلع مال المفلس لاجله أو قام الدائنون عليه لاجله قد ثبت باقرار المفلس أيضا واما ان كان ثابتا بالبينة الشرعية فان اقرار المفلس به فى المجلس او قربه لا يقبل ولا يفيد شيئا بالنسبة الى المال الموجود فى يده حتى ولو علم تقدم معاملة بين المقر والمقر له. اما بالنسبة لتعلقه بذمته فيقبل ويفيد فيما تجدد للمفلس من مال بعد الحجر عليه. ويكون من حق المقر له حينئذ ان يقاسم الدائنين فى هذا المال الحادث. وكذلك يتعلق بذمة المفلس ما اقر به من دين لمن لا يتهم عليه بعد مجلس الافلاس بمدة طويلة عرفا او لمن يتهم عليه كابن وأخ وزوج حتى ولو كان الدين الاول الذى فلس بسببه ثابتا باقراره، فلا يدخل المقر له فى قسمة مال المقر المفلس مع الدائنين الا بالنسبة للمال الحادث له بعد الافلاس فقط، وهذا هو المعتمد. وقيل: يقبل اقرار المفلس سواء كانت الديون ثابتة عليه باقرار أو بينة واختاره بعض الشيوخ واستظهره ابن عبد السّلام ولمالك فى الموازية قول ثالث هو: ان من اقر له المفلس ان كان يعلم تقدم مداينة وخلطة بينه وبين المقر حلف المقر له ودخل فى قسمة مال المفلس مع من له بينة بدينه. ويقبل اقرار المفلس افلاسا خاصا أو عاما وتعيينه مال المضاربة الذى تحت يده أو الوديعة بأن يقول: هذا المال مضاربة تحت يدى أو وديعة لفلان وذلك بشرط أن تقوم بينة بأصل ما ذكر بأن تشهد تلك البينة بأن عنده مال مضاربة أو وديعة لفلان أو على اقراره بذلك قبل تفليسه ويقبل منه ذلك سواء كان المتهم عليه م لا، وسواء كان بالمجلس وقربه أم لا على المعتمد، فان لم تقم بينة بأصل ذلك فلا عبرة باقراره ولا تقبل تعيينة ما ذكر سواء كان المفلس صحيحا او مريضا، وكذلك لا يقبل اقراره بذلك ان لم يعين المال بأن قال: لفلان عندى وديعة أو مال مضاربة وهذا كله هو ما ذهب اليه ابن القاسم خلافا لاصبغ حيث قال: يقبل تعيين المفلس لمال المضاربة والوديعة ولو لم تشهد بينة بأصلهما، واختاره اللخمى. والمختار قبول قول الصانع اذا افلس فى تعيين ما بيده لاصحابه بلا بينة بأصله، ويكتفى بقوله: هذا الثوب أو هذا الغزل مثلا لفلان مع يمين المقر له، لان الشأن ان ما بيد الصانع هو امتعة الناس وليس العرف والعادة الاشهاد عليه عند الدفع ولا يعلم صاحبه لا من قوله فيبعد ان يقربه لغير صاحبه. وسواء كان فلان ممن يتهم عليه ام لا، وسواء كان الاقرار بمجلس التفليس وقربة ام لا. ولا يمنع المفلس من تصرف لا يضر بحقوق الدائنين مثل خلع الرجل لزوجته فإنه يجوز وينفذ، لانه قد يأخذ منها ما لا يستعين به على قضاء دينه أو تحط عنه

стр. 6652

دين مهرها أو دينا غيره. وأما المرأة المفلسة فلا يجوز لها أن تخالع زوجها على مال الا اذا كان فى ذمتها من مال يحدث لها غير ما فلست فيه، لأنه تصرف مالى كتزوج الرجل المفلس وهى ممنوعة منه. وكذلك لا يمنع المفلس من طلاق زوجته ولو ادى الى حلول مؤخر مهرها، لأنه يسقط عنه بسبب الطلاق بنفقتها، اما المهر فمن حقها ان تطالب به وتدخل به عند قسمة المال مع الدائنين سواء طلقها زوجها ام لا، فليس الطلاق موجبا لذلك. وكذلك لا يمنع المفلس من ان يتقص ممن وجب له عليه قصاص فله ذلك وليس للدائنين ان يلزموه العفو على مال ومثل القصاص فى النفس جراح العمد التى ليس فيها شئ مقدر. ولا يمنع ايضا من العفو عن قصاص او حد مما لا مال فيه بخلاف الخطأ وجراح العمد الذى فيه مال مقدر، فللدائنين منعه من العفو عن ذلك بدون عوض مالى (١) مذهب الشافعية: اذا حجر على المفلس بطلب او بدونه - تعلق حق الدائنين بماله عينا كان او دينا او منفعة، حتى لا ينفذ تصرفه فيه بما يضرهم. وضابط ذلك انه لا يصح ممن حجر عليه بسبب الافلاس كل تصرف مالى بالنقد منشأ منه ابتداء يفوت على دائنيه شيئا من أعيان ماله فى خلال حياته لا مضافا الى ما بعد موته. فلا يصح بيع المفلس حينئذ ولا شراؤه بالنقد ولو باذن الدائنين ولا هبته ولا وقفة ولا رهنة ولا ابراؤه من دين له ولو مؤجلا، ويبطل تصرفه هذا فى الحال لأنه محجور عليه بحكم القاضى فلا يصح تصرفه بما يخالف المقصود من الحجر. وهذا هو الاظهر وقيل: يوقف تصرفه المذكور فان فضل ذلك عن الدين لارتفاع القيمة او ابراء الدائنين او بعضهم نفذ وإلا لغا. وكذا لو باع ماله كله أو بعضه لدائنيه بدينهم من غير اذن القاضى بطل البيع فى الاصح لأن الحجر يثبت على العموم ومن الجائز أن يكون له دائن آخر. أما باذن القاضى فيصح بشرط أن يقع العقد لجميع الدائنين بلفظ واحد، وأن يكون دينهم من نوع واحد. وقيل: يصح لأن الاصل عدم غيرهم، وقياسا على صحة بيع المرهون للمرتهن. ويستثنى من منع المفلس من الشراء بالنقد ما لو دفع له القاضى مالا لنفقته ونفقة عياله فاشترى به شيئا من النفقة فانه يصح جزما فيما يظهر كما قاله الاذرعى وغيره. وهذا كله فيما اذا تصرف المفلس تصرفا ماليا بالنقد. أما اذا تصرف فى ذمته كما لو باع فى ذمته سلما أو غيره او اشترك او استأجر او اقترض شيئا فى الذمة فالصحيح صحته وعدم منعه منه، ويثبت البيع والثمن ونحوهما فى ذمته لأنه لا ضرر على الدائنين فى ذلك بل فيه نفعهم. وكذلك تصح وصيته اثناء الحجر عليه ولا يمنع منها لتعلقها بما بعد موته فلا ضرر على الدائنين كما يصح نكاح المفلس بمهر فى ذمته، ورجعته وطلاقه والخلع على مال ولو قال ان كان رجلا. أما المرأة المفلسة فان خالعت زوجها على عين من أعيان مالها لم يصح. وان خالعته على دين فى ذمتها صح. كما يصح استلحاقه النسب ونفيه له باللعان، واجازة وصية زادت على الثلث، واستيفاؤه القصاص واسقاطه ولو بدون مال، ولا يلزمه ترك القصاص الواجب له بجناية عليه او على غيره لاجل الارش، وليس للمفلس العفو عن المال الواجب له بجناية، لما فيه من تفويت الحاصل فيمنع منه لمنافاته غرض الحجر. وكذلك ليس له المسامحة بصفة مقصودة مشروطة فى السلم فيه او نحوه عند قبضة له. ويجوز للمفلس ان يرد بالعيب ما كان اشتراه قبل افلاسه والحجر عليه ان كانت المصلحة فى رده بان كان ثمنه اكثر من قيمته او استوى الامران على ما صرح به امام الحرمين، لأن هذا ليس تصرفا مبتدأ بل من أحكام البيع السابق الذى لم يشمله الحجر. والحجر لا ينعطف على ما مضى، ولأن هذا من مصلحته ومصلحة الدائنين ومثل ذلك الاقالة. وكذلك يجوز له الفسخ بالخيار مطلقا، سواء كان الثمن اكثر من القيمة او العكس لعدم استقرار ملكه

стр. 6653

وان اقر المفلس بعين كقوله غصبتها أو استعرتها أو استودعتها قبل الحجر او بعده فانه يقبل منه ذلك فى حقه اتفاقا وفى حق الدائنين ايضا فى أظهر الاقوال، فيأخذ المقر له العين بدون ان يحلف المفلس على المعتمد. وكذلك يقبل اقراره بالدين فى حق الدائنين فى الاظهر ان اسند وجوب الدين الى ما قبل الحجر بمعاملة مثلا وان لم يلزم الا بعد الحجر كبيع مع خيار لأن الضرر فى حقه بالاقرار بالعين أو الدين أكثر منه فى حقهم فتبعد تهمة المواطأة، وعلى هذا لو طلب الدائنون تحليفه على ذلك لم يحلف على الاصح، لأنه لو امتنع لم يفد امتناعه شيئا اذ لا يقبل رجوعه على الصحيح. بخلاف ما اذا طلبوا تحليف المقر له ان المقر المفلس صادق فى اقراره فانهم يجابون ويلزمه ان يحلف بذلك. والفرق بين الانشاء فى التصرفات السابقة من بيع ونحوه حيث يمنع منها وبين اقراره هذا حيث يقبل منه ان مقصود الحجر منع التصرف فالغى انشاؤه اما الاقرار فاخبار والحجر بسبب الافلاس لا يسلب العبارة عن المفلس وقيل: لا يقبل اقراره فى حق الدائنين لئلا تضرهم المزاحمة، ولأنه ربما واطأ المقر له. قال الرويانى فى الحيلة والاختيار فى زماننا الفتوى به لأنا نرى مفلسين يقرون للظلمة حتى يمنعوا اصحاب الحقوق من مطالبتهم وحبسهم أما ان اقر بدين وأسند وجوبه الى ما بعد افلاسه والحجر عليه اسنادا مقيدا بمعاملة او اسنادا مطلقا بان لم يقيده بمعاملة ولا غيرها، أو أسنده الى معاملة ولم يسنده الى ما قبل الحجر ولا الى ما بعده وتعذرت مراجعته فانه لا يقبل فى حق الدائنين فلا يزاحمهم المقر له فى مال المفلس. بل يطالب به بعد فك الحجر، لأنه قصر فى معرفة حال من تعامل معه وان اقر بدين وقال: عن جناية او استهلاك ولو بعد الحجر قيل فى الاصل، فيزاحم المجنى على الدائنين لعدم تقصيره ولا يحلف للمفلس ولا المقر له. ومثل ذلك ما حدث بعد الحجر وتقدم سببه عليه كانهدام بناء اجرة المفلس قبل افلاسه. ولو اقر المفلس بالمال الذى معه لمجهول لم يقبل والدائنين اخذه وكذا اذا اقر به لمعين حاضر فكذبه المقر له لظهور كذبه فى صرف المال عنه وأن أقر به لغائب انتظر قدومه فان صدقه اخذه والا اخذه الدائنون قال الأذرعى: والظاهر ان الطفل ونحوه كالغائب فينتظر والظاهر انه ان صدقه الولى فلا انتظار. ولو شهد شاهد بدين للمفلس وامتنع المفلس من الحلف معه فليس للدائنين ان يحلفوا مع الشاهد اذ ليس لهم اثبات حق المفلس لمصلحتهم بل اذا ثبت تعلق حقهم به. وكذلك ليس لهم ابتداء الدعوى اذا تركها المفلس (١). مذهب الحنابلة: متى حجر على المفلس تعلق حق الدائنين بماله فلا يصح تصرفه فى شئ من ماله فان تصرف فيه ببيع أو هبة أو وقف أو اصداق امرأة مالا له أو صدقه بشئ قليل أو كثير أو نحو ذلك لم يصح لأنه محجور عليه فيه أشبه الراهن يتصرف فى الرهن ولأنه متهم فى ذلك. وهذا اذا كان التصرف متبدأ. اما ان تصرف المفلس تصرفا غير مبتدأ كامضاء ما تصرف فيه قبل الحجر أو فسخ مما اشتراه قبل الحجر لعيب أو لشرط الخيار بتدليس ونحوه فانه يصح لأن ذلك اتمام لتصرف سابق على حجره فلم يمنع منه كاسترداد وديعة له أودعها قبل حجره ولا يتقيد ذلك بكونه فيه مصلحة للمفلس. وان أقر المفلس بدين لم يقبل فى الحال، ويطالب به بعد فك الحجر عنه، سواء اضاف ما اقر به الى ما قبل الحجر أو بعده أو اطلق ولو كان المفلس صانعا تحت يده متاع فأقر به لاصحابه لم يقبل اقراره ايضا لأنه متهم فيه، وتباع العين التى تحت يده حيث لا بينة بها وتقسم بين الدائنين كسائر امواله، وتكون قيمتها واجبة على المفلس لصاحبها اذا قدر عليها بعد فك الحجر عنه، لأنها صرفت فى دينه بسبب من جهته فكانت

стр. 6654

قيمتها عليه كما لو أذن فى ذلك. وان ادعى شخص على المفلس دينا فأنكر فطلب المدعى يمينه فنكل المفلس عنها فقضى عليه بالنكول فحكمه حكم اقراره يلزم فى حقه دون الدائنين، فلا يشاركهم المقر له للتهمة، وانما يطالب به المفلس بعد فك الحجر عنه وكذلك لا يصح بيع المفلس ماله لدائنيه كلهم أو بعضهم ولو بكل الدين، لاحتمال ظهور دائن غيرهم وان تصرف المفلس فى ذمته بشراء أو ضمان أو اقرار أو اصداق ونحوه صح، لأنه اهل للتصرف والحجر يتعلق بماله لا بذمته لكن لا يشارك اصحاب هذه الديون الدائنين له قبل الحجر سواء علم من عامله بعد الحجر بافلاسه ام لا، لأن من علم بافلاسه ثم عامله فقد رضى بالتأخير، ومن لم يعلم فقد فرط فى ذلك فان هذا فى مظنة الشهرة. فعلى هذا يطالب المفلس بهذه الديون بعد فك الحجر عنه، لأنه حق عليه منع تعلقه بماله حق الدائنين السابق عليه، فاذا استوفوا ديونهم فقد زال المعارض. واذا جنى المفلس بعد الحجر عليه جناية وجبت مالا أو قصاصا واختار المجنى عليه أو وليه المال فانه يلزمه ذلك المال فى الحال، فيشارك المجنى عليه أو وليه الدائنين بارش الجناية لأن سبب هذا المال ثبت على المفلس بغير اختيار صاحبه ولم يرض بتأخيره (١). وان كان للمفلس حق له به شاهد واحد وحلف المفلس معه ثبت المال وتعلقت حقوق الدائنين به كسائر امواله فان ابى المفلس ان يحلف مع شاهده لم يجبر على ذلك لاحتمال كذب الشاهد ولم يكن من حق دائنيه ان يحلفوا مع شاهده، لأنهم يثبتون ملكا لغيرهم لتتعلق حقوقهم به بعد ثبوته فلم يجز (٢). وليس للمفلس اسقاط شئ من ثمن مبيع أو أجرة مستأجر ولا قبض ردئ ولا قبض المسلم فيه بدون صفاته الا بأذن الدائنين (٣). مذهب الظاهرية: قال ابن حزم: ان اقر المفلس بدين بعد ان قضى القاضى بماله للدائنين فأنه يلزمه ما أقر به فى ذمته ولم يدخل المقر له مع الدائنين فى مال قد قضى لهم به وملكوه قبل اقراره (٤). مذهب الزيدية: اذا حجر القاضى على المفلس فالمذهب ان تصرفاته بعد ذلك تكون موقوفة وليست باطلة فلا ينفذ منه فيما تناوله الحجر تصرف الا باجازة القاضى الذى حجر عليه أو غيره أو باجازة الدائنين أو بعد فك الحجر عنه بان يقضى الدائنين ديونهم أو يسقط دينهم باى وجه من الوجوه. وعند العترة: يبطل كل تصرف له فيما تناوله الحجر اذ تعلق به حق الدائنين. ولو باع المفلس المحجور عليه شيئا من ماله ليقضى الدائنين أو لحاجته الماسة لنفقته صح ذلك البيع ان كان بدون غبن ومن باع بخيار ثم حجر عليه لافلاسه فقبل: هو على خياره. وقيل: يتعين الاصلح للدائنين من فسخ أو امضاء. وللمحجور عليه لافلاسه ان يشترى بثمن فى ذمته ويصح منه هذا اذ لم يتناول الحجر عليه الا تفويته لما له ويبقى الثمن فى ذمته حتى يفك الحجر عنه وللبائع ان يفسخ لتعذر تسليم الثمن ان جهل افلاسه والحجر عليه لسببه واذا قضى المفلس بعض الدائنين بجميع ماله فان كان بعد الحجر لا يصح. وان كان قبله يصح ولا يأثم الا اذا كان الآخرون قد طالبوه بديونهم. واقرار المفلس كتصرفه - اى موقوف - ولو اضافة الى ما قبل الحجر. ولو اقام المحجور عليه لافلاسه البينة بدين عليه لغائب من قبل الحجر سمعت بينته، لأن له حقا فى دعواه وهو ترك حصته المقر له من ماله، ولا يقال: ان هذه بينة لغير مدعى. وان ادعى المفلس على غيره مالا وله شاهد واحد وامتنع من اليمين معه فوجهان أصحهما ما قاله الامام يحيى: وهو انه لا يصح للدائنين ان يحلفوا مع

стр. 6655

هذا الشاهد لأنهم يثبتون بشهادتهم معه ملكا لغيرهم. ومن ادعى انه اشترى من المفلس المحجور عليه قبل الحجر أو ان المفلس قضاه دينه قبل الحجر وانكر الدائنون ذلك فانه يلزم المشترى والمستوفى دينه اقامة البينة على ذلك، لأن ظاهر الحال يشهد بالمنع ولئلا يؤدى ذلك الى عدم تأثير الحجر لو قلنا بغير ذلك الاحتمال. ولا يجب الحج على المفلس المحجور عليه، لأنه ممنوع من الانتفاع بماله فاشبه مال الغير. ولا يجوز له ان يكفر بالصوم اذا حنث فى يمينه بعد الحجر، لأن المال باق على ملكه ويتوقع فك الحجر عنه بأى وجه من الوجوه لأن المانع شرعى أما ان كان الحنث متقدما على الحجر فان الكفارة تشارك الدين. ويجوز للمفلس حتى ولو كان محجورا عليه حجرا عاما ان يتصرف فى ماله بدفع زكاته لأنها فى عين المال. بخلاف زكاة الفطر، لأنها تكون دينا فى الذمة (١). مذهب الإمامية: يمنع المفلس المحجور عليه من كل تصرف مبتدأ فى أعيان أمواله اذا كان هذا التصرف يضر بحقوق الدائنين فلو صادف تصرفه عين ماله فى الحال بالاتلاف بمعاوضة كالبيع والاجارة، أو بغير معاوضة كالهبة والوقف أو بالمنع من الانتفاع كالرهن فانه يبطل سواء كان العوض مثل المعوض أو أزيد أو اقل لأنه ممنوع على وجه سلبت أهليته فيه فكانت عبارته كعبارة الصبى فلا يصح تصرفه حتى وان لحقته الاجازة، وهذا هو المناسب للحجر، فان معنى قول القاضى حجرت عليك منعتك من التصرف ومعناه تعذر وقوع هذه العقود منه. وقيل: يحتمل ان يكون تصرفه هذا موقوفا والوجه فيه انه لا يقل عن التصرف فى مال الغير كالفضولى وحينئذ فلا ينافيه منعه من التصرف المنافى لحق الدائنين فعلى هذا اذا اجازه الدائنون جميعا نفذ وان لم يجيزوه أخر الى ان يقسم ماله بين دائنيه الذين حجر عليهم لاجلهم. وان كان مورد المصرف بالامس الذمة لا عين المال - فانه يصح كما لو اشترى بثمن فى ذمته أو باع سلما أو قترض، وليس للبائع الفسخ وان كان جاهلا لأنه فرط بأقدامه على معاملة من لم يعلم حاله فكان كما بعسره ويسره. وقيل: يشارك الدائنين وقيل: يكون له حق الفسخ ويختص بعين ماله. وقيل: يصبر، اما العالم بأفلاسه فانه يصبر ولا يشارك الدائنين اجماعا. وكذلك لا يمنع المفلس من التصرفات التى تصادف ماله بالاتلاف بعد موته كالوصية لأنها تخرج من الثلث بعد وفاء الدين وعبارة المفلس معتبرة فيما لا يكون مصادفا للمال وقت الحجر، فتصرفه فى ذلك ونحوه جائز اذ لا ضرر على الدائنين فيه. وكذلك لا يمنع من التصرفات التى تصادف المال بالتحصيل كالاحتطاب والاتهاب وقبول الوصية لان فى ذلك كله جلب المال للدائنين فكيف يمنع منه؟ ولا يمنع المفلس ايضا من التصرفات التى لا تصادف المال كالنكاح والطلاق واستيفاء القصاص والعفو عنه. واستلحاق النسب ونفيه والخلع واللعان اما النكاح فلان الصداق اذا كان فى الذمة فلم يصادف التصرف المال الموجود عند الحجر، وأما مؤنة النكاح فسيأتى بيانها فى الانفاق على المفلس، وأما الطلاق واستيفاء القصاص وكذلك استلحاق النسب فلانه ليس تصرفا فى المال وان وجبت المؤنة ضمنا. وكذلك الخلع لأنه اذا صح له الطلاق مجانا كانت صحة الخلع الذى هو فى الحقيقة طلاق بعوض أولى بالجواز. وهذا اذا كان المفلس المحجور عليه رجلا. اما اذا افلست المرأة وحجر عليها فانها. تمنع من مخالعة زوجها على عوض. ولو وهب المديون بشرط العوض ثم أفلس لم يكن له اسقاط العوض عن الموهوب له لأنه مال ثبت له فلا يكون له اسقاطه لأنه تصرف فى المال بالاسقاط فيكون ممنوعا منه. فان كان العوض غير معين فلا يجوز للمفلس ان يأحذ عوضا اقل من قيمة الموهوب. وقيل: يأخذ ما جرت العادة ان يعوض بمثله فليس

стр. 6656

له ان يرضى بدونه. وقيل: له ان يأخذ ما يرضى به وان قل ولا حق للدائنين فى الاعتراض على ذلك. ولو باع المفلس للدائن ولا دين عليه سواه صح على الاقوى لأن سقوط الدين يسقط الحجر. ولو اشترى بخيار ثم أفلس فى مدة الخيار كان له اجازة البيع وفسخه لأن هذا ليس بابتداء تصرف منه بل هو اثر امر سابق على الحجر، وكذا لو ظهر له عيب فيما اشتراه سابقا فله الفسخ به. والاقوى أنه يجوز له الفسخ بذلك سواء كان فيه مصلحة له ام لا فلا اعتبار لها نظرا الى اصل الحكم وان تخلفت الحكمة وقيل: تعتبر المصلحة فى فسخه لظهور عيب فيما اشتراه دون الخيار لأن الخيار ثابت بأصل العقد على غير جهة المصلحة فلا يتقيد بها بخلاف العيب. ولو أقر المفلس فى حال الافلاس بدين سابق على الحجر لزمه قولا واحدا، لأن الاقرار اخبار عن حق سابق لم يتعلق به الحجر ولم يقتض الحجر سلب أهلية العبارة عن المفلس المحجور عليه فاذا تعلق له غرض ببراءة ذمته بالاقرار وجب قبوله منه وهذا بدون خلاف وانما الخلاف فى نفوذ اقراره ومشاركة المقر له للدائنين. فاختبر نفوذه على الدائنين والمشاركة لهم فى المبسوط والخلاف والشرائع وهو الذى قربه الامام الشهيد بشرط ان يكون المفلس عدلا. وذلك لمساواة الاقرار للبينة ولا تهمة فيه، لأن ضرر الاقرار فى حق المفلس اكثر منه فى حق الدائنين. وفى التحرير - بعد ان اختار النفوذ - قال: وهل يفتقر الى اليمين؟ فيه اشكال -!! واختار عدم النفوذ وعدم المشاركة جماعة لما فى ذلك من التهمة على الدائنين لأن المفلس يريد اسقاط حقهم من المال الموجود وتأخيره بمواطأة بينه وبين المقر له فلا يتحقق الضرر الا عليهم فلا يشاركهم المقر له ويتعلق حقه بذمة المفلس يطالبه بعد ذلك الحجر عنه جمعا بين الحقين. ولو اقر المفلس بدين واسنده الى ما بعد الحجر فان كان قد لزمه باختيار صاحب الدين كالبيع والقرض وغيرهما من المعاملات المتجددة بعد الحجر فانه يكون فى ذمته خاصة ولا يشارك المقر له الدائنين بالاتفاق لأن صاحب الدين رضى بذلك ان علم انه مفلس وان لم يعلم فقد فرط فى ذلك فيلزمه الصبر الى فك الحجر ولا يشارك الدائنين. وان اقر به واسنده الى ما بعد الحجر وقال: انه لزمه باتلاف مال او جناية اى انه لزمه من غير رضا او اختيار من صاحب الدين والمجنى عليه فان فى نفوذه على الدائنين الخلاف السابق. وكذلك يجئ هذا الخلاف فيما اذا اقر المفلس بعين من أعيان الاموال التى بيده لشخص فى حال الافلاس وصدقه فى اقراره لكن هنا مع القبول تسلم العين الى المقر له سواء كان هناك وفاء للدائنين الباقين أم لا. وكذلك لو ادعى اجنبى شراء عين من المفلس قبل الحجر وصدقه فان فى نفوذ ذلك على الدائنين الخلاف السابق سواء كانت العين فى يد المفلس او يد الاجنبى ولا كلام فى نفوذه فى حق المفلس فيجب عليه مثلها أو قيمتها قسمت على الدائنين ولو أقر بان هذا المال الذى فى يده مضاربة لفلان فان كان غائبا كان القول قول المفلس مع يمينه انه الغائب فاذا حلف اقر لمال فى يده للغائب ولا حق للدائنين فيه. وان كان حاضرا فان صدقه ثبت اليه وان كذبه بطل اقراره ووجب قسمته بين الدائنين ولو اقر المفلس بمال واطلق - اى لم يسنده الى ما قبل الحجر والى ما بعده ولا الى اتلاف ولا الى غيره - لم يشارك المقر له الدائنين لاحتمال كون السبب لا يستحق المشاركة ولو ادعى شخص على المفلس مالا فجحده المفلس فان لم تكن للمدعى بينه به كان على المفلس ان يحلف اليمين فان امتنع حلف المدعى وثبت الدين وشارك الدائنين كالاقرار ولو كان للمفلس حق من سلم وغيره لم يكن له قبض ما هو اقل منه صفة او كمية الا برضا الدائنين. ولو اتلف المفلس مالا بعد الحجر عليه ضمنه وشارك صاحب المال مع الدائنين بقيمة المتلف، وكذلك الحكم اذا جنى المفلس جناية على آخر توجب أرشا على المفلس لأنه لم يوجد من كل من صاحب المال المتلف والمجنى عليه تقصير ولا رضا، وانما ثبت حق كل منهما بوجه قهرى فثبت لكل منهما استحقاق المشاركة ويبعد تكليفهما الصبر والانتظار .. لو شهد للمفلس عدل بمال جاز له ان يحلف معه لثبته فيتعلق

стр. 6657

به حق الدائنين فان امتنع من الحلف معه لم يكن للدائنين ان يحلفوا معه (١). مذهب الإباضية: اذا حجر على المديون لافلاسه منع من التصرف فى ماله (٢)، فلا يجوز له تبرع ولا معاملة بغير عوض ولا محاباة الا ما تجرى العادة بفعلة، كما يمنع من مطلق البيع والشراء. وان أقر بعد الحجر عليه بشئ من الدين كان ذلك لازما للمقر له ولم يدخل مع الدائنين الا ان ثبت وصح أن هذا الدين المقر به كان على المفلس قبل أن يحجر عليه فيدخل (٣). وكذلك يمنع المفلس من ابراء الناس من حقوقه المالية عليهم، لعارض حق الدائنين (٤). ومن حجر عليه ماله لافلاسه فليس له ابراء جارحه ولا يبرأ الجارح ان أبرأه. وله العفو عن القصاص، لأن القصاص له لا للدائنين. فاذا عفا عنه رجع للأرش أو الدية وهما مال لا يصح ابراؤه منهما. وان أبرأ الأب نفسه مما عليه لابنه المفلس لم يجز، لأن الدائنين أولى به واذا أبرأ نفسه قبل الحجر فانه يصح ويبرأ (٥). وان تزوج المفلس امرأة بصداق أو جرح رجلا لم تدخل المرأة مع الدائنين بصداقها حتى ولو طلقها اما الجريح فيدخل معهم بأرش جرحه. ولا يجوز للمرأة بعد الحكم بافلاسها أن تخالع زوجها بصداقها، كما لا يجوز لها أيضا أن تبرئ زوجها من صداقها وأما ان فعلت ما تبطل به صداقها فانه يسقط عن الزوج. ويجوز لها أن تتزوج بصداق قليل أو كثير، ولا يكون للدائنين الحق فى طلب ابطال زواجها ان تزوجت بقليل كما لا يملكون مطالبة زوجها باعطائها مهرا كثيرا (٦). ومن باع للمفلس ولم يعلم انه مفلس كان له أن يسترد ما باعه له ان وجده قائما بعينه، ولا يتقاسم معه الدائنون فيه، ويعتبر المفلس بمنزلة السارق. أما ان علم أنه مفلس فانه يكون أسوة الدائنين ولا يكون له سوى ما ينوبه من مال المفلس بحصة دينه وقيل: هو أحق بشيئه الذى باعه. وقيل: لا يأخذ ولا يقاسم مع الدائنين لأنه هو الذى ضيعه وان استفاد المفلس بعد ذلك مالا حكم له بماله (٧). ولا يجوز للمفلس فى القضاء ولا فيما بينه وبين الله أن يعطى لبعض الدائنين دينهم دون البعض حتى ولو كان ما أعطاه له هو ما ينوبه من ماله بحصة دينه (٨). واذا صار المفلس فى حال ضرورة يلزم فيها احباؤه وانقاذه مما يخشى تولد الضرر منه عليه وجبت مبايعته والصدقة عليه، ولا يترك بسوء حال مع القدرة على انقاذه منه (٩). الثانى: مما يترتب على الحكم بافلاس المديون والحجر عليه حلول الدين المؤجل على المفلس أو عدم حلوله: مذهب الحنفية: الحكم بافلاس المديون والحجر عليه لا أثر له بالنسبة للديون المؤجلة عليه قبل حلول أجلها فلا يكون من حق الدائن قبل حلول أجل دينه أن يشارك الدائنين الذين حلت ديونهم فيما فى يد المفلس من مال. ومن أفلس وعنده متاع لرجل ابتاع منه فصاحب المتاع أسوة للدائنين فيه وصورته: رجل اشترى من رجل فلم يؤد ثمنه حتى أفلس وليس له غير هذا الشئ فادعى البائع بأنه أحق من سائر الدائنين وادعى الدائنون تسوية ثمنه فانه يباع ويقسم الثمن بينهم بالحصص ان كانت الديون كلها حالة. وان كان بعضها مؤجلا وبعضها حالا

стр. 6658

يقسم الثمن من الدائنين الذين حلت ديونهم ثم اذا حل الاجل شاركهم أصحاب الديون المؤجلة فيما قبضوا بالحصص (١). (٢) واذا مات الرجل وعليه ديون مؤجلة فانها تحل بموته سواء كان مفلسا أم لا، لأن الدين كان متعلقا بذمته وقد خربت فلم يبق للدين محل معلوم فتعلق بالتركة ومقتضاها الحلول (٣) مذهب المالكية: اذا قضى القاضى بافلاس المديون وحجر عليه لذلك فان الدين المؤجل عليه يحل بهذا الافلاس على المشهور لأن ذمته قد خربت بالنسبة للمال الموجود تحت يده وقت الافلاس من حيث عدم التصرف فيه. واذا كان الدين المؤجل أجرة لدار أو دابه مثلا فانه يحل أيضا بافلاس المستأجر وان لم يستوف شيئا من المنفعة ان ترك المؤجر العين المستأجرة للمفلس الى أن تنته مدة الاجارة ويكون من حق المؤجر حينئذ ان يقاسم الدائنين بقدر أجرة عينه حالا كما يكون من حقه أيضا أن يفسخ العقد ويأخذ عينه المستأجرة ان شاء. وان كان المفلس قد استوفى بعض المنفعة فقط فان المؤجر يكون من حقه أن يقاسم الدائنين بأجرة بعض المنفعة التى استوفاها المفلس ويأخذ حصته منها حالا، ويخير فى الباقى بين ان يفسخ العقد ويسترد عينه. وبين أن يبقيها للمفلس ويقاسم الدائنين بجميع الأجرة المؤجلة سواء ما استوفاه المفلس وما لم يستوفه. ومحل حلول الدين المؤجل بالافلاس ما لم يشترط المديون على الدائن أنه لا يحل عليه الدين اذا أفلس وإلا عمل بشرطه ولو طلب بعض أصحاب الديون المؤجلة بقاء دينه مؤجلة على المفلس كما كان قبل الافلاس والحجر لم يجب الى ذلك لأن للمديون حقا فى تخفيف ذمته بحكم الشرع وأما لو طلب جميع الدائنين بقاء ديونهم مؤجلة كأن لهم ذلك. ولو حكم القاضى بافلاس شخص غائب والحجر عليه وحلول ما عليه من الدين المؤجل ثم قدم المديون موسرا فان الحكم بحلول الدين المؤجل عليه لا ينقص ولا يرد الى الأجل الذى كان مؤجلا. واختار بعض القرويين عدم حلول الدين الذى كان مؤجلا عليه فى هذه الصورة ورده الى الاجل الذى كان مؤجلا له، لأن الغيب كشف خلاف ما حكم به القاضى فصار كحكم تبين خطؤة. قال ابن عبد السّلام: الاول أقرب، وهو ظاهر قول أصبع لأن القاضى حين قضى بافلاسه كان مجوزا لما قد ظهر من اليسار. وأيضا فهو حكم واحد وقد وقع الاتفاق على أن من قبض شيئا من دينه المؤجل لا يرد ذلك اذا قدم الغائب موسرا فكذلك من بقى. وذهب السيورى الى أن الدين المؤجل لا يحل بافلاس المديون مطلقا، سواء كان حاضرا أو غائبا. وقال اللخمى: القياس أنه ان أتى المفلس بكفيل أن يبقى دينه المؤجل لأجله، لأن تعجيله انما هو لخوف ألا يكون له عند حلول الأجل شئ. وهذا كله فى الدين الذى على المفلس. وأما الدين الذى له على آخر فانه الى أجله ولا يحل بالحكم بافلاسه. وان كان المفلس قد شرط أن الدين المؤجل له يحل بافلاسه فالظاهر أنه يعمل بشرطه ويحل وذلك اذا كان الشرط غير واقع فى صلب عقد البيع مثلا فان وقع فى صلب البيع فالظاهر فساد البيع لأنه آل أمره الى البيع بأجل مجهول. وهذا كله مما يترتب على الافلاس الخاص. أما الافلاس العام فلا يحل الدين المؤجل به ولو مع تمكين المفلس للدائنين من بيع ماله وقسمته. ومثل الافلاس فى ذلك الموت على المشهور ومقابله أن الدين المؤجل لا يحل بهما. (٤)

стр. 6659

مذهب الشافعية: الدين المؤجل لا يحل بافلاس ذلك المدين قبل الحجر عليه بلا خلاف وكذلك بعد الحجر عليه بدين حال فى أظهر الاقوال، لأن الأجل مقصود له فلا يفوت عليه وذمة المفلس باقية بحالها لم تخرب بافلاسه بخلاف الموت وقيل: يحل بالحجر عليه لأن الحجر للافلاس يوجب تعلق الدين بالمال فيسقط الأجل كما فى الموت وبناء على الأظهر اذا بيعت أموال المفلس فلا يدخر منها شئ للدين المؤجل فان حل الدين قبل القسمة أو معها التحق بالحالة لعدم خروج المال عن ملك المفلس وقت حلوله. هذا فى الديون المؤجلة على المفلس. أما الديون المؤجلة له على غيره فانهاوان كانت لا تحل أيضا بافلاسه الا أنها تعتبر من الاموال التى يشملها الحجر، فلا يصح من المفلس التصرف فيها بابراء ونحوه (١). مذهب الحنابلة: لا يحل الدين المؤجل بافلاس من عليه هذا الدين رواية واحدة على ما قاله القاضى، لأن الأجل حق للمفلس فلا يسقط بافلاسه كسائر حقوقه بخلاف الموت على الرواية التى توجب حلول الدين المؤجل به، لخراب الذمة بالموت دون الافلاس. وبناء على ذلك فاذا حجر على المفلس فلا يشارك أصحاب الديون المؤجلة أصحاب الديون الحالة، بل يقسم مال المفلس الموجود بين أصحاب الديون الحالة فقط، ويبقى المؤجل فى الذمة إلى وقت حلوله ولا يوقف الدين المؤجل شئ من مال المفلس. ولا يرجع صاحبه على الدائنين بشئ لذا حل دينه لأنه لم يستحق مشاركتهم حال القسمة فلا يستحق الرجوع عليهم بعد ذلك لكن ان حل دينه قبل القسمة شاركهم لمساواته لهم. وان حل دينه بعد قسمة بعض المال شارك فى الباقى من المال بحصة دينه كله. ويقاسم باقى الدائنين معه ببقية ديونهم قال صاحب المحرر فى الفقة: والقول بعدم حلول الدين المؤجل بالافلاس هو المذهب. وذكر أبو الخطاب فى الدين المؤجل على المفلس رواية أخرى أنه يحل بافلاسه لأن الافلاس يتعلق بسببه الدين بالمال فأسقط الأجل كالموت، وبناء على هذه الرواية فصاحب الدين المؤجل كصاحب الدين الحال سواء. وهذا اذا كان الدين المؤجل على المفلس. اما اذا كان له على آخر دين مؤجل فان افلاسه لا يوجب حلوله على هذا المديون الآخر اتفاقا (٢). مذهب الظاهرية: قال ابن حزم: لا يحل الدين المؤجل على المفلس بافلاسه، سواء طلب الدائن ذلك أم لم يطلب لأن من لم يحل أجل حقه فلا حق له بعد. وهذا فيمن أفلس فى حال حياته. أما من مات مفلسا أو غير مفلس فيحل الدين المؤجل عليه أو له لأن الآجال تحل كلها بموت الذى له الحق أو الذى عليه الحق (٣)، لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ﴾ (٤)، فصح أن يموت الإنسان بطل حكمه عن ماله وانتقل إلى ملك الدائنين وعقد الدائنين أو المديونيين فى تأجيل ما لهم أو عليهم انما كان بلا شك بينهم وبين المتوفى اذا كان حيا، وقد انتقل الآن عن ملكه الى ملك غيره فلا يحل للورثة امساك مال دائن ميتهم الا بطيب نفس منه لأن عقده انما كان مع المتوفى فلا يلزمه أن يبقى ماله بأيدى ورثة لم يعاملهم قط، كما لا يحل للمديونين استيفاء شئ من مال الورثة والموصى لهم بغير طيب أنفسهم فبطل حكم التأجيل فى ذلك ووجب للورثة والموصى لهم أخذ حقوقهم (٥) مذهب الزيدية: لو حجر على المفلس لأجل ديون حالة وعليه ديون

стр. 6660

مؤجلة فالمذهب أن الديون المؤجلة عليه لا تحل بالحجر عليه. كما لا تحل بموته لأنه لا وجه لسقوط الأجل. لكن إذا قسم مال المفلس عزل نصيب أصحاب الديون المؤجلة الى وقت حلولها ثم يدفع لهم، ولا يمكن منها من عليه الدين. وانما كان كذلك لأن الدين المؤجل قد دخل ضمنا فى الحجر فكان كالحال، ولا ستوائهم جميعا فى تعلق حقهم بذمته، وسواء فى ذلك الموت والحجر بسبب الافلاس. واذا رأى القاضى مصلحة فى قضاء أصحاب الديون المؤجلة فله ذلك، وقد ذكر معنى ذلك فى السحولى قال: «ويكون تسليمه الى الدائنين أو تبقيته الى حلول الأجل خاضعا لنظر القاضى فى الأصح» وخالف فى هذا الفقية يحيى بالنسبة للافلاس حال الحياة فقال: يقسم مال المفلس على اصحاب الديون الحالة فقط، ولا يعزل للدين المؤجل شئ بل يبقى فى ذمة المفلس الى وقت حلولة، بخلاف ما اذا مات فانه يعزل للدين المؤجل حصته على ما ذكر، لأن الميت لا ذمة له. واذا أسقط المديون المفلس حقه فى التأجيل سقط وحل الدين لأن التأجيل تأخير مطالبة لا صفة (١) ولا يطالب المديون بدين مؤجل قبل حلول الأجل ولا كفيل ولو أراد سفرا (٢). مذهب الإمامية: اذا حجر القاضى على المفلس لافلاسه بالديون الحالة فلا تحل الديون المؤجلة عليه بذلك على الأصح، لأن المقصود من التأجيل التخفيف ليكتسب فى مدة الأجل، ولأنه، دين مؤجل على حى فلا يحل قبل أجله كغير المفلس. وتقسم أموال المفلس - بناء على ذلك - أصحاب الديون الحالة، ولا يدخر شئ لاصحاب الديون المؤجلة التى لم تحل حالة القسمة حتى ولو كان فى الديون المؤجلة ثمن مبيع قائم عند المفلس فلا حق لصاحبه فيه بل يقسم على باقى الدائنين. ولا يستمر الحجر على المفلس بعد القسمة لاصحاب الديون المؤجلة. فاذا حل الاجل بعد فك الحجر عنه ابتدئ الحجر عليه ان كان فى يده شئ لا يفى بما عليه. ولو حل الدين المؤجل بعد قسمة بعض مال المفلس فان صاحبه يشارك الدائنين فى الباقى من مال المفلس فيأخذ منه بنسبة دينه كله، ويأخذ باقى الدائنين منه بنسبة بقية ديونهم. وهذا كله فى الافلاس حال حياة المفلس أما اذا مات المديون بديون مؤجلة فانها تحل عليه اتفاقا. سواء كان محجورا عليه لافلاسه أم لا، وسواء وثق الورثة الدائن برهن ونحوه أم لا. وسواء فى ذلك مال السلم والدية المؤجلة والفرق هو تضرر ورثة البيت ان منعوا من التصرف فى التركة الى أن يحل الدين المؤجل عليه وتضرر صاحب الدين ان لم يمنع الورثة من ذلك. ولأن الميت لا يتوقع منه الاكتساب فضلا عن أن ذمته قد بطلت تماما بخلاف المفلس فان ذمته باقية. وقال ابن الجنيد: تحل الديون المؤجلة على المفلس الحى أيضا بالحجر عليه قياسا على الميت، وهو ضعيف لما ذكر من الفرق بينهما. وكذلك لا يحل الدين المؤجل الذى يكون للمفلس على غيره بافلاسه هذا والحجر عليه على الأقوى. وقال ابن الجنيد: يحل أيضا. أما اذا مات المديون ولو مفلسا وله ديون مؤجلة على آخرين فانها لا تحل بالاجماع (٣). مذهب الإباضية: قال صاحب المنهاج: أجمعوا على أن الدين المؤجل لا يحل بالافلاس. قال صاحب شرح النيل: وقوله وذا مصروف إلى غير الموت فيحل الدين المؤجل به (٤)

стр. 6661

الثالث: مما يترتب على الحكم بافلاس المديون والحجر عليه بيع مال المفلس وقسمة ثمنه بين الدائنين وما يتبع ذلك: مذهب الحنفية: اتفق الحنفية على أنه ان كان مال المفلس دراهم ودينه دراهم فالقاضى أن يقضى الدين منها بغير أمره وكذا لو كان كلاهما دنانير، لأنه يجوز للدائن اذا وجد جنس حقه أن يأخذه بغير رضى المديون فدفع للقاضى أولى. وان كان دينه دراهم وماله دنانير أو العكس فللقاضى أن يبيع أحدهما بالآخر ويقضى بها دين المفلس بدون أمره أيضا بالاتفاق، أما عند الصاحبين فظاهر، لأنه يجوز عندهما الحكم بافلاسه والحجر عليه. أما عند أبى حنيفة فيجوز هذا استحسانا ووجهه أنهما متحدان جنسا فى الثمنية والمالية، ولهذا يضم أحدهما الى الآخر فى الزكاة أما ان كان مال المفلس عروضا أو عقارا فعند أبى حنيفة: لا يجوز للقاضى ان يبيع عليه شيئا من ذلك لأن البيع لا يجوز الا بالتراضى بالنص، وهو قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ﴾ «ولم يوجد الرضا فكان فعل القاضى باطلا. ولما روى عن أنس أن النبى ﷺ قال: «لا يحل مال امرئ مسلم الا بطيب نفسه» ونفسه لا تطيب بفعل القاضى بغير رضاه. ولكن يحبسه حتى يبيعه المفلس بنفسه فى دينه لأن قضاء الدين واجب عليه والمماطلة ظلم فيحبسه القاضى دفعا لظلمه وايصالا للحق الى مستحقه. وقال أبو يوسف ومحمد: يبيع القاضى كل ذلك جبرا على المحجور عليه بسبب الدين ان امتنع من بيعه بنفسه ويقسم ثمنه بين الدائنين بالحصص على قدر ديونهم لأن البيع واجب عليه لايفاء دينه حتى يحبس لاجله فاذا امتنع ناب القاضى منابه وقولهما هو الذى عليه الفتوى كما سبق فى الحجر على المفلس ومال المفلس الذى يباح جبرا عليه - عندهما يشمل المرهون والمؤجر والمعار وكل ما هو ملك له. ويبدأ القاضى ببيع النقود، لأنها معدة للتقلب، ولا ينتفع بعينها فيكون بيعها أهون على المديون. فان بقى شئ من الدين باع العروض لأنها قد تعد للتقلب والاسترباح فلا يلحقه كبير ضرر فى بيعها فان لم يف ثمنها بالدين باع العقار، لأن العقار يعد للاقتناء فيلحقه ضرر ببيعه فلا يبيعه الا عند الضرورة. وهذا احدى الروايتين عنهما. وقال بعضهم: يبدأ القاضى ببيع ما يخشى عليه الهلاك أو التلف من عروضه ثم ما لا يخشى عليه التلف منه، ثم يبيع العقار. فالحاصل: أن القاضى نصب ناظرا فينبغى أن ينظر الى المديون كما ينظر الى الدائن فيبيع ما كان انظر وأفضل له، وبيع ما يخشى عليه التلف انظر له. ويترك له القاضى من ثياب بدنه بدلة واحدة ويباع الباقى لأن بها كفايته وقيل: يترك له بدلتين، لأنه اذا غسل ثيابه لا بد له من ملبس آخر. وقال البعض: اذا كان المفلس يكتفى بدون البدلة فان القاضى يبيعها ويقضى الدين ببعض ثمنها ويشترى بما بقى ثوبا يلبسه لأن ذلك للتجمل وقضاء الدين فرض عليه ويبيع القاضى على المفلس كل ما لا يحتاج اليه فى الحال ففى الشتاء مثلا يبيع عليه ملابس الصيف وكذا العكس وعلى هذا القياس اذا كان للمفلس مسكن ويمكن له أن يجتزئ بدون ذلك فان القاضى يبيع ذلك المسكن ويصرف بعض الثمن الى الدائنين ويشترى بالباقى مسكنا ليبيت فيه. ونقل ابن عابدين عن حاشية المدنى أنه لو كان عند المفلس عقارات وقف سلطانى زائدة على سكناه أو صدقات فى الدفاتر السلطانية فلا يؤمر ببيعها كما أفتى به غير واحد من العلماء وقال: أى لا يؤمر بالفراغ عنها اذ لا يجوز بيعها (١). مذهب المالكية: يجب على القاضى اذا حكم بافلاس المديون ان يبيع ماله ان خالف جنس دينه او صفته مثل العقار

стр. 6662

والعروض والمثليات، وذلك بعد ان يثبت كل دائن دينه، وبعد اعذار القاضى للمفلس فى كل بينة وبعد اعذار كل واحد من الدائنين فى بينة صاحبه وبعد حلف كل دائن انه لم يقبض شيئا من دينه ولا اسقطه ولا احال به وانه باق فى ذمة المفلس الى الآن. ومال المفلس الذى يباع جبرا عليه يشمل ايضا الدين الذى له على الغير كما نص عليه ابن رشد واختار الا ان يتفق الدائنون على ابقائه حتى يقبض. وقيل: لا يباع ويبقى على حاله. ويشمل ايضا كتبه ولو كان محتاجا لمراجعتها والمطالعة فيها فى الظاهر، لان هذا امر جبرى وشأن العلم ان يحفظ فى الصدور. وكذلك يباع على المفلس ثياب جمعته وعيده ان كثرت قيمتها عرفا بالنسبة له ويشترى له دونها قيمة. أما ثياب جسده التى لا بد منها فلا تباع عليه كما أن دار سكناه تباع عليه ان كان فيها فضل ويشترى له دار تكفيه فان كان لا فضل فيها فلاتباع. واذا كان المفلس من أرباب الصنائع فتباع عليه آلة صنعته اذا كان غير محتاج لها من غير خلاف. وكذلك تباع عليه بدون خلاف اذا كانت قيمتها كثيرة سواء كان محتاجا لها أم لا أما ان كان محتاجا لها وهى قليلة القيمة فالراجح انها تباع عليه ايضا. وقيل: لاتباع ويعجل القاضى ببيع ما يخشى فساده أو تغيره عن حالته التى هو بها أو كساده لو تأخر بيعه مثل الفواكه واللحم ونحوهما فلا يستأنى بها الا ساعة من الزمان. وأما يسير العروض كدلو وسوط وحبل فيباع من حينه بدون انتظار ثم بعد ذلك يعجل ببيع الحيوان بعد ان ينتظر مدة يسيرة كثلاثة ايام طلبا لزيادة ثمنه لأن الحيوان سريع التغير ويحتاج الى مؤنة وفى ذلك نقص لمال الدائنين. وأما العقار والعروض التى لا يخشى فسادها ولا تغيرها فانه لا يتعجل ببيعها بل يجب عليه ان ينتظر بالمناداة عليها شهرين وما قاربهما ثم تباع بعد ذلك مراعاة لحال المفلس، لأن العقار لا يخشى عليه التغير ولا يحتاج الى مؤنة وكلفة فان باع القاضى بغير انتظار فالمفلس يخير حينئذ بين امضاء البيع وبين رده، ولا يضمن القاضى الزيادة التى حدثت فى ثمن سلع المفلس حيث باعها بدون انتظار اذا امضى المفلس بيع القاضى لأن الزيادة غير محققة وقت بيع القاضى والذمة لا تلزم الا بأمر محقق. ويستحب ان يكون البيع بحضور المفلس لانه أقطع لحجته. ويكون البيع مع الاستقصاء فى الثمن وعدم وجود من يزيد فيه ومع الخيار فيه للقاضى ثلاثة ايام فى كل سلعة سواء كانت حيوانا أو عروضا أو عقارا وان لم يشترط ذلك فى العقد، وذلك لطلب الزيادة فى الثمن خلالها فان زاد احد فى تلك المدة على ثمن المشترى الاول رد القاضى بيع الاول وباع لهذا الثانى. ثم ان بيع القاضى بالخيار هذا وان كان غير لازم من جهته فهو لازم من جهة المشترى ولذا تلزم منه حفظ البيع ونفقته واذا ضاع من ضمنه. ولا يجوز للقاضى ترك هذا الخيار. فان باع بغير خيار - بأن اشترط البت والقطع فلكل من الدائنين والمفلس رده، لضررهم بذلك. ويستثنى من خيار القاضى هذا ما ذكر من السلع التى يعجل ببيعها خشية فسادها ويسير العروض فهذه لا خيار فيها. ثم بعد البيع يقسم القاضى مال المفلس المجتمع من اثمان ما بيع عليه ومن نقد ان كان. بنسبة مال المفلس لجملة الديون وبتلك النسبة يأخذ كل دائن من دينه فمثلا لو كان جميع مال المفلس عشرين دينارا وجميع الديون أربعون فنسبة العشرين الى الاربعين النصف فيأخذ كل واحد من الدائنين نصف دينه. ولا يشترط لهذه القسمة ان يقيم دائنو المفلس بينة تثبت انه لا دائن سواهم لأن الديون يقصد اخفاؤها غالبا فيكون اثبات حصر الدائنين متعذرا. ويقسم القاضى مال المفلس فورا بدون انتظار الا اذا كان المفلس غائبا غيبة بعيدة وكان يخشى ان يكون عليه دين لغير هؤلاء الدائنين فانه يجب عليه ان ينتظر بالقسمة مدة من الزمن يقدرها باجتهاده. أما ان لم يخش ذلك فحكمه حكم الحاضر. واذا كان على المفلس ديون مختلفة لاحد دائنيه مائة درهم ولأحدهم عرض ولأحدهم طعام مثلا فان ما خالف النقد من مقوم ومثلى يقوم يوم قسمة المال فاذا كانت قيمة الطعام مائة درهم وقيمة العرض كذلك ومال

стр. 6663

المفلس مائة فانها تقسم بين الدائنين اثلاثا فيأخذ صاحب النقد حصته ويشترى لصاحب العرض بحصته عرضا من جنس دينه وصفته، ولصاحب الطعام كذلك فان وفت نصف دينه فالامر ظاهر وان وفت دينه كله لحصول رخص فى العروض أو الطعام فاز به وصار لا شئ له قبل المفلس. وان وفت اقل من منابه فى القسمة لحصول غلاء فيها تقرر له ما بقى فى ذمة المفلس. وهذا كله عند المشاحة والاختلاف أما عند التراضى فانه يجوز له اخذ الثمن نقدا دون ان يشترى له طعاما أو عروضا ما لم يمنع من ذلك مانع شرعى كما لو كان الدين ذهبا ونابه فى القسمة فضة أو بالعكس فلا يجوز للدائن اخذ ما نابه لأنه يؤدى الى بيع وصرف متأخر فيتعين الشراء له من جنس دينه. هذا اذا كان مال المفلس نقدا. واما لو كان الدين كله عروضا موافقة لمال المفلس فى النوع والصفة فلا حاجة للتقوم بل يتقاسمون بنسبة عرض كل واحد منهم لمجموع العروض. وزوجة المفلس تدخل فى قسمة ماله بين الدائنين بصداقها كله ولو مؤجلا سواء حكم بافلاسه بعد الدخول أو قبله لأنه دين فى ذمته حل بافلاسه فان اخذت حصتها ثم طلقها قبل الدخول بها لزمها ان ترد ما زاد على حصته نصف صداقها، ولا دخول لها مع الدائنين فى قسمة ما ردته على الظاهر. ولو طلقها قبل الدخول والقسمة فانها تقاسم مع الدائنين بنصف صداقها. وكذلك تقاسم الدائنين بما انفقته على نفسها بشرط ان يكون زوجها موسرا حين نفاقها وسواء كان ما انفقته على نفسها من مالها أو اقترضته وسواء كان الدين الذى حكم بافلاسه او قام الدائنون عليه لأجله قبل الأنفاق أو بعده وسواء كانت تلك النفقة محكوما بها ام لا. اما ان انفقت فى حالة اعساره فلا يكون لها ان تقاسمهم مطلقا لأن نفقتها تسقط باعساره (انظر مصطلح اعسار) وكذلك لا تقاسمهم بما انفقته على ولدها من زوجها المفلس الا بشرطين: ان يكون انفاقها فى حال يسار الاب وان يكون قد حكم بها قاض، فانها حينئذ تقاسمهم. كما لا تقاسمهم بما انفقته على أبوى زوجها المفلس الا بالشرطين المذكورين فى نفقة الولد مع زيادة شرط ثالث: وهو أن تكون الزوجة قد استدانت تلك النفقة. وان شهد شاهد واحد بحق للمفلس على شخص وامتنع المفلس من حلف اليمين المكملة للحجة مع الشاهد فان الدائنين ينزلون حينئذ منزلة المفلس ويحلفون مع الشاهد على ذلك الحق كما كان المفلس يحلف فيحلف كل واحد منهم ان ما شهد به الشاهد خق، لحلول كل منهم محل المفلس. فان حلفوا كلهم تقاسموا ذلك الحق وان نكلوا كلهم فلا شئ لهم منه. وان حلف بعضهم فلا يأخذ الحالف سوى حصته التى أوجبتها له القسمة فقط من ذلك الحق مع حلفه على الجميع على الاصح وهو المشهور أما من نكل فلا شئ له. وقال ابن عبد الحكم: يأخذ الحالف جميع دينه من ذلك الحق ان نكل غيره لا نصيبه من القسمة فقط. وبناء على الاصح يسقط حق الناكل من الدائنين ان حلف المدعى عليه بنفى حق المفلس عليه. فان امتنع من الحلف غرم بقية ما عليه ويقسم على جميع الدائنين من حلف ومن لم يحلف فيأخذ الحالف حصته بالحلف وحصة بالقسمة مع الناكلين على الظاهر. ولو طلب من نكل الدائنين العود الى حلف اليمين فالمعتمد انه لا يمكن منها، سواء طلب ذلك قبل حلف المدعى عليه بنفى حق المفلس عليه أم بعد حلفه. ولا يتوقف قسمة مال المفلس بين الدائنين على حضورهم جميعا بل يقسم ماله حتى ولو غاب بعضهم ويكون القاضى أو نائبه حينئذ وكيله عن الدائن الغائب فيعزل نصيبه الى قدومه. فان تلف هذا النصيب او ضاع بعد عزله فضمانه من الدائن الغائب اتفاقا، لأن القاضى أو نائبه امين لا ضمان عليه الا اذا فرط. ومحل ذلك اذا كان ذلك النصيب المعزول من جنس دينه. فان لم يكن من جنس دينه بل عزله القاضى ليشترى له به من جنس دينه فضاع فضمانه من المفلس وكذلك يكون ضمانه من المفلس ان عزله الدائنون لا القاضى فضاع ويكون فى ذمته فيطالب به حين يوسر. واذا جمع القاضى مال المفلس ليقسمه على دائنيه فتلف ذلك المال او ضاع

стр. 6664

قبل دفعه لهم فالمشهور انه ان كان نقدا فضمانه من الدائنين، لتفريطهم فى قسمته، اذ لا كلفة فى قسمته لانه مهيا لذلك واما ان كان غير نقد كالعروض والحيوان والطعام وجمعه القاضى ليعطى للدائنين ان وافق دينهم أو ليباع ويعطى ثمنه لهم ان خالفه فضاع او تلف قبل دفعه لهم أو قبل بيعه فضمانه من المفلس لا من الدائنين لأن العرض ونحوه معد للنماء ولما كان للمفلس نماؤه كان عليه هلاكه وهذا هو الراجح. وقال ابن رشد: اذا كان هذا العرض ونحوه موافقا فضمانه من الدائنين لا من المفلس (١) مذهب الشافعية: بعد الحجر على المفلس بسبب افلاسه يستحب للقاضى أو نائبه ان يبادر ببيع مال المفلس بقدر الحاجة لئلا يطول زمن الحجر عليه او حبسه إن حبس. لكن لا يجوز له أن يبالغ فى الاستعجال لئلا يطمع فيه بثمن بخس ويبيع القاضى بنفسه أو نائبه لمال المفلس شرط فى صحة البيع، فليس لغيره البيع حتى ولو كان محكما عند من قال بجواز حجر المحكم على المفلس. والمراد بالقاضى هنا ايضا هو قاضى بلد المفلس كما سبق فى الحجر على المفلس لأن الولاية له على مال المفلس حتى ولو كان المال ببلد اخر تبعا للمفلس ويستحب ان يكون البيع بحضور المفلس والدائنين أو وكيلهم لأن ذلك انفى للتهمة وأطيب للقلوب وليبين المفلس ما فى ماله من العيوب فلا يرد. ومن الصفات المطلوبة فتكثر الرغبات ولأن الدائنين قد يزيدون فى ثمن السلعة. والاولى ان يتولى المفلس أو وكيله بيع المال باذن القاضى ليقع الاشهاد عليه. ويكتفى فى بيع مال المفلس منه أو من القاضى بوضع اليد، ولا يحتاج الى بينة تثبت ان المال ملك له على المعتمد وبيع القاضى هذا ليس حكما بأن المال ملك للمفلس على المعتمد. ويقدم بيع ما يسرع اليه الفساد كالفاكهة لئلا يضيع، ثم ما تعلق به حق كمرهون لتعجيل حق مستحقه ثم الحيوان لاحتياجه للنفقة وتعرضه للتلف، ثم النقولات لخوف ضياعها ويقدم الملبوس منه على النحاس ونحوه. ثم العقار لأنه يؤمن عليه التلف والسرقة ويشهد بيعه، ويقدم البناء على الارض قال الاذرعى: والظاهر ان الترتيب يستحب فيما عدا ما يخشى فساده أو نهبه أو استلاء نحو ظالم عليه فيجب وقد تقتضى المصلحة تقديم العقار ونحوه على غيره عند الخوف عليه مما ذكر فالأحسن اذا هو تفويض الامر فى ذلك الى اجتهاد القاضى وعليه بذل الوسع فيما يراه الاصلح. ويستحب للقاضى ان يبيع كل شئ فى سوقه لأن الرغبة فيه اكثر والتهمة فيه ابعد. ومحل ذلك اذا لم يكن فى نقله مؤنة كبيرة فان كانت ورأى القاضى المصلحة فى استدعاء المشترين اليه فعل وهذا اذا لم يتعلق بالسوق غرض معتبر للمفلس والا وجب حتى ولو كان فى النقل مؤنة كبيرة وكذلك لو ظن القاضى زيادة الثمن فى غير سوقه وجب ان يفعل ذلك كما يجب على القاضى ان يبيع مال المفلس بثمن مثله فاكثر وان يكون الثمن حالا من نقد البلد لأن التصرف لغيره فوجب فيه رعاية المصلحة. فان خالف فى شئ مما يجب لم يصح البيع الا اذا رضى المفلس والدائنون بشئ من ذلك ولو دون ثمن المثل فانه يجوز ولو باع القاضى مال المفلس بثمن مثله ثم ظهر راغب بزيادة وجب القبول فى المجلس وفسخ البيع فان لم يقبل فسخ القاضى عليه. ولو تعذر من يشترى مال المفلس بثمن مثله من نقد البلد وجب الصبر. ولا يجوز للقاضى أو نائبه ان يسلم البيع من مال المفلس قبل قبض ثمنه احتياطا ولو مع وجود ضامن ثقة أو رهن فان فعل ذلك ضمن المبيع بقيمته إن تلف وقيل يضمن الثمن وقيل: يضمن اقل الامرين. ويستثنى من ذلك - عند الاذرعى ما لو باع شيئا من مال المفلس لاحد الدائنين له وعلم أنه يحصل له عند القسمة مثل الثمن الذى اشتراه به اخر أكثر فإنه يجوز للقاضى ان

стр. 6665

يسلمه له قبل قبض الثمن، ويبقى الثمن فى ذمته بدلا من أخذه وإعادته إليه. ويبيع القاضى على المفلس كل ماله حتى ولو كان مركوبا أو فراشا أو كتبا أو مسكنا محتاجا اليه لمنصبه أو لغيره فى الاصح لأنه يسهل تحصيل هذه الاشياء بأجرة من كسبه أو من بيت المال فان تعذر فعلى مياسير المسلمين مواساة لا قرضا. وكذلك تباع على المفلس آلات حرفته ان كان محترفا، ورأس مال تجارة وان توقف الكسب عليهما على المعتمد. ويترك للمفلس من الثياب كسوة كاملة ولو غير جديدة بشرط ان يبقى فيها نفع عرفا فيما يظهر. وان تكون مما تليق به حال الافلاس وان كان من عادته ان يلبس فوق ما يليق به. ولو كان يلبس قبل الافلاس دون اللائق به تقتيرا لم يزد عليه. ويترك له هذا ان وجد ضمن ماله فان لم يوجد اشتراه له القاضى لأن الحاجة الى الكسوة كالحاجة الى النفقة، ويترك لعياله من الثياب كما يترك له. وكذلك يتسامح للمفلس فى الفراش القليل القيمة كحصير وليد، وكذلك آلة الاكل والشرب التافهة القيمة ويترك للعالم المفلس كتبه ما لم يستغن بغيرها من كتب الوقف اما المصحف فلا يترك للمفلس الا اذا كان بمحل لا حافظ فيه للقرآن كما يترك قوت يوم القسمة للمفلس ولمن تلزمه نفقته لأنه موسر فى أوله بخلاف ما بعده لعدم ضبطه ولأن حقوقهم لم تجب فيما بعده اصلا واذا قبض القاضى شيئا من اثمان اموال المفلس فانه يستحب له ان يقسم ما قبضه منها على التدريج بين الدائنين بنسبة ديونهم لتبرأ منه ذمته ويصل الحق الى مستحقه. وهذا الاستحباب ان لم يطلب الدائنون قسمته اما ان طلبوا ذلك كلهم أو واحد منهم فانها تجب عليه الا ان يعسر قسم ما حصل من المال بينهم لقلته وكثرة الدائنين فللقاضى ان يؤخر القسمة ليجتمع ما تسهل قسمته وان ابى الدائنون. ولا يكلف الدائنون عند القسمة الاثبات بان لا دائن سواهم لاشهار الحجر، فلو كان ثم دائن لظهر ولأن وجود دائن اخر لا يمنع الاستحقاق من أصله ولا يتحتم مزاحمته لجواز ابرائه المفلس من دينه وان كان النقد الذى بيع به مال المفلس من غير جنس دين الدائن أو من غير نوعه أو صفته ولم يرض الدائن الا بجنس حقه أو نوعه أو صفته اشترى له القاضى ذلك وجوبا، لأنه واجبه وان رضى بذلك جاز صرف النقد اليه الا فى السلم ونحوه من كل ما يمتنع الاعتياض عنه كبيع فى الذمة فلا يجوز صرفه اليه وان رضى لامتناع الاعتياض عن المسلم فيه ونحوه قبل قبضه. ولو رضى الدائنون المتصرفون لأنفسهم بأخذ اعيان مال المفلس فى ديونهم من غير بيع جاز. ولو غاب دائن وعرف قدر حقه قسم عليه. وان لم يعرف ولم تمكن مراجعته ولا حضوره رجع فى قدره الى المفلس فان حضر الدائن الغائب وظهر له زيادة فهو كظهور دائن بعد القسمة وسيأتى تفصيله وان امكنت مراجعته وجب الارسال اليه. ومؤنة المال كأجرة الكيال والحمال والقاسم والبيت الذى فيه المال مقدمة على سائر الدائنين ان عدم متبرع بها ولم يتسع بيت المال لها، والا فلا يصرف اليها من مال المفلس شئ. واذا تأخرت قسمة ما قبضه القاضى فالأولى الا يجعله عنده للتهمة بل يقرضه أمينا موسرا يرتضيه الدائنون غير مماطل، ولا يكلف رهنا لأنه انما قبله لمصلحة المفلس فان لم يوجد أودعه القاضى عند ثقة يرضاه الدائنون .. فان اختلفوا فيمن يوضع عنده أو عينوا غير ثقة فمن رأه القاضى من العدول أولى واذا تلف المال عنده فمن ضمان المفلس ولو بعد مماته لا من ضمان الحاكم أو المودع. ولو تلف بيد القاضى ما افرز للدائن الغائب بعد اخذ الحاضر حصته أو أفرازها فعلى القاضى: ان الغائب لا يزاحم من قبض أى فيبقى دينه فى ذمة المفلس. واذا استحق شئ مما باعه القاضى أو امينه على المفلس قبل القسمة أو بعدها والثمن المقبوض غير باق قدم المشترى ببدله على الدائنين ولا يقاسم معهم على الاصح لئلا يرغب الناس عن شراء مال المفلس فكان التقديم من مصالح الحجر وليس القاضى ولا أمينه طريقا فى الضمان لأنه نائب الشرع (١)

стр. 6666

مذهب الحنابلة: اذا حجر على المفلس بسبب افلاسه وجب على القاضى أن يبيع ماله لما ذكر عن حديث معاذ، ولأن هذا هو مقصود الحجر ومحل وجوب ذلك ان كان مال المفلس من غير جنس الديون. أما إن كانت ديون الدائنين من جنس الأثمان فإنهم يأخذون الأثمان إن وجدت فى مال المفلس. ولا يحتاج القاضى الى استئذان المفلس فى البيع لأنه محجور عليه يحتاج الى قضاء دينه فجاز بيع ماله بغير اذنه. لكن يستحب للقاضى احضار المفلس أو وكيله وقت البيع لفوائد. منها احصاء ثمن متاعه وضبطه. ومنها أنه أعرف بثمن متاعه وجيده ورديئه. فإذا حضر تكلم عليه وعرف الغبن من غيره ومنها ان الرغبة تكثر فيه فان شراءه من صاحبه أحب الى المشترين. ومنها أن تلك أطيب لنفسه. وكذلك يستحب له أيضا احضار الدائنين عند البيع، لأن مال المفلس يباع لهم وربما رغبوا فى شئ من مال المفلس فيكون أصلح لهم وللمفلس وأنه أطيب لقلوبهم وأبعد عن التهمة. وربما يجد أحدهم عين ماله فيأخذها. فإن لم يفعل القاضى ذلك وباع مال المفلس من غير حضوره ولا حضور الدائنين فانه يجوز لأن ذلك مفوض اليه وموكول الى اجتهاده فربما أذاه اجتهاده الى خلاف ذلك والمبادرة الى البيع قبل احضارهم. ويأمر القاضى كلا من المفلس والدائنين أن يقيموا مناديا ينادى على المتاع لأنه مصلحة فان تراضوا بثقة أمضاه القاضى وان لم يكن ثقة رده. وان اختار المفلس رجلا واختار الدائنون آخر أقر القاضى الثقة منهما. فان كان كل منهما ثقة قدم القاضى المتطوع منهما لأنه أوفر فان كانا متطوعين ضم القاضى أحدهما الى الآخر ويستحب للقاضى أو أمينه أن يبيع كل شئ فى سوقه لأنه أحوط وأكثر لطلابه ومعرفة قيمته ويجوز بيعه فى غير سوقه لأن الغرض تحصيل الثمن وربما أدى الإجتهاد الى أن ذلك أصلح من بيعه فى سوقه بشرط أن يبيعه بثمن مثله المستقر وقت البيع أو أكثر منه فلا اعتبار بحال الشراء. فان باعه القاضى بدون ثمن المثل لم يجزه ويبيعه بنقد البلد لأنه أصلح فان كان فى البلد نقود متعددة باعه بأغلبها رواجا فإن تساوت باعه بجنس الدين وان زاد فى ثمن السلعة أحد بعد بيعها فى مدة الخيار لزم القاضى أو أمينه الفسخ لأنه أمكنه بيعه بثمين فلم يجز بيعه بدونه كما لو زيد فيه قبل البيع. وان زيد فى السلعة بعد لزوم البيع استحب للقاضى أو أمينه سؤال المشترى الاقالة. ويستحب للمشترى ان يستجيب الى ذلك لأنه معاونة على قضاء دين المفلس. ولا يحرم كل هذا للحاجة الماسة اليه. ويبدأ القاضى أو أمينه بيع أقل مال للمفلس بقاء وأكثره مؤنة فيبيع أولا ما يسرع اليه الفساد كالطعام والرطب والفاكهة ثم يبيع الحيوان لانه معرض للاتلاف ويحتاج الى مؤنة فى بقائه ثم يبيع السلع والأثاث لأنه يخاف عليه وتتناوله الأيدى، ثم يبيع العقار، لانه لا يخاف تلفه وبقاؤه اشهر له واكثر لطلابه. ويجب على القاضى أو أمينه أن يترك للمفلس من ماله ما يحتاجه من مسكن صالح لمثله لأنه لا غنى للمفلس عنه فلا يباع فى دينه كثيابه وقوته. وان كان له مسكن واسع يفضل عن سكنى مثله باعه القاضى واشترى له مسكنا مثله، لاندفاع حاجته به ويرد الفضل من ثمنه على الدائنين جميعا بين المصلحتين. وكذلك ثياب المفلس إذا كانت رفيعة لا يلبس مثله مثلها. يجب على القاضى أيضا أن يترك للمفلس آلة حرفته ان كان ذا صنعة فلا يبيعها عليه لحاجته اليها كثيابه ومسكنه. فان لم يكن المفلس صاحب حرفة وجب على القاضى أن يترك له شيئا من ماله يتجر به لتحصيل مؤنته ان كان تاجرا. وهذا إذا لم يكن الشئ الواجب تركه للمفلس من مسكن وثياب وآلة عين مال أحد الدائنين فان كان ذلك عين مال أحدهم أو كان مال المفلس كله أعيان أموال أفلس بأثمانها ووجدها أصحابها فلهم أخذها بشروطها التى سيأتى بيانها ولا يترك للمفلس شئ من ذلك حتى ولو كان محتاجا اليه لأن حق الدائن تعلق بالعين فكان أقوى سببا من المفلس. ولأن

стр. 6667

منعهم من أخذ أعيان أموالهم يفتح باب الحيل بأن يجئ من لا مال له فيشترى بثمن فى ذمته ثيابا يلبسها أو دارا يسكنها أو طعاما له ولعائلته ويمتنع على أصحابها أخذها لتعلق حاجة المفلس بها فيضيع أموالهم ويستغنى هو بها، فعلى هذا يؤخذ ذلك من المفلس ولا يترك له شئ منه لأنه اعيان أموال الناس فكانوا أحق بها منه كما لو كانت فى أيديهم أو أخذها منهم غصبا، ومتى باع القاضى شيئا من مال المفلس دفع ثمنه للدائن ان كان واحدا، لأنه لا حاجة الى تأخيره. وكذلك إن كان الدائن متعددا واجتمع من مال المفلس ما يمكن قسمته عليهم فانه يجب على القاضى أن يقسمه بينهم بنسبة دين كل واحد منهم على الفور لأن فى تأخير ذلك ظلم لهم. ولا يلزم الدائنين الحاضرين إقامة البينة بأن لا دائن للمفلس سواهم. وقسمة القاضى لمال المفلس على الدائنين الحاضرين ليست حكما منه بأنه لا يوجد للمفلس دائن سواهم. وأجرة المنادى ونحوه ككيال ووزان وحمال وحافظ لم يتبرع بعمله تكون من مال المفلس لأن البيع حق على المفلس لكونه طريقا الى وفاء دينه فمؤنته عليه، وتقدم أجرة ذلك على ديون الدائنين، لأنه من مصلحة المال. وقيل: تكون أجرة كل ذلك من بيت المال من مال المفلس لأنه من المصالح ثم يبدأ القاضى عند قسمة مال المفلس بوفاء دين من له رهن لازم فيختص المرتهن بثمن الرهن اذا كان ثمنه بقدر دينه سواء كان المفلس حيا أو ميتا، لأن حقه متعلق بعين الرهن وذمة الراهن بخلاف غيره من الدائنين يتعلق حقهم بالذمة دون العين فكان حقه أقوى وإن كان ثمن الرهن أقل من دينه قاسم مع الدائنين بالباقى من دينه. وان كان ثمن الرهن أكثر من دينه أعطى قدر دينه ورد الباقى على مال المفلس ليقسم بين الدائنين لانه انفك من الرهن بالوفاء فصار كسائر. أموال المفلس ثم بعد ذلك يبدأ بمن له عين مال باعها للمفلس قبل الحجر. أو استأجرها المفلس منه ولم يمض من مدتها زمن له أجرة فيأخذها صاحبها بشروطه ثم يقسم الباقى من مال المفلس بين الدائنين بقدر ديونهم لأن فيه تسوية بينهم ومراعاة لكلمية حقوقهم. فان كانت ديونهم من جنس الاثمان أخذوها وإن كان فيهم من دينه من غير جنس الاثمان كالقرض بغير الاثمان وليس من مال المفلس من جنسه ورضى أن ياخذ عوض بحقه فى الاثمان جاز وان امتنع وطلب جنس حقه اشترى له بحصته من الثمن من جنس دينه لانه الواجب ولا يجبر على الاعتياض. ولو أراد الدائن الأخذ من مال المفلس المجموع وقال المفلس لا أقضيتك الا من جنس دين قدم قول المفلس لانه طالب للأصل الواجب فلا يجبر على المعاوضة. وان كان فى الدائنين من له دين سلم لم يجز أن يأخذ الا من جنس حقه حتى وان تراضيا على دفع عوضه لأن ما فى الذمة من السلم لا يجوز أخذ البدل عنه. ولو قضى القاضى أو المفلس بعض الدائنين دون البعض لم يصح، لأنهم شركاء من قضاه دينه فلم يجز إختصاصه بذلك دونهم. وان لم يكن قسمة ما اجتمع من قال المفلس أودع عند ثقة الى ان يجتمع منه ما يمكن قسمته فيقسم. وان احتاج فى حفظه الى غرامة دفع الى من يحفظه. وان تلف شئ من مال المفلس تحت يد القاضى أو أمينه أو المودع من غير تعد ولا تفريط فالتالف من ضمان المفلس وماله لأن نماءه له فتلفه عليه (١) مذهب الظاهرية: قال ابن حزم: من ثبت للناس عليه حقوق من مال أو مما يوجب غرم مال ببينة عدل أو باقرار صحيح (٢) منه ان كان كل ما يوجد له من مال لا يفى بما عليه أو يفى بما عليه ولا يفضل له شئ فانه يقضى بما وجد له للدائنين كما فعل رسول الله ﷺ مع معاذ، ثم يباع لهم كل ما يوجد له ان اتفقوا على ذلك وان شاءوا اقتسموه بالقيمة (٣).

стр. 6668

وهذا ان كان ما يوجد له من غير نوع الديون التى عليه. أما ان كان ما يوجد له من مال من نوع ما عليه فانه ينصف الناس منه بغير بيع كمن عليه دراهم ووجدت له دراهم أو عليه طعام ووجد له طعام وهكذا فى كل شئ (١). ويقسم مال المفلس الذى يوجد له بين الدائنين بالحصص بالقيمة على الدائنين الحاضرين الطالبين الذين حلت آجال حقوقهم فقط، فيأخذ كل واحد بقدر دينه مما وجد ولا يدخل فيهم حاضر لم يطلب ولا غائب لم يوكل، ولا حاضر ولا غائب لم يحل أجل دينه أو حقه - سواء طلب أو لم يطلب - لأن من لم يحل أجل حقه فلا حق له بعد، ومن لم يطلب يلزم أن يعطى ما لم يطلب، وقد وجب فرضا إيقاف الحاضر الطالب فلا يحل محل مفلس فما فوقه. وأما الميت مفلسا فإنه يقضى لكل من حضر أو غاب سواء طلبا أو لم يطلبا، ولكل ذى دين كان سواء كان حالا أو كان الى أجل مسمى، لأن الآجال كلها تحل بموت الذى له الحق أو الذى عليه الحق لما سبق ذكره فى أثر الافلاس فى حلول الدين المؤجل وأما من لم يطلب فلقوله تعالى فى المواريث: «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ» (٢). فلا ميراث الا بعد الوصية والدين فواجب اخراج الديون الى اصحابها وكذلك الوصايا ثم يعطى الورثة حقوقهم مما بقى (٣). وحقوق الله مقدمة على حقوق الناس، فيبدأ بما فرط فيه المفلس من زكاة أو كفارة فى الحى والميت بالحج فى الميت فإن لم يفى ماله كل عليه من حقوق ماله على كل هذه الحقوق بالحصص لا يبدى منها شى على شئ (٤). وذلك لقول الرسول ﷺ «دين الله أحق أن يقضى وقوله أيضا: اقضوا الله فهو أحق بالوفاء (٥)». وإن تلف مال المفلس بعد القضاء به للدائنين فضمانه من الدائنين ويسقط عن المفلس من دينهم بقدر ذلك، لأن عين ماله قد صار لهم إن شاءوا اقتسموه بالقيمة وإن اتفقوا على بيعه بيع لهم مذهب الزيدية: يجوز للقاضى أن يبيع على المفلس المحجور عليه ماله لقضاء دين الدائنين. وانما يفعل القاضى ذلك فى حالة تمرد المفلس وامتناعه عن بيع ماله بنفسه، أو عند غيبة يجوز معها الحكم. والاصل فى جواز بيع مال المفلس لافلاسه بما عليه من ديون هو ما سبق ذكره من الاحاديث والاجماع منعقد على جوازه. وحكى صاحب الكافى عن زيد بن على والناصر: أن القاضى لا يجوز له بيع مال المفلس بل يحبسه حتى يبيعه بنفسه إلا الدراهم والدنانير. وبناء على الاول - وهو المذهب - يستحب للقاضى احضار المفلس والدائنين عند البيع، لان المفلس أعرف بقيمة ماله ولعل فى الدائنين من يرغب فى شراء شئ من ماله فيرتفع الثمن لكثرة الطلب وان باع القاضى من غير حضور الجميع صح بيعه اذ الولاية اليه. كما يستحب أن يراضى المفلس الدائنين بمن نادى بالسلعة. لمعرفتهم الاصلح. واذا رضوا بمناد غير ثقة لم يقبله القاضى، اذ لا تؤمن خيانته. ولا يستأجر ان وجد مجانا، ولا بأكثر ان وجد بأقل وأجرة السمسار وهو الدلال من بيت المال ان كان فى بيت المال فضله والا فمن مال المفلس لان العمل من أجله وينادى بكل متاع فى سوق جنسه ويقدم بيع ما يخشى فساده كاللحم والفواكه ونحوها، ثم الحيوان لتسقط مؤنته ثم المنقول لخشية ذهابه ثم العقار ولا ينادى به بل يعرض بحسب العادة. ولا يبيع الا بنقد البلد. واذا لم يوجد من يشترى مال المفلس الا بعين ظاهر فللقاضى أن يمتنع من بيعه مدة يقدرها برأيه أو حسب القرائن حتى يأتى يوم السوق أو نحو ذلك. قال فى البيان «واذا طلب الدائنون تأخير بيع ضيعة المفلس ونحوها حتى يستغلوها بما زاد من ديونهم على قيمتها ثم تباع بباقى ديونهم فلهم ذلك. ويندب للقاضى طلب الاقالة ان حصل من زاد فى الثمن بعد تمام البيع، ولا يجبر المشترى على الاقالة والمفلس

стр. 6669

بالنسبة لما يترك له من ماله اما كسوب - وهو من له مهنة يدخل عليه منها رزق. واما متفضل وهو كل من له دخل يكفى مؤنته من أصل لا يجوز بيعه كوقف أو وصية بالمنافع ونحوهما ويفضل منه شئ واما خال عنهما. فالخالى عنهما ومثله من له دخل من مهنة أو غلة ما لا يباع ولا بفضل منه شئ فهذا يترك له ثوب يستره ويقيه الحر والبرد حسب ما يعتاد الفقراء، لانه فى حكم الفقراء، لتعلق حق الغير بماله يستثنى له الا مثل حالهم من غير اضرار. وقال الامام يحيى: يترك له كسوة مثله المعتادة قبل الافلاس من خشن ونفيس. كذلك يترك له منزله المحتاج اليه الا اذا كان نفيسا أو كبيرا، فيباع الزائد أو الكل ويؤخذ له ببعض ثمنه منزل على عادة الفقراء من أهل بلده، ويوفر بقية الثمن للدائنين ومن لم يكن له منزل أصلا لم يترك له مع افلاسه من ماله قيمة المنزل. وكذلك يترك للمفلس الكسوب آلة صنعته التى يتكسب بها فلا تباع عليه ولو كانت تفى بالدين الا زيادة النفيس اذا كان يجد غيرها بالاجرة. وقال الفقيه يوسف ان كانت تفى بالدين فانها تباع له. ويباع عليه خاتمة وسلاحه ان كان غير محتاج اليه. أما المفلس الكسوب أو المتفضل فلا يترك القاضى له منزلة الذى يسكنه اذا كان يجد غيره بالاجرة لا بالاعارة ولا من بيت المال، فيباع عليه ويستأجر له غيره وتكون الاجرة من كسب الكسوب ومما يفضل للمتفضل لان الاجرة معه مستمرة موجودة لا تنقطع بخلاف غيره. وأما الثياب فلا تباع عليه وتترك له، لان العادة لم تجر باستئجارها. وقال الفقيه يحيى: لوجرت العادة باستئجارها تباع ويستأجر له غيرها من دخله والاصح الاول حتى ولو جرت العادة بذلك. وكذلك يستثنى من بيع مال المفلس الميت جهازه للدفن من كفن وغيره فلا يباع لقوله ﷺ فى الميت المديون: «صلوا على أخيكم» فلو لم يستثن ذلك لامرهم بنزع كفنة اذ هو من ماله ولا يزاد على ثوب واحد وان كان كفن مثله أكثر على الارجح اثار للدين. وقيل: لا يزاد على كفن مثله. وقيل: ما يستر العورة فقط. وسيأتى فى الاتفاق على المفلس تفصيل ما يترك له من النفقة. واذا كان الدائن واحد سلم اليه القاضى ثمن ما يباع أولا بأول، اذ لا وجه للتأخير. فان كانوا جماعة حفظه حتى يجتمع ما يمكن قسمته فيقسمه بينهم بحصة كل واحد منهم من الدين والمرتهن أولى بثمن رهنه من سائر الدائنين لتعلق حقه بعين الرهن وتعلق حق الدائنين بذمة المفلس ويقدم بيعه بالجواز أن ينقص الرهن عما رهن فيه فيحتاج المرتهن الى توفيته من مال المفلس. وفى اختصاص الدائنين الاولين بما اشتراه المفلس بثمن فى ذمته بعد الحجر عليه وجهان: أصحهما ما قاله الامام يحيى: ان البائعين له أحق به، فلا يقسم على الدائنين لقوله ﷺ : «فصاحب المتاع أحق بمتاعة (١)» وقيل: بل يكون للدائنين الاولين فيباع ويقسم عليهم كالاعيان المتقدمة من مال المفلس وللقاضى ان يحتاط عند تقسيم مال المفلس بأخذ الكفلاء من الدائنين برد ما يلزم رده، ولا سيما ممن كان غريبا (٢). مذهب الإمامية: يجوز للقاضى أن يبيع مال المفلس عينا كان أو منفعة كالمنفعة المؤجرة أو المصالح عليها، ويضاف العوض الى أثمان ما يباع. وذلك لما روى كعب بن مالك أن النبى ﷺ حجر على معاذ وباع ماله فى دينه. وهذا يقتضى أنه باعه جبرا عليه بغير اختياره. ويحتسب من جملة أموال المفلس الذى يراد تعلق الحجر بها الاموال التى ملكها بعوض ثابت فى ذمته كالاعيان التى اشتراها أو أستدانها لانها ملكه الآن وان كان أصحابها بالخيار بين أن يرجعوا فيها وألا يرجعوا ويطالبوا بعوضها المحتسب من جملة ديونه. وينبغى للقاضى المبادرة

стр. 6670

الى بيع مال المفلس لئلا تطول مدة الحجر، ولا يفرط فى الاستعجال كيلا يطمع المشترون فيه بثمن بخس ويستحب له أن يحضر كل متاع الى سوقه لان بيعه فيه أكثر لطلابه وأضبط لقيمته. وهذا اذا تأكد من انتفاء الزيادة اذا باعه فى غير سوقه. وأما اذا تأكد من نقصان قيمته اذا بيع فى غير سوقه فيجب عليه بيعه فى سوقه. كما يستحب له أحضار الدائنين حالة البيع لان المال يباع لهم فربما رغبوا فى شراء بعض المتاع فزاد فيكون أوفر للثمن وأبعد عن التهمة. كما ينبغى احضار المفلس لانه اخبر بمتاعه وأعرف بجيده من رديئه وبثمنه ويعرف المعيب من غيره، ولانه تكثر رغبة المشترين فيه بحضوره. فان باعه القاضى حال غيبة المفلس أو الدائنين جاز. ويبدأ القاضى ببيع ما يخشى تلفه. فان تأكد له تلفه وجب المبادرة ببيعه أولا، لوجوب الاحتياط على الامناء والوكلاء فللقاضى أولى، لان تصرفه قهرى فلا يجوز له تعريض مال من حجر عليه للتلف، فيبيع الفاكهة والطعام ونحوهما أولا، ثم يقدم بيع ما يخشى فساده ثم الحيوان لحاجته الى النفقة وكونه عرضه للهلاك ثم سائر المنقولات ثم العقار. وقال صاحب: اذا أراد القاضى بيع متاع المفلس يقول للمفلس والدائنين: ارتضوا بمناد ينادى ويكون ثقة صادقا، لان القاضى لا يتولى ذلك، ولا يكلف الدائنون أن يتولوا ذلك. فان اتفقوا على رجل فان كان ثقة أمضاه القاضى وان كان غير ثقة رده، لان ذلك يتعلق بنظره فان اختلفوا فاختار المفلس رجلا والدائنين آخر فان كان احدهما ثقة والآخر غير ثقة أمضى الثقة وقبله دون الآخر وان كانا ثقتين الا ان أحدهما بغير أجرة قبله وأمضاه. وان كانا جميعا بأجرة قبل اوثقهما وأصلحهما للبيع. وان كانا متطوعين ضم أحدهما الى الآخر، لانه أحوط أ. هـ. وأجرة المنادى اذا لم يوجد من يتبرع بذلك ولم تبذل من بيت المال يجب أخذها من مال المفلس لان البيع واجب عليه ولا يسلم المبيع قبل قبض الثمن بل متأخرا عنه أو معا فان امتنع المشترى أجبر على التسليم والاخذ، لان من يتصرف للغير لا بد وان يحتاط. فان خالف الواجب وسلم المبيع قبل قبض الثمن ضمن وأثم ولا سبيل الى عدم جبر المشترى على ذلك لتعلق حق الدائنين بالثمن وهو حال فلا سبيل الى تأخيره بل لو رضى المفلس والدائنون بالتأخير لم يكن للقاضى أن يرضى بذلك، لاحتمال ظهور دائن آخر فدينه يتعلق بالمال فتعين الجبر، ويحتمل أيضا أن يجبر على تسليم الثمن الى عدل. وانما يبيع القاضى مال المفلس بثمن المثل فصاعدا ان أمكن بدون سعى، والا فيلزمه السعى لبيعه فلو كان بقرب بلد أموال المفلس بلد فيه قوم يشترون العقار، مثلا فى بلد المفلس أعلمهم القاضى ليتوفر الثمن على المفلس ويبيع بنقد البلد وان كان من غير جنس حق الدائنين، لانه أوفر، ولان التصرف على الغير يراعى فيه المتعارف وان كان الثمن من غير جنس مال الدائنين ولم يرض الدائنون الا بجنس حقهم صرف الى جنس حقهم لان ذلك معاوضة لا تجوز الا مع التراضى فان رضوا جاز صرفه اليهم برضا المفلس وان كان الثمن هو جنس حقهم دفعه اليهم. واذا باع القاضى أو نائبه مال المفلس بثمن مثله ثم طلب بزيادة فى الثمن بعد لزوم البيع وانقطاع الخيار لم يفسخ العقد الا انه يستحب للقاضى أن يسأل المشترى الاقالة أو بذل الزيادة، ويستحب للمشترى الاجابة الى ذلك لان فيه مصلحة المفلس وان لم يجبه المشترى الى ذلك لم يجبر عليه لان البيع الاول قد لزم. والمشهور أنه لا يجوز بيع دار المفلس التى يسكنها الا اذا كانت الدار نفيسة ويكفية دار بقيمة بعضها فانه يجب بيعها، وتشترى له دار تكفيه، وكذلك اذا كانت كبيرة فانه يجب أن يباع منها ما يفضل عن حاجته. وكذلك لا تباع ثياب تجمله ويعتبر فيها ما يليق بحالة كما وكيفا. وقال ابن الجنيد. يستحب للدائن اذا علم عسر من عليه الدين الا يحوجه الى بيع مسكنه الذى لا يجد غنا عنه ولا ثوبه الذى يتجمل به وأن ينظره. فان لم يفعل وطالب القاضى ببيع ذلك فلا بأس أن يجعل القاضى ذلك رهنا فى يد الدائن. فان أبى الدائن الا استيفاء حقه أمر القاضى المفلس بالبيع وتوفية أهل الدين حقوقهم. فان امتنع حبسه الى أن يفعل ذلك فان دافع باع عليه القاضى. والروايات

стр. 6671

متضافرة بالاول وعليه العمل. وزاد فى الغنية الاجماع على عدم بيع دابة المفلس التى يجاهد عليها. إلا اذا كانت نفيسة فتباع ويشترى له دابة تكفيه وسيأتى تفصيل ما يترك لنفقة المفلس فى يد الانفاق على المفلس وما يقبضه القاضى من أثمان المبيع من أموال المفلس يسلمه الى الدائن من غير تأخير ان كان الدائن واحدا وكذلك يسلمه بدون تأخير ان أمكنت قسمته بين الدائنين على نسبة ديونهم بسرعة. وان كان يعسر قسمته لقلته وكثرة الديون فله أن يؤخر القسمة ليجتمع المال. فان امتنعوا من ذلك وطلبوا تعجيل قسمة الاثمان الموجودة بينهم قسمها بينهم على نسبة الديون الحالة فقط. ولو اقتضت المصلحة تأخير القسمة فقيل: يجعل المال فى ذمة موسر احتياطا كان يقرض الموسر ليكون مضمونا. فان تعذر وجعل وديعة لانه موضع ضرورة وينبغى ان يودع عند من يرتضيه الدائنون فان اختلفوا أو عينوا من ليس بعدل لم يقبله القاضى ويعين من أراد من الثقات ولا يودعه من ليس بعدل، وقيل: ينبغى اعتبار رضا المفلس ايضا. واذا طلب أصحاب الديون الحالة قسمة مال المفلس عليهم لم يكلفهم القاضى اقامة البينة على انه لا دائن سواهم ويكتفى القاضى فى ذلك بالاعلان والاشهاد بالحجر عليه والسابق اذ لو كان هناك دائن لظهر وطالب بحقه. ولو مات المفلس قبل قسمة ماله قدم كفنه على ديون الدائنين ويقتصر على الواجب منه فلا يكفن بأزيد من الواجب الا باذن الدائنين وكذلك تقدم مؤنة تجهيزه من طيب وماء وغيرها. وصرح جماعة بأنه يقدم كفن من تجب نفقته ممن يجب تكفينه عليه قبل الافلاس وكذلك تقدم على سائر ديون الدائنين أجرة الكيال والوزان والحمال والمنادى وأجرة البيت الذى فيه المال وكل ما يتعلق بمصلحة الحجر، لان فى كل ذلك مصلحة الحجر وايصال الحق الى اصحابة ولو لم يقدم ذلك لم يرغب أحد فى تلك الاعمال وحصل الضرر للمفلس والدائنين. وهذا كله اذا لم يوجد متطوع بذلك ولا فى بيت المال سعة له. فان وجد متطوع أو كان فى بيت المال سعة له لم يصرف مال المفلس اليها. ولو تلف المال من المودع قبل قسمته على الدائنين فهو من مال المفلس، سواء كان التالف الثمن أو العين، لان المال للمفلس تلف فى يد أمينة. وهو ظاهر اذا كان غنيا. وكذا اذا كان ثمنا، لانه دخل فى ملكه بالبيع عنه، وانما يملكه الدائنون بقبضه وهذا اذا لم يكن التلف بالتعدى أو التفريط، ولا فرق فى ذلك بين حال حياة المفلس أو بعد موته (١) مذهب الإباضية: سبق فى الحجر على المفلس أن الإباضية لا يجيزون للقاضى أن يحكم بإفلاس المفلس وفى ملكه شئ مما يباع ويعطى منه الدائنون ديونهم. كما سيأتى فى حبس المفلس أنه يؤجل لبيع ماله، فإن انقضى الأجل ولم يؤد ما عليه حبس حتى يؤديه فإن تمادى فى الحبس ولم يؤد باع القاضى ماله وقضى عنه دينه وبناء عليه يبيع القاضى ماله بعد أن يشهد للمشترى، ويشترط له الضمان على المفلس صاحب المال ان ظهر أن المال المباع - كله أو بعضه - مستحق لغير المفلس (٢). ولا يترك له القاضى من ماله إلا ما يستره من اللباس وغداءه وعشاءه. واختلفوا فى سلاح المفلس وسكناه. فقال بعضهم يترك له ما كان من السلاح والسكنى قبل ذلك ولو كانت قيمته كثيرة. وقال بعضهم: يردونه الى أدنى السلاح والسكنى، ويباع ما فضل منهما لقضاء الديون. وذكر البعض: أنه لا يترك للمفلس شئ ان كان سبب الدين عليه من جهة التعدى كالغصب، أما غير ذلك من الدين الناشئ من المعاملات وغيرها فان القاضى يترك له ثلث ما فى يده من المال وقيل: يترك له نفقة سنة. وفى المنهاج: اذا رفع المفلس للقاضى فللدائنين ما سوى ازاره من ماله ويترك له ازارة فقط

стр. 6672

وقيل: يترك له الازار والرداء، وفى الشتاء يترك له ما يدفئه ان كان فيما يحتاج فيه الى الدثار. وقيل: يترك له ثوبان وقوت يومه له ولعياله، وكسوته وكسوتهم سنة. وقيل: لاتباع على المفلس كسوته ولا نعله ولا مصحفه ولا كتبه ان كان من أهل العلم. ويباع سيفه وخاتمه وفرسه وحماره الا ان عجز عن المشى فإنه يترك له حماره عند البعض. وتباع مواشيه إلا ما يزرع عليه كما تباع آلة صنعته التى يعمل بها. وقال الحسن بن أحمد: لاتباع آلة الصناعة على المفلس، وتترك له ان كان من أهل الصناعة (١). ويقسم ثمن مال المفلس بعد ذلك على الدائنين بحصة دين كل منهم. ولو حضر بعض الدائنين دون البعض أعطى من حضر حصة ورفع سهم من لم يحضر. فان ضاع ضاع على المفلس. لا على من حضر من الدائنين ولا على من لم يحضر منهم. إلا ان حكم القاضى بإفلاسه فلمن لم يحضر أن يتبع المفلس بحصته، وله أن يتبع من حضر من الدائنين (٢) الرابع: مما يترتب على الحكم بافلاس المديون والحجر عليه إختصاص الدائن بعين ماله الموجود تحت يد المفلس مذهب الحنفية: من اشترى سلعة وقبضها باذن البائع ثم أفلس والسلعة موجودة تحت يده قبل أن يدفع الثمن أو بعد ما دفع جزءا منه، وعليه ديون لاناس شتى فبائع السلعة أسوة الدائنين فيها، فيشاركهم بثمنها اذا كان حالا، ولا يكون أحق بها ولا بثمنها منهم لأن البائع لما سلمها الى المشترى برضاه فقد رضى بإسقاط حقه من سلعته ورضى به دينا فى ذمة المشترى (٣). والذمة بعد الافلاس باقية كما كانت قبله فلا فرق بين المفلس والغنى فى ذلك. وما روى عن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: «من أدرك ماله بعينه عند رجل أفلس أو انسان قد أفلس فهو أحق به من غيره» لا يدل على أن بائع السلعة أحق بها من غيره، لأن المبيع ليس بعين مال البائع ولا متاع له وإنما هو مال المشترى اذ قد خرج عن ملك البائع وعن ضمانه بالبيع والقبض. وإنما ماله بعينه يقع على المغصوب والعوارى والودائع والعين المؤجرة والمرهونة فذلك ماله بعينه فهو أحق به من سائر الدائنين فى حالة افلاس الغاصب والمستعير والمودع والمستأجر والمرتهن والحديث ورد فيه وبه نقول. هذا فضلا عن أن الحديث المذكور معارض بما روى الخصاف بإسناده أن النبى ﷺ قال «أيما رجل أفلس فوجد رجل عنده متاعه فهو أسوة غرمائه فيه (٤)» وهذا كله اذا قبضها المشترى بإذن البائع ثم أفلس. أما ان أفلس المشترى قبل قبض السلعة فانه ينظر فإن كان الثمن مؤجلا فكذلك الجواب. وإن كان حالا فالبائع أحق بالثمن من سائر الدائنين إجماعا وله أن يحبس السلعة حتى يقبض الثمن. وكذا اذا قبضها المشترى بغير اذن كان للبائع أن يستردها ويحبسها بالثمن. واذا مات المشترى قبل دفع الثمن - والمسألة بحالها - فحكمه حكم المفلس الحى، سواء مات مفلسا أم لا إلا أن الثمن يحل بموته ان كان مؤجلا. واذا بيع الرهن فى حال حياة الراهن وعليه ديون لاخرين فالمرتهن احق من سائر الدائنين بإستيفاء دينه كله من ثمن الرهن

стр. 6673

لأن المرتهن بعقد الرهن ثبت له الاختصاص بالمرهون، فيثبت له الاختصاص ببدله وهو الثمن (١). مذهب المالكية: من باع سلعة وجازها المشترى وقبل أن يقبض البائع ثمنها حكم القاضى بافلاس المشترى والسلعة موجودة بعينها فلبائعها - وهو الدائن بثمنها - الخيار بين أن يأخذ عين سلعته الثابتة له ببينه أو بإقرار المفلس قبل الحكم بإفلاسه والحجر عليه وهو أحق بها من سائر الدائنين. وبين أن يتركها للمفلس ويقاسم بثمنها مع الدائنين وهذا إن حدث الافلاس بعد البيع ونحوه كالهبة بشرط العوض والقرض. فإن وقع الافلاس قبل البيع لكن بعد قبض المشترى السلعة ليقلبها أو ليتروى فى أخذها ثم عقد البيع بعد الافلاس فلا يكون البائع أحق بها حتى وأن لم يعلم حين البيع بافلاسه لعدم تثبته بأن هذا الذى إشترى منه مفلس، ولا يكون لهذا البائع سوى أن يتبع بالثمن ذمة المفلس ولا دخول له مع الدائنين فى المال الذى خلعوه من تحت يد المفلس سواء وقع البيع بعد قسمة ذلك المال أو قبله لأنه عامل المفلس بعد الحكم بخلغ ماله لهم. وهذا فى حالة الحياة أما فى حالة موت المشترى مفلسا أم غير مفلس فلا يكون بائع السلعة له أحق بها من الدائنين بل هو أسوتهم فيها لما روى أن النبى صلي الله عليه وسلّم قال: «أيما رجل باع متاعا فأفلس الذى ابتاعه ولم يقبض الذى باعه من ثمنه شيئا فوجد متاعه بعينه فهو أحق به، وان مات المشترى فصاحب المتاع أسوة الغرماء» ولأن ذمة الميت قد خربت بالكلية بخلاف المفلس فإن ذمته موجودة فى الجملة فيتعلق بها دين الدائنين الاخرين وإن كانت السلعة ما زالت فى يد البائع لم يسلمها للمشترى فإنه - أى البائع يكون أحق بها من سائر الدائنين سواء فى حالة افلاس المشترى أو موته. واذا أراد البائع أخذ سلعته الموجودة عند المفلس ورضى الدائنون جميعا بذلك لم يحتج الى حكم القاضى بذلك وان لم يسلموا له ذلك فلا بد من حكم القاضى به وهو الظاهر. وهذا كله اذا كانت السلعة عرضا أو مثليا أو حيوانا. أما إذا كان عين ماله الموجود عند المفلس دراهم مسكوكة فعند ابن القاسم له أن يأخذه أيضا حيث عرف بعينه بأن كان مطبوعا عليه أو كان هناك بينة لازمت القابض لهذه الدراهم حتى حكم بإفلاسه قياسا للثمن على المثمن. وقال أشهب: ليس له إلا أن يقاسم بها غيره من دائنى المفلس ولا يأخذها لأن الموجود فى الأحاديث من وجد سلعته أو متاعه فهو أحق به والنقدان - أى الذهب والفضه - لا يطلق عليهما ذلك عرفا. ثم أن مثل الدائن فى كل ذلك من تزول منزلته بارث أو هبة الثمن أو صدقة عليه أو حوالة. أما من اشترى الثمن من بائع السلعة فليس له الا مقاسمة الدائنين بالثمن، وليس له أخذ السلعة. ويشترط لرجوع الدائن فى عين ماله الموجود عند المفلس وأخذه له ثلاثة شروط. الشرط الأول: ألا يعطيه الدائنون ثمن سلعته الذى على المفلس. فإن أعطوه ذلك من مالهم الخاص بهم أو من مال المفلس فليس له أخذ سلعته حينئذ، وكذلك لا يأخذها إن ضمنوا له ثمنها وهم ثقات أو أقاموا له به كفيلا ثقة. الشرط الثانى: أن يكون عين شئ الدائن الذى خرج منه مما يمكن أخذه واستيفاؤه فإن لم يمكن ذلك فلا رجوع له فيه كما اذا تزوجت أمرأة بصداق معلوم ثم حكم بإفلاس الزوج قبل قبضها له فليس لها أن ترجع فى بضعها الذى خرج منها لعدم إمكان ذلك بل تدخل مع الدائنين فى قسمة مال زوجها بجميع صداقها. وهذا ظاهر فى المدخول بها لأن الكلام فيما قبض وكذلك غير المدخول بها اذا لم ترد التطليق. أما ان أرادت ذلك فيكون لها لأن الزوج لم يقبض البضع، وتقاسم الدائنين بنصف المهر على الأرجح لانها ملكته بالعقد. وكذلك من خالعته امرأته على شئ معلوم ولم يقبض المخالع العوض حتى حكم بافلاس

стр. 6674

المرأة فإن الزوج لا يكون له أن يرجع فى العصمة التى خرجت منه لعدم إمكان ذلك بل يقاسم دائنيها بعوض الخلع وكذلك من صالح فى دم عمد بشئ معلوم وقبل قبضه حكم بافلاس الجانى فلا رجوع للمجنى عليه أو وارثه فيما خرج من يده وهو الدم، لتعذر الرجوع شرعا فى القصاص بعد العفو، وليس له إلا أن يقاسم الدائنين بما صالح عليه. ويلحق بذلك أيضا صلح الانكار اذا أفلس المنكر فإن المدعى يقاسم بما صولح به من مال معين ولا يرجع فى الدعوى. الشرط الثالث: ألا ينتقل عين مال الدائن عن هيئته التى كان عليها حين البيع. أما أن تغير كطحن الحنطة. أو خلط مال الدائن بغير مثله بحيث لا يتيسر تمييزه منه كقمح بشعير أو صار الزبد سمنا، أو فصل الثوب قميصا أو ذبح الكبش فإنه لا رجوع لصاحبه فيه وتتعين مقاسمته مع الدائنين. وأما أن خلط مال الدائن بمثله كالحنطة تخلط بمثلها والزيت والعسل بمثله فلا يفوت حقه فى إسترداده اذا أفلس مشتريه وكذلك دبغ الجلد وصبغ الثوب ونسج الغزل لا يفوت حق صاحبه فى إسترداده من المفلس. ويكون البائع أحق من سائر الدائنين بسلعته التى لم يقبض ثمنها من المفلس حتى ولو كان المفلس قد رهنها فى دين عليه وجازها المرتهن، فله فك الرهن بدفع الدين الذى رهنت فيه وأخذها ويقاسم الدائنين بما دفعه وان شاء تركها وقاسم الدائنين بثمنها. وكذلك هو أحق بها حتى ولو قاسم الدائنين بثمنها لبيع المفلس لها قبل الافلاس مثلا اذا ردت على المفلس بعيوب أو فساد للبيع بعد افلاسه وقسمت ماله فيأخذها ويرد ما أخذه عند القسمة من ثمنها، لأن ردها بالعيب نقض لبيعها فكأنها لم تخرج عن ملك المفلس. وله البقاء على القسمة ويسلمها للدائنين ويتقاسم معهم فى ثمنها كما حدث. وأما اذا ردت على المفلس بإقالة أو شراء أو هبة أو وصية أو ارث فليس لبائعها نقض القسمة وأخذها وإنما يقاسم مع الدائنين فى ثمنها، لأنها ردت على المفلس بملك جديد. واذا وجد البائع عين سلعته عند المشترى المفلس فلما أخذها وجد بها عيبا سماويا أو ناشئا عن فعل المفلس سواء عادت السلعة المبيعة لهيئتها الأولى أم لا، أو ناشئا من فعل أجنبى وعادت لهيئتها سواء أخذ المفلس له ارشا أم لا فذلك البائع بالخيار ان شاء رضى بأخذها بجميع الثمن ولا شئ له من ارإ العيب الذى أخذه المفلس من الأجنبى لأنها لما عادت لهيئتها صار ما أخذها المفلس من الأرش كالغلة. وان شاء تركها للمفلس وقاسم الدائنين بجميع ثمنها. أما ان كان العيب ناشئا من جناية أجنبى ولم تعد لهيئتها التى كان عليها وقت البيع فإن صاحبها يخير بين أن يتمسك بها ويقاسم الدائنين بنسبة ما نقصه العيب من ثمنها سواء أخذ المفلس أرشا لعيبها أم لا وبين أن يتركها للمفلس ويقاسم الدائنين بجميع ثمنها. واذا وجد البائع عين سلعته قائمة عند المفلس وكان قد قبض بعض ثمنها من المفلس قبل الحكم بإفلاسه فهو مخير بين أن يرد ما قبضه من ثمنها ويأخذ سلعته وبين أن يقاسم الدائنين بباقى الثمن. وسواء فى كل ذلك أن يكون ما قبضه من ثمنها قليلا أو كثيرا، وسواء اتحد المبيع أو تعدد. ومن باع سلعتين فأكثر ثم أفلس المشترى فوجد البائع بعض المبيع قائما وبعضه الاخر فات لموته أو بيع المفلس له فهو بالخيار ان شاء أخذ بعض المبيع الموجود وقاسم الدائنين بحصة ما فات من الثمن سواء كان الفائت مقوما أو مثليا وسواء كان أحسن الصفقة أم لا. وان شاء ترك ما وجد وقاسم الدائنين بجميع الثمن أو بباقيه ان كان قبض منه شيئا. هذا فى إسترداد البائع لعين ماله الموجود لدى المشترى اذا أفلس. أما بالنسبة لغلة العين ومنافعيها وثمرتها فان المفلس يفوز بغلة العين ومنافعيها التى حدثت بعد العقد وقبل الحكم بإفلاسه كاللبن والصوف الذى لم يتم عند البيع والاستخدام والسكنى وأجرة العمل ونحوه، وكذلك يفوز بالثمرة التى لم تؤبر وقت شراء أصلها اذا قطعها فإن لم يقطعها لم يفز بها وتكون للبائع يأخذها مع أصولها على المشهور، ويرجع عليه المفلس بسقيه وعلاجه

стр. 6675

حتى ولو زاد ذلك على قيمة الثمرة. وكذلك يكون للبائع الحق فى أخذ صوف تم حين شراء المشترى المفلس للغنم، وثمرة تم تلقيحها حين الشراء وقبل افلاس المشترى، فيأخذ البائع غنمه مع صوفها حتى ولو جزه المفلس ما دام موجودا بعينه. فإن تصرف فيه المفلس فإنه يكون للبائع أن يقاسم مع الدائنين بثمنه. وكذلك الثمرة إلا أنه إن جذها المفلس عن أصولها فإنه لا يكون للبائع حق أخذها حتى ولو كانت موجودة بعينها، وليس له إلا أن يقاسم مع الدائنين بثمنها على المشهور. والفرق أن الصوف لما كان تاما يوم البيع كان مستقبلا بنفسه اذ يجوز بيعه منفردا عن أصله فلا يفوته على البائع إلا ذهاب عينه بخلاف الثمرة المؤبرة يوم البيع فإنها لم تكن مستقلة حينئذ اذ لا يجوز بيعها منفردة عن أصلها فمجرد قطعها يفوتها على البائع. ومن إشترى سلعة شراء فاسدا بنقد دفعة لبائعها أو أخذها عن دين فى ذمة بائعها ثم أفلس البائع قبل فسخ المبيع لفساده فإن المشترى يكون أولى بالسلعة الى أن يستوفى ثمنه. وهذا هو المشهور من أقوال ثلاثة: ثانيها: لا يكون أولى بها من غيره بل هو أسوة الدائنين، لأنه أخذها عن شئ لم يتم. وثالثها: ان كان إشتراها بالنقد فهو أولى وأحق بها من الدائنين. وان كان أخذها عن دين فى ذمة البائع فلا يكون أحق بها منهم. والقول الأول لسحنون والثانى لابن المواز، والثالث لابن الماجشون ومحل ذلك اذا لم يطلع المشترى على سبب فساد البيع الا بعد الحكم بافلاس البائع أما لو أطلع عليه قبله فهو أحق بها باتفاق ومحل ذلك أيضا اذا كانت السلعة قائمة وتعذر رجوع المشترى بثمنه. فأما اذا كان الثمن قائما بعينه وهو مما يعرف بعينه تعين أخذ المشترى له ولا علاقة له بالسلعة. ومحل الخلاف مقيد بما اذا كانت السلعة وقت الافلاس بيد المشترى. أما لو ردت للبائع ثم حكم بإفلاسه بعد ذلك فهو أسوة الدائنين بالثمن المدفوع على المعتمد، وهو قول ابن رشد. وقيل: المشترى أحق بها، سواء كانت وقت افلاس البائع بيد المشترى أو بيد البائع وهو قول الأجهورى. وحكم موت البائع فى هذه المسألة مفلسا أم لا لحكم افلاسه حال الحياة لأن البيع لما كان فاسدا كان أشبه الوديعة فلذلك إختص به. وأرباب الصنائع كالخياطين والنجارين اذا أسلم لهم شئ ليضعوه ثم أفلس صاحب الشئ المصنوع أو مات فإن الصانع أحق من الدائنين بالشئ الذى فى يده حتى يستوفى منه أجرته لأنه تحت يده كالرهن. أما ان لم يكن الشئ المصنوع تحت يده بأن رده الصانع لصاحبه قبل افلاسه أو كان لا يحاز كالبنا أو كان يصنع الشئ عند صاحبه ثم اذا انصرف يتركه فى بيت صاحبه فلا يكون الصانع أحق به بل تتعين مقاسمته للدائنين الافلاس أو الموت. وهذا اذا لم يضف الصانع لصنعته شيئا من عنده - أى ليس له فيه الا عمل يده - كالخياط والبناء وما أشنبه ذلك. وأما أن أضاف لصنعته شيئا من عنده كالصباغ يصبغ الثوب بصبغة وما أشبه ذلك ثم يفلس صاحبه وقد أسلمه الصانع له فإنه يشارك الدائنين فى الثوب بقيمة ما زاده فيه من عنده لتعذر فصله وتمييزه، وتعتبر القيمة يوم الحكم سواء نقص المصنوع بالصنعة أو زاد أو ساوى وأما قيمة عمله فيكون بها أسوة الدائنين فى كل مال المفلس. وهذا فى الافلاس خاصة دون الموت، لأنه لما كان له فى الافلاس أخذ عين شيئه ولا يمكن أخذه شارك بقيمته. وأما فى الموت فليس له أخذ عين شيئه ويكون أسوة الدائنين. ومحل هذا كله اذا حكم بإفلاس صاحب الشئ المصنوع بعد تمام عمل الصانع فيه. أما اذا أفلس صاحبه قبل العمل فيخير الصانع بين أن يعمل ويقاسم مع الدائنين بالأجرة وبين أن يفسخ. وإذا حكم بإفلاس المستأجر لدابة أو سفينة أو أرض أو دار قبل دفع الأجرة وقبل استيفاء جميع المنفعة فإن المؤجر يخير ان شاء أخذ دابته وأرضه وداره وفسخ الاجارة فيما بقى ويقاسم مع الدائنين بأجرة المرة التى استوفى المفلس فيها المنفعة قبل الافلاس. وان شاء ترك ذلك للمفلس وقاسم مع الدائنين بجميع الأجرة لحلولها بالافلاس. واذا كانت الأرض مزروعة فصاحبها أحق بأخذ

стр. 6676

الزرع من باقى الدائنين حتى يستوفى منه حصة السنة المزروعة وما قبلها وكذا ما بعدها اذا ترك الأرض للمفلس وسواء كان المفلس قد حصد الزرع أو لا، لأن الزرع يعتبر كجزء من الأرض ثم اذا بقيت من الزرع بقية بعد استيفاء المؤجر أجرته قدم على الدائنين من استؤجر على خدمة الأرض وخدمة زرعها سقيا واصلاحا بأخذ أجرته المعلومة فى ذمة المفلس، اذ لولاه لما انتفع بالزرع ثم يليه فى ذلك مرتهن الزرع الحائز له ثم ان فضل شئ من الزرع كان للدائنين. ومثل الزرع كل ذلك الغرس والبناء. وكذلك اذا أفلس مستأجر السفينة أو الدابة فصاحبها أحق من الدائنين بالمحمول على ظهرها من أمتعة المفلس حتى يستوفى أجرة دابته أو سفينته منه، وسواء كان صاحب السفينة أو الدابة معها أم لا. ومحل ذلك اذا لم يسلم المؤجر المتاع المحمول للمستأجر المفلس. أما اذا سلمه له وطال الزمن عرفا بعد قبض المفلس له فلا يكون المؤجر لهما أحق بالمحمول عليهما بل يكون أسوة الدائنين. فإن لم يطل الزمن كما اذا طالب بذلك حال نزول الأحمال فى منزل المفلس ونحوه فإنه يكون أحق بالأمتعة المحمولة ولو قبضها المفلس. وهذا بخلاف ما اذا أفلس مستأجر الحانوت والدار قبل دفع الأجرة فإن صاحب كل منهما لا يكون أحق من الدائنين بما فيهما من أمتعة يستوفى منها ما تجمد له من أجرة على المستأجر المفلس بل يكون أسوة الدائنين فى كل ما تحتويه الدار أو الحانوت من مال. والفرق بين المسألتين أن حيازة الظهر أقوى من حيازة الحانوت والدار لما فيها من الحمل والنقل وهو مظنة التنمية والتأثير فى المحمول غالبا فكان منزلة الزيادة. واذا أفلس صاحب الدابة المستأجرة بعد أن قبض أجرتها من المستأجر فإن كانت الدابة معينة فالمستأجر يكون أحق بها حتى يستوفى من منافعها ما يقابل الأجرة التى دفعها وسواء قبضها المستأجر قبل افلاس صاحبها أم لا، لأن تعيينها يقوم مقام قبضها وحقه تعلق بعينها وان كانت غير معينة فكذلك هو أحق بها إلى أن يستوفى المنفعة بشرط أن يكون قد قبضها من صاحبها قبل افلاسه لأنها صارت بمجرد قبضها واستعمال المستأجر لها كالمعينة وسواء كان صاحبها يدير الدواب تحت المستأجر - أى كلما هزلت دابة أو ماتت أتى له صاحبها ببدلها - أم لا. إما أن لم تكن مقبوضة حين افلاس صاحبها فلا تمييز للمستأجر لها على غيره بل يكون أسوة الدائنين وكذلك الأجير لرعى غنم أو ماشية أو لعلفها ونحوه كحارس زرع وأمتعة لا يكون كل منهم أحق بما فى يده من أمتعة أو ماشية يستوفى منها أجرته اذا أفلس صاحبها قبل دفع أجرته بل يقاسم مع الدائنين بماله من أجرة لأن الأجير هنا لم يتعلق حقه بعين الماشية مثلا بل تعلق بذمة صاحبها بخلاف ما ذكر (١) مذهب الشافعية: ان كان بين الدائنين للمفلس من باع له شيئا قبل افلاسه والحجر عليه ولم يأخذ من ثمنه شيئا حتى حجر عليه وجد عين ماله عند المفلس فهو بالخيار بين ان يترك مبيعه ويقاسم الدائنين بثمنه. وبين ان يفسخ البيع ويسترد عين ماله بالشروط الاتية. وذلك للحديث المتفق عليه: «اذا افلس الرجل ووجد البائع سلعته بعينها فهو أحق بها من الغرماء (٢). «وسياق الحديث يفيد ان الثمن لم يقبض. وكذلك الحكم إذا مات المشترى مفلسا، سواء كان قد حجر عليه قبل موته أم لا، لما ورد فى حديث ابى هريرة: «من أفلس أو مات فوجد الرجل متاعه بعينه فهو أحق به (٢). «والاصح أنه

стр. 6677

يصح له الفسخ ولو بدون حكم من القاضى، لأنه فسخ ثبت بنص السنة. وقال أبو اسحاق: لا يصح له الفسخ الا باذن القاضى لأنه مختلف فيه. وإذا حكم قاض بمنع فسخه لم ينقض حكمه على الأصح، لأن المسألة اجتهادية والخلاف فيها قوى اذ النص وهو الحديث كما يحتمل أنه أحق بمتاعه يحتمل أنه أحق بأخذ ثمنه وان كان الإحتمال الأول أظهر. وقال الاصطخرى ينقض. ولو وقع البيع ممن يلزمه التصرف بالمصلحة كالولى وكانت المصلحة فى الفسخ واسترداد عين مال المولى عليه من المفلس فانه يجب عليه ذلك. ويشترط لرجوع الدائن فى عين ماله الموجود عند المفلس الشروط الآتية: أولا: أن يكون رجوعه عقب علمه بالحجر، وهذا بناء على الأصح ان خيار الفسخ بسبب الافلاس يكون على الفور كالرد بالعيب بجامع دفع الضرر. فان أخره عالما بجوازه بطل حقه لتقصيره اما ان أخره وادعى الجهل بالفورية فلا يبطل حقه فى الرجوع ويعذر فى جهله لأن مثل هذا مما يخفى على غالب الناس. وقيل: يكون على التراخى كخيار الرجوع فى الهبة للولد. ثانيا: ان يكون رجوع الدائن وفسخه لذلك بالقول لا بالفعل ويكفى فيه قوله: فسخت البيع أو نقضته ونحوه أما أن تصرف فيه بفعل يدل على الفسخ كبيعه أو وقفه فلا يكون فسخا ويلغو، لمصادقته ملك الغير. ثالثا: أن يكون عين مال الدائن الذى فى يد المفلس ناشئا عن معاوضة محضة تفسد بفساد العوض مثل البيع والقرض والسلم والاجارة فإذا أسلمه دراهم قرضا أو رأس مال سلم حال ثم أفلس وحجر عليه والدراهم باقية بعينها فلصاحبها الرجوع فيها بالفسخ. وإذا أجره دارا بأجرة حال لم يقبضها حتى أفلس المستأجر وحجر عليه فللمؤجر الرجوع فى الدار بالفسخ فى الأصح، تنزيلا للمنفعة منزلة العين فى البيع ولا رجوع ولا فسخ فيما لا عوض فيه كالهبة بدون عوض والهدية والصدقة. وكذلك لا رجوع ولا فسخ فى معاوضة غير محضة كالنكاح والخلع والصلح عن دم العمد، فإذا خالع الزوج زوجته على عوض فى ذمتها ثم أفلست وحجر عليها فليس له فسخ عقد الخلع والرجوع فى المرأة وكذلك إذا تزوجها وأصدقها عينا فى ذمته ولم تقبضها حتى أفلس وحجر عليه فليس لها الرجوع فى بضعها نعم للزوجة باعسار زوجها بالصداق أو المنفعة فسخ النكاح لكن ذلك لا يختص بالحجر بسبب الافلاس (انظر مصطلح اعسار) وسواء فيه وفى الخلع قبل الدخول وبعده. وكذلك إذا صالحه عن دم العمد على عوض حال لم يقبض حتى أفلس الجانى وحجر عليه فليس للمستحق فسخ الصلح والرجوع الى القصاص، لتضمن الصلح العفو عنه ولأن كل ذلك ليس فى معنى المنصوص عليه لانتفاء العوض فى الهبة ونحوها. ولتعذر استيفاء العوض فى الصور الثلاثة الاخيرة لفواته. رابعا: ان يكون الثمن فى البيع أو العوض فى غيره دينا حالا وقت الرجوع وان كان مؤجلا قبله وحل وقت الرجوع فلا فسخ ولا رجوع اذا كان الثمن أو العوض مؤجلا على المفلس ولم يحل، وقت الرجوع لأن المؤجل لا يطالب به فى الحال فيصرف المبيع أو غيره حينئذ لديون الدائنين. ومن هذا أخذ ابن الصلاح وأقره الأسنوى وغيره أن الاجارة بأجرة تحل كل آخر شهر لا فسخ ولا رجوع فيها للمؤجر فى عينه المستأجرة بسبب إفلاس المستأجر والحجر عليه، لأنه لا يتأتى الفسخ قبل مضى الشهر لعدم حلول الأجرة، ولا بعد مضيه لفوات المعوض، وهو المنفعة المعقود عليها فصار كتلف المبيع وهكذا فى كل شهر فلا يتصور فسخ الا اذا كانت الأجرة حالة أو بعضها حال وبعضها مؤجل فيفسخ فى الحال بالقسط. خامسا: ان يتعذر استيفاء الثمن أو العوض بسبب الافلاس. فلو انتفى الافلاس وامتنع المشترى من دفع الثمن مع يساره أو هرب أو مات مليئا وامتنع الوارث من تسليم الثمن فلا فسخ فى الأصح لأن التوصل الى اخذه بواسطة القاضى ممكن. وقيل: يثبت له الفسخ لتعذر الوصول اليه

стр. 6678

حالا وتوقعه ما لا فأشبه المفلس. وكذلك لا فسخ ولا رجوع ان لم يتعذر الثمن أو العوض مع افلاسه كأن كان هناك رهن يفى بالثمن أو العوض عادة وكذلك ان كان بأيهما ضامن غنى مقر أو عليه بينة فلا رجوع لامكان الوصول الى الثمن أو الغرض من الضامن فلم يحصل التعذر بالافلاس فلو كان الضامن جاحدا ولا بينه أو معسرا رجع لتعذر الثمن بالافلاس. ولو قال دائنوا المفلس أو قال وارثه لمن له حق الفسخ والرجوع فى عين ماله: نحن نقدمك بالثمن أو العوض ولا تفسخ فله الفسخ ولا تلزمه الاجابة، لما فى التقديم من المنة وخوف ظهور دائن آخر فيزاحمه فيما أخذ، وسواء قالوا من مالنا أو من مال المفلس. وكذلك لا تلزمه الاجابة ان تبرع بدفع الثمن له أجنبى أو دائن فله الفسخ وان دفعه له بالفعل، ولما فى ذلك من اسقاط حقه فان أجاب الدائن المتبرع ثم ظهر دائن آخر لم يزاحمه فيما أخذه لأنه فى وجه لا يدخل فيه فى ملك المفلس وفى وجه يدخل فيه لكن ضمنا وحقوق الدائنين انما تتعلق بما دخل ملكه اصالة وورثه الميت المفلس فى ذلك كالدائنين ان قالوا: من مال المفلس. أما ان قالوا: من مالهم فانه يلزمه اجابتهم على الاقرب لأن التركة مال المورث فأشبه فك المرهون، ولأن الوارث خليفة المورث فله تخليص المبيع. والفرق انه اذا اخذ من تركة المفلس يحتمل ظهور مزاحم بخلاف ما اذا اخذ من مال الوارث. وكذلك لو قال الدائنون للقصار ونحوه لا نفسخ ونقدمك بالأجرة فانه يجبر على ذلك لأنه لا ضرر عليه بفرض ظهور دائن آخر، لتقدمه عليهم ابتداء. سادسا: ان يكون المبيع أو نحوه باقيا فى ملك المشترى بالمفلس فلو فات ملك المفلس عنه حسا بأن مات المبيع أو تلف أو أتلف أو فات ملكه عنه حكما بأن باعه المفلس أو وقفه أو وهبه وقبضه الموهوب له فلا رجوع للبائع فى عين مبيعه، وليس له فسخ تصرفات المشترى فيه لأن حق الرجوع لم يكن ثابتا له حين تصرف لأنه انما يثبت بالإفلاس والحجر عليه. ولو أقرضه المشترى لغيره وأقبضه اياه ثم أفلس المشترى وحجر عليه أو باعه ثم أفلس وحجر عليه فى زمن الخيار فللبائع الرجوع فيه كالمشترى ذكره الماوردى. قال البلقينى: يتخرج عليه ما لو وهب المشترى المبيع لولده وأقبضه له ثم أفلس فللبائع الرجوع فيه كالواهب له. كما يتخرج عليه أنه لو باعه المشترى المبيع لولده وأقبضه له ثم أفلس فللبائع الرجوع فيه كالواهب له. كما يتخرج عليه انه لو باعه المشترى الآخر ثم أفلسا وحجر عليهما كان للبائع الاول الرجوع. ولو زال ملك المشترى عن المبيع ثم عاد اليه ولو بعوض قبل افلاسه والحجر عليه أو بعده فالأصح أنه لا رجوع للبائع فيه لتلقى الملك من غيره ولأنه تخللت حالة تمنع الرجوع فيستصحب حكمها. سابعا: ألا يتعلق بالمبيع حق لازم وقت الرجوع كرهن مقبوض فلو زال التعلق هذا جاز الرجوع ولو قال البائع للمرتهن: انا أدفع اليك حقك الذى على المفلس وآخذ عين مالى فالأرجح أن المرتهن لا يجبر على القبول. بخلاف ما لو عرض الدائنون تقديم المرتهن بدينه فإنه يجبر على القبول ويسقط حقه من المرهون، وذلك لأن فى دفع البائع منه قوية إما تقديم الدائنين له فلا منة فيه أو فيه منة ضعيفة لتعلق حق المرتهن بالمال المقدم أيضا. ثامنا: ألا يكون هناك مانع يمنع تملك البائع فلا رجوع إذا كان المعوض صيدا والبائع فى حالة احرام، لأنه ليس أهلا لتملكه حينئذ، فإذا حل من احرامه كان له أن يرجع فيه ان لم يبع ضمن أمواله المفلس لحقه وحق غيره من الدائنين. تاسعا: أن يكون العوض الذى له على المفلس نقدا، فلو كان عينا قدم بها على غيره من الدائنين ولا فسخ له ولا رجوع فى عين ماله. عاشرا: ألا يكون البائع قد قبض من ثمن البيع فلو كان قبض شيئا منه ثبت له الرجوع فيما يقابل الباقى فقط. واذا وجد البائع المبيع ناقصا فى يد المفلس فان كان نقصان جزء يفرد بالعقد وينقسم عليه الثمن كثوبين تلف أحدهما أو نخلة تلفت ثمرتها فالبائع بالخيار بين أن يقاسم الدائنين بالثمن وبين أن يفسخ البيع فيما بقى ويأخذه بحصته من الثمن ويقاسم مع الدائنين بحصة ما تلف من الثمن وسواء كان التلف قبل افلاس

стр. 6679

المشترى أو بعده لأنه ثبت للبائع الرجوع فى الكل فلم يسقط بتلف البعض ولا يلتقت الى تفريق الصفقة، لأن مال المفلس لا يبقى بل يباع كله. وان كان نقصان جزء لا يفرد بالعقد ولا ينقسم عليه الثمن كالعمى وسقوط عضو مثلا فان لم يجب له أرش بأن أتلفه المشترى أو البائع قبل القبض أو ذهب بآفة سماوية فالبائع بالخيار بين أن يأخذ مبيعه ناقصا بلا أرش وبين أن يتركه ويشارك الدائنين بالثمن الذى له على المفلس. وان وجب له أرش بان اتلفه اجنبى فالبائع بالخيار بين ان يتركه ويشارك الدائنين بالثمن وبين أن يأخذه ويشارك الدائنين بما نقص من الثمن لأن الأرش فى مقابلة جزء كان البائع يستحقه فاستحق ما يقابله. وان وجد المبيع زائدا فى يد المفلس فان كانت الزيادة متصلة به غير متميزة عنه كحمل الحيوان وسمنة وكبر الشجر واختار البائع الفسخ فانه يرجع فى المبيع مع هذه الزيادة من غير شئ يلزمه فى مقابلها. وان كان المبيع حبا فصار زرعا، أو زرعا فصار حبا أو بيضا فصار فرخا بعد الافلاس أو قبله ففيه وجهان احدهما: لا يرجع فيه لان الفرخ غير البيض والزرع صغير الحب، والثانى: يرجع فيه وهو المنصوص لأن كل ذلك عين مال البائع الا انه اكتسب صفة أخرى فأشبه الوادى اذا صار نخلا والجدى إذا صار كبشا. وان كانت الزيادة منفصلة فان كانت ظاهرة كالولد واللبن الحادثين بعد البيع المنفصلين عند المفلس قبل رجوع البائع فانه يرجع فى الاصل دون الزيادة فانها تكون للمفلس لانه نماء ظاهر متميز حدث فى ملكه فلم يتبع الاصل فى الرد وان كانت الزيادة غير ظاهرة كطلع غير مؤبر وما أشبهه من التجار. ففيه قولان: أصحهما أنه يرجع فى النخل والثمر لأنه يتبع الأصل فى البيع فيتبعه فى الفسخ. ولو كانت الدابة المبيعة للمفلس حاملا فولدت أو غير حامل فحملت عند المفلس فالأصح أن للبائع أن يفسخ ويرجع فيها مع الولد فى الصورة الأولى كما لو اشترى المفلس شيئين بناء على أن الحمل يعرف، ومع الحمل فى الصورة الثانية لأن الحمل يتبع الأصل فى البيع فكذا فى الرجوع. ووقت رجوع البائع عين ماله عند المفلس هو المعتبر فى إنفصال الزيادة دون وقت الإفلاس والحجر، لأن ملك المفلس باق الى أن يرجع البائع ومتى رجع البائع فى الأصل من الشجر أو الأرض وبقيت الثمرة أو الزرع للمفلس وللمفلس والدائنين تركه الى وقت الحصاد بدون أجرة إذ لا تعدى منهم. وان كان المبيع أرضا فغرس المفلس أو بنى فيها قبل إفلاسه أو بعده وأراد البائع الرجوع فيها فإن اتفق المفلس والدائنون على تفريغها من الغراس والبناء فعلوا، لان الحق لهم لا يعد وهم، وتجب تسوية الحضر وغرامة نقص القلع ان كان - من مال المفلس، ويقدم البائع بما لزم له من ذلك على سائر الدائنين، لأنه لتخليص ماله واصلاحه وليس له أن يلزمهم بأخذ قيمة الغراس والبناء ليتملكها مع الارش، لأن المبيع قد سلم له وان امتنعوا من القلع أو اختلفوا لم يجبروا عليه لأن المشترى حين بنى وغرس لم يكن متعديا بل وضعه بحق فيخدم بل للبائع أن يقاسم بالثمن مع الدائنين، وله أن يرجع فى الأرض ويتملك الغراس والبناء بقيمته وله أن يقطع ويضمن أرش النقص لأن مال المفلس مبيع كله والضرر يندفع بكل منها فيجاب البائع لما طلبه منها، بخلاف ما لو أفلس بعد زرعه الأرض ورجع البائع فيها فأنه لا يتمكن من تملك الزرع بالقيمة لأن الزرع أمد ينتظر فسهل احتماله بخلاف الغراس والبناء. وان اختلفوا بأن طلب المفلس القلع وطلب الدائنون أخذ القيمة من البائع ليتملكه أو بالعكس، أو وقع هذا الاختلاف بين الدائنين فطلب بعضهم البيع وبعضهم القيمة عملا بما فيه مصلحة الجميع. الا انه ليس للبائع على الاظهر أن يرجع فى الأرض وحدها ويبقى الغراس والبناء للمفلس، لما فيه من الضرر بنقص قيمتها بلا ارش. والرجوع انما شرع لرفع الضرر فلا يزال ضرر البائع بضرر المفلس والدائنين. وان كان المبيع حبا فطحنه المشترى أو دقيقا فخبزه أو ثوبا فخاطه أو شاة فذبحها أو لحما فشواه ونحو ذلك من كل ما يصح الاستئجار عليه ويظهر به أثره عليه ثم أفلس المشترى وحجر عليه أو تأخر ذلك عن الإفلاس والحجر فإن لم تزد قيمته بذلك واختار البائع الرجوع رجع فيه ولا يكون المفلس شريكا له بقدر عمله لأن المبيع موجود من غير زيادة وإن نقصت

стр. 6680

قيمته بذلك فليس للبائع غيره. وإن زادت قيمته بذلك فالأصح أنه يباع ويصير المفلس شريكا بالزيادة لأنها حصلت بفعل محترم متقوم فوجب ألا يضيع، وللمفلس من ثمنه بنسبة ما زاد بالعمل وللبائع امساك المبيع وإعطاء المفلس حصة الزيادة. وإن كان المبيع من ذوات الأمثال كالحبوب والأدهان فخلطه المشترى بمثله أو أردأ منه من جنسه ثم أفلس كان للبائع إذا أراد الفسخ أن يرجع فيأخذ قدر مبيعه من المخلوط، لبقائه فى ملك المفلس بغير تعلق حق لازم به، ويكون فى الأردأ مساما يعيبه كعيب الدابة ونحوها، ولو طلب البيع وقسمة الثمن فلم يجب اليه فى الأصح وهذا إذا خلطه المفلس، أما إذا خلطه أجنبى فإنه يكون للبائع أن يأخذه ويشارك الدائنين بنسبة ما نقصه الخلط وان خلطه المفلس بأجود منه من جنسه فليس للبائع الرجوع فيه على الأظهر، بل يقاسم مع الدائنين بالثمن فقط لأن الطريق الموصل الى أخذه وهو القسمة متعذر هنا لأنه لا سبيل اليهما بإعطاء قدر حقه منه لأن فيه ضررا بالمفلس ولا باعطاء ما يساوى حقه منه لأنه ربا. ومقابل الأظهر أن له الرجوع ويباعان ويوزع الثمن على نسبة القيمة. وكذلك لا رجوع للبائع فيه ان خلطه المفلس بغير جنسه كزيت بعسل أو قمح بأرز لعدم جواز القسمة لانتفاء التماثل فهو كالتالف فيشارك الدائنين بالثمن. وإذا أفلس مستأجر الدابة أو الأرض قبل تسليم الأجرة الحالة وقبل استيقاء شيئ من المنافع فللمؤجر الفسخ والرجوع فى عينه المؤجرة فإن أجاز العقد شارك الدائنين بكل الأجرة ويؤجر القاضى العين المؤجرة على المفلس لأجل الدائنين. أما ان أفلس المستأجر وقد أستوفى بعض منافع العين المستأجرة له فأنه يكون للبائع أن يفسخ أيضا ويشارك مع غيره من الدائنين بحصة ما استوفاه المفلس من منافع عينه. وان فسخ مؤجر الدابة لافلاس المستأجر فى أثناء الطريق أو مؤجر الأرض وهى مزروعة فعليه فى الأولى حمل المتاع من غير مأمن الى مكان آمن، لئلا يضيع ويكون له أجرة المثل يقدم بها على الدائنين، لأنه لصيانة المال وإيصاله الى الدائنين فأشبه أجرة الكيال وعليه فى الثانية تبقية الزرع الى وقت حصاده ان لم يستحصده، وله على المفلس أجرة المثل عن المدة الباقية يقدم بها عن الدائنين لما مر. هذا ان أراد المفلس والدائنون إبقاء الزرع. والا فإن أرادوا قطعه فلهم ذلك. واذا أفلس مؤجر العين فلا فسخ لمستأجرها ويقدم المستأجر بمنفعتها كما يقدم المرتهن بحقه، وتباع العين وهى مؤجرة لأجل الدائنين بطلبهم أو طلب المفلس بناء على جواز بيع المؤجر ولا يبالى بما ينقص من ثمنها بسبب الاجارة، إذ لا يلزم الدائنين الصبر لتنمية مال المفلس. وان التزم شخص فى ذمته عملا كنقل متاع الى بلد مثلا ثم أفلس والأجرة فى يده فللمستأجر الرجوع فيها بفسخ الإجارة. فإن تلفت الأجرة لم يفسخ وشارك مع الدائنين بأجرة المثل. وإذا أفلس صاحب الثوب مثلا فللأخير على خياطته ونحوها حق حبس الثوب المخيط ونحوه بوضعه عند عدل حتى يستوفى أجرته. وان انهدمت الدار المستأجرة بعد إفلاس المؤجر والحجر عليه وقبضه الأجرة فإن الإجارة تنفسخ وللمستأجر أن يقاسم مع الدائنين بالأجرة حتى ولو كان إنهدامها بعد قسمة مال المفلس وهذا إن لم يمض بعض المدة فإن مضى بعضها قاسم الدائنين فيما بقى من المدة فقط (١). مذهب الحنابلة: من وجد عين ما باعه للمفلس أو عين ما أقرضه أو عين ما أعطاه له رأس مال سلم أو غير ذلك كشقص أخذه منه المفلس بشفعة، أو عين استأجرها وأفلس قبل أن يمضى من مدتها زمن له أجرة فإنه يكون من حق البائع ونحوه أن يفسخ

стр. 6681

العقد بينه وبين المفلس المحجور عليه ويرجع فى عين ماله بالشروط التى ستذكر وله إن شاء - ألا يفسخ ويكون أسوة الدائنين فيما يستحقه، وسواء كانت السلعة مساوية لثمنها أو أقل أو أكثر، لان الافلاس سبب يثبت جواب الفسخ فلا يوجبه كالعيب والخيار. وسواء كان ذلك قبل الافلاس والحجر أم بعده حيث كان البائع جاهلا بذلك فان كان عالما بالحجر فلا فسخ ولا رجوع له فى عين ماله لدخوله على بصيرة ويطالب ببدلها بعد فك الحجر عن المفلس. وخيار الرجوع فى ذلك يكون على التراخى فى أحد الوجهين، لانه حق رجوع يسقط الى عوض فكان على التراخى كالرجوع فى الهبة. والثانى: يكون على الفور، لأن جواز تأخيره يقضى الى الضرر بالدائنين لافضائه الى تأخير حقوقهم فأشبه خيار الأخذ بالشفعة. وهذا هو الأصح عند القاضى أبى يعلى. ويصح الرجوع فى العين المبيعة وغيرها مما ذكر بالقول كرجعت فى متاعى أو أخذته أو استرجعته أو فسخت البيع أو نحوه، ويكون رجوعه هذا فسخا حقيقة أو حكما. فلا يصح رجوعه بفعل فقط كأخذه العين ولو نوى به الرجوع. ولا يفتقر الفسخ بسبب افلاس المشترى ونحوه الى حكم القاضى به اذا استوفى شرائطه لأنه فسخ ثبت بالنص فلم يفتقر الى حكم. ولو حكم قاض يكون الذى وجد متاعه عند المفلس أسوة الدائنين فانه يجوز لقاض آخر أن ينقضه نصا. وكذلك لا يفتقر الفسخ والرجوع الى شروط البيع من معرفة الرجوع فيه والقدرة على تسليمه ونحو ذلك لأنه فسخ لا بيع، فلو رجع البائع ونحوه فى حيوان ضال صح رجوعه وصار الحيوان ملكا له فان وجده أخذه وان لم يجده أو تبين تلفه بموت أو غيره بعد الرجوع فهو من مال الراجع لدخوله فى ملكه بالرجوع وان تبين تلفه أو موته قبل الرجوع بطل الرجوع السابق فيه لفوات محل الفسخ بهلاكه فلا يمكن الرجوع فيه. ويقاسم مع الدائنين بالثمن فى مال المفلس. وان رجع فى شئ اشتبه بغيره من أموال المفلس واختلف المفلس وصاحبه فى تعيينه قدم تعيين المفلس لأنه ينكر دعوى استحقاق الراجع والاصل عدمه. وان بذل الدائنون الثمن ونحوه لصاحب السلعة لم يلزمه قبوله سواء بذلوه من أموالهم أو من أموال المفلس لأنه تبرع بدفع الحق من غير من هو عليه فلا يجبر صاحب الحق على قبضه. وكذلك لا يلزم القبول وله أن يأخذ سلعته ان قال له المفلس: أنا أبيعها وأعطيك ثمنها أما ان دفع الدائنون الى المفلس الثمن فبذله المفلس لصاحب السلعة لم يكن له الفسخ واستقر البيع كما لو لم يفلس لزوال الاداء منه، أو زاد ثمن أعيان ماله فصارت قيمتها وافية بحقوق الدائنين بحيث يمكنه أداء الثمن كله. ويشترط لاستحقاق البائع ونحوه الرجوع فى عين ماله عند المفلس الشروط الآتية: أولا: أن يكون المفلس حيا الى حين أخذ السلعة من يده. فان مات فالبائع أسوة الدائنين، لما روى أن النبى صلي الله عليه وسلّم قال: «أيما رجل باع متاعا فأفلس الذى ابتاع ولم يقبض الذى باعه من ثمنه شيئا فوجد متاعه بعينه فهو أحق به وان مات المشترى فصاحب المتاع أسوة (١) الغرماء ولأن الملك انتقل من المفلس الى الورثة هذا فضلا عن أن ذمة المفلس تخرب بالموت خرابا لا يعود فاختصاص أحد الدائنين بالعين يتضرر به باقى الدائنين كثيرا بخلاف حال الحياة. ثانيا: أن يكون عوض العين كله باقيا فى ذمة المفلس لم يقبض البائع منه شيئا ولم يبرئ المفلس من بعضه فان أدى المفلس بعض الثمن أو الاجرة أو القرض أو السلم ونحوه أو ابرئ منه فصاحب ذلك أسوة الدائنين فى الباقى ولا رجوع له فى عين ماله لما تقدم من الحديث، ولأن فى الرجوع فى قسط باقى العوض تبعيضا للصفقة الأمر الذى يؤدى الى ضرر المفلس والدائنين لكونه لا يرغب فيه كالرغبة فى الكامل. ثالثا: أن تكون السلعة باقية بعينها لم يتلف بعضها، فان تلف جزء منها كبعض أطراف الحيوان أو ذهبت عينه أو تلف بعض الثوب أو انهدم بعض الدار، أو نحو هذا لم يكن للبائع الرجوع فى عينه هذه ويكون أسوة الدائنين. وهذا ان كانت السلعة

стр. 6682

عينا واحدة. أما ان كانت عينين كثوبين ونحوهما فتلف أحدهما أو بعض أحدهما وبقى الاخر ففى جواز الرجوع فى الباقى روايتان: احداهما: يرجع فيه لأن السالم من المبيع وجده البائع بعينه فيدخل فى عموم قوله ﷺ : «من أدرك متاعه بعينه عند إنسان قد أفلس فهو أحق به» لأنه مبيع وجد بعينه فكان للبائع الرجوع فيه كما لو كان جميع المبيع. والثانية: لا يرجع فيه ويكون أسوة الدائنين لأنه لم يجد المبيع بعينه لأن بعضه تالف فلم يملك الرجوع كما لو كان عينا واحدة. وان نقصت مالية المبيع لذهاب صفة من صفاته مع بقاء عينه كحيوان طرأ عليه عند المفلس هزال أو كبر أو مرض وكثوب بلى لم يمنع من الرجوع، لأن فقد الصفة لا يخرجه عن كونه عين ماله لكنه يتخير بين أخذه ناقصا بجميع حقه، وبين أن يقاسم مع الدائنين بكمال ثمنه، لأن الثمن لا يتقسط على صفة السلعة من سمن أو هزال أو نحوه فيصير كنقصه لتغير الأسعار. وان تغيرت صفة العين بما يزيل اسمها كطحن الحنطة أو زرعها أو خبز الدقيق أو عمل الزيت صابونا أو قطع الثوب قميصا أو نسج الغزل ثوبا أو نجر الخشب أبوابا أو كان بيضا فصار فراخا ونحو ذلك من كل تغير يزيل الاسم الأول للعين فانه يسقط حق الرجوع لصاحب ذلك ان أفلس مشتريه ونحوه قبل دفع الثمن ويكون صاحبه أسوة الدائنين لأنه لم يجد متاعه بعينه فصار كما لو تلف عند المفلس. وكذلك يسقط حق الرجوع فى العين ان خلطها المفلس بما لا تتميز منه فلو كانت زيتا فخلطه بنحو زيت أو كانت قمحا فخلطه بقمح أو ما لا يمكن تمييزه منه فلا رجوع لصاحبه فيه أيضا، لأنه لم يجد عين ماله ولأن ما يأخذه من غير عين ماله انما يأخذه عوضا عن ماله فلا يختص به دون الدائنين وقول النبى ﷺ : «من أدرك متاعه بعينه» أى من قدر عليه وتمكن من أخذ أخذه من المفلس. رابعا: أن تكون العين كلها باقية فى ملك المفلس، فان أفلس بعد خروجها عن ملكه يبيع أو هبة أو وقف أو غير ذلك لم يكن للبائع ونحوه الرجوع، لأنه لم يدرك متاعه عند المفلس، سواء كان يمكن للمفلس استرجاعه بخيار له أو عيب فى ثمنه أو رجوعه فى هبة ولده أو غير ذلك أم لا وخروج بعض المبيع من ملك المفلس بشئ مما ذكر كخروجه كله لما تقدم. أما ان وجد دائن المفلس سلعته بعينها ضمن ماله وكان المفلس قد أخرجها عن ملكه قبل الافلاس ثم عادت اليه ففى رجوع الدائن فيها حينئذ ثلاثة أوجه. أحدها: أن له الرجوع للحديث، ولأنه وجد عين ماله خاليا عن حق غيره فأشبه ما لو لم يبيعها المفلس. والثانى: لا يرجع لأن حقه متعلق بالعقد الأول المتلقى عنه. أما الثانى فغير متلق عنه فلا يستحق فيه رجوعا. والثالث: أنه ان عاد المبيع مثلا الى المفلس بسبب جديد كبيع أو هبة أو ارث أو وصية أو نحو ذلك لم يكن للبائع ونحوه الرجوع، لأنه لم يصر اليه بسبب من جهته. وان عاد اليه بفسخ كالاقالة والرد بعيب أو خيار ونحو ذلك فللبائع الرجوع، لأن الملك العائد بالفسخ تابع للملك الاول لأن الفسخ رفع للعقد الحادث فيعود الملك كما كان. خامسا: ألا يتعلق بالعين حق الغير، فان رهنها المفلس قبل افلاسه لم يملك البائع ونحوه الرجوع لسبق حق المرتهن ولأن الرجوع اضرار بالمرتهن ولا يزال الضرر بالضرر. فان كان دين المرتهن دون قيمة الرهن بيع كله فقضى منه دين المرتهن والباقى يرد على مال المفلس ليقسم معه بين سائر الدائنين، وان بيع بعضه لوفاء دين المرتهن فباقيه لهم يباع ايضا ولا يرجع فيه البائع. وكذلك ان اشترى شقصا مشفوعا أى الغير بالشفعة ثم أفلس فلا رجوع للبائع فيه. ويكون أسوة الدائنين لسبق حق الشفيع لكونه ثبت بالبيع والبائع ثبت حقه بالافلاس والحجز. وقيل: البائع أحق به لأنه اذا رجع فيه عاد الشقص اليه فيزول الضرر عن الشفيع لأنه عاد كما كان قبل البيع. فان أسقط الشفيع حقه من الشفعة أو أسقط المرتهن حقه من الرهن فكما لو لم يتعلق بالعين حق فلصاحبها أخذها لأنه أدرك عين ماله عند المفلس. وان أفلس المشترى والبائع حرم وكان المبيع صيدا

стр. 6683

فلا يأخذه البائع المحرم حال احرامه ولا يباع مع مال المفلس بل يؤخر لبائعه الى أن يحل من احرامه فيأخذه. سادسا: ألا تكون السلعة زادت عند المفلس زيادة متصلة كسمن وكبر وتعلم وتجدد حمل فان زادت كذلك فلا رجوع، لان الزيادة للمفلس لحدوثها فى ملكه فلم يستحق صاحب السلعة اخذها كالمنفصلة وكالحاصلة بفعله وهذا هو ما ذهب اليه الخرقى وروى الميمونى عن احمد: انها لا تمنع الرجوع، للحديث السابق ولانه فسخ لا تمنع منه الزيادة المنفصلة فلا تمنعه المتصلة أما الزيادة المنفصلة كالولد والثمرة فلا تمنع الرجوع بغير خلاف، وسواء نقص بها المبيع ونحوه أو لم ينقص اذا كان نقص صفة، والزيادة للمفلس على الصحيح وهو اختيار الخرقى وهو المذهب لما ذكر فى الزيادة المتصلة وقال ابو بكر الخلال الزيادة للبائع. وان صبغ المشترى الثوب أولت السويق بزيت ثم أفلس لم يمنع الرجوع لان العين قائمة مشاهدة لم يتغير اسمها، ويكون المفلس شريكا لصاحب الثوب والسويق بما زاد عن قيمتهما. وذلك ما لم ينقص الثوب بذلك فان نقصت قيمته لم يرجع لانه نقص بفعل المفلس فأشبه اتلاف البعض. وقيل: يرجع لان هذا النقص نقص صفة فلا يمنع الرجوع. ولا رجوع فى نحو مسامير سمر المفلس بها بابا ولا فى حجر بنى عليه ولا خشب سقف به ولا يمنع الرجوع فى الارض زرع المفلس فيها، ويبقى الزرع الى حصاده بلا اجرة وكذا ان غرس المفلس او بنى فيها لان البائع ونحوه ادرك متاعه بعينه ومال المشترى المفلس دخل على وجه التبع كالصبغ. واذا رجع فى الارض فله دفع قيمة الغرس والبناء فيملكه كما يكون له قطعة وضمان نقصه الا أن يختار المفلس والدائنين القلع. فان اختاروه ملكوه ويلزمهم حينئذ تسوية الارض وعوض نقصها الحاصل بالقلع ويقاسم البائع به مع الدائنين كسائر ديون المفلس. سابعا: أن يكون صاحب السلعة حيا الى حين الرجوع فإن مات قبل ذلك لا تقوم ورثته مقامه فى الرجوع فيها. وهذا الشرط اشترطه جمع من الأصحاب، وظاهر كلام أكثر الأصحاب هو عدم اشتراطهم ذلك فتقوم ورثته مقامه فى الرجوع وأخذ السلعة. كما لو كان صاحبها حيا. قال فى الانصاف وهو صحيح. وكذلك لا يشترط أن يكون الثمن حالا، فاذا افلس المشترى مثلا وفى يده عين مال ثمنها مؤجل وقلنا بعدم حلول الدين المؤجل بالافلاس. فقال أحمد فى رواية الحسن بن ثواب: يكون للبائع أن يرجع فيها ويأخذها عند حلول الأجل، فتوقف الى ان يحل الاجل فيختار البائع الفسخ او الترك، ولا تباع، لان حق البائع تعلق بها فقدم على غيره وان كان دينه مؤجلا كالمرتهن والمجنى عليه. وإذا باع شخص سلعة ثم أفلس قبل تسليمها للمشترى فالمشترى أحق بها من سائر الدائنين، سواء كانت من المكيل والموزون أو غيرهما لان المشترى قد ملكها، وثبت ملكه فيها فكان أحق بها كما لو قبضها ولا فرق بين أن يكون البائع قد قبض الثمن قبل افلاسه أو لم يقبضه. وان كان عليه سلم ثم افلس فيجد المسلم الثمن موجودا بعينه فهو أحق به وان لم يجده فهو أسوة الدائنين لانه لم يتعلق حقه بعين مال ولا ثبت ملكه فيه، ويقاسم مع الدائنين بالمسلم فيه الذى يستحقه دون الثمن الذى دفعه. وان أفلس المستأجر لارض أو غيرها قبل مضى مدة لها أجرة فللمؤجر فسخ الاجارة لانه ادرك عين ماله عند من أفلس، وان كان الإفلاس والحجر عليه بعد مضى المدة أو بعد مضى بعضها لم يملك الفسخ والرجوع وهو دائن بالأجرة يقاسم بها مع سائر الدائنين، لانه لم يجد عين ماله تنزيلا للمدة منزلة المبيع، ومضى بعض المدة بمنزلة تلف بعض العين المبيعة وهو مسقط للرجوع. وان أفلس المؤجر حجر عليه فالمستأجر أحق من سائر الدائنين بالعين المعنية التى استأجرها حتى يستوفى حقه لان حقه متعلق بعين المال والمنفعة مملوكة له فى هذه المدة فكان أحق بها أما ان استاجر جملا مثلا فى الذمة ثم افلس المؤجر فالمستأجر اسوة الدائنين لان حقه يتعلق بعين معينة. وان أجر دارا ثم افلس فاتفق الدائنون والمفلس على بيع الدار قبل انقضاء مدة

стр. 6684

الاجارة فلهم ذلك ويبيعونها مستأجرة فاذا استوفى المستأجر سلمت للمشترى، فان اختلفوا قدم قول من طلب بيعها فى الحال، لانه أحوط من التأخير. وان اتفقوا على تأخير بيعها حتى تنقضى مدة الاجارة فلهم ذلك لان الحق لا يخرج عنهم (١). مذهب الظاهرية: قال ابن حزم: من أفلس من حى أو ميت فوجد انسان سلعته التى باعها أو أقرضها بعينها عند المفلس فهو أولى بها من سائر الدائنين وله أن يأخذها فان كان قد قبض من ثمنها شيئا رده سواء كان أكثره أو أقله وان شاء تركها وكان أسوة الدائنين. فان وجد بعضها لا كلها فسواء وجد أكثرها أو أقلها فلا حق له فى أخذها وهو أسوة الدائنين لانه لم يجدها بعينها. وكذلك من وجد عند المفلس وديعته أو ما غصب منه أو ما باعه بيعا فاسدا أو أخذ منه بغير حق فهو له ضرورة ولا خيار له فى غيره لان ملكه لم يزل قط عن هذا (٢). مذهب الزيدية: اذا أفلس المشترى بثمن سلعة اشتراها بعد قبضه لها فان البائع يكون له حق طلب بعينها وهو فى ذلك أولى من سائر الدائنين، فاذا لم يطلبها يكون اسوة الغرماء وهل الطلب على الفور أو على التراخى خلاف والمختار انه على التراخى ولكنه لا يكون أولى بسلعته المبيعة للمفلس الا اذا كانت باقية فى يد المشترى لم يرهنها ولم يخرجها عن ملكه ببيع أو هبة أو نحوهما. فأما اذا كان قد حدث بها أحد هذه الاشياء لم يكن أولى بها حتى ولو عادت الى ملك المفلس مرة اخرى. وكذا اذا كان قد تلف بعض المبيع وبقى بعضه فالبائع أولى بهذا البعض الباقى منه وكذا اذا كان قد قبض بعض الثمن فانه يكون أولى بالبعض الذى تعذر ثمنه حيث كان تعذر ثمنه حيث كان تعذر لافلاس المشترى الحادث بعد البيع والقبض، أو كان افلاس المشترى موجودا فعلا حالة البيع إلا ان البائع كان يجهله أما لو كان البائع عالما بإفلاس المشترى حالة البيع فانه يبطل حقه فى الأولوية. ويكون هو والدائنون سواء وقيل: لا يبطل حقه فى ذلك حتى ولو كان عالما بإفلاسه عند البيع. وان مات المشترى مفلسا لم يبطل حق البائع فى أخذ مبيعه وأولويته بذلك. ولا يؤخذ المبيع من المشترى المفلس قسرا إلا بعد الحكم بذلك. وان اضطر المفلس الى العين المبيعة له لستر عورة أو زمانة مثلا فقيل: هو أحق بها. وقال صاحب البحر الزخار بل حق البائع أسبق للأحاديث الواردة بذلك. ما لم يخش على المفلس التلف ان أخذها البائع منه. ولا أرش للبائع إذا تعيب المبيع فى يد المشترى المفلس بزمانة أو عور أو انكسار شجر أو نحو ذلك. مما لا يصح افراده بالعقد، سواء حدث ذلك بعد إفلاس المشترى أو قبله فيأخذه البائع ولا يطالب بأرش العيب، سواء كان العيب بجناية من المشترى أم من غيره أم بغير جناية. ولا يستحق المشترى لمفلس على البائع عوضا لما كان قد غرم فيه إذا كانت الغرامة لبقاء المبيع كعلف ودواء لمرض حادث عنده أما إذا كانت الغرامة للنماء كسقى الأرض والحرث والزيادة فى علف الدابة فتجب على البائع فيغرم عوضها للمشترى المفلس، ولا فرق بين أن يكون المبيع قد زادت قيمته لاجل هذه الزيادة أم لا وقال الفقيه حسن: انما يغرم البائع ذلك إذا كانت قيمة المبيع قد زادت بذلك والا فلا. وان كانت العين المبيعة للمفلس قد زادت زيادة متصلة عنده كان من حق البائع أن يأخذها ايضا، لان الزيادة المتصلة لا تتميز فتتبع الأصل. وقيل هى للمشترى. وأما الزيادة المنفصلة كالولد والصوف واللبن والثمرة المنفصلة فتكون للمشترى المفلس ان حدثت بعد عقد البيع لانها نماء ملكه،

стр. 6685

وكذلك كسب المبيع يكون للمشترى المفلس. وأما الزيادة فى القيمة فشبهها الامير الحسن بالزيادة المتصلة فقال: يأخذها البائع بدون عوض. وشبهها القاضى جعفر بالزيادة المنفصلة فقال: يخير البائع بين أن يأخذ المبيع ويسلم زيادة القيمة وبين أن يباع فيأخذ مقدار الثمن فقط. ولو اشترى مسامير فسمر بها بابا مثلا ثم افلس فلا سبيل للبائع عليها حينئذ وان كانت العين المبيعة أرضا فغرسها المشترى أو بنى فيها ونحوه مما لا حد له ينته اليه ثم أفلس فللمفلس قيمة ذلك اذا أخذه البائع، وله رفع ذلك وعليه تعويض نقص الارض، لانه حصل من تخليص ملكه. واذا كان المشترى قد شغل المبيع بزرع او نحوه مما له وقت ينته إليه ثم أخذه البائع لافلاس المشترى فانه يجب على البائع إبقاؤه حتى يبلغ الحصاد بلا اجرة تلزم المشترى لبقائه. وما كان قد شفع فيه المشترى وافلس عنه قبل تسليم ثمنه استحق البائع ثمنه وكان أولى به من سائر الدائنين والشفيع أولى بالمبيع. وهذا كله عند القاسمية. وقال زيد بن على والناصر: لا حق للبائع فى المبيع حيث قد سلمه للمشترى وأفلس المشترى أو انكشف إفلاسه قبل تسليم الثمن ويكون البائع أسوة الدائنين بثمن مبيعه لان المشترى ملكه بالثمن والثمن فى ذمته. أما اذا أفلس المشترى قبل أن يقبض المبيع فلا خلاف أن البائع أولى به ومن باع شيئا ثم أفلس قبل تسليمه للمشترى فلا حق للدائنين فى المبيع لزوال ملك البائع المفلس عنه قبل إفلاسه فإن تعذر تسليم المبيع كله أو بعضه رجع المشترى بما قد سلم من الثمن وهو احق بباقى المبيع من سائر الدائنين. (١). مذهب الإمامية: إذا أفلس الشخص وحجر عليه بسبب ذلك فمن وجد من الدائنين عين ماله التى نقلها إلى المفلس قبل الحجر ولم يستوف عوضها الحق فى انتزاعها ويكون أحق بها من غيره من سائر الدائنين، ولا فرق بين أن يكون للمفلس مال سوى العين المذكورة أو لا. وروى أنه يكون أسوة الدائنين ولا يكون أحق بها من غيره إلا إذا كان للمفلس من المال غيرها ما يوفى به كل الدائنين ويتصور هذا بتجدد مال المفلس بارث أو اكتساب أو نحوه، وذلك لان دينه ودين غيره متعلق بذمته وهم مشتركون فى ذلك فلا وجه للتخصيص، ولأن المال قد انتقل إلى المفلس فلا يعود إلى مالكه إلا بوجه شرعى. والصحيح الأول لما سبق ذكره من حديث أبى هريرة ولما رواه عمر بن يزيد فى الصحيح عن الكاظم قال: سألته عن الرجل يركبه الدين فيوجد متاع رجل عنده بعينه، قال: لا تحاصه الغرماء. ولأنه لم يسلم له العوض فكان له الرجوع إلى المعوض، دفعا للضرر. وبناء على الصحيح إذا لم يرد الدائن انتزاع عين ماله كان له أن يقاسم مع الدائنين بنسبة دينه، ودينه يكون الثمن لا القيمة ومع اختياره العين يثبت له سواء كانت السلعة مساوية لثمنها أو أكثر أو أقل. وخياره فى ذلك قيل: يكون على الفور لأن القول بالتراخى يؤدى إلى الاضرار بالدائنين من حيث أنه يؤدى إلى تأخير حقوقهم. وقيل: يكون على التراخى لأنه حق رجوع لا يسقط إلى عوض، فكان على التراخى كالرجوع فى الهبة ولا يفتقر الفسخ والرجوع فى ذلك إلى حكم القاضى به. ويفتقر الرجوع هذا إلى أركان ثلاثة: العوض والمعوض والمعاوضة. أما العوض وهو الثمن المتعذر تحصيله فشرطه أمران: الأول: أن يتعذر استيفاؤه بسبب الافلاس فلو وفى المال به فلا رجوع ولا فسخ ولا يسقط حق رجوع الدائن فى عين ماله بدفع الدائنين لما فى ذلك من المنة ولجواز ظهور دائن آخر وفرض المسألة فيما إذا قالوا له: نوفر عليك ثمنها بكماله وتسقط حقك من العين وتكون فائدتهم أن العين تساوى أكثر من دينه الذى هو ثمنها فيوفروا عليه الثمن ليرتفقوا بقيمتها فى ديونهم. أما إذا دفعوا من مالهم للمفلس على سبيل الهبة فيجب عليه القبول حيث يشترطون

стр. 6686

عليه فى عقد الهبة ايفاء صاحب العين. الثانى: أن يكون العوض حالا، فلو كان مؤجلا وحجر على المفلس قبل حلوله لم يختص الدائن بالعين ولا يشارك الدائنين، ولا يجب ايقاف السلعة حتى يحل الأجل بل تقسم على أصحاب الديون الحالة لأنه لا مطالبة بالدين المؤجل فى الحال فلا يفسخ البيع اللازم بغير موجب، وقد تعلق حق الدائنين بالعين ولا دليل على سقوطه. ولو حل الأجل قبل انفكاك الحجر عن المفلس ففى الرجوع حينئذ اشكال منشؤه عموم الخبر وتعلق حق الدائنين وقد قرب فى التذكرة رجوع صاحب العين فيها وعدم مشاركته الدائنين إن حل أجل دينه قبل انفكاك الحجر. وقال فى التحرير: إن كان مال المفلس قد قسم وبيعت العين فلا رجوع لصاحبها فيها ولو لم يفك الحجر عن المفلس وإن لم تبع كان له الرجوع فيها. ولو أفلس المشترى بعد اقباض بعض الثمن كان للبائع الرجوع فى العين بقدر ما بقى من الثمن ولا يشترط فى رجوعه فى العين رد ما قبضه ليرجع فى العين كلها. وأما المعاوضة وهى التى انتقل بها الملك إلى المفلس فلها شرطان: الأول: كونها معاوضة محضة فلا يثبت حق الفسخ والرجوع للدائن فى عين ماله القائم عند المفلس إلا إذا كان سبب الانتقال معاوضة محضة مثل البيع والاجارة والهبة المعوضة والسلم والصلح ونحوه. أما غير ذلك مما فيه شائبة المعاوضة كالنكاح والخلع والعفو عن القصاص على مال فلا فسخ ولا رجوع فيه بمعنى أن الزوجة لا تفسخ النكاح لتعذر استيفاء الصداق بسبب افلاس الزوج وليس للزوج فسخ الخلع، ولا للعافى فسخ العفو لافلاس الزوجة أو الجانى بالعوض المتقاعد عليه. نعم لو طلق الزوج زوجته قبل الدخول فسقط نصف المهر وبقى نصفه وعينه موجودة وقد أفلست الزوجة فالزوج أحق بعين ماله من سائر الدائنين. الثانى: سبق المعاوضة وسببها على الحجر، فلا فسخ ولا تعلق للدائن بعين ماله إذا كان سبب وجوب دينه على المفلس حادثا. بعد الحجر عليه لعلمه بافلاسه فليس له الرجوع ولا مشاركة غيره من الدائنين بل يصبر حتى يوسع الله على المفلس. ويحتمل فى الجاهل بالافلاس والحجر مشاركته للدائنين فى مال المفلس بحصة دينه واختصاصه بعين ماله. والصبر. ولو أفلس مؤجر الدار مثلا وهى فى يد المستأجر فانهدمت بعد الحجر وقسمة المال فللمستأجر الرجوع إلى الأجرة أو الباقى منها، ويشارك الدائنين بدينه هذا لاستناده إلى عقد سابق على الحجر وهو الاجازة فصار كما لو انهدمت الدار قبل القسمة. وقيل: لا يكون له مشاركة الدائنين به لأنه دين حدث على المفلس بعد قسمة ماله وأما المعوض فله شرطان: الأول: بقاؤه فى ملك المفلس فلو تلف أو باعه المفلس أو رهنه فليس لصاحبه إلا أن يشارك الدائنين بحصة ثمنه سواء زادت القيمة عن الثمن أم لا. ولو عاد إلى ملك المفلس بلا عوض كالهبة والوصية أو بفسخ كالاقالة والرد بعيب احتمل الرجوع وهو الوجه لأنه وجد عين ماله ويحتمل عدم الرجوع لتلقى المفلس الملك من غيره. وإن عاد بعوض كالشراء فإن وفى المفلس الثمن للبائع الثانى فكالأول وإن لم يوفه احتمل عوده إلى البائع الأول لسبق حقه، وإلى الثانى لقرب حقه، وتساويهما فيشارك كل منهما الدائنين بنصف الثمن ولا يشترط لصحة الرجوع والفسخ بسبب الافلاس معرفة البيع مثلا، ولا القدرة على تسليمه ولا امتيازه عن غيره فلو روجع البائع فى الغائب بعد مضى مدة يمكن التغير فيها صح رجوعه فإن بان تالفا وقت الرجوع بطل وقاسم بالثمن مع الدائنين. ولو رجع فى البعير الشارد صح فإن قدر عليه أخذه، وإن تلف كان من ماله إلا أن يكون التلف قبل الرجوع ولو تنازعا فى تعيين المبيع بعد الرجوع لاشتباهه بغيره مثلا فالقول قول المفلس لأنه منكر فيقاسم البائع الدائنين بالثمن خاصة ولا يكون له اختصاص بأخذ مبيعه. الثانى: عدم تغيره، فإن تغيرت السلعة فوجدها البائع عند المفلس ناقصة نقصا يقابله عوض ويصح أفراده بالبيع كما لو وجد بعض الثياب المبيعة دون البعض فإنه يتخير بين ترك الباقى والمشاركة مع الدائنين بالثمن كله وبين ما أخذ الباقى بحصته من

стр. 6687

الثمن ومشاركة الدائنين بثمن ما نقص. وإن لم يقابله عوض مثل أن يسقط بعض أطراف الحيوان فإن لم يجب فى مقابلته عوض بأن حصل بفعل الله تعالى أو بفعل المفلس تخير الدائن بين أخذ العين ناقصة بجميع الثمن، وبين تركها مشاركة الدائنين بجميع الثمن. وإن وجب فى مقابلته عوض بأن حصل بجناية أجنبى تخير بين تركه ومشاركة الدائنين بجميع ثمنه وبين المرجوع فيه ومشاركة الدائنين بحصة ما نقص من الثمن فينظركم نقص من قيمته فيرجع بذلك الجزء من الثمن لا من القيمة ولو تغير المعوض بالزيادة المتصلة كالسن والنمو عند المفلس لم يكن لمالكه أخذه لحصول الزيادة على ملك المفلس فيمتنع أخذ العين بدونها ومعها. وقيل: يجوز له أخذه مع هذه الزيادة مجانا لأن هذه الزيادة صفة محضة، وليست من فعل المفلس. فلا تعد مالا له، بل نماء يتبع الأصلى، ولعموم حديث «من وجد عين ماله فهو أحق به». وفى قول ثالث: يجوز له أخذه. لكن يكون المفلس شريكا لمالكه بمقدار الزيادة. ولو تغير بالزيادة المنفصلة كاللبن والولد وإن لم ينفصل والثمرة وإن لم تقطف لم يمنع ذلك من أخذه الأصل فقط بجميع الثمن. أما الزيادة فتكون للمفلس. ولو اشترى حبا فزرعه أو بيضة فأحضنها ثم أفلس بعد أن أحصد الزرع أو صارت البيضة فرخا لم يكن لصاحبه أخذه، لأنه ليس عين ماله. ولو اشترى نخلا لا ثمر فيه أو أرضا فارغة فأثمر النخل وزرع الأرض ثم أفلس بعد تلقيح الثمر كان للبائع الرجوع فى الأرض والنخل دون الثمرة والزرع، وليس له المطالبة بقطع الثمرة ولا قلع الزرع قبل الجذاذ والحصاد ولا أجرة له فى ذلك. فإن طلب المفلس والدائنون كلهم أو بعضهم قطعة. قال الشيخ: يجاب الطالب. ولو قيل: يعمل ما فيه المصلحة كان حسنا. ولو اشترى أرضا بيضاء فبنى فيها المشترى أو غرس ثم أفلس كان صاحب الأرض أحق بها، وليس له ازالة البناء ولا الغرس حتى ولو بذل أرش النقصان على الأوجه. بل يباعان ويكون له ما قابل الأرض فإن امتنع بقيت له الأرض وبيعت الغروس والأبنية منفردة. ولو أفلس المشترى بعد مزج البيع بغيره فإن كان مساويا له أو أردأ منه تخير البائع بين الرجوع فى العين وبين مشاركة الدائنين بالثمن. إلا أن له فى حالة مزجه بالأردأ المطالبة ببيعه فيأخذ ما يساوى ماله ويدفع الباقى للدائنين. أما لو طلب البيع فى حالة مزجه بالمماثل له فالوجه عدم وجوب اجابته إلى ذلك. وأما أن مزجه بما هو أجود منه فإنه يسقط حق البائع فى الرجوع فيه، ويشارك بالثمن مع الدائنين ولو نسج المشترى الغزل أو طحن الحنطة أو خبز الدقيق أو خاط الثوب بخيوط من عنده ثم أفلس كان للبائع أخذ العين وكان للمفلس أجرة ما زاد بعمله. ولو لم تزد القيمة أو نقصت بالعمل الذى عمله المفلس فإنه يسقط حكم العمل. ومع الزيادة إن كان المفلس وعمل: ذلك بنفسه أو بأجرة وفاها لأجير فإنه يكون شريكا للبائع بمقدار الزيادة فإن دفعها البائع أجبر المفلس على قبولها للدائنين. وإن لم يدفعها بيع الجميع ودفع الثمن الأصلى بغير الزيادة إلى البائع، وما قابل الزيادة إلى الدائنين. وإن كان العامل أجيرا لم يستوف أجرته كان له حبس العين إلى أن يستوفى أجرته وتقدم أجرته على سائر الدائنين. فإن كانت أجرته بقدر الزيادة دفعت إليه. وإن كانت أكثر أخذ بقدر الزيادة وشارك بالباقى مع الدائنين. وإن كانت أقل كان له بقدر أجرته والباقى للدائنين ولو صبغ الثوب ثم أفلس تشاركا أيضا على التفصيل السابق. ويثبت الفسخ فى السلم أيضا إن أفلس المسلم إليه فيرجع المسلم إلى رأس المال ويكون أحق به من سائر الدائنين إن وجد عند المفلس بعينه. وإن لم يجده قال الشيخ يشارك الدائنين بقيمة المسلم فيه. وقيل: يشاركهم بالثمن - وهو رأس المال - لتعذر الوصول إلى حقه فيتمكن من فسخ السلم. وإن كان فى مال المفلس من جنس المتاع أعطى منه بقدر ما يخصه من القيمة إن كان مثليا. وإن لم يكن اشترى له بقدر الذى يخصه من القيمة مثل المتاع وسلم إليه وليس له أخذ بدل المتاع من القيمة التى تخصه لأنه لا يجوز صرف المسلم فيه إلى غيره قبل قبضه. ولو اشترى شقصا مما يجب فيه الشفعة ثم

стр. 6688

أفلس وحجر عليه القاضى ثم علم الشريك بالبيع وأراد الأخذ بالشفعة وأراد البائع الرجوع فى الشقص دفع إلى الشفيع، وكان الثمن أسوة بين الدائنين لا يختص به البائع. ولو أفلس مشترى الصيد والبائع محرم فلا رجوع له فيه، ولو كان حلالا والصيد فى الحل جاز الرجوع حتى وإن كان المشترى محرما أو كان البائع فى الحرم. ولو اقترض ثم أفلس كان للمقرض الرجوع فى العين إن كانت موجودة. ولو أفلس مستأجر الدابة أو الأرض مثلا قبل دفع الأجرة وقيل مضى شئ من المدة فللمؤجر الرجوع فى المنافع وفسخ الاجارة تنزيلا للمنافع منزلة الأعيان ولأنه قد وجد عين ماله لم يتلف منه شئ وإن اختار المؤجر امضاء الاجارة فله ذلك ويقاسم مع الدائنين بالأجرة. ويؤجر القاضى العين على المفلس كما يؤجر أعيان أمواله التى لا يمكن بيعها، ويصرف الأجرة إلى الدائنين إذا كانت الاجارة على عين معينة أو فى الذمة وحصل التعيين. فإن لم يكن المؤجر قد عين ولم يفسخ طالبه القاضى بتعيين العين ثم يؤجر العين حينئذ. ولو بذل الدائنون للمؤجر أجر عينه حتى لا يفسخ لم يلزمه الامضاء، لمنة وخوف ظهور دائن آخر ولأنه قد ثبت له الخيار فلا يزول بذلك. وهذا كله إذا لم يمض من مدة الاجارة شئ فلو مضى شئ منها له قسط من الأجرة فإن فسخ المؤجر قاسم مع الدائنين بجميع الأجرة. ولو أفلس مستأجر الدابة وحجر عليه فى أثناء الطريق ففسخ المؤجر لم يكن له طرح متاع المفلس فى موضع غير محرز أو يغلب فيه هلاك المتاع أو ضياعه. بل يجب عليه نقله إلى مكان أمين بأجرة المثل. ويقدم بذلك على الدائنين، لأنه لصيانة مال المفلس وحفظه وايصاله إلى الدائنين فأشبه أجرة الكيال والحمال وكيف كان لا يسلم المؤجر مال المفلس إلا إلى القاضى أو الحاكم، ومع التعذر يحفظه حتى يوصله إليه، ويمكن تسليمه إلى عدل ليوصله إليه. ولعل الأولى أن يحفظه ويعلمه به، لئلا يحصل التصرف والنقل من غير إذن. ولو كانت الاجارة لركوب المفلس وحصل الفسخ فى أثناء المسافة فكذلك أيضا ينقل المفلس إلى المأمن بأجرة مقدمة على الدائنين، دفعا للضرر عن نفسه الذى هو أولى من حفظ ماله. ولو فسخ المؤجر للأرض بسبب إفلاس المستأجر فإن كانت فارغة أخذها. وإن كانت الأرض مشغولة بالزرع فإن كان قد استحصد طالب المؤجر المفلس بحصاده وتفريغ أرضه. وإن لم يستحصد فإن كان له قيمة إذا قطع واتفق المفلس والدائنون على قطعه كان لهم ذلك. وإن اتفقوا على تبقيته وبذلوا لصاحب الأرض أجرة فلهم ذلك بشرط أن يقدموا المؤجر بأجرة المثل. وإن أرادوا تبقيته بدون عوض لم يكن لهم ذلك. ولو اختلفوا أجيب من طلب القطع، ويحتمل اجابة من طلب الأنفع هذا إذا أفلس المستأجر. أما إذا أفلس المؤجر بعد تعيين العين المستأجرة فلا فسخ بل يقدم المستأجر بالمنفعة كما يقدم المرتهن بالعين المرهونة عنده على غيره من دائنى المراهن المفلس، لأنه عقد لازم عقده قبل الحجر، والمنافع المستحقة للمستأجر متعلقة بعين ذلك المال فيقدم بها. ولا فرق فى التعيين بين أن يكون فى أصل العقد أو بعد وروده على الذمة ويكون للدائنين حينئذ الخيار بين الصبر حتى تنقضى مدة الاجارة ثم يبيعوها وبين البيع فى الحال، ولا مبالاة بما ينقص من الثمن بسبب الاجارة إذ لا يجب على الدائنين الصبر إلى أن يزيد مال المفلس. ولو اختلف الدائنون فى الصبر والبيع أجيب من يطلب البيع وحيث يختارون الصبر هل يبقى الحجر على المفلس مستمرا إلى انقضاء الاجارة وجهان: ولعل الأقوى عدم بقائه. أما إذا أفلس المؤجر قبل تعيين العين المؤجرة فللمستأجر الرجوع فى الأجرة إن كانت باقية لأنه دائن ظفر بعين ماله عند المفلس فله الرجوع فيها. وإن كانت الأجرة تالفة قاسم مع الدائنين بقيمة المنفعة، لأن المفروض عدم التعيين فيكون كسائر الدائنين ولا يقدم عليهم فى الاستيفاء. وليس له الفسخ ومقاسمة الدائنين بما دفعه من الأجرة وهذا كله فى اختصاص الدائن بعين ماله الموجودة تحت يد المفلس الحى المحجور عليه لافلاسه أما إذا مات المديون مفلسا أى لم يترك مالا يوفى كل الديون التى عليه - ولو غير محجور عليه

стр. 6689

فدائنوه كلهم سواء فى تركته، فتقسم على نسبة ديونهم سواء فى ذلك صاحب العين وغيره فلا يكون واحد منهم أحق من غيره بعين ماله الموجودة فى التركة. أما إذا ترك الميت المديون ما يوفى جميع ما عليه من ديون فإنه يجوز لصاحب العين حينئذ أن يأخذها ويكون أحق بها من سائر الدائنين على المشهور، سواء كانت التركة بقدر الدين أم أزيد، ومستند المشهور هذا صحيحه أبى ولاد عن الصادق، وبه. قال: ابن ادريس. وقال ابن الجنيد: يختص بها صاحبها وإن لم يكن بتركة الميت وفاء بديونه كلها قياسا على المفلس واستنادا إلى رواية مطلقة فى جواز الاختصاص (١) مذهب الإباضية: يجوز للبائع أو المقرض أو غيره ممن تعامل معاملة ما من المعاملات الجائزة مع المفلس الذى حكم بإفلاسه سلطان أو قاض أو جماعة أو نحو ذلك - أن يأخذ شيئه إن وجده عند المفلس بعينه. كما يجوز له أن يأخذ ثمنه إذا كان قائما عند المفلس أيضا، ويكون أحق بذلك من باقى دائنيه ولو لم يكن للمفلس غيره. لأن المفلس أخفى إفلاسه فكان فى معاملته كالسارق، فمن عامله بعد ذلك يسترد شيأه كما يسترد المسروق منه ما سرق المفلس إن قام بعينه أو ثمنه. وذلك كله إن لم يعلم من باع للمفلس أو أقرضه بأنه محكوم عليه بالافلاس (٢). وكذلك إن كان ذلك منه سابقا على الحكم فافلاسه والحجر عليه كما هو ظاهر الأحاديث الواردة فى ذلك والتى سبق ذكرها، وهو الظاهر أيضا عند علماء المذهب. قال صاحب شرح النيل: فالذى عندى حمل الأحاديث على العموم لما قبل الحكم بالافلاس ولما بعده إذا عامله بعده ولم يعلم به. وحاصله أن للدائن ما وجده مما تعامل به مع المفلس قبل الحجر، وكذلك بعده إن لم يعلم بالحجر. وصريح كلام الدعائم وشرحها: أنه لا يكون أحق بمتاعه إلا إذا باعه بعد الحكم عليه بالافلاس وكان جاهلا بذلك، قال ابن وصاف: المسألة من الجامع، ونصها من أخذ من قوم مالا ثم أفلس فهو بين الغرماء. وإن أخذه بعد أن أفلس ولم يعلم فتلك خيانة وصاحب المال أحق به إذا أدركه بعينه وبكلام الدعائم قال أبو الحسن (٣). والظاهر أن للدائن أخذ شيئه من المفلس بدون حكم القاضى به، وهو الصحيح كما هو ظاهر الأحاديث الواردة. وقيل: ليس له أخذه بدون قضاء القاضى به كما أن افلاسه صح بحكم القاضى. أما إن كان المتعامل مع المفلس عالما بافلاسه والحجر عليه فليس له إلا أن يقاسم مع الدائنين بحصة دينه حتى ولو كان ماله باقيا بعينه عند المفلس لأنه ضيع ماله. وقيل: يكون له ما يفضل عن الدائنين أو ما يسعى فيه المفلس مع قضاء ديونهم، ولا يأخذ متاعه ولا يقاسم مع الدائنين بحصة دينه، لما ذكر ومن كان حاضرا فى بلد المفلس أو قريبا منها وادعى عدم العلم بافلاسه لم يعذر. وقيل: يعذر أن تبين عذره. أما من كان غائبا عن ذلك فيعذر أن ادعى عدم العلم بافلاسه. وقيل: لا. وإن باع المفلس المحجور عليه ما أقرضه أو باعه له إنسان فلا يختص صاحب الشئ بما فى ذمة من باع له المفلس، كما لا يختص بشيئه إذا سلمه المفلس للمشترى. وقيل: إن باعه المفلس وقبضه المشترى منه كان لصاحبه أن يأخذه من المشترى ويرجع المشترى على المفلس بالثمن يقاسم به مع الدائنين. والوديعة صاحبها كذلك أحق بها على كل حال إذا أفلس المودع لأن ملك صاحبها لم يزل عنها. فإن دخلت الوديعة فى

стр. 6690

ضمان المودع المفلس لأى سبب من الأسباب فصاحبها أسوة الدائنين (١). وإن وجد البائع مثلا مبيعه بعينه عند المفلس بعد الحجر عليه إلا أنه قد تغير بالنقص فى ذاته أو فى صفته فلا يكون البائع أحق به من الدائنين بل يكون أسوتهم فيه وفى غيره (٢). أما إذا وجد الدائن ماله عند المفلس بعينه وقد تولدت منه زوائد منفصلة وهى موجودة بيده كصوف مجزوز ولبن محلوب فظاهر الحديث أنه لا يكون أحق بها فلا يأخذها لأن المذكور فى الحديث ادراك عين المتاع وليست هذه بعين المتاع، ولأنها حدثت على ملك المشترى (٣). وإن كان المبيع أرضا فزرعها المشترى أو بنى فيها أو غرس ثم أفلس والزرع أخضر فالزرع والبناء والغرس للمفلس، والأرض للبائع، ويخير أن تكون له قيمتها فارغة، وفى أن يكون مع الدائنين فيها وفيما عليها، فيباع الكل ويحسب ثمنها فارغة والباقى للدائنين. وأما الثمرة فيها وفى النخل إذا أثمر فى يد البائع وباعها مثمرة فزادة فى يد المشترى المفلس فللبائع المال والثمرة لأنها عين ماله. وإن أفلس المؤجر قبل أن يعمل الأجير فقال أبو سعيد: إن كان العقد بينهما وهو مفلس لم يقع ويطل فإن عمل الأجير كان له أجر مثله مع الدائنين. وإن كان العقد بينهما قبل إفلاس المؤجر ثم أفلس بعد العمل فالأجير أسوة الدائنين حتى ولو كان المال بيده أيضا. وإن أفلس قبل العمل خير الأجير بين أن يعمل وله أجرته مع الدائنين، وبين أن يفسخ. ومن استأجر أرضا وزعها ثم أفلس فإن صاحب الأرض الذى أجرها أحق بزرعها حتى يستوفى أجرة أرضه لأن الزرع إنما نشأ عن الأرض فكانت كالحيازة له. ومن باع شيئا ولم يخرجه من يده حتى أفلس المشترى فالبائع أحق بما فى يده حتى يستوفى ثمنه وكذلك من استصنع فى خياطة أو غيرها والمصنوع فى يده ثم أفلس صاحبه فالصانع أحق بما فى يده حتى يستوفى أجرته. ومن اشترى شيئا ودفع ثمنه ثم وجد به عيبا فرده على بائعه ثم أفلس البائع قبل أن يسترد المشترى ثمنه منه فلا يكون المشترى أحق بذلك الشئ الذى رده. وإن رده المشترى بعد افلاس البائع ففيه خلاف. قال العاصمى: لا يكون المشترى أولى به أيضا. ومن اشترى سلعة شراء فاسدا وقد دفع ثمنها أو قدر له دين فى ذمة البائع ثم أفلس البائع والسلعة لم تفت وهى بيد المشترى فإن البيع يفسخ ويختص بها المشترى (٤). وهذا كله فى المفلس حال حياته. أما إن مات فليس لصاحب الشئ إلا المقاسمة مع الدائنين بعوض شيئه وليس له أخذه وإن كان موجودا بعينه ضمن التركة. وإن أراد الدائنون أو الورثة اعطاء صاحب السلعة الثمن ودفعوه له فإنه يلزمه قبوله (٥). خامسا: ما يترتب على الحكم بافلاس المديون والحجر عليه حبس المفلس وانظاره وملازمته وما يتبع ذلك إن ادعى المديون الافلاس ولم يعرف له مال وطلب دائنوه من القاضى - بعد اثبات ديونهم أمامه - أن يحبسه حبسه اتفاقا، لأن قضاء الدين واجب عليه،، والمماطلة ظلم فيحبسه القاضى دفعا لظلمه والحبس جزاء المماطلة بقوله ﷺ : «لى الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته» (٦) قال أحمد قال وكيع: عرضه شكايته وعقوبته حبسه والمقصود من الحبس حمل المديون على قضاء الدين من أى طريق شاء من استقراض واتهاب وسؤال صدقة واستظهر ابن عابدين أن حبس المفلس لا يكون لغير القاضى فلا يحبسه المحكم وقال: لكن نقل الحموى عن صدر الشريعة أن له
следующие страницы →