← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 6686–6725 · переход к 6691.

стр. 6686

عليه فى عقد الهبة ايفاء صاحب العين. الثانى: أن يكون العوض حالا، فلو كان مؤجلا وحجر على المفلس قبل حلوله لم يختص الدائن بالعين ولا يشارك الدائنين، ولا يجب ايقاف السلعة حتى يحل الأجل بل تقسم على أصحاب الديون الحالة لأنه لا مطالبة بالدين المؤجل فى الحال فلا يفسخ البيع اللازم بغير موجب، وقد تعلق حق الدائنين بالعين ولا دليل على سقوطه. ولو حل الأجل قبل انفكاك الحجر عن المفلس ففى الرجوع حينئذ اشكال منشؤه عموم الخبر وتعلق حق الدائنين وقد قرب فى التذكرة رجوع صاحب العين فيها وعدم مشاركته الدائنين إن حل أجل دينه قبل انفكاك الحجر. وقال فى التحرير: إن كان مال المفلس قد قسم وبيعت العين فلا رجوع لصاحبها فيها ولو لم يفك الحجر عن المفلس وإن لم تبع كان له الرجوع فيها. ولو أفلس المشترى بعد اقباض بعض الثمن كان للبائع الرجوع فى العين بقدر ما بقى من الثمن ولا يشترط فى رجوعه فى العين رد ما قبضه ليرجع فى العين كلها. وأما المعاوضة وهى التى انتقل بها الملك إلى المفلس فلها شرطان: الأول: كونها معاوضة محضة فلا يثبت حق الفسخ والرجوع للدائن فى عين ماله القائم عند المفلس إلا إذا كان سبب الانتقال معاوضة محضة مثل البيع والاجارة والهبة المعوضة والسلم والصلح ونحوه. أما غير ذلك مما فيه شائبة المعاوضة كالنكاح والخلع والعفو عن القصاص على مال فلا فسخ ولا رجوع فيه بمعنى أن الزوجة لا تفسخ النكاح لتعذر استيفاء الصداق بسبب افلاس الزوج وليس للزوج فسخ الخلع، ولا للعافى فسخ العفو لافلاس الزوجة أو الجانى بالعوض المتقاعد عليه. نعم لو طلق الزوج زوجته قبل الدخول فسقط نصف المهر وبقى نصفه وعينه موجودة وقد أفلست الزوجة فالزوج أحق بعين ماله من سائر الدائنين. الثانى: سبق المعاوضة وسببها على الحجر، فلا فسخ ولا تعلق للدائن بعين ماله إذا كان سبب وجوب دينه على المفلس حادثا. بعد الحجر عليه لعلمه بافلاسه فليس له الرجوع ولا مشاركة غيره من الدائنين بل يصبر حتى يوسع الله على المفلس. ويحتمل فى الجاهل بالافلاس والحجر مشاركته للدائنين فى مال المفلس بحصة دينه واختصاصه بعين ماله. والصبر. ولو أفلس مؤجر الدار مثلا وهى فى يد المستأجر فانهدمت بعد الحجر وقسمة المال فللمستأجر الرجوع إلى الأجرة أو الباقى منها، ويشارك الدائنين بدينه هذا لاستناده إلى عقد سابق على الحجر وهو الاجازة فصار كما لو انهدمت الدار قبل القسمة. وقيل: لا يكون له مشاركة الدائنين به لأنه دين حدث على المفلس بعد قسمة ماله وأما المعوض فله شرطان: الأول: بقاؤه فى ملك المفلس فلو تلف أو باعه المفلس أو رهنه فليس لصاحبه إلا أن يشارك الدائنين بحصة ثمنه سواء زادت القيمة عن الثمن أم لا. ولو عاد إلى ملك المفلس بلا عوض كالهبة والوصية أو بفسخ كالاقالة والرد بعيب احتمل الرجوع وهو الوجه لأنه وجد عين ماله ويحتمل عدم الرجوع لتلقى المفلس الملك من غيره. وإن عاد بعوض كالشراء فإن وفى المفلس الثمن للبائع الثانى فكالأول وإن لم يوفه احتمل عوده إلى البائع الأول لسبق حقه، وإلى الثانى لقرب حقه، وتساويهما فيشارك كل منهما الدائنين بنصف الثمن ولا يشترط لصحة الرجوع والفسخ بسبب الافلاس معرفة البيع مثلا، ولا القدرة على تسليمه ولا امتيازه عن غيره فلو روجع البائع فى الغائب بعد مضى مدة يمكن التغير فيها صح رجوعه فإن بان تالفا وقت الرجوع بطل وقاسم بالثمن مع الدائنين. ولو رجع فى البعير الشارد صح فإن قدر عليه أخذه، وإن تلف كان من ماله إلا أن يكون التلف قبل الرجوع ولو تنازعا فى تعيين المبيع بعد الرجوع لاشتباهه بغيره مثلا فالقول قول المفلس لأنه منكر فيقاسم البائع الدائنين بالثمن خاصة ولا يكون له اختصاص بأخذ مبيعه. الثانى: عدم تغيره، فإن تغيرت السلعة فوجدها البائع عند المفلس ناقصة نقصا يقابله عوض ويصح أفراده بالبيع كما لو وجد بعض الثياب المبيعة دون البعض فإنه يتخير بين ترك الباقى والمشاركة مع الدائنين بالثمن كله وبين ما أخذ الباقى بحصته من

стр. 6687

الثمن ومشاركة الدائنين بثمن ما نقص. وإن لم يقابله عوض مثل أن يسقط بعض أطراف الحيوان فإن لم يجب فى مقابلته عوض بأن حصل بفعل الله تعالى أو بفعل المفلس تخير الدائن بين أخذ العين ناقصة بجميع الثمن، وبين تركها مشاركة الدائنين بجميع الثمن. وإن وجب فى مقابلته عوض بأن حصل بجناية أجنبى تخير بين تركه ومشاركة الدائنين بجميع ثمنه وبين المرجوع فيه ومشاركة الدائنين بحصة ما نقص من الثمن فينظركم نقص من قيمته فيرجع بذلك الجزء من الثمن لا من القيمة ولو تغير المعوض بالزيادة المتصلة كالسن والنمو عند المفلس لم يكن لمالكه أخذه لحصول الزيادة على ملك المفلس فيمتنع أخذ العين بدونها ومعها. وقيل: يجوز له أخذه مع هذه الزيادة مجانا لأن هذه الزيادة صفة محضة، وليست من فعل المفلس. فلا تعد مالا له، بل نماء يتبع الأصلى، ولعموم حديث «من وجد عين ماله فهو أحق به». وفى قول ثالث: يجوز له أخذه. لكن يكون المفلس شريكا لمالكه بمقدار الزيادة. ولو تغير بالزيادة المنفصلة كاللبن والولد وإن لم ينفصل والثمرة وإن لم تقطف لم يمنع ذلك من أخذه الأصل فقط بجميع الثمن. أما الزيادة فتكون للمفلس. ولو اشترى حبا فزرعه أو بيضة فأحضنها ثم أفلس بعد أن أحصد الزرع أو صارت البيضة فرخا لم يكن لصاحبه أخذه، لأنه ليس عين ماله. ولو اشترى نخلا لا ثمر فيه أو أرضا فارغة فأثمر النخل وزرع الأرض ثم أفلس بعد تلقيح الثمر كان للبائع الرجوع فى الأرض والنخل دون الثمرة والزرع، وليس له المطالبة بقطع الثمرة ولا قلع الزرع قبل الجذاذ والحصاد ولا أجرة له فى ذلك. فإن طلب المفلس والدائنون كلهم أو بعضهم قطعة. قال الشيخ: يجاب الطالب. ولو قيل: يعمل ما فيه المصلحة كان حسنا. ولو اشترى أرضا بيضاء فبنى فيها المشترى أو غرس ثم أفلس كان صاحب الأرض أحق بها، وليس له ازالة البناء ولا الغرس حتى ولو بذل أرش النقصان على الأوجه. بل يباعان ويكون له ما قابل الأرض فإن امتنع بقيت له الأرض وبيعت الغروس والأبنية منفردة. ولو أفلس المشترى بعد مزج البيع بغيره فإن كان مساويا له أو أردأ منه تخير البائع بين الرجوع فى العين وبين مشاركة الدائنين بالثمن. إلا أن له فى حالة مزجه بالأردأ المطالبة ببيعه فيأخذ ما يساوى ماله ويدفع الباقى للدائنين. أما لو طلب البيع فى حالة مزجه بالمماثل له فالوجه عدم وجوب اجابته إلى ذلك. وأما أن مزجه بما هو أجود منه فإنه يسقط حق البائع فى الرجوع فيه، ويشارك بالثمن مع الدائنين ولو نسج المشترى الغزل أو طحن الحنطة أو خبز الدقيق أو خاط الثوب بخيوط من عنده ثم أفلس كان للبائع أخذ العين وكان للمفلس أجرة ما زاد بعمله. ولو لم تزد القيمة أو نقصت بالعمل الذى عمله المفلس فإنه يسقط حكم العمل. ومع الزيادة إن كان المفلس وعمل: ذلك بنفسه أو بأجرة وفاها لأجير فإنه يكون شريكا للبائع بمقدار الزيادة فإن دفعها البائع أجبر المفلس على قبولها للدائنين. وإن لم يدفعها بيع الجميع ودفع الثمن الأصلى بغير الزيادة إلى البائع، وما قابل الزيادة إلى الدائنين. وإن كان العامل أجيرا لم يستوف أجرته كان له حبس العين إلى أن يستوفى أجرته وتقدم أجرته على سائر الدائنين. فإن كانت أجرته بقدر الزيادة دفعت إليه. وإن كانت أكثر أخذ بقدر الزيادة وشارك بالباقى مع الدائنين. وإن كانت أقل كان له بقدر أجرته والباقى للدائنين ولو صبغ الثوب ثم أفلس تشاركا أيضا على التفصيل السابق. ويثبت الفسخ فى السلم أيضا إن أفلس المسلم إليه فيرجع المسلم إلى رأس المال ويكون أحق به من سائر الدائنين إن وجد عند المفلس بعينه. وإن لم يجده قال الشيخ يشارك الدائنين بقيمة المسلم فيه. وقيل: يشاركهم بالثمن - وهو رأس المال - لتعذر الوصول إلى حقه فيتمكن من فسخ السلم. وإن كان فى مال المفلس من جنس المتاع أعطى منه بقدر ما يخصه من القيمة إن كان مثليا. وإن لم يكن اشترى له بقدر الذى يخصه من القيمة مثل المتاع وسلم إليه وليس له أخذ بدل المتاع من القيمة التى تخصه لأنه لا يجوز صرف المسلم فيه إلى غيره قبل قبضه. ولو اشترى شقصا مما يجب فيه الشفعة ثم

стр. 6688

أفلس وحجر عليه القاضى ثم علم الشريك بالبيع وأراد الأخذ بالشفعة وأراد البائع الرجوع فى الشقص دفع إلى الشفيع، وكان الثمن أسوة بين الدائنين لا يختص به البائع. ولو أفلس مشترى الصيد والبائع محرم فلا رجوع له فيه، ولو كان حلالا والصيد فى الحل جاز الرجوع حتى وإن كان المشترى محرما أو كان البائع فى الحرم. ولو اقترض ثم أفلس كان للمقرض الرجوع فى العين إن كانت موجودة. ولو أفلس مستأجر الدابة أو الأرض مثلا قبل دفع الأجرة وقيل مضى شئ من المدة فللمؤجر الرجوع فى المنافع وفسخ الاجارة تنزيلا للمنافع منزلة الأعيان ولأنه قد وجد عين ماله لم يتلف منه شئ وإن اختار المؤجر امضاء الاجارة فله ذلك ويقاسم مع الدائنين بالأجرة. ويؤجر القاضى العين على المفلس كما يؤجر أعيان أمواله التى لا يمكن بيعها، ويصرف الأجرة إلى الدائنين إذا كانت الاجارة على عين معينة أو فى الذمة وحصل التعيين. فإن لم يكن المؤجر قد عين ولم يفسخ طالبه القاضى بتعيين العين ثم يؤجر العين حينئذ. ولو بذل الدائنون للمؤجر أجر عينه حتى لا يفسخ لم يلزمه الامضاء، لمنة وخوف ظهور دائن آخر ولأنه قد ثبت له الخيار فلا يزول بذلك. وهذا كله إذا لم يمض من مدة الاجارة شئ فلو مضى شئ منها له قسط من الأجرة فإن فسخ المؤجر قاسم مع الدائنين بجميع الأجرة. ولو أفلس مستأجر الدابة وحجر عليه فى أثناء الطريق ففسخ المؤجر لم يكن له طرح متاع المفلس فى موضع غير محرز أو يغلب فيه هلاك المتاع أو ضياعه. بل يجب عليه نقله إلى مكان أمين بأجرة المثل. ويقدم بذلك على الدائنين، لأنه لصيانة مال المفلس وحفظه وايصاله إلى الدائنين فأشبه أجرة الكيال والحمال وكيف كان لا يسلم المؤجر مال المفلس إلا إلى القاضى أو الحاكم، ومع التعذر يحفظه حتى يوصله إليه، ويمكن تسليمه إلى عدل ليوصله إليه. ولعل الأولى أن يحفظه ويعلمه به، لئلا يحصل التصرف والنقل من غير إذن. ولو كانت الاجارة لركوب المفلس وحصل الفسخ فى أثناء المسافة فكذلك أيضا ينقل المفلس إلى المأمن بأجرة مقدمة على الدائنين، دفعا للضرر عن نفسه الذى هو أولى من حفظ ماله. ولو فسخ المؤجر للأرض بسبب إفلاس المستأجر فإن كانت فارغة أخذها. وإن كانت الأرض مشغولة بالزرع فإن كان قد استحصد طالب المؤجر المفلس بحصاده وتفريغ أرضه. وإن لم يستحصد فإن كان له قيمة إذا قطع واتفق المفلس والدائنون على قطعه كان لهم ذلك. وإن اتفقوا على تبقيته وبذلوا لصاحب الأرض أجرة فلهم ذلك بشرط أن يقدموا المؤجر بأجرة المثل. وإن أرادوا تبقيته بدون عوض لم يكن لهم ذلك. ولو اختلفوا أجيب من طلب القطع، ويحتمل اجابة من طلب الأنفع هذا إذا أفلس المستأجر. أما إذا أفلس المؤجر بعد تعيين العين المستأجرة فلا فسخ بل يقدم المستأجر بالمنفعة كما يقدم المرتهن بالعين المرهونة عنده على غيره من دائنى المراهن المفلس، لأنه عقد لازم عقده قبل الحجر، والمنافع المستحقة للمستأجر متعلقة بعين ذلك المال فيقدم بها. ولا فرق فى التعيين بين أن يكون فى أصل العقد أو بعد وروده على الذمة ويكون للدائنين حينئذ الخيار بين الصبر حتى تنقضى مدة الاجارة ثم يبيعوها وبين البيع فى الحال، ولا مبالاة بما ينقص من الثمن بسبب الاجارة إذ لا يجب على الدائنين الصبر إلى أن يزيد مال المفلس. ولو اختلف الدائنون فى الصبر والبيع أجيب من يطلب البيع وحيث يختارون الصبر هل يبقى الحجر على المفلس مستمرا إلى انقضاء الاجارة وجهان: ولعل الأقوى عدم بقائه. أما إذا أفلس المؤجر قبل تعيين العين المؤجرة فللمستأجر الرجوع فى الأجرة إن كانت باقية لأنه دائن ظفر بعين ماله عند المفلس فله الرجوع فيها. وإن كانت الأجرة تالفة قاسم مع الدائنين بقيمة المنفعة، لأن المفروض عدم التعيين فيكون كسائر الدائنين ولا يقدم عليهم فى الاستيفاء. وليس له الفسخ ومقاسمة الدائنين بما دفعه من الأجرة وهذا كله فى اختصاص الدائن بعين ماله الموجودة تحت يد المفلس الحى المحجور عليه لافلاسه أما إذا مات المديون مفلسا أى لم يترك مالا يوفى كل الديون التى عليه - ولو غير محجور عليه

стр. 6689

فدائنوه كلهم سواء فى تركته، فتقسم على نسبة ديونهم سواء فى ذلك صاحب العين وغيره فلا يكون واحد منهم أحق من غيره بعين ماله الموجودة فى التركة. أما إذا ترك الميت المديون ما يوفى جميع ما عليه من ديون فإنه يجوز لصاحب العين حينئذ أن يأخذها ويكون أحق بها من سائر الدائنين على المشهور، سواء كانت التركة بقدر الدين أم أزيد، ومستند المشهور هذا صحيحه أبى ولاد عن الصادق، وبه. قال: ابن ادريس. وقال ابن الجنيد: يختص بها صاحبها وإن لم يكن بتركة الميت وفاء بديونه كلها قياسا على المفلس واستنادا إلى رواية مطلقة فى جواز الاختصاص (١) مذهب الإباضية: يجوز للبائع أو المقرض أو غيره ممن تعامل معاملة ما من المعاملات الجائزة مع المفلس الذى حكم بإفلاسه سلطان أو قاض أو جماعة أو نحو ذلك - أن يأخذ شيئه إن وجده عند المفلس بعينه. كما يجوز له أن يأخذ ثمنه إذا كان قائما عند المفلس أيضا، ويكون أحق بذلك من باقى دائنيه ولو لم يكن للمفلس غيره. لأن المفلس أخفى إفلاسه فكان فى معاملته كالسارق، فمن عامله بعد ذلك يسترد شيأه كما يسترد المسروق منه ما سرق المفلس إن قام بعينه أو ثمنه. وذلك كله إن لم يعلم من باع للمفلس أو أقرضه بأنه محكوم عليه بالافلاس (٢). وكذلك إن كان ذلك منه سابقا على الحكم فافلاسه والحجر عليه كما هو ظاهر الأحاديث الواردة فى ذلك والتى سبق ذكرها، وهو الظاهر أيضا عند علماء المذهب. قال صاحب شرح النيل: فالذى عندى حمل الأحاديث على العموم لما قبل الحكم بالافلاس ولما بعده إذا عامله بعده ولم يعلم به. وحاصله أن للدائن ما وجده مما تعامل به مع المفلس قبل الحجر، وكذلك بعده إن لم يعلم بالحجر. وصريح كلام الدعائم وشرحها: أنه لا يكون أحق بمتاعه إلا إذا باعه بعد الحكم عليه بالافلاس وكان جاهلا بذلك، قال ابن وصاف: المسألة من الجامع، ونصها من أخذ من قوم مالا ثم أفلس فهو بين الغرماء. وإن أخذه بعد أن أفلس ولم يعلم فتلك خيانة وصاحب المال أحق به إذا أدركه بعينه وبكلام الدعائم قال أبو الحسن (٣). والظاهر أن للدائن أخذ شيئه من المفلس بدون حكم القاضى به، وهو الصحيح كما هو ظاهر الأحاديث الواردة. وقيل: ليس له أخذه بدون قضاء القاضى به كما أن افلاسه صح بحكم القاضى. أما إن كان المتعامل مع المفلس عالما بافلاسه والحجر عليه فليس له إلا أن يقاسم مع الدائنين بحصة دينه حتى ولو كان ماله باقيا بعينه عند المفلس لأنه ضيع ماله. وقيل: يكون له ما يفضل عن الدائنين أو ما يسعى فيه المفلس مع قضاء ديونهم، ولا يأخذ متاعه ولا يقاسم مع الدائنين بحصة دينه، لما ذكر ومن كان حاضرا فى بلد المفلس أو قريبا منها وادعى عدم العلم بافلاسه لم يعذر. وقيل: يعذر أن تبين عذره. أما من كان غائبا عن ذلك فيعذر أن ادعى عدم العلم بافلاسه. وقيل: لا. وإن باع المفلس المحجور عليه ما أقرضه أو باعه له إنسان فلا يختص صاحب الشئ بما فى ذمة من باع له المفلس، كما لا يختص بشيئه إذا سلمه المفلس للمشترى. وقيل: إن باعه المفلس وقبضه المشترى منه كان لصاحبه أن يأخذه من المشترى ويرجع المشترى على المفلس بالثمن يقاسم به مع الدائنين. والوديعة صاحبها كذلك أحق بها على كل حال إذا أفلس المودع لأن ملك صاحبها لم يزل عنها. فإن دخلت الوديعة فى

стр. 6690

ضمان المودع المفلس لأى سبب من الأسباب فصاحبها أسوة الدائنين (١). وإن وجد البائع مثلا مبيعه بعينه عند المفلس بعد الحجر عليه إلا أنه قد تغير بالنقص فى ذاته أو فى صفته فلا يكون البائع أحق به من الدائنين بل يكون أسوتهم فيه وفى غيره (٢). أما إذا وجد الدائن ماله عند المفلس بعينه وقد تولدت منه زوائد منفصلة وهى موجودة بيده كصوف مجزوز ولبن محلوب فظاهر الحديث أنه لا يكون أحق بها فلا يأخذها لأن المذكور فى الحديث ادراك عين المتاع وليست هذه بعين المتاع، ولأنها حدثت على ملك المشترى (٣). وإن كان المبيع أرضا فزرعها المشترى أو بنى فيها أو غرس ثم أفلس والزرع أخضر فالزرع والبناء والغرس للمفلس، والأرض للبائع، ويخير أن تكون له قيمتها فارغة، وفى أن يكون مع الدائنين فيها وفيما عليها، فيباع الكل ويحسب ثمنها فارغة والباقى للدائنين. وأما الثمرة فيها وفى النخل إذا أثمر فى يد البائع وباعها مثمرة فزادة فى يد المشترى المفلس فللبائع المال والثمرة لأنها عين ماله. وإن أفلس المؤجر قبل أن يعمل الأجير فقال أبو سعيد: إن كان العقد بينهما وهو مفلس لم يقع ويطل فإن عمل الأجير كان له أجر مثله مع الدائنين. وإن كان العقد بينهما قبل إفلاس المؤجر ثم أفلس بعد العمل فالأجير أسوة الدائنين حتى ولو كان المال بيده أيضا. وإن أفلس قبل العمل خير الأجير بين أن يعمل وله أجرته مع الدائنين، وبين أن يفسخ. ومن استأجر أرضا وزعها ثم أفلس فإن صاحب الأرض الذى أجرها أحق بزرعها حتى يستوفى أجرة أرضه لأن الزرع إنما نشأ عن الأرض فكانت كالحيازة له. ومن باع شيئا ولم يخرجه من يده حتى أفلس المشترى فالبائع أحق بما فى يده حتى يستوفى ثمنه وكذلك من استصنع فى خياطة أو غيرها والمصنوع فى يده ثم أفلس صاحبه فالصانع أحق بما فى يده حتى يستوفى أجرته. ومن اشترى شيئا ودفع ثمنه ثم وجد به عيبا فرده على بائعه ثم أفلس البائع قبل أن يسترد المشترى ثمنه منه فلا يكون المشترى أحق بذلك الشئ الذى رده. وإن رده المشترى بعد افلاس البائع ففيه خلاف. قال العاصمى: لا يكون المشترى أولى به أيضا. ومن اشترى سلعة شراء فاسدا وقد دفع ثمنها أو قدر له دين فى ذمة البائع ثم أفلس البائع والسلعة لم تفت وهى بيد المشترى فإن البيع يفسخ ويختص بها المشترى (٤). وهذا كله فى المفلس حال حياته. أما إن مات فليس لصاحب الشئ إلا المقاسمة مع الدائنين بعوض شيئه وليس له أخذه وإن كان موجودا بعينه ضمن التركة. وإن أراد الدائنون أو الورثة اعطاء صاحب السلعة الثمن ودفعوه له فإنه يلزمه قبوله (٥). خامسا: ما يترتب على الحكم بافلاس المديون والحجر عليه حبس المفلس وانظاره وملازمته وما يتبع ذلك إن ادعى المديون الافلاس ولم يعرف له مال وطلب دائنوه من القاضى - بعد اثبات ديونهم أمامه - أن يحبسه حبسه اتفاقا، لأن قضاء الدين واجب عليه،، والمماطلة ظلم فيحبسه القاضى دفعا لظلمه والحبس جزاء المماطلة بقوله ﷺ : «لى الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته» (٦) قال أحمد قال وكيع: عرضه شكايته وعقوبته حبسه والمقصود من الحبس حمل المديون على قضاء الدين من أى طريق شاء من استقراض واتهاب وسؤال صدقة واستظهر ابن عابدين أن حبس المفلس لا يكون لغير القاضى فلا يحبسه المحكم وقال: لكن نقل الحموى عن صدر الشريعة أن له

стр. 6691

الحبس ويحسبه القاضى ولو ادعى الافلاس فى كل دين لا يقبل منه مجرد دعوى الافلاس به. وقد سبق ذكر هذه الديون فى طرق اثبات الافلاس» ولا يحبسه فيما سوى ذلك من الديون أن ادعى الافلاس. ويستثنى من ذلك دين نفقة زوجته وولده الصغير الفقير فإنه يحبس به إن طلبت حبسه وكانت النفقة مقضيا بها أو متراضى عليها وعن مدة ماضيه وكذلك نفقة القريب إذا كانت مستدانة بأمر القاضى. وذلك لظلمه بالامتناع عن ذلك. ولا يحبس أصل وان علا فى دين فرعه لأن الحبس نوع عقوبة فلا يستحقه الولد على والده وسواء كان الأصل موسرا أم معسرا. إلا إذا امتنع من الانفاق عليه على ما ذكر ويحبس المسلم بدين الذمى والمستأمن وعكسه، وإذا حبس الكفيل يحبس المكفول عنه معه ولا يحبس الصغير المحجور بدين الاستهلاك بل يحبس والده أو وصية حتى يوفى الدين أو يظهر اعسار الصغير وكذلك لا يحبس المديون فى دين مؤجل لأنه لا يطالب به قبل حلول الأجل. ومدة حبس القاضى لمن يدعى الافلاس بدينه غير مقدرة بزمن معين. بل يرجع أمر تقديرها إلى رأى القاضى واجتهاده على الأرجح، إذ المقصود بالحبس أن يضجر قلب المديون فيقضى الدين إن كان له مال أو من أى طريق وهذا يختلف باختلاف أحوال الأشخاص فإذا حبسه القاضى هذه المدة سأل عنه على التفصيل السابق فى طرق اثبات الافلاس. فإن لم يظهر له مال أطلقه من الحبس ولو بدون رضا الدائن، ولا يطالبه بكفيل إلا فى ثلاث: مال اليتيم، والوقف، وإذا كان الدائن غائبا. وهذا إذا كان حاله مشكلا يسارا واعسارا. وأما غيره فقال أبو حنيفة: إذا كان المديون معروفا بالعسرة لم أحبسه أى ولو كان الدين ثمنا أو قرضا كما هو ظاهر الاطلاق وفى الفتاوى الخانية: ولو كان المديون ظاهر الفقر سأل القاضى عنه عاجلا وقبل بينته على افلاسه وخلى سبيله. وكذلك يخلى سبيل المفلس إذا أقام البينة بعد حبسه أنه لا مال له، لأنه استحق النظرة إلى المسيرة، قال تعالى: «وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ» (١) فتكون حبسه بعد ذلك ظلما. وإذا أطلق القاضى المفلس بعد ثبوت افلاسه والحكم به فلا يحبسه ثانيا لا للدين الأول ولا لغيره حتى يثبت الدائن أنه موسر. وفيما عدا هذا لا يجوز اطلاق المفلس من الحبس إلا إذا رضى بذلك كل الدائنين الذين طلبوا حبسه بسبب افلاسه بديونهم أو إذا أحضر المحبوس الدين للقاضى فى غيبة الدائن. ويحبس المديون فى موضع متوحش ليس به فراش، ولا يدخل عليه أحد ليستأنس به إلا أقاربه وجيرانه، لأن اجتماعه بهؤلاء واستشارتهم قد يفضى إلى المقصود من الحبس وهو ايفاد الدين ولا يمكثون عنده طويلا. ولا يخرج من حبسه لصلاة جماعة أو جمعة أو عيد، ولا لحج ولو فرضا، ولا لعيادة مريض ولا لحضور جنازة ولو كان بكفيل. والمفتى به أنه يخرج بكفيل لجنازة أصوله وفروعه دون غيرهم. وإذا مرض فى حبسه ولم يجد من يمرضه ويخدمه أخرج من السجن بكفيل وهذا إذا كان الغالب عليه الهلاك وعليه الفتوى لأنه قد يموت بسبب عدم الممرض ولا يجوز أن يكون الدين مفضيا للتسبب فى هلاكه فإن وجد من يخدمه فى حبسه أو لم يجد من يكفله لا يطلقه من حبسه ولا يخرج من السجن ليتكسب كما لا يمكن المحترف من الاشتغال بحرفته فى الحبس على الصحيح من المذهب لأن الحبس مشروع ليضجر قلبه فيقضى دينه، ومتى تمكن من الاكتساب لا يضجر فيكون السجن له بمنزلة الحانوت. وقال البعض: لا يمنع من الاكتساب فى السجن لأن فيه نظر للجانبين، لجانب المديون لأنه ينفق على نفسه وعياله ولجانب صاحب الدين لأنه إذا فضل منه شئ بعد ذلك صرف فى قضاء دينه. ولا يضرب المفلس فى حبسه ولا يغل ولا يقيد ولا يخوف ولا يجرد من ثيابه ولا يؤاجر ولا يقام بين يدى صاحب الحق اهانة له. ولا يضيق القاضى على المحبوس لأجل الدين فى مأكوله ومشروبه وملبوسة كما يمنعه من الاسراف فى ذلك، ويقدر له الوسط مع الاقتصاد. وإذا أطلق القاضى

стр. 6692

المفلس من الحبس بعد ظهور افلاسه فلا يحول بينه وبين الدائنين بعد الاطلاق. بل يكون منم حقهم عند أبى حنيفة - أن يلازموه، لقوله ﷺ : «لصاحب الحق يد ولسان» أراد باليد الملازمة، وباللسان التقاضى، ولأن المال غاد ورائح فيمكن أن يحصل فى كل ساعة وفى كل لحظة، والملازمة لا تنافى الانظار المذكور فى الآن، لأن وقوف الشهود على افلاس المديون لا يتحقق حقيقة، وإنما يثبت بالاستدلال على ظاهر حاله، فيمكن أن يكون له مال قد أخفاه عن الدائنين لأن كثيرا من الناس يتزيون بزى الفقراء وهم أغنياء، فيلازمونه لاحتمال أن يظهر له مال أو يضجر من الملازمة فيعطيهم حقهم. وقال أبو يوسف ومحمد: إذا حكم القاضى بافلاس المديون حال بينه وبين دائنيه إلا أن يقيموا البينة أن له مالا، للآية ولأن القضاء بالافلاس عندهما يصح فتثبت العسرة فيستحق الانظار إلى الميسرة. وفى رواية أخرى لمحمد أنه يجوز لصاحب الدين أن يلازم مديونه المفلس حيث أحب من المصحر. وظاهر الرواية هو ما ذهب إليه أبو حنيفة وهو الصحيح. والملازمة هى أن يدور الدائنون مع المفلس حيث دار، ولا يحبسونه فى موضع واحد، ولا يمنعونه من التصرف فى البيع والشراء حال الملازمة كما لا يمنعونه من السفر. وإن دخل بيته لحاجة لا يتبعونه بل ينتظرونه أمام باب بيته حتى يخرج. ويأخذون ما زاد من كسبه بعد نفقته ونفقة عياله فيقسم بينهم بقدر حصة كل واحد منهم من الدين لاستواء حقوقهم فى القوة وهذا إذا أخذوا ما زاد من كسبه بغير اختياره، أو أخذه القاضى وقسمه بينهم بدون اختياره. وأما المديون فى حال صحته فله أن يقضى ديونه بنقسه وله أن يؤثر أحد الدائنين على غيره بقضاء الدين - عند أبى حنيفة لأنه يتصرف فى خالص ملكه ولم يتعلق به حق أحد فيتصرف فيه حسب مشيئته. وبهذا أيضا قال أبو يوسف ومحمد: بالنسبة لكسبه وماله الحادث له بعد الحكم بافلاسه والحجر عليه. وللدائن أن يلازم مديونه المفلس بدون أمر القاضى إن كان المفلس مقرا بدينه. وله أن يلازمه بنفسه أو غيره ممن أحب من عياله أو أجيره أو نائبه فإن رفض المفلس ألا يلازمه غير الدائن فله ذلك. ولو اختار المفلس الحبس والدائن الملازم فالخيار إلى الدائن لأنه أبلغ فى حصول المقصود لاختياره الأضيق والأشد عليه. إلا إذا علم القاضى أنه يتعدى على مديونه ويضره ضررا بينا بملازمته مثل ألا يمكنه من دخول داره أو يتبعه فى الدخول أو يمنعه من الاكتساب بقدر قوت يومه له ولعياله فحينئذ يحبسه دفعا للضرر عنه. وإن كانت الملازمة تضر الدائن أو عياله لكونه ممن يكتسب بالسعى فى الأسواق فله أن يكلف المفلس أن يقيم كفيلا بنفسه ثم يخلى سبيله. ووقت الملازمة هو كل وقت يتوهم وقوع مال للمفلس فيه، سواء كان ليلا أم نهارا، فليس للدائن أن يلازمه فى وقت لا يتوهم فيه ذلك كما لو كان مريضا مثلا، لعدم (١) الفائدة فى الملازمة حينئذ. ولو كان المديون المفلس فى كل ذلك امرأة والدائن رجلا، فلا يلازمها لما فيه من الخلوة بالاجنبية ولكن يبعث امرأة أمينة ولو بالأجرة تلازمها. وقيل له أن يلازمها بالنهار فى موضع لا يخاف وقوع الفساد فيه ولا يختلى بها. أما بالليل فتلازمها النساء. وفى الواقعات: له أن يلازمها ويجلس معها ويقبض على ثيابها ولو فى خلوة، لأن هذا ليس بحرام إذا كان يأمن على نفسه لأن له ضرورة فى هذه الخلوة وليس من حق صاحب الدين المؤجل أن يمنع المديون من السفر، سواء قرب محل سفره أو بعد بحيث يحل الأجل قبل

стр. 6693

قدومه من سفره. إلا أن له أن يسافر معه حتى إذا حل الأجل منعه من المضى فى سفره إلى أن يوفيه دينه. فإن كان الدائن يتضرر من سفره هذه فالراجح أن من حقه أن يطالب المديون باعطاء كفيل قبل سفره. وقيل: ليس له أن يطالبه باعطاء الكفيل وإن قرب حلول الأجل. وقيل: إن عرف المديون بالمطل والتسويف ألزمه الدائن باعطاء كفيل عنه وإلا فلا. مذهب المالكية: يحبس المديون المجهول حاله يسارا واعسارا اذا ادعى الافلاس ولم يعلم صدقه، اختيارا لحالة ومحل ذلك ما لم يطلب تأخير حبسه مدة من الزمن حتى يثبت افلاسه، فان طلب ذلك وقدم كفيلا بالوجه أو بالمال فانه لا يحبس. ثم ان أثبت افلاسه خلال هذه المدة، وحلف أنه لا مال له أنظر ولم يحبس. وان هرب أوغاب عند الأجل قبل أن يثبت افلاسه أو بعد أن أثبته بالبينة وقبل أن يحلف فإن الكفيل يغرم ما على المديون من دين إلا أن يثبت الكفيل إفلاس المديون المكفول عنه فإن أثبته وكان المديون ممن لا يظن به كتمان المال والمماطلة فلا يغرم لأنه انما ضمنه ليثبت افلاسه وهذا هو المشهور. وقال ابن رشد: يغرم الكفيل الدين فى هذه المسألة حتى ولو أثبت افلاس المديون لأن يمين المديون نفسه يتوقف عليها افلاسه. وكذلك يحبس المديون الظاهر من حالة اليسار اذا ادعى الافلاس ولم يطلب تأخير حبسه لاثبات افلاسه أو لقضاء دينه. فان طلب ذلك أجيب اليه فلا يحبس، ويؤجل مدة أقصاها خمسة أيام بشرط أن يقدم كفيلا بالمال خلال هذه المدة. وكذلك يحبس معلوم اليسار ان ادعى الافلاس. ولا يندفع عنه هذا الحبس مهما طال الا اذا أدى الدين أو شهدت له بينة بذهاب ما كان بيده من مال. أما لو شهدت له بينة بافلاسه وفقره فلا يطلقه القاضى بذلك سواء قبل الحبس أو بعده. وفيما عدا معلوم اليسار هذا ان أثبت كل من ذكر افلاسه - ولو قبل حبسه - على الوجه السابق ذكره فى اثبات الافلاس فانه يحكم بانظاره الى أن يوسر، فلا يحبس ولا يطالب بما عليه قبل ذلك، للآية السابق ذكرها. وكذلك ينظر المديون المجهول الحال يسارا واعسارا اذا حبس لعجزه عن اثبات افلاسه وطال حبسه بحيث يغلب على الظن أنه لو كان عنده مال ما صبر على الحبس هذه المدة، فيخرجه القاضى من الحبس ويخلى سبيله بعد حلفه انه لا مال له ظاهرا ولا باطنا وان وجد مالا ليقضين الدائنين حقهم. ويرجع فى تقدير مدة حبسه هذه طولا وقصرا الى رأى القاضى واجتهاده لأنه يدخل فى تقدير ذلك قدر الدين قلة وكثرة وحال المفلس فليس الوجيه كالحقير ولا القوى كالضعيف. أما ظاهر اليسار فانه لا ينظر ولا يخرج من حبسه الا بشهادة بينة بأفلاسه مهما طال حبسه وهذا كله فى غير معلوم الاعسار فانه يجب انظاره ابتداء ولا يحبس، للآية السابقة. وكذلك لا يحتبس الوالدان نسبيا فى دين ولدهما مطلقا سواء كانا مفلسين أم لا. الا أن الأب يحبس فى نفقة ولده الصغير اذا امتنع من الانفاق عليه. أما الولد فيحبس فى دين أبيه وأمه، وكذلك يحبس الجد والجدة فى دين والد الولد، لأن حظ الجد دون حظ الأب فى الجملة واذا كان المديون غير بالغ فلا يحبس. ولا يجوز الحبس فى الدين اذا تمكن القاضى من استيفائه من مدعى الافلاس بأى طريق. فاذا وجد له أى شئ يباع فى دينه سواء كان رهنا أم لا باعه ولم يحبسه وكذلك اذا رأى عليه فى الحبس من الثياب والقماش ما يمكن استيفاء الدين منه أخذه منه قهرا وباعه فيما عليه من دين ولا يحبسه، لأن فى ذلك تعجيلا لدفع الظلم وايصال الحق لمستحقه بحسب الامكان. وتحبس النساء عند امرأة أمينة، سواء كانت منفردة عن الرجال او ذات رجل امين معروف بالخير والصلاح من زوج أو أب أو ابن. واذا حبس الأخوان معا فى دين عليهما فانه لا يفرق بينهما، ومثلهما اذا حبس اى واحد من الأبوين مع ولده وغيرهما من الاقارب. وكذلك اذا حبس الزوجان فى دين فطلب الدائن أن يفرق بينهما.

стр. 6694

وطلب الزوجان أن يجتمعا فذلك لهما ان كان السجن خاليا. فان لم يخل حبست المرأة فى محل لا رجال فيه. والمحبوس لأجل الدين لا يمنع ممن يسلم عليه من حيث انه يسلم. أما من حيث أنه يعلمه الحيلة فى خلاصة ونحو ذلك فيمنع. وكذلك يمنع من يخدمه الا اذا اشتد مرضه على المعتمد. أما الزوجة غير المحبوسة فتمنع من الاقامة مع زوجها فى السجن بقدر ما يجتمع بها، لأن المقصود من السجن التضييق عليه حتى يدفع الحق لأهله، وهذا اذا حبس فى غير دينها والا لم تمنع من الاقامة والبيات معه، لأنها ان شاءت لم تحبسه واذا وجب على المحبوس بالدين حد لشخص فانه يخرج ليقام عليه حتى ولو كان الحد قتلا، وحينئذ يؤخذ الدين من تركته ان كان له مال والا ضاع على أصحابه. وكذلك يخرج من السجن بغير كفيل أصلا اذا ذهب عقله لعدم الفائدة فى حبسه، لأنه لا يشعر بالتضييق عليه المقصود من السجن، ويستمر خروجه الى أن يعود له عقله فيعود الى السجن. ولا يقضى بخروجه لعيادة مريض قريب له كأبيه وابنه وزوجته ولو كان مرضه شديدا. وكذلك لا يمكن من الخروج لأداء واجب شرعى كحجة الاسلام وصلاة الجمعة والعيد. كما لا يخرج للدعوى عليه. ويوكل من يسمع عنه الدعوى. فان امتنع تسمع البينة عليه. فاذا ثبت عليه الدين يزاد السجن عليه بالاجتهاد بعد اعزاره. كما لا يمكن من الخروج لأجل عدو معه فى الحبس الا أن يخاف عليه أن يقتله العدو فى السجن فانه يخرج من ذلك الى موضع آخر يحبس فيه ويجوز ضرب مدعى الافلاس المحبوس لأجل الدين. أما وضع الحديد أو نحوه فى عنقه فلا يجوز الا ان عرف بالعداء، أى سرعة العدو. واذا ثبت افلاس المفلس قبل الحبس أو بعده وقضى القاضى بانظاره لليسار وخلى سبيله فلا يكون من حق الدائن أن يلازم المفلس بحيث كلما يأتيه شئ يأخذه منه، لأن الله سبحانه قد أوجب انظاره للميسرة. وليس للدائن منع المديون من السفر اذا ثبت اعساره حتى ولو كان الدين يحل فى غيبته أما ثابت الاعسار سواء كان موسرا أو كان الدين يحيط بماله فان للدائن منعه من السفر ان كان الدين يحل قبل عودته ولم يوكل فى قضائه ولم يضمنه موسر والا فلا يمنعه ما لم يكن معروفا بالمماطلة (١). مذهب الشافعية: يحرم حبس المديون اذا ثبت افلاسه عند القاضى باحدى الطرق السابقة فى اثبات الافلاس ويجب امهاله حتى يوسر للآية السابقة وتقبل بينته فقره وافلاسه فى الحال بدون توقف على حبسه. أما اذا ادعى المديون الافلاس ولم يثبت ذلك عند القاضى أو كان غريبا مجهول الحال وعجز عن اثبات افلاسه قبل حبسه فانه يحبس سواء كان محجورا عليه بسبب الافلاس أم لا، لقوله ﷺ : «لى الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته» (٣)، أى يحل ذمه وشتمه وتعزيره وحبسه ويظل فى الحبس لا يطلق منه الا اذا اثبت افلاسه أو رضى الدائنون جميعا بالاطلاقه. ولو قال مدعى الافلاس قبل حبسه: لى بينة بذلك وطلب امهاله أمهل ثلاثة أيام حتى ولو طالب الدائن حبسه فان أقامها لم يحبس، والا حبس الى ثبوت افلاسه ولا يحبس الوالد ذكرا كان أو أنثى وان علا فى دين ولده وان سفل ولو صغيرا أو زمنا، ولا فرق بين دين النفقة وغيرها. كما لا يحبس قن استؤجر على عمل يتعذر فى الحبس تقديما لحق من استاجره كالمرتهن ولا يحبس ولو فى غير أوقات العمل لكن للقاضى أن يستوثق عليه مدة العمل. فان خاف هربه فعل ما يراه: وكذلك لا يحبس مريض لا ممرض له فى الحبس ولا مخدرة ولا طفل ولا مجنون كما لا يحبس وصى ولا قيم ولا وكيل بدين لا يتعلق بمعاملتهم فان وجب بمعاملتهم حبسوا. وان حبست المرأة بسبب

стр. 6695

افلاسها بدين سقطت نفقتها مدته حتى ولو كان الدين باذن زوجها على الأصح وللقاضى منع المحبوس مما يرى المصلحة وللقاضى منع المحبوس مما يرى المصلحة فى منعه منه كمنعه من صلاة الجمعة والجماعة ومن الاستمتاع بزوجته والاستئناس بمحادثة الأصدقاء ويغلق باب الحبس عليه وللقاضى ضربه ونحوه ان لم ينزجر بالحبس ويجوز تقييده على الأصح ان كان لجوجا صبورا على الحبس ولا يمنع المفلس المحبوس من عمل صنعه فى الحبس وان كان مماطلا، وأجره السجان والسجن ونفقته فى ماله ان كان له مال ظاهر. والا ففى بيت المال ثم على مياسير المسلمين. ولو انفلت من الحبس لم يلزم القاضى طلبه واعادته الا بطلب خصمه ان قدر عليه، ويسأله لم هرب فان علله بافلاسه ونحوه لم يعزره. والا عزره ان رآه مصلحة. ولا يخرج من الحبس الا باذن القاضى الا لضرورة كسماع دعوى أورد جوابها. فان لزمه حق آخر حبس بهما ولم يطلق بقضاء أحدهما دون الآخر. واذا ثبت افلاس المديون قبل الحبس أو بعده وأنظره القاضى فلا يجوز ان يلازمه الدائن بل يحرم عليه ذلك لأنه منظر بالشرع وهذا بخلاف من لم يثبت افلاسه فانه يجوز ملازمة الدائن له الى أن يثبت افلاسه ما لم يختر المديون الحبس. فان اختاره أجيب اليه وأجرة الملازمة تكون على المديون. وليس لدائن منع المديون بدين مؤجل من السفر ولو كان السفر مخوفا كجهاد أو كان الأجل قريبا، اذ لا مطالبة به فى الحال ولا يكلف من عليه المؤجل وهنا ولا كفيلا ولا اشهادا، لأن صاحبه هو المضيع لحظ نفسه حيث رضى بالتأجيل من غير ذلك وللدائن أن يسافر معه ليطالبه بالدين عند حلول أجله بشرط ألا يلازمة ملازمة الرقيب، لأن فيه اضرارا به. أو ان الدين حالا فكذلك ليس للدائن منع المديون من السفر ولا السفر معه ان كان معسرا. أما ان كان موسرا فله منعة، سواء كان السفر مخوفا أم لا، وذلك بأن بشغله عن السفر برفعه الى القاضى ومطالبته حتى يوفيه دينه. لأن أداء الدين فرض عين بخلاف السفر. نعم ان استناب المديون من يؤديه من ماله الحاضر فليس له منعه (١). مذهب الحنابلة: يحبس المديون ان ادعى الافلاس وأنه لا شئ معه يؤديه فى الدين ولم يصدقه الدائن ولم يثبت ذلك بطريق من الطرق المذكورة فى اثبات الافلاس. وظاهر كلامهم أنه متى ثبت حق حبسه حبس ولو كان أجيرا فى مدة الاجارة أو امرأة متزوجة، لأن الاجارة والزوجية لا تمنع الحبس. ويظل محبوسا لا يجوز للقاضى اخراجه منه حتى يتبين له أنه مفلس حقا فيجب عليه اطلاقه، سواء رضى الدائن أم لا. وكذلك يجب عليه اطلاقه من الحبس اذا برئ من الدين بوفاء أو ابراء أو حوالة كما يجب عليه اطلاقه وتخلية سبيله اذا طلب الدائن ذلك، لأن حبس المديون حق للدائن وقد أسقطه ولا يجب حبس المديون المفلس فى مكان معين بل المقصود منعه من التصرف حتى يؤدى الدين فيحبس ولو فى دار نفسه بحيث لا يمكن من الخروج. واذا أصر المديون على الحبس وصبر عليه ضربه القاضى. وان طلب المديون امهالا بقدر ما يتمكن فيه من أداء الدين أمهل بقدر ذلك ولم يجز حبسه، لأنه عقوبة غير محتاج اليها حينئذ. ومتى ثبت افلاس المديون عند القاضى لم تجز ملازمته ولا مطالبته، لأنه وجب انظاره بنص القرآن فتحرم ملازمته ولما روى عن أبى سعيد قال: «أصيب رجل على عهد رسول الله ﷺ فى ثمار أبتاعها فكثر دينه فقال: تصدقوا عليه، فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه فقال رسول الله ﷺ لغرمائه: «خذوا ما وجدتم وليس لكم الا ذلك (٢)». وهذا اذا ثبت افلاسه أما اذا طلب المديون الامهال

стр. 6696

لأداء الدين وخاف الدائن هربه فانه يجوز له أن يحتاط على المديون بملازمته أو كفيل أو ترسيم عليه أى تحديد الأماكن التى يحق له ارتيادها وكذلك اذا امتنع الموسر من قضاء الدين فلدائنه ملازمته ومطالبته والاغلاظ له بالقول، لما سبق ذكره من حديث «لى الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته» كما يحبس المديون الموسر اذا امتنع من قضاء الدين وتجرى عليه الأحكام السابقة الا أنه ان أصر على الحبس والضرب والتعزيز ولم يقض الدين مع كل هذا باع القاضى ماله وقضى دينه. وان أراد المديون سفرا وهو عاجز عن وفاء دينه فلدائنه منعه من ذلك حتى يقيم كفيلا ببدنه قاله الشيخ تقى الدين لأنه قد تحصل له ميسرة فى البلد الذى سافر اليه فلا يتمكن الدائن من مطالبته لغيبته عن بلده فيطلبه من الكفيل وان منع الدائن المديون من السفر فسافر كان عاصيا لأن له ولايه حبسه لاستيفاء حقه الحال منه. وان لم يمنعه فهل له الاقدام على السفر؟ ذكر أبو الوفاء بن عقيل فيه وجهين: أحدهما يجوز لأن الحبس عقوبة لا يتوجه بدون الطلب. والثانى: لا لأنه يمنع بسفره حقا واجبا لثبوت الحبس فى حقه ولما يلزم فى سفره من تأخير الحق الواجب عليه وكذلك للدائن منع المديون بدين مؤجل من السفر اذا كان الدين يحل على المديون قبل رجوعه من سفره. وكذلك اذا لم يحل عليه قبل رجوعه ولم يكن بالدين رهن يفى به ولا كفيل ملئ لما فيه من الضرر على الدائن بتأخير حقه، وقدوم المديون عند حلول الدين غير متيقن ولا ظاهر فملك الدائن منعه، وسواء كان السفر مخوفا أم لا، الا اذا كان لجهاد متعين ونحوه فلا يمنع المديون من السفر له لتعيينه عليه (١). مذهب الظاهرية: قال ابن حزم: ان لم يوجد للمفلس مال يمكن قضاء دينه أو بعضه منه فانه يلزم حبسه حتى يثبت فقره وافلاسه بطريق من الطرق السابقة فى اثبات الافلاس. ولا يمنع المفلس من الخروج من حبسه فى طلب شهود له بذلك ولا يمنع خصمه أو وكيله من ملازمته حينئذ والمشى معه حيث مشى فان أثبت فقره وافلاسه أطلقه القاضى من حبسه بعد أن يحلفه اليمين أنه ليس له مال باطن. وحينئذ يمنع خصمه من ملازمته وينظر حتى يظهر له مال فيقضى دينه منه. أما ان كان للمديون ما يمكن قضاء الدين أو بعضه منه فلا يحل أن يحبس أصلا، لأن حبسه مع القدرة على انصاف دائنيه ظلم له ولهم معا، ولحديث «خذوا ما وجدتم وليس لكم الا ذلك» (٢) السابق. مذهب الزيدية: يحبس مدعى الافلاس الذى لا يظهر عليه الاعسار أو التبس حاله ان لم يجد بينة تثبت افلاسه على التفصيل السابق فى اثبات الافلاس. وكذلك يحبس وإن وجد بينة تثبت افلاسه ابتداء فلا تسمع منه الا بعد حبسه حتى يغلب على ظن القاضى افلاسه تأكيدا لصحة الشهادة عند أبى طالب والهادى. وقال الناصر والامام يحيى والمؤيد بالله لا حبس للمفلس مع وجود البينة بافلاسه كسائر الشهادات. وانما يحبسه القاضى اذا طلب الدائن من القاضى ذلك أو طالبه بفعل ما يجب شرعا. ومدة حبسه تختلف باختلاف الاشخاص فتخضع لرأى القاضى فى طولها وقصرها حتى يغلب فى ظنه الافلاس لأن أحوال الناس تختلف فبعضهم يتضرر بالحبس اليسير، وبعضهم يؤثر المال على نفسه. واذا كان للمفلس صفقة يتمكن من فعلها وهو فى الحبس فذلك راجع الى نظر القاضى فى منعه أو تركه وقيل: اذا حبس لم يمنع صنعة أمكنته فى الحبس. وقيل: يمنع لئلا يهون عليه السجن. قال صاحب البحر الزخار: والأقرب أن هذا موضع اجتهاد. وان مرض أوجن أخرج لمن يعالجه لئلا يضربه المرض. واذا غلب على ظن القاضى افلاسه من

стр. 6697

الابتداء لم يجز له حبسه فان حبسه مع ذلك كان ظلما تبطل به ولايته، وكذلك الحكم فى الامام واذا انتهت مدة حبس المفلس أخرج من الحبس وان لم يأذن الدائنون. وكذلك اذا ثبت عند القاضى افلاسه بالبينة أو مما ظهر من حاله مع اليمين فانه يخرجه ويخلى سبيله وينظر فلا يطالب بدين سواء كان حالا أو مؤجلا حتى يجوز يساره عادة وذلك للآية السابقة ولحديث أبى سعيد «خذوا ما وجدتم وليس لكم الا ذلك». وحيث لا يطلب المفلس حينئذ فلا يمكن الدائنون من ملازمته ويحال بينه وبينهم الى أن يوسر لأن ملازمة المفلس وعدم الحيلولة بينه وبين الدائن تؤدى الى الاضرار به وبهم، لأن الناس يمتنعون من مشكلات التعامل معه ولأن انظار المعسر بنص الآية وبالقضاء انما يكون بترك ملازمته (١). مذهب الإمامية: يحبس المديون غير ظاهر الفقر وليس له مال ظاهر ان ادعى الافلاس بديونه قبل اثباته. ويظل محبوسا حتى يظهر اعساره أو يثبت افلاسه بأى طريق من الطرق المذكورة قبل ذلك فى اثبات الافلاس فاذا ثبت افلاسه أو ظهر اعساره ولو قبل حبسه فلا يجوز حبسه حينئذ أى مدة كانت فيخلى القاضى سبيله وينظر الى أن يوسع الله عليه. ويجوز حبس الوالد فى دين ولده. وقيل بالمنع. وكذلك لا تمنع الاجارة المتعلقة بعين الأجير المفلس من حبسه. واذا ثبت الافلاس للمديون وعدم قدرته على أداء الدين شرعا وخلى القاضى سبيله لم يجز للدائن ملازمته الى أن يستفيد مالا لقوله ﷺ للدائنين: «خذوا ما وجدتم وليس لكم الا ذلك» وهذا يدل على أنه ليس لهم ملازمته وليس لهم الا ما وجدوه. وأيضا لقوله تعالى: «فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ» وحيث لم يذكر الملازمة. ولصاحب الدين الحال أن يمنع المديون من السفر قبل قضاء الدين، لا أداء الدين الحال مع المطالبة والتمكن من الأداء واجب على الفور. وله المنع من كل ما ينافيه. أما اذا كان الدين مؤجلا فليس لصاحبه منع المديون من السفر، سواء كان السفر مخوفا مثل السفر للجهاد أم لا وسواء ترك ما لا يفى بدينه هذا أم لا، اذ ليس للدائن مطالبته فى الحال بالدين. وكذلك ليس له مطالبته برهن ولا كفيل ولا اشهاد، لأنه ليس المطالبة بنفس الدين فبالأولى لا تكون له المطالبة بالرهن، والكفيل، وهو المفرط فى حق نفسه حيث رضى بالتأجيل ابتداء بدون رهن ولا كفيل. ولا فرق بين أن يكون الأجل قليلا أو كثيرا، ولا بين أن يكون السفر الى موضع بعيد يستغرق سنة أو قريب يستغرق يوما. فلو بقى من الأجل نصف نهار ثم أراد المديون إنشاء سفر طويل يزيد على الأجل لم يكن لصاحب الدين المؤجل منعه من هذا السفر الذى يحل فيه الدين قبل رجوعه من سفره هذا فى حبس وملازمة المديون المفلس الذى ليس له مال ظاهر. أما اذا كان فى يده مال وادعى الافلاس وامتنع من دفع دينه خير القاضى بين حبسه وتعزيره، وبين بيع ماله عليه وقضاء دينه منه. كما يكون لدائنه ملازمته ومطالبته والاغلاظ فى القول له مثل يا ظالم يا متعدى (٢). مذهب الإباضية: اختلف فى حبس المفلس المجهول الحال يسارا واعسارا كما جاء فى المنهاج - قبل أن يثبت افلاسه على الوجه السابق ذكره فى اثبات الافلاس. فقيل: يحبس ويطلب منه اثبات افلاسه. وقيل: يحلف ما عنده ما يؤدى به ما عليه كله ولا بعضه. وقيل:

стр. 6698

لا يمين عليه فى هذا. وقيل يسأل القاضى عنه من يعرفه ولا يبدأ بالحبس (١). وقال صاحب شرح النيل: وما ذكرته عن المنهاج من حبس من جهل حالة يسارا أو اعسارا لا تحديد فيه بأجل معين بل يكون ذلك بنظر القاضى وما يظهر له من أمر المحبوس. وقيل: يحبس فى الدين القليل كالدريهمات مقدار نصف شهر، وفى الوسط شهرين وفى الكثير أربعة أشهر. وان أتى المفلس بكفيل بالوجه لم يحبس بل يختبر حاله غير محبوس. فان ظهر من حاله ما يوجب السجن سجن والا انتظر (٢) ولا سبيل الى حبسه قبل اختياره اذا جاء بالكفيل. وجاء فى المنهاج أيضا: أن الدين الذى يجوز حبس مدعى الافلاس به هو الذى ثبت عن عوض يستغنى به لأنه فى الظاهر مستغن بالمال اذا حصل فى يده، ولأنه ممتنع عن الأداء مع التمكن، فكل دين لم تكن هذه صفته لم يحبس فيه من أفلس به حتى يعلم غناه، مثل ما لزمه من الأرش والدية والصداق أما من لحقته تهمة اخفاء ماله قصدا لحرمان الدائن، أو لكونه أخذ مال الناس وادعى تلفه فهذا يحبس حتى يؤدى دينه أو يثبت افلاسه فيحلف ولا يبرئه من الحبس سوى كفيل المال لا كفيل الوجه (٣). ومن أجل لبيع ماله وانقض الأجل ولم يحضر ما عليه فانه يحبس حتى يؤديه فان تمادى فى الحبس ولم يؤد باع القاضى من ماله وأدى، وهو رأى سليمان. وقيل: يحبس حتى يبيعه ويؤدى وهو رأى ابن محبوب. واختلف من مدة حبسه فقال سليمان: ثلاثة أشهر. وقيل يحبس حتى يبيع والا باع القاضى وقضى عنه (٤). ولا حبس على المفلس فى نفقة ولده، للأم أن تقبل منه ما قدر عليه أو تترك له ولده (٥). ما يؤمر به المفلس فى سبيل وفائه الدين وما لا يؤمر به مذهب الحنفية: المديون الذى لا مال له يؤدى منه دينه أو الباقى من دينه بعد بيع ماله وقسمة ثمنه بين الدائنين لا يجبره القاضى على أن يؤجر نفسه أو يؤجره هو ليقضى الدين من أجرته (٦). وروى عن أبى يوسف: أنه يؤجره لقضاء دينه. وكذلك لو كان المفلس امرأة فلا يأمرها بالزواج ليقضى دينها من مهرها (٧). وجاء فى البزازية لو وجد المديون من يقرضه فلم يفعل فهو ظالم. مذهب المالكية: اذا حكم بافلاس الشخص وأخذ ما بيده فلا يلزمه أن يتكسب لدائنيه ليوفى ما بقى عليه من الدين وسواء كان قادرا على التكسب أم لا، لأن الدين انما تعلق بذمته، لقوله تعالى: «فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ» ولو عامله الدائنون على التكسب وشرطوا عليه ذلك اذا أفلس فلا يعمل بذلك الشرط، سواء كان صانعا أو تاجرا على المعتمد. وقال اللخمى: يجبر المفلس على التكسب اذا كان صانعا لا تاجرا وشرط عليه التكسب اذا أفلس فى عقد الدين وكذلك لا يلزم المفلس أن يطلب مالا من أجد على وجه القرض لوفاء دينه. كما لا يلزمه قبول القرض ان عرض عليه غيره ذلك من غير طلب منه. كما لا يلزمه قبول الهبة والصدقة لذلك. ولا يلزمه أن يأخذ بالشفعة لطلب الزيادة فيما يأخذه بها، لأن فيه ابتداء ملك واستحداثه وهو لا يلزمه، لأنها معاملة أخرى، وكذلك لا يلزمه أن يعفو عن قصاص وجب له ليأخذ الدية يوفى بها ما عليه. بخلاف ما تجب فيه الدية لكونه خطأ أو عمدا لا قصاص فيه فيلزم بعدم العفو فيها، لأنها مال. وليس للدائن ولا للقاضى

стр. 6699

الزام المفلس بانتزاع ما وهبه لولده الصغير أو الكبير قبل افلاسه. أما ما وهبه له بعد افلاسه فهو كالتبرع فلهم رده وأخذه. وان كان المفلس امرأة فليس للدائنين ولا للقاضى اجبارها على الزواج لأجل استيفاء الديون من مهرها. وان تزوجت بعد افلاسها فليس للدائنين أن يأخذوا معجل مهرها، سواء قبل الدخول أو بعده بأيام يسيرة لأنه يلزمها أن تتجهز به للزوج ولا يجوز لها أن تقضى منه دينها. الا اذا كان الدين شيئا يسيرا كالدينار ونحوه وأما ما تداينته بعد دخول زوجها فان مهرها يؤخذ فيه كما فى رواية يحيى عن ابن القاسم. وأما مؤخر الصداق فالظاهر أن للدائنين بيعه فى دينهم لانه لا يلزمها أن تتجهز به للزوج (١). مذهب الشافعية: ان بقى على المفلس شئ من الدين بعد قسمة ماله فلا يلزمه أن يكتسب أو يؤجر نفسه لوفاء ما بقى من الدين، لقوله تعالى: «فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ» أمر بانظاره ولم يأمر باكتسابه، ولقوله ﷺ فى حديث أبى سعيد السابق: «خذوا ما وجدتم وليس لكم الا ذلك». وكذلك لا يلزمه قبول الهدية والصدقة لوفاء الدين ولا يلزمه ترك القصاص الواجب له بجناية عليه او على غيره لأجل الأرش، لأنه فى معنى الكسب، وقاعدة الباب أن المفلس لا يؤمر بتحصيل ما ليس بحاصل فان قيل: يجب الاكتساب فى نفقة القريب مع أن الدين أقوى منها فانها تسقط بمضى الزمان بخلافه كان ذلك مثلها؟. أجيب أن نفقة القريب فيها احياء النفس فلزمه الاكتساب لها كما يلزمه الاكتساب لاحياء نفسه بخلاف الدين. ولا يمكن المفلس من تفويت حاصل فليس له ولا لوارثه العفو عن المال الواجب له بجناية لما فيه من تفويت الحاصل، فيؤمر بتحصيله ويرد عفوه. والأصح أن المفلس يلزم بعد قسمة ماله باجارة العين الموقوفة عليه أو الموصى له بمنفعتها لوفاء بقية الدين لأن منفعة المال مال كالعين، فيصرف يدل منفعتهما للدين. ويؤجر ان مرة بعد أخرى الى البراءة من الدين فان المنافع لا نهاية لها. قال السبكى: أو يؤجران دفعة بأجرة معجلة ما لم يظهر تفاوت بسبب تعجيل الأجرة الى حد لا يتغابن به الناس فى غرض قضاء الدين والتخلص من المطالبة. وقيل: يلزم المفلس اجارة ذلك لأن المنفعة لا تعد مالا حاصلا. وهذا ان لم يشترط الواقف أو الموصى عدم اجارة ذلك. فان شرط شيئا اتبع. ومثل ذلك النزول عن الوظائف ورفع اليد عن الاختصاصات اذا اعتيد النزول عنها بمال فيجبر المفلس على التنازل عنها بمال يدفع لدائنيه. وهذا كله ان كان سبب الدين مباحا وأفلس. أما ان افلس بدين سببه معصية كغصب أو اتلاف مال الغير عمدا فانه يؤمر بالكسب ولو بايجار نفسه كما نقله الأسنوى عن ابن الصلاح واعتمده، لأن التوبة من ذلك واجبة وهى متوقفة فى حقوق الآدميين على الرد (٢). مذهب الحنابلة: اذا قسم مال المفلس الموجود على دائنيه وبقيت عليه بقية من الدين فان كان ذا صنعة أو حرفة كحداد وحائك أجبره القاضى على الكسب أو على ايجار نفسه فى حرفة يحسنها لقضاء ما بقى عليه من الديون. وان كان له صنائع مختلفة أجبره على ايجار نفسه فيما يليق به منها، وذلك لحديث سرق وكان سرق رجلا دخل المدينة وذكر أن وراءه مالا فداينه الناس وركبته الديون، ولم يكن له مال وراءه، فسماه الرسول ﷺ سرفا، وباعه بخمسة أبعرة (٣) ولما كان الحر لا يباع ثبت أنه باع

стр. 6700

منافعه. اذا المنافع تجرى مجرى الاعيان فى صحة العقد عليها وثبوت الغنى بها، فكذلك فى وفاء الدين منها، ولأن الاجارة عقد معاوضة فجاز اجبار المفلس عليها لقضاء دينه منها كبيع ماله. ولا يعارض هذا قوله تعالى: «وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ» لعدم دخول ذى الصنعة والمحترف تحت عمومها فانه فى حكم الأغنياء فى حرمان الزكاة وسقوط نفقته عن قريبه ووجوب نفقة قريبه عليه. كما لا يعارضه حديث «خذوا ما وجدتم وليس لكم الا ذلك» لأنه قضية عين لا يثبت حكمها الا فى مثلها ولم يثبت أنه كان لذلك المديون حرفة يتكسب بها ما يفضل عن قدر نفقته ودعوى فسخ حديث سرق لا دليل عليها. اذا لم يثبت أن بيع الحر كان جائزا فى شريعتنا - فحمل لفظ بيعه على بيع منافعة أسهل من حمله على بيع رقبته المحرم فان حذف المضاف واقامة المضاف اليه مقامه شائع وكثير فى القرآن وفى كلام العرب قال تعالى: «وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ» (١) أى أهل القرية وهذا هو الصحيح وهو احدى الروايتين فى المذهب. الرواية الثانية: ان المفلس لا يجبر على ذلك لما ذكر من الآية والحديث. ولأن هذا تكسب للمال فلا يجبر عليه ويجبر المفلس على ايجار موقوف عليه يستغنى عنه، لأنه قادر على وفاء دينه منه فلزمه كمالك ما يقدر على الوفاء منه ويظل الحجر على المفلس مدة اجارة نفسه أو الموقوف عليه حتى يوفى دينه أو يحكم القاضى بفكه عنه. وان وهب هبة بشرط العوض ثم أفلس فبذل له العوض لزمه قبوله ولم يكن له اسقاطه لأنه يأخذه على سبيل العوض عن الموهوب فلزمه قبوله كالثمن فى المبيع. ولا يجبر المفلس على الزواج اذا بذلت له امرأة مالا ليتزوجها عليه. كما لا يجبر على خلع أو طلاق زوجته على مال يوفى منه دينه سواء كان البازل لهذا المال الزوجة أم غيرها لما فى ذلك من تضرره بتحريم زوجته عليه وقد يكون ميالا اليها. ولا تجبر المرأة المفلسة على تزويج نفسها لمن يرغب فى زواجها لتأخذ مهرها وتوفى منه دينها لأنه يترتب على الزواج من الحقوق ما قد تفجر عنه. ولا يجبر المفلس أيضا على قبول هبة أو وصية أو قرض أو هدية أو صدقة حتى ولو كان المتبرع بذلك ابنا له لما فيه من الضرر عليه بتحمل المنة التى تأباها نفوس ذوى المروءات. ولا يملك القاضى قبض ذلك عن المديون ووفاء دينه منه بدون اذن لفظى أو عرفى من المديون لأنه لا يملك اجباره على ذلك فلم يملك فعله عنه. وكذلك لا يجبر المفلس على أخذ دية عن قصاص وجب له بجناية عليه أو على مورثه، لأن ذلك يفوت المعنى الذى شرع لأجله القصاص. ثم ان اقتصى فلا شئ للدائنين. وان عفا على مال ثبت وتعلقت حقوق الدائنين به أما ان عفا مطلقا أو بدون مال ففى رواية تثبت الدية ولم يصح اسقاطه لها، لأن عفوه عن القصاص يثبت له الدية ولا يصح اسقاطها. وفى رواية أخرى لا يثبت شئ. ولا يجبر المفلس على رد مبيع لعيب أو خيار شرط ونحوه، ولا على امضائه ولو كان فى ذلك مصلحته (٢). مذهب الظاهرية: قال ابن حزم: يجبر المفلس على أن يؤجر نفسه لقضاء دين دائنيه ان كان قادرا على ذلك بالاجارة لأن ترك من ثبت افلاسه لا يؤاجر لدائنيه مطل وظلم لا يجوز. وهو مفترض عليه انصاف دائنيه واعطاؤهم حقهم فان امتنع من ذلك وهو قادر عليه بالاجارة أجبر عليه (٣). وقوله تعالى: «وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ» ولا يمنع من استئجاره بل يوجب ذلك لأن الميسرة لا تكون الا بأحد وجهين: اما بسعى واما بلا سعى. وقد قال سبحانه: «فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾ (٤)». فنحن نجبر المفلس على ابتغاء فضل الله

стр. 6701

الذى أمره تعالى بابتغائه فنأمره ونلزمه التكسب ليقضى دين دائنيه ويقوم بعياله ونفسه ولا ندعه يضيع نفسه وعياله والدين اللازم عليه (١). وان ثبت أن لمن يدعى الافلاس ما لا غيبة أدب وضرب حتى يحضره أو يموت لقوله ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه (٢)». ومن المنكر مطل الغنى فمن صح غناه ومنع خصمه حقه فقد أتى منكرا وظلما فواجب على القاضى تغييره باليد (٣). مذهب الزيدية: من ثبت افلاسه لا يلزمه أن يتكسب لقضاء دينه، فلا يؤجر المفلس بالدين سواء كان له حرفة أم لا وله أن يؤجر نفسه ان أحب ولو بدون أجرة المثل، فاذا اكتسب من ذلك قبضت الزيادة عن مؤنته لصالح الدائنين. ولا يلزم المفلس أيضا قبول الهبة ولو من ولده لأجل قضاء الدين وكذلك النذر والوصية فله رد ذلك. وكذلك لا يلزمه أخذ أرش جناية العمد الموجبة للقصاص لاجل الدين. أما لو لم يجب القصاص فإنه يلزمه أحد الأرش ولم يكن له أن يبرئ الجانى منه بعد الحجر وكذا لو عفا عن القصاص. واذا أفلست المرأة فكذلك لا يلزمها التزوج لتقضى بالمهر دينها. واذا أرادت التزوج فلا يلزمها التزوج بمهر المثل بل لها أن تتزوج بدونه والمفلس المتفضل الذى يفضل له شئ يعد نفقته (وهو الذى له دخل من أصل لا يجوز له بيعه) من دخل مال له لا يباع ينجم عليه القاضى ديون الدائنين على حسب ما يراه اما فى كل سنة أو فى كل شهر أو نحو ذلك بلا اجحاف بحاله فى التنجيم. وحد الاجحاف ألا يبقى له ما استثنى لنفقته وغيرها وكذلك المفلس الكسوب اذا تكسب مختارا نجم عليه الدين أيضا بدون ضرر يلحقه من ذلك. ومتى أراد المفلس أن يسلم ما نجم عليه لدائنيه فانه لا يلزمه ايصال الدين الى الدائنين لأنه يؤدى الى الاضرار بكسبه وسواء كان الدين مما يجب حمله الى موضع الابتداء كالقرض ونحوه أم لا. بل عليهم أن يقصدوه الى. موضعه لقبض ما نجم عليه. وهذا خاص بالمفلس بعد الحجر عليه لا قبله. وقال الفقيه يحيى: ليس هذا خاصا بالمفلس المحجور عليه. بل هو حكم كل مديون سواء كان مفلسا أم لا. وقال الفقيه على: ظاهر كلام المؤيد بالله فى الزيادات أنه يلزم المديون حمله وايصاله الى الدائنين مرة واحدة فان امتنعوا من قبضه لم يجب عليه تكرار الحمل (٤). مذهب الإمامية: اذا ثبت افلاس من عليه الدين لم يكن للدائنين مؤاجرته ولا استعماله. ولا يجبر على التكسب حتى وان كان ذا صنعة ليدفع للدائنين ما بقى لهم من ديون بعد قسمة ما فى يده من مال عليهم لأن الله أمر بانظاره ولم يأمره بالكسب فى الآية السابقة (٥). وعن على أنه كان يحبس فى الدين ثم ينظر فان كان له مال اعطى الدائنين وان لم يكن له مال دفع المفلس الى الدائنين فيقول: «اصنعوا به ما شئتم ان شئتم فأجروه وان شئتم استعملوه» وهو يدل على وجوب التكسب واجبار المفلس عليه لوفاء الدين. واختاره ابن حمزة والعلامة فى المختلف ومنعه الشيخ الطوسى وابن ادريس للآية ولأصالة البراءة. قال صاحب اللمعة الدمشقية: والأول أى وجوب التكسب على المفلس أقرب لوجوب قضاء الدين على القادر مع المطالبة والمتكسب قادر ولهذا تحرم عليه الزكاة وحينئذ فهو خارج من الآية. وانما يجب عليه التكسب فيما يليق بحاله عادة

стр. 6702

ولو بمؤاجرة نفسه، وعليه تحمل الرواية (١). ولا يجب على المفلس قبول الهبة ولا الصدقة ولا الوصية ولا القرض لوفاء الدين الذى أفلس به كما لا تجبر المرأة المفلسة على تزويج نفسها ليقبض مهرها فى دينها. وكذلك لا يجبر الرجل المفلس على خلع زوجته لذلك ولا على الاحتشاش والاحتطاب والاصطياد (٢). ويجب على المفلس اجارة أعيان أمواله التى لا يمكن بيعها. فان امتنع من اجارتها آجرها القاضى عليه وصرف الأجرة الى الدائنين (٣). واذا جنى شخص على المفلس جناية فان كانت عمدا كان بالخيار بين القصاص وأخذ الدية ان بذلها الجانى له ولا يجبر على قبول الدية لأن ذلك اكتساب وهو غير واجب عليه ولأن القصاص شرع لتشفى ورفع الفساد، وكذلك يكون له العفو مجانا، أما لو وجبت الدية بالأصالة كما فى جناية الخطأ فانه ليس للمفلس اسقاطها، لأن ذلك بمنزلة الابراء من الدين، فبجبر على قبولها ويتعلق حق الدائنين بها (٤). مذهب الإباضية: يجوز للمفلس أن يشتغل بسعاية المال أو يؤاجر نفسه ويشتغل فى صنعة يستفيد بها المال. ولا يدرك عليه أصحاب الديون أن يشتغل بسعاية المال، أو أن يشتغل بصنعة يسفيد بها المال. ولكن يلزمه ديانة أن يجتهد فى قضاء ما عليه من الديون بالسعاية أو الصنعة أو غير ذلك. وقال البعض: يدرك الدائنون على المفلس أن يخدمهم بأجرة تحسب له وجاء فى التاج أن المفلس ان كانت له صناعة أو حرافة فابى أن يعمل أجبر بالحبس حتى يعمل أو يعذر ويفرض عليه القاضى فى كسبه لدائنيه فريضة يؤديها لهم لأجل، ولا كفيل عليه ولا يلزم المفلس قبول الهبة ولو بغير عوض وقيل: يلزمه ذلك ان كانت بغير عوض. ولا يلزمه الرجوع فى هبته لولده ولا نزعها منه. كما لا يلزمه قبول القرض ولا الوصية ولا المطالبة بالشفعة التى فيها ربح أحد لأن الدائنين لم يعاهدوه على ذلك (٥). واذا أقر شخص للمفلس بمال فانه يجبر على اجازة اقرار من أقر له لحق الدائنين فى الظاهر (٦). أثر الافلاس فى المال الحادث للمفلس بعد الحكم بافلاسه: مذهب الحنفية: الحجر بسبب الافلاس - عند الصاحبين - لا يشمل الا ما تحت يد المفلس من مال وقت الحكم بالافلاس والحجر. أما ما يحدث له من المال بعد ذلك بالاكتساب أو غيره فلا تأثير للحجر فيه، وينفذ تصرف المفلس فيه (٧) فلو أقر المفلس حالة الحجر عليه لانسان بدين فانه يصح اقراره فيما اكتسب من مال بعد الحجر، ويقضى ما أقر به حتى ولو كان دين الدائن الاول قائما (٨)، لان حق الدائن لم يتعلق بهذا المال الحادث لانعدامه وقت الحجر (٩) .. وكذلك تنفذ تبرعات المفلس فى هذا المال الحادث ولو كان دين الدائن الاول باقيا. وكذلك ما زاد على مهر المثل ينفذ أيضا من المال الذى حدث له بعد الحجز. مذهب المالكية: ان تجدد للمفلس مال بعد الحكم بافلاسه والحجر عليه فانه يكون له التصرف فيه حتى يحجر عليه دائنوه الذين حجروا عليه أولا أو غيرهم بالشروط التى ذكرها فى الحجر على المفلس. وسواء كان هذا المال المتجدد عن أصل كربح مال للمفلس

стр. 6703

تركه بيده بعض من طلب تفليسه من دائنيه. أو كان عن معاملة جديدة كشراء وبيع، أو كان عن غير أصل كميراث وهبة ووصية ودية وغير ذلك، لان الحجر الاول كان فى مال مخصوص أخذ من تحت يده، فانفك حجره، فيتصرف فى ماله المتجدد له الى أن يحجر عليه فيه. وسواء تجدد المال للمفلس بعد قسمة الدائنين للمال الذى أخذوه منه فيما بينهم أم قبلها. ولو تداين المفلس بعد ذلك وحكم القاضى بافلاسه وحجر عليه ثانيا بهذه الديون الجديدة فلا يدخل من حجر لهم أولا مع من حجر لهم ثانيا فى مال تجدد للمفلس من اثمان ما أخذه من الدائنين الاخرين الذين حجر لهم ثانيا. الا أن يفضل بيد المفلس عن دين الاخرين فضلة فانها تقسم على الدائنين الاولين بحصة ما بقى من دين كل منهم، وذلك كما لو كانت السلع عند المفلس وقت التفليس قيمتها أقل من الدين لكسادها ثم بعد التفليس حصل فيها رواج وسارت أكثر من الدين. وكذلك ان كان المال المتجدد للمفلس من غير أموال الاخرين كميراث وهبة ووظيفة ووصية وخلع وأرش جناية عليه أو على وليه فانه يدخل فيه الاولون والاخرون ويقسم عليهم كل بحصة دينه. وكذلك ان مكن المديون الدائنين مما بيده فباعوه من غير رفع للقاضى - وهو الافلاس العام - واقتسموا الثمن على قدر دين كل واحد منهم وبقيت لهم بقية ثم داين غيرهم ففلس ثانيا فليس للاولين دخول فى اثمان ما أخذه من الاخرين وفيما تجدد من ذلك الا أن يفضل عن دين الاخرين فضلة والا ان يتجدد له مال من غير مال الاخرين كارث وصلة فللاولين الدخول مع الآخرين (١). مذهب الشافعية: اذا أفلس المديون وحجر عليه القاضى فالاصح هو تعدى هذا الحجر الى كل مال يحدث للمفلس وهو محجور عليه، فلو وهب له مال وهو محجور عليه أو اصطاده أو اشتراه بثمن فى ذمته أو حصل له بطريق الوصية أو الميراث ونحوه من سائر الاكساب فأنه يدخل فى الحجر ويقسم بين الدائنين لان المقصود الحجر بسبب الافلاس هو وصول الديون الى اصحابها وذلك لا يختص بمال المفلس الموجود فقط بل يشمل المال الحادث بعد الحجر ايضا. ويتعدى الحجر الى ذلك بنفسه بدون توقف على حكم القاضى يتعدى الحجر اليه. وقال صاحب أسنى الطالب: ومحل تعدى الحجر الى المال الحادث للمفلس اذا كان ملك المفلس فيه مستقرا والا فليس للدائنين تعلق به. قال ايضا: وظاهر كلامهم تعدى الحجر الى المال الحادث حتى ولو زاد مال المفلس به على الديون، اذ يغتفر فى الدوام ما لا يغتفر فى الابتداء ومقابل الاصح: ألا يتعدى الحجر بسبب الافلاس الى ما ذكر، كما أن حجر الراهن على نفسه فى العين المرهونة لا يتعدى الى غيرها من أعيان أمواله (٢). وسيأتى ذكر حكم رجوع من باع للمفلس متاعا فى ذمته فى «الدين لحادث على المفلس». مذهب الحنابلة: حكم المال الحادث للمفلس بارث أو وصية أو هبة أو صدقة ونحوها بعد افلاسه والحجر عليه كحكم ماله الموجود حال الحجر بلا فرق، فلا يصح تصرف المفلس فيه، ويباع فى ديون الدائنين الذين حجر لاجلهم لتعلق ديون الدائنين به كالرهن (٣). وكذلك حكم المال الحادث له بعد افلاسه والحجر عليه بتصرف فى ذمته كالاقتراض والشراء وقد سبق تفصيله فى منع المفلس من التصرف. مذهب الظاهرية: قال ابن حزم الظاهرى بعد ان ذكر أنه لا حجر

стр. 6704

على أحد فى ماله بسبب الدين وأنه ليس للدائنين سوى بيع مال المفلس الموجود تحت يده فقط - قال: ومتى ظهر للمفلس مال أنصف الدائنين من هذا المال (١). مذهب الزيدية: يتناول الحجر على المفلس ما يملكه فى المستقبل وبعد الحجر عليه من أموال (٢) سواء كان تملكه لهذا المال الحادث بعد الحجز ناشئا من تصرف فى ذمته أم لا (٣) مذهب الإمامية: يتعلق الحجر على المفلس بالاموال المتجددة له، سواء كانت حاصلة له من معاملة كقرض أو شراء أو اتعاب ونحوه أو كانت حاصلة من غير معاملة كارث ووصية ودية واحتطاب ونحوه لانها أموال للمفلس وقد حكم القاضى بتعلق الدين بأمواله والحجر عليه فيها، وأن الغرض من منع تصرفه فيها هو صرف أمواله فى الدين وعدم تضييع حق الناس وأنه قد ثبت وجوب قسمة أمواله فى الدين وهو مشترك فى ماله الموجود فعلا والمتجدد. وقيل: ان عدم تعلق الحجر بالاموال المتجددة للمفلس بعد الحجر عليه هو الاولى لان الاصل عدم الحجر، وأن الناس مسلطون على أموالهم، وقد ثبت الحجر فى المال الموجود حال الحجر بالاجماع وبقى غيره على الاصل. ولانه انما حجر عليه فى ماله الموجود لنقص فيه والمعدوم لم يتعلق به الحجر والا لزاد المال على الدين (٤). مذهب الإباضية: كل ما استفاده المفلس (٥) من مال فله ديانة وقضاء ان يأكل منه ويلبس هو وعياله ولا يمنعه أصحاب الديون من ذلك. وان طلبوا منه كل ما فى يده بعد ذلك أن يتقاسموه بحصة دين كل منهم فانهم يدركون عليه ذلك. وان استدان المفلس دينا بعد ظهور افلاسه والفرض عليه لدائنه ثم اكتسب مالا فانه يقسم بين من أفلس بسبب ديونهم ولا يدخل الدائن الاخير فى هذا المال حتى يستوفوا ثم يأخذ دينه. ظهور دين على المفلس بعد الحكم بافلاسه والحجر عليه: مذهب الحنفية: اذا ظهر على المفلس دين بعد الحكم بافلاسه والحجر عليه فلو كان سبب وجوب هذا الدين ثابتا عند القاضى بعلمه أو بشهادة الشهود بأن شهدوا على استقراض المفلس له أو شرائه سلعة بمثل قيمتها حالة الحجر فانه يكون لصاحب هذا الدين مشاركة سائر الدائنين الذين حجروا على المفلس بسبب افلاسه بديونهم فيما كان فى يده من مال. وسواء كان سبب وجوب هذا الدين على المفلس قبل الحكم بافلاسه والحجر عليه أم بعده. وكذلك اذا استهلك المفلس مال الغير أو أتلفه حالة الحجر عليه وثبت عليه ذلك بغير اقراره فانه يؤاخذ بضمانه مع قضاء الديون فى الحال ويكون المتلف عليه ماله أسوة لسائر الدائنين بلا خلاف وكذلك الحكم لو تزوج المفلس امرأة بمهر مثلها فى خلال الحجر عليه (٦). مذهب المالكية: اذا اقسم الدائنون مال المفلس ثم طرأ عليهم دائن ولم يعلموا به فانه يرجع على كل واحد من الدائنين بالحصة التى تنوبه لو كان حاضرا القسمة، لانهم اقتسموا ما كان يستحقه، فلو كان مال المفلس عشرة مثلا وعليه لثلاثة كل واحد عشرة أحد هم غائب فاقتسم الحاضران ماله فأخذ كل واحد منهما خمسة ثم قدم الغائب فانه يرجع على كل واحد منهما بواحد وثلثين، ولا يضمن الموسر عن المعسر

стр. 6705

ولا الحاضر عن الغائب ولا الحى عن الميت. وهذا اذا لم يعلموا به حال القسمة. أما اذا كانوا عالمين به حالها فانه يرجع عليهم بحصته ولكن يأخذ الموسر عن المعسر والحاضر عن الغائب والحى عن الميت. وكذلك اذا بيعت سلعة من مال المفلس قبل افلاسه ثم استحقت تلك السلعة من يد مشتريها بعد قسمة مال المفلس فان المستحق من يده وهو مشتريها - يرجع على كل واحد من الدائنين بالحصة التى كانت تنوبه فى القسمة فقط، أما ان كان المشترى قد اشتراها بعد الافلاس ثم استحقت بعد القسمة فانه يرجع على الدائنين بجميع الثمن الذى دفعه لا بالحصة فقط. لانه دائن طرأ على الدائنين، ولان الثمن المستحق قبل الافلاس من جملة الديون الثابتة فى الذمة فلا يتوهم فيه عدم الرجوع. ولا يأخذ المستحق منه فى الصورتين أحدا من الدائنين عن أحد كما سبق. وهذا اذا كان الدائن الطارئ غائبا وقت قسمة مال مديونه المفلس. أما ان كان حاضرا حالة القسمة وسكت عن المطالبة بدينه بلا عذر فانه لا يرجع على أحد بشئ ان ادعى دينا بعد ذلك على نفس المفلس لان سكوته يعد رضا منه ببقاء ما ينوبه فى ذمة المفلس. ويجرى هذا التفصيل فى حال حياة المفلس وكذلك فى حال موته. الا اذا كان الميت مشهورا بالدين أو علم وارثه أو وصيه بأنه مديون وأقبض الدائنين فان الدائن الطارئ يرجع بحصته على الوارث أو الوصى، لتفريطه واستعجاله، ويؤخذ موسر أو حاضر أو حى من الورثة من معسر وغائب وميت منهم ما لم يجاوز دين الدائن الطارئ ما قبضه الوارث لنفسه من التركة والا فلا يدفع له سوى ما قبضه فقط ثم يرجع الوارث أو الوصى على الدائنين بما دفع للدائن الطارئ. وكذلك لو حضر انسان قسمة التركة ولم يدع شيئا من غير مانع يمنعه ثم ادعى بعد ذلك بدين فلا تسمع دعواه حيث حصل قسمة جميع التركة (١). مذهب الشافعية: ان قسم القاضى مال المفلس على الدائنين ثم ظهر دائن كان يجب ادخاله فى القسمة بأن سبق دينه الحجر أو حدث دين سبق سببه الحجر ونحو انهدام ما أجره المفلس قبل الحجر وقبض أجرته وأتلفها سواء حدث الانهدام قبل القسمة أم بعدها. فان هذا الدائن الطارئ يشارك الدائنين فى كل ما ذكر فيما أخذوه بالحصة. ولا تنقض القسمة على الاصح، لحصول المقصود بالرجوع على الدائنين ومشاركتهم فلو قسم مال المفلس وهو خمسة عشر على دائنين لاحدهما عشرون وللاخر عشرة فأخذ الاول عشرة والاخر خمسة ثم ظهر دائن له ثلاثون رجع على كل واحد منهما بنصف ما أخذه. فان أتلف أحدهما ما أخذه وكان معسرا جعل ما أخذه وكان معسرا جعل ما أخذه كالمعدوم ورجع صاحب الدين الطارئ على الاخر ويكون ما أخذه هذا الاخر كأنه كل مال المفلس فلو كان المعسر هو اخذ الخمسة فى المثال المذكور استرد القاضى ممن أخذ العشرة ثلاثة أخماسها للدائن الذى طرأ ثم اذا أيسر المعسر أخذ منه الاخران ما كان يؤخذ منه لو لم يعسر - وهو النصف - وقسماه بينهما بنسبة دين كل منهما. وقيل: تنقض القسمة وتستأنف فيسترد القاضى منهما ما أخذاه، ويستأنف القسمة على الثلاثة. وهذا اذا تلف ثمن الشئ المستحق. أما ان كان باقيا فى مال المفلس فانه يلزمه رده. وقد سبق فى بيع مال المفلس وقمسته حكم استحقاق ما باعه القاضى أو نائبه من أموال المفلس (٢). وهذا كله اذا سبق الدين أو سببه الحجر على المفلس. أما اذا كان سبب وجوب الدين حادثا بعد افلاس المفلس والحجر عليه كما اذا باع شخص لمفلس متاعا بثمن فى ذمته فان كان البائع يجهل افلاسه فالاصح أن له الخيار بين فسخ البيع والرجوع فى عين متاعه

стр. 6706

ان كان موجودا لانتفاء تقصيره لان الافلاس كالعيب فيفرق فيه بين العلم والجهل. أما ان كان يعلم افلاسه فليس له الفسخ لتقصيره. وقيل: له ذلك لتعذر الوصول الى الثمن. وقيل: ليس له ذلك مطلقا سواء كان يجهل افلاسه أم يعلمه وهو مقصر فى الجهل بافلاسه لتركه البحث عن حالته والاصح أنه اذا لم يمكنه التعلق بعين متاعه لعلمه بالافلاس أو لعدم وجود متاعه ضمن أموال المفلس أو لاختيار الجاهل به عدم الفسخ فانه لا يشارك الدائنين بثمن متاعه المبيع للمفلس لانه دين حادث بعد الحجر برضا مستحقه فلا يزاحم الدائنين الاولين بل ان فضل شئ عن دينهم أخذه والا بقى فى ذمة المفلس يطالبه به عند يساره. ومقابل الاصح: أنه يشاركهم به لانه فى مقابلة ملك جديد زاد به مال المفلس. وهذا الخلاف يجرى فى كل دين يحدث بعد افلاس المفلس والحجر عليه برضا مستحقه بمعاوضة. أما ما وجب على المفلس بدون رضا مستحقيه كبدل ما اتلفه وأرش جنايته ولو بعد الحجر عليه فان المستحق لذلك يشارك الدائنين فى الاصل لانه لم يقصر فلا يكلف الانتظار ليسار المفلس (١). مذهب الحنابلة: لو قسم القاضى مال المفلس بين دائنيه ثم ظهر له دائن اخر لم تنقض القسمة ويرجع الدائن الذى ظهر على كل واحد من الدائنين بقدر حصته لانه لو كان حاضرا قاسمهم فكذا اذا ظهر بعد ذلك وليس قسم القاضى مال المفلس حكما وانما هو قسمة بان الخطأ فيها فلو كان للمفلس الف اقتسمه دائناه نصفين ثم ظهر ثالث دينه كدين احدهما رجع على كل واحد منهما بثلث ما قبضه. واذا أتلف أحدهما ما قبضه فالظاهر أنه يرجع عليه بحصته ولو أفلس شخص وله دار مستأجرة فانهدمت بعد قبض المفلس الاجرة وبعد قسمة ماله بين الدائنين فان المستأجر يرجع على الدائنين بحصته وهى أجرة ما بقى من المدة، لان سبب وجوب هذا الدين قبل الحجر (٢). وهذا اذا كان سبب وجوب هذا الدين قبل الحجر أما ان كان حادثا بعده فليس له ذلك كما سبق فى منع المفلس من التصرف مذهب الظاهرية: قال ابن حزم: اذا قسم مال المفلس بين الدائنين الحاضرين الطالبين ثم ظهر دين لغائب لم يوكل أو لحاضر لم يطلب، أو أقر به المفلس فانه لا يكون لاحد من هؤلاء أن يشارك الدائنين فيما قضى لهم به وأخذوه فعلا من مال المفلس لقوله ﷺ للدائنين «خذوا ما وجدتم» فاذا أخذوه فقد ملكوه فلا يحل أخذ شئ مما ملكوه قبل ظهور هذه الديون وتتعلق هذه الديون بذمة المفلس الى أن يظهر له مال (٣). مذهب الزيدية: اذا قسم القاضى مال المفلس بين دائنيه وأخذ كل منهم حصته ثم ظهر له دائن اخر دينه سابق الحجر فالمذهب أن هذا الدائن يشارك سائر الدائنين فيما أخذوه من مال المفلس ويسترد له القاضى حصته من الدائنين سواء كان باقيا فى أيديهم أم قد تلف فيغرمون له حصته، وذلك لان الحجر لبعض الدائنين حجر لكلهم اذ حقهم فى مال المفلس على سواء فهو مستحق قطعا فينقض له الحكم كما لو خالف القاضى النص. فلو تعذر الرد غرم القاضى من بيت المال مع الخطأ حصة هذا الدائن الذى ظهر. وقد سبق فى قسمة مال المفلس أن للقاضى أن يحتاط عند التقسيم بأخذ الكفلاء من الدائنين برد ما يلزم رده ولا سيما ممن كان غريبا. وهذا كله ان

стр. 6707

ظهر دين هذا الدائن بالبينة أو علم القاضى أو اقرار الدائنين أو نكولهم أوردهم اليمين. أما ان ظهر باقرار المديون المفلس أو نكوله أو رده اليمين فانه يكون فى ذمته. ولا يشارك صاحب هذا الدين غيره من الدائنين فيما أخذوه من مال المفلس ولا يسترد له القاضى شيئا منهم. وقيل: ان نكول المفلس يعتبر كالبينة فيترتب عليه حكمها المفصل سابقا. هذا وأما الدين اللازم ذمة المفلس بعد الحجر عليه فلا يدخل ضمن المال المحجور حتى ولو كان لزومه بجناية جناها المفلس فى حالة حجره على وديعة كانت معه من قبل افلاسه والحجر عليه فان صاحب الوديعة لا يشارك الدائنين للمفلس قبل الحجر، ولا يأخذ من ماله حصة ذلك الارش. ذكر ذلك المؤيد بالله والقاضى زيد وقال ابو طالب وصاحب الوافى: بل يشاركهم ويقسط مال المفلس بين الجميع (١). هذا وقد سبق ذكر اختصاص الدائن بسلعته التى اشتراها منه المفلس بعد الحجر فى «منع المفلس من التصرف». مذهب الإمامية: اذا قسم القاضى مال المفلس بين دائنيه ثم ظهر دائن اخر بعد ذلك فاما أن يطالب هذا الدائن الطارئ بعين معينة من مال المفلس بأن يكون قد باع للمفلس مبيعا قبل افلاسه وعينه قائمة فى أموال المفلس بعد الحجر عليه وتوفرت شروط رجوعه فيها. وأما أن يطالب بدين فى ذمة المفلس قبل افلاسه والحجر عليه. وعلى الاول فاما أن تكون تلك العين قد صارت بالقسمة فى حصة أحد الدائنين أو فى يد أجنبى باعها القاضى له وقسم ثمنها على الدائين. وأما ان تكون قد صارت للدائنين جميعا بالسوية فهى فى ايديهم جميعا، فهنا أربع صور: ففى صورتى ما اذا كانت عينا واختص بها احد الدائنين أو باعها القاضى لاجنبى وقسم ثمنها بين الدائنين لا سبيل الى قضاء هذا الدائن الطارئ حصته من مال المفلس الا بنقص القسمة فتنقص ويشاركهم هذا الدائن فيما أخذوه، لان العين اذا انتزعت من أحدهما وردت لبائعها بقى الاخر بغير حق. وأما فى صورتى ما اذا كان يطالب بدين أو عين ولكنها فى يد جميع الدائنين بالسوية ففيه خلاف فقيل: لا تنقض القسمة وانما يرجع هذا الدائن على كل واحد من الدائنين الذين قسم عليهم مال المفلس بحصة يقتضيها الحساب، لان كل واحد منهم قد ملك ما هو قدر نصيبه بالاقباض الصادر من اهله فى محله فلا يجوز النقض لانه يقتضى ابطال الملك السابق. أما الحصة الزائدة على قدر نصيبه باعتبار الدائن الطارئ فانها غير مملوكة له فتسترد لمستحقيها. وقيل: يحتمل نقض القسمة هنا ايضا، لان ملك الدائنين لا عيان مال المفلس كان مبنيا على الظاهر من انحصار الحق فيهم وقد تبين خلافه بظهور المشارك فى الاستيفاء فلم تصح القسمة الاولى. وحصة هذا الدائن الطارئ مشاعة فى جميع مال المفلس وقد قسم بغير اذنه فلا تصح القسمة أصلا. واستظهر صاحب مفتاح الكرامة القول بنقضها هنا أيضا وعلى القول بنقض القسمة مطلقا ففى الشركة فى النماء المتجدد اشكال. ولو تلف المال فى يد الدائنين بغير تفريط بعد ظهور دائن اخر ونقض القاضى القسمة ففى احتسابه عليهم بحيث يجب عليهم الغرم أشكال ينشأ من عدم التفريط منهم وأصالة البراءة ومن انهم قبضوه للاستيفاء والقبض يضمن بفاسده كما يضمن بصحيحه. والاصح انه يضمن ويحتسب على الدائنين كما فى جامع المقاصد. ولو خرج المبيع من مال المفلس مستحقا بعد قبض الدائنين لثمنه وتلفه فى أيديهم - وهو حينئذ مضمون عليهم لقبضهم اياه للاستيفاء - فيتخير المشترى بين الرجوع على الدائنين كل بقدر ما تلف فى يده وبين الرجوع على المفلس ويقدم به على الرأى الاقرب أو يقاسم به مع الدائنين فى المال الباقى بعد المستحق. فان رجع على الدائنين لم يرجعوا به على المفلس سواء كانوا عالمين أو جاهلين لان قبضهم كان مضمونا نعم لهم الرجوع بدينهم لانه باق.

стр. 6708

وان رجع المشترى على المفلس رجع هو على الدائنين لما ذكر ولو تلف الثمن فى يد القاضى أو أمينه قبل قبض الدائنين له فانه يكون كتلفه فى يد المفلس فينحصر الضمان فيه فيقدم المشترى - وهو المستحق منه المبيع - على غيره من الدائنين بثمنه وهو الاقرب لانه من مصالح الحجر، لئلا يرغب الناس عن الشراء. ويحتمل ان يقاسم مع الدائنين به لانه دين لزم المفلس. وقيده فى جامع المقاصد بما اذا لم يكن غصب المبيع المستحق لصاحبه معلوما عند القاضى أو أمينه والا استقر الضمان عليه لانه غاصب واذا فسخ المستأجر الاجارة لانهدام الدار المستأجرة مثلا بعد افلاس المؤجر وبعد قسمة ماله على الدائنين احتمل أمرين (أحدهما) مقاسمته مع الدائنين بأجرة المدة الباقية لاستناد هذا الدين الطارئ بعد الحجر الى عقد سابق على الحجر وهو الاجارة فصار كما لو انهدمت قبل القسمة. والثانى: المنع من ذلك لانه دين حدث على المفلس بعد قسمة ماله (١) وقد سبق بيان حكم من حدث له دين على المفلس بعد الحجر عليه عالما أو جاهلا بافلاسه فى منع المفلس من التصرفات. الاتفاق على المفلس وعلى من تلزمه نفقته: مذهب الحنفية: ينفق على المفلس من ماله، وكذلك زوجته وأولاده الصغار وذوو أرحامه ممن تجب نفقتهم عليه لان ذلك من حوائجه الاصلية. وهى مقدمه على حق الدائنين ولانه حق ثابت لغيره فلا يبطله الحجر عليه. (٢) وقد سبق فى بيع مال المفلس حكم ما يلزمه من لباس ومسكن. مذهب المالكية: ينفق المفلس على نفسه من كسبه ويلزمه أن يكتسب لذلك ان كان قادرا عليه ولا يترك القاضى من ماله الذى يباع عليه شيئا لقوته حيث كان كسبه يكفيه (٣)، أو كان له صنعة يقتات منها. وقيل: يترك القاضى لمن له صنعة نفقة يومين خوف عطله. أما ان كان كسب المفلس لا يكفيه أو كان غير قادر على الاكتساب فان القاضى يترك له من ماله الذى يبيعه عليه ما يقتات به هو ومن تلزمه نفقته شرعا من زوجاته ووالديه وأولاده الى وقت يظن - بحسب الاجتهاد أنه يحصل له ما يأتى به المعيشة عادة لان الدائنين عاملوه على ذلك ويكون ما يتركه القاضى له من خشن الطعام مما تقوم البينة به لا مما فيه ترفه حتى ولو اعتاد المفلس عليه فلا يترك له ذلك. وكذلك يترك القاضى للمفلس كسوته وكسوة من تلزمه نفقته ولا يترك لكل واحد منهم الا ما يوارى عورته بين الناس ويقيه الحر والبرد وتجوز الصلاة به بدون كراهة. وأما الثياب التى للزينة فلا تترك له ولا لمن تلزمه نفقته على المشهور. وقد سبق تفصيل ما يترك للمفلس من مسكن فى بيع مال المفلس. مذهب الشافعية: يجب على القاضى أن ينفق على المفلس من ماله يوما بيوم نفقة المعسرين حتى يقسم ماله لانه موسر أى لا تجب نفقته على أحد ما لم يزل ملكه عن ماله بالقسمة ويستمر الانفاق عليه من ماله حتى يمضى يوم وليلة بعد قسمة ماله بين الدائنين وكذلك يجب على القاضى الانفاق على زوجة المفلس التى تزوجها قبل إفلاسه والحجر عليه أما من تزوجها بعد ذلك فلا ينفق عليها كما يجب عليه الانفاق على من يطلب ذلك من أقارب المفلس الذين تلزمه نفقتهم وتحققت فيهم شروطها حتى وان حدثوا بعد افلاسه والحجر

стр. 6709

عليه. وينفق القاضى على الزوجة نفقة المعسرين على المعتمد الموافق لنص الشافعى. وقال الرويانى: ينفق عليها نفقة الموسرين لانه لو انفق نفقة المعسرين لما أنفق على القريب ومثل النفقة فى كل ذلك الكسوة والاسكان والاخدام وتجهيز من مات منهم قبل قسمة المال لان كل ذلك واجب على المفلس. ومحل ذلك ما لم يتعلق بعين مال المفلس حق اخر. وأما اذا تعلق حق اخر بماله كان يكون جميع ماله مرهونا فلا ينفق عليه ولا على عياله منه. ومحل ذلك أيضا ان لم يكن للمفلس كسب لائق به. فان كان له كسب مباح لائق به فان القاضى حينئذ لا ينفق عليهم ولا يكسوهم من ماله بل يصرف كسبه إلى ذلك فإن فضل من كسبه شئ أضيف الى المال وان لم يوف بذلك كمل من ماله. أما الكسب غير اللائق به كالعدم، ولو رضى بما لا يليق به من كسب - وهو مباح - فلا يمنع منه قال الاذرعى وكفانا مؤنته. وهذا ان اكتسب المفلس بالفعل. أما ان كان يستطيع الاكتساب وامتنع منه فانه لا يكلف الاكتساب ولا يجبر عليه وينفق عليه القاضى وعلى من يعوله من ماله فى الصحيح، وهو ما اختاره الاسنوى لما سبق ذكره فى فصل ما يؤمر به المفلس لاداء الدين «واختار السبكى ما قاله المتولى: أنه لو امتنع المفلس من الاكتساب المباح غير المزرى به لم ينفق عليه ولا على من يعولهم من ماله. بل يجبر على الاكتساب بالنسبة لمن يعولهم من أولاده وأقاربه أما بالنسبة لنفسه فلا يجبر على ذلك، وكذلك زوجته لقد ردتها على فسخ النكاح (١) .. وقد سبق فى بيع مال المفلس «بيان ما يترك للمفلس من كسوة ومسكن». مذهب الحنابلة: اذا حجر على المفلس وكان ذا كسب يفى بنفقته ونفقة من تلزمه نفقته فنفقته فى كسبه لانه لا حاجة الى اخراج ماله مع غناه بكسبه. وان لم يكن ذا كسب أنفق عليه القاضى من ماله مدة الحجر وان طالت. وان كان كسبه دون نفقته كملت من ماله كما لو لم يكن له كسب، لان ملكه باق على ماله قبل القسمة وقد قال النبى ﷺ ابدأ بنفسك ثم بمن تعول (٢) .. والنفقة هنا تشمل المأكل والمشرب والكسوة والواجب منها أدنى ما ينفق على مثله بالمعروف وأدنى ما يكتسب به مثله. وان مات المفلس كفن من ماله لأن نفقته كانت واجبة من ماله فى حال حياته فوجب تجهيزه منه بعد الموت. وكذلك كفن من تلزمه نفقته سوى زوجته لانه بمنزلته. ويمتد انفاق القاضى على المفلس من ماله إلى حين فراغه من قسمة ماله بين الدائنين لانه لا يزول ملكه عن ماله إلا بذلك (٣). مذهب الزيدية: المذهب أن المفلس المحجور عليه لافلاسه ينفق على نفسه وعلى من تلزمه نفقته من زوجته وطفله وخادمه ووالديه المعسرين من كسبه إن كان له كسب، وإلا فنفقته من ماله يوما فيوما على عادة الفقراء حتى يقتسمه الدائنون (٤). والقياس ان النفقة عليه وعلى من ذكر تكون من ماله فلا يجب عليه التكسب لها فإن تكسب كان من جملة المال ولا تتعين عليه النفقة من الكسب (٥) وعند قسمة مال المفلس الذى لا كسب له ولا دخل يفضل منه ما يكفى مؤنته يبقى القاضى له من ماله على عادة الفقراء من بلده قوت يوم (أى وجبتين) له ولطفله وولده المجنون ولوغنيين وزوجته وخادمه ووالديه المعسرين وان لم يكونا عاجزين، وهذا هو الاصح. وقال فى الحفيظ: يبقى لهم قوت سنة.

стр. 6710

وأما المفلس الذى له فضله من مهنة يتكسب منها أو غلة وقف ونحوه مما لا يباع فانه يبقى له كفايته وكفاية من يعولهم الى وقت ذلك الدخل الذى يعود عليه سواء قصرت المدة أم طالت. والفرق بين الكسوب وغيره حيث جعل لغيره النفقة بيوم واحد - أن الكسوب ونحوه يعلم لتقدير النفقة له أجل محدد وهو الدخل بخلاف غيره حيث لا يعلم له ذلك (١). واذا حبس المفلس ففى نفقته فى الحبس وجهان: الاول: أنها على الدائن لانه حبس من أجله والثانى: أنها فى ماله نفسه لانه حبس لواجب عليه (٢). وقد سبق تفصيل ما يترك للمفلس بنوعيه من الكسوة والمسكن فى بيع مال المفلس. مذهب الإمامية: يجرى القاضى على المفلس نفقته وكسوته ويتبع فى ذلك عادة أمثاله وكذلك يجرى نفقة من تجب على المفلس نفقته بالمعروف الى يوم قسمة ماله بين الدائنين، فيعطيه هو وعياله نفقة ذلك اليوم خاصة لانه موسر فى أول ذلك اليوم ولا يزيد على ذلك لانه لا ضابط لما بعده. وهذا اذا لم يكن له كسب يصرفه الى هذه الجهات. فان كان ذا صفة صنعة تكفيه لذلك أو كان يقدر على تكسب ذلك لم يترك له القاضى شيئا. ولو أنفقت القسمة فى طريق سفر المفلس فالاقرب إجراء النفقة والكسوة عليه الى يوم وصوله إلى منزله (٢). وقد سبق ذكر حكم مسكن المفلس وكسوته فى بيع مال المفلس. مذهب الإباضية: سبق ذكر نفقة المفلس وكسوته وسكناه وما يتركه له القاضى منها - عندهم فى بيع مال المفلس فيرجع الى تفصيلها هناك (٣). انتهاء حالة الافلاس وما يترتب عليها مذهب الحنفية: يرتفع الافلاس والحجر عن المديون المفلس بابراء الدائنين أو بوصول حقهم اليهم (٤) مذهب المالكية: ينفك الحجر عن المفلس متى حكم القاضى بخلع ماله وأخذ المال من تحت يده وبقيت من ديون الدائنين بقية وينفك عنه حينئذ حتى ولو لم يقسم ماله الذى أخذ منه على الدائنين، لان العلة فى تفليسه والحجر عليه كانت خوف اتلاف ماله والعلة اذا زالت معلولها. وللدائنين تحليف المفلس أنه لم يخف شيئا من ماله عنهم فان امتنع من الحلف فلا ينفك حجره، ويظل مستمرا عليه حتى يحلف أو يوافقه الدائنون على أنه لم يخف مالا عنهم. ولا يحتاج فك الحجر عن المفلس إلى حكم القاضى به على المعتمد، لانه لا يحتاج الى اجتهاد. وقال ابن القصار: وتلميذه عبد الوهاب البغدادى: لا ينفك عنه إلا بقضاء القاضى به لاحتياجه للاجتهاد الذى لا يضبطه إلا القاضى. وإذ لم يتجدد للمفلس مال بعد أخذ المال منه وثبوت عدمه وانفكاك الحجر عنه فلا يجوز الحجر عليه ثانيا ولو طال زمان عدم تجدد المال. وهذا هو الذى به العمل وقال الباجى: يكشف عن حاله كل ستة أشهر، لان الغالب تغير الاحوال خلالها وحصول الكسب فيها فان وجد عنده مال حجر عليه والا فلا. ويترتب على انفكاك الحجر عن المفلس نفوذ تصرفاته التى كان ممنوعا منها حتى يحجر عليه دائنوه الذين حجروا عليه أولا أو غيرهم اذا تجدد له مال (٥) على ما سبق تفصيله فى اثر الافلاس فى المال الحادث

стр. 6711

مذهب الشافعية: المعتمد أن الحجر على المفلس يستمر الى قضاء الديون بل يستمر بعد قضائها أو الابراء منها مثلا، فلا ينفك بمجرد قسمة مال المفلس وقضاء الديون ولا باتفاق الدائنين على رفعه لاحتمال ظهور دائن اخر غيرهم وانما يفكه القاضى لا غيره لانه لا يثبت الا باثباته فلا يرتفع الا برفعه، لانه يحتاج الى نظر واجتهاد. واذا لم يبق للمفلس بعد قسمة ماله سوى الموقوف عليه والموصى بمنفعته له فالظاهر أنه يجوز للقاضى فك الحجر عنه فيما عداهما. وقال بعض مشايخ المذهب: لا يجوز للقاضى فك الحجر عن المفلس قبل وفاء الدين ولو فى الموقوف على المفلس أو الموصى له بمنفعته. ولو فك القاضى الحجر عن المفلس ثم ظهر له مال قديم كان موجودا قبل الحجر وأخفاه أو لم يعلم به فانه يتبين استمرار الحجر على الاصح سواء حدث له بعد فك الحجر مال ودائنون أم لا. والمال الذى ظهر أنه كان موجودا قبل فك الحجر يكون للدائنين القدماء فقط، لتعلق حقهم به قبل فك الحجر. أما ان حدث للمفلس مال بعد فك الحجر عنه فلا تعلق لاحد فيتصرف فيه كيف شاء (١). مذهب الحنابلة: ينفك حجر المفلس بلا حكم إذا لم يبق عليه شئ من الدين لأن المعنى الذى حجر عليه من أجله قد زال أما أن بقى على المفلس شئ من الدين بعد قسمة ماله على الدائنين فلا ينفك الحجر عنه إلا بحكم القاضى بفكه لأنه حجر ثبت بحكمه فلا يزول إلا بحكمه، ولأن فراغ مال المفلس يحتاج إلى معرفة وبحث ونظر فى الأصلح من بقاء الحجر وفكه فوقف ذلك على القاضى، وهذا هو الأولى وقيل: يزول الحجر عن المفلس بمجرد قسمة ماله بدون حاجة إلى فكه من القاضى لأنه حجر عليه لأجل ماله فإذا زال ملكه عنه زال سبب الحجر فزال الحجر كزوال حجر المجنون لزوال جنونه. وإذا فك القاضى الحجر عن المفلس لأحد مطالبته ولا ملازمته حتى يملك مالا. فإن جاء الدائنون عقب فك الحجر عن المفلس فادعوا أن فى يده مالا لم تقبل دعواهم هذه إلا ببينة لأنه خلاف الظاهر. فإن ادعوا ذلك بعد مدة أو ادعوا ذلك عقب فك الحجر، وبينوا سبب المال أحضره القاضى وسأله عما ذكره الدائنون فإن أنكر أن بيده مالا فالقول قوله لأنه ما فك الحجر عنه إلا بعد أن لم يبق له شئ. وإن أقر أن بيده مالا فعلا، وقال: هو لفلان وأنا وكيله أو عامله فإن كان المقر له حاضرا سأله القاضى فإن صدقه فهو له، ويستحلفه القاضى لجواز أن يكونا تواطأ على ذلك ليدفع المطالبة عن المفلس وإن كذبه أو صدقه ولم يحلف تبين كذب المفلس فيعاد الحجر عليه إن طلب الدائنون ذلك وكان المال لا يفى بدينه وإلا وفاء منه ولا حاجة إلى الحجر. وإن كان المقر له غائبا أقر المال فى يد المفلس حتى يحضر الغائب ويسأل على الوجه المذكور فى الحاضر. وإذا انفك الحجر على المفلس بقضاء القاضى وعليه بقية من دين ثم لزمته ديون أخرى وظهر له مال فحجر عليه ثانيا ولو يطلب أصحاب الديون التى لزمته بعد الحجر فإنه يكون من حق دائنى الحجر الأول مشاركة دائنى الحجر الثانى فى ماله الموجود حينئذ، سواء حدث له بمعاملة أم بغيرها كميراث ونحوه لأنهم تساووا جميعا فى ثبوت حقوقهم فى ذمته فتساووا فى الاستحقاق إلا أن الأولين يضرب لهم فى ماله الموجود ببقية ديونهم أما الآخرون فيضربون بجميع ديونهم (٢).

стр. 6712

مذهب الزيدية: يفك الحجر عن المفلس إذا قضى الدائنين ديونهم وكذا إذا سقطت ديونهم بأى وجه من الوجوه (١). كما ينته بانتهاء المدة المحددة له عند الحكم به (٢). وإذا رأى القاضى صلاحا فى رفع الحجر حتى يقر المفلس بدين عليه أو نحوه جاز بشرط رضاء الدائنين بذلك وسواء كان هو الحاجر عليه أو غيره (٣). وكذلك يفك الحجر على المفلس بعد قسمة ماله على الدائنين ولا يحتاج بعد ذلك إلى حكم يفك الحجر إذا قد زال مقتضيه. وقيل: يحتاج إلى ذلك لأنه قد ثبت بحكم فلا ينقض إلا به (٤). ويترتب على فك الحجر عن المفلس نفوذ تصرفاته واقراره. وإذا انفك الحجر بعد العقد الذى وقع من المفلس فى حال الحجر نفذ أيضا (٥). مذهب الإمامية: إذا قسم مال المفلس بين الدائنين ولم يبق له مال واعترف بذلك الدائنون فك حجره ولا يحتاج ذلك إلى حكم من القاضى على الأولى لأن الحجر كان لحفظ المال وتفريقه على الدائنين وقد حصل. وكذا لو اتفق الدائنون على رفع الحجر عن المفلس رفع بدون حاجة إلى اذن من القاضى لأن الحجر لهم وهو حقهم وإذا أفلس المؤجر واختار الدائنون عدم بيع العين المؤجرة والصبر حتى تنته مدة اجارتها فيبيعها القاضى لهم أو يقسمها بينهم فالأقوى عدم بقاء الحجر مستمرا إلى انقضاء الاجارة. ولو باع المفلس ماله للدائن ولا دين له سواء فك الحجر عنه لأن سقوط الدين يسقط الحجر (٦). وإذا انفك الحجر عن المفلس فادعى الدائنون أنه استفاد مالا بعد فك الحجر عنه سأله القاضى فى ذلك فإن أنكر فالقول قوله مع اليمين. وإن صدقهم وكان المال وافيا بالديون لم يحجر عليه وإلا حجر عليهم مع طلبهم ذلك. وإن صدقهم وادعى أنه مضاربة فإن كانت لغائب فالقول قوله مع اليمين وإن كانت لحاضر وصدقه فكذلك القول قوله ولم يحجر عليه. ولو تجدد للمفلس دائنون قبل الحجر الثانى قسم مال المفلس بين الدائنين الذين حدثوا بعد فك الحجر الأول وبين الأوائل ولا يختص به المتأخرون وإن استفادة من جهتهم (٧). مذهب الإباضية: إن استفاد المفلس بعض ما فلسه عليه القاضى من دين فلا يخرجه ذلك من التفليس حتى يستفيد جميع ما فلسه عليه القاضى. وقيل: لا يخرج المفلس من التفليس حتى يستفيد أكثر مما فلسه عليه القاضى (٨). ولا يرفع التفليس عن المفلس بعد ثبوته بقول قائل: لك على كذا من قبل كذا، مثل أن يقول: لك على عشرون دينارا من قبل البيع وهذا إن لم يجز اقراره كما لا يرفع التفليس بمجرد الهبة وهى التى وهبها المفلس بقول القائل أعطيتك هذا. وهذا بناء على القول بأنه لا يلزم المفلس قبول الهبة ولا اجازة اقرار من أقر له (٩) وإذا خرج المفلس من التفليس فعلى القاضى أن يعلم الناس أنه قد خرج من التفليس ليعامله الناس (١٠)

стр. 6713

أقارب تعريفه لغة: أقارب الرجل وأقرباؤه وأقربوه - عشيرته الأدنون. والقربة والقربى القرابة، ويقال: هو قريبى وذو قرابتى، ولا يقال: قرابتى بدون «ذو» (١). تعريفه شرعا: وتعريف الأقارب فى اصطلاح الفقهاء لا يختلف عن معناه فى اللغة إلا أنهم اختلفوا فى ترتيبهم وأولوية بعضهم عن البعض إذا كان هناك وقف أو وصية ونحوها لهم. فيرجع فى تفصيل ذلك وبيان الأحكام المترتبة عليه إلى هذه المصطلحات كل فى بابه. والقرابة على ثلاثة أنواع: الأول: القرابة القربية وهم قرابة ذى الرحم المحرم. أما بطريق الأصلية كالأبوين والاجداد والجدات وإن علوا وإما بطريق الفرعية كالأولاد وأولاد الاولاد وإن سفلوا. الثانى: القرابة المتوسطة وهى قرابة المحارم من غير الأخوة والأخوات وأولادهما وإن سفلوا (العمودين أى قرابة) وقرابة الأعمام والعمات والأخوال والخالات دون أولادهم. الثالث: القرابة البعيدة وهى قرابة ذى الرحم غير المحرم كأولاد الأعمام والأخوال (٢). إقالة التعريف فى اللغة: اقالة مصدر فعله أقال المزيد بالهمزة فى أوله فأصل مادته قال يقيل قيلا، يقال قال فلان فلانا البيع إذا فسخه كما يقال: أقال فلان البيع أو العهد إذا فسخه فالهمزة مزيدة للتعدية وكذا يقال: أقال الله عثرة فلان يعنى صفح عنه وتجاوز وأقال فلانا من عمله أعفاه منه ونحاه عنه وتقايل البيعان: تفاسخا صفقتهما واستقال فلان: طلب أن يقال، ويقال (٣) استقاله عمله: طلب أن يعفيه منه، واستقاله عثرته: سأله أن يصفح عنه واستقاله البيع: طلب إليه أن يفسخه. تعريف الاقالة فى اصطلاح الفقهاء: مذهب الحنفية: جاء فى البحر الرائق (٤): أن الاقالة شرعا هى رفع العقد، كذا ذكره فى الجوهرة، وهو تعريف للأعم من اقالة البيع والاجارة ونحوهما وإن أردت خصوصها فقل: هى رفع عقد البيع. مذهب المالكية: جاء فى منح (٥) الجليل: أن ابن عرفة قال: الاقالة هى ترك المبيع لبائعه بثمنه أو أكثر واستعمالها قبل قبض المبيع. مذهب الشافعية: جاء فى الأم (٦) أن الاقالة فسخ البيع فلا بأس بها قبل القبض لأنها ابطال لمقدة البيع بين المتبايعين والرجوع إلى حالهما قبل أن يتبايعا فى موضع آخر (٧) فى الأم قال: الاقالة ليست ببيع وإنما هى

стр. 6714

نقض بيع تراضى البائع والمشترى فيما بينهما على نقض العقدة الأولى التى وجبت لكل واحد منهما. مذهب الحنابلة: جاء فى كشاف (١) القناع: أن الاقالة هى فسخ العقد لأنها عبارة عن الرفع والازالة يقال: أقل الله عثرتك أى ازالها. مذهب الظاهرية: قال ابن حزم الظاهرى: الاقالة بيع مبتدأ لا يجوز فيها إلا ما يجوز فى سائر البيوع لا تحاشى شيئا (٢). مذهب الزيدية: جاء فى التاج (٣) المذهب: أن الإقالة شرعا هى رفع العقد الواقع بين المتعاقدين. مذهب الإمامية: جاء فى الخلاف (٤) ان الإقالة هى فسخ فى حق المتعاقدين سواء كان قبل القبض أو بعده وفى حق غيرهما. مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل (٥): أن الإقالة هى ترك مبيع لبائعه بثمنه لا بأقل او اكثر ولا بخلاف جنسه وذلك التعريف مبنى على أن الإقالة فسخ أما على اعتبار أن الإقالة بيع فقد قالوا: هى ترك مبيع لبائعه بثمنه أو بمخالف ثمنه جنسا أو مقدارا وإن كان لغير البائع. حكم الإقالة ودليل مشروعيتها: مذهب الحنفية: جاء فى البحر (٦) الرائق: أن الاقالة مندوب إليها لما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من أقال نادما بيعته آقال الله عثرته يوم القيامة» وإذا كان العقد مكروها تحريما فإنها تكون واجبة دفعا للمعصية وينبغى كذلك أن تكون واجبة إذا كان البائع غار للمشترى وكان الغبن يسيرا أما إذا كان الغبن فاحشا فإنه يوجب الرد أن عره البائع على الصحيح والدليل على مشروعيتها السنة والإجماع وذلك للحاجة إليها. مذهب المالكية: جاء فى منح (٧) الحليل ومثله فى التاج والإكليل: أن الإقالة رخصة وعزيمة أما الرخصة فتكون فيما يمتنع بيعه قبل قبضه وشرط الرخصة عدم تغير الثمن بما تختلف فيه الأغراض غالبا. مذهب الشافعية: جاء فى حاشية (٨) الشبراملسى على نهاية المحتاج:

стр. 6715

أن الإقالة مطلوبة فى الجملة لأمر الشارع بها من أقال نادما بيعته أقال الله عثرته يوم القيامة. مذهب الحنابلة: جاء فى كشاف (١) القناع: أن الاقالة مستحبة لما روى أبو هريرة رضى الله تعالى عنه عن رسول الله ﷺ أنه قال: من أقال بيعة مسلما أقال الله عثرته يوم القيامة. مذهب الظاهرية: قال ابن حزم (٢) الظاهرى: أما الإقالة فقد صح عن رسول الله ﷺ الحض عليها روينا من طريق أبو داود حدثنا يحيى ابن معين حدثنا حفص بن غياث عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ «من أقال نادما أقال الله عثرته». مذهب الزيدية: جاء فى التاج (٣) المذهب وشرح الأزهار: أنه لا خلاف فى أن الإقالة مشروعة والأصل فى مشروعيتها السنة والإجماع أما السنة فما ورد عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «من أقال مسلما بيعته أقال الله عثرته» وأما الاجماع فلا خلاف فى صحتها. مذهب الإمامية: جاء فى الروضة (٤) البهية: أنه تصح اقالة النادم قال الصادق ﵇: أيما عبد مسلم أقال مسلما فى بيع أقال الله عثرته يوم القيامة وهو مطلق فى النادم وغيره إلا أن ترتيب الغاية مشعريه والدليل على مشروعيتها ما روى أبو صالح عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه عن النبى ﷺ أنه قال من أقال نادما فى بيع أقاله الله نفسه يوم القيامة. مذهب الإباضية: جاء فى شرح (٥) النيل أن الإقالة جائزة وذلك لما فيها من الفضل وتكفير السيئات واليمن والبركة فى مال من أقال صاحبه ونزع البركة من مال من منعها، ودليل مشروعيتها الحديث المرفوع إلى رسول الله ﵌ أنه قال: «من أقال أخاه المسلم فى بيع ندم عليه أقال الله عثرته يوم القيامة» قالوا فى الديون وقيل إنها كفارة لذنوبه فمن لم يفعل نزعت البركة من ذلك الشئ وكذلك روى: رحم الله تاجرا أقال أخاه المسلم رحم الله تاجرا نصح له فى بضاعة أى فى بضاعة أخيه المسلم. ما تنعقد به الإقالة مذهب الحنفية: جاء فى البحر (٦) الرائق: أن ركن الإقالة الإيجاب والقبول الدالان عليها بلفظين سواء كانا ماضيين أو كان أحدهما مستقبلا والآخر ماضيا مثل أن يقول المشترى أقلنى فيقول البائع له أقلتك وهذا عند أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى كالنكاح وقال محمد رحمه الله تعالى: لا تنعقد الإقالة إلا بلفظين ماضيين كالبيع ثم قال صاحب

стр. 6716

البحر وقد يكون القبول بالفعل كما لو قطعه قميصا فى فور قول المشترى أقلتك، وكذلك تنعقد بقوله فاسختك وتركت وتاركتك ودفعت وتنعقد كذلك بالتعاطى كالبيع كما فى الخانية والخلاصة وفى البزازية ينعقد به كالبيع من أحد الجانبين وهو الصحيح. مذهب المالكية: ذكر الحطاب فى كتابه مواهب (١) الجليل: أنه وقع فى كلام بعض المشايخ أن الإقالة لا تكون بلفظ الإقالة قال الحطاب ومرادهم والله أعلم فيما إذا وقعت الإقالة فى الطعام قبل قبضه، وأما فى غيره فهى بيع من البيوع ينعقد بما يدل على الرضا من قول أو إشارة أو كتابة من الجانبين أو أحدهما ويظهر ذلك من كلام المدونة فى ترجمة الشركة والقولية حيث جاء فيها: وإن أسلمت إلى رجل فى طعام ثم سألك أن تولية ذلك ففعلت جاز ذلك إذا فقدك وتكون اقالة وإنما التولية لغير البائع. قال أبو الحسن قال عياض فأجاز الإقالة بغير لفظها وهم لا يجيزونها بلفظ البيع قال ابن محرز لأن لفظ التولية لفظ رخصة ولفظ الإقالة مثله فعبر بأحدهما عن الآخر بخلاف البيع. وقد ذكر ابن فرحون فى تبصرته فى الكلام بين ألفاظ حكم العقود التى تفتقر للصيغة ولم يذكر الإقالة وذكر فى المسائل الملفوظة كلامه ولم يزد عليه. مذهب الشافعية: جاء فى حاشية الشبراملسى على نهاية (٢) المحتاج: تحصل الإقالة بلفظ من البائع والمشترى كقول البائع أقلتك فيقول المشترى قبلت وتكون بإيجاب وقبول من الطرفين وذكر فى الاشباه (٣) والنظائر للسيوطى: العقود التى تفتقر إلى الإيجاب والقبول وعد الإقالة من هذه العقود ثم قال السيوطى بعد ذلك فى موضع (٤). آخر: ليس لنا عقد يختص بصيغة إلا النكاح والسلم. مذهب الحنابلة: جاء فى كشاف (٥) القناع ومثله فى قواعد ابن رجب: أن الإقالة تصح بلفظها بأن يقول البائع أقلتك وكذلك تصح بلفظ المصالحة وظاهر كلام كثير من الأصحاب أن الإقالة تصح بلفظ البيع وأنها تنقعد بذلك وتكون معاطاة لأن المقصود هو المعنى فكل ما يتوصل به إليه أجزأ إلا أن القاضى خالف فى ذلك فقال: أن ما يصلح للعقد لا يصلح للحل وما يصلح للحل لا يصلح للعقد فلا ينعقد البيع بلفظ الإقالة ولا تنعقد الإقالة بلفظ البيع. مذهب الظاهرية: قال ابن حزم الظاهرى (٦): الإقالة بيع مبتدأ تكون بتراضى البائع والمشترى لا يجوز فيها إلا

стр. 6717

ما يجوز فى البيوع لا تحاشى شيئا ثم قال ابن حزم فى مكان آخر: لا يجوز البيع إلا بلفظ البيع أو بلفظ الشراء أو بلفظ التجارة أو بلفظ يعبر به فى سائر اللغات عن البيع والأسماء كلها توقف من الله تعالى لا سيما أحكام الشريعة التى لا يجوز فيها الأحداث ولا تعلم إلا بالنصوص مذهب الزيدية: (١) تنعقد الإقالة بالإيجاب والقبول من المتبايعين فقد جاء فى التاج المذهب: يعتبر فى الاقالة القبول من الآخر بعد الإيجاب أو تقدم السؤال أو قبض الآخر ما هو له فى مجلس الإقالة أو مجلس علمها لأن مجلس العلم فى حق الغائب كمجلس اللفظ فى الحاضر فلا يصح من الحاضر فى غير مجلسها وكذا من الغائب فى غير مجلس علمه، ويشترط أن يأتى المقيل بلفظ الإقالة وهو أن يقول: أقلتك أو قايلتك أو تقايلنا أو لك الإقالة أو لك القيلة أو أنت مقال، وكذا أقالك الله حيث جرى به العرف، وتصح الإقالة بالكتابة وبالاشارة من الأخرس والمصمت وتصح من السكران المميز وأن أتى المقيل بغير لفظ الإقالة وهو يمكنه النطق به لم تلحقه أحكامها، وهذا مبنى على أن الإقالة بيع أما على اعتبار أنها فسخ فإن انفساخ العقد يصح بما جرى به العرف كقوله أبطلنا العقد أو رفعناه أو فسخناه أو خذ حقك وانا آخذ حقى أو نحو ذلك ولو بلفظ مستقبل فمع حصول القبول أو القبض يكون فسخا ولكن لا يكون بيعا فى حق الشفيع ولا غيره فلا تثبت له الشفعة (٢). مذهب الإمامية: جاء فى الروضة البهية: أن الإقالة فسخ لا بيع عندنا فهى تصح سواء وقعت بلفظ الفسخ أم الإقالة ولا بد أن يقول ذلك البائع والمشترى معا أو متلاحقين من غير فصل يعتد به أو يقول أحدهما أقلتك فيقيل الآخر وإن لم يسبق التماس (٣). مذهب الإباضية: جاء فى شرح (٤) النيل: أنه ينعقد البيع من بائع بألفاظ تدل عليه وإن أعطيت لك أو وهبت لك وهذا بذا أو بإشارة أو كتابة من أخرس وممنوع من كلام ونحو ذلك مما يدل على رضى ومن مشتريا اشتريته وقبلته وبنعم أثر قبلته أو رضيته وإن قال بع لى هذا الشئ بكذا فقال له بعته لك بكذا لزمه على الراجح ومقابله أنه لا يلزمه حتى يقول فى المسالة الأولى اشتريته أو رضيته بكذا أو نحو ذلك بعد قول البائع بعته لك بكذا أو حتى يقول البائع فى الثانية بعته لك ونحو هذا بعد قول المشترى اشتريته به وكذا الإقالة واختار بعضهم فى البيع أنه لا يلزم فى ذلك وفى الإقالة أنها تلزم إذا قال له أقلنى فقال له أقلتك ولو لم يقل له بعد قبلت القيلولة ثم قال صاحب شرح النيل: ومن اشترى متاعا ثم ندم ورده إلى صاحبه ولم يقبله باللفظ وصار المال والثمن عند البائع وقال قبلت ما رددته والثمن لى لأنى لم أقلك فقيل: إن ثبت البيع فالإقالة لا تكون إلا بلفظ يوجهها وليس قبض البائع المال إقالة منه فى الحكم ولا له فيه إلا الثمن حتى يتفقا على إقالة البيع (٥). شرائط صحة الاقالة مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع أن من شرائط صحة الإقالة: أولا: رضا المتقايلين أما على أصل أبى يوسف رحمه الله تعالى فظاهر لأنه بيع مطلق والرضا شرط صحة البايعان.

стр. 6718

وأما على أصل أبى حنيفة ومحمد وزفر رحمهم الله تعالى فلأنها فسخ العقد والعقد لم ينعقد على الصحة إلا بتراضيهما أيضا. ثانيا: المجلس لأن معنى البيع موجود فيها فيشترط لها المجلس كما يشترط للبيع. ثالثا: تقابض بدلى الصرف فى إقالة الصرف وهذا على أصل أبى يوسف ظاهر وكذلك على أصل أبى حنيفة لأن قبض البدلين إنما وجب حقا لله تعالى ألا ترى أنه لا يسقط باسقاط العهد، والإقالة على أصله وإن كانت فسخا فى حق العاقدين فهى بيع جديد فى حق ثالث فكان حق الشرع فى حكم ثالث فيجعل بيعا فى حقه. رابعا: أن يكون المبيع بمحل الفسخ بسائر أسباب الفسخ كالرد بخيار الشرط والرؤية والعيب عند أبى حنيفة وزفر رحمهما الله تعالى فإن لم يكن بأن ازداد زيادة تمنع الفسخ بهذه الاسباب لا تصح الإقالة عندهما. وعند ابى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى. هذا ليس بشرط، أما على أصل أبى حنيفة وزفر فظاهر لأن الإقالة عندهما فسخ للعقد فلا بد وأن يكون المحل محتملا للفسخ فإذا خرج عن احتمال الفسخ خرج عن احتمال الإقالة ضرورة وأما على أصل أبى يوسف رحمه الله تعالى فلأنها بعد القبض بيع مطلق وهو بعد الزيادة محتمل للبيع فبقى محتملا للإقالة وأما على أصل محمد رحمه الله تعالى وإن كانت فسخا لكن عند الامكان ولا إمكان ها هنا لأنا لو جعلناها فسخا لم يصح ولو جعلناها بيعا لصحت فجعل بيعا لضرورة الصحة ولهذا اتفق جواب محمد مع جواب أبى يوسف فى هذا الفصل. خامسا: قيام البيع وقت الإقالة، فإن كان هالكا وقت الإقالة لم تصح فأما قيام الثمن وقت الاقالة فليس بشرط، ووجه الفرق بين المبيع والثمن أن إقالة المبيع رفعه فكان قيامها بالبيع وقيام البيع بالبيع لا بالثمن لأنه هو المعقود عليه على معنى أن العقد ورد عليه لا على الثمن لأنه يرد على المعين والمعين هو المبيع لا الثمن لأنه لا يحتمل التعيين وإن عين لأنه اسم لما فى الذمة فلا يتصور إيراد العقد عليه فدل أن قيام البيع بالمبيع لا بالثمن فإذا هلك لم يبق محل حكم البيع فى الحقيقة وإذا هلك الثمن فمحل حكم البيع قائم فتصح الإقالة وعلى هذا يخرج ما إذا تبايعا عينا بدين كالدراهم والدنانير سواء عينا أو لم يعينا والفلوس والمكيل والموزون والعدديات المتقاربة الموصوفة فى الذمة ثم تقايلا أنهما أن تقايلا والعين قائمة فى يد المشترى صحت الإقالة سواء كان الثمن قائما فى يده أو هالكا لقيام حكم البيع بقيام المعهود عليه وإن تقابلا بعد هلاك العين لم تصح وكذا إن كانت قائمة وقت الإقالة ثم هلكت قبل الرد على البائع بطلت الإقالة سواء كان الثمن قائما أو هالكا لان الإقالة فيها معنى البيع وكذا إذا كان المبيع عبدين وتقابضا ثم هلكا ثم تقايلا انه لا تصح الإقالة لما ذكرنا أن المعقود عليه إذا هلك لم يبق محل الفسخ بالإقالة. وكذا لو كان أحدهما هالكا وقت الإقالة والآخر قائما وصحت الإقالة ثم هلك القائم قبل الرد بطلت الإقالة لان المعقود عليه هلك قبل القبض. ولو تبايعا عينا بعين وتقابضا ثم هلك إحداهما فى يد مشتريها ثم تقابلا صحت الإقالة وعلى المشترى الهالك قيمة الهالك إن لم يكن له مثل ومثله إن كان له مثل فيسلمه إلى صاحبه ويسترد منه العين لان كل واحد منهما مبيع على حدة لقيام العقد فى كل واحد منهما. ثم خرج الهالك من أن يكون قيام العقد به فيقوم بالآخر، وإذا بقى المبيع بقى محل الفسخ فيصح أو نقول البيع أحدهما والآخر ثمن إذ المبيع لا بد له من الثمن فاذا هلك أحدهما تعين الهالك للثمن والقائم للمبيع لما فيه من تصحيح العقد وفى القلب إفساده فكان التصحيح أولى فبقى المبيع ببقاء المبيع فاحتمل الإقالة، وكذا لو تقايلا والعينان قائمان ثم هلك أحدهما بعد الإقالة قبل الرد لا تبطل الإقالة لان هلاك احداهما قبل الإقالة لما لم يمنع صحة الإقالة فهلاكها بعد الاقالة لا يمنع بقاءها على الصحة من طريق الاولى لان البقاء أسهل من الابتداء وهذا بخلاف بيع العرض بالعرض انه لا ينعقد بأحد العرضين ابتداء وإذا انعقد بهما ثم هلك أحدهما قبل

стр. 6719

القبض يبطل البيع لأن البيع مبادلة المال بالمال فلا ينعقد بأحد البدلين ويبطل بهلاك أحد العرضين قبل القبض لان كل واحد من العرضين بمبيع وهلاك المبيع قبل القبض يبطل البيع. فأما الاقالة فرفع البيع فتستدعى بقاء حكم البيع وقد بقى ببقاء احدهما، وعلى هذا يخرج إقالة السلم قبل قبض المسلم فيه فإقالة السلم قبل قبض المسلم فيه جائزة سواء كان رأس المال دينا أو عينا وسواء كان قائما فى يد المسلم إليه أو هالكا لان المبيع هو المسلم فيه وأنه قائم وهذا لان المسلم فيه. وإن كان دينا حقيقة فله حكم المعين حتى لا يجوز استبداله قبل القبض فكان كالمعقود عليه وأنه قائم فوجد شرط صحة الإقالة، واذا صحت فان كان رأس المال عين حال قائمة رده المسلم اليه بعينه وان كانت هالكة فان كان مما له مثل رد مثله وان كان مما لا مثل له رد قيمته وإن كان دينا رد مثله قائما كان أو هالكا لانه لا يتعين بالتعيين فهلاكه وقيامه سواء. وكذلك لو كانت الإقالة بعد قبض المسلم فيه وأنه قائم فى يد رب المسلم أنه تصح الإقالة ثمة لإنها صحت حال كونه دينا حقيقة فحال صيرورته عينا بالقبض أولى وإذا صحت فعلى رب السلم رد عين المقبوض بعقد السلم كأنه عين ما ورد عليه العقد بدليل أنه يجوز بيعه مرابحة على رأس المال والمرابحة بيع ما اشتراه البائع بمثل الثمن الاول مع زيادة ربح، وإذا كان المقبوض عين ما ورد عليه العقد فى التقدير والحكم وجب رد عينه فى الإقالة. وجاء فى البحر الرائق (١): قال فى الكنز: وهلاك المبيع يمنع صحتها لما قدمنا آن من شرطها بقاء المبيع لانها رفع العقد وهو محله قيد بالمبيع لان هلاك الثمن لا يمنعها لكونه ليس بمحل لكونه يثبت العقد فكان حكما وهو يعقبه فلا يكون محلا لان المحل شرط وهو سابق فتنافيا وكذا بطل البيع بهلاك المبيع قبل القبض دون الثمن وهلاك بعضه بقدره أى هلاك بعض المبيع يمنعها بقدر الهالك لان الجزء معبر بالكل وفى بيع المقايضة إذا هلك أحدهما صحت فى الباقى منهما وعلى المشترى فيه الهالك إن كان قيميا ومثله إذا كان مثليا فيسلمه إلى صاحبه ويسترد العين إلا إذا هلكا بخلاف البدلين فى الصرف إذا هلكا لعدم التعيين ولذا لا يلزمهما إلا رد المثل بعدها وفى السراج الوهاج اشترى عبدا بنقرة فضة أو بمصوغ مما يتعين فتقابضا ثم هلك العبد فى يد المشترى ثم تقايلا والفضة قائمة فى يد البائع صحت وعلى البائع رد الفضة بعينها ويسترد من المشترى قيمة العبد وفى البزازية تقايلا فأبق العبد من يد المشترى وعجز عن تسليمه تبطل الإقالة اه وأشار إلى أن المبيع إذا هلك بعد الإقالة بطلت وعاد البيع قيد بالهلاك لانه لو باع صابونا رطبا ثم تقايلا بعد ما جف فنقص وزنه لا يجب على المشترى شئ لان كل المبيع باق كذا فى فتح القدير وأشار بعدم اشتراط بقاء جميع المبيع على حاله إلى انه لو اشترى أرضا مع الزرع وحصده المشترى ثم تقايلا صحت فى الارض بحصتها من الثمن بخلاف ما إذا أدرك الزرع فى يده ثم تقايلا فأنها لا تجوز لان العقد إنما ورد على الفصيل دون الحنطة كذا فى القنية والى أن الاعتبار لما دخل فى البيع مقصودا فلو اشترى ارضا فيها اشجار فقطعها ثم تقايلا صحت الإقالة بجميع الثمن ولا شئ للبائع من قيمة الاشجار وتسلم الأشجار للمشترى هذا إذا علم البائع بقطعها فان لم يعلم به وقتها خير إن شاء أخذها بجميع الثمن وإن شاء ترك وإن اشترى عبدا فقطعت يده وأخذ ارشها ثم تقايلا صحت الإقالة ولزمه بجميع الثمن ولا شئ للبائع من ارش اليد إذا علم وقت الإقالة أنه قطعت يده وأخذ ارشها وإن لم يعلم يخير بين الاخذ بجميع الثمن وبين الترك كذا فى القنية ورقم برقم آخر ان الاشجار لا تسلم للمشترى وللبائع أخذ قيمتها منه لانها موجودة وقت البيع بخلاف الارش فإن لم يدخل فى المبيع أصلا لا قصدا ولا ضمنا أهـ ثم أعلم أنه لا يرد على اشتراط قيام المبيع لصحة الاقالة، إقالة السلم قبل قبض المسلم (٢) فيه لانها صحيحة سواء كان رأس

стр. 6720

المال عينا أو دينا وسواء كان قائما فى يد المسلم إليه أو هالكا لان المسلم إليه وان كان دينا حقيقة فله حكم العين حتى لا يجوز الاستبدال قبل قبضه وإذا صحت فإن كان رأس المال عينا قائمة ردت وان كانت هالكة رد المثل إن كان مثلها والقيمة إن كان قيميا وان كان دينا رد مثله قائما أو هالكا لعدم التعيين وكذا اقالته بعد قبض المسلم إليه إن كان قائما ويرد رب المسلم عين المقبوض لكونه متعينا كذا فى البدائع والله أعلم. مذهب المالكية: جاء فى الشرح الكبير (١): وحاشية الدسوقى عليه: الإقالة بيع فيشترط فيها ما يشترط فى البيع ويمنعها ما يمنع البيع فهى تجرى مجرى البيع فيما يحل ويحرم فإذا وقعت وقت نداء الجمعة فسخت وإذا حدث بالمبيع عيب وقت ضمان المشترى ولم يعلم به البائع الا بعد الإقالة فله الرد به وهذا بخلاف الإقالة من الطعام قبل قبضه فهى فى الطعام ليست بيعا وإنما هى حل بيع ويشترط فيها كما قال الدسوقى فى حاشيته: (٢) اتفاق الثمنين قدرا أى كونها بالثمن الأول لا بزيادة ولا نقص وإلا لم تجز لأنها حينئذ مع موثوق لا حل بيع وأن تكون بلفظ الإقالة لا بلفظ البيع وأن تقع الإقالة فى كل المبيع وتعجيل رد الثمن إن كان قد قبضه البائع، قال فى منح الجليل (٣): لا يجوز أن تقيله من طعام وتفارقه قبل قبض رأس المال ولا أن يعطيك به مثيلا أو رهنا أو يحيلك به على أحد أو يؤخرك يوما أو ساعة لأنه يصير دينا فى دين وبيع الطعام قبل قبضه فإن أخرك به حتى طال انفسخت الإقالة وبقى الطعام المبيع بينكما على حاله وإن نقدك قبل ان تفارقه فلا بأس به فلو اختل شرط من الشروط السابقة كانت الإقالة بيعا مؤتنفا. وقال فى المدونة (٤): وان ابتعت من رجل سلعة معينة ونقدته ثمنها ثم أقلته وافترقتما على أن تقبض رأس مالك أو أخرته به إلى سنة جاز لأنه بيع حادث الإقالة والإقالة تجرى مجرى البيع فيما يحل ويحرم، أما الإقالة من بعض الطعام فقد قال فى الشرح الكبير وحاشية الدسوقى (٥) عليه: وتمنع الاقالة من بعض الطعام وأخذ البعض وهو مسلم إن غاب البائع على الثمن المثلى وسواء كان عينا أو طعاما لأن فيه بيعا وسلفا فالبيع ما كان من الثمن فى مقابلة البعض الذى لم تقع الإقالة فيه والسلف ما كان فى مقابلة البعض الذى وقعت فيه الإقالة فان لم يغب عليه اما لعدم قبضه أو أنه قبضه ولكنه لم يغب عليه أو كان مما يعرف بعينه كعرض سواء غاب عليه أم لا جازت الإقالة من البعض والحاصل كما قال الدسوقى أنه إذا كان رأس المال عرضا يعرف بعينه سواء غاب عليه المسلم اليه أم لا أو كان عينا أو طعاما لا يعرف بعينه ولم يقبضه المسلم اليه أو قبضه ولم يغب عليه جازت الإقالة فى البعض وإن كان عينا أو طعاما وقبضه المسلم إليه وغاب عليه لم تجز الإقالة فى البعض والإقالة من جميع الطعام قبل قبضه تجوز ولو تغير سوق الثمن المدفوع فى الطعام المقابل منه قبل القبض بغلاء أو رخص لان المدار على عينه وهى باقية أما إذا تغير بدنه بزيادة كسمن دابة دفعها ثمنا وكبرها وزوال عيبها أو نقصان كعورها وهزالها عند البائع فلا تجوز الإقالة لانها بيع مؤتنف لتغير رأس المال فيلزم بيع الطعام قبل قبضه وهذا بخلاف تغير الأمة المدفوعة ثمنا فى الطعام الذى أريد الإقالة منه بسمن أو هزال فان ذلك التغير لا يفت الإقالة والعبد أولى وفرق بين الدواب تشترى للحمها والرقيق ليس كذلك، وفى التاج والاكليل من المدونة (٦): وكل ما ابتعته مما يكال أو يوزن من

стр. 6721

طعام أو عرض فقبضه فأتلفته فجائز أن تقيل منه وترد مثله بعد علم البائع بهلاكه وبعد أن يكون المثل حاضرا عندك وتدفعه إليه بموضع قبضه وإن حالت الاسواق قال ابن يونس، قيل: وهذا إذا كان الموضع الذى نقله إليه قريبا وإن كان الموضع بعيدا صارت إقالة على تأخير فلأ يجوز ذلك. مذهب الشافعية: الأصح أن الإقالة فسخ عند الشافعية ويشترط فيها أن تكون بالثمن الأول فلا تصح بزيادة عن الثمن الاول ولا بأنقص منه فقد جاء فى الأم (١) أن من اشترى من رجل سلعة فسأله أن يقيله منها بأن يعطيه البائع شيئا أو يعطيه المشترى نقدا أو إلى أجل فلا خير فى الإقالة على ازدياد ولا نقص بحال لأنها إنما هى فسخ بيع وهكذا لو باعه اياها فاستقاله على إن ينظر بالثمن لم يجز لأن النظرة ازدياد ولا خبر فى الإقالة على زيادة ولا نقصان ولا تأخير فى كراء ولا بيع ولا غيره وهكذا ان باعه سلعة إلى أجل فسأله أن يقيله فلم يقله لا على أن يشركه البائع ولا خير فيه لأن الشركة بيع وهذا بيع ما لم يقبض ولكنه إن شاء أن يقبله فى النصف إقالة ولا يجوز أن يكون شريكا له ويشترط كذلك فى الإقالة العلم بالمقابل فيه ولذلك لا تصح المقابلة مع الأعمى فقد جاء فى نهاية المحتاج (٢): أنه لا تصح المقابلة مع الاعمى فقد نص فى الام على انه لا بد فى الإقالة من العلم بالمقابل فيه بعد نصه على انها فسخ وقد افتى بذلك الوالد رحمه الله تعالى وفى الأشباه والنظائر للسيوطى (٣): أنه لا يثبت فيها الخيار ولا يتجدد حق الشفعة ولا يشترط فيها القبض وهذا على القول بأنها فسخ أما على القول بأنها بيع فإنها تجرى مجرى البيع فيثبت فيها الخيار وكذلك يثبت الرد بالعيب وإذا تقايلا فى عقود الربا يشترط التقابض فى المجلس بناء على أنها بيع، وفى نهاية المحتاج (٤): قال تصح الإقالة بعد تلف المبيع ويؤخذ من ذلك أنها تصح بعد بيع المشترى وهو الاوجه أخذا من قولهم يغلب فيها أحكام الفسخ وإذا جعل المبيع كالتالف فيسلم المشترى الاول مثل المثلى وقيمة المتقوم وأخذ البلقينى من ذلك صحة الإقالة بعد الإجازة سواء علم البائع أولا والأجرة المسماة للمشترى وعليه للبائع أجرة المثل لما بقى بعد الإقالة من المدة وذلك لان الإقالة لما كانت مطلوبة فى الجملة كان البائع مجبرا عليها لامر الشارع بها فاستحق الاجرة، وقال ايضا فى نهاية المحتاج (٥): لو اقال البائع المشترى بعد حدوث عيب بيده، وسواء علم به البائع قبل الإقالة أولا فللبائع طلب أرشه لصحة الإقالة بعد تلف المبيع بالثمن فكذا بعد تلف بعضه ببعض الثمن وقيل لو فسخ المشترى والبائع جاهل بالحادث ثم علمه فله فسخ الفسخ وقياسه هنا أن البائع إذ أقال جاهلا بحدوث العيب ثم علمه كان له فسخ الإقالة. مذهب الحنابلة: جاء فى قواعد (٦) ابن رجب: يشترط فى الإقالة على القول بأنها بيع معرفة المقال فيه القدرة على تسليمه وتمييزه عن غيره ولا يشترط ذلك على القول بأنها فسخ ذكره صاحب المغنى فى التفليس، ولو تقايلا العبد وهو غائب بعد مضى مدة يمكن أن يتغير فى مثلها أو بعد إباقه واشتباهه بغيره فلا يصح على القول بأنها بيع ويصح على القول بأنها فسخ ولو تقايلا مع غيبة أحدهما بأن طلبت منه الإقالة فدخل الدار وقال على الفور أقلتك فلا يصح على القول بأنها بيع ويصح على القول بأنها فسخ ذكره القاضى أبو الخطاب فى تعليقهما لأن البيع يشترط له حضور المتعاقدين فى المجلس وفى كلام القاضى ايضا

стр. 6722

ما يقتضى ان الإقالة لا تصح فى غيبة الآخر على الروايتين لأنها فى حكم العقود لتوقفها على رضى المتبايعين بخلاف الرد بالعيب والفسخ بالخيار، ولا تصح الإقالة بعد النداء للجمعة على القول بأنها بيع وتصح على القول بأنها فسخ ذكره القاضى وابن عقيل وترد الإقالة بالعيب على القول بأنها بيع أما على القول بأنها فسخ فيحتمل أن لا يرد به لأن الاصحاب قالوا: الفسخ لا يفسخ ويحتمل أن يرد به كما جوزوا فسخ الإقالة والرد بالعيب لاحد الشفيعين وافتى الشيخ تقى الدين بفسخ الخلع بالعيب فى عوضه، ويشترط أن تكون الإقالة بالثمن الاول لا بأزيد منه ولا بأنقص فقد جاء فى كشاف القناع: ولا تصح الإقالة بزيادة على الثمن المعقود به أو بأنقص منه أو بغير جنسه لأن مقتضى الإقالة رد الأمر الى ما كان عليه والملك باق للمشترى لأنه شرط التفاضل فيما يعتبر فيه التماثل فبطل كبيع درهم بدرهمين وإن طلب أحدهما الإقالة وأبى الاخر واستأنفا بيعا جاز بزيادة عن الثمن الأول ونقص عن الثمن الأول وبغير جنسه الا أنه فى قواعد ابن رجب (١) اعتبر هذا الشرط على القول بأنها فسخ لأن الفسخ رفع للعقد فتبين إذن أن العوضين على وجههما كالرد بالعيب وغيره ثم قال: أما على القول بأنها بيع فوجهان حكاهما أبو الخطاب ومن بعده: أحدهما يصح وقاله القاضى فى كتاب الروايتين كسائر البيوع والثانى: لا يصح وهو المذهب عند القاضى فى خلافه وصححه السامرى لأن مقتضى الإقالة رد الأمر إلى ما كان عليه ورجوع كل واحد إلى ماله فلم يجز بأكثر من الثمن وإن كانت بيعا فبيع التولية وهذا ظاهر ما نقله ابن منصور عن احمد فى رجل اشترى سلعة فندم فقال أقلنى ولك كذا وكذا قال أحمد أكره أن تكون ترجع إليه سلعته ومعها فضل إلا أن يكون تسعرت السوق أو تاركا البيع فباعه بيعا مبتدأ فلا بأس به ولكن أن جاء إلى نفس البيع فقال: أمكنى فيها ولك كذا وكذا فهذا مكروه فقد كره الإقالة فى البيع الأول بزيادة بكل حال ولم يجوز الزيادة إلا إذا أقر البائع بحاله وتبايعاه بيعا مستأنفا إذا تسعرت السوق جازت الإقالة بنقص فى مقابلة نقص السعر وكذا لو تغيرت صفة السلعة ونص فى رواية أحمد بن القاسم وحنبل على الكراهة بكل حال سواء كان البيع نقدا أو تسيئة بعد نقل الثمن أو قبله معللا كشبهة مسائل العينة لأنه ترجع السلعة الى صاحبها ويبقى له على المشترى فضل درهم ولكن محذور الربا هنا بعيد جدا لأنه لا يقصد أحد أن يدفع عشرة ثم يأخذ نقدا خمسة مثلا لا سيما والدافع هنا هو الطالب لذلك الراغب ونقل عنه ما يدل على جوازه قال فى رواية الأثرم: وسأله عن بيع العربون فذكر له حديث عمر فقيل له: تذهب إليه؟ فقال: أى شئ اقول وهذا عن عمر ثم قال: أليس كان ابن سيرين لا يرى بأسا إن يرد السلعة إلى صاحبها إلا إذا ذكرهما ومعهما شئ ثم قال: هذا مثله فقد جعل بيع العربون من جنس الإقالة بربح، فأما البيع المبتدأ فيجوز بأكثر من ثمنه كما نقله عنه ابن منصور وكذلك نقله عنه حرب فيمن باع ثوبا بعشرين وقبضها ثم احتاج الى الثوب فاشتراه باثنين وعشرين فقدا قال لا بأس به ولا يجوز نسيئة ولم ير بأسا أن يشتريه بمثل الثمن نقدا ونسيئة ونقل عنه أبو داود فيمن باع ثوبا بنقد ثم احتاج إلى ذلك الثوب يشتريه نسيئة؟ قال إذا لم يرد بذلك الحيلة كأنه لم يرد به بأسا وصرح أبو الحطاب وطائفة من الأصحاب بأن كل بيع وإن كان ينفذ لا يجوز لبائعه شراؤه بدون ثمنه قبل نقد الثمن ويجوز بعده وكذلك نقل ابن منصور عن احمد أنه بعد القبض ببيعه كيف شاء واختلف فى صحة الاقالة بعد تلف العين قال ابن رجب فى قواعده (٢): هل تصح الإقالة بعد تلف العين؟ قال القاضى برة لا تصح لأنها عقد يقف على الرضا من الجانبين فهى كالبيع بخلاف الرد بالعيب ثم قال فى موضع

стр. 6723

آخر (١): قياس الذهب صحتها بعد التلف إذا قلنا هى فسخ وتابعه ابو الخطاب فى الانتصار وابن عقيل فى نظرياته وحكى صاحب التلخيص فيها وجهين بخلاف الرد بالعيب وفرق بأن الرد يستدعى مردودا بخلاف الفسخ وهو ضعيف فإن الرد فسخ أيضا والاقالة تستدعى مقالا فيه ولكن البدل يقوم مقام المبدل هنا للضرورة. مذهب الظاهرية: الإقالة عند الظاهرية بيع مبتدأ ولذلك يشترط فيها شروط البيع قال ابن حزم فى المحلى (٢): الإقالة بيع مبتدأ لا يجوز فيها إلا ما يجوز فى سائر البيوع لا تحاش شيئا ويحرم فيها ما يحرم فى البيوع ولذلك تجوز بأكثر مما وقع عليه البيع الأول أو بأقل وما وقع عليه البيع الأول وتجوز حالا وفى الذمة وإلى أجل فيما يجوز فيه الأجل ثم قال بن حزم فى المحلى (٣) من باع من اخر دنانير بدارهم فلما تم البيع بينهما بالتفرق أو التخير اشترى منه أو من غيره بتلك الدراهم دنانير تلك أو غيرها أقل أو أكثر فكل ذلك حلال ما لم يكن عن شرط لأن كل ذلك عقد صحيح وعمل منصوص على جوازه وأما الشرط فحرام لانه لشرط ليس فى كتاب الله تعالى فهو باطل، ثم قال ابن حزم فى المحلى: ولا تجوز الإقالة فى السلم لأن الإقالة بيع صحيح وقد صح نهى النبى ﷺ عن بيع ما لم يقبض وعن بيع المجهول لانه غرر لكن يبرئه مما شاء منه فهو فعل خير وعلى ذلك فلا تجوز إقالة من لا يقيل ولا إقالة جملة مجهولة القدر ولا إقالة شئ لم يعرف برؤية ولا صفة ولا إقالة من أكره على الإقالة وإن وقع فهو مردود ولا تصح الإقالة بغير ثمن مسمى لأنه غرر فهو باطل ولا تجوز الإقالة متى تزول الشمس من يوم الجمعة إلى مقدار تمام الخطبتين والصلاة ولا إقالة فى شئ فيه معصية (٤) (انظر بيع). مذهب الزيدية: جاء فى التاج المذهب (٥): أن الإقالة تصح بشروط ستة. الشرط الأول: أن يأتى المقيل بلفظ الإقالة وهو أن يقول البائع للمشترى أقلتك أو يقول له: قايلتك أو تقايلنا أو لك الإقالة أو لك القيلة أو انت مقال وكذا تصح بلفظ أقالك الله إذا كان قد جرى بذلك عرف، وتصح بالكتابة وبالإشارة من الأخرس والمصمت ومن السكران المميز فإن أتى بغير لفظ الإقالة وهو يمكنه النطق به لم يلحقه أحكامها. وأما انفساخ العقد ليصبح بما يجرى به العقد ليصح بما جرى به العرف كقوله ابطلنا العقد أو رفعناه أو فسخناه أو خذ حقك وأنا آخذ حقى او نحو ذلك ولو بلفظ مستقبل فمع حصول القبول أو القبض يكون فسخا ولكن لا يكون بيعا فى حق الشفيع ولا غيره فلا تثبت له الشفعة فلو ادعى الشفيع أن المقيل أقال بلفظها وقال البائعان تقايلنا بغير لفظها كان القول قوله حيث تصادقا على الإقالة بخلاف ما إذا ادعى الشفيع الإقالة وقال البائعان: تفاسخنا فعليه البينة لان الإقالة صفة على مدعيها ويصح الإلتزام بالإقالة أو الفسخ نحو ان يقول الزمت نفسى الإقالة أو الفسخ لفلان فى كذا. والشرط الثانى من شروط صحة الإقالة إن تقع الإقالة بين المتعاقدين والأولى أن يقال بين المالكين ولو وكلا فى العقد أو الإقالة وتصح أن تكون الإقالة بين الوليين بمصلحة تحصل لا الوكيل ولا الفضولى فلا تصح منهما الإقالة وكذا الفسخ؟ إلا إذا كان ذلك بتوكيل فى الإقالة فإنه يصح التوكيل فيها وإنما لم تصح من وكيل البيع أو الشراء لأنه ينعزل بالفعل الأول فلا بد من توكيل فى الإقالة إذ لا يكفى التوكيل فى العقد فلو كان العاقد وكيلا لغيره فى البيع أو الشراء صحت الإقالة وكذا الفسخ ممن وكله لأنه المالك ولان ذلك لا يصح من الوكيل لو فعله،

стр. 6724

الشرط الثالث من شروط صحة الإقالة: إن تقع الإقالة فى مبيع باق فلو كان قد تلف جميعه حسا أو حكما لم تصح الإقالة إلا إن يتراضيا على تسليم القيمة فإن ذلك يصح أما لو تلف بعضه وبقى بعضه فإن الإقالة تصح فى البعض الباقى ويقسم الثمن على قدر القيمة حيث لم تتميز الأثمان فلو نقص المبيع نقصانا غير مميز نحو أن تهزل البهيمة أو يذهب بصرها أو نحو ذلك فإن الإقالة تصح فى هذه الحالة إذ هو عين المبيع ولم ينقص منه ما يمكن تقسيط الثمن عليه وتصح الإقالة فى بعض المبيع حتى ولو كان جميع المبيع باقيا ومن استقال فى شئ ثم وجد فيه عيبا حدث عند المشترى فله رده كما لو اشترى منه سواء قلنا ان الإقالة بيع أو فسخ إذ الواجب فى الفسخ رد المبيع كما قبض. الشرط الرابع من شروط صحة الإقالة (١): أن يكون المبيع على حاله لم يزد فإن كان قد زاد زيادة حسية لا يمكن فصلها وذلك كالكبر وزيادة الثمن والشجر وصبغ الثوب وقصارته ودبغ الأديم ونحو ذلك فلا تصح الإقالة وكذا لو زاد ثم عاد إلى حالته الأصلية كما لو هزل بعد السمن فلا تصح الإقالة أيضا أما لو زاد بعضه دون بعض فإن الإقالة فى هذه الحالة تصح فى البعض الذى لم يزد ويقسم الثمن على قدر القيمة إذا لم تكن الأثمان متميزة، وهذا بالنسبة للزيادة الحسية أما لو زاد المبيع زيادة معنوية مثل تعليم الصنعة ومثل الشفاء من الألم فلا تمنع الإقالة بل تصح وكذلك تصح الإقالة أيضا فيما لو زاد المبيع زيادة حسية يمكن فصلها مثل الصوف والولد والثمر فإن هذه الزيادة لا تمنع الإقالة بل تصح أما الفسخ فيصح ولو كانت الزيادة مما لا يمكن فصلها. الشرط الخامس من شروط صحة الإقالة: أن يعتبر فيها القبول من الآخر بعد الايجاب أو تقدم السؤال أو قبض الآخر ما هو له فى مجلس الإقالة أو مجلس علمها لأن مجلس العلم فى حق الغائب مجلس اللفظ فى حق الحاضر فلا يصح من فى غير مجلسها وكذلك لا يصح من الغائب فى غير مجلس علمه. الشرط السادس من شروط صحة الإقالة: أن تقع الإقالة بعد البيع فلا تصح الإقالة: أن تقع الإقالة بعد البيع فلا تضح الإقالة قبل البيع ولو أضيفت إليه بعد وذكر صاحب التاج المذهب (٢) أيضا أنه يشترط أن يكون الثمن قيميا باقيا أو مثليا ولو قد تلف المثلى فيرد مثله لأن من أحكام الإقالة أن يرجع المشترى على البائع بالثمن الأول فقط من غير زيادة ولا نقصان ولو سكت عنه ولم يذكره عندهما لإن الإقالة فسخ فيرجع لكل ما يملك أما لو كان الثمن قيميا تالفا فلا تصح الإقالة لتعذر الثمن وكذا لو نسى الثمن لم تصح ايضا وهكذا فى كل فسخ إذا نسى الثمن امتنع الرد لان من حق الفسخ أن يرد الثمن لا أقل ولا أكثر. هذا ولا يصح (٣) شرط خلاف الثمن فى الإقالة فلو شرط أحدهما فى الإقالة خلاف الثمن واتى بشرط على وجه العقد نحو أن يقيله على أن يحط عنه من الثمن كذا أو يزيد على الثمن كذا فإن هذا الشرط يلغو وكذا لو شرط خلاف الثمن فى الصفة نحو أن يكون قد دفع دراهم سوداء فأقاله على أن يرد مثلها دراهم بيضاء فإن هذا الشرط يلغو وتصح الإقالة ولا يلزم المشترى إلا الثمن الاصلى وهذا إذا أتى بالشرط على جهة العقد أما لو اتى به على جهة الشرط المحصن كأن يقول ان أردت كذا أو نقصت كذا بطلت الإقالة. وفى التاج أيضا: أن الإقالة تصح بالشروط المستقبلة ولو مجهولة بزمان أو مكان ويدخل فى ذلك تعليق الإقالة برد مثل الثمن إلى المشترى أو من يقوم مقامه وهو بيع الرجاء المعروف قالوا: فيؤخذ من هنا حجته ما لم يكن فيه ما يقتضى الربا كأن يريد المشترى التوصل إلى الغلة فقط ولا غرض له فى أخذ رقبة المبيع فإن التبس القصد عمل بالعرف فان التبس ولا يوجد عرف حصل على الصحة لأن العقد إذا احتمل وجهى صحة وفساد وحمل على

стр. 6725

الصحة نعم وحيث يصح تعليقها برد مثل الثمن يكون الحق فيها للبائع فإن قال: لك ولوارثك أو أطلق ورث عنه ذلك الحق، وقد جرت العادة عند كثير من الناس أن يقول البائع: بعث وأنا مقال إلى يوم كذا وكذا المشترى قد يقول اشتريت وأنا مقال أو يقول: اشتريت ولى الإقالة الى يوم كذا وقد عرف من قصدهم أن ذلك خيار شرط بلفظ الإقالة لكن إذا كان إلى يوم معلوم كان البيع والشرط صحيحين فإن قال: اشتريت منك وإن سلمت ما عندك إلى يوم كذا فأنت مقال فإن كان مراد المشترى الرقبة ولا غرض له الى الغلة وحدها كان البيع صحيحا وإن كان مراده الغلة وحدها فهو بيع الرجاء المعروف المتضمن للربا فلا يجوز ولا يصح (١). مذهب الإمامية: الإقالة عند الإمامية فسخ فى حق المتعاقدين سواء كان قبل القبض أو بعده، وفى حق غيرهما وليست ببيع فلا يشترط فيها ما يشترط فى البيع وإنما يشترط أن تكون الإقالة بمثل الثمن الذى وقع عليه البيع سابقا فقد جاء فى اللمعة الدمشقية (٢): ولا تصح. بزيادة فى الثمن الذى وقع عليه البيع سابقا ولا بنقصه الثمن لأنها فسخ ومعناه رجوع كل عوض الى مالكه فإذا شرط فيها ما يخالف مقتضى الإقالة كشرط الزيادة أو النقيصة فسد الشرط وفسدت الإقالة بفساده ولا فرق بين الزيادة الحسية كما لو طلب البائع زيادة فى الثمن عند طلب المشترى الإقالة والزيادة الحكمية كما لو قال المستقيل أقلنى وقبل البائع كالإقالة لكنه استمهل من المشترى فى رد الثمن شهرا مثلا كالانتصار بالثمن، وفى شرائع الاسلام (٣): أن الإقالة تصح فى العقد وفى بعضه سلما كان أو غيره وفى ذلك فروع ثلاثة الأول لا تثبت الشفعة بالإقالة لأنها تابعة للبيع والثانى لا تسقط أجرة الدلال بالتقايل لسبق الاستحقاق والثالث: إذا تقايلا رجع كل عوض الى مالكه فإن كان موجودا أخذه وإن كان مفقودا ضمن بمثله ان كان مثليا وإلا بقيمته وفيه وجه اخر. مذهب الإباضية: جاء فى شرح (٤) النيل: أنه يشترط لصحة الإقالة ذكر الثمن عند العقد لا قبله فإن حصل قبل العقد توقفت صحته على ذكره بعد ذلك متصلا، وإن ذكره بعد ذلك منفصلا على المقاسمة صحت وهذا على القول بأن الإقالة بيع أما على القول بأنها فسخ بيع الى المشترى أو إلى البائع أو إلى غيرهما فان علمه الفاسخ والمفسوخ إليه لم يحتاجا إلى ذكره إلا ان طالت المدة بقدر ما ينسى فليذكره ومنهم من يقول: تجوز الإقالة بلا ذكر للثمن إن عرفا قبل ذلك، ومن أجاز البيع والشراء مع السكوت إذا علم الثمن والثمن أجاز الإقالة بلا ذكر للثمن إذا علم قال صاحب شرح النيل: والذى عندى أن الإقالة لغير البائع والمشترى ليست فسخا وأما بينهما ففسخ ثم قال: وإذا قلنا إن الإقالة بيع فإنه يشترط فيها ما يشترط فى البيع وتنفسخ بما ينفسخ به البيع وترد بما يرد به البيع وتكون أحكامها أحكام البيع وليس كذلك إذا قلنا أنها فسخ بيع، وجاء فى موضع (٥) آخر: أن الشيخ أحمد بن محمد بن بكر ذكر أن الإقالة لا تكون إلا للبائع وأنها تكون بالثمن والاقل أو أكثر والوفاق والخلاف وأن الإقالة لا يحتاج فيها إلى ذكر الثمن يعنى لأنها لا تكون إلا للبائع وقد عرفه لكن ان وقعت بأقل أو بأكثر أو بخلاف أو مضت مدة ينسى فيها احتيج إلى ذكر ذلك، ثم قال: والسلم (٦)
следующие страницы →