← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

المسلك الثالث: الاستدلال بالمعقول، قال الآمدى: «وأما المعقول فهو أن الخلق الكثير وهم أهل كل عصر إذا اتفقوا على حكم قضية وجزموا به جزما قاطعا، فالعادة تحيل على مثلهم الحكم الجزم بذلك والقطع به وليس له مستند قاطع بحيث لا يتنبه واحد منهم إلى الخطأ فى القطع بما ليس بقاطع، ولهذا وجدنا أهل كل عصر قاطعين بتخطئة مخالفى ما تقدم من إجماع من قبلهم، ولولا أن يكون ذلك عن دليل قاطع لاستحال فى العادة اتفاقهم على القطع بتخطئة المخالف، ولا يقف واحد منهم على وجه الحق فى ذلك (١)». وقد عبر صاحب مسلم الثبوت وشرحه عن هذا الدليل بقولهما: لنا (أى يدل لنا على ما قلناه من حجية الإجماع) اتفاقهم فى كل عصر على القطع بتخطئة المخالف للإجماع من حيث هو إجماع، واتفاقهم على تقديمه على القاطع، وعدهم تفريق عصا الجماعة من المسلمين أمرا عظيما وإثما كبيرا والعادة تحيل اجتماع مثل هؤلاء من الأخيار الصالحين من الصحابة والتابعين المحققين على قطع فى حكم ما، لا سيما القطع بكون المخالفة أمرا عظيما، لا عن نص قاطع، بحيث لا يكون للارتياب فيه احتمال، فإنه قد علم بالتجربة والتكرار من أحوالهم وفتاويهم علما ضروريا أنهم ما كانوا يقطعون بشئ إلا ما كان كالشمس على نصف النهار (٢). ويعلق الآمدى على هذا الاستدلال بالمعنى المعقول فيقول: «ولقائل أن يقول: إن العادة لا تحيل الخطأ على الخلق الكثير بظنهم ما ليس قاطعا قاطعا ولهذا فإن اليهود والنصارى مع كثرتهم كثرة تخرج عن حد التواتر قد أجمعوا على تكذيب محمد ﵇ وإنكار رسالته وليس ذلك إلا لخطئهم فى ظن ما ليس قاطعا قاطعا، وبالجملة، فإما أن يقال باستحالة الخطأ عليهم فيما ذهبوا إليه، أو لا يقال باستحالته، فإن كان الأول لزم ألا يكون محمد نبيا حقا بإجماعهم على تكذيبه، وإن كان الثانى - أى عدم استحالة الخطأ عليهم - فهو المطلوب (٣)». وهذا الذى قاله الآمدى هو تلخيص لما ذكره الغزالى فإنه اعترض على هذه الطريقة قائلا: «وهذه الطريقة ضعيفة عندنا، لأن منشأ الخطأ إما تعمد الكذب وإما ظنهم ما ليس بقاطع قاطعا، والأول غير جائز على عدد التواتر، وأما الثانى فجائز، فقد قطع اليهود ببطلان نبوة عيسى ومحمد ﵉، وهم أكثر من عدد التواتر، وهو قطع فى غير محل القطع، ولكن ظنوا ما ليس بقاطع قاطعا (٤)». ثالثا: ما استدل به القائلون بعدم حجية الإجماع: المنكرون للإجماع يسلكون فى الاستدلال على رأيهم مسلكين:

стр. 702

أولهما: معارضة أدلة الجمهور من الكتاب والسنة والمعانى المعقولة، بمثلها، فيأتون بآيات وأخبار ومعان معقولة تدل على بطلان حجية الإجماع. ثانيهما: مناقشة ما استدل به الجمهور بإبطال دلالته على ما ذهبوا إليه من الحجية وبتأويل الآيات والأحاديث تأويلا آخر، ونحن نذكر أهم ما جاء به المنكرون لحجية الإجماع كما ذكرنا أهم ما جاء به المثبتون، وسنشفع كلا منها بما ورد عليه من المناقشة كما فعلنا أيضا حين ذكرنا أدلة المثبتين. المسلك الأول: معارضة أدلة الجمهور بمثلها «قالوا: إن كتاب الله تعالى يدل على ما ذهبنا إليه، والله تعالى يقول «وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ ١». وذلك يدل على عدم الحاجة إلى الإجماع (٢) فلا مرجع فى تبيان الأحكام إلا إلى الكتاب والإجماع غيره (٣). وقد رد الآمدى على ذلك بأنه ليس فى بيان كون الإجماع حجة متبعة بالأدلة التى ذكرناها ما ينافى كون الكتاب تبيانا لكل شئ (٤). ورد عليه العضد فى شرحه على مختصر ابن الحاجب بأن هذه الآية «لا تنافى كون غيره أيضا تبيانا، ولا كون الكتاب تبيانا لبعض الأشياء بواسطة الإجماع (٥)». واستدلوا أيضا بقوله تعالى: «فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ ٦» فلا مرجع عند التنازع الا الى الكتاب والسنة (٧). وقد رد الآمدى بأن هذه الآية «دليل عليهم لأنها دليل على وجوب الرد إلى الله والرسول فى كل متنازع فيه، وكون الإجماع حجة متبعة مما وقع النزاع فيه، وقد رددناه إلى الله تعالى، حيث أثبتناه بالقرآن، وهم مخالفون فى ذلك (٨)». ورد العضد بأن الآية «مختصة بما فيه النزاع والمجمع عليه ليس كذلك (٩)». يريد أن لفظها يختص بما فيه النزاع، والمجمع عليه لا نزاع فيه فيمكن أن يدل المفهوم على أن المتفق عليه لا يحتاج فيه إلى الرجوع. وقد صرح بإفادة الآية لذلك بمفهوم الكلام: شارح مسلم الثبوت (١٠). واستدلوا أيضا بمثل قوله تعالى: «وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ ١١».

стр. 703

«وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ (١)» «وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٢)». قالوا: هذه الآيات وأمثالها من كل ما فيه نهى للأمة عن القول الباطل، والفعل الباطل، تدل على تصور ذلك منهم، ومن يتصور منه المعصية لا يكون قوله ولا فعله موجبا للقطع. ويرد الآمدى على ذلك فيقول: «لا نسلم أن النهى فى هذه الآيات راجع إلى اجتماع الأمة على ما نهو عنه، بل هو راجع إلى كل واحد على انفراد، ولا يلزم من جواز المعصية على كل واحد جوازها على الجملة، أى على المجموع، سلمنا أن النهى لجملة الأمة عن الاجتماع على المعصية، ولكن غاية ذلك جواز وقوعها منهم عقلا، ولا يلزم من الجواز الوقوع، ولهذا فإن النبى ﵇ قد نهى عن أن يكون من الجاهلين بقوله تعالى: «فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ ٣». وقال تعالى لنبيه: «لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ٤»، واذ ورد ذلك فى معرض النهى مع العلم بكونه معصوما من ذلك، وأيضا فإنا نعلم أن كل أحد منهى عن الزنا وشرب الخمر وقتل النفس بغير الحق إلى غير ذلك من المعاصى، ومع ذلك فإن من مات ولم يصدر عنه بعض المعاصى، نعلم أن الله قد علم منه أنه لا يأتى بتلك المعصية فكان معصوما عنها ضرورة تعلق علم الله بأنه لا يأتى بها، ومع ذلك فهو منهى عنها (٥)». وقالوا: وأما السنة فإن النبى ﵊ أمر معاذا لما سأله عن الأدلة المعمول بها، على إهماله لذكر الإجماع، ولو كان الإجماع دليلا، لما ساغ ذلك مع الحاجة إليه. وأيضا فإنه قد ورد عن النبى ﵊ ما يدل على جواز خلو العصر عمن تقوم الحجة بقوله، فمن ذلك قوله ﵊: «بدأ الإسلام غريبا، وسيعود كما بدأ». وأيضا قوله: «لا ترجعوا بعدى كفارا» نهى الكل عن الكفر وهو دليل جواز وقوعه منهم. وقوله: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ولكن يقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». وقوله: «تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإنها أول ما ينسى». وقوله ﵊: «لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة (٦)»

стр. 704

وقوله: «خير القرون القرن الذى أنا فيه، ثم الذى يليه، ثم الذى يليه، ثم تبقى حثالة كحثالة التمر، لا يعبأ الله بهم (١)». ويرد الآمدى على ذلك فيقول: «أما خبر معاذ فإنما لم ينكر فيه الإجماع لأنه ليس بحجة فى زمن النبى ﵊، فلم يكن مؤخرا لبيانه مع الحاجة إليه. وقوله ﵊: «بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ»، لا يدل على أنه لا يبقى من تقوم الحجة بقوله، بل غايته أن أهل الإسلام هم الأقلون. وقوله: «لا ترجعوا بعدى كفارا» فيحتمل أنه خطاب مع جماعة معينين وإن كان خطابا مع الكل فجوابه ما سبق فى آيات المناهى للأمة. وقوله: «حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا» .. الحديث: غايته الدلالة على جواز انقراض العلماء، ونحن لا ننكر امتناع وجود الإجماع مع انقراض العلماء، وإنما الكلام فى اجتماع من كان من العلماء، وعلى هذا يكون الجواب عن باقى الأحاديث الدالة على خلو آخر الزمان من العلماء، كيف وأن ما ذكروه معارض بما يدل على امتناع خلو عصر من الأعصار عمن تقوم الحجة بقوله، وهو قوله ﵊: «لا تزال طائفة من أمتى على الحق حتى يأتى أمر الله، وحتى يظهر الدجال» «وأيضا ما روى عنه أنه قال: «واشوقاه إلى إخوانى. قالوا: يا رسول الله، ألسنا إخوانك؟ فقال: أنتم أصحابى، إخوانى قوم يأتون من بعدى يهربون بدينهم من شاهق إلى شاهق ويصلحون إذا فسد الناس (٢)». قالوا: وأما المعنى المعقول الذى يدل على عدم حجية الإجماع فى نظر القائلين بذلك، فيرجع: أولا: إلى ما ذكروه من عدم إمكانه وعدم إمكان العلم به، وعدم إمكان نقله، وقد سبق بيان الرد على ذلك. ثانيا: إلى اعتبارهم أمة محمد ﷺ كغيرها من الأمم بحيث لم يعتبر إجماع أهل الملل السابقة حجة، فلا يكون إجماع أمة محمد ﷺ حجة (٣). وجوابه كما ذكر الآمدى من وجهين: أحدهما: أن يقال من العلماء من اعتبر إجماع علماء من تقدم حجة قبل النسخ، فقد ذهب إلى ذلك أبو اسحاق الاسفرايينى وغيره من أصاحبنا - هكذا يقول الآمدى - وجماعة من العلماء، وإذن فلم يتم لهم الاستدلال لعدم حجية إجماع من سبقنا من الملل.

стр. 705

الوجه الثانى: أن نسلم بأن إجماع من سبقنا من أهل الملل ليس حجة - كما هو قول الأكثرين من العلماء - ولكن هناك فرقا بيننا وبينهم، لأنه لم يرد فى حقهم من الدلالة الدالة على الاحتجاج بإجماعهم ما ورد فى علماء هذه الأمة فافترقا (١)». وخلاصة الوجهين أننا إذا أخذنا بمذهب الأسفرايينى ومن معه فإجماعنا كإجماعهم كلاهما يحتج به، وإن أخذنا بمذهب الأكثرين فإن إجماعنا قد وردت الأدلة بحجيته ولم ترد الأدلة باعتبار إجماعهم حجة، فهذا هو الفرق بين إجماعنا وإجماعهم. وثالث المعانى المعقولة يرجع إلى ما هو مقرر من أن كل حكم لا بد أن يكون ثابتا بدليل، والإجماع لا يكون فى نظر القائلين بحجيته إلا عن دليل، والدليل يغنى عنه، ثم إن بعض الأحكام الشرعية لا يكون إجماع الأمة دليلا عليها كالتوحيد، وكذلك سائر الأحكام العقلية (٢). ويرد الآمدى على ذلك بقوله: «لا نسلم أنه إذا كان الحكم ثبت بالدليل لا يجوز إثباته بالإجماع، أى فهذا ما جرى عليه العلماء حين يقولون: هذا الحكم ثبت بالكتاب والسنة والإجماع، وأما التوحيد فلا نسلم أن الإجماع فيه ليس بحجة، وإن سلمنا أنه لا يكون حجة فيه، بل فى الأحكام الشرعية، أى العملية لا غير، فإن بينهما فرقا، هو أن التوحيد لا يجوز فيه تقليد العامى للعالم، وإنما يرجع إلى أدلة يشترك فيها الكل، وهى أدلة العقل، بخلاف الأحكام الشرعية، العملية، فإنه يجب على العامى الأخذ بقول العالم فيها، وإذا جاز أو وجب الأخذ بقول الواحد كان الأخذ بقول الجماعة أولى (٣). هذا هو كلام المنكرين بحجية الإجماع والرد عليهم، فى المسلك الأول وهو المعارضة بالكتاب والسنة والمعقول. المسلك الثانى: مناقشتهم وتأويلهم لأدلة الجمهور أما مناقشتهم لأدلة الجمهور فقد تقدمت عند عرض هذه الأدلة فلا نعود اليها وأما تأويلهم للأدلة، بحملها على معان أخرى، فمثل: قولهم فى تأويل حديث «لا تجتمع أمتى على ضلالة»، فإنهم فسروا الضلالة بالكفر والبدعة، وقالوا: لعله أراد عصمة جميعهم عن الكفر بالتأويل والشبهة، - والرواية التى تقول «لا تجتمع أمتى على الخطأ» غير متواترة وإن صحت فالخطأ أيضا عام يمكن حمله على الكفر. ويرد الغزالى على هذا بقوله: «قلنا الضلال فى وضع اللسان لا يناسب الكفر، قال الله تعالى: «وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى ٤»، وقال تعالى، اخبارا عن موسى

стр. 706

عليه السلام: «قال فعلتها اذن وأنا من الضالين (١)» وما أراد من الكافرين، بل أراد من المخطئين، يقال: ضل فلان عن الطريق، وضل سعى فلان، كل ذلك الخطأ. كيف وقد فهم ضرورة من هذه الألفاظ تعظيم شأن هذه الأمة وتخصيصها بهذه الفضيلة. أما العصمة عن الكفر فقد أنعم بها فى حق على وابن مسعود وأبى، وزيد، على مذهب النظام لأنهم ماتوا على الحق. وكم من أحاد عصموا عن الكفر حتى ماتوا، فأى خاصية للأمة؟ فدل على أنه أراد ما لم يعصم عنه الآحاد، من سهو وخطأ وكذب، وتعصم عنه الأمة تنزيلا لجميع الأمة منزلة النبى ﷺ فى العصمة عن الخطأ فى الدين، أما فى غير الدين من إنشاء حرب وصلح وعمارة بلدة، فالعموم يقتضى العصمة للأمة عنه أيضا، ولكن ذلك مشكوك فيه، وأمر الدين مقطوع بوجوب العصمة فيه، كما فى حق النبى ﷺ ، فانه أخطأ فى أمر تأبير النخل، ثم قال: «أنتم أعرف بأمر دنياكم، وأنا أعرف بأمر دينكم (٢)». إلى غير ذلك من التأويلات التى لا نطيل بذكرها، وقد عنى الغزالى بإيرادها والرد عليها فى المستصفى، فمن شاء فليرجع إليه فى الموضع الذى ذكرناه. رابعا: هل الإجماع عند القائلين بحجيته قطعى أو ظنى: قال الشوكانى: «اختلف القائلون بحجية الإجماع هل هو حجة قطعية أو ظنية؟ فذهب جماعة منهم إلى أنه حجة قطعية، وبه قال الصيرفى، وابن برهان، وجزم به من الحنفية الدبوسى، وشمس الأئمة. وقال الأصفهانى: إن هذا القول هو المشهور، وأنه يقدم الإجماع على الأدلة كلها، ولا يعارضه دليل أصلا، ونسبه إلى الأكثرين. قال: بحيث يكفر مخالفه، أو يضلل ويبدع. وقال جماعة، منهم الرازى والآمدى: أنه لا يفيد إلا الظن. وقال جماعة بالتفصيل بين ما اتفق عليه المعتبرون فيكون حجة قطعية، وبين ما اختلفوا فيه، كالسكوتى وما ندر مخالفه فيكون حجة ظنية. وقال البزدوى وجماعة من الحنفية: الإجماع مراتب: فإجماع الصحابة مثل الكتاب والخبر المتواتر وإجماع من بعدهم بمنزلة المشهور من الأحاديث والإجماع الذى سبق فيه خلاف فى العصر السابق بمنزلة خبر الواحد، واختار بعضهم فى الكل أنه يوجب العمل لا العلم فهذه مذاهب أربعة (٣)».

стр. 707

وفى البزدوى وشرحه: «أن الأصل فى الإجماع أن يكون موجبا للحكم قطعا كالكتاب والسنة، فإن لم يثبت اليقين به فى بعض المواضع فذلك بسبب العوارض كالآية المؤولة وخبر الواحد (١)». ومن أهل الهوى من لم يجعل الإجماع حجة قاطعة لأن كل واحد منهم اعتمد ما لا يوجب العلم، لكن هذا خلاف الكتاب والسنة والدليل المعقول (٢). يريد الأدلة التى استدل بها القائلون بحجيته فهى دالة على أنه حجة قاطعة فى نظره. «فصار الإجماع كآية من الكتاب أو حديث متواتر فى وجوب العمل والعلم به فيكفر جاحده فى الأصل (٣)». «أى يحكم بكفر من أنكر أصل الإجماع بأن قال ليس الإجماع بحجة، أما من أنكر تحقق الإجماع فى حكم بأن قال لم يثبت فيه إجماع أو أنكر الإجماع الذى اختلف فيه فلا (٤)». أى كالإجماع السكوتى الذى فيه خلاف الشافعى وغيره، والمنقول بلسان الآحاد. واعلم أن العلماء بعد ما اتفقوا على أن إنكار حكم الإجماع الظنى، كالإجماع السكوتى، والمنقول بلسان الآحاد، غير موجب للكفر، اختلفوا فى إنكار حكم الإجماع القطعى كإجماع الصحابة مثلا. «فبعض المتكلمين، أى الذين تكلموا فى هذا الموضوع، لم يجعله موجبا للكفر بناء على أن الإجماع عنده حجة ظنية، فإنكار حكمه لا يوجب الكفر كإنكار الحكم الثابت بخبر الواحد أو القياس، وذكر هذا القائل، وهو القاضى الشوكانى - فى تصنيف له - وهو كتاب إرشاد الفحول «والعجب أن الفقهاء أثبتوا الإجماع بعمومات الآيات والأخبار، وأجمعوا على أن المنكر لما تدل عليه هذه العمومات لا يكفر إذا كان الإنكار لتأويل، ثم يقولون: الحكم الذى دل عليه الإجماع مقطوع به، ومخالفه كافر، فكأنهم قد جعلوا الفرع أقوى من الأصل، وذلك غفلة عظيمة (٥)». ويستمر عبد العزيز البخارى فى كلامه فيقول: «وبعضهم جعلوه موجبا للكفر لأن الإجماع حجة قطعية كآية من الكتاب، قطعية الدلالة، أو خبر متواتر قطعى الدلالة، فإنكاره يوجب الكفر لا محالة». «ومنهم من فصل فقال: إن كان الحكم المجمع عليه مما يشترك الخاصة والعامة فى معرفته، مثل أعداد الصلوات وركعاتها وفرض الحج والصيام وزمانهما، ومثل تحريم الزنا وشرب الخمر والسرقة، والربا، كفر منكره لأنه صار بإنكاره جاحدا لما هو من دين الرسول قطعا، فصار كالجاحد لصدق الرسول ﵊، وان

стр. 708

كان مما ينفرد الخاصة بمعرفته كتحريم تزوج المرأة على عمتها وخالتها، وفساد الحج بالوط ء قبل الوقوف بعرفة وتوريث الجدة السدس، وحجب بنى الأم بالجد، ومنع توريث القاتل، لا يكفر منكره ولكن يحكم بضلاله وخطئه، لأن هذا الإجماع وإن كان قطعيا أيضا، إلا أن المنكر متأول، حيث جعل المراد من الأمة والمؤمنين جميعهم والتأويل مانع من الإكفار، كتأويل أهل الأهواء النصوص القاطعة، وتبين بهذا التفصيل أن تعجب من قال بالقول الأول، يريد الشوكانى، من الفقهاء ليس فى محله، فإنهم ما حكموا بكفر منكر كل إجماع ولم يجعلوا الفرع أقوى من الأصل، ولم يغفلوا عنه (١). وفى شرح النسفى وملاجيون على المنار: أن الإجماع على مراتب: فالأقوى إجماع الصحابة نصا، فإنه مثل الآية والخبر المتواتر فيكفر جاحده كما يكفر جاحد ما ثبت بالكتاب أو التواتر لأنه لا خلاف فيه، ففيهم عترة الرسول وأهل المدينة، ثم الذى نص البعض وسكت الباقون من الصحابة، وهو المسمى بالإجماع السكوتى، ولا يكفر جاحده وإن كان من الأدلة القطعية، أى عند الحنفية، ثم إجماع من بعدهم، أى بعد الصحابة من أهل كل عصر على حكم لم يظهر فيه خلاف من سبقهم من الصحابة، فهو بمنزلة الخبر المشهور، يفيد الطمأنينة دون اليقين، ثم إجماعهم على قول سبقهم فيه مخالف، يعنى اختلفوا أولا على قولين، ثم أجمع من بعدهم على قول واحد، فهذا دون الكل، فهو بمنزلة خبر الواحد يوجب العمل دون العلم، ويكون مقدما على القياس كخبر الواحد» (٢). وقال صاحب طلعة الشمس فى أصول الإباضية: «الإجماع القولى حجة قطعية يفسق من خالفها عند الجمهور، ولكن كونها قطعية بعد كمال شروطها وفى موضع لا يكون فيها خلاف فما وقع فيه الخلاف أنه إجماع أم غير إجماع فليس بحجة قطعية اتفاقا» (٣). «أما الإجماع السكوتى فهو حجة ظنية توجب العمل ولا تفيد العلم مثل خبر العدل، فمن خالف الإجماع السكوتى لا يحكم بفسقه على الصحيح، كما لا يحكم بفسق من خالف خبر الآحاد، لأن التفسيق لا يكون إلا مع مخالفة الدليل القاطع» (٤). ويقول ابن لقمان فى «الكافل بنيل السول فى علم الأصول على مذهب الزيدية». والإجماع السكوتى الجامع للشروط حجة ظنية، وكذا القولى أن نقل آحادا، فإن تواتر فحجة قاطعة يفسق مخالفه» (٥). ومن العلماء المعترفين بحجية الإجماع من أنكر حجية ما يسمى بالاجماع

стр. 709

السكوتى، ومنهم من أنكر أن يكون صدور القول من البعض وسكوت الآخرين، إجماعا، فهو يعارض حتى فى التسمية. ويتلخص القول فى ذلك، على ما بينه الإسنوى فى شرحه على المنهاج كما يأتى: ١ - إذا قال بعض المجتهدين قولا، وعرف به الباقون فسكتوا عنه ولم ينكروا عليه، ففيه مذاهب: أصحها عند الإمام: أنه لا يكون إجماعا ولا حجة، لما سيأتى. ثم قال هو والآمدى أنه مذهب الشافعى، وقال فى البرهان أنه ظاهر مذهب الشافعى، وقال الغزالى فى المنخول، نص عليه الشافعى فى الجديد. والثانى، وهو مذهب أبى على الجبائى: أنه إجماع بعد انقراض عصرهم لأن استمرارهم على السكوت إلى الموت يضعف الاحتمال. والثالث: قاله أبو هاشم بن أبى على: أنه ليس بإجماع لكنه حجة. وحكى فى المحصول عن ابن أبى هريرة: أنه إن كان القائل حاكما لم يكن إجماعا ولا حجة. وحكى الآمدى عن الإمام أحمد وأكثر الحنفية: أنه إجماع وحجة، واختار الآمدى أنه إجماع ظنى يحتج به، وهو قريب من مذهب أبى هاشم، والذى ذكره الآمدى هنا محله قبل انقراض العصر، وأما بعد انقراضه فإنه يكون إجماعا على ما نبه عليه فى مسألة انقراض العصر» (١). وفى بيان رأى الحنفية ووجهة المخالفين لهم من الشافعية، والرد عليهم يقول ملاجيون فى شرحه على المنار: «إذا اتفق بعضهم على قول أو فعل وسكت الباقون منهم، ولا يردون عليهم بعد مدة التأمل، وهى ثلاثة أيام أو مجلس العلم، ويسمى هذا إجماعا سكوتيا، فهو مقبول عندنا، أى الحنفية، وفيه خلاف الشافعى ﵀ لأن السكوت كما يكون للموافقة يكون للمهابة ولا يدل على الرضا، كما روى عن ابن عباس أنه خالف عمر رضى الله عنه فى مسألة العول. فقيل له: هلا أظهرت حجتك على عمر رضى الله عنه. فقال: كان رجلا مهيبا فهبته، ومنعتنى درته. والجواب: أن هذا غير صحيح، لأن عمر رضى الله عنه كان أشد انقيادا لاستماع الحق من غيره حتى كان يقول: ولا خير فيكم ما لم تقولوا، ولا خير فى ما لم أسمع. وكيف يظن فى حق الصحابة التقصير فى أمور الدين والسكوت عن الحق فى موضع الحاجة، وقد قال ﵇: «الساكت عن الحق شيطان أخرس» (٢).

стр. 710

وهناك مناقشات غير ذلك بين الحنفية والشافعية لا نطيل بذكرها ويمكن معرفتها بالرجوع إلى شرح النسفى على المنار للحنفية (١). وشرح الإسنوى على المنهاج للشافعية (٢): ٢ - وهناك فرع يذكر بعد ذلك وخلاصته، كما ذكره الإسنوى: «إذا قال بعض المجتهدين قولا ولم ينتشر ذلك القول بحيث يعلم أنه بلغ الجميع، ولم يسمع من أحد ما يخالفه، فهل يكون كما إذا قال البعض وسكت الباقون عن إنكاره أم لا. اختلفوا فيه كما قاله فى المحصول، فمنهم من قال: يلحق به، لأن الظاهر وصوله إليهم، ومنهم من قال: لا يلحق به، لأنا لا نعلم هل بلغهم أم لا، واختاره الآمدى. ومنهم من قال: إن كان ذلك القول فيما تعم به البلوى أى فيما تمس الحاجة إليه، فيكون كقول البعض وسكوت الباقين، لأن عموم البلوى يقتضى حصول العلم به، وإن لم يكن كذلك فلا لاحتمال الذهول عنه، قال الإمام: وهذا التفصيل هو الحق» (٣). من هم أهل الإجماع المراد بأهل الإجماع من يعتبر إجماعهم إذا اتفقوا على أمر من الأمور فى عصر من الأعصار ويعتد بمخالفتهم إذا خالفوا فلا ينعقد الإجماع مع مخالفتهم. وقد قدم الغزالى فى المستصفى لهذا الموضوع بمقدمة فقال: «الركن الأول من ركنى الإجماع، المجمعون وهم أمة محمد ﷺ ، وظاهر هذا يتناول كل مسلم، لكن لكل ظاهر طرفان واضحان فى النفى والإثبات، وأوساط متشابهة: أما الواضح فى الإثبات فهو كل مجتهد مقبول الفتوى، فهو من أهل الحل والعقد قطعا، ولا بد من موافقته فى الإجماع، وأما الواضح فى النفى، فالأطفال والمجانين والأجنة، فإنهم وإن كانوا من الأمة فنعلم أنه ﵊ ما أراد بقوله: «لا تجتمع أمتى على الخطأ» إلا من يتصور منه الوفاق والخلاف فى المسألة بعد فهمها، فلا يدخل فيه من لا يفهمها، وبين الدرجتين العوام المكلفون، والفقيه الذى ليس بأصولى، والأصولى الذى ليس بفقيه، والمجتهد الفاسق، والمبتدع، والناشئ من التابعين مثلا، إذا قارب رتبة الاجتهاد فى عصر الصحابة» (٤). ثم أفرد الغزالى لكل من هؤلاء الذين ذكر أنهم بين الدرجتين بحثا. ونحن نتبع ترتيبه، مفردين لكل منهم بحثا، غير متقيدين برأى الغزالى وحده فى الموضوع:

стр. 711

أولا: دخول العوام فى الإجماع . يرى الغزالى أنه «يتصور دخول العوام فى الإجماع، فإن الشريعة تنقسم إلى ما يشترك فى دركه العوام والخواص كالصلوات الخمس، ووجوب الصوم، والزكاة، والحج، فهذا مجمع عليه، والعوام وافقوا الخواص فى الإجماع، وإلى ما يختص بدركه الخواص، فتفصيل أحكام الصلاة والبيع والتدبير والاستيلاد، فما أجمع عليه الخواص فالعوام متفقون على أن الحق فيه ما أجمع عليه أهل الحل والعقد لا يضمرون فيه خلافا أصلا، فهم موافقون أيضا فيه، ويحسن تسمية ذلك إجماع الأمة قاطبة. فإذا كل مجمع عليه من المجتهدين فهو مجمع عليه من جهة العوام وبه يتم إجماع الأمة. فإن قيل: فلو خالف عامى فى واقعة أجمع عليه الخواص من أهل العصر، فهل ينعقد الإجماع دونه؟ إن كان ينعقد فكيف خرج العامى من الأمة، وإن لم ينعقد فكيف يعقد بقول العامى؟ قلنا: قد اختلف الناس فيه، فقال قوم: لا ينعقد، لأنه من الأمة فلا بد من تسليمه بالجملة أو بالتفصيل. وقال آخرون - وهو الأصح - إنه ينعقد بدليلين: أحدهما: إن العامى ليس أهلا لطلب الصواب، إذ ليس له آلة هذا الشأن، فهو كالصبى والمجنون فى نقصان الآلة، ولا يفهم من عصمة الأمة من الخطأ إلا عصمة من يتصور منه الإصابة، لأهليته. والثانى - وهو الأقوى - أن العصر الأول من الصحابة قد أجمعوا على أنه لا عبرة بالعوام فى هذا الباب، أعنى خواص الصحابة وعوامهم، ولأن العامى إذا قال قولا علم أنه يقوله عن جهل، وأنه ليس يدرى ما يقول، وأنه ليس أهلا للوفاق والخلاف فيه، وعن هذا لا يتصور صدور هذا من عامى عاقل، لأن العاقل يفوض ما لا يدرى إلى من يدرى (١). ويقول عبد العزيز البخارى فى حاشيته على كشف الأسرار: «اعلم أن الإجماع إنما صار حجة بالنصوص الواردة بلفظ «الأمة» مثل قوله تعالى: «وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً». وقوله جل ذكره «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ». وقوله ﵊: «لا تجتمع أمتى على الضلالة» وهذا اللفظ يتناول بظاهره كل مسلم. ثم ذكر ما ذكره الغزالى عن الطرفين الواضحين فى النفى والإثبات، وأن الأطفال والمجانين، والأجنة، لا يدخلون، وأضاف إليهم من سيولد إلى يوم القيامة، لأنه وان

стр. 712

كان اللفظ ظاهرا فيه، فإن ما دل على كون الإجماع حجة دل على وجوب التمسك به، ولا يمكن التمسك بقول الكل قبل يوم القيامة لعدم كمال المجمعين، ولا فى يوم القيامة لانقطاع التكليف. ثم ذكر أن أهلية الإجماع إنما تثبت بصفة الاجتهاد والاستقامة فى الدين عملا واعتقادا، لأن النصوص التى جعلت الإجماع حجة تدل على اشتراط ذلك (١). ويقول ملاجيون الحنفى فى شرحه علي المنار: «أهل الإجماع من كان مجتهدا صالحا، إلا فيما يستغنى عن الرأى، فإنه لا يشترط فيه أهل الاجتهاد بل لا بد فيه من اتفاق الكل من الخواص والعوام، حتى لو خالف واحد منهم لم يكن إجماعا كنقل القرآن وأعداد الركعات ومقادير الزكاة، واستقراض الخبز، والاستحمام، وقال أبو بكر الباقلانى: إن الاجتهاد ليس بشرط فى المسائل الاجتهادية أيضا، ويكفى قول العوام فى انعقاد الإجماع. والجواب أن عليهم أن يقلدوا المجتهدين، ولا يعتبر خلافهم فيما يجب عليهم من التقليد (٢). واختار الآمدى أن موافقة العامى ومخالفته لها اعتبار فى الإجماع، موافقا فى ذلك القاضى أبا بكر الباقلانى. قال: «وذلك لأن قول الأمة إنما كان حجة لعصمتها عن الخطأ بما دلت عليه الدلائل السمعية من قبل ولا يمتنع أن تكون العصمة من صفات الهيئة الاجتماعية من الخاصة والعامة، وإذا كان كذلك فلا يلزم أن تكون العصمة الثابتة للكل ثابتة للبعض، لأن الحكم الثابت للجملة لا يلزم أن يكون ثابتا للأفراد». «وبالجملة فهذه المسألة اجتهادية، غير أن الاحتجاج بالإجماع عند دخول العوام فيه يكون قطعيا، وبدونهم يكون ظنيا» (٣). وفى روضة الناظر فى أصول الحنابلة: مثل ما أوردناه نقلا عن الغزالى دون مخالفة له (٤). ومثل ذلك أيضا فى مختصر ابن الحاجب المالكى، وشرح العضد عليه (٥). وفى شرح ابن لقمان على الكافل فى أصول الزيدية أنه «لا يعتبر فى الإجماع موافقة المقلد ولا مخالفته» (٦) فهو مختص بالمجتهدين. وفى حاشيته: «والمراد بالمجتهدين من كان يتمكن من النظر ولو فى بعض المسائل لأن الاجتهاد يتجزأ» (٧). وفى طلعة الشمس، فى أصول الإباضية: «ويخرج، أى بقيد المجتهدين، عوام الأمة الذين لا نظر لهم فى شئ من الشرعيات، وإنما يأخذون الأحكام عن علمائهم بطريق الاتباع والتقليد فلا يقدح

стр. 713

خلافهم فى صحة الإجماع، ولا يعتبر وفاقهم فى صحته أيضا، وقيل: يعتبر وفاق العوام فى صحة الإجماع، لأن دليل الإجماع، لما اقتضى بظاهره دخول العوام احتمل أنه لا يتم قول العلماء إجماعا إلا بانقياد العوام لهم وإجابتهم إلى ذلك القول، ولو لم يكن عن اعتقاد لظاهر الأدلة، ولا مانع من وقوف كون الإجماع حجة شرعية على إجابة العوام إذ لا طريق للعقل إلى كونه حجة، وإنما يقتضيه الشرع فقط، ويجوز أن يكون فى انقيادهم للعلماء تمام كون قولهم حجة لوجه يعلمه الله تعالى ولا نعلمه فى المصالح الشرعية، ونقطع بذلك لأجل ورود العموم ولم يرد له مخصص، فلو لم يكن على عمومه خصصه الشرع ورد بأنه لما علمنا أنه لا تأثير للإجماع إلا حيث يكون للمجمعين مستند من دليل أو إمارة علمنا أنه لا تأثير لقول من لا مستند له» (١). ثانيا: دخول الأصوليين وفقهاء الفروع، والنحويين وغيرهم ممن لم يبلغوا مرتبة الاجتهاد المطلق يصور الغزالى خلاف العلماء فى ذلك فيقول: إذا قلنا: لا يعتبر قول العوام لقصور آلتهم، فرب متكلم ونحوى ومفسر ومحدث هو ناقص الآلة فى درك الأحكام. فقال قوم: لا يعتد إلا بقول أئمة المذاهب المستقلين بالفتوى، كالشافعى، ومالك، وأبى حنيفة، وأمثالهم من الصحابة والتابعين. ومنهم من ضم إلى الأئمة، الفقهاء الحافظين لأحكام الفروع، الناهضين بها، لكن أخرج الأصولى الذى لا يعرف تفاصيل الفروع ولا يحفظها (٢). ويزيد الآمدى علي هذا مستكملا فيقول: ومنهم من عكس الحال وأعتبر قول الأصولى دون الفقيه (٣). وبالنسبة لغير الأصولى والفقيه فى الفروع، يقرر المقدسى فى روضة الناظر أن من يعرف من العلم ما لا أثر له فى معرفة الحكم كأهل الكلام واللغة والنحو ودقائق الحساب، فهو كالعامى لا يعتد بخلافه فإن كل أحد عامى بالنسبة إلى ما لم يحصل علمه وإن حصل علما سواه، هذا فيمن علمه لا أثر له فى معرفة الحكم، أما إذا كان الكلام فى مسألة تنبنى على النحو مثلا، مثل أن يبنى النحوى مسائل الشرط فى الطلاق على باب الشرط والجزاء فى العربية، ففى الاعتداد بخلافه أو عدم الاعتداد به رأيان (٤). ورجح الغزالى من هذه الآراء: أنه يعتد بخلاف الأصولى وبخلاف الفقيه المبرز، لأنهما أهل للنظر على الجملة، يقولان ما يقولان عن دليل، أما النحوى والمتكلم فلا يعتد بهما إلا أن يقع الكلام فى مسألة تنبنى على النحو أو على الكلام، وهو يميل إلى اعتبار الأصولى أولى فى الاعتداد به من فقيه الفروع فيقول:

стр. 714

والصحيح أن الأصولى العارف بمدارك الأحكام وكيفية تلقيها من المفهوم والمنظوم، وصيغة الأمر والنهى والعموم، وكيفية تفهم النصوص والتعليل أولى بالاعتداد بقوله من الفقيه الحافظ للفروع، بل ذو الآلة من هو متمكن من درك الأحكام إذا أراد وإن لم يحفظ الفروع، والأصولى قادر عليه، والفقيه الحافظ للفروع - أى الذى ليس له تبريز فى الفقه والترجيح مع حفظه للفروع - لا يتمكن منه، وآية أنه لا يعتبر حفظ الفروع: أن العباس والزبير وطلحة وسعدا وعبد الرحمن بن عوف، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وأبا عبيدة ابن الجراح وأمثالهم ممن لم ينصب نفسه للفتوى، ولم يتظاهر بها تظاهر العبادلة (١). وتظاهر على وزيد بن ثابت ومعاذ، كانوا يعتدون بخلافهم لو خالفوا، وكيف لا وقد كانوا صالحين للامامة العظمى، ولا سيما لكون أكثرهم فى الشورى، وما كانوا يحفظون الفروع، بل لم تكن الفروع موضوعة بعد، لكن عرفوا الكتاب والسنة وكانوا أهلا لفهمهما، فينبغى أن يعتد بخلاف الأصولى وبخلاف الفقيه المبرز (٢). وحكى عبد العزيز البخارى الخلاف فى اعتبار الأصولى والفقيه الفروعى، فذكر أن من العلماء من اعتبر الأصولى دون الفروعى، ومنهم من اعتبر الفروعى دون الأصولى، ومنهم من اعتبرهما جميعا، ومنهم من نفاهما جميعا. وقال: إن الرأى الأخير هو ما يشير إليه كلام الشيخ - أى البزدوى - نظرا إلى عدم الأهلية فيهما، وهى المعتبرة والموجودة فى أهل فى أئمة الحل والعقد من المجتهدين (٣). ويرى ابن الحاجب المالكى عدم الاعتداد بوفاق المقلد، أى أن الإجماع ينعقد بدونه فلا ينتظر وفاقه، ولو كان قد حصل طرفا من العلوم التى لها مدخل فى الاجتهاد، أصوليا كان أو فروعيا أو غيرهما (٤). وكذلك الزيدية فإنهم يقولون: لا اعتبار بالمقلد فى الإجماع سواء وافق أو خالف على الأرجح (٥). وهذا هو ما رجحه أيضا المقدسى الحنبلى فى روضة الناظر (٦). ثالثا: المجتهد الفاسق أو المبتدع لا يعتد فى الإجماع بقول غير مسلم، فلا يعتد باليهود ولا بالنصارى، ولا بالمرتدين

стр. 715

عن الإسلام رغبة عنه، ولا بالمنكرين لما علم من الدين بالضرورة من غير شبهة. وذلك لأن الإجماع هو اتفاق الأمة أو مجتهدى الأمة، وهؤلاء ليسوا من الأمة. أما الفاسق باعتقاد أو فعل، ففى الاعتداد به فى الإجماع خلاف وتفصيل. فالحنفية يقولون، كما فى كشف الأسرار للبزدوى: «إن أهلية الإجماع إنما تثبت بأهلية الكرامة وذلك لكل مجتهد ليس فيه هوى ولا فسق، أما الفسق فيورث التهمة ويسقط العدالة، وبأهلية أداء الشهادة، وصفة الأمر بالمعروف ثبت هذا الحكم، وأما الهوى، فإن كان صاحبه يدعو الناس إليه، فقد سقطت عدالته بالتعصب الباطل، وبالسفه، وكذلك أن مجن به، وكذلك أن غلا حتى كفر. وصاحب الهوى المشهور به ليس من الأمة على الإطلاق (١). ويوضح ذلك شارحه عبد العزيز البخارى فيقول: «إن أهلية الإجماع ثبتت بصفة الاجتهاد والاستقامة فى الدين عملا واعتقادا، لأن النصوص والحجج التى جعلت الإجماع حجة تدل على اشتراط هذه المعانى: أما اشتراط الاستقامة عملا، وهى العدالة، فلأن حكم الإجماع وهو كونه ملزما إنما ثبت بأهلية أداء الشهادة كما قال تعالى: «وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ». وبصفة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر كما قال : «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ» لأنهما يوجبان اتباع الآمر بالمعروف والناهى، فيما يأمر وينهى، إذ لو لم يلزم الاتباع لا يكون فيهما فائدة، وإنما يلزم اتباع العدل المرضى فيما يأمر به وينهى عنه دون غيره، لأن ذلك بطريق الكرامة، والمستحق للكرامات على الإطلاق من كان بهذه الصفة، والفسق يسقط العدالة فلم يبق به أهلا لأداء الشهادة، ولا يوجب اتباع قوله لأن التوقف فى قوله واجب بالنص، يقصد قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ» (٢). وذلك ينافى وجوب الاتباع ويورث التهمة لأنه لما لم يتحرز من إظهار فعل ما يعتقده باطلا، لا يتحرز من إظهار قول يعتقده باطلا، فثبت أن الفاسق ليس من أهل الإجماع، وأنه لا اعتبار لقوله وافق أم خالف. وأما اتباع الهوى والبدعة فمانع أيضا من أهلية الإجماع، بشرط أن يكون صاحبه داعيا إليه، أو ماجنا به، أو غاليا فيه بحيث يكفر به، فإنه إذا كان يدعو الناس إلى معتقده، سقطت عدالته لأنه يتعصب لذلك حينئذ تعصبا باطلا حتى

стр. 716

يوصف بالسفه، فيصير متهما فى أمر الدين فلا يعتبر قوله فى الإجماع. وكذلك إن مجن بالهوى، أى لم يبال بما قال وما صنع وما قيل له، لأن ترك المبالاة مسقط للعدالة أيضا. وكذلك إن غلا فيه حتى وجب إكفاره به، فلا يعتبر خلافه ورفاقه لعدم دخوله فى مسمى الأمة المشهود لها بالعصمة وإن صلى إلى القبلة، واعتقد نفسه مسلما لأن الأمة ليست عبارة عن المصلين إلى القبلة، بل عن المؤمنين وهو كافر وإن كان لا يدرى أنه كافر (١)». وبعض الشافعية كأبى اسحاق الشيرازى وامام الحرمين (٢)، والآمدى يرون أنه لا ينعقد الإجماع دون المجتهد الفاسق ببدعته أو بفعله، إلا إذا كفر ببدعته، كذلك لأنه من أهل الحل والعقد، وداخل فى مفهوم لفظ الأمة المشهود لهم بالعصمة، وغايته أن يكون فاسقا وفسقه غير مخل فى نظرهم بأهلية الاجتهاد، والظاهر من حاله فيما يخبر به من اجتهاده الصدق، كإخبار غيره من المجتهدين، كيف وإنه قد يعلم صدق الفاسق بقرائن أحواله فى مباحثاته وأقواله، وإذا علم صدقه وهو مجتهد كان كغيره من المجتهدين» (٣). وممن قال بذلك من الشافعية أيضا: الغزالى، فإنه قال فى المستصفى: «المبتدع إذا خالف لم ينعقد الإجماع دونه إذا لم يكفر بل هو كمجتهد فاسق وخلاف المجتهد الفاسق معتبر (٤). وهناك رأى ثالث فى المجتهد المبتدع الذى لم يكفر ببدعته. وهو: أن الإجماع لا ينعقد فى حقه إذا خالف، وينعقد فى حق غيره، أى أنه يجوز له مخالفة إجماع من عداه، ولا يجوز ذلك لغيره، فلا يكون الاتفاق مع مخالفته حجة عليه، ويكون حجة على من سواه (٥). ونسب هذا القول إلى بعض الشافعية (٦). وممن قال بمذهب الحنفية ابن الحاجب وشارح مختصره (٧)، وهو الظاهر أيضا عند الحنابلة (٨). وبذلك أيضا قال الإباضية (٩). وأما الزيدية فعندهم رأيان: أحدهما عدم اعتبار كافر التأويل وفاسقه معا، وذكروا أنه مروى عن جمهور أئمتهم، والرأى الآخر الاعتبار بهما فلا ينعقد من دونهما «إجماع» وهو مروى عن بعض أئمتهم أيضا (١٠).

стр. 717

رابعا: لا يختص الإجماع بالصحابة عند الجمهور: إجماع الصحابة حجة بلا خلاف، ولا يعتد العلماء بما يروى عن بعض المبتدعة من أنه ليس بحجة. والخلاف إنما هو فى اختصاص حجية الإجماع بإجماع الصحابة. فقد ذهب إلى ذلك الظاهرية (١)، وأحمد ابن حنبل فى إحدى الروايتين عنه (٢). قال الظاهرية: إن الإجماع هو إجماع الصحابة فقط وليس لمن بعدهم أن يكون إجماعه حجة، لأن الإجماع إنما يكون عن توقيف، والصحابة هم الذين شهدوا التوقيف (٣)، أى الإعلام الشخصى. وفى رواية لأبى داود عن أحمد بن حنبل: الإجماع أن تنبع ما جاء عن النبى ﷺ وعن الصحابة، وهو فى التابعين مخير. وقد نقل عن أبى حنيفة مثل ذلك اذ يقول: اذا أجمعت الصحابة على شئ سلمنا، وإذا أجمع التابعون زاحمناهم (٤). وجمهور علماء المذاهب يخالفونهم فى ذلك، ويرون أن الإجماع ليس خاصا بالصحابة رضوان الله عليهم بل هو فى كل عصر. ِِقرر ذلك الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، والزيدية، والإباضية (٥). والحجة التى تذكر للقائلين بأن الإجماع هو إجماع الصحابة فقط تتلخص فى أن الإجماع إنما صار حجة بصفة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، والصحابة هم الأصول فى ذلك، لأنهم كانوا هم المخاطبين بقوله تعالى: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ». وبقوله تعالى: «وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ» دون غيرهم، إذ الخطاب يتناول الموجود دون المعدوم، وكذلك قوله تعالى: «وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ» وقوله ﵊: «لا تجتمع أمتى على الضلالة» خاص بالصحابة الموجودين فى زمن النبى ﷺ ، إذ هم كل المؤمنين، وكل الأمة، لأن من لم يوجد بعد لا يكون موصوفا بالإيمان، فلا يكون من الأمة، ولأنه لا بد فى الإجماع من اتفاق الكل، والعلم باتفاق الكل لا يحصل إلا عند مشاهدة الكل، مع العلم بأنه ليس هناك

стр. 718

أحد سواهم، وذلك لا يتأتى إلا فى الجمع المحصور كما فى زمان الصحابة، أما فى سائر الأزمنة فيستحيل معرفة اتفاق جميع المؤمنين على شئ مع كثرتهم وتفرقهم فى مشارق الأرض ومغاربها، ولأن الصحابة أجمعوا على أن كل مسألة لا تكون مجمعا عليها يسوغ فيها الاجتهاد، فلو أجمع غيرهم فى مسألة من هذا النوع لخرجت بهذا الإجماع الجديد عن أن تكون محلا للاجتهاد، وبذلك يكون معنا إجماعان: أحدهما: إجماع الصحابة، والثانى: إجماع من بعدهم، وهما متناقضان فى أن المسألة محل للاجتهاد أو ليست محلا للاجتهاد، هذه هى حجتهم وقد رد عليهم الجمهور بأن النصوص الموجبة لكون الإجماع حجة تتناول الموجودين فى ذلك الزمان ومن يأتى بعدهم، وإلا لزم ألا ينعقد إجماع الصحابة بعد موت من كان موجودا عند ورود تلك النصوص، لأن إجماعهم حينئذ ليس إجماع جميع المخاطبين وقت ورودها، وقد أجمعوا على صحة إجماع من بقى من الصحابة بعد الرسول ﵊، وبعد من مات بعده من الصحابة، وليس ذلك إلا لأن الماضى غير معتبر، كما أن الآتى غير منتظر. وقولهم: أن العلم باتفاق الكل لا يحصل إلا عند مشاهدة الكل، فاسد أيضا، لأن حاصله يرجع إلى تعذر حصول الإجماع فى غير زمان الصحابة، وهذا لا نزاع فيه وإنما النزاع فى أنه لو حصل كان حجة وكذا شبهتم الثالثة، فهى فاسدة أيضا، لأنه لو صح ما قالوا لزم امتناع إجماع الصحابة على المسائل الاجتهادية بعين ما ذكروا وهو باطل لإجماعهم على كثير من المسائل الاجتهادية، ولئن سلمنا إجماعهم على تجويز الاجتهاد فى مسألة اجتهادية فهو مشروط بعدم الإجماع الذى قد يجد، وحينئذ لا يلزم التعارض، لأن الإجماع إذا وجد على حكم المسألة زال شرط الإجماع السابق على تجويز الاجتهاد فيها، فيزول ذلك الاجماع بزوال شرطه (١). خامسا: لا يتحقق الإجماع بعترة الرسول ﷺ وحدهم عند الجمهور كافة الزيدية يقولون: إن الإجماع عام وخاص، كما قدمنا، فالعام هو إجماع جميع المجتهدين، والخاص هو إجماع مجتهدى عترة الرسول ﵊. ولو انفرد العترة وحدهم فأجمعوا على أمر فى عصر من العصور دون غيرهم انعقد الاجماع بذلك، ولم يتوقف على موافقة الغير. وقد بينا فى تعريف الإجماع مرادهم بالعترة، وقد وافقهم على مذهبهم بعض العلماء، منهم أبو هاشم وأبو عبد الله البصرى، والقاضى عبد الجبار، فى رواية عنه، واحتجوا على مذهبهم بالكتاب والسنة، فأما الكتاب فقوله تعالى «إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (٢).

стр. 719

وجه الدلالة أنه تعالى أخبر مؤكدا بالحصر بإرادته إذهاب الرجس عن أهل البيت وتطهيرهم تطهيرا تاما، وما يريده الله تعالى من أفعاله واقع قطعا، فثبت ذهاب الرجس عنهم، وطهارتهم عنه الطهارة التامة، والرجس المطهرون عنه ليس إلا ما يستخبث من الأقوال والأفعال، ويستحق عليه الذم والعقاب، لأن معناه الحقيقى لا يخلو عنه أحد منهم. وليس المراد إذهابه عن كل فرد، لأن المعلوم خلافه، فتعين أن المقصود إذهابه عن جماعتهم، فجماعتهم إذن معصومة وهو المطلوب، وكذلك استدلوا بقوله تعالى: «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى». دلت الآية على أن مودتهم طاعة، بل واجبة، فيكونون على الحق، وإلا حرمت مودتهم، بقوله تعالى: «لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ» وغيرها. وكونهم على الحق يقتضى وجوب متابعتهم، لعدم الواسطة بين الحق والضلال بدليل قوله تعالى «فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ» والمراد بالقربى أهل البيت. وأما السنة فأحاديث كثيرة رووها وتمسكوا بها، منها قوله ﷺ : «إنى تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا من بعدى أبدا: كتاب الله، وعترتى، أهل بيتى، ألا وأنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض. وحديث الثقلين هذا مشهور عندهم ومروى من جهات كثيرة. ومنها قوله ﷺ : «مثل أهل بيتى فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك». ومنها قوله ﷺ : «أهل بيتى أمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء». وقد عنى الزيدية بإيراد هذه الأحاديث والاستدلال بها على ما ذهبوا إليه، وترى ذلك فى كتبهم ومنها كتاب «هداية العقول» الذى أفاض فى إيراد الأدلة على ذلك، وفى مناقشة معارضيها أو ناقضيها (١). ويرد عليهم علماء الجمهور: أولا: بأن المراد من قوله تعالى «إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» أزواج النبى ﷺ ، فالآية نازلة فيهن بين آيات سابقة لها، وآية لاحقة بها، فالآيات السابقة تبدأ من قوله تعالى: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً» (٢): إلى قوله تعالى «وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً» (٣). ثم تأتى آية الاستدلال، وهى قوله تعالى «وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ﴾

стр. 720

﴿الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ، إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (١). والآية اللاحقة بذلك هى قوله تعالى: «وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ، إِنَّ اللهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً» (٢). فالكلام فى هذه الآيات إنما هو مع أزواج النبى ﷺ ، ولكن الله تعالى عبر فى إذهاب الرجس بقوله: «إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ» فأتى بضمير الخطاب للذكور فى لفظ «عنكم» وأتى بلفظ «أهل البيت» فيفهم من ذلك أنه أراد أن يعمم هذا الحكم وهو حكم إرادة التطهير فى أهل البيت رجالا ونساء على سنة تغليب المذكر إذا اجتمع رجال ونساء، فغاية ما يدل عليه ذلك هو اشتراك قرابة النبى وأزواجه فى هذا التطهير المراد، فإذا كان هذا يدل على عصمتهم وحجية إجماعهم فقولوا بذلك أيضا فى الأزواج كما قلتم به فى القرابة والعترة وأنتم لم تقولوا به، فبطلت حجتكم. ثانيا: معنى الرجس الذنب، فغاية ما يلزم العصمة عن الذنوب لا العصمة عن الخطأ فى الاجتهاد، كيف والمجتهد المخطئ يؤجر ويثاب، فكيف يكون ما يؤجر عليه الإنسان ويثاب من باب الرجس. ويحتمل أن يكون المراد من الرجس الشرك أو الإثم، أو الأهواء، أو البدع، أو يكون إذهاب الرجس بما ساق إليهم من تشريع، فلا يلزم منه العصمة من الخطأ فى الاجتهاد أيضا. وقد كثر الجدال فى المعنى المراد من هذه الآية، وحاول كل فريق أن يقوى دلالتها على ما ذهب إليه أو على نفى ما ذهب إليه الآخرون، ولا يتسع المجال لذكر هذا كله، فمن شاء فليرجع فيه إلى كتب الفريقين، مثل «هداية العقول» فى أصول الزيدية، وشرح مسلم الثبوت، فكل منهما يمثل وجهة نظره فى استقصاء، ويرد على ما يناقشه به الآخرون (٣). وكذلك الكلام فى باقى الأدلة التى استدلوا بها من الكتاب. أما استدلالهم بالأحاديث فقد رد عليهم فيه بأن هذه الأحاديث آحاد، وخبر الواحد ليس بحجة فى مثل هذا ولكنهم لا يقبلون هذا الرد، فإن الأحاديث التى أتوا بها متواترة، إما لفظا بذكر الاعتصام بآل البيت نصا، أو على سبيل التواتر المعنوى، كما قال الجمهور فى أحاديث عصمة الأمة عن الخطأ والضلال. وقد عارضهم الجمهور بمثل «أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» وبما تواتر عن الصحابة والتابعين من أنهم كانوا يجتهدون ويفتون بخلاف ما أفتى به أهل

стр. 721

البيت ولا ينكر أحد عليهم، ولا يعيبهم أهل البيت أنفسهم، وهذا يفيد أن أهل البيت لا يقولون بوجوب اتباع ما أجمعوا عليه. ألم تر كيف رد ابن مسعود قول أمير المؤمنين على فى عدة الحامل المتوفى عنها زوجها، وكيف رد شريح قوله بقبول شهادة الابن، مع أن كلا من الزيدية والإمامية يقولون بحجية قوله، ويستدلون لذلك بأدلة عندهم، فقول الإمام إذن يدل على إجماع أهل البيت عند الإمامية والزيدية، فكيف ساغ للصحابة والتابعين أن خالفوه. بمثل هذا يستدل الجمهور على بطلان القول بأن إجماع عترة الرسول ﷺ يكفى حين ينفردون به عن غيرهم من مجتهدى الأمة، والنقاش طويل والمراجع هى المراجع التى ذكرناها للفريقين. سادسا: إجماع أهل المدينة إجماع أهل المدينة على انفرادهم ليس بحجة عند الجمهور لأنهم بعض الأمة، والأدلة الدالة على كون الإجماع حجة متناولة لأهل المدينة وغيرهم. وقال مالك رحمه الله تعالى: أنه حجة فلا يعتد بمخالفة غيرهم، ومن أصحابه من قال: إنما أراد بذلك ترجيح روايتهم علي رواية غيرهم. ومنهم من قال: أراد به أن اجماههم أولى ولا تمتنع مخالفته (١). وقال الباجى: إنما أراد حجية إجماع أهل المدينة فيما كان طريقه النقل المستفيض، كالصاع والمد والأذان والإقامة وعدم وجوب الزكاة فى الخضروات مما تقضى العادة بأن تكون فى زمن النبى ﷺ ، فإنه لو تغير عما كان عليه لعلم، فأما مسائل الاجتهاد فهم وغيرهم سواء. وقال القاضى عبد الوهاب: إجماع أهل المدينة على ضربين: نقلى، واستدلالى. فالأول كنقلهم الصاع والمد والأذان والإقامة والأوقات والأجناس وكتركهم أخذ الزكاة من الخضروات مع أنها كانت تزرع بالمدينة، وكان النبى ﷺ والخلفاء بعده لا يأخذون منها، وهذا النوع من إجماعهم حجة يلزم عندنا المصير إليه وترك الأخبار والمقاييس به، لا اختلاف بين أصحابنا فيه. والثانى، وهو إجماعهم من طريق الاستدلال، فاختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ليس بإجماع ولا مرجح. والثانى: أنه مرجح. والثالث: أنه حجة ولكن لا يحرم خلافه وإذا عارض هذا النوع الاستدلالى خبر

стр. 722

فالخبر أولى عند جمهور أصحابنا، وقد صار جماعة إلى أنه أولى من الخبر بناء منهم على أنه إجماع وليس بصحيح، لأن المشهود له بالعصمة إجماع كل الأمة لا بعضها (١). ويرى ابن الحاجب المالكى أن الصحيح التعميم، أى القول بكونه حجة مطلقا، لأن العادة جرت بعدم إجماع هذا الجمع الكثير من العلماء المحصورين الأحقين بالاجتهاد إلا عن راجح (٢). وقد قيد ابن الحاجب إجماع أهل المدينة الذى فيه الكلام بأنه إجماع أهل المدينة من الصحابة والتابعين. ويقول الغزالى فى الرد على ما ذهب إليه مالك: «إن أراد مالك أن المدينة هى التى جمعت فى زمن الصحابة أهل الحل والعقد، فمسلم له ذلك لو جمعت، وليس ذلك بمسلم بل لم تجمع المدينة جميع العلماء لا قبل الهجرة ولا بعدها، بل ما زالوا متفرقين فى الأسفار والغزوات والأمصار. وإن أراد أن اتفاقهم فى قول أو عمل يدل على أنهم استندوا إلى سماع قاطع لأن الوحى الناسخ نزل فيهم فلا تشذ عنهم مدارك الشريعة، فهذا تحكم، إذ لا يستحيل أن يسمع غيرهم حديثا من رسول الله ﷺ فى سفر أو فى المدينة لكن يخرج منها قبل نقله، وربما احتجوا بثناء رسول الله ﷺ على المدينة وعلى أهلها، وذلك يدل على فضيلتهم وكثرة ثوابهم لسكناهم المدينة، ولا يدل على تخصيص الإجماع بهم» (٣). ونقل صاحب طلعة الشمس فى أصول الإباضية عن الحاكم قوله: «والمشهور عن مالك أنه رد الخبر بفعل أهل المدينة حتى قال ابن ذؤيب: يستتاب مالك» (٤). يريد أن مالكا روى إجماع أهل المدينة على أن البيع بشرط البراءة لا يجوز ولا يبرئ من العيب أصلا علمه أو جهله، ثم خالفهم، فلو أخذناه بمذهبه لقلنا له: خالفت الإجماع ومن خالف الإجماع يستتاب. وهذه المخالفة من مالك لما عليه العمل والإجماع من أهل المدينة، يستدل بها من يؤول مذهب مالك فى ذلك. ويقول: لو كان يرى أن إجماعهم حجة لم تسعه مخالفته (٥). بل كل ما هنالك أنه يرجح نقلهم على نقل غيرهم، وهذا ما يشاركه فيه الشافعى، فقد أشار إلى هذا فى القديم، ورجح رواية أهل المدينة، وحكى عنه ذلك يونس بن عبد الأعلى، قال: قال الشافعى: إذا وجدت متقدمى أهل المدينة على شئ فلا

стр. 723

يدخل فى قلبك شك أنه الحق، وكلما جاءك شئ غير ذلك فلا تلتفت إليه ولا تعبأ به (١). ثم استمر صاحب طلعة الشمس فى التعقيب على ما اشتهر نقله عن مالك فقال: «إن أكابر علماء الصحابة كانوا خارجين عن المدينة، وهذا يستلزم ألا يعتد بخلافهم، وهو من البعد بمنزلة لا تخفى على ذوى الألباب، فإن عليا وابن مسعود وأبا موسى وغيرهم كانوا بالكوفة، وأنس فى البصرة، وأبو الدرداء بالشام، وسلمان فى المدائن، وأبو ذر كان فى الربذة، ومن المحال ألا يعتد بخلاف هؤلاء لأهل المدينة، فبطل ما زعموا. هذا ما قاله صاحب المنهاج، وهو من الحسن بمنزلة لا تخفى» (٢). سابعا: إجماع الخلفاء الراشدين «لا ينعقد الإجماع عند الجمهور باتفاق الخلفاء الأربعة أو الخمسة، فيما لو عد الحسن بن على رضى الله عنه (٣)، مع وجود المخالف لهم من الصحابة رضى الله عنهم، ولا ينعقد من باب أولى باتفاق الشيخين أبى بكر وعمر رضى الله عنهما. وذلك لما سبق من أن الدلالة الدالة على اعتبار الإجماع حجة متناولة لإجماع أهل الحل والعقد كلهم فلا خصوصية للخلفاء الراشدين. ونقل الآمدى وغيره عن أحمد بن حنبل، فى إحدى روايتين عنه، أنه يرى إجماع الخلفاء الأربعة حجة. وكذلك نقل هذا عن القاضى أبى حازم من أصحاب أبى حنيفة (٤)، وعن بعض الظاهرية (٥)، وعن ابن البنا من الحنابلة (٦)، وحجة من قال بإجماع الأربعة، أو الخمسة، قوله ﵊: «عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى، عضوا عليها بالنواجذ»، فقد أوجب اتباع سنتهم كما أوجب اتباع سنته، والمخالف لسننه لا يعتد بقوله، فكذلك المخالف لسنتهم. وحجة من قال: بإجماع الشيخين قوله ﵊: «اقتدوا بالذين من بعدى أبى بكر وعمر». قال الآمدى: وهذا معارض بقوله ﵊: «أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم أهديتم»، وليس العمل بأحد الخبرين أولى من العمل بالآخر، فبطل الاستدلال بحديث «عليكم بسنتى»، وحديث «اقتدوا بالذين من بعدى» (٧).

стр. 724

وقال صاحب طلعة الشمس الإباضى: «إن سنة الخلفاء الراشدين كسنته ﷺ فى وجوب الاتباع، لا فى اعتبار الإجماع، ولم يخص النبى ﷺ الخلفاء الأربعة بل أراد كل خليفة حق، ولا شك أنه قد جاء من بعدهم خليفة حق من أئمة المسلمين رضى الله عنهم فلا وجه لتخصيص الأربعة» (١). وفى حواشى هداية العقول للزيدية: إن حديث «اقتدوا بالذين من بعدى» ضعفه الذهبى، وحديث «عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى» رواه أبو داود وضعفه ابن القطان، وحديث «أصحابى كالنجوم» ضعفه أحمد (٢). وذكر ابن قدامة المقدسى الحنبلى فى روضة الناظر: أنه قد نقل عن أحمد ﵀ ما يدل على أنه لا يخرج عن قول الخلفاء الأربعة إلى قول غيرهم، وكلام أحمد فى إحدى الروايتين عنه يدل على أن قولهم حجة، ولا يلزم من كل ما هو حجة أن يكون إجماعا». فهذا تحرير لمذهب ابن حنبل فى هذه المسألة، وقد علق عليه شارح الروضة بأنه هو الحق (٣). ثامنا: إجماع الحرمين والمصرين المراد بالحرمين مكة والمدينة، وبالمصرين الكوفة والبصرة، وقد ذكر الغزالى: «إن قوما قالوا المعتبر إجماع أهل الحرمين مكة والمدينة، والمصرين الكوفة والبصرة، وما أراد هؤلاء، والقائلون بإجماع أهل المدينة، إلا أن هذه البقاع قد جمعت فى زمن الصحابة أهل الحل والعقد. ثم بين الغزالى أن ذلك غير مسلم (٤)، ولم يبين الغزالى من هم القائلون بذلك. وجاء فى هداية العقول، من كتب أصول الزيدية: «حكى الأمدى وغيره عن بعض، القول بأن إجماع أهل الحرمين والمصرين حجة على غيرهم، وقيل: بل إجماع البصرة والكوفة فقط، حكاه الشيخ أبو إسحاق فى اللمع. وقيل: إجماع أهل الكوفة وحدها كما نقل عن حكاية ابن حزم. وقيل: إجماع البصرة وحدها، كما نقله بعض شراح المحصول» (٥). وقال الشوكانى فى إرشاد الفحول: وقد زعم بعض أهل الأصول أن إجماع أهل الحرمين والمصرين حجة، ولا وجه لذلك، وقد قدمنا قول من قال بحجية إجماع أهل المدينة، فمن قال بذلك فهو قائل بحجية إجماع أهل مكة والمدينة والمصرين من باب أولى.

стр. 725

قال القاضى: وإنما خصوا هذه المواضع لاعتقادهم تخصيص الإجماع بالصحابة، وكانت هذه البلاد مواطن الصحابة ما خرج منها إلا الشذوذ. قال الزركشى: وهذا صريح بأن القائلين بذلك لم يعمموا فى كل عصر، بل فى عصر الصحابة فقط. قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازى: قيل إن المخالف أراد زمن الصحابة والتابعين، فإن كان هذا مراده فمسلم لو اجتمع العلماء فى هذه البقاع، ولكنهم لم يجتمعوا فيها (١). وجمهور الأصوليين على غير هذا الرأى، ولم يقل بذلك أحد من المذاهب التى تقول بالإجماع، والحجة فى ذلك أنهم بعض الأمة، والأدلة التى ثبتت بها حجية الإجماع متناولة لأهل الحل والعقد كلهم كما سبق. تاسعا: إجماع الأكثر مع مخالفة الأقل اختلف العلماء فى انعقاد إجماع الأكثر مع مخالفة الأقل، ومنهم من يعبر عن ذلك بندرة المخالف أى قلته غاية القلة، كإجماع من عدا ابن عباس على العول مع مخالفته فيه، وإجماع من عدا أبا موسى الأشعرى على أن النوم ينقض الوضوء مع مخالفته فى ذلك، وإجماع من عدا أبا طلحة على أن أكل البرد يفطر، مع مخالفته فى ذلك. فذهب الأكثرون إلى أنه لا ينعقد. قال الآمدى فى تأييد هذا المذهب: والمختار مذهب الأكثرين، ويدل عليه أمران: الأول: أن التمسك فى كون الإجماع حجة إنما هو بالأخبار الواردة فى السنة، الدالة على عصمة الأمة وعند ذلك فلفظ «الأمة» فى الأخبار يحتمل أنه أراد به كل الموجودين من المسلمين فى أى عصر كان، أى جميع أهل الحل والعقد منهم، ويحتمل أنه أراد به الأكثر كما يقال: بنو تميم يحمون الجار، ويكرمون الضيف والمراد به الأكثر، لكن حمله على الأكثر بطريق المجاز. ولا يصار إلى المجاز مع إمكان الحقيقة، ولهذا يصح أن يقال اذا شذ عن الجماعة واحد، ليس هم كل الأمة، ولا كل المؤمنين، بخلاف ما إذا لم يشذ منهم أحد، وعلى هذا فيجب حمل لفظ «الأمة» على الكل. الثانى: أنه قد جرى مثل ذلك فى زمن الصحابة ولم ينكر أحد منهم على خلاف الواحد، بل سوغوا له الاجتهاد فيما ذهب إليه مع مخالفة الأكثر، ولو كان إجماع الأكثر حجة ملزمة للغير، لما كان كذلك، أى لما سوغوا له أن يجتهد، وقد أجمعوا ولبادروا بالإنكار والتخطئة (٢). وهذا الرأى هو الذى اختاره جمهور علماء المذهب وساروا فى كتبهم على ترجيحه (٣).

стр. 726

وذهب جماعة إلى انعقاد الإجماع إذا اتفق الأكثر وخالف الأقل، وممن قال بذلك: محمد بن جرير الطبرى، وأبو بكر الرازى وأبو الحسين الخياط، وأحمد بن حنبل فى إحدى الروايتين عنه، وينقل عن بعض الزيدية الميل إليه (١)، واحتج أصحاب هذا المذهب بما ورد من عصمة الأمة عن الخطأ، وقالوا: أن لفظ الأمة يصح إطلاقه على أهل العصر، وإن شذ منهم الواحد والاثنان، ويرشحه قوله ﵊ «عليكم بالسواد الأعظم»، «عليكم بالجماعة»، «يد الله مع الجماعة»، «إياكم والشذوذ» والواحد والاثنان بالنسبة إلى الخلق الكثير شذوذ، «الشيطان مع الواحد وهو عن الاثنين أبعد». وقد اعتبرت خلافة أبى بكر رضى الله عنه ثابتة بالإجماع وإن خالف فى ذلك سعد ابن عبادة، ولولا أن إجماع الأكثر مع مخالفة الأقل حجة لما كانت أمامة أبى بكر رضى الله عنه ثابتة بالإجماع، ثم إن خبر الواحد بأمر لا يفيد العلم، وخبر الجماعة إذا بلغ عدد التواتر يفيد العلم، فليكن مثله فى باب الاجتهاد والإجماع. وقد أنكرت الصحابة على ابن عباس خلافه فى ربا الفضل فى النقود، وتحليل المتعة، ولولا أن اتفاق الأكثر حجة لما أنكروا عليه، فإنه ليس للمجتهد الإنكار على المجتهد إلى غير ذلك من وجوه الاستدلال - وكلها قد دارت فيه المناقشة بين المثبتين والمخالفين (٢) - وهناك آراء أخرى كرأى من يقول: إن عدد الأقل إن بلغ التواتر لم يعتد بالإجماع دونه، وإلا كان معتدا به (٣). ولم ينسبوا هذا الرأى إلى قائل معين، وكرأى أبى عبد الله الجرجانى، وأبى بكر الرازى من الحنفية: أنه إذا سوغت الجماعة الاجتهاد للمخالف فيما ذهب إليه كان خلافه معتدا به، مثل خلاف ابن عباس رضى الله عنهما فى توريث الأم ثلث جميع المال مع الزوج والأب، أو مع المرأة والأب، وإن لم يسوغوا له ذلك الاجتهاد فلا يعتد بخلافه، مثل خلاف ابن عباس رضى الله عنهما فى تحريم ربا الفضل، وخلاف أبى موسى الأشعرى فى أن النوم ينقض الوضوء (٤). وكالرأى الذى اختاره ابن الحاجب المالكى من أن قول الأكثر يكون حجة، ولا يكون إجماعا قطعيا (٥). فمذهب ابن الحاجب فى عدم اعتبار اتفاق الأكثر إجماعا هو مذهب الجمهور، أى أن الإجماع لا ينعقد مع وجود المخالف وإن قل. ولكنه يتكلم فى حجية اتفاق الأكثر وعدم قطعيته وكالرأى القائل بأن اتباع الأكثر أولى وإن جاز خلافه (٦).

стр. 727

عاشرا: إجماع الصحابة مع خلاف من أدركهم من مجتهدى التابعين اختلفوا فى التابعى إذا كان من أهل الاجتهاد فى عصر الصحابة، هل ينعقد إجماع الصحابة مع مخالفته أو لا ينعقد؟ فمنهم من قال: إن كان التابعى من أهل الاجتهاد قبل انعقاد إجماع الصحابة فلا يعتد بإجماعهم مع مخالفته، وإن بلغ رتبة الاجتهاد بعد انعقاد إجماع الصحابة فلا يعتد بخلافه. والقائلون بذلك هم أصحاب الشافعى وأصحاب أبى حنيفة، وهو مذهب أحمد ابن حنبل فى أحد الروايتين عنه. ومذهب مالك والزيدية والإباضية على أصح القولين عندهم (١). والدليل على ذلك: أنه فى حالة بلوغ التابعى رتبة الاجتهاد قبل إجماع الصحابة لا يصدق على الصحابة وحدهم لفظ «الأمة» مع مخالفة التابعى المجتهد لهم، وقد كان كثير من التابعين يفتون فى عهد الصحابة، وكان الصحابة يسوغون ذلك لهم، بل كانوا أحيانا يحيلون عليهم فى المسائل كالذى روى عن ابن عمر أنه سئل عن فريضة، فقال: اسألوا فيها سعيد بن جبير فإنه أعلم بها منى. وعن الحسين بن على كرم الله وجهه أنه سئل عن مسألة فقال: اسألوا الحسن البصرى، إلى غير ذلك. أما فى حالة عدم بلوغ التابعى مرتبة الاجتهاد عند إجماع الصحابة فالأمر يختلف إذ لفظ «الأمة» ينطبق على الذين أجمعوا وحدهم، فهم أهل الحل والعقد حينئذ دون غيرهم، ولا عبرة ببلوغ التابعى مرتبة الاجتهاد بعد ذلك، فقد قام الإجماع قبله وانتهى الأمر. وينبغى أن يعلم أن هؤلاء هم الذين يقولون بعدم اشتراط انقراض العصر، أى أن الإجماع يعتبر قائما فى لحظة انعقاده ولا ينتظر انقراض المجمعين بالموت حتى يتبين أن أحدا منهم لم يرجع، وسيأتى الكلام على هذا الشرط. ومنهم من قال: لا ينعقد إجماع الصحابة مع مخالفة التابعى سواء أكان من أهل الاجتهاد حالة إجماعهم أو صار مجتهدا بعد إجماعهم لكن فى عهدهم، وهؤلاء هم الذين يشترطون فى تمام الإجماع انقراض عصر المجمعين. وكلا الفريقين من الذين يقولون بأنه لا ينعقد الإجماع بموافقة الأكثر مع مخالفة الأقل. ومن الناس من يقول: لا عبرة بمخالفة التابعى أصلا إذا أجمع الصحابة، والقول بذلك مروى عن أحمد فى إحدى روايتين. ويتفق هذا مع مذهب القائلين بأن إجماع الأكثر معتد به ولو خالف الأقل.

стр. 728

ودليل القائلين بعدم الاعتداد بخلاف التابعى هو ما ورد من النصوص فى اتباع الأصحاب، وأن لهم مزية الصحبة. وبين المختلفين نقاش فى الأدلة لا نطيل بذكره (١). شروط الإجماع يذكر علماء الأصول فى مختلف المذاهب شروطا للإجماع كل منها وقع الخلاف فيه بينهم: هل يشترط أو لا يشترط؟ وهذه هى: انقراض العصر والمراد به: انقراض المجمعين فى عصر ما، فذهب فريق من العلماء إلى أن اتفاق الأمة لا يعتبر إجماعا تقوم به الحجة إلا إذا انقرض المجمعون وماتوا كلهم، لأن رجوعهم أو رجوع بعضهم قبل الموت محتمل، ومع هذا الاحتمال لا يثبت الاستقرار (٢). وهذا القول هو قول الإمام أحمد بن حنبل وأبى بكر بن فورك (٣)، وبعض الظاهرية (٤). واحتجوا على قولهم بأن أبا بكر سوى بين الصحابة فى العطاء، وخالفه عمر فى التفضيل بعد إجماعهم على رأى أبى بكر فلو كان الإجماع الذى انعقد فى عهد أبى بكر علي التسوية حجة منذ انعقد، لما جاز لعمر مخالفته فاقتضى ذلك كون انقراض العصر شرطا أى أن لكل من المجمعين أن يرجع عن رأيه إذا رأى ذلك فهو اتفاق موقوف لا يتبين أنه صار إجماعا إلا بانقراض المجمعين كلهم ويتبع ذلك أنه لا يجوز لأحد بعد انقراض العصر أن يجتهد فيما تبين أنه إجماع، ومثلوا لذلك أيضا: باتفاق على وعمر وغيرهما من الصحابة على تحريم بيع أم الولد، ثم إن عليا خالفهم بعد ذلك ورأى جواز بيعها، وما ذلك إلا لأنه اعتبر الإجماع غير قائم، لأن العصر لم ينقرض (٥). وذهب فريق آخر إلى أن انقراض العصر ليس شرطا بل إذا اتفقت الأمة ولو فى لحظة - أى اتفق المجتهدون فيها - انعقد الإجماع وتقررت عصمتهم عن الخطأ ووجب اتباعهم، ولا يجوز لأحد منهم ولا ممن يأتى بعدهم أن يخرج على هذا الإجماع، وذلك لأن الحجة فى اتفاقهم وقد حصل. وليس فى الأدلة المثبتة للإجماع اشتراط ذلك، ولم يعتبروا أن الإجماع قام على رأى أبى بكر فى التسوية، بل رأوا أن عمر كان مخالفا فيه من أول الأمر، وإنما كان سكوته لكون رأى الخليفة هو المقدم، وكذلك لم يصح فى نظرهم أن الصحابة جزموا جميعا بتحريم بيع أم الولد قبل أن يخالفهم على (٦).

стр. 729

وعلى هذا أكثر أصحاب الشافعى وأكثر أصحاب أبى حنيفة والأشاعرة والمعتزلة (١)، والمالكية (٢)، والزيدية (٣)، وابن حزم الظاهرى (٤)، وهو الصحيح عند الإباضية (٥). ومن الناس من فصل فقال: إن كانوا قد اتفقوا بأقوالهم أو أفعالهم أو بهما لا يكون انقراض العصر شرطا، وإن كان الإجماع بذهاب واحد من أهل الحل والعقد إلى حكم، وسكت الباقون عن الإنكار مع اشتهاره فيما بينهم فهو شرط. وهذا هو ما اختاره الآمدى، وروى عن أبى على الجبائى (٦). ويتبين مما سبق أن ثمرة الخلاف تظهر فى جواز رجوع أحد المجمعين عن رأيه أو عدم جواز ذلك له، وفى جواز اجتهاد من بعد المجمعين فى الحادثة مع وجود أحد من أهل ذلك الإجماع على قيد الحياة أو عدم جواز ذلك (٧). بلوغ المجمعين حد التواتر التواتر هو تتابع الخبر عن جماعة بحيث يفيد العلم، والكلام فى تحقيق معناه وما به يكون، موضعه مصطلح تواتر. ونكتفى هنا بما يتصل باشتراطه أو عدم اشتراطه فى الإجماع. فمن استدل على كون الإجماع حجة بدلالة العقل - وهى ما سبق ذكره من أن الجمع الكثير إذا اتفقوا على شئ اتفاقا جازما فلا يتصور تواطؤهم على الخطأ - فلا بد من اشتراط ذلك عنده لتصور الخطأ على من دون حد التواتر، وذلك هو رأى إمام الحرمين وبعض العلماء. وأما من احتج على كون الإجماع حجة بالأدلة السمعية التى هى الآيات والأحاديث السابق ذكرها، فقد اختلفوا: فمنهم من شرطه، ومنهم من لم يشترطه. وجمهور أهل المذاهب على عدم اشتراطه، وأنه متى اتفق المجتهدون فى عصر ما على حكم فذلك إجماع مهما كان عدد المجمعين، بلغوا حد التواتر أم لا، لأن لفظ «الأمة» و «المؤمنين» صادق عليهم موجب لعصمتهم ولاتباعهم (٨). مستند الإجماع جمهور أهل المذاهب على أن الاجماع لا بد له من مستند لأن أهل الإجماع ليس لهم الاستقلال بإثبات الأحكام فوجب أن يكون عن مستند، ولأنه لو انعقد عن غير مستند لاقتضى إثبات نوع، أى إحداث دليل، بعد النبى ﵌ وهو باطل (٩).

стр. 730

وفى بيان ذلك يقول صاحب «طلعة الشمس» الإباضى: من شروط الإجماع أن يكون للمجمعين مستند يستندون إليه من كتاب أو سنة أو اجتهاد سواء أكان ذلك المستند قطعيا أم ظنيا، فإن علمنا مستندهم كان ذلك زيادة لنا فى الاطمئنانية وتوسعا فى العلم، وإن جهلناه مع حصول الإجماع منهم وجب علينا أن نحسن الظن بهم. وأنهم لم يجمعوا إلا وعندهم مستند من قبل الشارع (١). وحكى عبد الجبار عن قوم أنه يجوز أن يكون عن غير مستند، وذلك بأن يوفقهم الله لاختيار الصواب من دون مستند، وهذا الرأى قرر العلماء ضعفه (٢). واعتبره الآمدى شذوذا. وفى طلعة الشمس: أنه قول لبعض أهل الأهواء (٣). والقائلون بأنه لا ينعقد الإجماع إلا عن مستند قد اتفقوا على صحة الإجماع وثبوت حجيته إذا كان المستند دليلا قاطعا (٤) إلا ما روى عن بعض العلماء من أنه إذا كان الدليل متواترا مفيدا للمعنى المجمع عليه فإن الحكم يكون ثابتا به، ولا يحتاج إلى إثباته بالإجماع (٥). أما المستند الظنى فقد اختلف العلماء فى صحة جعله مستندا للإجماع. قال الحنفية: قد يكون سبب الإجماع من أخبار الأحاد كإجماعهم على عدم جواز بيع الطعام قبل القبض استنادا إلى قوله ﷺ : «لا تبيعوا الطعام قبل القبض». وقد يكون سبب الإجماع قياسا، كإجماعهم على حرمة الربا فى الأرز استنادا إلى القياس على الأشياء الستة التى هى البر والشعير .. إلخ. ثم أجمعوا على هذا القياس، فصار القياس بمعاضدة الإجماع قطعيا (٦)، وإلى هذا ذهب أيضا: الشافعية (٧)، والمالكية (٨)، والحنابلة (٩)، والزيدية (١٠)، والإباضية (١١)، وذهب الظاهرية إلى أنه لا يصح اعتبار القياس مستندا للإجماع وذلك بناء على أصلهم فى إنكار القياس، ووافقهم محمد ابن جرير الطبرى فى جانب فقال: إن القياس حجة، ولكن الإجماع إذا صدر عنه لم يكن مقطوعا بصحته، وليس القياس فى رأيه كخبر الواحد، لأن الصحابة أجمعوا على خبر الواحد بخلاف القياس (١٢). وفصل بعضهم بين أن يكون القياس جليا فيصلح مستندا، أو خفيا فلا يصلح، ونقل هذا عن بعض الشافعية (١٣).

стр. 731

ثم اختلفوا: هل يجب على المجتهد ان يبحث عن مستند الإجماع أو لا يجب عليه ذلك؟ والأكثرون على أنه لا يجب عليه ذلك وأنه إذا وقع الإجماع وجب المصير إليه لأنهم لا يجمعون إلا عن مستند (١). عدم مخالفة الإجماع لنص فى الكتاب أو السنة إذا عارض الإجماع نص من الكتاب أو السنة فعلماء الأصول يختلفون: فمنهم من يقول: أن من شرط الإجماع ألا يكون على خلاف نص فى الكتاب أو فى السنة، ومن ثم لا يعتبرون مثل هذا الإجماع معتدا به لو فرض أنه وقع، وهؤلاء هم الإباضية والظاهرية. يقول صاحب طلعة الشمس: الشرط الثانى: ألا يكون هناك نص من كتاب أو سنة يخالف ما أجمعوا عليه، فإن الإجماع على خلاف نص الكتاب أو السنة ضلال، ولا تجتمع الأمة على ضلال (٢). ويفهم من هذا أن المسألة افتراضية على معنى أنه لو فرض وقوع إجماع على خلاف نص من الكتاب أو السنة لما كان هذا الإجماع معتدا به، بل يكون باطلا وضلالا، وذلك لا يتصور أن يكون، فإن الأمة لا تجتمع على الضلال. وكلام ابن حزم الظاهرى واضح فى إفادة هذا المعنى إذ يقول: إن الإجماع لا يخلو من أحد ثلاثة أوجه لا رابع لها بضرورة العقل: إما أن يجمع الناس على ما لا نص فيه وهو باطل - أى لأنه لا بد للإجماع من مستند كما سبق - وإما أن يكون إجماع الناس على خلاف النص الوارد من غير نسخ أو تخصيص له وردا قبل موت رسول الله ﷺ ، فهذا كفر مجرد، أو يكون إجماع الناس على شئ منصوص، فهذا هو قولنا وهذه قسمة ضرورية لا نحيد عنها أصلا وهو كما ذكرنا، فاتباع النص فرض سواء أجمع الناس عليه، أو اختلفوا فيه لا يزيد النص مرتبة فى وجوب الاتباع أن يجمع الناس عليه ولا يوهن وجوب اتباعه مخالفة الناس فيه، بل الحق حق وإن اختلف فيه والباطل باطل وإن كثر القائلون به، ولولا صحة النص عن النبى ﷺ بأن أمته لا يزال منهم من يقوم بالحق ويقول به فبطل بذلك أن يجمعوا على باطل، أى على خلاف نص، لقلنا: والباطل باطل وان أجمع عليه ولكن لا سبيل إلى الإجماع على باطل (٣). وكون الإجماع لا يقع على خلاف النص، هو قدر مسلم به عند الجمهور، لا عند الإباضية والظاهرية فقط، نعم إنه ورد فى كتبهم ما قد يفهم منه أن الإجماع قد يعارض النص فيقضى بالإجماع على النص، كقولهم: إن الإجماع دليل قاطع يحكم به على الكتاب والسنة (٤)، وقولهم: وهو أى

стр. 732

الإجماع، مقدم على الكتاب والسنة والقياس (١). وقولهم: يجب على المجتهد أن ينظر أول شئ إلى الإجماع، فإن وجده لم يحتج إلى النظر فى سواه ولو خالفه كتاب أو سنة علم أن ذلك منسوخ أو متأول لكون الإجماع دليلا قاطعا لا يقبل نسخا ولا تأويلا (٢) لكن هذا محمول عند العلماء على أحد معنيين: إما أن يراد به أن الإجماع محكم فى تفسير المراد من النص كالإجماع على أن الأم تحجب عن الثلث إلى السدس بأخوين مع قوله تعالى: «فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ» فهذا ظاهره أنه إجماع على خلاف النص لأن الأخوين ليسا بأخوة، ولكن هذا لا يكون مصادما للنص إلا إذا ثبت أن لفظ الاخوة لا ينطلق عن الأخوين، وهذا لم يثبت ثبوتا قاطعا، فالإجماع هنا مفسر لأحد الأمرين الجائز إرادة كل منهما لغة أو استعمالا (٣). وإما أن يراد به أن الإجماع له مستند آخر غير هذا الدليل المعارض له لأنهم لا يجمعون إلا عن مستند فربما كان الدليل المخالف خبرا ضعيفا أو منسوخا حكمه، ولذلك يقول المقدسى فى روضة الناظر: الإجماع لا ينعقد على خلاف النص لكونه معصوما عن الخطأ وهذا يفضى إلى إجماعهم على الخطأ، فإن قيل: فيجوز أن يكونوا قد ظفروا بنص كان خفيا هو أقوى من النص الأول أو ناسخ له، قلنا: فيضاف النسخ إلى النص الذى أجمعوا عليه لا إلى الإجماع (٤). ومن الناس من يرى أن الإجماع يرفع حكم الكتاب والسنة، ونسبه عبد العزيز البخارى إلى بعض مشايخ الحنفية وبعض المعتزلة، ويستدلون على هذا بمسألة الإجماع على حجب الأم بالأخوين مع قوله تعالى: «فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ» قالوا: إن ابن عباس راجع فيها عثمان فقال له: كيف تحجبها بأخوين وقد قال الله تعالى: «فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ» والأخوان ليسا بأخوة؟ فقال عثمان: حجبها قومك يا غلام. فدل ذلك على جواز نسخ الحكم المنصوص عليه بالإجماع، واستدلوا كذلك بأن المؤلفة قلوبهم سقط نصيبهم فى الصدقات بالإجماع المنعقد فى زمان أبى بكر رضى الله عنه، وبأن الإجماع حجة من حجج الشرع موجبة للعلم كالكتاب والسنة فيجوز أن يثبت النسخ به كالنصوص، وقد تقدم ما ردوا به فى مسألة توريث الأم السدس إذا كان معها أخوان، أما الأدلة الأخرى التى استدلوا بها فقد فندها عبد العزيز البخارى بعد ذلك (٥). وبعض العلماء يرسم الطريق للتخلص من التعارض بين الإجماع والنص، فيقول الزيدية: أن القطعى لا يعارض، لأن مخالفه إما قطعى أو ظنى والكل ممتنع،

стр. 733

وإلا لزم فى القطعيين أن يثبت مقتضاهما وهما نقيضان والظن ينتفى حين نقطع باليقين. وأما الإجماع الظني فإذا عارضه نص ظنى من الكتاب أو السنة فالجمع واجب بين الدليلين إن أمكن، وذلك بالتأويل حيث كان أحدهما قابلا له بوجه ما، فيؤول القابل له من الإجماع أو النص، أو بالتخصيص حيث كان أحدهما قابلا له، ثم إن لم يمكن الجمع بأحد الأمرين وجب الترجيح بأى وجوهه (انظر: ترجيح). فإذا لم يمكن الترجيح لأحدهما على الآخر وجب إهمالهما لأن العمل بهما غير ممكن والعمل بأحدهما من دون الآخر ترجيح بلا مرجح (١)، ومثل هذا فى المنهاج للبيضاوى وشرحه للإسنوى (٢). عدم سبق إجماع مخالف اشترط بعض العلماء فى الإجماع ألا يكون مسبوقا بإجماع مخالف له، وبعضهم لم يشترط هذا الشرط وبعضهم يشترطه فى حال دون حال، وتفصيل القول فى ذلك أنه: إذا أجمع أهل عصر على حكم ثم ظهر لهم هم أنفسهم ما يوجب الرجوع عنه وأجمعوا على ذلك الذى ظهر لهم ففى جواز الرجوع والاعتداد بالإجماع الجديد خلاف مبنى على الخلاف المتقدم فى اشتراط انقراض عصر أهل الإجماع فمن رأى أن الإجماع لا يكون قائما إلا إذا انقرض المجمعون جوز لهم الرجوع وأن يتفقوا على رأى جديد، ومن لم يشترط انقراض العصر وقرر أن الإجماع ينعقد منذ اللحظة الأولى للاتفاق، لم يجوز الرجوع للمجمعين ولم يعتد بإجماعهم الجديد، هذا إذا كان أهل الإجماع الثانى هم أصحاب الإجماع الأول. أما إذا كان الإجماع الثانى من غير الذين أجمعوا أولا، ففى ذلك خلاف أيضا بين الجمهور وبعض العلماء (٣). فالجمهور يرون أنه لا يجوز أن يأتى إجماع قوم على خلاف إجماع من سبقهم، لأن الإجماع الأول قد ثبت وصار حجة فلا يجوز الخروج عليه بل يكون ضلالا، وهذا هو المعبر عنه فى بعض كتب الأصول بنسخ الإجماع بالإجماع، وفى ذلك يقول المقدسى الحنبلى: فأما الإجماع فلا ينسخ ولا ينسخ به، لأنه لا يكون إلا بعد انقراض زمن النص، أى لا يكون إلا بعد عهد النبوة، والنسخ لا يكون بعدها، والنسخ لا يكون إلا بنص، ولا ينسخ بالإجماع لأن النسخ إنما يكون لنص (٤)، وحاصله: أنه لا يمكن أن ينسخ الاجماع باجماع آخر، لأن الاجماع الثانى ان كان لا عن دليل فهو خطأ وإن كان عن دليل فذلك يستلزم أن يكون الإجماع الأول خطأ، والإجماع لا يكون خطأ (٥). ويقول الزيدية: والمختار أنه لا يصح إجماع على حكم بعد الاجماع على خلافه

стр. 734

وإلا لزم بطلان الإجماع الأول، أو تعارض الإجماعين وكلاهما باطل (١)، ومثل ذلك عند الإباضية (٢)، ويرى أبو عبد الله البصرى والإمام الرازى أنه يجوز الإجماع على خلاف إجماع سبق، لأنه يتصور أن يكون الإجماع الأول حجة إلى غاية هى حصول إجماع آخر (٣). ولما كان الإجماع عند الحنفية على مراتب قرر بعضهم أن النسخ فيه جائز بمثله، وبذلك يقول الشيخ فخر الإسلام البزدوى دون تفريق بين ما إذا كان المجمعون على الرأى الثانى هم نفس المجمعين على الرأى الأول المخالف أو غيرهم وهذا نص كلامه، والنسخ فى ذلك جائز بمثله، أى فى الإجماع، حتى إذا ثبت حكم بإجماع عصر يجوز أن يجتمع أولئك على خلافه فينسخ به الأول ويستوى فى ذلك أن يكون فى عصرين أو عصر واحد (٤). وقال شارحه عبد العزيز البخارى فى هذا الموضع مفسرا له ومعقبا عليه: والنسخ فى ذلك أى فى الإجماع جائز بمثله حتى جاز نسخ الإجماع القطعى بالقطعى، ولا يجوز بالظنى. وجاز نسخ الظنى بالظنى والقطعى جميعا، فلو أجمعت الصحابة على حكم ثم أجمعوا على خلافه بعد مدة يجوز ويكون الثانى ناسخا للأول لكونه مثله، ولو أجمع القرن الثانى على خلافهم لا يجوز لأنه لا يصلح ناسخا للأول لكونه دونه، ولو أجمع القرن الثانى على حكم ثم أجمعوا بأنفسهم أو من بعدهم على خلافه جاز، لأنه مثل الأول فيصلح ناسخا له. وإنما جاز نسخ الإجماع بمثله، لأنه يجوز أن تنتهى مدة حكم ثبت بالإجماع، ويظهر ذلك بتوفيق الله تعالى أهل الاجتهاد على إجماعهم على خلاف الإجماع الأول، كما إذا ورد نص بخلاف النص الأول ظهر به أن مدة ذلك الحكم قد انتهت، هذا مختار الشيخ. فأما جمهور الأصوليين فقد أنكروا جواز كون الإجماع ناسخا أو منسوخا (٥)، وحكى أبو الحسن السهيلى فى آداب الجدل له فى هذه المسألة: أنه إذا أجمعت الصحابة على قول ثم أجمع التابعون على قول آخر فعن الشافعى جوابان: أحدهما، وهو الأصح: أنه لا يجوز وقوع مثله، أى لا يمكن، لأن النبى ﷺ أخبر أن أمته لا تجتمع على ضلالة. والثانى: لو صح وقوعه فإنه يجب على التابعين الرجوع إلى قول الصحابة (٦). وعلى كلا الجوابين يكون الشافعى رحمه الله تعالى ممن يقولون بعدم الاعتداد بإجماع أهل عصر على خلاف إجماع أهل عصر سبقه.

стр. 735

عدم تقدم الخلاف فى عصر سابق قال الآمدى: إذا اختلف أهل عصر من الأعصار فى مسألة من المسائل على قولين، واستقر خلافهم فى ذلك، ولم يوجد له نكير، فهل يتصور انعقاد إجماع من بعدهم على أحد القولين بحيث يمتنع على المجتهد المصير إلى القول الآخر أم لا؟ ذهب أبو بكر الصيرفى من أصحاب الشافعى وأحمد بن حنبل وأبو الحسن الأشعرى وإمام الحرمين والغزالى وجماعة من الأصوليين إلى امتناعه. وذهب المعتزلة وكثير من أصحاب الشافعى وأبى حنيفة إلى جوازه، والأول هو المختار (١). وقد فهم من كلامه: أن أكثر الحنفية يقولون بجوازه، وهذا هو ما ذكر فى مسلم الثبوت وشرحه وقررا أنه حجة بدليل إجماع التابعين على متعة الحج بعد خلاف الصحابة فيها، وغير ذلك (٢). وأن كثيرا من أصحاب الشافعى كذلك، وهذا ما ذكره الإسنوى فى شرحه على المنهاج وأيده بمثل ما أيده به القائلون بذلك من الحنفية وغيرهم، وأن بعض الشافعية يقول بالامتناع وقد بين الإسنوى ذلك أيضا (٣). ونضيف إلى ذلك أن المالكية أيضا لهم للولان كذلك، والصحيح منهما أنه لا يمتنع (٤) وكذلك الحنابلة (٥). وكذلك للزيدية قولان: أصحهما أنه جائز وأنه، أى الاجماع الثانى، اجماع يجب اتباعه (٦). والإباضية يقولون بالامتناع (٧). كما يرى ذلك أيضا ابن حزم الظاهرى (٨) وحجة القائلين بالامتناع: أن الأمة إذا اختلفت على القولين واستقر الخلاف فى ذلك بعد تمام النظر والاجتهاد، فقد انعقد إجماعهم على تسويغ الأخذ بكل واحد من القولين، وهم معصومون من الخطأ فيما أجمعوا عليه، فلو أجمع من بعدهم على أحد القولين على وجه يمتنع معه على المجتهد المصير إلى القول الآخر، مع أن الأمة مجمعة فى العصر الأول على جواز الأخذ به، ففيه تخطئة أهل العصر الأول فيما ذهبوا إليه، ولا يمكن أن يكون الحق فى جواز الأخذ بذلك القول والمنع من الأخذ به معا، فلا بد وأن يكون أحد الأمرين خطأ، أو يلزمه تخطئة أحد الإجماعين القاطعين وهو محال، فثبت أن إجماع التابعين على أحد قولى أهل العصر الأول يفضى إلى أمر ممتنع فكان ممتنعا لكن ليس هذا الامتناع عقليا، بل سمعيا (٩)، أما حجة القائلين بالجواز فهى وقوع ذلك

стр. 736

فعلا إذا اختلف الصحابة فى أشياء ذكروها ثم أجمع التابعون على أحد القولين المختلف فيهما ولا أدل على جواز الأمر وإمكانه من وقوعه فعلا. فقد اتفق الصحابة على قتال مانع الزكاة بعد اختلافهم فى ذلك إلى غير ذلك من الأمثلة وهناك مناقشة فى الأمثلة التى ذكرت لا نطيل بإيرادها (١). عدم سبق الخلاف المستقر من المجمعين موضوع هذه المسألة هو: هل يجوز اتفاق أهل العصر على الحكم بعد اختلافهم فيه وهى قريبة من المسألة السابقة، والفرق بينهما أن أهل الإجماع فى هذه المسألة هم الراجعون بأعيانهم عما أجمعوا عليه، والمخالفون لأنفسهم، فإن المخالفين هم أهل العصر الثانى إذا أجمعوا على خلاف إجماع من سبقهم. وحاصل الكلام فى هذه المسالة: أن الخلاف السابق إما أن يكون قد استقر بينهم بأن مضت مدة النظر والتأمل واستقر كل على ما رآه، وإما أن يكون غير مستقر بل هم فى فترة النظر وتقييد الرأى، فإذا استقر الخلاف بينهم على ما ذكرنا ثم بدا لهم أن يتفقوا على رأى واحد ويمنعوا من المصير إلى غيره ففى ذلك خلاف مبنى على مسألة انقراض العصر، أى موت المجمعين، فمن رأى اشتراطه فلا إشكال فى جواز اتفاقهم بعد اختلافهم، لأنه لم يتم الإجماع الأول فى نظره حتى تمتنع مخالفته، ومن لم يعتبر انقراض العصر شرطا، بل رأى أن الإجماع يتم منذ حصول الاتفاق ولا يحتاج تمامه إلى انقراض المجمعين، فإن هؤلاء اختلفوا فيما بينهم، فمنهم من جوزه واعتبره إجماعا بعد الخلاف وقال إنه يحسن أن يكون وذلك هو رأى جمهور أهل المذاهب (٢) وعليه أكثر الحنفية، والشافعية (٣)، والمالكية (٤)، والحنابلة (٥)، والزيدية (٦)، وابن حزم الظاهرى (٧)، ومنهم من منعه كالصيرفى (٨)، والإمام يحيى بن حمزة من الزيدية (٩)، وهو رأى الإباضية (١٠). وإذا لم يكن الخلاف مستقرا فهو، أى الإجماع، جائز من باب أولى عند من يقول بالجواز بعد الاستقرار. وقد اختار إمام الحرمين التفصيل، فإنه قال بعد حكاية الخلاف: والرأى الحق عندنا: أنه إذا لم يستقر الخلاف جاز وإلا فلا (١١). مسائل خلافية تتعلق بالإجماع فرض الأصوليون عدة مسائل تتعلق بالإجماع يدور فيها خلاف ينبنى على

стр. 737

ما سبق ذكره من أحكام الإجماع وشروطه، ونحن نعرض هذه المسائل مع الإيجاز فى أدلة المختلفين اكتفاء بالإشارة إلى ما ترجع إليه هذه الأدلة مما سبق: إذا اختلفوا على قولين أو أكثر فهل لمن بعدهم إحداث قول زائد قد يتكلم المجتهدون جميعهم فى عصر ما فى مسألة ثم ينتهى أمرهم إلى الاختلاف فيها على قولين مثلا فهل لمن يأتى بعدهم من المجتهدين إحداث قول ثالث فى تلك المسألة؟ وقبل أن نذكر الآراء فى الإجابة عن هذا السؤال ننبه إلى أمرين: أحدهما: أن المسألة مفروضة فيما إذا تكلم جميع المجتهدين فى عصر من العصور، لا فيما إذا تكلم بعضهم دون بعض. الثانى: أن العلماء يفرضون فى هذه المسألة اختلاف الناظرين إلى قولين وهم لا يريدون خصوص القولين بل لو اختلفوا على ثلاثة أقوال أو أكثر فإن الكلام يأتى فى القول الزائد على ثلاثة كما يأتى فى القول الزائد على قولين سابقين، ولهذا جعلنا عنوان هذه المسألة «إذا اختلفوا على قولين أو أكثر .. إلخ». بعد هذا نذكر أن العلماء فى الإجابة عن هذا السؤال لهم ثلاثة مذاهب: فمنهم من منعه مطلقا وهم الأكثرون كما قال الإمام الرازى وعليه أكثر الحنفية كما فى المنار وفى التيسير أنه قد نص عليه الإمام محمد والشافعى فى رسالته (١). وجزم به القفال والقاضى أبو الطيب الطبرى والرويانى والصيرفى وقال به بعض الزيدية منهم أبو طالب والمؤيد بالله فى أحد قوليه (٢). وممن يقول به الحنابلة (٣)، ودليلهم على ذلك يتلخص فى أن الأمة، أى المجتهدين كلهم فى عصر سابق، إذا اختلفوا على قولين فقد أجمعوا من جهة المعنى على المنع من أحداث قول ثالث، لأن كل طائفة توجب الأخذ بقولها أو بقول مخالفها (٤). ويحرم الأخذ بغير ذلك على اعتبار أنه يكون خرقا للإجماع، وفى ذلك مناقشة. ومنهم من جوزه مطلقا وعليه بعض الشيعة وبعض الحنفية وبعض أهل الظاهر وبعض الزيدية وهو الصحيح عند الإباضية ونسبه جماعة منهم القاضى عياض إلى داود وأنكر ابن حزم على من نسبه إلى داود (٥)، وحجتهم فى ذلك أن الذين تكلموا فى المسألة من قبل إنما هم مجتهدون يبحثون بحث المجتهدين ولم يصرحوا بتحريم القول الثالث، فليس أحداثه خرقا لاجماع سابق (٦).

стр. 738

وفى هذا مناقشة أيضا، ومنهم من فصل فقال: إن كان القول الثالث المحدث لم يرفع شيئا مما استقر عليه القولان الأولان جاز إحداثه لأنه لا محظور فيه، أى لأنه لم يخرق الإجماع المعنوى على القولين السابقين، وإن رفعه فلا يجوز لامتناع مخالفة الإجماع. مثال الأول: اختلافهم فى جواز أكل المذبوح بلا تسمية، فقال بعضهم: يحل مطلقا سواء كان الترك عمدا أو سهوا. وقال بعضهم: لا يحل مطلقا، فالتفصيل بين العمد والسهو ليس رافعا لشئ أجمع عليه القائلان الأولان بل هو موافق فى كل قسم منه لقائل. ومثال الثانى: الجد مع الإخوة، فقد قال بعضهم: المال كله للجد فى التركة، وقال بعضهم: الجد يقاسم الإخوة فقد اتفق القولان على أن للجد شيئا من المال فالقول بحرمانه وإعطاء المال كله للإخوة قول ثالث رافع لما أجمع عليه الأولان فلا يجوز. وبهذا التفصيل قال الإمام الرازى وأتباعه، واختاره الآمدى وابن الحاجب وروى عن الشافعى واختاره المتأخرون من أصحابه وهو المختار عند الزيدية وعليه المنصور بالله القاسم بن محمد والحسين ابنه صاحب هداية الطالبين فى أصول الزيدية وعليه أيضا الإمام مالك (١). إذا لم يفصلوا بين مسألتين فهل لمن بعدهم التفصيل إذا أجمع المجتهدون فى عصر ما بين مسألتين فى حكم واحد إما بالتحليل أو بالتحريم أو حكم بعض المجتهدين فيهما بالتحليل والبعض الآخر بالتحريم فهل يجوز لمن يأتى بعدهم أن يفرقوا بين هاتين المسألتين فى الحكم أو يعد ذلك خرقا لإجماع سبق؟ وهذه المسألة قريبة فى المعنى من التى قبلها فإن التفصيل بينهما بعد جمع السابقين لهما فى الحكم إحداث لقول ثالث فيهما ولأجل ذلك لم يفردها الآمدى ولا ابن الحاجب بل جعلاهما مسألة واحدة وحكما عليها بالحكم السابق، ولكن هناك فرقا بينهما وهو أن هذه المسألة مفروضة فيما إذا كان محل الحكم متعددا، وأما السابقة ففيما إذا كان متحدا (٢). وحاصل القول فيها: أن السابقين إن صرحوا بعدم الفرق بين المسألتين فلا يجوز الفصل بينهما فى الحكم، وصرحوا بأن هذا القسم لا نزاع فيه، وإن ظن بعضهم أن فيه خلافا، أما اذا لم ينص السابقون على عدم الفرق بينهما فى الحكم فهناك ثلاثة مذاهب كالمسألة السابقة (٣): ١ - قول بالجواز مطلقا. ٢ - وقول بالمنع مطلقا. ٣ - وقول بالتفصيل خلاصته: أنه إن اتحد الجامع بين المسألتين فلا

стр. 739

يجوز كتوريث العمة والخالة، فإن علة توريثهما عند من ورثهما أو عدم توريثهما عند من لم يورثهما هو كونهما من ذوى الأرحام، وكل من ورث واحدة أو منعها، قال فى الأخرى كذلك، فصار ذلك بمثابة قولهم: لا تفصلوا بينهما، وإن لم يتحد الجامع بينهما فيجوز، كما إذا قال بعضهم: لا زكاة فى مال الصبى ولا فى الحلى المباح. وقال بعضهم بالوجوب فيهما فيجوز الفصل، وسبب هذا التفصيل أن اتحاد الجامع فى المسألتين شبيه بما لو صرحوا بعدم الفرق فيكون التفصيل معه فرقا للإجماع. أما إذا لم يتحد الجامع فلا يظهر أن جمع الأولين بين المسألتين يدل على عدم الفرق ويكون بمثابة نص عليه ومن ثم جازت التفرقة لأنه لا خرق فيها لإجماع، وبهذا يتبين أن أصل القاعدة وهى أن أحداث قول ثالث فى المسألة الأولى أو تفصيل بين مسألتين فى الثانية أن استلزما خرقا للإجماع منعا، وإن لم يستلزما ذلك جازا، وأن الخلاف إنما هو فى تطبيق هذه القاعدة على جزئيات المسائل (١). إذا اختلفوا ثم ماتت إحدى الطائفتين فهل يصير قول الباقين إجماعا وحجة اختلف العلماء فى ذلك: فمنهم من قال: يصير قول الباقين إجماعا وحجة لأنه أصبح قول كل الأمة، وهذا هو الذى جزم به الإمام الرازى وأتباعه (٢). والأكثرون على أن قول الباقين لا يصير إجماعا لأن قول الذين ماتوا قائم بدليله، وإن مات أصحابه والمذاهب لا تموت بموت أصحابها، وإنما اعتبر خلاف المخالف لدليله لا لعينه (٣). ويقول الغزالى: إن الباقين ليسوا كل الأمة بالاضافة الى تلك المسألة لتى أفتى فيها الميت فإن فتواه لا ينقطع حكمها بموته (٤). هل يعتبر عدم العلم بالخلاف حكاية للإجماع قال الصيرفى: لا يكون إجماعا لجواز الاختلاف (٥)، وكذا قال ابن حزم فى الأحكام (٦). وقال بعض الشافعية: إذا قال لا أعرف بينهم خلافا فإن لم يكن من أهل الاجتهاد وممن أحاط بالإجماع والاختلاف لم يثبت الإجماع بقوله، وإن كان من أهل الاجتهاد، فاختلف أصحابنا فى إثبات الإجماع بقوله: والصحيح أنه لا يؤخذ الإجماع بقوله ولو كان مجتهدا، فإن الشافعى قال فى زكاة البقر: لا أعلم خلافا فى أنه ليس فى أقل من ثلاثين منها تبيع. والخلاف فى ذلك مشهور، فإن قوما يرون الزكاة على خمس كزكاة الإبل، وقال مالك فى موطئه وقد ذكر الحكم برد اليمين وهذا مما لا خلاف فيه بين أحد من الناس

стр. 740

ولا بلد من البلدان والخلاف فيه شهير، وكان عثمان رضى الله عنه لا يرى رد اليمين ويقضى بالنكول وكذلك ابن عباس، ومن التابعين الحكم وغيره وابن أبى ليلى وأبو حنيفة وأصحابه وهم كانوا القضاة فى ذلك الوقت، فإذا كان مثل الشافعى ومالك يخفى عليهما الخلاف، فما ظنك بمن هو أقل من منزلتهما علما واجتهادا «وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ١». هل الإجماع المنقول بطريق الآحاد حجة اختلف العلماء فى ذلك، فقال بعضهم: إنه حجة، لأن الإجماع دليل يجب العمل به فلا يشترط التواتر فى نقله كالسنة (٢). وإلى هذا ذهب الإمام الرازى والآمدى وابن الحاجب وهو المختار عند الحنفية (٣). وبه أيضا يقول المالكية (٤)، والحنابلة (٥) والإباضية (٦)، وهو المختار عند الزيدية (٧)، وأنكره بعضهم، لأن ما يجمع عليه يجب أن يشيع نقله ويتواتر من جهة العادة، وممن قال بذلك أبو عبد الله البصرى وبعض الحنفية والغزالى من الشافعية (٨). والقائلون بحجيته يعتبرونه ظنيا لا قطعيا ويوجبون العمل به لا العلم (٩). ما يكون الإجماع حجة فيه وما لا يكون قال الآمدى: ان المجمع عليه لا يخلو أما أن تكون صحة الإجماع متوقفة عليه، أو لا يكون كذلك، فإن كان الأول فالاحتجاج بالاجماع على ذلك الشئ يكون ممتنعا لتوقف صحة كل واحد منهما على الآخر، وهو دور، وذلك كالاستدلال على وجود الرب تعالى وصحة رسالة النبى ﵊ بالإجماع من حيث أن صحة الإجماع متوقفة على النصوص الدالة على عصمة الأمة عن الخطأ. وصحة النصوص متوقفة على وجود الإله المرسل، وكون محمد رسولا، فإذا توقف معرفة وجود الله ورسالة رسوله محمد على صحة الإجماع كان دورا. وإن كان من القسم الثانى فالمجمع عليه إما أن يكون من أمور الدين أو من أمور الدنيا فإن كان من أمور الدين فهو حجة مانعة من المخالفة إن كان قطعيا من غير خلاف عند القائلين بالإجماع، وسواء أكان ذلك المتفق عليه عقليا كرؤية الله لا فى جهة ونفى الشريك لله تعالى، أو شرعيا كوجوب الصلاة والزكاة ونحوها، وأما إن كان المجمع عليه من أمور الدنيا كالإجماع على ما يكون من الآراء فى الحروب، وترتيب الجيوش، وتدبير أمور الرعية فقد اختلف فيه قول القاضى عبد الجبار
следующие страницы →