المصنف المسألة بما اذا احرم منفردا لأنه اذا افتتحها فى جماعة فيجوز بلا خلاف لما قاله فى المجموع ومثله بما اذا احرم خلف جنب جاهلا ثم نقلها عند التبين اليه بظهره او الى غيره او أحدث امامه وجوزنا الاستخلاف فاستخلف، ولو قام المسبوقون او المقيمون خلف مسافر لم يجز أن يقتدى بعضهم ببعض على ما فى الروضة فى باب الجمعة من عدم جواز استخلاف المأمومين فى الجمعة اذا تمت صلاة الامام دونهم وكذا فى غيرها فى الأصح لأن الجماعة حصلت فاذا أتموها فرادى نالوا فضلها لكن المعتمد الجواز فى غير الجمعة كما صححه فى التحقيق وكما فى المجموع وصح فى الانتصار المنع وعده فى المهمات تناقضا وجمع غيره بينهما بأن الأول من حيث الفضيلة والثانى من حيث جواز اقتداء المنفرد بدليل أنه فى التحقيق قال واقتداء المسبوق بعد سلام امامه كغيره ثم بعد اقتداء المأموم بالامام فانه يتبعه وجوبا فيما هو فيه قائما كان أو قاعدا أو راكعا أو ساجدا وان كان على غير نظم صلاته لو لم يقتد به رعاية للمتابعة فان فرغ الامام أولا فهو كالمسبوق فيتم صلاته وان فرغ هو أولا فان شاء فارقه بالنيه وأن شاء انتظره ليسلم معه وانتظاره أفضل على قياس ما مر فى اقتداء الصبح بالظهر وما أدركه المسبوق مع الامام فأول صلاته وما يفعله بعد سلام امامه أخرها لقوله ﷺ «فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» متفق عليه واتمام الشئ لا يكون الا بعد اوله فان قيل فى رواية مسلم «صلى ما ادركت واقض ما سبقك» اجيب بان ذلك محمول على أصل الفعل كما فى قول الله ﵎: ﴿فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ﴾ (١) «وقول الله » ﴿فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ (٢) اذ الجمعة لا تقضى فلا يمكن حمل القضاء على الحقيقة الشرعية لانه عبادة عن فعل الصلاة خارج وقتها فيصير فى الباقى القنوت فى محله اذا صلى مع الامام الركعة الثانية من الصبح وقنت الامام فيها وفعله مع الامام مستحب للمتابعة ولو ادرك ركعة من المغرب مع الامام وأراد ان يتم صلاته تشهد فى ثانيته ندبا لانها محل تشهده الاول وتشهده مع الامام للمتابعة وهذا اجماع منا ومن المخالف وهو حجة لنا على ان ما يدركه أول صلاته فان قيل لو أدرك ركعتين مع الامام من الرباعية وفاتته قراءة السورة فيهما فانه يقرؤها فى الاخيرتين أجيب بأنه انما سن له ذلك لئلا تخلو صلاته منها، وان ادركه أى المأموم الامام راكعا ادرك الركعة لخبر من ادرك ركعة من الصلاة قبل أن يقيم الامام صلبه فقد أدركها «رواه الدارقطنى وصححه ابن حبان فى كتابه المسمى وصف الصلاة بالسنة وظاهر كلام المصنف انه يدرك الركعة سواء أتم الامام الركعة فأتمها معه أم لا كأن احدث فى اعتداله وسواء أقصر المأموم فى تحرمه حتى ركع الامام ثم أحرم أم لا كما صرح به الامام وغيره وهو كذلك وحكى ابن الرفعة عن بعض شروح المهذب أنه اذا قصر فى التكبير حتى ركع الامام لا يكون مدركا للركعة قلت بشرط ان يطمئن يقينا قبل ارتفاع الامام عن أقل الركوع والله أعلم. وجاء بعد ذلك تفصيل الكلام على ما يفوت المسبوق وما يفعل
стр. 6967
به وأحواله فى تفصيلات كثيرة تنظر فى مصطلح «مسبوق».
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع ان القدوة تنقطع لعذر مبيح ترك الجماعة كتطويل امام وكمرض وكغلبة نعاس أو غلبة شئ يفسد صلاة المأموم كمدافعة احد الاخبثين أو خوف على أهل او خوف على مال أو خوف فوت رفقه أو خروج المأموم من الصف مغلوبا لشدة زحام ولم يجد من يقف معه أو نحو ذلك من الأعذار فأنه فى كل ذلك يصح انفراد المأموم وقطع القدوة ويتم المأموم صلاته منفردا لحديث جابر رضى الله تعالى عنه قال: صلى معاذ بقوم فقرأ سورة البقرة فتأخر رجل فصلى وحده فقيل له قد نافقت، قال: ما نافقت ولكن لآتين رسول الله ﷺ فأخبره فاتى النبى ﷺ فذكر ذلك فقال النبى ﷺ لمعاذ: أفتان أنت يا معاذ. أفتان أنت يا معاذ - متفق عليه وكذلك تنقطع القدوة لو نوى الامام الانفراد لعذر ومحل اباحة المفارقة لعذر ان استفاد من فارق - لتدارك شئ يخشى فوته أو غلبة نعاس أو خوف ضرر ونحوه بمفارقته امامه تعجيل لحوقه لحاجته قبل فراغ امامه من صلاته ليحصل مقصوده من المفارقة فان كان الامام يعجل ولا يتميز انفراده عنه بنوع تعجيل لم يجز له الانفراد لعدم الفائدة فيه وأما من عذره الخروج من الصف فله المفارقة مطلقا لأن عذره خوف الفساد بالفذية وذلك لا يتدارك بالسرعة فان زال العذر والمأموم فى الصلاة فله الدخول مع الامام فيما بقى من صلاته ويتمه معه ولا يلزمه الدخول معه فان فارق المأموم لعذر مما تقدم فى قيام قبل قراءة الامام الفاتحة قرأ المأموم لنفسه لصيرورته منفردا قبل سقوط فرض القراءة عنه بقراءة الامام ان فارقة المأموم بعدها أى بعد قراءة الفاتحة فله الركوع فى الحال لان قراءة الامام قراءة للمأموم وان فارقه فى اثنائها أى فى اثناء القراءة يكمل ما بقى من الفاتحة لما تقدم وان كان فى صلاته كظهر وعصر أو فى الاخيرتين من العشاء مثلا وفارق الامام لعذر بعد قيامه وظن ان امامه قرأ لم يقرأ أى لم تلزمه القراءة اقامة للظن مقام اليقين قال صاحب كشاف القناع (١) والاحتياط القراءة فان فارق المأموم الامام العذر فى ثانية الجمعة وقد ادرك الاولى معه أتم جمعة لأن الجمعة تدرك بركعة وقد ادركها مع الامام فان فارقه فى الركعة الاولى من الجمعة فكمزحوم فيها حتى تفوته الركعتان يتمها نفلا ثم يصلى الظهر. اما قطع القدوة لغير عذر فلا يجوز. فقد جاء فى كشاف القناع: وان كان انفراد الماموم عن الامام لغير عذر لم يصح لقول النبى ﷺ : لا تختلفوا على ائمتكم ولانه ترك متابعة امامه وانتقل الأعلى الى الأدنى بغير عذر اشبه ما لو نقلها الى النفل او ترك المتابعة من غير نية الانفراد وجاء فى هداية الراغب (٢): انه قال: وتبطل صلاة مؤتم ان انفرد
стр. 6968
أى نوى الانفراد بلا عذر يبيح ترك الجماعة وجاء فى الكشاف: ان سبق الماموم الحدث أو فسدت صلاته لعذر أو غيره صار الامام منفردا نوى الانفراد او لم ينوه ويتم صلاته منفردا قال فى الفروع: واذا بطلت صلاة المأموم اتمها امامه منفردا قطع به جماعة لانها لا ضمنها ولا متعلقة بها بدليل سهوه وعلمه بحدثه وعنه تبطل وذكره فى المغنى قياس المذهب (١).
مذهب الظاهرية:
قال ابن حرم فى المحلى (٢): من طول عليه الامام تطويلا يضربه فى نفسه او فى ضياع ما له فله ان يخرج عن امامته ويتم صلاته لنفسه ويسلم وينهض لحاجته لحديث معاذ رضى الله تعالى عنه حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا أحمد ابن فتح حدثنا عبد الوهاب بن عيسى حدثنا أحمد ابن محمد حدثنا أحمد بن على حدثنا مسلم بن الحجاج حدثنا ابن عيينة عن ابن دينار عن جابر بن عبد الله قال:
كان معاذ يصلى مع النبى ﷺ ثم يأتى فيؤم قومه فصلى ليلة مع النبى ﷺ العشاء ثم اتى قومه فأمهم فافتتح بسورة البقرة فانحرف رجل فسلم ثم صلى وحده وانصرف فقالوا له: أنا فقت يا فلان قال لا والله ولآية رسول الله ﷺ فلأخبرنه، فأتى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله انا اصحاب نواضح نعمل بالنهار وان معاذا صلى معك العشاء ثم أتى فأفتح بسورة البقرة فأقبل رسول الله ﷺ فقال: يا معاذ أفتان أنت؟ اقرأ بكذا واقرأ بكذا، وفى رواية اخرى انه أمر، بسورتين من أوسط المفصل، قال ابن حزم:
وهذا اجماع من الصحابة رضى الله تعالى عنهم مع النص.
مذهب الزيدية:
جاء فى البحر الزخار (٣): ان المأموم اذا سبق الامام بالتسليم بطلت ولو لعذر للمخالفة قال البعض لا ان كان لعذر لقول على ﵇ به وهو توقيف وقوله ﵌، فاذا قعدت فقد تمت صلاتك، قلنا قاله على اجتهاد، والخبر متأول. واذا تأخر المأموم بركن واحد لم تفسد لمشقة الاحتراز، وبركنين متواليين فعليين تفسد للمخالفة لا ذكر بين كالتكبير والقراءة. لقوله ﵌ «من ادرك الركوع وروى عن زيد بن على عن أبيه عن جده عن على ﵇ أنه قال «اذا أدركت الامام وهو راكع فركعت معه فاعتد بتلك الركعة فاذا ادركته ساجدا فسجدت معه فلا تعتد بتلك السجدة انتهى، وليس من كلام النبى ﷺ لكن فى الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله ﵌ قال:
من ادرك ركعة من الصلاة مع
стр. 6969
الامام فقد أدرك الصلاة ولا التسليمتين اذ هما تحليل وخروج ولا بعدهما ما تجب المتابعة فيه ولا تفسد على المؤتم بفسادها على امامه بأى وجه ان لم يتابعه بعد الفساد قال البعض الا الاغماء فتفسد عليهم كما لو ائتموا بمجنون اذ يحدث قليلا قليلا قلنا: لا نسلم قال البعض تفسد عليهم بتعمده الحدث لتعلقها بصلاته قلنا تعلق متابعة فيما صح دون ما فسد للخبر من قوله ﷺ يصلون لكم قال البعض تفسد عليهم بلحنه اذ قراءته قراءة لهم. قلنا تحملا فقط قال البعض تفسد عليهم بفسادها عليه مطلقا.
ولنا قوله ﷺ وما فسد فعليكم دونهم «الخبر» ولا يؤتم (١) بمن عرف حدثه اجماعا قال البعض فان جهل اعيدت كما لو انكشف كافرا او امرأة قال البعض لا اذ لم يأمر ﵌ من افتتح معه يوم نسى الجنابة بالاعادة، بل قال على رسلكم قلت: لعله أمرهم بالبقاء فى الصف. قالوا قال: اذا سها الامام فصلى بقوم وهو جنب فقد قضيت صلاتهم ثم يغتسل هو ويعيد قلت يعنى اذا علم ولم يعلموا قالوا قال:
انكم تصلون بهم فما صلح فلكم ولهم وما فسد فعليكم دونهم. قلت: يعنى اذا لم يعملوا قال الامام ان علم الامام بحدثه اعادوا والا صحت، اذ هو معذور. لنا ما مر. وقيل ان كان جنابة أعادوا، واذ هى أغلظ قلنا العلة الحدث.
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية: (٢) أنه لو تبين للمأموم عدم الاهلية من الامام للامامة بحدث أو فسق او كفر فى الاثناء انفرد حين العلم وبعد الفراغ لا اعادة على الاصح مطلقا للامتثال وقيل يعيد فى الوقت لفوات الشرط، وجاء فى مستمسك العروة الوثقى (٣): أنه يجوز العدول من الائتمام الى الانفراد ولو اختيارا فى جميع أحوال الصلاة على الاقوى وان كان ذلك من نيته فى اول الصلاة لكن الاحوط عدم العدول الا لضرورة ولو دنيوية. واذا نوى الانفراد بعد قراءة الامام قبل الدخول فى الركوع لا يجب عليه قراءة بل لو كان فى اثناء القراءة يكفيه بعد نية الانفراد قراءة ما بقى منها وان كان الاحوط استئنافها خصوصا اذا كان فى الاثناء، واذا ادرك الامام راكعا يجوز له الائتمام والركوع معه ثم العدول الى الانفراد اختيارا وان كان الاحوط ترك العدول حينئذ خصوصا اذا كان ذلك من نيته أولا، واذا نوى الانفراد بعد قراءة الامام واتم صلاته فنوى الاقتداء به فى صلاة اخرى قبل ان يركع الامام فى تلك الركعة أو حال كونه فى الركوع من تلك الركعة جاز ولكنه خلاف الاحتياط، ولو نوى الانفراد فى الاثناء لا يجوز له العود الى الائتمام نعم لو تردد فى الانفراد وعدمه ثم
стр. 6970
عزم على عدم الانفراد صح بل لا يبعد جواز العود اذا كان بعد نية الانفراد بل فصل وان كان الاحوط عدم العود مطلقا ولو شك فى انه عدل الى الانفراد ام لا بنى على عدمه.
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل (١): وإن حدث للمأمومين اثناء الصلاة مرض منعهم من القيام صلوا قعودا فان صلوا مضطجعين افترقوا مع امامهم واتموا فرادى وقيل يعيدون لان السنة جاءت بصلاة المأموم خلف الامام قائما او قاعدا لا مضطجعا وقيل يصلون معه مضطجعين لان الاضطجاع حدث لهم بعد الدخول فى الصلاة فجاز لهم اتمامها مضطجعين واذا استراحوا من ايماء قاموا وركعوا وسجدوا معه وان اضطجع الامام اتموا فرادى وقيل يعيدون وقيل فيمن صلى قائما او قاعدا ثم اضطجع لعذر ثم استراح فأطاق القعود او القيام انه يستأنف والصحيح البناء وجاء فى موضع آخر (٢) وان مات الامام اثناء الصلاة فسدت على المأمومين وجاء فى موضع آخر: وان غشى على الامام أثناء صلاته بالقوم فوقع فقام مضى على صلاته وان حدث له الصراع فسدت عليه وعلى المأمومين وقيل يمضون ولا يستقبلوه وقيل تفسد ولو لم يصل الارض عليه قيل وعليهم وان حدث الامام بما لا يبنى معه من نجس أو عمل او غيرهما مما يفسدها انتقضت على من خلفه وفى هذه الحالة يجب على الامام ان يرفع صوته ويسمع من اقتدى به بانها فسدت صلاته حتى يسمعوا، وان صلى الامام بمن اقتدى به بجنابة او بلا وضوء او بثوب نجس أو فى مكان نجس ثم علم بالجنابة أو غيرها بعد الفراغ من الصلاة فسدت على من اقتدى به فى الجنابة عند الاكثر وقيل لا تفسد ولو فى الجنابة ويعيدون ولو خرج الوقت وان غابوا رجح القول بأنه يجب على الامام اعلام المقتدين به بكتابة او غيرها أن يعيدوا وقيل لا يجب على الامام اعلام المأمومين وقيل لا تفسد على المأمومين اذا علموا بعد افتراق الصف وقيل يعيدون ما لم يخرج الوقت وهل تفسد على المأمومين بالاخيرين وهما عدم الوضوء والثوب النجس ومثلهما الموضع النجس مطلقا كالجنابة فى قول الاكثرين فيها أولا مطلقا او تفسد ان تعمد الامام أو ان لم يخرج الوقت او ان لم تفترق صفوف المأمومين ان كانوا فى فحص او لم يخرجوا من باب المسجد او باب البيت ان كانوا فيه وان خرج واحد أو فارق واحد فسدت عليهم وذلك ان يخبرهم الامام بما فعل ويأخذون لانفسهم قولا وهذا أولى من ان يأخذ لهم فيجرى لهم على مقتضى مأخوذ فى الاخبار وعدمه واذا كان الفرق بين العمد وعدمه أخبرهم بالعمد ان كان وأخبرهم بالتوبة او دبر لهم كما يعيدون بلا اخبر بعمد سترا على نفسه أقوال وان علم (٣)
стр. 6971
بذلك من الجناية او غيرها فى أثنائها اى داخل الصلاة فسدت على الكل اى على الامام والمأمومين خلافا لا اتفاقا كما قيل فان من قال صلاة المأموم غير مرتبطة بصلاة الامام يقول لا تفسد صلاتهم ولو دخل فيها من اول الامر كما لا يجوز ان لم يعلموا الا ان اراد اتفاق المغاربة هنا أو اتفاق من قال انها مرتبطة بصلاة الامام ولزم المأمومين قبول قول الامام ذلك المذكور من علمه بفسادها فى أثنائها بان يخبرهم ومن ذكره انه صلى بجنابة أو بنجس وان بان شرك الامام أعادوا ولو خرج الوقت وقيل لا ان خرج الوقت فلا اتفاق ولو ادعاه ابن بركة الا ان اراد اتفاق الاصحاب وان لم يصدقوا الامام فى اقراره بالشرك أو الجنابة وغيرها لم يعيدوا قال فى التاج ان أحدث فيها بمفسد او كان قبلها ولم يعلم ثم علم فى الصلاة خرج وبنوا بآخر أو فرادى والاكثر منا على هذا وقيل تفسد لارتباطها به والمختار الاول وقيل لا تفسد الا من فى قفا الامام ولو كان الامام جنبا، وجاء فى شرح النيل (١): وان حال بين قوم وامامهم مانع كنجس وغيره مما يفسد الصلاة من ركوع وسجود تحولوا يمينا أو شمالا او خلفا واذا كان التحول يمينا أو شمالا فلابد ان يكون بعضهم على قفا الامام فيصفون خلف من هم على قفاه جانبا ان امكنهم فان لم يجدوا تحولا حتى سبقهم بعمل أعادوا على قدر اختلافهم فى العمل وذلك اذا حدث لهم المانع والذى عندى ان يستدركوا واما ان دخلوا عليه فلا صلاة لهم فان أحرم عليهم كذلك فسدت على الامام وان كان منع الركوع والسجود مما لا يفسدها كهدم يقع قدامهم لعذر كماء أو طين أوموءا قياما بالكسر والتخفيف جمع قائم وكذا الامام ان كان له ذلك المانع يومئ والفرق بين هذه المسئلة والتى قبلها ان نحو النجس قدام المصلى بينه وبين مسجده أو فى مسجده مفسد للصلاة ولو صلى قائما موميا لانه لو سجد لكانت تحت وجهه أو داخل اليه فلا يجزيهم الا التحول بخلاف نحو الماء والطين فيجزى الايماء أو قعودا
اقتراض
التعريف فى اللغة:
الاقتراض مصدر فعله اقترض المزيد بالهمزة والتاء فأصل مادته قرض. قال صاحب لسان العرب: القرض القطع، وجاء فى القاموس المحيط: قرض فلان فلانا يقرضه قطعه وجازاه كقارضة. والقرض بفتح القاف وكسرها ما أسلف الانسان من أساءة أو احسان وما يقدم من عمل يلتمس عليه الجزاء، وما تعطيه غيرك من مال على أن يرده اليك. قال الله تعالى:
«وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً ٢» والعرب تقول لكل من فعل اليه خيرا: قد احسنت قرضى، وقد اقرضتنى قرضا حسنا، وفى الحديث:
أقرض من عرضك ليوم فقرك. يعنى: اذا نال عرضك رجل فلا تجازه ولكن استبق اجره موفرا لك قرضا فى ذمته لتأخذه منه يوم حاجتك اليه. ذكر سيبويه ان من المعانى التى يأتى لها الفعل الثلاثى على وزن افتعل التصرف باجتهاد ومبالغة وتعمل فى تحصيل اصل الفعل (٣)،
стр. 6972
فيكون معنى اقترض اجتهد فى تحصيل القرض وقال صاحب القاموس: اقترض منه اخذ القرض، ويقال: استقرض من فلان طلب منه القرض وفى حديث النبى ﷺ أنه حضره الاعراب وهم يسألونه عن أشياء:
أعلينا حرج فى كذا، فقال عباد الله رفع عنا الحرج الا من اقترض أمرأ مسلما، وفى رواية الا من اقترض عرض مسلم. أراد بقوله اقترض أمرأ مسلما: أى قطعه بالغيبة والطعن عليه ونال منه (١).
التعريف فى اصطلاح الفقهاء:
مذهب الحنفية:
جاء فى البحر الرائق: أن القرض اعارة وصلة فى الابتداء ومعارضة فى الانتهاء وجاء فى حاشية ابن عابدين على الدر المختار ان القرض شرعا ما تعطيه من مثلى لتتقاضى مثله، او هو عقد مخصوص بلفظ القرض ونحوه يرد على دفع مال مثلى لآخر ليرد مثله له (٢).
مذهب المالكية:
جاء فى بلغة السالك أن القرض اعطاء متمول فى نظير عوض مثماثل صفة وقدرا للمعطى فى الذمة لنفع المعطى فقط (٣). وجاء فى شرح منح الجليل على مختصر خليل أن القرض شرعا دفع متمول فى مثله غير معجل لنفع آخذه فقط لا يوجب عارية ممتنعة أفاده ابن عرفه رحمه الله تعالى
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج أن الاقراض هو تمليك الشئ برد مثله (٤).
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى ان القرض نوع من السلف (٥). وجاء فى كشاف القناع أن القرض شرعا دفع مال ارفاقا لمن ينتفع ويرد بدله.
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى ان القرض فعل خير وهو ان تعطى انسانا شيئا بعينه من مالك تدفعه اليه ليرد عليك مثله إما حالا فى ذمته وإما إلى أجل مسمى (٦).
стр. 6973
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الازهار أن القرض مشتق من القطع لما كان المقرض يقطع قطعة من ماله للمستقرض (١).
مذهب الإمامية:
جاء فى مفتاح الكرامة ان القرض كل مال لزم فى الذمة بعقد عوضا عن مثله (٢).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل أن الدين هو ما ترتب فى الذمة بمعاملة فدخل القرض والسلم.
وقال الفخر الرازى القرض ليس من الدين وتعريفه الخاص: ما ترتب بمعاملة من الاثمان فى الذمة الى أجل فى مقابلة مثمن مخالف له (٣).
حكم الاقراض
مذهب الحنفية:
جاء فى المبسوط (٤) أن الاقراض جائز مندوب اليه لقول النبى ﷺ القرض مرتين والصدقة مرة ولقوله ﷺ الصدقة بعشر امثالها والقرض بثمانية عشر
مذهب المالكية:
جاء فى بلغة السالك وشرح منح الجليل على مختصر خليل أن القرض مندوب اليه فى الاصل لانه من التعاون على البر والمعروف وقد يعرض له ما يوجبه كالقرض لتخليص مستهلك او كاضطرار اليه لحفظ نفس أو مال ممن زاد عن حاجته، وقد يعرض له ما يجعله مكروها كالقرض ممن له فى ماله شبهة او كالاستعانة بالقرض على مكروه، وقد يعرض له ما يجعله حراما كاقتراض من جارية تحل للمقترض أو كالاستعانة به على معصية. قال صاحب منح الجليل: وتعسر اباحته لانه معروف (٥).
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج ان الاقراض مندوب اليه، مستحب وهو من السنن المتأكدة للآيات الكثيرة والاخبار الشهيرة كخبر مسلم رضى الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: من نفس عن اخيه كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، والله فى عون العبد ما دام العبد فى عون اخيه وصح خبر: «من اقرض الله مرتين كان له مثل أجر أحدهما لو تصدق به» وروى البيهقى رضى
стр. 6974
الله تعالى عنه أن النبى ﷺ قال قرض الشئ خير من صدفته وذلك لامتيازه عنها بأنه يصون ماء وجه من لم يعتد السؤال عن بذله لكل احد بخلاف الصدقة. وقد يعرض للقرض ما يجعله واجبا كما لو كان المقترض مضطرا وقد يعرض له ما يجعله حراما كما لو ظن المقرض ان آخذه سوف ينفقه فى معصيته وقد يعرض له ما يجعله مكروها وذلك اذا علم المقرض أو ظن ان المقترض سوف ينفقه فى مكروه. ويحرم على غير مضطر ان يقترض ان لم يرج وفاءه من سبب ظاهر ما لم يعلم المقرض بحاله، ويحرم على من أخفى غناه واظهر فاقته، ويؤخذ من ذلك ان المقرض لو علم حقيقة أمره لم يقرضه، ومن ثم لو علم المقترض أن ما يقرضه لنحو صلاحه أو علمه وهو فى الباطن بخلاف ذلك حرم عليه الاقتراض أيضا كما هو ظاهر (١).
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى والشرح الكبير: ان القرض جائز بالسنة والاجماع، أما السنة فقد روى رافع رضى الله تعالى عنه أن النبى صلّى الله وسلم استسلف من رجل بكرا فقدمت على النبى ﷺ ابل الصدقة فأمر أبا رافع ان يقضى الرجل بكره فرجع اليه أبو رافع فقال يا رسول الله لم أجد فيها الا خيارا رباعيا، فقال اعطه فأن خير الناس احسنهم قضاء، رواه مسلم، وعن ابن مسعود رضى الله تعالى عنه أن النبى ﷺ قال: ما من مسلم يقرض مسلما قرضا مرتين الا كان كصدقة مرة، وأجمع المسلمون على جواز القرض. والقرض مندوب اليه فى حق المقرض مباح للمقترض لما روينا من الأحاديث، ولما روى أبو هريرة رضى الله تعالى عنه أن النبى ﷺ قال:
من كشف عن مسلم كربة من كرب الدنيا كشف الله عنه كربة من كرب يوم القيامة والله فى عون العبد ما دام العبد فى عون أخيه «وليس بمكروه فى حق المقرض قال أحمد رحمه الله تعالى: ليس القرض من المسألة - يعنى ليس بمكروه - وذلك لأن النبى ﷺ كان يستقرض بدليل حديث أبى رافع ولو كان مكروها لكان أبعد الناس منه، ولأنه انما يأخذه بعوضه فأشبه الشراء بدين فى ذمته.
قال ابن ابى موسى رحمه الله تعالى: لا احب أن يتحمل بأماتته من ليس عنده يعنى ما لا يقدر على وفائه. ومن اراد ان يستقرض فليعلم من يسأله القرض بحاله ولا يغره من نفسه الا أن يكون الشئ اليسير الذى لا يتعذر رد مثله قال احمد رحمه الله تعالى: اذا اقترض لغيره ولم يعلمه بحاله لم يعجبنى، وقال: ما احب أن يقترض بجاهه لاخوانه، قال القاضى يعنى اذا كان من يقترض له غير معروف بالوفاء لكونه تغريرا بمال المقرض واضرارا به أما اذا كان معروفا بالوفاء لم يكره لكونه اعانة له وتفريجا لكربته (٢).
стр. 6975
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أن القرض فعل خير وهو مجمع عليه (١).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الازهار ان القرض من القرب المؤكدة، وفيه أخبار كثيرة، وقد يجب على كل من المقرض والمستقرض وذلك عند الضرورة الشديدة مثل التلف والضرر، وفيه كشف كربة وقد قال النبى صلّى الله عليه وسله: من كشف عن مسلم كربة من كرب الدنيا كشف الله عنه كربة من كرب الآخرة وعنه ﷺ من أقرض أخاه المسلم قرضا كتب الله له بكل مثقال ذرة منه كل يوم ألف حسنة، وروى عنه ﷺ من استقرض قرضا فهم بأدائه حتى يؤديه فى عافية وراحة كتب من المفلحين وكتب له براءة من النار (٢).
مذهب الإمامية:
جاء فى مفتاح الكرامة أن القرض فيه فضل كثير، وهو مندوب اليه مرغب فيه اجماعا كما فى التذكرة بل استحبابه ضرورى فقد روى عن النبى ﷺ أنه قال: من شكى اليه أخوه المسلم فلم يقرضه حرم الله عليه الجنة يوم يجزى المحسنين. وهو افضل من الصدقة بمثل ذلك الشئ (٣).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل ان القرض سنة جارية بين الناس وهو من المعروف فيما بينهم ومن احتاج اليه أخوه المسلم فى قرض ولم يقرضه وهو يقدر عليه لم يدخل حظيرة الفردوس، وروى أن النبى ﷺ دان واستقرض (٤).
صفة عقد القرض واركانه
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع أن ركن القرض هو الايجاب والقبول. والايجاب ان يقول المقرض أقرضتك هذا الشئ أو خذ هذا الشئ قرضا ونحو ذلك، والقبول هو أن يقول المستقرض استقرضت أو قبلت أو رضيت أو ما يجرى هذا المجرى. وهذا قول محمد رحمه الله تعالى وهو احدى الروايتين عن أبى يوسف رحمه الله تعالى، وروى عن أبى يوسف رواية أخرى أن الركن فيه الايجاب، واما القبول فليس بركن حتى لو حلف لا يقرض فلانا فأقرضه ولم يقبل لم يحنث عند محمد رحمه الله تعالى وهو احدى الروايتين عن أبى يوسف لأن الواجب فى ذمة المستقرض بكسر الراء - مثل المستقرض - بفتح الراء - فلهذا اختص جوازه بما له مثل فأشبه البيع فكان القبول
стр. 6976
ركنا فيه كما فى البيع. وفى رواية اخرى عن ابى يوسف رحمه الله تعالى أنه يحنث لان الاقراض اعارة والقبول ليس بركن فى الاعارة وروى عن ابى يوسف فيمن حلف لا يستقرض من فلان فاستقرض منه فلم يقرضه أنه يحنث لأن شرط الحنث هو الاستقراض وهو طلب القرض كالاستيام فى البيع وهو طلب البيع، فاذا استقرض فقد طلب القرض فوجد شرط الحنث فيحنث (١).
مذهب المالكية:
جاء فى حاشية الدسوقى على الشرح الكبير أن أخذ الشئ - سواء كان عرضا أو حيوانا - فى مثله صفة وقدرا يكون قرضا، سواء كان وقع بلفظ البيع أو بلفظ السلم او بلفظ غيرهما كقرض أو السلف أو الاطلاق وهذا بالنسبة للعرض والحيوان اما اذا كان طعاما أو نقدا فلا يكون قرضا الا اذا وقع بلفظ القرض أو بلفظ السلف، فان وقع بلفظ البيع أو بلفظ السلم أو أطلق فانه لا يكون قرضا وذلك كما لو قال شخص لآخر: أبيعك هذا الدينار بدينار لشهر أو أبيعك هذا الاردب من القمح باردب من القمح لشهر، أو قال: أسلمك هذا الدينار فى دينار لشهر او أسلمك هذا الاردب فى اردب مثله لشهر فانه يمتنع. وكذا لو اطلق كأن قال: خذ هذا الدينار فى دينار آخذه منك بعد شهر، أو قال: خذ هذا الاردب من القمح وآخذه منك بعد شهر أردبا. قال الدسوقى قال شيخنا: ويعمل بالقرائن عند الاطلاق، فاذا لم يسموا شيئا وتعورف أنه اذا دفع دراهم فى مثلها يكون قرضا كان ذلك جائزا لا ممنوعا (٢).
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج: أن صبغة القرض أشياء منها اقرضتك أو أسلفتك كذا أو أسلفتك هذا أو خذه بمثله ولو متقوما اذا ذكر المثل فيه نص فى مقصود القرض لأن وضعه على رد المثل صورة وبه فارق جعلهم «خذه بكذا» كتابة فى البيع، ومن صيغ القرض كذلك أن يقول: ملكتك هذا على أن ترد بدله أو خذه ورد بدله أو اصرفه فى حوائجك ورد بدله. فان قال له: خذه فانه يكون كناية عن الاقراص اذا كان قد سبقه قول المقترض أقرضنى، والا فهو كناية عن هبة. ويشترط فى غير القرض الحكمى قبوله فى الاصح كسائر المعاوضات ولهذا اشترط فيه شروط البيع فى العاقدين والصيغة كما هو ظاهر حتى موافقة القبول للايجاب، فلو قال: أقرضتك ألفا فقبل خمسمائة أو بالعكس لم يصح، وما اعترض به من وضوح الفرق بأن المقرض متبرع فلم يقدح فيه قبول بعض المسمى ولا الزيادة عليه .. هذا الاعتراض رد بمنع اطلاق كونه متبرعا كيف ووضع القرض انه تمليك الشئ برد مثله فساوى البيع اذ هو تمليك الشئ
стр. 6977
بثمنه فكما اشترط ثم الموافقة فكذا هنا، وكون القرض فيه شائبة تبرع لا ينافى ذلك لان المعاوضة فيه هى المقصودة، والقائل بأنه غير معاوضة هو مقابل الأصح، ومن ثم قال جمع: ان الايجاب فيه غير شرط أيضا وأختاره الأذرعى رحمه الله تعالى، وقال قياس جواز المعاطاة فى البيع جوازه هنا. أما القرض الحكمى فلا يشترط فيه صيغة كاطعام جائع وكسوة عار وانفاق على لقيط، ومنه أمر غيره باعطاء ما له غرض فيه كأعطاء شاعر او ظالم أو اطعام فقير، وكبع هذا وانفقه على نفسك بنية القرض ويصدق فيها (١).
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى ان عقد القرض يصح بلفظ السلف والقرض لورود الشرع بهما وبكل لفظ يؤدى معناهما مثل أن يقول: ملكتك هذا على أن ترد على بدله، أو توجد قرينة دالة على ارادة القرض فان قال: ملكتك ولم يذكر البدل ولا وجد ما يدل عليه فهو هبة، فان اختلفا فالقول قول الموهوب له لان الظاهر معه لأن التمليك من غير عوض هبة. وحكمه فى الايجاب والقبول حكم البيع (٢).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أن الأسماء كلها توقيف من الله تعالى، لا سيما أسماء احكام الشريعة التى لا يجوز فيها الاحداث، ولا تعلم الا بالنصوص قال الله تعالى: «وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاّ ما عَلَّمْتَنا﴾ (٣) وقال : «إِنْ هِيَ إِلاّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ ٤» ولا خلاف فى أن أمرءا لو قال لآخر: أقرضنى هذا الدينار واقضيك دينارا الى شهر كذا ولم يحدد وقتا فأنه حسن وأجر وبر، وعندنا أنه ان قضاه دينارين أو نصف دينار فقط ورضى كلاهما فحسن، ولو قال له:
بعنى هذا الدينار بدينار الى شهر، ولم يسم اجلا فانه ربا وأثم وحرام وكبيرة من الكبائر والعمل واحد وانما فرق بينهما الاسم فقط (٥) أى أن الظاهرية لا يعتبرون القرض الا ما كان بلفظ القرض الذى سمى به ثم ان كان القرض الى أجل فقرض على المقرض والمستقرض أن يكتباه، وأن يشهدا على ذلك عدلين فصاعدا أو أن يشهدا عليه رجلا وامرأتين عدولا فصاعدا فان كان ذلك فى سفر ولم يجدا كاتبا فان شاء الذى له الدين أن يرتهن به رهنا فله ذلك وان شاء أن لا يرتهن فله ذلك وليس يلزمه شئ من ذلك فى الدين الحال، لا فى السفر ولا فى الحضر. برهان ذلك قول الله ﵎: «يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه» الى قوله تعالى ولا تسأموا ان تكتبوه صغيرا أو كبيرا الى أجله» الى قوله تعالى
стр. 6978
﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ» الى قوله تعالى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ» (١).
وليس فى أمر الله تعالى الا الطاعة (٢).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الازهار وحواشيه نقلا عن البحر أن صيغة عقد القرض هى اقرضتك أو أعطيتك أو خذ هذا بمثله أو خذ هذا قرضا وفى اعتبار القبول وجهان أصحهما انه لا يفتقر الى القبول اذا قبض كالاذن بالاتلاف اذ ليس معاوضة محضة والوجه الثانى أنه متى قبضه المستقرض ملكه اذ له فيه بعد كل تصرف كالهدية، وقيل: لا يكفى القبض حتى يتصرف فيه ببيع أو هبة أو اتلاف او تلف فى يده اذ للمستقرض أن يرده عقيبه فلم يكن رضاء قلت: انما يلزم قبول الرد لوجوب قبول الايفاء كما لو رد مثله. وقيل: بل هو جائز من جهة المستقرض اذ لا عقد هناك يلزم، واما المقرض فلا يجوز له ان يرجع فى العين لانها خرجت عن ملكه بقبض المستقرض وقيل: له ان يرجع ايضا مهما بقيت العين.
وجاء فى حواشى شرح الازهار أن الاولى أن القرض لا يحتاج الى ايجاب وقبول بل يصح من دونهما بما يفيده عرفا، وقد ذكر معناه فى المعيار، وفائدة القبول ان المقرض ليس له الرجوع (٣).
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية: أن صيغة القرض اقرضتك أو انتفع به أو تصرف فيه أو مكنك أو اسلفتك أو خذ هذا أو اصرفه وعليك عوضه وما أدى هذا المعنى لانه من العقود الجائزة وهى لا تنحصر فى لفظ بل تتأدى بما أفاد معناها وانما يحتاج الى ضميمة وعليك عوضه ما عدا الصيغة الأولى فانها صريحة فى معناه لا تفتقر الى انضمام أمر آخر، فيقول المقترض قبلت وشبهه مما يدل على الرضا بالايجاب (٤)
ما يصح فيه القرض وما لا يصح
مذهب الحنفية:
ذكر صاحب البحر الرائق نقلا عن المحيط أنه يجوز القرض فيما هو من ذوات الامثال كالمكيل والموزون والعددى المتقارب كالبيض والجوز لأن القرض مضمون بالمثل ولا يجوز فى غير المثلى لانه لا يجب دينا فى الذمة ويملكه المستقرض بالقبض كالصحيح والمقبوض بقرض فاسد يتعين للرد وفى القرض الجائز لا يتعين بل يرد المثل وان كان قائما، وعن أبى يوسف رحمه الله تعالى ليس له اعطاء غير الابرضاه وعارية ما جاز قرضه قرض وما لا يجوز قرضه عارية (٥): ويجوز استقراض الدقيق وزنا والاحتياط أن يبرئ كل صاحبه والجواز
стр. 6979
رواية عن أبى يوسف رحمه الله تعالى، ورواية الاصل بخلافه واستقراض الحنطة وزنا يجوز وعنهما خلافة ولو استقرض بخارى من سمرقندى حنطة بسمرقند ليدفعها فى بخارى فليس له أن يطالبه بسمرقند. واستقراض العجين فى بلادنا وزنا يجوز لاجزافا، ولم يتعرض لاستقراض الخميرة وينبغى الجواز من غير وزن، وسئل النبى ﷺ عن خميرة يتعاطاها الجيران أيكون ربا فقال: ما رآه المسلمون حسنا فهو حسن عند الله وما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح.
والدبس من ذوات القيم فينبغى أن لا يجوز استقراضه (١): ولو أنقرض الذمى خمرا من ذمى ثم أسلم أحدهما فان أسلم المقرض سقطت الخمر لأن اسلامه مانع من قبضها ولا شئ له من قيمتها على المستقرض لأن العجز جاء من قبله. وان أسلم المستقرض ففيه روايتان: فى رواية أنه كالأول وفى اخرى - وهو قول محمد رحمه الله تعالى - تجب قيمتها كذا فى البدائع (٢): وجاء فى المبسوط أنهم انما يختلفون فى اقراض الخبز فالذى روى عن الامام أبى حنيفة رحمه الله تعالى ان ذلك لا يجوز وزنا ولا عددا لأنه لا يوقف على حدة، على معنى أنه يتفاوت بالعجن والنضج عند الخبز ويكون منه الخفيف والثقيل وفى كل نوع عرف لا يحصل ذلك بالاخر، وما لا يوقف على حده لا يجوز القرض فيه، وروى عن أبى يوسف رحمه الله تعالى أنه يجوز وزنا ولا يجوز عددا لأن الخبز موزون عادة والاستقراض فى الموزونات وزنا يجوز ولا يجوز عددا لأنه متفاوت فيه الكبير والصغير. وروى عن محمد رحمه الله تعالى أنه يجوز اقراض الخبز عددا قال هشام رحمه الله تعالى: فقلت له وزنا فرأيته نفر من ذلك واستعظمه وقال من يفعل ذلك؟ وانما جوز محمد رحمه الله تعالى استقراض الخبز عددا لأنه صنع الناس وقد اعتادوه وقد نقل ذلك عن ابراهيم رحمه الله تعالى أنه سئل عمن استقرض رغيفا فرد أصغر منه أو اكبر قال: لا بأس به وهو عمل الناس. قال الكرخى رحمه تعالى: وانما استعظم محمد رحمه الله تعالى قول من يقول لانه لا يجوز أن يستقرض الخبز الا وزنا لأن اعلامه بالوزن أبلغ من اعلامه بذكر العدد فاذا جاز عنده أن يستقرض فيه عددا فلان يجوز الاستقراض فيه وزنا أولى. ومن اصحابنا رحمهم الله تعالى من قال، بل استعظم ان يجوز استقراضه وزنا لأن القياس فيه ما قاله الامام أبو حنيفة رحمه الله تعالى من أنه لا يوقف على حده، وانما ترك محمد رحمه الله تعالى هذا القياس لتعارف الناس وذلك فى استقراضه عددا، فبقى استقراضه وزنا على أصل القياس (٣): قال صاحب المبسوط:
وأما الحيوان فلا يجوز أن يستقرض شئ
стр. 6980
منه عندنا، وحجتنا فى ذلك أن هذا غير مضمون بالقيمة على من يستهلكه فلا يجوز أن يستقرض كالجوارى ولهذا تبين انه لا يمكن اثبات الحيوان دينا فى الذمة بمقابلة ما هو مال مع اعتبار المعادلة فى المالية لانه لا يصار فى المستهلكات الى القيمة الا عند تعذر ايجاب المثل، وموجب القرض ثبوت المثل فى الذمة بشرط المعادلة فى المماثلة، فاذا تعذر ذلك فى الحيوان لم يجز ان يستقرض، وبه فارق ثبوت الحيوان فى الذمة بدلا عما ليس بمال لأن ذلك ليس شرط المعادلة فى المماثلة مع أنه لا يثبت فى الذمة ثبوتا صحيحا حتى لو أتاها بالقيمة اجبرت على قبوله ولا مدخل لذلك فى القرض ابتداء وأما ما روى من أن رسول الله ﷺ استقرض بكرا ورد رباعيا وقال: خيركم أحسنكم قضاء فائما استقرض رسول الله ﷺ للبيت المالى حتى روى أنه ﷺ قضاه من ابل الدصدقة وما كان ﷺ بقضى ما استقرضه لنفسه من أبل الصدقة بيت المال يثبت له وعليه حقوق مجهولة. وقيل:
كان ﷺ استسلف فى الصدقة بكرا فان الاستسلاف والاستقراض يتفاوت ثم لم تجب الزكاة على صاحب المال فرد بعد ما صار رباعيا وقيل هذا كان فى وقت كان الحيوان فيه مضمونا بالمثل ثم انتسخ ذلك. فان قبض الحيوان بحكم القرض وجب عليه ان برده، ولو باعه نفذ بيعه وعليه ضمان قيمته، لأن ما قبض بحكم قرض فاسد بمنزله ما قبض بحكم بيع فاسد، اذ الفاسد معتبر بالجائز لأنه لا يمكنه ان يجعل الفاسد أصلا فى معرفة حله، لأن الشرع لا يرد به فلابد من ان يعتبر بالجائز. وكذلك العقار والثياب حكم الاستقراض فيها كحكم الاستقراض فى الحيوان وفرق علماؤنا رحمهم الله تعالى بين السلم والقرض فى الثياب، فقالوا: الثياب لا تثبت فى الذمة ثبوتا صحيحا الا مؤجلا، والقرض لا يكون الا حالا. وحقيقة المعنى ان المعتبر فى المسلم فيه اعلام المالية على وجه لا يبقى فيه تفأوت الا يسيرا ليكون المقصود بالعقد معلوما للعاقد وذلك فى الثياب بذكر الوصف ممكن أما فى باب القرض فالشرط اعتبار المماثلة فى العين المقبوضة وصفة المالية وذلك لا يوجد فى الثياب بدليل انها لا تضمن بالمثل عند الاستهلاك فلهذا لا يجوز الاستقراض فيها وكذا لا يجوز اقراض الخشب والحطب والقصب والرياحين الرطبة والبقول، لأنها مضمونة بالقيمة عند الاستهلاك، فأما الحناء والوسمة والرياحين اليابسة التى تكال فأنه لا بأس بأن تستقرض لأنها مضمونة بالمثل عند الاستهلاك (١). وجاء فى الفتاوى الهندية، أنه يجوز استقراض القرطاس عددا، ويجوز استقراض الجوز كيلا وكذا استقراض البازنجان عددا ونقل عن الفتاوى العتابية عن ابن سلام رحمه الله تعالى ان قرض اللبن - بكسر الباء - والأجر عددا يجوز اذا لم يتفاوت كذا فى التتار خائية ويجوز استقراض اللحم وهو الاصح كذا فى محيط السرفى وجاء فى فتاوى قاضيخان أن أقراض اللحم عند أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى يجوز كما يجوز
стр. 6981
السلم فيه عندهما، وعن أبى حنيفة رحمه الله تعالى روايتان، وذكره فى المنتقى أنه يجوز قرض اللحم ولم يذكر فيه خلافا (١) - واستقراض الجمد وزنا يجوز، ولو استقرض فى الصيف وسلم فى الشتاء يخرج عن العهدة والجمد من ذوات القيم، ويجوز ان يستقرض الذهب والفضة وزنا ولا يجوز ذلك عددا - كذا فى التتار خانية - قال محمد رحمه الله تعالى فى الجامع: اذا كانت الدراهم ثلثها فضة وثلثاها صفرا فاستقرض رجل منها عددا وهى جارية بين الناس عددا فلا بأس به وان لم تجر بين الناس الا وزنا لم يجز ان تستقرض الا وزنا وان كانت الدراهم ثلثاها فضة وثلثها صفر الا يجوز ان تستقرض الا وزنا وان تعامل الناس التبايع بها عددا، وان كانت الدراهم نصفها فضة ونصفها صفرا لا يجوز ان تستقرض الا وزنا وسئل عن السرقين الذى يجوز بيعه، هل يجوز ان تستقرض أم هو من ذوات القيم؟ فقال الذى يجوز ان يباع من هذا الجنس يجوز ان يستقرض. وذكر فى واقعات حسام الدين ان السرقين من ذوات القيم، تجب القيمة على من يتلفه، وعلى هذا لا يجوز أن يستقرض.
مذهب المالكية:
جاء فى بلغة السالك ان كل ما يصح ان يسلم فيه يصح ان يقرض - من حيوان وعرض ومثلى - الا جارية تحل للمقترض فلا يجوز قرضها لما فيه من احتمال اعارة الفروج اذا رد عينه لأنه يجوز فى القرض رد العين المقترضة ويجوز رد مثلها، ولهذا التعليل أجاز ابن عبد الحكم رحمه الله تعالى قرضها اذا اشترط ان يرد مثلها لا عينها لكن المشهور أنه يمنع قرض الجارية التى تحل للمقترض مطلقا سواء كان اقتراضها للوط ء أو للخدمة، وسواء شرط رد عينها أو رد مثلها سدا للذريعة. هذا اذا كانت الجارية تحل للمقترض أما ان كانت لا تحل له كعمة وخالة أو كان المقترض امرأة مثلها فأن اقراضها يجوز، وكذلك يصح اقراضها اذا كان المقترض صبيا لا يتأتى منه الاستمتاع أو كان شيخا فانيا كما يصح اقراض الجارية التى لا تشتهى لصغر فى مدة الصغر. فان أفرض الجارية لمن تحل له وجب ان ترد الا أن تفوت عنده بوط ء أو غيبة عليها فظن وطؤها فيها أو تغير ذات أو حوالة سوق فالقيمة تلزم المقترض لا المثل ولا يجوز التراضى على ردها ان وطئها أو غاب عليها عيبة يظن بها الوط ء، وجاز التراضى على ردها ان فاتت بحوالة سوق ونحوه، اذ ليس فى الامضاء حينئذ تتميم للفاسد لأن ذاتها عوض عما لزمه من القيمة ولا محذور فى ذلك (٢). وروى صاحب التاج والاكليل: عن ابن بشير رحمه الله تعالى أنه قال: وكل ما يجوز ان يسلم فيه يجوز أن يقرض وهذا فى مراعاة رد
стр. 6982
المثل اما فى مراعاة رد العين فتعرض فى القرض المحاذرة من عارية الفروج اذ من أحكام القرض ان برد بعينه ان شاء أو يرد مثله وقال ابن عرفه رحمه الله تعالى متعلق القرض ما صح ضبطه بصفة كليا، فيخرج تراب المعادن والصواغين والدور والأرضون والبساتين (١). وجاء فى شرح مجموعة الفقهى وحاشينى حجازى والأمير عليها أنه يجوز القرض فى كل ما يقبل جنسه السلم فلا ينافى قرض المكيال المجهول، لان منع سلمه لعارض وهو الجهل - ولا ينافى جواز القرض فى جلد الأضحية ومدبوغ الميتة لاباحة الانتفاع وان لم يجز ان يسلم فيهما لان المعارضة عليهما لا تجوز، لكن جواز القرض فى جلد الميتة المدبوغ ان قلنا ان حرمة المعاوضة على النجس من خصوص البياعات لا مطلقا والا فلا يجوز أما قرض لحم الاضحية ففيه خلاف (٢) رجاء فى المدونة أنه لا بأس فى قرض الخشب والبقول والرياحين والقضب والقصب وما أشبه ذلك، وذلك جائز فى قول مالك رحمه الله تعالى وكل شئ يقرض فهو جائز اذا كان معروفا الا الجوارى روى مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبى رافع رضى الله تعالى عنهم أن رسول الله ﷺ استسلف من رجل بكرا فقدمت عليه ابل من الصدقة فأمر أبا رافع ان يعطى الرجل بكره فرجع اليه أبو رافع فقال: لم آخذ فيها الا جملا خيارا رباعيا فقال: أعطه أياه ان خيار الناس أحسنهم فضاء (٣).
مذهب الشافعية:
جاء فى (٤) نهاية المحتاج أنه يجوز اقراض كل ما يسلم فى نوعه لصحة ثبوته فى الذمة ولأن النبى ﷺ اقترض بكرا، وقيس عليه غيره، وعلم أنه لا يرد على هذا امتناع السلم فى العين وجواز قرض المعين كالذى فى الذمة، فلو قال أقرضتك ألفا وقبل وتفارقا ثم أعطاه ألفا جاز ان قرب الفصل عرفا والا فلا يجوز، وان نازع فيه السبكى رحمه الله تعالى، أما لو قال أقرضتك هذه الألف مثلا وتفارقا ثم سلمها اليه لم يضر وان طال الفصل ويصح قرض كف من الدراهم ليتبين قدرها بعد ويرد مثلها ولا أثر للجهل بها حالة العقد. وقضية الضابط أنه يجوز اقراض النقد المغشوش لانه مثلى تجوز المعاملة به فى الذمة وهو ما أفتى به الوالد رحمه الله تعالى واعتمده جمع متأخرون ولو جهل قدر غشه خلافا للسبكى فى تقييده بذلك، وخلافا للرويانى رحمه الله تعالى فى منعه مطلقا، وفى الروضة عن القاضى منع قرض المنفعة لامتناع السلم فيها، وفبها كأصلها فى الاجارة جوازهما وجمع الاسنوى وغيره أخذا من كلامهما بحمل المنع على منفعة محل معين وحمل الحل على
стр. 6983
منفعة فى الذمة، واعتمده الوالد رحمه الله تعالى فى فتاويه. ولا يجوز اقراض ماء القناة للجهل به، ولا يجوز اقراض الجارية التى تحل للمقترض فى الأظهر وان لم تكن مشتهاة مع أنه لو جعل رأس مال المسلم جارية يحل للمسلم اليه ان يطأها وكان المسلم فيه جارية أيضا جاز له ان يردها عن المسلم لأن العقد لازم من الجانبين. والقول الثانى الذى يقابل الأظهر يجوز اقراضها، ورد هذا القول بانه قد يطؤها ثم يردها فتصير فى معنى اعارة الجوارى للوط ء وهو ممتنع كما نقله مالك رحمه الله تعالى عن اجماع أهل المدينة وما نقل عن عطاء رحمه الله تعالى من جوازه رد بأنه مكذوب عليه، ولا ينافى ذلك أنه يجوز هبتها لفرعه مع جواز رجوعه فيها لجواز القرض من الجهنين ولأن موضوعه الرجوع ولو فى البدل فأشبه الاعارة بخلاف الهبة فيهما. هذا اذا كانت الجارية تحل للمقترض فان كانت تحرم عليه بنسب أو رضاع أو مصاهرة وكذا ملاعنه ونحو مجوسية ووثنية فان اقراضها له يجوز خلافا للأذرعى رحمه الله تعالى، أما ان كانت لا تحل له لكونها أخت زوجته فلا يجوز اقراضها لتعلق زوال مانعها باختياره كما بحثه الاسنوى رحمه الله تعالى وأشعر به كلام غيره وقضية التعليل الفارق بين المجوسية ونحو أخت الزوجة أن المطلقة ثلاثا يحل قرضها لمطلقها، وبحث بعضهم عدم حلها لقرب زوال مانعها بالتحليل ويحرم قرض رتقاء وقرناء ولو لنحو ممسوح لأن المحذور خوف التمتع وهو موجود وتعبير بعضهم بخوف الوط ء جرى على الغالب وما بحثه الأذرعى رحمه الله تعالى - من حل اقراضها لبعضه لأنه ان وطئها حرمت على المقرض والا فلا محذور بعيد اذ المحذور - وهو وطؤها ثم ردها موجود وتحريمها على المفرض أمر آخر لا يفيد نفيا ولا اثباتا وقرضها لخنثى جائز كبعد اتضاحه، فلو اتضحت ذكورته بان بطلان القرض اذ العبرة فى العقود بما فى نفس الأمر، ولو اقترض الرجل شكلا لم يصح لامتناع السلم فيه، والقول بحله لتعذر وطئه مادام خنثى خطأ كما قاله الزركشى رحمه الله تعالى وما لا يسلم فى نوعه لا يجوز اقراضه فى الأصح لأن مالا ينضب أو يعز وجوده يتعذر أو يتعسر رد مثله اذ الواجب فى المتقوم رد مثله صورة. والقول الثانى المقابل الأصح يجوز اقراضه كالبيع.
ويستثنى من ذلك جواز قرض الخبز والعجين ولو خميرا حامضا للحاجة، والمسامحة وان صحح البغوى صلى الله تعالى فى التهذيب المنع ويرده وزنا على الراجح وقيل: يرده عددا ورجحه فى الكافى ومن فهم اشتراط الجمع بينهما فقد أبعد، وكذا يستثنى جزء شائع من دار لم يزد على النصف كما أفاده الوالد رحمه الله تعالى تبعا للسبكى لأن له حينئذ مثلا، يظهر أخذا من العلة أن النصفين متساويان - والمراد مساوى الاجزاء فيما جاز. والأوجه عدم صحة فرض خميرة اللبن الحامض تلقى عليه ليروب - وهى المسماة بالروبة - لاختلاف حموضتها المقصودة ووهم من فهم اتحادها بخميرة الخبز، ويجوز افراض المكيل وزنا وعكسه ان لم يتجاف فى المكيال كالسلم (١).
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى أنه يجوز قرض المكيل والموزون بغير خلاف قال ابن المنذر
стр. 6984
رحمه الله تعالى أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن استقراض ماله مثل من المكيل والموزون والأطعمة جائز ويجوز قرض كل ما يثبت فى الذمة سلما سوى بنى آدم لأن النبى ﷺ استسلف بكرا وليس ذلك بمكيل ولا موزون، ولأن ما يثبت سلما يملك بالبيع ويضبط بالوصف فجاز قرضه كالمكيل والموزون. أما مالا يثبت فى الذمة سلما كالجواهر وشبهها فقال القاضى رحمه الله تعالى يجوز قرضها ويرد المستقرض القيمة لأن مالا مثل له يضمن بالقيمة والجواهر كغيرها فى القيم. وقال أبو الحطاب رحمه الله تعالى:
لا يجوز قرضها لأن القرض يقتضى رد المثل وهذه لا مثل لها، ولأنه لم ينقل قرضها ولا هى فى معنى ما نقل القرض فيه لكونها ليست من المرافق ولا يثبت فى الذمة سلما فوجب ابقاؤها على المنع، ويمكن بناء هذا الخلاف على الوجهين فى الواجب فى بدل غير المكيل والموزون فاذا قلنا: الواجب رد المثل لم يجز قرض الجواهر ولا قرض مالا يثبت فى الذمة سلما لتعذر رد مثلها وان قلنا الواجب رد القيمة جاز قرضه لامكان رد القيمة. هذا فى غير بنى آدم أما قرض بنى آدم فقال الامام أحمد رحمه الله تعالى: أكره قرضهم فيحتمل كراهية تنزيه ويصح قرضهم وهو قول ابن جريج والمزنى رحمهما الله تعالى لانه مال يثبت فى الذمة سلما فصح قرضه كسائر الحيوان ويحتمل أنه أراد كراهة التحريم فلا يصح قرضهم وهذا القول اختاره القاضى لأنه لم ينقل قرضهم ولا هو من المرافق ويحتمل ان يصح قرض العبيد دون الاماء الا ان يقرضهن من ذوى محارمهن لأن الملك بالقرض ضعيف، فأنه لا يمنعه من ردها على المقرض فلا يستباح به الوط ء كالملك فى مدة الخيار واذا لم يبح الوط ء لم يصح القرض لعدم القائل بالفرق، ولأن الأبضاع مما يحناط لها، ولو ابحنا قرضهن لأفضى الى أن الرجل سيقترض أمة فيطؤها ثم يردها من يومه، ومتى احتاج الى وطئها استقرضها فوطئها ثم ردها كما يستعير المتاع فينتفع به ثم يرده. ويدل لنا ان القرض عقد ناقل للملك فاستوى فيه العبيد والاماء كسائر العقود. ولا نسلم ضعف الملك فيه فانه مطلق لسائر التصرفات بخلاف الملك فى مدة الخيار.
ثم اننا لا نقول بردها وانما نقول: الواجب ان يرد القيمة، وعليه فلا يملك المقترض رد الأمة، وانما يرد قيمتها، وحتى لو سلمنا بأن للمقترض أن يردها فان المقترض متى قصد هذا لم يحل له أن يفعله ولا يصح اقتراضه كما لو اشترى أمة ليطأها ثم يردها بالمقايلة أو بعيب فيها وان وقع هذا بحكم الاتفاق لم يمنع الصحة كما لو وقع ذلك فى البيع وكما لو أسلم جارية فى أخرى موصوفة بصفاتها ثم ردها بعينها عند حلول الأجل، ولو ثبت ان القرض ضعيف لا يبيح الوط ء لم يمنع منه فى الجوارى كالبيع فى مدة الخيار، وعدم من يقول بالفرق ليس بشئ على ما عرف فى مواضعه وعدم نقله ليس بحجة فان أكثر الحيوانات لم ينقل قرضها وهو جائز. واذا اقترض دراهم أو دنانير غير معروفة الوزن لم يجز لأن القرض فيها يوجب رد المثل فاذا لم يعرف المثل لم يمكن القضاء، وكذلك لو اقترض مكيلا أو موزونا جزافا لم يجز لذلك ولو قدره بمكيال بعينه أو صنجة
стр. 6985
بعينها غير معروفين عند العامة لم يجز لأنه لا يأمن تلف ذلك فيتعذر رد المثل فأشبه السلم فى مثل ذلك، وقال الامام أحمد رحمه الله تعالى فى ماء بين قوم لهم نوب فى أيام مسماة فاحتاج بعضهم الى ان يستقى فى غير نوبته فاستقرض من نوبة غيره ليرد عليه بدله فى يوم نوبته فلا بأس وان كان غير محدود كرهته فكرهه اذا لم يكن محدودا لأنه لا يمكنه رد مثله (١). ويجوز قرض الخبز ورخص فيه أبو قلابة رحمه الله تعالى وذلك لأنه موزون فجاز قرضه كسائر الموزونات واذا أقرضه بالوزن ورد مثله بالوزن جاز وان أخذه عددا فرده عددا فقال الشريف أبو جعفر رحمه الله تعالى: فيه روايتان:
احداهما لا يجوز لأنه موزون أشبه سائر الموزونات.
والثانية يجوز. قال ابن أبى موسى رحمه الله تعالى اذا كان يتحرى ان يكون مثلا بمثل فلا يحتاج الى الوزن. والوزن أحب الى، ووجه الجواز ما روت عائشة رضى الله تعالى عنها قالت قلت يا رسول الله ان الجيران يستقرضون الخبز والخمير ويردون زيادة ونقصانا فقال:
لا بأس ان ذلك من مرافق الناس لا يراد به الفضل ذكره أبو بكر فى الشافى باسناده، وفيه أيضا باسناده عن معاذ بن جبل رضى الله تعالى عنه أنه سئل عن استقراض الخبز والخمير فقال: سبحان الله انما هذا من مكارم الأخلاق وخذ الكبير وأعط الصغير وخذ الصغير وأعط الكبير، خيركم أحسنكم قضاء سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك ولأن هذا مما تدعو الحاجة اليه ويشق اعتبار الوزن فيه وتدخله المسامحة فجاز كدخول الحمام من غير تقدير أجرة، الركوب فى سفينة الملاح وأشباه هذا. (٢)
فان شرط أن يعطيه أكثر مما أقرضه أو أجود أو أعطاه مثل ما أخذ وزاده كسرة كان ذلك حراما، وكذلك ان أقرضه صغيرا قصد أن يعطيه كبيرا لأن الأصل تحريم ذلك، وانما أبيح لمشقة امكان التحرز منه فاذا أقصد أو شرط أو أفروت الزيادة فقد امكن التحرز منه فحرم بحكم الأصل كما فعل ذلك فى غيره وجاء فى كشاف القناع أنه لا يصح قرض المنافع لأنه غير معهود، وجوزه الشيخ رحمه الله تعالى وذلك مثل أن يحصد معه انسان يوما ويحصد الآخر معه يوما بدله أو يسكنه دارا ليسكنه الاخر دارا بدلها كالعارية بشرط العوض (٣).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى ان القرض جائز فى كل ما يحل تملكه وتمليكه بهبة أو غيرها سواء جاز بيعه أولم يجز لأن القرض غير البيع اذ البيع لا يجوز الا بثمن ويجوز بغير نوع ما بعت، ولا يجوز فى القرض الا رد
стр. 6986
مثل ما اقترض لامن سوى نوعه اصلا (١).
والقرض جائز فى الجوارى والعبيد والدواب والدور والأرضين وغير ذلك لعموم قول الله ﵎ «إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى» (٢) فعم ولم يخص فلا يجوز التخصيص فى ذلك بالرأى بغير قرآن ولا سنة (٣). وكل ما يمكن وزنه او كيله أو عدده أو ذرعه لم يجز أن يقرض جزافا لأنه لا يدرى مقدار ما يلزمه أن يرده فيكون أكل مال بالباطل (٤).
مذهب الزيدية:
جاء فى التاج المذهب أن من الأشياء ما يصح فرضه، ومنها ما لا يصح قرضه وقد أوضح ذلك الامام ﵇ فى قوله، انما يصح القرض فى مثلى كالنقود، وكل ما قل التفاوت فيه وضبط بكيل أو وزن - أو قيمى وهو ما كثر التفاوت فيه ولم يضبط بكيل ولا وزن.
ولكن لا يصح القرض فيه مطلقا بل لا بد من أن يكون القيمى منقولا فلا يصح فى الاراضى والدور، وأن يكون جمادا أمكن وزنه ولو لم يوزن عند القرض أما الحيوان وما لا يمكن وزنه فلا يصح قرضهما، فعلى هذا فان القيمى الجماد مهما أمكن وزنه صح قرضه أما ما يعظم تفاوته من القيمى المذكور بأن زاد التفاوت فيما بينه على نصف عشر القيمة فلا يصح قرضه كالجواهر واللائى والفصوص والجلود ونحو ذلك، فان هذه الاشياء يعطم التفاوت فيما بينها فى الجودة والرداءة فيصعب ضبطها ليرد مثلها ولهذا لم يصح فرضها، وكذلك لا يصح قرض الحب اذا سيس (٥) أو ابتل أو قلى، ولا العسل (٦) والسمن المغشوش منها ولا الحب المخلوط بنوع آخر ولا الشعير والعلس المخلوطين ولا المخلوط بدقاق التبن ولا الدراهم والدنانير المغشوشة غشا غير معلوم لتحقق عدم رد المثل فيما ذكر. وكذلك لا يصح قرض المصنوعات التى يعظم التفاوت فيما بينها بالصنعة غالبا، أما ما تكون صنعتها يسيرة لا تخرجها عن حد الضبط كالخبز والفلوس المضروبة من النحاس والثياب والبسط المصنوعة على صفة لا يعظم التفاوت بينها فى النقش والصفاقة. وما كانت صنعته كذلك فانه يصح قرضه (٧).
مذهب الإمامية:
جاء فى كتاب الخلاف:
أن كل ما يضبط بالوصف أو يصح السلم فيه يجوز اقراضه من المكيل والموزون والمذروع والحيوان وغيره لعموم الاخبار
стр. 6987
فى جواز القرض والحث على فعله والتخصيص يحتاج الى دلالة، وأيضا لان الاصل الاباحة والحظر يحتاج الى دليل، وبجوز استقراض الخبز لان الناس يستقرضون من عهد النبى ﷺ الى يومنا الخبز من غير تناكر بينهم فمن خالف فقد خالف الاجماع.
هذا وليس لأصحابنا رضى الله تعالى عنهم نص فى جواز أقراض الجوارى. ولا أعرف لهم فيه فتيا، والذى يقتضيه الأصول أنه على الاباحة ويجوز ذلك سواء كان ذلك من أجنبى أو من ذى رحم لها، ومتى أقرضها ملكها المستقرض بالقرض، ويجوز له أن يطأها أن لم تكن ذات رحم محرم لأن الأصل الاباحة والحظر يحتاج الى دليل، وأيضا الاخبار التى رويت فى جواز القرض والحث عليه عامة فى جميع الاشياء الا ما أخرجه الدليل، وأيضا روى عن النبى ﷺ أنه قال: الناس مسلطون على أموالهم. وقال: لا يحل مال امرئ مسلم الا بطيب نفس منه، وقال الله تعالى: وأوفوا بالعقود: والقرض عقد بلا خلاف (١).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل أن القرض يجوز فى المكيل والموزون فقط، وقيل بجوازه فى الامتعة والثياب والآنية وما أشبه ذلك مما كان معروفا على عادة الناس ومحاسنة الاخلاق فيما بينهم أنه يجوز مما يوصل الى رده ويضبط وكذلك ما يعد مثل الرمان وبيض الدجاج وما أشبه ذلك مما يوصل الى رده ويضبط والحيوان قيل بطل القرض فيه لانه لا يعرف استواءه، وقيل يجوز بالأشبار عرضا وطولا من عجم الذنب الى المنكب ومن الكعب الى الكعب لامكان ضبطه، وأبطلوه فى العبيد كذلك، وقيل جائز. واختلف فى قرض خدمة الحيوان والعبيد كالاختلاف فى قرضهما لعل أحدهما يخدم للآخر أكثر مما يخدم الحيوان الآخر، ولا يجوز القرض بالجزاف ولو فى مكيل أو موزون وقيل يجوز ويرد مثل ما أخذ، ولا يجوز قرض الدين، ويجوز أن يقرض ماله فى يد غيره وهو من ماله مالم يصل المستقرض، ويجوز قرض التسمية فى الدنانير والدراهم لا فى غيرها الا ما كان منها فوق الواحد فلا يجوز قالوه فى الديوان قلت وقيل بجواز قرض التسمية فى غيرها وفيها ولو فوق الواحد قيل لا يجوز قرض الدراهم وقضاؤها بالعدد لتفاضلها قلت: هذا اذا كانت تجرى بالوزن لا غير والا جاز ذلك بالعدد وكذا سائر السكة (٢).
شروط صحة القرض
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع أن شرائط القرض أنواع، بعضها يرجع الى المقرض - بكسر الراء - وبعضها يرجع الى المقرض - بفتح الراء - وبعضها يرجع الى نفس القرض. أما الشرائط: التى ترجع
стр. 6988
الى المقرض فهى أهليته للتبرع فلا يملك الاقراض من لا يملك التبرع من الأب والوصى والصبى والعبد المأذون والمكاتب، لأن القرض للمال تبرع، ألا ترى أنه لا يقابله عوض للحال فكان تبرعا للحال فلا يجوز الا من يجوز منه التبرع، وهؤلاء المذكورون ليسوا من أهل التبرع فلا يملكون القرض. واما الشرائط التى ترجع الى المقرض، فمنها القبض لأن القرض هو القطع فى اللغة، وسمى هذا العقد قرضا لما فيه من قطع طائفة من ماله، وذلك انما يكون بالتسليم الى المستقرض، فكان مأخذ الاسم دليلا على اعتبار هذا الشرط ومنها أن يكون الشئ المقرض. مما له مثل كالمكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة، فلا يجوز قرض مالا مثل له من المذروعات والمعدودات المتقاربة، لأنه لا سبيل الى ايجاب رد العين ولا الى ايجاب رد القيمة لانه يؤدى الى المنازعة لاختلاف القيمة باختلاف تقويم المقومين فتعين أن يكون الواجب فيه رد المثل فيختص جوازه بماله مثل، ولا يجوز القرض فى الخبز لا وزنا ولا عددا عند أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى، وقال محمد يجوز القرض فى الخبز عددا. وما قالاه هو القياس، لتفاوت فاحش بين خبز وخبز لاختلاف العجن والنضج والخفة والثقل فى الوزن والصغر والكبر فى العدد ولهذا لم يجز السلم فيه بالاجماع فالقرض أولى لأن السلم أوسع جوازا من القرض والقرض أضيق منه، الا ترى انه يجوز السلم فى الثياب ولا يجوز القرض فيها فلما لم يجز السلم فيه فلأن لا يجوز القرض أولى الا أن محمدا رحمه الله تعالى استحسن جوازه عددا لعرف الناس وعادتهم فى ذلك وترك القياس لتعامل الناس فيه هكذا روى عن ابراهيم النخعى رحمه الله تعالى أنه جوز ذلك فقد روى أنه سئل عن أهل بيت يقرضون الرغيف فيأخذون أصغر أو أكبر فقال: لا بأس به. ويجوز القرض فى الفلوس لانها من العدديات المتقاربة كالجوز والبيض، ولو استقرض فلوسا فكسرت فعلية مثلها عند أبى حنيفة رضى الله تعالى عنه، وعند أبى يوسف ومحمد رحمهما الله: عليه القيمة. وجه قولهما أن الواجب فى باب القرض رد مثل المقبوض وقد عجز عن ذلك لأن المقبوض كان ثمنا وقد بطلت الثمنية بالكساد فعجز عن رد المثل فيلزمه رد القيمة كما لو استقرض رطبا فانقطع عن أيدى الناس فانه يلزمه قيمته لما قلنا، كذا هذا. ووجه قول أبى حنيفه رحمه الله تعالى:
ان رد المثل كان واجبا والفائت بالكساد ليس الا وصف الثمنية وهذا وصف لا تعلق لجواز القرض به، الا ترى أنه يجوز استقراضه بعد الكساد ابتداء وان خرج من كونه ثمنا فلأن يجوز بقاء القرض فيه أولى لأن البقاء أسهل وكذلك الجواب فى الدراهم التى يغلب عليها الغش لأنها فى حكم الفلوس. وروى عن أبى يوسف رحمه الله تعالى أنه أنكر استقراض الدراهم المكحلة والمزيفة وكره انفاقها وان كانت تنفق بين الناس لما فى ذلك من ضرورات العامة واذا نهى عنها وكسدت فهى بمنزلة الفلوس اذا كسرت ولو كان له على رجل دراهم جياد فأخذ منه مزيفة أو مكحلة أو زيوفا أو نبهرجة أو ستوقة جاز فى الحكم لأنه يجوز بدون حقه فكان كالحط عن حقه الا أنه يكره له ان يرضى
стр. 6989
به وان ينفقه، وان بين وقت الانفاق لا يخلو عن ضرر العامة بالتلبيس والتدليس قال أبو يوسف رحمه الله تعالى: كل شئ من ذلك لا يجوز بين الناس فانه ينبغى ان يقطع ويعاقب صاحبه اذا أنفقه وهو يعرفه، وهذا الذى ذكره احتساب حسن فى الشريعة، ولو استقرض دراهم تجارية فالتقيا فى بلد لا يقدر فيه على التجارية فان كانت فى ذلك البلد فصاحب الحق بالخيار ان شاء انتظر مكان الأداء وان شاء أجله قدر المسافة ذاهبا وجائيا واستوثق منه بكفيل وان شاء أخذ القيمة لأنها اذا كانت نافقة لم تتغير بقيت فى الذمة كما كانت وكان له الخيار ان شاء لم يرض بالتأخير وأخذ القيمة لما فى التأخير من تأخير حقه وفيه ضرر به كمن عليه الرطب اذا انقطع عن أيدى الناس أنه يتخير صاحبه بين التربص والانتظار لوقت الادراك وبين ان يأخذ القيمة لما قالوا كذا هذا وان كان لا ينفق فى ذلك البلد فعليه قيمتها. وأما الشرائط التى ترجع الى نفس القرض فهو ان لا يكون فيه جر منفعة فان كان فيه جر منفعة لم يجز نحو ما اذا أقرضه دراهم غلة على ان يرد عليه صحاحا أو أقرضه وشرط شرطا له فيه منفعة لما روى عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن قرض جر نفعا، ولأن الزيادة المشروطة تشبه الربا لأنها فضل لا بقابله عوض والتحرز عن حقيقة الربا وعن شبهة الربا واجب. هذا اذا كانت الزيادة مشروطة فى القرض، فأما اذا كانت غير مشروطة فيه، ولكن المستقرض أعطاه أجودهما فلا بأس بذلك لأن الربا اسم لزيادة مشروطة فى العقد، ولم توحد بل هذا من باب حسن القضاء وهو أمر مندوب اليه فقد قال النبى ﷺ :
خيار الناس أحسنهم قضاء. وقال النبى ﷺ عند قضاء دين لزمه للوزان: زن وأرجح. وعلى هذا تخرج مسئلة السفاتج (١) التى يتعامل بها التجار. فهى مكروهة لأن التاجر ينتفع بها باسقاط خطر الطريق فتشبه قرضا جر نفعا، فان قيل: أليس قد روى عن عبد الله بن عباس رضى الله تعالى عنهما أنه كان يستقرض بالمدينة على أن يرد بالكوفة وهذا انتفاع بالقرض باسقاط خطر الطريق؟ فالجواب ان ذلك محمول على أن السفتجة لم تكن مشروطة فى القرض مطلقا ثم تكون السفتجة وذلك مما لا بأس به على ما بينا، والأجل لا يلزم فى القرض سواء كان مشروطا فى العقد أو متأخرا عنه بخلاف سائر الديون. والفرق بينهما من وجهين أحدهما ان القرض تبرع ألا يرى أنه لا يقابله عوض للحال وكذا لا يملكه من لا يملك التبرع فلو لزم فيه الأجل لم يبق تبرعا فيتغير المشروط بخلاف الديون. والثانى ان القرض يسلك به مسلك العارية والأجل لا يلزم فى العوارى، والدليل على أنه يسلك به مسلك العارية أنه لا يخلو من ان يسلك به مسلك المبادلة - وهى تمليك الشئ بمثله أو يسلك به مسلك العارية أما الأول فلا سبيل اليه لأنه تمليك العين بمثله نسيئة وهذا لا يجوز فتعين ان يكون عارية فجعل التقدير كأن المستقرض انتفع بالعين مدة ثم رد عين ما قبض وان كان يرد بدله فى
стр. 6990
الحقيقة، وجعل رد بدل العين بمنزلة رد العين بخلاف سائر الديون، وقد يلزم الأجل فى القرض بحال وذلك بأن يوصى بأن يقرض من ماله بعد موته فلانا ألف درهم الى سنة فأنه ينفذ وصيته ويقرض من ماله كما أمر وليس لورثته ان يطالبوا قبل السنة (١).
مذهب المالكية:
جاء فى حاشية الدسوقى على الشرح الكبير أنه يحرم على المقرض هدية المقترض اليه وليس المراد بالهدية حقيقتها فقط بل كل ما حصل به الانتفاع كركوب دابة المقترض والأكل فى بينه على طريق الاكرام أو شرب فنجان قهوة أو جرعة ماء والتظلل بجداره والمعتمد جواز لشرب والتظلل وكذلك الأكل ان كان لا جل الاكرام لا لأجل الدين كما قال شيخنا رحمه الله تعالى - وانما حرم ذلك لأنه مدين فيؤول للسلف بزيادة.
ثم الحرمة المتعلقة بأخذ الهدية ظاهرا وباطنا وأما المتعلقة بالدافع فهى باطلة فقط، وذلك ان قصد المهدى بهديته تأخيره بالدين ونحوه ووجب ردها ان لم تفت، والا بأن فاتت فالقيمة ومثل المثلى. وان قصد المهدى وجه الله تعالى فقط بهديته كانت الحرمة ظاهرا فقط فيقضى عليه بردها ان كانت قائمة أو رد قيمتها أو مثلها ان فاتت ولا حرمة عليه فيما بينه وبين الله. هذا اذا لم يتقدم قبل القرض مثلها فان تقدم مثلها - من المهدى الى المهدى له صفة وقدرا لم يحرم وكذا تكون الحرمة اذا لم يحدث ما يوجب الهدية من المدين لرب الدين كصهارة أو جوار وكان الاهداء لذلك لا للدين. وحرم فى القرض جر منفعة للمقرض ولو كانت تلك المنفعة قليلة - كشرط قضاء يفين بسالم والعادة كالشرط أو شرط قضاء دقيق أو كعك ببلد غير بلد القرض ولو لحاج لما فيه من تخفيف مؤنة حمله، ومفهومه أنه يجوز مع عدم الشرط وهو كذلك، وخالف ذلك بعض فى الطيب من جواز ذلك ولو مع الشرط للحاج ونحوه أو شرط قضاء خبز فرن بخبز ملة (٢) لحسن خبزها على خبز الفرن. ويحرم قرض عين اذا عظم حملها ليأخذ بدلها بموضع آخر ليدفع عن نفسه أجرة الحمل وغرر الطريق كسفتجة الا ان يعم الخوف بأن يغلب سائر الطرق فلا حرمة بل يندب للأمن على النفس أو المال بل قد يجب. وكعين كرهت اقامتها عند مالكها خوف تلف بعتة أو سوس أو عفن، أو خوف ضياع فيحرم سلفها ليأخذ بدلها ان جرى شرط أو عرف الا أن يقوم دليل على ان القصد نفع المقترض فقط، أى لا نفع المقرض أو نفع المقترض والمقرض معا كقرض الملتزمين بالبلاد فلاحيهم البذر ليزرعوا ويدفعوا لهم الخراج. أو نفع أجنبى من ناحية المقرض بحيث يكون نفعة كنفه فيمنع فى الثلاثة (٣).
مذهب الشافعية:
جاء فى حاشية البجيرمى على منهج الطلاب أنه يشترط فى المقرض - بكسر الراء - الاختيار. فلا يصح اقراض مكره بغير حق كسائر عقوده، أما لو أكره بحق فان
стр. 6991
اقراضه يكون صحيحا، وذلك بأن يجب عليه الاقراض بنحو اضطرار مع انحصار الأمر فيه.
ويشترط فيه كذلك ان يكون أهلا للتبرع فيما يقرضه لأن فى الاقراض تبرعا بمنفعة الشئ المقرض تلك المدة، فلا يصح اقراض الولى مال محجوره بلا ضرورة لأنه ليس أهلا للتبرع فيه. نعم للقاضى أن يقرض مال محجوره بلا ضرورة أن كان المقترض أمينا موسرا خلافا للسبكى رحمه الله تعالى لكثرة اشتغاله بأحكام الناس فربما غفل عن المال فضاع، فيقرضه من غير ضرورة ليحفظه عند المقترض. ونقل عن ابن حجر رحمه الله تعالى أنه يجب على الولى اقراض المضطر من مال المولى عليه مع انتفاء هذه الشروط. وله أن يقرض مال المفلس أيضا اذا رضى الغرماء بتأخير القسمة ليجتمع المال.
ويشترط فى المقترض ان يكون مختارا وان يكون أهلا للمعاملة، وذلك بأن يكون بالغا عاقلا غير محجور عليه، فدخل العبد المأذون له وان لم يكن أهل تبرع كالمكاتب، فيقترض بلا اذن من سيده ولا يصح اقراضه لعدم أهليته للتبرع، ويصح اقتراض الولى لموليه لأنه أهل للمعاملة فى ماله وان لم يكن أهلا للتبرع (١).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع أنه يشترط معرفة قدر القرض بمقدار معروف من مكيال أو صنجة أو ذراع كسائر عقود المعاوضات، فلو اقترض دراهم أو دنانير غير معروفة الوزن لم يصح القرض للجهالة بمثلها فيتعذر رد مثلها، وان كانت الدراهم أو الدنانير عددية يتعامل بها عددا لا وزنا جاز قرضها عددا ويرد بدلها عددا عملا بالعرف، ولو اقترض مكيلا جزافا أو موزونا جزافا أو قدر المكيل بمكيل بعينه أو قدر الموزون لصنجة بعينها غير معروفين عند العامة لم يصح القرض لأنه لا يأمن تلف ذلك فيتعذر رد المثل كالسلم، أما ان كان للمكيال أو الصنجة عرف صح القرض لا التعيين.
ويشترط ان يكون وصفه معروفا ليتمكن من رد بدله، ويشترط كذلك ان يكون المقرض - بكسر الراء - ممن يصح تبرعه لأنه عقد ارفاق فلم يصح الا ممن يصح تبرعه كالصدقة، فلا يفرض نحو ولى يتيم من ماله ولا مكاتب وناظر وقف منه كما لا يحابى (٢).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى: أنه (٣) لا يجوز للاب أن يقرض مال ولده سواء كان الولد صغيرا أو كبيرا ولا يجوز للوصى أن يقرض مال يتيمه سواء كان صغيرا أو كبيرا الا حيث يكون ذلك نظرا وحياطة للصغير، وان كان القرض الى أجل ففرض على المقرض والمستقرض أن يكتباه وأن يشهدا عليه عدلين فصاعدا، أو ان يشهدا رجلا وامرأتين عدولا فصاعدا، (٤) فان كان القرض فى سفر ولم يجد المقرض والمستقرض كتابا، فان شاء الذى له الدين أن يرتهن به رهنا فله ذلك وان شاء أن لا يرتهن فله ذلك وليس يلزمه شئ من ذلك فى الدين الحال
стр. 6992
لا فى السفر ولا فى الحضر. والدليل على ذلك قول الله ﵎ «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ .. » (١) الآية ولا يجوز تعجيل بعض الدين المؤجل على أن يبريه من الباقى فإن وقع رد وصرف إلى الغريم ما أعطى لأنه شرط ليس فى كتاب الله تعالى
وقد قال رسول الله ﷺ : كل شرط ليس فى كتاب الله فهو باطل «فلو عجل الذى عليه الحق بعض ما عليه بغير شرط ثم رغب الى صاحب الحق أن يضع عنه الباقى أو ان يضع عنه بعضه فأجابه صاحب الحق الى ذلك أو وضعه عنه كله أو بعضه بغير رغبة منه فكل ذلك جائز حسن وكلاهما مأجور، لأنه ليس هنا شرط أصلا، لكن أحدهما سارع الى الخير فى أداء بعض ما عليه فهو محسن والآخر سارع الى الابراء من حقه فهو محسن.
قال الله «وافعلوا الخير» وهذا كله خير (٢).
مذهب الزيدية:
جاء فى البحر الزخار: أن القرض انما يصح ممن يملك التصرف والتبرع اذ هو تمليك، فلا يصح القرض من عبد ولا من صبى ولا من محجور ولا يصح من المضارب اذ فيه ابطال النمو. ومن وكل بشراء شئ لم يكن له ان يقرضه ولا أن يقرض ثمنه لمخالفة المقصود. ويجوز للمتولى ان يقرض فضلات المساجد لمصلحة اذ مقصودها المصالح الدينية حيث يكون المستقرض مليئا يوثق بأنه سوف يرد ما استقرض. ومن صح منه ان يقبل البيع صح ان يستقرض، اذ هو مفاوضة (٣). وجاء فى التاج المذهب أنه لا يجوز للعبد المأذون له فى التجارة أن يقرض الا اذا جرت العادة بمثل ذلك لمثله فانه يصح، ولا فرق فى ذلك بين العبد والصغير (٤).
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية أنه انما يصح اقراض الكامل على وجه يرتفع عنه الحجر فى المال. والمراد بالكامل كمال المتعاقدين معا باضافة المصدر الى الفاعل والقابل (٥). ولا يجوز العبد ان يتصرف فى الدين بأن يستدين ولا فيما بيده من الأموال الا بأذن السيد سواء قلنا بملكه أم أهلناه فلو استدان باذنه أو اجازته فعلى المولى وان أعتقه، وقيل: (٦) يتبع به مع العتق استنادا الى رواية لا تنهض حجة فيما خالف القواعد الشرعية فان العبد بمنزلة الوكيل وانفاقه على نفسه وتجارته باذن المولى انفاق لمال المولى فيلزمه كما لو لم يعتق ولو كانت الاستدانة للمولى فهو عليه قولا واحدا (٧). وجاء فى مفتاح
стр. 6993
الكرامة أنه لا بد فى القرض من ايجاب صادر عن أهله كقولك أقرضتك أو تصرف فيه أو انتفع به أو ملكتك وعليك ان ترد عوضه وشبه ذلك. قال فى التذكرة ومن ألفاظ الايجاب:
أسلفتك أو خذ هذا بمثله أو خذه وأصرفه فيما شئت ورد مثله. وقال جماعة ان الايجاب فى القرض لا ينحصر فى لفظ كالعقود الجائزة بل كل لفظ دل عليه كفى الا ان لفظ أقرضتك صريح فى معناه فلا يحتاج الى ضميمة عليك أن ترد عوضه ونحو ذلك. وغير القرض يحتاج الى ضميمة، ولا بد فيه كذلك مع الايجاب من قبول وهو ما يدل على الرضا قولا أو فعلا، قال فى جامع المقاصد: ظاهر عباراتهم أنه لابد من الايجاب القولى وعبارة التذكرة أدل على ذلك وعبارة الارشاد والتحرير ظاهرة فى اشتراط اللفظ فيهما. وعبارة التذكرة فى القبول كعبارة الكتاب صريحة فى أنه يكتفى فى القبول بالفعلى والقولى: قال فى الدروس:
والأقرب أنه يكتفى بالقبض لأن مرجعه الى الاذن فى التصرف. وحجة من يقول بأنه يشترط الايجاب والقبول القولين أنه لا خلاف فى افادته انتقال الملك أما بالعقد والقبض أو مع ضميمة التصرف على خلاف فى ذلك، فلا جرم وجب الاقتصار فيه لمخالفته الأصل على ما يتحقق به الانتقال بالاجماع والضرورة وهو ما اذا كان بعقد يتضمن الايجاب والقبول فلا تكفى المعاطاة فيه وان اكتفى بها فى حصول اباحة التصرف قال صاحب المفتاح: ويكتفى بها فى حصول الثواب
ولزوم العوض اذ يكفى فى ذلك القصد والاعطاء والقبص بذلك القصد ولا ينبغى النزاع فى ذلك كما فى مجمع البرهان وحجة من يقول بأنه يعتبر اللفظ فى الايجاب ويكتفى بالقبول الفعلى فى حصول الملك وترتب الأحكام كعدم جواز انتزاع العين للمقرض صدق اسم القرض لغة وعرفا والاصل عدم اعتبار أمر زائد عليه، وأنه لم ينقل عن العصر السالف اعتبار الصيغة مع استمرار الطريقة على ذلك فى الجليل والحقير، بل الظاهر أنهم كانوا يكتفون بمجرد الطلب والقرينة والاعطاء كما يرشد الى ذلك حديث استقراض على بن الحسين ﵉ فانه كالظاهر فى ذلك. وشرطه عدم الزيادة فى القدر أو الصفة سواء كانت العين المستقرضة ربوية أم كانت غير ربوية، فلو أقرضه شيئا وشرط عليه أن يرد عليه خيرا مما اقترض كان حراما وبطل القرض اجماعا، وقد استثنى جماعة من منع اشتراط الصفة ما لو شرط الصحاح عوض الدراهم المكسرة فانه جائز، وزاد الحلبى أيضا أنه يجوز اشتراط العين من النقدين بدل المصوغ منهما واشتراط الخالص بدل الغش.
وظاهر التحرير التردد. وظاهر المحقق الأردبيلى الميل الى ذلك وتعميم الحكم فى المنفعة الحكمية قال الشيخ: وأما اشتراط الزيادة وصفا مثل ان يشترط الصحيح عوضا عن المكسرة فنقل عن الشيخ والجماعة أنه بجوز وكأنه مثل اشتراط الجيد عوضا عن الردئ للأصل، وعدم ظهور دخوله تحت الربا، وعدم دليل آخر من اجماع ونحوه. وفى هذا القول - مع اطباق باقى الأصحاب على خلاف هذا القول أنه مصادم لاجماع الغنية والسرائر والمختلف، وان ثبوت البأس المدلول عليه بالمفهوم فى الأخبار مع الزيادة مطلقا أو مع الشرط كقول الصادق عليه
стр. 6994
السّلام: اذا أقرضت الدراهم ثم جاءك بخير منها فلا بأس اذا لم يكن بينكما شرط. فلو شرط الزيادة فى قدر القرض أو فى صفته - كأثنى عشر فى عشرة والصحيحة فى المكسرة - فسد القرض للاجماع على ذلك. ولم يفد جواز التصرف وان لم يكن ربويا. ولو تبرع المقترض بالزيادة جاز اجماعا كما فى الغنية والتذكرة وغيرهما وفى القنية الاجماع على أنه لا فرق فى ذلك بين ان يكون ذلك عادة المقترض أو لم يكن (١).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل أنه يجوز القرض بشرطين احدهما: أن لا يجر نفعا فان كانت المنفعة الدافع منع اتفاقا للنهى عنه وخروجه من باب المعروف وان كانت المنفعة للقابض جاز، وان كانت المنفعة بينهما لم تجز لغير ضرورة، واختلف فى الضرورة كمسئلة السفاتج وسلف طعام سوس أو معفون ليأخذه سالما أو مبلولا ليأخذه يابسا فيمنع فى غير المسغبة اتفاقا ويختلف معها والمشهور المنع، وكذلك من أسلف ليأخذه، فى موضع آخر يمنع فيما فيه مئونة حمل ويجوز ان يصطلحا على ذلك بعد الحلول لا قبله.
الشرط الثانى: أن لا ينضم الى السلف يعنى القرض عقد آخر كالبيع وغيره (٢).
تملك القرض
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع أن ثبوت الملك للمستقرض فى المقرض للحال وثبوت مثله فى ذمة المستقرض للمقرض للحال وروى عن أبى يوسف رحمه الله تعالى فى النوادر أن القرض لا يملك بالقبض ما لم يستهلك، حتى لو أقرض كرا من طعام وقبضه المستقرض ثم انه اشترى الكر الذى عليه بمائة درهم جاز البيع وعلى رواية أبى يوسف رحمه الله تعالى لا يجوز البيع لأن المقرض باع المستقرض الكر الذى عليه وليس عليه الكر فكان هذا بيع المعدوم فلم يجز، كما لو باعه الكر الذى فى هذا البيت وليس فى البيت كر، وجاز فى ظاهر الرواية لأنه باع ما فى ذمته فصار كما اذا باعه الكر الذى فى البيت وفى البيت كر. وكذلك لو كان الكر المقرض قائما فى يد المستقرض كان المستقرض بالخيار ان شاء دفع اليه هذا الكر وان شاء دفع اليه كرا آخر. ولو اراد المقرض ان يأخذ هذا الكر من المستقرض، وأراد المستقرض أن يمنعه من ذلك ويعطيه كرا آخر مثله فان له ذلك فى ظاهر الرواية. وعلى ما روى عن أبى يوسف رحمه الله تعالى فى النوادر أن لا خيار للمستقرض، ويجبر على دفع ذلك الكر اذا طالب به المقرض وجه رواية أبى يوسف رحمه الله تعالى أن الاقراض اعارة بدليل أنه لا يلزم فيه الأجل، ولو كان معاوضة للزم كما فى سائر المعاوضات وكذا لا يملكه الأب والوصى والعبد المأذون والمكاتب وهؤلاء لا يملكون المعاوضات وكذلك اقراض الراهم والدنانير لا يبطل بالافتراق قبل قبض البدلين ولو كان مبادلة لبطل لانه صرف والصرف يبطل بالأفتراق قبل قبض البدلين وكذا اقراض المكيل لا يبطل بالافتراق ولو كان مبادلة لبطل لأن بيع المكيل بمكيل مثله فى الذمة لا يجوز فثبت بهذه الدلائل ان الاقراض اعارة فبقى العين على حكم ملك المقرض. أما وجه
стр. 6995
ظاهر الرواية فهى أن المستقرض بنفس القبض صار بسبيل من التصرف فى القرض من غير اذن المقرض بيعا وهبة وصدقة وسائر التصرفات، واذا تصرف نفذ تصرفه ولا يتوقف على اجازة المقرض، وهذه أمارات الملك، وكذا مأخذ الاسم دليل عليه فان القرض قطع فى اللغة فيدل على انقطاع ملك المقرض بنفس التسليم وأما قوله اعارة والاعارة تمليك المنفعة لا تمليك العين فنعم لكن ما لا يمكن للانتفاع به مع بقاء عينه بقيام عينه مقام المنفعة صار قبض العين قائما مقام قبض المنفعة والمنفعة فى باب الاعارة تملك بالقبض لأنها تبرع بتمليك المنفعة فكذا ما هو ملحق بها وهو العين (١).
مذهب المالكية:
جاء فى بلغة السالك وشرح الدردير أن المقترض يملك القرض بالعقد فيصير مالا من أمواله يقضى له به وان لم يقبضه المقترض كالهبة والصدقة وكل معروف فانه يملك بالعقد ولكن لا يتم ذلك الا بالقبض والحيازة فان حصل مانع للمتصدق أو الواهب أو فاعل المعروف بغير القرض قبل الحوز بطل بخلاف القبض لأنه لا يتوقف على الحوز، فلو حصل للمقرض مانع قبل الحوز لم يبطل خلافا لما فى كلام التتائى من ان القرض كغيره ولا يتم الا بالحوز (٢).
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج ومغنى المحتاج ان المقترض يملك القرض بالقبض وان لم يتصرف فيه، كالموهوب وأولى لأن للعوض مدخلا فيه ولأنه لو لم يملك بالقبض لامتنع عليه التصرف فيه، فيعتق عليه لو كان المقرض - بفتح الراء - اصله ويلزمه نفقته ان كان حيوانا وفى قول آخر: يملك القرض بالتصرف المزيل للملك رعاية لحق المقرض لان له أن يرجع فيه ما بقى فبالتصرف يتبين حصول ملكه بالقبض قال الشبراملسى: قضيته على هذا القول أن التصرف الذى لا يزيل الملك - كالاجارة والرهن وغيرهما - لا يملك القرض به ويجوز فى الاصح للمقرض بناء على القول الاول ان يرجع فى عينه ما دام باقيا فى ملك المقترض بحاله، بأن لم يتعلق به حق لازم، وان كان مؤجرا او معلقا عتقه بصفة أو مدبرا، لأن له تغريم بدله عند الفوات فالمطالبة بعينه أولى.
والقول الثانى الذى يقابل الاصح: لا يجوز له ان يرجع فيه، بل للمقترض ان يؤدى حقه من موضع آخر كسائر الديون. أما اذا تعلق به حق لازم كأن وجده مرهونا او مكاتبا او متعلقا برقبته أرش جناية فلا رجوع. ولو زال ملكه ثم عاد رجع المقرص فى أوجه الوجهين وكما هو قياس أكثر نظائره وبه جزم العمرانى وهو ظاهر كلام ابن المقرى فى روضه.
وللمقترض أن يرده عليه قهرا ولو وجده زائدا واتصلت الزيادة اخذه بها. قال الشبراملسى ظاهر هذا القول ان المقترض ان طلب رد البدل، وهو محتمل ان لم يخرج المقرض بالزيادة عن كونه مثل المقرض صورة. فلو أقرضه عجلة صغيرة فكبرت ثم طلبها المقرض لم يجب. فان لم تتصل الزيادة أخذه بدونها من ذلك ما لو أقرضه دابة حائلا وولدت عنده فيردها بعد وضعها بدون ولدها
стр. 6996
المنفصل اما اقراض الدابة الحامل فلا يصح لأن القرض كالسلم والحامل لا يصح السلم فيها. أما لو وجده ناقصا فان شاء أخذه مع أرشه ومثله سليما قاله الماوردى رحمه الله تعالى ويصدق فى أنه قبضه بهذا النقص كما أفتى به بعضهم، ويؤيده أن الاصل براءة ذمته وما سيأتى فى الغصب من ان الغاصب لورد المغصوب ناقصا، وقال قبضته هكذا صدق بيمينه فسقط بذلك القول بأنه يعارضه ان الاصل السلامة وان الاصل فى كل حادث تقديره بأقرب زمن (١).
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى أن الملك فى القرض يثبت بالعقد، وهو عقد لازم فى حق المقرض جائز فى حق المقترض فلو اراد المقرض ان يرجع فى عين ماله لم يملك ذلك لأنه أزال ملكه بعوض من غير خيار، فلم يكن له ان يرجع فيه كالمبيع، ويفارق المغصوب والعارية فانه لم يزل ملكه عنهما، ولأنه لا يملك المطالبة بمثلهما مع وجودهما. فأما المقترض فله أن يرد ما اقترضه على المقرض اذا كان على صفته لم ينقص ولم يحدث به عيب لانه على صفة حقه فلزمه قبوله كالمسلم فيه، وكما لو أعطاه غيره ويحتمل أن لا يلزم المقترض قبول ما ليس بمثلى لأن القرض فيه يوجب رد القيمة على أحد الوجهين فاذا رده بعينه لم يرد الواجب عليه فلم يجب قبوله كالمبيع (٢).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى ان من استقرض شيئا فقد ملكه وله أن يبيعه ان شاء وأن يهبه وان يتصرف فيه كسائر ملكه وهذا لا خلاف فيه وبه جاءت النصوص (٣) وذكر صاحب المحلى أنه ان ملك الانسان شيئا ما أى شئ كان مما يحل بيعه بسبب القرض جاز له ان يبيعه قبل أن يقبضه وكذا يجوز له أن يتصرف فيه بالاصداق والهبة والصدقة حاش القمح واما القمح فانه لا يحل له أن يبيعه حتى يقبضه بأن لا يحال بين المقترض وبين ذلك القمح الذى اقترضه (٤).
مذهب الزيدية:
جاء فى التاج المذهب ان القرض انما يملك بالقبض من المستقرض اذا كان القبض باذن المقرض، ولا تكفى التخلية. ويملك بالقبض ولو قبض بدون ايجاب وقبول لانه يكفى فيه ما جرى العرف به فى القرض ولا يصح رجوع المقرض عنه بعد أن يقبضه المقترض (٥) واذا ملك بالقبض ما يغنيه وكان فقيرا فانه يصير به غنيا وتلزمه زكاته ويلزمه الحج أيضا اذا صار به مستطيعا (٥). وفاسد القرض - واذا ملك بالقبض ما يغتنيه وكان فقيرا فانه كقرض الحيوان او غيره مما لا يصح قرضه يكون حكمه كحكم فاسد البيع من انه يملك بالقبض وتلزم فيه القيمة ويصح تصرف المستقرض فيه ببيع أو غيره فيمنع رد عينه
стр. 6997
الاستهلاك الحكمى، وتطيب فوائده ويجوز الدخول فيه ويجوز التفاسخ فيه بالتراضى أو بالحكم ما لم يمنع مانع فيهما، ويملك القيمى منه بقيمته والمثلى بمثله. أما القرض الباطل وهو الذى يقتضى عقده الربا كأن يقرضه مائة على ان يقضيه مائة وعشرين فهذا أو نحوه باطل - فلا يملك بالقبض ويكون حكمه فى يد المستقرض حكم الغصب (١).
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية: أن المقترض يملك القرض بالقبض على المشهور لا بالتصرف: قيل لانه فرع الملك فيمتنع كونه شرطا فيه، والا دار وفيه منع تبعيته للملك مطلقا، اذ يكفى فيه اذن المالك وهو هنا حاصل بالعقد بل بالايجاب (٢). ونقل صاحب مفتاح الكرامة عن الوسيلة أن المقترض يملك القرض بالعقد قال:
ملكه بنفس القرض الآن - أراد بالقرض القبض والتسليم - ولعله نظر ان ابقى على ظاهره الى أنه عقد مملك صدر من أهله فى محله من غير وجود ما يمنع مع قصد التمليك فينبغى أن يترتب عليه أثره ولا يحتاج الى القبض وحده، وبذلك يظهر عدم الملك بالقبض وحده من دون عقد قبله. وقد يستدل على حصول الملك به وحده باستمرار الطريقة واطلاق بعض الفتاوى الصحيحة مضافا الى عدم الاقتصار على صيغة مخصوصة وعدم نقل ذلك وعدم وقوعه فى الزمان الاول - كما قيل - وعدم اعتبار القبول القولى عند جماعة فان هذه شواهد على أن مراد من اشترط الايجاب والقبول انما هو التمييز بين القرض وبين العطية، ولما كان هذا التمييز لا يتأتى بدون لفظ يدل عليه من الموجب اشترطوا الايجاب القولى بأى لفظ يدل على المطلوب ولم يشترطوا بعد القبض ازيد من ذلك (٣).
فليس للمقرض أن يرتجعه كما فى السرائر وجامع الشرائع والتذكرة وغير ذلك ونسبه فى الدروس الى الفاضل وجاء فى الكفاية أن ذلك هو الاشهر فى المسالك أنه المشهور وفى الرياض نسبة الى الأكثر وقال: ان عليه عامة من تأخر وقال أيضا: ربما يستشعر من كثير من العبارات انه مجمع عليه وهذه يكذبها الوجدان وقد تبع ذلك صاحب المسالك لكنه انما استشعر ذلك من عبارة الكتاب فقط وستعرف أنه وهم والمخالف الشيخ فى الخلاف والمبسوط فقد جوز فيهما انه يجود للمقرض ان يرتجعه وظاهر الاول انه مجمع عليه حيث قال: عندنا مع التصريح فيهما بأنه يملكه بالقبض، وفى السرائر: ليس على ما قاله دليل ولا دل عليه شئ يرتضى وفى التحرير أنه ضعيف واحتج اصحاب القول المشهور بأن فائدة الملك ان لا يتسلط عليه غيره والثابت بالعقد والقبض للمقرض انما هو البدل فيستصحب الحكم الى ان يثبت المزيل، وليس هناك سوى دعوى الاجماع التى ذكرت فى المسالك - على جواز العقد وهى مع فتوى الاكثر بعد جواز الرجوع فى العين موهونة (٤). ونقل صاحب مفتاح الكرامة عن التحرير ان عقد القرض عقد لازم من جهة المقرض جائز من جهة المقترض، على
стр. 6998
معنى ان للمقترض ان يرد العين او ان يرد المثل، ولو طلب المقرض العين لم يجبر المقترض على ان يدفعها. وتظهر الفائدة فيما اذا اقرضه عينا قيمية فعلى القول بأنه جائز من طرف المقترض يجوز للمقترض ان يردها بعينها ويجبر المقرض على القبول، وأما فى المثلى فلا تظهر فائدة عند التأمل (١) ثم انه فى المسالك قال: ان الحكم فى المسئلة مبنى على الخلاف السابق، فان قلنا ان المقترض لا يملك القرض الا بالتصرف بأى معنى اعتبرناه فانه على ذلك يجوز للمقرض ان يرجع فى العين قبل التصرف لانها ملكه. وان قلنا ان للمقترض يملك القرض بالقبض .. فهل يمكن القول بذلك؟ ظاهر القواعد: العدم، لأنه جعل هذه المسئلة مفرعة على تلك، فاذا استقرض انسان من ينعتق عليه فانه ينعتق عليه بالقبض عندنا كما فى التذكرة ومن قال بأن الملك فى القرض بالتصرف فانه ينعتق عنده بالتصرف (٢).
تعليق القرض على شرط
مذهب الحنفية:
جاء فى المبسوط أن اشتراط ايفاء بدل له حمل ومؤنة فى مكان آخر فيه تفصيل وان كان بطريق الاستقراض فهذا قرض جر منفعة وهو اسقاط خطر الطريق عن نفسه ومؤنة الحمل وقد نهى رسول الله ﷺ عن قرض جر منفعة وسماه ربا، وروى عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود رضى الله تعالى عنهما قالت أعطانى رسول الله ﷺ أحدا وخمسين وسقا من تمر خيبر وعشرين وسقا من شعير فقال لى عاصم بن عدى أعطيك تمرا هنا وآخذ تمرك بخيبر فقالت لا حتى أسأل عن ذلك فسألت عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه فنهانى عنه وقال: كيف بالضمان فيما بين ذلك وبه نأخذ وعن محمد بن سيرين قال أقرض عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه أبى بن كعب رضى الله تعالى عنه عشرة آلاف درهم وكانت لابى رضى الله تعالى عنه نخل بعجل، فأهدى أبى بن كعب رضى الله تعالى عنه رطبا لعمر فرده عليه فلقيه أبى فقال أظننت انى اهديت اليك لاجل مالك ابعث الى مالك فخذه فقال عمر رضى الله تعالى عنه لابى رد علينا هديتنا وبه نأخذ لأن عمر رضى الله تعالى عنه انما رد الهدية مع انه كان يقبل الهدايا لأنه ظن أنه أهدى اليه لاجل ماله فكان ذلك منفعة القرض فلما أعلمه أبى رضى الله تعالى عنه انه ما أهدى اليه لاجل ما له قبل الهدية منه وهذا هو الاصل ولهذا قلنا ان المنفعة اذا كانت مشروطة فى الاقراض فهو قرض جر منفعة وان لم يكن مشروطة فلا بأس به، حتى لو رد المستقرض أجود مما قبضه، فان كان
стр. 6999
ذلك عن شرط لم يحل لانه منفعة القرض، وان لم يكن ذلك عن شرط فلا بأس به لانه أحسن فى قضاء الدين وهو مندوب اليه، بيانه فى حديث عطاء رضى الله تعالى عنه قال:
استقرض رسول الله ﷺ من رجل دراهم فقضاه وارجح له فقالوا أرجحت فقال رسول الله ﷺ : انا كذلك نزن. فاذا جاز الرجحان له من غير شرط فكذلك صفة الجودة قالوا وانما يحل ذلك عند عدم الشرط اذا لم يكن فيه عرف ظاهر، اما اذا كان يعرف أنه فعل ذلك لاجل القرض فالتحرز عنه أولى، لان المعروف كالمشروط (١) وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما انه كان يأخذ الورق بمكة على ان يكتب لهم الى الكوفة بها، وتأويل هذا عندنا انه كان عن غير الشرط فأما اذا كان مشروطا فذلك مكروه والسفاتج التى تتعامله الناس على هذا ان أقرضه بغير شرط وكتب له سفتجة بذلك فلا بأس به، وان شرط فى القرض ذلك فهو مكروه لانه يسقط بذلك خطر الطريق عن نفسه فهو قرض جر منفعة (٢). ولو أجله عند الاقراض مدة معلومة أو بعد الاقراض لا يثبت الأجل وله ان يطالبه به فى الحال لان المقرض متبرع فلو لزم الأجل فيه لصار التبرع ملزم المتبرع شيئا - وهو الكف عن المطالبة الى مضى الاجل - وذلك يناقض موضوع التبرع وشرط ما يناقض موضوع العقد به لا يصح وكذلك الحاقه به لا يصح، فلهذا لا يلزم الاجل فيه وان ذكر بعد العقد ولان القرض بمنزلة العارية والتوقيت فى العارية لا يلزم حتى ان المعير وان وقته سنة فله أن يسترده من ساعته فكذلك الاجل فى القرض (٣).
وذكر صاحب منحة الخالق على البحر الرائق نقلا عن الذخيرة أن مذهب محمد بن سلمة امام بلخ أنه ان كان لرجل سلع وكان اذا استقرض انسان منه شيئا كان يبيعه أولا سلعة بنمن غال ثم نفد منه بعض الدنانير الى تمام حاجته وكثير من مشايخ بلخ كانوا يكرهون ذلك وكانوا يقولون: هذا قرض جر منفعة، ومن المشايخ من قال: ان كانا فى مجلس واحد كره والا لا بأس به وكان الشيخ الامام شمس الائمة الحلوانى يفتى بقول الخصاف ومحمد ابن سلمة ويقول: هذا ما ليس بقرض جر منفعة، هذا بيع جر منفعة وهى القرض (٤).
وجاء فى الفتاوى الهندية: أنه اذا اقرض رجل رجلا دراهم أو دنانير ليشترى المستقرض من المقرض متاعا بثمن غال فهو مكروه وان لم يكن شراء المتاع مشروطا فى القرض ولكن المستقرض اشترى من المقرض بعد القرض بثمن غال فعلى قول الكرخى لا بأس به وذكر الخصاف فى كتابه وقال ما أحب له ذلك وذكر شمس الائمة الحلوانى رحمه الله تعالى
стр. 7000
انه حرام، وذكر محمد رحمه الله تعالى فى كتاب الصرف ان السلف رضوان الله تعالى عليهم كانوا يكرهون ذلك الا ان الخصاف لم يذكر الكراهة انما قال لا احب له ذلك فهو قريب من الكراهة لكنه دون الكراهة ومحمد رحمه الله تعالى لم ير بأسا فى ذلك فانه قال فى كتاب الصرف: المستقرض اذا أهدى للمقرض شيئا لا بأس به من غير فضل فهذا دليل على أنه رفض قول السلف.
قال شيخ الاسلام جواهر زاده رحمه الله تعالى ما نقل عن السلف محمول على ما اذا كانت المنفعة - وهى شراء المتاع بثمن غال - مشروطة - فى الاستقراض وذلك مكروه بلا خلاف وما ذكر محمد رحمه الله تعالى محمول على ما اذا لم تكن المنفعة وهى الهدية مشروطة فى القرض وذلك لا بكره بلا خلاف (١)، وجاء فى المنتقى عن محمد رحمه الله تعالى أنه لو قال رجل لآخر أقرضنى الفا على أن أغيرك أرضى هذه تزرعها ما دامت الدراهم فى يدى فزرع المقرض لا يتصدق بشئ وأكره له هذا. كذا فى المحيط (٢).
مذهب المالكية:
جاء فى المدونة انه اذا أقرض شخص الى آخر ثوبا فى ثوب مثله الى أجل فان كان المقرض والمستقرض انما اعتزيا منفعة المقرض او طلب المقرض منفعة ذلك لنفسه من غير أن يعلم بذلك صاحبه فلا يجوز. وكذلك لا يجوز ان أقرضه دنانير أو دراهم طلب المقرض المنفعة بذلك لنفسه ولم يعلم بذلك صاحبه الا أنه كره أن يكون فى بيته وأراد أن يحرزها فى ضمان غيره فأقرضها رجلا، ومثل الدنانير والدراهم فى ذلك الحكم العروض وما يكال أو يوزن وكل شئ يقرض وروى مالك رحمه الله تعالى ان رجلا اتى عبد الله بن عمر رضى الله تعالى عنهما فقال: يا ابا عبد الرحمن انى أسلفت رجلا سلفا واشترطت عليه افضل مما أسلفته فقال عبد الله ذلك الربا. قال فكيف تأمرنى يا ابا عبد الرحمن. قال: السلف على ثلاثة وجوه. سلف تريد به وجه الله فلك وجه الله.
وسلف تريد به وجه صاحبك فليس لك الا وجه صاحبك، وسلف تسلفه لتأخذ به خبيثا بطيب فذلك الربا. قال: كيف تأمرنى يا أبا عبد الرحمن قال أرى أن تشق الصحيفة فأن أعطاك مثل الذى اسلفته قبلته وان اعطاك دون ما أسلفته فاخذته اجرت وان هو اعطاك فوق ما أسلفته طيبة به نفسه فذلك شكر شكره لك ولك أجر ما أنظرته. وروى ابن وهب عن ابن لهيعة عن يزيد بن ابى حبيب عن أبى شعيب مولى الانصار انه لستسلف بافريقية دبنارا من رجل على ان يعطيه بمصر منقوشا فسأل ابن عمر رضى الله تعالى عنهما عن ذلك فقال: لولا الشرط الذى فيه لم يكن به بأس وقال ابن عمر: انما القرض متحد. وقال القاسم وسالم رحمهما الله تعالى: انه لا بأس به ما لم يكن بينهما شرط. قال ابن عمر رضى الله تعالى عنهما: من أسلف سلفا فلا يشترط الاقضاءه، فلو اقرض شخص آخر حنطة بالفسطاط على أن يوفيها اياه فى الاسكندرية
стр. 7001
كان ذلك حراما قال مالك رحمه الله تعالى:
نهى عن ذلك عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه وقال: فأين الجمال. ولو كان لرجل مزرعة عند أرض رجل، وللآخر عند مسكن ذلك الرجل أرض يزرعها فيحصدان جميعا فيقول احدهما لصاحبه: اعطنى هاهنا طعاما بموضعى الذى اسكن فيه من زرعك وانا أعطيك فى موضعك الذى تسكن فيه من زرعى قال الامام مالك رضى الله تعالى عنه: لا خير فى ذلك. ولو اتى الرجل الى الرجل قد استحصد زرعه ويبس وزرع الآخر لم يستحصد ولم ييبس وهو يحتاج الى الطعام فيقول له أسلفنى من زرعك هذا الذى قد يبس فدانا أو فدانين أحصدهما وأدرسهما وأذريهما وأكيلهما فأعطيك ما فيهما من الكيل. قال الامام مالك رحمه الله تعالى: اذا كان ذلك من السلف على وجه المرفق لصاحبه وطلب الاخر فلا بأس فى ذلك ومن ذلك انه يحصد الزرع القليل من الزرع الكثير فيقرض منه الشئ اليسير فليس يخف بذلك عنه مؤنة ولا ذلك طلب فلا ارى به بأسا وان كان يدرسه له ويحصده ويذريه له اذا كان ذلك من المسلف على وجه الاجر وطلب المرفق بمن اسلف وان كان انما اسلفه لان يكفيه مؤنته وحصاده وعمله فهذا لا يصلح (١).
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج انه لا يجوز قرض نقدا وغير نقد ان اقترن بشرط رد صحيح عن مكسر أو رد زيادة على القدر المقرض، أو رد جيد عن ردئ او غير ذلك من كل شرط جر منفعة للمقرض كرده ببلد آخر أو رهنه بدين آخر فان فعل فسد العقد لخبر فضالة بن عبيد رضى الله تعالى عنه: كل قرض جر منفعة أى شرط فيه ما يجر الى المقرض منفعة فهو ربا وروى مرفوعا بسند ضعيف لكن صحح الامام والغزالى رفعه وروى البيهقى معناه عن جمع من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم والمعنى فيه ان موضوع القرض الارفاق فاذا شرط فيه لنفسه حقا خرج عن موضعه فمنع صحته وشمل ذلك شرطا ينفع المقرض والمقترض فيبطل به العقد فيما يظهر، ومنه القرض لمن يستأجر ملكه أى مثلا باكثر من قيمته لاجل القرض ان وقع ذلك شرطا ينفع المقرض والمقترض فيبطل به العقد فيما يظهر، ومنه القرض لمن يستأجر ملكه أى مثلا بأكثر من قيمته لاجل القرض ان وقع ذلك شرطا اذ هو حينئذ حرام فالاجماع والاكراه عندنا وحرم عند كثير من العلماء قاله السبكى رحمه الله تعالى. فلو رد من اقترض لنفسه من ماله زائدا قدرا او صفة بلا شرط فحسن، ومن ثم ندب ذلك ولم يكره للمقرض الأخذ كقبول هديته ولو فى الربوى للخير المار وفيه ان خياركم أحسنكم قضاء. نعم الأولى - كما قاله الماوردى - تنزيهه عنها قبل رد البدل، ولو اقرض من عرف برد الزيادة قاصدا ذلك كره فى أوجه الوجهين قياسا على كراهة نكاح. من عزم على أنه يطلق اذا وطئ من غير شرط. وظاهر كلامهم ملك الزائد تبعا لأنه هبة مقبوضة ولا يحتاج فيه الى ايجاب وقبول ويمتنع على البازل ورجوعه فى الزائد كما أفتى به ابن عجيل رحمه الله تعالى
стр. 7002
وهو ظاهر. ولو شرط أن يرد مكسرا عن صحيح أو أن يقرضه شيئا آخر غيره لغى الشرط فيهما ولم يجب الوفاء به والأصح انه لا يفسد العقد لان ما جره من المنفعة ليس للمقرض بل للمقترض والعقد عقد ارفاق فكأنه زاد فى الارفاق ووعده وعدا حسنا ولا يشكل هذا بما يأتى فى نظيره من الرهن حيث يفسده لقوة داعى القرض فانه سنة ولان وضعه جر المنفعة للمقترض فلم يفسد باشتراطهما والثانى يفسد لمنافاته مقتضى العقد. ولو شرط أجلا فهو كشرط مكسر عن صحيح ان لم يكن للمقرض غرض صحيح أوله والمقترض غير ملئ فيلغو الاجل لامتناع التفاضل فيه كالربا، ويصح العقد لانه زاد فى الارفاق بجره المنفعة للمقترض ولا اعتبار بجرها له فى الاخيرة لان المقترض لما كان معسرا كان الجر اليه أقوى فغلب وبين الوفاء باشتراط الاجل كما فى تأجيل الدين الحال. قال ابن الرفعة رحمه الله تعالى: وغير الاجل مما ذكر فى معناه، ولا تمتنع المطالبة بالحال مع اليسار الا بالوصية والنذر على ما فيه مما يأتى فى بابه فبأحدهما تتأخر المطالبة به مع حلوله، وان كان للمقرض غرض كزمن نهب والمقترض ملئ بالمقرض - بفتح الراء - أو بدله فيما يظهر فكشرط رد صحيح عن مكسر فيفسد العقد فى الاصح لان فيه جر منفعة للمفرض والثانى يصح ويلغو الشرط ويجوز للمقرض ان يشترط رهنا وكفيلا عينا على قياس البيع واقرارا به عند حاكم واشهادا عليه لان هذه الامور توثيقات لا منافع زائدة فله اذا لم يوف بها المقترض ان يفسخ وان كان له الرجوع بغير شرط كما سيأتى على أن فى التوثق بها مع افادته امن الجحد فى بعض وسهولة الاستيفاء فى بعض آخر صون العرض فان الحياء والمرؤة يمنعانه من الرجوع بلا سبب بخلاف ما اذا وجد فان المقترض اذا امتنع من الوفاء بشئ من ذلك كان المقرض معذورا فى الرجوع غير ملوم. قال ابن العماد رحمه الله تعالى: ومن فوائده أن المقترض لا يحل له أن يتصرف فى العين التى اقترضها قبل الوفاء بالشرط وان قلنا يملك بالقبض كما لا يجوز للمشترى ان يتصرف فى المبيع قبل دفع الثمن الا برضا البائع والمقرض ههنا لم يبح له التصرف الا بشرط صحيح وان فى صحة هذا الشرط حثا للناس على فعل القرض وتحصيل أنواع البر وغير ذلك (١).
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى ان كل قرض شرط فيه أن يزيده فهو حرام بغير خلاف. قال ابن المنذر رحمة الله تعالى: أجمعوا على أن للمسلف اذا شرط على المستسلف زيادة او هدية فاسلف على ذلك فان أخذ الزيادة على ذلك ربا وقد روى عن أبى بن كعب وابن عباس وابن مسعود رضى الله تعالى عنهم أنهم نهوا عن قرض جر منفعة ولان عقد القرض عقد ارفاق وقربة فاذا شرط فيه الزيادة أخرجه عن موضعه، ولا فرق بين الزيادة فى القدر او فى الصفة مثل ان يقرضه مكسرة ليعطيه صحاحا أو نقد اليعطيه خيرا منه. وان شرط ان يعطيه اياه فى بلد آخر وكان لحمله ومؤنة لم يجز لأنه زيادة وان لم يكن لحمله مؤنة جاز وحكاه ابن المنذر
стр. 7003
عن على وابن عباس والحسن بن على وابن الزبير وابن سيرين وعبد الرحمن بن الاسود وايوب السختيانى والثورى وأحمد واسحاق رضى الله تعالى عنهم وكرهه الحسن البصرى وميمون بن أبى شبيب وعبدة بن ابى لبابة لانه قد يكون فى ذلك زيادة. وقد نص الامام أحمد رحمه الله تعالى على أن من شرط أن يكتب له بها سفتجة لم يجز - ومعنى السفتجة اشتراط القضاء فى بلد اخر - وروى عنه جوازها لكونها مصلحة لهما جميعا وقال عطاء رضى الله تعالى عنه: كان ابن الزبير يأخذ من قوم بمكة دراهم ثم يكتب لهم بها الى مصعب بن الزبير فى العراق فيأخذونها منه، فسئل عن ذلك ابن عباس رضى الله تعالى عنهما فلم ير به بأسا. وروى عن على رضى الله تعالى عنه أنه سئل عن مثل هذا فلم ير به بأسا وممن لم ير به بأسا ابن سيرين والنخعى رواه كله سعيد، وذكر القاضى ان للوصى قرض مال اليتيم فى بلد ليفيه فى بلد أخرى ليربح خطر الطريق والصحيح جوازه لانه مصلحة لهما من غير ضرر بواحد منهما. والشرع لا يرد بتحريم المصالح التى لا مضرة فيها بل بمشروعيتها لان هذا ليس بمنصوص على تحريمه ولا فى معنى المنصوص، فوجب ابقاؤه على الاباحة وان شرط فى القرض أن يؤجره داره أو يبيعه شيئا او ان يقرضه المقترض مرة اخرى لم يجز لأن النبى ﷺ نهى عن بيع وسلف «ولأنه شرط عقدا فى عقد فلم يجز كما لو باعه داره بشرط ان يبيعه الآخر داره.
وان شرط أن يؤجره داره بأقل من اجرتها او على أن يستأجر دار المقرض باكثر من اجرتها أو على أن يهدى له هدية أو يعمل له عملا كان أبلغ فى التحريم. وان فعل ذلك من غير شرط قبل الوفاء لم يقبله ولم يجز له أن يقبله الا ان يكافئه او يحسبه من دينه، الا ان يكون ذلك شيئا جرت العادة به بينهما قبل القرض لما روى الأنرم رحمه الله تعالى ان رجلا كان له على سماك عشرون درهما فجعل يهدى اليه السمك وبقومه حتى بلغ ثلاثة عشر درهما فسأل ابن عباس رضى الله تعالى عنهما فقال: أعطه سبعة دراهم وعن ابن سيرين رحمه الله تعالى ان عمر اسلف ابى بن كعب عشرة آلاف درهم.
فأهدى اليه ابى ابن كعب من ثمرة ارضه فردها عليه ولم يقبلها فأتاه ابى فقال: لقد علم أهل المدينة انى من اطيبهم ثمرة وانه لا حاجة لنا فبم منعت هديتنا؟ ثم اهدى اليه بعد ذلك فقبل. وعن زر بن حبيش رحمه الله تعالى قال:
قلت لابى بن كعب: انى اريد ان أسير الى أرض الجهاد الى العراق فقال: انك تأتى أرضا فاش فيها الربا فان أقرضت رجلا قرضا فأتاك بقرضك ليؤدى اليك قرضك ومعه هدية فأقبض قرضك واردد عليه هديته. رواهما الأثرم وروى البخارى عن ابى بردة عن ابى موسى رضى الله تعالى عنهم قال: قدمت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام - وذكر حديثا - وفيه ثم قال لى: انك بأرض فيها الربا فاش فاذا كان لك على رجل دين فأهدى اليك حمل تبن أو حمل شعير او حمل قت فلا تأخذه فانه ربا.
قال ابن ابى موسى رحمه الله تعالى: ولو أقرضه قرضا ثم استعمله عملا لم يكن ليستعمله مثله قبل القرض كان قرضا جر منفعة ولو استضاف غريمه ولم تكن العادة جرت بينهما بذلك حسب له ما أكله لما روى ابن ماجه فى سننه عن انس رضى الله تعالى عنه قال: قال
стр. 7004
رسول الله ﷺ : «إذا اقرض أحدكم قرضا فأهدى اليه او حمله على الدابة فلا يركبها ولا يقبله الا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك (١). وان شرط فى القرض أن يوفيه أنقص مما أقرضه وكان ذلك مما يجرى فيه الربا لم يجز لافضائه الى فوات المماثلة فيما هى شرط فيه. وان كان فى غيره، لم يجز أيضا لان القرض يقتضى المثل فشرط النقصان يخالف مقتضاه فلم يجز كشرط الزيادة (٢).
ولو افلس غريمه فأقرضه الفا ليوفيه كل شهر شيئا معلوما جاز لانه انتفع باستيفاء ما هو مستحق له، ولو كان له عليه حنطة فأقرضه ما يشترى به حنطة يوفيه اياها لم يكن محرما لذلك، ولو اراد رجل ان يبعث الى عياله نفقة فأقرضها رجلا على ان يدفعها الى عياله فلا بأس اذا لم يأخذ عليها شيئا ولو اقرض أكاره ما يشترى به بقرا يعمل عليها فى أرضه او بذرا يبذره فيها فان شرط ذلك فى القرض لم يجز لانه شرط ما ينتفع به فأشبه شرط الزيادة، وان لم يكن شرطا فقال ابن ابى موسى رحمه الله تعالى: لا يجوز لانه قرض جر منفعة قال ولو قال اقرضنى الفا وادفع الى ارضك أزرعها بالثلث كان خبيثا والاولى ان ذلك يجوز اذا لم يكن مشروطا لان الحاجة داعية اليه والمستقرض انما يقصد نفع نفسه، وانما يحصل انتفاع المفرض ضمنا فأشبه اخذ السفتجة به وايفاءه فى بلد آخر ولانه مصلحة لهما جميعا فأشبه ما ذكرنا (٣). قال احمد رحمه الله تعالى ولو اقرضه تسعين دينارا بمائة عددا والوزن واحد وكايت لا تنفق فى مكان الا بالوزن جاز وان كانت تنفق برؤسها فلا يجوز وذلك لانها اذا كانت تنفق فى مكان برؤسها كان ذلك زيادة لان التسعين من المائة تقوم مقام التسعين التى اقرضه اياها ويستفضل عشرة.
ولا يجوز اشتراط الزيادة واذا كانت لا تنفق الا بالوزن فلا زيادة فيها او ان كثر عددها.
قال ولو قال اقترض لى من فلان مائة ولك عشرة فلا بأس ولو قال: اكفل عنى ولك الف لم يجز وذلك لان قوله اقترض لى ولك عشرة جعالة على فعل مباح فجازت كما لو قال: ابن لى هذا الحائط ولك عشرة واما الكفالة فان الكفيل يلزمه الدين فاذا آداه وجب له على المكفول عنه فصار كالقرض فاذا أخذ عوضا صار القرض جارا للمنفعة فلم يجز (٤) ولا يثبت فى القرض خيار ما لان القرض دخل على بصيرة أن الحظ لغيره فأشبه الهبة والمقترض متى شاء رده فيستغنى بذلك عن ثبوت الخيار له (٥).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أنه لا يحل ان يشترط رد أكثر مما اخذ ولا اقل وهو ربا مفسوخ، ولا يحل اشتراط رد أفضل مما أخذ ولا أدنى وهو ربا ولا يجوز اشتراط نوع غير النوع الذى أخذ ولا اشتراط أن يقضيه فى موضع كذا
стр. 7005
ولا اشتراط ضامن. لقول رسول الله ﷺ : كل شرط ليس فى كتاب الله فهو باطل ما بال اقوام يشترطون شروطا ليست فى كتاب الله، من اشترط شرطا ليس فى كتاب فليس له وان اشترط مائة شرط، كتاب الله احق وشرط الله اوثق ولا خلاف فى بطلان هذه الشروط التى ذكرنا فى القرض (١) وهدية الذى عليه الدين الى الذى له عليه الدين حلال وكذلك ضيافته اياه، ما لم يكن شئ من ذلك عن شرط فان كان شئ من ذلك عن شرط فهو حرام لما روينا من طريق الليث بن سعد عن سعيد بن ابى سعيد المقبرى عن أبى شريح العدوى انه سمع رسول الله ﷺ يقول: «من كان يؤمن بالله واليوم الأخر فليكرم ضيفه جائزته يومه وليلته والضيافة ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقة وكان رسول الله ﷺ يأكل الهدية وقال ﷺ : لو اهدى الى ذراع لقبلت، فهذا عموم لم يخص ﷺ من ذلك غريما من غيره (٢).
مذهب الزيدية:
جاء فى التاج المذهب: انه يعتبر فى القرض أن يكون غير مشروط بما يقتضى الربا نحو أن يقرضه بلا شرط أو يشرط عليه أن يرد له مثله، وان لا يكن كذلك بل مشروطا بما يقتضى الربا فهو باطل نحو ان يقرضه كذا على أن يقضيه فى مكان كذا، وله منفعة بذلك الشرط او على ان يرد له اكثر مما اقرضه هذا مع الشرط وأما مع الاضمار فان كان المضمر هو الأخذ أضمر ان يزيد فلا تأثير لضميره وان كان المضمر هو المقرض فان كان ضميره انه يأخذ الزيادة ان حصلت مع انه لم يقصدها بالاقراض فهذا جائز وان كان لا يقرض الا لاجل الزيادة فلا يجوز لان المضمر فى الربا كالمظهر. واعلم ان من صور الربا ان يكون لرجل دين على غيره فيزيد من عليه الدين شيئا ليمهله او يكون له دراهم فيقول ان لم تسلمها لوقت كذا كان عليك بكل قدر من الدراهم كذا من الطعام أو من غيره ومن ذلك ايضا ان يقرض الحب الدفين المتغير او الذى قد أكلته السوس بحب سليم. وكذلك من صور الربا أن يكون له دين فيأكل من له الدين مع من عليه الدين على وجه الضيفة وقد عرف أنه ما أضافه الا لينظره فأما لو اضافه أو أهدى اليه مكافأة على الاحسان باقراضه أو تأجيله بالدين فيما مضى فان ذلك جائز ومن صور الربا ان يقرضه قدرا من الحب ويقول ما طلع من السعر على ذلك القدر فهو لى ولا يقبل منه مثله، قال المنصور بالله ﵇:
قرض الحب والمطالبة به وقت القضاء وان كان غاليا جائز واخذ القيمة بغير زيادة ودفع القيمة بلا محاباة جائزه وكذلك يجوز اقراض الحب السليم عند الخوف عليه من السوس والبلل ونحوه ولا يقال بأنه قرض جر منفعه لأن المنفعة هى من غير المستقرض كما لو قصد الثواب فى قرضه فان فيه منفعة وهو الأجر وكذلك يجوز القرض عند استواء المنفعتين فى القرض ومن ذلك ما يأخذ الشركاء من الزراع وغيرهم (٣). ولا يجوز القرض اذا اشترط