← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 7036–7075 · переход к 7041.

стр. 7036

فى تأخيره. ويصح ويجوز أيضا ممن عليه حق مؤجل ان يعجله لصاحبه ولو بشرط حط البعض من ذلك الحق المؤجل وأما الحق المعجل اذا امتنع من عليه الحق من تسليمه واشترط الابراء فى البعض أو الحط أو الاسقاط فانه لا يبرأ مما حط عنه، ولو كان الحط بأى الفاظ التمليك لأنه لا يقابله عوض وانما هو تفاد لحقه فيبقى ما حط عنه فى ذمته اذ الامتناع محرم عليه (١). والدين - وهو ما يثبت فى الذمة برضاء أربابه - يتضيق قضاؤه بالطلب ممن هو له سواء كان غير مؤجل أم كان مؤجلا وحصل الطلب بعد حلول الأجل، وكذا لو قال: اذا حل الأجل فأنا مطالب لك بتسليم الدين، فانه يتضيق الرد بعد حلول الأجل ان لم يطالبه، وكذا لو غلب فى ظنه أن صاحبه لا يرضى ببقاء الدين لديه، وانما ترك الطلب سهوا منه أو حياء أو خوفا، فانه يتضيق الرد ولو لم يطلب واذا كان الدين لصغير أو مجنون فانه يتضيق الرد عند الحاجة الى الدين بدون طلب، (٢) واذا لم يحتج له فلا يتضيق الا بطلب من الولى. واذا كان صاحب الدين قد اشهد عليه فانه لا يجب قضاؤه الا مع حصول الشهود ولو كانوا غير الأولين أو فى حضور الحاكم. قال الامام: فيطلب من عليه الدين الخروج من الاثم من مطل بعد ان تضيق عليه الرد وهو متمكن من التخلص ويكفيه الرجوع والتسليم والاعتذار وان لم يقبل ولا يحتاج الى طلب الابراء من الممطول (٣). مذهب الإمامية: جاء فى كتاب الخلاف أنه يجوز لمن اقترض من غيره مالا أن يرد عليه بدله خيرا منه مادام ذلك من غير شرط سواء كان ذلك عادة أو لم يكن لأن الأصل أنه يجوز والمنع يحتاج الى دليل ولأن عليه اجماع الفرقة وأخبارهم (٤). واذا لم يجد المستقرض مال القرض بعينه وجب عليه ان يرد مثله لأنه اذا قضى مثله برئت ذمته واذا رد قيمته لم يدل دليل على براءتها وأيضا لأن الذى أخذه عين مخصوصة فمن نقل الى قيمتها فعليه الدلالة (٥). وجاء فى الروضة البهية: انه يجوز للمستقرض ان يرد مثل القرض مع وجود عينه وان كره المقرض لأن عين القرض - حيث قلنا يملكه وبالقبض تصير كغيرها من أمواله، والحق يتعلق بذمته فيتخير فى جهة القضاء. أما اذا قلنا بتوقف الملك على التصرف فانه يجب أن تدفع العين مع طلب مالكها، ويمكن القول بذلك ايضا وان ملكناه بالقبض بناء على أن القرض عقد جائز ومن شأنه رجوع كل عوض الى مالكه اذا فسخ كالهبة والبيع بخيار (٦) ويجب على المدين أن ينوى القضاء سواء قدر على ادائه أم لم يقدر، على معنى أنه يعزم - وان عجز (٧) - عن الأداء اذا قدر وسواء كان

стр. 7037

صاحب الدين حاضرا أم غائبا، لأن ذلك من مقتضى الايمان وجاء فى مفتاح الكرامة أن القرض ان كان مثليا يثبت فى الذمة مثله كالذهب والفضة وزنا والحنطة والشعير كيلا ووزنا والخبز وزنا وعددا للعرف، وغير المثلى تثبت قيمته وقت القرض لا يوم المطالبة وذلك لاختلاف الصفات فالقيمة أعدل، وقيل: انه يثبت مثله أيضا وفى الشرائع: لو قيل به ايضا كان حسنا لأنه أقرب الى الحقيقة، ولخبرين عامين واردين فى مطلق الضمان، أحدهما تضمن أنه ﷺ أخذ قصعة امرأة كسرت قصعة امرأة أخرى والثانى أنه ﷺ ضمن عائشة اناء حفصة وطعامها لما كسرته واختير فى التذكرة ضمان المثل الصورى فيما يضبطه الوصف وهو ما يصح السلم فيه وضمان ما ليس كذلك بالقيمة لخبرين عامين أحدهما أن رسول الله ﷺ استقرض بكرا فرد بازلا وأنه استقرض بكرا فأمر برد مثله. وفيه أن مطلق الدفع أعم من الوجوب ولا ريب فى جوازه مع التراضى لأنه زاده خيرا وما أمر به النبى ﷺ لم يقع اذ لم ينقل لأن المنقول أنه اقترض قرضا من رجل بكره فقدمت عليه ابل الصدقة فأمر أبا رافع أن يقضى الرجل بكره فرجع أبو رافع رضى الله تعالى عنه وقال: لم أجد الا جملا جبارا رباعيا، فقال ﷺ : أعطه اياه، ان خير الناس أحسنهم قضاء. فلا يدل على تحقق البراءة بالكره بل يجوز كونه مشروطا بالتراضى (١). ولو تعذر المثل فى المثلى وجبت القيمة يوم المطالبة لأن الثابت انما هو المثل الى ان يطالبه ولعل المراد المطالبة مع التسليم، فلو فرضنا أنه طالبه ولم يسلم اليه ثم اتفق وجوده فالظاهر انحصار الحق لا فى القيمة، وقيل: تجب قيمته وقت القرض. وقيل: تجب قيمته وقت التعذر: وهو خيرة التحرير ونسب الى الشيخ فى النهاية (٢): وله ان يعجل المؤجل باسقاط بعضه مع التراضى ويدل على ذلك ما رواه الكلينى والشيخ فى الكافى والتهذيب عن أبار ابن تغلب فى الصحيح عمن حدثه عن أبى عبد الله ﵇ قال: سألته عن الرجل يكون له على الرجل دين فيقول له قبل أن يحل الأجل. عجل النصف من حقى على أن أضع عنك النصف الآخر، أيحل ذلك لواحد منهما منه قال: نعم ونحوه حسنة. وكما يعتبر التراضى فى اسقاط البعض يعتبر التراضى فى تعجيله بغير اسقاط لأن الأجل أيضا حق لهما لتعلق غرض كل منهما به فان التعجيل قد لا يرضى به صاحب الحق لحصول ضرر بالقبض لخوف ونحوه وبالنسبة الى الآخر واضح لكن اسقاط الأجل بكفى فيه مجرد الرضا أما اسقاط بعض الحق فيحتمل كونه كذلك كما يقتضيه ظاهر اطلاقهم ويكون الرضا بالبعض قائما مقام الابراء (٣). ولو رد المقترض العين فى المثلى وجب على المقرض ان يقبلها وان رخصت كما فى التذكرة وغيرها - لأن الواجب أمر كلى فى الذمة والعين أحد أفراد الكلى والتعيين الى من عليه الحق. وكذا غير المثلى على اشكال منشؤه ايجاب قرضه القيمة والوجه الآخر من الاشكال مساواة المدفوع للمأخوذ

стр. 7038

وأن القيمة انما اعتبرت لتعذر المثل ونحوه على ما فى التذكرة والتحرير فى عدم الترجيح واختير عدم وجوب القبول فى الايضاح والتنقيح لأن الواجب فى قرض القيمى هو القيمة وقت القرض، فاذا دفع العين فقد دفع غير الواجب، فيكون القبول مشروطا بالتراضى (١) ويجوز للمقرض ان يطالب المقترض حالا بالجميع وان أقرضه تفاريق لأن الجميع حال فله ان يطالبه به، وكذلك الحال فى العكس كما لو اقرضه جملة فانه يجوز له أن يطالبه بها تفاريق. ولو أقرضه جملة فدفع اليه تفاريق وجب أن يقبله لأنه حق له استحق أخذه وليس كالبيع والثمن يجب تسليم جميعه نظرا الى اتحاد الصفقة، فليس له فيما نحن فيه أن يمتنع من أخذه الى أن يسلمه الجميع اذ لا صفقة هنا ويطالب بالباقى فى الحال ولا يجب على المقرض أن يؤخر وان قل الزمان الا مع الاعسار (٢). واذا اطلق القرض انصرف الى أداء المثل فى مكانه فلو شرط القضاء فى بلد آخر جاز سواء كان فى حمله مؤنة أم لا ولو طالبه المقرض من غير شرط فى غير البلد أو فيه مع شرط غيره وجب الدفع مع مصلحة المقترض، ولو دفع القرض فى غير بلد الاطلاق أو الشرط وجب أن يقبل مع مراعاة مصلحة المقرض (٣) ولو اقترض نصف دينار فدفع دينارا صحيحا وقال: نصفه قضاء ونصفه امانة جاز ولم يجب القبول لأن الشركة عيب، والالتزام بالوديعة تكليف فلابد من المراضاة فاذا تراضيا كان بينهما نصفين ولكل منهما ان يتصرف بنصفه مشاعا وان اتفقا على كسره جاز، وان اختلف لم يجبر الممتنع وان اتفقا على ان يكون نصفه قضاء ونصفه قرضا أو ثمنا لمبيع كان جائزا. ولو دفع المقترض ما اقترضه ثمنا عن سلعة اشتراها من المقرض فخرج الثمن زيوفا، فان كان المقرض عالما وكان الشراء بالعين صح البيع وعلى المقترض أن يرد مثل الزيوف (٤) فان كان الشراء فى الذمة طالبه بالثمن سليما وللمشترى احتساب ما دفعه ثمنا عن القرض ولو لم يكن عالما وكان الشراء بالعين كان له أن يفسخ البيع. ولو اقترض ذمى من مثله خمرا ثم أسلما أو أسلم أحدهما سقط القرض، لأنه لا يجب على المسلم أن يؤدى الخمر ولا قيمته لأنه من ذوات الأمثال، فلا يجوز للمسلم ان يطالبه به، وقال فى الدروس: الأقرب أنه يلزمه القيمة باسلام الغريم ولو كان القرض خنزيرا فالقيمة، وكذلك الحال فى آلة اللهو وعلى القول بضمان المثل فكالأول (٥) ولو دفع المدين أعواضا على التفاريق من غير جنس الدين قضاء ثم تغيرت الأسعار كان له سعر يوم الدفع لا وقت المحاسبة وان كان مثليا (٦). ولو اقترض دراهم ثم أسقطها السلطان وجاء بدراهم غيرها لم يكن عليه الا الدراهم الأولى، وفى المفاتيح: انه مذهب الأكثر لأنها من ذوات الأمثال فكانت مضمونة بالمثل وخالف فى ذلك

стр. 7039

الصدوق فى المقنع حيث قال: وان استقرضت من رجل دراهم ثم سقطت تلك الدراهم وتغيرت فلا يباع بها شئ فلصاحب الدراهم التى تجوز بين الناس. وعلى القول الأول، فان تعذرت الدراهم الأولى وجب عليه قيمتها وقت التعذر ويحتمل وقت القرض من غير الجنس لا من الدراهم الثانية، حذرا من التفاضل فى الجنس المتحد، لأنه اذا بطل رواجها من حيث كونها دراهم لم يبق الا اعتبار النقد وهو أنقص باعتبار أن للسكة اعتبارا فتزيد بها القيمة واما مع المساواة فى الوزن فلا بأس. وكذا لو جعل السلطان قيمة الدراهم اقل كان الحكم فيه كما فى اسقاطها فمع التعذر يأخذ القيمة من غير الجنس حذرا من الربا (١). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل: ان القرض ان كان حبا أو غيره مما يجوز فيه القرض غير العين وغير الحيوان فوق ما يحمله حامل على ظهره أدرك بمحل القرض سواء طلب القضاء من له الحق أو من عليه الحق وان لم يكن فوق ما يحمله حامل على ظهره، بل مقدار ما يحمله أو أقل أدركه صاحبه فى كل بلد طلبه صاحب الحق أو طلب من عليه الحق، غير الحجاز، وأما فى الحجاز فلا يدركه فيه ولو قل لانه طريق الحج والاحتياج الى الزاد وغيره الا ان كان وطنه فى الحجاز فان صاحب الحق يدرك عليه فى غير بلده من مواضع الحجاز ما هو اقل مما يحمله على ظهره، واما مقدار ما يحمله على ظهره أو أكثر فانه يدركه عليه فى محل القرض. وان كان القرض عينا او حيوانا فصاحبه يدركه حيث وجد من عليه الحق وان وجده فى الحجاز. وقيل ان استوت الاسعار أدرك الحب أو نحوه مما جاز فيه القرض مطلقا فى كل بلد الا فى الحجاز. ويدرك الدراهم فى الحجاز ايضا لأن المطالبة بها لا توقع غلاء الأسعار فيه بخلاف المطالبة بالحب. وان اختلفت الأسعار لم يدركه فى الموضع الذى كان فيه سعره أكثر لئلا يأخذ أكثر من حقه وقد نهى النبى ﷺ عن كل قرض جر منفعة وظاهر الحديث انه ان اقرضه دنانير أو دراهم فى بلد لا يأخذها فى بلد آخر اذا كانت قيمتها فيه أزيد من قيمتها فى البلد الذى أقرضه فيه. قال صاحب شرح النيل: والذى يظهر لى انه يدرك عليه فى كل بلد ولو اختلفت الاسعار او تفاوتت النقود، لأن التفاوت بالبلد كلا تفاوت لأن ذلك مقدار واحد ترك فى بلد أو حمل منه وانما تزيد القيمة او تنقص بالحمل منه وانما يمنع ما اختلف جودة ورداءة وان رضيا جاز ان لم يقع شرط على ذلك (٢). وفى الأثر اختلف فى مقرض الى أجل، فقيل: ليس له ان يطلب القرض من المقترض قبل الأجل لأنه من خلف الوعد، وقيل يجوز له ان يطالبه بلا اضرار. ويصح للمقترض ان يؤدى القرض قبل الأجل لأن أجل القرض غير ثابت ولو أبى المقرض ان يقبضه (٣). ويجوز أن يأخذ غير ما أقرض فيه أن لم يشترط ذلك وقيل لا يجوز وقيل يجوز أن يأخذ حبا فى حب وقيل: لا يجوز الا بقدر قيمته سواء كان من جنس الحب الذى أقرض أو من غير جنسه،

стр. 7040

وقيل: لا يجوز الا من جنس حبه او قيمته دراهم أو دنانير يوم القضاء، وقيل: لا يجوز الا من جنس حبه ويجوز القرض بجراب بلاكيل واما جراب كيله كذا فلا يجوز اذ لم يقرض بالجراب وحده ولا بالكيل وحده وان عرف كم فى الأول جاز ويجوز ان يأخذ أفضل مما أقرض ان لم يشترط. ومن اقترض شيئا ثم قال للمقرض لما طالبه: لا أجده فخذ منى الثمن فعرضه عليه بسعره فلم يقدر عليه حتى رخص الشئ فقال للمقرض خذ منى ما اقرضت لى أعنى جنسه وطلب المقرض الدراهم قال ابو سعيد له الدراهم لأنهما سعراه بها وقال هاشم له الجنس وتسعيرهما ليس بشئ واذا كان المقرض والمقترض فى بلد واحد فعلى المقترض الايصال مطلقا (١). ومن عليه قرض لرجل وله على ذلك الرجل قرض مع تخالف الجنس فلهما ان يتقاضا عند الأكثر فى الأثر: من أقرض دنانير فلا يأخذ الا اياها، وقيل: له ان يأخذ بها دراهم وبالعكس بالصرف بلا زيادة (٢). ويجوز أن يقضى الفرض بالزيادة والنقص اذا رضى صاحب الحق بالنقص من حقه كالذى عليه الحق ورضى من عليه الحق بالزيادة كالذى له الحق لحديث أبى رافع رضى الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ أمره أن يعطى رباعيا خيارا أعرابيا اقترض منه بكرا. ولما روى من أن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما اقترض ألف درهم فرد ألفا ومائتين فقال: الألف فضاء لك والزيادة من عندى لك. واختلفوا هل تجوز الزيادة بلا تمييز لها من الحق الواجب أم لا ولا تجوز على الحق أيضا تقديم الزائد على الحق أيضا، وتجوز الزيادة بلا ذكر انها هبة أو صدقة ولكن بفعل ما يعلم أنه لم يغلظ (٣). وجاء فى شرح النيل أنه يصح تقاض بين متداينين ترتب لكل منهما على الآخر دين ولو كان الدينان طعاما لأنه ليس ذلك بيعا محضا فيتقاضى كل واحد من صاحبه بأن يمسك كل واحد منهما ما فى ذمته لنفسه بدل ماله على الآخر وذلك اذا تماثل الدينان فى نوع الدين والكمية والجنس ان يكون لكل على الاخر عشرون درهما أو عشرون دينارا أو عشرون حبة شعير أو عشرون شاة أو عشرون رطلا شحما أو عشرة أمداد برا أو نحو ذلك من الاعداد المتفقة والاجناس المتفقة الا ان تخالفا كما مثل أن كان يكون لاحدهما على الاخر عشرون وللآخر عليه عشرة أو تخالفا جنسا مثل ان يكون لاحدهما مائة درهم على الأخر والآخر عليه عشرة دنانير أو يكون لأحدهما شاة من الضأن وللآخر شاة من المعز أو يكون أحدهما حبة ونصف من شعير وللاخر حبة من بر لأنه ان تخالفا جنسا كان التقاضى أدخل فى الشبهة ببيع الدين بالدين وان تخالفا كما يصح ذلك وان كان بلا نية للتقاضى ولا لفظ به ما لم ينويا هما أو أحدهما انكارا ما لصاحبه عليه بأن ينوى أن يأخذ ماله ولا يعطى ما عليه فمن نوى منهما ذلك لم يحل له ما فى ذمته وانما يتصور عدم

стр. 7041

النية والتلفظ بأن ينسياهما أو أحدهما أن عليه للآخر كذا أو يتوهما هما أو أحدهما أنه قد خلص ما عليه أو أنه أبرأه صاحبه أو يتوهما هما أو احدهما أن من عليه مثل ماله لا يعطى ولا يأخذ أو نحو ذلك وكل ذلك يبرأ به مطلقا أى دينين كان الدينان سواء كانا قرضين أو سلمين أو أجرتين أو صداقين أو نحو ذلك (١). حكم ضمان القرض مذهب الحنفية: جاء فى الفتاوى الهندية أنه اذا أقرض شخص شخصا آخر على أن يكفل فلان جاز سواء كان حاضرا أو غائبا وسواء كفل أو لم يكفل (٢). واذا أقرض الرجل صبيا أو معتوها فاستهلكه فانه لا ضمان عليه هكذا أطلق الحكم فى نسخ أبى حفص رحمه الله تعالى، أما فى نسخ أبى سليمان رحمه الله تعالى فانه قال، وهذا قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى أما فى قول أبى يوسف رحمه الله تعالى فهو ضامن لما استهلك وهو الصحيح وان أقرض عبدا محجورا عليه فاستهلكه لم يؤاخذ به حتى يعتق وهو على الخلاف الذى بينا. وان لم ينص عليه وعند أبى يوسف رحمه الله تعالى. يؤاخذ به فى الحال كما فى الوديعة، وان وجد المقرض ماله بعينه عند أحد من هؤلاء فهو أحق به ولو قال أقرض فلانا عنى أو أعطه عنى كان للمأمور أن يرجع على الآمر وان لم يقل الآمر على انى ضامن. ولو أعطى غير ما أمره لم يرجع كذا فى التتارخانية ناقلا عن العتابية. ولو قال: أقرض فلانا ألف درهم فأقرضه لم يضمن الآمر شيئا سواء كان خليطا له أو لم يكن (٣). ولو اقرض رجل رجلا شاة وقبضها واستهلكها فضمنها رجل عنه لم يلزمه الضمان، لأنه ليس عليه الشاة، وكذا كل شئ لم يتعاوضه الناس فيما بينهم فهو مثل الشاة فى قياس قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى (٤). وجاء فى حاشية ابن عابدين أنه لو تكفل شخص بالدين الحال مؤجلا تأجل عن الكفيل وعن الأصيل لأن تأجيله على الكفيل تأجيل عليهما. ويستثنى من ذلك ما اذا اضاف الكفيل الأجل الى نفسه بأن قال أجلنى أو شرط الطالب وقت الكفالة الأجل للكفيل خاصة فلا يتأخر الدين حينئذ عن الأصيل، ويستثنى أيضا ما لو كفل بالقرض مؤجلا الى سنة مثلا فهو على الكفيل الى الأجل وعلى الأصيل حال وعلى ذلك فلو كان دين القرض مؤجلا على الاصيل فكفل به تأخر عنهما بالأولى وان لم يسم الأجل فى الكفالة كما صرح به فى الكافى وغيره (٥). مذهب المالكية: جاء فى حاشية الدسوقى على الشرح الكبير أنه يصح ضمان الدين المؤجل حالا على الضامن بأن رضى المدين باسقاط

стр. 7042

حقه من الأجل ان كان الدين مما يجوز أن يجعل وهو العين مطلقا قرضا وغير قرض والعرض والطعام من قرض لا من بيع فلا يجوز لما فيه من حط الضمان وأزيدك توثقا بالضامن اذ هو مخصوص بالبيع فقط. ويصح عكسه وهو ضمان الحال مؤجلا كأن يقول شخص لرب دين حال أجل مدينك شهرا وانا أضمه لك فيصح بأحد أمرين أولهما أن أيسر غريمه بأن كان الغريم الذى عليه الدين موسرا هذا اذا كان يساره بالدين من قبل الاجل، بل ولو كان اليسار انما حصل له أول الاجل فقط أى حين الضمان لأن العبرة بالحالة الراهنة للسلامة من سلف جر نفعا فكأنه بالتأخير ابتدأ سلفا بضامن وبيسره يحصل بالضمان نفع فيكون التأخير محض سلف، وثانيهما ان يكون من عليه الدين معسرا والعادة أنه لم يوسر فى الاجل الذى ضمن الضامن اليه بل يمضى ذلك الاجل عليه وهو معسر فيجوز ضمانه لانه وان حصل نفع بالضمان لم يحصل سلف بتأخيره لوجوب انظار المعسر فان لم يعسر فى جميعه بل أيسر فى أثنائه كبعض أصحاب الغلات والوظائف كأن يضمنه الى اربعة أشهر وعادته اليسار بعد شهرين فلا يصح لان الزمن المتأخر عن ابتداء يساره يعد فيه صاحب الحق مسلفا لقدرة رب الحق على ان يأخذه منه عند اليسار هذا قول ابن القاسم رحمه الله تعالى بناء على أن اليسار المترقب كالمحقق، وأجازه أشهب لأن الاصل استصحاب عسره واذا كان الدين كله حالا والغريم موسر ببعضه ومعسر بالبعض الآخر صح أن يضمن مؤجلا بهذا أو هذا لا بالجميع لأنه سلف جر منفعة اذ هو سلف للموسر به لتأخير اياه بحميل به وانتفع بالضامن فى المعسر به فليست هذه الصورة كضمان المعسر به فقط، ومثل ضمان الجميع ضمان البعض من كل (١). مذهب الشافعية: جاء فى مغنى المحتاج ان القرض اباحة تلف عنده ما أقترض من رشيد وأقبضه له لم يضمن الصبى لان المقبض هو المضيع لماله هذا فى الظاهر اما فى الباطن فيعرم الصبى بعد البلوغ كما نص عليه فى الأم فى باب الاقرار. ولو اتلف الصبى او تلف عنده ما اقترضه من صبى آخر مثله ولم يأذن الوليان ضمن كل منهما ما قبض من الآخر وان كان ذلك باذن الوليين فالضمان عليهما فقط، لوجود التسليط منهما (٣). واقتراض العبد الذى لم يؤذن له فى التجارة لا يصح كما لا يصح شراؤه فان ما اقترضه فى يده تعلق الضمان بذمته فيطالب به بعد العتق لثبوته برضا مالكه ولم يأذن فيه السيد، والضابط فيما يتلفه العبد او يتلف تحت يده ان لزم بغير رضا مسحقه كاتلاف أو تلف بغصب تعلق الضمان برقبته، ولا يتعلق بذمته فى الاظهر وان لزم برضا مستحقه كما فى المعاملات فان كان بغير اذن السيد تعلق بذمته يتبع به بعد عتقه سواء رآه السيد فى يد العبد فتركه أم لا وان كان باذن السيد تعلق بذمته وكسبه ومال (٤).

стр. 7043

تجارته وذكر صاحب مغنى المحتاج أنه لا يصح ضمان ما سيقرضه لفلان لان الضمان وثيقة بالحق. فلا يصح ان يسبق وجوب الحق وصحح فى القديم ضمان ما سيجب كضمان ما يستقرضه لان الحاجة قد تدعو اليه (١). والاصح انه يصح ضمان الحال مؤجلا أجلا معلوما لان الضمان تبرع والحاجة تدعو اليه فصحح على حسب ما التزمه، ويثبت الأجل فى حق الضامن على الاصح، فلا يطالب الضامن الا كما التزم، ولا نقول التحق الأجل بالدين الحال وانما يثبت عليه مؤجلا ابتداء لأن الحال لا يؤجل الا فى صورتين الأولى اذا أوصى ان لا يطالب الا بعد شهر مثلا فان الوصية صحيحة ويعمل بها والصورة الثانية اذا نذر ان لا يطالبه الا بعد سنة مثلا قاله المتولى رحمه الله تعالى والثانى لا يصح الضمان للمخالفة. ووقع فى بعض نسخ المحرر تصحيحه قال فى الدقائق والاصح ما فى بقية النسخ والمنهاج ولو ضمن المؤجل مؤجلا بأجل أطول من الأول فكضمان الحال مؤجلا. والاصح انه يصح ضمان المؤجل حالا لانه تبرع بالتزام التعجيل فصح كأصل الضمان. والقول الثانى: لا يصح لما مر أن فيه مخالفة والاصح على القول الاول أنه لا يلزمه التعجيل كما لو التزمه الاصيل. وفى قول آخر يلزمه التعجيل لان الضمان تبرع لزم فلزمته الصفة ولا لمستحق أو وارثه أن يطالب الضامن والاصيل بالدين اجتماعا وانفرادا أو يطالب أحدهما ببعضه والآخر بباقيه اما الضامن فلحديث الزعيم غارم: وأما الاصيل فلان الدين باق عليه (٢). مذهب الحنابلة: جاء فى كشاف القناع أن من شأن القرض أن يصادف ذمة قال ابن عقيل رحمه الله تعالى: الدين لا يثبت الا فى الذمم ومتى أطلقت الاعواض تعلقت بها، ولو عينت الديون من أعيان الاموال لم يصح فلا يصح قرض جهة كمسجد ونحوه من مدرسة ورباط وقال فى الفروع فى باب الوقف: يجوز للناظر أن يستدين عليه بلا اذن حاكم لمصلحة كما لو اشترى للوقف نسيئة او بنقد لم يعينه وفى باب اللقيط يجوز الاقتراض على بيت المال لنفقة اللقيط وكذا قال فى الموجز يصح قرض حيوان وثوب لبيت المال ولأحاد المسلمين نقله فى الفروع قلت: والظاهر ان فى الدين هذه المسائل يتعلق بذمة المقترض وبهذه الجهات كتعلق أرش الجناية برقبة العبد الجانى فلا يلزم المقترض أن يفى به من ماله بل من ريع الوقف وما يحدث لبيت المال أو يقال: لا يتعلق بذمته رأسا وما هنا بمعنى الغائب فلا ترد المسائل المذكورة لندرتها (٣). ولو قال شخص لآخر أعط فلانا ألفا ففعل لم يرجع على الآمر ولم يكن ذلك كفالة، ولا ضمانا الا ان يقول: أعط فلانا عنى خليطا كان أو غيره (٤). ويجوز فى القرض ان يشترط المقرض ضمينا لأن النبى ﷺ استقرض من يهودى شعير ورهنه درعه. متفق عليه. وما جاز فعله جاز شرطه ولأنه يراد للتوثيق بالحق والضمان كالرهن فلو عين الضمين وجاء

стр. 7044

المقترض بغيره لم يلزم المقرض ان يقبله وان كان ما أتى به خيرا من المعين، وحينئذ يخير المقرض بين فسخ العقد وبين امضائه بلا كفيل ولا ضمين (١). وان قضى الضامن الدين أو أحال به متبرعا لم يرجع بشئ سواء ضمنه باذنه او بغير اذنه لأنه متطوع بذلك أشبه الصدقة. وان قضاه الضامن أو أحال به ناويا ان يرجع رجع على المضمون عنه لأنه قضاء مبرئ من دين واجب فكان من ضمان من هو عليه كالحاكم اذا قضاه عنه عند امتناعه فكان له ان يرجع عليه وسواء قبض الغريم من المحال عليه أو أبرأه أو تعذر عليه الاستيفاء لفلس أو مطل لأن نفس الحوالة كالاقباض ولو كان الضمان والقضاء بغير اذن المضمون عنه أو كان أحدهما بغير اذنه وان لم ينو الضامن حال القضاء أو الحوالة أن يرجع ولا ان يتبرع بل ذهل عن قصد الرجوع وعدمه لم يرجع الضامن على المضمون عنه بشئ كالمتبرع لعدم قصده الرجوع وكذلك حكم من ادى عن غيره دينا وأجبا كفيلا كان أو أجنبيا ان نوى الرجوع رجع ان لم ينو الرجوع لم يرجع ويرجع الضامن وكل من أدى عن غيره دينا واجبا بنية الرجوع حيث قلنا يرجع بأقل الأمرين مما قضى به الدين حتى قيمة عرض عوضه لرب الدين به أو قدر الدين لأنه ان كان الأقل هو الدين فالزائد لم يكن واجبا عليه فهو متبرع بأدائه وان كان المقضى أقل فهو انما يرجع بما عزم ولهذا لو أبراه غريمه لم يرجع بشئ. وللضامن ان يطالب المضمون عنه بتخليصه قبل الأداء اذا طولب بالدين ان كان ضمن باذنه لأنه شغل ذمته من أجله باذنه فلزمه تخليصها وان لم يطالب أو طولب أو كان ضمنه بغير اذنه فلا يلزمه تخليصه لأنه اذا لم يأذن له فهو الذى أدخل الضرر على نفسه وأن أذن له ولم يطالب به رب الحق فلا ضرر عليه يزيله (٢). مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى أن القرض يتعلق فى ذمة المقترض يلزمه أن يرد على المقرض مثله اما حالا واما الى أجل مسمى (٣). فلو قال الذى عليه الحق لشخص آخر: اضمن عنى ما لهذا على، فاذا أديت عنى فهو دين لك على فهنا يرجع عليه بما أدى عنه - ليس لأنه ضامن فالضامن لا يرجع على المضمون عنه بما أدى - لأنه استقرضه ما أدى عنه فهو قرض صحيح مضمون على المقترض (٤). ولا يجوز ضمان مال لم يجب بعد كمن قال لآخر: أنا أضمن لك ما تستقرضه من فلان أو قال له: اقترض من فلان دينارا وأنا أضمنه عنك، أو شرط ليس فى كتاب الله فهو باطل ولأن الضمان عقد واجب ولا يجوز الواجب فى غير واجب وهو التزام ما لم يلزم بعد وهذا محال. وكل عقد لم يلزم حين التزامه فلا يجوز ان يلزم فى ثان وفى حين لم يلتزم فيه، وقد لا يقرضه ما قاله وقد يموت القائل لذلك قبل ان يقرضه ما أمره باقراضه، فصح بكل هذا أنه لا يلزم ذلك القول فان قال له: أقرضنى

стр. 7045

كذا وكذا وادفعه الى فلان أوزن عنى لفلان كذا وكذا أو أنفق عنى فى أمر كذا فما أنفقت فهو على أو ابتع لى أمر كذا فهو جائز لازم لأنها وكالة وكله بما أمره به (١). مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار: أن العبد المأذون له فى التجارة لا يجوز له أن يقرض فاذا أقرض فالرد الى سيده الا أن يجرى عرف بالرد اليه (٢). ومقبض السفتجة أمين فيما قبضه ضمين فيما أستهلك، كما لو ان رجلا احتاج فى بعض المواقع الى مال وعنده مال لغيره فيأذن له بالاقراض من تلك الأمانة ثم يطلب منه أن يقضيه من مال له فى بلد آخر فيكتب اليه به كتابا ولم يكن مضمرا لذلك عند القرض فان هذا الذى قبض المال وأعطى صاحبه الفستجة حين قبض المال يكون أمينا فيما قبض، ضمينا فيما استهلك، وحين اقترض منه بعد ذلك ليستهلكه صار ضمينا بعد النقل. فلو أضرب عن الاقتراض بعد ان قبض المال بنية الاقتراض لم يبرأ من القرض بتركه الا أن يكون المودع أذن له بالرد ان استغنى عنه عادت يده أمانة وقيل: أنه يخرج عن ضمان ويبقى على ملك صاحبه لظاهر قوله (ضمين فيما استهلك) (٣). مذهب الإمامية: جاء فى مفتاح الكرامة ان القرض ان كان مثليا يثبت فى الذمة مثله كالذهب والفضة وزنا والحنطة والشعير كيلا ووزنا والخبز وزنا وعددا للعرف وان كان غير مثلى تثبت قيمته وقت القرض لا يوم المطالبة ولو تعذر المثل فى المثلى وجبت القيمة يوم المطالبة لأن الثابت انما هو المثل الى ان يطالبه (٤). أما ثبوت قيمة غير المثلى فى الذمة فهو المشهور وظاهر الخلاف انه يثبت مثله ايضا وفى الشرائع: لو قيل به أيضا كان حسنا لأنه أقرب الى الحقيقة، ولخبرين عامين واردين فى مطلق الضمان أحدهما تضمن أن النبى ﷺ أخذ قصعة امرأة كسرت قصعة أمرأة أخرى، والثانى أنه ضمن عائشة رضى الله تعالى عنها اناء حفصة رضى الله تعالى عنها وطعامها لما كسرته وقد عورضا بخبر آخر وارد فى معتق الشقص ومع ذلك فهما حكاية حال فلعل الغريم رضى بذلك، وتظهر الفائدة فيما اذا وجد مثله من كل الوجوه التى لها مدخل فى القيمة ودفعه الغريم فعلى هذا القول يجب بعد ذلك بقرض أو بيع أو شبههما لم تغيرت أسعار القيمى فعلى المشهور يوم القبض وعلى القول الآخر يوم دفع العوض واختير فى التذكرة ضمان المثل الصورى فيما يضبطه الوصف وهو ما يصح السلم فيه وضمان ما ليس كذلك بالقيمة لخبرين عامين أحدهما أن النبى ﷺ استقرض بكرا فرد بازلا، وأنه استقرض بكرا فأمر برد (٥) مثله ولو أن شخصا ضمن دينا لم يجب بعد ولكنه يجب بعد ذلك بقرض أو بيع أو شبههما لم يصح ولو قال لغيره: مهما أعطيت فلانا فهو على لم يصح أيضا عند علمائنا أجمع كما فى التذكرة (٦).

стр. 7046

اقتراع - وقرعة التعريف بالاقتراع وبالقرعة وبكيفيتها - دليل مشروعيتها - موقف الفقه الاسلامى منها ومن اعتبارها وسيلة للاثبات: أولا: التعريف بالاقتراع وبالقرعة وبكيفيتها: الاقتراع هو الاختيار والاشتراك فى القرعة ويقال له: «الاستهام» أيضا، ويبدو أن ذلك بسبب ما كان يغلب على اجراء القرعة فى القديم من استعمال السهام، أو لأن الاقتراع يجرى عادة بين نصيبين أو أكثر، والنصيب يطلق عليه السهم. عادة. أما الاقراع «فهو اجراء القرعة، وكذلك الاسهام. واما أصل قرعة فهو من فعل: (قرع يقرع) من باب قطع يقطع وجمع يجمع ومعناه: الطرق والضرب وذلك لان اجراء القرعة كان فى المعتاد يجرى بطرق السهام او ما يشبهها وضربها ليخرج السهم الفائز منها بالقرعة وقد تسمى بالسهمة عند بعض الفقهاء مثل ابن رشد وأصل السهمة النصيب، كما جاء فى قول عبيد بن الابرص قد يوصل النازح النائى وقد يقطع ذو السهمة القريب. وقد تحدثت كتب الفقه الاسلامى عن صور أخرى لاجراء القرعة مثل: وضع رقاع من الورق او نحوه تمثل الجوانب المختلفة التى تجرى بينها القرعة ثم تغلف بالطين او بالشمع او نحوهما، ثم تجفف بحيث تنتهى فى الظاهر الى اشكال متشابهة، ونسمى القطعة من هذه القطع: (بندقة) وهناك صور اخرى مماثلة لا تخرج كلها عن هذا المعنى وهو: اخفاء مضمون القرعة بشكل او آخر كاستعمال الخواتيم او ما يرمز للمشتركين فى القرعة على نحو ما، والمهم هو عنصر السرية والخفاء حتى لقد نص على أن يقوم بالسحب والاختيار شخص لم يكن حاضرا عملية الاخفاء لضمان السرية وسلامة القرعة (١). ثانيا دليل المشروعية: وردت فى القرآن الكريم اشارتان للقرعة كأمر معروف سبق اتباعه لدى رسولين سابقين هما: يونس وزكريا ﵉. اما يونس: ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ (٢) أى فاقترع فأخرجته القرعة. واما زكريا: فيقول عنه القرآن وعن قومه حين اقترعوا بالقاء الاقلام - كوسيلة من وسائل اجراء القرعة - على كفالة مريم والقيام بتربيتها: ﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ، وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ (٣) «وواضح ان الاستدلال باشارة القرآن الى القرعة فى هذين الموضعين على مشروعيتها فى شرعنا الاسلامى انما يقوم على مبدأ اصولى وهو: ان «شريعة من قبلنا يعتبر شريعة لنا ما لم يرد فى شريعتنا ما ينسخها، ولم يرد فى الاسلام نهى صريح صحيح عن القرعة فتبقى مشروعيتها فى

стр. 7047

الشرائع السابقة قائمة لدينا، وقد اشار القرآن الكريم الى هؤلاء الرسل السابقين فقال: «أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ ١ اقْتَدِهْ» ولكن هذا المبدأ الاصولى لم يسلم من مخالفة بعض العلماء له وجدالهم فيه (٢). لكننا نجد الدليل بل الادلة الواضحة القوية على مشروعية الاقتراع والقرعة فى صحيح السنة النبوية، بل أن الامام البخارى قد عقد بابا خاصا بعنوان: باب القرعة فى المشكلات مبتدئا بالاستشهاد بالايتين القرآنيتين اللتين اسلفناهما، ثم راويا لطائفة من الاحاديث النبوية الصحيحة فى شأن القرعة (٣). كما نجد احاديث اخرى لرواة اخرين، فضلا عن أثار سلفية قوية، نكتفى بعرض هذه الطائفة منها جميعا، روى عن أبى هريرة رضى الله عنه أنه قال: عرض النبى ﷺ على قوم اليمين فأسرعوا (٤) فأمر ﷺ ان يسهم بينهم. انهم يحلف ومدلول هذا الحديث: الامر باجراء القرعة بين المتسابقين الى حلف اليمين. وروى عن خارجة ابن زيد الانصارى (٥). أن ام العلاء امرأة من نسائهم قد بايعت النبى ﷺ أخبرته ان عثمان بن مظعون طار له (٦). سهمه فى السكنى حين اقرعت الانصار سكنى المهاجرين، قالت ام العلاء: فسكن عندنا عثمان بن مظعون، فاشتكى (٧) فمرضناه حتى اذا توفى وجعلناه فى ثيابه، دخل علينا رسول الله ﷺ فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب (٨). فشهادتى عليك لقد أكرمك الله، فقال لى النبى ﷺ : وما يدريك ان الله اكرمه؟ فقلت: لا ادرى بأبى انت وامى يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : أما عثمان فقد جاءه والله اليقين، وانى لارجو له الخير، والله ما ادرى وانا رسول الله ما يفعل به. ومدلول هذا الحديث: وقوع القرعة بين الانصار بعلم رسول الله ﷺ واقراره على ايواء المهاجرين بعد ان تسابقوا الى ايوائهم وتنافسوا فيه كرما وفضلا (٩). وروى عروة بن الزبير (١٠). عن عائشة رضى الله عنها انها قالت: كان رسول الله ﷺ اذا أراد سفرا اقرع (١١). بين نسائه فايتهين خرج سهمها خرج بها معه، وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها. ومدلول هذا الحديث:

стр. 7048

اتباع رسول الله ﷺ للقرعة واجراؤه لها بين الزوجات. وروى عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: لو يعلم الناس ما فى النداء (١) والصف (٢) الاول ثم لم يجدوا الا أن يستهموا (٣) عليه لاستهموا ولو يعلمون ما فى التهجير (٤) لاستبقوا اليه، ولو يعلمون ما فى العتمة والصبح لاتوهما ولو حبوا (٥) ومدلول هذا الحديث: جواز القرعة واقرارها (٦). (٧) وروى مسلم وابو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه: ومالك بن انس والشافعى واحمد بن حنبل عن عمران بن حصين: ان رجلا اعتق ستة مملوكين له عند موته لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله ﷺ فجزأهم اثلاثا ثم اقرع بينهم فاعتق اثنين وأرق أربعة (٨). ومدلول هذا الحديث: اجراء القرعة لفرز الثلث المسموح بالوصية فيه من الميراث عند الشيوع. (٩) وروى عن عبد الله بن رافع رضى الله عنه عن ام سلمة رضى الله عنها انها قالت: اتى رسول الله ﷺ رجلان يختصمان فى مواريث. لهما لم تكن لهما بينة الا دعواهما، فقال النبى ﷺ : انما بشر، وانكم تختصمون الى، ولعل بعضكم ان يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضى له على نحو ما اسمع منه (١٠) فمن قضيت له من حق اخيه بشئ فلا يأخذ منه شيئا فانما اقطع له قطعة من النار فبكى الرجلان وقال كل واحد منهما (١١): حقى لك: فقال لهما النبى ﷺ : اما اذ فعلتما فاقتسما وتوخيا الحق ثم استهما ثم تحالا (١٢) ومدلول هذا الحديث اجراء القرعة بين المتقاسمين عند انعدام البينة واستواء موقف الطرفين. وروى احمد بن حنبل فى رواية المروزى عن عروة بن الزبير قال: أخبرنى ابى الزبير (ابن العوام انه لما كان يوم أحد اقبلت امرأة تسعى، حتى كادت تشرف على القتلى قال: فكره النبى ﷺ ان تراهم، فقال: (المرأة المرأة) قال الزبير: فتوهمت انها أم صفية، قال: فخرجت اسعى فادركتها قبل ان تنتهى الى القتلى. قال: فلهدت (١٣) فى صدرى .. وقالت: اليك عنى لا أم لك، قال: فقلت: أن رسول الله ﷺ عزم عليك،

стр. 7049

فرجعت واخرجت ثوبين معها فقالت: هذان ثوبان جئت بهما لأخى حمزة فقد بلغنى مقتله فكفنوه فيهما قال فجئت بالثوبين ليكفن فيهما حمزة، فاذا أتى جنبه رجل من الانصار قتيل، قد فعل به كما فعل بحمزة، قال: فوجدنا غضاضة ان نكفن حمزة فى ثوبين والانصارى لا كفن له، قلنا: لحمزة ثوب وللانصارى ثوب، فقد رئاها فكان احدهما اكبر من الاخر فأقرعنا بينهما، فكفنا كل واحد فى الثوب الذى طار له (١). وبالاضافة الى هذه الاحاديث الصحيحة فان هناك أثار الصحابة والتابعين رضى الله عنهم تثبت استقرار القضاء بينهم على استعمال القرعة والاعتداد بها والاعتماد عليها، بل ان بعض هذه الآثار يرقى الى درجة الاحاديث النبوية لما ورد فيها من وقوعها بعلم الرسول وبتقريره ﷺ فى حياته وموافقته اياهم، كما ان بعض هذه الاثار يقنعنا باتفاق هؤلاء الصحابة والتابعين على الاعتداد بالقرعة والقضاء بها بعد وفاته ﷺ اتفاقا يرتفع فى نظر بعض الفقهاء والشراح الى مستوى الاجماع، وقال الشوكانى لقد كانت الصحابة تعتمد القرعة فى كثير من الامور وروى انه تشاح الناس (٢) يوم القادسية فى الاذان فأقرع بينهم سعد (٣). وروى مالك بن انس وكذلك الشافعى عن عصر التابعين ايضا: أن رجلا فى امارة ابان بن عثمان أعتق رقيقا له كلهم (٤) جميعا ولم يكن له مال غيرهم فأمر ابان بن عثمان بتلك الرقيق فقسمت اثلاثا ثم اسهم على ايهم يخرج سهم الميت فيعتقون فوقع السهم على احد الاثلاث فعتق الثلث الذى عليه السهم (٥) ويذكر الشافعى: ان عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه قضى فى رجل اوصى بعتق رقيقه وفيهم الكبير والصغير فاستشار عمر رجالا منهم خارجة بن زيد بن ثابت (٦) فأقرع بينهم قال ابو الزناد: وحدثنى رجل عن الحسن ان النبى ﷺ اقرع بينهم (٧). ويقرر القرافى اجماع التابعين على ذلك حيث قال له عمر بن عبد العزيز: وخارجه ابن زيد وابان بن عثمان وابن سيرين وغيرهم ولم يخالفه من عصرهم احد (٨). ثالثا موقف الفقه الاسلامى من الاقتراع والقرعة مذهب الحنفية: القرعة كدليل اثبات لا تجوز القرعة باعتبارها وسيلة من وسائل الاثبات عند الحنفية ولذلك قالوا لو ادعى اثنان عينا فى يد اخر كل واحد منهما يزعم

стр. 7050

انها له واقام كل واحد منهما البينة على دعواه قضى لهما بالعين المدعاة مناصفة بينهما ولا يقرع بينهما واستندوا فى ذلك الى حديث تميم بن طرفة الطائى وهو «ان رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ فى ناقة واقام كل واحد منهما البينة فقضى بها بينهما نصفين والى ما رواه ابو الدرداء رضى الله عنه وهو أن رجلين اختصما بين يدى رسول الله ﷺ فى شئ واقاما البينة فقال: ما أحوجكما الى سلسلة كسلسلة بنى اسرائيل كان داود ﵇ اذا جلس لفصل القضاء نزلت سلسلة من السماء بعنق الظالم ثم قضى به رسولنا ﷺ بينهما نصفين والقرعة فى ذلك كانت جائزة فى ابتداء الاسلام وقت اباحة القمار ثم نسخت بتحريم القمار على اساس ان القرعة حرمت كوسيلة من وسائل اثبات الاستحقاق لانها قمار وذلك يقتضى ان تكون القرعة ممنوعة كوسيلة لتعيين المستحق لان ذلك من قبيل القمار ايضا. ويلاحظ ان القضاء بالعين مناصفة بين الرجلين محله اذا كانت العين تقبل الاشتراك. فان كانت العين لا تقبل الاشتراك كالمرأة يدعى نكاحها رجلان لم يقض بواحدة من البينتين لتعذر العمل بهما لان المحل لا يقبل الاشتراك راجع مصطلح دعوى الرجلين. القرعة فى القسم بين الزوجات فى السفر اذا كان الرجل له اكثر من زوجة واراد أن يصطحب احداهن فى سفره فله ذلك ولا يجب عليه ان يقرع بينهن لانه قد يثق باحداهما فى السفر وبالاخرى فى الحضر. والقرار فى المنزل لحفظ الامتعة او لخوف الفتنة. وقد يمنع من سفر احداهما كثرة سمنها. وقد يترتب على القرعة تعيين من يخاف صحبتها فى السفر للسفر وفى هذا الزام للضرر الشديد وهو مندفع بالنافى للحرج فلم تكن القرعة واجبة لذلك وما فعله النبى ﷺ من القرعة بين زوجاته اذا اراد سفرا كان استحبابا لان مطلق الفعل لا يقتضى الوجوب - خصوصا وان القسم لم يكن واجبا عليه ﷺ قال تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ ١﴾. ونظرا لان القرعة بين الزوجات فى السفر فيها تطيب قلوبهن قال فقهاء الحنفية ان القرعة فى ذلك مستحبة وليس فيها هنا معنى القمار، واذا سافر بواحدة من غير قرعة ليس للباقيات من أن يحتسبن تلك المدة (٢). انظر مصطلح القسم بين الزوجات القرعة فى قسمة الملك بين الشركاء اذا قسم القاضى بين الشركاء العين المملوكة لهم وعين لكل منهم نصيبا من غير اقراع - بينهم جاز لان القسمة هنا فى معنى القضاء فيملك الالزام واذا اقرع بينهم فالقرعة جائزة لحصول التعامل بها من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا من غير نكير منكر. والقرعة هنا ليس فيها معنى القمار لأن أصل الاستحقاق لا يتعلق بخروج القرعة لان القاسم لو قال: أنا عدلت فى القسمة فخذ أنت هذا الجانب وانت ذاك الجانب كان له ذلك ولكن القرعة تستعمل هنا لتطبيب قلوب

стр. 7051

الشركاء ونفى تهمة الميل عن نفسه وذلك جائز الا يرى ان يونس ﵇ استعمل القرعة مع أصحاب السفينة مع علمه انه هو المقصود لانه لو القى نفسه فى الماء ربما نسب اليه ما لا يليق بالانبياء فاستعمل القرعة لذلك. وكذلك استعمل زكريا ﵇ القرعة مع الاحبار فى ضم مريم الى نفسه مع علمه بكونه أحق منهم لكون خالتها عنده تطييبا لقلوبهم (١) انظر مصطلح قسمة. القرعة بين الائمة اذا وجد أكثر من واحد يصلح للامامة فى الصلاة واستووا فى جميع ما به الترجيح مما هو مبين فى باب الامامة فى الصلاة فان للقوم الخيار فى تقديم احدهم. وجاز أن يقرع بينهم (٢) (أنظر مصطلح امامة - الامامة فى الصلاة). القرعة عند التزاحم اذا وجد اكثر من واحد بين يدى القاضى كل يريد الادعاء او وجدوا بين يدى المفتى كل يريد السؤال طلبا للجواب. أو حضر كثير من طلبة العلم للدرس ولم يوجد مرجح كالسبق فى الحضور بان استووا فى المجئ فالاولى ان يقرع بينهم اذا تنازعوا كل يريد التقدم على غيره. اما اذا حضروا على التعاقب قدم الاسبق روى ان انصاريا جاء إلى رسول الله ﷺ يسأله وجاء رجل من ثقيف فقال النبى ﷺ يا أخا ثقيف ان الانصارى قد سبقك بالمسألة فاجلس كيما نبدأ بحاجة الانصارى قبل حاجتك. فعلم من ذلك ان تقديم الاسبق سنة عن النبى ﷺ واول من تابع النبى ﷺ فى ذلك ابن كثير - ولا فرق فى تقديم الاسبق بين ان يكون لكل من القاضى والمفتى والمعلم مرتب او لم يكن له. والفرق بين ذى الرتب وغيره اذا حضروا معا انه يقرع بينهم اذا كان له مرتب فان لم يكن له مرتب كان له ان يقدم من شاء (٣). مذهب المالكية: القرعة كدليل اثبات جاء فى الشرح الصغير ما يفيد انه لو ادعى اتنان عينا فى يد آخر كل منهما يدعى أن العين له وأقام البينة على ذلك ولا مرجح لاحدى البينتين سقطت البينتان لتعارضهما وبقيت العين المدعاة فى يد حائزها (٤). وجاء فى الشرح الكبير: وان تعذر ترجيح لاحدى بينتين تعارضتا سقطتا وبقى التنازع فيه بيد حائزه (٥). وهذه النصوص تفيد أن القرعة لا تعتبر دليلا للاثبات عند فقهاء المالكية. القرعة فى القسمه بين الزوجات فى السفر لفقهاء المالكية أربعة أقوال فى القسم بين الزوجات فى السفر. الأولى - للزوج أن يختار من شاء منهن للسفر فى اى سفر كان. الثانى - عليه أن يقرع بينهن فى كل سفر. الثالث - عليه أن يقرع بينهن فى الحج

стр. 7052

والغزو فقط لأن المشاحة تعظم فى سفر القربات - الرابع - الاقراع فى الغزو فقط لأن الغزو تشتد الرغبة فيه لرجاء فضل الشهادة (١) - أنظر مصطلح القسم بين الزوجات. القرعة فى قسمة الملك بين الشركاء يقول فقهاء المالكية: ان القسمة ثلاثة أقسام. الأول - مهايأه وهذه تكون فى المنافع. الثانى - وتراض أو مراضاه - وهى قسمة ذوات وتكون فيما تماثل أو اختلف. الثالث - وقرعة وهى تمييز حق فى مشاع بين الشركاء. وهى تتعلق بالذوات أيضا. ولا بد فى كل من المهايأة من رضا الشريكين فلا تفعل واحدة منهما الا يرضاهما ولا يجبر أحد الشريكين على واحدة منهما ان أباها بخلاف القرعة فانه اذا طلبها أحدهما وأباها الآخر وطلب المهايأة أو المراضاة فانه يجبر على القرعة من أباها ولقسمة القرعة أحكام وشروط مبينة فى موضعها (٢) (انظر مصطلح قسمة). القرعة بين الأئمة اذا وجد أكثر من واحد يصلح للامامة فى الصلاة واستووا فى جميع ما به الترجيح مما هو مبين فى باب الامامة فى الصلاة وتنازعوا فى طلب التقديم ولم يكن التنازع لكبر (بسكون الباء) اقترعوا (٣). انظر مصطلح الامامة فى الصلاة). الاقراع عند التنازع على تعيين القاضى أو عند التزاحم فى الادعاء أو طلب الفتيا أو العلم . اذا تنازع المتداعيان كل يريد الذهاب الى قاض ولم يوجد مرجح اجريت القرعة لتعيين القاضى الذى يذهبان اليه فمن خرج سهمه ذهبا اليه (انظر مصطلح دعوى). واذا وجد أكثر من واحد بين يدى القاضى كل يريد الادعاء أولا ولم يوجد مرجع أو حضر أكثر من واحد بين يدى المفتى كل يريد السؤال طلبا للجواب أو حضر كثير من طلبة العلم للدرس ولم يوجد مرجع أجريت القرعة بينهم فى كل ذلك. مذهب الشافعية: القرعة كدليل اثبات يقرر الامام الشافعى انه اذا تنازع خصمان على ميراث أو على ملكية شئ ليس فى حيازة أحدهما، أو على ملكية زرع فى أرض يحوزها شخص ثالث، أو على الاختصاص بقطعة من الارض الموات للبحث عن معادنها وذلك مع تساوى الأدلة والحجج فان القرعة تجرى للاثبات فى جميع هذه الحالات، ويقرر أن هذا هو ما استقر عليه قضاء السلف الصالح من الصحابة والتابعين وان بعضه مروى عن النبى ﷺ (٤) (انظر مصطلح دعوى الرجلين).

стр. 7053

القرعة فى القسمة بين الزوجات فى السفر اذا كان للرجل نسوة فأراد سفرا فليس بواجب أن يخرج بهن ولا بواحدة منهن، فان اراد الخروج بواحدة او اثنتين اقرع بين نسائه فايتهن خرج سهمها خرج بها ولم يكن له أن يخرج بغيرها لكن القرعة غير لازم اجراؤها، غير ان الزوج اذا خرج بواحدة منهن بغير قرعة كان عليه ان يقسم لمن بقى منهن أياما اخر بقدر مغيبه مع التى خرج بها (انظر مصطلح القسم بين الزوجات) (١). القرعة فى قسمة الملك بين الشركاء اذا تنازع الشركاء فى قسمة شئ مملوك بينهم على اختيار نصيب دون آخر أو اجتهد القاضى فى التعديل بين الأنصبة ثم يجرى القرعة بينهم فيلتزمون بما تسفر عنه (٢) (أنظر مصطلح قسمة). القرعة عند المتزاحمين اذا تنازع جماعة فى أمر من الامور التعبدية مثل الاذان وتشاحوا اقرع بينهم لقوله ﷺ : لو يعلم الناس ما فى النداء والصف الاول ثم لم يجدوا الا ان يستهموا عليه لاستهموا (٣). وكذلك اذا كان التنازع فى امر من الامور الدنيوية كالتنازع بين اولياء المرأة المتساوين فى قرابتهم لها، ليتولى احدهم لمباشرة عقد زواجها. وكالتنازع بين أولياء المقتول، اذا تساووا فى قرابتهم له ليتولى احدهم مباشرة القصاص (٤). مذهب الحنابلة: القرعة كدليل اثبات جاء فى كشاف القناع فى باب الدعاوى والبينات ما يفيد أنه اذا أدعى اثنان عينا وأقام كل واحد منهما البينة ولا مرجح لاحدى البينتين تعارضت البينتان وتساقطتا ويتحالفان ثم يحكم بها لهما مناصفة (٥) وهذا يفيد ان القرعة لا تصلح دليلا للاثبات ولذلك يقول صاحب منتهى الارادات فى تعارض البينتين يقال: تعارضت البينتان اذا تقابلتا أى أثبتت كل منهما ما نفته الاخرى فلا يمكن العمل بواحدة منهما فتتساقطان (٦). وجاء فى منتهى الارادات ايضا ما يفيد انه لو تنازع اثنان عينا فى يد غيرهما ولا بينة لاحدهما ولا يوجد ظاهر يعمل به حلف كل منهما أنه لا حق للآخر فيها وقسمت بينهما مناصفة لاستوائهما فى الدعوى وليس أحدهما بها أولى من الآخر لعدم المرجح من يد وغيرها. ثم جاء فيه ما يفيد انه لو تنازعا جدارا بين ملكيها حلف كل منهما أن نصفه له ويقرع بينهما ان تشاحا فى المبتدى منهما باليمين لحديث البخارى عن أبى هريرة ان النبى ﷺ عرض على قوم اليمين فأسرعوا فأمر ان يسهم بينهم فى اليمين أيهم يحلف.

стр. 7054

القرعة فى القسمه بين الزوجات فى السفر ليس للرجل ان يسافر باحدى ازواجه او باكثر من واحدة منهن الا بقرعة او رضاهن ورضاه لانه ﵊ كان اذا اراد السفر أقرع بين نسائه (١) (أنظر مصطلح القسم بين الزوجات). القرعه فى قسمه الملك بين الشركاء القسمة عند الحنابلة نوعان احدهما قسمة نراض وحكم هذه القسمة كالبيع ولا تجوز الا برضى الشركاء الثانى قسمة اجبار وهى ما لا ضرر فيها على أحد من الشركاء ويعدل القاسم سهام القسمة باجزاء المقسوم ان تساوت كالمكيلات والموزونات والارض التى ليس بعضها أجود من بعض ولا بناء ولا شجر بها. وتعدل السهام بالقيمة ان اختلفت سهام المقسوم قيمة كما تعدل السهام ايضا بالرد بأن يجعل لمن يأخذ القليل أو الردئ دراهم على من يأخذ اكثر او الجيد ثم يقرع بين الشركاء لازالة الابهام فمن خرج له سهم (٢) صار له. (انظر مصطلح قسمة) القرعة بين المؤذنين والائمة اذا وجد أكثر من واحد يصلح للآذان أو للامامة فى الصلاة واستووا فى جميع ما به الترجيح مما هو مبين فى باب الاذان والامامة وتنازعوا كل يريد الاذان أو الامامة يقرع بينهم (٣). مذهب الظاهرية: القرعة كدليل اثبات يرى ابن حزم أن القرعة تعتبر دليلا للاثبات اذا لم توجد بينة لهما أو لاحدهما ولم يكن الشئ المتنازع عليه تحت يدهما أو يد أحدهما فاذا تنازع مدعيان على ملكية شئ ليس فى أيديهما حيازته ولا بينة لهما وجب اجراء القرعة بينهما على اليمين فأيهما خرج سهمه حلف اليمين وقضى له به، ويستند فى ذلك الى ما روى عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ اختصم اليه رجلان فى متاع ليس لواحد فيهما بينة، فقال رسول الله ﷺ (استهما على اليمين ما كان) احبا ذلك ام كرها. فلو أقام كل واحد منهما البينة وهو فى حيازة غيرهما قسم بينهما اذ ليست احدى البينتين أولى من الاخرى واذا لم تكن لهما بينة ولكنه فى حيازتهما معا فيقوم وضع أيديهما على الشئ المتنازع عليه مقام البينة منهما فيقسم بينهما ايضا. القرعة فى قسمة الملك بين الشركاء يرى ابن حزم أنه اذا كان المال المقسوم أشياء متفرقة فدعا أحد المقتسمين الى اخراج نصيبه كله بالقرعة فى شخص من اشخاص المال أو فى نوع من أنواعه قضى له بذلك، أحب شركاؤه أم كرهوا. ولا يجوز أن يقسم كل نوع ولا كل دار ولا كل ضيعه بين جميعهم الا باتقان جميعهم على ذلك (٤). يرى ابن حزم أنه اذا تزاحم على الاذان اكثر من واحد «وهم

стр. 7055

سواء فى التأدية والصوت والفضل والمعرفة بالاوقات اقرع بينهم وكذلك الحال فى التزاحم على الصف الأول» استنادا الى الحديث الشريف «لو يعلم الناس ما فى النداء والصف الأول ثم لم يجدوا الا ان يستهموا عليه لاستهموا (١) واذا أوصى السيد بعتق رقيق له لم يسمه وكان له اكثر من واحد أجريت القرعة بينهم فمن خرج سهمه صح فيه العتق (٢). مذهب الزيدية: يرى فقهاء الزيدية أن القرعة تعتبر دليلا للاثبات واستندوا فى ذلك الى ما ورد عن سعيد ابن المسيب أنه قال اختصم رجلان إلى رسول الله ﷺ فى أمر فجاء كل واحد منهما بشهداء عدول عددهم سواء فأسهم بينهما ﷺ وقال اللهم أنت تقضى بينهما فقضى للذى خرج له السهم وجاء فى الروض النضير القرعة طريق شرعية اعتبرت فى مواضع عديدة (٣). مذهب الإمامية: القرعة كدليل للاثبات يرى الإمامية ان القرعة تعتبر وسيلة من وسائل الاثبات ويستندون فى ذلك الى ما روى عن على رضى الله عنه أنه أتاه رجلان يتازعان ملكية دابة وجاء كلاهما بشهود عددهم سواء فاقرع بينهما سهمين وعلم كل سهم بعلامة ثم قال: اللهم رب السموات السبع ورب الارضين السبع ورب العرش العظيم عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم أيهما كان صاحب الدابة وهو أولى بها فأسألك أن تقرع وتخرج سهمه فخرج سهم أحدهما فقضى له بها (٤). مذهب الإباضية: القرعة كدليل للاثبات يرى فقهاء الإباضية أن القرعة تعتبر دليلا للاثبات ويستندون فى ذلك الى ما ورد أن على بن أبى طالب رضى الله عنه قضى بين ثلاثة يتنازعون على نسب ولد فقال لهم: أنتم شركاء متشاكسون وأنا مقرع بينكم فمن وقع له السهم فله الولد وعليه لكل من صاحبيه ثلث الدية، فأقر الرسول ﷺ ذلك القضاء ولم يصح أنه أنكره (٥). كذلك اذا تنازع اثنان شيئا ليس فى يد أحدهما ولا بينة لاحدهما، فيقرع بينهما فمن خرجت له القرعة حلف واستحقه ويؤيد ذلك ما روى من طريق أبى رافع عن أبى هريرة أن رجلين اختصما فى متاع ولا بينة لواحد منهما فقال ﷺ : (استهما على اليمين ما كان أحبا ذلك أو كرها) (انظر مصطلح دعوى - دعوى الرجلين) (٦). القرعة فى القسمة بين الشركاء القسمة عند فقهاء الإباضية لها طرق ثلاثة

стр. 7056

احدهما قسمة القرعة وتسمى عندهم (القسمة الحقيقية) ولأن القرعة جعلت تطييبا للنفوس فان الحاكم يملك أن يفرضها على الشركاء المتنازعين وأن تراضوا على غيرها، وانما تجرى بعد تعديل الانصباء تحريا للعدل (أنظر مصطلح قسمة) (١). القرعة عند المتزاحمين وتجرى القرعة كذلك بين المتساوين اذا تزاحموا على أمر من الأمور التعبدية مثل التزاحم على الاذان والصف الأول فى الصلاة ويستندون فى ذلك إلى قوله ﷺ لو يعلم الناس ما فى الاذان والنصف الاول من الفضل لاستهموا عليهما (٢). اقتصاد المعنى اللغوى يقال اقتصر على الشئ اذا لم يجاوزه والمادة تدل على خلاف الطول يقال قصر ككرم فهو قصير وقصره جعله قصيرا من باب ضرب وقصره على الأمر رده اليه - القاموس المحيط وقصرته حبسته وقصره عن الامر كفه عنه وهو يقدر عليه واقصر عن الباطل ابتعد عنه أساس البلاغه. المعنى الاصطلاحى نقل ابن نجيم فى الاشباه والنظائر عن المستصفى للغزالى أن الأحكام تثبت بطرق أربعة الاقتصار كما اذا انشأ الطلاق أو العتق وله نظائر جمة - والانقلاب وهو انقلاب ما ليس بعلة للحكم علة له كما اذا علق الطلاق أو العتق بالشرط فاذا قال شخص لزوجته ان دخلت الدار فأنت طالق لم يكن قوله: أنت طالق فى هذه العبارة علة لطلاقها قبل دخولها الدار وأنما ينقلب علة عند دخولها الدار - والاستناد وهو أن يثبت الحكم فى الحال ثم يستند الى زمن مضى فكان دائرا بين التبيين والاقتصار «راجع مصطلح استناد». والتبيين وهو أن يتبين فى الحال ان الحكم كان ثابتا قبل الآن مثل أن يقول فى اليوم ان كان زيد فى الدار فأنت طالق وكان وجوده فيها مجهولا عند ذلك ثم يتبين فى الغد وجوده فى الدار ذلك لليوم الماضى الذى حدث فيه التعليق فان الطلاق يقع فى ذلك اليوم الذى حدث فيه التعليق ومنه تبتدئ العدة وكما اذا قال لامرأته ان حضت فأنت طالق ثم رأت الدم فانها لا تطلق حتى يتبين ان الدم دم حيض وذلك بمرور المدة اللازمة لتحقق الحيض - وقد ذكر فقهاء الحنفية ان ما صح تعليقه بالشرط يقع فيه الحكم مقتصرا على وقت اجازته اذا كان موقوفا على الاجازة ومالا يصح تعليقه بالشرط يقع مستندا الى وقت وجود الشرط عند اجازته اذا ما صدر موقوفا على الأجازة - وعلى هذا اذا طلق أجنبى زوجة اخر بدون وكالة كان وقوع الطلاق موقوفا على أجازة الزوج فاذا أجازة بعد ذلك

стр. 7057

بمدة طالت أو قصرت وقع الطلاق من وقت أجازة الزوج لا قبلها ذلك لأن الطلاق مما يصح تعليقه بالشرط واذا باع شخص سلعة لآخر بدون اذنه كان البيع موقوفا على اجازة المالك فاذا مضت مدة ولو طالت فأجاز المالك البيع نفذ من وقت العقد أى مستندا نفاذه الى وقت العقد ولذا كان للمشترى زوائد المبيع منفصلة كانت أو متصلة اذا حدثت بعد العقد ولا يرى الشافعية والظاهرية والشيعة صحة العقد أو الطلاق فى مثل ما ذكرنا لأن تصرف الفضولى عندهم باطل وهذه احدى روايتين عن أحمد. ويرى المالكية هذا الرأى فى غير المعاوضات أما فى المعاوضات فيرون رأى الحنفية - راجع مصطلح فضولى -. ومن أمثلة الاقتصار لو قال لزوجته أنت طالق قبل قدوم فلان بشهر فقدم بعد شهر وقع الطلاق مقتصرا على وقت قدومه اتفاقا لأن الزوج لا يملك ايقاع الطلاق فيما مضى من زمن لانعدامه وقت الايقاع فلا يتصور ايجاد أمر فى معدومة ولا يمكن تصحيحه اخبارا لتيقن الكذب فيه وكذلك اذا قال لها أنت طالق قبل موت زيد بشهر وقع مقتصرا على موت زيد عند الصاحبين خلافا لرأى أبى حنيفة اذ ذهب الى أنه يقع مستندا الى ما قبل موته بشهر وفائدة الخلاف تظهر فى ابتداء العدة وهذا اذا مات زيد لتمام شهر من وقت التطليق والا لم تطلق لعدم شهر قبل الموت والفرق بين الموت والقدوم عند أبى حنيفة أن الموت به التعريف بالوقت فلا يقتصر الجزاء عليه كما لو قال ان كان زيد فى الدار فأنت طالق فخرج منها اخر النهار طلقت من حين تكلم ذلك لأن الموت فى الابتداء يحتمل ان يقع قبل الشهر فلا يوجد الوقت اصلا واذا لم يوجد لم يقع الطلاق فاذا مضى شهر علمنا بوجوده قبل الموت الا ان الطلاق لا يقع فى الحال لأنا نحتاج الى شهر يتصل بالموت وانه غير ثابت والموت معرف له وهذا بخلاف القدوم لأن القدوم غير ثابت لا محالة فاذا حدث اقتصر عليه الطلاق راجع مصطلح (طلاق) وقد يثبت الحكم مستندا بالنسبة الى أمر ومقتصرا بالنسبة الى أمر اخر وذلك كما فى الملك المترتب على التضمين يثبت مستندا بالنسبة لزوائد التالف المتصلة ويثبت مقتصرا على وقت التضمين بالنسبة لزوائده المنفصلة ولذا يملك الضامن الزوائد المتصلة تبعا لتملك العين التالفة لاستناد الحكم الى ما قبل حدوثها وهو وقت التضمين وذلك كالسمن ولا يملك الزوائد المنفصلة بهذا التضمين بل يكفى ملكا لمالك العين المضمونة وذلك كالولد ونحوه راجع مصطلح تضمين (١).

стр. 7058

اقتضاء التعريف عند اللغويين: اقتضاء مصدر فعله اقتضى المزيد بالهمزة والتاء، فاصل مادته قضى. جاء فى لسان العرب: القضاء الحكم يقال: قضى عليه يقضى قضاء وقضية، والقضاء الحتم والأمر ومنه قول الله ﴿(وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ)﴾ (١) أى أمر ربك وحتم، وقال ﴿(فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ)﴾ (٢) وقد يكون بمعنى الفراغ تقول قضيت حاجتى وقضى عليه عهدا أوصاه وانفذه ومعناه الوصية وبه يفسر قوله ﴿(وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ)﴾ (٣) أى عهدنا وهو بمعنى الاداء والانهاء، تقول قضيت دينى، ومنه قوله تعالى ﴿(وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ)﴾ (٤) أى أنهيناه اليه وابلغناه ذلك (٥) وحاء فى المعجم الوسيط: اقتضى الدين طلبه، واقتضى أمرا استلزمه، ويقال: افعل ما يقتضيه كرمك أى ما يطالبك به كرمك، واقتضى منه حقا أخذه، واقتضى الأمر الوجوب دل عليه (٦). الاقتضاء عند الأصوليين: لا يكاد يخرج الأصوليون فى تعريف الاقتضاء عن المعنى اللغوى فقد عرفوه بانه طلب الفعل (٧) من المكلف، والاقتضاء بهذا المعنى أحد أقسام الحكم الشرعى فقد عرف بعض الاصوليين الحكم الشرعى (٨) بانه عبارة عن خطاب الله تعالى المتعلق بافعال المكلفين بالاقتضاء او التخيير وعرفه البعض الآخر كما جاء فى شرح التوضيح (٩) على التنقيح بانه خطاب الله تعالى المتعلق بافعال المكلفين بالاقتضاء او التخيير او الوضع أى وضع الشارع. قال الامدى (١٠) واذا عرف الحكم الشرعى

стр. 7059

فهو اما أن يكون متعلقا بخطاب الطلب والاقتضاء لولا يكون فان كان متعلقا بخطاب الطلب والاقتضاء فالطلب اما ان يكون للفعل واما ان يكون للترك وكل واحد منهما اما جازم او غير جازم فالكم الذى يتعلق بالطلب الجازم للفعل هو الوجوب والذى يتعلق بغير الجازم منه هو الندب، والحكم الذى يتعلق بالطلب الجازم للترك هو الحرمة والذى يتعلق بغير الجازم منه هو الكراهة وان لم يكن الحكم متعلقا بخطاب الاقتضاء فاما أن يكون متعلقا بخطاب التخيير او غيره فان كان الاول فهو الاباحة وان كان الثانى فهو الحكم الوضعى كالصحة والبطلان ونصب الشئ سببا او مانعا او شرطا وكون الفعل عبادة وقضاء واداء وعزيمة ورخصة الى غير ذلك لكن الحنفية (١) يخالفون جمهور الاصوليين فى اعتبار أن طلب الفعل من المكلف ان كان على سبيل الجزم فهو للوجوب ويرادفه الفرض. فالفرض والواجب عند جمهور الاصوليين بمعنى واحد لان الواجب عبارة عن خطاب الشارع بما ينتهض تركه سببا للذم شرعا فى حالة ما وهذا المعنى بعينه تحقق فى الغرض الشرعى أما الحنفية فانهم يعتبرون ان الطلب على سبيل الجزم ان كان دليله قطعيا فى الثبوت والدلالة مثل الكتاب والسنة المتواترة فهو الفرض كالصلوات الخمس، وان كان دليله ظنيا كخبر الواحد والقياس فهو الواجب كالوتر. وكذلك استعمل الاقتضاء عند الاصوليين بمعنى الدلالة حيث قسم الاصوليين الدلالات الى نوعين دلالات المنظوم اى ما تدل عليه الالفاظ نفسها من حيث صيغتها ووصفها ودلالات غير المنظوم من الفاظ الا من حيث صيغتها ووصفها بل من حيث فحواها (٢)، والاقتضاء بمعنى الدلالة أحد اقسام النوع الثانى وهو دلالة غير المنظوم فقد قسم الامدى والغزالى دلالة غير المنظوم الى دلالة اقتضاء ولادلة تنبيه وايماء ودلالة المفهوم ودلالة الاشارة، والمقصود بدلالة الاقتضاء هو المقتضى الذى يكون من ضرورة اللفظ ولا يكون منطوقا به، جاء فى المستصفى (٣): ان ما يقتبس من الالفاظ لا من حيث صيغتها بل من حيث فحواها واشارتها خمسة أضرب: الضرب الاول: ما يسمى اقتضاء وهو الذى يكون من ضرورة اللفظ اما من حيث لا يمكن لا يدل عليه اللفظ ولا يكون منطوقا به ولكن وجود الملفظ شرعا الاية أو من حيث يمتنع كون المتكلم صادقا الا به أو من حيث يمتنع ثبوته عقلا الا به اما المقتضى الذى هو ضرورة

стр. 7060

صدق المتكلم فكقول رسول الله صلّى الله عليه فمعناه لا صيام صحيحا أو كاملا فيكون حكم فانه نفى الصوم والصوم لا ينتفى بصورته فمعناه لا صيام صحيحا او كاملا فيكون حكم الصوم هو المنفى لانفسه والحكم غير منطوق به لكن لا بد منه لتحقيق صدق الكلام فعن وهذا يصح على مذهب من ينكر الأسماء وهذا يصح على مذهب من ينكر الاسماء الشرعية ويقول لفظ الصوم باق على مقتضى اللغة فيفتقر فيه الى اضمار الحكم اما من جعله عبارة عن الصوم الشرعى فيكون انتفاؤه بطريق النطق لا بطريق الاقتضاء وعليه فالحديث ليس مما نحن فيه بل مثاله (لا عمل الا بنية) ورفع عن أمتى الخطأ والنسيان، وأما مثال ما ثبت اقتضاء لتصور المنطوق به شرعا فقول القائل (أعتق عبدى عنى فانه يتضمن الملك ويقتضيه ولم ينطق به لكن العتق المنطوق به شرط نفوذه شرعا تقدم الملك فكان ذلك مقتضى اللفظ وكذلك لو اشار الى عبد الغير وقال والله لاعتقن هذا العبد يلزمه تحصيل الملك فيه ان اراد البر وان لم يتعرض له لضرورة الملتزم، واما مثال ما ثبت اقتضاء لتصور المنطوق به عقلا فقوله ﴿(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ)﴾ (١) فانه يقتضى اضمار الوط ء. أى حرم عليكم زواج امهاتكم لان الامهات عبارة عن الاعيان والاحكام لا تتعلق بالاعيان ولا بعقل تعلقها الا بافعال المكلفين فاقتضى اللفظ فعلا وصار ذلك هو الزواج من بين سائر الافعال وكذلك قوله ﴿(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ (٢) و ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ﴾ (٣) أى الأكل ويقرب منه (وأسأل القرية) أى اهل القرية لانه لا بد من الاهل حتى يعقل السؤال فلا بد من اضماره ويجوز أن يلقب هذا بالاضمار دون الاقتضاء والقول فى هذا قريب، والثابت باقتضاء النص كالثابت بالنص فقد قال فى المنار (٤): أما الثابت باقتضاء النص أى بمقتضاه فاعلم أن النص اذا كان بحيث لا يصح معناه الا بشرط فلا شك فى أنه يقتضيه فهناك أمور أربعة المقتضى وهو النص والمقتضى وهو ذلك الشرط والاقتضاء وهو نسبة بينهما وحكم المقتضى وهو المراد من الثابت هنا وهو ثابت بالنص بواسطة الشرط الذى اقتضاه. وجاء فى كشف الاسرار (٥): أن المقتضى هو زيادة على النص ثبت شرطا لصحة المنصوص عليه لأن المنصوص عليه لما لم يستغن عنه وجب تقديره لتصحيح المنصوص عليه فقد اقتضاه النص فصار المقتضى بحكمه حكما للنص بمنزلة الشراء

стр. 7061

أوجب الملك والملك اوجب العتق فى القريب فصار الملك بحكمه حكما للشراء فصار الثابت به بمنزلة الثابت بنفس النظم، والثابت بالمقتضى يساوى الثابت بالنص الا عند المعارضة فان الثابت بالنص أو اشارته او دلالته يكون اقوى من الثابت بالمقتضى لأنه ثابت بالنظم أو بالمعنى اللغوى فكان ثابتا من كل وجه، والمقتضى ليس من موجبات الكلام لغة وانما يثبت شرعا للحاجة الى اثبات الحكم فكان ضروريا ثابتا من وجه دون وجه اذ هو غير ثابت فيما وراء ضرورة تصحيح الكلام فيكون الأول اقوى. هل يدخل العموم اقتضاء النص؟: - ذكر صاحب كشف الاسرار (١): انه اختلف فى عموم المقتضى فقال الحنفية لا عموم له أى لا يجوز اى يثبت له صفة العموم، وقال الشافعى رحمه الله تعالى له عموم أى يجوز ان يثبت فيه العموم لأن المقتضى بمنزلة النص حتى كان الحكم الثابت به بمنزلة الثابت بالنص لا بالقياس فيجوز فيه العموم كما يجوز فى النص والحنفية يقولون العموم من عوارض النظم وهو غير منظوم حقيقة فلا يجوز فيه العموم وذلك لأن ثبوت المقتضى للحاجة والضرورة حتى اذا كان المنصوص مفيدا للحكم بدونه لا يثبت المقتضى لغة ولا شرعا والثابت بالضرورة يتقدر بقدرها ولا حاجة الى اثبات صفة العموم للمقتضى فان الكلام مفيد بدونه فبقى فيما وراء موضع الضرورة وهو صحة الكلام على أصله وهو العدم فلا يثبت فيه العموم وهو نظير تناول الميتة لما ابيح للحاجة تقدر بقدرها وهو سد الرمق وفيما وراء ذلك من الحمل والتمول والتناول الى الشبع لا يثبت له حكم الاباحة بخلاف النص فانه عامل بنفسه فيكون بمنزلة حل الذكية يظهر فى حكم التناول وغيره مطلقا كذا ذكره شمس الائمة. وذكر الغزالى فى المستصفى انه لا عموم للمقتضى وانما العموم للالفاظ لا للمعانى التى تضمنتها ضرورة الالفاظ فقوله ﵇ «لا صيام لمن لا يبيت الصيام من الليل» ظاهره نفى صورة الصوم حسا لكن وجب رده الى الحكم وهو نفى الاجزاء والكمال وقد قيل انه متردد بينهما وهو مجمل وكذلك قوله ﵇ رفع عن امتى الخطأ والنسيان معناه حكم الخطأ ولا عموم له ولو قال لا حكم للخطأ لأمكن حمله على نفى الاثم والغرم وغيره على العموم وفى بعض كتب اصحاب الشافعى انه متى دل العقل او الشرع على اضمار شئ فى كلام صيانة له عن التكذيب ونحوها وثمة تقديرات يستقيم الكلام بأيها لا يجوز اضمار الكل، وهو المراد من قولنا المقتضى لا عموم له. اما اذا تعين احد تلك التقديرات باى دليل افاد العموم او الخصوص كان مقدره كذلك. وبناء على رأى الحنفية (٢) اذا قال انسان لغيره اعتق عبدك عنى بالف درهم فان هذا الكلام يتضمن البيع لضرورة صحة الاعتاق لأنه متوقف على الملك والملك متوقف على البيع فى هذه الصورة لتعينه سببا له بدلالة قوله على ألف ويثبت البيع متقدما على الاعتاق لأنه بمنزلة الشرط لنوقف صحة الاعتاق عليه

стр. 7062

ولما كان شرطا كان تبعا اذ الشروط اتباع فيثبت بشروط العتق لا بشروط نفسه لأن الشئ اذا ثبت تبعا يعتبر فيه شرائط المتبوع اظهارا للتبعية ولذلك كان الشرط فى مثل هذا أن يكون الأمر أهلا للاعتاق حتى لو لم يكن أهلا له بأن كان صبيا عاقلا قد أذن له وليه فى التصرفات لم يثبت البيع بهذا الكلام كما أنه لا يشترط فى البيع الثابت اقتضاء فى مثل هذا القبول من الآمر كما أنه لا يثبت فى مثل هذا البيع خيار العيب والرؤية، ولو جعل المقتضى بمنزلة المذكور صريحا لثبت بأحكامه أى أعتبر فيه أهلية البيع لا غير وشرط فيه القبوا وثبت فيه الخياران ألا ترى أنه لو صرح الممأمور بالبيع فى هذه الصورة بأن قال بعته منك بألف واعتقه لم يجز عن الآمر لأنه ما أمره ببيعه مقصودا وانما أمره ببيع ثابت ضرورة العتق فاذا أتى به مقصودا لم يأت بما أمر به فتوقف على القبول فاذا اعتقه قبل القبول وقع عن نفسه ولم يقع عن الآمر فتبين بما ذكرنا أن المقتضى ليس كالمنصوص فيما وراء موضع الحاجة خلافا لزفر فى هذا المثال، ثم قال صاحب كشف الاسرار (١): ولا يلزم على ما ذكرنا ما اذا قال لامرأته تزوجى فانه لا يقتضى طلاقا الا بالنية لأنا انما أثبتنا المقتضى لتصحيح الملفوظ ولا يحصل ذلك هاهنا لأنا اذا حكمنا بوقوع الطلاق لا يصح الأمر بالتزوج فانها تتزوج بمالكيتها أمر نفسها لا بأمر الزوج فانه لا ولاية له عليها واذا لم يصح الأمر به لا يمكن اثباته اقتضاء ولأن من شرط تزوجها الفراغ عن الأول لا الطلاق فلم يصر مقتضيا له لانه لا يثبت الاقتضاء الا ضرورة، وقال ابو يوسف والشافعى رحمهما الله تعالى اذا قال اعتق عبدك عنى بغير شئ فاعتقه فانه يقع عن الآمر وتثبت الهبة اقتضاء كما يثبت البيع فى المثال السابق ولا يشترط فيها القبض لأن الملك بطريق الهبة ثابت بطريق الاقتضاء وبالاعتاق فيثبت بشروط الاعتاق ويسقط اعتبار شرط الهبة وهو القبض مقصودا كما يسقط اعتبار القبول فى البيع بل أولى لأن القبول ركن فى البيع والقبض شرط فى الهبة فلما سقط اعتبار ما هو الركن لكونه ثابتا باقتضاء العتق فلأن يسقط اعتبار ما هو شرط أولى، وقال أبو حنيفة (٢) ومحمد رحمهما الله تعالى يقع العتق عن المأمور وهو القياس لانه لما طلب العتق بغير بدل ولا صحة للعتق الا بالملك صار طالبا للهبة والهبة لا توجب الملك الا بالقبض ولم يوجد أما حقيقة فظاهر، واما تقديرا: فلأن رقبة العبد، أى ما قيمته بحكم العتق تتلف على ملك المولى فى يده وذلك أى المتلف وهو المالية لا يصلح أن يكون مقبوضا للطالب ولا للعبد ولا هو محتمل للقبض لأنه هالك واذا لم يوجد ما هو شرط ثبوت الملك للآمر، لم يثبت العتق عنه، لأنه لا عتق فى غير الملك، فوقع عن المأمور، ثم قال صاحب كشف الاسرار (٣) ومثال المقتضى الذى يجرى العموم فيه عند الشافعى ولا يجرى فيه عندنا

стр. 7063

قوله: ان أكلت فعبدى حر أو ان شربت ونوى خصوص الطعام أو الشراب أى نوى طعاما دون طعام أو شرابا دون شراب لم يصدق أصلا عندنا لاقضاء ولا ديانة لأن الأكل اسم للفعل والمأكول محل الفعل واسم الفعل لا يكون اسما للمحل ولا دليلا عليه لغة الا أن الفعل لا يكون بدون المحل فيثبت المحل مقتضى فكان ثابتا فى حق ما يلفظ به من الأكل دون صحة النية اذ هو فيما وراء الملفوظ غير ثابت فكانت النية واقعة فى غير الملفوظ فتلغو. وكذلك فى مسألة الخروج بان قال: ان خرجت فعبدى حر اذا نوى مكانا دون مكان بان نوى الخروج الى بغداد مثلا لم يصدق قضاء ولا ديانة لأن قوله ان خرجت وان دل على المصدر لغة لا يتناول مكانا من حيث اللغة وانما يثبت ذلك مقتضى لأن للخروج مكانا لا محالة فلا يصح تخصيصه بالنية وكذلك لو قال ان اغتسلت فعبدى حر اذا نوى تخصيص الاسباب بان قال عنيت الاغتسال عن الجنابة لم يصدق قضاء ولا ديانة: وعن ابى يوسف رحمه الله تعالى (١) انه يصدق ديانة لأنه نوى التخصيص فى المصدر. ويدل لأبى حنيفة ومحمد انه ذكر الفعل ولم يذكر السبب وانما ثبت السبب مقتضى لأن الاغتسال يقتضى سببا ولا عموم له فبطلت النية ولو قال ان اغتسل الليلة فى هذه الدار فعبدى حر فلم يسم الفاعل ونوى تخصيص الفاعل لم يصدق عند الحنفية بخلاف قوله ان اغتسل احد فانه اذا نوى فيه تحصيص الفاعل يصدق ديانة لا قضاء لأن الفاعل مذكور وهو نكرة وقعت فى موضع النفى فعمت فقبلت التخصيص وكذا اذا قال ان اغتسلت غسلا ونوى غسل الجنابة يصدق ديانة لأن الغسل اسم للفعل وضع له من قبل اسبابه وليس بمصدر وقد وقع فى موضع النفى منكرا فصح القول بالتخصيص لكنه خلاف الظاهر اذ الظاهر للعموم فلا يصدق قضاء، وفى هذه المسائل كلها خلاف الشافعى لأن للمقتضى عموما عنده فيقبل التخصيص. الفرق بين المحذوف والمقتضى قال صاحب كشف الأسرار (٢): - أعلم أن عامة الأصوليين من متقدمى الحنفية واصحاب الشافعى وغيرهم جعلوا المحذوف من باب المقتضى ولم يفصلوا بينهما فقالوا: المقتضى هو جعل غير المنطوق منطوقا لتصحيح المنطوق وهو يشمل الجميع، وانما اختلفوا فى عمومه فذهبت الحنفية الى انتفاء العموم عنه، وذهب الشافعى وعامة اصحابه. الى القول بالعموم، والامام ابو زيد رحمه الله تعالى تابع المتقدمين وجعل الكل قسما واحدا فقال: المقتضى زيادة على النص لم يتحقق معنى النص بدونها فاقتضاها النص ليتحقق معناه ولا يلغو. ففى تعريفه هذا دخل المحذوف ايضا. ثم قال ومثاله قول الله ﵎: «وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ» (٣) اى اهلها اقتضاء لأن السؤال للتبيين فاقتضى موجب هذا الكلام أن يكون المسئول من أهل البيان ليفيد فثبت الأهل

стр. 7064

اقتضاء ليفيد، وذكر ايضا قوله ﵇ «رفع عن آمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» وعينها غير مرفوع فاقتضى ضرورة زيادة وهى الحكم ليصير مفيدا وصار المرفوع حكمها وثبت رفع الحكم عاما عند الشافعى فيشمل المؤاخذة فى الآخرة والصحة فى الدنيا. وعند الحنفية انما يرتفع حكم الآخرة لا غير لأن بهذا القدر يصير مفيدا فتزول الضرورة. وذكر ايضا قوله ﵇ «الاعمال بالنيات» والمراد حكم الاعمال فان عينها تثبت بلا نية. وعند الشافعى يتعلق كل حكم بالنية على سبيل العموم. وعند الحنفية لا يتعلق الا حكم الآخرة من الثواب فانه مراد بالاجماع، ولما ثبت هذا مرارا وصار الكلام مفيدا لم يتعد الى ما وراءه كأنه قال: ثواب الأعمال بالنيات .. ثم أن البزدوى رحمه الله تعالى لما رأى ان العموم متحقق فى بعض افراد هذا النوع مثل قوله طلقى نفسك وان خرجت فعبدى حر سلك طريقة اخرى وفصل بين ما يقبل العموم ومالا يقبله وجعل ما يقبل العمول قسما آخر غير المقتضى وسماه محذوفا ووضع علامة يتميز بها المحذوف عن المقتضى فقال وعلامة الفصل والفرق بينهما ان الذى أقتضى غيره وهو الذى نسميه مقتضيا ثبت عند صحة الاقتضاء اى تقرر عند التصريح بالمقتضى واذا كان الشئ محذوفا فقدر مذكورا انقطع ما أضيف الى المذكور وتعلق به عنه وانتقل الى المقدر لعدم الاشتباه والالتباس يعنى: الحذف انما يجوز اذا كان فى الباقى دليل عليه ولم يكن ملتبسا وليس ها هنا التباس فجاز الحذف ثم استوضح انه من قبيل المحذوف لا من قبيل المفتضى وأدرج فيه الدليل على الفرق بينهما فقال: ألا ترى انه متى ذكر الأهل فى الآية اى صرح به انتقلت اضافة السؤال الى القرية عنها الى الاهل فكان من قبيل المحذوف دون المقتضى لأن المقتضى لتحقيق المقتضى وتقريره لا لنقل المقتضى عن المذكور الى المحذوف، وضعف صاحب كشف الاسرار (١): العلامة التى ساقها البزدوى للفرق بين المحذوف والمقتضى ثم قال: وحقيقة الفرق ان المحذوف امر لغوى والمقتضى امر شرعى. ومن نظائر المحذوف قوله ﷺ رفع عن امتى الخطأ والنسيان لما استحال العمل بظاهره واجراؤه عليه لأن ظاهرة يقتضى رفعها بالكلية عن جميع الأمة لكون الأمة عبارة عن جميع من آمن بالنبى ﵇ الى يوم القيامة وكون الألف واللام فى الخطأ والنسيان للماهية أو للاستغراق اذ لا عهد بالاجماع والعمل به غير ممكن لافضائه الى الكذب فى كلام صاحب الشرع ضرورة تحققها فى حق الأمة فلابد من تقدير شئ يمكن اضافة الرفع اليه تصحيحا للكلام وهو الحكم لأنه هو الذى يقتضيه هذا الكلام لأن تصرف صاحب الشرع فى الاحكام ولما ثبت ان الحكم هو المقدر كان من قبيل المحذوف لا من قبيل المقتضى لتغير ظاهر الكلام على تقدير التصريح به من انتقال الفعل وهو الرفع عن الظاهر وهو الخطأ، وكذلك قوله ﵇ الاعمال بالنيات فالمقدر فيه من قبيل المحذوف لا من قبيل المقتضى وذلك

стр. 7065

لأن العمل بظاهره لما اقتضى أن لا يوجد عمل بلا نية لدخول اللام المستغرقة للجنس فى الأعمال ثم الحكم بانها تفتقر الى النية وقد تعذر العمل به لتأديته الى الكذب الذى هو مستحيل فى كلام الرسول ﷺ لتحقق كثير من الاعمال بدون النية لم يكن بد من ادراج شئ يصح به الكلام ويمكن العمل به وهو الحكم او الاعتبار وعلى ذلك التقدير يتغير الكلام لأن الحكم حينئذ يصير هو المبتدأ المحكوم عليه ويرتفع بالابتداء وينجر لفظ الاعمال الذى كان مرفوعا بالابتداء ومحكوما عليه بالاضافة فكان من قبيل المحذوف لا من قبيل المقتضى. ثم قال البزدوى (١): وما حذف اختصارا وهو ثابت لغة كان عاما أى يقبل العموم لأن الاختصار احد طريقى اللغة فكان المختصر ثابتا لفظا والعموم من اوصاف اللفظ بخلاف الملقتضى فأنه أمر شرعى ثبت ضرورة مثل تحليل الميتة بالضرورة فلا يزيد عليها لأنها تندفع بالخاص فلا يصار الى العموم من غير ضرورة لأنه اثبات الشئ بلا دليل. وكلام الإباضية قريب من كلام المذاهب السنية فقد جاء فى شرح طلعة الشمس فى اصول المذهب الأباضى (٢): أن اللفظ الذى له معنى اما أن يدل على معناه بعبارته واما ان يدل عليه باشارته واما ان يدل عليه باقتضائه واما ان يدل عليه بدلالته (٣) ثم قال: أما الدال باقتضائه فهو مضمر مقصود يتوقف عليه صدق الكلام او صحته العقلية أو الشرعية ولا يكون الا بطريق الاستلزام فمثال ما توقف عليه صدق الكلام لغة قوله ﷺ «رفع عن امتى الخطأ والنسيان فان صدق هذا الكلام متوقف على مضمر محذوف تقديره رفع عن امتى اثم الخطأ والنسيان فلفظ الاثم هو المضمر المحذوف الذى احتاج اليه الكلام واقتضاه لأن الخطأ والنسيان موجودان فى الأمة وقطعنا بصدق الشارع فاحتاج كلامه الى المضمر المحذوف، ومثال ما توقف عليه صحة الكلام عقلا قوله تعالى «وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها ٤» فان العقل لا يجوز سؤال القرية نفسها فتوقفت صحة هذا الكلام عقلا على اضمار لفظ الأهل. ومثال ما توقفت عليه صحة الكلام شرعا قوله ﷺ «لا صلاة لجار المسجد الا فى المسجد» و، «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل» ولولا تقدير الصحة فى الحديث الثانى والكمال فى الحديث الأول ما صح هذا الكلام شرعا. ومنه قولك: اعتق عبدك عنى بمائة اذ التقدير بع منى عبدك واعتقه عنى ولولا هذا المضمر المحذوف لما صح هذا الكلام شرعا اى لولا ذلك لما لزمه ثمن ولا كان العتق مجزيا عنه لكنه يجزئ عنه العتق ويلزمه الثمن بتقدير ذلك المحذوف وأما

стр. 7066

الدال بدلالته فهو ما دل عليه اللفظ لا فى محل النطق أى يكون حكما لغير المذكور وحالا من أحواله، اما كون العموم يدخل اقتضاء النص أو لا يدخله فقد قال صاحب شرح طلعة الشمس (١): أما الدال باقتضائه فان اكتفى فى تقدير صحة الكلام وصدقه بما دون العموم فيه فلا عموم له وان لم يكتف بدون العموم فى استقامة الكلام صدقا أو صحة فانه يعم بحسب ذلك المقدر المقتضى. وتوضيحه انه اذا لم يستقم الكلام الا بتقدير محذوف وكان هنالك امور منها عام ومنها خاص وكل واحد منها يصلح لاستقامة الكلام فلا يصار الى تقدير العام فيه بل يجب أن يكون المقدر هو الخاص لانه انما قدر لضرورة اقضاء استقامة الكلام له واذا اندفعت الضرورة بشئ فلا يتجاوز الى غيره فى باب التقديرات واذا لم يستقم الكلام الا بتقدير العام تعين حينئذ تقديره وكان المقتضى عاما كما فى قولك: اعتقوا عبيدكم عنى على كذا حيث يثبت بيع كل واحد من العبيد له اذا عتقوا بقوله فيلزمه ثمن الجميع. الاقتضاء عند الفقهاء لا يكاد يخرج استعمال الفقهاء للفظ اقتضاء عن المعنى اللغوى فقد استعمل بمعنى طلب الحق وأخذه كما جاء فى قول رسول الله ﷺ رحم الله عبدا سمحا اذا باع سمحا اذا اشترى سمحا اذا قضى سمحا اذا اقتضى، قال المناوى فى فيض القدير (٢): سمحا اذا اقتضى أى طلب قضاء حقه ثم قال: والاقتضاء والتقاضى هو طلب قضاء الحق، ومن ذلك ما جاء فى الشرح الصغير (٣) وحاشية الصاوى عليه: يضمن الضامن ان اقتضى الدين من الغريم ليوصله لربه سواء طلبه منه او دفعه له الغريم بلا طلب لكن على وجه البراءة منه كذلك استعمل الفقهاء الاقتضاء بمعنى الوجوب واللزوم فيقال هذا شرط يقتضيه العتق اى يوجبه ويستلزمه فقد جاء فى الهداية (٤) وشروحها: كل شرط يقتضيه العقد كشرط الملك للمشترى لا يفسد العقد لثبوته بدون الشرط وكل شرط لا يقتضيه

стр. 7067

العقد وفيه منفعة لأخذ المتعاقدين او للمعقود عليه وهو من اهل الاستحقاق يفسده كشرط أن لا يبيع المشترى العبد المبيع لان فيه زيادة عارية عن العوض فيؤدى الى الربا او لأنه يقع بسببه المنازعة فيعرى العقد عن مقصوده الا ان يكون متعارفا لأن العرف قاض على القياس ولو كان لا يقتضيه العقد ولا منفعة فيه لأحد لا يفسده وهو الظاهر من المذهب كشرط ان لا يبيع المشترى الدابة المبيعة لأنه انعدمت المطالبة فلا يؤدى الى الربا ولا الى المنازعة، اذا ثبت هذا فنقول ان هذه الشروط لا يقتضيها العقد لأن قضيته الاطلاق فى التصرف والتخيير لا الالزام حتما والشرط يقتضى ذلك وفيه منفعة للمعقود عليه لكن ابن عابدين فرق بين الموجب والمقتضى وبين الحكم بالموجب والحكم بالمقتضى، جاء فى الدر المختار فى باب القضاء اذا رفع الى القاضى حكم قاض آخر نفذه الزم الحكم والعمل بمقتضاه لو كان مجتهدا فيه عالما باختلاف الفقهاء فيه وذلك بعد دعوى صحيحة من خصم على خصم حاضر، وقد تعارفوا فى زماننا القضاء بالموجب وعلق ابن عابدين على ذلك قائلا هذا من متعلقات اشتراط صحة الدعوى من خصم على خصم حاضر لصحة القضاء وبيانه انه اذا وقع تنازع فى موجب خاص من مواجب ذلك الشئ الثابت عند القاضى ووقعت الدعوى بشروطها كان حكما بذلك الموجب فقط دون غيره فلو اقر بوقف عقار عند القاضى وشرط فيه شروطا وسلمه الى المتولى (١) ثم تنازعا عند القاضى الحنفى فى صحته ولزومه فحكم بهما وبموجبه لا يكون حكما بالشروط فللشافعى أن يحكم فيها بمقتضى مذهبه ولا يمنعه حكم الحنفى السابق وتمامه فى الاشباه وذكر فى البحر أن القاضى اذا قضى لشئ فى حادثة بعد دعوى صحيحة لا يكون قضاء فيما هو من لوازمه الى أن قال فقد علمت من ذلك كثيرا من المسائل فاذا قضى شافعى بصحة بيع عقار وموجبه لا يكون حكما منه بأنه لا شفعة للجار لعدم حادثتها وكذا اذا قضى حنفى لا يكون حكما بأن الشفعة للجار وان كانت الشفعة من مواجبه لأن حادثتها لم توجد وقت الحكم ولا شعور للقاضى بها وكذا اذا قضى مالكى بصحة التعليق فى اليمين المضافة لا يكون حكما بانه لا بصح نكاح الفضولى المجاز بانفعل لعدمه وقته فافهم فان اكثر اهل زماننا عنه غافلون وكذا قال العلامة قاسم اما كون الحكم حادثة فهو احتراز عما لم يحدث بعد كما لو حكم بموجب اجارة لا يكون حكما بالفسخ بموت احد المتآجرين لأنه لم توجد فيه خصومة قلت وقد ظهر من هذا أن المراد بالموجب هنا الذى لا يصح به الحكم هو ما ليس من مقتضيات العقد فالبيع الصحيح مقتضاه خروج المبيع عن ملك البائع ودخوله فى ملك المشترى واستحقاق التسليم والتسلم فى كل من الثمن والمثمن ونحو ذلك فان هذه وان كانت من موجباته لكنها مقتضيات لازمة له فيكون

стр. 7068

الحكم به حكما بها بخلاف ثبوت الشفعة فيه للخليط او للجار مثلا فان العقد لا يقتضى ذلك أى لا يستلزمه فكم من بيع لا تطلب فيه الشفعة فهذا يسمى موجب البيع ولا يسمى مقتضى وهذا معنى قول بعض المحققين من الشافعية ان الموجب عبارة عن الأثر المترتب على ذلك الشئ وهو والمقتضى مختلفان خلافا لمن زعم اتحادهما اذ المقتضى لا ينفك والموجب قد ينفك فالأول كانتقال الملك للمشترى بعد لزوم البيع والثانى كالرد بالعيب والموجب أعم لأنه الأثر اللازم سواء كان ينفك اولا وهذا احسن مما قاله العلامة ابن الغرس من ان موجب الشئ ما أوجبه ذلك الشئ واقتضاه فالموجب والمقتضى فى الأصل واحد ولكن يلزم من بعض الصور ان الموجب فى باب الحكم اعم وهو التحقيق اذ لو باع مدبره ثم تنازعا عند القاضى الحنفى فحكم بموجب ذلك البيع صح الحكم ومعناه الحكم ببطلان ذلك البيع ومن المعلوم ان الشئ لا يقتضى بطلان نفسه فظهر ان الحكم فى هذه الصورة لا يكون حكما بالمقتضى والا كان باطلا وكان للشافعى نقضه والحكم بصحة البيع اذ لا مقتضى للبيع عند الحنفى لأنه باطل ويصح عند الحنفى ان يقال موجب هذا البيع البطلان وانما قلنا ان ما مر احسن لأنه يرد على ما قاله ابن الغرس انه كما يقال ان الشئ لا يقتضى بطلان نفسه فكذلك يقال انه لا يوجب بطلان نفسه فدعواه انهما فى الأصل بمعنى واحد وان هذا السبب هو الداعى الى الفرق بينهما هنا غير مسلم فالظاهر أن الفرق بينهما هو اشتراط عدم الانفكاك فى المقتضى لا فى الموجب فالموجب اعم فالحكم بالموجب عندنا لا يصح ما لم يكن حادثة بأن وقع فيه الترافع والتنازع عند الحاكم كما مر فاذا وقع التنازع فى صحة البيع ولزومه فحكم بموجب ذلك البيع كان حكما بصحته وبباقى مقتضياته الشرعية التى لا تنفك عنه كملك المشترى المبيع ولزوم دفع الثمن ونحو ذلك بخلاف موجبه المنفك عنه كاستحقاق الجار الأخذ بالشفعة لعدم الحادثة كما قلنا ثم اعلم ان ابن الغرس ذكر أن الموجب على ثلاثة أقسام. لأنه اما أن يكون أمرا واحدا. أو أمورا يستلزم بعضها بعضا أولا. فالأول كالقضاء بالأملاك المرسلة والطلاق والعتاق اذ لا موجب لهذا سوى ثبوت ملك الرقبة للعين والحرية وانحلال قيد العصمة والثانى كما اذا ادعى رب الدين على الكفيل بدين له على الغائب المكفول عنه وطالبه به فانكر الدين فاثبته وحكم بموجب ذلك فالموجب هنا أمران. لزوم الدين للغائب ولزوم ادائه على الكفيل. والثانى يستلزم الأول فى الثبوت والثالث كما اذا حكم شافعى بموجب بيع عقار اقتصر الحكم على ما وقعت به الدعوى فلا يكون حكما بانه لا شفعة للجار وهكذا فى نظائره هذا حاصل ما قرره ابن الغرس وتبعه فى النهر (١).

стр. 7069

اقتناء تعريف الاقتناء لغة اقتناء المال وغيره: اتخاذه، وهو مصدر اقتنى، تقول: أقتنى المال يقتنيه أقتناء، وهو ان يتخذه لنفسه لا للبيع، ويقال: هذه قنية واتخذها قنية للنسل لا للتجارة. والقنوة - بالكسر والضم -، والقنية - بالكسر والضم - الكسبة، وأقتنيته: كسبته. وقنوت العنز قنوا وقنوانا وقنوا: أتخذتها للحلب، وله غنم قنوة - بالكسر والضم - خالصة له ثابتة عليه. والقنية - بالكسر والضم - ما اكتسب، وجمعها قنى. وقنى المال (كرمى) قنيا وقنيانا - بالكسر والضم -: اكتسبه. وقنى الغنم (كعنى): ما يتخذ منها للولد أو اللبن، وفى الحديث «نهى عن ذبح قنى الغنم» قال ابو موسى هى التى تقتنى للدر، واحدتها قنوة - بالكسر والضم -، وقنية - بالكسر والضم - قال الزمخشرى: القنى والقنية: ما أقتنى من شاة أو ناقة، وقد قناه الله تعالى وأقناه: أعطاه ما يقتنى من القنية والنشب - المال - وفى التنزيل: «وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى ١»﴾. أى (٢) أعطى قنية يبقى أصلها وتزكو كالابل للنتاج والغنم فينتفع بقنيتها قاله الازهرى «وتقنى: اكتفى بنفقته ففضلت منه فضلة فأدخرها. تعريف الاقتناء اصطلاحا: لم يخرج استعمال الفقهاء للاقتناء فى الجملة عن المعانى التى استعملها فيه أهل اللغة، فقد جاء فى حاشية ابن عابدين على الدر المختار أن شاة القنية هى التى تحبس فى البيوت لاجل النتاج، من أقتنيته أتخذته لنفس قنية اى للنسل لا للتجارة (٣). وفسر الخرشى - من المالكية - الاقتناء بالادخار فى موضع من كتابه (٤) وفى موضع آخر قال: ان القنية هى الانتفاع بعين الشئ من سكنى وحمل وخدمة مثلا (٥) والظاهر ان التعبير الاخير هو تعبير مجازى. وذكر صاحب تحفة المحتاج - من الشافعية - ان الاتخاذ هو الاقتناء. (٦) وقال صاحب أسنى المطالب وصاحب المهذب من الشافعية ايضا - ان القنية هى الامساك للانتفاع دون التجارة (٧) وبمثل ذلك أيضا فسرها صاحب كشاف القناع (٨) من الحنابلة

стр. 7070

وفسرها صاحب البحر الزخار - من الزبدية - بأنها ترك التصرف فى المال (١). ما يجوز اقتناؤه وما لا يجوز أثره مذهب الحنفية يجوز بالاتفاق اقتناء الكلب للصيد وحراسة الماشية والبيوت والزرع، لكن لا ينبغى أن يتخذه الشخص فى داره الا ان كان يخاف لصوصا أو اعداء أو غيرهم، وذلك للحديث الصحيح، وهو ما روى عن عبد الله بن عمر قال: سمعت النبى ﷺ يقول: «من أقتنى كلبا الا كلب صيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان (٢). ومثل الكلب فى ذلك سائر السباع كالاسد والفهد والضبع (٣) هذا اذا كان الكلب غير عقور أما اذا كان عقورا فقد ذكر ابو يوسف أنه لا يجوز للانسان أقتناؤه، لانه مأمور بقتله. (٤) وجاء فى الفتاوى الهندية: أنه لو كان لرجل كلب عقور يعض كل من يمر عليه فلاهل القرية ونحوها أن يقتلوه فان تقدم أهل القرية الى صاحب الكلب ولم يقتله ثم عض انسانا فهو ضامن، وان عضه قبل التقدم اليه لم يضمن، ذكر هذا صاحب الينابيع. وفى أضحية النوازل: رجل له كلاب يقتنيها ولا يحتاج اليها ولجيرانه فيها ضرر فان أمسكها فى ملكه فليس لجيرانه منعه، وان أرسلها فى السكة فلهم منعه فان امتنع كان بها والا رفعوا أمره الى القاضى او الى صاحب الحسبة حتى يمنعه من ذلك. وكذلك من أمسك دجاجة او جحشا او عجولا فى القرية أو الريف وهو الارض فيها زرع وخصب - وكان فى ذلك ضرر لجيرانه فهو على هذين الوجهين ذكر هذا صاحب المحيط (٥). وسواء كان الكلب مأذونا للشخص فى اقتنائه ام لا، سواء كان معلما او غير معلم يجوز بيعه لان ما يجوز الانتفاع به يجوز بيعه والكلب يمكن الانتفاع به معلما كان أو غير معلم، لان كل كلب يحفظ بيت صاحبه ويمنع الاجانب عن الدخول فى بيته ويخبر عن الجائى بنباحه فيجوز بيع الكلب، ولأنه يجوز تمليكه بغير عوض كالهبة والوصية فكذا يجوز بعوض وما ورد فى الاحاديث من النهى عن ثمنه محمول على أبتداء الاسلام فأنهم كانوا الفوا اقتناء الكلاب وكانت تؤذى الضيفان والغرباء فنهوا عن اقتنائها فشق ذلك عليهم فأمر بقتلها ونهى عن بيعها تحقيقا للزجر عن العادة المألوفة

стр. 7071

ثم رخص لهم بعد ذلك. أو هو محمول على الكلاب التى لا نفع فيها وانما تقتنى للقمار والهراش - أى التحريش بينها وبين كلاب الآخرين - وروى الفضل بن غانم عن ابن يوسف ان بيع الكلب العقور - أى الجارح - لا يجوز لانه غير منتفع به، ولانه ﷺ نهى عن اقتنائه وأمر بقتله، وعلى هذا مشى صاحب المبسوط وجوابه ان ذلك كان قبل ورود الرخصة فى اقتناء الكلب للصيد أو للماشية أو للزرع (١) وكذلك يجوز أجارة الكلب، واستظهر ابن عابدين تقييده بالمعلم، لوقوع الاجارة على المنافع ولو أتلفه انسان ضمن قيمته لصاحبه (٢) سواء كان صاحبه يقتنيه لصيد أو حراسة ماشية أم لا وقال صاحب المبسوط ما ليس بكلب صيد ولا ماشية انما يضمن متلفه اذا كان بحيث يقبل التعليم حتى يكون مالا منتفعا به، فان كان عقورا لا يقبل التعليم فمتلفه لا يضمن شيئا، لانه ليس بمال منتفع به (٣). وأقتناء البغل وركوبه جائز، لأن رسول الله ﷺ ركبه واقتناه ولو لم يجز لما فعله (٤). وفى اقتناء الحمام فى البيوت قال صاحب تبيين الحقائق: لا بأس باقتناء الحمام فى البيوت والاستئناس به أو لحمل الكتب، ولا تسقط بذلك عدالة مقتنيه، لأن أمساك الحمام فى البيوت مباح الا ترى ان الناس - يتخذون بروجا للحمام من غير نكير الا اذا كانت تجر حمامات مملوكة لغيره من الناس فتفرخ فى برجه فان ما يأخذه من فراخها ليأكل أو يبيع لا يحل له، لانه ملك الغير، لان الفرخ يملك بملك الاصل فهو بمنزلة اللقطة فى يده الا أنه ان كان فقيرا يحل له أن يتناول لحاجته وان كان غنيا ينبغى له أن يتصدق بها على فقير ثم يشترى منه بشئ فيتناول (٥). وكذلك لا يحل اقتناء الحمام وغيره من الطيور لاجل تطييرها واللعب بها، لان الغالب فيه أن يصعد الى السطوح ليطير طيره فينظر الى عورات النساء، وهو فسق تسقط عدالته بمثله (٦). ويكره أقتناء التصاوير فى البيوت لما روى عن رسول الله ﷺ عن سيدنا جبريل ﵊ أنه قال: «لا تدخل بيتا فيه كلب أو صورة» (٧). ولأن امساكها فيه تشبه بعبدة الاوثان. الا اذا كانت على البسط أو الوسائد الصغار التى تلقى على الارض ليجلس عليها فلا تكره لان دوسها بالأرجل أهانة لها فأمساكها فى موضع الاهانة

стр. 7072

لا يكون تشبها بعبدة الاصنام الا أن يسجد عليها فيكره، لحصول معنى التشبه. ويكره ذلك على الستور وعلى الازر المضروبة على الحائط وعلى الوسائد الكبار وعلى السقف لما فيه من تعظيمها، ولو لم يكن لها رأس فلا بأس، لانها لا تكون صورة بل نقشا. ثم المكروه صورة ذى الروح فأما صورة مالا روح له من الاشجار والقناديل ونحوها فلا بأس به (١). ولا بأس بأقتناء أوانى الذهب والفضة للتجمل من غير استعمال أصلا بل فعله السلف (٢) نص محمد على ذلك، لأن المحرم الانتفاع والانتفاع بالأوانى يكون بالشرب ونحوه (٣). وفيما عدا الذهب والفضة يجوز للانسان أن يقتنى ما شاء من الأوانى ويستعملها، فيجوز أتخاذها من نحاس أو رصاص أو بلور أو عقيق، ونحوه واتخاذها من الخزف أفضل اذ لا سرف ولا مخيلة، وفى الحديث: «من اتخذ أوانى بيته خزفا زارته الملائكة (٤). وكذلك يجوز للانسان أن يبسط فى بيته ما شاء من الثياب المتخذة من الصوف والقطن والكتان المصبوغة وغيرها والمنقشة وغيرها (٥) وله أن يزين بيته بالديباج بدون قصد التكبر والتفاخر والا فيكره (٦). ويكره للشخص امساك شئ من آلات المعازف والملاهى وان كان لا يستعملها ويأثم بذلك، جاء ذلك فتاوى قاضيخان. ولو أقتنى مسلم شيئا حراما لأجل غيره كالخمر ونحوه ففيه تفصيل: فان اقتنى الخمر فى بيته للتخليل جاز ولا يأثم. وان امسك الحرام لمن يعتقد حرمته كالخمر يمسكها للمسلم لا يكره لان المسلم لا يستعمله استعمالا محرما وأن امسكه لن يعتقد أباحته كالخمر يمسكها لكافر يكره. ويعتبر من صغائر الذنوب اقتناء كلب لغير صيد أو حراسة ماشية، واقتناء خمر لغير تخليلها (٧) ويمنع الشخص من أقتناء واتخاذ كل ما فيه ضرر بجاره أو فيه ضرر عام، فلو اتخذ رجل فى دار اسطبلا وكان قبل ذلك مسكنا وفى ذلك ضرر بجاره فأن كان وجه الدواب الى جدار داره لا يمنعه، وان كانت حوافرها الى جدار داره له أن يمنعه. لو اتخذ خباز مثلا حانوتا فى وسط حوانيت لبيع الثياب مثلا يمنع من ذلك، أفتى بذلك أبو القاسم (٨) وفى اقتناء الكتب

стр. 7073

الخارجة عن الدين المستقيم الزائفة عن الطريق القويم المشحونة بالشرك: والضلال قال الشيخ الامام صدر الدين ابو الليث لا يجوز امساك تلك الكتب كما لا يجوز النظر فيها، كيلا تحدث الشكوك وحتى لا يتمكن الوهن فى العقائد. أما الكتب التى تحتوى على بعض المسائل الخاطئة فلا بأس بأمساكها والنظر فيها لمن وقف على المسائل المذكورة وعرف وجه الخطأ فيها (١). وأن أشترى شخص شاة قنية للدر والنسل فلابد من رؤية جميع جسدها مع ضرعها، لان ذلك هو المعروف للمقصود فلا يسقط خيار المشترى فى ردها على بائعها بدون ذلك. ومثل الشاة فى ذلك البقرة الحلوب والناقة الحلوب التى تشترى للقنية. وشاة القنية هى التى تحبس فى البيوت لاجل النتاج، من أقتنيته أتخذته لنفسى قنية للدر والنسل لا للتجارة واشتراط رؤية جميع جسدها مع ضرعها هو ما ذكره صاحب البحر الرائق نقلا عن الفتاوى الظهيرية وعلق عليه بقوله: فليحفظ فان فى بعض العبارات ما يوهم الاقتصار على رؤية ضرعها فقط. قال ابن (٢) عابدين: لكن قال صاحب النهر الظاهر أنه لو اقتصر على رؤية ضرعها فقط كفاه كما جزم به غير واحد (٣). مذهب المالكية: لا يجوز اقتناء الكلب فى الدور، سواء كانت الدور فى الحضر أو فى البادية، وعدم جواز ذلك محمول على الكراهة ان لم يكن الكلب عقورا فان كان عقورا يحرم اقتناؤه حينئذ. ويجوز اقتناء الكلب فى ثلاث صور: الأولى: أن يتخذه لأجل حراسة زرع موجود فعلا أو سيوجد فى المستقبل ومثل الزرع فى ذلك سائر الثمار الثانية: أن يتخذه لأجل حراسة ماشية - وهى الغنم - يصحبها فى الصحراء ثم يرجع يبيت معها حيث باتت وجاز ذلك بالنسبة للغنم لضعفها، اذ لا تقدر على الدفع عن نفسها، وغير الغنم من الماشية ان احتاج الى الكلاب فهو مثلها وهذا اذا كانت الماشية فى الصحراء. أما لو كانت فى الدور فانه يكره اتخاذه حينئذ الا أن يخاف عليها فى الدور من الذئب أو غيره ثم اختلف هل يتقيد جواز اقتناء الكلب بزمن هذه الاشياء المذكورة ويطلب اخراجه من حوزه بعد الاستغناء أولا يتقيد الجواز بذلك قولان؟ الثالثة: أن يتخذه لأجل صيد يصطاده لعيشه - أى قوته وقوت عياله - وجواز اقتناء الكلب فى هذه الصورة محمول على الوجوب اذا كان الاصطياد لقوته وقوت عياله، ومحمول على الندب اذا كان ذلك

стр. 7074

للتوسعة عليهم. وكذلك يجوز اقتناء الكلب للصيد بدون كراهة اذا كان الاصطياد للتفكه أو لزيادة الاموال. أما اذا اقتناه ليصطاد به لا لعيشه ونحوه بل للهو واللعب فلا يجوز - أى يكره ذلك - وأجاز بعضهم اقتناء الكلب لحراسة البيوت والأمتعة، ويذكر أن عبد الله بن أبى زيد القيروانى صاحب الرسالة - وقع حائط داره وكان يخاف على نفسه من الشيعة فاتخذ كلبا لذلك فاحتج عليه البعض فى ذلك فقال: لو أدرك الامام مالك زماننا لأتخذ أسدا ضاريا (١). وقال أبو عمر فى تمهيده: وكذا عندى يجوز اقتناء الكلاب للمنافع كلها ودفع المضار فى غير البادية من المواضع المخوف فيها السرقة (٢). ولا يجوز اقتناء الخمر الا عند من أجاز تخليلها فانه سهل فى امساكها ليخللها (٣). وكذلك لا يجوز اقتناء القرد (٤). والكلب الذى لم يؤذن فى اقتنائه يجوز قتله بل يندب على ما ذكره الحطاب فلا يلزم من قتله شئ، سواء قتله بعد أن أخذه قهرا ممن اقتناه أو قتله ابتداء، وسواء كان مقتنيه عالما بعدم جواز اقتنائه أم كان جاهلا به. وينبغى منع قتل الكلب الذى يجوز اقتناؤه فلو قتله شخص فانه يلزمه قيمته بحسب ما يقدره أهل المعرفة بذلك ولا يتقدر ذلك بقدر معين خلافا لبعضهم حيث جعل فى كلب الماشية شاة، وفى كلب الصيد أربعين درهما وفى كلب الزرع فرقا من طعام - الفرق (بفتحتين) اناء بالمدينة يسع تسعة عشر رطلا. ولا يصح بيع الكلب الذى لا يجوز اقتناؤه بدون خلاف أما ما يجوز اقتناؤه فالمشهور أنه لا يصح بيعه أيضا، للنهى عن بيع الكلب مطلقا، ففى الحديث: «نهى النبى ﷺ عن ثمن الكلب ومهر البغى وحلوان الكاهن (٥)» وأجاز سحنون بيع الكلب الذى يجوز اقتناؤه حيث قال: أبيعه وأحج بثمنه. قال ابن نافع وابن كنانة: هذا هو الصحيح فى النظر لأنه اذا جاز الانتفاع به وجب أن يجوز بيعه وان لم يحل أكله (٦) كالحمار الأهلى يجوز بيعه ولا يحل أكله. وكذا لا يجوز بيع القرد، نقل الجزولى عن ابن يونس: ثمن القرد حرام كاقتنائه، وكل ما لا يصح ملكه لا يصح بيعه بالاتفاق كالخمر والخنزير والدم والميته وما أشبه ذلك (٧).

стр. 7075

والكلب المأذون فى اقتنائه تصح هبته بخلاف غيره مما لا يجوز اقتناؤه، لأنه لا يملك فلا تصح هبته (١). وان اقتنى شخص كلبا عقورا أى شأنه العقر أى الجرح بلا سبب، ويعلم ذلك بتكرره منه بقصد قتل شخص معين وقتله فعلا فانه يقتص ممن اتخذه لذلك، سواء تقدم له انذار عن اتخاذه هذا الكلب عند القاضى أو غيره كاشهاد الجيران أم لا. وان قتل الكلب شخصا آخر غير المعين فلا قصاص وتجب الدية. وكذلك تجب الدية ان اتخذ الكلب لقتل أى شخص فقتل شخصا، سواء تقدم له فيه انذار أم لا. وأما اذا اتخذه ولم يقصد بذلك ضرر أحد فقتل انسانا فان كان اتخذه لوجه جائز كدفع سبع أو صائل فلا شئ عليه ان لم يتقدم له فيه انذار. فان تقدم له فيه انذار قبل القتل ضمن الدية. وان اتخذه لوجه غير جائز ضمن ما أتلف سواء تقدم له فيه انذار أم لا، وذلك اذا كان عالما بأنه عقور - أما اذا كان جاهلا بذلك فلا يضمن، لأن فعله حينئذ كفعل العجماء اذا ترتب عليه تلف شئ يكون هدرا لا عوض له (٢). وقال ابن سهل: لم يوجب ابن القاسم ضمان ما أصاب العقور الا بوجهين. (أحدهما) أن يتقدم اليه فيه انذار. (والثانى) اتخاذه بموضع لا يجوز له اتخاذه فيه، وقال ابن لبابة ان كان الكلب متخذا بموضع لا يجوز اتخاذه به فصاحبه ضامن لما نقص الرداء مثلا، ويقوم الرداء صحيحا ويقوم ممزقا فما كان بين القيمتين ضمنه، ويوفيه صاحب الكلب (٣). ويجوز اقتناء الدواب التى لا يمكن حراستها كالحمام والنحل، ولا ضمان على أربابها فيما أتلفته ولا يمنعون من اقتنائها وعلى أرباب الزروع حفظها. ومحل جواز اقتنائها اذا لم يلزم عليه أخذ ملك الغير بأن يتخذ برجا أو جبحا - خلية النحل بعيدا عن برج أو جبح الغير بحيث لا يلزم عليه دخول ما فى برج غيره فى برجه. فقد جاء فى المدونة: «ولا يصاد حمام الأبرجة، ومن صاد منه شيئا رده ان عرف صاحبه والا أرسله ولا يأكله، واذا دخل حمام برج مملوك لشخص برج شخص آخر ردها الى صاحبها ان قدر والا فلا شئ عليه. بخلاف ما يدخل برجه المصنوع فى الجبل أو يصيده من الجبل فانه يجوز». أما الدواب التى يمكن حراستها فيضمن أصحابها ما أفسدت من الزروع والثمار بالليل ولا شئ عليهم فيما أفسدت بالنهار الا اذا كانت الدواب معروفة بالعداء فصاحبها يضمن جميع ما أتلفته ليلا أو نهارا بشرط سبق انذاره لأنها صارت كالكلب العقور (٤).
следующие страницы →