← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

فعلا إذا اختلف الصحابة فى أشياء ذكروها ثم أجمع التابعون على أحد القولين المختلف فيهما ولا أدل على جواز الأمر وإمكانه من وقوعه فعلا. فقد اتفق الصحابة على قتال مانع الزكاة بعد اختلافهم فى ذلك إلى غير ذلك من الأمثلة وهناك مناقشة فى الأمثلة التى ذكرت لا نطيل بإيرادها (١). عدم سبق الخلاف المستقر من المجمعين موضوع هذه المسألة هو: هل يجوز اتفاق أهل العصر على الحكم بعد اختلافهم فيه وهى قريبة من المسألة السابقة، والفرق بينهما أن أهل الإجماع فى هذه المسألة هم الراجعون بأعيانهم عما أجمعوا عليه، والمخالفون لأنفسهم، فإن المخالفين هم أهل العصر الثانى إذا أجمعوا على خلاف إجماع من سبقهم. وحاصل الكلام فى هذه المسالة: أن الخلاف السابق إما أن يكون قد استقر بينهم بأن مضت مدة النظر والتأمل واستقر كل على ما رآه، وإما أن يكون غير مستقر بل هم فى فترة النظر وتقييد الرأى، فإذا استقر الخلاف بينهم على ما ذكرنا ثم بدا لهم أن يتفقوا على رأى واحد ويمنعوا من المصير إلى غيره ففى ذلك خلاف مبنى على مسألة انقراض العصر، أى موت المجمعين، فمن رأى اشتراطه فلا إشكال فى جواز اتفاقهم بعد اختلافهم، لأنه لم يتم الإجماع الأول فى نظره حتى تمتنع مخالفته، ومن لم يعتبر انقراض العصر شرطا، بل رأى أن الإجماع يتم منذ حصول الاتفاق ولا يحتاج تمامه إلى انقراض المجمعين، فإن هؤلاء اختلفوا فيما بينهم، فمنهم من جوزه واعتبره إجماعا بعد الخلاف وقال إنه يحسن أن يكون وذلك هو رأى جمهور أهل المذاهب (٢) وعليه أكثر الحنفية، والشافعية (٣)، والمالكية (٤)، والحنابلة (٥)، والزيدية (٦)، وابن حزم الظاهرى (٧)، ومنهم من منعه كالصيرفى (٨)، والإمام يحيى بن حمزة من الزيدية (٩)، وهو رأى الإباضية (١٠). وإذا لم يكن الخلاف مستقرا فهو، أى الإجماع، جائز من باب أولى عند من يقول بالجواز بعد الاستقرار. وقد اختار إمام الحرمين التفصيل، فإنه قال بعد حكاية الخلاف: والرأى الحق عندنا: أنه إذا لم يستقر الخلاف جاز وإلا فلا (١١). مسائل خلافية تتعلق بالإجماع فرض الأصوليون عدة مسائل تتعلق بالإجماع يدور فيها خلاف ينبنى على

стр. 737

ما سبق ذكره من أحكام الإجماع وشروطه، ونحن نعرض هذه المسائل مع الإيجاز فى أدلة المختلفين اكتفاء بالإشارة إلى ما ترجع إليه هذه الأدلة مما سبق: إذا اختلفوا على قولين أو أكثر فهل لمن بعدهم إحداث قول زائد قد يتكلم المجتهدون جميعهم فى عصر ما فى مسألة ثم ينتهى أمرهم إلى الاختلاف فيها على قولين مثلا فهل لمن يأتى بعدهم من المجتهدين إحداث قول ثالث فى تلك المسألة؟ وقبل أن نذكر الآراء فى الإجابة عن هذا السؤال ننبه إلى أمرين: أحدهما: أن المسألة مفروضة فيما إذا تكلم جميع المجتهدين فى عصر من العصور، لا فيما إذا تكلم بعضهم دون بعض. الثانى: أن العلماء يفرضون فى هذه المسألة اختلاف الناظرين إلى قولين وهم لا يريدون خصوص القولين بل لو اختلفوا على ثلاثة أقوال أو أكثر فإن الكلام يأتى فى القول الزائد على ثلاثة كما يأتى فى القول الزائد على قولين سابقين، ولهذا جعلنا عنوان هذه المسألة «إذا اختلفوا على قولين أو أكثر .. إلخ». بعد هذا نذكر أن العلماء فى الإجابة عن هذا السؤال لهم ثلاثة مذاهب: فمنهم من منعه مطلقا وهم الأكثرون كما قال الإمام الرازى وعليه أكثر الحنفية كما فى المنار وفى التيسير أنه قد نص عليه الإمام محمد والشافعى فى رسالته (١). وجزم به القفال والقاضى أبو الطيب الطبرى والرويانى والصيرفى وقال به بعض الزيدية منهم أبو طالب والمؤيد بالله فى أحد قوليه (٢). وممن يقول به الحنابلة (٣)، ودليلهم على ذلك يتلخص فى أن الأمة، أى المجتهدين كلهم فى عصر سابق، إذا اختلفوا على قولين فقد أجمعوا من جهة المعنى على المنع من أحداث قول ثالث، لأن كل طائفة توجب الأخذ بقولها أو بقول مخالفها (٤). ويحرم الأخذ بغير ذلك على اعتبار أنه يكون خرقا للإجماع، وفى ذلك مناقشة. ومنهم من جوزه مطلقا وعليه بعض الشيعة وبعض الحنفية وبعض أهل الظاهر وبعض الزيدية وهو الصحيح عند الإباضية ونسبه جماعة منهم القاضى عياض إلى داود وأنكر ابن حزم على من نسبه إلى داود (٥)، وحجتهم فى ذلك أن الذين تكلموا فى المسألة من قبل إنما هم مجتهدون يبحثون بحث المجتهدين ولم يصرحوا بتحريم القول الثالث، فليس أحداثه خرقا لاجماع سابق (٦).

стр. 738

وفى هذا مناقشة أيضا، ومنهم من فصل فقال: إن كان القول الثالث المحدث لم يرفع شيئا مما استقر عليه القولان الأولان جاز إحداثه لأنه لا محظور فيه، أى لأنه لم يخرق الإجماع المعنوى على القولين السابقين، وإن رفعه فلا يجوز لامتناع مخالفة الإجماع. مثال الأول: اختلافهم فى جواز أكل المذبوح بلا تسمية، فقال بعضهم: يحل مطلقا سواء كان الترك عمدا أو سهوا. وقال بعضهم: لا يحل مطلقا، فالتفصيل بين العمد والسهو ليس رافعا لشئ أجمع عليه القائلان الأولان بل هو موافق فى كل قسم منه لقائل. ومثال الثانى: الجد مع الإخوة، فقد قال بعضهم: المال كله للجد فى التركة، وقال بعضهم: الجد يقاسم الإخوة فقد اتفق القولان على أن للجد شيئا من المال فالقول بحرمانه وإعطاء المال كله للإخوة قول ثالث رافع لما أجمع عليه الأولان فلا يجوز. وبهذا التفصيل قال الإمام الرازى وأتباعه، واختاره الآمدى وابن الحاجب وروى عن الشافعى واختاره المتأخرون من أصحابه وهو المختار عند الزيدية وعليه المنصور بالله القاسم بن محمد والحسين ابنه صاحب هداية الطالبين فى أصول الزيدية وعليه أيضا الإمام مالك (١). إذا لم يفصلوا بين مسألتين فهل لمن بعدهم التفصيل إذا أجمع المجتهدون فى عصر ما بين مسألتين فى حكم واحد إما بالتحليل أو بالتحريم أو حكم بعض المجتهدين فيهما بالتحليل والبعض الآخر بالتحريم فهل يجوز لمن يأتى بعدهم أن يفرقوا بين هاتين المسألتين فى الحكم أو يعد ذلك خرقا لإجماع سبق؟ وهذه المسألة قريبة فى المعنى من التى قبلها فإن التفصيل بينهما بعد جمع السابقين لهما فى الحكم إحداث لقول ثالث فيهما ولأجل ذلك لم يفردها الآمدى ولا ابن الحاجب بل جعلاهما مسألة واحدة وحكما عليها بالحكم السابق، ولكن هناك فرقا بينهما وهو أن هذه المسألة مفروضة فيما إذا كان محل الحكم متعددا، وأما السابقة ففيما إذا كان متحدا (٢). وحاصل القول فيها: أن السابقين إن صرحوا بعدم الفرق بين المسألتين فلا يجوز الفصل بينهما فى الحكم، وصرحوا بأن هذا القسم لا نزاع فيه، وإن ظن بعضهم أن فيه خلافا، أما اذا لم ينص السابقون على عدم الفرق بينهما فى الحكم فهناك ثلاثة مذاهب كالمسألة السابقة (٣): ١ - قول بالجواز مطلقا. ٢ - وقول بالمنع مطلقا. ٣ - وقول بالتفصيل خلاصته: أنه إن اتحد الجامع بين المسألتين فلا

стр. 739

يجوز كتوريث العمة والخالة، فإن علة توريثهما عند من ورثهما أو عدم توريثهما عند من لم يورثهما هو كونهما من ذوى الأرحام، وكل من ورث واحدة أو منعها، قال فى الأخرى كذلك، فصار ذلك بمثابة قولهم: لا تفصلوا بينهما، وإن لم يتحد الجامع بينهما فيجوز، كما إذا قال بعضهم: لا زكاة فى مال الصبى ولا فى الحلى المباح. وقال بعضهم بالوجوب فيهما فيجوز الفصل، وسبب هذا التفصيل أن اتحاد الجامع فى المسألتين شبيه بما لو صرحوا بعدم الفرق فيكون التفصيل معه فرقا للإجماع. أما إذا لم يتحد الجامع فلا يظهر أن جمع الأولين بين المسألتين يدل على عدم الفرق ويكون بمثابة نص عليه ومن ثم جازت التفرقة لأنه لا خرق فيها لإجماع، وبهذا يتبين أن أصل القاعدة وهى أن أحداث قول ثالث فى المسألة الأولى أو تفصيل بين مسألتين فى الثانية أن استلزما خرقا للإجماع منعا، وإن لم يستلزما ذلك جازا، وأن الخلاف إنما هو فى تطبيق هذه القاعدة على جزئيات المسائل (١). إذا اختلفوا ثم ماتت إحدى الطائفتين فهل يصير قول الباقين إجماعا وحجة اختلف العلماء فى ذلك: فمنهم من قال: يصير قول الباقين إجماعا وحجة لأنه أصبح قول كل الأمة، وهذا هو الذى جزم به الإمام الرازى وأتباعه (٢). والأكثرون على أن قول الباقين لا يصير إجماعا لأن قول الذين ماتوا قائم بدليله، وإن مات أصحابه والمذاهب لا تموت بموت أصحابها، وإنما اعتبر خلاف المخالف لدليله لا لعينه (٣). ويقول الغزالى: إن الباقين ليسوا كل الأمة بالاضافة الى تلك المسألة لتى أفتى فيها الميت فإن فتواه لا ينقطع حكمها بموته (٤). هل يعتبر عدم العلم بالخلاف حكاية للإجماع قال الصيرفى: لا يكون إجماعا لجواز الاختلاف (٥)، وكذا قال ابن حزم فى الأحكام (٦). وقال بعض الشافعية: إذا قال لا أعرف بينهم خلافا فإن لم يكن من أهل الاجتهاد وممن أحاط بالإجماع والاختلاف لم يثبت الإجماع بقوله، وإن كان من أهل الاجتهاد، فاختلف أصحابنا فى إثبات الإجماع بقوله: والصحيح أنه لا يؤخذ الإجماع بقوله ولو كان مجتهدا، فإن الشافعى قال فى زكاة البقر: لا أعلم خلافا فى أنه ليس فى أقل من ثلاثين منها تبيع. والخلاف فى ذلك مشهور، فإن قوما يرون الزكاة على خمس كزكاة الإبل، وقال مالك فى موطئه وقد ذكر الحكم برد اليمين وهذا مما لا خلاف فيه بين أحد من الناس

стр. 740

ولا بلد من البلدان والخلاف فيه شهير، وكان عثمان رضى الله عنه لا يرى رد اليمين ويقضى بالنكول وكذلك ابن عباس، ومن التابعين الحكم وغيره وابن أبى ليلى وأبو حنيفة وأصحابه وهم كانوا القضاة فى ذلك الوقت، فإذا كان مثل الشافعى ومالك يخفى عليهما الخلاف، فما ظنك بمن هو أقل من منزلتهما علما واجتهادا «وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ١». هل الإجماع المنقول بطريق الآحاد حجة اختلف العلماء فى ذلك، فقال بعضهم: إنه حجة، لأن الإجماع دليل يجب العمل به فلا يشترط التواتر فى نقله كالسنة (٢). وإلى هذا ذهب الإمام الرازى والآمدى وابن الحاجب وهو المختار عند الحنفية (٣). وبه أيضا يقول المالكية (٤)، والحنابلة (٥) والإباضية (٦)، وهو المختار عند الزيدية (٧)، وأنكره بعضهم، لأن ما يجمع عليه يجب أن يشيع نقله ويتواتر من جهة العادة، وممن قال بذلك أبو عبد الله البصرى وبعض الحنفية والغزالى من الشافعية (٨). والقائلون بحجيته يعتبرونه ظنيا لا قطعيا ويوجبون العمل به لا العلم (٩). ما يكون الإجماع حجة فيه وما لا يكون قال الآمدى: ان المجمع عليه لا يخلو أما أن تكون صحة الإجماع متوقفة عليه، أو لا يكون كذلك، فإن كان الأول فالاحتجاج بالاجماع على ذلك الشئ يكون ممتنعا لتوقف صحة كل واحد منهما على الآخر، وهو دور، وذلك كالاستدلال على وجود الرب تعالى وصحة رسالة النبى ﵊ بالإجماع من حيث أن صحة الإجماع متوقفة على النصوص الدالة على عصمة الأمة عن الخطأ. وصحة النصوص متوقفة على وجود الإله المرسل، وكون محمد رسولا، فإذا توقف معرفة وجود الله ورسالة رسوله محمد على صحة الإجماع كان دورا. وإن كان من القسم الثانى فالمجمع عليه إما أن يكون من أمور الدين أو من أمور الدنيا فإن كان من أمور الدين فهو حجة مانعة من المخالفة إن كان قطعيا من غير خلاف عند القائلين بالإجماع، وسواء أكان ذلك المتفق عليه عقليا كرؤية الله لا فى جهة ونفى الشريك لله تعالى، أو شرعيا كوجوب الصلاة والزكاة ونحوها، وأما إن كان المجمع عليه من أمور الدنيا كالإجماع على ما يكون من الآراء فى الحروب، وترتيب الجيوش، وتدبير أمور الرعية فقد اختلف فيه قول القاضى عبد الجبار

стр. 741

بالنفى والاثبات، فقال تارة بامتناع مخالفتاه، وتارة بالجواز، وتابعه على كل واحد من القولين جماعة. والمختار إنما هو المنع من المخالفة، وأنه حجة لا زمة لأن العمومات الدالة على عصمة الأمة عن الخطأ، ووجوب اتباعهم فيما أجمعوا عليه: عامة فى كل ما أجمعوا عليه (١). ويتفق الحنفية فى ذلك مع الآمدى. وزادوا: أن بعضهم يرى أن الأمور المستقبلة كأشراط الساعة، وأمور الآخرة لا تحتاج إلى إجماع، أى لا يحتاج إلى الاحتجاج فيها بالإجماع، لأن الغيب لا مدخل فيه للاجتهاد والرأى، إذ لا يكفى فيه الظن فلا بد من دليل قطعى عليه، أى فإن جاء نص قطعى ثبت فيغنى عن الإجماع وعلق شارح مسلم الثبوت على هذا بقوله: والحق أنه يصح الاحتجاج فيها أيضا لتعاضد الدلائل، إلخ (٢). ويوافق المالكية أيضا على التفصيل الذى ذكره الآمدى (٣) وكذلك الزيدية وأضافوا التمسك به أيضا فى الأمور اللغوية (٤). ولم نجد ما يخالف ذلك فى المذاهب الأخرى، إلا حين يعرفون الإجماع فيذكرون أنه على أمر دينى، وقد استوفانا هذا فى التعريف. إجمال ١ - تعريف المجمل: (ا) الإجمال فى اللغة: المجمل لغة هو المبهم من أجمل الأمر إذا أبهم، وقيل هو المجموع، من أجمل الحساب إذا جمعه وجعله جملة واحدة، وقيل هو المتحصل من أجمل الشئ اذا حصله، والجملة جماعة كل شئ بكماله (٥). (ب) تعريف الإجمال فى اصطلاح الأصوليين: يعرف من تعريفهم للمجمل على اختلافهم فى ذلك. (ج) تعريف المجمل عند الحنفية: المجمل عند الأحناف أحد أقسام أربعة للمبهم: وهى الخفى، والمشكل، والمجمل، والمتشابه. ولهم فيه تعريفات منها: المجمل، وهو ما ازدحمت فيه المعانى واشتبه المراد منه اشتباها لا يدرك بنفس العبارة بل بالرجوع إلى الاستفسار، ثم الطلب ثم التأمل (٦). ومنها المجمل «لفظ لا يفهم المراد منه إلا باستفسار من المجمل وبيان من

стр. 742

جهته، وذلك إما لتوحش فى معنى الاستعارة، أو فى صيغة عربية مما يسميه أهل الأدب لغة غريبة (١). ومنها المجمل «اللفظ الذى خفى المراد منه فلا يدرك إلا بالنقل (٢)». (د) تعريف المجمل عند المتكلمين: عرف المجمل عند علماء الأصول الذين جروا على طريقة المتكلمين بتعريفات عدة: فعرفه أبو إسحاق الشيرازى بقوله: «المجمل: هو ما لا يعقل معناه من لفظه ويفتقر فى معرفة المراد إلى غيره (٣)». ويعرفه الجوينى فى البرهان فيقول: «المجمل فى اصطلاح الأصوليين: هو المبهم، والمبهم هو الذى لا يعقل معناه، ولا يدرك منه مقصود اللافظ ومبتغاه (٤)». وعرفه الآمدى فقال: «الحق أن يقال بأن المجمل هو ما له دلالة على أحد أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر بالنسبة اليه (٥)». وعرفه ابن الحاجب بقوله: «المجمل هو ما لم تتضح دلالته (٦)». وقال القفال الشاشى وابن فورك: «المجمل ما لا يستقل بنفسه فى المراد منه حتى يأتى تفسيره (٧)». (هـ) تعريف المجمل عند الظاهرية: يعرف ابن حزم الظاهرى المجمل بقوله: «لفظ يقتضى تفسيرا يؤخذ من لفظ آخر (٨)». أقسام المجمل المجمل أقسام ثلاثة: مجمل بين حقائقه، ومجمل بين أفراد الحنفية الواحدة، ومجمل بين مجازاته. وفى بيان ذلك يقول البيضاوى: «اللفظ إما أن يكون مجملا بين حقائقه، كقوله تعالى: «ثَلاثَةَ قُرُوءٍ» أو أفراد حقيقة واحدة مثل: «أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً»، أو مجازاته إذا انتفت الحقيقة وتكافأت المجازات (٩). ويقول الإسنوى شرحا لذلك: المجمل على أقسام: أحدها: أن يكون مجملا بين حقائقه، أى بين معان وضع اللفظ لكل منها، كقوله تعالى: «وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ»، فإن القرء موضوع بإزاء حقيقتين وهما: الحيض والطهر.

стр. 743

والثانى: أن يكون مجملا بين أفراد حقيقة واحدة، كقوله تعالى: «إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً» فإن لفظ البقرة موضوع لحقيقة واحدة معلومة ولها أفراد، والمراد واحد معين منها. والثالث: أن يكون مجملا بين مجازاته وذلك إذا انتفت الحقيقة، وتكافأت المجازات، فلم يترجح بعضها على بعض». أسباب الإجمال الذى يؤخذ من تعريفات الحنفية للمجمل، أن أسباب الإجمال ثلاثة (١). أولا: ازدحام معانى اللفظ واشتباه المراد منها اشتباها لا يدرك بنفس العبارة، بل بالرجوع إلى الاستفسار ثم الطلب، ثم التأمل وذلك كالألفاظ المشتركة، مثل المولى، والقرء. ثانيا: التوحش فى معنى الاستعارة، وذلك إذا نقل اللفظ من معناه فى اللغة إلى معنى غير معلوم يقصده الشارع منه، وذلك كالصلاة والصوم والحج وغير ذلك من الألفاظ التى نقلت من معناها لغة إلى معنى شرعى غير معلوم لنا قبل بيانه من الشارع نفسه. ثالثا: غرابة الصيغة أو اللغة الغربية ومثلوا له باستعمال كلمة «هلوعا» فى قولة تعالى: «إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً» التى بينها الشارع بقوله «إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً. وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً». مواضع الإجمال بيَّن الغزالى مواضع الإجمال فقال: «اعلم أن الإجمال تارة يكون فى لفظ مفرد، وتارة يكون فى لفظ مركب، وتارة فى نظم الكلام والتصريف وحروف النسق ومواضع الوقف والابتداء. أما اللفظ المفرد فقد يصلح لمعان مختلفة كالعين للشمس والذهب والعضو الباصر والميزان، وقد يصلح لمتضادين كالقرء، للطهر والحيض، والناهل للعطشان والريان، وقد يصلح لمتشابهين بوجه ما، كالنور للعقل ونور الشمس، وقد يصلح لمتماثلين كالجسم للسماء والأرض، وقد يكون موضوعا لهما من غير تقديم وتأخير. وقد يكون مستعارا لأحدهما من الآخر كقولك: الأرض أم البشر فإن الأم وضع اسما للوالدة أولا، وكذلك اسم المنافق والكافر والفاسق والصوم والصلاة فإنه نقل فى الشرع إلى معان ولم يترك المعنى الوضعى أيضا: أما الاشتراك مع التركيب فكقوله تعالى «وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً، فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ، إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ». فإن جميع هذه الألفاظ مرددة بين الزوج والولى. وأما الذى بحسب التصريف فكالمختار للفاعل والمفعول، وقد يكون بحسب الوقف والابتداء مثل قوله تعالى: «وَما﴾

стр. 744

﴿يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» من غير وقف يخالف الوقف على قوله «الا الله»، وذلك لتردد الواو بين العطف والابتداء» (١). ولا يختلف الشيرازى والآمدى فى بيانهما لمواضع الجنس والقدر فيحتاج إلى بيان. الإجمال فى الأفعال يقرر الأصوليون أن الإجمال كما يكون فى الأقوال يكون فى الأفعال، ومثال ذلك أن يفعل الرسول ﵊ فعلا يحتمل وجهين احتمالا متساويا، مثل ما روى من جمعه فى السفر، فإنه مجمل لأنه يجوز أن يكون فى سفر طويل أو فى سفر قصير، فلا يجوز حمله على أحدهما دون الآخر إلا بدليل. ومثله أيضا ما يروى أن رجلا أفطر فأمره النبى ﷺ بالكفارة، فهو مجمل، لاحتمال أن يكون الإفطار بالجماع أو بتناول الطعام، فلا يحمل على أحدهما دون الآخر إلا بدليل (٢). ويقرر الإسنوى ذلك فيقول (٣): «المجمل قد يكون فعلا أيضا، كما إذا قام النبى ﷺ من الركعة الثانية فإنه يحتمل أن يكون عن تعمد فيدل على جواز ترك التشهد الأول، ويحتمل أن يكون عن سهو فلا يدل عليه». حكم المجمل يبين شمس الأئمة السرخسى حكم المجمل فيقول: «وحكمه اعتقاد الحقية فيما هو المراد، والتوقف فيه إلى أن يتبين المراد به من المجمل» (٤). ويبين أبو إسحاق الشيرازى حكم المجمل فيقول: «وحكم المجمل التوقف فيه إلى أن يفسر، ولا يصح الاحتجاج بظاهره فى شئ يقع فيه النزاع» (٥). وقوع الإجمال فى الكتاب والسنة يرى جمهور الأصوليين أن الإجمال واقع فى الكتاب والسنة وأنكر ذلك داود الظاهرى. يقول الشوكانى فى إرشاد الفحول: «اعلم أن الإجمال واقع فى الكتاب والسنة، قال أبو بكر الصيرفى: ولا أعلم أحدا أبى هذا غير داود الظاهرى» (٦). ويقول صاحب جمع الجوامع: «والأصح وقوعه - أى المجمل - فى الكتاب والسنة، ومنه قوله تعالى «أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ»، وقوله ﵊: «لا يمنع أحدكم جاره أن يضع خشبة فى جداره».

стр. 745

ونفاه داود الظاهرى ويمكن أن ينفصل عنها بأن الأول ظاهر فى الزوج لأنه المالك للنكاح، والثانى ظاهر فى عوده إلى الأحد، لأنه محط الكلام» (١). التعبد بالمجمل قبل البيان قال الماوردى والرويانى: «يجوز التعبد بالخطاب المجمل قبل البيان، لأنه ﷺ بعث معاذا إلى اليمن وقال: ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات فى كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة فى أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم، وتعبدهم بالتزام الزكاة قبل بيانها. قالا وإنما جاز الخطاب بالمجمل وإن كانوا لا يفهمونه لأحد أمرين: الأول: أن يكون إجماله توطئة للنفس على قبول ما يعقبه من البيان، فإنه لو بدأ فى تكليف الصلاة بها لجاز أن تنفر النفوس منها، ولا تنفر من إجمالها. «والثانى: أن الله تعالى جعل من الأحكام جليا وجعل منها خفيا يتفاضل الناس فى العمل بها ويثابوا على الاستنباط لها، فلذلك جعل منها مفسرا جليا وجعل منها مجملا خفيا» (٢). ويقرر الغزالى ذلك أيضا فيقول: «يجوز الخطاب بمجمل يفيد فائدة ما لأن قوله تعالى «وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ» يعرف منه وجوب الايتاء، وو قته، وأنه حق فى المال فيمكن العزم فيه على الامتثال والاستعداد له، ولو عزم على تركه عصى. وكذلك مطلق الأمر إذا ورد ولم يتبين أنه للإيجاب أو الندب أو أنه على الفور أو التراخى أو أنه للتكرار أو للمرة الواحدة أفاد علم اعتقاد الأصل ومعرفة التردد بين الجهتين. وكذلك «أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ» يعرف إن كان سقوط المهر بين الزوج والولى فلا يخلو عن أصل الفائدة وإنما يخلو عن كمالها، وذلك غير مستنكر، بل واقع فى الشريعة والعادة، بخلاف قول المخالف (٣). بقاء المجمل فى القرآن بعد وفاة الرسول ﵊ اختلف الأصوليون فى بقاء المجمل فى القرآن بعد وفاة الرسول. يقول الشوكانى (٤): «وقيل أنه لم يبق مجمل فى كتاب الله تعالى بعد موت النبى ﷺ ، وقال إمام الحرمين المختار أن ما ثبت التكليف به لا إجمال فيه، لأن التكليف بالمجمل تكليف بالمحال، وما لا يتعلق به تكليف فلا يبعد استمرار

стр. 746

الإجمال فيه بعد وفاته ﷺ ». ويقول الإسنوى (١): «واختلفوا فى جواز بقاء الإجمال بعد وفاة الرسول ﵊، قال فى البرهان بعد حكاية هذا الخلاف المختار أنه إن تعلق به حكم تكليفى فلا يجوز وذلك كالأسماء الشرعية مثل الصلاة فإنا نعلم قطعا أن معناها اللغوى وهو الدعاء غير مراد فلا بد من معنى آخر شرعى، وهو غير مدرك بالعقل إلا ببيان من الشارع وقد بينه قولا وفعلا، وكالربا فإنه لغة مطلق الزيادة، ولا شك أنه ليس كل زيادة محرمة، فهى زيادة مخصوصة فى الشرع وهى غير معلومة إلا بالبيان وقد بينها وأما ما لا يتعلق به التكليف كالمتشابه الذى لا يدرك لا بالعقل ولا بغيره فيجوز» (٢). ويقول ابن السبكى (٣): «وفى بقاء المجمل فى الكتاب والسنة غير مبين إلى وفاته ﷺ أقوال: أحدها: لا، لأن الله تعالى أكمل الدين قبل وفاته بقوله: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ». ثانيها: نعم، قال الله تعالى فى متشابه الكتاب: «وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ» إذ الوقف هنا كما عليه جمهور العلماء، وإذا ثبت فى الكتاب ثبت فى السنة لعدم القائل بالفرق بينهما. ثالثها: الأصح: لا يبقى المجمل المطلق بمعرفته غير مبين للحاجة إلى بيانه حذرا من التكليف بما لا يطاق بخلاف غير المكلف به». علاقة المجمل بغيره من الألفاظ العلاقة بين المجمل والمبهم مسلك الأحناف: يقسم الأحناف المبهم أو خفى الدلالة إلى أقسام أربعة: الخفى، والمشكل، والمجمل، والمتشابه. وعلى هذا يعد المجمل عندهم قسما من أقسام المبهم، فكل مجمل عندهم مبهم دون العكس. يقول صاحب التلويح «اللفظ إذا ظهر منه المراد، وإذا خفى فخفاؤه إما لنفس اللفظ أو لعارض، الثانى يسمى خفيا، والأول إما أن يدرك المراد بالنقل أو لا، الأول يسمى مشكلا، والثانى إما أن يدرك المراد بالنقل أو لا يدرك أصلا، الأول يسمى مجملا، والثانى متشابها، فهذه الأقسام متباينة بلا خلاف (٤)». مسلك المتكلمين: يرى جمهور من كتب من الأصوليين على طريقة المتكلمين أن المجمل، هو المبهم، يقول الغزالى فى المستصفى (٥): «اللفظ

стр. 747

المفيد بالإضافة إلى مدلوله إما ألا يتطرق إليه احتمال فيسمى نصا، أو يتعارض فيه الاحتمالات من غير ترجيح فيسمى مجملا ومبهما». ويقول الجوينى: «ولكن المجمل فى اصطلاح الأصوليين: هو المبهم، والمبهم هو الذى لا يعقل معناه، ولا يدرك منه مقصود اللافظ ومبتغاه (١)». وعلى هذا لا يكون المجمل قسما من أقسام المبهم كما يقول الأحناف، بل هو نفسه، ويكون كل مجمل عند الأحناف مجمل عند المتكلمين ولا عكس (انظر أيضا: مبهم). العلاقة بين المجمل والمتشابه مسلك أهل الظاهر يظهر مما تقدم أن كلا من المجمل والمتشابه قسم من أقسام المبهم أى الخفى بالمعنى الأعم، والفرق بينهما أن المجمل يدرك المراد منه بالنقل، وأما المتشابه فلا يدرك المراد منه أصلا. فالعلاقة بينهما إذن هى التباين (٢). مسلك المتكلمين: يرى أكثر المتكلمين أن المتشابه هو المجمل يقول الغزالى (٣): «والمتشابه ما تعارض فيه الاحتمال، وأما المتشابه فيجوز أن يعبر به عن الأسماء المشتركة كالقرء، والذى فى قوله تعالى: «أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ»، فإنه مردد بين الزوج والولى، وكاللمس المردد بين المس والوط ء، وقد يطلق على ما ورد فى صفات الله مما يوهم ظاهره الجهة والتشبيه ويحتاج إلى تأويله، فهذا تعريف للمتشابه بما يجعله والمجمل شيئا واحدا، وذلك فى الإطلاق المشهور. ويقول إمام الحرمين فى البرهان «المختار عندنا أن المحكم كل ما علم معناه وأدرك فحواه، والمتشابه هو المجمل (٤)». ويقول أبو إسحاق الشيرازى (٥): «وأما المتشابه فاختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: هو والمجمل واحد. ومنهم من قال: المتشابه ما استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحدا من خلقه، والصحيح الأول، لأن حقيقة المتشابه ما أشتبه معناه، وأما ما ذكروه فلا يوصف بذلك». أما الآمدى فقد جعل المجمل قسما من أقسام المتشابه، حيث جعل المتشابه ما تعارض فيه الاحتمال وذلك على جهتين: إما بجهة التساوى كالألفاظ المجملة، كما فى قوله تعالى: «وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ» لاحتمال القرء زمن الحيض والطهر على السوية، وإما لا على جهة التساوى كالأسماء المجازية، وما ظاهره موهم للتشبيه، وهو مفتقر إلى تأويل، كقوله تعالى: «وَيَبْقى وَجْهُ﴾

стр. 748

﴿رَبِّكَ»، «وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي»، «مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينا﴾ (١)». وعلى هذا يكون المجمل نوعا من أنواع المتشابه عند الآمدى، فكل مجمل متشابه ولا عكس. أما الإسنوى فقد جعل المتشابه جنسا لنوعين هما المجمل والمؤول، قال (٢): «ثم أن المجمل والمؤول مشتركان فى أن كلا منهما يفيد معناه إفادة غير راجحة، إلا أن المؤول مرجوح أيضا، والمجمل ليس مرجوحا بل مساويا، فالقدر المشترك بينهما من عدم الرجحان يسمى بالمتشابه، فهو جنس لنوعين: المجمل والمؤول». مسلك أهل الظاهر أما ابن حزم الظاهرى فبعد أن عرف المجمل بأنه «لفظ يقتضى تفسيرا يؤخذ من لفظ آخر» ذكر أن المتشابه لا يوجد فى شئ من الشرائع، ثم قرر بعد أن حصر مواضع المتشابه فى القرآن، أننا نهينا عن اتباع تأويله وعن طلبه، وأمرنا بالإيمان به جملة، وعلي هذا تكون العلاقة بين المجمل والمتشابه عنده التباين، إذ المجمل يؤخذ تفسيره من لفظ آخر، بينما المتشابه لا يمكن تفسيره (٣)» (انظر أيضا: متشابه). العلاقة بين المجمل والعام يرى جمهور الأصوليين أن العام من قبيل الظاهر أو واضح الدلالة بينما يرى البعض أنه قسم من أقسام المجمل (٤). ويقول صاحب التلويح «حكم العام التوقف عند البعض حتى يقوم الدليل لأنه مجمل لاختلاف أعداد الجمع، وأنه يؤكد بكل وأجمع، ولو كان مستغرقا لما احتيج إلى ذلك، ولأنه يذكر الجمع ويراد به الواحد كقوله تعالى: «الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ»، وعند البعض يثبت الأدنى، وهو الثلاثة فى الجمع والواحد فى غيره، وعندنا وعند الشافعى ﵀ يوجب الحكم فى الكل، لأن العموم معنى مقصود فلا بد أن يكون لفظ يدل عليه (٥). ويقول عبد العزيز البخارى: «وقد تحزبوا فرقا، فمنهم من قال: ليس فى اللغة صيغة مبينة للعموم خاصة لا تكون مشتركة بينه وبين غيره، والألفاظ التى ادعاها أرباب العموم لأنها عامة لا تفيد عموما ولا خصوصا، بل هى مشتركة بينهما أو هى مجملة، فيتوقف فى حق العمل والاعتقاد جميعا إلا أن يقوم الدليل على المراد، كما يتوقف فى المشترك أو كما يتوقف فى المجمل والخبر والأمر والنهى فى ذلك سواء، وهو مذهب عامة الأشعرية وعامة المرجئة، وإليه مال أبو سعيد البردعى من أصحابنا فعند هؤلاء لا يصح التمسك بعام أصلا (٦)». (انظر أيضا: عام).

стр. 749

العلاقة بين المجمل والمشترك المشترك إن تجرد عن القرائن فهو مجمل وخالف فى ذلك الشافعى وبعض الأصوليين فقالوا بوجوب حمله على الجميع. يقول الإسنوى: «اللفظ المشترك قد يقترن به قرينة مبينة للمراد وقد يتجرد عنها فإن تجرد عن القرائن فهو مجمل إلا عند الشافعى والقاضى فإنه يحمله على الجميع (١)». ويقول صاحب جمع الجوامع (٢): والمشترك يصح إطلاقه على معنييه معا مجازا وعن الشافعى والقاضى والمعتزلة حقيقة، زاد الشافعى وظاهر فيهما عند التجرد عن القرائن المعينة لأحدهما». ويقول الشوكانى (٣) فى إرشاد الفحول: «اختلف فى جواز استعمال اللفظ المشترك فى معنييه أو معانيه، فذهب الشافعى والقاضى أبو بكر، وأبو على الجبائى، والقاضى عبد الجبار بن أحمد، والقاضى جعفر، وبه قال الجمهور وكثير من أئمة أهل البيت على جوازه، وذهب أبو هاشم وأبو الحسن البصرى والكرخى إلى امتناعه (٤)». وعلى هذا يكون المشترك من قبيل الظاهر عند الشافعى إذ إنه ظاهر فى إرادة جميع معانيه، مجملا عند غيره يجب التوقف فيه عند عدم القرينة حتى يرد البيان» (انظر: اشتراك). العلاقة بين المجمل والمتواطئ عرف المتواطئ بأنه اللفظ الذى يتناول الكثير تناولا على السوية وتعريف المتواطئ بهذا يجعله من قبيل المجمل، وقد صرح بذلك بعض الأصوليين. يقول صاحب جمع الجوامع: «وتأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الفعل جائز وواقع عند الجمهور، وسواء كان للمبين ظاهر وهو غير المجمل كعام يبين تخصيصه، ومطلق يبين تقييده، ودال على حكم يبين نسخه، أم لا، وهو المجمل كمشترك يبين أحد معنييه مثلا ومتواطئ يبين أحد ما صدقاته مثلا (٦)» فقد جعل المتواطئ داخلا فى المجمل. بيان الإجمال بيان الإجمال نوع من أنواع البيان، (انظر: بيان).

стр. 750

أجنبى التعريف اللغوى جنب الشئ وتجنبه، وجانبه واجتنبه: بعد عنه. وجنب الرجل: دفعه، ورجل جانب وجنب: غريب، والجمع أجناب. وفى حديث مجاهد فى تفسير السيارة: هم أجناب الناس، يعنى الغرباء، جمع جنب وهو الغريب. وقد يفرد فى الجميع، ولا يؤنث، وكذلك الجانب والأجنبى والأجنب. ورجل أجنب وأجنبى وهو البعيد منك فى القرابة (١). ويختلف معناه المراد فى أبواب الفقه باختلاف متعلقه. الأجنبى عن دار الاسلام اما أن يكون مستأمنا دخل دار الاسلام بعقد أمان، واما أن يكون حربيا، واما أن يكون معاهدا. ولكل منهم أحكام تتعلق به (انظر: مستأمن، حربى، معاهد). الأجنبى عن المرأة نظره اليها وخلوته بها: والأجنبى عن المرأة فى هذا الموضوع هو ما ليس زوجا لها، سواء أكانت من ذوات محارمه أم لم تكن، وبيان المذاهب فيه كما يلى: مذهب الحنفية: قالوا ذوات المحارم فى حكم النظر الى العورة كالأجنبية (٢). ولا يجوز أن ينظر الرجل الى الأجنبية الا وجهها وكفيها لقوله تعالى: «وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ ما ظَهَرَ مِنْها﴾ (٣)». قال على وابن عباس رضى الله عنهما: «ما ظهر منها الكحل والخاتم» والمراد موضعهما وهو الوجه والكف، كما أن المراد بالزينة المذكورة موضعها، لأن فى ابداء الوجه والكف ضرورة لحاجتها الى المعاملة مع الرجل أخذا واعطاء وغير ذلك. وهذا تنصيص على أنه لا يباح النظر الى قدمها. وعن أبى حنيفة ﵀ أنه يباح لأن فيه بعض الضرورة. وعن أبى يوسف ﵀ أنه يباح النظر الى ذراعها أيضا لأنه قد يبدو منها عادة. وفى التتارخانية قيل ينظر الى القدم والذراع اذا أجرت نفسها، كما جاء أن فى القدم اختلاف الرواية، والتصحيح، وصحح فى الاختيار أنه عورة خارج الصلاة، ورجح فى شرح المنية كونه عورة مطلقا كما فى البحر (٤).

стр. 751

فان كان لا يمأن الشهوة لا ينظر الى وجهها الا لحاجة كقاض وشاهد، وكذا مريد نكاحها ولو عن شهوة، بنية السنة لا قضاء الشهوة، وطبيب فى مداواتها ينظر الى موضع مرضها بقدر الضرورة، لقول النبى ﷺ : «من نظر الى محاسن امرأة أجنبية عن شهوة صب فى عينه الآنك (أى الرصاص المذاب) يوم القيامة». فاذا خاف الشهوة لم ينظر من غير حاجة تحرزا عن المحرم. كذلك لا يحل له أن يمس وجهها ولا كفيها وان كان يأمن الشهوة لقيام المحرم وانعدام الضرورة، ومس الأجنبية يحرم لقول النبى ﷺ : «من مس كف امرأة ليس منها بسبيل وضع على كفه جمرة يوم القيامة». وهذا اذا كانت شابة تشتهى، أما اذا كانت عجوزا لا تشتهى فلا بأس بمصافحتها ومس يدها لانعدام خوف الفتنة (١) (انظر: مس). والمرأة تنظر من الرجل الأجنبى ما ينظره الرجل الى محارمه ان أمنت شهوتها، فلو لم تأمن أو خافت أو شكت حرم (٢). وينظر الرجل من ذوات محارمه الى الوجه والرأس والصدر والعضدين، ولا ينظر الى ظهرها وبطنها وفخذها (٣)، والأصل قول الله تعالى: «وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ (٤)» والخصى فى النظر الى الأجنبية كالفحل، لقول عائشة رضى الله عنها: الخصاء مثلة فلا يبيح ما كان حراما قبله، ولأنه فحل يجامع، وكذا المجبوب، وكذا المخنث، ولا يجوز للمملوك أن ينظر من سيدته الا الى ما يجوز للأجنبى النظر اليه منها (٥). الخلوة بالأجنبية: قالوا: تحرم الخلوة بالأجنبية وان كان معها غيرها من النساء (٦). وقال فى رد المحتار وفى الأشباه: الخلوة بالأجنبية حرام الا لملازمة مديونة هربت ودخلت خربة أو كانت عجوزا شوهاء أو بحائل، كأن سكن رجل فى بيت من دار وامرأة فى بيت آخر منها ولكل واحد غلق على حدة لكن باب الدار واحد فلا يكره ما لم يجمعهما بيت (٧). مذهب المالكية: قالوا: لا يجوز النظر للأجنبى من المرأة الا الى الوجه والكفين ويحرم النظر الى ما عداهما، أما النظر اليهما فجائز لا فرق بين ظاهرهما وباطنهما بغير قصد لذة ولا وجدانها والا حرم. وهل يجب عليها ستر وجهها ويديها وهو الذي لابن مرزوق قائلا انه مشهور المذهب أو لا يجب عليها ذلك، وانما على الرجل

стр. 752

غض بصره وهو مقتضى، نقل المواق عن عياض. وفصل زروق بين الجميلة فيجب، وفى غيرها فيستحب. ويجوز للمرأة أن ترى من الأجنبى الوجه والأطراف ولا يجوز لها أن تنظر لصدره ولا جنبه ولا ظهره، ولا ساقه، ولو لم تخش لذة (١). وندب للرجل الخاطب أن ينظر لمن يريد خطبتها: وجهها وكفيها ان لم يقصد لذة دون غيرهما لأنه عورة فلا يجوز، والظاهر أن النظر مستحب، والذى فى عبارة أهل المذهب، الجواز، ولم يحك ابن عرفة الاستحباب الا عن ابن القطان. وانما أذن للخاطب فى نظر الوجه والكفين، لأن الوجه يدل على الجمال وعدمه واليدان يدلان على خصابة البدن وطراوته وعلى غير ذلك، على أن يكون النظر بعلم منها أو من وليها، ويكره استغفالها لئلا يتطرق أهل الفساد لنظر محارم الناس، ومحل الكراهة ان كان يعلم أنه لو سألها فى النظر تجيبه ان كانت غير مجبرة أو اذا سأل وليها يجيبه لذلك اذا كانت مجبرة أو جهل الحال، أما اذا علم عدم الاجابة حرم النظر كما قال ابن القطان ان خشى فتنة والا كره (٢). وقد جاء فى التوضيح: يجوز النظر الى الشابة الأجنبية الحرة فى ثلاثة مواضع: للشاهد، وللطبيب ونحوه، وللخاطب. وروى عن مالك عدم جوازه للخاطب، وزاد الأقفهسى فى المواضع التى يجوز النظر فيها اليها البيع والشراء (٣). وللخاطب توكيل رجل فى النظر الى من يخطبها على حسب ما كان له فيجوز للوكيل النظر ما لم يخف عليه مفسدة من النظر اليها، وهذا اذا لم يخطب الا لمن بعثه. واعترض بعض الشيوخ بأن نظر الخاطب مختلف فيه فكيف يسوغ لوكيله (٤). وتحرم الخلوة بالأجنبية فى سفر أو غيره على خلاف فى العجوز هل تأخذ حكم الشابة فى حرمة الخلوة بها أو لا. أما ابن رشد فقد قال: ان كانت ممن لا يؤبه بها لم تمنع من الخروج، يريد بخلاف الشابة. أما قول الجمهور فى قول النبى ﷺ : «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة الا مع ذى محرم منها» ان لفظ المرأة نكرة فى سياق النفى فتعم (أى الشابة والعجوز) وقال النووى فى شرح مسلم: قال القاضى قال الباجى: هذا عندى فى الشابة أما الكبيرة غير المشتهاة فتسافر حيث شاءت فى كل الأسفار بلا زوج ولا محرم، وهذا الذى قاله الباجى لا يوافق عليه لأن المرأة مظنة الطمع فيها ولو كانت كبيرة، أى أنهم يحرمون الخلوة بالأجنبية الشابة فى

стр. 753

حالتى السفر والاقامة ويحرمونه بالنسبة للكبيرة فى الاقامة. أما فى حالة السفر فيختلفون فيها بين قائل بحرمة الخلوة وبين قائل باجازتها ان أمنت الفتنة، والراجح تحريمها معها. قال فى الحطاب: يستثنى مما تقدم ما اذا وجد الرجل والمرأة فى مفازة أو مقطعة وخشى عليها الهلاك فإنه يجب عليه أن يصحبها معه وأن يرافقها وإن أدى إلى الخلوة بها ولكن يحترس جهده (١). مذهب الشافعية: قالوا: لا يجوز للأجنبى أن ينظر الى الأجنبية، ولا للأجنبية أن تنظر الى الأجنبى لقوله تعالى: «قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ»،، «وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ (٢)». وروت أم سلمة رضى الله عنها قالت: كنت عند رسول الله ﷺ وعنده ميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم، فقال رسول الله ﷺ : «احتجبن عنه». فقلت: يا رسول الله، أليس أعمى ولا يبصرنا ولا يعرفنا!؟ فقال: «أفعميا وان أنتما أليس تبصرانه؟». وروى على كرم الله وجهه أن النبى ﷺ : «أردف الفضل، فاستقبلته جارية من خثعم فلوى عنق الفضل، فقال أبوه العباس: لويت عنق ابن عمك. قال: «رأيت شابا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما». ولا يجوز النظر الى الأمرد من غير حاجة لأنه يخاف الافتتان به كما يخاف الافتتان بالمرأة (٣). واذا أراد نكاح امرأة فله أن ينظر وجهها وكفيها، لما روى أبو هريرة رضى الله عنه أن رجلا أراد أن يتزوج امرأة من نساء الأنصار، فقال النبى ﷺ : «انظر اليها فان فى أعين الأنصار شيئا». ولا ينظر الى ما سوى الوجه والكفين لأنه عورة. ويجوز للمرأة اذا أرادت أن تتزوج برجل أن تنظر اليه، لأنه يعجبها من الرجل ما يعجب الرجل منها، ولهذا قال عمر رضى الله عنه: «لا تزوجوا بناتكم من الرجل الدميم فانه يعجبهن منهم ما يعجبهم منهن». ويجوز لكل واحد منهما أن ينظر الى وجه الآخر عند المعاملة، لأنه يحتاج اليه للمطالبة بحقوق العقد والرجوع بالعهدة، ويجوز ذلك عند الشهادة للحاجة الى معرفتها فى التحمل والأداء، ويجوز لمن اشترى جارية أن ينظر الى ما ليس بعورة منها للحاجة الى معرفتها (٤). ويجوز للطبيب أن ينظر الى الفرج المداواة لأنه موضع ضرورة، فجاز النظر الى الفرج كالنظر فى حال الختان (٥).

стр. 754

ويجوز لذوى المحارم النظر الى ما فوق السرة ودون الركبة من ذوات المحارم، لقوله تعالى «وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ» (١). ويجوز للرجل أن ينظر الى ذلك من الرجل، وللمرأة أن تنظر الى ذلك من المرأة، لأنهم كذوى المحارم فى تحريم النكاح على التأييد، فكذلك فى جواز النظر. واختلف أصحابنا فى مملوك المرأة فمنهم من قال: هو محرم لها فى جواز النظر والخلوة وهو المنصوص، لقول الله : «أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ» (٢)، فذكره مع ذوى المحارم فى اباحة النظر. وروى أنس رضى الله عنه قال: أعطى رسول الله ﷺ فاطمة غلاما، فأقبل النبى ﷺ ومعه الغلام، فتقنعت بثوب اذا قنعت رأسها لم يبلغ رجليها واذا غطت رجليها لم يبلغ رأسها، فقال النبى ﷺ : «انه ليس عليك بأس، انما هو أبوك وغلامك». ومنهم من قال: ليس بمحرم، لأن المحرم من يحرم على التأبيد، وهذا لا يحرم على التأبيد فلم يكن محرما. واختلفوا فى المراهق (وهو من لم يبلغ الحلم) مع الأجنبية: فمنهم من قال هو كالبالغ فى تحريم النظر، لقوله تعالى «أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ» (٣)، فدل على أنه لا يجوز لمن ظهر على عورات النساء، ولأنه كالبالغ فى الشهوة فكان كالبالغ فى تحريم النظر. ومن أصحابنا من قال: لا يجوز له النظر الى ما ينظر ذو محرم، وهو قول أبى عبد الله الزبيرى، لقول الله : «وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ، وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» (٤) فدل على انه اذا لم يبلغوا الحلم لم يستأذنوا (٥). ويحرم على الرجل أن يخلو بامرأة واحدة، وكذلك يحرم عليه أن يخلو بنسوة، ولو خلا رجل بنسوة وهو محرم لاحداهن جاز. وكذلك اذا خلت امرأة برجال وأحدهم محرم لها جاز. ولو خلا عشرون رجلا بعشرين امرأة واحداهن محرم لأحدهم جاز. قال: وقد نص الشافعى على أنه لا يجوز للرجل أن يصلى بنساء مفردات الا أن تكون احداهن محرما له. هذا كلام امام الحرمين هنا. وحكى عن القفال فى الخلوة مثل ما ذكره امام الحرمين بحروفه، وحكى فيه نص الشافعى فى تحريم خلوة بنسوة منفردا بهن، وهذا الذى ذكره الامام وغيره،

стр. 755

والمشهور جواز خلوة رجل بنسوة لا محرم له فيهن لعدم المفسدة غالبا، لأن النساء يستحين من بعضهن بعضا فى ذلك (١). مذهب الحنابلة: قالوا (٢): يحرم نظر الرجل الى الأجنبية من غير سبب، والحرمة الى جميعها فى ظاهر كلام أحمد. قال أحمد: لا يأكل مع مطلقته اذ هو أجنبى لا يحل له أن ينظر اليها، كيف يأكل معها، ينظر الى كفها؟ لا يحل له ذلك، بدليل قول الله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ، وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا، فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ، إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ، وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ، ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ، وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً. إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً» (٣) ولحديث ابن أم مكتوم السابق ذكره فى مذهب الشافعية. وعن جرير بن عبد الله قال: سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجاءة، فأمرنى أن أصرف بصرى. وعن على رضى الله عنه قال: قال لى رسول الله ﷺ : «لا تتبع النظرة النظرة، فانما لك الأولى وليست لك الآخرة»، وفى اباحة النظر الى المرأة اذا أراد تزوجها دليل على التحريم عند عدم ذلك، اذ لو كان مباحا على الاطلاق فما وجه التخصيص لهذه. وقال القاضى: يحرم عليه النظر الى ما عدا الوجه والكفين لأنه عورة، ويباح النظر اليها مع الكراهة اذا أمن الفتنة ونظر لغير شهوة، لقول الله تعالى «وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ، وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ، أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ، وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ. وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» (٤). وروت عائشة رضى الله عنها أن أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنه دخلت على رسول الله ﷺ فى ثياب رقاق، فأعرض عنها وقال: «يا أسماء، ان المرأة اذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها الا هذا وهذا» وأشار الى وجهه وكفيه، رواه أبو بكر وغيره، لأنه ليس بعورة فلم يحرم النظر اليه بغير ريبة. أما العجوز التى لا يشتهى مثلها فلا بأس بالنظر منها الى ما يظهر غالبا لقول

стр. 756

الله تعالى «وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاّتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ، وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» (١). والأمة يباح النظر منها الى ما يظهر غالبا كالوجه والرأس واليدين والساقين، لأن عمر رضى الله عنه رأى امرأة متلثمة فضربها بالدرة وقال: يا لكاع! أتتشبهين بالحرائر؟ وروى أبو حفص باسناده أن عمر كان لا يدع أمة تقنع فى خلافته، وقال: انما القناع للحرائر، لكن ان كانت الأمة جميلة يخاف منها الفتنة حرم النظر اليها. قال أحمد فى الأمة: اذا كانت جميلة تتنقب، وأما الطفلة التى لا تصلح للنكاح فلا بأس بالنظر اليها. قال أحمد فى رواية الأثرم فى رجل يأخذ الصغيرة فيضعها فى حجره ويقبلها، فان كان يجد شهوة فلا، وان كان لغير شهوة فلا بأس. فأما اذا بلغت حدا تصلح للنكاح، كابنة تسع، فان عورتها مخالفة لعورة البالغة، فيحتمل أن يكون حكمها حكم ذوات المحارم. وقد روى أبو بكر عن ابن خديج قال: قالت عائشة رضى الله عنها: دخلت على ابنة أخى مزينة، فدخل على النبى ﷺ فأعرض، فقلت: يا رسول الله انها ابنة أخى وجارية، فقال: «اذا عركت (أى حاضت) المرأة لم يجز لها أن تظهر الا وجهها والا ما دون هذا» وقبض على ذراع نفسه فترك بين قبضته وبين الكف مثل قبضة أخرى أو نحوها، وذكر حديث أسماء السابق. وأما من ذهبت شهوته من الرجال لكبر أو عنة أو مرض لا يرجئ برؤه، والخصى والشيخ، والمخنث الذى لا شهوة له، فحكمه حكم ذوى المحرم فى النظر، لقول الله «أَوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ، وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ، وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» (٢). أى غير أولى الحاجة الى النساء. فان كان المخنث ذا شهوة ويعرف أمر النساء فحكمه حكم غيره، لأن عائشة رضى الله عنها قالت: دخل على أزواج النبى ﷺ مخنث، فكانوا يعدونه من غير أولى الاربة من الرجال، فدخل علينا رسول الله ﷺ وهو ينعت امرأة أنها اذا أقبلت أقبلت بأربع واذا أدبرت أدبرت بثمان، فقال رسول الله ﷺ : «ألا أرى هذا يعلم ما هاهنا، لا يدخلن عليكم هذا، فاحجبوه». رواه أبو داود وغيره. وأما نظر المرأة الى الرجل ففيه روايتان: احداهما: لها النظر الى ما ليس بعورة، والأخرى: لا يجوز لها النظر من الرجل

стр. 757

الا الى مثل ما ينظر اليه منها، واختاره أبو بكر. أما من يباح له النظر من الأجانب فذلك كالطبيب، فانه يباح له النظر الى ما تدعو اليه الحاجة من بدنها من العورة وغيرها، فانه موضع حاجة، وقد روى أن النبى ﷺ لما حكم سعدا رضى الله عنه فى بنى قريظة كان يكشف عن مؤتزرهم. وللشاهد كذلك النظر الى وجه المشهود عليها، لتكون الشهادة واقعة عليها بذاتها. وان عامل امرأة فى بيع أو اجارة فله النظر الى وجهها ليعلمها بعينها (١). ومن أراد أن يتزوج امرأة فله أن ينظر اليها من غير أن يخلو بها، وقد روى جابر رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا خطب أحدكم المرأة فان استطاع أن ينظر الى ما يدعوه الى نكاحها فليفعل، ولأن النكاح عقد يقتضى التمليك فكان للعاقد النظر الى المعقود عليه، ولا بأس بالنظر اليها باذنها وغير اذنها لأن رسول الله ﷺ أمرنا بالنظر وأطلق، ولا ينظر اليها نظرة تلذذ وشهوة ولا لريبة. قال أحمد ﵀ فى رواية صالح: ينظر الى الوجه، ولا يكون عن طريق لذة، وله أن يردد النظر اليها ويتأمل محاسنها، لأن المقصود لا يحصل الا بذلك. ولا يباح النظر الى ما لا يظهر عادة، وأما ما يظهر غالبا سوى الوجه كالكفين والقدمين ونحو ذلك مما تظهره المرأة فى منزلها ففيه روايتان: احداهما: لا يباح النظر اليه كالذى لا يظهر، فان عبد الله رضى الله عنه روى أن رسول الله ﷺ قال المرأة عورة، ولأن الحاجة تندفع بالنظر الى الوجه فبقى ما عداه على التحريم. والثانية: أن له النظر الى ذلك، قال أحمد ﵀ فى رواية حنبل: لا بأس أن ينظر اليها والى ما يدعوه الى نكاحها من يد أو جسم (٢) ونحو ذلك، قال أبو بكر لا بأس أن ينظر اليها عند الخطبة حاسرة. ولا يجوز للأجنبى الخلوة بالمرأة حتى ولو كان يقصد الخطبة، لأنها محرمة، ولم يرد الشارع بغير النظر فبقيت على التحريم، ولأنه لا يؤمن مع الخلوة مواقعة المحظور، فان رسول الله ﷺ قال: «لا يخلون رجل بامرأة، فان ثالثهما الشيطان. مذهب الظاهرية: قال ابن حزم الظاهرى: لا يحل لأحد أن ينظر من أجنبية لا يريد زواجها

стр. 758

أو شراءها ان كانت أمة لتلذذ الا لضرورة، فان نظر فى الزنا الى الفرجين ليشهد بذلك فمباح له، لأنه مأمور بأداء الشهادة، قال الله : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلى بِهِما، فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا، وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً» (١)، ولا سبيل لهم الى أداء الشهادة فى الزنا الا بصحة النظر الى الفرجين والتثبت فى ذلك. وأما فى غير ذلك فالوجه والكفان. وجائز لذى المحرم أن يرى جميع جسم حريمته كالأم والجدة والبنت وابنة الابن والخالة والعمة وبنت الأخ وبنت الأخت وامرأة الأب وامرأة الابن حاشا الدبر والفرج فقط، وكذلك النساء بعضهن من بعض، وكذلك الرجال بعضهم من بعض، برهان ذلك قول الله «وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ ما ظَهَرَ مِنْها، وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ، وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ، أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ، وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ، وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» (٢). ومن أراد أن يتزوج امرأة حرة أو أمة فله أن ينظر منها متغفلا وغير متغفل الى ما بطن منها وظهر، ولا يجوز ذلك فى أمة يريد شراءها، ولا يجوز له أن ينظر منها الا الى الوجه والكفين فقط، لكن يأمر امرأة تنظر الى جميع جسمها وتخبره. برهان ذلك قول الله : «قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ، إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ» (٣). فافترض الله غض البصر جملة كما افترض حفظ الفرج، فهو عموم لا يجوز أن يخص منه الا ما خصه نص صحيح. وقد خص النص نظر من أراد الزواج فقط كما روينا من طريق أبى داود عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «اذا خطب أحدكم المرأة فان استطاع أن ينظر الى ما يدعوه الى نكاحها فليفعل» أما أمر الابتياع فقد بقى على وجوب غض البصر (٤). مذهب الزيدية: منهم من قال، وهما المؤيد بالله وأبو طالب: يحرم نظر وجه الأجنبية وكفيها كسائرها الا الطفلة والقاعدة (العجوز) لصرفه ﵌ وجه

стр. 759

الفضل. فقد روى على كرم الله وجهه أن رسول الله ﷺ : أردف الفضل، فاستقبلته جارية من خثعم فلوى عنق الفضل، فقال أبوه العباس: لوبت عنق ابن عمك، قال: «رأيت شابا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما» ولقول رسول الله ﵌ فيما روى عن ابن مسعود رضى الله عنهما قال: قال رسول الله ﵌ يعنى عن ربه : «النظرة سهم مسموم من سهام ابليس، من تركها من مخافتى أبدلته ايمانا يجد حلاوته فى قلبه». وعن بريدة قال: قال رسول الله ﵌ لعلى: «يا على، لا تتبع النظرة النظرة، فان لك الأولى وليست لك الثانية». وقال الامام يحيى: بل يجوز ولو لشهوة، لقول الله : «إِلاّ ما ظَهَرَ» ولم يفصل، ولاتفاق المفسرين على أنه موضع الكحل والخاتم والخضاب ولرؤيته ﵌ المرأة التى صرف عنها الفضل. وعلى المرأة غض البصر عن الأجنبى، لما روى عن أم سلمة فى الحديث السابق الخاص بابن أم مكتوم. وقال الامام يحيى: لها النظر الى الوجه والكفين منه، وقيل: تنظر الى ما لها نظره من محرمها وهو ما له نظره منها، وقيل: ما عدا العورة المغلظة ما لم تقترن بشهوة فى ذلك كله. وقال أيضا: وما أبين - أى قطع - من المرأة حرمت رؤيته على الأجنبى (١). وللطبيب نظر ما يحرم نظره، فى المداواة للضرورة اجماعا فلا يتعداه. فان وجد الجنس والمحرم حرم غيره، ويجوز أن قارنت شهوة أن أمن المعصية وخشى التلف، ولا يجوز نظر الفرج ليشهد على الزنا، فان وقع من غير قصد صحت الشهادة (٢). ويجوز للأجانب أن ينظروا الى الثدى فى فم الرضيع لتحمل الشهادة (٣). وجاء فى التاج المذهب: يجوز، بل يندب، للرجل النظر الى جميع الوجه والكفين من المرأة اذا أراد خطبتها، فان حصل التفصيل بنظرة واحدة لم يجز له التكرير والا جاز له حتى يتحقق وانما يجوز له النظر اذا لم تقارنه شهوة، فان قارنته شهوة لم يجز. ووقت النظر يكون بعد العزم وقبل الخطبة لئلا يتركها بعد الخطبة فيشق عليها ولا يتوقف النظر على اذنها ولا اذن وليها اكتفاء باذن الشارع، ولئلا تتزين فيفوت غرضه، ويشترط أن يعلم أنها فارغة لا مزوجة ولا معتدة ولا مخطوبة من غيره وأن يظن أنه يجاب الى خطبته وأن يكون

стр. 760

عازما على زواجها، ويجوز للمرأة أيضا أن تنظر الى وجه الخاطب (١). وزاد صاحب التاج المذهب فيمن ينظر الى الأجنبية لعذر كمتولى الحد والقصاص والتعزير وانقاذ الغريق والحاكم (٢). ويجب على النساء التستر من صبى بلغ حدا يشتهى أو يشتهى، ولو كان ذلك الصبى خصيا أو عنينا أو خنثى أو مملوكها فان حكمه حكم الحر فى التحريم لأنه شخص يجوز أن يتزوج بها فى حال فكان كالأجنبى، وكذا يجب على ولى الصغيرة التى تشتهى أو تشتهى أن يحجبها كذلك (٣). مذهب الإمامية: الإمامية قالوا: لا ينظر الرجل الى المرأة الأجنبية وهى غير المحرم والزوجة والأمة الا مرة واحدة من غير معاودة فى الوقت الواحد عرفا الا لضرورة كالمعاملة والشهادة عليها اذا دعى اليها والعلاج من الطبيب ونحوه. وكذا يحرم على المرأة أن تنظر الى الأجنبى أو تسمع صوته الا لضرورة كالمعاملة والطب وما يتوقف عليه من معرفة نبض العروق والكسر والجرح والفصد والحجامة ونحو ذلك اذا لم يكن بالمماثل (٤). وأن كان الرجل أعمى لتناول النهى عنه لحديث أم سلمة السابق. وفى جواز نظر المرأة الى الخصى المملوك لها وبالعكس خلاف منشؤه ظاهر قول الله تعالى «أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ» المتناول بعمومه لموضع النزاع (٥). ويجوز النظر الى وجه المرأة التى يريد نكاحها وان لم يستأذنها بل يستحب له النظر ليرتفع عنه الغرر. ويختص الجواز بالوجه والكفين وينظرها قائمة وماشية وكذا يجوز للمرأة نظره كذلك وروى عبد الله بن الفضل مرسلا - أى لم يرفع اليه عن الصادق ﵇: جواز النظر الى شعرها ومحاسنها، وهى مواضع الزينة اذا لم يكن متلذذا وهى مردودة بالارسال وغيره ويشترط العلم بصلاحيتها للتزويج وألا يكون النظر بريبة ولا تلذذ وأن يكون الباعث على النظر ارادة التزويج دون العكس ويجوز النظر الى وجه الأمة أى أمة الغير ويديها، وكذا الذمية وغيرها من الكفار بطريق أولى لا لشهوة (٦). مذهب الإباضية: الإباضية قالوا: ينتقض الوضوء بالنظر لغير وجه حرة بالغة أجنبية وكفيها مع عمد ولا ينتقض بالنظر الى الوجه والكفين ولو فيهما زينة، وقيل ان لم تكن - أى زينة - وينتقض بالنظر لما بين سرة وركبة أمة، واختلف فى دخولهما ومختار صاحب النيل

стр. 761

عدم دخول السرة والركبة كما هو صريح قوله: بين، كما لا ينتقض وضوء المرأة بالنظر للرجل لغير شهوة، وينتقض بالنظر بالشهوة مطلقا ولو للوجه والكف وغير ما بين السرة والركبة من الرجل والأمة، ورخص النظر لمتبرجة ولو شابة مشتهاة أى تظهر زينتها ولو بلباس فينظر منها ما أظهرت من فوق السرة وتحت الركبة بلا شهوة، والتحقيق المنع وأنها كغيرها، لأن الله جل وعلا جعل لها حرمة وليست اباحتها حرمتها بمزيلة لها، فالواجب الاغضاء عنها ولا يجوز غير ذلك عند صاحب شرح النيل. وقد شرط الله على القواعد وضعهن ثيابهن وألا تكن متبرجات بزينة، فان كن متبرجات بزينة لم يجز لهن وضع الثياب، فكيف يجوز النظر للمتبرجات فان منع القواعد من وضع الثياب الا أن كن غير متبرجات منع للنظر اليهن الا بذلك الشرط، ويجوز النظر لعجوز لا تراد، وقيل: بشرط ألا تريد أيضا، لأنها اذا كانت تريد فنظرها يثير ارادتها، ولكن ارادتها لا توجب نقض وضوء الناظر الا ان علم أنها فى تلك الحال مريدة، فنظر من أجل ارادتها. وجاز للمرأة النظر الى ما دون سرة وركبة كل رجل أجنبى ان لم تخف فتنة وهى تحرك شهوة ولو بلا حصول جماع. وقيل ترى من الأجنبى ما يرى من محرمته والشيخ الهرم الى الأجنبية كمحرمها، والمشكل امرأة مع الرجل ورجل مع امرأة والمراهق كالبالغ لظهوره على عورات النساء فيجب أن يحتجبن عنه، وأجاز بعضهم النظر للمتبرجة كلها لغير شهوة (١). ويجوز لمريد خطبة امرأة أن يرى شعرها وقيل عنقها، وقيل يجوز أن يرى ما فوق السرة وما تحت الركبة. والصحيح أنها كغيرها، وعن رسول الله ﷺ : «إذا خطب أحدكم المرأة فلا جناح عليه أن ينظر اليها لخطبة وان كانت لا تعلم» رواه أبو حميد الساعدى وهو صحابى (٢). مس الأجنبية مذهب الحنفية: قالوا: لا يحل مس وجه الأجنبية وكفها وان أمن الشهوة لأنه أغلظ من النظر، ولذا تثبت به حرمة المصاهرة اذا كان عن شهوة وهذا فى الشابة، أما العجوز التى لا تشتهى فلا بأس بمصافحتها ومس يدها اذا أمن، وكذلك اذا كان شيخا يأمن على نفسه وعليها فلا بأس أن يصافحها وان كان لا يأمن على نفسه أو عليها فليجتنب (٣). وجاء فى شرح الطحطاوى على مراقى الفلاح: لا ينقض الوضوء مس امرأة غير محرم (٤).

стр. 762

وعبارة التنوير وشرح الدر: لا ينقض الوضوء مس امرأة، لكن يندب للخروج من الخلاف (١). مذهب المالكية: المالكية يحرم عندهم على المرأة لمس الوجه والأطراف من الرجل الأجنبى فلا يجوز لها وضع يدها فى يده، ولا وضع يدها على وجهه، وكذلك لا يجوز له وضع يده فى يدها ولا على وجهها (٢). وينتقض الوضوء بلمس بالغ من يلتذ به عادة ولو ظفرا أو شعرا وبحائل ان قصد اللذة أو وجدها (٣). مذهب الشافعية: الشافعية قالوا: من نواقض الوضوء لمس رجل بشهوة امرأة مشتهاة من غير حائل لقول الله تعالى: «أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً» (٤) الخ، حيث عطف اللمس على المجئ من الغائط ورتب عليهما الأمر بالتيمم عند فقد الماء فدل على أنه حدث كالمجئ من الغائط ولا فرق فى الرجل بين أن يكون شيخا فاقدا للشهوة أم لا ولا بين الخصى والعنين فانه ينتقض وضوؤه، وكذا المراهق فانه ينتقض وضوؤه، ولا فرق فى المرأة بين الشابة والعجوز التى لا تشتهى، وفى الميتة خلاف (٥)، ومتى حرم النظر حرم المس لأنه أبلغ فى اثارة الشهوة (٦). مذهب الحنابلة: قالوا: من نواقض الوضوء لمس كل من الرجل والمرأة للآخر بشهوة، للاية. وعن عائشة قالت: فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدى على بطن قدميه وهو فى المسجد وهما منصوبتان. رواه مسلم. ونصبهما دليل على أنه يصلى، فاختصت الآية بما اذا كان اللمس لشهوة جمعا بينها وبين الأخبار والحديث السابق على أن يكون اللمس بلا حائل، فان كان بحائل لم ينقض والشهوة بمجردها لا توجب الوضوء كما لو وجدت من غير لمس ولا ينقض مس مطلقا لشعر وظفر وسن لأنها تنفصل فى حال السلامة (٧). مذهب الظاهرية: قال ابن حزم الظاهرى: ومس الرجل المرأة، والمرأة الرجل بأى عضو مس أحدهما الآخر اذا كان عمدا دون أن يحول بينهما ثوب أو غيره سواء أمه كانت أو ابنته أو مست ابنها أو أباها الصغير

стр. 763

والكبير سواء لا معنى للذة فى شئ من ذلك، وكل ذلك ينقض الوضوء (١). مذهب الزيدية: قالوا: ما حلت رؤيته حل لمسه الا أن لمس لشهوة اذ هى العلة، وفى الممسوس قولان: أحدهما: لا يضر للمس عائشة رضى الله عنها أخمصه ﷺ فى الصلاة ولم يقطعها. والثانى: ينقض الوضوء، أما الشعر ونحوه، وما قطع فلا ينقض وفى الميتة والتى لا تشتهى لصغر أو كبر قولان ولا نقض مع الحائل (٢). مذهب الإمامية: الإمامية قالوا: لا يجوز المس الا فى مقام المعالجة ومقام الضرورة كما اذا توقف الاستنقاذ من الغرق أو الحرق أو نحوهما عليه (٣). مذهب الإباضية: الإباضية قالوا: من مس أجنبية ولو بلا عمد انتقض وضوؤه وقيل لا ينتقض الوضوء ولو بعمد، وكذلك لا ينتقض الوضوء بمس وجهها وكفيها بلا شهوة ولو عمدا، وقيل: ينتقض. ولا ينقض مس باطن القدم على القول بأنه ليس عورة. وكل ما حل نظره من الأجنبيات من قواعد (عجائز) ومتبرجات: هل يحل مسه بلا شهوة أو يحرم؟ قولان: أحدهما: يحرم وعليه فينتقض الوضوء بالمس ولو بلا شهوة، وينتقض الوضوء بلمس بدن أجنبية من غير ضرورة بيد سالمة غير شلاء ولا فاسدة لا تحس سواء أكان الممسوس شعرا أم ظفرا أم سنا، وكانت الأجنبية بالغة مشتهاة، فاذا كانت الملموسة عجوزا ونحوها ممن لا تشتهى أو كان اللمس للعلاج والرقيا وليس هناك من يقوم مقام المعالج من النساء أو لم يحتمل الداء التأخر لحضور المرأة أو المحرم، أو كان اللمس لاضطرار أو تنجية من هلاك، وكان اللمس فى كل ذلك بحائل رقيق أو غليظ ووجدت اللذة أم لا، عن عمد كان اللمس أو عن خطأ فانه لا ينقض الوضوء. وقال بعضهم فى الصغيرة المشتهاة أنها كالبالغة ولكن صاحب النيل يقول: ليس كذلك عندى، بل لا نقض بها الا لشهوة أو ما بين سرة وركبة (٤). الأجنبى فى الحج والسفر مذهب الحنفية: يعتبر فى المرأة بالنسبة للحج أن يكون لها محرم يحج بها أو زوج ولا يجوز لها

стр. 764

أن تحج بغيرهما اذا كان بينها وبين مكة مسيرة ثلاثة أيام، بدليل قول الرسول ﷺ : «لا تحجن امرأة الا ومعها محرم». ولأنها بدون المحرم يخاف عليها الفتنة وتزداد بانضمام غيرها اليها. وهذا بخلاف ما اذا كان بينها وبين مكة أقل من ثلاثة أيام لأنه يباح لها الخروج الى ما دون السفر بغير محرم، وذلك اذا كان لحاجة. وقد روى عن أبى حنيفة وأبى يوسف كراهة الخروج لها مسيرة يوم بلا محرم (١). ولتصريحهم بأن حكم السفر كحكم الخلوة فلا يحل لها أن تسافر مع أجنبى لأدنى مسافة ولو للحج (٢). مذهب المالكية: المالكية قالوا: يشترط فى وجوب الحج على المرأة وجود زوج أو محرم فان لم يكن لها محرم ولا زوج فيجب عليها الخروج للحج فى الفرض فى رفقة مأمونة والأصل فى هذا ما ورد فى الحديث الصحيح وروى مالك فى جامع الموطأ عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة الا مع ذى محرم منها»، رواه البخارى ومسلم بروايات مختلفة. وقول الرسول ﷺ : «تؤمن بالله واليوم الآخر» على جهة التغليظ، يريد أن مخالفة هذا ليس من أفعال من يؤمن بالله ويخاف عقابه فى الآخرة. قال الباجى: والعلة فى منعها من السفر مع غير ذى محرم كونها عورة يجب عليها التستر ويحرم عليها التبرج حيث الرجال مخافة الفضيحة. وقال ابن فرحون: المرأة تدخل فيها الشابة والمتجالة وهو قول الجمهور، وقال ابن رشد: ان كانت متجالة أو ممن لا يؤبه به لم تمنع من الخروج، يريد بخلاف الشابة. وقال الباجى بالنسبة لتحريم سفر المرأة مع أجنبى: هذا عندى فى الشابة أما الكبيرة غير المشتهاة فتسافر حيث شاءت فى كل الأسفار بلا زوج ولا محرم. قال الحطاب: هذا الذى قاله الباجى لا يوافق عليه لأن المرأة مظنة الطمع فيها ومظنة الشهوة ولو كانت كبيرة، وقد قالوا: لكل ساقطة لاقطة، ويجتمع فى الأسفار من سفل الناس وسقطهم من لا يرتفع عن الفاحشة بالعجوز لغلبة شهوته وقلة دينه ويستثنى مما تقدم ما اذا وجد الرجل المرأة فى مفازة ومقطعة وخشى عليها الهلاك فإنه يجب عليه أن يصحبها معه وأن يرافقها وإن أدى إلى الخلوة بها، لكن يحترس جهده. قال القاضى عياض فى الاكمال: فيه حسن الأدب فى المعاملة والمعاشرة مع

стр. 765

النساء الأجانب لا سيما فى الخلوة يهن عند الضرورة (١). مذهب الشافعية: الشافعية قالوا: اذا خرجت المرأة مع نسوة ثقات فهل يشترط لوجوب الحج أن يكون مع واحدة منهن محرم لها أو زوج - وهو أجنبى بالنظر الى باقيهن - فيه وجهان: أصحهما لا يشترط، والثانى يشترط، فان فقد لم يجب الحج. قال القفال لأنه قد ينوبهن أمر يحتاج الى الرجل (٢). وقالوا فى الخنثى المشكل لا يجوز سفره مع نساء أجنبيات عنه لأنه يحرم عليه الخلوة بهن. مذهب الحنابلة: الحنابلة قالوا: سفر المرأة فى حج مع أجنبى منها ممنوع الا اذا كان معها محرم أو زوج. وعن أحمد أن للمرأة أن تسافر للحج الواجب مع أجنبى بدون محرم. قال أحمد أنها تخرج فى حجة الفريضة مع النساء ومع كل من أمنته، وأما فى غير حجة الفريضة فلا والمذهب الأول. أما السفر فلا يصح أن تسافر سفرا يكون ثلاثة أيام فصاعدا الا ومعها محرم لما روى أبو سعيد قال: قال رسول الله ﷺ «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا يكون ثلاثة أيام فصاعدا الا ومعها أبوها أو ابنها أو زوجها أو ذو محرم منها». ومن تحل له فى حال كعبدها وزوج أختها فليس بمحرم لها، نص عليه أحمد لأنهما غير مأمونين عليها ولا تحرم عليهما على التأبيد فهما كالأجنبى. وقد روى عن نافع عن ابن عمر عن النبى ﷺ ، قال: «سفر المرأة مع عبدها ضيعة» وأما أم الموطوءة بشبهة أو المزنى بها أو ابنتها، فالواطئ أو الزانى ليسا بمحرم لهما لأن تحريمهما بسبب غير مباح فلم يثبت به حكم المحرمية وليس له الخلوة بهما ولا النظر اليهما لذلك، والكافر ليس بمحرم للمسلمة وان كانت ابنته، فهو كالأجنبى يأخذ حكمه. قال أحمد فى يهودى أو نصرانى أسلمت ابنته: لا يزوجها ولا يسافر معها ليس هو لها بمحرم، والمجوسى كذلك لا خلاف فى انه ليس بمحرم للمسلمة لأنه لا يؤمن عليها. واذا مات محرم المرأة فى الطريق فقال أحمد اذا تباعدت مضت فقضت الحج، لكن ان كان حجها تطوعا وأمكنها الاقامة فى بلد فهو أولى من سفرها بغير محرم والأسيرة اذا تخلصت من أيدى الكفار فانه يجوز لها السفر بدون محرم لأن سفرها سفر ضرورة لا يقاس عليه، ولذلك

стр. 766

تخرج فيه وحدها ولأنها تدفع ضررا متيقنا بتحمل الضرر المتوهم (١). مذهب الظاهرية: قال ابن حزم الظاهرى: ان كان للمرأة زوج ففرض عليه أن يحج معها فان لم يفعل فهو عاص لله تعالى، وتحج هى دونه وليس له منعها من حج الفرض وله منعها من حج التطوع. أما المرأة التى لا زوج لها ولا ذا محرم يحج معها فانها تحج ولا شئ عليها ونهى المرأة عن السفر الا مع زوج أو ذى محرم عام لكل سفر فوجب استثناء ما جاء به النص من ايجاب بعض الأسفار عليها من جملة النهى، والحج سفر واجب فوجب استثناؤه من جملة النهى لقول الله «وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً» (٢). وذكر الحديث السابق وروده فى مذهب الحنابلة، وعلق عليه قائلا أمره ﵊ بأن ينطلق فيحج معها ولم يأمر بردها ولا عاب سفرها الى الحج دونه ودون ذى محرم وفى أمره ﷺ بأن ينطلق فيحج معها بيان صحيح ونص صريح على أنها كانت ممكنا ادراكها بلا شك فاقر ﵊ سفرها كما خرجت فيه وأثبته ولم ينكره فصار الفرض على الزوج فان حج معها فقد أدى ما عليه من صحبتها وان لم يفعل فهو عاص لله تعالى وعليها التمادى فى حجها والخروج اليه دونه أو معه أو دون ذى محرم أو معه كما أقرها عليه رسول الله ﷺ ولم ينكره عليها (٣). مذهب الزيدية: الزيدية قالوا: لا تسافر المرأة الشابة لحج أو مسافة قصر مع أجنبى الا السفر للهجرة لقول رسول الله ﷺ «لا تسافر المرأة .. » الخبر ونحوه، وعن ابن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «لا تسافر المرأة ثلاثا الا ومعها ذو محرم»، وأوردوا الحديث المروى عن أبى هريرة وقالوا: وفى ذلك أحاديث أخر وكذا المرأة العجوز تمنع من السفر الا مع ذى محرم (٤). مذهب الإمامية: الإمامية قالوا: انه يجوز للمرأة أن تحج مع الأجنبى لأنه لا يشترط فى الحج المفروض اذن الزوج ولا وجود محرم بل يكفى ظن السلامة (٥). مذهب الإباضية: الإباضية قالوا: ان لزم الحج امرأة حجت مع زوج أو محرم ولا يلزمهما أن

стр. 767

يحجا بها، لكن ان طلبت مصاحبتهما فلا يمنعانها وان لم يوجد الزوج والمحرم لا يكون خروجها للحج الا مع ثقات معهم نساء يمنعونها من الضرر كمنعهم أنفسهم وللزوج منعها من الخروج الى الحج ولو فرضا، وقيل: عن النفل، وهو الصحيح لا عن الفرض ان وجدت ثقات، وان أرادت نفلا لحج أو اعادة لحج فريضة لأجل خلل فمع زوج أو محرم فقط، والحق أنها تعيد الحج الذى فسد لخلل ولو مع ثقة غير محرم، وقالوا: للمرأة أن تحج مع وليها الذى هو محرمها ولو كان لها زوج، وان لم يطاوعها زوجها أو محرمها فى أن يسافر معها حجت مع ثقات (١). الأجنبى فى الحضانة زواج الحاضنة به مذهب الحنفية: الأحناف قالوا: أحق الناس بحضانة الطفل هى أمه، لكن بشرط ألا تكون الأم ذات زوج أجنبى من الصغير. والمراد بالأجنبى عندهم هنا من ليس رحما محرما من جهة النسب، فان تزوجت الأم من أجنبى فلا حق لها فى الحضانة وذلك لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة أتت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، ان ابنى هذا كان بطنى له وعاء، وحجرى له حواء، وثديى له سقاء، ويزعم أبوه أن ينزعه منى. فقال رسول الله ﷺ : «أنت أحق به منه ما لم تنكحى». وروى عن سعيد بن المسيب أنه قال: طلق عمر رضى الله عنه أم ابنه عاصم رضى الله عنه، فلقيها ومعها الصبى، فنازعها، وارتفعا إلى أبى بكر الصديق رضى الله عنه فقضى أبو بكر رضى الله عنه باعطاء عاصم بن عمر لأمه ما لم يشب أو تتزوج، وقال: ان ريحها وفراشها خير له حتى يشب أو تتزوج، وذلك بمحضر من الصحابة، ولأن الصغير يلحقه الجفاء والمذلة، واذا تزوجت الحاضنة بذى رحم محرم من الصبى فلا يسقط حقها فى الحضانة كالجدة اذا تزوجت بجد الصبى أو تزوجت الأم بعم الصبى، لكن لو تزوجت من عمه رضاعا أو من ابن عمه نسبا هو عمه رضاعا سقط حقها فى الحضانة، واذا فارقت الأم الأجنبى عاد اليها حقها فى الحضانة (٢). مذهب المالكية: قال فى المدونة: تزوج الحاضنة أجنبيا من المحضون يسقط حضانتها بدخولها لا قبل الدخول. قال ابن عرفة: لو علم الوالد

стр. 768

بتزوجها ولم يقسم بأخذ الولد حتى طالت المدة ثم خلت من الزوج فليس له أخذه منها لأنه يعد بذلك تاركا لحقه. وسئل ابن رشد عمن تزوج وبقيت بنتها معها ثلاثة أعوام ثم أراد الأب أخذها، قال: لا سبيل له الى ذلك، وقال اللخمى يصح بقاء حق المرأة فى الحضانة وان كان الزوج أجنبيا فى ست مسائل: ١ - أن تكون وصية على اختلاف فى هذا الوجه. ٢ - أو يكون الولد رضيعا لا يقبل غيرها أو يقبل غيرها وقالت الظئر لا أرضعه الا عندى فلا ينزع عن أمه لأن كونه فى رضاع أمه وان كانت ذات زوج أرفق به من أجنبية يسلم اليها، لا سيما ان كانت ذات زوج. ٣ - أو كان من اليه الحضانة بعدها غير مأمون أو عاجزا عن الحضانة أو غير ذلك من الأعذار. ٤ - أو يكون الولد لا قرابة له، أى أقرباء من الرجل ولا من النساء. ٥ - أو كان الأب عبدا وهى حرة، قال المتيطى: ان كان الزوج عبدا والزوجة حرة فلا يكون للأب أن ينتزعه منها، قال ابن القاسم: الا أن يكون مثل العبد المقيم لأمور سيده فيكون أولى بذلك اذا تزوجت الأم، وأما العبد الذى يخارج فى الأسواق فلا، وفى الوصية روايتان. قال اللخمى: ان كانت الأم وصية فقال مالك مرة ان جعلت لهم بيتا يسكنون فيه وما يصلحهم لم ينزعوا منها لأنها اذا تزوجت غلب زوجها على جل أمرها حتى تفعل غير الصواب (١). مذهب الشافعية: لهم فى حضانة الأم اذا تزوجت رأيان: أحدهما: ان ذلك يسقط حضانتها سواء تزوجت من أجنبى أو بغير أجنبى. والثانى: وهو الأصح عندهم أنها لا تسقط حضانتها الا اذا تزوجت من أجنبى، والأجنبى عندهم من ليس بذى رحم للصغير (٢). مذهب الحنابلة: الحنابلة قالوا: اذا تزوجت الأم بأجنبى، والمراد بالأجنبى عندهم من ليس بذى رحم للصغير، سقط حضانتها، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم علي هذا وقضى به شريح، ونقل عن أحمد: اذا تزوجت الأم وابنها صغير أخذ منها، قيل له: فالجارية مثل الصبى، قال: لا، الجارية تكون معها الى سبع سنين.

стр. 769

فظاهر هذا أنه لم يزل الحضانة عن الجارية لتزويج أمها وأزلها عن الغلام. ووجه ذلك ما روى أن عليا وجعفرا وزيد بن حارثة تنازعوا فى حضانة ابنة حمزة فقال على: ابنة عمى وأنا أخذتها. وقال زيد: بنت أخى (لأن رسول الله ﷺ آخى بين زيد وحمزة). وقال جعفر: بنت عمى وعندى خالتها. فقال رسول الله ﷺ : «الخالة أم» وسلمها الى جعفر .. رواه أبو داود .. فجعل لها الحضانة وهى مزوجة. قال فى المغنى: والصحيح أنه لا فرق بين الغلام والجارية لأن حضانتها تسقط بالنسبة لهما لقول الرسول ﷺ للمرأة: «أنت أحق به ما لم تنكحى». ولأنها اذا تزوجت اشتغلت بحقوق الزوج عن الحضانة. وأما بنت حمزة فانما قضى بها لخالتها، لأن زوجها من أهل الحضانة. وعلى هذا متى كانت المرأة متزوجة لرجل من أهل الحضانة كالجدة تكون زوجة للجد لم تسقط حضانتها لأنه يشاركها فى الولادة والشفقة على الولد، فأشبه الأم اذا كانت متزوجة من الأب، وظاهر قول الخرقى أن التزويج بأجنبى يسقط الحضانة بمجرد العقد وان عرى عن الدخول (١). مذهب الظاهرية: الظاهرية قالوا: الأم أحق بحضانة الولد الصغير والابنة الصغيرة حتى يبلغا المحيض أو الاحتلام أو الانبات مع التمييز وصحة الجسم سواء كانت أمة أو حرة تزوجت - ولو بأجنبى أو بقريب - أو لم تتزوج، برهان ذلك قول الله : «وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ» (٢). وقول الله تعالى: ﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ» (٣) بهذا لم يأت نص صحيح قط بأن الأم اذا تزوجت يسقط حقها فى الحضانة، وأما قولنا أنه لا يسقط حق الأم فى الحضانة بزواجها اذا كانت مأمونة وكان الذى تزوجها مأمونا فالنصوص التى ذكرنا (٤). مذهب الزيدية: الزيدية قالوا: حق الحضانة ثابت للأم اجماعا لقول رسول الله ﷺ للمرأة: «أنت أحق به ما لم تنكحى» ويبطل حقها فى الحضانة بالنكاح وفى الطلاق الرجعى، لأن حكم الزوجية باق فيها. وفى قول الرسول ﷺ : «ما لم تنكحى» تنبيه على أن المانع اشتغالها بالزوج ولا يبطل حقها فى الحضانة ان نكحت ذا رحم له اذ يكون كالأب (٥).

стр. 770

مذهب الإمامية: الإمامية قالوا: لو تزوجت الأم بغير الأب مع وجوده كاملا من أجنبى سقطت حضانتها للنص والاجماع. فان لم يكن موجودا لا تسقط حضانتها وان تزوجت. وكذا لو كان غير كامل كما لو كان رقا أو كافرا أو مجنونا لا تسقط حضانتها بالتزويج. ولو لم يكن الأب موجودا لم تسقط حضانتها بالتزويج مطلقا سواء كان الولد ذكرا أم أنثى (١). مذهب الإباضية: وقال الإباضية: المشهور فى المذهب أن الأولاد يكونون مع أمهم ما لم يبلغ الذكر خمس سنين أو يعرف لبس ثيابه وغسل يديه أو تبلغ الأنثى، وقيل ما لم تتزوج، وقيل ما لم يبلغ الذكر أيضا كالأنثى. فاذا بلغا اختارا. وفى الأثر رجل توفى وترك ابنته وامرأته ثم ان المرأة تزوجت غير ولى الصبى وبلغت اثنتى عشرة سنة هل يجوز لولى الصبية أن ينزعها من أمها وهى كارهة؟ قال: المرأة اذا تزوجت كان الولى أحق بالصبية ما لم تبلغ، فان بلغت كانت مخيرة بنفسها حيث شاءت (٢). ايقاع الطلاق على الأجنبية مذهب الحنفية: قال الأحناف: لا يصح الطلاق الا فى الملك أو فى علقة من علائق الملك، أما التنجيز فى غير الملك والعدة فباطل بأن قال لامرأة أجنبية: أنت طالق أو طلقتك لأنه ابطال الحل ورفع القيد ولا حل ولا قيد فى الأجنبية فلا يتصور ابطاله ورفعه. وقد قال النبى ﷺ : «لا طلاق قبل النكاح» (٣). ولو قال رجل لأجنبية: ما دمت فى نكاحى فكل امرأة أتزوجها فهى طالق، فتزوجها ثم تزوج غيرها لا تطلق. أما اذا قال لها: ان تزوجتك فما دمت فى نكاحى فكل امرأة أتزوجها فهى طالق فتزوجها ثم تزوج غيرها تطلق (٤). وأجمعوا على أن قوله لأجنبى: طلق امرأتى، توكيل ولا يتقيد بالمجلس فان قيده بالمشيئة بأن قال له: طلق امرأتى ان شئت، فهذا تمليك عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر هو توكيل (٥). مذهب المالكية: أما المالكية: فيذهبون الى ايقاع الطلاق على الأجنبية اذا تزوجت ممن أوقع الطلاق عليها اذا قصد ايقاع الطلاق قبل تزوجها فقد جاء فى المدونة أن مالكا سئل عمن قال لامرأة أجنبية: أنت طالق غدا ثم تزوجها قبل غد أيقع الطلاق أم لا؟ قال مالك: لا يقع الطلاق عليها الا أن يكون أراد بقوله ذلك: ان تزوجتها فهى

стр. 771

طالق غدا، فان أراد بقوله ذلك فتزوجها فهى طالق مكانها (١). وجاء فى الشرح الصغير أن محل الطلاق ما ملك من عصمة، فان قال لأجنبية، أى غير متزوجة: ان تزوجتك أو تزوجتها فهى طالق، فمتى تزوجها وقع الطلاق، وذلك فى صريح التعليق على النكاح، أما غير الصريح فى التعليق على الزواج كقوله أن دخلت الدار فأنت طالق، ونوى أن فعلته بعد نكاحها فتزوجها ففعلته لزمه الطلاق، لنية التعليق (٢). مذهب الشافعية: قال الشافعية: خطاب الأجنبية بطلاق وتعليقه كذلك بنكاح كان تزوجتها فهى طالق وكقوله لأجنبية: ان دخلت الدار فأنت طالق، فتزوجها ثم دخلت لغو للاجماع فى المنجز، وللخبر الصحيح «لا طلاق الا بعد نكاح». ومحل هذا الخبر على المنجز يرده ما رواه الدارقطنى، قلت: يا رسول الله، ان أمى عرضت على قريبة لها فقلت هى طالق ان تزوجتها. فقال ﷺ : «هل كان قبل ذلك ملك؟». قلت: لا. قال: «لا بأس». وما روى من أن رسول الله ﷺ سئل عن رجل قال: يوم أتزوج فلانة فهى طالق؟ فقال ﵊: «طلق ما لا يملك» (٣). مذهب الحنابلة: قال الحنابلة: اذا قال لامرأته وأجنبية احداكما طالق، طلقت امرأته لأنه لا يملك طلاق غيرها، ولأنه ازالة ملك أشبه ما لو باع ماله ومال غيره صح فى ماله دون غيره. وان قال لأجنبية: أنت طالق ان قمت. فتزوجها ثم قامت لم تطلق بغير خلاف نعلمه» (٤). مذهب الظاهرية: قال ابن حزم الظاهرى: وطلاق الأجنبية باطل (٥). مذهب الزيدية: قال الزيدية: لو طلق أجنبية بغير اذن زوجها فان الطلاق لا يقع، ومن قال لامرأة قبل أن يتزوجها أنت طالق ثم تزوجها فانها لا تطلق اجماعا لقول رسول الله ﵌: «لا طلاق قبل نكاح» وكذا لو قال: ان دخلت الدار فأنت طالق ثم تزوجها فانها لا تطلق بدخول الدار اجماعا، أما اذا قال لأجنبية: ان تزوجتك

стр. 772

فأنت طالق فمذهب الهادى والقاسم والناصر أنه لا يصح، وفى أحد قولى المؤيد بالله أنه يصح» (١). مذهب الإمامية: قال الإمامية: ولا يقع الطلاق من الأجنبى لأنهم يعتبرون فى المطلقة الزوجية فلا يقع بالأجنبية وان علقه على النكاح (٢). مذهب الإباضية: قال الإباضية: ومن حلف بالطلاق لغير زوجته ألا يمسها ثم تزوجها فمسها فلا تطلق (٣). الأجنبى وتغسيل الميت مذهب الحنفية: قال الأحناف: من شرط الغاسل للميت أن يحل له النظر الى المغسول فلا يغسل الرجل المرأة ولا المرأة الرجل ولو كان مجبوبا أو خصيا، وأما الخنثى المشكل المراهق اذا مات ففيه اختلاف، والظاهر أنه ييمم، واذا ماتت المرأة فى السفر بين الرجال ييممها ذو رحم محرم منها وان لم يكن ذو الرحم موجودا لف الأجنبى على يديه خرقة ثم ييممها ويغض بصره عن ذراعيها لا فرق بين الشابة والعجوز، والزوج فى امرأته أجنبى الا فى غض البصر وان كانت الميتة أمة يممها الأجنبى بغير ثوب، وكذا اذا مات رجل بين النساء فان وجدت ذات رحم محرم منه أو أمته يممته بغير ثوب، وكذلك الزوجة عند فقد الماء، فان لم توجد ذات رحم محرم منه ولا زوجته ولا أمته يممته الأجنبية بثوب، أما الصبى والصبية اللذين لا يشتهيان فيغسلهما الرجال والنساء (٤). وجاء فى فتح القدير أن الزوج يعتبر أجنبيا من امرأته بعد موتها، وكذلك تعتبر الأمة أجنبية من سيدها بعد موته، وعلى ذلك فلا يجوز لتزوج أو السيد تغسيلهما لأنهما صارتا أجنبيتين بعد الموت، وخالف زفر فى الأمة. أما اذا مات الزوج فلا تعتبر الزوجة أجنبية منه الا بعد عدة الوفاة، ولذلك يجوز لها أن تغسله ولو كانت محرمة أو صائمة أو مظاهرا منها الا أن تكون معتدة عن نكاح فاسد، بأن تزوجت المنكوحة ففرق بينهما وردت الى الأول فمات وهى فى عدة النكاح الفاسد فلا تغسله. وهذا بخلاف السيد اذا مات فلا يجوز للأمة أن تغسله لأنه صار أجنبيا لها ولا يحتج بالعدة لأن عدتها للاستبراء لا من حقوق الوصلة الشرعية بخلاف عدة الزوجة وكذلك لو بانت الزوجة قبل موته بسبب من الأسباب كأن ارتدت أو كانت قد مكنت ابنه منها فلا تغسله حتى ولو كانت فى العدة. ولو ارتدت بعد موته فأسلمت قبل

стр. 773

غسله فلا تغسله خلافا لزفر فى هذا حيث يقول: الردة بعد الموت لا ترفع النكاح لارتفاعه بالموت، وقد زال المانع بالاسلام فى العدة بخلافها قبله، ولو كان الزوجان مجوسيين فأسلم الزوج ولم تسلم الزوجة حتى مات الزوج فلا تغسله، فان أسلمت غسلته خلافا لأبى يوسف .. هكذا ذكر فى المبسوط وذكر أيضا مثله فى من وطئ أخت زوجته بشبهة حتى حرمت عليه زوجته الى أن تنقضى عدة الموطوءة فمات الزوج فانقضت العدة فلا تغسله زوجته، واذا لم يكن للرجل زوجة ولا رجل يغسله فلا تغسله بنته ولا أحد من ذوات محارمه بل تيممه احداهن أو أمته (١). مذهب المالكية: قال المالكية: اذا غسلت الأجنبية الرجل سترت جسده، وقيل تستر عورته فقط، وفى رأى لمالك أنه اذا مات الرجل وليس معه رجال ولا نساء من محارمه فلا تغسله الأجنبية، وانما تيمم وجهه ويديه الى المرفقين، وفى المرأة اذا لم يكن معها ذو محرم فالأجنبى ييمم وجهها ويديها الى الكوعين على ما قاله مالك، أما ذو المحرم فيغسلها من فوق ثوبها (٢). مذهب الشافعية: قال الشافعية: ان ماتت امرأة ولم يكن لها زوج غسلها النساء وأولاهن ذات رحم محرم ثم ذات رحم غير محرم ثم الأجنبية، فان لم يكن نساء غسلها الأقرب فالأقرب من الرجال. ومن هذا يستفاد أن القريب وان لم يكن محرما يغسل قريبه وقريبته، وأما بالنسبة للأجنبى الذى ليس بذى رحم فقد قالوا: ان مات رجل وليس هناك الا امرأة أجنبية أو ماتت امرأة وليس هناك الا رجل أجنبى ففيه ثلاثة أوجه أصحها عند الجمهور ييمم ولا يغسل، والثانى يجب غسله من فوق ثوب ويلف الغاسل على يده خرقة ويغض طرفه ما أمكنه، فان اضطر الى النظر نظر قدر الضرورة، والثالث لا يغسل ولا ييمم بل يدفن بحاله وهو ضعيف جدا بل باطل ومنه يفهم حكم الأجنبى (٣). مذهب الحنابلة: قال الخرقى: ان دعت الضرورة الى أن يغسل الرجل زوجته فلا بأس يعنى أنه يكره له غسلها مع وجود من يغسلها سواه لما فيه من الخلاف والشبهة، ولا يريد بذلك أن غسله اياها محرم، اذ لو كان محرما لم تبحه الضرورة كغسل الرجل ذوات محارمه والأجنبيات، ومنه يفهم أن الرجل لا يغسل الا زوجته أما ذوات المحارم والأجنبيات فلا يغسلهن، وكذلك العكس، ويجوز أن يغسل الأجنبى أجنبيا والأجنبية أجنبية بعد الوصى والأب والابن والأقرب

стр. 774

فالأقرب من العصبات وذوى الأرحام على ترتيب الارث (١). مذهب الظاهرية: قال ابن حزم الظاهرى: لو مات رجل بين نساء لا رجل معهن أو ماتت امرأة بين رجال لا نساء معهم، فلا يغسل الرجل المرأة ولا المرأة الرجل الا على ثوب كثيف يصب الماء على جميع الجسد دون مباشرة اليد، وهذا اذا لم تكن فى النساء زوجته أو لم يكن بين الرجال زوجها فهما أولى بالتغسيل (٢). مذهب الزيدية: قال الزيدية: يجب أن يكون الغاسل عدلا من جنس الميت ان كان رجلا فرجل أو كان أنثى فأنثى أو جائز الوط ء كالمرأة مع زوجها مع عدم الطلاق البائن بينهما، واذا مات ميت وتعذر حضور جنسه أو من له وطؤه كرجل بين نساء أو امرأة بين رجال، غسله محرمه ان أمكن حضوره كالأخ فى حق المرأة والأخت فى حق الرجل، وذلك بالدلك بيده لما يجوز له أن ينظره، فالأخت تدلك أخاها ما عدا ما بين السرة والركبة والأخ يدلك منها ما عدا بطنها وظهرها والعورة المغلظة، ويكفى الصب على العورة التى لا يجوز لمسها على أن تكون مستترة ثم اذا لم يوجد محرم لذلك الميت مع تعذر حضور الجنس وحضور أحد الزوجين غسلها أجنبى أو غسلته أجنبية بالصب على جميعه، ولا يجوز الدلك لشئ من الميت لا بحائل ولا غيره، ويجب أن يكون هذا الصب مستترا (٣). مذهب الأمامية: وقال الأمامية بوجوب المماثلة بين الغاسل والمغسول ذكورة وأنوثة واستثنوا الزوج والزوجة والمحارم بنسب أو رضاع والمولى والأمة اذا لم تكن مزوجة ولا فى عدة الغير ولا مبعضة ولا مكاتبة فيجوز للمولى تغسيلها، وتغسيل الأمة مولاها فيه أشكال، فغير الزوجة والمحارم والأمة - على الخلاف - من النساء أجنبيات بالنسبة للرجل وبالنسبة للمرأة يكون الأجنبى هو غير الزوج وغير المحارم من الرجال (٤). مذهب الإباضية: ذهب الإباضية الى مثل ما ذهب اليه الأمامية على خلاف فى الأرجح، فقالوا: يغسل الرجل برجال والمرأة بنساء اتفاقا، وهل تغسل منفردة مع رجال ليس فيهم زوجها من فوق ثوب كعكسه مطلقا، أو يتيمم لها وهو الأصح، أو تغسل المرأة محرمها غير فرجيه لا عكسه، خلاف. وفى المشكل أقوال أحسنها التيمم له (٥).

стр. 775

الهبة للأجنبى وجواز الرجوع فيها مذهب الحنفية: قال الأحناف: من وهب لأجنبى شيئا فله حق الرجوع فيه لما روى عن أبى هريرة رضى الله عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها» أى بعوض. فجعل رسول الله ﷺ الواهب أحق بهبته ما لم يصل اليه العوض (١). مذهب المالكية: لو وهب لأجنبى هبة والواهب غنى والموهوب له فقير ثم قال بعد ذلك الواهب انما وهبتها للثواب لم يصدق على ذلك ولم يكن له أن يرجع فى هبته، وهذا قول مالك: وقال: وان كان فقيرا فوهب لغنى وقال: انما وهبتها للثواب، فان هذا يصدق ويكون القول قوله، فان أثابه والا رد عليه هبته، وان كانا غنيين أو فقيرين فوهب أحدهما لصاحبه هبة ولم يذكر الثواب حين وهب له ثم قال بعد ذلك الواهب انما وهبتها له للثواب وكذبه الآخر، قال مالك: لا أرى لمن وهب لفقير ثوابا وان كان فقيرا اذا لم يشترط فى أصل الهبة الثواب، وأما غنى وهب لغنى فقال انما وهبتك للثواب فالقول قول الواهب ان أثيب من هبته والا رجع فى هبته (٢). مذهب الشافعية: قال الشافعية: الهبة للأجنبى جائزة ولا يجوز الرجوع فيها للخبر وهو: «لا يحل لرجل أن يعطى عطية أو يهب هبة فيرجع فيها الا الوالد فيما يعطى ولده» رواه الترمذى والحاكم وصححاه (٣). مذهب الحنابلة: قال الحنابلة: لا يحل للواهب أن يرجع فى هبته وان لم يثبت عليها، يعنى وان لم يعوض عنها، فمن وهب لأجنبى شيئا فلا يجوز له الرجوع فى هبته لقول النبى ﷺ : «لا يرجع واهب فى هبته الا الوالد فيما يعطى ولده» (٤). مذهب الظاهرية: قال ابن حزم الظاهرى: بجواز الهبة للأجنبى ولا عبرة بالحيازة وانما تتم الهبة بالتلفظ، ويلزم الواهب رد ما استغل منها سواء فى حياته ومن رأس ماله بعد وفاته، ولا يجوز الرجوع فيها أصلا بالنسبة للأجنبى (٥). مذهب الزيدية: قال الزيدية بجواز الهبة للأجنبى، ولا يجوز الرجوع فيها بالنسبة له ما لم يفعلها لغرض غير قصد القربة فيصح الرجوع حينئذ، لقوله ﵊: «من
следующие страницы →