اشتراط التفريط فى موضع الضمان ليلا كان او نهارا. (١)
ويحرم استعمال أوانى الذهب والفضة فى الأكل والشرب والوضوء والغسل وغيره من سائر الاستعمالات لحديث «لا تشربوا فى آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا فى صحافها فانها لهم فى الدنيا ولكم فى الآخرة» (٢) وحديث «ان الذى يأكل ويشرب فى اناء الذهب والفضة انما يجرجر فى بطنه نار جهنم. (٣) وكذلك يحرم وضعها على الرفوف للتزيين بلا حلاف ويحرم تزين المساجد والمشاهد المشرفة بها بل يحرم ايضا اقتناؤها من غير استعمال أصلا على الاظهر وفاقا للمشهور بين الاصحاب نقلا وتحصيلا لان حرمة الاستعمال تستلزم حرمة اقتنائها على هيئة الاستعمال كالطنبور وغيره مر آلات اللهو وهو المناسب لما قيل فى حكمة تحريمها من حصول الخيلاء وكسر قلوب الفقراء والاسراف أو لأن مراد الشارع من النهى عن استعمالها النهى عن أصل وجودها فى الخارج مستعدة للاستعمال فيحرم حدوثها كما يحرم بقاؤها. ولم يعرف فى حرمة اقتنائها خلاف الا من مختلف الفاضل للطوسى فانه قال: لا يحرم اقتناؤها واستحسنه بعض متأخرى المتأخرين.
والخلاف فى ذلك ينبنى على ظهور دليل النهى عن الآنية فى حرمة نفسها وحرمة استعمالها فعلى الاول يحرم الاقتناء وعلى الثانى يحل الأصل.
وبناء على حرمة الاقتناء مطلقا يحرم بيعها وشراؤها وصياغتها وأخذ الأجرة عليها بل نفس الاجرة حرام لانها عوض المحرم واذا حرم الله شيئا حرم ثمنه ويحرم أيضا سائر أنواع نقلها بل رهنها واعارتها وغير ذلك وبناء على حرمة اقتنائها ايضا يجب على صاحبها كسرها أما غير صاحبها فان علم إن صاحبها يقلد من يحرم اقتناءها فكذلك يجب علية نهيه وإن توقف على الكسر يجوز له كسرها ولا يضمن قيمة صياغتها لسقوط الهيئة نعم لو تلف الأصل ضمن.
وإن احتمل أن يكون صاحبها ممن يقلد من يرى جواز الإقتناء أو كانت هو محل خلاف فى كونه آنية أم لا يجوز التعرض له.
والمرجع فى الاناء والآنية والأوانى الى العرف والظاهر ان المراد من الاوانى ما يكون عر قبيل الكأس والكوز والقدر والفنجان وما يطبخ فيه القهوة وامثال ذلك مما لم يوضع على صورة متاع البيت الذى يعتاد استعماله عند اهله وكذا مما لا أسفل له يمسك ما يوضع فيه أو لاحواش له كذلك والأحوط فى الظرف ونحوه الاجتناب كقراب بالسيف والخنجر والسكين وقاب الساعة وظرف العطر والكحل والعنبر والمعجون لان الموجود فى الاخبار لفظ الأنية وكونها مرادفا للظرف غير معلوم بل معلوم العدم.
ولا بأس بالمنضض والمطلى والمموه باحدهما اقتناء واستعمالا نعم يكره استعمال
стр. 7107
المفضض بل يحرم الشرب منه إذا وضع فمه على موضع الفضة بل الأحوط ذلك فى المطلى ايضا لاحتمال دخوله فى المفضض ولا يحرم الممتزج من أحدهما مع غيرهما إذا لم يكن بحيث يصدق عليه اسم احدهما اما الممتزج منهما فيحرم وان لم يصدق عليه اسم احدهما بل وكذا ما كان مركبا منها بأن كان مركبا منها بأن كان قطعة منه من ذهب وقطعة منه من فضة. والنحاس وغيره الملبس بأحدهما يحرم استعماله كما هو المشهور إذا كان على وجه لو انفصل كان إناء مستقلا وأما إذا لم يكن كذلك فلا يحرم كما اذا كان الذهب أو الفضة قطعات منفصلات لبس بهما الاناء من النحاس داخلا أو خارجا.
ولا بأس بأقتناء واستعمال غير الأوانى اذا كان من أحدهما كاللوح من الذهب أو الفضة او الحلى كالخلخال وان كان مجوفا ومثل القنديل ونقش الكتب والسقوف والجدران بهما.
ولا فرق فى الذهب والفضة بين الجيد منها والردئ والمغشوش والخالص اذا لم يكن الغش يخرجهما عن صدق الاسم وإن لم يصدق الخلوص لان الحرمة معلقة على صدق الاسم والذهب المعروف بالفرنكى لا بأس بما صنع منه لأنه فى الحقيقة ليس ذهبا وكذا الفضة المسماه بالورشر فانها ليست فضة بل هى صفر أبيض.
ولا يحرم اقتناء ولا استعمال الاوانى من غير الذهب والفضة من أنواع المعادن والجواهر الغالية كالياقوت والفيروزج ولو تضاعف أثمانها بلا خلاف وذلك لعدم ادراك العامة نفاستها ولانها لقلتها لا يحصل اتخاذ الآنية منها الا نادرا فلا تقضى اباحتها الى اتخاذها واستعمالها بخلاف الأثمان. (١) اى الذهب والفضة.
ولا يجوز للرجل لبس الذهب اجماعا سواء التختم أو التحلى به ولا تجوز الصلاة فى الساتر منه بلا خلاف والمراد ما تعارف الناس اتخاذه منه من حلى أو نسج أو تمويه أو نحو ذلك.
ولا بأس فى المحمول منه - مع المصلى - سواء فى ذلك المسكوك وغيره والمتخذ للمنفعة وغيره فالمبطل للصلاة ما يحرم لبسه منه. (٢)
ويباح للرجل استعماله فى نحو سكين أو منطقة أو حلية سيف وسيأتى ذلك مفصلا فى البحث التالى وهو «أثر الاقتناء فى الزكاة».
ولا يجوز (٣) لبس الحرير الخالص للرجال اجماعا ولا الصلاة فيه اذا كان مما تتم به الصلاة سواء كان ساترا ام لا الا فى حال
стр. 7108
الحرب وعند الضرورة كالبرد المانع من نزعه فيجوز لبسه حينئذ بلا خوف.
(١) واذا مزج بشئ مما يجوز فيه الصلاة حتى خرج من كونه حريرا خالصا جاز لبسه والصلاة فيه سواء كان اكثر من الحرير أو اقل منه.
هذا كله فى الرجال والا فيجوز لبسه للنساء مطلقا فى حال الصلاة وغيرها.
(٢) والمنع فى الحرير انما هو من حيث اللبس والا فيجوز كل ما عداه مما لا يدخل تحت اسمه ومنه الركوب عليه وافتراشه والاتكاء عليه فى الاصح وفقا للاكثر بل المشهور نقلا وتحصيلا.
ومنع ذلك أيضا ابن حمزة قال: وما يحرم لبسه يحرم فرشه والتدثر به والاتكاء عليه واسباله سترا. ويحرم اقتناء آلات اللهو كالطنبور والعود والمزمار والصنج - نحاستين يضرب باحدهما على الاخرى كما يحرم استعمالها كما يحرم استعمال آلات القمار كالشطرنج والنرد وغير ذلك سواء قصد اللهو أو الحذق - التمرن عليه طلبا للمهارة والتفوق - أو القمار وتجوز مع الكراهية الصلاة فى ثوب به تماثيل أو خاتم فيه صورة ويكره أن يصلى وبين يديه تصاوير. (٣)
مذهب الإباضية:
يجوز اقتناء الكلب غير المعلم لحراسة زرع مثلا كما يجوز اقتناؤه ليحفظ النساء والصبيان والانعام.
ويجوز اقتناء الكلب المعلم لصيد وغيره من المنافع كحراسة عيال صغار وأمهات وجدات ونحوهن من كل من يخاف عليه ولو أجانب أو رجالا.
وأما نهيه ﷺ عن اقتناء الكلب فانما هو فيما يقتنى منها لا لجلب نفع ولا لدفع ضر.
كما روى أبو عبيده عن جابر عن عائشة عن رسول الله ﷺ قال «من اقتنى كلبا لا لزرع ولا لضرع نقص من أجره كل يوم قيراط» وفى رواية قيراطان. (٤)
وحملوا على الزرع والضرع سائر المنافع ودفع المضار وأما اقتناء المعلم للصيد فمنصوص عليه وقيل: لا يحل اتخاذ الكلاب الا لما ذكر فى الحديث وللصيد وقد ذكر الصيد فى أحاديث متعددة غير هذا.
стр. 7109
وقيل: النهى لامتناع الملائكة من الدخول او ما يلحق المارين من الاذى أو لأن بعضها شياطين أو لو لوغها فى الاوانى فربما ينجس الطاهر منها فيستعمله الغافل فى العبادة فلا يقع موقع الظاهر.
وقيل: يقتل الكلب غير المأذون فى اقتنائه.
وقيل: لا يقتل الا الكلب العقور.
ويجوز تربية الجرو لما يؤذن باقتناء الكلب فيه وان سرق كلبا رده ولا يضمنه الا ان كان لراع أو لصيد ونحوهما ويجوز ايضا اقتناء الهر بأن يشتريه من مالكه أو يوهب له او تلده فى داره هرة أو فى ارض غير مملوكة لاحد لم يعرف مالك الهرة.
ولا بأس على مطعم هر غيره ان لم يحبسه عن صاحبه ومن سرقه رده وما نقصه لصاحبه ان حبسه وقيمته ان تلف (١) وان أوى سنور لمنزل ولم يعلم أهل المنزل ان له مالكا جاز لهم امساكه واقتناؤه ويجوز اقتناء كل حيوان حلال كالحمام وعلى من يقتنى ذلك كف ضرره فلا يجوز اقتناء هر يأكل اطعمة الناس ولحومهم ولكن له أن يؤلف هرا يأتيه ان لم يعرفه مملوكا لاحد ولا يلزمه ضمان ما أكل من الناس لانه لم يملكه. (٢)
ويحرم ثمن الكلب غير المعلم ويحل ثمن المعلم وأجاز الشيخ أخذ ثمن الكلب اذا باعه الشخص لمن يقتنيه لضرع أو لزرع أو صيد.
ولا يشترط الشيخ فى بيع الكلب لمن يصيد به ان يكون يريد تعليمه لبقاء منفعة اخرى وهى الصيد.
وروى عن ابن عباس عن رسول الله صلي الله عليه وسلم» انه نهى عن ثمن الكلب». (٣)
وعن ابن عباس عن النبى ﷺ «ان جاء يطلب ثمن الكلب فأملؤا كفه ترابا». (٤)
وروى عن ابى هريرة «لا يحل ثمن الكلب» والعلة نجاسته.
ومذهبنا هو أنه يحرم ثمن الكلب غير المعلم وانه يجوز اقتناء الكلب مطلقا لنحو زرع فتلك الاحاديث يخص عمومها بحديث جابر بن عبد الله «نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب الا كلب صيد» (٥)
وللمعلم قيمته على قاتله وهى ما بلغت عند عدول الصيد بالكلاب.
وقيل اربعين درهما.
стр. 7110
وكذا كلب الراعى أو الزرع أو الضرع او نحوه قيمته على قاتله
وقال البعض: قيمته ثمانية دراهم وقيل:
كبش.
ودية السنور أربعة دراهم وقيل: ثمانية وعشرون.
قال صاحب شرح النيل: والحق عندى الا يفرق بين هرة وولده اجزما ما لم يستغن عنها بل يستحسن عدم التفريق بينهما بعد الاستغناء.
والحق عندى ايضا أن الكلب المعلم طاهر بخلاف ما قيل بنجاسة الكلب مطلقا. وعلة المنع من بيع الكلب عند من لا يرى نجاسته هى النهى عن اقتنائه والآمر بقتله ولذلك خص منه ما اذن فى اقتنائه.
ويحرم ثمن ذى ناب او مخلب من سباع الوحش والطير الا أن فيه خلافا فمن حلله حلل الثمن ومن حرمه حرم ومن قال بكراهته كره ثمنه وهذا الخلاف موجود فى الكلب والمشهور الصحيح فى الكلب هو ما سبق ذكره عن اصحابنا. (١)
وقال صاحب الايضاح والسابق الى نفسى ان كل محرم فيه اكثر من منفعة واحدة فأباح الله سبحانه لنامنه منافعه أنه لا يجوز بيعه لتلك المنفعة المحللة منه كالكلب لمن اراد ان يقتنيه لضرع أو لزرع أو لصيد وكذلك السنور - الهر - لمن ارد ان يقتنيه على هذا الحال.
وكذلك ايضا يدخل فى هذا الاختلاف الزبول لانها مختلطة بالنجس وفيها منفعة تستعمل فى البساتين وللبقول وغيرها وفى الحديث «لعن الله العرة ومشتريا» (٢) والعرة هى العذرة.
وهذا اذا كانت خالصة لم يخالطها شئ وأما ان خالطها شئ وكان البيع واقعا فيما خالطها فلا بأس وفى الأثر وان اختلطت العذرة مع السماد وكان البيع فى السماد فلا بأس (والسماد هو الزبل مع الرماد). (٣)
ولا يجوز للرجل والمرأة جميعا الأكل والشرب فى اناء من ذهب أو فضة لأن الأكل والشرب فيهما أكل وشرب للنار. (٤) وكذلك يكره التوضؤ من إناء ذهب أو فضة أو صفر - نحاس - ولو أبيض للاسراف.
وقيل التوضؤ من آنية ذهب والفضة حرام فيلزم من فعل ذلك ان يعيد وضوءه والقولان فى الرجل والمرآة جميعا لأن المحلل للنساء هو لبس الذهب لا الشرب فيه ونحوه بدليل كراهة الفضة وتحريمها ايضا عليها وعلى الرجال فى الوضوء. (٥)
стр. 7111
ولا يجوز استعمال الاناء المموه كله بذهب أو فضة اما الاناء المصنوع من احدهما مع غيره فيجوز استعماله فى الاكل والشرب ونحوه اذا كان أكثره غير فضة ولا ذهب. (١)
وكذلك يجوز استعمال الأوانى المتخذة من غير الذهب والفضة حتى ولو كانت من معدن أو جوهر أعلى من الذهب والفضة. (٢)
وقال (٣) صاحب شرح النيل: ان ما فيه فحر يكره ايضا مثل اناء القذدير فيكره مطلقا ولو لم يفخر به سدا للذريعة.
ويحرم على الرجال لبس الحرير والذهب مطلقا قليلا كان أو كثيرا فى الصلاة وغيرها.
ويجوز قدر أوقية من حرير بثوب بلا مس للحرير وقيل يمنع أكثر من أربعة دراهم.
وروى اجازة موضع أصبعين طولهما وعرضهما بالثوب والأولى غير الثياب (٤)
وافتراش الحرير وتوسده والتغطية به ذلك كله جائز لما روى أن عائشة مزقت ثوبا به صور الحيوان وجعلنه فراشا مع أنه من حرير بعد أن أرادته للتزين ونهاها عن ذلك الرسول ﷺ وقيل: لا يجوز ذلك أيضا وقد قيل افتراشه لبس لحديث انس «انه عمد الى حصير قد اسود من طول ما لبس» أى من طول افتراشه.
ويجوز استعمال واقتناء الحرير والذهب للنساء مطلقا فى الصلاة وغيرها قليلا كان أو كثيرا الا فى الاحرام بحج او عمرة فلا تلبسها.
وفى الصلاة فى ثوب فيه تصاوير قولان سواء كانت الصورة للرأس وحده او مع الجسد وسواء نسجت الصورة أو خيطت أو صبغت والمجيز استدل بقوله ﷺ «الا ما كان رقما فى ثوب» والمنع من ذلك أصبح لان أصل منع الحرير جاء فى ثوب لعائشة.
وفى قول ثالث يجوز ذلك ان لم تكن الصورة برأس وان كان الرأس وحده لم يجز أيضا لقوله ﷺ الصورة الرأس
(والرابع) جواز صورة غير الحيوان لقوله ﷺ فى المصورين «انه يقال لهم يوم القيامة أحيوا ما خلقتم».
والخامس جواز ما فيه صورة غير الحيوان وسير النبات والشجر ولا يجوز اقتناء آلات اللهو والتصرف فيها بيعا وغيره فقد جاء فى شرح النيل ان على الحاكم ونحوه ان يجعل على كل سوق قائما بمصالحة يعد على التجار موازينهم ويكسر المزمار والطبل ونحوه (٥)
стр. 7112
أثر الاقتناء فى الزكاة:
مذهب الحنفية:
لا تجب الزكاة فيما يقتنيه الانسان لاستخدامه فى حاجته الاصلية فليس فى دور السكن وثياب البدن وما يتجمل به فى منزله من لؤلؤ أو فرش ومتاع لم ينوبه التجارة ودواب الركوب وسلاح الاستعمال وكسوة الاهل وطعامهم زكاة لانها مشغولة بجاجته الاصلية لانه لا بد له من دار يسكنها وثياب يلبسها (١) ولان هذه الاموال ليست بنامية.
وعلى هذا الكتب من أى علم كانت لا تجب فيها الزكاة وان كانت تساوى نصيبا اذا لم تعد للتجارة ولا فرق بير كون مقتنى الكتب من اهلها - أى يحتاج اليها لتدريس وحفظ وتصحيح أم من غير اهلها فلا زكاة فيها. وكذلك لا تجب الزكاة فى آلات المحترفين وان حال عليها الحول ولم ينوبها التجارة بل اقتناها لحرفته (٢). واذا كان مع الشخص دراهم أمسكها بنية صرفها الى حاجته الأصلية لا تجب الزكاة فيها اذا حال الحول وهى عنده قرر هذا ابن ملك لكن اعترض هذا صاحب البحر الرائق بقوله:
ويخالفه ما فى معراج الدراية فى فصل زكاة العروض أن الزكاة تجب فى النقد كيفما أمسكه للنماء أو للنفقة وكذلك فى البدائع.
قال بن عابدين: واقره فى النهر والشر نبلالية وشرح المقدس ونحوه قول صاحب السراج: سواء امسكها للتجارة أو غيرها وكذا قوله فى التتار خانية: نوى التجارة أولا ولكن حيث كان ما قاله ابن ملك موافقا لظاهر عبارات المتون وقال البعض انه الحق الأولى التوفيق بحمل ما فى البدائع وغيرها على ما اذا امسكه لينفق منه كل ما يحتاجه فحال الحول وقد بقى معه منه نصاب فانه يزكى ذلك الباقى وان كان قصده الانفاق منه ايضا فى المستقبل لعدم استحقاق صرفه الى حوائجه الاصلية وقت حولان الحول (٣) بخلاف ما اذا حال الحول وهو مستحق الصرف اليها (انظر مصطلح زكاة).
هذا اذا ضرب كل منها - أى جعل دراهم أو دنانير يتعامل بها - اما يعمل منها من نحو حلية سيف أو منطقة أو لجام سرج أو الكواكب فى المصاحف والاوانى وغيرها اذا كانت تخلص بالاذابة وتبلغ نصابا ففيه الزكاة.
وكذلك تجب الزكاة فى الحلى منها مطلقا سواء كان للرجال أو للنساء وسواء كان مباح الاستعمال كخاتم من الفضة أم غير مباح كخاتم من الذهب للرجال والاوانى مطلقا ولو من فضة وتبرهما ونقرتهما النقرة - القطعة المذابة من الذهب والفضة وسواء كان يقتنى ذلك للتجارة أو للنفقة أو للتجمل -
стр. 7113
اى التزين بها فى البيوت من غير استعمال أو لم ينو شيئا من ذلك (١) فعلى أى وجه امسك المالك الذهب والفضة للنفقة تجب عليه الزكاة فيه ولو كان للابتذال لانهما خلقا أثمانا فيزكيهما كيفما كان. (٢)
وهذا بخلاف ما اذا كان للشخص أوان من اللؤلؤ والياقوت والجواهر فانه لا زكاة فيها اذا لم يمسكها للتجارة لأن وجوب الزكاة فيها باعتبار عينها والعين لا تتبدل بالصنعة ولا بالاستعمال. (٣)
ولو اشترى الشخص سلعة من السلع ونوى اقتناءها للاستعمال دون التجارة لا تكون للتجارة ولا تجب فيها الزكاة سواء كان الثمن من مال التجارة أو من غير مال التجارة لان الشراء بمال التجارة ان كان دلالة التجارة فقد وجد صريح نية الاستعمال ولا تعتبر الدلالة مع التصريح (٤).
ولو اشترى شيئا للقنية ناويا أنه ان وجد ربحا باعه لا زكاة عليه لانه يشترط نية التجارة فى العروض ولا بد من مقارنتها لعقد التجارة وهو كسب المال بالمال بعقد شراء أو أجارة أو استقراض.
والنية هنا لم تقارن عقد الشراء فلم تجب الزكاة. (٥)
ولو اشترى عروضا للاقتناء والاستعمال ثم نوى بعد ذلك أن تكون للتجارة لا تصير للتجارة ما لم يبعها فعلا فيكون بدلها للتجارة وهذا بخلاف ما اذا كان له مال للتجارة فينوى أن يكون للاقتناء والاستعمال حيث يخرج عن كونه للتجارة بمجرد النية وان لم يستعمله والفرق أن النية لا تعتبر ما لم تتصل بالفعل وهو ليس بفاعل فعل التجارة فقد خلت النية عن فعل التجارة فلا تعتبر للحال بخلاف ما اذا نوى الاقتناء للاستعمال لأنه نوى ترك التجارة وهو تارك لها فى الحال فافترنت النية بعمل هو ترك التجارة فاعتبرت.
ولو ملك عروضا بغير عقد أصلا بأن ورثها ونوى التجارة لم تكن للتجارة فلا زكاة فيها لأن النية تجردت عن العمل أصلا فضلا عن عمل التجارة لأن الموروث يدخل فى ملكه بغير صنعه.
ويلحق بالميراث ما لو دخل له من حبوب أرضه حنطة مثلا تبلغ قيمتها نصابا ونوى امساكها للتجارة فأمسكها حولا ثم باعها بعد ذلك لا تجب فيها الزكاة. (٦)
ولو ملك العروض بعقد ليس مبادلة أصلا كالهبة والوصبة والصدقة أو بعقد هو مبادلة
стр. 7114
مال بغير مال كالمهر وبدل الخلع والصلح عن دم العمد ونوى التجارة يكون للتجارة عند ابى يوسف لان التجارة عقد اكتساب لمال وما لا بدخل فى ملكه الا بقبوله فهو حاصل بكسبه فكانت نيته مقارنة لفعله فأشبه قرانها بالشراء والاجارة فتجب فيه الزكاة بعد الحول. (١)(٢) وعند محمد لا يكون للتجارة فلا تجب فيه الزكاة وهو الاصح لأن التجارة كسب المال ببدل هو مال والقبول هنا اكتساب المال بغير بدل اصلا أو ببدل غير مال فلم يكن من باب التجارة فلم تكن النية مقارنة لعمل التجارة ورجح صاحب فتح القدير القول الأول. (٣)(٤) ويستثنى من اشتراط نية التجارة ما يشتريه المضارب فانه يكون للتجارة مطلقا - اى وان لم بنوها أو نوى الشراء للنفقة حتى لو اشترى دواب بمال المضاربة ثم اشترى لها جلالا وآنية للسقى وعلفا كان الكل للتجارة وتجب الزكاة فى الكل لأن المضارب لا يملك المضاربة غير التجارة بخلاف المالك اذا اشترى لها ذلك لا يكون للتجارة لأن المالك كما يملك الشراء للنفعة والاستعمال وله أن ينفق من مال التجارة وغير مال التجارة فلا يتعين للبجارة الا بدليل زائد (٥)
ولو اشترى شخص قد روا من صفر - نحاس - يسكها ويؤجرها لا تجب فيها الزكاة كما لا تجب فى بيوت الغلة. (٦)
وظروف أمتعة التجارة وقوارير العطارين ولجم الخيل والحمير المشتراه للتجارة ومقاودها وجلالها وبراذعها ان كانت لاتباع معها ولكن تمسك وتحفظ بها الدواب فهى من آلات الصناع والمحترفين فلا تكون مال تجارة اذا لم ينو التجارة عند شرائها فلا تجب فيها الزكاة.
وان كانت تباع معها عادة تكون للتجارة لانها معدة لها ففيها الزكاة. (٧)
واذا كان على الرجل دين وله مال تجب فيه الزكاة ومال قنية لا تجب فيه الزكاة كثياب البذلة وأثاث المنزل ودور السكنى فان الدين يصرف أولا الى مال الزكاة سواء كان من جنس الدين أم لا ولا يصرف الى غير مال الزكاة وان كان من حنس الدين. (٨)
وقال زفر: يصرف الدين الى الجنس وان لم يكن مال زكاة لأن قضاء الدين من الجنس أيسر فكان الصرف اليه أولى فعلى القول الاول لو تزوج على دار غير معينة وله مائتا درهم ودار فدين المهر يصرف الى المائتين دون الدار عند ابى حنيفة وصاحبيه لأن غير مال الزكاة يستحق للحوائج ومال الزكاة فاضل عنها. فكان الصرف اليه أيسر وأنظر بأرباب الاموال ولهذا لا يصرف
стр. 7115
الى ثياب بدنه وقوته وقوت عياله وان كان من جنس الدين وأما اذا لم يكن له مال زكاة فانه يصرف الدين الى مال القنية من عروض البذلة والمهنة أولا ثم الى العقار. (١)
واذا اقتنى الشخص الدواب للعلف فى مصر أو غير مصر فلا زكاة فيها لأن المؤنة تعظم على صاحبها لو أوجينا فيها الزكاة (٢) وذلك ما لم تكن للتجارة والا ففيها زكاة التجارة لأن الاعداد والامساك للتجارة دليل النماء والزيادة عن الحاجة. (٣)
وكذلك لا زكاة فيها اذا اقتناها وأعدها للعمل كاثارة الارض بالحراثة وكالسقى ونحوه أو أعدها للحمل والركوب لان مال الزكاة هو ما يطلب النماء من عينه لا من منافعه الا ترى الى دار السكنى وعبد الخدمة لا زكاة فيها (٤)
كذلك لا زكاة فيها ان اقتناها وأسامها للحم أو الحمل أو الركوب أما اذا أسامها للدر والنسل فتجب فيها الزكاة اذا كانت ابلا أو بقرا أو غنما وجوب الزكاة فيها باعتبار خفة المؤنة لأن لخفة المؤنة تأثيرا فى ايجاب حق الله تعالى. (٥).
وكذلك لا زكاة فى الخيل وان كانت سائمة عند الصاحبين أبى يوسف ومحمد وعليه الفتوى لقوله ﷺ «ليس على المسلم فى عبده وفرسه صدقة» وزاد مسلم «الا صدقة الفطر» (٦) ولا زكاة فى بغال أو حمير اجماعا ولا فى حمل - ولد الشاه - وفصيل ولد الناقة - وعجل - ولد البقرة - وذلك اذا لم تكن للتجارة والا فتجب فيها الزكاة على كل الأحوال (٧) ولاستيفاء كل أحكام ذلك (انظر مصطلح زكاة)
مذهب المالكية:
لا زكاة فى الحلى الجائز اقتناؤه حتى وان تكسر على وجه يمكن اصلاحه وعوده على ما كان عليه اذا نوى اصلاحه وكذلك ان لم ينو شيئا لا زكاة فيه على المعول عليه.
اما ان نوى عدم اصلاحه فالزكاة تجب فيه.
وكذلك تجب فيه الزكاة اذا تهشم بحيث لا يمكن اصلاحه الا بسبكه ثانيا لانه بالتهشم صار كالتبر وسواء نوى اصلاحه أو عدم اصلاحه أو لم ينو شيئا.
وكذلك لا زكاة فى الحلى حتى وان تكسر أو كان لرجل اذا اقتناه لمن يجوز له استعماله كزوجته وابنته وخادمه الموجودات عنده حالا وكن يصلحن للتزين به لكبرهن.
وكذا اذا اقتناه أو اتخذه لنفسه كخاتم وأنف وأسنان وحلية مصحف وسيف ونحوه مما يجوز له استعماله.
اما اذا اقتناه لمن سيوجد أو لمن سيصلح مستقبلا لاستعماله بسبب لصغره الآن عن
стр. 7116
التزين به فتجب فيه الزكاة ما دام معدا لما ذكر من يوم اقتنائه له حتى يتولاه من أعد له بخلاف اقتناه المرأة لمر يحدث لها من بنت أو حتى تكبر فلا زكاة عليها كما فى الشامل.
ولو كان السيف محلى واقتنته المرأة لزوجها قال الناصر اللقانى: لا زكاة فيه كما اذا اقتنى الرجل لنسائه بلا فرق.
واستظهر الشيخ العدوى فى حاشيته على شرح الخرشى وجوب الزكاة فيه لآن الشأن والعادة اقتناء الرجل الحلى لنسائه لا العكس.
والمشهور وجوب الزكاة فى الحلى اذا اقتناه الشخص لعاقبة الدهر - أى حوادثه - ابتداء أو - انتهاء كما لو اتخذته المرأة للباس وزينة فلما كبرت اتخذته للعاقبة ولا فرق فى ذلك بين الرجل والمرأة.
وقيل: لا تجب فيه الزكاة وهو مقابل المشهور.
والمشهور ايضا وجوب الزكاة فى الحلى اذا اقتناه الرجل ليدفعه مهرا لامرأة يريد أن يتزوجها أو يشترى أمة يتسرى بها خلافا لمن قال بسقوط الزكاة فيه.
واذا اقتنى انسان حليا لأجل تأجيره أو اعارته فلا زكاة فيه سواء كان مقتنيه لذلك رجلا أو امرأة وسواء كان بباح له استعماله كأساور أو خلخال لامرأة أو كان لا يباح له استعماله كأساور أو خلخال لرجل وهذا هو المعتمد خلافا لما قاله الباجى من أن محل كون الحلى المتخذ للتأجير لا زكاة فيه اذا كان يباح لمالكه استعماله كأساور أو خلخال لأمرأة أما لو كان ذلك لرجل فانه تجب فيه الزكاة.
واما ما يحرم اقتناؤه واستعماله عليهما - اى الرجل والمرأة - كالأوانى من ذهب أو فضة والمباخر ومكحلة ومرود ودواه وعدة فرس من لجام وسرج فانه تجب فيه الزكاة وكذلك اذا اقتنى الحلى ناويا به التجارة - أى البيع بقصد الربح - وجبت فيه سواء كان لرجل أو امرأة ويزكيه ايضا لو كان عنده أولا للاقتناء ثم نوى به التجارة فيزكى وزنه بعد مضى عام من حين نوى به التجارة اذا كان نصابا.
وخالف فى هذا البنانى فقال: انه اذا اتخذ الحلى للقنية ابتداء أو كان موروثا ثم نوى به التجارة فلا زكاة فيه وأما اذا اتخذه للتجارة ثم نوى به الأقتناء فلا ينتقل بها ولا عبرة بتلك النبة لأنها ناقلة عن الاصل والنية انما تنقل للأصل ولا تنقل عنه وان لم ينو اقتناء ولا تجارة فالراجح وجوب الزكاة فيه وهو قول ابن القاسم خلافا لأشهب. (١)
ولا زكاة على أحد فى فرسه وداره المتخذين للاقتناء ولا فيما يتخذ للاقتناء أيضا من الرباع والعروض لحديث الصحيحين أن النبى ﷺ قال: «ليس على المسلم فى عبده ولا فرسه صدقة» (٢) ويقاس على ذلك كل الاشياء التى تقتنى ولا زكاة فى عينها.
والمراد بالعروض فى باب الزكاة ما قابل الذهب والفضة فيشمل الرقيق والعقار والدور والثياب والحديد والنحاس وكذلك القمح وجميع الحبوب والثمار والحيوان اذا لم تجب الزكاة فى عينها بقصورها عن النصاب أو لأنه
стр. 7117
لم يمر عليها الحول أو لأنه زكى عنها فلا يزكيها مرة أخرى. (١)
وتجب الزكاة فى العرص اذا ملك بمعاوضة مالية مع نية تجارة مجردة او نوى به عند المعاوضة عليه التجارة والاقتناء معا كأن ينوى الانتفاع بعينه من ركوب أو حمل عليه أو سكنى وهذا هو الاقتناء وان وجد ربحا باع وهذه هى التجارة لأن مصاحبة نية الاقتناء لنية التجارة لا تؤثر فى عدم الزكاة على المختار عند اللخمى والمرجح عند ابى يوسف وفاقا للاشهب ورواية عن مالك خلافا لابن القاسم وابن المواز. (٢)
وكذلك تجب الزكاة فيه اذا نوى به التجارة والغلة معا بأن ينوى عند شرائه أن يؤجره وان وجد ربحا باع لأن مصاحبة نية الاقتناء لنية التجارة لم يترتب عليها عدم الزكاة فأولى مصاحبة نية الغلة لنية التجارة لان نية الاقتناء أقوى من نية الغلة فاذا لم يؤثر مصاحبة الأقوى فأولى مصاحبة الاضعف.
أما ان ملك هذا العرض بلا نية لشئ فانه لا زكاة فيه لأن نية الاصل فى العروض الاقتناء الى ان ينوى بها غيره وكذلك اذا اشتراه بنية الاقتناء فقط أو نية الغلة فقط أو نية الاقتناء والغلة معا بأن ينوى عند شرائه أن يؤجره وينتفع به بنفسه بركوب أو حمل عليه لأن الشراء للغلة هو معنى الاقتناء (٣)
وعروض التجارة سواء منها المدار والمحتكر ينتقل كل منها للاقتناء بمجرد النية فاذا اشترى عرضا بنية الادارة أو بنية الاحتكار ثم نوى به الاقتناء فان ذلك ينتقل اليها على المشهور فلا يزكى ومقابلة ما رواه ابن الجلاب من عدم النقل وأنه يزكى.
اما اذا كان عنده عرص للاقتناء ثم نوى به التجارة - احتكارا او ادارة فانه لا ينتقل لواحد منها بمجرد النية حتى ولو كان قبل الاقتناء للتجارة على المشهور كما اذا كان عنده عرض للتجارة ثم نوى به الاقتناء وانتقل اليه ثم نوى بعد ذلك التجارة فانه لا ينتقل اليها بمجرد النية على المشهور لأن الأصل فى العروض الاقتناء والنية وان نقلت للاصل وما أشبهه لا تنقل عنه لأنها سبب ضعيف (٤) وكساد السلعة عند التاجر المدير لا ينقلها الى حكم سلعة الاقتناء التى لا تجب فيها الزكاة بل تبقى على ادارتها فيقومها على نفسه قيمة عدل كل عام ويزكى القيمة حتى ولو ظلت كاسدة عنده سنينا كلها او بعضها.
والتاجر المدير هو الذى يبيع عروضه بالسعر الحاضر ثم يخلفها بغيرها ولا ينتظر رواج سوق ليبيع ولا كساده ليشترى كأرباب الحوانيت والطوافين بالسلع والجالبون لها من البلدان.
(٥) واذا تجددت للانسان فائدة عن مال غير مزكى كثمن عرض كان مخصصا للاقتناء فانه
стр. 7118
يجب عليه ان يزكيها ويستأنف بثمن ما ذكر حولا من يوم قبض الثمن وسواء ملك ما ذكر بشراء أو غيره كهبة وارث فيستأنف من يوم قبض الثمن حتى ولو أخر قبضه من مشتريه فرار امن الزكاة خلافا لمن قال: ان اجره فرارا زكاه لكل عام مضى.
واذا استأجر شيئا للاقتناء كالسكنى والركوب فأجره لأمره حدث فانه يستأنف بالغلة الحاصلة له من ذلك حولا بعد قبضها لانها من الفوائد. (١)
واذا اقترض عرضا للاقتناء ثم بدا له ان يتاجر فيه فالجول فيه مر يوم بيع ذلك العرض (٢) واذا كان عنده عرض للاقتناء باعه بعرض نوى به التجارة ثم باعه فانه يزكى ثمنه لحول أصله الثانى لا حول أصله الاول.
والمراد بأصله الثانى عرض التجارة وبأصله الاول عرض الاقتناء.
وتظهر ثمرة ذلك فيما اذا مضى حول من أصله الاول ولم يمض حول من اصله الثانى فلا زكاة.
وان كان أصله عرضا ملك بلا معارضة مالية كارث وهبة وخلع وصداق أستأنف بثمنه حولا من يوم قبضه (٣) وان ترتب الدين عن عرض مشترى للاقتناء بثمن حال كأن اشترى بعيرا للاقتناء بدينار وباعه بثمن مؤجل يبلغ نصابا فأكثر وآخر قبضه بعد مضى الاجل فرارا من الزكاة أو باعه بثمن حال وأخر القبض فرارا فانه يزكيه لكل عام مضى من يوم بيعه قاله ابن رشيد وهو ضعيف. والمتعمد أنه يستأنف به حولا من يوم قبضه حتى لو باعه على الحولول وأخر قبضه فرارا. اما لو اشترى عرضا للاقتناء بعرض ملكة بارث أو نحو هبة ثم باعه بدين فانه يستأنف به حولا بعد قبضه حتى عند ابن رشد.
وحاصل ما لابن رشد على ما فى المواق: انه اما أن يبيع العرض المشترى للاقتناء بثمن حال أو مؤجل وفى كل اما ان يترك قبضه فرارا من الزكاة أولا.
فان باعه بحال ولم يؤخره فرارا استأنف حولا من يوم قبضه وان باعه بمؤجل ولم يؤخره فرارا زكاه لعام من يوم بيعه وان فر بتأخيره زكاه لكل عام من يوم البيع مطلقا سواء باعه بحال أو مؤجل.
لكن ما قاله ابن رشد فى قصد الفرار قال أبو الحسن: هو خلاف ظاهر كلام ابن يونس وجزم ابن ناجى فى شرح المدونة بأن قصد الفرار كعدمه.
وما قاله فى البيع لأجل دون قصد الفرار قال ابن عرفه: طريقة مخالفة لطريقة اللخمى حيث قال المشهور أنه يستأنف بالثمن من يوم قبضه. (٤)
ومن له مال من الذهب أو الفضة تجب فيه الزكاة - نحو ان يكون عنده عشرون دينارا -
стр. 7119
وعليه دين مثل الذى له او عليه دين بنقص المال الذى معه عن القدر الذى تجب فيه الزكاة فلا زكاة عليه فى الصورتين الا ان يكون عنده شئ مما لا يزكى من عروض مقتناة أو حيوان أو عقار أو رباع مقتناة فيه وفاء لدينه فليجعله فى مقابلة ما عليه من الدين على المشهور بشرط أن يحول عليها الحول عند صاحبها وان تكون مما يباع مثله فى الدين ويزك ما بيده من المال فان لم توف عروضه المقتناة بدينه حسب بقية دينه فى الذى بيده من المال فان بقى بعد ذلك شئ فيه الزكاة زكاة. (١) ومن كان عنده نصاب ماشية للاقتناء فأبدلها بنصاب عين - ذهب أو فضة - أو بنصاب من نوعها فانه يبنى على حول الأصل - اى من يوم ملك رقابها أو زكاها.
ولو أبدلها بدون نصاب من العين فانه لا زكاة عليه اتفاقا وكذا اذا ابد لها بدون نصاب من نوعها فان لم تكن ماشية الاقتناء المبدلة نصابا كأن مع من الابل فان ابد لها بدون عين استأنف الحول وان أبدلها بنصاب من نوعها بنى كعشرين بقرة للقنية أبدلها بثلاثين جاموسا فيزكيه على حول من يوم ملك البقر.
وان أبدل ماشية الاقتناء أو التجارة بنوع مخالف كابل ببقر او غنم فانه يستأنف الحول عند ابن القاسم وروايته عن مالك قال ابن رشد: قياسا على الماشية تشترى بالدراهم والدنانير ومقابل ذلك ما فى الجلاب من روايته بأيه يبنى على حول الاصل.
وهذا كله حيث كان فى البدل نصاب والا فلا زكاة عليه اتفاقا.
وقال التونسى: ينبغى اذا كانت نصابا فباعها بدون النصاب - ان يضيف ذلك الى ماله ويبنى وان اشترى ماشية للاقتناء أو التجارة بنصاب من عين بعد ثلاثة أشهر مثلا فانه بستأنف بالماشية حولا من يوم اشتراها ولا يبنى على حول الثمن.
ولو كان عنده نصاب عين ولو لقنية فابدله بعين فيبنى أيضا على حول الأصل فان كان العين دون نصاب أبدلها بعين فكذلك أيضا ان كانت الاصلية للتجارة فان كانت للقنية استأنف الحول بالبدل. (٢)
وان كان استئجار الأرض والزرع كلاهما بقصد الاقتناء فانه يستأنف بثمن ما حصل من زرعها حولا بعد قبضه لانه كفائدة وكذلك الحكم ان كان احدهما للاقتناء والآخر للتجارة (٣) ويلزم الانسان ان يخرج زكاة الفطر من عبيده وامائه ولا فرق بين كونهم للاقتناء أو للتجارة. (٤)
مذهب الشافعية:
من ملك مصوغا من الذهب أو الفضة فان قصد اقتناءه وكنزه ولم يقصد به استعالا محرما ولا مكروها ولا مباحا مثل ان يدخره ليبيعه عند الاحتياج الى ثمنه فالمذهب الصحيح
стр. 7120
المشهور هو وجوب الزكاة فيه لان الاقتناء والكنز صرف له عن الاستعمال فصار مرصد للنماء بذلك كغير المصنوع من الدراهم والدنانير المضروبة ولا فرق فى هذه الصورة بين الذكر والانثى وان قصد اقتناءه للاستعمال ففيه تفصيل:
فان كان الاستعمال محرم وجبت فيه الزكاة وذلك كالاوانى من الذهب أو الفضة والملاعق والمجامر والمدهنة والمشقط والمكحلة والميل وحلية السكين والمقراض والدواة والمرآة وحلية المصحف فى الأصح وباقى الكتب بالاتفاق وحلية الدواب فى سرج أو لجام ونحوه وتمويه سقف البيت وجداره ونحو ذلك وكذلك تجب الزكاة فيما يكره اقتناؤه واستعماله من الذهب والفضة كضبة الاناء الكبيرة ولو لحاجة والصغيرة اذا كانت للزينة ولا فرق فى كل ذلك بين الرجل والمرأة.
ويحرم على الرجل خاصة سائر حلى النساء من الذهب أو الفضة كالسوار والخلخال والطوق ان لبسها فعلا أو لم يلبسها ولكنه قصد بذلك اقتناءها، كما يحرم عليه اقتناء حلى الرجال كالسيف المحلى بفضة - لاستعمال نسائه وبناته كما يحرم عليه خاتم الذهب وكل حلية من الذهب ولو فى آلة الحرب.
ويحرم على الرجل خاصة سائر حلى النساء أو سيف أو اقتناء ذلك بقصد أن تلبسه هى أو تلبسه لابنتها أو غيرها من النساء كما يحرم عليها اقتناء حلى النساء لزوجها وأبنائها وغيرهم من الرجال ومن المحرم عليها أيضا الدراهم والدنانير المثقوبة اذا جعلتها فى قلادتها بناء على ما فى الروضة وأصلها من تحريمها عليها على المعتمد وأيضا ما تنخذه من تصاوير الذهب والفضة فى قلادتها ونحوها اذا كانت الصورة على شكل حيوان يعيش بتلك الهيئة بخلاف صورة الشجر ونحوه وحيوان مقطوع الرأس تجب الزكاة فى كل ذلك ان بلغ وحده نصابا أو بانضمام مال آخر اليه اذا كان من جنسه.
والوجه فى وجوب الزكاة فى كل ذلك أنه بالاستعمال المحرم عدل به عن أصله بفعل غير مباح فسقط حكم فعله وبقى على حكم الأصل.
وان كان لاستعمال مباح كحلى النساء من الذهب أو الفضة كالطوق والعقد والخاتم والسوار والخلخال والدمالج والقلائد وكل ما يتخذ فى العنق وغيره وكل ما يعتدن لبسه وان تعدد كل ذلك ما لم يؤد الى سرف وما اقتنى لهن وخاتم الفضة للرجل وان تعدد وحلية آلات الحرب له من الفضة كحلية سيف ورمح ودرع ومنطقة وغيرها مما فى معناها وما أبيح له من الذهب للحاجة وهو الانف والسن والأنملة دون غيرها ففى وجوب الزكاة فى كل ذلك فولان مشهوران: أحدهما: لا تجب فيه الزكاة وهو الاصح لما روى جابر أن النبى ﷺ قال (١): ليس فى الحلى زكاة ولأنه معد للاستعمال مباح فلم تجب فيه الزكاة ككل ما يقتنى للاستعمال لا للنماء مثل ثياب البدن وأثاث البيت والعوامل من الابل والبقر وصح عن ابن عمر أنه كان يحلى بناته بالذهب
стр. 7121
ولا يخرج زكاته وصح نحوه عن عائشة وغيرها وما ورد مما ظاهره يخالف ذلك فأجابوا عنه بأن الحلى كان محرما فى أول الاسلام أو بأن فيه اسرافا.
والثانى: تجب فيه الزكاة - واستخار الله فيه الشافعى واختاره - لما روى أن امرأة من اليمن جاءت إلى رسول الله ﷺ معها ابنتها فى يدها مسكفان - أى أسورتان غليظتان من الذهب فقال لها رسول الله ﷺ أتعطين زكاة هذا فقالت: لا فقال رسول الله ﷺ أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار فخلعتهما والقتهما الى النبى ﷺ وقالت: هما لله ولرسوله (١) ولأنه من جنس الأثمان فأشبه الدراهم والدنانير. (٢)
ولو اتحذ حليا مباحا فى عينه لكن لم يقصد به استعمالا ولا كنزا واقتناء بأن اطلق أو اقتناءه بقصد تأجيره لمن يباح له استعماله بلا كراهة فالمذهب أن فيه وجهان أصحهما أنه لا زكاة فيه، اما فى الاولى فلانه الصياغة للاستعمال غالبا والظاهر افضاؤها اليه ويخالف هذا قصد اقتنائه حيث تجب فيه الزكاة على ما سبق لأن قصد الاقتناء بصرف هيئة الصياغة عن الاستعمال فيصير مستغنى عنه كالدراهم المضروبة وأما فى الثانية فكما لو اقتناه ليعيره لمن يباح له استعماله لأنه لو اقتناه ليعيره لمن يباح له استعماله فلا زكاة فيه قولا واحدا - ولا عبرة بالاجرة كأجرة الماشية العوامل.
وقيل: تحب فيه الزكاة وهو مقابل الأصح - لانه ليس له استعماله فى الصورة الأولى ولأنه معد للنماء فى الصورة الثانية. (٣)
ويستثنى من اطلاقهم أنه لا زكاة فى الحلى المباح ما لو ورث شخص حليا مباحا ولم يعلم به الا بعد مضى عام فانه تجب زكاته حتى ولو كان الوارث ممن يحل له استعماله لأنه لم ينو امساكه - لاستعمال مباح، ذكر ذلك الرويانى وذكر عن والده احتمال وجه آخر وهو عدم زكاته اقامة لنية مورثه مقام نيته ويشكل الرأى الأول بالحلى الذى اتخذه بلا قصد شئ والذى لا زكاة فيه على الأصح كما سبق وقد يفرق بأن فى تلك اتخاذا دون هذه والاتخاذ مقرب من الاستعمال بخلاف عدمه. (٤)
وحكم القصد الطارئ بعد الصياغة فى جميع ما ذكر هو حكم المقارن فلو اقتنى حليا بقصد استعمال محرم أو مكروه ابتدأ الحول من حين قصده فان قصد بعد ذلك استعمالا مباحا بطل
стр. 7122
الحول ولو قصد استعماله ثم قصد كنزه واقتناءه بدون استعمال ابتدأ الحول وكذا نظائره. (١)
وقال صاحب البحر: لو اقتنى الحلى لاستعمال محرم فاستعمله فى وقت فان الزكاة تجب فيه وان عكس ففى وجوب الزكاة فيه احتمالان قال الرملى: أوجههما عدم الوجوب نظرا لقصد الابتداء. فان طرأ على ذلك قصد محرم ابتدألها حولا من حينئذ - أما ان اقتناه للاستعمالين المحرم والمباح وجبت فيه الزكاة قطعا. (٢)
واذا قلنا بالمذهب أنه لا زكاة فى الحلى المباح الاستعمال فانكسر فله أحوال:
أحدهما: أن ينكسر بحيث لا يمنع الاستعمال فلا تأثير لانكساره بلا خلاف فلا زكاة فيه فى الأصح الثانى: أن ينكسر بحيث يمنع الاستعمال وأحوج انكساره الى اعادة سبكه وصوغه فتجب زكاته وينعقد حوله من حن انكساره هذا هو المذهب لأنه غير مستعمل ولا معد للاستعمال الثالث: أن ينكسر بحيث يمنع الاستعمال لكن لا يحتاج الى صوغ وسبك ويقبل الاصلاح بالالحام فان لم يقصد اصلاحه بل قصد جعله تبرا أو دراهم أو قصد اقتناءه وكنزه (أى ادخاره بدون استعمال لا فى محرم ولا فى غيره كما لو أدخره ليبيعه عند الاحتياج لثمنه - انعقد عليه الحول من يوم الانكسار وان قصد اصلاحه فوجهان مشهوران أصحهما لا زكاة فيه وان دارت عليه أحوال لبقاء صورة الحلى وقصد الاصلاح وبهذا قطع صاحب الحاوى.
وان لم يقصد هذا ولا ذاك ففيه قولان أصحهما وجوب الزكاة فيه.
هذا اذا علم بانكساره فان لم يعلم بانكساره الى بعض مضى عام أو اكثر فقصد اصلاحه فلا زكاة فيه لأن القصد يبين أنه كان مرصدا له وبه صرح فى الوسيط.
ولو علم بانكساره ولم يقصد اصلاحه حتى مضى عام وجبت زكاته فان قصد بعد ذلك اصلاحه فالظاهر أنه لا وجوب فى المستقبل. (٣)
وفيما عدا هذا التفصيل فى الذهب والفضة لا زكاة فيما يقتنى للاستعمال لا للنماء والتجارة فلا زكاة فى غير الذهب والفضة من سائر الجواهر ونحوها كياقوت وفيروزج ولؤلؤ وعنبر ومسك (العظم والقرون والعاج تتخذ منها الأساور والخلاخيل) لانها معدة للاستعمال - ولأن الأصل عدم الزكاة الا فيما اثبتها الشرع فيه. (٤)
وتجب الزكاة فيما يقتنى من الابل والبقر والغنم اذا كانت سائمة (اى ترعى فى كلأ مباح) واقتناها صاحبها للدر والنسل لأنها لكثرة منافعها وقلة مؤتها تحتمل المواساة بالزكاة.
ولا تجب فيما سوى ذلك مما يقتنيه الشخص من المواشى كالخيل والبغال والحمير لغير تجارة لما روى أبو هريرة أن النبى ﷺ
стр. 7123
قال: «ليس على المسلم فى عبده ولا فرسه صدقة» ولأن هذا يقتنى للزينة والاستعمال لا للنماء فلم يحتمل الزكاة كالعقار (وهو الأرض والدور) والاثاث (وهو ما فى البيت من الأوانى والثياب وغيرها.) (١)
ولا زكاة أيضا فيما يقتنى من الابل والبقر وغيرها ولو سائمة للعمل للمالك ولو بأجره فى حرث أو نضح وهو حمل الماء للشرب - أو غيره ولو محرما كحمل خمر عليها أو قطع الطريق بها لخبر البيهقى وغيره ليس فى البقر العوامل شئ ولأنها لا تقتنى للنماء بل للاستعمال كثياب البدن ومناع الدار والفرق بين الانعام المستعملة فى محرم حيث لا تجب فيها الزكاة وبين الحلى المستعمل فى محرم حيث تجب فيه الزكاة أن الأصل فى الأنعام الحل وفى الذهب والفضة الحرمة الا ما رخص فيه فاذا استعملت الانعام فى المحرم رجعت الى أصلها ولا ينظر الى الفعل الخسيس واذا استعمل الحلى فى ذلك فقد استعمل فى أصله (٢) وهذا هو الصحيح من احد وجهين والثانى تجب فيها الزكاة حكاه جماعات من الخراسانيين لوجود السوم وكونها عاملة زيادة انتفاع لا يمنع الزكاة بل هى أولى بالوجوب والمذهب الأول. (٣)
وكذلك لا تجب الزكاة فى الابل والبقر والغنم اذا كانت معلوفة (٤) ومتى ملك الشخص عرضا بمعاوضة بقصد التجارة تهيأ لوجوب الزكاة بعد مضى حولها المنعقد حينئذ وسواء اشتراه بنقد أو عرض اقتناءه ولا يحتاج الى تجديد قصد التجارة فى كل تصرف بل يستمر ما لم ينو بمال التجارة الاقتناء فان نوى الاقتناء بمال التجارة كله أو بعضه المعين صار للاقتناء بمجرد نيته حتى ولو كثر جدا بحث تقضى العادة بأن مثله لا يقتنى للانتفاع به ويترتب على صيرورته للاقتناء انقطاع الحول وعدم وجوب الزكاة فيه.
ويصدق فى دعواه الاقتناء حتى ولو دلت القرينة على خلاف ما ادعاه وسواء نوى بالاقتناء استعمالا جائزا أم محرما كلبسه الحرير الذى يتجر فيه وقطعه الطريق بالسيف الذى يتجر فيه على الراجح كما جاء فى التتمة أما اذا اشترى عروضا للاقتناء ثم نوى بها التجارة لا تصير للتجارة ولا ينعقد حولها حتى يتصرف فيها بمعاوضة مقرونة بنية التجارة والفرق ان الاقتناء هو الامساك للانتفاع وقد وجد واقترنت نيته به فرتبنا عليه أثره بمجرد النية والتجارة هى تقليب المال بالمعاوضة لغرض الربح ولم يوجد ذلك بمجرد النية لان النية لا تحصله - وأيضا لان الاقتناء هو الأصل فى العروض فيكفى ادنى صارف اليه بخلاف التجارة فانها عارضة كما أن المسافر يصير مقيما
стр. 7124
بمجرد النية عند جمع والمقيم لا يصير مسافرا بمجرد النية اتفاقا بل لا بد من الفعل. (١)
وخالف فى هذا الكرابيس فقال: اذا ملك عرضا للاقتناء أو بدون قصد شئ ثم نوى به التجارة صار للتجارة بمجرد النية كما اذا كان عنده متاع للتجارة ثم نوى به الاقتناء صار الاقتناء بالنية والمذهب الأول (٢) ولو نوى التاجر اقتناء بعض عروض تجارته ولم يعينه ففى تأثير ذلك فى الزكاة وجهان قال الماوردى أقربهما المنع وهو القياس وقال الناشرى: وقال ايضا الأقرب التأثير ويرجع فى تعين ذلك البعض اليه ووافقه على ذلك الرملى.
ولو لبس ثوب التجارة بدون نية اقتنائه فهو مال تجارة فان نواه به فلا يكون مال تجارة.
والمراد بالمعارضة المقرونة بالنية التى تجعل المال للتجارة دون الاقتناء هى المعاوضة المحضة كالبيع والشراء والاجارة والهبة بشرط العوض وكذا المعارضة غير المحضة كالمهر والمال المصالح عن دم العمد وعوض الخلع فى الأصح.
ولو اقترض مالا ناويا به التجارة لا يصير مال تجارة لأنه لا يقصدها وانما مقصوده الأصلى الارفاق قاله القاضى حسين تفقها وجزم به الروياتى وقيل: هو معاوضة يصير بها وبالنية مال تجارة. واما الهبة بلا عوض والوصية والميراث والاحتطاب والاصطياد والاحتشاش فليست من أسباب التجارة ولا أثر لاقتران النية بها ولا يصير العرض للتجارة بلا خلاف لفوات الشرط وهو المعاوضة ولو مات المورث عن مال تجارة فان حوله بنقطع ولو لم ينو الوارث اقتناءه ولا بنعقد حوله حتى يتصرف فيه بنية التجارة ذكر ذلك الرافعى وكذلك السائمة لا يستأنف الوارث حولها من الموت بل لا يستأنفه حتى يقصد اسامتها وأفتى البلقينى بأن حكم التجارة يستمر على مالها الموروث ولا ينقطع حوله ما لم ينو الوارث اقتناءه.
وكذلك الاسترداد بعيب أو اقالة أو افلاس لا يعتبر معاوضة بل هو فسخ لها فمن اشترى بعرض الاقتناء عرضا للتجارة أو للاقتناء أو اشترى لعرض التجارة عرضا للاقتناء ثم رد عليه بعيب أو اقالة لم يصر ماله تجارة وان نوى به التجارة للانتفاء المعاوضة فلا يعود ما كان للتجارة مال تجارة بخلاف ما اذا كان كلاهما للتجارة وحصل رد فانه يبقى حكم التجارة وان اشترى عرض تجارة بعرض اقتناء كحلى مباح أو سائمة فمن يوم الشراء يبدأ حولها لأن ما ملكه قبله لم يكن مال زكاة له حول يبنى عليه فيما اذا اشترى بغير سائمة واذا اشترى بسائمه فلاختلاف الزكاتين قدرا ومتعلقا. (٣)
وان ملك عرض التجارة يعرض للاقتناء قومناه بغالب نقد البلد من الدراهم والدنانير اذ هو الاصل فى التقويم فان بلغ به نصابا زكاه والا فلا.
فان غلب فى البلد نقدان على التساوى
стр. 7125
قوم بما بلغ به منهما نصابا فان بلغ نصابا المالك فيقوم بأيهما شاء وان ملكه بنقد وعرض للاقتناء كان اشتراه بمائتى درهم وعرض اقتناء قوم ما قابل النقدية والباقى بالغالب من نقد البلد. (١)
وان زرع زرعا للاقتناء فى أرض اشتراها للتجارة فلكل منهما حكمه فتجب زكاة العين فى الزرع وزكاة التجارة فى الأرض بلا خلاف فيهما. (٢)
وان استأجر أرضا ليؤجرها بقصد التجارة فان أجرها بعرض نوى اقتناؤه أو استهلكه فلا زكاة فيه (٣) ويصح بيع عرض التجارة قبل اخراج زكاته وان كان بعرض للاقتناء لأن متعلق زكاته القيمة وهى لا تفوت بالبيع. (٤)
واذا كان مال التجارة لا تجب الزكاة فى عينه كالمعلوفة من الغنم والخيل والحمير وشجر تفاح ومشمش فهل يكون نتاجها مال تجارة فيه وجهان مشهوران أصحهما يكون مال تجارة لأن الولد جزء من أمه فتجب زكاته. (٥)
وقيل: للنتاج والثمرة حكم الأصل ولا يفرد ان يحول كنتاج السائمة وسائر الزوائد ومثلها الصوف والوبر والريش والشعر والورق والاغصان ونحوها. (٦)
وما يدخر ويقتات من كل ما تخرجه الارض بانبات الأدمى تجب فيه الزكاة كالحنطة والشعير والذرة والارز والدخن وما أشبه ذلك ولا تجب فيما سوى ذلك كالتين والتفاح والمشمش والرمان والخضروات لأن كل ذلك ليس من الأموال المدخرة المقتاتة. (٧)
واقتناء الشخص لثياب متعددة لائقة به يحتاجها ولو للتجمل فيها فى بعض ايام السنة لا يخرجه عن كونه مسكينا أو فقيرا يستحق صرف الزكاة اليه كما لا يخرجه عن ذلك اقتناؤه لأثاث يحتاجه فى بيته وكذلك حكم اقتناء الكتب التى يحتاجها ولو نادرا لعلم شرعى.
ونقل النووى عن الغزالى فى اقتناء الكتب بقوله: لكن ينبغى أن يحتاط فى فهم الحاجة الى الكتاب فالكتاب يحتاج اليه لثلاثة أغراض: التفرج بالمطالعة والتعليم والاستفادة فالتفرج لا يعد حاجة لاقتناء كتب الشعر والتواريخ ونحوها مما لا ينتفع به فهذا يباع فى الكفارة وزكاة الفطر ويمنع اطلاق اسم المسكين على مقتنيه. وأما حاجة التعليم فان كان للكسب كالمؤدب والمدرس بأجرة فهذه آلة فلا يباع فى زكاة الفطر كآلة الخياط.
ولا يسلبه اسم المسكنة لانها حاجة مهمة.
وأما حاجة الاستفادة والتعلم من الكتاب
стр. 7126
كادخاره كتاب طب ليعالج به نفسه أو كتاب وعظ ليطالعه ويتعظ به فان كان فى البلد طبيب واعظ فهو مسغن عن الكتاب وان لم يكن فهو محتاج. ثم ربما لا يحتاج الى مطالعة الا بعد مدة فينبغى أن يضبط فيقال: مالا يحتاج اليه فى السنة فهو مستغن عنه فيقدر حاجة أثاث البيت وثياب البدن بالسنة فلا تباع ثياب الشتاء فى الصيف ولا ثياب الصيف فى الشتاء والكتب بالثياب أشبه.
وان كان عنده نسختان أو أكثر من كتاب واحد فلا حاجة له الا الى احداهما فان كانت احدى النسختين أصح والأخرى أحسن قيل له:
اكتف بالاصح وبع الاخرى لاقتنائه بالصحيحه وان تكرر عنده كتابان من فن واحد وكان احدهما مبسوطا والاخر موجزا فان كان قصده الاستفادة اكتفى بالمبسوط وباع الآخر الا ان كان فيه ما ليس فى المبسوط فيما يظهر وان كان قصده التدريس يبقيها لانه يحتاج لكل منهما فى التدريس.
قال النووى: وهو حسن الا قوله فى كتاب الوعظ: انه يكتفى بالواعظ فليس كما قال لانه ليس كل أحد ينتفع بالواعظ كانتفاعه فى خلوته على حسب ارادته وكذا قوله فى كتاب الطب:
انه يكتفى بالطبيب ينبغى ان يكون محله اذا كان فى البلد طبيب متبرع فان لم يكن الا بأجرة فهو محتاج اليه فلا يكلفه بيعه ولا استئجاره عند الحاجة. (١)
وقال النووى أيضا لو كان فقيها وله كتب فهل يلزمه بيعها للحج قال القاضى: ابو الطيب ان لم يكن له من كل كتاب الا نسخة واحدة لم يلزمه وان كان له نسختان لزمه بيع احداهما فانه لا حاجة به اليهما.
وقال القاضى حسين: يلزم الفقيه بيع كتبه لم يلزمه وان كان له نسختان لزمه بيع احداهما ضعيف وهو تفريع منه على طريقته الضعيفة فى وجوب بيع المسكن والخادم للحج. فالصواب هو ما قاله القاضى أبو الطيب فهو الجارى على قاعدة المذهب وعلى ما قاله الأصحاب فى المسكن والخادم فى باب الحج وعلى ما قالوه فى باب الكفارة وباب الافلاس (٢) (انظر مصطلح افلاس وكفارة).
ويجرى هذا كله على المحترف بالنسبة لما يقتنيه من آلة حرقته والجندى بالمرتزقة بالنسبة لخيله وسلاحه ان لم يعطه الامام بدلهما من بيت المال وكذلك الجندى المتطوع ان احتاجهما وتعين عليه الجهاد.
ويؤخذ من ذلك أيضا صحة اقتناء بعضهم بأن ما تقنيه المرأة من الحلى اللائق بها المحتاجة للتزين به عادة لا يمنع فقرها واستحقاقها صرف الزكاة اليها. (٣)
مذهب الحنابلة
لا زكاة فى حلى مباح لرجل أو امرأة من ذهب او فضة معد للاستعمال مباح أو اعارة وان
стр. 7127
لم يستعمله أو يعره فى ظاهر المذهب وكذلك لا زكاة فيه لو كان الحلى لمن يحرم عليه كرجل يقتنى حلى النساء ليحلى به أهله أو يعيره لغيرهن أو امرأة تقتنى حلى الرجال لاعارتهم لما روى جابر أن النبى ﷺ قال:
«ليس فى الحلى زكاة» رواه الطبرى وهو قول ابن عمر وعائشة وأسماء بنتى أبى بكر، ولانه مرصد للاستعمال المباح فلم تجب فيه الزكاة كثياب الاقتناء والعوامل من الماشية.
وما صح من قوله ﵊ «فى الرقة ربع العشر» لا يعارض ما ذكرناه لأن الرقة هى الدراهم المضروبة أو مخصوص بغير الحلى.
وان كان الحلى ليتيم لا يستعمله فلوليه اعارته فان فعل فلا زكاة فيه والا ففيه الزكاة ايضا ذكره جماعة وكذلك لا تسقط الزكاة عمن اتخذ حليا مباحا فرارا من الزكاة بل تلزمه.
ويباح للنساء اتخاذ كل ما جرت عادتهن بلبسه من الذهب والفضة مثل السوار - والخلخال - والقرط والخاتم وما يلبسنه على وجوههن وفى اعناقهن وأيديهن وأرجلهن وآذانهن وما أشبه ذلك سواء قل او كثر أو كان دراهم أو دنانير فى قلادة أو غيرها لقوله ﷺ «أحل الذهب والحرير للاناث من امتى وحرم على ذكورها» (١) وهى محتاجة للتجمل والتزين لزوجها. أما ما لم تجر عادتهن بلبسه كالنعال المذهبة فلا يباح لهن لانتفاء التجمل فلو اتخذته حرم فيه الزكاة وكذا اذا اتخذت المرأة حليا ليس لها اتخاذه كما اذا اتخذت حلية الرجال كحلية السيف والمنطقة فهو محرم وعليها زكاته كما لو اتخذ الرجل حلى المرأة.
ويباح للذكر من الفضة خاتم وقبيعة سيف وهى ما يجعل على طرف القبضة وحلية منطقة وهى ما يشد به الوسط لانها كالخاتم وكذلك الدرع والخوذة والحمائل ورأس الرمح وشعيرة السكين ونحو ذلك لأنه يساوى المنطقة معنى فوجب أن يساويها حكما. وقال الشيخ تقى الدين بن تيمية لاحد للمباح من ذلك ولو اتخذ الرجل لنفسه عدة خواتيم او عدة مناطق ونحوها فالاظهر جوازه ان لم يخرج عن العادة والاظهر عدم وجوب زكاته ايضا لأنه حلى أعد لاستعمال مباح. ويباح للرجل من الذهب ما دعت اليه الضرورة كربط سن وأسنان به واتخاذ انف منه وان امكن اتخاذه من فضة وكذلك تباح قبيعة السيف منه.
ويباح للرجل والمرأة النحلى بالجوهر ونحوه كاللؤلؤ والياقوت ولو فى حلى ولا زكاة فيه لأنه معد للاستعمال كالثياب المقتناة للبذلة.
وكل ما كان اتخاذه محرما من الذهب والفضة كطوق الرجل وسواره وخاتمه الذهب وحلية مراكب الحيوان المرجل والمرأة ولباس الخيل كاللجم والسروج وقلائد الكلاب وحلية الركاب والمرآة والمشط والمكحلة والميل والمسرجة والمروحة والمرية والمدهنة والمسقط والمجمرة والملعقة والقنديل والآنية وحلية كتب العلم وحلية الدواة والمقلمة ونحوها ففيه الزكاة.
стр. 7128
وكذلك الحلى المعد للاجارة كحلى المواشط سواء حل لمقتنيه لذلك لبسه أو لم يحل له وكذا الحلى المعد لتجارة أو اقتناء أو ادخار أو نفقة اذا احتاج اليه أو لم يقصد به شيئا تجب فيه الزكاة لأن الزكاة انما اسقطت فى المباح المعد للاستعمال لصرفه عن جهة النساء فيبقى ما عداه على مقتضى الاصل.
وقال المجد: ان كانت الفلوس للنفقة فلا زكاة فيها كعروض الاقتناء وان كانت لغير النفقة فهى كعروض التجارة تجب فيها زكاة القيمة كباقى العروض ولا يجزى اخراج زكاتها منها.
وكل ما يحرم اتخاذه ففيه الزكاة اذا بلغ نصابا بالوزن أو يكون عنده ما يبلغ نصابا يضمها اليه وان زادت قيمته لصناعته فلا عبرة بها لانها حصلت بواسطة صنعة محرمة يجب اتلافها شرعا فلم تعتبر.
وان كان الحلى مباحا ووجب زكاته لنية اقتنائه وعدم استعماله أو لعدم اعارته أو نحوه فالاعتبار يؤدى الى فوات ما يقابل الصنعة على الوزن يؤدى الى فوات ما يقابل الصنعة على الفقراء وهو ممتنع.
واذا انكسر الحلى المباح كسرا لا يمنع الاستعمال واللبس كانشقاقه ونحوه فهو كالصحيح لا زكاة فيه الا أن ينوى اقتناءه وترك لبسه أو ينوى كسره وسبكه أو لم ينو شيئا ففيه الزكاة حينئذ لأنه نوى صرفه عن الاستعمال.
وان كان الكسر يمنع الاستعمال واللبس ونوى اصلاحه فلا زكاة فيه ان لم يحتج فى اصلاحه الى سبك وتجديد صنعته وقيل: تجب فيه الزكاة لأنه صار بمنزلة النقرة - القطعة المذابة من الذهب أو الفضة والتبر - الذهب والفضة أو فتاتها قبل ان يصاغا.
وان كان الكسر يحتاج الى سبك وتجديد صنعته وجبت فيه الزكاة الى ان يجدد صنعته كالسبيكة أى القطعة المذوبة - التى يراد جعلها حليا. (١)
ولا زكاة فى عروض الاقتناء وهى التى يمسكها الانسان للانتفاع بها دون التجارة (٢) حيوانا كانت كالرقيق والطيور والخيل والبغال والحمير والظباء، سائمة كانت أولا أو غير حيوان - كالآلئ والجواهر والثياب والسلاح وآلات الصناع وأثاث البيوت والاوانى والعقار من الدور والارض سواء كانت للسكنى او للتأجير لما روى عن ابى هريرة قال: رسول الله ﷺ «ليس على المسلم صدقة فى عبده ولا فرسه» (٣) ولابى داود «ليس فى الخيل والرقيق زكاة الا زكاة الفطر» وقيس على ذلك باقى المذكورات.
ولأن الأصل عدم الوجوب الا لدليل ولا دليل فيها. (٤)
стр. 7129
والاقتناء لطلب الدر والنسل والتسمين هو سبب وجوب الزكاة فى السائمة من الابل والبقر والغنم فقط من بهيمة الأنعام والسائمة هى التى ترعى مباحا كل الحول أو أكثره.
فلا زكاة فيها ان اقتناها للدر والنسل وعلفها وكذلك ان اقتناها لغير الدر والنسل كالعمل ولو كانت سائمة نصا فلا تجب الزكاة فى العوامل اكثر السنة ولو لاجارة كالابل التى تؤجر والبقر التى تقتنى للحرث أو الطحن وغيره ونحوه لحديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبى ﷺ «ليس فى العوامل صدقة» رواه الدار قطنى.
ولو نوى بالسائمة العمل لم تؤثر نيته بمجردها ما لم يوجد العمل فلا لأن الأصل عدمه فلا يصار اليه بمجرد النية لضعفها وينقطع السوم شرعا بقطع الماشية عنه ولو بقصد غير مباح كقصد قطع الطريق بالماشية أو جلب خمر عليها ونحوه. (١)
والأصل فى العروض الاقتناء فلا زكاة فيها الا اذا صارت للتجارة ولا تصير العروض للتجارة الا بشرطين.
احدهما أن يملكها بفعله بمعاوضة محضة كالبيع والاجارة والهبة المشروطة فيها عوض معلوم واسترداد المبيع باقالة أو لاعارة المشترى بالثمن ونحوه بنية التجارة أو معاوضة غير محضة كالنكاح والخلع والصلح عن دم العمد أو بغير معاوضة كالهبة المطلقة التى لم يشترط فيها عوض والغنيمة والوصية والاحتشاش والاحتطاب والاصطياد.
والثانى أن ينوى عند تملكه أنه للتجارة فان لم ينو كذلك لم يضر للتجارة ويكون للاقتناء حتى وان نوى التجارة به بعد ذلك كما أن ما خلق للتجارة - الذهب والفضة - لا يصير للاقتناء الا بنيته.
وكذلك يكون للاقتناء لا للتجارة ما يدخل فى ملكه من العروض بدون فعله كالارث او اللقطة بعد مضى حول التعريف والمهر ان عادت اليه عروضه بطلاق قبل الدخول أو فسخ من قبل الزوجة قبل الدخول لانه ملكه بغير فعله جرى مجرى الاستدامة ولو نوى بذلك التجارة لا يكون لها بمجرد النية لأن مالا تتعلق الزكاة به من أصله لا يصير محلا لها بمجرد النية كالمعلوفة ينوى سومها ولأن الأصل فى العروض الاقتناء فلا تنتقل عنه بمجرد النية لضعفها (٢) كالمقيم ينوى السفر لم يثبت له حكم بدون الفعل ولا يختلف المذهب فى أنه اذا نوى بعرض التجارة الاقتناء أنه يصير للاقتناء بمجرد النية وتسقط الزكاة منه لأن الاقتناء هو الأصل ويكفى فى الرد الى الأصل مجرد النية كما لو نوى المسافر الاقامة ولأن نية التجارة شرط لوجوب الزكاة فى العروص فاذا نوى الاقتناء زالت نية التجارة ففات شرط الوجوب بخلاف السائمة اذا نوى علفها فان الشرط السوم دون نيته فلا ينتفى الوجوب الا بانتفاء السوم (٣) وسواء نوى اقتناءه لاستعمال مباح أو محرم كما اذا نوى اقتناء ثياب التجارة الحرير للبس
стр. 7130
محرم أو نوى اقتناء دواب التجارة لقطع الطريق ونحوه. (١)
واذا صار العرض للاقتناء بنيته فنوى به التجارة لم يصر للتجاة بمجرد النية ولا زكاة فيه حتى يبيعه ويستأنف بثمنه حولا.
وذهب ابن عقيل وأبو بكر الى أن عرض الاقتناء يصير للتجارة بمجرد النية وحكوه رواية عن احمد قال بعض الاصحاب هذا على أصح الروايتين لأن نية الاقتناء بمجردها كافية فكذلك نية التجارة بل أولى لأن الايجاب يغلب على الاسقاط احتياطا ولأنه أحظ للمساكين ولما روى أن سمرة قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرج الصدقة مما نعده للبيع.
(٢) وهذا داخل فى عمومه. (٣)
واتفقوا على أن الحلى المقتنى للبس والاعارة اذا نوى بها التجارة تصير لها بمجرد النية لأن التجارة أصل فى الحلى فاذا نواه للتجارة فقد رده الى أصله. (٤)
وان أبدل عرض التجارة بعرض للاقتناء بطل الحول وان اشترى عرضا للتجارة بعرض للاقتناء انعقد عليه الحول من حين ملكه ان كان نصابا لأنه اشتراه بمالا زكاة فيه فلم يكن بناء الحول عليه فان رد عليه يعيب أو غيره انقطع الحول لقطعه نية التجارة بخلاف ما لو استرده هو لعيب فى الثمن ونحوه بنية التجارة (٥) ولو ملك أرضا للتجارة فزرعت فعليه زكاة تجارة فقط لأن الزرع جزء ما خرج من الارض فوجب أن يقوم مع الاصل سواء كان البذر للتجارة أو للاقتناء. (٦)
وفى (٧) المبدع لو زرع بذر الاقتناء فى أرض للتجارة فواجب الزرع العشر وواجب الارض زكاة القيمة لأنها مال تجارة وان زرع بذر التجارة فى أرض الاقتناء زكى الزرع زكاة القيمة لأنه مال تجارة الا اذا لم تبلغ قيمته نصابا بأن نقص عن عشرين مثقالا ذهبا وعن مائتى درهم فضة فيزكى الزرع بما وجب فيه لئلا تسقط الزكاة ومن ملك نصابا - سائمة من الابل أو البقر أو الغنم لتجارة نصف حول مثلا ثم نوى اقتناءها واسامتها استأنف حولا للسوم لأن حول التجارة انقطع بنية الاقتناء وحول السوم لا ينبنى على حول التجارة.
والاشبه بالدليل الوارد فى وجوب زكاتها من حديث وغيره أنها متى كانت سائمة من اول الحول وجبت الزكاة فيها عند تمامه لأن السوم سبب لوجوب الزكاة وقد وجد فى جميع الحول خاليا عن معارض فوجبت به الزكاة كما لو لم ينوى التجارة.
(٨) وان اشترى نصاب سائمة لتجارة بنصاب سائمة لاقتناء بنى على حوله.
ومن ملك نصاب سائمة لتجارة فحال عليه الحول والسوم ونية التجارة موجودان فعليه زكاة تجارة دون زكاة سوم لأن وضع التجارة
стр. 7131
على التقليب فهى تزيل سبب زكاة السوم وهو الاقتناء لطلب النماء معه ولأن زكاة التجارة أحظ للمساكين لأنها تجب فيما زاد بالحساب. (١)
ولا زكاة فيما يقتنيه التجار من أوعية عروض التجارة كأكياس وأجربة وقوارير لعطار وزيات وعسال الا أن يريد بيعها بما فيها فيزكى الكل لأنه مال تجارة وكذا آلات دواب التجارة كسرج ولجام وبرذعة ومقود ان كانت لحفظها ولاتباع معها فلا زكاة فيها لانها للاقتناء وان كان يبيعها معها فهى مال تجارة تجب عليه زكاتها. (٢)
ومن كان له عروض للاقتناء تباع لو حجر عليه لافلاس كعقار وأثاث فاضل عن حاجته الاصلية وكان ثمنها يفى بما عليه من الدين ومعه مال تجب فيه الزكاة كرجل عليه مائتا درهم وعنده مائتا درهم وعروض للاقتناء تساوى مائتين جعل الدين فى مقابل ما معه من المال الذى تجب فيه الزكاة فلا يزكيه لئلا يخل بالمساواة ولأن عروض الاقتناء كلمبوسه فى أنه لا زكاة فيه (٣) قال ابن قدامة هذا هو ظاهر كلام احمد فانه قال فى رجل عنده ألف وعليه ألف وله عروض بألف ان كانت العروض للتجارة زكاها وان كانت لغير التجارة فليس عليه شئ لأن الدين يقضى من جنسه عند التنازع فجعل الدين فى مقابلة اولى.
وقال القاضى: يجعل الدين فى مقابلة العروض.
قال ابن قدامة: ويحتمل ان يحمل كلام أحمد على ما اذا كان العرض تتعلق به حاجته الاصلية ولم يكن فاضلا عن حاجته فلا يلزم صرفه فى وفاء الدين لأن الحاجة اهم ولذلك لم تجب الزكاة فى الحلى المعد للاستعمال ويكون قول القاضى محمولا على من كان العرض فاضلا عن حاجته وهذا أحسن لأنه فى هذه الحالة مالك لنصاب فاضل عن حاجته وقضاء دينه فلزمته زكاته كما لو لم يكن عليه دين. (٤)
وتجب الزكاة فى كل ما يدخر ويكال من الخارج من الارض من الزرع والثمار والمعادن وما هو فى حكم ذلك كعسل النحل سواء كان قوتا كحفظه كحنطة وأرز أو غير قوت كبزر الكنان والقطن لأن غير المدخر لا تكمل فيه النعمة لعدم النفع به مالا.
ولا تجب فيما عدا ذلك كسائر الفواكه كالتفاح والخوخ وسائر الخضر كفجل وكرنب لأن العادة لم تجر بادخاره وهو شرط ذكره فى المبدع (٥) انظر مصطلح زكاة.
ومن له كتب يحتاجها للحفظ والمطالعة لا يمنعه ذلك من استحقاقه الزكاة واخذها ما دام محتاجا وكذا من لها حلى للبس أو تأجير تحتاج اليه فلا يمنعها ذلك من أخذ الزكاة. (٦)
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم الزكاة واجبة فى حلى الفضة والذهب سواء حل اقتناؤه أو لم يحل سواء كان حلى امرأة أو حلى
стр. 7132
رجل وكذلك حلية السيف والمصحف وكذلك حلية السيف والمصحف والخاتم وكل مصوغ منهما وذلك اذا بلغ كل واحد منهما نصابا وأتم عند مالكه عاما قمريا، لما صح عن رسول الله ﷺ قال: «ما من صاحب ذهب لا يؤدى ما فيه الا جعل له يوم القيامة صفائح من نار يكوى بها» فوجبت الزكاة فى كل ذهب بهذا النص. وصح يقينا بلا خلاف أن رسول الله ﷺ «كان يوجب الزكاة فى الذهب والفضة كل عام» والحلى فضة أو ذهب فلا يجوز اسقاط الزكاة عنهما بدون نص فى ذلك ولا اجماع (١)
ولا تجب الزكاة فى عروض التجارة ولا فى الخيل وغيرها من الحيوان سوى الابل والبقر والغنم (٢) ولاستيفاء أحكام كل ذلك (انظر: مصطلح زكاة).
مذهب الزيدية:
تجب الزكاة فى الحلى من الذهب أو الفضة المحظور اقتناؤه واستعماله اذا بلغ نصابا بالاتفاق كالخاتم الثانى ومعاضد الرجال وكذلك تجب فى الحلى المباح سواء كان ملبوسا أم لا «لأمره ﷺ بتزكية السوارين» (٣).
وقال الناصر: لا زكاة فى كل حلية مباحة.
كما تجب فى حلية السيف أو غيره منهما اذا أمكن انفصالهما فأما اذا صارا مموهين فى غير جنسهما فلا شئ فيهما. لأنه فى حكم المستهلك (٤).
وكذلك ما تعذر فصله من زخرفة البيت من الذهب والفضة لم يجب تغييره، اذ هو اضاعة ولا يجب تزكيته، اذ هو كالتالف (٥) وتجيب الزكاة ايضا بالاتفاق فى الآلات والأوانى المتخذة من الذهب والفضة لقول الله تعالى: «وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ» (٦)
وكذلك تجب فيما يجبر به السن والأنف وكسر الاناء من الذهب أو الفضة (٧) اما الجواهر من غيرهما فقال الهادى والقاسم:
يزكى ما قيمته نصاب منها، لعموم قوله تعالى «خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً» (٨) فلا يخرج الا ما خص وكالذهب لنفاسة جوهرها.
وقال المؤيد بالله: لا زكاة فيها، اذ هى للاقتناء كالعقار.
قال صاحب البحر الزخار: العقار خصه الدليل بعدم وجوب الزكاة فيه دون الجواهر
стр. 7133
فان قالوا: لا تلزم لأصل البراءة، قلنا:
بل تلزم للعموم الا ما خص (١).
ولا تجب الزكاة فى عروض الاقتناء كالعقار والثياب والسلاح والنحاس والحديد ما لم يكن ذلك للتجارة أو للاستغلال ولا تصير العروض للتجارة الا اذا نواها الشخص للتجارة عند ابتداء ملكه بالاختيار مثل الشراء والاتهاب والصدقة. وتصير العروض للاستغلال اما بنية الاستغلال عند ابتداء الملك كالتجارة أو بالتأخير لها بالنية أى اذا لم يكن نواها للاستغلال عند ابتداء استغلالها وأنه قد يصير للاستغلال بوجه أخر وهو ان يؤجر الدار ونحوها بنية ابتداء استحلالها وأنه قد صيرها لذلك فلا تكفى النية وحدها فيهما بدون التصرف بخلاف الاقتناء حيث تكفى فيه النية وحدها، لأن الاقتناء ترك التصرف.
ولو نوى أن يكون المال للتجارة أو للاستغلال سنة ثم يصير للاقتناء فان هذا التقييد لا تفسد به النية بل يصح ويصير المال للتجارة أو للاستغلال حتى تمضى السنة ثم يصبح للاقتناء هذا اذا كانت النية مقيدة الانتهاء فيهما.
أما اذا كانت مقيدة الابتداء فان التقييد لا يصح بل يلغو وتصح النية، لذلك نحو أن ينوى عند الشراء ان يكون المال المشترى للاقتناء أولا ثم بعد مضى سنة أو بعد ان يحج بالدابة أو يحرث بالثور يكون للتجارة أو للاستغلال فان هذا التقييد يلغو ويصير المال للتجارة أو للاستغلال (لا للاقتناء). من يوم العقد ان كان صحيحا ومن يوم القبض ان كان فاسدا، ووجه ذلك ان من لازم الاقتناء نية تأييد استبقائه الا لمانع فاذا نوى كون الشئ الى مدة كذا للاقتناء بطل كونه لذلك بتقييد النهاية، فاذا بطلت هذه ثبت كونه للتجارة من حين ابتداء الملك. فيحسب حول مال التجارة أو الاستغلال من الوقت الذى نوى فيه كونه لذلك، فمتى كمل له من ذلك اليوم حول وجبت فيه الزكاة ولو لم يجر فيه تصرف من بعد النية. (٢)
ولو نوى بعض المال للاقتناء وبعضه الآخر أو ما زاد على كفايته للتجارة من غير تعيين يصير الكل للتجارة كما لو اشترى الدار للسكنى والاجارة والفرس للركوب والتأجير أو الغنم ونحوها للانتفاع لصوفها لنفسه وبيع لبنها وأولادها أو العكس كان ذلك كله للاستغلال ولا حكم لنية الانتفاع لنفسه فتجب الزكاة عند الهادى (٣) ويخرج المال عن كونه للتجارة والاستغلال بالاضراب عن ذلك فاذا كانت معه بهيمة للتجارة أو للتأجير فأضرب عن جعلها لذلك بطل كونها للتجارة أو للاستغلال بمجرد نية الاضراب بشرط ان يكون ذلك مطلقا غير مقيد بوقت أو شرط، فأما لو كانت السلفة للتجارة فنوى ترك التجارة بها مدة سنة أو أكثر لم تبطل كونها للتجارة بذلك وكذلك الاستغلال (٤) هذا فيما يدخل فى ملكه باختياره. (٥)
стр. 7134
أما ما يدخل فى ملكه بغير اختياره كالميراث وكانت التركة من المثليات فانه ولو نوى كونه للتجارة عند ابتداء ملكه لم يصر للتجارة سواء كان الوارث واحدا أو أكثر.
وأما اذا كانت التركة من القيميات وكان الوارث أكثر من واحد فانه يصح أن ينوى ما صار اليه من نصيب شريكه للتجارة عند القسمة لانها بيع، ذكره الفقيه يحيى. (١)
ولا تجب الزكاة فى آلات التجارة والاستغلال أو مؤنهما ولو بلغت قيمتها نصابا وذلك كالحانوت والبهيمة التى يستعان بها فى الحمل والركوب والاقفاص والجوالق والموازين ونحوها وكذا علف بهائم التجارة ونفقة العبيد الذين يرابح فيهم وكسوتهم، وما يزين به العبد والبهيمة ليرغب فيه لأن كل ذلك ليس من أموال التجارة والاستغلال
أما الصباغ - وهو ما يصبغ به - والاخشاب والحجارة فتجب فيه الزكاة، اذ ليس بمؤنة لأنه يتناوله عقد المعاوضة، ولأن الصباغ والاخشاب هى من جملة مال التجارة، وجزء الشئ ليس بمؤنة وكذلك الاحجار حيث كان مراده أن بيعها أو يجعلها حوانيت ويبيعها لا ليسكنها أو يحفظ فيها مال للتجارة فلا زكاة فيها قبل العمارة. (٢)
ولا تجب الزكاة فيما يقتنى للعمل من الابل والبقر لما روى على قال: «عفا النبى ﷺ عن الابل العوامل تكون فى المصر فاذا رعت وجبت فيها الزكاة» (٣)
ولا زكاة فيما يقتنى للعلف من الابل والبقر والغنم (٤)
ولا تجب فى الحمير والبغال اجماعا، ولا فى الخيل عند العترة كالحمير والبغال اذ لا نماء فيها كالعقار (٥) ولو بذر بحب التجارة أرضا للاقتناء وهو غير مضرب عن التجارة فاذا حصده وجب عليه العشر لاجل الحصاد، ومتى تم عليه الحول منذ ملكه بنية التجارة زكاه زكاة التجارة وهى ربع العشر لاجل الحول (٦).
وكتب المطالعة والتدريس التى يقتنيها العالم لا يصير غنيا بها كالمنزل وأثاثه فلا تخرجه عن كونه مسكينا أو فقيرا يستحق صرف الزكاة اليه قال ذلك الامام يحيى، وكذلك المؤيد بالله فى أحد قوليه وفى قول آخر له: يصير غنيا بها فلا تصرف الزكاة اليه (٧)
مذهب الإمامية:
لا تجب الزكاة فى الحلى سواء كان يحل اقتناؤه واستعماله كالسوار والخلخال والطوق للمرأة وحلية السيف والمنطقة للرجل، أو يحرم
стр. 7135
ذلك كالخلخال للرجل والمنطقة للمرأة والأوانى المتخذه من الذهب والفضة وآلات اللهو لو عملت منهما وان بلغت ما بلغت لخبر رفاعة سمعت أبا عبد الله وقد سأله بعضهم عن الحلى فيه زكاة قال: لا وان بلغ مائة ألف، وفى مرسل ابن أبى عمير «زكاة الحلى أن يعار». (١)
ولا زكاة فى السبائك المتخذة من الذهب والفضة وتبرهما ونقارهما - أى القطع غير المضروبة منهما لان ما ليس بدراهم ولا دنانير منقوشة لا تجب فيها الزكاة. (٢)
ولو اتخذ الدراهم أو الدنانير المنقوشة بكتابة أو غيرها آلة للزينة وغيرها ففى الروضة وشرحها للاصفهانى لم يتغير الحكم أى تتعلق بها الزكاة سواء زادها الاتخاذ لذلك فى قيمتها أو نقصها مادامت المعاملة بها ممكنة على وجه من الوجوه لاطلاق الادلة والاستصحاب نعم لو تغيرت بالاتخاذ لذلك ثقب ونحوه بحيث لا تبقى المعاملة بها اتجه عدم وجوب الزكاة فيها حينئذ لانتفاء الشرط الذى هو المعاملة بصنفها (٣).
واذا قصد الشخص بالسبك للدراهم والدنانير أو بجعلهما الفرار من الزكاة فالمشهور بين المتأخرين سقوط الزكاة.
وقيل: اذا قصد ذلك وجبت الزكاة ولو كان ذلك قبل مضى الحول أما ان قصد ذلك بعد الحول فتجب الزكاة اجماعا (٤).
واذا ترك الشخص نفقة لأهله وعياله من الدراهم أو الدنانير تبلغ قدر نصاب فما زاد وهو لا يعلم زيادتها على قدر الحاجة وحال عليها الحول فالمشهور شهرة عظيمة أن الزكاة تسقط عنها اذا كان المالك غائبا وتجب عليه زكاتها لو كان حاضرا.
وقال ابن ادريس تجب فيها الزكاة على التقديرين أى سواء كان المالك حاضرا أم غائبا والرأى الأول مع أنه مشهور مروى فى الموثق عن أبى الحسن. (٥)
ولا تستحب الزكاة فى المساكن ولا فى الثياب والاثاث والالات والامتعة المتخذة للاقتناء باجماع العلماء.
اما العقار المتخذ للنماء فتستحب الزكاة فى حاصله بدون خلاف ان بلغ نصابا وحال عليه الحول والمراد بالعقار هنا ما يعم البساتين والدكاكين والخانات والحمامات ونحوها على ما صرح به الاصحاب كما فى المدارك (٦).
والقدر المخرج ربع العشر مثل النقدين. (٧)
стр. 7136
وكذلك تستحب الزكاة من مال التجارة وهو المال الذى ملك بعقد معاوضة وقصد به الاكتساب عند التملك فلو ملكه بعقد معاوضة لكن لا بقصد التجارة والتكسب بل بقصد الاقتناء ابتداء او انتهاء او بقصد التصدق به أو بدون قصد شئ فانه لا تستحب زكاته وان قصد به التجارة بعد ذلك لم يصير للتجارة بمجرد النية (١). لأن من اشترى شيئا للاقتناء لا يقال: انه تاجر ولا يقال: انه اتجر فلا يصدق على المال الذى اشتراه للاقتناء اذا نوى بعد ذلك بيعه باكثر من ثمنه انه مال تجارة تستحب فيه الزكاة (٢)
اما لو اشترى امتعة للتجارة ثم نوى اقتناءها ولو يوما من الحول صحت نيته وصارت الأمتعة للاقتناء فلا زكاة فيها بلا خلاف والفرق بين نية الاقتناء ونية التجارة - حيث يحصل قطع التجارة بالاولى اتفاقا ولا يحصل قطع الاقتناء بالثانية على المشهور - هو ان الأصل فى الأمتعة الاقتناء والتجارة عارضة وبمجرد النية يعود حكم الاصل ولا يزول حكم الاصل بمجردها بدون تصرف كما لا تكفى نية سوم الماشية بدون اسامتها فعلا ولان التجارة عمل. هذا هو ما ذهب اليه علماء المذهب وأكثر العامة.
وقال بعض العامة: تكفى نية التجارة المجردة فى جعل امتعة الاقتناء للتجارة فتزكى استحبابا لان التربص والانتظار تجارة، ولانه كما تعمل نية الاقتناء فى قطع التجارة اتفاقا فكذا تعمل نية التجارة فى قطع الاقتناء جاء هذا فى المعتبر واستدل عليه باطلاق النصوص ولعله لذلك كان اختيار البيان وظاهر اللمعة البهية. واستحسنه فى المسالك وقواه صاحب الروضة البهية
قال صاحب جواهر الكلام: وهذا عندى قوى لان نية التجارة هو أن يطلب بتملك الامتعة زيادة على رأس ماله وينوى بها البيع كذلك فتجب الزكاة ولا نسلم ان الزكاة تتعلق بالفعل الذى هو البيع بل يكفى اعداد السلعة لطلب الربح وذلك يتحقق بالنية. وكذلك لا زكاة فى المال لو انتقل اليه بغير عقد كالميراث وحيازة المباحات ونحو ذلك أو بعقد لكن ليس عقد معاوضة كالهبة والصدقة والوقف ونحو ذلك. كما لا زكاة فى المهر وعوض الخلع (٣) أو انتقل اليه بعقد معاوضة لكن لا بقصد التكسب بل للاقتناء فانه لا يزكيه وان قصد به التكسب بعد ذلك ضرورة عدم مقارنته لحال الانتقال اليه. ولو اشترى عرضا للتجارة بعرض للاقتناء فرد عليه عرض الاقتناء بالعيب انقطع حول التجارة لان الاقتناء كان فى العين وقد استردت ولو كان عنده عرض للتجارة فباعه بعرض للاقتناء ثم رد عليه عرضه لم يكن مال تجارة لانقطاعها بنية الاقتناء فى بدله.
ولو اشترى عرضا للاقتناء بمثله ثم رد ما اشتراه بعيب، أو رد عليه ما باعه فأخذه على قصد التجارة لم يصر مال تجارة بناء على اعتبار مقارنة قصد التجارة للتملك بعقد المعاوضة
стр. 7137
وعدم كون الفسخ بالعيب عقد معاوضة فاشبه الموروثة.
وكذلك الفسخ بالخبار المشروط مثلا والاقالة ونحوها.
وهذا بخلاف ما اذا كان المدفوع والمأخوذ كلاهما للتجارة كما اذا تعارض التاجران ثم ترادا لعيب ونحوه فان المتاعين جاريان فى التجارة كما صرح به فى البيان لتعلقها بالمالية لا بالعين.
هذا كله على القول بأن مجرد نية التجارة لا تكفى فى جعل عروض الاقتناء للتجارة أما على القول الآخر - المختار عند البعض - فلا اشكال فى شئ من ذلك، لأنه يكتفى فيه بالنية والاعداد للتجارة. (١)
واذا اشترى عرضا للتجارة فان كان الذى اشترى به عرضا للاقتناء مثل شئ من متاع البيت من أثاث وفرش وغير ذلك كان حول العرض من حين اشتراه للتجارة.
وان كان الذى اشتراه نصابا تجب فيه الزكاة من الماشية فانه يستأنف الحول ولا يبنى على حولها السابق. (٢)
ولو اشترى أرضا للتجارة وزرعها ببذر القنية وجبت المالية فى الزرع، ولم يسقط استحباب زكاة التجارة فى الأرض، أما وجوب المالية فى الزرع دون زكاة التجارة فلأن البذر للقنية. وأما عدم سقوط استحباب زكاة التجارة عن الارض بأداء العشر فقد حكى عليه الاجماع فى التذكرة (٣).
ولا زكاة فى البغال والحمير والخيل الذكور - أما الخيل الاناث فتستحب فيها.
وكذلك لا زكاة فى المعلوفة من الابل والبقر والغنم وكذا العوامل منها ولو سائمة بلا خلاف
مذهب الإباضية
تجب الزكاة فى الحلى سواء كان يحل استعماله أم لا وسواء كان للنساء أو للرجال. (٤)
لما روى عن النبى ﷺ «انه دخلت عليه امرأتان عليهما سواران فقال لهما أتحبان أن يسور كما الله بسوارين من نار؟ فقالتا لا قال: فأديا زكاتهما. رواه الترمذى والدار قطنى وما روى عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت «دخلت على رسول الله ﷺ وفى يدى ثلاث فتخات من ورق أو قالت من ذهب فقال ﷺ ما هذا؟ فقلت أتزين لك به يا رسول الله فقال: أتؤدين زكاتهن؟ فقلت: لا فقال حسبك من النار، اعلمى أن فيهن الزكاة» رواه أبو داود والدار قطنى.
فهذا دليل فاطع فى زكاة الحلى (٥)
стр. 7138
والفتخات جمع فتخة وهى الخاتم الكبير يكون فى اليد والرجل أو حلقة من فضة كالخاتم. وكذلك تجب الزكاة فى حلية السلاح وغيره. (١) وأوانى الذهب والفضة كما تجب فى السبائك غير المصوغة من التبر ونحوه وبالجملة كل ما وقع عليه اسم الذهب والفضة اذا تم فيه النصاب وجبت فيه الزكاة. (٢)(٣) أما ما عدا الذهب والفضة من الجواهر كاللؤلؤ والمسك بفتح الميم والسين الأسورة والخلاخيل من العظام - والعنبر فلا زكاة فيها الا أن قصد بها التجارة فتزكى زكاة عروض التجارة ولا زكاة فى عروض الاقتناء ولو اقتناها الانسان بقصد أنه ان رأى فائدة فى بيعها باعها (٤) وجاء فى شرح النيل: ان العروض المتخذة للانتفاع والتجارة معا مثل ان يشترى دابة ليحمل عليها مثلا وليبيعها فيربح فالظاهر لزوم الزكاة. (٥)
ويرد مال التجارة الى الكسب - أى الاقتناء بالنية ولا يرد مال الكسب الى التجارة بالنية وحدها لان التجارة فى اللغة المكاسبة ولا تعقل المكاسبة بالنية غير ان قوله ﷺ «انما لأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى» (٦) يدل على جواز ذلك. (٧)
قال صاحب شرح النيل: وهو الصحيح عندى.
وجاء فى القواعد من اشترى أكسية للتجارة ثم بداله أن يجعلها للباس أو اشتراها للباس ونواها للتجارة فلا زكاة عليه عند البعض وذكر البعض أن هذا هو المذهب ووجهه أن الأصل فى العروض الكسب والتجارة عارضة فمجرد النية يعود حكم الاصل.
واذا ثبت لم يزل بمجرد النية وقال آخرون بغير ذلك.
وذكر صاحب الديوان أيضا الاختلاف فى هذه المسألة. (٨)
وجاء فى قناطر الخيرات: أن من نوى التجارة فى مال قنية فلا ينعقد الحول بمجرد نيته حتى يشترى به شيئا ومهما قطع نية التجارة قبل تمام الحول فليؤد زكاة تلك السنة (٩).
وان كانت العروض المقتناه من غلته أو وهبت له أو ورثها فقيل يقومها ويزكيها ان قصد بها التجارة وقيل: لا يزكيها حتى يبيعها بالعين (الذهب) ويحول الحول فيزكى العين. (١٠)
стр. 7139
ومن ملك ما لا لم يعلم به كأرث لم يطلع عليه بأن لم يعلم ان مورثه مات أو لم يعلم أنه ترك مالا فوقت زكاته من حين دخل ملكه على الصحيح لا من حين علم به.
فان كان الموروث أنعاما تجب فيها الزكاة - وهى الابل والبقر والغنم - ولم ينوها للتجارة ولا للكسب لعدم علمه بالارث مثلا حتى جاء وقت زكاة أنعامه من جنس الانعام التى ورثها وجبت عليه زكاة الكل. وان علم من قبل فعليه أن ينويها للكسب أو للتجارة فيزكى على الكسب أو التجارة.
وان كان الموروث لا زكاة فيه فلا يلزمه ان يزكيه حتى ينويه للتجارة.
وهذا كله على القول بوجوب زكاة الحيوان ولو لم يقبض. (١)
وان اشترى حبا لتجارة بعشرين دينارا فحرثه - زرعه - فحصد منه ما تجب فيه الزكاة ادى على ما جعل فيه من الدنانير نصف دينار وأدى العشر أو نصفه ايضا على ما حصد وقيل:
يؤدى عن الحبوب العشر أو نصفه فقط واذا جاء وقت زكاته زكى الحب بقيمته لا بما جعل فيه وقيل يؤدى على العشرين التى جعلت فى الحب فقط.
ومن اشترى حبا للتجارة ثم بداله أن يزرعه لنفقة عياله أو نحوها مما ليس بتجارة فانما عليه زكاة الحبوب اذا أدركت عشرا أو نصف عشر وان اشتراه لزرع دون تجارة فزرعه ثم أراد التجارة فعليه زكاة الحبوب واذا حل وقت زكاة النقد زكى ما حصد على حسب قيمته.
وكذلك الحكم ان (٢) اشترى أربعين شاة بأربعين دينارا ونوى بالشياه الكسب والتجارة ففيها الخلاف المتقدم.
ومن اشترى أربعين شاة للتجارة فحال عليها الحول فضيع ولم يؤد حتى استفاد غنما للكسب فقيل: يؤدى عنها شاه ويؤدى أيضا على ما جعل ثمنا لها من ذهب أو فضة.
وقيل يؤدى عن ثمنها دون الفائدة ان كان للكسب ويؤدى عنها ان كانت للتجارة.
وان ضيع زكاة غنم الكسب حتى استفاد غنما للتجارة ففيه القولان السابقان أيضا. (٣)
والجمال التى يحمل عليها للتجارة يؤدى زكاتها والتى يحمل عليها للكسب لا زكاة عليها (٤) وان اشترك اثنان فى أربعين شاة مثلا أحدهما لتجارة والآخر لكسب أتم الكاسب بالتاجر فيزكى الكاسب على سهمه من الغنم فيلزمه نصف شاة ان كانت شركتهما انصافا والا فبقدرها ولا يتم التاجر بالكاسب لأن زكاة التاجر انما هى على الذهب أو الفضة المدفوع ثمنا فى الغنم أو على ما تساوى بالسعر والنقدان لا يستتم فيهما الشريك بشريكه. (٥)
стр. 7140
وتجب الزكاة فيما يقتنى من الابل والبقر والغنم ان كانت سائمة أى راعية - بالاتفاق وأما الابل والبقر والغنم التى يعلفها صاحبها بعلف من عنده أو يجيئ اليها بالحشيش ونحوه من المباحات ففى وجوب الزكاة فيها خلاف.
فقيل: تجب الزكاة فى هذه الاصناف سائمة كانت أو غير سائمة، والسوم جار على الغالب لا قيد، وهو الصحيح وقال بعضهم: لا زكاة فى غير السائمة.
واختلف ايضا فى الابل والبقر التى تقتنى للعمل كحمل القوت ونحوه لاصحابها لا للتجارة فقيل: تجب فيها الزكاة اذا كانت نصابا.
وقيل: لا تجب فيها، وهو الصحيح، واختار بعض الأصحاب الأول (١)
والأصح عدم وجوب الزكاة فى الابل الجارة - وهى التى تجر بزمام أى حبل - ذاهبة وراجعة بقوت العيال أو كسوتهم أو حمل ما يحتاج اليه البيت أو حمل آلات البيت أو غير ذلك من الاعمال كالحرث والسقى والحمل بالأجرة (٢) وذلك أنه روى فى الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا صدقة فى الابل الجارة» رواه الدار قطنى والحاكم والبيهقى وسميت جارة بمعنى مجرورة (٣).
واذا اقتنى الانسان الابل والبقر بقصد العمل والتناسل وجبت زكاتها.
ولا تجب الزكاة فيما يقتنى من غير الابل والبقر والغنم من الحيوان كالخيل والحمير حتى وان قصد باقتنائها النسل (٤).
اختلاف الزوجين فيما يقتنى
من متاع البيت
مذهب الحنفية:
اختلاف الزوجين ولا بينة لاحدهما فى متاع البيت ولو ذهبا أو فضة اما ان يكون بين الزوجين فى حال حياتهما واما ان يكون بين ورثتهما بعد وفاتهما واما ان يكون فى حال حياة احدهما وموت الآخر. فان كان فى حال حياتهما فاما ان يكون فى حال قيام النكاح واما ان يكون بعد زواله بالطلاق. فان كان فى حال قيام النكاح فما كان يصلح للرجال كالعمامة والقلنسوة والسلاح والمنطقة والكتب والفرس وغيره فالقول فيه قول الزوج مع يمينه لان الظاهر شاهد له. وما يصلح للنساء مثل الخمار والملاءة والاساور وخواتم النساء والحلى والخلخال وأمثال ذلك فالقول فيه قول الزوجة مع اليمين لأن الظاهر شاهد لها. قال الامام التمرتاشى: الا أن يكون الرجل صائغا والموجود عدد من أساور وخواتيم النساء والحلى والخلخال وأمثال ذلك فحينئذ لا يكون لها مثل هذه الأشياء ويكون القول له. وكذا اذا كانت المرأة تاجرة تتجر فى ثياب الرجال والنساء أو فى ثياب الرجال وحدها لا يقبل قوله فيها وما يصلح للرجل والمرأة كالدراهم والدنانير والفرش والأمتعة والأوانى والسط
стр. 7141
والمواشى والحبوب ونحوها فالقول فيه قول الزوج عند أبى حنيفة ومحمد لان يد الزوج على ما فى البيت أقوى من يد المرأة لان يده يد متصرفة ويدها يد حافظة ويد التصرف أقوى من يد الحفظ الا أن فيما يصلح لها عارض هذا الظاهر ظاهر أقوى منه وهو يد الاختصاص بالاستعمال فسقط اعتباره وقال أبو يوسف: القول قول المرأة الى قدر جهاز مثلها والقول قول الزوج فى الباقى لان الظاهر يشهد للمرأة الى قدر جهاز مثلها لان المرأة لا تخلو عن الجهاز عادة فكان الظاهر شاهدا لها فى ذلك القدر، فكان القول فى هذا القدر قولها مع اليمين والظاهر يشهد للرجل فى الباقى فكان القول قوله فى الباقى مع يمينه. وقال زفر - فى قول المشكل بينهما نصفان. وفى قول آخر: الكل بينهما نصفان لأن كل واحد من الزوجين ثابتة على ما فى البيت فكان الكل بينهما نصفين وهو قياس قوله الا أنه خص المشكل بذلك فى قول. لان الظاهر يشهد لاحدهما فى غير المشكل. وان اختلفا بعد ما طلقها ثلاثا أو بائنا فالقول قول الزوج لانها صارت اجنبية بالطلاق فزالت يدها والتحقت بسائر الأجانب هذا ما ذكره صاحب البدائع وجاء مثله فى لسان الحكام. ولكن الذى مشى عليه الشراح هو انه لا فرق بين ما اذا كان الاختلاف فى حال قيام النكاح أو بعد ما وقعت الفرقة وهذا كله اذا لم لم تقر المرأة ان هذا المتاع اشتراه الزوج فان أقرت بذلك سقط قولها لأنها اقرت بالمالك لزوجها ثم ادعت الانتقال اليها فلا يثبت الانتقال الا بالنية وكذا اذا ادعت انها اشترته منه ولو برهن على شرائه كان كاقرارها بشرائه فلا بد من بينة على الانتقال اليها بهبة أو نحو ذلك. ولا يكون استمتاعها بما اشتراه من متاع ورضاه بذلك دليلا على انه ملكها ذلك كما تفهمه النساء والعوام وسكوت الزوج عند نقلها ما يصلح لهما لا يبطل دعواه. ولو أقاما بينة يقضى ببينة المرأة لانها خارجة معنى هذا اذا اختلف الزوجان قبل الطلاق او بعده فاما اذا ماتا فأختلف ورثتهما فى المشكل الصالح لهما فالقول قول ورثة الزوج عند أبى حنيفة ومحمد وعند ابى يوسف القول قول ورثة المرأة الى قدر جهاز مثلها وقول ورثة الزوج فى الباقى لأن الوارث يقوم مقام المورث فصار كأن المورثين اختلفا بأنفسهما وهما حيان.
وان مات أحدهما واختلف الحى وورثة الميت فان كان الميت هو المرأة فالقول قول الزوج عند ابى حنيفة ومحمد لأنها لو كانت حية لكان القول قوله فبعد الموت أولى. وعند ابى يوسف لقول قول ورثتها لى قدر جهاز مثلها وان كان الميت هو الزوج فالقول قولها عند أبى حنيفة فى المشكل وعند ابى يوسف القول قولها فى قدر جهاز مثلها وعند محمد: القول قول ورثة الزوج، ووجه قول ابى يوسف ومحمد ظاهر لأن الوارث قائم. مقام المورث ووجه قول أبى حنيفة ان المتاع كله كان فى يدهما اثناء حياتهما فينبغى ان يكون بينهما نصفين كما قال زفر ولان يد الزوج كان اقوى فسقطت يدها بيد الزوج فاذا مات الزوج فقد زال المانع فظهرت يدها على المتاع.
ولو طلقها فى مرضه ثلاثا أو بائنا فمات ثم اختلفت هى وورثة الزوج فان مات بعد انقضاء العدة فالقول قول ورثة الزوج لان القول قول
стр. 7142
الزوج فى المشكل بعد الطلاق فكان القول قول ورثته بعده ايضا وان مات قبل انقضاء العدة فالقول قولها عند ابى حنيفة فى المشكل وعند ابى يوسف فى قدر جهاز مثلها وعند محمد القول قول ورثة الزوج لان العدة اذا كانت قائمة كان النكاح قائما من وجه فصار كما لو مات الزوج قبل الطلاق وبقيت المرأة وهناك القول قولها عند ابى حنيفة فى المشكل وعند أبى يوسف فى قدر جهاز مثلها وعند محمد القول قول ورثة الزوج كذا هنا.
ولا فرق فى كل هذا بين الزوجين المسلمين والمسلم مع الذمية لأن الكفر لا ينافى أهلية الملك وكذلك لا فرق بين يكون الزوجان كبيرين أو صغيرين والصغير بجامع ولا بين ان يكون البيت ملكا لهما أو لأحدهما خاصة لان العبرة لليد لا للملك. (١)
هذا كله فى اختلاف الزوجين. اما اذا اختلف نساء الزوج دونه فان متاع النساء يكون بينهن على السواء ان كن فى بيت واحد. وان كانت كل واحدة منهن فى بيت على حدة كما فى بيت كل امرأة منهن يكون بينها وبين زوجها على التفصيل المذكور ولا يشترك بعضهن مع بعض. (٢)(٣) واذا اختلف الأب مع ابنه فيما فى البيت قال فى الخزانة قال أبو يوسف: اذا كان الأب فى عيال الابن فى بيته فالمتاع كله للابن كما لو كان الابن فى بيت الاب وعياله فمتاع البيت للاب ثم قال: قال محمد: رجل زوج بنته وهى وختنه - أى صهره - فى داره وعياله ثم اختلفوا فى متاع البيت فهو للاب لانه فى بيته وفى يده ولهم ما عليهم من الثياب واذا اختلف أسكافى وعطار مثلا فى آلة الأسكافة أو آلة العطارين وهى فى ايديهما فانه يقضى به بينهما ولا ينظر الى ما يصلح لأحدهما لانه قد يتخذه لنفسه او للبيع فلا يصلح مرجحا.
وكذلك اذا اختلف الزوجان فى غير متاع البيت وكان فى أيديهما فأنهما كالاجنبيين يقسم بينهما.
واذا اختلف المؤجر والمستأجر فى متاع البيت فان القول فيه للمستأجر مع يمينه لكون البيت مضافا الى المستأجر بالسكنى (٤).
مذهب المالكية:
اذا اختلف الزوجان فى متاع البيت الموجود فيه سواء كان ذلك الاختلاف قبل الدخول أو بعده وسواء كان قبل الطلاق أو بعده او بعد الفرقة بلعان أو ايلاء أو فسخ وسواء كانا مسلمين أو كافرين ولا بينة لواحد منهما فانه يرجع فى ذلك الى العرف فما كان يصلح للنساء كالحلى وما يناسبها من الملابس ونحوها فالقول فيه قولها بيمين وهذا اذا لم يكن المتاع فى حوز الرجل الخاص به وادعاه ولم تكن المرأة فقيرة معروفة بالفقر والا فلا يقبل قولها فى الصورة الاولى وكذا فى الثانية اذا ادعت ما تزيد قيمته على المقبوض من صداقها.
стр. 7143
وما كان يصلح للرجال فقط كالسلاح وآلة الفلاحة والحرث ونحوها أو كان يصلح للرجال والنساء معا كالطشت وسائر الأوانى والألحفة وخواتم الذهب بالنسبة للبلاد التى يلبسها فيها الرجال والنساء ونحو ذلك فالقول فيه للرجل مع يمينه سواء جاز استعماله أم لا لأن البيت بيته الا أن يكون ذلك فى حوزها الخاص بها أو كان لا يشبه أنه لا يملكه لفقره فلا يقبل قوله ويكون للزوجة.
واذا تنازع الزوجان فى متاع البيت فادعى الرجل شيئا يشبه ان يكون للنساء كالحلى أنه له وأقام البينة على أنه اشتراه من غيرها أو اشتراه فقط فانه يحلف مع البينة انه اشتراه لنفسه لا لزوجته وانها لم تدفع اليه ثمنه ولا شيئا منه ان ادعت ذلك ثم يقضى له به فلو شهدت البينة أنه ورثه أو وهب له أو اشتراه لنفسه أو اشتراه منها فانه يقضى له به من غير يمين.
وكذلك المرأة اذا ادعت شيئا من متاع البيت يشبه أن يكون للرجال كالسيف فقالت هو لى وأقامت على شراء ذلك بينة فانه يقضى لها به وفى حلفها اليمين مع بينتها تأويلان فقيل ليس عليها يمين بخلاف الرجل لأن الرجال قوامون على النساء وحيث كان كذلك فالشأن أن المرأة ما اشترت ذلك الا لنفسها لا للزوج لانها ليست قوامة على زوجها وقيل: بل عليها اليمين وسكت عنها فى المدونة اجتزاء بذكر يمين الرجل عن يمينها (١)
وورثة كل من الزوجين بمنزلته فى الحلف لكن يحلفون على نفى العلم لا على البت.
ومثل الزوجين فى جميع هذه الصور القريبان كرجل ساكن مع محرمه تنازع معها فى متاع البيت ولا بينة لهما.
مذهب الشافعية:
لو اختلف الزوجان فى متاع بيت يسكنانه ولو بعد الفرقة ولا اختصاص لأحدهما بيد فمن أقام بينة على شئ فهو له وان لم تكن هناك بينة فان كان فى ايديهما حلف كل منهما صاحبه وان حلف كل منهما للآخر جعل بينهما نصفين لأن يد كل واحد منهما ثابتة على نصف ما فى الدار فقضى له به ويحلف الآخر عليه وان حلف أحدهما دون الآخر قضى للحالف وان كانت اليد على المتاع لأحدهما حسا أو حكما كان القول قوله فيه مع يمينه وسواء فى كل ذلك ما يصلح للزوج كيف ومنطقة أو يصلح للزوجة كحلى أو يصلح لهما معا كدراهم ودنانير أولا يصلحلهما كمصحف وكتاب وهما أميان. وسواء كانت الدار ملكا للزوج أو ملكا لهما أو مستأجرة واختلاف ورثتهما أو ورثة أحدهما والآخر على ذلك التفصيل (٢).
مذهب الحنابلة:
ان تنازع زوجان أو تنازع ورثتهما بعد موتها أو تناول احدهما وورثة الآخر فى متاع البيت من فرش وملبوس ونحوهما واوان وغيرها
стр. 7144
أو تنازعا فى بعض ذلك بأن قال كل منهما:
هذه العين لى فان كان لأحدهما بينة عمل بها والا فيما يصلح للرجال كالعمامة والسيف فللرجل مع يمينه أو ورثته مع يمينهم وكذا قمضان الرجال واقبيتهم وجبابهم والسلاح وأشباهه وما يصلح للنساء كحليهن وثيابهن ومقانعهن ومغازلهن وأشباهما فللمرأة مع يمينها أو ورثتها مع يمينهم والمصحف للرجل اذا كانت لا تقرأ فان كانت تقرأ فهو لهما. وكذا ينبغى فى كتب العلم. وما يصلح للرجال والنساء كالفرش والأوانى والقماش الذى لم يفصل واشباه ذلك سواء كان فى أيديهما من طريق الحكم أو من طريق المشاهدة وسواء اختلفا فى حال الزوجية أو بعد البينونة فهو بينهما. وان كان المتاع فى يد غيرهما ولم تكن بينة لآحدهما أقرع بينهما فمن خرجت قرعته منهما حلف واحدة وان اقام أحدهما بينة دفع المتاع اليه لترحجه بها.
وكذا لو اختلف صانعان فى آلة وكان لهما حكم بآلة كل صنعة لصانعها فالة العطارين للعطار وآلة النجارين للنجار سواء كانت الآلة فى أيديهما من طريق الحكم أو من طريق المشاهدة لأن هذا هو الظاهر كما فى قماش البيت عند تنازع الزوجين فان لم يكن الصانعان فى دكان واحد واختلفا فى عين لم يرجع احدهما بصلاحية العين له وكذا لو تنازع رجل وامرأة سواء كانت زوجة له أم لا فى عين غير قماش بينهما فلا ترجيح لاحدهما بصلاحية العين له. بل ان كانت فى أيديهما فهى بينهما وان كانت فى بد أحدهما فهى له بيمينه وان كانت فى يد غيرهما ولم ينازع اقترعا عليها. (١)
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم: اذا تنازع الزوجان فى متاع البيت فى حال الزوجية أو بعد الطلاق أو تنازع أحدهما مع ورثة الآخر بعد الموت أو ورثتهما جميعا بعد موتهما فكل ذلك سواء وكل ذلك بينهما نصفان مع أيمانهما أو يمين الباقى منهما أو ورثة الميت منهما أو أيمان ورثتهما معا وسواء فى ذلك السلاح والحلى وسواء ما يصلح للرجال فقط أو للنساء فقط أو للرجال والنساء جميعا الا ما على ظهر كل واحد منهما فهو له مع يمينه. وبرهان ذلك ان يد الرجل ويد المرأة على ما فى البيت الذى يسكنانه أو دار سكناهما فصح أنهما فيه سواء فليس أحدهما أولى به من الآخر فهو لهما اذ هو فى أيديهما ولكل منهما اليمين على الآخر فيما ادعى مما بيده ولا ننكر ملك المرأة السلاح كما لا ننكر ملك الرجل الحلى (٢).
مذهب الزيدية:
اذا تنازع الزوجان وكذا ورثتهما فى آلة البيت ومتاعه ولا بينة لأحدهما حكم للزوج
стр. 7145
بما يختص بالرجال وللمرأة بما يختص بالنساء وقد أومأ اليه القاسم قال أبو طالب: وهو الصحيح عندنا وذلك لثبوت أيديهما فرجع الى الترجيح ويد كل على ما يليق به أقوى فحكم له به وهذا مقيد بعدم البينة.
اما ما يصلح للرجال والنساء جميعا فانه يكون بينهما نصفين وحكاه فى البحر للمذهب وهو قول المؤيد بالله (١).
مذهب الإمامية:
اذا تداعى (٢) الزوجان فى متاع البيت فقال كل واحد منهما: المتاع كله لى قضى به لمن قامت له البينة ولو لم يكن مع أحدهما بينة فبد كل واحد منهما على نصفه. قال فى المبسوط: يحلف كل واحد منهما لصاحبه ويكون بينهما بالسوية سواء كان مما يخص الرجال كالسيف والدرع الحديد أو يخص النساء كالحلى أو يصلح لهما وسواء كانت الدار لهما أو لأحدهما وسواء كانت الزوجية باقية بينهما أو زائلة ويستوى فى ذلك تنازع الزوجين والوارث.
وقال فى الخلاف: ان لم يكن مع أحدهما بينة نظر فيه فما يصلح للرجل القول قوله مع يمينه وما يصلح للنساء القول قولها مع يمينها وما يصلح لهما يقسم بينهما. وقد روى أيضا ان القول فى جميع ذلك قول المرأة مع يمينها لآنها تأتى بالمتاع من عند أهلها والأول أحوط.
قال صاحب شرائع الاسلام: وما ذكره الطوسى فى الخلاف أشهر فى الروايات وأظهر بين الاصحاب.
مذهب الإباضية:
اذا اختلف (٣) الزوجان فى متاع البيت ولا بينة لأحدهما فللزوج ما يليق بالرجل كالرمح والكتاب مع يمينه. وللزوجة ما يليق بالمرأة كالحلى وكل ما لا يلبسه الرجل.
واما ما يليق بهما كالأوانى ونحوها فقيل:
يحلفان ويقتسمانه.
وقيل: يحلف الزوج ويأخذه، وبه العمل، واليمين فى تلك المسائل على الزوجين.
وفى التاج: من كان مع امرأته فى دار وكان يعمرها ويحوزها فلا يحكم له بها حتى يشهد أنها له.
وقيل فى الأزواج: اذا تنازعا يأخذ الزوج ما ينسب الى الرجال وتأخذ المرأة ما ينسب الى النساء.
وقيل: يأخذ الزوج الكل. لان البيت له وهو المشهور.
اثر الاقتناء فى ثبوت الملكية.
اذا تنازع واضع اليد مع غيره فى ثبوت الملكية فهل يكون وضع اليد دليلا على الملكية - انظر مصطلح حيازة