والمواشى والحبوب ونحوها فالقول فيه قول الزوج عند أبى حنيفة ومحمد لان يد الزوج على ما فى البيت أقوى من يد المرأة لان يده يد متصرفة ويدها يد حافظة ويد التصرف أقوى من يد الحفظ الا أن فيما يصلح لها عارض هذا الظاهر ظاهر أقوى منه وهو يد الاختصاص بالاستعمال فسقط اعتباره وقال أبو يوسف: القول قول المرأة الى قدر جهاز مثلها والقول قول الزوج فى الباقى لان الظاهر يشهد للمرأة الى قدر جهاز مثلها لان المرأة لا تخلو عن الجهاز عادة فكان الظاهر شاهدا لها فى ذلك القدر، فكان القول فى هذا القدر قولها مع اليمين والظاهر يشهد للرجل فى الباقى فكان القول قوله فى الباقى مع يمينه. وقال زفر - فى قول المشكل بينهما نصفان. وفى قول آخر: الكل بينهما نصفان لأن كل واحد من الزوجين ثابتة على ما فى البيت فكان الكل بينهما نصفين وهو قياس قوله الا أنه خص المشكل بذلك فى قول. لان الظاهر يشهد لاحدهما فى غير المشكل. وان اختلفا بعد ما طلقها ثلاثا أو بائنا فالقول قول الزوج لانها صارت اجنبية بالطلاق فزالت يدها والتحقت بسائر الأجانب هذا ما ذكره صاحب البدائع وجاء مثله فى لسان الحكام. ولكن الذى مشى عليه الشراح هو انه لا فرق بين ما اذا كان الاختلاف فى حال قيام النكاح أو بعد ما وقعت الفرقة وهذا كله اذا لم لم تقر المرأة ان هذا المتاع اشتراه الزوج فان أقرت بذلك سقط قولها لأنها اقرت بالمالك لزوجها ثم ادعت الانتقال اليها فلا يثبت الانتقال الا بالنية وكذا اذا ادعت انها اشترته منه ولو برهن على شرائه كان كاقرارها بشرائه فلا بد من بينة على الانتقال اليها بهبة أو نحو ذلك. ولا يكون استمتاعها بما اشتراه من متاع ورضاه بذلك دليلا على انه ملكها ذلك كما تفهمه النساء والعوام وسكوت الزوج عند نقلها ما يصلح لهما لا يبطل دعواه. ولو أقاما بينة يقضى ببينة المرأة لانها خارجة معنى هذا اذا اختلف الزوجان قبل الطلاق او بعده فاما اذا ماتا فأختلف ورثتهما فى المشكل الصالح لهما فالقول قول ورثة الزوج عند أبى حنيفة ومحمد وعند ابى يوسف القول قول ورثة المرأة الى قدر جهاز مثلها وقول ورثة الزوج فى الباقى لأن الوارث يقوم مقام المورث فصار كأن المورثين اختلفا بأنفسهما وهما حيان.
وان مات أحدهما واختلف الحى وورثة الميت فان كان الميت هو المرأة فالقول قول الزوج عند ابى حنيفة ومحمد لأنها لو كانت حية لكان القول قوله فبعد الموت أولى. وعند ابى يوسف لقول قول ورثتها لى قدر جهاز مثلها وان كان الميت هو الزوج فالقول قولها عند أبى حنيفة فى المشكل وعند ابى يوسف القول قولها فى قدر جهاز مثلها وعند محمد: القول قول ورثة الزوج، ووجه قول ابى يوسف ومحمد ظاهر لأن الوارث قائم. مقام المورث ووجه قول أبى حنيفة ان المتاع كله كان فى يدهما اثناء حياتهما فينبغى ان يكون بينهما نصفين كما قال زفر ولان يد الزوج كان اقوى فسقطت يدها بيد الزوج فاذا مات الزوج فقد زال المانع فظهرت يدها على المتاع.
ولو طلقها فى مرضه ثلاثا أو بائنا فمات ثم اختلفت هى وورثة الزوج فان مات بعد انقضاء العدة فالقول قول ورثة الزوج لان القول قول
стр. 7142
الزوج فى المشكل بعد الطلاق فكان القول قول ورثته بعده ايضا وان مات قبل انقضاء العدة فالقول قولها عند ابى حنيفة فى المشكل وعند ابى يوسف فى قدر جهاز مثلها وعند محمد القول قول ورثة الزوج لان العدة اذا كانت قائمة كان النكاح قائما من وجه فصار كما لو مات الزوج قبل الطلاق وبقيت المرأة وهناك القول قولها عند ابى حنيفة فى المشكل وعند أبى يوسف فى قدر جهاز مثلها وعند محمد القول قول ورثة الزوج كذا هنا.
ولا فرق فى كل هذا بين الزوجين المسلمين والمسلم مع الذمية لأن الكفر لا ينافى أهلية الملك وكذلك لا فرق بين يكون الزوجان كبيرين أو صغيرين والصغير بجامع ولا بين ان يكون البيت ملكا لهما أو لأحدهما خاصة لان العبرة لليد لا للملك. (١)
هذا كله فى اختلاف الزوجين. اما اذا اختلف نساء الزوج دونه فان متاع النساء يكون بينهن على السواء ان كن فى بيت واحد. وان كانت كل واحدة منهن فى بيت على حدة كما فى بيت كل امرأة منهن يكون بينها وبين زوجها على التفصيل المذكور ولا يشترك بعضهن مع بعض. (٢)(٣) واذا اختلف الأب مع ابنه فيما فى البيت قال فى الخزانة قال أبو يوسف: اذا كان الأب فى عيال الابن فى بيته فالمتاع كله للابن كما لو كان الابن فى بيت الاب وعياله فمتاع البيت للاب ثم قال: قال محمد: رجل زوج بنته وهى وختنه - أى صهره - فى داره وعياله ثم اختلفوا فى متاع البيت فهو للاب لانه فى بيته وفى يده ولهم ما عليهم من الثياب واذا اختلف أسكافى وعطار مثلا فى آلة الأسكافة أو آلة العطارين وهى فى ايديهما فانه يقضى به بينهما ولا ينظر الى ما يصلح لأحدهما لانه قد يتخذه لنفسه او للبيع فلا يصلح مرجحا.
وكذلك اذا اختلف الزوجان فى غير متاع البيت وكان فى أيديهما فأنهما كالاجنبيين يقسم بينهما.
واذا اختلف المؤجر والمستأجر فى متاع البيت فان القول فيه للمستأجر مع يمينه لكون البيت مضافا الى المستأجر بالسكنى (٤).
مذهب المالكية:
اذا اختلف الزوجان فى متاع البيت الموجود فيه سواء كان ذلك الاختلاف قبل الدخول أو بعده وسواء كان قبل الطلاق أو بعده او بعد الفرقة بلعان أو ايلاء أو فسخ وسواء كانا مسلمين أو كافرين ولا بينة لواحد منهما فانه يرجع فى ذلك الى العرف فما كان يصلح للنساء كالحلى وما يناسبها من الملابس ونحوها فالقول فيه قولها بيمين وهذا اذا لم يكن المتاع فى حوز الرجل الخاص به وادعاه ولم تكن المرأة فقيرة معروفة بالفقر والا فلا يقبل قولها فى الصورة الاولى وكذا فى الثانية اذا ادعت ما تزيد قيمته على المقبوض من صداقها.
стр. 7143
وما كان يصلح للرجال فقط كالسلاح وآلة الفلاحة والحرث ونحوها أو كان يصلح للرجال والنساء معا كالطشت وسائر الأوانى والألحفة وخواتم الذهب بالنسبة للبلاد التى يلبسها فيها الرجال والنساء ونحو ذلك فالقول فيه للرجل مع يمينه سواء جاز استعماله أم لا لأن البيت بيته الا أن يكون ذلك فى حوزها الخاص بها أو كان لا يشبه أنه لا يملكه لفقره فلا يقبل قوله ويكون للزوجة.
واذا تنازع الزوجان فى متاع البيت فادعى الرجل شيئا يشبه ان يكون للنساء كالحلى أنه له وأقام البينة على أنه اشتراه من غيرها أو اشتراه فقط فانه يحلف مع البينة انه اشتراه لنفسه لا لزوجته وانها لم تدفع اليه ثمنه ولا شيئا منه ان ادعت ذلك ثم يقضى له به فلو شهدت البينة أنه ورثه أو وهب له أو اشتراه لنفسه أو اشتراه منها فانه يقضى له به من غير يمين.
وكذلك المرأة اذا ادعت شيئا من متاع البيت يشبه أن يكون للرجال كالسيف فقالت هو لى وأقامت على شراء ذلك بينة فانه يقضى لها به وفى حلفها اليمين مع بينتها تأويلان فقيل ليس عليها يمين بخلاف الرجل لأن الرجال قوامون على النساء وحيث كان كذلك فالشأن أن المرأة ما اشترت ذلك الا لنفسها لا للزوج لانها ليست قوامة على زوجها وقيل: بل عليها اليمين وسكت عنها فى المدونة اجتزاء بذكر يمين الرجل عن يمينها (١)
وورثة كل من الزوجين بمنزلته فى الحلف لكن يحلفون على نفى العلم لا على البت.
ومثل الزوجين فى جميع هذه الصور القريبان كرجل ساكن مع محرمه تنازع معها فى متاع البيت ولا بينة لهما.
مذهب الشافعية:
لو اختلف الزوجان فى متاع بيت يسكنانه ولو بعد الفرقة ولا اختصاص لأحدهما بيد فمن أقام بينة على شئ فهو له وان لم تكن هناك بينة فان كان فى ايديهما حلف كل منهما صاحبه وان حلف كل منهما للآخر جعل بينهما نصفين لأن يد كل واحد منهما ثابتة على نصف ما فى الدار فقضى له به ويحلف الآخر عليه وان حلف أحدهما دون الآخر قضى للحالف وان كانت اليد على المتاع لأحدهما حسا أو حكما كان القول قوله فيه مع يمينه وسواء فى كل ذلك ما يصلح للزوج كيف ومنطقة أو يصلح للزوجة كحلى أو يصلح لهما معا كدراهم ودنانير أولا يصلحلهما كمصحف وكتاب وهما أميان. وسواء كانت الدار ملكا للزوج أو ملكا لهما أو مستأجرة واختلاف ورثتهما أو ورثة أحدهما والآخر على ذلك التفصيل (٢).
مذهب الحنابلة:
ان تنازع زوجان أو تنازع ورثتهما بعد موتها أو تناول احدهما وورثة الآخر فى متاع البيت من فرش وملبوس ونحوهما واوان وغيرها
стр. 7144
أو تنازعا فى بعض ذلك بأن قال كل منهما:
هذه العين لى فان كان لأحدهما بينة عمل بها والا فيما يصلح للرجال كالعمامة والسيف فللرجل مع يمينه أو ورثته مع يمينهم وكذا قمضان الرجال واقبيتهم وجبابهم والسلاح وأشباهه وما يصلح للنساء كحليهن وثيابهن ومقانعهن ومغازلهن وأشباهما فللمرأة مع يمينها أو ورثتها مع يمينهم والمصحف للرجل اذا كانت لا تقرأ فان كانت تقرأ فهو لهما. وكذا ينبغى فى كتب العلم. وما يصلح للرجال والنساء كالفرش والأوانى والقماش الذى لم يفصل واشباه ذلك سواء كان فى أيديهما من طريق الحكم أو من طريق المشاهدة وسواء اختلفا فى حال الزوجية أو بعد البينونة فهو بينهما. وان كان المتاع فى يد غيرهما ولم تكن بينة لآحدهما أقرع بينهما فمن خرجت قرعته منهما حلف واحدة وان اقام أحدهما بينة دفع المتاع اليه لترحجه بها.
وكذا لو اختلف صانعان فى آلة وكان لهما حكم بآلة كل صنعة لصانعها فالة العطارين للعطار وآلة النجارين للنجار سواء كانت الآلة فى أيديهما من طريق الحكم أو من طريق المشاهدة لأن هذا هو الظاهر كما فى قماش البيت عند تنازع الزوجين فان لم يكن الصانعان فى دكان واحد واختلفا فى عين لم يرجع احدهما بصلاحية العين له وكذا لو تنازع رجل وامرأة سواء كانت زوجة له أم لا فى عين غير قماش بينهما فلا ترجيح لاحدهما بصلاحية العين له. بل ان كانت فى أيديهما فهى بينهما وان كانت فى بد أحدهما فهى له بيمينه وان كانت فى يد غيرهما ولم ينازع اقترعا عليها. (١)
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم: اذا تنازع الزوجان فى متاع البيت فى حال الزوجية أو بعد الطلاق أو تنازع أحدهما مع ورثة الآخر بعد الموت أو ورثتهما جميعا بعد موتهما فكل ذلك سواء وكل ذلك بينهما نصفان مع أيمانهما أو يمين الباقى منهما أو ورثة الميت منهما أو أيمان ورثتهما معا وسواء فى ذلك السلاح والحلى وسواء ما يصلح للرجال فقط أو للنساء فقط أو للرجال والنساء جميعا الا ما على ظهر كل واحد منهما فهو له مع يمينه. وبرهان ذلك ان يد الرجل ويد المرأة على ما فى البيت الذى يسكنانه أو دار سكناهما فصح أنهما فيه سواء فليس أحدهما أولى به من الآخر فهو لهما اذ هو فى أيديهما ولكل منهما اليمين على الآخر فيما ادعى مما بيده ولا ننكر ملك المرأة السلاح كما لا ننكر ملك الرجل الحلى (٢).
مذهب الزيدية:
اذا تنازع الزوجان وكذا ورثتهما فى آلة البيت ومتاعه ولا بينة لأحدهما حكم للزوج
стр. 7145
بما يختص بالرجال وللمرأة بما يختص بالنساء وقد أومأ اليه القاسم قال أبو طالب: وهو الصحيح عندنا وذلك لثبوت أيديهما فرجع الى الترجيح ويد كل على ما يليق به أقوى فحكم له به وهذا مقيد بعدم البينة.
اما ما يصلح للرجال والنساء جميعا فانه يكون بينهما نصفين وحكاه فى البحر للمذهب وهو قول المؤيد بالله (١).
مذهب الإمامية:
اذا تداعى (٢) الزوجان فى متاع البيت فقال كل واحد منهما: المتاع كله لى قضى به لمن قامت له البينة ولو لم يكن مع أحدهما بينة فبد كل واحد منهما على نصفه. قال فى المبسوط: يحلف كل واحد منهما لصاحبه ويكون بينهما بالسوية سواء كان مما يخص الرجال كالسيف والدرع الحديد أو يخص النساء كالحلى أو يصلح لهما وسواء كانت الدار لهما أو لأحدهما وسواء كانت الزوجية باقية بينهما أو زائلة ويستوى فى ذلك تنازع الزوجين والوارث.
وقال فى الخلاف: ان لم يكن مع أحدهما بينة نظر فيه فما يصلح للرجل القول قوله مع يمينه وما يصلح للنساء القول قولها مع يمينها وما يصلح لهما يقسم بينهما. وقد روى أيضا ان القول فى جميع ذلك قول المرأة مع يمينها لآنها تأتى بالمتاع من عند أهلها والأول أحوط.
قال صاحب شرائع الاسلام: وما ذكره الطوسى فى الخلاف أشهر فى الروايات وأظهر بين الاصحاب.
مذهب الإباضية:
اذا اختلف (٣) الزوجان فى متاع البيت ولا بينة لأحدهما فللزوج ما يليق بالرجل كالرمح والكتاب مع يمينه. وللزوجة ما يليق بالمرأة كالحلى وكل ما لا يلبسه الرجل.
واما ما يليق بهما كالأوانى ونحوها فقيل:
يحلفان ويقتسمانه.
وقيل: يحلف الزوج ويأخذه، وبه العمل، واليمين فى تلك المسائل على الزوجين.
وفى التاج: من كان مع امرأته فى دار وكان يعمرها ويحوزها فلا يحكم له بها حتى يشهد أنها له.
وقيل فى الأزواج: اذا تنازعا يأخذ الزوج ما ينسب الى الرجال وتأخذ المرأة ما ينسب الى النساء.
وقيل: يأخذ الزوج الكل. لان البيت له وهو المشهور.
اثر الاقتناء فى ثبوت الملكية.
اذا تنازع واضع اليد مع غيره فى ثبوت الملكية فهل يكون وضع اليد دليلا على الملكية - انظر مصطلح حيازة
стр. 7146
الاقرار
مذهب الحنفية:
التعريف به لغة واصطلاحا:
تعريف الاقرار لغة:
القرار فى المكان الاستقرار فيه .. يقول:
قررت بالمكان بالكسر أقر قرارا. وقررت أيضا بالفتح أقر اقرارا كعلم يعلم وضرب يضرب. اذا ثبت واستقر وقر الشئ فى مكانه يقر من بابى ضرب وعلم قرارا وقرورا وقرا ومقرة ثبت وسكن .. والاقرار افعال منه فهو اثبات لما كان متزلزلا. وأقر له بحقه اعترف به. وقرره بالحق حمله على الاعتراف به.
تعريف الاقرار شرعا:
ومعنى الاقرار شرعا الاخبار بثبوت حق للغير على نفسه ولو فى المستقبل. باللفظ أو ما فى حكمه سواء كان الحق ايجابيا أو سلبيا.
فمثال الحق الايجابى ان يقر أن عليه لزيد ألف دينار. ومثال الحق السلبى أن يقر بأن لا حق له على فلان أو بأنه أسقط دينه الذى له عليه أو بأنه أبرأه من جميع حقوقه التى عنده فانه فى هذه الصور جميعها يثبت لغير المقر على المقر حقوق سلبية هى أنه لا يجوز للمقر أن يطالب هذا الغير وهو المقر له بشئ من حقوقه التى كانت ثابتة له عليه قبل الاقرار. فلا يطالبه بدين ولا بحق مما كان له عنده قبل الاقرار ..
وزيد فى التعريف كلمة (ولو فى المستقبل) ليدخل ما لو أقر بأن الدار التى فى يد فلان هى لفلان آخر فان هذا الاقرار صحيح مع أن ظاهره عبارة عن اخبار بحق للغير على الغير. وليس اخبارا بحق للغير على نفس المقر ولكن بزيادة هذه الكلمة فى (ولو فى المستقبل) تدخل هذه الصورة فى الاقرار.
لأنه اذا ملك المقر الدار التى أقر بأنها ملك فلان بوجه من الوجوه فى المستقبل يعامل باقراره. وتكون الدار ملكا لفلان الذى أقر بأنها ملك وصدق عليه انه أقر بحق للغير على نفسه ويؤمر بتسليم الدار الى فلان المقر له سابقا بملكيتها.
والحق السلبى يصدق بحالة الاقرار بالاسقاطات كالطلاق والعتق والعفو عن القصاص ونحو ذلك. فانه يثبت فيها للمقر له حق على المقر وهو ألا يتعرض فى شئ من حقوق ما أقر به. فلو أقر بطلاق امرأته بائنا فقد أقر بانهاء ملكه العصمة عليها وثبت لها بالاقرار على المقر وهو الزوج حق عدم تعرضه لها فى حقوق الزوجية والنكاح التى تسقط بالطلاق البائن وكذلك فى العتق. أقر بانهاء ملكه فى العبد وثبت للعبد على المولى المقر حق عدم التعرض له فى حقوق الملك التى سقطت بالاعتاق.
هل الاقرار اخبار أو انشاء ؟
قالت طائفة من المشايخ ومنهم أبو عبد الله الجرجانى ان الاقرار انشاء وليس اخبار. اذ لو كان اخبارا لكان اقرار المريض
стр. 7147
بدين لوارثه صحيحا لكنه ليس بصحيح شرعا وقيل هذا على أن الاقرار انشاء تمليك ابتداء.
وتبرع المريض لوارثه لا يصح الا باجازة الورثة ومن ذلك أن الملك الثابت بالاقرار لا يظهر فى حق الزوائد سواء كانت قائمة أم مستهلكة فلا يملكها المقر له. ولو كان اخبارا لملكها.
فلو كان رجل فى يده بقرة وولدها فأقر بأن البقرة لفلان لا يدخل ولدها فى هذا الاقرار ولو كان قد استهلكه لا يضمنه. بخلاف ما لو أقام المالك البينة على أن البقرة له فانه حينئذ يستحق انتاجها أيضا. ومن ذلك ان المقر له لورد اقرار المقر ثم قبله لا يصح ولو كان اخبارا لصح لأن الاخبار اظهار لأمر ثابت فى الواقع فلا يؤثر فيه الرد ..
فهذه الفروع واشباهها تدل بظاهرها على أن الاقرار انشاء تمليك فى المال وليس اخبارا.
وقال عامة المشايخ ومنهم محمد بن الفضل والقاضى أبو حازم: أن الاقرار اخبار وليس انشاء تمليك. فاذا قال المقر: أن هذا الشئ لفلان فمعناه أن الملك فيه ثابت لفلان وليس معناه انه ملك للمقر وجعله للمقر له باقراره.
واستدلوا على ذلك بفروع:
منها:
ان المريض الذى لا دين عليه اذا أقر بجميع ما له لأجنبى صح اقراره بدون توقف على اجازة الورثة. ولو كان تمليكا مبتدأ لم يعتبر الا من الثلث.
ومنها:
ان الاقرار بحصة شائعة فى عقار قابل للقسمة صحيح ولو كان تمليكا مبتدأ لما صح لأن هبة المشاع لا تجوز.
ومنها:
أن الانسان اذا أقر بعين لا يملكها صح اقراره حتى لو تملكها المقر فيما بعد ينفذ اقراره ويؤمر بتسليم العين الى المقر له ولو كان الاقرار تمليكا مبتدأ لما صح ذلك لأنه لا يصح تمليك الانسان ما ليس ملكا له.
ومنها:
أنه لو أقر أن فلانة زوجة له وصدقته على ما قال صح ذلك ولو لم يكن بحضرة شهود. ولو كان انشاء زواج لما صح بدون الشهود.
ومنها:
أن الأقرار بالطلاق والعتاق لا يصح مع الاكراه والهزل ولو كان انشاء للطلاق والعتق لصح لأنهما يصحان مع الاكراه والهزل ولهذا قالوا لو أقر لغيره بمال والمقر له يعلم أنه كاذب فى اقراره لا يحل له أخذ المقر به عن كره منه فيما بينه وبين الله تعالى الا أن يسلمه بطيب من نفسه فيكون تمليكا على سبيل الهبة.
ومنها:
أن الملك يثبت للمقر له بلا تصديق ولا قبول ولو كان انشاء لتوقف على القبول.
стр. 7148
وقد عرف صاحب تنوير الابصار - الاقرار بأنه اخبار يحق عليه من وجه انشاء من وجه. وهذا جمع بين الطرفين - وجاء فى التكملة: وكان وجهه ثبوت ما استدل به الفريقان. وجرى كثير من مؤلفى الحنفية والكاتبون فى فقههم على أن الاقرار اخبار من وجه وانشاء من وجه. وفرعوا على كلا الوجهين الفروع التى احتج بها كل من أصحاب الرأيين … وزادوا فيما تفرع على كونه اخبارا من وجه أمور هى:
اذا أقر العبد المأذون بالتجارة بعين فى يده لآخر صح اقراره ولزم ولو كان انشاء لما صح لأن العبد ليس له أن يتبرع بمال سيده الا باذنه.
واذا أقر المسلم لآخر بخمر قائمة فى يده صح اقراره ولزمه تسليم عين الخمير المقر بها ولو كان انشاء لما صح لأن المسلم منهى عن تملك الخمر وتمليكه.
واذا أقر بنصف داره القابلة للقسمة لآخر مشاعا صح ولزمه الاقرار وصار المقر له شريكا له فى الدار. ولو كان انشاء لما صح لأن هبة المشاع القابل للقسمة لا تتم ولو بعد القبض. بخلاف ما لو كان حيز قابل للقسمة كالبيت والحمام الصغيرين. فان هبة المشاع فيهما تصح وتتم بالقبض .. اذ أقر بدين عليه لآخر فأراد المقر له ان يدعى على المقر استحقاقه لما أقر به بسبب الاقرار لا تسمع الدعوى لأن الاقرار ليس سببا لتمليك المقر به للمقر له بل هو اخبار عن الملك الحاصل لسبب آخر. ولو كان انشاء لأفاد التمليك بذاته وكانت تصح الدعوى بالمقر به بسبب الاقرار.
وهذا مذهب الجمهور وجميع المتأخرين وهو الصحيح المعول عليه ..
وقيل انه انشاء يفيد التمليك بذاته فيجوز سماع الدعوى بسببه.
اذا أقر لآخر بدين على أنه بالخيار ثلاثة أيام صح الاقرار ولزم المال وبطل الخيار سواء صدقه المقر له فيه أو كذبه وذلك لأن الاقرار اخبار والاخبار لا يحتمل الفسخ الذى هو المقصود من الخيار. ولو كان تمليكا مبتدأ لصح الخيار.
ركن الاقرار:
هو اللفظ أو ما فى حكمه مما يدل على ثبوت الحق للغير على النفس نحو ان يقول:
لفلان عندى ألف درهم أو مائة دينار. أو هذه الدار ملك فلان. أو هذه الدابة لفلان أو ما أشبه ذلك ..
حجية الاقرار:
جاء فى تكملة الفتح أن حجية الاقرار ثابتة بالكتاب والسنة والاجماع والمعقول:
اما الكتاب:
فقوله تعالى: (وليملل الذى عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا) أمر الله تعالى باملاء من عليه الحق. والاملال لا يتحقق الا بالاقرار. فلو لم يكن الاقرار حجة عليه ومؤاخذا به لما كانت هناك فائدة منه ولما امر الله به فأمره به دليل على حجيته .. وايضا
стр. 7149
قوله تعالى «يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على انفسكم .. » قال المفسرون ان بشهادة الانسان على نفسه هى اقراره عليها بالحق ..
واما السنة:
فما روى أن النبى ﷺ رجم ما عزا باقراره بالزنا والعامدية باعترافها به. وقال فى قصة العسيف: واغد يا أنيس الى امرأة هذا فان اعترفت فارجمها فقد قبل من ما عز ومن الغامدية اقرارهما بالزنا وعاملهما بموجبه واقام عليهما الحد بناء عليه.
وطلب الاقرار فى قصة العسيف وامر بالحد بمقتضاه. فلو لم يكن حجة لما أخذ به ولما رتب عليه الحد الذى من صفاته انه يدرأ بالشبهات. واذا كان حجة فى الحدود وهى تندرئ بالشبهات فلان يكون حجة فى غيرها من باب اولى ..
واما الاجماع:
فقد اجمع المسلمون من عهد رسول الله ﷺ الى يومنا هذا على ان الاقرار حجة على المقر يعامل به ويؤاخذ بمقتضاه وجرت الأمة على ذلك فى المعاملات والاقضية من غير نكير.
واما المعقول:
فلان الاقرار هو خبر كان بحسب الاصل مترددا بين الصدق والكذب - لكن النظرة المعقولة رجحت جانب الصدق فيه على جانب الكذب لوجود الداعى الى الصدق والصارف عن الكذب وهو عقل المقر ودينه اذ هما يحملانه على الصدق ويزجرانه عن الكذب وقد تحمله بنفسه الأمارة بالسوء على الكذب فى حق غيره حين يكون الكلام متعلقا بالغير اما فى حق نفسه فلا تحمله هذه النفس على الكذب الضار بالنفس وبالمال. فصار عقله ودينه وطبعه دواعى الى الصدق فى الاقرار زواجر عن الكذب فيه. فكان الصدق ظاهرا فيما اقر به على نفسه. فوجب قبول الاقرار منه والعمل به.
الاقرار حجة قاصرة:
غير أن حجية الاقرار قاصرة على نفس المقر لا تتعداه الى غيره .. ذلك لأن المقر لا ولاية على غيره وانما ولايته قاصرة على نفسه دون غيره بخلاف البينة فانها حجة متعدية الى الغير يلزم بها ويحكم عليه بمقتضاها. ومن أمثلة ذلك:
(١) اخرج الطبرانى سندا الى ابن عباس رضى الله عنهما قال: بينما رسول الله ﷺ يخطبنا يوم الجمعة اذ أتى رجل فتخط الناس حتى قرب اليه فقال يا رسول الله فقال اجلس فجلس ثم قام الثانية فقال:
يا رسول الله. اقم على الحد فقال اجلس فجلس: ثم قام الثالثة فقال يا رسول الله اقم على الحد. قال: وما حدك؟: قال: أتيت امرأة حراما. فقال ﷺ لعلى وابن عباس وزيد بن حارثة وعثمان بن عفان رضى الله عنهم: انطلقوا به فاجلدوه ولم يكن تزوج. فقيل يا رسول الله: الا تجلد التى خبث بها؟. فقال له رسول الله ﷺ . من صاحبتك؟. قال فلانة فدعاها رسول الله ﷺ فسألها.
فقالت يا رسول الله كذب على. والله انى لا أعرفه. فقال رسول الله صلى الله عليه
стр. 7150
وسلم. من شاهدك.؟. فقال يا رسول الله مالى شاهد فأمر به فجلد حد الفرية ثمانين جلدة .. فقصر رسول الله ﷺ اقراره على نفسه وضربه حد الزنا. ولم يعتبر اقراره عليها واعتبره قاذفا وضربه حد القذف.
(٢) ومن ذلك ايضا: ما اذا اشترى رجل من آخر دابة مثلا. ثم استحق هذه الدابة شخص آخر بحكم شرعى. فانه يأخذها. ثم ان كان قد استحقها باقرار المشترى انها ملكه فليس للمشترى ان يرجع على البائع بالثمن لان اقراره قاصر عليه وان كان قد استحقها بالبينة رجع المشترى على البائع بالثمن لتعدى الحكم المبنى على البينة. الى البائع اذ البينة حجة متعدية الى الغير.
(٣) ولو رهن شخص عند آخر عبدا بدين عليه. ثم اقر الراهن بهذا المرهون لرجل آخر فانه ملكه فلا يسرى هذا الاقرار على المرتهن ولا يعطى العبد للمقر له حتى يستوفى دينه.
واذا عاد الى الراهن يؤاخذ باقراره ويعطى العبد للمقر له.
(٤) وقف رجل دارا على زيد وولده ونسله ثم على الفقراء فاقر زيد بان الوقف على اولاده وتسلمه وعلى رجل آخر لا يسرى اقرار زيد على اولاده وتسلمه وعلى رجل آخر لا يسرى اقرار زيد على أولاده ونسله بل يقصر عليه فتقسم الغلة بين زيد ومن كان موجودا من اولاده ونسله على عدد الرؤوس فما اصاب زيدا كان بينه وبين الرجل الذى اقر له بالاستحقاق مادام على قيد الحياة فاذا مات بطل الاقرار ولا يكون لهذا المقر له شئ من الغلة بل تكون كلها لأولاد زيد ونسله.
وكون الاقرار حجة قاصرة. هذا الأصل العام وقد خرج من هذا الاصل بعض مسائل ذكرها صاحب الدر المختار وصاحب تكملة ابن عابدين فى باب الاقرار.
ومنها:
ما اذا أقرت الحرة المكلفة بدين لغير زوجها وكذبها الزوج فى الاقرار صح اقرارها فى حق نفسها وحق زوجها ايضا عند ابى حنيفة فتحبس فى الدين وتلازم ان ما طلت فيه وان تضرر زوجها بحسبها وملازمتها لمنعه من الاستمتاع بها. وعند الصاحبين لا يصح اقرارها ولا تصدق فيه فى حق زوجها فلا تحبس ولا تلازم لان فى ذلك منع حقه فى الاستمتاع بها. ويأمرها القاضى باداء الدين الى المقر له ويبيع من مالها ما يباع فى الدين ويسدد الدين ..
وذكر صاحب الدر باحثا انه ينبغى التعويض على قولهما. ولكن نقل فى التكمة أن المعمول عليه قول الامام.
ومنها:
اذا أقرت المؤجر بدين لا وفاء له من ثمن العين المؤجرة صح الاقرار فى حقه وفى حق المستأجر وكان للدائن ان يبيع العين المؤجرة ويستوفى دينه من ثمنها وان تضرر المستأجر بسنوات الاجارة لذهاب العين المؤجرة ..
ومنها:
اذا أقرت مجهولة النسب بانها بنت أبى زوجها او بنت جده وصدقها الاب او الجد فى الاقرار وكذبها الزوج فيه صح اقرارها فى حقها وفى حق زوجها رغم تكذيبه. وانفسخ
стр. 7151
النكاح بينها وبينه لان مقتضى الاقرار أنها اخته او عمته فتكون محرمة على التأييد ويكون النكاح غير صحيح شرعا.
ومنها:
اذا كانت له جارية ولها ابن مجهول النسب فباع الجارية ثم أقر بنسب ابنها ولهذا المقر أخ كذبه فى الاقرار. صح الاقرار فى حقه وفى حق اخيه الذى كذبه فيثبت نسب الولد المقر له ويكون ميراث المقر لهذا الولد دون الاخ الذى يحجب به رغم التكذيب ..
ومنها:
رجل كان فى اجارة شخص فاقر بدين لآخر وكذبه المستأجر يصح الاقرار فى حقه وفى حق المستأجر رغم تكذيبه. ويثبت الدين للمقر له ويكون له حبس المقر فى الدين وان تضرر المستأجر بذلك.
حكم الاقرار:
هو ظهور ثبوت المقر به لا انهائه ابتداء بواسطة الاقرار اذا أقر لزيد أن له عنده مائة جنيه مثلا تبين بالاقرار ان هذا الدين ثابت عليه لزيد فى الماضى قبل الاقرار بسبب آخر غير الاقرار كالقرض او الميراث مثلا. وليس الاقرار هو الذى اثبت الدين .. وينبنى على ذلك انه متى صدر الاقرار مستوفيا شرائطه الشرعية بحكم تمليكه المقر له للمقر به بدون حاجة الى قبول المقر له ولا تصديق منه للمقر لأن الاقرار اخبار. وهو لا يحتاج فى ثبوت موجبه الى تصديق وقبول .. هذا فى التمليك واما فى حق الرد فيعتبر الاقرار انشاء كما سبق فيرتد بالرد ويبطل به .. وايضا متى صدر الاقرار ووقع صحيحا شرعا يؤاخذ به المقر دون غيره، ولا يتوقف ثبوت حكمه على القضاء لأنه حجة بنفسه يثبت موجبه دون توقف على اتصال القضاء به فيطالب المقر بتنفيذ ما التزم به بخلاف البينة فانها لا تصير حجة الا اذا اتصل القضاء فلا يلزم المشهود عليه بالخروج عما شهد به الشهود من الحق بمجرد الشهادة بل حتى يتصل بها القضاء الملزم.
ما به يكون الاقرار:
يتحقق الاقرار بأمور كثيرة هى:
١ - اللفظ:
اللفظ هو الأداة الأولى التى لا نزاع ولا خلاف فى ان الاقرار يتحقق بها فاذا قال رجل: لفلان عندى مائة جنيه كان اقرار بالمائة للمقر له وينقسم اللفظ فى تعبيره عن الاقرار وأدائه معناه الى قسمين صريح ودلالة.
فالصريح هو اللفظ الذى يدل صراحة على الاخبار بثبوت الحق المقر به للمقر له نحو ان يقول: لفلان عندى مائة جنيه أو لفلان على الف درهم او لفلان فى ذمتى الف قرش ..
فان هذه العبارات موضوعة فى اللغة للدلالة على الاخبار بثبوت الحقوق المقر بها التى تضمنتها للمقر له على المقر. فيكون المؤدى بهذه العبارات والمعبر عنه بها اقرارا صحيحا لازما لاشبهة فيه ومن الصريح فى الاقرار ما اذا قال لك شخص لى عليك الف درهم فقلت له نعم. فانه بهذا الجواب تكون مقرا له بالألف درهم صراحة.
стр. 7152
لان كلمة (نعم) وقعت جوابا للكلام الاول.
وجواب الكلام يتضمن اعادة له فكأنك قلت له: نعم لك على الف درهم.
والدلالة هى:
الا يكون اللفظ بحسب معناه اللغوى موضوعا ليفيد الاخبار بثبوت الحق المقر به للمقر له الا انه يستلزمه ويدل عليه بطريق اللزم لا بطريق الوضع. وذلك نحو ان يقول لك رجل: لى عليك مائة مثقال من الذهب.
فتقول له: قد قضيتها او تقول له: اتزنها او انتقدها او أجلنى بها. او ما اشبه ذلك ..
فانك بهذا الجواب تكون مقرا بالمائة لمن يخاطبك. والعبارات التى صدرت بذلك ردا على كلامه وان لم تكن موضوعة بحسب وضعها اللغوى لتؤدى معنى الاقرار. الا انها تقضيه وتستلزمه لان قضاء الدين هو تسليم مثل الواجب فى الذمة. فأخبار لابانك قضيته المائة مثقال (يستلزم اقرارك بانها كانت ثابتة فى ذمتك. فتكون مقرا بها ومدعيا سقوطها بالقضاء فتعامل باقرارك بانها كانت ثابتة فى ذمتك. ولا تثبت دعواك انك قضيتها الا ببينة وكذلك امرك ايها باتزانها وانتقادها او طلب تأجيلها يقتضى ثبوتها فى ذمتك. وذلك لاشتمال الرد على الضمير العائد على المقر به فكان جواب الكلام المقر له لارتباطه به
وهذا اذ لم يقل المقر هذا الكلام على سبيل الاستهزاء فان قال له على سبيل الاستهزاء وشهد الشهود بذلك لم يلزمه شئ وان ادعى الاستهزاء لا يصدق الا ببينة .. وان قال فى الرد: اتزن او انتقد من غير ضمير يربط كلامه بكلام الخاطب لا يكون كلامه اقرارا لعدم ارتباطه بالكلام الاول فكان كلاما مبتدأ.
٢ - الاشارة:
والاشارة نوع من التعبير يؤدى به من لا يستطيع التكلم ما فى نفسه من معنى حسب التفصيل الاتى: وهو أن المقر اما ان يكون ناطقا او اخرس ..
والناطق اما أن يكون معتقل اللسان او غير معتقل اللسان ..
فان كان اخرس وله اشارة معهودة مفهومة صح اقراره باشارته المعهودة سواء أكان قادرا على الكتابة أم لا على احد الرأيين والرأى الثانى انه ان كان يستطيع الكتابة فلا يعتبر اقراره الا بها وان كان لا يستطيع الكتابة اعتبر اقراره بالاشارة المعهودة المفهمة .. وقد اختلف الترجيح والاختيار بين هذين الرأيين ونقوم اشارته مقام عبارته فى الاقرار وفى كل شئ الا فى الحدود والشهادة وان كان ناطقا معتقل اللسان لم تعتبر اشارته الا اذا دامت عقلة لسانه وصارت له اشارة معلومة .. فان اشارته حينئذ تكون معتبرة ويجوز اقراره بها وينزل منزلة الاخرس بالنسبة اليها .. وان كان ناطقا غير معتقل اللسان لم تعتبر اشارته لان الافصاح بالنطق ممكن فلا يعدل عنه الى غيره بلا موجب فحيث امكنت العبارة لم تعتبر الاشارة. غير انهم استخفوا بعض مسائل اعتبروا فيها الاشارة من الناطق مع القدرة على التعبير وهى مسائل كثيرة نقتصر منها على ما يعتبر اقرارا بالاشارة مع القدرة على العبارة. وهى:
(أ) الاقرار بالنسب:
فاذا قيل لرجل: هذا ابنك واشير الى غلام مجهول النسب يولد
стр. 7153
مثله بمثل المخاطب. فأشار المخاطب براسه اشارة موافقة اى نعم كان مقرا بنسب الغلام ويعامل بهذا الاقرار ويثبت نسبه منه شرعا.
(ب) الاقرار بالكفر:
فاذا قيل لانسان. اتعتقد هذا مكفر فاشار براسه موافقا أى نعم. كان مقرا بالكفر.
٣ - الكتابة:
فيجوز الاقرار بالكتابة كما يجوز الاقرار بالعبارة .. فاذا ادعى رجل على آخر ان له عليه مائة جنيه واخرج بذلك صكا مكتوبا بخط المدعى عليه متضمنا انه يقر بان عليه للمدعى ذلك المبلغ، فاقر المدعى عليه بالخط وانكر ان عليه المال الذى فى الصك: أو انكر ان الخط خطه. فاستكتب فوجد ان بين الخطين تشابه ظاهر دالة على ان كاتب الخطين واحد عمل بذلك. والزم المدعى عليه بالمال المدعى. وذلك كما افتى به قارئى الهداية وجرى عليه القاضى ابو على النسفى. متى كان الكتاب مكتوبا على رسم الصكوك المتعارفة. وعلى هذا جرى العمل فى المحاكم واخذت بذلك لائحة المحاكم الشرعية الصادرة بالرسوم بقانون رقم ٧٨ لسنة ١٩٣١ اذ نصت فى المادة رقم ١٣٠ منها على أن الاقرار بالكتابة كالاقرار باللسان. اخذا بهذا الرأى. وكان العمل يجرى بتلك المحاكم على ذلك الى ان الغيت ابتداء من سنة ١٩٥٦ .. وان كان المذهب أنه لا يعمل بالكتابة ولا يعتمد على الخط لأن الخط يشبه لداد من شأنه ان يزور ويفتعل. واستثنوا من هذا المنع خط البياع أى التاجر والسمسار والصراف واعتبروا ما يكتبه هؤلاء حجة يعمل به بمقتضى العادة وانهم لا يكتبون على انفسهم فى دفاترهم وصكوكهم الا ما هو حق.
٤ - السكوت:
فى بعض المواضع فيجعل الساكت مقرا بالحق بسكوته. كما يجعل المتكلم مقرا بالحق بكلامه .. وان كان هذا مخالفا للقاعدة الفقهية التى تقول: انه لا ينسب لساكت قول الا أنهم استثنوا من ذلك مسائل جعلوا الساكت فيها كالمتكلم .. من ذلك سكوت الوالد بعد تهنئة الناس له بالمولود بعد الولادة يكون اقرارا منه بانه ابنه فليس له ان ينفى نسبه منه بعد ذلك. ومنه سكوت الزوجة او الولد او القريب عند بيع العقار بحضرته من الزوج او الوالد او القريب يعتبر اقرارا من الحاضر الذى سكت بملكية البائع للعقار المبيع.
ولا تسمع دعواه الملكية على المشترى بعد ذلك طبقا لما افتى به مشايخ سمرقند وذلك قطعا للاطماع الفاسدة ومنه ما اذا رأى شخص شخصا آخر يبيع عرضا او دارا فتصرف فيه المشترى زمانا وهو ساكت يعتبر ذلك اقرارا منه بملكية البائع للمبيع وصحة البيع فلا تسمع منه دعوى الملكية على المشترى.
ومنه ما اذا سكتت البكر التى زوجها وليها اذا بلغت بكرا يكون رضا منها بالزواج يبطل خيار البلوغ الثابت لها بخلاف ما اذا بلغت ثيبا فانه لا يبطل خيارها الا برضاها.
ومنه سكوت التى زوجها وليها عند استئمار الولى اياها فى الزواج قبيل التزويج وبسكوتها بعد التزويج عند علمها به يكون السكوت رضا منها فى الحالتين كقولها رضيت واجزت.
стр. 7154
ومنه سكوت الشفيع بعد علمه ببيع الدار التى له فيها حق الشفعة بغير رضا منه بالبيع وتنازلا عن حق الشفعة.
ومنه سكوت الوصى فى حياة الموصى بعد علمه بالوصية يعتبر قبولا منه للوصاية ..
فلو باع شيئا من تركة الموصى بعد موته او تقاضى دينه جاز.
ولا يصح فى الاقرار شرط الخيار لان شرط الخيار انما جعل فى التصرفات الانسانية كالبيع ونحوه توسعة على المتصرف ليمضى التصرف ويتمه أو يمتنع منه.
قال فى العناية على الهداية: ومن أقر لرجل بشئ على أنه بالخيار فى اقراره لفلانه أيام فالاقرار صحيح يلزم به ما اقر به لوجود الصيغة الملزمة وهى قوله (على) ونحوه والخيار باطل لان الخيار للفسخ والاخبار ليحتمل الفسخ لان الخبران كان صادقا بمطابقته للواقع فلا معتبر باختياره وعدم اختياره. وان كان كاذبا لم يتعين باختياره وعدم اختياره. وانما تأخير الخيار فى العقود لتعتبر به صفة العقد ويتخير بمقتضاه بين فسخه وامضائه. انتهى.
ولا يتوقف الاقرار فى ثبوت حكمه على قبول
المقر له. ولكنه يرتد برده:
فاذا اراد المقر له الاقرار فى كل المقر به بطل حكم الاقرار فى الكل. واذا رد الاقرار فى بعض المقر به لا يبقى حكم الاقرار بقى رده فيه ويبقى فيما عداه .. وليس كل اقرار يرتد بالرد بل ان الذى يقبل الرد هو ما كان فى حقوق العباد وهناك مسائل من هذا القسم لا يبطلها الرد .. أما ما كان متعلقا بحقوق الله تعالى فلا يقبل الرد ولكن يصح الرجوع من المقر فى بعض مسائل منه ولا يصح فى مسائل اخرى. وسيأتى ذلك كله فى مبطلات الاقرار.
تجزؤ الاقرار:
واذا ادعى زيد على بكر أنه اقترض منه مائة جنيه ويطلب الزامه بأدائها اليه فانه اقترض المبلغ حقيقة ولكنه رده الى زيد او رد نصفه ولم يبق عليه الا النصف.
يقضى مذهب الحنفية بان كلام المدعى عليه يتجزأ فهو يتضمن اقرارا منه بالدين وهو حجة عليه يؤاخذ به كما يتضمن دعوى الوفاء بهذا الدين ولا يؤخذ بقوله فيها بل عليه اثباتها بالبينة. وهذا هو المقصود بقولهم ان الاقرار يتجزأ وقد اخذ القضاء بعدم تجزئ الاقرار وقال ان كلام المدعى عليه يعتبر كله جزء واحدا فلا يؤخذ الضار منه بالمقر ويترك الصالح له.
وقالوا فى المقال المذكور: أنه ليس لزيد أن يأخذ الشق الاول من الاعتراف وهو حصول القرض ويترك الشق الثانى وهو حصول الوفاء بالكل أو بالبعض. وهذا هو مذهب الحنابلة.
ونص فى الطرق الحكمية واعلام الموقعين للعلامة ابن القيم نقلا عن أياس أن من أقر بشئ وليس عليه بينه فالقول قوله لأن اقراره أمارة على صدقه .. فاذا ادعى شخص على آخر ألفا ولا بينة للمدعى فقال المدعى عليه صدق الا أننى قضيته اياه فالقول قوله. وكذلك اذا أقر انه قبض من مورثه وديعة ولا بينة له وادعى ردها اليه.
стр. 7155
شروط صحة الاقرار:
شروط صحة الاقرار كثيرة بعضها يرجع الى المقر. وبعضها يرجع الى المقر له وبعضها يرجع الى المقر به. وبعضها يرجع الى صيغة الاقرار.
شروط المقر:
الشروط التى يجب تحققها فى المقر هى:
(١) العقل: فلا يصح اقرار المجنون والصبى الذى لا يعقل لان صحة التصرفات تنبنى على العقل فحيث انعدم تكون التصرفات باطلة ومنها الاقرار ولا يصح عليها اقرار الولى أو النائم لانه اقرار على الغير وهو باطل.
(٢) البلوغ: فلا يصح اقرار الصبى المميز ولو اجازه وليه او وصيه لبطلانه اصلا لانعدام اهلية الالتزام او عنده. ولا يصح عليه اقرار الولى والوصى لانه اقرار على الغير وهو باطل غير أن الأمر فيه تفضيل وهو: أن الصبى المميز اما أن يكون مأذونا له فى التجارة أو محجورا عليه بحكم الصغر. فان كان محجورا عليه فلا يصح اقراره بشيئ أصلا سواء كان المقر به من باب التجارة ومتعلقا بها أو لم يكن من باب التجارة ولو أذن له الولى أو الوصى بذلك لأن ذلك من التصرفات الضارة ضررا محضا وهى لا تصح منه ولو بأذن الولى والوصى. وان كان مأذونا له فى التجارة صح اقراره بكل ما كان سبيله التجارة ومتعلقا بها. ولا يصح اقراره بماعدا ذلك.
فيصح اقراره بالبيع وقبض الثمن وعيب سلعة باعها وعبد فى يده والوديعة والعارية والغصب ولا يصح اقراره بالمهر والجنابة والكفالة وموجبات الحدود. كالزنا والسرقة والقذف والمعتوه كالصبى المميز فى جميع ما ذكر ..
(٣) الحرية: فاقرار العبد البالغ غير صحيح وفى هذا ايضا تفصيل. وهو ان العبد البالغ اما أن يكون مأذونا له فى التجارة او يكون محجورا عليه بحكم الرق. وعلى كل فاما ان يقر بشئ يرجع ضرره الى شخصه كالحدود والقصاص او يقر بمال من باب التجارة ومتعلق بها او يقر بمال ليس من باب التجارة ولا متعلقا بها فان كان مأذونا له فى التجارة صح اقراره بما يعود ضرره الى شخصه وبمال هو من باب التجارة ومتعلقاتها. وينفذ عليه الاقرار فى الحال .. وصح ايضا اقراره بمال لا يتعلق بالتجارة وليس من بابها. ولكن يتوقف نفاذ الاقرار الى ما بعد العتق وعلى ذلك فيصح اقراره بالحدود والقصاص والديون والأعيان التى سبيلها التجارة وينفذ اقراره فى الحال دون انتظار لعتقه .. ويصح اقراره بمهر امرأة تزوجها بغير اذن مولاه وبجناية موجبة للمال ويتأخر نفاذ الاقرار الى ما بعد عتقه فيؤاخذ به بعد العتق ولا ينفذ ذلك على المولى.
وان كان محجورا عليه صح اقراره بما يعود ضرره الى شخصه وينفذ عليه فى الحال فيصح اقراره بالحدود والقصاص وينفذ عليه فى الحال دون انتظار الى ما بعد العتق. وصح اقراره وتأخر تنفيذه الى ما بعد العتق بالاموال المتعلقة بالتجارة وغير المتعلقة بها .. وانما صح الاقرار ونفذ فى الحال من العبد المأذون له فى التجارة والمحجور عليه فى الامور التى ترجع الى شخصه كالحدود والقصاص. لانه باق على اصل الحرية بالنسبة لذلك .. ولهذا
стр. 7156
لو اقر سيده عليه بهذه الأمور لم يصح اقراره وهو ايضا خيرتهم فى الاقرار بها لأن ما يعود على شخصه من الضرر اشد واعظم مما يعود على سيده .. وصح الاقرار وتنفذ فى الحال من العبد المأذون له فى التجارة بمال التجارة وما هو متعلق بها لأن نفاذ اقراره فى الحال بمال التجارة من ضروريات التجارة. ولو لم ينفذ الاقرار بذلك فى الحال لم يعامله احد وانما تأخذ تنفيذ الاقرار فيما عدا ذلك الى ما بعد العتق لان عدم نفاذه فى الحال لمراعاة حق السيد. وهذا لا يمنع من النفاذ بعد العتق حينما ينعدم حق السيد فى العبد.
فأشبه ذلك اقرار الحر بمال غيره لغيره فقد قالوا أنه صحيح ولكن لا ينفذ فى الحال لحق المالك ظاهرا وينفذ على المقر اذا ملك المقر به فى المستقبل. فكذلك هذا.
ومما ذكر يتعين أن الحرية ليست شرطا لصحة الاقرار فى ذاته وانما هى شرط لنفاذ الاقرار فى الحال فى بعض الصور.
(٤) الطوع والرضا والاختيار: فلو كان مكرها لم يصح الاقرار لقيام دليل الكذب فيه وهو الاكراه. وهذا الشرط عام فى كل الاقارير حتى الاقرار بالسرقة خلافا لما يقول به بعض المشايخ من أن الاقرار بالسرقة يصح ولو مع الاكراه. وان كان هذا البعض يقصر صحة الاقرار بالسرقة على المال دون القطع للشبهة الدارئة للحد وهو الاكراه والمذهب أن الطوع والاختيار شرط لصحة الاقرار حتى الاقرار بالسرقة.
(٥) اليقظة: فلا يصح اقرار النائم لعدم التمييز لديه. والمؤاخذه انما تكون بالتمييز وعلى هذا اذا اقر النائم لانسان بمائة جنيه لم يؤاخذ بهذا الاقرار ولم يلزمه المبلغ المقر به لعدم صحة اقراره وكذلك جميع اقراراته التى تصدر عنه حال النوم لا يعتد بها ولا يؤاخذ بمقتضاها. ومثل النائم فى ذلك المغمى عليه لفقدانه التمييز كذلك.
(٦) الصحو: فلا يصح اقرار السكران حسب التفصيل الآتى: وهو أن السكران اما أن يسكر بطريق محظور كشرب مسكر غير جائز شرعا او يسكر بطريق مباح كالذى يسكر بتعاطى بعض الادوية او يشرب مكرها او مضطرا - فان سكر بطريق محظور كان مكلفا شرعا واعتبر كالصاحى فتصح جميع اقاريره وتصرفاته ويؤاخذ بها وتنفذ عليه زجرا له عن ارتكاب المحظور ولكن هناك مسائل لا يعتبر فيها اقراره شرعا ولا يؤاخذ به وهى:
أ - الردة فاذا ارتد السكران باى لفظ كان او اقر بالردة لم تعتبر ردته ولا الاقرار بها فلا تلحقه أحكام المرتدين لأن الردة مبنية على الاعتقاد. وهو يعتمد وجود العقل. ولا عقل مع السكر بخلاف الصاحى فانه عاقل ومتمالك لجميع حواسه وادراكاته فيؤاخذ بما يصدر منه لوجود العقل.
ب - الاقرار بالحدود الخالصة لله تعالى لا يصح منه فلا يعامل بمقتضاه. ويصح من الصاحى فيؤاخذ به. فلو اقر وهو سكران بالزنا او بشرب الخمر لم يصح اقراره لهما فلا يحد لهما لان السكر شبهة فى اقراره. والحد يدرأ بالشبهات ولو أقر بالسرقة لا يصح منه الاقرار بالنسبة للحد وهو قطع اليد لشبهة السكر ويصح بالنسبة للمال فيضمنه .. أما
стр. 7157
الحدود التى يغلب فيها حق العبد كحد القذف فيصح اقراره بها ويؤخذ به ويقام عليه الحد فيه .. وكذلك الحقوق غير الحدود يصح اقراره فيها ويؤاخذ به كاقراره بقصاص فى النفس او فى الاطراف او بالمال فانه يعامل به.
ج - الاشهاد على شهادة نفسه: يصح من الصاحى ولا يصح من السكران لفقدان الضبط.
د - تزويج الصغيرة بأقل من مهر مثلها يصح من أبيها وهو صاح ولا يصح منه وهو سكران عند أبى حنيفة، وعند الصاحبين لا يصح منه فى الحالتين.
هـ - استلامه المنصوب وهو سكران لا يترتب عليه سقوط الضمان عن الناصب بخلاف استلامه وهو صاح فانه يسقطه.
و- بيع الوكيل الشئ الموكل ببيعه اذا صدر منه وهو سكران لا ينفذ على الموكل بخلاف ما لو صدر منه وهو صاح حيث ينفذ على الموكل.
ز - الوكيل بالطلاق اذا نفذ ما هو موكل فيه وطلق وهو سكران لا يعتبر ولا ينفذ على موكله. بخلاف ما لو طلق وهو صاح حيث يصح وينفذ على الموكل.
ح - النية تصح من الصاحى ولا تصح ولا تعتبر من السكران حتى لو استمر السكران غير مفيق فى رمضان حتى مضى ميعاد النية لم يصح صومه بعدم صحة النية وهو شرط فى صحة الصوم فيكون عليه القضاء والاثم.
فهذه المسائل يخالف فيها السكران الصاحى فلا تصح منه وتصح من الصاحى.
وفيما عدا هذه المسائل يكون كالصاحى فيؤاخذ باقواله وافعاله. فاذا زنى او سرق او قتل او اعتقل او اسقط او حق له او اقر بمال لشخص او بعتاق او اشبه وهو سكران.
فانه يصح منه ويؤاخذ باقراره كما يؤاخذ الصاحى على سواء.
هذا ان سكر بطريق محظور. فان سكر بطريق مباح كشرب مكره ومضطر وشرب دواء فلا تعتبر تصرفاته ولا اقراراته بجميع أنواعها بل يكون حكمه حكم المغمى عليه الا فى سقوط قضاء الصلاة عنه اذا بلغت ستا. فانه فى الاغماء يسقط ولا يحق عليه القضاء وفى السكر لا تسقط عنه ويجب قضاؤها عليه لانه بصنعه .. واختلف فى تفسير السكران بين الامام والصاحبين. فقال الامام هو: من لا يعرف الارض من السماء ولا الرجل من المرأة .. وقال الصاحبان هو من يكون فى كلامه هذيان واختلاط. وبهذا التفسير أخذ أكثر المشايخ.
(٧) أن يكون المقر معلوما بعينه فلو كان مجهولا يصح الاقرار لضرورة القضاء والزامه بتنفيذ الاقرار. ولا فضاء على مجهول.
وينبنى على ذلك أنه لو قال واحد من جماعة:
لفلان على أحدنا ألف درهم لم يصح الاقرار ولم يجب المال على واحد منهم لجهالة من يطلب منه المال على التعبير. ولا يجبر المتكلم على البيان.
لكن لو جمع المتكلم بين نفسه وعبده فيما لا يتأخر تنفيذ الاقرار به من العبد الى
стр. 7158
ما بعد العتق. وقال: لفلان على أحدنا الف درهم مثلا صح الاقرار ولزم السيد التنفيذ لأن ما على العبد عليه فكان المطالب بالمال معلوما وهو السيد الا فى مسألتين يكون فيهما حكم العبد كحكم الاجنبى ويكون الاقرار باطلا - (١) أن يكون العبد مديونا (٢) أن يكون مكاتبا.
(٨) ألا يكون المقر متهما فى اقراره. فلو كان متهما فيه لم يصح اقراره لان التهمة تخل برجحان جانب الصدق على جانب الكذب فى الاقرار. ولأن الاقرار شهادة على النفس وهى مما ترد بالتهمة. مثال ذلك أن المقر المريض مرض الموت لوارثه بدين فانه لا يصح ولا يجب المدين بهذا الاقرار لانه متهم فيه لجواز انه اقر بعض الورثة على بعض بميل الطبع او بسبب قضاء حق دعاه للاحسان اليه. وهو لا يملك ذلك بطريق التبرع فأراد تنفيذ عرضه بصورة الاقرار من غير أن يكون لهذا الوارث على المقر دين اصلا فكان متهما فى اقراره هذ فيرد ولا ينفذ.
(٩) الا يكون المقر محجورا عليه لسفه بالنظر للتصرفات التى تبطل بالهزل. فلو اقر وهو محجور عليه بهذه التصرفات كان اقراره باطلا .. وان أقر بمال لشخص فان الاقرار يوقف ولا ينفذ مادام الحجر موجودا فان زال الحجر نفذ الاقرار لان اهلية المقر المصححه لعبارته قائمة وقت الاقرار غير أنه وجد مانع.
فاذا زال ظهر اثر الاقرار.
(١٠) أن يكون المقر جادا لا هازلا فلو كان هازلا لا يصح اقراره. ويمكن التمييز بين حالتى الهزل والجد بالنغمة والحركة والموقف بظروفه.
(١١) أن لا يكذبه ظاهر الحال فى اقراره.
فلو اقر لمن لا يولد مثله لمثله أنه ابنه لا يصح اقراره لبطلانه. ولو اقر الصغير الضعيف الذى لا يحتمل جسمه البلوغ بالبلوغ بقوله بلغت لا يصح اقراره ولا يعتبر. ولو قال: ان فلانا اقرضنى كذا من شهر كذا، وقد مات فلان هذا قبل التاريخ المذكور لا يصح الاقرار ولا يلزمه شئ. ولو اقر لوارث باكثر من نصيبه شرعا كما لو مات عن ابن وبنت فقال الابن: أن التركة بيننا مناصفة. ولو اقر لزوجته بنفقة عن مدة سابقة كانت فيها ناشزة ولم يكن قد قضى لها بنفقة سابقة من قبل فلا يصح الاقرار ولا تلزمه النفقة شرعا.
شروط المقر له:
وشروط صحة الاقرار التى يجب توافرها فى المقر له هى:
(١) أن يكون محقق الوجود وقت الاقرار حقيقة او شرعا فمقال محقق الوجود حقيقة أن يقر لحمل فلانه بالف درهم ميراثا تركها له ابوه ثم تلد المرأة قبل مضى ستة اشهر من وقت الاقرار. فانا نجزم بوجود الولد حقيقة وقت الاقرار لان اقل مدة الحمل ستة اشهر ولا يتصور ان يكون هذا الولد قد يكون من ماء جديد بعد الاقرار. ومثال المحقق وجوده شرعا ما اذا اقر لحمل امرأة معتدة من طلاق بائن بالف درهم بسبب ميراث او وصية ثم ولدت المرأة الحمل ولدا لاكثر من ستة اشهر من وقت الاقرار ولاقل من سنتين من وقت الفرقة ولم يحصل اقرار من المرأة بانقضاء العدة فان الاقرار هنا صحيح لأنه ان كان يجوز عقلا أن الولد تكون من ماء جديد بعد الاقرار ولا يكون موجودا حقيقة وقت الاقرار
стр. 7159
الا أنه حيث اثبت الشارع نسبه من ابيه فى هذه الحالة فيكون قد حكم بوجوده قبل الفرقة فيكون موجودا وقت الاقرار حكما بحكم الشارع بثبوت النسب فلو لم يكن محقق الوجود وقت الاقرار لا فعلا ولا شرعا لم يصح الاقرار. وذلك مثل أن يقر لحمل امرأة متزوجة بالف درهم وصية له من فلان ثم جاءت المرأة المتزوجة بالولد لاكثر من ستة اشهر من وقت الاقرار. فانه لا يستحق المبلغ المقر به لأنه لم يكن محقق الوجود وقت الاقرار لا عقلا ولا شرعا لجواز ان يكون قد تكون من ماء بعد الاقرار. فيرد المقدار المقر به لورثة الموصى.
(٢) ألا يكون المقر له مجهولا جهالة فاحشة وذلك بأن يكون معلوما بعينه او مجهولا جهالة يسيرة فلو كان مجهولا جهالة فاحشة لم يصح الاقرار. نحو أن يقول المتوفى اقراره لواحد من الناس عندى الف درهم.
اما لو كان معلوما نحو أن يقول: لزيد عندى مائة درهم. أو كان مجهولا جهالة يسيرة نحو أن يقول لاثنين: لاحدكما عندى مائة درهم - فان الاقرار يصح فى الصورتين ويلزمه فى الاولى المقر به لزيد. ويؤمر فى الثانى بالتذكر ولكن لا يجبره القاضى على البيان لجهالة المدعى. ولان الاجبار قد يؤدى الى ابطال الحق على مستحقه بأن يبين المقر تحت تأثير الاجبار غير المستحق فعلا.
والقاضى انما نصب لايصال الحقوق الى مستحقيها لا لابطالها على مستحقيها الا أنه يأمر بالتذكر لان المقر قد ينسى صاحب الحق فان تذكر فيها وأمر باعطاء الحق لصاحبه وان لم يتذكر لم يجبر على اعطاء المبلغ المقر به لأحد الاثنين المخاطبين بالاقرار. لكن اذا اتفقا على أخذ المبلغ من المقر باعتبار أن الاستحقاق منحصر فيهما كان لهما ذلك
وحد الجهالة اليسيرة أن يكون العدد مائة فأقل. وحد الجهالة الفاحشة أن يكون العدد اكثر من ذلك .. وجواز الاقرار مع الجهالة اليسيرة هو الاصح كما ذهب اليه الناطفى وشيخ الاسلام خواهر زادة لانه يمكن مع ذلك ايصال الحق الى مستحقه كما اذا اتفق الشخصان او الاشخاص المقر لواحد منهما او منهم على اخذه.
وذهب وشيخ الائمة السرخسى: أن جهالة المقر له تضر دائما وتمنع صحة الاقرار فحشت الجهالة أم كانت يسيرة لأن المجهول لا يصلح مستحقا ولا يمكن الاجبار على البيان من غير تبيين المدعى فلا يفيد الاقرار فائدته.
شروط المقر به:
والشروط التى يجب تحققها فى المقر به لصحة الاقرار هى:
(١) ألا يكون محالا عقلا او شرعا فاذا كان محالا عقلا او شرعا بأن كان الشرع يعده باطلا لم يصح الاقرار به ولم يعامل المقر بمقتضاه. فمثال الاقرار بالمحال العقلى. أن يقر بان فلانا اقرضه مائة جنيه فى اليوم الفلانى ويكون فلان هذا قد مات قبل اليوم المذكور أو يقر بأن عليه لفلان خمسمائة دينار أرش يده التى قطعها ويداه صحيحتان. أو يقر أن عليه الف دينار دية ابيه فلان الذى قتله المقر خطأ وابوه فلان المذكور حى. وهكذا من كل حق مترتب على سبب محال عقلا لوجود
стр. 7160
ضده. فان الاقرار به يكون باطلا وغير معتبر شرعا حتى اذا اخذ المقر له من المقر المال المقر به كان للمقر أن يسترده منه ثانيا لانه اخذه منه بغير وجه مشروع.
ومثال الاقرار بالمحال الشرعى. أن يقر انسان بقدر من السهام لوارث اكثر مما هو مقدر له شرعا. نحو أن يموت رجل عن ابن وبنت فيقر الابن ان الميراث بينه وبين اخته مناصفة. فهذا اقرار باطل لأنه أقر بشئ يعده الشرع باطلا لأن الشرع جعل للذكر مثل حظ الانثيين. وكذلك اقرار الرجل لزوجته بمهرها بعد ان تبرئه منه او بعد ان تهبه له او اقراره لها بنفقة عن مدة ماضية هى ناشز من غير سبق قضاء ولا رضاء مع اعترافها بذلك. فان جميع هذه الاقرارات باطلة شرعا لانها اقرارات باشياء بحكم الشرعى ببطلانها وعدم وجودها فلا تعتبر.
(٢) أن يكون مما يجرى فيه التمانع ويجب تسليمه الى المقر له اما بعينه كما لو اقر بداية فى يده انها لفلان او بتسليم مثله كما لو اقر بالف درهم فى ذمته لآخر لان الديون تقضى بامثالها لا باعيانها .. فلو كان المقر به مما لا يجرى فيه القانع بين الناس لتفاهته لم يصح الاقرار به. فلو اقر بكف من حنطة او بحفنة من تراب لم يصح الاقرار ولم يجب تسليم المقر به للمقر له .. ويلاحظ ان هذا الشرط انما يكون فيما اذا كان المقر به عينا او دينا.
فلو كان المقر به حقا كعتق العبد او بنوة الابن او حصول الزوجية او ما اشبه ذلك لم يشترط فيه هذا الشرط لان السيد فى اقراره بعتق عبده لا يجب عليه تسليم شئ للعبد الذى اعتقه ولا الزوج لزوجته التى اقر بنكاحها ولا الاب لابنه الذى اقر بنسبه. ويكون الشرط فى مثل هذه الامور ان يترتب على الاقرار بها ثبوت حق للغير على نفس المقر ولو سلبيا كما ذكر فى تعريف الاقرار.
شروط الصيغة:
والشروط التى يجب توافرها فى صيغة الاقرار لصحة الاقرار هى:
(١) أن تكون منجزة لا معلقة على شرط. فلو كانت معلقة على شرط لم يصح الاقرار. وذلك على التفصيل الاتى: وهو أن الشرط المعلق عليه الاقرار كان متضمنا دعوى أجل على المقر له نحو ان يقول: لزيد عندى مائة درهم دينا ان جاء شهر رمضان أو أن جاء يوم عيد الاضحى او نحو ذلك. صح الاقرار. ولزم المقر المال المقر به فى الحال واستحلف المقر له على الاجل بحيث لو نكل عن اليمين يجب المال عند الاجل .. وان كان غير متضمن دعوى اجل على المقر له. فلا يخلو حاله من ثلاثة أمور:
أ - ان يكون الشرط المعلق عليه مما لا يمكن الوقوف عليه كمشيئة الله وارادته ورضاه ومحبته وقضائه وارادته. ومشيئة الجن والملائكة. نحو أن يقول: لفلان عندى ألف درهم ان شاء الله او ان اراد الله. او يقول لفلان عندى عشرون جنيها ان شاء الجن او ان ارادت الملائكة - وحكم هذا انه لا يصح الاقرار معه ولا يترتب عليه اثر ولا يلزم المقر ما أقر به.
стр. 7161
ب - أن يكون مما يمكن الوقوف عليه عند وجوده. وهو على حظر الوجود والعدم.
كمشيئة فلان ودخوله الدار ولبسه الثوب وركوبه الفرس. وحلفه أن الحق له مثلا ونحو ذلك نحو أن يقول: لفلان عندى مائة جنيه ان شاء زيد ذلك او أن دخل داره او لبس ثوبه أو ركب فرسه .. او يقول:
لفلان عندى عشرون جنيها ان حلف أنها له وحكم هذا ان الاقرار فيه يكون باطلا لا يؤاخذ به المقر ولو وجد الشرط المعلق عليه. حتى لو دفع المقر المال بناء عليه كان له أن يسترده لانه دفعه بعير موجب شرعى.
ج - أن يكون الشرط المعلق عليه كائنا لا محالة نحو أن يقول: لفلان عندى خمسون جنيها ان مت. وحكمه أنه يصح الاقرار معه ويجب المال المقر به عاش المقر أو مات. لأنه ليس تعليقا حقيقة. وانما المقصود منه تأكيد قرار بربطه بشئ حاصل حتما. وهو موته ويشترط الاعتبار التعليق على الشرط أن يكون موصولا بالاقرار حقيقة كالأمثلة المذكورة او حكما بأن يفصل بينهما بعذر ضرورى كالتنفس او العطس ونحو ذلك. فان فصل بغير عذر لا يعتبر الاقرار معلقا على شرط. وحينئذ يأخذ حكم الاقرار المنجز.
(٢) أن تكون مفيدة ثبوت الحق المقر به على سبيل اليقين والجزم .. فلو كانت مشتملة على ما يفيد الشك او الظن كان الاقرار باطلا لا يؤاخذ به صاحبه سواء كان ذلك آتيا من جهة اللغة او من جهة العرف .. وينبنى على ذلك أنه لو قال: لفلان على مائة جنيه فى علمى او فيما اعلم يصح الاقرار ولا يجب عليه المقر به لأن هاتين العبارتين تفيدان التردد عرفا ولو قال: لفلان على ألف درهم فى شهادة فلان او فى علمه او فيما ادعى او فيما ظننت او فيما أظن او فيما أحسب أو نحو ذلك لم يصح الاقرار ولم يحب المال لأن هذه العبارات تفيد الشك لغة.
(٣) أن تكون صيغة الاقرار باللفظ والعبارة لا بالكتابة ولا بالاشارة ولا بالسكوت اذا كان المقر به حدا من حدود الله تعالى بجميع أنواعها. فلا يصح الاقرار بالكتابة ولا بالاشارة ولا بالسكوت فى الحدود. ولو ممن لا يقدر على التلفظ والتعبير كالاخرش. لان الشارع علق وجوب الحد على البيان الواضح المتناهى وهو لا يكون الا اللفظ الصريح.
بخلاف باقى الحقوق وأنه يصح الاقرار بها باللفظ والكتابة والاشارة والسكوت على التفصيل الذى سبق بيانه عند الكلام على ما به يكون الاقرار.
(٤، ٥) وأن تكرر أربع مرات وأن تكون فى أربعة مجالس اذا كان المقر به زنا. لما روى أن ماعزا جاء إلى رسول الله ﷺ فأقر بالزنا. فأعرض عنه ﵊ بوجهه الكريم ورده فاقر ثانيا فأعرض عنه ورده وهكذا الى أن اقر اربع مرات فى اربعة مجالس واستفسر منه عما فعل وسماه وأزال كل لبس فامر باقامة حد الرجم عليه ورجم فعلا فهذا دليل على أن الاقرار بالزنى لا يكون موجبا للحد الا اذا تكرر اربع مرات فى أربعة مجالس. لأنه لو كان الاقرار من واحدة كافيا لايجاب الحد على المقر لما أخره رسول
стр. 7162
الله ﷺ الى أن يقر أربع مرات لان الحد بعد ما ظهر وجوبه للامام لا يحتمل التأخير. ولأنه لو لم يكن اختلاف المجالس فى الاقرار به واجبا وضروريا للعمل به. لما قبله النبى ﷺ فى ماعز حيث كان يخرجه فى كل مرة ثم يعود .. ومن هذا يعلم أن الصحيح فى اعتبار اختلاف مجالس الاقرار وهو مجلس المقر لا مجلس القاضى. لأن الذى اختلف مجلسه فى قصة ماعز هو ما عز نفسه اذ كان يخرج من مجلس النبى ﷺ ثم يعود .. ومجلس النبى ﷺ لم يختلف.
(٦) أن تكون صيغة الاقرار بين يدى القاضى وفى مجلس قضائه اذا كان المقر به حدا خالصا لله تعالى كحد الزنا وشرب الخمر والسرقة.
فلو أقر فى غير مجلس القضاء وشهد الشهود على اقراره بالزنى أو الشرب أو السرقة لا تقبل شهادتهم عليه لأنه ان كان مقرا أمام القاضى الذى يشهد الشهود أمامه على اقراره فلا حاجة الى الشهادة لأن الحكم للاقرار لا للشهادة وان كان منكرا امام القاضى كان انكاره رجوعا منه عن الاقرار على فرض حصوله. والرجوع عن الاقرار فى الحدود الخالصة لله تعالى صحيح.
فلو كان المقر به حقا غير خالص لله تعالى بل كان حقا لله وفيه حق للعبد كحد القذف عند الحنفية أو كان الحق المقر به حقا خالصا للعبد كما فى الاموال وغيرها لم يشترط هذا الشرط لأن الرجوع عن الاقرار به غير صحيح ولا يقبل فيمكن اثباته بالبينة.
(٧) ألا تكون مشتملة على اسناد الاقرار الى حالة منافية للضمان من كل وجه. فان اشتملت على ذلك كان الاقرار باطلا ولم يجب به شئ على المقر. وذلك نحو أن يقول العبد لغيره بعد عتقه: قطعت يدك خطأ وانا عبد. وكذبه المقر له فى الاسناد وقال له: بل قطعتها وانت حر. فانه فى هذه الحالة يكون القول قول العبد ولا يجب عليه شئ للمقر له.
أصول الاقرار
الأصل الأول:
أنه يصح الاقرار بالمعلوم وبالمجهول:
أما بالمعلوم فظاهر كأن يقر بعين معينة أو بدين مقدر او بحق معلوم لفلان مثلا.
وأما بالمجهول فلأن الانسان قد يلزمه الحق مجهولا بأن يتلف شيئا لغيره لا يدرى قيمته او يجرح انسانا جراحة لا يعلم مقدار ارشها او يغصب من شخص مالا فى كيس لا يعرف مقداره .. ففى هذا كله لزمه الحق مجهولا. فلو لم يصح الاقرار فى ذلك كله مع الجهالة لضاعت هذه الحقوق .. فاحياء لها ولامثالها أجيز الاقرار بالمجهول .. وينبنى على ذلك أنه لو قال: لفلان على شئ أو حق صح اقراره .. ونظرا لأنه لا يمكن القضاء بالمجهول لو وقعت خصومة امام القضاء فى مثل هذا الاقرار. ولأن التجهيل من جانب المقر .. قالوا: أنه يلزم بالبيان ولا يقبل منه البيان الا اذا فسر بشئ له قيمة. فلو فسره بما لا قيمة له كحبة حنطة او حفنة تراب وما اشبه ذلك لم يصدق فيه ولا يقبل منه. لأنه يكون رجوعا عن الاقرار والرجوع عن الاقرار فى
стр. 7163
حقوق العباد لا يصح ولا يقبل … واذا فسر المقر بما له قيمة أن صدقه المقر له فى تفسيره فالامر واضح ويجب المقر به. وأن كذبه فى تفسيره وادعى زيادة عليه فان اثبت ما يدعيه فالامر واضح كذلك ويقضى له بما أدعى. وأن لم يثبت ما يدعيه صدق المقر فى تفسيره بيمينه لأنه منكر لما يدعيه المقر له من زيادة. والقول قول المنكر بيمينه هذا. ومحل صحة الاقرار بالمجهول اذا لم يذكر المقر سببا لما أقر به لا يصح مع الجهالة بأن سكت عن ذكر سبب أو ذكر سببا لا تضره الجهالة ويصح معها كالغصب والايداع والجناية .. فان الجهالة لا تمنع تحقق الغصب والوديعة والجناية فان بين غصب من رجل مالا مجهولا فى كيس او اودعه مالا مجهولا فى كيس او جرحه جراحة لا يعلم مقدار أرثها. فانه يصح الغصب والوديعة والجناية ويثبت حكمها .. اما اذا ذكر سببا تقره الجهالة ولا يصح معها كالبيع والاجارة.
فان من باع شيئا مجهولا او اجر عينا مجهولة يكون العقد فاسدا ولا يجب تسليم شئ بحكمه. فكذلك الاقرار. اذا اقر بانه باع من فلان شيئا او اجر من فلان شيئا او اشترى من فلان شيئا لا يصح هذا الاقرار ولا يجبر على تسليم شئ.
الأصل الثانى:
أنه متى أقر الشخص بشئ كان مقرا به
وبما يستتبعه عادة .
وان لم ينص على هذا التابع صراحة.
وينبنى على ذلك انه لو اقر الاخر بسيف كان للمقر له النصل والغمد والحمائل. واذا أقر له بخاتم كان له الحلقة والفص. واذا اقر له بمنزل او دار كان له الارض والبناء .. وان لم ينص على ذلك صراحة. لأن السيف اسم للنصل والغمد والحمائل تابعة له. والخاتم اسم للحلقة والفص تابع لها والمنزل او الدار اسم للارض والبناء تابع لها. فدخل التابع فى الاقرار كما دخل المتبوع.
الأصل الثالث:
انه اذا اقر بشئ فى شئ ينظر:
ان كان الشئ الثانى يصلح طرفا للاول. ويمكن نقله لزم المقر الشبئان وكان مقرا بهما .. وينبغى على ذلك انه اذا اقر بتمر فى توصرة. وهى وعاء التمر مادام فيها. او طعام والجوالق.
والثوب والمنديل .. وان كان الشئ الثانى يصلح ظرفا للاول. ولكن لا يمكن نقله كان مقرا بالمظروف دون الظرف. وذلك نحو أن يقر بحصان فى اسطبل فانه يلزمه الحصان لا الاسطبل .. وان كان الشئ الثانى لا يصلح للظرفية اصلا لزمه الشئ الأول فقط نحو أن يقر بدرهم فى درهم او بثوب فى درهم.
فانه يلزمه درهم واحد فى الاول وثوب فقط فى الثانى.
الأصل الرابع:
انه متى اضاف المقر الشئ المقر به الى
ملكه نصا أو تقديرا ولم يأت بلفظ (فى) كان
الاقرار تمليكا للمقر له ابتداء وليس اقرارا .
فان كان فى ذكر الوصية كان وصية والا كان هبة. وذلك مثل أن يقول: جميع مالى او جميع ما أملكه لفلان. او يقول: لفلان من مالى الف درهم .. فهذه الصور جميعها تكون هبة
стр. 7164
للمقر له فتشترط فيها شروط الهبة .. واذا قال اوصيت لفلان من مالى بمائة جنيه او بثلث دارى كان ذلك وصية تفيد ملك المقر به للمقر له بعد وفاة المقر .. اما لو اتى بلفظ (فى) بأن قال: لفلان فى مالى الف درهم. او قال لفلان فى دارى ثلثها فان هذا يكون اقرارا بالشركة فى المال وفى الدار بينه وبين فلان هذا المقر له بالمبلغ والحصة المقر بهما. وليس تمليكا مبتدأ .. والأمثلة المذكورة فيها الأضافة الى ملكه صراحة ونصا. أما الاضافة الى ملكه تقديرا. فتكون فيما اذا كان الشئ المقر به معلوما ومعروفا بين الناس انه ملك المقر ثم يقول المقر: الدار التى حدودها كذا وكذا - ومعروفا أنها - ملكه - لفلان. فانه يجعل هبة كالاضافة الصريحة - لا اقرارا لوجود الاضافة التقديرية.
الأصل الخامس:
أنه اذا اقر بشئ بين غايتين
كأن يقول لفلان من كذا الى كذا. او ما بين كذا وكذا أرضا او مالا. ينظر فان كانت الغايتان محسوبتين له تدخل الغايتان فى الاقرار بالاتفاق ولزم ما بينهما فقط. فاذا قال: لفلان فى دارى من هذه الحائط الى هذه الحائط او ما بين هاتين الحائطين كأن للمقر له ما بين الحائطين ولم تدخل الحائطان بالاتفاق. وكذلك اذا كانت امامه خواتم من ذهب مرصوصة ومرتبة بجانب بعضها فقال المقر: لفلان من هذا الخاتم الى هذا الخاتم واشار الى خاتمين كان للمقر له ما بين الخاتمين المبينين بالاشارة ولم يلزمه الخاتمان اللذان جعلا مبدأ ونهاية بالاتفاق ..
واذا كانت الغايتان غير محسوستين. وخلف الغاية الأولى دون الثانية فى الاقرار عند ابى حنيفة ودخلت الغايتان معا عند الصاحبين ابو يوسف ومحمد. ولم تدخلا معا عند زفر فاذا قال: لفلان درهم الى عشرة. فانه يلزمه نسبة عند الامام وعشرة عند الصاحبين وثمانية عند زفر .. وقد قالوا: ان ما قاله الامام فى الثانية الأولى هو الاستحسان وفى الثانية هو القياس: وما قاله الصاحبان فى الغايتين هو الاستحسان ومقاله زفر فيهما هو المقياس، ومن ذلك يظهر ان قول الصاحبين هو الأرجح لأن الاستحسان مقدم على القياس.
الأصل السادس:
(دعوى المقر انه كاذب فى اقراره):
الاصل انه متى اقر الشخص الآخر بحق اقرارا صحيحا مستوفيا جميع شروطه الشرعية - صح الاقرار والزم بما اقر به ووجب عليه تسليمه للمقر له. ولا يقبل منه بعد ذلك أنه كاذب فى اقراره اذا كذبه المقر له فى تلك الدعوى.
فليس له أن يقيم البينة على أنه كاذب فى الاقرار ولا أن يطلب تحليف خصمه على نفيه.
وهذا عند الطرفين ابى حنيفة ومحمد ولأن الاقرار حجة ملزمة شرعا كالبينة بل هو أولى لأن احتمال الكذب فيه ابعد اذ الانسان لا يكذب على نفسه عادة وهذا هو القياس وقال أبو يوسف اذا دعى المقر أو ورثته أنه كان كاذبا فى اقراره حلف المقر له ان كان حيا ان المقر لم يكن كاذبا فى اقراره وان كان ميتا حلف ورثته أنهم لا يعلمون أن المقر كان كاذبا فى اقراره .. وهذا مادام المقر لم يصر محكوما عليه بالاقرار. فان صار محكوما عليه بالاقرار لم يحلف له المقر له ولا ورثته بالاتفاق. وقول
стр. 7165
ابى يوسف هو الاستحسان وعليه الفتوى ..
لأن العادة جارية بين الناس أنهم اذا أرادوا الاستدانة يكتبون الصك قبل الأخذ ثم يأخذ المال بعد ذلك. فلا يكون الاقرار دليلا على قبض المقدار المقر به حقيقة. ولأن الناس قد تغيرت احوالهم وكثرت مخادعاتهم وخياناتهم فينبغى أن نسهل للمقر الخروج عما اقر به كذبا بتحليف المقر له اليمين على نفى دعواه الكذب والتحليف لا يضر المقر له ان كان صادقا به ولكن المقر يتضرر ان لم تقبل دعواه فى حق الحلف. فيصار الى التحليف .. وان كانت دعوى المكذب فى الاقرار من ورثة المقر حلف لهم المقر له كما يحلف للمقر ومثل ذلك ما لو اقر باستيفاء الدين ثم ادعى الغلط فى اقراره لم تقبل منه هذه الدعوى عند الطرفين.
وقبلت منه عند ابى يوسف وحلف المقر له على نفيها على ما اختاره المتأخرون .. ومحل عدم اختيار الغلط على قول الطرفين فى غير الاقرار بالطلاق. اما لو اقر بطلاق زوجته على فتوى خاطئة من مفتى غير اهل لها. ثم تبين أن الأمر على خلاف ما افتى به المفتى وأن الطلاق غير واقع. كان للزوج ان يرجع الى زوجته ولو بعد كتابة الصك باقراره بالطلاق. ولكن هذا فى الديانة أى فيما بينه وبين الله تعالى. وأما فى القضاء، فلا يصدق فى أنه بنى اقراره على فتوى خاطئة من المفتى بل يؤاخذ باقراره.
ومما يلتحق بذلك ما نقله الحموى فى حاشيته على الاشباه من أنه لو قال: هذه رضيعتى ثم اعترف بالخطأ فى اقراره هذا يصدق فى دعواه الخطأ. وله أن يتزوجها بعد ذلك لأن هذا مما يخفى عليه. فقد يطلع بعد اقراره بالرضاع بينه وبينها. على خطأ الغافل فيرجع .. وهذا مشروط بما اذا لم يثبت على اقراره ويؤكده بان قال: هو حق او صدق، أو أشهد على الاقرار شهودا او نحو ذلك.
حيث لا يقبل منه دعوى الخطأ فيه بعد ذلك.
الأصل السابع:
انه اذا اقر بحق عليه لغيره ووصفه بما
فيه مصلحة له وكذبه المقر له فى الوصف
ينظر ان كان الوصف مما يعرض للمقر به ولكن لا يثبت الا بالشرط لا يصدق المقر فى الوصف وان كان الوصف ثابتا فى المقر به ودون شرط صدق المقر فيه .. وينبنى على ذلك انه اذا اقر لآخر بألف درهم عليه وقال المقر له هى ماله لا يصدق المقر فى الوصف بالتأجيل ويلزمه الدين حالا. الا اذا أثبت الاجل بالبينة.
ويحلف المقر له على الأجل عند انعدام البينة لأنه منكر والقول قول المنكر مع يمينه.
والأجل ليس وصفا ثابتا للدين وانما يثبت بالشرط. اما اذا اقر له بالف درهم سود. وقال المقر له هى بيض - صدق المقر فى الوصف لأنه ثابت للدراهم بحسب نوعها لا بالشرط ..
والقول فى الوصف الثابت للمقر. وفى العارض للمقر له.
الاقرار بالحمل:
يصح الاقرار بالحمل كما يصح الاقرار بالديون والاعيان الظاهرة. فمن قال: حمل الشاة او الناقة أو الفرس أو حمل الامة الفلانية لفلان صح هذا الاقرار وكان لفلان المقر له حق الاستيلاء على الحمل المقر به عند ولادته. وان لم يذكر المقر سببا لملك المقر له الحمل المقر به ويحمل على سبب
стр. 7166
صالح للملك وهو الوصية من والد المقر مثلا للمقر له بالحمل حينما كان حيا وكان مالكا للماشية او الجارية - أوصى بالحمل للمقر له ثم مات فأقر ابنه بأن الحمل لفلان الموصى له به من ابيه او يحمل على الميراث.
وصورته أن يوصى رجل لآخر بجارية الا حملها فان هذه الوصية صحيحة ثم يموت الموصى فتصير الحامل ملكا للموصى له والحمل لوارث الميت الموصى. فلو اقر هذا الموصى له بعد أن قبض الحامل الموصى بها بأن حملها لوارث الميت ملكه بسبب الميراث صح الاقرار وكان السبب هو الميراث .. وخالف بعضهم فى الميراث وقال لا وجه له غير أنه يشترط لصحة هذا الاقرار التحقق من وجود الحمل المقر به وقت الاقرار حقيقة او شرعا. حقيقة بأن يولد الحمل لاقل من اقل مدة الحمل بالنسبة اليه من وقت الاقرار. وشرعا بأن يولد حمل الجارية المطلقة بائنا لأكثر من ستة اشهر من وقت الاقرار ولكن لاقل من سنتين من وقت الفرقة فى المعتدة من طلاق بائن اذ يثبت نسب هذا الولد من ابيه شرعا فيكون الشارع قد حكم بوجوده قبل وقت الاقرار.
وأقل مدة الحمل للآدمى ستة اشهر والمقيل احد عشر شهرا وللأبل والخيل والحمير سنة وللبقر والجاموس تسعة أشهر وللشاة والمعز خمسة اشهر على ما ذكره القهستانى - وفى غير هذه الانواع يرجع فى معرفة اقل مدة حملها الى اهل الخبرة فى ذلك.
الاقرار للحمل:
كما يصح الاقرار بالحمل
يصح الاقرار له ولكن بشروط هى:
(١) أن يكون محقق الوجود وقت الاقرار حقيقة او شرعا. حقيقة بأن يولد لاقل من ستة اشهر من وقت الاقرار بالنسبة للمتزوجة. فأن ولد لاكثر من ستة اشهر من وقت الاقرار بالنسبة لها لم يصح الاقرار ولا يستحق الحمل ما اقر له به لعدم تيقن وجوده وقت الاقرار لجواز أن يكون قد تكون من ماء جديد وحدث الحمل به بعد الاقرار فلم يكن وجوده وقته محققا فلم يوجد الشرط .. وتحقق وجوده شرعا وحكما بأن يولد لاكثر من ستة اشهر من وقت الاقرار ولكن لاقل من سنتين من وقت الفرقة بالنسبة للمعتدة من طلاق بائن. وذلك لأن نسب هذا الولد يثبت من ابيه شرعا.
فيكون الشارع قد حكم بوجوده فى بطن امه وقت الفرقة وقبل الاقرار. فلو ولدته لاكثر من ستة اشهر من وقت الاقرار ولاكثر من سنتين من وقت الفرقة بالنسبة لهذه المعتدة لم يصح الاقرار له اصلا لان الشارع لم يحكم بثبوت نسبه من ابيه.
والمدة التى بين الاقرار والولادة صالحة لان يتكون فيها الحمل من ماء جديد ويحدث الحمل به بعد الاقرار فلم يكن محقق الوجود وقت الاقرار اصلا لا حقيقة ولا حكما فلم يصح الاقرار له.
(٢) أن يبين المقر سببا صالحا لملكية الحمل المقر له للمقر به بأن يقول: لحمل فلانه ألف درهم اوصى له بها فلان او مات ابوه فلان وتركه ميراثا له لان الحق يثبت للحمل من هذه الجهة فكان المقر صادقا فى اقراره. ومتى تم الاقرار على هذه الصورة صح .. ثم ينظر: فان خرج الحمل ميتا رد المقر به الى ورثة الموصى ان
стр. 7167
كان السبب الوصية والى ورثة المورث ان كان السبب الميراث لأن الاقرار فى الحقيقة للوصى والمورث وينتقل للحمل بعد ولادته حيا.
وحيث خرج ميتا ظهر أنه غير مستحق للوصية ولا للميراث فيذهب المال الى مستحقيه وهم ورثة الموصى او ورثة المورث .. وان خرج الحمل حيا فان كان واحدا كان له المقدار المقر به وحده مهما بلغ فى فصلى الوصية والميراث.
وان كان متعددا. قسم المبلغ المقر به ببنهم بالسوية ايضا ان كان الاستحقاق بسبب الوصية وقسم بينهم للذكر مثل حظ الانثيين ان كان الاستحقاق بسبب الميراث. لان هذه هى قسمة الميراث بحكم الشارع.
هذا اذا بين المقر سببا صالحا لملكية الحمل المقر له - المقر به .. فان بين سببا غير صالح بأن كان مستحيلا كأن يقول لحمل فلانه الف درهم ثمن مبيع اشتريته منه او بدل قرض اقترضته منه وما اشبه ذلك من الاسباب غير المقصورة او اجمل ولم يذكر سببا اصلا لم يصح الاقرار لأن ثبوت ملك الحمل فى المقر به غير ممكن وقال محمد ان سكت ولم يذكر سببا يصح الاقرار حملا لكلامه على سبب صالح لأن كلام العاقل يصان عن العبث بقدر الامكان.
الاقرار للصبى الرضيع:
أما الاقرار للصبى الرضيع فأنه صحيح ويلزم المقر ما اقر به له سواء ذكر سببا صالحا للملك كالوصية والميراث او لم يذكر سببا اصلا او ذكر سببا مستحيلا وغير متصور من الصبى كالقرض والبيع .. ويحمل السبب غير المقصود على أنه حصل من وليه واسند الى الصبى على سبيل المجاز. وذلك لثبوت الولاية عليه بخلاف الحمل فانه لا يملى عليه احد مادام حملا فلم يكن حمل الاقرار عند ذكر سبب غير صالح على محمل صحيح.
الاقرار العام:
كما يصح الاقرار بالديون والاعيان المميزة وبالحقوق المجهولة يصح ايضا الاقرار العام بأن يقول جميع ما فى يدى من قليل وكثير لفلان او جميع ما فى يدى لفلان او جميع ما ينسب الى فلان فهذا الاقرار صحيح. وكان لفلان المقر له أن يأخذ جميع ما فى يد المقر وقت الاقرار بحكم هذا الاقرار العام .. فان اختلفا فى عين فقال المقر له كانت فى يدك وقت الاقرار فأنا استحقها بمقتضاه، وقال المقر: لم تكن بيدى وقته وانما تملكتها بعد ذلك كان القول قول المقر الا أن يقيم المقر له البينة على أنها كانت بيده وقت ان اقر فانه حينئذ يقضى له بها.
الاقرار بالدين والوديعة:
لو قال: لفلان على مائة جنيه او لفلان قبلى مائة جنيه كان مقرا بدين لأن على صيغة اجاب وقبلى ينبنى عن الضمان. والواجب والمضمون هو الدين. ولا يحمل على انه اقرار بوديعة لأنها غير مضمونة الا اذا وصل كلمة وديعة بكلامه بأن يقول: لفلان على او قبلى مائة جنيه وديعة. فانه يصدق حينئذ ويكون مقرا بوديعة .. ولو قال لفلان عندى او معى او فى بيتى او فى صندوقى او فى كيسى الف جنيه كان اقرارا بالأمانة لا بالدين لأنه اقرار يكون الشئ فى يده. وذلك يتفرع الى مضمون وأمانة فيثبت اقلهما وهو الأمانة لأنه المتيقن .. ولو صرح بالدين فيما
стр. 7168
ذكر. وقال: له عندى او فى بيتى او فى صندوقى الف جنيه دينا أو دينا وديعة فانه يكون اقرار بدين مضمون.
الاقرار بريع الوقف:
اذا وقف شخص وقفا على نفسه مدة حياته ثم من بعده على اولاده ثم على اولاد اولاده ونسله وعقبه وقفا مرتب الطبقات الى انقراضهم فيكون لجهة بر لا تنقطع .. ثم مات الواقف وآل ريع الوقف الى اولاده فجاء احد اولاده المستحقين فى الوقف وقال أن الريع المشروط له فى هذا الوقف ليس له وانما الذى يستحقه فلان دونى. صح هذا الاقرار فى حق نفسه خاصة ولا يتعداه الى غيره من المستحقين بعده ويعامل بمقتضاه ويحمل على أن الواقف قد غير فى شرط الاستحقاق وجعل النصيب الذى كان للمقر - للمقر له وعلم المقر بذلك التغيير فأقر هذا الاقرار. ويصح هذا الاقرار سواء كان فى مدة معينة بأن قال: الريع المشروط لى فى هذا الوقف هو استحقاق فلان مدة عشر سنوات من هذا اليوم أو صدر من غير تحديد مدة بأن قال:
غلة هذا الوقف المشروطة لى فى كتاب الوقف هى استحقاق فلان دونى. فان كانت المدة محددة كان للمقر له أن يستولى على ريع الوقف المقر به من وقت الاقرار الى انهاء المدة وبعدها يعود الريع الى المقر ان كان باقيا على قيد الحياة فان كان قد مات يعود الريع الى ما شرطه له الواقف حسب شرطه .. ان كانت المدة غير معينة بان قال فى الاقرار: غلة هذا الوقف المشروطة لى هى لفلان دونى.
صح ذلك وصدق على نفسه لا على غيره من المشروط لهم الريع بعده. والزم بالاقرار مادام حيا ويأخذ المقر له الغلة مدة حياة المقر. فان مات المقر ورجعت الغلة الى من شرطها الواقف له بعد وفاة المقر وان مات المقر له فى حياة المقر رجعت الغلة للفقراء الى أن يموت المقر فتعود الى من شرط الواقف الصرف اليه بعد المقر.
وهذا الاقرار صحيح كما ذكرنا وان خالف ما دون بكتاب الوقف لاحتمال رجوع الواقف عما شرطه وعلم المقر بهذا الرجوع فاقر هذا الاقرار. ولكن ذلك مشروط بأن لا يعلم القاضى او يثبت لديه أن المقر انما أقر بذلك نظير عوض أخذه من المقر له فيكون كأنه باع استحقاقه تحت تأثير ظرف او حاجة.
وبما أن الاقرار لا يسرى الا على المقر ولا يتعدى ضرره الى غيره فانه يترتب على ذلك فى مسألة الاقرار بريع الوقف ما ياتى:
(أ) اذا كان الوقف على زيد واولاده ونسله ثم على الفقراء فأقر زيد بأن الوقف عليهم وعلى فلان من الناس لا يصدق زيد فى هذا الاقرار بالنسبة لأولاده بل يصدق فيه بالنسبة لنفسه فقط. فلا يدخل النقص على نصيبهم بل يدخل على نصيبه هو فيقسم الريع أولا على زيد وعلى من يكون موجودا من اولاده ونسله ثم يقسم ما اصاب زيدا عليه وعلى الرجل الذى اقر له بالاستحقاق فى الريع ويفعل ذلك دائما مادام زيد حيا. فان مات زيد بطل اقراره ولم يكن للمقر له حق فى الريع اصلا.
(ب) اذا كان الوقف على زيد ثم من بعده على الفقراء فاقر زيد بان هذا الوقف عليه وعلى بكر صح هذا الاقرار فى حق
стр. 7169
نفسه فقط فيشاركه بكر فى الغلة مادام زيد حيا فان مات زيد كانت الغلة كلها للفقراء ولا يكون لبكر شيئ منها وان مات بكر وزيد حى لم يعد ما كان يأخذه بكر لزيد بل يصرف للفقراء الى أن يموت زيد فتصرف الغلة جميعها للفقراء ..
هذا اذا اقر المستحق بريع الوقف لغيره بالصورة المذكورة. فلو لم يفعل ذلك بل اسقط حقه فى الوقف لا لأحد بأن قال:
اسقطت حقى فى هذا الوقف وصرت لا استحق شيئا من ريعه أصلا. أو جعل حقه فيه لغيره بأن قال: جعلت الغلة التى استحقها فى هذا الوقف لفلان - لم يصح ذلك ولم يقبل منه لأنه فى الأول اسقط حقه لغير معين والاسقاط لغير معين غير صحيح. ولأنه فى الثانى جعل نصيبه لغيره وهو غير صحيح ايضا لأنه يترتب عليه ادخال شخص فى وقف لم يرض واقفه بادخاله فيه فيكون مخالفا لشرط الواقف .. ولأن هذا انشاء استحقاق فى الوقف وهو لا يملكه اذ ليست له ولاية انشاء ذلك من تلقاء نفسه.
الاقرار بالنسب:
تنبنى مسائل هذا الباب على اصول مسلمة وهى: أن من اقر بنسب يلزمه هو فى نفسه ولا يتضمن تحميل النسب على الغير فاقراره مقبول وتترتب عليه آثاره ونتائجه كما يقبل اقراره على نفسه للغير بسائر الحقوق.
وذلك لمن يقر لشخص بأنه ابنه متى توفرت الشروط اللازمة كما سيأتى بيانه. وأن من اقر بنسب يتضمن تحميل نسبه على الغير فانه لا يقبل اقراره كما لا يقبل اقراره على غيره بأى حق من الحقوق. وذلك كمن يقر لشخص بأنه أخوه أو عمه فانه يتضمن تحميل نسب على الغير وهو الأب او الجد فلا يقبل فى حق ثبوت النسب.
وان الرجوع عن الاقرار بالنسب يصح اذا كان الرجوع قبل ثبوت النسب بالفعل.
أما اذا ثبت النسب فلا يصح الرجوع عنه بعد ذلك لأن النسب لا يحتمل النقض بعد ثبوته ..
وأن حالة المرض تخالف حالة الصحة باعتبار تعلق حق الغرماء والورثة بالتركة. فما لا يتعلق فيه حق الغرماء والورثة بالتركة كما فى النسب المحض والنكاح والولاء ولا يتعلق بشئ منها حق الغرماء. وأن من ادعى معنى لا يمكن اثباته بالبينة كأن القول فيه قوله من غير بينة. ومن ادعى معنى يمكن اثباته بالبينة لا يقبل فيه قوله الا بالبينة .. وانه لو نفى النسب ثم اقر به صح اقراره ولا يضره التناقض والاقرار بالنسب الذى ليس فيه تحميل لنسب على الغير. يكون من الرجل ويكون من المرأة. ويكون من الرجل بخمسة افراد ومن المرأة باربعة افراد.
اقرار الرجل بنسب
ليس فيه تحميل النسب على الغير:
اقرار الرجل بالنسب الذى ليس فيه تحميل النسب على الغير يكون بخمسة نفر:
الولد المباشر. والوالد المباشر. والأم المباشرة والزوجة. والمولى .. وفى الاقرار بالأم خلاف سيأتى ذكره.
الاقرار بالولد:
يشترط لصحة اقرار الرجل بالولد ابنا كان او بنتا ثلاثة شروط:
стр. 7170
الأول:
أن يكون الولد بحال يمكن أن يولد مثله لمثل المقر بأن يكون سن المقر اكبر من سن المقر له باثنتى عشرة سنة ونصف سنة على الأقل لأن عادة الله فى خلقه جرت بأن لا يولد للرجل فى اقل من هذه السن. فان لم يتوفر هذا الشرط كان ثبوت النسب مستحيلا وكان الاقرار مكذبا فى الظاهر فيكون باطلا ولا يترتب عليه أثر هذا اذا كان المقر بالولد رجلا اما اذا كان المقر امرأة تقر بولد لها فيجب ان يكون سنها أكبر من سن الولد المقر له بتسع سنوات ونصف على الأقل. لأن عادة الله فى خلقه جرت بأن لا يولد للمرأة فى اقل من هذه السن.
الثانى:
أن يكون الولد المقر بنسبه مجهول النسب أى غير ثابت النسب من غير المقر فلو كان ثابت النسب من شخص آخر غير المقر فلا يصح الاقرار بنسبه اذ النسب بعد ثبوته لا يقبل الفسخ فلا يصح الاقرار ومجهول النسب هو من لا يعلم له اب فى البلد الذى ولد فيه. وقيل من لا يعلم له اب فى البلد الذى هو فيه. واستظهر الثانى بعض المشايخ قالوا لأنه يترتب على الأول أن المغربى اذا انتقل الى المشرق ووقعت له حادثة تتعلق بالنسب يلزمه أن يفتش على نسبه فى المغرب وفى ذلك من الحرج ما لا يخفى. والحرج مدفوعا شرعا.
الثالث:
أن يصدق الولد المقر بنسب المقر فى اقراره ان كان هذا الولد فى يد نفسه بأن كان بالغا او صبيا يعبر عن نفسه. أما اذا كان فى يد غيره بأن كان لا يعبر عن نفسه فلا يشترط تصديقه لأنه يكون فى يد غيره كالبهيمة فيصح الاقرار بدون تصديقه.
وقال الائمة الثلاثة اذا كان غير مكلف فان النسب يثبت من غير توقف على تصديق المقر له لأنه لا يقدر مصلحته .. والخلاف يظهر فيما اذا كان غير مكلف ولكنه يعبر عن نفسه ويعتبر فى يد نفسه. وهى حالة من ثلاثة احوال فاذا توفرت هذه الشروط الثلاثة صح الاقرار وترتب عليه اثره. فيثبت نسب المقر له ويستحق الميراث كغيره من الابناء العاديين الثابتى النسب بالفراش والادلة الشرعية بدون منازعة احد ولو كان المقر مريضا مرض الموت.
الاقرار بالاب المباشر:
الاقرار بالأب المباشر صحيح لأنه اقرار من الشخص بما يلزمه هو نفسه وليس فى اقراره تحميل نسب على الغير ويشترط لصحة هذا الاقرار مثل الشروط الثلاثة المتقدمة:
فيشترط أن يكون المقر بحيث يولد مثله لمثل المقر له. وان يكون المقر له مجهول النسب.
وان يصدق المقر له المقر فى اقراره على النحو الذى ذكر سابقا فى الاقرار بالولد.
الاقرار بالأم المباشرة:
اقرار الرجل بامرأة أنها أمه صحيح بالشروط الثلاثة المتقدمة نص على ذلك صاحب الهداية وورد فى تنوير الأبصار وشرحه الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه. وعللوه بأنه اقرار من شخص مكلف بما يلزمه فى نفسه ولا يتضمن تحميل النسب على الغير وقد
стр. 7171
توفرت فيه الشروط المعتبرة شرعا - وذهب بعض العلماء ومنهم صاحب المبسوط والايضاح والجامع الصغير الى ان اقرار الرجل انما صح بأربعة ليست منهم الأم.
الاقرار بالزوجة:
ويجوز اقرار الرجل بالزوجة بشرط أن تصدقه فى اقراره. ويشرط أن تكون صالحة لأن تكون زوجة له عند الاقرار بألا يكون هناك مانع من الزوجية بينهما سواء كان من جهته او من جهتها فلو كان هناك مانع من ذلك لم يصح الاقرار بالزوجية وأن صدقته .. وينبنى على ذلك انه اذا اقر بنكاح امرأة فى نكاح الغير، أو فى عدته أو وثنية او مجوسية او لم تكن شيئا من ذلك ولكن كان هو متزوجا باختها أو بعمتها أو بخالتها أو بأربع سواها او بحرة وهى امة وصدقته هى فى هذا الاقرار لم يصح اقراره ولم يقبل منه ولا يترتب عليه أى أثر لأنه باطل شرعا.
الاقرار بالمولى:
ويصح الاقرار بالمولى من جهة العتاقة سواء كان المولى الاعلى وهو المعتق او المولى الأسفل وهو المعتق ومثله المولى من جهة الموالاة. ويشترط فيهما ألا يكون ولاء المقر له ثابتا من الغير. وفى ولاء الموالاة زاد الا يكون الغير قد عقل عنه. لأن الولاء كالنسب وقد تقدم ان من شروط صحة الاقرار بالنسب أن يكون مجهول النسب وأن ثبوت النسب من الغير يمنع صحة الاقرار فكذلك فى الولاء ويشترط أيضا أن يصدق المقر فى اقراره لما فى ذلك من الزام الحقوق على نحو ما تقدم فى الاقرار بالنسب.
اقرار المرأة بما ذكر:
ويصح اقرار المرأة بأربعة. الأب المباشر.
والام المباشرة. والزوج. والمولى. أما اقرارها بالولد فليس على اطلاقه فى القبول او الرد بل فيه التفصيل الآتى:
اقرارها بالولد:
اذا اقرت المرأة بنسب ولد وابنه منها فلا يخلو حالها: لأنها أما أن تكون ذات زوج فى وقت الاقرار واما أن تكون معتدة. واما أن تكون خالية من الأزواج والعدة فالأحوال ثلاث:
(أ) فان كانت ذات زوج وأقرت بأن الولد ابنها من هذا الزوج وصدقها الزوج فيما زعمت أنه ابنها منه ثبت نسبه منهما معا هى بالاقرار وهو بالتصديق والالتزام وأن كذبها الزوج فى الاقرار لم يصح اقرارها الا اذا شهدت لها امرأة ولو القابلة بالولادة ان كان الزوج ينكر الولادة أو بتعيين الولد ان كان الزوج لا ينكر الولادة. لانها تدعى أنه ابنها من هذا الزوج أى تدعى تحميل نسب الولد على هذا الزوج وهو لا يصدقها فى ذلك فلا تصدق الا بالحجة والحجة هنا شهادة المرأة الواحدة وهى كافية شرعا فى ذلك ولو كانت القابلة سواء شهدت على الولادة ان كانت محل خلاف أو على تعيين الولد ان كان الخلاف فى تعيينه.
وأما النسب فهو ثابت بالفراش.
وان كان الولد فى ايديهما بان كان رضيعا أو لا يعبر عن نفسه. وزعم الزوج أنه ابنه من غيرها وزعمت الزوجة أنه ابنها من
стр. 7172
غيره فان نسب الولد يثبت منهما لقيام الفراش بينهما ووجود الولد فى أيديهما. وكل منهما فيما يزعمه يريد ابطال حق صاحبه فى نسب الولد منه فلا يصدق عليه .. أما ان كان الولد يعبر عن نفسه فالقول له ايهما صدق ثبت نسبه منه بتصديقه كذا فى شرح الهداية وتكملة حاشية ابن عابدين على الدر المختار … ولو كان الصبى فى يد امرأة. وقال رجل: هو ابنى منك من زنا. وقالت المرأة: هو ابنك منى من نكاح ثم عاد الرجل فقال: هو ابنى منك من نكاح يثبت نسبه منه .. وكذا لو قال الرجل: هو ابنى منك من نكاح وقال المرأة:
هو ابنك منى من زنا لم يثبت النسب لعدم اتفاقهما على النكاح فان عادت وقالت: هو ابنك منى من نكاح ثبت النسب للاتفاق كما تقدم .. ولو تصادق الزوجان على أن الولد من الزنا من فلان يثبت نسبه منهما لقيام فراش الزوجية الذى هو أساس ثبوت النسب بينهما والنسب يثبت حقا للصغير فلا يصدقان فى تصادقهما على ابطال حقه فى ثبوت النسب.
وكذا الحكم لو كان النكاح فاسدا لأن الفراش قائم بالدخول والنسب يثبت بالدخول فى النكاح الفاسد.
(ب) وان كانت المرأة حين أقرت بالولد معتدة. فان كان هناك حبل ظاهر حين الطلاق أو صدقها المطلق الذى تعتد لأجله فى اقرارها صح الاقرار وثبت نسب الولد منهما. والا فانها تحتاج الى حجة كاملة أى بينة تقر فيه على النسب عند أبى حنيفة. وقال الصاحبان يكفى شهادة امرأة واحدة.
(ج) وان لم تكن متزوجة ولا معتدة.
وأقرت بالولد أو كانت متزوجة وأقرت به وأدعت انه من غير زوجها المعروف.
فأنه يصح اقرارها فى حقها فقط ويثبت نسب الولد منها وحدها بدون حاجة الى تصديق أحد ولا شهادته لأن فى هذا الاقرار الزاما على نفسها دون غيرها.
اقرارها بالوالد المباشر:
هو كاقرار الرجل بالأب المباشر وبالشروط التى ذكرت وللمعنى الذى ذكر هناك. والأنوثة لا تمنع صحة اقرارها على نفسها اذ لا فرق فى ذلك بين الرجل والمرأة.
اقرارها بالأم المباشرة:
وقع فيه الخلاف كما وقع فى اقرار الرجل بالأم. فصرح صاحب الهداية بأنه صحيح ورد مثل ذلك فى التنوير وشرحه الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه .. وقال فى العناية نقلا عن المبسوط: أنه يصح اقرار المرأة بثلاثة بالأب والزوج والمولى. ومعنى ذلك أنه لا يصح اقرارها بالأم كما قالوا فى الرجل أنه يصح اقراره بأربعة الولد والأب والزوجة والمولى. اى فلا يصح بالأم كما تقدم وعلى رأى من يقول بصحة اقرارها بالأم يشترط فى صحة الاقرار توفر الشروط المذكورة فى صحة الاقرار بالنسب. كما ذكر فى اقرار الرجل على السواء.
اقرارها بالزوج:
يصح اقرار المرأة بالزوج كما يصح اقرار الرجل بالزوجة وبنفس الشروط أى متى انتفت موانع الزوجية من جهتها ومن جهته لانه ليس فى هذا الاقرار تحميل شئ على الغير.
стр. 7173
اقرارها بالمولى:
كاقرار الرجل على السواء اذ المعنى واحد فيهما.
ولا بد من تصديق كل أولئك للمرأة فى اقرارها بهم على النحو الذى مر فى اقرار الرجل. وكما يكون التصديق فى حياة المقر يكون بعد موته لأن النسب يبقى بعد الموت وكذا الولاء. وكذا تصديق الزوجة لأن حد النكاح باق بعده فان العدة واجبة عليها بعد الموت وهى من آثار النكاح. ولذا كان لها أن تغسل الزوج بالاتفاق. وكذا تصديق الزوج لها بعد موتها على قول الصاحبين لأن الأرث من أحكام النكاح وهو يكون بعد الموت كالعدة .. وقال أبو حنيفة: لا يصح تصديق الزوج بعد موت الزوجة لأن النكاح بالموت.
ولذا لا يحل له غسلها بعد موتها عندنا ولا يصح التصديق على اعتبار أن الأرث من آثار النكاح لأنه معدم ولا وجود له عند الاقرار وانما يثبت بالموت ويترتب عليه كأثر له. والتصديق يستند الى اول الاقرار.
هذا هو اقرار الرجل والمرأة بالنسب الذى ليس فيه تحميل نسب على الغير وما يصح فيه من كل منهما وما لا يصح. وهذا كما هو اقرار بالنسب وبصلة الزوجية والولاء وهو ايضا اقرار بوارث لأن الارث يترتب على قيام هذه الصلات .. وانما صح الاقرار من الرجل والمرأة بالمذكورين بالشروط المذكورة لأنه ليس فى الاقرار بهم تحميل نسب أحد على الغير بل فيه تحميل على نفس المقر. اما فى الولاء فظاهر لأنه ليس حمل نسب على أحد مطلقا وكذلك فى الزوجية. أما فى الولد والأب والأم فلأنه ليس فيه تحميل النسب على الغير بل تحميله على نفسه فيقبل متى اتصل به التصديق من المقر له وهو المقر بنسبه متى كان فى يد نفسه بالنسبة للولد على ما تقدم .. ومتى صح الاقرار بهؤلاء المذكورين ثبت النسب وثبت صلة الزوجية وصلة الولاء واستحقوا الميراث كغيرهم ممن فيه صفة تشبه صفتهم .. فالولد المقر به يساوى الولد الأصلى المعروف والزوجة المقر بها تساوى الزوجة المعروفة من قبل وهكذا فلا تفاضل ولا اختلاف.
الاقرار بالنسب
الذى فيه تحميل نسب على الغير:
الاقرار بالنسب الذى فيه تحميل نسب على الغير هو ما يكون بغير الولد الصلبى والأب المباشر والأم المباشرة للمقر. نحو الأخ والعم والجد وابن الابن كما صرح بذلك فى تعبيرات كتب المذاهب .. فاذا أقر بواحد من هؤلاء ونحوهم لا يقبل اقراره فى حق النسب وان صدقه المقر له لأن فيه تحميل نسب على الغير مع تحميل نسب على نفس المقر .. ففى الاقرار بالأخ حمل النسب على الأب اذ المقر له بالاخوة ما لم يكن ابن أبى المقر لا يكون أخا للمقر ففيه تحميل نسب المقر له على الأب .. وفى الاقرار بالعم حمل النسب على الجد اذ المقر له بالعمومه ما لم يكن ابن جد المقر لا يكون عما للمقر. ففيه تحميل نسب على الجد. وفى الاقرار بابن الابن حمل النسب على الابن اذ المقر له ببنوة الابن لا يكون ابن ابن المقر ما لم تثبت بنوته من ابن المقر. ففيه تحميل نسب على ابن المقر .. وفى الاقرار بالجد حمل النسب على الأب اذ المقر له لا يكون جدا للمقر ما لم تثبت أبوته لأبيه .. وهكذا
стр. 7174
فى كل صور هذا النوع من الاقرار تحميل نسب على غير المقر. واذا كان فى مثل هذا الاقرار تحميل نسب على الغير مع تحميل النسب المقر به على المقر نفسه كان اقرار على الغير بالنسبة لذلك لا على نفس المقر. فيصير دعوى او شهادة. والدعوى ليست بحجة.
وشهادة الفرد فيما يطلع عليه الرجال عادة وهو من حقوق العباد غير مقبولة شرعا. فلا يصح هذا الاقرار فى حق ثبوت النسب من ذلك الغير. ولأجل اثباته لا بد من الدليل والبرهان الشرعى. ويجوز أن يقيمه المقر أو المقر له بالنسب على المقر عليه أى من الأخ فى صورة الاقرار بالأخوة على المقر عليه وهو الأب.
كما يجوز أن يكون الدليل اقرار رجلين أو رجل وامرأتين من ورثة الأب فى هذه الصورة ما سيأتى ايضاحه. هذا بالنسبة لثبوت النسب من المقر عليه النسب وهو الأب فى صورتنا ..
وأما بالنسبة لبقية الحقوق المالية أو غيرها مما يترتب على فرض ثبوت النسب من الميراث والنفقة والضم والحضانة وغير ذلك فانه يصح الاقرار فى حقها بالنظر لنفس المقر بالشروط المذكورة جميعها التى تقدم ذكرها فى الاقرار بالنسب الذى قد يتضمن التحميل على الغير ما عدا شرط عدم تحميل النسب على الغير فانه لا يتأثر هنا. وينبنى على ذلك أن المقر يغامر باقراره هنا فتلزمه نفقة المقر له ان كان ذا رحم محرم منه كالأخ مثلا بشروط وجوب النفقة ويجب عليه ضمه ان كانت أنثى بكرا بالغة يخشى عليها. ويرث المقر له المقر ان لم يكن له وارث غيره معروف غير الزوجين سواء كان الوارث قريبا بأن كان صاحب فرض أو عصبة او بعيد بان كان من ذوى الأرحام ..
فان كان له وارث معروف من هؤلاء غير الزوجين لم يرث معه المقر له أصلا لأن النسب لم يثبت بهذا الاقرار فلا يزاحم الوارث المعروف. بخلاف ما اذا كان الوارث المعروف أحد الزوجين فانه يرث معه ما زاد على نصيبه لأنه لا يرد على الزوجين .. وقد جرى قانون المواريث المعمول به فى مصر على الرد على الزوجين اذا لم يكن أحد من الورثة المعروفين فاصبح بذلك للمسألة وضع آخر.
وينبنى على ذلك أنه اذا أقر شخص بأخ وله عمة أو خالة كان ميراثه لعمته أو خالته ولا شيئ للمقر له بالاخوة … وهل يرث المقر المقر له اذا مات قبله كما يرثه هو؟ - الظاهر نعم حيث صدقه فى الاقرار. وتصديقه له فيه اقرار منه بمضمونه والتزام بالآثار التى تترتب عليه ومنها الميراث بالنسبة له ومنه.
ولكنه يتأخر عن الوارث المعلوم كما ذكر فى المقر له.
اقرار الوارث بوارث:
ما ذكرناه فى الكلام السابق هو فى اقرار الشخص بنسب يتضمن تحميل النسب على الغير وأثر هذا الاقرار بالنظر للنسب وبالنظر لما يترتب عليه من الحقوق الأخرى كارث المقر له من المقر وأرث المقر من المقر له. وحق النفقة والحضانة والضم وغير ذلك فيما بين المقر والمقر له. من غير نظر الى كون المقر وارثا من غيره وأن المقر له سيشاركه نتيجة للاقرار فى ميراثه من هذا الغير. وسنبحث هنا ما اذا كان الشخص وارثا من غيره وأقر بنسب شخص يتضمن التحميل على الغير ويكون من نتيجة
стр. 7175
هذا الاقرار ان يشارك المقر فى الميراث من الغير ويرث معه فيه. ومثل هذه الصورة وان كانت من صور الاقرار بالنسب الذى يتضمن تحميل نسب على الغير ونأخذ الحكم الذى ذكرناه بالنسبة لعلاقة المقر بالمقر له فى النسب والحقوق الأخرى. وعلاقة المقر له بالمقر عليه بالنسبة للنسب. الا أنها من ناحية أخرى تعتبر اقرار وارث بوارث آخر. وهذا ما سنعرض له ونبينه فى هذا البحث.
فاذا كان شخص مات أبوه فأقر بأخ مثلا.
لم يثبت بهذا الاقرار فنسب اخيه هذا من أب المقر لما بينا. ولكن يعامل المقر باقراره هذا فى حق الميراث فيشارك المقر له فى الميراث الذى فى يده ويأخذ نصفه كأنه ابن ثابت النسب من الأب المتوفى مثل المقر. ولو أقر بأخت أخذت ثلث ما فى يده على اعتبار قسمة التركة بين ابن وبنت للذكر مثل حظ الانثيين ولو أقر بامرأة أنها زوجة أبيه المتوفى أخذت ثمن ما فى يده وهكذا .. والأصل فى جنس هذه المسائل أن المقر يعامل فيما بيده معاملة ما لو ثبت نسب المقر له من أبيه حقيقة .. ولو كان الوارث أكثر من واحد بأن كل رجلين أو رجلا وامرأتين واقروا جميعا بوارث آخر شاركهم فيما معهم كما لو كان ثابت النسب من غير اقرارهم به لأنه قد ثبت نسبه باقرارهم … وينبنى على ذلك أنه لو مات الميت وترك ابنين فاقرا بابن ثالث كان له ثلث التركة ولو أقر بامرأة أنها زوجة أبيهما المتوفى كان لها ثمن التركة. وهكذا فى جميع المسائل يجعل المقر له بالنسب كالوارثين المعروفين لأنه قد ثبت نسبه باقرارهم .. ولو كان الوارث متعددا فأقر البعض وأنكر البعض كما اذا ترك ابنين فأقر أحدهما بابن ثالث وأنكر الثانى عومل المنكر كأنه لم يوجد اقرار ولا مقر له أصلا فيأخذ نصيبه نصف التركة ثم يقسم النصف الآخر بين المقر والمقر له مناصفة عند عامة العلماء. لأن من زعم المقر أن المقر له يساويه فى الاستحقاق فيعامل بزعمه بالنسبة لما فى يده ويقسم بينهما مناصفة أما بالنسبة لما فى يد أخيه المنكر فلا اثر لاقراره فيه ولا يتعدى اليه .. وعند ابن أبى ليلى يقسم ما فى يد المقر ثلاثا ثلثه للمقر له وثلثاه للمقر لأن من زعم المقر أن التركة بينهم جميعا أثلاثا على الشيوع فيكون ثلث المقر له نصفه بيد المنكر ونصفه الآخر بيد المقر لينفذ اقرار المقر فيما فى يده وهو ثلثه فيعطيه له ولا ينفذ فيما فى يد أخيه المنكر فلا يأخذ المقر له منه شيئا ولو أقر أحدهما بامرأة أنها زوجة أبيهما وانكرها الآخر. أخذت تسع ما فى يد المقر عند العامة. وثمن ما فى فى يده عند ابن أبى ليلى.
وليس الشرط فى صحة اقرار الوارث بالوارث فى حق الميراث أن يكون المقر وارثا بالفعل بل يصح الاقرار وان كان من نتيجة أن لا يرث المقر وان يقدم المقر له على المقر فى الميراث كما اذا مات شخص وترك أخا. فأقر الأخ بابن للميت صح هذا الاقرار وقدم الابن المقر له على الأخ المقر فى الميراث. وان كان نسب الابن لم يثبت بهذا الاقرار ويكفى فى اعتبار أقرار الأخ كونه وارثا ظاهرا.
اقرار الوارث بوارث آخر
بعد الاقرار بالوارث الاول:
هذا الذى ذكرناه اذا كان الوارث قد أقر بوارث واحد كما فى الأمثلة المذكورة. فلو
стр. 7176
اقر بوارث ثم اقر بعد ذلك بوارث آخر.
فينظر: أن صدقه المقر له الأول فى اقراره بالوراثة للثانى كان المال بين الجميع على فرائض الله تعالى. وان كذبه المقر له الأول فان كان المقر دفع للمقر له الأول نصيبه بقضاء من القاضى لا يضمن للمقر له الثانى شيئا ويجعل ما أخذه المقر له الأول بالقضاء كالهالك.
ويقتسمان ما فى يد المقر بينهما على قدر حقهما شرعا. وان كان الدفع بغير قضاء القاضى يضمن المقر ما دفع ويجعل المدفوع كالقائم فى يده فينظر المقر له الثانى فى حقه من جميع المال ..
وينبنى على ذلك أنه اذا مات رجل وترك ابنا فاقر هذا الابن بأخ له شقيق اى بابن ثان للميت ثم بعد ذلك أقر هذا الابن نفسه بأخ شقيق ثان له أى بابن ثالث للميت. وفى هذه الحالة لا يخلوا الحال من أمرين: أما أن يكون اقر للثانى بعد ما دفع للأول نصيبه فى التركة وهو النصف. أو يكون قد أقر للثانى قبل أن يدفع للأول شيئا فان كان قد أقر للثانى بعد أن دفع للأول. فان كان الدفع بقضاء القاضى كان للثانى ربع المال. وللمقر الربع.
لأن ما دفعه للأول بالقضاء يجعل فى حكم الهالك لكونه مجبورا على دفعه بالقضاء وبما أنه فى زعم المقر أن المقر له الثانى يساويه فى الوضع والاستحقاق ويستحق مثله فيقسم ما فى يده قسمين قسما له وقسما للمقر له الثانى. وان كان الدفع للأول بغير قضاء القاضى اعطى للثانى ثلث جميع المال لأن ما دفع بغير قضاء مضمون عليه فكأنه قائم فى يده فيعطى للثانى ثلث جميع المال مما فى يده … وان كان الاقرار للثانى قبل الدفع للأول فلا يخلو اما أن يكون بعد القضاء للأول بنصيبه فى التركة او قبل القضاء له. فان كان بعد القضاء للأول كان حكمه كحكمه بعد الدفع للأول فعلا بالقضاء لأن نصف المال المقضى به للأول صار مستحقا الصرف اليه بالقضاء والمستحق صرفه كالمصروف بالفعل ويقسم نصيبه الذى استحقه اولا بينه وبين المقر له الثانى مناصفة لانه فى زعمه يساويه فى الاستحقاق وان كان الاقرار للثانى قبل القضاء للأول بنصيبه دفع المقر للمقر له الثانى ثلث جميع المال.
حكم ما اذا انكر المقر له وارثه المقر:
اذا لم ينكر المقر له وارثه المقر كما فى الأمثلة المذكورة فيما سبق فالأمر واضح.
ويقسم المال بين المقر والمقر له بحسب وضعهما وما تقتضيه الفريضة الشرعية فلو أنكر المقر له وارثه المقر. بأن ترك الميت ابنا. فأقر هذا الابن لآخر بأنه ابن الميت فقال هذا الآخر المقر له: نعم انا ابن الميت كما ذكرت فى اقرارك. ولكنك أنت لست ابن الميت كما تدعى فماذا يكون الحكم؟ ..
القياس أن يكون القول قول المقر له ويكون له المال جميعه ما لم يثبت هذا المقر بالدليل أنه ابن الميت. وذلك لانهما تصادقا على ان المقر له ابن الميت واختلفا فى كون المقر ابنا للميت ويرثه. فيثبت ما اتفقا عليه ويبقى ما اختلفا فيه حتى يقوم الدليل على صحة دعوى المدعى فيه وهو المقر اذ يدعى انه ابن الميت والآخر ينكر عليه ذلك
والاستحسان يقضى بان يكون القول قول المقر ويكون المال بينهما نصفين. وذلك لأن المقر له انما استفاد الوراثة من جانب المقر.
فلو بطل اقراره لبطلت وراثته وفى بطلان
стр. 7177
وراثته بطلان وراثة المقر له. وذلك لأن لو أخذ بقول المقر له ولم يرث المقر من التركة كان اجنبيا عن التركة واقرار الاجنبى بوارث فى التركة لا قيمة له اذ ليس فيه اقرار على النفس فيكون باطلا ولا يستفيد المقر له شيئا من الميراث فلتصحيح اقرار المقر قلنا أن القول قوله .. ومثل ذلك ما لو أقر بابنه للميت فصدقته ولكنها انكرت أن يكون المقر ابنه فان القول يكون قبل المقر استحسانا ويكون المال بينهما على حسب الفريضة الشرعية
ولو ترك الميت زوجة فأقرت باخ للميت وصدقها الأخ ولكنه انكر أن تكون هى زوجة الميت فالقول قول المقر له وهو الأخ عند أبى حنيفة ومحمد وهو القياس وعلى المرأة اثبات زوجيتها للميت ..
وعند أبى يوسف. القول قول المقر وهو المرأة استحسانا ويكون المال بينهما على حسب الفريضة الشرعية.
فى تصديق المقر له بالنسب:
ذكرنا فى أول الكلام على الاقرار أن الاقرار بفيد ثبوت الحق المقر به بدون توقف على تصديق المقر له وأنه يرتد بالرد ويبطل. وذكرنا فى الاقرار بالنسب والزوجية والولاء أن الاقرار لا يفيد ثبوت الحقوق المقر بها وحده بل يتوقف ذلك على تصديق المقر بنسبه أو بزوجيته أو بولاءه الا فى الاقرار بالولد اذا كان لا يعبر عن نفسه فان الاقرار بنسبه لا يتوقف على تصديقه بل يثبت النسب بمجرد الاقرار بنسبه ..
ويصح التصديق بالنسب والزوجية بعد جحود المقر وقبله وبعد رد المقر له وقبله وقبل موت المقر بعده الا اذا كان المقر هو الزوجة فلا يصح تصديق الزوج لها فى الاقرار بعد موتها عند أبى حنيفة لانقطاع النكاح بالموت بجميع علائقة حتى جاز للزوج أن يتزوج أختها أو أربعا سواها وحرم عليه أن يغسلها ..
وعند الصاحبين الزوج فى ذلك كالزوجة فكما يصح تصديق الزوجة للزوج فى اقراره بالزوجية بعد وفاته كذلك يصح للزوج أن يصدق الزوجة فى اقرارها بالزوجية بعد وفاتها وذلك لبقاء النكاح ببقاء بعض آثاره وهو الميراث اذ يجرى بينهما التوارث من الجانبين وهو من آثار النكاح وأبو حنيفة يقول أن التصديق يتصل بالاقرار من وقت حصوله. والميراث منعدم وقت الاقرار اذ لا يكون الا بعد الموت.
ومن هذا يعلم أن الاقرار بالنسب على النفس وبالزوجية لا يرتد بالرد ولا يقبل الرجوع ولا يتم الا بالتصديق الا فى الاقرار بالولد اذا كان لا يعبر عن نفسه فانه يتم ويثبت به النسب بدون تصديقه .. وأما فى اقرار بالنسب على الغير كالاقرار بالأخ والعم والخال والأخت وابن الابن وبنت الابن والجد وما أشبه ذلك فانه لا يفيد ثبوت النسب من المقر عليه وأن صدقه المقر له بالنسب .. ولكن لأجل ثبوت الارث والحقوق الأخرى بالنسبة لنفس المقر بشرط تصديق المقر له .. وللمقر أن يرجع عن اقراره هذا قبل التصديق وبعده لأنه وصية من وجه بالمال والحق فكان له حق الرجوع فيه.
اقرار الوارث بدين على الميت:
اذا ادعى شخص دينا على الميت .. فأقر أحد الورثة بهذا الدين وأنكره الباقون وجب
стр. 7178
على الوارث الذى أقر بالدين أن يؤديه جميعه من نصيبه فى الميراث. فان وفى نصيبه من الميراث به كان بها وان لم يوف بالدين فيوفى منه بقدر ما أخذ وهذا هو ظاهر الرواية وأقوال أئمة المذاهب. واختار أبو الليث ألا يلزم المقر بأكثر من حصته فى الدين. وقال ان ذلك اعدل وابعد عن الضرر ووافقه على رأيه الشعبى والحسن البصرى ومالك وسفيان وابن أبى ليلى وكثير غيرهم … وينبنى على ذلك انه اذا مات الميت عن ثلاثة بنين وترك ثلاثة آلاف جنيه لكل ابن منهم الف. فادعى رجل أن له على أبيهم مورثهم الف جنيه فاقر احد الابناء الوارثين بذلك الدين وأنكره الاثنان الآخران. فعلى المذهب يلزم الابن المقر بالدين بالالف جميعها فيعطى جميع ما فى يده للمقر له بالدين ..
وعلى رأى الفقيه أبى الليث يلزم بحصته من الدين وهى الثلث فيعطى المقر له ثلث ما فى يده ويستبقى لنفسه الثلثين .. وأنه لو ادعى رجل على الميت ثلاثة آلاف جنيه والمسألة بحالها. الزم المقر بالدين بان يعطى المقر له جميع ما فى يده على المذهب لأنه لم يأخذ من التركة غير الألف وهو لا يلزم بأزيد مما أخذ .. وكذلك يلزم على رأى ابى الليث بأن يؤدى للمقر له جميع ما فى يده لأنه باقراره له بالثلاثة آلاف قد أقر بأنه وأخويه لا يستحقون ميراثا لأن التركة كلها ملك للدائن. وبما أنه قد أخذ من التركة ألفا فقط فيجب عليه اداء هذه الألف للمقر له - وهذا اذ حكم القاضى بالدين بمقتضى الاقرار فلو حكم به بمقتضى بينة أقامها مدعى الدين بعد اقرار الوارث أو بشهادة الوارث المقر مع آخر بالدين قبل الحكم لم يلزم المقر الا بحصته من الدين باتفاق .. وهذا فى اقرار الوارث بالدين. فلو اقر بوصية لم يؤاخذ المقر الا بما يخصه فيها بالاتفاق.
اقرار الصحيح:
يراد بالصحيح هنا من ليس مريضا مرض الموت ولا ملحقا به. وسيأتى تفسير مرض الموت عند الكلام على اقرار المريض .. وحكم الصحيح أنه يصح اقراره بالمال وبالعين وبالدين وباستيفاء الدين والابراء منه للوارث ولغير الوارث وللفرد والجماعة فى وقت واحد أو فى أوقات مختلفة. وبكل شيئ يجوز الاقرار به شرعا وليس لأحد الاعتراض عليه .. وله أن يؤثر احد الدائنين على الباقين فى اداء ديونهم ولا يكون لهم ولا لأحد منهم أن يشاركوه فيما أخذ لما هو مقرر ومعروف من ان الدين فى حالة الصحة لا يتعلق بالمال بل بالذمة فلا يكون فى ايثار البعض بالوفاء ابطال لحق الباقين. اللهم الا أن يقر لرجلين بدين مشترك فان فى هذه الحالة اذا أعطى واحد منهما شيئا من الدين على انه من نصيبه يشاركه الثانى فيما قبضه لأنه قبض دينا مشتركا فلشريكه أن بأخذ منه نصيبه.
اقرار المريض:
المراد بالمريض هنا. المريض مرض الموت وهو المريض الذى يغلب على حالة الهلاك وأن لم يكن ملازما للفراش ولم يمنعه مرضه من قضاء حوائجه الخارجة ان كان رجلا او الداخلة ان كان امرأة. فما كان من الأمراض المزمنة التى طالت ولم يخش منها الهلاك كالفالج والشلل، ونحوه لا يعتبر
стр. 7179
مرض موت. وأن صبر صاحبه صاحب فراش ومنعه من قضاء حوائجه خارج البيت ..
ويلحق بالمريض مرض الموت فى الحكم كل من كان غالب حاله الهلاك بأن خرج لمبارزة رجل وصار فى ساحة المبارزة ومارسها بالفعل أو قدم ليقتص منه فى النفس أو ليرجم فى حد الزنا أو كان فى سفينة وتلاطمت بها الامواج وخيف عليها الغرق أو بقى على لوح من السفينة بعد أن تحطمت أو افترسه سبع وبقى فيه أو قدمه ظالم ليقتله .. فجميع هؤلاء الأشخاص يكون حكمهم حكم المريض مرض الموت فى جميع التصرفات .. ويشترط فى المريض مرض الموت ومن يلحق به لاعتبار تصرفاتهم تصرفات مرض أن يتصل بهم الموت وهم فى أحوالهم المذكورة .. فلو لم يتصل بهم الموت فى هذه الاحوال أعتبرت تصرفاتهم تصرفات صحة لا تصرفات مرض فتنفذ ما لم يمنع من نفاذها مانع آخر.
هذا ومتى أقر المريض المذكور أو من الحق به ممن غالب عليهم الهلاك بحق عليه لآخر فلا يخلو. أما أن يقر بدين أو بعين وعلى كل.
فأما أن يقر لأجنبى أو لوارث ولكل حكم.
اقرار المريض لأجنبى بدين أو عين:
المراد بالأجنبى هنا من ليس وارثا للمقر ولو كان قريبا له من النسب .. واذا اقر المريض لأجنبى بدين صح اقراره ونفذ من جميع ماله. ولو لم تجزه الورثة لقول ابن عمر رضى الله عنهما اذا اقر المريض بدين لأجنبى جاز ذلك من جميع تركته. ولم يعرف مخالف له فى ذلك من الصحابة فكان اجماعا.
وهو غير متهم فى هذا الاقرار فيصح وينفذ.
ولأنه لو لم يصح اقراره وينفذ من جميع المال لامتنع الناس عن معاملته خوفا من ضياع اموالهم فيفسد عليه طريق التجارة والمداينة وفى ذلك ضرر كبير له فتلافيا لهذا الضرر صح اقراره على الوجه المذكور .. ومثل اقراره بالدين للأجنبى اقراره له بالعين فاذا أقر لأجنبى بعين كدار او فرس او عبد صح اقراره ونفذ من جميع ماله كاقرار الصحيح.
ويؤخر عنه الارث. لأن الارث لا يكون الا بعد سداد الديون او اداء الأمانات الى اهلها ..
اقرار المريض لوارثه بدين أو عين:
لا يجوز اقرار المريض لوارثه بدين او عين سواء اقر له منفردا او له ولأجنبى معه الا باجازة الورثة لحديث «لا وصية لوارث» وهو يدل على نفس الاقرار بالطريق الأولى لأن الموصى له يأخذ ثلث المال أما المقر له فانه يأخذ المال كله. ومنع الأقل يدل على منع الاكثر بالطريق الأولى. ولما روى عن عمر ابن الخطاب وابنه عبد الله رضى الله عنهما انهما قالا (اذا اقر المريض لوارثه لم يجز واذا اقر لأجنبى جاز) وفى رواية ان ابن عمر قال:
«واذا اقر الرجل فى مرضه لرجل غير وارث فانه جائز وان أحاط ذلك بماله وأن أقر لوارث فهو باطل الا أن يصدقه الورثة».
وقول الواحد من فقهاء الصحابة مقدم على القياس .. ويقال أن أحد من الصحابة لم يخالف فى ذلك فكان اجماعا .. ولأن المريض متهم فى هذا الاقرار اذ هو لوارث ويجوز أنه اراد ايثار بعض ورثته على بعض استجابة لميل طبيعى أو بسبب عمل عمله معه استوجب منه ذلك فأراد تنفيذ غرضه عن طريق الاقرار من غير أن يكون عليه دين للوارث المقر له
стр. 7180
فى الواقع فلا ينبغى مساعدته على تنفيذ غرضه الذى يترتب عليه الاضرار بباقى الورثة.
ومثل ذلك الاقرار بقبض الدين من الوارث أو من كفيله أو من عبده أو الاقرار بقبض العين المغصوبة أو المرهونة أو المبيعة بيعا فاسدا من الاعيان المضمونة فان كل هذه الاقارير لا تصح الا باجازة الورثة او تصديقهم للمقر فيها. فان صدقوه فيها حال حياة المقر أو بعد وفاته صحت ولزمت وكذلك أن أجازوها بعد وفاته. أما أجازتها فى حياته فلا تعتبر وهذا اذا كان للمقر وارث آخر غير الذى أقر له. فان لم يكن هناك وارث غيره صح الاقرار له .. هذا. ومحل توقف الاقرار للوارث على أجازة بقية الورثة اذا لم يكن المقر به واحدا من الأمور الثلاثة الآتية. فان كان المقر به واحدا من هذه الامور الثلاثة الآتية. يصح الاقرار ولا يتوقف على اجازة الورثة. وهذه الأمور هى:
(١) لو أقر المريض باتلاف وديعة الوارث عنده المعروفة. وذلك كان يكون ابن المريض قد أودعه ألف درهم فى مرضه أو فى صحته أمام شهود فجاء الأب فى مرض موته وأقر بأنه اهلك وديعة ابنه صدق فى هذا الاقرار وصح اقراره اذ لو سكت ومات ولا يدرى ما صنعه بهذه الوديعة كانت عليه فى ماله. فاذا أقر باتلافها كانت لازمة بطريق أولى.
(٢) لو أقر بقبض ما كان له عند الوارث وديعة أو مال شركة أو عارية أو أى مال من انواع الامانات. فان اقراره صحيح بدون توقف على اجازة الورثة. لأن الوارث لو أدعى رد الامانة الى مورثه المريض وكذبه المورث يقبل قول الوارث. فاذا أضيف الى قوله قول المورث واقراره كان مقبولا من باب أولى.
(٣) لو أقر بقبض ما قبضه الوارث بالوكالة من مدينه صح اقراره. وهذه داخلة فيما قبلها لأن مثل هذا الدين قد اصبح بعد قبض الوارث له بالوكالة امانة فى يده. وهى ما تقدم هذا. وما ذكر من أن اقرار المريض لوارثه بدين او عين غير صحيح - لا يظهر ذلك الا بعد وفاة المريض. أما فى حالة المرض فان الاقرار له صفة الصحة وتعتبر تصرفات المريض للوارث فى هذه الحالة نافذة.
ويؤمر بتسليم ما اقر به لوارثه فى الحال.
فاذا صح بعد ذلك تسليم للوارث ما أخذ واذا مات رد الوارث ما أخذ أن كان له وارث غيره ولم يصدقه فى اقراره.
اقرار المريض باستيفاء دين على الوارث:
اذا أقر المريض باستيفاء دين وجب على وارثه لا يصح الا باجازة الورثة سواء المريض مدينا او غير مدين وسواء كان دينه مستغرقا للتركة أو غير مستغرق لها وسواء وجب دين المريض بدلا عما هو ماله أو بدلا عما ليس بمال لأنه اقرار بالدين للوارث لما علم أن استيفاء الدين بطريق المقاصة وأقرار المريض بالدين لواثه باطل وينبنى على ذلك أنه اذا أقرت امرأة فى مرض موتها بأنها أستوفت مهرها من زوجها ولا يعلم ذلك الا عن طريق هذا الاقرار وعليها دين الصحة ثم ماتت وهى على عصمته ولا مال لها غير المهر لم يصح أقرارها. ويؤمر الزوج برد