عن الحلف حلف المقر له واستحق ما حلف عليه.
وان قال المقر: لفلان على مال. سواء قال عظيم أولا - يلزمه نصاب زكاة من مال المقر من ذهب او فضة او غيرها ولا ينظر لما أهل المقر له. فان كان المقر من أهل الذهب لزمه نصاب من الذهب. وان كان من اهل الفضة لزمه نصاب منها. وان كان من أهل الماشية لزمه نصاب منها. وان كان من أهل الحب لزمه نصاب منه فلو كان عنده الذهب والفضة والابل والبقر والغنم والحب أو بثلاثة من ذلك مثلا لزمه أقل الأنصباء قيمة لأن الأصل براءة الذمة فلا تلزم بمشكوك فيه.
ولذا لو قال: على نصاب لزمه نصاب السرقة لأنه المحقق: الا أن يجرى العرف بنصاب الزكاة فيلزمه حينئذ .. وانما لزمه فى الاقرار بمال نصاب زكاة ولم يلزمه نصاب سرقة لأن الله تعالى اطلق المال على نصاب الزكاة. فقال (خذ من أموالهم صدقة) فعنى بالاموال النصابات. والقول بلزوم نصاب الزكاة هو المعتمد. وقيل يلزم بنصاب السرقة وهو ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو ما يساوى ذلك من العروض .. وقيل أن الأحسن أن يرجع الى تفسيره لهذا المال المقر به. ويقبل تفسيره.
ولو بقيراط أو حبة أو درهم. والمعتمد أنه يجب نصاب زكاة مما عنده من أموال الزكاة على حسب ما تقدم.
ثانيا:
اذا أقر بدين منجم
بأن قال: لفلان على عشرة دنانير منجمة على عشرة أشهر أعطيه كل شهر دينارا او بدين مؤجل الى اجل. فان صدقه المقر له فى التنجيم والأجل لزمه كما أقر به وأن خالفه وقال هو حال. فان كان الدين من بيع او معاوضة ينظر. فان كان العرف والعادة جارية بالتأجيل لمثل هذا الأحل كان القول قول المقر بيمينه. وان كانت العادة عدم التأجيل أصلا كان القول قول المقر له بيمينه .. وان لم يكن هناك عرف بشئ.
فأن أدعى المقر أجلا قريبا يشبه أن تباع السلعة لمثله كان القول قوله بيمينه. وأن ادعى أجلا بعيدا مستنكرا فانه لا يصدق ويكون القول قول المقر له بيمينه .. وهذا كله اذا كانت السلعة قد فاتت ولم تكن قائمة. فان كانت قائمة تحالفا وتفاسخا ولا ينظر لشبه ولا لعدمه - هذا اذا كان الدين المقر به من بيع ومعاوضة فان كان قد أقر بدين منجم أو مؤجل من قرض فان صدقه المقر له لزمه الدين كما أقر به. وان خالفه وقال هو حال. فالقول قول المقر له فى أنه حال لان الاصل فى القروض الحلول فلا يؤخذ بقول المقر أنه مؤجل ولو ادعى أجلا قريبا. وهذا اذا لم يكن هناك عرف جار بشئ معين والا فيعمل به وقيل لا فرق بين البيع والقرض فى قبول أجل المثل فى كل منهما بل ان قبول القول بالاجل فى القرض أقرب وأحرى من قبوله فى المعاوضة لان الغالب فى المعاوضة الحلول وفى القرض التأجيل وجزم به ابن عرفه: وقال الحطاب: ما قاله ابن عرفه صحيح لا شك فيه. ولكن الرأى الاول هو ما فى المدونة. وما قاله ابن عرفه مجرد بحث.
ثالثا:
اذا اقر بشئ مؤلف من اجزاء
ويصدق اسمه على مجموع الاجزاء كالخاتم يصدق على الفص والحلقة - والجبة تصدق على القماش والبطانة - والباب يصدق على الخشب
стр. 7212
والمسمار - وقال عن جزء منه هو لى بان قال لفلان عندى خاتم فصه لى او جبة بطانتها لى او باب مسماره لى. ينظر ان قال ذلك نسقا او متتابعا فى قول واحد على النحو المذكور فى الامثلة صدق وقبل منه الاقرار ولزمه ما ذكر به فقط ويفى ما أسنده لنفسه. وان لم يقبل ذلك فى عبارة الاقرار نسقا أى متصلا بل فصل.
بأن قال: لفلان عندى خاتم وبعد مهلة قال:
فصه لى. فانه لا يصدق فى أن الفص له ويأخذ المقر له الخاتم بفصه .. واذا أقر بغصب هذا الشئ وتابع التعبير بأن قال: غصبت من فلان هذا الخاتم وفصه لى. ففى تصديقه وقبول ذلك منه قولان الراجح منهما والذى نص عليه فى المدونة أنه يقبل منه فلا يستحق المقر له فى هذه الحالة الا حلقة الخاتم دون الفص.
ومثل هذا ما اذا أقر بظرف وفيه شئ بأن أقر لفلان بصندوق معين بالاشارة أو بالوصف وفيه شئ هل يكون للمقر له ما فى الصندوق أو لا؟ قولان وعلى الاول لو قال فى عبارة الاقرار. وما فيه لى هل يصدق أو لا. ينظر أن قالها نسقا مع العبارة وبدون فصل صدق وأن فصل لا يصدق.
رابعا:
اذا أقر بمظروف فى ظرف
كقوله: له عندى ثوب فى صندوق أو زيت فى جرة أو دابة فى اسطبل. لزمه المظروف بالاتفاق فى جميع هذه الاحوال. أما الظرف فان كان مما يثقل كالصندوق والجرة ففى لزومه بالاقرار قولان سواء كان المظروف فيه يستغل بدونه كالثوب فى الصندوق أو لا يستغل بدونه كالزيت فى الجرة. وقال بعض: اذا كان المظروف لا يستغل بدون الظرف كالزيت فى الجرة يلزمه الظرف بالاتفاق. ولكن الراجح أن فيه القولين .. أما اذا كان الظرف لا ينقل كالاسطبل فلا يلزم بالاقرار اتفاقا.
خامسا:
اذا أقر بعدد مجمل
كألف أو مائة ولم يفسر وعطف عليه معلوما يصلح أن يفسر العدد بجنسه كقوله. له على الف درهم. لا يعتبر المعطوف مفسرا للمعطوف عليه بل يقبل من المقر تفسير الالف بما يشاء من قليل أو كثير بعد أن يكون متمولا وللمقر له تحليفه على ما فسر به أن اتهمه أو خالفه .. وأما أن عطف على العدد المبهم مجهولا كشئ مثلا بأن قال: له عندى مائة وشئ يسقط هذا المعطوف ولا يعتبر ويقبل منه تفسير المائة بما يشاء على النحو المذكور.
سادسا:
اذا قال: لفلان حق او شئ او قدر من
هذه الدار
او فى هذه الدار أو قال: لفلان حق او شئ أو قدر من هذه الارض او فى هذه الأرض. ثم فسر المقر به بشئ مما يكون فى الدار أو فى الأرض كالجزع والباب مثلا فلا يقبل منه ذلك التفسير. ولا بد من تفسيره بجزء من الدار أو الأرض كالربع أو الثمن أو النصف. لا فرق فى ذلك بين التعبير بمن والتعبير بفى وقال ابن عبد الحكم يقبل التفسير المذكور اذا عبر بفى لأنها للظرفيه وما فسر به مما يجعل فى الدار أو فى الارض وتكون الدار والأرض ظرفا له فهو يتمشى مع الظرف والظرفية اما اذا عبر بمن فلا يقبل منه هذا التفسير ويجب أن يفسر بجزء من نفس الدار أو الأرض لأن من للتبعيض.
стр. 7213
سابعا:
اذا عبر عن المقر به بلفظ مجهول
وذكر بعده تمييزا:
ينظر. ان كان يعرف العربية استخدمت قواعد النحو فى تفسير المقر به وتحديده. وان لم يكن يعلم قواعد العربية قبل منه التفسير والتحديد بما يشاء من قليل أو كثير بعد أن يكون المفسر به مما يتمول: فلو قال له على كذا درهم بالنصب وهو يعرف قواعد النحو لزمه عشرون لأن العدد غير المركب من عشرين الى تسعين انما يميز بالواحد المنصوب فيلزمه اقل قدر من ذلك وهو المتحقق وهو عشرون ويلغى المشكوك فيه لان الاصل براءة الذمة ولكن يحلف اليمين ان ادعى المقر له اكثر من العشرين - وان رفع لفظ - درهم - أو سكنه لزمه درهم واحد لانه المحقق اذ مقتضى القواعد النحوية ان يكون بدلا أو بيانا للفظ كذا. أو خبر لمبتدأ محذوف وان خفض لفظ درهم بالاضافة الى لفظ - كذا - لزمه مائة لأن كذا كناية عن عدد وأقل عدد يميز بالمفرد المجرور المائة. وان جمع لفظ درهم فقال كذا دراهم - لزمه ثلاثة لأنه أقل عدد يميز بالجمع مجرورا .. ولزمه فى كذا وكذا أحد وعشرون لان المعطوف فى العدد من احدى وعشرين الى تسعة وتسعين فيلزمه المحقق وهو مبدؤها وفى كذا كذا بلا عطف أحد عشر ان نصب التمييز فقال - درهما - لانه المحقق اذ العدد المركب من احدى عشر الى تسعة عشر وتمييزه بالمفرد المنصوب فيلغى المشكوك ..
ولو جر التمييز لزمه ثلاث مائه .. وان لم يكن المقر ممن يعرف قواعد النحو طلب منه التفسير لان العرف ليس جاريا على مقتضى اللغة الفصحى. ولذا قال سحنون: لا اعرف هذا بل يقبل تفسيره .. والتفسير يجرى على عرف الاستعمال. وان خالف مقتضى اللغة. والقاعدة انه: ان وافق العرف اللغة فذاك. وان تخالفا فان فسر المقر كلامه بما يوافق العرف قبل منه والا لم يقبل.
ثامنا:
وان اقر بجنس له انواع مختلفة
متفاوته لزمه المتعارف منه
وان كان اقل. فلو قال: له على درهم. لزمه المتعارف بين الناس من الدراهم ولو كان نحاسا كما فى عرف مصر فان المتعارف فيها ان الدراهم اسم للجدد النحاس والمتعارف فى الشام ان الدراهم من الفضة - وان لم يكن هناك تعارف على شئ فأختلفوا فقيل يلزمه الشرعى منه. وهو من الفضة وزن خمسين وخمسى حبة شعير متوسطة. وقيل يرجع الى المقر فى التفسير بما يريد مع يمينه ان خالفه المقر له وادعى اكثر مما فسر به.
وان وصف المقر به بأقل من المتعارف بأن قال له على درهم مغشوش أو ناقص. فان وصل الكلام ولم يفصله مختارا. قبل اقراره ولزمه ما أقر به. وان فصل مختارا بفاصل معناه كسلام او سكوت لا يقبل منه ويلزمه درهم كامل غير مغشوش.
وان كرر المقر به لزمه ما تدل عليه العبارة الا ان يجرى العرف بغير ما تدل عليه فيتبع العرف. فلو قال: درهم مع درهم او درهم تحته درهم أو فوقه درهم أو عليه درهم او قبله درهم او بعده درهم - أو درهم فدرهم أو ثم درهم - لزمه درهمان فى كل ذلك مالم يجرى عرف بخلافه - كأن يجرى بأن قوله له على درهم تحت درهم معناه درهم فى مقابلة
стр. 7214
درهم أخذته منه والا كان اللازم درهما واحدا طبقا للعرف.
الكلام على الاستدراك:
الاستدراك اما أن يكون فى المقر له أو يكون فى المقر به - فان كان فى المقر له بان قال المقر هذه الألف لفلان لا بل لفلان أو قال: لفلان على الف درهم. لا بل لفلان أو قال: هذا الشئ غصبته من فلان. لا بل من فلان. ينظر. فان كان قد ذكر سببا للضمان كما فى مثال الغصب الاخير. فانه يقضى بالمقر به للمقر له الاول ويقضى للثانى بقيمته ان كان قيميا وبمثله ان كان مثليا. وتعتبر القيمة يوم الغصب ان علم والا ليوم الاقرار ولا يمين على أحد من المقر لهما الاول والثانى عند ابن القاسم وقال عيسى ان ادعاه الثانى فله تحليف الاول. فان حلف قضى به للاول وبقيمته للثانى أو بمثله. وان نكل الاول حلف الثانى واخذ المقر به ولا شئ للاول على المقر وان نكل الثانى فلا شئ له من القيمة لانه لما ادعى ان له عين المقر به فقد سلم أن لا شئ له فى قيمته - ويكون المقر به فى هذه الحالة شركة بين المقر لهما لتساويهما فى النكول.
ولكن ان يكون للمقر له الأول خاصة لان نكول المقر له الثانى تصديق للاول الذى بدئ به فى التحليف.
ويظهر ان هذا هو الحكم ايضا فيما اذا لم يذكر سببا اصلا كما فى المثالين الاول والثانى لأنهم لم يفرقوا بين ما اذا ذكر سببا او لم يذكر. وان كان المثال مثالا لما ذكر فيه السبب ويعتبر القيمة فى هذه الحالة يوم الاقرار.
واما اذا كان الاستدراك فى المقر به فينظر ان كان الاضراب الى اكثر يسقط الاول ويلزمه الثانى فلو قال: له على درهم بل دينار سقط الدرهم ولزمه الدينار سواء وصل كلام الاستدراك بما قبله او فصل بينهما بفاصل اضطرارى او عادى لان بل لنقل الحكم من الاول الى الثانى ولا للتأكيد عند جمهور النحاة وعند غيرهم. لا لنفى ما قبلها وبل لاثبات ما بعدها. واذا استدرك لأقل بان قال:
لفلان على دينار لا بل درهم. فان واصل بين الكلام الاول والاستدراك ولم يفصل بينهما بفاصل معتاد مختارا سقط عنه الأول ولزمه الثانى. وان لم يواصل بينهما وفصل بفاصل معتاد لا يسقط عنه الاول ويلزمه المالان المقر بهما الاول والثانى - وان استدرك لمساو بأن قال: له على دينار لا بل دينار.
فقيل يلزمه احد المالين فقط لحمل الصيغة على شبه التكرار اللفظى لعدم وجود حقيقة الاستدراك فيهما .. وقيل يلزمه المالان الأول والثانى فيلزمه فى المقال المذكور درهمان لان بل فى هذه الحالة تكون كالفاء والواو لمجرد العطف لا نقل الحكم (١).
ولو ردد المقر فى اقراره بين شيئين بحرف الشك. كذا او كذا. كان للمقر له الاول وحلف على انه ليس للمقر له الثانى. فلو قال:
لفلان عندى هذه الشاة او هذه الناقة أو عكس فقال هذه الناقة أو هذه الشاة. كان للمقر له الاول مما أقر به. وحلف على الثانى انه ليس له - وان أقر باحد شيئين من جنس واحد بان قال: لفلان عندى أحد هذين الثوبين او
стр. 7215
أحد هذين العبدين .. عين المقر أحد الثوبين أو أحد العبدين للمقر له. فان عين له الادنى فان لم يتهمه المقر له فى التعيين ورضى بما عينه له اخذه .. وان اتهمه وطلب يمينه فان حلف المقر فلا شئ للمقر له سوى ما عينه. وان نكل المقر عن الحلف حلف المقر له واخذ الاعلى من الثوبين او العبدين. وبقى الادنى منهما للمقر. وان نكل المقر له عن الحلف فينبغى أن يشتركا فى الثوبين او العبدين مناصفة - فان لم يعين المقر للمقر له احد الثوبين أو احد العبدين بان قال: لا ادرى اى الثوبين او اى العبدين له وان كنت اعلم ان له احدهما - قيل للمقر له - عين أنت احد الثوبين او العبدين وخذه فان عين ادناهما اخذه بلا يمين. وان عين اجودهما حلف للتهمة واخذه. وان قال: لا ادرى ايهما لى حلفا معا على نفى العلم بان يقول كل منهما والله لا اعلم اى الثوبين او اى العبدين للمقر له. واشتركا فيهما بالنصف - هذا اذا قال كل منهما - لا أدرى اى الثوبين او اى العبدين يستحقه المقر له. اما اذا كان المقر يعلم ايهما للمقر له ولكن امتنع من التعيين فانه يحبس حتى يبين او يموت واما اذا كان الممتنع هو المقر له مع علمه. فانه لا يحبس ولكن يعطى الأدنى (١).
تكرار الاقرار:
تكرار الاقرار ان كان كتابة بان كتب المقر وثيقة بخطه او امر بكتابة وثيقة بخط آخر غيره. أن لفلان عندى مائة دينار واشهد على ما فى هذه الوثيقة شاهدين .. ثم كتب او امر بكتابة وثيقة اخرى بان لفلان المذكور فى الوثيقة الأولى عنده مائة دينارا واشهد على الوثيقة الثانية شاهدين هما نفس شاهدى الوثيقة الأولى او غيرهما. ولم يبين فى الوثيقة سبب الدين على الوجه المذكور او بينه وكان متحدا فيهما بان قال مائة دينار من ثمن بيع او من قرض مثلا - فقد حصل خلاف فيما يلزم به المقر من الوثيقتين والمعتمد فى المذهب انه يلزمه ما فى الوثيقتين سواء اتحد قدر الدين فيهما كما ذكر فى المثال او اختلف بان كانت احدى الوثيقتين بمائة والأخرى بمائتين متى كان السبب متحدا كما ذكره ومن باب أولى اذا اختلف السبب بأن ذكر فى احدى الوثيقتين ان الدين من بيع وذكر فى الثانية انه من قرض.
وان كان تكرار الاقرار بان اقر المقر بلسانه بمائة دينار فى مجلس ولم يكتب باقراره وثيقة ولم يأمر بكتابة وثيقة به ثم اقر فى مجلس آخر بمائة دينار او باكثر من مائة ولم يكتب بهذا الاقرار ايضا وثيقة ولم يأمر بكتابة وثيقة به. وفى هذه الحالة قد يقتصر الامر على هذا القدر من الوقائع. وقد يأتى المقر له بعد هذين الاقرارين الشفهيين من المقر فيكتب بكل منهما وثيقة. ويقول للحاضرين فى مجلس اقرار المقر: اكتبوا شهادتكم فى هذه الوثيقة على ما سمعتم من المقر - والحكم فى الاقرار المجرد من كتابة المقر او الصاحب فكتابة المقر له اذا تعدد الاقرار كما فى الحالة المذكورة بشقيها - انه اذا كان المقر به اولا وثانيا متحد القدر كمائة ومائة - لزم المقر باقى احد الاقرارين فقط دون ما فى الاقرار الاخر. وان كان المقر به فى الاقرارين مختلف القدر كمائة
стр. 7216
ومائتين فقد اختلف علماء المذهب فيما يلزم المقر من ذلك. والمعتمد انه يلزمه اكثر المالين (١).
تعقيب الاقرار بما يرفعه:
قد يعقب المقر على اقراره بما يرفعه.
ويختلف الحكم فى هذا التعقيب من حيث تأثيره على الاقرار باختلاف صوره. فلو قال:
لفلان على الف درهم من ثمن خمر او خنزير او ميتة او حر مما لا يصح بيعه. فان صدقه المقر له فى قوله من ثمن خمر مثلا فلا يصح الاقرار ولا يلزم المقر شئ اذا كان المقر له مسلما. اما اذا كان ذميا كان له قيمة الخمر وان لم يصدقه وانكر انه من ثمن خمر بل قال انه من ثمن عبد او دار يحلف المقر له انها ليست من ثمن خمر فان حلف صح الاقرار ولزمت الالف المقر بها المقر لانه لما اقر بالألف شغلت ذمته بها فتلزمه فبعد قوله بعد ذلك - من ثمن خمر ندما على الاقرار ورجوعا عنه فلا يقبل منه. وان نكل المقر له عن الحلف وكان مسلما لم يصح الاقرار ولم يلزم المقر بشئ وان كان ذميا كان له قيمة الخمر لا الألف ولو قال: لفلان على الف من ثمن عبد اشتريته منه ولكنى لم اقبضه. وقال المقر له: بل قبضته يصح الاقرار ويلزم المقر ما اقر به. ويعد قوله ولم اقبضه ندما ورجوعا عن الاقرار. ولو قال: لفلان على الف درهم هى من ربا. وانكر المقر له كونها من ربا وقال:
هى من بيع فاقام المقر بينة على ان المقر له عامله بالربا فى الف صح اقراره ولزمت الالف التى اقر بها ولا تتبعه البينة التى اقامها على المعاملة الربوية بينهما لاحتمال ان الالف كانت نتيجة معاملة اخرى غير المعاملة الربوية والبينة لا تبين المال بالذات ..
واما ان اقام المقر البينة على ان المقر له اقر بانه لم تجر بينه وبين المقر معاملات مالية سوى معاملة الربا. فلا يلزمه من الاقرار الا مقدار رأس المال الذى تعاملا به. اما ما زاد على رأس المال فلا يلزمه. ولو قال: للمقر له: غصبتك الف دينار وانا صبى لزمه الالف بالاتفاق لان الصبى يلزمه ما افسده واتلفه. وان قال: اقررت لك بالف وانا صبى ان قاله نسقا اى متتابعا بدون فصل لا يلزمه الالف على الاصح حيث لم يقم المقر له البينة على انه كان بالغا - فلو قال: اقررت بالف ولم ادر أكنت صبيا ام بالغا لم يلزمه حتى بين انه بالغ لان الاصل عدم البلوغ بخلاف مالو قال: لا أدرى أكنت عاقلا ام لا حيث يلزمه لان الاصل العقل حتى يثبت انتفاؤه. وكذلك يصدق لو قال: اقررت لك بالف وانا ذاهب العقل من برشام - نوع من الجنون - ان علم انه سبقت اصابته به.
ولو قال: اقررت لك بكتاب اعتذارا لمن سألنى اعارته او شراءه قال ابن القاسم عن مالك: وان سئل كراء منزله فقال هو لابنتى ثم مات فلا شئ لها بهذا وان كانت صغيرة فى حجره لانه قد يعتذر قبل هذا القول لمن يريد منعه. وسمع اشهب ابن نافع لو سأله ابن عمه ان يسكنه منزلا فقال: هو لزوجتى. ثم قال لثان وثالث ثم قامت امرأته بذلك. فقال: انما قلته اعتذارا لنمنعه فلا شئ لها بهذا. وقد يقول الرجل للسلطان فى الامة: ولدت منى. وفى العبد: هو مدبر لئلا يأخذهما منه فلا يلزمه الاشهاد فيه - واذن
стр. 7217
فلا يلزمه الاقرار الا ببينة تشهد له بان الاقرار حقيقى ليس على سبيل الاعتذار لآخر.
ولو أقر بقرض سابق على سبيل الشكر وذكر انه قضاه لم يلزمه شئ ذكر فى المدونة:
أقر أنه كان تسلف من فلان الميت مالا وقضاه اياه. فان كان عن زمن لم يطل غرم. وان طال زمن ذلك حلف وبرئ الا أن يذكر ذلك بمعنى الشكر فيقول: جزى الله عنى فلانا خيرا. أسلفنى وقضيته فلا يلزمه قرب الزمان أو بعد (١).
اقرار الصحيح:
جاء فى الشرح الكبير فى الكلام على اقرار المريض - ومفهوم مريض أن الصحيح يلزمه الاقرار بلا قيد. وعلق فى حاشية الدسوقى على ذلك بقوله: أى سواء أقر لوارث بعينه أو قريب أو لملاطف أو لمجهول حاله أو لقريب غير وارث أو لأجنبى غير ملاطف سواء قام المقر له فى الصحة أو فى المرض أو بعد الموت لما مر من أن الاتهام انما يعتبر فى اقرار المريض. ولقول ابن عبد البر فى الكافى: وكل من أقر لوارث أو لغير وارث فى صحته بشئ من المال أو الدين أو البراءة أو قبض اثمان المبيعات فاقراره عليه جائز لا تلحقه فيه تهمة ولا يظن فيه توليج أى ادخال شئ بالكذب والأجنبى والوارث فى ذلك سواء وكذا القريب والبعيد والعدو والصديق فى الاقرار فى الصحة سواء
ولا يحتاج من أقر على نفسه فى الصحة ببيع شئ وقبض ثمنه الى معاينة قبض الثمن.
- أهـ. ولو أقر بعد ذلك بالتوليج فلا عبرة به. فاذا قام بقية أولاد من مرض بعد الاشهاد فى صحته بالبيع لبعض أولاده فلا كلام لهم ان كتب الموثق ان الأب قبض من ولده ثمن ما باعه له .. وان لم يكتب. قيل ويحلف الولد مطلقا. وقيل لا يحلف مطلقا. وقيل ان اتهم الأب بالميل له حلف والا فلا.
وما تقدم عن الكافى من أن اقرار الصحيح على قبض أثمان المبيعات جائز ولا يلحقه فيه تهمة ولا يظن فيه توليج لعله محمول على ما اذا كان المقر له يظن به المال. والا فقد قيل: لو أقر أن هذا الشئ لولده الصغير مثلا. وعلمنا أنه لا مال للولد بوجه فذلك تركة لأنه لم يجعله صدقة عليه حتى يجوزه له فهو توليج. فتأمل .. وقيل اذا صير الأب لابنه دورا أو عروضا فى دين أقر له به فان كان يعرف سبب ذلك الدين بأن باع له شيئا أو أخذ منه شيئا جاز ذلك التصيير سواء كان فى الصحة أو فى المرض. وان لم يعرف أصله فحكمه حكم الاقرار بالدين. فان كان فى المرض جرى على تفصيله. وان كان فى الصحة كان ماضيا على قول ابن القاسم فى المدونة.
وبه العمل كما فى المتيطى .. وقيل أنه غير نافذ وهو قول المدنيين (٢).
اقرار المريض:
ان أقر المريض لوارث (٣) أبعد ممن لم يقر له من الورثة مثل أن يقر
стр. 7218
لعصبة وله أب أو يقر لأخ من الأم وله أخ شقيق .. جاز اقراره اتفاقا. وأن أقر لصديق ملاطف أو لقريب غير وارث ففيه قولان قيل يجوز اقراره مطلقا. وقيل لا يجوز اقراره الا أن ورثه ولد والقولان قائمان من المدونة. (وان أقر لمجهول. أى مجهول حاله كأن يقول لزيد أو لعمر والذى بمكة عندى ألف درهم ولم يعلم حاله أصديق ملاطف للمريض المقر أو قريب أو أجنبى) فان كان للمريض المقر وارث ولد جاز اقراره من المال كله. وان كان له وارث من الكلالة فقيل يجوز الاقرار من الثلث مطلقا - قل المال او كثر. وقيل يجوز من المال كله ان قل المقر به ويبطل ان كثر.
وقيل ان أوصى بوقفه حتى يأتى طالب جاز من رأس المال. وان أوصى أن يتصدق به عنهم بطل مطلقا.
أن المريض مرضا مخوفا (١) أى مريضا مرض الموت. ان أقر لوارث بعيد وله وارث أفرب منه كأخ مع ابن عم وأقر لابن العم وكابن عم قريب مع ابن عم بعيد وأقر للبعيد. فان الاقرار يكون صحيحا ويلزمه ما أقر به للمقر له سواء كان الوارث القريب يستغرق كل المال أو لا .. وان أقر المريض لصديق ملاطف أو أقر لقريب غير وارث كخال مثلا. فان ورث المقر ولدا صح الاقرار ولزمه ما أقر به للمقر له. ولكن لم يرثه ولد ولا ولد ولد صح الاقرار … وان أقر لأجنبى غير ملاطف صح الاقرار مطلقا سواء كان للمقر ولد يرته أو لم يكن .. وان أقر لمجهول حاله - كأن يقول: لزيد أو لعلى عندى ألف درهم وهما من مكان بعيد ولا يعلم حال المقر له هل هو صديق ملاطف للمقر أو قريب له أو أجنبى عنه - فان ورث المقر ولد. صح الاقرار ولزم المقر ما أقر به وكان من رأس المال كله لا من الثلث فقط. وان لم يكن للمقر ولد يرثه لا يصح الاقرار مادام المقر له مجهول الحال. فان بين حاله انه صديق ملاطف أو قريب أو أجنبى عمل بما تبين حسب الأحكام المذكورة سابقا .. وقيل يصح الاقرار وان لم يكن للمقر ولد سواء كان المال المقر به لمجهول الحال قليلا او كثيرا. وقيل يصح الاقرار لمجهول الحال وان لم يكن للمقر ولدا ان كان المال المقر به يسير الا ان كان كثيرا.
وقد لخص الدسوقى فى الحاشية احكام اقرارات المريض فقال:
أعلم أن المريض اذا أقر. فاما أن يقر لوارث قريب أو بعيد أو لقريب غير وارث أصلا أو لصديق ملاطف أو لمجهول لا يدرى حاله هل هو قريب أو ملاطف أو أجنبى. أو يقر لأجنبى غير صديق ..
فان اقر لوارث قريب مع وجود الأبعد منه أو المساوى له كان الاقرار باطلا. وان أقر لوارث بعيد كان الاقرار صحيحا ان كان هناك وارث أقرب منه سواء كان ذلك الأقرب حائزا للمال أو لا. ولا يشترط أن يكون هذا الوارث الأقرب ولدا ..
وان أقر لقريب غير وارث كالخال أو الصديق ملاطف أو مجهول حاله صح الاقرار ان كان لذلك المقر ولدا أو ولد ولد. والا فلا واما لو أقر لأجنبى غير صديق كان الاقرار صحيحا ولازما كان للمقر ولد أو لا.
стр. 7219
اقرار الزوج المريض لزوجته:
اذا أقر الزوج المريض لزوجته بدين فى ذمته أو أقر بانه قبض دينه منها فينظر:
ان علم أنه يميل اليها ويحبها فلا يصح الاقرار ولا يلزمه وذلك للتهمة وان أجاز الورثة هذا الاقرار استحثت الزوجة المقر به ولكن على أنه عطية مبتدأة لها من الورثة وليس من الزوج ..
وان علم انه يبغضها ولا يحبها صح اقراره لها ويؤخذ به سواء ورثه ولد أو لا وسواء انفردت بالصغير أو لم تنفرد على المعتمد خلافا لابن الحاجب الذى يقول ان شرط صحة الاقرار فى هذه الحالة الا تنفرد بالصغير والا كان الاقرار باطلا للتهمة. وانما صح الاقرار مطلقا على المذهب لانتفاء التهمة ظاهرا مع الكراهية والبغض ..
وان جهل حالة منها فلم يعلم انه يحبها أو يبغضها ينظر.
فان لم يرثه ولد ولا اولاد بان لم يكن له أولاد أصلا. فلا يصح الاقرار. وان ورثه ابن واحد منها او من غيرها صغيرا كان أو كبيرا أو ورثة بنون متعددون ذكور فقط او معهم اناث. وكانوا صغارا او كبارا او بعضهم صغير وبعضهم كبير منها او من غيرها. فان الاقرار يكون صحيحا ويؤاخذ به الا ان تنفرد الزوجة المقر لها بالولد الصغير اى يقصر جنس الولد الصغير عليها. فلا يصح الاقرار حينئذ سواء كان هذا الولد الصغير الذى انفردت به واحدا او متعددا وسواء كان ذكرا أو انثى.
وسواء كان لها مع الصغير ولد كبير ايضا او لم يكن .. فان ورث المقر اولاد اناث مع عصبة وكان الاناث كبارا منها او من غيرها او كانوا صغارا من غيرها. ففى جواز الاقرار وعدم جوازه فى هذه الحالة من مجهول الحالة منها قولان. قول بالجواز والصحة نظرا الى ان الزوجة ابعد من البنت فيكون الحالة حالة اقرار مريض لوارث ابعد مع وجود وارث اقرب منه وهى من الحالات الجائزة فيها اقرار المريض كما تقدم. وقول بعدم الجواز لأن الزوجة اقرب من العصبة فتكون الحالة حالة اقرار مريض لوارث قريب مع وجود وارث ابعد منه او مساو له .. وهى من الحالات التى لا يجوز فيها الاقرار … وهذا ما لم تنفرد الزوجة باناث الصغار والا فلا يجوز الاقرار قطعا اتفاقا سواء كان الكبار منها ومن غيرها او من غيرها فقط .. ومفهوم العصبة انه لو اقر لها مع الاناث فقط دون عصبة سواء كانت بنتا واحدة او بنات متعددات كان الاقرار صحيحا الا ان تنفرد الزوجة بالصغيرة واحدة أو أكثر كما هو الحال فى الذكور.
هذا فى الزوج المريض. اما الزوج الصحيح فان اقراره لزوجته صحيح مطلقا علم ميله لها او علم بغضه لها او جهل الحال ورثة ابن أو أولاد أو لم يرثه أولاد انفردت بالصغير أو لم تنفرد (١).
فى اقرار الزوج المريض (٢) لزوجته نقلا عن ابن رشد: تحصيل اقرار الزوج لزوجته بدين فى مرضه على منهاج قول مالك واصحابه. ان علم ميله لها وصبابته بها سقط اقراره لها. وان علم بغضه وشنآنه لها صح اقراره .. وان جهل حاله منها سقط اقراره لها ان ورث بكلالة. وان ورث بولد
стр. 7220
غير ذكر مع عصبة. فسواء كن واحدة او عددا صغارا او كبارا من غيرها او كبارا منها يتخرج ذلك عندى على قولين: احدهما ان اقراره لزوجته جائز والثانى لا يجوز من اختلافهم فى اقراره لبعض العصبة اذا ترك ابنة وعصبة:
وان كان الولد ذكرا واحدا جاز اقراره صغيرا كان او كبيرا منها او من غيرها. وان كان الولد ذكورا عددا جاز اقراره الا أن يكون بعضهم صغيرا منها وبعضهم كبيرا منها او من غيرها فلا يجوز.
الاقرار للحمل:
تقدم الكلام على الاقرار للحمل مفصلا عند الكلام على شروط المقر له - شرط أن يكون موجودا على سبيل اليقين وقت الاقرار حقيقة او شرعا بأن يكون الشارع قد حكم بوجوده فى ذلك الوقت ورتب على هذا الوجود احكاما فلا داعى لاعادته.
الاستثناء:
الاستثناء فى الاقرار كغيره من الأبواب التى يجرى فيها الاستثناء ويصح شرعا كالطلاق والعتق واليمين بالله تعالى والنذر يجرى هنا كما يجرى فى الابواب المذكورة بشروط.
يشترط لصحة الاستثناء واعتباره شرعا شروط هى:
١ - ان يكون المستثنى متصلا بالمستثنى منه نحو أن يقول: لفلان عندى عشرون جنيها الا خمسة دفعة واحدة بدون قطع للكلام ولا فاصل غير ضرورى كالسكوت والكلمة بكلام آخر بين جملة الاستثناء والكلام الأول
فلو كان الاستثناء منفصلا لغير ضرورة لم يصح الاستثناء اصلا ويجب جميع المقر به قبل جملة الاستثناء ولا يضر الفاصل الضرورى كالعطاس والسعال والتنفس وأخذ الفم ونحو ذلك.
٢ - أن ينطق بالاستثناء ويتكلم به بصوت يسمع به نفسه على الأقل لأنه حق لمخلوق يتعلق به حق للغير. بخلاف الاستثناء فى غير الاقرار لا يشترط النطق المسموع بل يكفى النطق ولو سرا بحركة اللسان.
٣ - أن يقصد الاستثناء أى الاخراج من المستثنى منه فلو تكلم به دون ان يقصد الاستثناء لا يصح ويلزمه جميع المستثنى منه.
٤ - أن يكون غير مستغرق للمستثنى منه ولا مساويا له. مثال المستغرق أن يقول: لفلان عندى ألف درهم الا ألف درهم ومثال المساوى أن يقول: لفلان عندى ألف درهم الا خمسمائة وخمسمائة. أو عبيدى أحرار الا مماليكى. أو نسائى طوالق الا زوجاتى ..
فلو كان كذلك لا يصح الاستثناء. وللمقر له الألف كلها فى الصورتين الأولى والثانية وتعتق عبيده فى الصورة الثالثة وتطلق نساؤه فى الصورة الرابعة .. فاذا كان غير مستغرق صح الاستثناء ووجب الباقى بعد المستثنى نحو أن يقول لفلان عندى عشرة جنيهات الا أربعة فانه يصح وتجب ستة جنيهات.
ويجوز استثناء أكثر المستثنى منه وابقاء أقله نحو أن يقول: لفلان عندى عشرة جنيهات الا ثمانية. فانه يصح ويلزم بجنيهين فقط ..
وخالف فى ذلك عبد الملك فقال لا يصح الاستثناء فى هذه الحالة ويلزمه العشرة كلها.
ولا يشترط لصحة الاستثناء ان يكون المستثنى من جنس المستثنى منه بل يجوز الاستثناء بغير الجنس نحو أن يقول: لفلان
стр. 7221
عندى ألف درهم الا عبدا او الا ثوبا ونطرح قيمة العبد او الثوب من الألف ويكون الباقى هو المقر به للمقر له. وتعتبر القيمة يوم الاستثناء .. وفى مثل هذا يقال للمقر اذكر صفة العبد والثوب .. ويقوم فى ضوء وصفة وتطرح القيمة من المستثنى منه كما ذكرنا.
فلو ادعى المقر جهل القيمة او الصفة فينبغى ان نطرح قيمة عبد من اعلى العبيد او قيمة ثوب من اعلى الثياب. لأن المقر انما يؤخذ بالمحقق ..
واذا عكس المقر وقال: له عندى عبد الا عشرة دنانير يصح .. ويقوم العبد على الوضع الذى ذكرنا غير انه فى هذه الصورة تعتبر قيمة عبد من ادنى العبيد. وتطرح العشرة من هذه القيمة. ويكون الباقى هو المقر به ولو استغرقت قيمة العبد الألف المستثنى منها او استغرقت العشرة فى المثال الثانى قيمة العبد المستثنى منها بطل الاستثناء ولزم المقر جميع المقر به قبل الاستثناء وفى قوله له عندى الف درهم الا عشرة دنانير يصح وتقوم الدنانير المستثناه بالدراهم وتطرح قيمتها بذلك من الالف المستثنى منها والباقى هو المقر به الذى يلزم المقر ..
ويصح الاستثناء بالمعنى نحو ان يقول:
الدار التى بيدى او الدار الفلانية او هذه الدار لفلان الفلانى والبيت الفلانى منها لى. على مثال ما تقدم فى قوله: هذا الخاتم لفلان وفصه لى: فان كانت الدار مشتملة على عدة بيوت امر المقر بأن يعين البيت المستثنى. فان لم يعين طبق عليه الحكم المتقدم فيما اذا قال للمقر له: لك عندى أحد ثوبين وهو أنه اذا امتنع من التعيين يحبس حتى يعين او يموت. وان قال. لا ادرى البيت المستثنى على التعبير قيل للمقر له: عين انت.
فان عين احسن البيوت قبل منه بلا يمين واخذ الدار ما عدا هذا البيت وان عين أدناها حلف للتهمة وأخذ الدار باستثناء ما عينه: وان قال المقر له لا أدرى حلفا على نفى العلم واشتركا فى الدار والبيت بالنسبة (١).
الابراء:
اذا أبرأ صاحب الحق من عليه فتارة تكون صيغة الابراء شاملة بسائر الحقوق وحاسمة فى الابراء من كل حق للمبرئ قبل المبرأ سواء كان ماليا أم بدنيا وتارة تكون قاصرة على الابراء من بعض الحقوق دون البعض .. فان ابرأه بصيغة من الصيغ الثلاث الآتية بان قال له: ابرأتك عما لى قبلك. او ابرأتك من كل حق. أو ابرأتك. فانه يبرأ براءة مطلقة من جميع الحقوق المالية كديون المعاملات والقرض والقراض والودائع والرهون والميراث والأعيان كالدار لا يطالب المبرئ المبرأ بقيمتها اذا فاتت ولا يطالبه برفع يده عنها ان كانت قائمة. وكذا الحقوق المترتبة على الاتلاف كالمغرم للمال حيث يسقط ذلك ايضا بالابراء. وسواء أكانت هذه الحقوق المبرأ منها معلومة للمبرئ وقت الابراء أو مجهولة - ويشمل الابراء بهذه الصيغ مع الحقوق المالية على النحو الذى ذكر. الحقوق البدنية كحد القذف اذا لم يبلغ المبرئ الامام به فان بلغه فلا يصح الابراء منه الا أن يريد المبرئ الستر على نفسه فيجوز ابراؤه حينئذ لا ان اراد الشفقة على القاذف المبرأ فلا ينفع
стр. 7222
الابراء ولا بد من الحد. وبرئ كذلك من مال السرقة بهذا الابراء العام لا من الحد لانه حق الله تعالى فلا يجوز لأحد اسقاطه ولا الابراء منه واذا تم الابراء باحدى الصيغ الثلاث المذكورة وشمل الحقوق المالية والبدنية على الصورة المشار اليها. فلا تقبل من المبرئ دعوى على المبرأ بحق من تلك الحقوق بحجة النسيان أو الجهل ولا بحجة ان الابراء انما كان من الحقوق التى فيها خصومة بينه وبين المبرأ فقط أو بحجة أنه لم يقصد عموم الابراء وانما قصد به شيئا خاصا هو كذا - ولو كان الحد الذى يريد المبرئ الادعاء به ثابتا على المبرأ بمقتضى صك كتابى تحت يده متى علم ثبوت هذا الحق قبل الابراء او جهل الحال فيه فلم يعلم انه قبل الابراء أو بعده - اما اذا كان الحق المدعى به قد حدث بعد الابراء وثبت حدوثه بالبينة فتقبل الدعوى به حينئذ.
اذ لم يشمله الابراء لأنه لم يكن موجودا قبله.
أما اذا كان الابراء بصيغة اخرى غير هذه الصيغ الثلاث فلا يشمل الابراء الا من الحقوق التى تصدق عليها العبارة بمقتضى اللغة أو بمقتضى العرف .. فلو ابرأه مما معه بان قال له: ابرأتك مما معك برئ من الامانات التى عنده كوديعة وقراض وابضاع ولا يشمل هذا الابراء الديون لأنه يقال فى الدين. عليه أو عنده ولا يقال معه. وهذا اذا كان العرف لا يساوى بين. معه وعنده وعليه فان جرى العرف بالتسوية بين هذه الألفاظ فى الاستعمال. فانه يشمل الامانات والديون فان لم يكن للمبرئ امانات عند المبرأ فى المثال المذكور وكان له عليه دين يبرأ منه اذ يكون هو المقصود بعبارة الابراء حينئذ.
ولو ابرأه مما عليه برئ من الدين لا من الامانة لأنه لا يقال فى الامانة على وانما يقال عند او مع. الا أن يكون له عنده امانة فقط فيبرأ منها لأنها تكون هى المقصودة بالابراء ..
وهذا حيث لم يجر العرف بالتسوية كما ذكر .. وان ابرأه مما عنده برئ من الدين والامانة معا عند الماذرى. وبرئ من الامانة فقط عند ابن رشد. والظاهر قول الماذرى طبقا للعرف الجارى فى مصر الآن اذ العرف عندهم أن قوله عليك مثل قوله عندك فيشمل الامرين (١)
الاقرار بالنسب:
استلحاق النسب بالاقرار به انما يكون من الأب وحده لمجهول النسب دون الأم بالاتفاق ودون الجد على المشهور فلو نظرت الأم الى شخص. وقالت هو ابنى وصدقها هذا الشخص لا يصح ولا يقبل منها هذا الاقرار ولا يثبت نسب المقر له منها ولا يجرى بينهما توارث لأنه ليس هناك أب يلحق به فهو فى الواقع اقرار بالنسب على الغير وادعاء به عليه لا يثبت الا بدليل شرعى .. ولو قال الجد لشخص: هذا ابن ابنى او ابن ولدى لا يصح اقراره ولا يثبت نسب الولد من ابن المقر على المشهور لأنه اقرار بالنسب على الغير لابد فى اثباته من البينة وقال أشهب: يصح اقرار الجد بالنسب وتأوله ابن رشد على ما اذا قال لشخص: ابو هذا ابنى فانه يصح ويثبت به النسب حتى استوفى شروطه واوضاعه لأنه فى الواقع استلحاق ابن من الأب وليس استلحاق ابن ابن من الجد. وحينئذ فلا مخالفة
стр. 7223
فى الحكم لأن الرجل انما يصدق فى الحاق ولد بفراشه لا فى الحاقه بفراش غيره.
ويشترط فى صحة استلحاق الاب الولد
شروط:
الاول: أن يكون الولد مجهول النسب فلو كان معروف النسب من الغير لا يجوز استلحاقه ولا يقبل اذ يكون الأب كاذبا فى استلحاقه ويستثنى من ذلك اللقيط فانه لا يصح استلحاقه الا ببينة او بوجه كمجاعة او لكونه لا يعيش له اولاد فيطرحه لأجل ان يعيش - ويلحق نسب الولد المستلحق بالأب المستلحق متى استوفى الاستلحاق شروطه ولو كذبته ام الولد فى استلحاقه. ولا يشترط الصحة الاستلحاق ان يعلم تقدم نكاح بين الأب وام الولد او تقدم ملك له عليها على المشهور لأنه يكتفى فى هذا الباب بالامكان لتشوف الشارع للحوق النسب ما لم يقم دليل على الكذب فى الاستلحاق.
الثانى: الا يكذبه العقل فى اقراره، أى ان يكون المقر له ممن يولد مثله لمثل المقر بان يكون سنه اقل من سن المقر بمدة تسمح بذلك. فلو كان عمره اكبر من عمر المقر او مساويا له لا يصح الاقرار لأن العقل يحيل ان يكون ابنه لما فيه من تقدم المعلول على علته والا تكذبه العادة كأن يستلحق ولدا من بلدة بعيدة علم انه لم يدخلها ابدا.
أو يكون الأب المستلحق ممن علم انه لم يقع منه نكاح ولا تسر أصلا. فان العادة لا العقل تحيل ان يكون لمثل هذا ولد لأن كون الولد اينما يكون بين ذكر وانثى امر عادى لا عقلى ولذا قيل فى قوله تعالى أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة - ان هذه حجة عرفية لا عقلية.
الثالث: اذا كان الولد المستلحق المقر له رقيقا يشترط ألا يكون مملوكا ولا عتيقا لمن كذب الأب المستلحق فى استلحاقه واقراره.
لأنه فى هذه الحالة يكون الأب متهما فى اقراره بنسب هذا الولد بأنه يقصد بالاقرار ابطال ملكية سيد الولد فى رقبته او ازالة ولائه عنه .. ولكن اذا كان الاب المقر سبق له - فى هذه الحالة - ملك على ام الولد المقر له فيقبل الاقرار ويثبت نسب الولد منه بمقتضاه ويبقى الولد رقيقا او مولى لهذا الذى كان مالكا له او معتقا وكذب الأب فى الاستلحاق ويستمر مملوكا أو عتيقا لهذا المكذب. ولا منافاة بين ثبوت نسبه من أبيه الحر الذى أقر به وبقائه مملوكا أو عتيقا لشخص آخر - كمن تزوج وهو حر بأمة من سيدها واتى منها بولد. فان هذا الولد يكون لأبيه الحر نسبا ولسيد امه الأمة ملكا ورقا.
واذا اعتقه يكون مولى له.
وليس من شروط صحة الاقرار بنسب الولد ان يصدق الولد الأب المقر فى اقراره اذا كان ممن يصح منه التصديق .. بل ان الاقرار يصح ويثبت به النسب متى استوفى شروطه ويلحق الولد بالأب بناء عليه صغيرا كان او كبيرا انكر الاقرار وكذبه او صدقه. صدقت الام او كذبت. وسواء كان الأب المقر صحيحا او مريضا احاط الدين بماله او لم يحط وقال ابن يونس: يشترط تصديق الولد المقر له ..
اذا كان اقرار الأب بنسب الولد قد وقع فى حياة الولد وحال صحته واستوفى الشروط والأوضاع المقررة. ورث الأب الولد المقر
стр. 7224
به سواء كان لهذا الولد ولد يرثه او لا بأن لم يكن له ولد اصلا او يكون له ولد غير وارث لكونه كافرا او عبدا قل المال الذى تركه الولد او كثر. واما اذا كان الاقرار بعد موت الولد المقر به أو فى مرضه فلا يرثه الأب الا اذا كان له ولد ولو كان عبدا او كافرا - فان لم يكن له ولد لا يرثه الا أن يكون المال المتروك قليلا لا يبعث على التهمة - هذا بالنسبة للميراث اما بالنسبة للنسب فانه يثبت على كل حال - والعلة فى هذا التقييد هو اتهام الأب فى اقراره حين لا يكون للولد ولد بان الباعث على الاقرار هو طمعه فى ارث الولد المقر به - واذا كان المستلحق قد باع ولدا على انه عبد رقيق ثم اقر بنسبه اقرارا تاما واستلحقه. فأنه يصح الاقرار ويثبت نسب الولد به وينقض البيع ولو كذب المشترى البائع المقر فى اقراره. ورجع المشترى بالثمن وبما انفقه على هذا الولد فى مدة بقائه عنده الا اذا كانت له خدمة عند المشترى تقابل بالنفقة - فان كانت له خدمة عند المشترى تقابل بالنفقة التى انفقها عليه. بان كان المشترى قد استخدمه بالفعل مدة وجوده عنده - فلا رجوع للمشترى بالنفقة قلت الخدمة او كثرت كما لا رجوع للبائع المقر ان زادت الخدمة على النفقة على الأرجح ..
ومقابل الأرجح قولان: الرجوع للمشترى بالنفقة مطلقا كانت للولد خدمة عنده او لم تكن - وعدم الرجوع مطلقا ولو لم تكن له خدمة (١).
الاستلحاق - قال ابن شاس. الباب الرابع فى الاقرار بالنسب ..
روى ابن القاسم (٢) عن مالك انه قال:
الاستحسان تسعة اعشار العلم. وهذا الباب اكثره محمول على ذلك. انما يستلحق الأب مجهول النسب. قال ابن رشد: لا خلاف أعلمه أن المرأة لا يجوز لها استلحاق. ومن المدونة. وان نظرت امرأة الى رجل فقالت ابنى ومثله يولد لها وصدقها لم يثبت نسبه منها اذ ليس هنا أب يلحق به. وان جاءت امرأة بغلام مفصول فادعت انه ولدها لم يلحق بها فى ميراث ولا يحد من افترى عليه.
ومن كتاب سحنون قال مالك: ولا يصلح استلحاق الجد. ابن رشد. ان قال: هذا ابن ولدى او ولد ابنى لم يصدق. وان قال:
ابو هذا ابنى او والد هذا ابنى صدق لأن الرجل انما يصدق فى الحاق ولده لفراشه لا فى الحاقه بفراش غيره. وهذا مما لا ينبغى ان يختلف فيه … قال ابن القاسم وغيره:
اذا اقر الرجل بابن جاز اقراره ولحق به صغيرا كان أو كبيرا أنكر الابن أو اقر بشرط ان يكون الولد مجهول النسب.
ومن المدونة قال مالك: من ادعى ولدا لا يعرف كذبه فيه لحق به. قال ابن القاسم:
والذى يتبين له كذبه مثل ان يكون له أب معروف أو أن يكون من المجهولين من بلدة لا يعلم انه دخلها كالزنج والصقالبة او تقوم بينه أن ام الولد المقر به لا تزال زوجة لغير المقر حتى ماتت .. واما ان استلحق مسلم
стр. 7225
محمولا من بلدة دخلها لحق به - ويشترط أن لا يكذبه العقل أو العادة - قال ابن شاس:
اذا قال لعبده: هذا ابنى لحق به ما لم يكذبه العقل بان يكون اكبر سنا منه أو العرف بان يستيقن الناس انه ليس بولده كما اذا كان الغلام سنديا والرجل فارسيا. ولم يكن رقا لمكذبه. قال ابن القاسم ان استلحق صبيا فى ملك غيره أو بعد ان اعتقه غيره لم يصدق اذا اكذبه الحائز لرقه أو لولائه ولا يثبت نسبه ولا يرثه الا ببينة تثبت ذلك .. ثم قال: وان ادعاه بعد عتق المبتاع الأم مضى ذلك والحقت به نسب الولد ولم ازل عن المبتاع ما ثبت من ولائهما ويرد البائع الثمن .. ومن المدونة قال مالك: من باع صبيا ولد عنده ثم اقر بعد ذلك انه ابنه لحق به ورد الثمن ألا أن يتبين كذبه ويرجع المشترى على البائع بنفقة الولد الى يوم استلحاقه ..
وقال بعضهم: ان كان صغيرا لا خدمة فيه رجع بالنفقة. وان كان فيه خدمة واقر المبتاع بخدمته أو ثبت انه خدمه فلا نفقة له والنفقة بالخدمة.
وقال أشهب: اذا مات ولد الملاعنة وترك مالا وموالى ولم يقر به الأب قبل موته ثم اقر به ولم يترك ولدا ولا ولد ولد لم يصدق لأنه يتهم بجر الولاء والمال الى نفسه وقد وجب لأمه ومواليه أو المسلمين ان لم يكن له وارث .. وان كان قد ترك ولدا أو ولد ولد ذكرا أو انثى صدق ولحق به وورث نصيبه مع بنيه أو بناته وضرب الحد فى المسئلتين جميعا لحق الولد أو لم يلحق - قال فى المدونة: من نفى ولدا بلعان ثم ادعاه بعد ان مات الولد عن مال. فان كان لولده ولد ضرب الحد ولحق به. وان لم يترك ولدا لم يقبل قوله لأنه يتهم فى ميراثه ويحد ولا يرثه.
الاقرار بوارث:
اذا اقر الشخص بوارث له غير ولد.
فان اقر باخ أو عم أو ابن ابن أو جد فلا يصح هذا الاقرار بالنسبة للنسب ولا يثبت به النسب اصلا. لأنه اقرار بالنسب على الغير وهو بمثابة دعوى على الغير لا تقبل ولا تثبت الا بالدليل الشرعى - واما بالنسبة للميراث فينظر: ان كان للمقر وارث معروف يحرز كل الميراث كالابن والأب. وأقر بأخ أو عم فلا يرث المقر له شيئا من تركة المقر بالاتفاق .. وان لم يكن للمقر وارث يحرز كل الميراث بان لم يكن له وارث اصلا أو كان له وارث لا يحرز كل الميراث كمن اقر بعم مع وجود بنت له أو اخ من الأم - ففيه خلاف فى ارث المقر له وعدمه .. والراجح الارث. فيرث المقر له من المقر جميع المال فى الحالة الأولى - حالة ما اذا لم يكن له وارث اصلا - ويرث الباقى فى الحالة الثانية - حالة ما اذا كان له وارث لا يحرز كل الميراث. وهذا بناء على أن بيت المال ليس كالوارث المعروف بل هو حائز يحوز المال ليصرفه فى مصالح المسلمين ..
ومقابل الأرجح انه لا يرث المقر له شيئا من تركة المقر ويكون المال كله أو باقيه لبيت المال بناء على ان بيت المال كالوارث المعروف ويجرى هذا التفصيل بالنسبة لأرث المقر من المقر له اذا صدق المقر على اقراره بالنسب فيقال: اذا كان للمقر له وارث معروف يحرز كل الميراث لا يرثه المقر والا فخلاف والراجح الارث. اما لو كذب المقر له المقر فى الاقرار فلا ارث
стр. 7226
لأحدهما من الآخر مطلقا كان هناك وارث حائزا اولا. وان سكت المقر له فلم يصدق المقر ولم يكذبه. فهل يعتبر السكوت كالتصديق فيرث كل منهما الآخر ان لم يكن هناك وارث حائز على الراجح فان كان هناك له وارث حائز فلا ارث. او لا يعتبر السكوت كالتصديق فيرث المقر له المقر فقط على التفصيل السابق تردد وقال اللخمى ان هذا الخلاف فى الارث ليس على الاطلاق. وانما هو قاصر بحالة ما اذا لم يطل زمن الاقرار بالأخوة والعمومة ونحوهما مما لا يثبت فيه النسب بالاقرار أما ان طال زمن الاقرار بالسنين كالثلاث مثلا من كل من الجانبين المقر والمقر له أو من جانب المقر مع سكوت المقر له على اساس اعتبار السكوت كالتصديق كما مر - فلا خلاف فى هذه الحالة فى انه يرثه لأن طول الزمان قرينة الصدق غالبا ما لم يقم دليل أو قرينة على عدم قيام القرابة الموجبة للأرث والا فيعمل بمقتضى القرينة أو الدليل .. وهل يتوارثان فى هذه الحالة توارث ثابت بالنسب بالبينة فيزاحم المقر له الوارث الذى يحرز كل الميراث اذا كان مساويا له ويقدم عليه اذا كان يحجبه. فاذا أقر بأخ أو بابن وله أخ ثابت النسب وطال زمن الاقرار يحجب الابن الأخ الثابت النسب ويشاركه الأخ المقر له؟. قبل ذلك (١).
اقرار الوارث بوارث:
وان اقر اثنان عدلان من ورثة الميت ابنان أو أخوان أو عمان بثالث لهما. بأن أقر الابنان بابن ثالث. أو اقر الاخوان بأخ ثالث للمتوفى أو اقر العمان بعم ثالث وكان المقران عدلين ثبت بهذا الاقرار نسب المقر له واخذ من تركة المتوفى نصيبا كأحد الورثة الذين اقروا به على السواء. ويحرم عليه نكاح أم الميت وبنته ان كان المقر له ابنا أو أخا للمتوفى. لأنه متى ثبت نسبه ترتبت عليه الآثار ومنها حرمة النكاح - والمراد بالاقرار هنا الشهادة لا حقيقة الاقرار بدليل ثبوت النسب واشتراط العدالة فى المقر اذ أن هذا النسب لا يثبت بالاقرار لما فيه من تحميل النسب على الغير. ولا يشترط فيه العدالة.
ولأن الاقرار قد يكون بالظن بخلاف الشهادة فانها لا تكون الا بالعلم والتثبت وان لم يكن المقران عدلين فلا يثبت بقولهما نسب ولكن يترتب عليه الارث معاملة لهما بالاقرار.
فيكون للمقر له ما نقصه المقران من نصيبهما بالاقرار فاذا كان الميت قد خلف ثلاثة ابناء فأقر اثنان منهم بثالث ولم يكونا عدلين وانكر الثالث يقسم مال التركة على اساس الانكار وعلى اساس الاقرار. وفرق ما بين نصيبى المقرين فى المالين يعطى للمقر له. فعلى اساس الانكار يقسم على ثلاثة وعلى اساس الاقرار يقسم على اربعة. والمضاعف بينهما اثنا عشر حاصل ضرب ثلاثة فى اربعة للتباين وبقسمتها على ثلاثة بالانكار يكون نصيب كل واحد اربعة. وبقسمتها على اربعة بالاقرار يكون النصيب ثلاثة. فالذى نقصه نصيب كل واحد من المقرين واحد فيعطى الاثنان للمقر له. ويأخذ المنكر أربعة ويأخذ كل واحد من المقرين ثلاثة.
واذا أقر احد الورثة بوارث بأن ترك الميت ابنين فاقر احدهما بابن ثالث وانكر الابن
стр. 7227
الآخر - فانه يكون للمقر له ما نقصه نصيب المقر بالاقرار سواء كان المقر عدلا أو غير عدل ولا يمين على المقر له. فتقسم التركة على اساس الانكار والاقرار. فعلى انها ستة اسهم تقسم على اثنين بالانكار فيكون نصيب كل ابن ثلاثة وتقسم على ثلاثة على اساس الاقرار فيكون النصيب اثنين فما نقصه نصيب المقر باقراره هو واحد يعطى للمقر له ويكون للمقر اثنان وللابن المنكر ثلاثة .. وهذا هو المذهب .. وهناك رأى ضعيف يقول اذا كان الابن المقر عدلا. يحلف المقر له مع المقر ويرث كواحد من الورثة ولكن لا يثبت النسب بالاقرار. ففى المثال المذكور يأخذ المقر له الثلث كأحد الابنين الثابتى النسب وان لم يثبت نسبه - وان كان الابن المقر غير عدل تجعل حصة المقر من الميراث كأنها كل التركة فيأخذ المقر له ثلثها وهو سدس التركة كلها ويأخذ المقر ثلثيها وهو ثلث التركة كلها فاذا كانت التركة ستة فنصيب المقر ثلاثة يأخذ المقر له منها واحدا ويأخذ المقر اثنين.
وان أقر أحد الورثة بوارث يحجبه قدم عليه فى الارث وورث هو دون المقر فلو كان للميت أخوان أقر احدهما بابن للميت وأنكره الأخ الآخر أخذ الابن المقر به نصف التركة الذى كان يأخذه المقر. وأخذ الأخ المنكر النصف الباقى. ولو كان للميت أخ واحد وأقر بابن للميت أخذ الابن المقر به جميع المال ولا يأخذ الأخ المقر شيئا.
واذا أقر احد الورثة بدين على الميت وانكر الباقون الدين. أخذ من نصيب المقر بقدره عند ابن القاسم. فاذا كان نصيبه نصف التركة أخذ منه نصف الدين المقر به وان كان نصيبه ثلث التركة اخذ منه ثلث الدين وهكذا ويكون هذا الوارث المقر بالدين شاهدا بالنسبة للمنكر فيحلف معه المقر له ويأخذ من المنكر ما يخصه .. وقال أشهب: يؤخذ جميع نصيب المقر من التركة فى الدين ان كان بعضه لا يفى بالدين لأنه لا ارث الا بعد الوفاء بالدين (من بعد وصية يوصى بها أو دين).
ولو قال ابن الميت لأحد شخصين معينين:
هذا اخى مشيرا الى احد الشخصين ثم قال:
بل هذا اخى مشيرا الى الشخص الآخر.
فللأول نصف تركة أب هذا الابن القائل لاعترافه له بذلك بقوله: هذا أخى - واضرابه الى الثانى لا يبطل الاقرار ولا يسقط حق الأول فيما اقر به. وللثانى نصف ما بقى بيد الابن المقر أى ربع التركة. ويبقى لهذا الابن المقر الربع فلو قال لثالث: بل هذا أخى لكان لهذا الثالث نصف ما بقى اخيرا بيد المقر أى الثمن. ويستوى فى هذا الاقرار ان يكون على سبيل التراخى أو على سبيل الفور لأن بل للأضراب لا للتشريك. اما اذا كانت للتشريك بان كانت لمجرد العطف لكان هناك فى الحكم بين التراخى والفورية .. ولكنها ليست كذلك.
وان ترك ميت اما واخا شقيقا فاقرت الأم بأخ آخر للميت منها فيكون شقيقا أو من غيرها فيكون من الأب. وانكره الأخ الثابت النسب. فللأخ المقر له السدس من نصيب الأم لأنه بوجوده حجبت الأم من الثلث الى السدس فيكون له هذا السدس. وليس للأخ الثابت النسب منه بشيئ لأن موقفه أن الام ترث الثلث وهو يرث الباقى ولا شئ له من نصيب الأم فاذا كان اقرارها قد انقص
стр. 7228
نصيبها من الثلث الى السدس فيأخذ هذا الفرق من كان وجوده سببا فى النقص وهو الأخ المقر له. وهذا هو الحكم حتى لو كان الاخ المقر له من غير الأم التى أقرت أى اخا من الأب لأنه لم يستحق هذا السدس نتيجة ثبوت نسبه وانما استحقه بالأقرار .. وفيه بحث لأنه لا وجه لاستحقاق الأخ من الأب المقر له هذا السدس بل الوجه ألا تأخذه الأم معاملة لها باقرارها ولكن يوقف حتى يظهر الحال باقرار الأخ الشقيق الثابت النسب أو ببينة وحينئذ يأخذ الأخ الشقيق هذا السدس ولو كان الأخ الشقيق الثابت النسب متعددا أكثر من واحد والمسألة كما هى لم يكن للمقر له شئ لأن الاقرار حينئذ لم يأت بشئ لأن نصيب الأم يكون السدس قبل الاقرار ولا تنقص عنه بالاقرار وان استلحق رجل ولدا استلحاقا مستوفيا للشرائط ولحق به شرعا. ثم انكره بعد ذلك ثم مات الولد المستلحق بعد الانكار لا يرثه الأب المنكر لانه نفاه بالانكار. ووقف مال الابن المتوفى حتى يموت الأب. فان مات كان المال الموقوف لورثة الأب أى لعصبة الابن المتوفى من جهة ابيه الذى انكره. ولا يؤخذ ورثة الأب بانكاره الابن ولا يقطع حقهم نفيه له ..
ويقضى دين الأب من هذا المال ان كان عليه دين. ولو طالبه الغرماء بالقضاء حال حياته وبعد وفاة الابن اعطى لهم منه ما يفى الدين ووقف الباقى ان كان .. فلو مات الأب اولا قبل وفاة الابن الذى انكره ورثه الابن المقر به. ولا يضره انكار الأب نسبه لأن نسبه لا يسقط بالانكار بعد الاستلحاق. فان مات الابن بعد ان ورث الأب المنكر ورثة عصبته من جهة الأب (١).
فى اقرار الوارث بوارث:
(وان أقر عدلان بثالث ثبت النسب) (٢) قال ابن يونس: اذا هلك شخص وترك ورثة فاقر بعضهم بوارث فان اقر بذلك رجلان عدلان ثبت نسب المقر به بشهادتهم واخذ جميع موروثه من جميع المال .. وان كان المقر ممن لا تثبت شهادته لأنه واحد وان كان عدلا أو لأنهم جماعة غير عدول أو لأنهم نساء وليس الجميع بسفهاء. فاجمع اهل العلم أن النسب لا يثبت بقولهم. واختلفوا فى الذى يغرمونه للمقر له فذهب اهل المدينة ومن تابعهم الى أن المقر يستوفى جميع ما يجب له فى حالة الاقرار فان بقى فى يده شئ مما كان اخذه فى مسألة الانكار دفعه الى المقر به. وان لم يستفضل شيئا فلا شئ للمقر به. وقال سحنون: لو ترك ولدا واحدا فقال لاحد شخصين: هذا اخى بل هذا الآخر. فللأول نصف ما ورث عن ابيه. وللثانى نصف ما بقى فى يده وقيل له جميعه. وقال ابن رشد: هذا اصح فى النظر لأن كلا منهما يقول: انت اتلفت على مورثى. وعليه يأتى قول ابن القاسم فى سماع عيسى. ووجه قول سحنون ان المقر بالأخ ثانيا انما اقر بما فى يده حين شاركه غيره فى الارث فكان اقرار وارث معه وارث بوارث.
وان ترك اما واخا فاقرت باخ فله منها السدس. قال ابن شاس: ولو ترك أما وأخا فاقرت بأخ آخر فانها تخرج نصف ما فى يدها
стр. 7229
وهو السدس فيأخذه الأخ المقر له وحده وهو قول مالك فى موطنه. قال محمد: وعليه الجماعة من اصحابه. وقال ابن شاس: اذا استلحق ولدا ثم انكره ثم مات الولد عن مال فلا يأخذه الأب المستلحق. قال ابن القاسم:
ويوقف ذلك المال. فان مات هذا المستلحق (الأب) صار هذا المال لورثته .. وقضى به دينه. وان قام غرماؤه عليه وهو حى اخذوا ذلك المال فى ديونهم.
الاقرار بالزنا:
ويثبت الزنا (١) باحد امور ثلاث باقرار ولو مرة ولا يشترط أن يقر أربع مرات الا أن يرجع عن اقراره مطلقا. حال الحد او قبله. رجع لشبهة او لا كقوله: كذبت على نفسى. او وطئت زوجتى وهى محرمة فظننت انه زنا.
ومثل الرجوع ما اذا قامت بينة على اقراره وهو ينكر فلا يحد. او الا ان يهرب حال الحد فيسقط عنه تمامه ولا يعاد عليه لتكميله بخلاف هروبه قبل اقامة الحد عليه ما لم يرجع عن اقراره. كذا ذكره الشارح ومن تبعه ..
ورد بأن المنقول عدم الحد مطلقا .. ويثبت الزنا ايضا بظهور حمل فى امرأة غير متزوجة وغير ذات سيد يقر بوطئها بأن انكر وطأها فتحد. فان ظهر الحمل بمتزوجة أو بذات سيد مقر بوطئها فلا تحد .. والمراد بالزوج زوج يلحق به الحمل فخرج الصغير والمجبوب أو امرأة أتت بالولد كاملا بدون ستة أشهر من العقد فتحد .. ولا تقبل دعوى من ظهر بها الحمل الغصب بلا قرينة فان كانت هناك قرينة فصدقها قبلت دعواها ولا تحد.
أن المرأة (٢) اذا قالت زنيت مع هذا الرجل فاقر بوطئها وادعى انها زوجته فكذبته. ولا بينة له على الزوجية فانهما يحدان .. اما حدها فظاهر لاقرارها بالزنا واما حده فلأنها لم توافقه على النكاح والاصل عدم السبب المبيح. ويأتنفان نكاحا بعد الاستبراء ان أحبا وظاهره ولو كانا طارئين ولو حصل فشو.
وهو كذلك كما فى عبد الباقى والخرشى ..
واذا وجد رجل وامرأة فى بيت أو طريق والحال انهما غير طارئين. واقرا بالوطأ وادعيا النكاح والاشهاد عليه ولا بينة لهما لموت الشهود أو غيبتهم. ولا فشو يقوم مقام البينة. فانهما يحدان لأن الاصل عدم السبب المبيح للوطأ. ويأتنفان نكاحا بعد الاستبراء ان احبا .. فان حصل فشو أو كانا طارئين قبل قولهما. ولا حد عليهما لأنهما لم يدعيا شيئا مخالفا للعرف .. واذا اقر الرجل بعد ولادة زوجته منه بمفسد لوطئه من غير ثبوت له كأن قال: عقدت عليها عالما بانها رقيقة أو انها خامسة فانه يحد لحق الله تعالى. ويلحق الولد به مع عدم البينة .. قال النفراوى على الرسالة وحده ولحوق الولد به مستغرب لأن مقتضى الحد انه زنا. ومقتضى اللحوق انه ليس زنا.
الاقرار بالشرب:
ومن أقر بالشرب او شهد عدلان بشرب أو شم لرائحتها فى فمه وعلمت رائحتها اذ قد يعرف رائحتها من لا يشربها .. وكذا لو شهد عدل برؤية الشرب وآخر برائحتها او يتقايئها - فيحد فى ذلك .. فان رجع بعد اقراره ولو لغير شبهة قبل .. وان خولفا أن خالف الشاهدين غيرهما من العدول بان قالا:
стр. 7230
ليس رائحته رائحة خمر بل خل مثلا .. فلا تعتبر المخالفة ويحد لأن المثبت يقدم على النافى (١).
الاقرار بالسرقة:
وتثبيت السرقة (٢) باقرار ان كان مختارا فيه كما تثبت بالبينة. وان لم يكن مختارا بان أكره على الاقرار من حاكم أو غيره ولو بسجن أو قيد فلا يلزمه شيئ عند ابن القاسم - ولو اخرج السرقة لاحتمال وصول اسم المسروق اليه من غيره. أو عين القتيل الذى اكره على الاقرار بقتله فأقر واخرجه كما فى القتل لاحتمال ان غيره قتله فلا يقطع فى السرقة ولا يقتل قصاصا فى القتل الا أن يقر بعد الاكراه آمنا كما فى المدونة ..
وقال سحنون: يعمل باقرار المتهم باكراهه وبه الحكم ان ثبت عند الحاكم انه من اهل التهم. فيجوز سجنه وضربه ويعمل باقراره .. وتؤولت فى محل عليه .. والأول هو المشهور والأوفق بقواعد الشرح ..
واذا اقر طائعا ورجع عن اقراره قبل رجوعه عنه فلا يحد. وكذا يقبل رجوع الزانى والشارب والمحارب ولو رجع بلا شبهة فى اقراره نحو كذبت فى اقرارى كما لو رجع لشبهة نحو أخذت مالى المرهون أو المودع خفية فسميته سرقة. ويلزمه المال ان عين صاحبه نحو اخذت دابة زيد.
مذهب الشافعية
التعريف:
الاقرار لغة الاثبات - من قر الشئ يقر بفتح القاف وكسرها ثبت. يقال: قررت بالمكان بالكسر اقر بالفتح. وقررت بالمكان بالكسر اقر بالفتح.
وشرعا: اخبار بحق سابق على المخبر لغيره ولو حكما. فيشمل اخبار الوكيل فى الاقرار بحق على الموكل لأنه اخبار من الموكل بحق على نفسه حكما. فان كان الاخبار من الشخص بحق له على غيره فهو الدعوى. وان كان اخبارا بحق لغيره على الغير فهو الشهادة .. هذا ان كان الاخبار يقتضى امرا خاصا.
فان اقتضى شرعا عاما. فان كان عن امر محسوس فهو رواية. وان كان عن امر شرعى فان كان فيه الزام فهو حكم وان لم يكن فيه الزام فهو فتوى … وفى كون الحكم يقتضى شرعا عاما نظر. بل فى كونه اخبارا نظر. اذ الظاهر انه انشاء كصيغ العقود.
الا ان يقال ان لفظه لفظ الخبر
والتعريف صريح فى ان الاقرار اخبار عند الشافعية وليس بانشاء (٣).
حجية الاقرار:
والأصل فى اعتبار الاقرار حجة يعامل به المقر. الكتاب والسنة والاجماع والقياس.
أما الكتاب: فقول الله ﵎ «أأقررتم واخذتم على ذلكم اصرى. قالوا أقررنا. قال فاشهدوا وأنا معكم من
стр. 7231
الشاهدين». وقوله سبحانه «يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والاقربين». فقد قال المفسرون ان شهادة المرء على نفسه هى الاقرار. وقوله «وليملل الذى عليه الحق وليتق الله ربه. فان كان الذى عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو. فليملل وليه بالعدل». والاملال هو الاقرار. وقد أمر الله صاحب الحق بالاملال. فلو لم يكن اقراره حجة عليه ويؤاخذ به لما امر الله به .. فالأمر دليل الحجية ..
وأما السنة: فما روى الشيخان وغيرهما أن النبى ﷺ قبل من ماعز.
والغامدية اقرارهما على نفسيهما بالزنا وعاملهما به واقام الحد عليهما بناء عليه. مع أن الحد يدرأ بالشبهة. فلو لم يكن الاقرار حجة قاطعة لدرأ الحد عنهما .. وايضا فقد قال فى قصة العسيف لرجل من اسلم هو انيس بن الضحاك .. واغد يا انيس الى امرأة هذا - وكانت من اسلم ايضا - فان اعترفت فارجمها فرتب الامر برجمها على اعترافها وهو الاقرار.
وهذا دليل حجيته ..
وأما الاجماع: فلان الامة من لدن رسول الله ﷺ الى عصرنا هذا قد اجمعت على أن الاقرار حجة على المقر بل هو من اقوى الحجج لأن احتمال الكذب به بعيد.
وأما القياس: فلانه قد ثبت بالدليل وجوب الأخذ بالشهادة وبناء الحكم عليها مع احتمال الكذب فيها لرجحان جانب الصدق على جانب الكذب. وافادتها العلم بالمشهود به لدى القاضى. واحتمال الصدق فى الاقرار اقوى من الشهادة لأن الانسان لا يشهد على نفسه الا وهو صادق عادة والبعد عن الريبة فيه اظهر من الشهادة. فلأن يجب الأخذ به والحكم بمقتضاه اولى (١).
اركان الاقرار:
اركان الاقرار عند الشافعية اربعة: مقر ومقر له - ومقر به. وصيغة. وزاد بعضهم ركنا خامسا وهو المقر عنده من حاكم أو شاهد. واعترض على ذلك بانه لو كان هذا ركنا لما صح اقرار الشخص غالبا بحيث لا يسمعه الا الله تعالى. ثم تبين فيما بعد انه اقر خاليا. ولما جاز الاعتداد بهذا الاقرار ولم يكن للمقر له أن يطالبه بمقتضاه ولا أن يدعى به عليه. بحجة فساد الاقرار لعدم تحقق ركنه المذكور. وذلك ممنوع وغير مسلم ..
«وأركانه أربعة (٢) مقر. ومقر له وبه. وصيغة» وعلق الشبراملسى فى الحاشية على ذلك بقوله:
وزاد بعضهم المقر عنده من حاكم أو شاهد.
وقد ينظر فيه بأنه لو توقف تحقق الاقرار على ذلك لزم انه لو اقر خاليا بحيث لا يسمعه الا الله تعالى. ثم بعد فترة تبين انه اقر خاليا فى يوم كذا لم يعتد بهذا الاقرار ولم يكن للمقر له المطالبة بمقتضاه ولا الدعوى بسببه لفساده وعدم صحته شرعا لعدم وجود ركنه المذكور والظاهر أن ذلك ممنوع قطعا فليتأمل.
стр. 7232
بم يكون الاقرار ؟
الكلام على صيغة الاقرار (١) - وشرطها ان تكون لفظا أو كتابة ولو من ناطق أو اشارة من اخرس تشير بالالتزام بحق - وهذا صريح فى ان الاقرار يكون باللفظ. وبالكتابة ولو من القادر على النطق وبالاشارة من الأخرس.
ولم يذكر ما اذا كان يشترط لاعتبار الاشارة من الأخرس أن يكون عاجزا عن الكتابة.
وان كان مقتضى الاطلاق اعتبار اشارته ولو كان قادرا على الكتابة. وكذلك لم يذكر ما اذا كان السكوت يعتبر اقرارا او لا يعتبر.
فاذا جاء شخص الى قوم جلوس فى مجلس وقال: اشهدوا أن لى على فلان الف درهم.
وفلان هذا احد الجالسين فى المجلس. وسكت ولم يرد على هذا الكلام ولم يتكلم عنه لا نفيا ولا ايجابا .. فلا يعتبر سكوته اقرارا بالحق الذى يدعيه المتكلم. أو لا يعتبر كذلك ويقبل منه نفى هذا الادعاء .. ؟.
ويشترط أن يكون كل من اللفظ والكتابة والاشارة مشعرا بالالتزام بالحق على المقر - فلو قال: لزيد على الف درهم فيما أظن أو فيما احسب أو فيما أتوهم. أو كتب هذه العبارة. أو اشار بما يؤدى هذا المعنى لم يكن ذلك اقرارا صحيحا لأنه لا يشعر بالالتزام بالحق .. ولو قال أو كتب أو اشار بان لزيد على الف درهم فيما اعلم أو أتيقن صح الاقرار ولزم المقر به للاشعار بالالتزام بالحق.
واللفظ هو الاداة الأولى للاقرار. بل هو الاداة الأولى للاعراب عما يريده الشخص والافصاح عما يكنه فى نفسه - لا نزاع فى ذلك ولا خلاف فيه وهو اما صريح يدل على الاخبار وثبوت الحق المقر به على المقر لا يحتمل غير ذلك كقوله: لزيد على الف درهم - واما كناية يدل على الاخبار بثبوت الحق على المخبر بطريق الدلالة. كما اذا قال شخص لآخر:
لى عليك الف درهم. أو قال له: اقض الألف الذى لى عليك. أو قال: اليس لى عليك الف درهم؟ فقال المخاطب: فى جواب ذلك: بلى أو نعم أو صدقت أو نحو ذلك. فان هذا يدل على الاقرار بالحق المدعى به لأن ذلك موضوع للتصديق الا أن يقترن الجواب بقرينة تدل على الاستهزاء أو الانكار كالضحك وهز الرأس انكارا وتعجبا. فانه حينئذ لا يعتبر دالا على الاقرار ولا يعتد به وان قال المخاطب فى الجواب: أبرأتنى أو قضيته أو نحو ذلك.
فانه يدل على الاقرار بالحق لأنه يدعى الابراء أو القضاء .. وذلك اعتراف بالاصل ويشغل الذمة بالمقضى أو المبرأ منه. فيؤخذ بهذا الاقرار ولا يصدق فيما يدعيه من الابراء والقضاء الا بالدليل … وهذا مع ملاحظة أن الاقارير ونحوها مبنية على العرف المتبادر من اللفظ لا على دقائق العربية واعتبارات النحو (٢).
شروط صحة الاقرار:
شروط صحة الاقرار منها ما يرجع الى المقر ومنها ما يرجع الى المقر له. ومنها ما يرجع الى المقر به. ومنها ما يرجع الى الصيغة.
شروط المقر:
يشترط لصحة الاقرار فى المقر ما يأتى:
١، ٢ البلوغ والعقل. وعبر صاحب
стр. 7233
المنهاج بقوله - ويصح الاقرار من مطلق التصرف - وقال شارحه الرملى أى المكلف الرشيد ولو اماما بالنسبة لبيت المال أو وليا على المحجور عليه بالنسبة لما يمكنه افساده فى مال موليه كأن يقر بثمن شئ اشتراه له وثمنه باق للبائع أو انه باع كذا من مال الطفل على وجه يصح بيعه فيه. ولا يصح اقراره على الصبى بعد بلوغه ورشده بنحو بيع شئ من امواله قبل البلوغ والرشد ..
اما اقرار الامام على بيت المال فهو مقبول مطلقا دون التقيد بامكان انشائه.
فأقرار الصبى ولو مراهقا واذن له وليه والمجنون والمغمى عليه وكل من زال عقله مما يعذر به لاغ لسقوط اقوالهم. ولقول النبى ﷺ . رفع القلم عن ثلاث.
عن الصبى حتى يبلغ. وعن النائم حتى يستقيظ وعن المجنون حتى يفيق - ولأنه التزام حق بالقول فلم يصح من الصبى والمجنون كالبيع فان ادعى الصبى البلوغ بالاحتلام أو ادعت الصبية البلوغ بالحيض مع امكان الاحتلام والحيض بأن كانا فى سن يحتمل البلوغ بذلك. وهو تسع سنين تحديدية بالنسبة للاحتلام وتقريبية بالنسبة للحيض صدق كل منهما فيما ادعاه اذ لا يعرف ذلك الا من جهتهما. ولا يعارضه امكان البنية على الحيض لأن فى ذلك عسر. ولا يحلف مدعى البلوغ عليه ان فرضت هنا لا خصومة لأنه ان صدق لم يحتج الى يمين وان لم يصدق فالصبى لا يحلف. وانما يحلف اذا كان هناك اتهام كما اذا كان غازيا فى الجيش وادعى الاحتلام وطلب منهم المقاتلة بعد الحرب وانكره امير الجيش. فأنه يحلف حينئذ لانه هنا يريد مزاحمة غيره فناسب تحليفه .. وأن ادعى البلوغ بالسن طولب باقامة بينة على بلوغه السن المقرر ولو كان غريبا غير معروف لسهولة اقامتها فى الجملة ولا بد فى بينة السن من بيان قدره لاختلاف الفقهاء فى ذلك.
وان كان الشاهد فقيها موافقا للحاكم فى مذهبه يكتفى منه بالشهادة على البلوغ دون تحديد قدر السن. والبينة رجلان أو أربع نسوة يشهدون بولادته يوم كذا.
اما لو ادعى البلوغ واطلق دون بيان الطريق الاحتلام أو السن. فالأوجه بقوله وان كان الاذرعى قد رجح أنه يستقر. ويمكن حمله على الندب وان شهدت البينة.
بالبلوغ من غير تعيين نوع قبلت وان كان الشاهدان فقيهين موفقين لمذهب الحاكم.
واقرار السفيه والمفلس - وهو ما يتفرع على اعتبار المقر غير محجور عليه للسفه والفلس - صحيح بالحدود والقصاص لأنه غير متهم فى ذلك. أما اقرارها بالمال. فلم يذكر
١ - اقرار المحجور عليه للسفه:
ولا يصح من المحجور (١) عليه لسفه حسا بأن بلغ رشيدا ثم طرأ عليه السفه فبذر أو شرعا بأن بلغ سفيها وحجر عليه لا يصح منه بيع ولو بغبطة أو فى الذمة ولا شراء. لأن تصحيح ذلك منه يؤدى الى ابطال معنى الحجر. لأن الحجر هو منع التصرف. ولأن البيع والشراء. اتلاف للمال أو مظنة الاتلاف ولا اعتاق حال حياته ولو بعوض كالكتابة فلو كان بعد الموت كالتدبير صح ولا هبة منه للغير لأن فيها اتلاف المال بخلاف الهبة له
стр. 7234
من واهب رشيد فانها تصح مع كون المخاطب بها سفيها. وبخلاف قبوله الهبة فأنه يصح منه دون الوصية على المعتمد لأنه غير اهل لأن يتملك بعقد وقبوله الوصية تملك وليس القبول فيها فوريا بخلاف قبول الهبة. فأنه ليس بتملك. وانما الملك فيها بالقبض وهو من الولى. ويشترط - اتصال قبولها بالايجاب. وقد يوجد ايجابها مع غيبة الولى.
فكانت المصلحة فى تصحيح قبول الهبة منه.
واذا صح قبول الهبة من السفيه لا يجوز تسليم الموهوب اليه وان سلمه فلا ضمان .. ولا نكاح يقبله لنفسه بغير اذن وليه لانه اتلاف للمال أو مظنة اتلافه. وقوله بغير اذن وليه قيد فى الجميع. وقيل قيد فى النكاح خاصة اذ هو الذى يصح بالاذن دون ما قبله. اما قبول السفيه النكاح لغيره بالوكالة. فصحيح واما الايجاب فى النكاح فلا يصح منه مطلقا لا أصالة ولا وكالة ولو بأذن الولى … فلو اشترى السفيه أو أقترض من غير محجور عليه وقبض بأذنه أى بأذن من تصرف منه أو أقباضه وتلف المأخوذ فى يده قبل المطالبة له برده أو أتلفه هو فلا ضمان عليه فى الحال ولا بعد فك الحجر. لكنه يأثم لأنه مكلف بخلاف الصبى - وقيل يضمن بعد انفكاك الحجر كما حكاه الامام الغزالى وجها وضعفاه .. اما لو بقى المأخوذ فى يد السفيه بعد رشده ثم اتلفه ضمنه. وكذا لو تلف وقد امكنه رده بعد رشده فلو قال مالكه أنما أتلفه بعد رشده.
وقال آخذه: بل قبله. فان اقام بينة برشده حال اتلافه غرمه والا فالمتبادر اخذه بيمينه.
وكل ذلك تفقه وكله صحيح جار على القواعد .. اما اذا قبض ذلك من محجور عليه أو من غيره بغير اذنه أو تلف بعد المطالبة فانه يضمنه والاقتصار على الشراء والقرض مثال. فلو نكح رشيدة مختارة ووطئ لم يلزمه شئ كما نص عليه فى باب النكاح. وسواء فيما ذكر علم حال السفيه من عامله أو جهل بها. لأن من عامله سلطه على اتلافه باقباضه. وكان حقه أن يبحث عنه قبل معاملته .. ويصح بأذن الولى نكاحه ولا يصح اذن الولى التصرف المالى لأن عبارته مسلوبة كما لو اذن الصبى والثانى يصح كالنكاح. وفرق الاول بأن المقصود بالحجر عليه حفظ المال دون النكاح.
ومحل الخلاف اذا عين له وليه وقدر له الثمن والا لم يصح جزما وفيما اذا كان بعوض كالبيع فلو خلا عنه كعتق وهبة لم يصح جزما ويستثنى من الاطلاق المطاعم فيجوز له التصرف فيها للضرورة كما بحثه الامام. وما لو صالح عن قصاص ولو على أقل من الدية لأن له العفو مجانا يستبدل اولى أو عليه ولو على اكثر من الدية صيانة للروح.
ولا يصح اقراره بنكاح كما لا يملك انشاءه ولا بدين فى معاملة اسند وجوبه الى ما قبل الحجر أو الى ما بعده كالصبى. ولا يقبل اقراره بعين فى يده فى حال الحجر وكذا باتلاف المال أو جناية توجب المال فى الاظهر كدين المعاملة. والثانى يقبل لأنه اذا باشر الاتلاف يضمن فاذا أقر به قبل .. ورد بأن الصبى يضمن بأتلافه ولا يقبل اقراره به جزما .. وافهم التعبير بنفى الصحة (ولا يصح) عدم المطالبة به حال المحجور بعد فكه ظاهرا وباطنا. وهو كذلك. ويحمل القول بلزوم ذلك له باطنا اذا كان صادقا. على ما اذا كان سببه متقدما على الحجر أو مضمنا له فيه ..
نعم لو أقر بعد رشده بأنه كان اتلف مالا لزمه
стр. 7235
الآن قطعا .. ويصح اقراره بالحد والقصاص لعدم تعلقهما بالمال .. ولبعد التهمة وسائر العقوبات مثلهما فى ذلك. ولو كان الحد سرقة قطع ولا يلزمه المال. ولو عفا مستحق القصاص بعد اقراره على مال ثلث لأنه تعلق باختيار غيره لا باقراره .. ويصح طلاقه مجانا ورجعته وخلعه زوجته ولو بأقل من مهر مثلها .. ويصح ظهاره وايلاؤه. ونفيه النسب لما ولدته زوجته بلعان أو غيره ونحو ما ذكر كاستيفاء القصاص وحد القذف لأن هذه التصرفات: فيما عدا الخلع. لا تعلق لها بالمال الذى حجر لاجله. واما الخلع فكالطلاق بل هو اولى وهو خاص بالرجل للمعنى المذكور لكن يسلم المال فى الخلع الى وليه. فان كان بطلاق سرى جارية ان احتاج الى الوط ء وقوله بلعان مثال ويصح استلحاقه النسب وينفق عليه من بيت المال ..
ولو اقر باستيلاد امته لم يقبل. نعم لو ثبت كون الموطؤة فراشا له وولدت لمدة الامكان ثبت الاستيلاد. قاله السبكى. لكنه فى الحقيقة لم يثبت بأقراره. اما حجر المفلس والاقرار فيه. فقد جاء فى نهاية المحتاج. ان الاصل فى هذا الحجر ما صح انه ﷺ حجر على معاذ بن جبل رضى الله عنه وباع ماله فى دين كان عليه وقسمه بين غرمائه فاصابهم خمسة اسباع حقوقهم. فقال لهم النبى ﷺ . ليس لكم الا ذلك. ثم بعثه الى اليمن وقال له: لعل الله يجبرك ويؤدى عنك دينك. فلم يزل باليمن حتى توفى النبى ﷺ ومن عليه ديون لآدمى لازمة حالة زائدة على ماله يحجر عليه وجوبا بسؤال الغرماء ولو بنوابهم كأوليائهم لأن الحجر لحقهم أو بسؤال المفلس نفسه فلا حجر بدين الله تعالى ولو حالا. ولا بالدين المؤجل لأنه لا يطالب به فى الحال ولا يغير الزائد على المال. والحاجر على المفلس هو الحاكم دون غيره لاحتياجه للنظر والاجتهاد وفى الحجر مصلحة للغرماء فقد يخص بعضهم بالوفاء فيضر الباقين وقد يتصرف فى المال فيضيع حق الجميع وان كانت الديون بقدر المال فان كان كسوبا ينفق من كسبه فلا حجر لعدم الحاجة بل يلزمه الحاكم بقضاء الدين كأن امتنع أكرهه عليه. وان التمس الغرماء الحجر عليه فى حالة الامتناع حجر عليه فى اظهر الوجهين وان زاد ماله على دينه.
وان لم يكن كسوبا وكانت نفقته من ماله فكذلك لا حجر عليه فى الاصح. والثانى يحجر عليه كيلا يضيع ماله فى النفقة واشهد الحاكم استحبابا على حجره واشهره بالنداء ليحذر الناس من معاملته. ولو تصرف المحجور تصرفا ماليا بأن ابتاع أو اشترى بالعين أو وهب واعتق أو وقف أو أجر أو كاتب ففى قول بوقف تصرفه. فان فصل ذلك عن الدين لارتفاع القيمة أو ابراء الغرماء أو بعضهم نفذ التصرف أى ظهر انه كان نافذا والا لغا والاظهر بطلانه فى الحال ويصح نكاحه ورجعته وطلاقه وخلعه زوجته واستيفاؤه القصاص واسقاطه ولو مجانا ولا يصبح استلحاقه النسب.
ولو أقر بعين مطلقا أو دين وجب قبل الحجر بنحو معاملة أو اتلاف فالأظهر قبوله فى حق الغرماء كما لو ثبت بالبينة. وكأقرار المريض بدين يزاحم غرماء الصحة ولانتفاء التهمة الظاهرة - وعلى هذا لو طلب الغرماء تحليفه على ذلك لم يحلف على الأصح اذ لا يقبل رجوعه عنه. والفرق بين الانشاء
стр. 7236
والاقرار أن مقصود الحجر منع التصرف فالغى انشاؤه والاقرار اخبار والحجر لا يسلب العبارة عنه ويثبت عليه الديون بنكوله عن الحلف مع حلف المدعى كاقراره. والثانى لا يقبل اقراره فى حقهم لئلا يضرهم بالمزاحمة .. لانه ربما واطأ المقر له. وان اسند وجوب الدين الى ما بعد الحجر اسنادا معللا بمعاملة أو مطلقا لم يقبل منه فى حق الغرماء لئلا يزاحمهم صاحب الدين بل يطالب به بعد فك الحجر لتقصير من عامله فى حالة الاسناد الى معاملته ولتنزيل الاقرار على اقل المراتب وهو دين المعاملة فى حالة الاطلاق. فلو لم يسند وجوبه الى ما قبل الحجر ولا لما بعده. قال الرافعى:
قياس المذهب تنزيله على الاقل. وهو جعله كأسناده الى ما بعد الحجر وان قال: ان الدين وجب عن جناية ولو بعد الحجر قبل فى الاصح فيزاحم المجنى عليه الغرماء لانتفاء تقصيره والثانى لا يقبل كما لو قال عن معاملة وحاصله: ان ما لزمه بعد الحجر. ان كان برضا مستحقه لم يقبل فى حقهم والا قبل وزاحم الغرماء .. وللمحجور عليه لفلس أن يرد بالعيب أو الاقالة ما كان اشتراه قبل الحجر ان كانت الغبطة فى الرد لأنه ليس تصرفا مبتدأ بل هو من احكام البيع السابق. والحجر لا يسرى عكس ما مضى ولانه أحظ له والغرماء والاصح تعدى الحجر بنفسه دون توقف على حكم القاضى - الى ما حدث بعده بالاصطياد والهبة والوصية - وهذا هو الراجح لأن مقصود الحجر وصول الحقوق الى أربابها وذلك لا يختص بالوجود. والثانى لا يتعدى الى ما ذكر.
٤ - اما اقرار الرقيق وهو ما يتفرع على اعتبار الحرية فى المقر - ففيه التفصيل الآتى:
يقبل اقرار الرقيق بما يوجب عقوبة كقود وحد كزنا وشرب خمر وسرقة بالنسبة للقطع اما بالنسبة للمال فثبت فى ذمته تالفا كان أو باقيا. وذلك لبعد التهمة فى هذا الاقرار لأن النفوس مجبولة على حب الحياة والاحتراز عن الضرر وما يوجب الألم بقدر الامكان - ولو عفا ولى الدم عن القود على مال تعلق برقبته وان كذبه السيد لأنه وقع تبعا - ولو أقر بدين جناية لا توجب عقوبة أى حدا أو قودا كجناية خطأ أو غصب أو اتلاف أو أوجبت العقوبة كسرقة فكذبه السيد فى هذا الاقرار أو سكت ولم يصدقه تعلق الدين المقر به بذمته دون رقبته للتهمة فيتبع به اذا عتق ..
وان صدقه السيد ولم يكن جانيا جناية أخرى ولا مرهونا تعلق الدين المقر به برقبته فيباع فيه الا أن يعذبه السيد بأقل الامرين من قيمته وقدر الدين. ولا يتبع بما بقى بعد عتقه لأن ما تعلق بالرقبة منحصر فيها .. وان أقر بدين معاملة الى تجارة وهو ما وجب فرضا مستحقه لم يقبل اقراره على السيد ولو صدقه فلا يتعلق الدين برقبته بل يتعلق بذمته ويتبع به بعد عتقه. وهذا اذا لم يكن الرقيق المقر مأذونا له فى التجارة. فأن كان ماذونا له فى التجارة يقبل اقراره بدين التجارة لأنه قادر على الانشاء … ولهذا لو حجر عليه لم يقبل وان اضافه الى زمن الاذن لعجزه عن الانشاء حينئذ يتعلق بذمته ما لم يصدقه السيد. والا تعلق مكسبه وما فى يده … اما اذا اقر بدين لا يتعلق بالتجارة كالقرض فلا يقبل منه على السيد الا أن يصدقه فيقبل ويتعلق بكسبه وما فى يده … ويؤدى الرقيق ما لزمه من الدين من كسبه بنحو شراء صحيح لا فاسد لعدم تناول الاذن
стр. 7237
له. وما فى يده من مال واقرار المبعض بالنسبة لبعضه القن كالقن وبالنسبة لبعضه الحر كالحر .. والاوجه خلافا لبعض المتأخرين ان ما لزم ذمته فى نصفه الرقيق يجب تأخير المطالبة به الى العتق اذ لا يتعلق بما ملكه بنصفه الحر فاقتضى الحال تأخير المطالبة به (١).
وجاء فى المهذب (٢): ويصح اقرار العبد بالحد والقصاص لأن الحق عليه دون مولاه. ولا يقبل اقرار المولى عليه فى ذلك لأن المولى لا يملك من العبد الا المال .. وان جنى رجل على عبد جناية توجب القصاص أو قذفه قذفا يوجب التعزير ثبت القصاص والتعزير له. وله المطالبة به والعفو عنه وليس للمولى المطالبة ولا العفو عنه لأنه حق غير مال فكان له دون المولى … ولا يقبل اقرار العبد بجناية الخطأ لأنه ايجاب مال فى رقبته. ويقبل اقرار المولى عليه لأنه ايجاب حق فى ماله ..
ويقبل اقرار العبد المأذون له فى دين المعاملة ويجب قضاؤه من المال الذى فى يده لأن المولى سلطه عليه بالاذن. ولا يقبل اقرار غير المأذون فى دين معاملة فى الحال ويتبع به اذا عتق لأنه لا يمكن أخذه من رقبته لأنه لزمه برضا من له الحق وان أقر بسرقة مال لا يجب فيه القطع بان كان دون النصاب أو من غير حرزه وصدقه المولى وجب التسليم بأن كان باقيا. وتعلق برقبته ان كان تالفا لأنه لزمه بغير رضى صاحبه وان كذبه المولى كان فى ذمته يتبع به اذا عتق وان وجب فيه القطع قطع لأنه غير متهم فى ايجاب القطع. وفى المال قولان
٥ - وأما اقرار السكران - وهو ما يتفرع على اعتبار الصحو فى المقر - فان كان سكره بسبب مباح كمن يسكر من الدواء أو يشرب مكرها - فأنه يكون كالمجنون يلغو اقراره ولا يعتبر ولا يترتب عليه اثر. وان كان سكره بسبب محظور كمن يتعاطى الخمر أو المسكر وهو يعلمه وليس مكرها ولا مضطرا. فأن اقراره يعتبر ويكون صحيحا. وتترتب عليه الاثار مؤاخذة له وزجرا عن ارتكاب المحظور كطلاقه يقع منه زجرا وعقابا له (٣).
٦ - الاختيار - فلا يصح اقراره المكره بما اكره عليه بغير حق لقوله تعالى - الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان - جعل الاكراه مسقطا لحكم الكفر فبالأولى ما عداه يسقط حكمه بالاكراه. ولقول النبى ﷺ : رفع عن آمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. ولانه قول اكره عليه بغير حق فلم يصح كالبيع .. وصورة اقرار المكره أن يضرب ليقر بالحق المدعى به. فلو ضرب ليصدق فى قضية اتهم فيها فأقر بالتهمة فأن اقراره يكون صحيحا سواء اقر فى حال الضرب أو بعده ويلزمه ما اقر به لأنه لا يعتبر مكرها اذ المكره من اكره على شئ واحد. وهذا لم يكره على الاقرار بل اكره على الصدق ولم ينحصر الصدق فى الاقرار. لكن يكره شرعا الزامه بمقتضى هذا الاقرار حتى يراجع ويقر ثانيا
وقال الاذرعى: الولاة فى هذا الزمان يأتيهم من يتهم بسرقة أو قتل أو نحوهما فيضربونه ليقر بالحق ويراد بذلك الاقرار بما ادعاه خصمه .. والصواب ان هذا اكراه سواء
стр. 7238
اقر فى حال ضربه أم بعده أن علم انه ان لم يقر بذلك ضرب ثانيا. وهذا مسلم ومتعين.
ولو اقر بشئ وذكر انه مختار فيه ونقله طواعية لم تقبل بينته بأنه كان مكرها الا أن يثبت انه كان مكرها حتى على الاقرار بالطواعية والاختيار قال ابن عبد السّلام فى فتاويه واذا فصل دعوى الاكراه صدق فيها ان ثبتت قرينة تدل عليه كحبس بدار ظالم وكتقييد. قال القفال ويسن أن لا تشهد بينة بالأقرار حيث دلت قرينة على الاكراه. وان شهدت تكتب صورة الحال لينتفع المكره بذكر القرينة وذكر السبكى انه تحرم الشهادة على مقيد أو محبوس (١).
(٧) واذا ادعى المقر انه كان كاذبا فى اقراره لا تقبل منه هذه الدعوى ويؤخذ بما أقر به (٢).
واقرار المريض مرض الموت:
وهو ما يتفرع على اعتبار المقر غير مريض مرض الموت ففيه التفصيل الآتى:
يصح اقرار المريض مرض الموت لاجنبى بمال عينا كان او دينا كاقرار الصحيح ويكون من رأس المال بالاجماع كما قاله الغزالى ويكون للوارث تحليف المقر له على الاستحقاق فان نكل المقر له عن الحلف حلف الوارث وبطل الاقرار خلافا للقفال .. وذكر فى مغنى المحتاج ان ابن الملقن حكى ان الوارث لو اراد تحليف المقر له الاجنبى لم يكن له ذلك كرأى القفال - .. وكذا يصح اقرار المريض لوارث حال الموت بمال عينا كان او دينا كالاجنبى على المذهب وان كذبه بقية الورثة او بعضهم لان الظاهر انه محق لانتهائه الى حالة يصدق فيها الكاذب ويتوب الفاجر وفى قول لا يصح لانه متهم بحرمان بعض الورثة. والطريق الثانى فى القطع بالقبول دون خلاف ..
واختار جمع عدم قبوله ان اتهم لفساد الزمان بل قد تقطع القرائن بكذبه. قال الاذرعى فلا ينبغى لمن يخشى الله ان يقضى ويفتى بالصحة ولا شك فيه اذا علم ان قصده الحرمان. وقد صرح جمع بالحرمة حينئذ وانه لا يحل للمقر له اخذه .. ولبقية الورثة تحليف المقر له انه اقر له بحق لازم يلزمه الاقرار به فأن نكل حلف وقاسموه .. ولا يسقط اليمين بأسقاطهم فأن ارادوا التحليف بعد الاسقاط جاز صرح به جمع. ويجرى الخلاف فى اقرار الزوجة بقبض صداقها من زوجها فى مرض موتها .. ويصح اقرار المريض بنحو عقوبة او نكاح جزما وان افضى الى مال ولو كان للمريض دين على وارثه ضمنه به اجنبى فأقر المريض بقبض هذا الدين من الورثة لم يبرأ الوارث منه وفى براءة الاجنبى الضامن وجهان أوجههما انه يبرأ ونظر بعضهم فى عدم براءة الوارث اذ هذا لا يزيد على الاقرار له بالدين. وقد تقدم انه يصح ..
ولو أقر فى صحته بدين لشخص وفى مرضه بدين لآخر لم يقدم الاول بل يساوا الدينان كما لو اقر بهما فى الصحة او المرض .. ولو أقر فى صحته أو مرضه بدين لشخص وأقر وارثه بعد موته بدين لاخر لم يقدم الاول فى الاصح لان اقرار الوارث كاقرار المورث فكأنه اقر بالدينين ويتساويان. والثانى يقدم الاول لانه بموت المورث المقر تعلق بالتركة فليس للوارث صرفها عنه ولو أقر الوارث لمشاركة فى الارث وهما يرثان كل التركة
стр. 7239
كزوجة وابن اقر لهما بدين على ابيه وهى مصدقة له. ضاربت بسبعة أثمان الدين مع أصحاب الديون لأن الاقرار صدر ممن عبارته نافذة فى سبعة اثمان فعملت عبارته فيها كعمل عبارة الحائز فى الكل.
ولو ادعى انسان على الوارث ان مورثه أوصى له بثلث ماله مثلا. وادعى آخر بأن له عليه دينا مستغرقا .. وصدق الوارث مدعى الوصية ثم مدعى الذين المستغرق او بالعكس او صدقهما معا. قدم الدين كما لو ثبتا بالبينة .. ولو أقر المريض لانسان بدين ولو مستغرقا ثم أقر لآخر بعين قدم صاحبها كعكسه لان الاقرار بالدين لا يتضمن حجرا فى العين بدليل نفاذ تصرفه فيها بغير تبرع - .. ولو أقر بأعتاق أخيه. فى الصحة عتق وورث ان لم يحجبه غيره ولو أقر باعتاق عبد فى الصحة وعليه دين مستغرق لتركته عتق العبد لان الاقرار اخبار لا تبرع (١).
ويشترط لصحة الاقرار ايضا الا يكذب المقر له المقر فى اقراره. فان كذبه فيه بطل الاقرار وترك المال المقر به فى يد المقر ان كان عينا ولم يطالب بالدين او كان المقر به دينا فى الاصح لان يده مشعرة بالملك ظاهرا ..
والاقرار الطارئ عارضه التكذيب فسقط.
ومن ثم كان المعتمد ان يده تبقى عليه يد ملك لا مجرد استحفاظ والثانى ينزعه الحاكم من يده ويحفظه الى ظهور مالكه .. واذا بقى المال فى يد المقر على الاصح قال الزركشى فينبغى ان يجوز له جميع التصرفات فى هذا المال ما عدا الوط ء لاعترافه بتحريم ذلك عليه بل ينبغى أن يمتنع عليه جميع التصرفات حتى يرجع عن الاقرار. ويرد بأن التعارض المذكور أوجب له العمل بدوام الملك ظاهرا فقط.
واما باطنا فالمدار فيه على صدقه وعدم صدقه ولو ظنا. فان رجع المقر فى حال تكذيب المقر له اياه وقال: غلطت فى الاقرار أو تعمدت الكذب قبل قوله فى الاصح لما مر من ان يده عليه يد ملك. والثانى لا يقبل بناء على ان الحاكم ينزعه منه ويحفظه الى ظهور مالكه. اما لو رجع المقر له عن تكذيب المقر وصدقه فى الاقرار وطالبه بالمقر به - فانه لا يقبل منه ولا يصرف اليه المقر به الا باقرار جديد يصدقه فيه لأن نفيه عن نفسه بطريق المطالبة ونفى المقر عن نفسه كان بطريق الالتزام فكان اضعف فصح منه الرجوع دون المقر له .. وتكذيب وارث المقر له كتكذيبه حتى لو اقر الشخص لميت او لمن مات بعد الاقرار تكذب الوارث المقر فى الاقرار بطل الاقرار فى حقه اما فى حق غيره فيصح كما لو اقر بجناية على المرهون وكذبه المالك. فانه وان لم يصح فى حق المالك صح فى حق المرتهن حتى يستوثق بأرشها ولو أقرت له امرأة بالنكاح وانكر سقط حقه. قال المتولى: حتى لو رجع بعد الانكار وادعى نكاحها لم تسمع دعواه ما لم يدع نكاحا مجردا. وانما احتيج الى ذلك لانه يعتبر فى صحة اقرار المرأة بالنكاح تصديق الزوج لها فأحتيط له بخلاف غيره ..
ولو اقر لاخر بقصاص او حد قذف وكذبه المقر له سقط وكذا حد سرقة وبالنسبة للمال فيها يترك فى يده (٢).
стр. 7240
شروط المقر له:
ويشترط لصحة الاقرار فى المقر له ما يأتى:
(١) ألا يكون المقر له مجهولا جهالة فاحشة تمنع من مطالبته بالمقر به. وذلك بأن يكون معروفا بعينه نحو ان يقول: لزيد على الف درهم. او مجهولا جهالة يسيرة بحيث يمكن تعيينه ومطالبته بالمقر به نحو ان يقول مخاطبا عشرة اشخاص او مشيرا اليهم: لواحد من هؤلاء العشرة على الف درهم فأنه يصح الاقرار. ويطلب اليه البيان والتعيين. اما اذا كان مجهولا جهالة فاحشة بحيث لا يمكن تعيينه كأن يقول: لواحد من الناس على الف درهم او لواحد من البلد على الف درهم.
وكان اهل البلد غير محصورين اى كثيرين.
فان الاقرار لا يصح. ولو قال واحد من أهل البلد: أنا المعنى بهذا الاقرار ولى عليك الف درهم. يصدق المقر بيمينه فيما يقوله. ولو اقر بعين لمجهول كعندى مال لا أعرف مالكه لواحد من أهل البلد وكانوا غير محصورين نزع منه المال المقر به اى نزعه منه ناظر بيت المال لانه اقرار بمال ضائع وهو لبيت المال ..
والاوجه تقييد ذلك بما اذا لم يدع او تقم قرينة على انه لقطة. والا لم ينزع من يده.
(٢) أن يكون المقر له اهلا لاستحقاق المقر به حسا او شرعا والا لا يصح الاقرار اذ الاقرار بدون توفر ذلك يكون كذبا. فلو قال: له على الالف الذى فى هذا الكيس وليس فيه شئ فان الاقرار يكون لغوا لان الحس يكذبه. ولو قال: لهذه الدابة على كذا يكون الاقرار لغوا ايضا لانتفاء أهلية استحقاق الدابة شرعا لعدم قابليتها للملك حالا ومآلا. ولا يتصور منها تعاطى بيت الملك كالبيع مثلا ونحوه. نعم لو اضافه الى سبب ممكن كاقرار بمال من نحو وصية صح كما قال له الماوردى. ومحل بطلان الاقرار للدابة انما هو فى المملوكة لشخص كما قال الاذرعى أما الاقرار لخيل مسبلة فالأشبه فيه الصحة ويحمل على انه من غلة وقف وقف على الخيل المقر لها او وصية لها. وبذلك صرح الرويانى واقتضى كلامه انه لا خلاف فيه ولو قال: على لهذه الدابة بسببها لمالكها مائة درهم صح الاقرار ولزمه المقر به لامكان ذلك لها بسبب جناية عليها او بسبب استيفاء منفعتها باجارة او غصب. ويحيل مالكها فى كلامه على مالكها حال الاقرار لانه الظاهر. فان اراد مالكا غيره قبل منه. ولو لم يقل لمالكها لم يحكم بذلك لمالكها حال الاقرار بل يرجع فى التعيين الى المقر ويعمل بتفسيره .. وليس فى ذلك ابهام للمقر له يمنع من صحة الاقرار لانه ربط اقراره بمبين وهو هذه الدابة فصار المقر معلوما متبعا فأكتفى به. بخلاف ما اذا قال: لرجل من اهل هذه البلدة على كذا ولم يكونوا محصورين لان البلدة على كذا وان عينت كالدابة لكنها ليست سببا للاستحقاق فلم تصلح للاستتباع .. ولو قال لحمل هند على او عندى كذا بأرث من ابيه مثلا او وصية له مقبولة من فلان او لغيرها مما يمكن فى حق الحمل صح الاقرار ولزمه المقر به لان ما اسنده اليه من الارث والوصية ممكن. والخصم فى ذلك ولى الحمل بعد الوضع .. ثم ان انفصل الحمل ميتا أو حيا لاكثر من اربع سنين من وقت الاستحقاق مطلقا سواء كانت أمه فراشا أولا أو لستة أشهر فأكثر وهى فراش لم يستحق شيئا مما أقر به
стр. 7241
له ويكون المقر به لورثة المورث او الموصى أو لغيرهم مما اسند اليه. وان انفصل حيا لدون ستة أشهر من حين سبب الاستحقاق او لستة اشهر فأكثر الى اربع سنين ولم تكن أمه فراشا استحق المقر به .. ثم ان استحقه بوصية فله الكل ذكرا كان او انثى. وان استحقه بارث من الاب فله الكل ايضا ان كان ذكرا وان كان انثى فلها النصف. وان ولدت ذكرا وانثى معا فهو بينهما بالسوية ان اسنده الى وصية وأثلاثا للذكر مثل حظ الانثيين ان اسنده الى ارث وان اسده الى جهة لا تمكن فى حق الحمل كأن يقول: لحمل فلانه على او عندى كذا أو اقرضنى او باعنى به شيئا فان الاقرار يكون لغوا للقطع بكذبه فى ذلك اذ لا يتصور أن يقرضه او يبيعه الحمل شيئا وقطع بذلك فى المحرر وصححه فى الروضة .. والذى فى الشرحين فيه طريقان اصحهما القطع بالصحة والثانى على القولين فى تعقيب الاقرار بما يرفعه .. وان اطلق الاقرار ولم يسنده الى شئ ممكن او غير ممكن صح فى الاظهر وحمل على جهة ممكنة فى حق الحمل وان ندر حملا لكلام المكلف على الصحة بقدر الامكان .. والثانى لا يصح لان الغالب ان المال لا يجب الا بمعاملة او جناية. والمعاملة مع الحمل ممتنعة ولا جناية عليه. فيحمل الاطلاق على الوعد وعلى القول بالصحة فى هاتين الحالتين ان الفصل الحمل ميتا فلا شئ له للشك فى حياته. فيسأل القاضى المقر حسبة عن جهة اقراره من ارث او وصية لينقل الحق الى مستحقه. وان مات المقر قبل البيان بطل الاقرار كما صرح به البغوى.
وان انفصل جاء للمدة المعتبرة شرعا فالكل له ذكرا كان او انثى وان جاء ذكرا او انثى فهو لهما بالسوية. وان القت حيا وميتا جعل المال كله للحى لان الميت كالمعدوم .. والاقرار للمسجد والرباط والقنطرة كالاقرار للحمل.
وان أقر لطفل واطلق صح قطعا لانه من اهل المعاملة بواسطة وليه.
شروط المقر به:
يشترط فى المقر به لصحة الاقرار ما يأتى:
(١) ان يكون مما تجوز المطالبة به - اى مما يجرى فيه التمانع بين الناس ويقصد ملكه والانتفاع به. فلو كان مما يجرى فيه التمانع ككف حنطة وحفنة تراب فلا يصح الاقرار به.
(٢) الا يكون فى عبارة الاقرار ما يدل على انه ملك للمقر حين الاقرار لان الاقرار ليس ازالة لملك المقر عن المقر به واثباته للمقر له. وانما اخبار بأن المقر به ملك للمقر له من اول الامر فلابد من تقديم المخبر عنه على الخبر - فلو قال: دارى او ثوبى او دارى التى اشتريتها لنفسى لزيد أو دينى الذى على زيد لعمرو. فهو لغو، لان الاضافة اليه تقتضى ان الملك فى المقر به ثابت له فيتنافى اقراره به لغيره اذ هو اخبار بسابق عليه.
فيحمل على انه وعد بالهبة .. ولو قال:
مسكنى او ملبوسى او الدار التى اسكنها او الثوب الذى البسه لزيد. يصح ويكون اقرارا تترتب عليه اثاره اذ الاضافة والوصف هنا لا يدلان على الملك فقد يسكن الانسان او يلبس غير ملكه. ومن ثم لو اراد بالاضافة فى قوله: دارى لزيد اضافة سكنى صح الاقرار كما قال البغوى فى فتاويه ويحث
стр. 7242
الاذرعى استفساره عند الاطلاق والعمل بقوله ولو قال: هذا الثوب لفلان وكان ملكى الى أن اقررت به. فأول كلامه وهو قوله: هذا الثوب لفلان - اقرار صحيح. وآخره وهو قوله - وكان ملكى الى ان اقررت به. - لغو فيطرح آخره ويعمل بأوله لاشتماله على جملتين مستقلتين.
(٣) ان يكون المقر به من الاعيان فى يد المقر حسا او حكما - كالمعار او المؤجر تحت يد غيره ليسلم بالاقرار الى المقر له.
لانه اذا لم يكن فى يده يكون اما مدعيا او شاهدا بغير لفظيهما فلم يقبل .. واشتراط كون المقر به بيد المقر انما هو بالنسبة لاعمال الاقرار وترتيب حكمه عليه وهو التسليم وليس شرطا لصحة الاقرار حتى يقال: انه يكون لاغيا. بل الاقرار يقع صحيحا. ومتى حصل المقر به بيد المقر لزمه تسليمه الى المقر له. ويستثنى مما ذكر ما لو باع شخص عينا بشرط الخيار للبائع والمشترى معا ثم ادعى رجل المبيع لنفسه فأقر البائع فى مدة الخيار بأن المبيع له فأن الاقرار يكون صحيحا وينفسخ البيع لان له الفسخ فصح اقراره ..
واشتراط ان يكون المقر به فى يد المقر. ان يكون فى يده لنفسه فلو كان فى يده بصفته نائبا عن غيره كناظر وقف وولى محجور لم يصح اقراره .. وقيد بالعين لان الدين لا يأتى فيه ما ذكر. لكن ذكر فى حاشية الشبراملسى ان الوارث لو أقر فى حياة مورثه بأن ما يورثه على زيد لا يستحقه ثم مات مورثه وصار الدين للوارث المقر بمقتضى اقراره فليس له مطالبة المدين بالدين. فلو اقر ولم يكن المقر به فى يده ثم صار فى يده بعد ذلك عمل بمقتضى الاقرار ولزمه أن يسلمه الى المقر له فى الحال .. فلو اقر بحرية عبد معين فى يد غيره او شهد بحريته ثم اشتراه لنفسه او ملكه بوجه آخر من وجوه الملك حكم بحرية العبد بعد انقضاء مدة خيار البائع وهو وقت استقرار الملك للمشترى وترفع يد المشترى عنه لوجود الشرط. وهذا اذا اشتراه لنفسه اما لو اشتراه لغيره كالوكيل يشتريه لموكله لم يحكم بحريته لان الملك يقع للموكل ابتداء (١).
شروط الصيغة:
يشترط فى صيغة الاقرار ما يأتى:
(١) ان تكون لفظا او كتابة ولو من القادر على النطق والكلام او اشارة من اخرس فان ذلك كله يستعمل فى الاقرار ويدل عليه.
واللفظ هو الاداة الاصلية والاولى للاقرار بل هو الاداة الاصلية والاولى للاعراب عن ما فى النفس وأداء ما يريده الانسان ويجول بخاطره وهذا قدر لا يخالف فيه احد واللفظ اما ان يدل على الاقرار دلالة صريحة كقول الشخص لزيد على او عندى او فى ذمتى كذا ونحو ذلك من العبارات والصيغ المتفق على انها صريحة فى الاقرار .. واما ان يدل على الاقرار بطريق الدلالة والمفهوم بناء على الاصح المقرر فى الاصول من ان المفهوم يعمل به فى غير اقوال الشارع كما صرحوا به فى اكثر مسائله كأن يقول شخص لآخر: اقرضتك كذا فيقول المخاطب: ما اقترضت الا هو فأن
стр. 7243
هذا التعبير اقرار بالاقتراض اذ هو فى قوله ما اقترضت الا هو وثبوت الاقتراض بذلك من اعلى المفاهيم .. وهذا صريح فى العمل فى الاقرار بالمفهوم ولا خلاف فى اختيار ذلك والعمل به فى الفاظ وعبارات اطرد العرف فى استعمالها مرارا منها ذلك .. وانما الخلاف فى مفهوم لفظ لم يطرد العرف فى استعماله مرادا منه الاقرار.
(٢) ان تسفر الصيغة سواء كانت لفظا صريحا او دلالة او كانت كتابة او اشارة بالالتزام بالحق المقر به - كأن يقول: لزيد على او عندى او فى ذمتى كذا ويقتصر على ذلك. فأنه صريح فى الالتزام بالحق المقر به او ان يقول: لزيد على الف فيما أعلم او أشهد أو اتيقن فان ذلك يدل على التيقن بالالتزام والعلم بالشهادة به فاذا لم تدل الصيغة على الالتزام فان اشتملت ما يدل على عدم الجزم بالالتزام فان الاقرار لا يصح ويكون لغوا ولا يطالب المقر بالمقر به وذلك مثل ان يقول لزيد على أو عندى أو ذمتى كذا فيما احسب أو أظن لان المطلوب فى الاقرار اليقين او الظن الغالب وما ذكر يدل على مجرد الظن فلا يعمل به.
والصيغ التى تستعمل فى الاقرار لا تجرى كلها على نسق واحد ولا تتفق فى دلالتها على متعلق الاقرار أى المقر به. بل ان من هذه الصيغ ما يدل على الاقرار بالدين ومنها ما يدل على الاقرار بالعين ومنها ما يصلح للدلالة على الاقرار بهما وفى هذه الحالة يرجع الى المقر فى التفسير وتعيين المقر به.
وذلك اخذا من معانى الالفاظ اللغوية او ما جرى به استعمالها عرفا وملاءمة هذه المعانى للتعلق بالدين او بالعين فقد قالوا: ان قول الشخص: لزيد كذا .. صيغة اقرار صحيح يدل على الالتزام ويترتب عليه اثره وهو لزوم التسليم تسليم المقر به للمقر له .. ووجهه الاسنوى بأن اللام فى قوله - لزيد. تدل على الملك. ومحله كما قال هو وغيره اذا كان المقر به معينا كهذا الثوب بان يقول: هذا الثوب او هذا العبد لزيد - فان الاقرار يكون صحيحا ويجب ان يسلم المقر به للمقر له ان كان بيده او انتقل اليها بعد ذلك ..
اما اذا كان المقر به غير معين كألف او ثوب فلابد لصحة الاقرار ان ينضم الى العبارة لفظ من الالفاظ التى تدل على الالتزام بالدين كأن يقول على او فى ذمتى الف لزيد. أو يقول معى او عندى لزيد ثوب. لانه بدون هذا الضم يكون مجرد خبر لا يقتضى لزوم شئ للمقر ولا يشعر بالالتزام بشئ .. ثم انه اذا اضاف المقر لفظا من هذه الالفاظ المشعرة بالالتزام ولكنه عقب عبارة الاقرار ووصل بها ما يخرجها عن الاقرار كان يقول لزيد على الف بعد موتى او ان فعل كذا لنا الاقرار ولا يلزمه شئ كما بحثه الاذرعى.
وقول المقر: على او فى ذمتى يستعمل فى الاقرار بالدين الملتزم به فى الذمة لانه المتبادر منه عرفا وهذا عند الاطلاق فان ادعى ارادته العين قبل منه فى لفظ: على فقط لامكانه بالنسبة له اى على حفظها. وسيأتى أنه اذا فسر فى قوله: لزيد على كذا - بالوديعة يقبل منه هذا التفسير.
وقول المقر: معى او عندى. يستعمل فى الاقرار بالعين لانهما ظرفان فيعمل كل
стр. 7244
منهما عند الاطلاق على عين له بيده. فأن ادعى انها رومية وانها تلفت او انه ردها صدق بيمينه.
وقول المقر: قبلى بكسر القاف وفتح الباء صالح للاستعمال فى الاقرار بالدين والعين كما جرى عليه ابن المقرى تبعا لما رجحه الشيخان بحثا بعد نقلهما عن البغوى انه للدين .. قال الاسنوى ولو اتى بلفظ يدل على العين واخر يدل على الدين كأن يقول - لزيد على ومعى عشرة فالقياس انه يرجع اليه فى تفسير بعض ذلك بالعين وبعضه بالدين.
ولو قال شخص لآخر: لى عليك الف أو اقض الالف الذى لى عليك، فقال المخاطب زن او خذ او زنه او خذه او أختم عليه او اجعله فى كيسك. أو هى صحاح او مكسرة فان هذا الجواب لا يعتبر اقرارا بالحق المدعى لانه ليس بالتزام وانما يذكر فى معرض الاستهزاء .. ولو قال المخاطب فى الجواب:
بلى او نعم أو صدقت. أو ابرأتنى منه أو قضيته او انا مقر به أو لا أنكر ما تدعيه. فان هذا الجواب يعتبر اقرارا صحيحا بالمدعى به ويلزم المقر ما اقر به لان قوله: بلى او نعم او صدقت موضوع للتصديق.
نعم لو اقترن واحد من هذه الالفاظ بقرينة استهزاء كأن يورد الكلام مع الضحك او هز رأسه مما يدل على التعجب والانكار لم يكن اقرارا .. ولان قوله أبرأتنى او قضيته فلأنه قد اعترف بشغل ذمته بالمدعى به وادعى الاسقاط بالابراء أو القضاء. والاصل عدمه فلا يصدق فيه الا أن يقدم دليلا يثبت ذلك فيقبل منه ولا يعتبر اقرارا .. ولو حذف الضمير من الاجابة بالابراء فقال: أبرأتنى لم يكن اقرارا لاحتماله الابراء من الدعوى وهو لغو. وكذا لو قال فى الجواب أقر انه أبرأنى أو استوفى منى لا يكون اقرارا.
كما أفتى به القفال. وهى حيلة لدعوى البراءة مع السلامة من الالتزام .. وقوله: انا مقر به اعتبر اقرارا لان الضمير فى به عائد الى الالف المدعى بها فلا حاجة لقوله. لك ..
ولو قال فى الجواب: ان شهدا على بما تدعيه صدقتهما او فهو عندى لم يكن اقرارا لانتفاء الجزم - اما لو قال ان شهدا على بكذا فهما صادقان فهو اقرار بالحق المدعى لانهما لا يكونان صادقين الا ان يكون عليه المدعى به الان به فيلزمه وان لم يشهدا عليه ولو قال من شهد عليه بالحق: هو عدل أو صادق فليس اقرار الا اذا قال - فيما شهد به ولو قال فى جواب الكلام المتقدم: أنا مقر ولم يقل به. أو أنا اقر به فليس بأقرار. لان الاول يصدق بأقراره ببطلان ما يدعيه او بوحدانية الله تعالى. ولان الثانى يحتمل الوعد بالاقرار فى ثانى الحال .. فان قيل لو قال: لا أنكر ما تدعيه كان اقرارا مع احتمال الوعد بعدم الانكار. فهلا كان قوله - أنا أقر به كذلك أجيب بأن العموم الى النفى اسرع منه الى الاثبات بدليل النكرة فانها تعم فى حيز النفس دون الاثبات، واجيب أيضا بأن المفهوم عرفا من قوله. لا انكر ما تدعيه انه اقرار بخلاف قوله: انا اقر به.
ولو قال المدعى: أليس لى عليك كذا.
او هل لى عليك كذا. فقال المخاطب: بلى او
стр. 7245
نعم فهو اقرار بالحق المدعى به. لانه المفهوم من ذلك .. وفى الاجابة بنعم وجه آخر انه ليس باقرار لانه موضوع لتصديق النفى المستفهم منه بخلاف بلى فانها رد للنفى ونفى النفى اثبات. ولهذا جاء عن ابن عباس رضى الله عنهما فى آية (ألست بربكم) لو قالوا نعم لكفروا .. ورد هذا الوجه بان الاقارير ونحوها مبنية على العرف المتبادر من اللفظ لا على دقائق العربية. ولا فرق فى ذلك بين النحوى وغيره واختار الغزالى فى المستجدل التفصيل بين النحوى وغيره.
ولو قال المتكلم: أقضى الالف الذى لى عليك او اخبرت ان لى عليك الفا. فقال المخاطب فى جوابه: نعم او بلى او أى لفظ بمعنى نعم او اقضى غدا أو امهلنى يوما أو حتى اقعد أو افتح الكيس أو أجد المفتاح. فان هذا الجواب يعتبر اقرارا فى الاصح ويلزم المجيب بالمقر به ان يسلمه ان كان فى يده او ينتقل اليها لان هذا هو المفهوم من هذه الالفاظ … والثانى لا يكون اقرارا لانها ليست صريحة بالالتزام.
قال الاسنوى: وما ذكر من اللزوم فى جوابه بقوله اقضى غدا ونحوه عما عرى عن الضمير العائد على المال المدعى به مردود بل ان يتعين ان يكون ذلك عند انضمام الضمير كقوله: اعطه نحو ذلك. فان اللفظ بدون الضمير محتمل ان يراد به المذكور وغيره على السواء. ولهذا كان مقرا فى قوله: أنا مقر به دون - أنا مقر لوجود الضمير فى الاول دون الثانى ولو قال: كان لك على الف او كانت لك عندى دار لا يعتبر اقرارا لانه لم يعترف فى الحال بشئ والاصل براءة الذمة.
ولو كتب - لزيد على الف او كتبه غيره فقال: اشهدوا على بما فيه لى. لان الكتابة بدون لفظ ليست اقرارا .. ويؤخذ من ذلك أن الكتابة من الاخرس عند القرينة المقره ليست لغوا .. ولو لقن اقرارا او غيره بغير لغته وقال: لم افهمه وامكن عدم فهمه له بان لم يكن له مع اهل تلك اللغة اختلاط صدق بيمينه ..
ولو قال اقررت وانا صبى أو مجنون او مكره .. وامكن الصبا وعهد الجنون او كانت امارة على الاكراه من حبس او ترسيم او نحو ذلك صدق بيمينه لظهور ما قاله. ولان الاصل بقاء ما كان على ما كان. فان لم يكن الصبا ولم يعهد الجنون ولم تكن امارة على الاكراه لم يصدق فى قوله ..
والامارة انما تثبت باعتراف المقر له او بالبينة او باليمين المردودة. فان قامت بينة فى الصور الثلاث يكون المقر حين اقراره بالغا فى الاولى او عاقلا فى الثانية او مختارا فى الثالثة عمل بها ولا يصدق لتكذيبه البينة (١) يراجع الكلام على الصيغة وشروطها.
الاقرار بالمجهول:
ويصح الاقرار بالمجهول سواء أكان ابتداء أم جوابا عن دعوى لان الاقرار اخبار عن حق سابق .. والشئ يخبر عنه مفصلا تارة ومجملا تارة أخرى اما للجهل به او لثبوته مجملا بوصيته ونحوها أو لغير ذلك ..
стр. 7246
ويخالف الانشاءات حيث لا يحتمل الجهالة احتياطا لابتداء الثبوت وتحرزا عن الغرر.
قال السبكى والمبهم كأحد العبدين فى معنى المجهول .. فلو قال الشخص: له على شئ قبل تفسيره بكل ما يتمول وان قل كفلس لصدق اسم الشئ عليه .. وضابط المتمول كما قال الامام - ما يسد مسدا او يقع موقعا يحصل به جلب نفع او دفع ضرر. ويأتى حكم ما اذا امتنع من التفسير او فسر ولكن نوزع فى تفسيره .. ولو فسره بما لا يتمول لكنه من جنس المال كحبة حنطة او قمع باذنجانة او قشرة لوز او فستق. أو فسر بما لا يتمول وليس من جنس المال ولكن يقتنى ككلب معلم للصيد او قابل للتعليم او سرجين وكل نجس يقتنى كجلد ميتة تطهر بالدباغ قبل تفسيره فى الامرين فى الاصح لصدق اسم الشئ على كل منهما. وهو يحرم اخذه ويجب رده.
والثانى لا يقبل تفسيره فى الامرين لان الأول وهو مالا يتمول من جنس المال لحبة الحنطة لا قيمة له فلا يصح التزامه بكلمة على ولان الثانى وهو مالا يتمول وليس من جنس المال ولكن يقتنى كالكلب المعلم او القابل للتعلم او النجس الذى يقتنى كالسرجين وجلد الميتة الذى يطهر بالدباغ هذا الثانى ليس بمال.
وظاهر الاقرار المال .. ولا يقبل تفسيره بمالا يقتنى اى شئ لا يحل اقتناؤه شرعا كخنزير وكلب لا نفع فيه للصيد ونحوه وجلد لا يطهر بالدبغ وميتة لا يحل اكلها لان هذه الاشياء ليس فيها شئ ولا يجب ردها فلا يصدق بها قوله على ..
ولو قال يدل قوله - له على شئ .. له عندى شئ. او غصبت منه شيئا صح تفسيره بما لا يقتنى لانه ليس فى اللفظ ما يشعر بالتزام حق. وكذلك فى قوله. له على شئ. لا يقبل تفسيره بعيادة مريض ولا يرد سلام لبعد فهمهما فى معرض الاقرار .. ولكن ان قال:
له على حق قبل تفسيره بهما. فان قيل الحق اخص من الشئ فكيف يقبل فى تفسيره الاخص ما لا يقبل فى تفسير الاعم؟ اجيب بأن الحق يطلق عرفا على ذلك بخلاف الشئ فان قيل فى العرف له على حق. ويراد به ذلك.
وفى الخبر حق المسلم على المسلم خمس وذكر منها عيادة المريض ورد السّلام. فالمدار فى اعتبار الاقرار ان يشيع استعمال اللفظ عرفا .. ولو أقر بمال مطلق غير موصوف بوصف. او اقر بمال عظيم او كبير او كثير او جليل او خطير او وافر او نفيس أو أكثر من مال فلان المشهور بالمال الكثير او مما فى يده او مما يشهد به المشهود عليه او مما حكم به الحاكم على فلان او نحو ذلك - قبل منه تفسيره بما قل من المال وان لم يتمول كحبة الحنطة. وذلك لبطلان قوله - له عندى مال لصدق اسم المال عليه والاصل براءة الذمة من الزيادة - واما عند وصف المال المقر به بالعظم والكثرة والكبر والخطر ونحو ذلك مما ذكر من اوصاف. فالاحتمال انه يريد العظم والكثرة بالنسبة للفقير او الشحيح. او باعتبار كفر مستحله وعقاب غاصبه وثواب باذله للمحتاج والمضطر ونحو ذلك. وفى قوله اكثر من مال فلان. فمن حيث انه احل من مال فلان هذا او كونه فى مأمن التلف اكثر من مال فلان هذا لانه دين لا يتعرض للتلف.
ومال فلان عين يتعرض له. وقد قال الشافعى رحمه الله تعالى. اصل ما ابنى عليه الأقرار أن
стр. 7247
الزم اليقين واطرح الشك ولا استعمل الغلبة أى ما غلب على الناس. والمراد باليقين ما يشمل الظن القوى .. قال الهروى وغيره: ان الشافعى يلزم فى الاقرار باليقين وبالظن القوى لا بمجرد الظن والشك.
واذا وصف المقر المال المقر به بضد ما ذكر كأن يقول: له عندى مال حقير او قليل، او خسيس او طفيف او نحو ذلك يقبل التفسير بما ذكر من باب اولى. ويكون وصفه بالحقارة من حيث احتقار الناس له او فناؤه .. فان قيل: كيف اختلفوا فى قبول التفسير بحبة الحنطة فى قوله له عندى شئ. وجزموا بقبول التفسير بها فى ابراره بمال عظيم او كثير. وكان الاولى العكس .. واجيب بأن الاتفاق هنا على القبول مبنى ومفرع على الاصح وهو قبول التفسير هناك .. ويقبل منه التفسير فى له على مال بالمستولدة للمقر له فى الاصح. لانها تؤجر وينتفع بها وتجب قيمتها اذا اتلفها اجنبى وان كانت لاتباع ..
والثانى لا يقبل التفسير بها لخروجها عن اسم المال المطلق اذ لا يصح بيعها وسواء على الاول قال له: على مال او له عندى مال .. ولا يقبل منه التفسير بكلب وجلد ميتة وسائر النجاسات لانتفاء اسم المال عنها وقول المقر:
لزيد على كذا كقوله: له على شئ فيقبل تفسيره بما مر فى شئ لانها مثله مبهمة. وله كذا، فى الاصل مركبة من كاف التشبيه واسم الاشارة ثم نقلت فصار يكنى بها عن الحق وغيره ويجوز استعمالها فى النوعين مفردة ومركبة ومنطوقة تقول: نزلنا بدار كذا.
وبكذا كذا. او بكذا وكذا .. وهكذا فى العدد.
وقول المقر: له على شئ او كذا كذا بتكرار لفظ شئ او لفظ كذا مرتين او اكثر بدون عطف فأن الحكم فى ذلك كالحكم فى عدم التكرار رأى كالحكم فى قوله: له على شئ. أو له على كذا حيث يكون التفسير فيه على حسب ما تقدم. لان ما بعد الاول فى حالة التكرار يحتمل التأكيد بل هو ظاهر فيه باليقين. فأن قال اردت الاستئناف عمل به ولزمه شيئان او اكثر لانه غلظ على نفسه ..
ولو كرر مع العطف بأن قال: له على شئ وشئ أو كذا او كذا وجب شيآن متفقان أو مختلفان بحيث يقبل كل منهما فى تفسير شئ طبقا لما تقدم لاقتضاء العرف المغايرة فلا يحتمل التأكيد ولو قال: له على كذا درهما بالنصب او درهم بالرفع او الجر او السكون لزمه درهم. لان لفظ كذا. مبهم وقد فسره بدرهم والنصب جائز على التمييز والرفع جائز على انه بدل من كذا انا أو عطف بيان. كما قاله الاسنوى او على انه خبر لمبتدأ محذوف كما قاله غيره .. والجر لحن عند البصريين ولكنه لا يؤثر فى الاقرار والسكون (كالجر ..
والمذهب انه لو قال: كذا وكذا او ثم كذا او كذا فكذا درهما بالنصب تمييزا لزمه درهمان لانه اقر بشيئين مبهمين وعقبهما بالدرهم منصوبا والظاهر انه تفسير لكل منهما وقيل فى التعليل: ان التمييز وصف. والوصف - المتعقب لشيئين يعود اليهما عند الشافعى.
ولا يحسن التأكيد مع وجود عاطف .. وفى قول .. يلزمه .. درهم لجواز أن يريد تفسير اللفظين معا بالدرهم. وفى قول يلزمه درهم وشئ ويلزمه تفسير الشئ. اما الدرهم فلتفسير الثانى واما الشئ فللاول الباقى على
стр. 7248
ابهامه. والطريق الثانى المنقطع بالاول. هذا فى النصب.
والمذهب انه لو رفع او جر يلزمه درهم والمعنى فى الرفع. هما درهم .. والطريق الثانى قولان ثانيهما درهمان لانه يسبق الى الفهم انه تفسير لهما وانه اخطأ فى اعراب التفسير .. واما فى الجر فلانه وان خطأ فى اللغة الا انه يفهم منه فى العرف تفسير ما سبق عليه فيحمل على ذلك بخلاف النصب فانه تمييز صحيح فيعود اليهما معا. ولم ينقل الرافعى فى هذه خلافا بل جزم بدرهم .. لكن نقل الماوردى عن الشافعى وجوب درهمين.
ولو حذف الواو فقال: له على كذا كذا درهما بالنصب او درهم بالرفع او الجر لزمه درهم فى الاحوال كلها نصبا ورفعا وجرا لاحتمال التأكيد قال الاسنوى: ولم يتعرض الشيخان ولا ابن الرفعة للسكون فى هذا القسم اى حذف الواو ولا فى القسم الذى قبله وقياس ما سبق عن الرافعى فى الاقراض ومن جعله كالمخفوض لانه أدون - أن يكون كذا كذلك فى التركيب والعطف أيضا. ويتحمل من ذلك اثنا عشرة مسألة لان لفظ كذا - اما ان يؤتى بها مفردة او مركبة او معطوفة والدرهم أما ان يرفع او ينصب او يجر او يسكن.
والواجب فى جميعها درهم الا اذا عطف ونصب تمييزها فدرهمان.
وجزم ابن المقرى تبعا للبلقينى بأن ثم كالواو أى والفاء كذلك … ولو قال: كذا بل كذا ففيه وجهان احدهما يلزمه شئ واحد. والثانى يلزمه شيآن. وهذا اوجه لانه لا يسوغ ان يقول القائل رأيت زيدا بل زيدا اذا عنى الاول على سبيل التأكيد وانما يصح اذا عنى غيره فيكون الثانى غير الاول ويلزم شيئان ولو قال له على الف قبل تفسير الالف بغير الدراهم كألف فلس. وكذا لو قال: له على درهم والف يقبل تفسير الالف بغير الدراهم لان العطف انما وضع للزيادة ولم يوضع للتفسير. ويستوى ان يفسر بجنس واحد او اجناس مختلفة .. ولو قال: له على خمسة وعشرون درهما. او الف وخمسة عشر درهما او الف ونصف درهم فالجميع من الخمسة والعشرين وما بعدها دراهم على الصحيح لانه جعل الدرهم تمييزا فالظاهر انه تمييز لكل من المذكورات بمقتضى العطف. والثانى يقول:
الخمسة فى قوله: له على خمسة وعشرون درهما مجملة. والعشرون مفسرة بالدراهم لمكان العطف. فالحقت بألف ودرهم يقبل منه تفسيرها بغير الدراهم .. قال المتولى: وعلى هذا لو قال: بعت لك هذا الثوب بمائة وخمسين درهما لا يصح البيع لابهام المائة. ولم يقل بذلك أحد .. ولو قال: له على خمسة عشر درهما فالكل دراهم جزما لانهما اسمان جعلا اسما واحدا. فالدرهم تفسير له .. والمعتبر فى الدراهم المقر بها دراهم الاسلام. وان كانت دراهم البلد اكثر منها وزنا ما لم يفسره المسلم بما يقبل تفسيره .. فعلى هذا لو قال الدراهم التى أقررت بها ناقصة الوزن كدراهم طبرية كل درهم منها اربعة دوانق فأن كانت دراهم البلد او القرية التى اقر بها تامة الوزن بأن يكون وزن كل درهم منها ستة دوانق فالصحيح قبول التفسير بالناقصة ان ذكره
стр. 7249
متصلا بالاقرار لانه حينئذ كالاستثناء.
وحينئذ يرجع التفسير فى قدر الناقص فان تعذر بيانه نزل على اقل الدراهم. والثانى لا يقبل التفسير بالناقص لان اللفظ صريح فى المقام وصفا وعرفا. ويجاب من قبل القول الاول الصحيح صيغ صراحة اللفظ فى المقام.
وان ذكر التفسير بالناقص منفصلا عن الاقرار وكذبه المقر له فى التفسير ولا يقبل ويلزمه دراهم تامة لان اللفظ والعرف ينفيان قوله.
والثانى يقبل التفسير ولو ذكره منفصلا عن الاقرار لان اللفظ محتمل والاصل براءة الذمة وعلى القول بقبول التفسير بالناقصة يرجع الى المقر فى بيان الدراهم الناقصة التى ارادها فان تعذر البيان نزل على اقل الدراهم .. وان كانت دراهم البلد ناقصة قبل تفسيره بالناقصة ان وصله بالاقرار جزما. لان اللفظ والعرف يصدقانه حينئذ ابدا. وكذا ان فصله منه فى النص عملا بعرف البلد وحملا لكلامه عليه كما فى المعاملة .. وفى وجه لا يقبل حملا لكلامه على وزن الاسلام .. ويجرى الخلاف فيما اذا اقر ببلد اوزانهم فيه اكثر من دراهم الاسلام. فان قال: اردت دراهم الاسلام متصلا قبل على الصحيح. وان قال ذلك منفصلا لا يقبل .. والتفسير بالمغشوشة من الدراهم كالتفسير بالناقصة فيه الخلاف والتفصيل السابقان فى الناقصة لان الغش نقص فى الحقيقة فكأنه فسر بالناقصة فيأخذ حكم التفسير بها .. ولو فسر بجنس من الفضة ردئ أو بدراهم سكتها غير جارية فى هذا البلد قبل تفسيره ولو منفصلا. كما لو قال:
له على ثوب ثم فسره بجنس ردئ أو بما لا يعتاد اهل البلد لبسه. ويخالف التفسير بالناقص لرفع ما اقر به بخلافه هنا. ويخالف البيع حيث يحمل على سكة البلد لان البيع انشاء معاملة. والغالب ان كل معاملة تجرى فى كل بلد مما يروج فيه. اما الاقرار فانه اخبار عن حق سابق يحتمل ثبوته بمعاملة فى غير ذلك البلد فيرجع الى ارادته .. ولو فسر الدراهم بما لا فضة فيه كالفلوس لم يقبل منه لانها لا تسمى دراهم سواء اقاله موصولا ام مفصولا - نعم ان غلب الشامل بها فى بلد بحيث هجر التعامل بالفضة وانما تؤخذ عوضا عن الفلوس كالديار المصرية فى هذه الازمان فينبغى كما قاله بعض المتأخرين ان يقبل التفسير وان ذكره منفصلا .. ولو تعذرت مراجعة المقر حمل على دراهم البلد - الغالبة على الاصح .. ويجرى ذلك فى الكيل كما هو ظاهر فلو اقر له بأردب قمح ويحمل الاقرار مكاييل مختلفة ولا غالب فيها تعين اقلها ما لم يختص المقر بمكيال منها فيحمل عليه ولو قال اردت غيرها. ولو قال: له على من درهم الى عشرة. لزمه تسعة على الاصح اخراجا للطرف الاخير وادخالا للاول. وقيل يلزمه عشرة ادخالا للطرفين. وقيل ثمانية اخراجا لهما كما لو قال: عندى أو بعتك من هذا الجدار الى هذا الجدار حيث يلزمه ما بين الجدارين ولا يدخلان فى المقر به او المبيع. وفرق بأن المقر به او المبيع هناك الساحة وليس الجدار منها بخلاف الدراهم - قال بعض المتأخرين وذكر الجدار مثاله فالشجرة كذلك. ولو قال من هذه الدراهم الى هذه الدراهم فكذلك فيما يظهر لان القصد التحديد لا التقييد. وما بحثه فى الدراهم ممنوع بالفرق المذكور ..
وان قال له على ما بين الدرهم والعشرة او ما بين
стр. 7250
الدرهم الى العشرة لزمه ثمانية اخراجا الطرفين لان ما بينهما لا يشملهما .. ولو قال:
له على درهم فى عشرة. فان اراد المعية أى درهم مع عشرة لزمه أحد عشرة لان فى تستعمل بمعنى مع كما فى قوله تعالى. فادخلى فى عبادى. أى مع عبادى وان اراد الحساب وهو يعرفه لزمه عشرة لان هذه هى نتيجة الحساب وموجبة عند اهل الحساب. وأن لم يعرف الحساب لزمه درهم. وان لم يرد المعية ولا الحساب بأن اطلق او اراد الطرف لزمه درهم واحد فقط لانه المتيقن (١).
انواع من الاقرار:
اذا أقر بمظروف فى ظرف كأن يقول: له عندى سيف فى غمد وهو الغلاف الذى يوضع فيه السيف. او يقول: له عندى ثوب فى صندوق او رأيت فى جرة او ثمرة على شجرة يكون اقرارا بالظروف فقط ولا يلزمه الظرف لان الظرف يغاير المظروف. وقد تعلق الاقرار بالمظروف. والاقرار يعتمد فيه على اليقين.
وهكذا كل ظرف ومظروف لا يكون الاقرار باحدهما اقرارا بالاخر .. فلو قال: له عندى غمد فيه سيف او صندوق فيه ثوب لزمه الظرف فقط لانه الذى تعلق به الاقرار.
والظرف يغاير المظروف والاقرار يعتمد فيه على اليقين. ومثل ذلك، اذا قال: له عندى جارية أقر أن فى بطنها حمل او خاتم فيه او عليه فص او دابة فى حافرها نعل او قمقمة عليها عروة. او فرس عليها سرج لزمته الجارية والدابة والقمقمة والفرس ولا يلزمه الحمل والنعل والعروة والسرج. ولو عكس بأن قال: له عندى حمل فى بطن جارية او دابة او فص فى خاتم او نعل فى حافر دابة او عروة على قمقمة او سرج على فرس ينعكس الحكم ويلزمه الحمل والفص والنعل والعروة والسرج دون الجارية والدابة والخاتم والقمقمة والفرس والفرق لو قال: له عندى جارية واطلق وكانت حاملا لم يدخل الحمل فى الاقرار لان الجارية لم تتناوله بخلاف البيع حيث يدخل الحمل تبعا.
أن الاقرار اخبار عن حق سابق وربما كانت الجارية له دون الحمل وقت الاقرار بأن كان الحمل موصى به لشخص اخر. اما البيع فهو تعاقد فى المال على الجارية بحالتها فيشمل الحمل. ولهذا لو قال: هذه الدابة لفلان الا حملها صح .. ولو قال: بعت هذه الدابة الا حملها لفلان لم يصح. والشجرة كالجارية والثمرة كالحمل فيما ذكر .. ولو قال: له عندى عبد على رأسه عمامة لم تلزمه العمامة على الصحيح لما مر ان الظرف غير المظروف. والثانى تلزمه العمامة لان العبد له يد على ملبوسه ويده كيد سيده .. ورد بانه لو باع العبد لم تدخل العمامة فى البيع. فكذا الاقرار. وضابط ذلك كما قاله القفال وغيره أن كل ما دخل فى مطلق البيع دخل فى الاقرار ومالا فلا. الا الثمرة غير المؤبرة والحمل والجدار فانها تدخل فى البيع ولا تدخل فى الاقرار. لان المدار فى البيع على العرف والمدار فى الاقرار على اليقين .. ولو قال:
له عندى دابة بسرجها أو عبد بعمامته أو ثوب مطرز بالتشديد لزمه الجميع لان الباء بمعنى مع كما فى قوله تعالى: «واهبط بسلام منا»