سلامه ويشمت عطسته ويجيب دعوته .. وذكر الحديث. وأن قال: غصبته شيئا وفسره بما ليس بمال قبل لأن اسم الغصب يقع عليه. وان قال: غصبته نفسه لم يقبل لأن الغصب لا يثبت عليه. انتهى.
الاقرار بالمبهم والمجهول:
ولا يشترط فى المقر به ان يكون معلوما او معينا فيصح الاقرار بالمجهول كأن يقول لفلان على شئ. او لفلان على كذا. وبالمبهم كأن يقول: لفلان عندى احد هذين العبدين وعلى المقر فى هذه الحالة التفسير والبيان بما يقبل الاقرار به شرعا على النحو المقرر ..
الاقرار بالمجهول (١):
واذا قال: لفلان على شئ أو كذا صح اقراره ولزمه تفسيره. وهذا لا خلاف فيه.
ويفارق الدعوى حيث لا تصح مجهولة. لكون الدعوى له. أما الاقرار فأنه عليه. فلزمه ما عليه مع الجهالة دون ماله. ولأن المدعى اذا لم يصحح دعواه فله داع الى تحريرها. وهو الحصول على حقه. والمقر لا داعى له الى التحرر ولا يؤمن رجوعه عن اقراره فيضيع حق المقر له فألزمناه بالاقرار مع الجهالة. فأن امتنع من تفسيره حبس حتى يفسر. وقال القاضى:
يجعل ناكلا ويؤمر المقر له بالبيان. فأن بين شيئا فصدقه المقر ثبت. وان كذبه وامتنع من البيان قيل له: ان بينت والا جعلناك ناكلا وقضينا عليك .. وهذا قول اصحاب الشافعى الا انهم قالوا: ان بينت والا جعلنا المقر له على ما يدعيه واوجبناه عليك فأن فعل والا أحلفنا المقر له واوجبناه على المقر .. ووجه الاول انه ممتنع من حق عليه فحبس به كما لو عينه وامتنع من ادائه .. ومع ذلك متى عينه المدعى وادعاه فنكل المقر فهو على ما ذكروه ..
وان مات من عليه الحق اخذ ورثته بمثل ذلك لان الحق ثبت على مورثهم فيتعلق بتركته وقد صارت الى الورثة فيلزمهم ما لزم مورثهم كما لو كان الحق معينا .. وان لم يخلف الميت تركة فلا شئ على الورثة .. انتهى.
الاقرار بالمبهم (٢):
فان كان فى يده عبدان فقال: أحد هذين لزيد طولب بالبيان. فأن عين احدهما فصدقه زيد المقر له اخذه. وان قال: هذا لى والعبد الاخر فعليه اليمين فى العبد الذى ينكره ..
وان قال زيد: انما لى العبد الاخر فالقول قول المقر مع يمينه فى العبد الذى ينكره ولا يدفع الى زيد العبد المقر به لكن يبقى فى يد المقر لانه لم يصح اقراره به فى احد الوجهين ..
وفى الاخر ينزع من يده لاعترافه بانه لا يملكه ويكون فى بيت المال لانه ليس له مالك معروف فاشبه ميراث من لا يعرف له وارث.
فان أبى التعيين فعينه المقر له وقال: هذا عبدى طولب المقر بالجواب فأن انكر حلف وكان بمنزلة تعيينه للاخر وان نكل عن اليمين فيقضى عليه وان اقر له فهو كتعيينه.
شروط الصيغة:
ويشترط فى الصيغة لصحة الاقرار ما يأتى:
(١) الا تكون معلقة على شرط يمكن
стр. 7282
علمه فلو علقت على شرط يمكن معرفته والوقوف عليه كأن يقول: لفلان على ألف ان دخل الدار او ان جاء زيد او ان شاء فلان او نحو ذلك لا يصح الاقرار. اما ان علقت على مشيئة الله تعالى بأن يقول: لفلان على الف درهم ان شاء الله تعالى فانه يصح ويلزمه المقر به لان هذا ليس فى معنى التعليق حقيقة اذ ان مشيئة الله تعالى تذكر فى الكلام على سبيل التبرك والصلة والتفويض كما فى قوله تعالى «لتدخلن المسجد الحرام ان شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون) وقد علم الله تعالى فى انهم سيدخلون بغير شك.
وعلى فرض التسليم بانه فى معنى التعليق.
فأن مشيئة الله تعالى لا تعلم الا بوقوع الامر المعلق فلا يمكن وقف الامر على وجودها بخلاف مشيئة الآدمى فانه يمكن العلم بها فيمكن جعلها شرطا يتوقف الامر على وجودها ومتى علق الاقرار على شرط يمكن معرفته فانه يبطل ولا يكون صحيحا (١). وان قال: لك على ألف ان شاء الله تعالى كان مقرا بالألف نص عليه أحمد. وقال أصحاب الشافعى:
ليس باقرار لأنه علق اقراره على شرط فلم يصح كما لو علقه على مشيئة زيد. ولان ما علق على مشيئة الله تعالى لا سبيل الى معرفته.
ولنا: انه وصل اقراره بما يرفعه كله ولا يصرفه الى غير الاقرار فلزمه ما اقر به وبطل ما وصله به كما لو استثنى الكل وقال:
له على الف الا الفا حيث يبطل الاستثناء ويصح الاقرار. ولانه قيد الاقرار بما لا يفيد حكما اخر ولا يقضى رفع الحكم أشبه بما لو قال:
له على الالف فى مشيئة الله .. وان قال: له على الف الا ان يشاء الله صح الاقرار لانه اقر ثم علق رفع الاقرار وعلى امر لا يعلم فلم يرتفع.
وان قال: لك على الف ان شئت او ان شاء زيد لم يصح الاقرار .. وقال القاضى:
يصح لانه عقبه بما يرفعه فصح الاقرار دون ما يرفعه كاستثناء الكل وكما لو قال: ان شاء الله ..
ولنا: انه علقه على شرط يمكن علمه فلم يصح. كما لو قال: له على الف ان شهد بها فلان. وذلك لان الاقرار اخبار بحق سابق فلا يتعلق على شرط مستقبل .. ويفارق التعليق على مشيئة الله تعالى من وجهين.
الأول: أن مشيئة الله تعالى تذكر فى الكلام تبركا وصلة وتفويضا الى الله تعالى لا للاشتراط كقول الله تعالى «لتدخلن المسجد الحرام ان شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون»، فجعل من دون ذلك فتحا قريبا. وقد علم الله انهم سيدخلون بغير شك. ويقول الناس: صلينا ان شاء الله تعالى مع تيقنهم صلاتهم بخلاف مشيئة الآدمى.
الثانى: ان مشيئة الله تعالى لا تعلم الا بوقوع الامر فلا يمكن وقف الامر على وجودها .. ومشيئة الادمى يمكن العلم بها فيمكن جعلها شرطا يتوقف الامر على وجودها والماضى لا يمكن وقفه فيتعين حمل الامر ههنا على المستقبل فيكون وعدا لا اقرارا .. وان
стр. 7283
قال له: له على الفان ان قدم فلان لم يلزمه شئ لانه لم يقر بها فى الحال وما لا يلزمه فى الحال لا يصير واجبا عند وجود الشرط .. وان قال: ان شهد فلان على لك بألف صدقته لم يكن اقرار لانه يجوز أن يصدق الكاذب. وان قال: ان شهد بها فلان فهو صادق: احتمل ان لا يكون لانه علقه على شرط فأشبهت التى قبلها. واحتمل أن يكون اقرارا فى الحال لانه يتصور صدقه اذا شهد بها الا ان تكون ثابتة فى الحال وقد اقر بصدقه .. وان قال: له على الف ان شهد بها فلان لم يكن اقرارا لانه معلق على شرط. انتهى.
(٢) ان تكون مفيدة ثبوت الحق المقر به على سبيل الجزم واليقين. فلو كانت مشتملة على ما يفيد الشك او الظن كان الاقرار باطلا ولا يؤاخذ به المقر سواء كان ذلك آتيا من جهة اللغة ومعانى الالفاظ او من جهه العرف والاستعمال. فلو قال: لفلان على الف فيما أرى او فيما اظن أو فيما أحسب أو فيما أقدر أو قال فى جواب من قال له: لى عليك الف درهم -: افتح كمك. لا يكون اقرارا فى ذلك كله لعدم الجزم ولجريان العرف فى استعمال الاخير فى الاستهزاء.
اذا ادعى (١) عليه ألفا فقال نعم. أو أجل بفتح الهمزة والجيم وسكون اللام وهو حرف تصديق كنعم أو قال: صدقت او انا مقر به أو انا مقر بدعواك كان مقرا لأن هذه الألفاظ وضعت للتصديق وان قال يجوز أن يكون محقا. أو عسى أن تكون محقا. أو لعل أن تكون محقا او اظن او احسب او اقدر انك محق او قال: خذ او اتزن او احرز او انا اقر اولا انكر او افتح كما لم يكن مقرا فى ذلك كله. لان قوله. انا اقر. وعد بالاقرار والوعد بالشئ لا يكون اقرار به. وفى قوله. لا انكر لا يلزم من عدم الانكار الاقرار. فان بينهما قسما آخر وهو السكوت عنهما. وفى قوله:
يجوز ان تكون محقا. لجواز ان لا يكون محقا لأنه يلزم من جواز الشئ وجوبه.
وقوله عسى ولعل لأنهما وضعتا للترجى وقوله أظن أو أحسب أو أقدر لأنها تستعمل فى الشك أيضا وقوله. خذ يحتمل ان معناه. خذ الجواب منى. وقوله اتزن واحرز مالك على غيرى وقوله. افتح كمك لانه يستعمل استهزاء لا اقرار. وكذا قوله. اختم عليه او اجعله فى كيسك. او سافر بدعواك. ونحو ذلك.
وهذا واضح وصريح فى ان الصيغة متى احتملت معنى غير الاقرار ولم تكن جازمة فيها فأن الاقرار يكون غير صحيح ولا يترتب عليه أثر بل انه لا يكون اقرار اصلا (يراجع فى باب شروط الاقرار (٢).
الاقرار للحمل:
يصح الاقرار بالحمل الآدمية بشرط تحقق وجوده فى بطن أمه وقت الاقرار اما حقيقة بأن يولد لاقل من ستة اشهر من وقت الاقرار وان اقل مدة الحمل ستة اشهر فولادته عن هذه المدة من وقت الاقرار دليل على وجوده فى بطن امه وقت الاقرار فيكون الاقرار له
стр. 7284
صحيحا فى هذه الحالة .. واما حكما بأن تكون امه ذات زوج او سيد وحملت به من الزوج او السيد وولدته بعد الاقرار بمدة حكم الشارع بثبوت فيه من الزوج او السيد فيها.
فأن الحكم بثبوت النسب حكم بوجوده فى بطن امه وقت الاقرار. فاذا لم يحكم الشارع بثبوت النسب بأن أتت به لمدة بعد الاقرار لا يحتمل ثبوت النسب يكون الاقرار باطلا ولا بد ان يبين المقر سببا صالحا لملكية الحمل المقر له. المقر به كالوصية بأن يقول: لحمل فلانه عندى الف درهم اوصى له بها فلان وصية صحيحة وتركها عندى او الميراث. بأن يقول:
مات ابوه وتركها ميراثا له تحت يدى. وان لم يذكر سببا لاستحقاق الحمل باقرار له بان قال: لحمل فلانة عندى الف درهم ولم يذكر سببا للاستحقاق. او ذكر سببا لا يصلح للاستحقاق بأن قال: لحمل فلانه على الف درهم اقرضنى او اودعنى اياها او ثمن مبيع اشتريته منه او نحو ذلك. ففى صحة هذا الاقرار خلاف.
وان أقر (١) لحمل امرأة بمال وعزاه الى ارث او وصية صح وكان للحمل. وان اطلق. فقال ابو عبد الله بن حامد يصح وهو أصح قول الشافعى لانه يجوز ان يملك بوجه صحيح كالطفل فصح له الاقرار المطلق. فعلى هذا ان ولدت ذكر او انثى كان المقر به بينهما نصفين .. وان عزاه الى ارث أو وصية كان بينهما على حسب استحقاقهما لذلك.
وقالها ابو الحسن التميمى: لا يصح الاقرار الا ان يعزوه الى ارث او وصية. وهو قول ابى ثور. والقول الثانى للشافعى لانه لا يملك بغيرهما .. فان ولدت الحمل ميتا وكان قد عزى الاقرار الى ارث او وصية عاد المقر به الى ورثة الموصى. او ورثة مورث الحمل.
وان اطلق الاقرار كلف ذكر السبب فيعمل بقوله فأن تعذر التفسير بموت او لغيره بطل اقراره كمن اقر لرجل لا يعرف من اراد باقراره وان عزى الاقرار الى جهة غير صحيحة بان قال:
لحمل فلانة على ألف درهم أقرضنيها أو وديعة اخذتها منه. فعلى قول ابو الحسن التميمى يكون الاقرار باطلا كما لو اطلق ولم يذكر سببا. وعلى قول ابى عبد الله بن حامد ينبغى ان يصح اقراره لانه وصل اقراره بما يسقطه فيسقط ما وصله به. كما لو قال: له على الف لا تلزمنى حيث يصح الاقرار ويلزمه الالف المقر بها … وان قال: له على الف جعلتها له او نحو ذلك فهى عدة لا يؤخذ بها. ولا يصح الاقرار لحمل الا اذا تيقن انه كان موجودا حال الاقرار. انتهى.
ويصح (٢) الاقرار لحمل آدمية بمال وان لم يقره الى سبب لجواز ملكه اياه بوجه صحيح كالطفل فأن وضعت الحمل ميتا أو لم يكن ببطنها حمل بطل اقراره لأنه اقرار لمن لا يصح ان يملك .. وان ولدت الحمل حيا وميتا فالمقر به جميعه للحى بلا نزاع قاله فى الانصاف لفوات شرطه فى الميت. وان ولدت حيين فالمقر به لهما بالسوية. ولو كان ذكرا او انثى كما لو اقر لرجل وامرأة لعدم المزية الا اذا عزى الاقرار
стр. 7285
لسبب يوجب تفاضلا كارث ووصية يقتضيان - التفاضل فيعمل حينئذ بمقتضى السبب الذى عزى اليه من التفاضل لاستثناء الاقرار الى سبب صحيح وان قال المقر فى اقراره: لحمل فلانه على الف جعلتها له ونحو ذلك كوهبته اياها او تصدقت بها عليه او اعددتها له فهو وعد من المقر وليس باقرار فلا يلزمه شئ ..
ولو قال: للحمل على الف اقرضته يلزمه الالف لان قوله: للحمل على الف. اقرار صحيح .. وقد وصله بما يغيره وهو قوله أقرضنيه. فلا يبطله بل يسقط قوله: لزيد على الف من ثمن خمر .. ولا يصح الاقرار بقوله أقرضنى الحمل الفا ومن ثم لا يلزمه بذلك شئ لأن الحمل لا يتصور منه قرض .. ومثل ذلك فى كشاف القناع.
أنواع من الاقرار
اذا وصل باقراره ما يغيره:
اذا وصل باقراره (١) ما يسقطه مثل ان يقول:
لفلان على الف لا يلزمنى أو قد قبضه أو استوفاه .. او له على الف من ثمن أو خمر أو خنزير أو من ثمن طعام مكيل اشتريته منه فهلك قبل قبضه. أو من ثمن مبيع بيعا فاسدا لم اقبضه أو من مضاربة تلفت وشرط على ضمانها .. أو قال: له على الف تكفلت به على أبى الخيار - لزمه الألف المقر به فى جميع ذلك لأن ما ذكره من قوله: له على الف رفع لجميع ما أقر به فلا يقبل منه كاستثناء الكل .. ولأن كلامه جاء متناقضا كما لا يخفى .. فأن ثبوت الالف عليه فى هذه الامثلة مع ما ذكره اخيرا لا يتصور. والاقرار اخبار بثبوت المقر به فتنافيا .. ولأنه اقر بالالف وادعى ما لم يثبت معه فلم يقبل منه.
اما اذا قال: كان له على الف وقضيته اياه أو ابرأنى منه أو برئته اليه منه أو قبض منى كذا أو أبرأنى من كذا منه أو أقبضته منه خمسمائة مثلا فهو منكر فى ذلك لأنه قول يمكن تصديقه ولا تناقض فيه من جهة اللفظ فوجب قبول قوله ولا يلزمه شئ كاستثناء البعض .. وكذلك لو قال شخص:
لى عليك الف. فقال المدعى عليه: أقبضتك منها عشرة فالمدعى عليه منكر والقول قوله بيمينه. وهذا كله ما لم يعترف المدعى عليه بسبب الحق المدعى بأن يعترف بأن الحق من ثمن مبيع أو قيمة أو ارش جناية أو يثبت سبب الحق ببينة فيكون حينئذ مقرا بالحق ومدعيا للقضاء أو الابراء فيطالب بالبيان .. فاذا أقر بمائة درهم دينا أو وديعة أو غصبا ثم سكت سكوتا يمكنه الكلام فيه أو اخذ فى كلام آخر غير ما كان فيه من الكلام فى الاقرار. ثم قال: زيوفا أى مغشوشة. أو قال صغارا أى دراهم طبرية كل درهم منها اربعة دوانق وهى ثلثا درهم من الكاملة أو قال: مؤجلة الى شهر مثلا - لزمه بهذا الاقرار الف جياد وافية حالة لأن الاطلاق يقتضى ذلك كما لو باعه بألف درهم واطلق. ولأنه رجع عن بعض ما اقر به ورفعه بكلام منفصل فلم يقبل كالاستثناء المنفصل: الا ان يكون فى بلد اوزانهم ناقصة أو دراهمهم مغشوشة فيلزمه ما أقر به من دراهم البلد الذى هو فيه لأن مطلق الكلام يحمل على عرف البلد. انتهى.
стр. 7286
اذا وصل (١) باقراره ما يسقطه مثل أن يقول: له على الف لا يلزمنى أو قد قبضه أو استوفاه أو الف من ثمن خمر أو تكفلت به على انى بالخيار لزمته الالف لا يقبل قوله فيما ذكره بعد الاقرار .. ذكره ابو الخطاب
وقال القاضى فى سائر الصور المذكورة يقبل قوله لأنه عزا اقراره الى سببه فقبل كما لو عزاه الى سبب صحيح الا فى قوله: على الف لا يلزمنى .. ولنا. أن هذا يناقض ما اقر به فلم يقبل كالصورة التى قبلها وكما لو قال:
على الف لا تلزمنى .. أو نقول: رفع جميع ما اقر به فلم يقبل كأستثناء الكل .. وتناقض كلامه غير خاف. فأن ثبوت الف عليه فى هذه المواضع لا يتصور. واقراره اخبار بثبوته فتنافيا.
وأن قال: كان له عندى الف وقضيته أو قضيت منه خمسمائة درهم - فقال الخرقى:
ليس بأقرار القول قوله مع يمينه. وحكى ابن ابى موسى فى هذه المسألة روايتين.
أحداهما أن هذا ليس بأقرار اختاره القاضى وقال: لم اجد عن احمد رواية لغير هذا.
والثانية. انه مقر بالحق مدع لقضاءه فعليه البينة بالقضاء والا حلف غريمه واخذه.
واختاره ابو الخطاب … وانتهى.
تكرار الاقرار:
اذا اقر بدرهم ثم اقر بدرهم لزمه درهم واحد. وبهذا قال الشافعى. وقال ابو حنيفة يلزمه درهمان كما فى حالة تكرار المقر به مع العطف بقوله: له على درهم ودرهم حيث يلزمه درهمان لانه يجوز أن يكون قد كرر الخبر عن الاول كما كرر الله تعالى الخبر فى ارساله نوحا وهودا وصالحا ولوطا وشعيبا وابراهيم وموسى وعيسى. ولم يكن المذكور فى قصة غير المذكور فى اخرى. كذا ههنا .. ويستوى أن يكون الاقرار المكرر فى وقت واحد أو فى اوقات مختلفة وفى مجلس واحد وفى مجالس متعددة .. فان وصف المقر به فى احد الاقرارين واطلق فى الآخر فكذلك لأنه يجوز ان يكون المطلق هو الموصوف أطلقه فى حال ووصفه فى حال. وان وصفه بصفة واحدة فى المرتين كان تأكيدا لما ذكرنا .. وان وصفه فى احدى المرتين بغير ما وصفه فى الاخرى فقال:
له على درهم من ثمن مبيع ثم قال: له على درهم من قرض. أو قال: درهم ثمن ثوب.
ثم قال درهم من ثمن عبد أو قال. درهم أبيض ثم قال. درهم اسود. فهما درهمان لانهما متغايران (٢).
تكرار المقر به مع العطف:
وان قال: له على درهم ودرهم. أو درهم فدرهم. أو درهم ثم درهم لزمه درهمان وبهذا قال ابو حنيفة واصحابه وذكر القاضى وجها فيما اذا قال: درهم فدرهم. وقال:
أردت درهم فدرهم لازم لى. ذكر القاضى انه يقبل منه. وهو قول الشافعى لانه يحتمل ان يكون قد وصف الدرهم المقر به بأنه درهم لازم له .. ودليل الاول. ان الفاء أحد حروف العطف الثلاثة فأشبهت الواو وثم، لأنه عطف شيئا على شئ بالفاء فاقتضى ثبوتهما كما لو قال: انت طالق فطالق … وما ذكر من
стр. 7287
احتمال الصفة بعيد لا يفهم حالة الاطلاق فلا يقبل تفسيره به كما لو فسر الدراهم المطلقة بأنها زيوف أو صغار أو مؤجلة حيث لا يقبل منه لأن المطلق ينصرف الى الكامل.
وان قال: له على درهم ودرهم ودرهم.
لزمته ثلاثة. وحكى ابن ابى موسى عن بعض الاصحاب انه اذا قال اردت بالثالث تأكيد الثانى وبيانه يقبل منه وظاهر المذهب انه تلزمه الثلاثة لان الواو العطف والعطف يقتضى المغايرة فوجب ان يكون الثالث غير الثانى كما كان الثانى غير الاول. والاقرار لا يقتضى تأكيدا فوجب حمله على العدد .. وكذلك الحكم اذ قال: له على درهم فدرهم فدرهم أو درهم ثم درهم ثم درهم .. وان قال: له على درهم ودرهم ثم درهم: أو درهم فدرهم ثم درهم: أو درهم ثم درهم. فدرهم - لزمته الثلاثة وجها واحدا. لأن الثالث مغاير للثانى لاختلاف حرفى العطف الداخلين عليهما فلم يحتمل التأكيد .. وان اختلف المعطوف فى العدد أو فى الحبس بان قال: له على درهم ودينار أو فدينار: أوله على درهم وقفيز حنطة أو نحو ذلك لزمه ذلك كله (١).
الاضراب والاستدراك بعد الاقرار:
وان قال: له على درهم بل درهمان. أو له على درهم لكن درهمان - لزمه درهمان.
وبه قال الشافعى. وقال زفر وداود: نلزمه ثلاثة لأن بل للاضراب لأنه لما اقر بدرهم واضرب عنه لزمه لانه لا يقبل رجوعه عما اقر به ولزمه الدرهمان اللذان اضرب اليهما واقر بهما .. ووجه الاول أنه انما نفى الاقتصار على واحد واثبت الزيادة عليه. فأشبه بما لو قال: له على درهم بل أكثر فأنه لا يلزمه اكثر من أثنين … وان قال: له على درهم بل درهم أو لكن درهم ففيه وجهان احدهما.
يلزمه درهم واحد لابن احمد قال فيمن قال لامرأته: أنت طالق لا بل انت طالق: انها لا تطلق الا واحدة. وهذا فى معناه. ولأنه اقر بدرهم مرتين فلم يلزمه اكثر من درهم كما لو اقر بدرهم ثم انكره ثم قال: بل على درهم .. ولكن للاستدراك فهى فى معنى بل الا أن الصحيح انها لا تستعمل الا بعد الحجة الا أن يذكر بعدها جملة. والوجه الثانى. يلزمه درهمان ذكره ابن ابى موسى.
وابو بكر عبد العزيز لان ما بعد الاضراب يغاير ما قبله فيجب أن يكون الدرهم الذى اضرب عنه غير الدرهم الذى اقر به بعده فيجب الاثنان كما لو قال: له على درهم بل دينار. ولان بل من حروف العطف. المعطوف غير المعطوف عليه فوجبا جميعا كما لو قال:
له على درهم ودرهم. ولأنا لو لم نوجب عليه الا درهما جعلنا كلامه لغوا واضرابه عنه غير مفيد. والاصل فى كلام العاقل أن يكون مفيدا.
ولو كان الذى اضرب عنه لا يمكن ان يكون المذكور بعده ولا بعضه بأن اضرب الى مغاير لما أضرب عنه مثل ان يقول: له على درهم بل دينارا أو ديناران. أو له على قفيز حنطة بل قفيز شعير. أو له على هذا الدرهم بل هذان لزمه الجميع بغير خلاف. لأن الاول لا يمكن ان يكون الثانى ولا بعضه فكان
стр. 7288
مقرا بهما. ولا يمكن رجوعه عن شئ منهما.
وكذلك كل جملتين اقر بأحداهما ثم رجع الى الأخرى لزماه .. وان قال: له على درهمان بل درهم. أو قال: له على عشرة بل تسعة لزمه الاكثر لانه اضرب عن واحد ونفاه بعد اقراره به فلم يقبل نفيه له بخلاف الاستثناء فأنه لا ينفى شيئا اقر به. وانما هو عبارة عن الباقى بعد الاستثناء. فاذا قال: له على عشرة الا درهما كان معناه تسعة (١).
وان قال: له على درهم قبله درهم أو بعده درهم لزمه درهمان. وان قال: قبله درهم وبعده درهم لزمه ثلاثة لأن قبل وبعد تستعمل للتقديم والتأخير فى الوجوب .. وان قال: له على درهم فوق درهم أو تحت درهم أو مع درهم. فقال القاضى يلزمه درهم لانه يحتمل فوق درهم فى الجودة أو فوق درهم لى وكذلك تحت درهم. وقوله. مع درهم يحتمل مع درهم لى. فلم يجب الزائد بالاحتمال .. وقال ابو الخطاب يلزمه درهمان لأن هذا اللفظ يجرى مجرى العطف فكونه يقتضى ضم درهم آخر الى المقر به. وقد ذكر ذلك فى سباق الاقرار فكان الظاهر أنه اقرار.
وان قال: له على درهم قبله دينار أو بعده دينار. أو فوقه أو تحته اربعة دينارا أو قال: قبله أو بعده أو فوقه أو تحته أو معه قفيز حنطة فالقول فى ذلك كالقول فى الدرهم الذى سبق بيانه (٢).
الاقرار بشئ من حدين أو من مبدأ الى نهاية:
اذا قال: له على ما بين درهم وعشرة.
لزمته ثمانية لان ذلك ما بينهما. وان قال:
من درهم الى عشرة ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها - يدخل المبدأ ولا تدخل الغاية كما فى قوله تعالى: «ثم أتمو الصيام الى الليل فيلزمه تسعة».
وثانيهما لا يدخل المبدأ ولا الغاية لانهما حدان والمقر به ما بينهما. فيلزمه ثمانية.
وثالثهما. يدخل المبدأ والغاية كما فى قوله - قرأت القرآن من أوله الى آخره فيلزمه ثمانية.
وثالثهما. يدخل المبدأ والغاية كما فى قوله - قرأت القرآن من أوله الى آخره فيلزمه عشرة فان قال: اردت بقولى من واحد الى عشرة مجموع الاعداد كلها أى الواحد والاثنان وهكذا الى العشرة لزمه خمسة وخمسون درهما لأن هذا هو مجموعها (٣).
التعيين بالجمع المجرد أو الموصوف:
وان قال: له على دراهم يلزمه ثلاثة لانها اقل الجمع. وان قال: له على دراهم كثيرة أو عظيمة أو وافرة. لزمه ثلاثة لأن الكثرة والعظمة والوفرة لاحد لها شرعا ولا لغة ولا عرفا. وتختلف بالاضافات واحوال الناس.
فالثلاثة اكثر عما دونها واقل مما فوقها. ومن الناس من يستعظم اليسير ومنهم من لا يستعظم الكثير. ويحتمل ان المقر اراد كثيره بالنسبة الى مادونها أو كثيره فى نفسه فلا تجب الزيادة بالاحتمال (٤).
стр. 7289
الاقرار بشئ فى شئ:
وان قال: له عندى درهم فى ثوب أو فى كيس أو زيت فى جرة أو تبن فى غرارة أو تمر فى جراب أو سكين فى قراب او فص فى خاتم أو كيس فى صندوق. أو قال: غصبت منه ثوبا فى منديل أو زيتا فى زق. ففيه وجهان.
احدهما يكون مقرا بالمظروف دون الظرف.
وهذا اختيارا بن حامد لأن اقراره لم يتناول الظرف بل انصب على المظروف فقط فيحتمل أن يكون فى ظرف للمقر فلا يعتبر اقرارا بالظرف مع الاحتمال.
والثانى .. يلزمه الجميع المظروف والظرف لانه ذكر ذلك وعبر به فى سياق الاقرار. ويصح أن يكون مقرا به فلزمه الجميع كما لو قال: له عندى عبد عليه عمامة.
حيث يلزمه العبد والعمامة. وان قال: له عندى جرة فيها زيت او جراب فيه تمر او قراب فيه سكين. فعلى وجهين. الاقرار بالمظروف فقط او به وبالمظروف وان قال له: عندى خاتم فيه فص فكذلك فيه وجهان الاقرار بالخاتم فقط او الاقرار به وبالفص. ويحتمل ان يكون مقرا به وقبضه وجها واحدا لان الفص جزء من اجزاء الخاتم فاشبه ما لو قال: له عندى ثوب فيه علم .. ولو قال: له عندى خاتم واطلق لزمه الخاتم بفصه لان اسم الخاتم يجمعهما.
وان قال: له عندى ثوب مطرز لزمه الثوب بطرازه (١).
الاقرار بالمال وتفسيره:
واذا أقر بمال قبل تفسيره بقليل المال وكثيره لأن اسم المال توقع على القليل والكثير ما يتمول عادة حقيقة وعرفا فيقبل تفسيره به وان قال: له على مال عظيم أو كثير وجليل أو خطير - جاز تفسيره بالقليل والكثير كما لو قال مال. ولم يزد عليه لأن ما فسر به المال فسر به العظيم. ولأن - العظيم والكثير لاحد له فى الشرع ولا فى اللغة ولا فى العرف ويختلف الناس فيه فمنهم من يستعظم القليل ومنهم من يستعظم الكثير ومنهم من يحتقر الكثير. فلم يثبت فى ذلك حد يرجع الى تفسيره به ولأنه ما من مال الا وهو عظيم كثير بالنسبة الى مادونه .. ويحتمل انه اراد عظيما عنده لفقر نفسه ودنائتها. وقد قال الله تعالى «اذكروا الله كثيرا» ولم ينصرف الى حد معين وقال: «كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن الله». ولم يحمل على عدد محدد فى مبدئه أو نهايته .. والحكم فيما اذا قال .. عظيم جدا. أو عظيم عظيم كالحكم فيما اذا لم يقله لما ذكر ..
ولو قال: له على أكثر من مال فلان ففسره بأكثر منه عددا أو قدرا لزمه اكثر منه.
وتفسر الزيادة بأى شئ أراد ولو حبة أو اقل وان قال: ما علمت لفلان أكثر من كذا وكذا وقامت البينة بأكثر منه لم يلزمه اكثر مما اعترف به لأن مبلغ المال حقيقة لا يعرف فى الاكثر. وقد يكون ظاهرا وباطنا فيملك مالا يعرفه المقر فكان المرجع الى ما اعتقده المقر مع يمينه اذا ادعى عليه اكثر منه. وان فسر ما اقر به بأقل من مال فلان هذا مع علمه بماله لم يقبل منه. وقال اصحابنا: يقبل بالقليل والكثير سواء علم بمال فلان أو جهله. أو ذكر قدره أو لم يذكره أو قال عقب الشهادة بقدره او لا لانه يحتمل ان المقر اراد بقوله.
اكثر من مال فلان. اكثر منه بقاء أو منفعة
стр. 7290
أو بركة لكونه من الحلال أو لأنه فى الذمة.
قال القاضى: ولو قال لى عليك الف دينار فقال: لك على اكثر من ذلك لم يلزمه اكثر منها لأن لفظة اكثر مبهمة لاحتمالها ما ذكرنا ويحتمل انه اكثر منه فلوسا أو حب حنطة أو شعيرا أو دخن فيرجع فى تفسيرها اليه ..
وهذا بعيد فان لفظة أكثر انما تستعمل حقيقة فى العدد أو فى القدر وينصرف الى جنس ما أضيف اكثره اليه. لا يفهم فى الاطلاق غير ذلك. قال الله تعالى: «كانوا أكثر منهم».
وأخبر عن الذى قال: «أنا أكثر منك مالا.» «وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا» والاقرار يؤخذ فيه بالظاهر دون مطلق الاحتمال ..
ولهذا لو أقر بدراهم لزمه اقل الجمع جيادا صحاحا وازنة حاله. ولو قال له على دراهم لم يقبل تفسيرها بالوديعة. ولو رجع الى مطلق الاحتمال لسقط الاقرار (١).
التعبير بعندى يقبل التفسير بالوديعة والدين:
من اقر بقوله: له عندى دراهم. مائة أو ألفا أو أى عدد ثم فسر اقراره بأنها وديعة قبل تفسيره لا خلاف فى ذلك بين اهل العلم.
سواء فسره بكلام متصل أو منفصل لأنه فسر لفظه بما يقتضيه تقبل منه كما لو قال: له على دراهم وفسرها بدين عليه - فعند ذلك تثبت فيها احكام الوديعة بحيث لو ادعى تلفها بعد ذلك أو ردها كان القول قوله. وان فسرها بدين عليه قبل أيضا لأنه يقر على نفسه بما هو أغلظ. وان قال: له عندى وديعة رددتها اليه أو تلفت لزمه ضمانها ولم يقبل قوله .. رددتها أو تلفت .. لما فيه من مناقضة الاقرار والرجوع عما اقر به. فان الالف المردود والتالفة ليست عنده اصلا ولا هى وديعة. وكل كلام يناقض الاقرار ويجعله بحيث أن يكون مردودا. وقال القاضى: يقبل قوله لان أحمد قال فى رواية ابن منصور: اذا قال: لك عندى وديعة دفعتها اليك صدق لانه ادعى تلف الوديعة أو ردها فقبل كما لو ادعى ذلك بكلام منفصل. ان قال: كانت عندى وظننتها باقية ثم عرفت انها كانت قد هلكت فالحكم فيها كالتى قبلها (٢).
التعبير. بعلى. لا يقبل التفسير بالوديعة:
ولو أقر بدراهم بقوله. له على دراهم.
وحددها ثم فسره بالوديعة لم يقبل قوله. فلو ادعى بعد هذا تلفها لم يقبل قوله لأن على للايجاب وذلك يقتضى كونها فى ذمته. ولذلك لو قال: ما على فلان على كان ضامنا له.
والوديعة ليست فى ذمته ولا هى عليه وانما هى عنده .. وقال القاضى ما يدل على انه يقبل قوله انها وديعة واذا ادعى بعد ذلك تلفها يقبل قوله لان الوديعة عليه حفظها وردها. فاذا قال: على وفسرها بذلك احتمل صدقه فقبل منه كما لو وصله بكلامه فقال:
على الف وديعة. ولان حروف الصفات يخلف بعضها بعضا فيجوز ان يستعمل على معنى عندى كما قال الله تعالى اخبارا عن موسى ﵇ انه قال: «ولهم على ذنب فأخاف أن يقتلون» أى عندى .. ورد بأن ما ذكر مجاز طريقه حذف المضاف واقامة المضاف اليه مقامه أو اقامة حرف مقام حرف.
والاقرار يؤخذ فيه بظاهر اللفظ بدليل أنه لو قال: له على دراهم لزمته ثلاثة دراهم وان
стр. 7291
جاز التعبير بلفظ الجمع عن اثنين وعن واحد كقول الله تعالى «فإن كان له أخوة فلأمه السدس» ومواضع كثيرة فى القرآن الكريم ولو قال: له على درهم وقال اردت نصف درهم فحذفت المضاف واقمت المضاف اليه مقامه لم يقبل منه … ولو قال: لك من مالى الف فقال صدقت ثم قال: اردت أن عليك من مالى الفا وأقمت اللام مقام على كقول الله تعالى «وان أسأتم فلها. لم يقبل منه ..
ولو قيل فى الاقرار مطلق الاحتمال لسقط ولقبل تفسير الدراهم عند الاطلاق بالناقصة والزائفة والمؤجلة مع انه لا يقبل وينصرف الى الكاملة كما تقدم … واما اذا قال: لك على الف. ثم قال: كان وديعة فتلف لم يقبل قوله لأنه متناقض. وقد سبق نحو من هذا (١).
اذا اضاف المقر الملك الى نفسه:
يصح الاقرار ولو مع اضافة المقر الملك الى نفسه كقوله: عبدى هذا ..
ودارى هذه لزيد .. اذ الاضافة تكون لأدنى ملابسة تنافى الاقرار (٢).
«وان قال (٣): له فى مالى هذا الف. أو من مالى الف وفسره بدين أو وديعة أو وصية فيه قبل وقال بعض أصحاب الشافعى لا يقبل اقراره لان ماله ليس هو لغيره .. ولنا انه اقر بالف فقبل كما لو قال: فى مالى. ويجوز أن يضيف اليه مالا بعضه لغيره ويجوز أن يضيف اليه مال غيره لاختصاص له به. أو يد له عليه. أو ولاية قال الله تعالى «ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التى جعل الله لكم قياما. وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا.» وقال سبحانه فى النساء «ولا تخرجوهن من بيوتهن» وقال لأزواج رسول الله ﷺ «وقرن فى بيوتكن» فلا يبطل اقراره مع احتمال صحته وان قال: اردت من هبة قبل منه لأنه محتمل وان امتنع من تقبيضها لم يجبر عليه لأن الهبة فيها لا تلزم قبل القبض .. وكذلك يخرج فيما اذا قال: لفلان فى دارى هذه نصفها. أو من دارى بعضها .. وقد نقل عن احمد ما يدل على روايتين. قال فى رواية منهما فيمن قال:
نصف عبدى هذا لفلان - لم يجز الا ان يقول. قد وهبته. وان قال: نصف مالى هذا لفلان لا اعرف هذان ونقل ابن منصور.
اذا قال: فرسى هذه لفلان فأقراره جائز.
فظاهر هذا صحة الاقرار. فأن قال: له على فى هذا الحال نصفه. أو له نصف هذه الدار فهو اقرار صحيح. وان قال: له فى هذا المال الف صح. وان قال: له فى ميراث ابى الف فهو اقرار بدين على التركة. وان قال فى ميراثى من ابى وقال: أردت هبة قبل منه.
ولانه اذا اضاف الميراث الى ابيه فمقتضاه ما خلفه فيقتضى وجوب المقر به فيه.
واذا اضاف الميراث الى نفسه فمعناه ما ورثنه وانتقل الى. فلا يحمل على الوجوب واذا اضاف اليه منه جزءا فالظاهر انه جعل له جزءا من ماله.
اذا قال على كذا. أو كررها بعطف وبدونه:
اذا قال المقر: له على كذا ففيه ثلاث مسائل. احداها أن يقول: كذا بدون تكرار
стр. 7292
والثانية. أن يكون لفظ. كذا - بدون عطف فيقول: له على كذا كذا. الثالثة. أن يكرر لفظ. كذا مع العطف. فيقول: له على كذا وكذا ..
فاما الاولى: فاذا قال: له على كذا درهم فأما أن يرفع لفظ - درهم - أو يجره أو ينصبه أو يسكنه. فأن رفعه لزمه درهم وتقديره حينئذ - شئ هو درهم فجعل الدرهم بدلا من كذا. وان جره لزمه جزء من درهم يرجع فى تفسيره وتحديده اليه .. والتقدير:
له على جزء درهم أو بعض درهم. ويكون لفظ - كذا - كتابة عن هذا الجزء. وان نصبه لزمه درهم ويكون منصوبا على التفسير وهو التمييز. وقال بعض النحويين هو منصوب على القطع. كأنه قطع ما ابتدأ به وأقر بدرهم - وهذا على رأى الكوفيين. وان سكنه أى ذكره بالوقف فيقبل تفسيره بجزء درهم ايضا لأنه يجوز أن يكون اسقط حركة الجبر للوقف .. وقال القاضى: يلزمه درهم فى الحالات كلها.
واما الثانية:
اذا قال: له على كذا كذا بدون عطف.
فالحكم فيها الحكم فى المسألة الأولى وهى ما اذا اقر بكذا بدون تكرار سواء بسواء لا يتغير الحكم ولا يقتضى التكرار وزيادة - كأنه قال له على شئ شئ ولانه اذا قاله بالجر احتمل أن يكون قد اضاف جزءا الى جزء ثم اضاف الجزء الآخر الى الدرهم فقال: نصف تسع درهم. وهكذا لو قال: كذا. كذا.
كذا لأنه يحتمل أن يريد ثلث خمس سبع.
وأما الثالثة اذا عطف فقال له على كذا وكذا درهم بالرفع لزمه درهم واحد لانه ذكر شيئين ثم أبدل منهما درهما فصار كأنه قال:
هما درهم وان قال درهما بالنصب ففيه ثلاثة أوجه.
الوجه الاول - يلزمه درهم واحد وهو قول ابى عبد الله بن حامد والقاضى لأن كذا يحتمل اقل من درهم فاذا عطف عليه مثله ثم فسرها بدرهم واحد جاز وكان كلاما صحيحا - والوجه الثانى - يلزمه درهمان وهو اختيار أبى الحسن التيمى لانه ذكر جملتين فاذا فسر بدرهم عاد التفسير الى كل واحدة منهما ..
والوجه الثالث .. يلزمه اكثر من درهم ..
ولعله ذهب الى ان الدرهم تفسير للجملة الثانية التى تليه فيلزمه بها درهم. والأولى باقية على ابهامها فيرجع فى تفسيرها اليه.
وهذا يشبه مذهب التميمى.
وما قيل فى هذه التفسيرات اخذ فيه بالاقل وهو اليقين لان ما زاد مشكوك فيه فلا يجب بالشك كما لو قال: له على دراهم لم يلزمه الا اقل الجمع مع احتماله اكثر من ذلك.
الاقرار ببعض المدعى لاحد المدعيين:
واذا ادعى رجلان دارا بينهما ملكاها بسبب يوجب الاشتراك كأن يقولا: ورثناها أو اشتريناها معا. فأقر المدعى عليهما بنصفها لاحدهما فذلك لهما جميعا لانهما ذكرا ان الدار لهما مشاعة فاذا غصب غاصب نصفها كان المغصوب منهما والباقى بينهما .. وان لم يكونا ادعيا شيئا يقتضى الاشتراك بل ادعى كل واحدة منهما نصفها فاقر لاحدهما بما ادعاه لم يشاركه الاخر وكان على خصومته لانهما لم يعترفا بالاشتراك. فأن اقر لاحدهما
стр. 7293
بالكل وكان المقر له يعترف للآخر بالنصف سلمه اليه. وكذلك ان كان قد تقدم اقراره بذلك وجب تسليم النصف اليه لأن الذى هى فى يده قد اعترف له بها فصار بمنزلته فيثبت لمن يقر له .. وان لم يكن اعترف للاخر وادعى جميعها أو ادعى اكثر من النصف فهو له فأن قيل: فكيف يملك جميعها ولم يدع الا نصفها.؟. قلنا: ليس من شروط صحة الاقرار تقدم الدعوى بل متى اقر الانسان بشئ فصدقه المقر له ثبت. وقد وجد التصديق ههنا فى النصف الذى سبق دعواه.
ويجوز أن يكون قد اقتصر على دعوى النصف لأن له حجة به أو لان النصف الآخر قد اعترف له به فادعى النصف الذى لم يعترف به. فان لم يصدقه فى اقراره بالنصف الذى لم يدعه ولم يعترف به للآخر ففيه ثلاثة أوجه:
احدها يبطل الاقرار به لانه اقر به لمن لا يدعيه - الثانى - ينزعه الحاكم من يده حتى يثبت لمدعيه. ويؤجره ويحفظ أجرته لمالكه.
والوجه الثالث - يدفع الى مدعيه لعدم المنازع فيه. ومذهب الشافعى فى هذا الفصل كله كنحو ما ذكرنا.
رجوع المقر عن اقراره:
لا يقبل رجوع المقر (١) عن إقراره لتعلق حق المقر له بالمقر له إلا فيما كان حدا لله تعالى فيقبل رجوعه عنه لأن الحد يدرأ بالشبهة وأما حقوق الآدميين وحقوق الله تعالى التى لا تدرأ بالشبهات كالزكاة والكفارات فلا يقبل رجوع المقر عن الاقرار بها.
لا يقبل رجوع المقر (٢) عن اقراره الا فيما كان حدا لله تعالى يدرأ بالشبهات ويحتاط لاسقاطه. فأما حقوق الآدميين وحقوق الله تعالى التى لا تدرأ بالشبهات كالزكاة والكفارات فلا يقبل رجوعه عنها ولا نعلم فى هذا خلافا. فاذا قال: هذه الدار لزيد لابل لعمرو او ادعى زيد على ميت شيئا من تركته فصدقه ابنه ثم ادعاه عمرو فصدقه حكم به لزيد ووجبت عليه غرامته لعمرو. وهو ظاهر احد قولى الشافعى.
وقال فى الآخر لا يلزم لعمرو شيئا وهو قول ابى حنيفة لانه اقر له بما عليه الاقرار به.
وانما منعه الحكم من قبوله وذلك لا يوجب الضمان.
ولنا. انه حال بين عمرو وبين ملكه الذى اقر له به باقراره لغيره فلزمه غرمه كما لو شهد رجلان على اخر باعتاق عبده ثم رجعا عن الشهادة ..
وان قال: غصبت هذه الدار من زيد لا بل من عمرو أو غصبتها من زيد وغصبها زيد من عمرو. حكم بها لزيد ولزمه تسليمها اليه ويغرمها لعمرو. لأنه اقر بالغصب الوجب للضمان والرد على المغصوب منه. ثم لم يرد ما اقر بغصبه فلزمه ضمانه كما لو تلف بفعل الله تعالى .. قال احمد فى رواية ابن منصور فى رجل قال لرجل.
استودعتك هذا الثوب فقال صدقت. ثم قال: استودعنيه رجل آخر فالثوب للاول ويغرم قيمته للأخر. ولا فرق فى هذا الفصل بين أن يكون اقراره بكلام متصل أو منفصل.
стр. 7294
الاقرار بالنسب:
الاقرار بالنسب على ضربين:
الاول أن يقر بنسب على نفسه خاصة كأن يقر لولد أو أب.
والثانى أن يقر بنسب على نفسه وعلى غيره. كأن يقر بأخ فيه الاقرار على نفسه بالاخوة وعلى غيره وهو الاب ببنوة هذا المقر له للاب اذ لا يكون اخا للمقر الا اذا كان ابنا لابيه. أو يقر بعم فيه الاقرار على نفسه بالعمومة وعلى جده بالبنوة اذ لا يكون عما للمقر الا اذا كان ابنا للجد.
شروط الاقرار بالنسب:
ويشترط لثبوت النسب بالاقرار فى الضرب الأول أربعة شروط ..
احدها .. ان يكون المقر بنسبه مجهول النسب فان كان معروف النسب من الغير لم يصح الاقرار بنسبه لانه يقطع نسبه الثابت من الغير. وقد لعن النبى ﷺ من انتسب الى غير ابيه أو تولى غير مواليه ..
والثانى .. ان لا ينازعه فيه منازع لابنه اذا نازعه فيه غيره تعارضا فلم يكن الحاقه بأحدهما اولى من الآخر ..
والثالث .. أن يمكن صدقه بأن يكون المقر له فى سن يولد مثله لمثل المقر وبان يكون المقر أكبر منه بعشر سنين فأكثر ..
والرابع .. أن يصدق المقر له المقر فى اقراره ان كان ذا قول معتبر شرعا بأن يكون مكلفا .. فان كان غير مكلف بأن كان صغيرا أو مجنونا لم يعتبر تصديقه. فان كبر الصغير أو عقل المجنون وانكر الاقرار لم يسمع انكاره لان نسبه ثابت وجرى ذلك مجرى من ادعى ملك عبد صغير فى يده وثبت بذلك ملكه فلما كبر جحد ذلك .. ولو طلب احلافه على ذلك لم يستحلف لان الاب لو عاد فجحد النسب لم يقبل منه .. وان اعترف انسان بأن هذا ابوه. فهو كاعترافه بانه ابيه.
اما الضرب الثانى: وهو الاقرار بنسب على نفسه وعلى غيره كالاقرار بأخ أو عم.
فيشترط فيه الشروط الأربعة المذكورة ايضا.
وشرط خامس. وهو أن يكون المقر حائزا كل الميراث. أى جميع الورثة. فان كان المقر زوجا أو زوجة لا وارث معها لم يثبت النسب بأقرارها لان المقر فى هذه الحالة لا يحرز كل الميراث فان اعترف به معه الامام ثبت النسب لانه قائم مقام المسلمين فى مشاركة الوارث الذى لا يحرز كل الميراث واخذ الباقى وان كان الوارث بنتا أو أختا أو أما أو ذا فرض يرث جميع المال بالفرض والرد ثبت النسب بأقراره كالابن لانه يرث المال كله فرضا وردا .. وان كانت بنت واخت أو أخت وزوج ثبت النسب بأقرارهما لانهما يأخذان كل المال .. واذا اقر بابن ابنه وابنه ميت اعتبرت فيه الشروط التى تعتبر فى الاقرار بالاخ لأنه من الضرب الثانى اذ يتضمن الاقرار على ابنه المباشر الميت ببنوة المقر له.
وان كان للمقر ولدان احدهما غير وارث لكونه رقيقا أو مخالفا لدين مورثه أو قاتلا فلا عبرة به وثبت النسب بأقرار الولد الآخر
стр. 7295
وحده لانه يحرز كل الميراث ثم ان كان المقر له من أهل الميراث ورث مع المقر. وان كان غير وارث لوجود احد الموانع فيه ثبت نسبه ولم يرث سواء كان المقر مسلما أو كافرا وان كان للميت ولدان وكان احدهما غير مكلف صغيرا أو مجنونا - واقر المكلف بأخ ثالث لم يثبت النسب بأقراره لانه لا يحوز كل الميراث .. فأن بلغ الصغير أو افاق المجنون فأقرا بالاخ الثالث مع المكلف الذى سبق اقراره ثبت النسب بذلك لاتفاق جميع الورثة عليه. وان انكر بعد البلوغ أو الافاقة لم يثبت النسب .. وان بات الصغير أو المجنون قبل التكليف ثبت نسب المقر له بالاقرار السابق من الولد المكلف لانه وجد الاقرار فى هذه الحالة ممن يحوز كل الميراث
ولو كان الولدان بالغين عاقلين فأقر أحدهما بأخ ثالث وانكر الآخر. ثم مات المنكر وورثه المقر فقط ثبت نسب المقر له بأقرار الولد الباقى لان هذا المقر صار جميع الورثة واخذ كل الميراث اصلا وفرعا. فأشبهه ما لو اقر به ابتداء بعد موت اخيه وهذا لم يكن للمنكر المتوفى وارث سوى اخيه الباقى المقر بنسب الثالث .. اما اذا كان للمنكر المتوفى وارث سوى اخيه المقر أو من يشاركه فى ميراثه لم يثبت النسب بقول المقر الباقى قولا واحدا لانه لا يحوز كل الميراث فى هذه الحالة
ويقوم وارث المنكر الميت مقامه حينئذ فان وافق المقر فى اقراره ثبت النسب لوجود الاقرار من الجميع حينئذ. وان خالفه كمورثه لم يثبت نسب الثالث. وان خلف الميت ولدين فأقر احدهما بأخ ثالث وانكره الآخر ثم مات هذا المنكر وخلف ابنا فأقر هذا الابن بالذى انكره ابوه ثبت نسبه لاقرار جميع الورثة به حينئذ. ويحتمل ان لا يثبت لانكار الميت له (١).
اقرار الوارث بمن يحجبه:
واذا اقر بمن يحجبه كأخ اقر بابن للميت.
واخ من اب اقر بأخ من ابوين وابن ابن اقر بابن للميت ثبت نسب المقر به وورث وسقط المقر واصبح غير وارث .. وهذا اختيار ابن حامد والقاضى وقول ابى العباس بن سريح ..
وقال أكثر اصحاب الشافعى يثبت نسب المقر به ولكن لا يرث لان توريثه يقضى الى اسقاط توريثه فسقط .. بيان ذلك: انه لو ورث لادى ذلك الى عدم وراثة المقر بنسبه لانه يحجبه كما هو وضع المسألة واذا خرج المقر عن كونه وارثا بمقتضى ذلك يبطل اقراره بنسب هذا الحاجب لان شرط صحة الاقرار بنسب ان يكون المقر حائز لكل الميراث. وقد اصبح المقر غير وارث البتة. واذا بطل الاقرار سقط نسب المقر وبالتالى سقط ارثه.
فادى توريثه الى سقوط نسبه وتوريثه.
فقيل يثبت نسبه ولكن لا يرث.
ولنا انه ابن ثبت نسبه باقرار صحيح ولم يوجد فى حقه مانع من موانع الارث المعتبرة شرعا فيدخل فى عموم قوله تعالى:
(يوصيكم الله فى اولادكم للذكر مثل حظ الانثيين) فيرث نتيجة لثبوت نسبه كما لو ثبت نسبه ببينة. ولان ثبوت النسب سبب للميراث فلا يجوز قطع حكمه عنه. ولا يرث من يحجب به مع وجوده وسلامته من الموانع وما احتجوا به لا يصح. لانا انما نشترط كون المقر وارثا وحائزا كل الميراث على تقدير عدم
стр. 7296
ووجود المقر به .. وخروجه بالاقرار على الارث لا يمنع صحة الاقرار بدليل ان الابن اذا أقر بأخ له أى بابن ثان للميت فانه يثبت نسبه ويرث بالاتفاق مع كونه يخرج بهذا الاقرار عن ان يكون حائزا لجميع الميراث .. فان قيل:
انما يقبل اقراره اذا صدقه المقر به فى الاقرار فصار اقرارا من جميع الورثة اى من الحائز لكل الميراث .. وان كان المقر به صغيرا او مجنونا لم يعتبر قوله فقد اقر كل من يعتبر قوله - قلنا ومثله ههنا فانه ان كان المقر به كبيرا عاقلا فلابد من تصديقه وحينئذ يكون قد اقر به كل الورثة وان كان صغيرا او مجنونا غير معتبر القول لم يثبت النسب بقول الاخر حتى يكتمل الناقص ويصدق مع المقر.
كما لو كانا ابنين احدهما صغيرا فأقر البالغ بأخ لم يقبل لانه غير حائز لكل الميراث. ولم يقولوا انه لا تعتبر موافقة غير البالغ كذا ههنا ولانه لو كان فى يدى انسان عبد محكوم له بملكه فأقر به لغيره ثبت الملك للمقر له باقرار المالك. وان كان السيد المقر قد خرج بالاقرار عن كونه مالكا. كذا ههنا (١).
تعدد المقر لهم واختلافهم:
واذا خلف الميت ابنا فاقر بأخ له اى بابن ثان للميت ثبت نسبه ثم ان اقر بثالث ثبت نسبه ايضا لانه اقرار من جميع الورثة .. فان قال الثالث: الثانى ليس بأخ لنا.
قال القاضى: يسقط نسب الثانى لان الثالث قد اصبح وارثا ثابت النسب بالاقرار وقد انكر نسب الثانى فيسقط. فاشبه ما لو كان هذا الثالث ثابت النسب قبل الثانى وانكر الاقرار به.
وهناك وجه آخر وهو انه لا يسقط نسب الثانى ولا ميراثه بانكار الثالث. لان نسبه ثبت قبل ثبوت نسب الثالث بأقرار الاول وثبت ميراثه نتيجة لذلك فلا يسقط النسب بعد ثبوته. ولانه اقر به من هو كل الورثة ويحوز كل الميراث حين الاقرار اى ثبت بطريق صحيح شرعا وثبت الميراث فلا يسقط بعد ثبوته ولان الثانى لو انكر الثالث لم يثبت نسبه وانما ثبت نسبه باقراره مع الاول فلا يجوز له أن يسقط نسب شخص ثبت نسبه هو بأقرار ذلك الشخص كالاول ولأن ذلك يؤدى الى اسقاط الاصل بالفرع الذى يثبت به.
وان أقر ابن الميت باخوين له اى ابنين اخرين للميت دفعة واحدة فصدقه كل واحد منهما صاحبه ثبت نسبهما .. وان تكاذبا ففيهما وجهان.
أحدهما .. لا يثبت نسبهما لان كل واحد منهما لم يقر به كل الورثة .. والثانى ..
يثبت نسبهما لان كل واحد منهما وجد الاقرار به من ثابت النسب الحائز لكل الميراث حين الاقرار فلم تعتبر موافقة غيره .. كما لو كانا صغيرين. فان كان احدهما يصدق صاحبه دون الاخر ثبت نسب المتفق عليه منهما. وفى الاخر وجهان .. وان كانا توأمين ثبت نسبهما ولم يلتفت الى انكار المنكر منهما سواء تجاحدا معا او جحد احدهما صاحبه لأننا نعلم كذبهما فان التوأمين لا يفترقان .. ولو اقر الوارث نسب أحد التوأمين ثبت نسب الاقرار
стр. 7297
لانهما لا يفترقان فى النسب ولو اقر بنسب صغيرين دفعة واحدة ثبت نسبهما على الوجه الذى يثبت به نسب الكبيرين المتجاحدين.
وهل يثبت على الوجه الاخر به؟ يحتمل ان يثبت لانه اقر به كل الورثة حين الاقرار ولم يجحده احد فاشبه مالو انفرد .. ويحتمل ان لا يثبت لان احدهما وارث ولم يقر بصاحبه فلم يجتمع كل الورثة على الاقرار به. ويدفع المقر الى كل واحد منهما ثلث الميراث سواء قلنا بثبوت النسب او لم نقل لانه مقر به.
واذا خلف الميت زوجة واخا فأقرت الزوجة بابن للميت وانكر الاخ لم يثبت نسبه ودفعت اليه ثمن الميراث وهو الزائد فى يدها عما تستحقه بالميراث على فرض وجود الابن وهو موجود بأقرارها فى رأيها فتعامل به.
وان اقر به الاخ وحده لم يثبت نسبه ايضا لانه لا يحوز كل الميرات مع وجود الزوجة ..
ودفع اليه جميع ما فى يده وهو ثلاثة ارباع المال بعد نصيب الزوجة. معاملة له باقراره ..
وان خلف الميت ابنين فأقر احدهما بأمرأة لابيه وانكر الاخر لا تثبت الزوجية بالاقرار. ولكن يدفع اليها المقر نصف ثمن الميراث حقها فيما فى يده منه لان الزوجية زالت بالموت وانما المقر به حقها من الميراث. وهناك وجه اخر انها لا تستحق شيئا. وان كان للميت امرأة أخرى فلا شئ للمقر لها على الرأى الأول لان الفضل الذى لا تستحقه ليس فى يد المقر وانما هو فى يد الزوجة الأخرى (١).
شهادة بعض الورثة بنسب المشارك لهم:
واذا شهد من الورثة رجلان عدلان نسب مشارك لهما فى الميراث ثبت نسبه اذا لم يكونا متهمين فى اثبات نسبه. وكذلك ان شهدا على اقرار الميت بهذا النسب تقبل الشهادة.
وان كانا متهمين كأخوين من ام يشهدان بأخ شقيق للمتوفى فى مسألة فيها زوج واختان من ابوين لم تقبل شهادتهما لان ثبوت نسب الاخ الشقيق يسقط العول فيتوفر للاخوين من الام الثلث فرضا وكذلك لو شهدا لاخوان من الام بأخ من الابن فى مسألة فيها معهما ام واخت شقيقة واخت من اب لم تقبل شهادتهما لان ثبوت نسب الاخ من الاب يسقط اخته اذا تصبح عصبة بالغير فيذهب العول من المسألة ويستفيد الشاهدان. فان لم يكن الاخوان من الام وارثين او لم تكن هناك تركة يستفيدان بشهادتهما منها وقبلت شهادتهما وثبت النسب لعدم التهمة.
وان اقر رجلان عدلان من الورثة بنسب مشارك لهما فى الميراث. وهناك وارث غيرهما لم يثبت النسب الا ان يشهدا به لانه اقرار من بعض الورثة فلم يثبت النسب به كاقرار الواحد. وفارق الشهادة لانها تعتبر فيها العدالة والذكورية والعدد والاقرار بخلافه.
ولو شهدا به ثبت فى غير موضع التهمة (٢).
الاقرار بنسب الميت:
واذا اقر بنسب ميت صغير أو مجنون واستوفى الشروط ثبت نسبه من المقر وورثه لان علة ثبوت النسب فى حال الحياة هو
стр. 7298
الاقرار الصحيح المستوفى للشروط المقررة.
وهو موجود بعد الموت - فيثبت به كحالة الحياة والقول بأن هذا الاقرار فيه تهمة قصد التوصل للميراث والحصول على حال المقر بنسبه. لا يعول عليه اذ لو كان كذلك لبطل الاقرار بنسب الصغير والمجنون فى حال الحياة اذا كانا موسرين او كان المقر فقيرا مع انه يثبت النسب فى الحالتين ويملك المقر التصرف فى المال والانفاق منه على نفسه بحكم صلة النسب الناشئة عن الاقرار.
وهناك رأى بثبوت النسب دون الميراث للتهمة.
وان كان المقر بنسبه كبيرا عاقلا ومات وحصل الاقرار بالنسب بعد الموت فكذلك فى قول القاضى لأنه لا قول له بعد الموت فأشبه الصغير. وهناك وجه آخر لا يثبت النسب لان نسب المكلف لا يثبت الا بتصديقه ولم يوجد.
ويجاب عن هذا بانه غير مكلف. واشتراط التصديق انما هو بالنسبة للمكلف. فان ادعى نسب المكلف فى حياته فلم يصدقه المقر به حتى مات المقر ثم صدقه بعد موت المقر ثبت نسبه لانه وجد الاقرار والتصديق من المقر به فاشبه مالو صدقه فى حياته .. وقال ابو الخطاب واذا اقر رجل بزوجية امرأة او اقرت امرأة ان فلانا زوجها. فلم يصدقه المقر به الا بعد موت المقر ورثه لانه وجد الاقرار والتصديق معا.
واذا خلف الميت زوجة وابنا من غيرها فاقر الابن بأخ له اى ابن آخر للميت لم يثبت نسبه بهذا الاقرار لان المقر لا يحوز كل الميراث .. ولكن هل يتوارث الاخوان فيما بينهما؟.
فيه وجهان: أحدهما يتوارثان لان كل واحد منهما يقر بأنه لا وارث له سوى صاحبه ولا منازع لهما.
والثانى. - لا يتوارثان لان النسب بينهما لم يثبت. فأن كل لكل واحد منهما وارث غير صاحبه لم يرثه لانه منازع فى الميراث لم يثبت نسبه (١).
انكار النسب بعد الاقرار به:
واذا ثبت النسب بالاقرار ثم انكر المقر النسب لم يقبل انكاره لانه نسب ثبت بحجة شرعية فلم يزل بانكاره كما لو ثبت ببينة او بالفراش وسواء كان المقر به مكلفا وصدق المقر او غير مكلف .. ويحتمل ان يسقط نسب المكلف باتفاقهما على الرجوع عنه لانه ثبت باتفاقهما فيزول برجوعهما كالمال. والاول اصح لانه نسب ثبت بالاقرار فاشبه نسب الصغير والمجنون وفارق المال لان النسب يحتاط لاثباته (٢).
اقرار المراة بالولد:
واذا اقرت المرأة بولد ولم تكن ذات زوج ولا نسب معروف قبل اقرارها. وان كانت ذات زوج فهل يقبل اقرارها؟ على روايتين احداهما لا يقبل لان فيه حمل نسب الولد على زوجها ولم يقر به او فيه الحاق العار به بولادة امرأته ولدا من غيره .. والثانية يقبل لانها شخص اقر بولد يحتمل أن يكون منه فقيل كالرجل يقر بالولد. وقال احمد فى رواية ابن منصور فى امرأة ادعت ولدا فأن كان لها اخوة او نسب معروف فلابد من ان يثبت انه ابنها
стр. 7299
لانها متى كانت ذات اهل فالظاهر انه لا تخفى عليهم ولادتها فمتى ادعت ولدا لا يعرفونه فالظاهر كذبها .. ويحتمل ان تقبل دعواها مطلقا لان النسب يحتاط له فأشبهت الرجل.
ولو قدمت امرأة من بلاد الروم معها طفل فأقر به رجل لحقه لوجود الامكان وعدم المنازع لانه يحتمل ان يكون الرجل المقر دخل ارضهم او دخلت هى دار الاسلام ووطئها.
والنسب يحتاط لاثباته .. ولهذا لو ولدت زوجة رجل .. وهو غائب عنها بعد عشرين سنة من غيبته لحقه وان لم يعرف له قدوم اليها ولا عرف لها خروج من بلدها (١)
هل الاقرار بنسب الصغير اقرار بزوجية امه ؟
واذا اقر بنسب صغيرا لم يكن مقرا بزوجية امه لان الزوجية ليست مقتضى لفظ الاقرار بالنسب ولا مضمونه فلم يكن فى اقراره بنسب الصغير مقرا بها. وما يقال من ان انساب المسلمين يجب حملها على الصحة فاذا اقر بنسب الصغير يكون مقرا بالزوجية الصحيحة من أمه - لا يصح فأن النسب محمول على الصحة وقد يكون من وط ء فى انكاح صحيح او من وط ء بشبهة فلا يلزم المقر بحكم اقراره ما لم يتضمنه لفظ ولم يوجبه.
اقرار الوارث بدين على ابيه المتوفى:
اذا اقر الوارث بدين على مورثه قبل اقراره بغير خلاف لاحد فى ذلك. ويتعلق ذلك بتركة الميت كما لو اقر به الميت قبل موته فان لم يخلف الميت تركة لم يلزم الوارث بشئ لأنه لا يلزمه اداء دين أبيه اذا كان حيا مفلسا فكذلك اذا كان ميتا. وان خلف تركة تعلق الدين بها. فأن احب الوارث تسليمها فى الدين لم يلزمه الا ذلك وان احب استخلاصها وايفاء الدين من ماله فله ذلك. ويلزمه حينئذ اقل الامرين من قيمة التركة او قدر الدين بمنزلة الجانى .. فأن كان الوارث واحدا فحكمه هو ما ذكر. وان كان الورثة اثنين او اكثر. وثبت الدين باقرار الميت او ببينة او بأقرار جميع الورثة فالحكم كذلك. واذا اختار الورثة فى هذه الحالة اخذ التركة وقضاء الدين من اموالهم فعلى كل واحد منهم من الدين بقدر ميراثه .. وان ثبت الدين بأقرار واحد من الورثة فى حالة تعددهم لزمه من الدين بقدر ميراثه. والخيرة اليه فى تسليم نصيبه من التركة فى الدين واستخلاصه واداء الدين من ماله.
وفى معرفة نصيبه من الدين وان كان الورثة اثنين لزمه النصف. وان كانوا ثلاثة فعليه الثلث وهكذا. لانه فى حالة التعدد لا يستحق أكثر من نصف التركة فلا يلزمه اكثر من نصف الدين كما لو اقر اخوه بالدين معه. ولانه اقرار يتعلق بحصته وحصة اخيه فلا يلزمه الا ما يخصه كالاقرار بالوصية واقرار احد الشريكين على مال التركة. ولانه حق لو ثبت ببينة او قول الميت او اقرار جميع الورثة لم يلزمه الا نصفه على اسوأ الحالات فلم يلزمه بأقراره واكثر من النصف كالوصية لان شهادته بالدين مع غيره تقبل .. ولو لزمه اكثر من حصته لم تقبل شهادته لانه يجريها نفعا الى نفسه.
стр. 7300
اقرار المريض:
اقراره بالدين لغير الوارث:
والاقرار بدين فى مرض الموت كالاقرار فى الصحة اذا كان لغير وارث. وهذا هو ظاهر المذهب وهو قول اكثر اهل العلم.
قال ابن المنذر: أجمع كل من تحفظ عنه من اهل العلم على ان اقرار المريض فى مرض الموت لغير الوارث جائز .. وحكى اصحابنا رواية اخرى انه لا يقبل لانه اقرار فى مرض الموت اشبه الاقرار لوارث ..
وقال ابو الخطاب: فيه رواية اخرى.
انه لا يقبل اقرار المريض بزيادة على الثلث لانه ممنوع من عطية ذلك للاجنبى كما هو ممنوع من عطية الوارث فلا يصح اقراره بمالا يملك عطيته بخلاف الثلث فما دون .. ولنا انه اقرار غير متهم فيه فقبل كالاقرار فى الصحة يحققه أن حالة المرض اقرب الى الاحتياط لنفسه وابراء ذمته وتحرى الصدق فكان اولى بالقبول وفارق الاقرار للوارث لانه متهم فيه على ما سنذكره .. فان اقر لاجنبى بدين فى مرضه وعليه دين ثبت ببينة او بأقرار فى صحته وفى المال سعة لها فهما سواء. وان ضاق المال عن قضائهما معا. فظاهر كلام الخرقى انهما سواء وهو اختيار التميمى لانهما حقان يجب قضاؤهما من رأس المال لم يختص احدهما برهن فاستويا كما لو ثبتا ببينة .. وقالها ابو الخطاب لا يحامى غرماء الصحة.
وقال القاضى: وهو قياس المذهب لنص أحمد فى المفلس انه اذا اقر وعليه دين ببينة يبدأ بالدين الذى بالبينة لانه اقر بعد تعلق الحق بتركته فوجب ان لا يشارك المقر له من ثبت دينه ببينة كغريم المفلس الذى اقر له بعد الحجر عليه. والدليل على تعلق الحق بماله منعه من التبرع ومن الاقرار للوارث. ولانه محجور عليه. ولهذا لا تنفذ هباته ولا تبرعاته فلا يشارك من اقر له قبل الحجر ومن ثبت دينه ببينة كالذى اقر له المفلس وان اقر لهما جميعا فى المرض تساويا ولم يقدم السابق منهما لانهما استويا فى الحال فاشبها غريمى الصحة.
اقرار المريض للوارث:
وان اقر المريض لوارث بدين لم يلزم باقى الورثة قبوله الا ببينة .. وبهذا قال ابو حنيفة واصحابه وروى عن القاسم وسالم. وقال بعض يقبل لان من صح الاقرار له فى الصحة صح فى المرض كالاجنبى. وللشافعى قولان كالمذهبين. وقال مالك يصح اذا لم يتهم ويبطل ان اتهم كمن له بنت وابن عم فأقر لابنته لم يقبل. وان اقر لابن عمه قبل لانه لا يتهم فى ان يترك ابنته ويعطى المال لابن عمه. وعلة المنع التهمة فاختص المنع بموضعها .. ولنا فى أن اقراره للوارث لا يلزم بقية الورثة الا ببينة انه ايصال ماله الى وارثه بقوله فى مرض موته فلم يصح بغير رضى بقية ورثته كهبته ولانه محجور عليه فى حق الوارث فلم يصح اقراره له كالصبى فى حق جميع الناس. وفارق الاجنبى فأن هبته لا تصح.
وما ذكره مالك من النظر الى التهمة لا يصح فأن التهمة لا يمكن اعتبارها بنفسها فوجب اعتبارها بمظنتها وهو الارث وكذلك اعتبر فى الوصية والتبرع وغيرها.
стр. 7301
اقرار المريض لامرأته:
وأن اقر المريض لامراته بمهر مثلها صح فى قولهم جميعا لا نعلم فيه مخالفا الا الشعبى فانه قال: لا يجوز اقراره لها لانه اقرار لوارث فلا يجوز. ولنا انه اقرار تحقق سببه وعلم وجوده وهو الزواج ولم نعلم البراءة منه فاشبه ما لو كان عليه دين ببينة فأقر بأنه لم يوفه ..
وكذلك أن اشترى من وارثه شيئا فأقر له بثمن مثله لان القول قول المقر له فى أنه لم يقبض ثمنه .. وان أقر لأمرأته بدين سوى الصداق لم يقبل لانه اقرار لوارث بدين وان أقر لها ثم ابانها ثم رجع فتزوجها ومات ففى مرضه لم يقبل اقراره لها لانه اقرار لوارث فى مرض الموت فأشبه ما لو لم يبنها:
وفارق ما اذا صح من مرضه لأنه لا يكون اقرار فى مرض الموت.
اذا اقر المريض لوارث ثم صار غير وارث:
واذا أقر المريض لوارث فصار غير وارث كما اذا أقر لاخيه ولا ولد له ثم ولد له ابن لم يصح اقراره له لانه أقر له وهو وارث فلا يصح. وأن أقر لغير وارث ثم صار وارثا كما اذا أقر لأخيه فى حالة وجود ابن له ثم مات الابن واصبح الاخ وارثا صح اقراره له لانه اقرار فى المرض لغير وارث.
نص عليه احمد فى رواية ابن منصور اذا أقر لامرأة بدين فى المرض ثم تزوجها جاز اقراره لانه غير متهم حال الاقرار .. وحكى له قول سفيان فى رجل له ابنان فأقر لاحدهما بدين فى مرضه: ثم مات الابن وترك أبنا والاب حى ثم مات بعد ذلك جاز اقراره فقال أحمد:
لا يجوز وبهذا قال عثمان البتى. وذكر أبو الخطاب رواية أخرى فى الصورتين مخالفة لما قلنا بناء على انه معنى يعتبر فيه عدم الميراث فكان الاعتبار فيه بحالة الموت كالوصية ..
ولنا انه قول تعتبر فيه التهمة فاعتبرت حال وجود القول دون غيره كالشهادة. ولانه اذا أقر لغير وارث ثبت الاقرار وصح لوجوده من أهله خاليا عن التهمة فيثبت الحق به ولم يوجد مسقط له فلا يسقط .. واذا أقر لوارث وقع باطلا لاقتران التهمة به فلا يصح بعد ذلك.
ولانه اقرار لوارث فلم يصح كما لو استمر الميراث. وان أقر لغير وارث صح واستمر كما لو استمر عدم الارث .. أما الوصية فانها عطية بعد الموت فاعتبرت بها حالة الموت بخلاف مسألتنا.
اقرار المريض لوارث واجنبى:
وان أقر المريض لوارث واجنبى كما اذا أقر لابنه وأخيه بطل الاقرار فى حق الوارث وصح فى حق الأجنبى .. ويحتمل أن لا يصح فى حق الأجنبى أيضا كما لو شهد بشهادة يجر ببعضها نفعا الى نفسه بطلب شهادته فى الكل كما اذا شهد لابنه واجنبى .. ودليل الاول وهو المذهب أنه أقر لوارث واجنبى فصح للاجنبى دون الوارث كما لو أقر بعبارتين مستقلتين. حيث يصح بلا خلاف. ويفارق الاقرار الشهادة لقوة الاقرار ولذلك لا تعتبر فيه العدالة .. ولو أقر بشئ له فيه نفع كالاقرار بنسب شخص موسر قبل. ولو أقر بشئ فيضمن دعوى على غيره مثل لكما عليه دون ماله .. كما لو قال لامراته: خلعتك على الف بانت منه باقراره بالخلع. والقول قولها فى نفى العوض. فان قال لعبده:
اشتريت نفسك منى بألف فكذلك.
стр. 7302
اقرار المريض بالوارث:
ويصح اقرار المريض بوارث فى احدى الروايتين والاخرى لا يصح لانه اقرار لوارث بالارث فاشبه الاقرار له بالمال فلا يصح والاول اصح لانه عند الاقرار غير وارث وانما صار وارثا بنفس الاقرار فيصح كما لو لم يصر وارثا .. ويمكن بناء هذه المسألة على ما اذا أقر لغير وارث ثم صار وارثا بالاقرار فمن صحح الاقرار هناك صححه هنا ومن أبطله هناك أبطله هنا.
وان ملك ابن عمه فأقر فى مرضه انه كان أعتقه فى صحته وهو أقرب عصبته عتق ولم يرثه لان توريثه يوجب ابطال الاقرار بحريته.
واذا بطلت الحرية سقط الارث فصار توريثه سببا الى اسقاط توريثه فاسقطنا التوريث وحده ويحتمل أن يرث لانه حين الاقرار غير وارث فصح اقراره له كالمسألة قبلها.
اقرار المريض باحبال امته:
ويصح الاقرار من المريض باحبال الأمة لانه يملك احبالها فملك الاقرار به. وكذلك كل ما ملك أن يفعله ملك الاقرار به فاذا أقر باحبال أمته. فان بين انه استولدها فى ملكه بملك اليمين فولده منها حر الاصل والامة ام ولد له تعتق من رأس المال .. وان قال انها ولدت من نكاح او من وط ء بشبهة لم تصر الامة ام ولد وعتق الولد فان كان من نكاح فعليه الولاء لأنه بسببه رق. وان قال انه من وط ء بشبهة لم تصر الامة ام ولد .. وان لم يتبين السبب فالامة مملوكة لان الاصل الرق ولم يثبت سبب الحرية. ويحتمل أن تصير أم ولد لأن الظاهر استيلادها فى ملكه من قبل انها مملوكته والولادة موجودة. ولا ولاء على الولد لأن الاصل عدمه فلا يثبت الا بدليل. وان أقر بطلاق امرأته فى صحته لم يسقط ميراثها اذا كان الاقرار فى مرضه لانه متهم بقصد حرمانها من الميراث فلم يبطل كما لو طلقها فى مرضه يراجع فى احكام اقرار المريض (١).
الاستثناء:
الاستثناء استفعال من الثنى وهو الرجوع يقال: ثنى رأس البعير اذا عطفه الى الوراء.
فكان المستثنى رجع فى قوله الى ما قبله. وفى الاصطلاح: اخراج بعض ما يتناوله اللفظ بلفظ الا او ما يقوم مقامها كغير وسوى او سواء بوزن سماء وبناء - وليس ولا يكون وحاشا وخلا وعدا مقررتين بما او مجردتين منها.
من متكلم واحد (٢) - الاستثناء صرف اللفظ بحرف الاستثناء عما كان يقتضيه لولاه ..
وقيل: هو اخراج بعض ما تناوله المستثنى منه.
ومن ثنيت فلانا عن رأيه اذا صرفته عن رأى كان عازما عليه. وثنيت عنان دابتى اذا صرفتها عن وجهتها التى كانت تذهب اليها.
شروط الاستثناء:
يشترط لصحة الاستثناء ما يأتى:
(١) أن يكون متصلا بالكلام قبله اتصالا معتادا لفظا بأن يأتى متواليا او حكما كانقطاعه بتنفس ونحوه كسعال وعطاس. فان سكت
стр. 7303
سكوتا يمكنه الكلام فيه أو فصل بين المستثنى والمستثنى منه بكلام أجنبى لم يصح الاستثناء لانه اذا سكت وعدل عن الاقرار الى شئ آخر استقر حكم الاقرار فلا يجوز رفعه بالاستثناء بعد ذلك بخلاف ما اذا كان فى كلام الاستثناء أو كلام متصل ومتعلق به فانه لا يثبت حكم الاقرار حتى ينظر ما يتم به كلامه ويتعلق به حكم الاستثناء ولا خلاف فى هذا الشرط بل هو مجمع عليه.
(٢) أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه ونوعه - جاء فى منتهى الارادات وشرحه وبشرط أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه ونوعه لأن الاستثناء اخراج بعض ما يتناوله اللفظ بوضعه وغير الجنس والنوع لا يتناوله اللفظ بوضعه فمن قال: له على هؤلاء العبيد العشرة الا واحدا فاستثناؤه صحيح لوجود شرائطه. ويلزمه تسليم تسعة. ويرجع اليه تعيين المستثنى لانه اعلم بمراده. (١).
وفى المغنى (٢): أن الاستثناء صرف اللفظ بحرف الاستثناء عما كان يقتضيه لولاه. وقيل هو اخراج بعض ما تناوله المستثنى منه مشتق من ثنيت فلانا عن رأيه اذا صرفته عن رأى كان عازما عليه. وثنيت عنان دابتى اذا صرفتها به عن وجهتها التى كانت تذهب اليها. وغير الجنس ليس بداخل فى الكلام. فاذا ذكره فى صرف الكلام عن صوبه ولاثناه عن وجه استرساله فلا يكون استثناء وانما سمى استثناء تجوزا. وانما هو فى الحقيقة استدراك. والا فيه بمعنى لكن. هكذا قال أهل العربية. واما قوله تعالى: «فسجد الملائكة كلهم اجمعون الا ابليس» - فان ابليس كان من الملائكة بدليل ان الله تعالى لم يأمر بالسجود غيرهم فلو لم يكن منهم لما كان مأمورا بالسجود ولا عاصيا بتركه ولا قال الله تعالى فى حقه ففسق عن امر ربه. ولا قال:
ما منعك الا تسجد اذا امرتك .. واذا لم يكن مأمورا بالسجود فلم أنكسه الله وأهبطه ودحره ولم يأمر الله بالسجود الا الملائكة - فان قالوا: بل قد تناول الامر الملائكة ومن كان معهم فدخل ابليس فى الامر لكونه معهم قلنا قد سقط استدلالكم. فانه متى كان داخلا فى المستثنى منه مأمورا بالسجود فاستثناؤه يكون من استثناء الجنس. وهذا ظاهر لمن أنصف فعلى هذا يكون استثناء غير الجنس باطلا. فمتى قال: له على الف درهم الا ثوبا لزمه الالف وسقط الاستثناء بمنزلة ما لو قال: له على الف درهم لكن لى عليه ثوب لكن العين والورق متقاربان ويعبر باحدهما عن الامرين ثم لو استغنى غبثا من ورق او ورقا من عين فتداخلت اصحابنا فى صحته.
فذهب ابو بكر عبد العزيز الى انه لا يصح لما ذكرنا من ان استثناء غير الجنس لا يصح ..
وقال ابن ابى موسى فيه روايتان واختار الخرقى صحته لان قدر احدهما معلوم من الاخر ويعبر بأحدهما عن الاخر فان قوما يسمون تسعة دراهم دينارا - وآخرون يسمون ثمانية دراهم دينارا. فاذا استثنى أحدهما من الاخر علم انه اراد التعبير باحدهما عن الاخر فاذا قال: له على دينار الا ثلاثة دراهم فى موضع يعبر فيه بالدينار عن تسعة دراهم كان معناه: له على تسعة دراهم الا ثلاثة .. ومهما امكن حمل الكلام على وجه
стр. 7304
صحيح لم يجز الغاؤه. وقد امكن بهذا الطريق فوجب تصحيحه .. وقال ابو الخطاب: لا فرق بين العين والورق وبين غيرها ويلزم من صحة استثناء احدهما من الآخر صحة استثناء الثياب وغيرها. وقد ذكرنا الفرق. ويمكن الجمع بين الروايتين بحمل رواية الصحة على ما اذا كان احدهما يعبر به عن الاخر او يعلم قدره منه .. ورواية البطلان على ما اذا انتفى ذلك.
ولو ذكر نوعا من جنس واستثنى نوعا آخر من ذلك الجنس مثل أن يقول: له على عشرة آصع تمرا برنيا الا ثلاثة تمرا معقليا لم يجز لما ذكرنا من اشتراط اتحاد الجنس والنوع. ويخالف العين والورق لان قيمة احد النوعين غير معلومة من الآخر ولا يعبر بأحدهما عن الاخر .. ويحتمل على قول الخرقى فى جوازه لتقارب المقاصد من النوعين فهما كالعين والورق. والأول أصح لأن العلة الصحيحة فى العين والورق غير ذلك. فأما استثناء الجنس اى استثناء بعض ما دخل فى المستثنى منه. فهو جائز بغير خلاف علمناه .. فان ذلك فى كلام العرب.
وقد جاء فى الكتاب والسنة: قال الله تعالى:
فلبث فيهم الف سنة الا خمسين عاما وقال: فسجد الملائكة كلهم أجمعون الا ابليس وقال النبى ﷺ فى الشهيد: يكفر عنه خطاياه كلها الا الدين وهذا فى الكتاب والسنة كثير وفى كلام العرب كذلك. فان أقر بشئ استثنى منه كان مقرا بالباقى بعد الاستثناء. فاذا قال:
له على مائة الا عشرة كان مقرا بتسعين لان الاستثناء يمنع أن يدخل فى اللفظ ما لولاه لدخل. فانه لو دخل لما امكن اخراجه ولو أقر بالعشرة المستثناه لما قبل منه انكارها ..
وقول الله تعالى: «فلبث فيهم الف سنة الا خمسين عاما» اخبار بتسعمائة وخمسين فالاستثناء أظهر أن الخمسين المستثناه غير مرادة فى الكلام كما أن التخصيص يبين أن المخصوص غير مراد باللفظ العام .. وان قال الا ثلثها او ربعها صح وكان مقرا بالباقى بعد المستثنى .. وان قال: هذه الدار لزيد الا هذا البيت كان مقرا بما سوى البيت منها .. وكذلك ان قال: هذه الدار له وهذا البيت لى صح ايضا لانه فى معنى الاستثناء لكونه اخرج بعض ما دخل فى اللفظ الأول بكلام متصل .. وان قال: له هؤلاء العبيد الا هذا صح وكان مقرا بمن سواه منهم وان قال: الا واحدا صح لان الاقرار يصح مجهولا فكذلك الاستثناء منه .. ويرجع فى تعيين المستثنى اليه لان الحكم يتعلق بقوله وهو اعلم بمراده به. وان عين من عدا المستثنى صح وكان الباقى له. فان هلك العبيد الا واحدا فذكر انه المستثنى قبل. ذكره القاضى وهو احد الوجهين .. وقال ابو الخطاب: لا يقبل فى احد الوجهين لانه يرفع به الاقرار كله.
والصحيح انه يقبل لانه يقبل تفسيره به فى حياتهم لمعنى هو موجود بعد موتهم فقبل كحال حياتهم .. وليس هذا رفعا للاقرار. وانما تعذر تسليم المقر به لتلفه لا لمعنى يرجع الى التفسير فأشبه ما لو عينه فى حياتهم فتلف بعد تعيينه .. وان قتل الجميع الا واحدا قبل تفسيره بالباقى وجها واحدا. وان قتل الجميع فله قيمة احدهم ويرجع فى التفسير اليه ..
وان قال: غصبتك هؤلاء العبيد الا واحدا فهلكوا الا واحدا قبل تفسيره به وجها واحدا لان المقر له يستحق قيمة الهالكين فلا يقضى
стр. 7305
التفسير بالباقى الى سقوط الاقرار بخلاف التى قبلها (١).
(٣، ٤) ألا يستغرق المستثنى. المستثنى منه ولا يتناول اكثره (٢) ولا يصح استثناء الكل بغير خلاف لان الاستثناء رفع بعض ما تناوله اللفظ واستثناء الكل رفع الكل فلو صح صار الكلام كله لغوا غير مفيد. فان قال: له على درهم ودرهم الا درهما او ثلاثة دراهم ودرهمان الا درهمين او ثلاثة دراهم ونصف الا نصفا او الا درهما. أو خمسة وتسعون الا تسعين - لم يصح الاستثناء فى ذلك كله ولزمه جميع ما اقر به قبل الاستثناء وفيه وجه آخر وهو انه يصح لان الواو العاطفة تجمع بين العددين وتجعل الجملتين كالجملة الواحدة. ومن أصلنا أن الاستثناء اذا تعقب جملا معطوفا بعضها على بعض بالواو عاد الى جميعها كقولنا فى قول الله تعالى «ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون الا الذين تابوا». ان الاستثناء عاد الى الجملتين فاذا تاب القاذف قبلت شهادته .. ومن ذلك قول النبى ﷺ : ولا يؤمن الرجل الرجل فى سلطانه .. ولا يجلس على تكرمته الا باذنه، والوجه الاول اولى لان الواو لم تخرج بالكلام عن ان يكون جملتين.
والاستثناء يرفع احداهما جميعها ولا نظير لهذا فى كلامهم. ولأن صحة الاستثناء تجعل احدى الجملتين مع الاستثناء لغوا لأنها اثبت شيئا بلفظ مفرد ثم رفعه كله فلا يصح كما لو استثنى منها وهى غير معطوفة على بعضها فأما الآية والخبر فان الاستثناء لم يرفع احدى الجملتين انما اخرج من الجملتين معا من اتصف بصفة فنظيره ما لو قال للبواب: من جاء يستأذن فائذن له واعطه درهما الا فلانا ..
ونظير مسألتنا ما لو قال: اكرم زيدا وعمرا الا عمرا. لا يختلف (٣) المذهب أنه لا يجوز استثناء ما زاد على النصف ويحكى ذلك عن ابن درستويه النحوى. وقال الائمة الثلاثة يجوز استثناء الاكثر. وانما يمتنع استثناء الكل. فلو قال: له على مائة الا تسعة وتسعين لم يلزمه الا واحدا بدليل قوله تعالى: «قال فبعزتك لاغوينهم اجمعين الا عبادك منهم المخلصين» وقوله تعالى:
«ان عبادى ليس لك عليهم سلطان الا من اتبعك من الغاوين».
فاستثنى فى موضع الغاوين من العباد وفى موضع العباد من الغاوين وأحد الفريقين أكثر فأيهما كان الاكثر فقد دل على استثناء الاكثر فكان جائزا كاستثناء الاقل. ولانه رفع بعض ما تناوله اللفظ فجاز فى الاكثر كما جاز فى الاقل وكما فى التخصيص والبدل.
ولنا انه لم يرد فى لسان العرب الاستثناء الا فى الاقل. وقد انكروا استثناء الاكثر فقال ابو اسحاق الزجاج: لم يأت الاستثناء الا فى القليل من الكثير ولو قال قائل. مائة الا تسعة وتسعين لم يكن متكلما بالعربية وكان عيا من الكلام ولكنة. وقال العتيبى:
يقال: صمت الشهر الا يوما ولا يقال:
صمت الشهر الا تسعة وعشرين يوما. ويقال:
стр. 7306
لقيت القوم جميعهم الا واحدا او اثنين. ولا يقال: لقيت القوم الا أكثرهم .. واذا لم يكن صحيحا فى الكلام. لم يرتفع به ما اقر به كاستثناء الكل وكما لو قال: له على عشرة بل خمسة. فأما الآيتان. فانه فى الآية الاولى استثنى المخلصين من بنى آدم وهم الاقل:
كما قال تعالى: «الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم» وفى الاخرى استثنى الغاوين من العباد وهم الاقل فان الملائكة من العباد وهم غير غاوين. قال تعالى:
«بل عباد مكرمون» وقيل الاستثناء فى هذه الآية منقطع بمعنى الاستدراك فيكون قوله: ان عبادى ليس لك عليهم سلطان - مبقى على عمومه لم يستثن منه شئ ثم استأنف «الا من اتبعك من الغاوين» أى لكن من اتبعك من الغاوين فأنهم غووا باتباعك ..
وقد دل على صحة هذا قوله فى الآية الاخرى لاتباعه «وما كان لى عليكم من سلطان الا ان دعوتكم فاستجبتم لى» وعلى هذا لا تكون فى هذه الآية حجة ولم يثبت عن العرب انهم استثنوا الكثير فى قول صحيح .. والفرق بين استثناء الأكثر والأقل ان العرب استعملته فى الأقل وحسنته ونفته فى الأكثر وقبحته فلم يجز قياس ما قبحوه على ما حسنوه وجوزوه.
وفى استثناء النصف وجهان: احدهما يجوز وهو ظاهر كلام الخرقى لتخصيصه الابطال بما زاد على النصف لانه ليس باكثر فجاز كالأقل. والثانى. لا يجوز ذكره ابو بكر لانه لم يرد فى كلامهم الا القليل من الكثير والنصف ليس بقليل.
(٥) أن ينوى الاستثناء قبل تمام المستثنى منه. جاء هذا الشرط فى كشاف القناع وفى شرح المنتهى فى باب الاستثناء فى الطلاق.
ففى الكشاف (١) ويشترط نية الاستثناء قبل تمام المستثنى منه كقوله انت طالق ثلاثا الا واحدة لا يعتد بالاستثناء الا ان نواه قبل تمام قوله: انت طالق ثلاثا. وتصح نية بعد تمام المستثنى منه قبل فراغه من كلامه بأن يأتى به ناويا له عند تمامه قبل أن يسكت واختاره الشيخ وتلميذه ابن القيم فى اعلام الموقعين وقال الشيخ: دل عليه كلام أحمد ومتقدمى أصحابه .. وجاء مثل ذلك فى بيان الشرط فى شرح المنتهى (٢).
أخوات إلا مثلها فى الاستثناء:
وحكم الاستثناء بسائر أدواته حكم الاستثناء بألا. فاذا قال: له على عشرة سوى درهم او ليس درهما او خلا درهما.
او عدا درهما. أو ما خلا أو ماعدا درهما. أو لا يكون درهما أو غير درهم بفتح الراء فى غير - كان مقرا بتسعة دراهم.
وان قال: غير درهم بضم الراء فى غير وهو من أهل العربية كان مقرا بعشرة دراهم لأنها تكون صفة للعشرة المقر بها ولا يكون استثناء فأنها لو كانت استثناء كانت منصوبة .. وان لم يكن من أهل العربية لزمه تسعة دراهم لأن الظاهر انه انما يريد الاستثناء لكنه رفعها جهلا منه بالعربية لا قصدا للصفة.
الاستثناء بعد الاستثناء:
وأن استثنى استثناءا بعد استثناء فان عطف الثانى على الأول كان مضافا اليه وكان الكل
стр. 7307
مستثنى من الاصل المقر به بالشروط والاوضاع المقررة فاذا قال: له على عشرة الا ثلاثة والا درهمين كان مستثنيا لخمسة ومبقيا لخمسة.
وان لم يعطف الثانى على الأول كان استثناء من الاستثناء .. وهو جائز فى اللغة .. وقد جاء فى كلام الله تعالى فى قوله: «قالوا انا ارسلنا الى قوم مجرمين الا آل لوط انا لمنجوهم أجمعين الا امرأته قدرنا أنها لمن الغابرين».
فاذا كان صدر الكلام اثباته كان الاستثناء الأول نفيا وكان الثانى اثبات. فان استثنى استثناء ثالثا كان نفيا. ويعود كل استثناء الى ما يليه من الكلام .. فاذا قال: له على عشرة الا ثلاثة الا درهما كان مقرا بثمانية لانه اثبت عشرة ثم نفى منها ثلاثة ثم اثبت درهما وبقى من الثلاثة المتبقية درهمان مستثنيان من العشرة فيبقى منها ثمانية .. وان قال: له على عشرة الا سبعة الا خمسة الا درهمين صح وكان مقرا بستة. وذلك اذا استثنى الكل او الأكثر ووقف عليه بطل الاستثناء طبقا لما تقرر فى استثناء الكل والأكثر .. وان وصله باستثناء آخر استعملناه لان الاستثناء على المستثنى منه عبارة عما بقى فان خمسة الا درهمين عبارة عن ثلاثة استثناها من سبعة بقى اربعة مستثناة من عشرة بقى منها ستة هى المقر بها .. وان قال: له على ثمانية الا اربعة الا درهمين الا درهما بطل الاستثناء على قول ابى بكر لانه استثنى النصف وصح على الوجه الآخر فلزمه خمسة لانه استثنى درهما من درهمين بقى درهم استثناه من اربعة بقى ثلاثة استثناها من ثمانية بقيت خمسة. وان قال:
له على عشرة الا خمسة الا ثلاثة الا درهمين الا درهما بطل الاستثناء كله على احد الوجهين وصح فى الاخر فيكون مقرا بسبعة. لانه استثنى درهما من درهمين يبقى واحد استثناه من ثلاثة يبقى اثنان استثناهما من الخمسة يبقى ثلاثة استثناها من العشرة يبقى سبعة ولو قال: عشرة الا ستة الا اربعة الا درهمين فهو على الوجه الذى يصح فيه الاستثناء مقر بستة (١).
استثناء المفسر من المبهم والعكس:
وان قال له على الف درهم الا خمسين فالمستثنى دراهم ايضا لأن العرب لا تستثنى فى الاثبات الا من الجنس وان قال: له على الف الا خمسين درهما فالجميع دراهم كذلك لما ذكر .. وهذا اختيار ابن حامد والقاضى ..
وقال أبو الحسن التميمى وأبو الخطاب يكون الألف مبهما ويرجع فى تفسيره اليه. لان لفظه فى الألف مبهم والدراهم لم يذكر تفسيرا له فيبقى على ابهامه.
ودليل الاول أنه لم يرد عن العرب الاستثناء فى الاثبات الا من الجنس فمتى علم احد الطرفين علم ان الاخر من جنسه كما لو علم المستثنى منه. وهذا مسلم. وعلته تلازم المستثنى والمستثنى منه فى الجنس فما ثبت فى احدهما يثبت فى الآخر.
وان قال: له على تسعة وتسعون درهما فالجميع دراهم لا اعلم فيه خلافا. وان قال:
مائة وخمسون درهما فكذلك .. وكذا ان قال الف وثلاثة دراهم. او خمسون والف درهم او الف ومائة درهم أو مائة والف درهم وخرج بعض اصحابنا وجها انه لا يكون تفسيرا الا لما يليه والصحيح الأول فان الدرهم المفسر يكون
стр. 7308
تفسيرا لجميع ما قبله من الجمل المبهمة وجنس العدد. قال الله تعالى مخبرا عن أحد الخصمين انه قال: «ان هذا أخى له تسع وتسعون نعجة» وفى الحديث أن رسول الله ﷺ توفى وهو ابن ثلاث وستين سنة وتوفى ابو بكر وهو ابن ثلاث وستين سنة وتوفى عمر وهو ابن ثلاث وستين سنة.
ولان الدرهم ذكرا تفسيرا. ولهذا لا تجب به زيادة على العدد المذكور الذى جعل تفسيرا له فكان تفسيرا لجميع ما قبله. لانها تحتاج الى تفسير وهو صالح للتفسير فوجب حمله على ذلك وهذا المعنى موجود فى قوله: الف وثلاثة دراهم وسائر الصور المذكورة
وعلى قول من لا يجعله تفسيرا للجميع ولا يجعل المجمل من جنس المفسر لو قال شخص: بعتك هذا بمائة وخمسين درهما او بخمسة وعشرين درهما. وقبل الاخر لا يصح البيع لجهالة الثمن. وهذا غير صحيح. فهو قول شاذ ضعيف لا يعول عليه.
وان قال: له على ألف درهم. او ألف وثوب او ألف وقفيز حنطة. فالمجمل من جنس المفسر ايضا. وكذلك لو قال: الف درهم وعشرة. أو الف ثوب وعشرون .. وهذا قول القاضى وابن حامد .. وقال التميمى وابو الخطاب: يرجع فى تفسير المجمل اليه لان الشئ يعطف على غير جنسه .. قال الله تعالى: «والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا» ولان الألف مبهم فيرجع فى تفسيره الى المقر كما لو لم يعطف عليها شئ ووجه الاول.
أن العرب تكتفى بتفسير احدى الجملتين عن الجملة الاخرى. قال الله تعالى «ولبثوا فى كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا» وقال تعالى «عن اليمين وعن الشمال قعيد» ولانه ذكر مبهما مع مفسر لم يقم الدليل على أنه من غير جنسه فكان المبهم من جنس المفسر كما لو قال: مائة وخمسون درهما او ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلا. يحققه أن المبهم يحتاج الى التفسير وذكر التفسير فى الجملة المقارنة له يصلح أن يفسره توجب حمل الامر على ذلك.
اما قوله تعالى: «اربعة اشهر وعشرا» فأنه امتنع ان يكون العشر اشهرا لوجهين أحدهما:
أن العشر بغير هاء عدد للمؤنث. والاشهر مذكرة فلا يجوز أن تعد بغيرها. والثانى.
انها لو كانت أشهرا لقال: اربعة عشر شهرا بالتركيب لا بالعطف كما قال - عليها تسعة عشر. وقولهم: أن الالف مبهم يرد عليه بأنه قد قرن به ما يدل على تفسيره فأشبه ما لو قال: مائة وخمسون درهما أو مائة درهم ..
فان قيل: اذا قال: مائة وخمسون درهما فان الدرهم ذكر للتفسير ولهذا لا يزداد به العدد فصلح تفسير الجميع ما قبله بخلاف قوله مائة درهم فان ذكر الدرهم فيه للايجاب لا للتفسير بدليل انه زاد به العدد - ان قيل ذلك قلنا: هو صالح للايجاب والتفسير معا.
والحاجة داعية الى التفسير فوجب حمل الامر على ذلك صيانة لكلام المقر عن الالباس والابهام وصرفا له الى البيان والأفهام.
الاقرار بالزنا:
جاء فى المغنى لابن قدامة أن حد الزنا لا يجب الا بأحد شيئين: اقرار او بينة. فان ثبت باقرار اعتبر اقرار اربع مرات. وبهذا قال الحكم وابن ابى ليلى واصحاب الرأى. وقال الحسن وحماد ومالك والشافعى وأبو ثور
стр. 7309
وابن المنذر: يحد بأقرار مرة لقول رسول الله ﷺ فى قصة العسيف» واغد يا أنيس الى امرأة هذا فان اعترفت فارجمها.
واعتراف مرة اعتراف. وقد أوجب عليها الرجم به. ورجم الجهينية وانما اعترفت مرة. وقال عمر: أن الرجم حق واجب على من زنى وقد أحصن اذا قامت البينة او كان الحبل أو الاعتراف .. ولانه حق فيثبت باعتراف مرة كسائر الحقوق … ولنا ما روى عن ابو هريرة رضى الله عنه قال: أتى رجل من الاسلمين رسول الله ﷺ وهو فى المسجد فقال: يا رسول الله: أنى زنيت فأعرض عنه فتنحى تلقاء وجهه فقال:
يا رسول الله: انى زنيت فأعرض عنه حتى ثنى ذلك اربع مرات. فلما شهد على نفسه اربع شهادات. دعاه رسول الله ﷺ فقال: (أبك جنون) قال لا: قال فهل أحصنت قال: نعم. فقال رسول الله ﷺ : «ارجموه» متفق عليه. ولو وجب الحد بمرة لم يعرض عنه رسول الله ﷺ . لانه لا يجوز ترك حد وجب لله تعالى .. وروى نعيم بن هزال حديثه وفيه - حتى قالها اربع مرات. فقال رسول الله ﷺ : انك قد قلتها اربع مرات.
فبمن؟ قال: بفلانة .. رواه ابو داود.
وهذا التعليل منه يدل على أن اقرار الاربع هى الموجبة … وروى ابو برزة الاسلمى أن ابا بكر الصديق رضى الله عنه قال له عند النبى ﷺ : ان اقررت اربعا رجمك رسول الله ﷺ .
وهذا يدل من وجهين: أحدهما أن النبى ﷺ أقره على هذا ولم ينكره فكان بمنزلة قوله لانه لا يقر على الخطأ.
والثانى. أن ابا بكر قد عرف هذا من حكم النبى ﷺ ولولا ذلك ما تجاسر على قوله بين يديه … فان الاعتراف لفظ المصدر يقع على القليل والكثير وحديثنا يفسره ويبين أن الاعتراف الذى يثبت به كان اربعا.
ويستوى أن يكون الاقرار اربع مرات فى مجلس واحد أو فى مجالس متفرقة .. قال الأثرم: سمعت ابا عبد الله يسأل عن الزانى يردد اربع مرات قال: نعم على حديث ماعز وهو احوط. قلت له: فى مجلس واحد. أو فى مجالس شتى. قال: اما الاحاديث فليست تدل الا على مجلس واحد الا ذاك الشيخ بشير بن مهاجر عن عبد الله بن بريدة عن ابيه. وذاك عندى منكر الحديث .. وقال ابو حنيفة: لا يثبت الا بأربع اقرارات فى اربعة مجالس لان ماعزا اقر فى اربعة مجالس ..
ولنا أن الحديث الصحيح انما يدل على انه أقر أربعا فى مجلس واحد. وقد ذكرنا الحديث .. ولأنه احدى حجتى الزنا فاكتفى به فى مجلس واحد كالبينة ويعتبر فى صحة الاقرار أن يذكر حقيقة الفعل لتزول الشبهة لأن الزنا يعبر به عما ليس بموجب للحد ..
ويشترط فى المقر ان يكون بالغا صحيحا عاقلا .. أما البلوغ والعقل فلا خلاف فى اعتبارهما فى وجوب الحد وصحة الاقرار.
لان الصبى والمجنون قد رفع القلم عنهما ..
ولا حكم لكلاهما. وقد روى عن على رضى الله عنه عن النبى ﷺ انه قال: رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستقيظ وعن الصبى حتى يبلغ وعن المجنون
стр. 7310
حتى يعقل.» رواه ابو داود والترمذى وقال:
حديث حسن. وفى حديث ابن عباس فى قصة ماعز أن النبى ﷺ سأل قومه - أمجنون هو - قالوا: ليس به بأس.
وقال له حين أقر - أبك جنون.
فأن كان يجن مرة ويفيق اخرى. فأقر فى حال افاقته أنه زنى وهو مفيق او قامت عليه بينة انه زنى فى افاقته فعليه الحد. لا نعلم فى ذلك خلافا .. أما ان اقر فى افاقته بالزنا ولم يضفه الى حال الافاقة أو شهدت عليه البينة بالزنا ولم تضفه الى حال الافاقة لم يجب عليه الحد لاحتمال انه وقع منه فى حال جنونه وان اقر بالزنا وهو سكران لم يعتبر اقراره لانه لا يدرى ما يقول ولا يدل قوله على صحة خبره. فأشبه قول النائم والمجنون.
وقد روى بريدة ان النبى ﷺ استفكه ماعزا. وانما فعل ذلك ليعلم هل هو سكران او لا ولو كان السكران مقبول الاقرار لما احتيج الى تعرف براءته منه ..
واما الأخرس فان لم تفهم اشارته فلا يتصور منه اقرار. وان فهمت اشارته اختلف الفقهاء فى وجوب الحد عليه. فقال القاضى عليه الحد وهو قول الشافعى وابى ثور وابن المنذر لأن من صح اقراره بغير الزنا صح اقراره به كالناطق. وقال اصحاب ابى حنيفة لا يحد باقرار ولا ببينة للشبهة فى دلالة الاشارة منه وعجزه عن ابداء ما قد يكون لديه من شبهة تدرأ الحد فى حالة البينة .. ويحتمل كلام الخرقى أن لا يجب الحد بأقراره لانه غير صحيح وللشبهة فى دلالة الاشارة اما البينة فيجب عليه بها الحد ..
ولا يصح الاقرار من المكره. ولا تعلم من أهل العلم خلافا فى ان اقرار المكره لا يجب به حد.
ومن شرط اقامة الحد بالاقرار البناء عليه وعدم الرجوع عنه الى تمام الحد. فان رجع عن اقراره أو هرب كف عنه. وقال الحسن وسعيد بن جبير وابن ابى ليلى يقام عليه الحد ولا يترك لان ماعزا هرب فقتلوه ولم يتركوه.
ولو قبل رجوعه للزمتهم ديته. ولانه حق وجب باقراره فلا يقبل رجوعه كسائر الحقوق .. ولنا ان ماعزا هرب فذكر للنبى ﷺ فقال: «هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه» وفى هذا دليل على أنه يقبل رجوعه .. ولان رجوعه شبهة والحدود تدرأ بالشبهات ولان الاقرار احدى حجتى الحد فيسقط بالرجوع عنه كالبينة اذا رجعت قبل اقامة الحد .. وفارق سائر الحقوق فأنها لا تدرأ بالشبهات. وانما لم يجب ضمان ماعز على الذين قتلوه بعد لأنه ليس صريحا فى الرجوع.
ويستحب للامام أو الحاكم الذى يثبت عنده الحد بالاقرار - التعريض له بالرجوع اذا تم والوقوف عن اتمامه اذا لم يتم كما روى عن النبى ﷺ انه اعرض عن ماعز حين اقر عنده ثم جاء من الناحية الاخرى فأعرض عنه حتى تم اقراره اربعا. ثم قال له:
لعلك قبلت. لعلك لمست. وروى انه قال للذى اقر عنده بالسرقة «ما اخالك فعلت».
رواه سعيد عن سفيان عن بريد بن حصيفة عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن النبى ﷺ ولا بأس بأن يعرض له
стр. 7311
أحد الحاضرين بالرجوع أو بان لا يقر (١).
الاقرار بالسرقة:
جاء فى المغنى لابن قدامة: أن القطع فى السرقة انما يجب باحد امرين ببينة أو باقرار لا غير. فاما الاقرار فيشترط فيه ان يعترف مرتين. روى ذلك عن على رضى الله تعالى عنه وبه قال ابن ابى ليلى وأبو يوسف وزفر وابن شبرمه .. وقال عطاء والثورى وابو حنيفة والشافعى ومحمد بن الحسن يقطع باعترافه مرة لانه حق يثبت بالاقرار فلم يعتبر فيه التكرار كحق الادمى … ولنا ما روى ابو داود بأسناده عن ابى امية المحزومى أن النبى ﷺ أتى بلص قد اعترف فقال له: «وما اخا لك سرقت» قال بلى. فأعاد عليه مرتين او ثلاثا فأمر به فقطع ولو وجب القطع بأول مرة لما اخره .. وروى سعيد عن هشيم وسفيان وابى الاحوص وابى معاوية عن الاعمش عن عبد الرحمن بن القاسم عن ابيه قال: شهدت عليا. وأتاه رجل فأقر بالسرقة فرده ثم عاد بعد ذلك فأقر. فقال له على: شهدت على نفسك مرتين فأمر به فقطع.
ومثل هذا يشتهر فلم ينكر. ولانه يتضمن اتلافا فى حد فكان من شرطه التكرار كحد الزنا. ولانه احد حجتى القطع فيعتبر فيه التكرار كالشهادة. وقياسهم ينتقض بحد الزنا عند من اعتبر التكرار. ويفارق حق الادمى لأن حقه مبنى على الشح والتضييق ولا يقبل رجوعه عنه بخلاف مسألتنا ويعتبر أن يذكر فى اقراره شروط السرقة من النصاب والحرز واخراجه منه … والحر والعبد فى هذا سواء نص عليه احمد. وذلك لعموم النص فيهما. ولما روى الاعمش عن القاسم عن ابيه أن عليا قطع عبدا أقر عنده بالسرقة.
ويعتبر أن يقر مرتين. وروى مهنا عن احمد اذا أقر العبد اربع مرات انه سرق قطع.
وظاهر هذا أنه اعتبر اقراره اربع مرات ليكون على النصف من الحر .. والأول أصح لخبر على. ولانه اقرار بحد. فاستوى فى عدده الحر والعبد كسائر الحدود .. ويجب أن يبقى على اقراره حتى يقطع. وان رجع قبل القطع لا يقطع. وهذا قول أكثر الفقهاء. وقال ابن ابى ليلى ودواد لا يقبل رجوعه. لانه لو اقر الآدمى بقصاص او حق لم يقبل رجوعه عنه ..
ولنا قول النبى ﷺ «ما اخالك سرقت». عرض له ليرجع ولو كان الرجوع غير جائز لما عرض له به .. ولانه حد لله تعالى ثبت بالاعتراف فقبل رجوعه عنه كحد الزنا. ولان الحدود تدرأ بالشبهات.
ورجوعه عنه شبهة لاحتمال أن يكون كذب على نفسه فى اعترافه .. ولأنه احد حجتى القطع فيبطل بالرجوع عن الاقرار به كالشهادة اذا رجع عنها الشهود وقبل القطع ولأن حجة القطع زالت قبل استيفائه فسقط .. وفارق حق الآدمى فانه مبنى على الشح والضيق ..
ولو رجع الشهود عن شهادتهم بعد الحكم لم يبطل الحكم برجوعهم ولم يمنع استيفاءها ..
واذن فلو رجع المقر عن اقراره قبل القطع سقط القطع. ولكن لا يسقط عزم المسروق لانه حق آدمى. ولو أقر مرة واحدة لا يجب القطع ولكن يلزمه غرامة المسروق .. وان كان رجوعه وقد قطع بعض المفصل لم يتممه ان كان يرجى برؤه لكونه قطع الاقل. وان كان قد قطع
стр. 7312
الاكثر. فالمقطوع بالخيار ان شاء ترك القطع.
وان شاء أتمه ليستريح من تعليق كفه ولا يلزم القاطع ان يقطعه لأن قطعه تداو وليس بحد.
ولا بأس بتلقين السارق ليرجع عن اقراره.
وهذا قول عامة الفقهاء .. وروى عن عمر انه اتى برجل فسأله: أسرقت؟. قل لا فقال الرجل: لا. فتركه. وروى معنى ذلك عن أبى بكر الصديق وابى هريرة وابن مسعود وابى الدرداء رضى الله عنهم. وبه قال اسحاق وابو ثور. وقد روينا أن النبى ﷺ قال للسارق: ما أخالك سرقت. وقال لماعز «لعلك قبلت أو لمست» وعن على رضى الله عنه أن رجلا اقر عنده بالسرقة فرده.
مذهب الظاهرية
تعريف الاقرار:
لم يذكر ابن حزم فى كلامه (١) عن الاقرار تعريفا مستقلا كاملا كعنصر من عناصر الحديث يحدد اوضاعه ويضبطها ولكنه ذكر عبارة فى ثنايا مناقشته للآراء والمذاهب الفقهية فى اقرار المريض جوازه ومداه. فقال: فان ذكروا حديث عتق الستة الا عبد واقراع النبى ﷺ بينهم فأعتق اثنين منهم وارق اربعة: فليس هذا من الاقرار فى شئ اصلا ..
والاقرار انما هو اخبار بحق ذكره وليس عطية اصلا ولا وصية. وحديث الستة الا عبد سنذكره ان شاء الله فى العتق بأسناده مبينا ..
وقد قال فى اول حديثه عن الاقرار: من أقر لآخر أو لله تعالى بحق فى مال أو دم أو بشرة وكان المقر عاقلا بالغا غير مكره. وأقر إقرارا تاما ولم يصله بما يفسده. فقد لزمه ولا رجوع له بعد ذلك. وبذلك يكون ابن حزم قد عرف الاقرار بعبارة صريحة بأنه:
التعريف: اخبار بحق لاخر او لله تعالى.
فى مال او دم او بشرة. مثل ان يقول: لفلان على مائة دينار. او يقول: قذفت فلانا بالزنا.
أو يقول زنيت. أو يقول: قتلت فلانا او نحو ذلك فقد لزمه فان رجع عن ذلك لم يلتفت اليه. والحر والعبد والذكر والانثى ذات الزوج. والبكر ذات الأب. واليتيمة فيما ذكرنا سواء .. وانما هذا كله اذا لم تكن بينة فاذا كانت البينة فلا معنى للانكار ولا للاقرار.
هل الاقرار انشاء أو أخبار ؟
والعبارة صريحة فى ان الاقرار اخبار.
ويترتب على الاقرار باحكام تختلف من حيث اعتباره انشاء او اخبارا. ولعل فيما سبق من الحديث على هذه النقطة فى المذاهب الاخرى ما يشير الى ذلك.
حجية الاقرار:
ويستند ابن حزم فى حجية الاقرار واعتباره دليلا مثبتا الى بعض من الأحاديث فيقول:
روينا من طريق مسلم. حدثنا هداب بن خالد حدثنا همام. هو ابن يحى - حدثنا قتاده عن انس أن جارية وجد رأسها قد رض بين حجرين فسألوها من صنع هذا بك؟ وذكروا لها اسماء أشخاص - فلان فلان. حتى ذكروا يهوديا.
فأومأت براسها انه هو. فاخذ اليهودى فأقر فأمر به رسول الله ﷺ ان يرض رأسه بالحجارة .. ومن طريق مسلم:
حدثنا محمد بن مح. حدثنا الليث - هو ابن سعد عن ابن شهاب عن عبد الله بن عبد الله بن
стр. 7313
عتبه (ابن مسعود) عن ابى هريرة وزيد بن خالد الجهنى فذكر الحديث وفيه قول القائل: ان ابنى هذا كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته وانى اخبرت ان على ابنى الرجم فافتديت منه بمائة شاة ووليدة. فقال رسول الله ﷺ : والذى نفسى بيده لأقضين بينكما بكتاب الله: الوليدة والغنم رد عليك. وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام .. وأغد يا أنيس على امرأة هذا فأن اعترفت فارجمها فغدا عليها فاعترفت فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت … فقتل ﵇ بالاقرار.
ورجم به ورد به المال ممن كان بيده الى غيره.
شروط الاقرار:
ذكر ابن حزم شروطا تعتبر كلها اساسية فى صحة الاقرار. وهى كلها بالنسبة للمقر.
فقال: من أقر لآخر أو لله تعالى بحق فى مال أو دم أو بشرة. وكان المقر عاقلا بالغا غير مكره. وأقر إقرارا تاما. ولم يصله بما يفسده. فقد لزمه ولا رجوع له بعد ذلك.
فإن رجع لم ينتفع برجوعه. وقد لزمه ما أقر به على نفسه من دم أو حد او مال .. ومثل للاقرار الصحيح التام بقوله: مثل أن يقول:
لفلان على مائة دينار. أو يقول: قذفت فلانا بالزنا .. او يقول: زنيت .. او يقول: قتلت فلانا او نحو ذلك .. فان قال ذلك فقد لزمه.
فان رجع عن ذلك لم يلتفت اليه ولم يفصل ابن حزم هذه الشروط ولم يتحدث عن محظوراتها وما قد يترتب على انعدام كل منها من اثر على الاقرار ومدى هذا الاثر. كما أنه لم يتحدث عن شروط صحة الاقرار بالنسبة للمقر له والمقر به وصيغة الاقرار على نحو ما رأينا فى المذاهب الاخرى .. اللهم الا الشرط الاخير وهو أن لا يصل بالاقرار ما يفسده فانه تكلم فيه اولا بذكر أمثلة لما اتصل به ما يفسده وحكم ذلك. فقال: فان قال: كان لفلان على مائة دينار وقد قضيته اياها. أو قال:
قذفت فلانا وأنا فى غير عقلى أو قال: قتلت فلانا لأنه أراد أن يقتلنى ولم أقدر على دفعه عن نفسى أو قال: زنيت وانا فى غير عقلى او نحو ذلك فان هذا كله يسقط الاقرار ولا يلزمه شئ ثم قال فى موضع آخر: وأما اذا وصل باقراره ما يفسده فلم يقر بشئ ولا يجوز أن يلزم بعض اقراره ولا يلزمه سائره لأنه لم يوجب ذلك قرآن ولا سنة ولا اجماع. وقد تناقض ههنا المخالفون فقالوا: ان قال: له على دينار الا ربع دينار فهو كما قال .. وان قال: ابتعت منه داره بمائة دينار. فأنكر الآخر البيع وتمسك بالاقرار بالثمن وقال: قد أقر لى بمائة دينار وادعى ابتياع دارى فلا تقبل دعواه ويؤخذ بالاقرار فأنهم لا يقضون عليه بشئ أصلا وهذا تناقض ظاهر .. وقال مالك:
من قال: أحسن الله جزاء فلان فانه اسلفنى مائتى دينار وأمهلنى حتى أديتها كلها اليه فأنه لا يقضى لذلك الفلان المنسوب اليه الاسلاف بشئ أن طلبه بهذا الاقرار
ولا يختلفون فيمن قال: قتلت رجلا مسلما الآن امامكم .. أو قال: أخذت من هذا مائة دينار الان بحضرتكم فأنه لا يقضى عليه بشئ ولم يقولوا. أنه اقر ثم ندم ولا أخذوا ببعض قوله دون بعض .. وهذا تناقض ظاهر وروينا من طريق عبد الرازق عن معمر عن الزهرى عن القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق أن رجلا استضاف ناسا من هزيل. فأرسلوا جارية تحتطب فأعجبت الضيف فتبعها فأرادها
стр. 7314
فأمتنعت فباركها فانفلتت فرمته بحجر فقضت كبده فمات فأتت اهلها فأخبرتهم. فأتوا عمر ابن الخطاب فأخبروه فقال عمر: قتيل الله لا يودى والله ابدا ..
ومن طريق حماد بن سلمة عن ثابت البنانى وحميد. ومطرف. كلهم عن عبد الله ابن عبيد بن عمير قال: غزا رجل فخلف على امرأته رجلا من يهود فمر به رجل من المسلمين عند صلاة الفجر وهو يقول:
وأشعث غرة الاسلام منى … خلوت بعرسه ليل التمام
أبيت على ترائبها ويمسى … على جرداء لاحقة الحزام
كأن مجامع الربلات منها … قيام ينهضون الى فئام
فدخل عليه فضربه بسيفه حتى قتله. فجاءت اليهود يطلبون دمه عند عمر بن الخطاب.
فجاء الرجل فأخبره بالامر. فأبطل عمر بن الخطاب دمه … ومن طريق محمد بن المثنى.
حدثنا عبد الله بن ادريس الأذرى وحدثنا عاصم بن كليب عن ابيه عن ابى موسى الاشعرى قال: اتيت وانا باليمن بامرأة فسألتها فقالت:
ما تسأل عن امرأة حبلى ثيب من غير بعل؟ اما والله. ما خاللت خليلا. ولا خادنت خدنا منذ اسلمت. ولكنى بينما أنا نائمة بفناء بيتى فو الله ما ايقظنى الا الرجل حين ركبنى والقى فى بطنى مثل الشهاب .. قال فكتبت فيها الى عمر بن الخطاب. فكتب الى ان وافنى بها وبناس من قومها فوافيته بها فى الموسم فسأل عنها قومها فأثنوا خيرا. وسألها فأخبرته كما اخبرتنى فقال عمر: شابة تهاميه تنومت. قد كان ذلك بفعل. فمارها عمر وكساها. واوصى بها قومها خيرا. هذا خبر فى غاية الصحة … ومن طريق حماد بن سلمة عن عامر بن ابى الحكم عن الحسن أن رجلا رأى مع امرأته رجلا فقتله. فأرتفعوا الى عثمان بن عفان رضى الله عنه فأبطل دمه.
ومن طريق حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد الانصارى عن سعيد بن المسيب وسليمان ابن يسار. قالا جميعا: أن رجلا اتى امرأة ليلا فجعلت تستصرخ فلم يصرخها احد. فلما رأت ذلك قالت: رويدك حتى استعد وأتهيأ فأخذت فهرا (الحجر يكون ملء الكف) فقامت خلف الباب فلما دخل ثلغت (كسرت به رأسه فارتفعوا الى الضحاك بن قيس فأبطل دمه.
ومن طريق حماد بن سلمة. أخبرنا ابو عقبة أن رجلا ادعى على رجل الف درهم ولم تكن له بينة فاختصما الى عبد الملك بن يعلى فقال المدعى عليه: قد كانت له عندى الف درهم فقضيته. فقال المدعى: أصلحك الله.
قد أقر. فقال له عبد الملك بن يعلى ان شئت اخذت بقوله أجمع. وان شئت ابطلته اجمع ..
وعبد الملك بن يعلى من التابعين. وقد ولى قضاء البصرة .. ومن طريق عبد الرازق عن معمر عن عبد الله بن طاوس عن ابيه قال: من أقر بشئ فى يده فالقول قوله .. ومن طريق عماد بن سلمه عن اياس بن معاوية قال: كل من كان فى يده شئ فالقول فيه قوله وقولتا فيما ذكرنا هو قول عثمان البتى. وابى سليمان وأحد قولى الشافعى.
стр. 7315
فهو فيما ذكره كله لا يجز فى الاقرار فيأخذ منه ما يضر المقر ويترك ما ينفعه .. وانما يعتبره كله كلاما واحدا. ويرتب الحكم على هذا الاساس. فان وصل المقر به ما يبرئ ذمته وعهدته مما اقتضاه أول الكلام عمل به ولم يؤاخذه بشئ على خلاف ما يراه المخالفون فى ذلك كما سبق ايضاحه.
الرجوع عن الاقرار:
يقول ابن حزم فى ذلك: ولا رجوع للمقر عن اقراره بعد أن يقر اقرارا تاما مستوفيا شروطه فان رجع لم ينتفع برجوعه ولزمه ما أقر به على نفسه من دم او حد أو مال. ثم يقول:
وأما الرجوع عن الاقرار فكلهم متفق على ما قلنا الا فى الرجوع عن الاقرار بما يوجب الحد. فان الحنفية والمالكية قالوا: ان رجع المقر عن اقراره بما يوجب الحد يقبل منه الرجوع ولا يقام عليه الحد ولم يكن عليه شئ. وهذا باطل .. والقوم اصحاب قياس بزعمهم. فهلا قاسوا الاقرار بما يوجب الحد على الاقرار بما يوجب حقا من الحقوق سواه؟ وايضا فان الحد قد لزمه باقراره فمن ادعى سقوطه برجوعه فقد ادعى مالا برهان له به ..
وقد احتجوا بشيئين. أحدهما حديث ماعز.
والثانى قولهم: ان الحدود تدرأ بالشبهات.
والرجوع يورث شبهة فيندرئ الحد بذلك قال على: أما حديث ماعز فلا حجة لهم فيه اصلا لانه ليس فيه أن ماعزه رجع عن الاقرار البتة. لا بنص ولا بدليل ولا فيه أن رسول الله ﷺ قال: ان رجع عن اقراره قبل رجوعه البتة ايضا. فكيف يستحل مسلم أن يموه على أهل الغفلة بخبر ليس فيه شئ مما يزعم؟. وانما روى عن بعض الصحابة انه قال: كنا نتحدث ان ماعزا والغامدية لو رجعا بعد اعترافهما او لم يرجعا بعد اعترافهما لم يطلبهما .. هكذا رويناه من طريق ابى أحمد الزبيرى عن بشير بن المهاجر عن ابن بريدة عن أبيه أنه قال هذا القول .. وهذا ظن. والظن لا يجوز القطع به .. وقول القائل لو فعل فلان كذا لفعل رسول الله ﷺ أمرا كذا ليس بشئ اذ لم يفعل ذلك الفلان ولا غيره ذلك الفعل قط. ولا قبله الرسول ﵇ قط .. وقد قال جابر: أنا أعلم الناس بأمر ماعز. انما قال رسول الله ﷺ : «هلا تركتموه وجئتمونى به». ليستثبت رسول الله ﷺ منه .. فاما بترك حد فلا. هذا نص كلام جابر فهو أعلم بذلك .. ولم يرجع ماعز قط عن اقراره. وانما قال: ردونى إلى رسول الله ﷺ . فان قومى قتلونى وغرونى من نفسى واخبرونى أن رسول الله ﷺ غير قاتلى هكذا روينا كل ما ذكرنا من طريق ابى داود. حدثنا عبيد الله ابن عمر بن ميسرة حدثنا يزيد بن زريع عن محمد بن اسحاق أن عاصم بن عمر بن قتادة قال: حدثنى حسن بن محمد بن محمد بن على بن ابى طالب أن جابر بن عبد الله قال له:
كل ما ذكرنا على نصه .. فبطل تمويههم بحديث ماعز .. واما ادرؤا الحدود بالشبهات فما جاء عن النبى ﷺ قط من طريق فيها خبر .. ولا نعلمه ايضا جاء عنه ﷺ لا مسندا ولا مرسلا ..
وانما هو قول روى عن ابن مسعود وعمر فقط ولو صح لكانوا أول مخالف له لان الحنفيين والمالكيين لا نعلم احدا أشد اقامة للحدود بالشبهات منهم .. فالمالكيون يحدون فى الزنا
стр. 7316
بالرجم والجلد بالحبل فقط وهى منكرة ..
وقد تستكره وتوطأ بنكاح صحيح لم يشتهر أو وهى فى غير عقلها. ويقتلون بدعوى المريض أن فلانا قتله … وفلان هذا منكر ولا بينة عليه. ويحدون فى الخمر بالرائحة وقد تكون رائحة تفاح او كمثرى شتوى ويقطعون فى السرقه من يقول: صاحب المنزل بعثنى فى هذا الشئ. وصاحب المنزل مقر له بذلك ..
ويحدون فى القذف بالتعريض. وهذا كله هو اقامة الحدود بالشبهات .. وأما الحنفيون فأنهم يقطعون من دخل مع آخر فى منزل انسان للسرقة فلم يتول اخذ شئ ولا اخراجه وانما سرق الذى دخل معه فقط .. فيقطعونهما جميعا فى كثير لهم مثل هذا قد تقصيناه فى غير هذا المكان. فمن اعجب شأنا ممن يحتج بقول قائل دون رسول الله ﷺ ثم هو اول مخالف لما احتج به من ذلك.
التسوية بين الحر والعبد فى الاقرار:
لم يفرق ابن حزم فى حكم الاقرار بين الحر والعبد كما فعل الفقهاء الاخرون اذ جعلوا اقرار العبد صحيحا فى بعض الاحوال دون البعض وفى بعض الامور دون البعض. وكذلك لم يفرق بين الذكر والانثى البكر وغير البكر وذات الاب واليتيمة وذات الزوج والخالية من الازواج وان كان أحد لم يفرق فيمن ذكر بشئ.
يقول ابن حزم: وأما تسويتنا بين الحر والعبد والذكر والأنثى ذات الاب. البكر وغير البكر واليتيمة وذات الزوج. فلأن الدين واحد على الجميع والحكم واحد على الجميع الا أن يأتى بالفرق بين شئ من ذلك قرآن او سنة .. ولا قرآن ولا سنة.
ولا قياس ولا اجماع على الفرق بين شئ مما ذكرنا ولا خلاف من احد من أهل الارض من المسلمين فى أن الله تعالى خاطب كل من ذكرنا خطابا قصد به كل واحد منهم فى ذات نفسه بقوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين أن يكون غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا.
وان تلووا أو تعرضوا فان الله كان بما تعملون خبيرا» فكل من ذكرنا مأمور بالاقرار بالحق على نفسه .. ومن الباطل المتيقن ان يفترض عليهم مالا يقبل منهم .. وقد قال قوم ان اقرار العبد بما يوجب الحد: لا يلزم ..
لانه مال وهو حين يقر انما يقر فى مال سيده والله تعالى يقول: «ولا تكسب كل نفس الا عليها .. » قال على: هو وان كان مالا فهو انسان تلزمه أحكام الديانة وهذه الآية حجتنا فى ذلك لانه كاسب على نفسه باقراره. وقد وافقونا لو أن اجيرا أقر على نفسه بحد للزمه وفى اقراره بذلك ابطال لاجارته ان أقر بما يوجب قتلا أو قطعا … وليس بذلك كاسبا على غيره ..
هل يلزم لحجية الاقرار ان يتكرر ؟
قال ابن حزم: وباقراره مرة يلزم كل ما ذكرنا من حد او قتل او مال .. وقال الحنفية:
لا يلزم الحد فى الزنا بالاقرار الا باقرار اربع مرات .. وقال ابو يوسف لا يلزم الحد فى
стр. 7317
السرقة بالاقرار الا باقرار مرتين. واقاموا ذلك مقام الشهادة .. وقال مالك والشافعى وابو سليمان كقولنا واحتج الحنفيون بأن رسول الله ﷺ ردد ماعزا اربع مرات
قال على قد صح هذا. وجاء انه ردده اقل وروى اكثر .. وانما ردده ﵊ لانه اتهم عقله. واتهمه انه لا يدرى ما الزنا. هكذا فى نص الحديث أنه قال:
استنكهوه هل شرب خمرا.؟ فانه ﵊ بعث الى قومه يسألهم عن عقله. وانه ﷺ قال له: أتدرى ما الزنا؟ لعلك غمزت أو قبلت .. فاذ قد صح هذا كله ولم يأت قط فى رواية صحيحة ولا سقيمة أنه ﷺ قال: لا يحد حتى يقر أربع مرات فلا يجوز ان يزداد هذا الشرط فيما تقام به حدود الله تعالى .. والقوم اصحاب قياس بزعمهم فيلزمهم ان اقاموا الاقرار مقام البينة فى بعض المواضع أن يقيموه مقامها فى كل موضع فلا يقضوا على احد أقر بمال حتى يقر مرتين .. وهم لا يفعلون ذلك. وقد قتل رسول الله ﷺ اليهودى الذى قتل الجارية باقرار غير مردود .. والقتل أعظم الحدود.
اقرار المريض:
اقرار المريض موضع خلاف كبير بين الفقهاء:
هل الحكم فيه قاصر على اقرار المريض مرض الموت أو انه يشمل المريض مرض الموت والمريض الذى افاق من مرضه. وهل اقرار المريض مرض الموت كأقرار الصحيح يصح للوارث والاجنبى وفى الثلث وما زاد على الثلث او هو يخالف اقرار الصحيح فلا يصح للوارث. ولا ينفذ الا فى حدود الثلث ما لم يجزه الورثة؟.
ويقول ابن حزم: وإقرار المريض فى مرض موته وفى مرض أفاق منه لوارث ولغير وارث نافذ من رأس المال كاقرار الصحيح ولا فرق.
روينا من طريق عبد الرازق: حدثنا بعض اصحابنا عن الليث بن سعد عن نافع مولى بن عمر عن ابن عمر قال: اذا أقر المريض فى مرضه بدين لرجل فانه جائز .. فعم ابن عمر ولم يخص .. ومن طريق ابن أبى شيبه: حدثنا ابن عليه عن ليث عن طاووس. قال: اذا اقر لوارث بدين جاز - يعنى فى المرض. وبه الى ابن عليه عن عامر الاحوال قال: سئل الحسن عنه؟. فقال احملها اياه ولا أتحملها عنه ..
ومن طريق ابن ابى شيبة حدثنا زيد بن الحباب حدثنا حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن عطاء. فيمن أقر لوارث بدين قال: جائز ..
ومن طريق ابن ابى شيبه: حدثنا عمر بن ايوب الموصلى عن جعفر - هو ابن يرقان - عن ميمون - هو ابن مهران - اذا أقر بدين فى مرضه. فأرى أن يجوز عليه لانه لو أقر به وهو صحيح. جاز واصدق ما يكون عند موته وهذا هو قول الشافعى وابى سليمان واصحابهما .. وقالت طائفة: لا يجوز اقرار المريض اصلا كما روينا عن ابن ابى شيبة:
حدثنا وكيع عن سفيان عن أبن جريج عن عطاء قال: لا يجوز اقرار المريض بالدين. وهو قول ياسين الزيات. الا أنه قال: هو من الثلث .. وقسمت طائفة كما روينا عن شريح أنه كان يجيز اعتراف المريض عند موته بالدين لغير الوارث. ولا يجيزه للوارث الا ببينة.
وهو قول ابراهيم وابن أذينة صح ذلك عنهما.
стр. 7318
ورويناه ايضا عن الحكم والشعبى. وهو قول ابى حنيفة الا أن دين الصحة مقدم عنده على دين المرض. واتفقوا على ان اقرار الصحيح للوارث ولغير الوارث بالدين جائز من رأس المال كان له ولد أو لم يكن .. وقال مالك وابو حنيفة ان اقر المريض لوارث فأفاق من مرضه فهو لازم له من رأس ماله. واختلف عن مالك فى ذلك ان مات من ذلك المرض فرواية ابن القاسم عنه انه لا يجوز ذلك الاقرار وروى ابو قرة عن مالك. لا يجوز الا فى الشئ اليسير الذى يرى أنه لا يؤثر به لتفاهته وروى عن مالك ايضا انه ان أقر لوارث بار به لم يجز اقراره له. فان اقر لوارث عاق جاز اقراره له كالاجنبى وقال فى اقراره لزوجته بدين او مهر. فانه ان كان له ولد من غيرها ولم يعرف له انقطاع الى الزوجة ولا ميل اليها فاقراره لها جائز من رأس المال فان عرف له ميل اليها وكان بينه وبين ولده من غيرها تفاقم لم يجز اقراره لها. قال: وليس سائر الورثة فى ذلك كالزوجة لأنه لا يتهم فى الزوجة اذا لم يكن له اليها ميل ان يصرف ماله عن ولده اليها قال: فان ورثه بنون او اخوة لم يجز اقراره لبعضهم دون بعض فى مرضه فان لم يترك الا ابنه وعصبة فأقر لبعض العصبة جاز ذلك ..
وقال: ولا يجوز اقراره لصديقه الملاطف اذا ورثه ابواه أو عصبته فان ورثه ولد أو ولد ولد جاز اقراره له.
قال أبو محمد: هذه اقوال مبنية - بلا شك على الظنون الزائفة وعلى التهمة الفاسدة.
وقد قال رسول الله ﷺ :
(اياكم والظن فان الظن اكذب الحديث).
وقال الله تعالى: «ان يتبعون الا الظن. وان الظن لا يغنى من الحق شيئا» .. وكل هذه الاقوال لا تحفظ عن احد قبله. ولا يخلو اقرار المريض عندهم اذا اتهموه فيه من ان يكون عندهم هبة أو يكون وصية فان كان هبة فالهبة عندهم لبعض الورثة دون بعض جائزة من رأس المال.
وما جاء قط فرق بين هبة مريض ولا هبة صحيح وان كان وصية فوصية الصحيح والمريض سواء لا تجوز الا من الثلث فظهر ان تفريقهم فاسد … فان ذكروا حديث الستة الأعبد واقراع النبى ﷺ بينهم فاعتق اثنين وارق اربعة فليس هذا من الاقرار فى شئ اصلا. والاقرار انما هو اخبار يحق ذكره وليس عطية اصلا. ولا وصية وحديث الستة الأعبد سنذكره ان شاء الله تعالى فى العتق باسناده مبينا.
الاقرار لا يتجزا:
ومن قال: هذا الشئ لشئ فى يده - كان لفلان. ووهبه لى. او قال: هذا الشئ كان لفلان باعه منى صدق. ولم ينص عليه بشئ لما ذكرنا سابقا: من ان رجلا ادعى على رجل الف درهم ولم تكن له بينة فاختصما الى عبد الملك بن يعلى. فقال المدعى عليه:
قد كانت له عندى الف درهم فقضيته. فقال المدعى: اصلحك الله قد أقر .. فقال له عبد الملك بن يعلى: ان شئت اخذت بقوله اجمع وان شئت ابطلته اجمع وعبد الملك بن يعلى هذا من التابعين وقد ولى قضاء البصرة. ولم يقبل تجزئة الاقرار. وأخذ الضار منه بالمقر وترك النافع له وما روى من طريق حماد بن سلمة عن اياس بن معاوية انه قال: كل من كان فى يده شئ فالقول فيه قوله .. ولأن
стр. 7319
الاموال والاملاك بلا شك متنقلة من يد الى يد .. هذا امر فعلمه يقينا فلو قضى عليه ببعض اقراره هنا دون سائره لوجب اخراج جميع املاك الناس عن ايديهم او اكثرها لانك لا تشك فى الدور والارضين والثياب المجلوبة والعبيد والدواب انها كانت قبل من هى بيده لغيره بلا شك .. وان امكن فى بعض ذلك أن ينتجه عنده فان الأم بلا شك كانت لغيره.
وكذلك الزريعة مما بيده مما ينبت .. فظهر فساد هذا القول جملة .. فان قامت بينة فى شئ مما بيده مما أقر به أو مما لم يقر به انه كان لغيره قضى به لذلك الغير حينئذ .. ولم يصدق على انتقال ما قامت به البينة لانسان بعينه البتة الا ببينة. وهذا متفق عليه. وقد حكم رسول الله ﷺ وقضى بالبينة للمدعى.
الاستثناء:
ويدخل فى حكم ما ذكر من عدم تجزئ الاقرار ما اذا عبر بالاستثناء بأن اقر واستثنى من المقر به شيئا سواء كان من الجنس او من غير الجنس وفى ذلك يقول ابن حزم: ومن قال لفلان عندى مائة دينار دين ولى عنده مائة قفيز قمح أو قال: له عندى مائة دينار الا مائة قفيز تمر او نحو ذلك. او الا جارية ولا بينة عليه بشئ ولا له بينة بشئ - قوم القمح الذى ادعاه فان ساوى المائة الدينار التى اقر بها او ساوى اكثر منها فلا شئ عليه. وان ساوى أقل منها قضى بالفضل فقط للذى أقر له.
برهان ذلك أنه لم يقر له قط اقرارا تاما بل وصله بما ابطل به أول كلامه فلم يثبت له قط على نفسه شيئا ولو جاز أن يؤخذ بعض كلامه دون بعض لجاز أن يقتل من قال: لا اله الا الله لأن نصف كلامه اذا انفرد كفر صحيح.
وهو قول: لا اله. فيقال له: كفرت ثم ندمت وهذا فاسد جدا. ولو حب أيضا أن يبطل الاستثناء كله بمثل هذا لأنه ابطال لما أثبته بأول كلامه قبل ان يستثنى ما استثنى وقد قال قوم:
انما يجوز الاستثناء من نوع ما قبله لا من نوع غيره. قال أبو محمد. وهذا باطل لأن الله تعالى يقول: «انى لا يخاف لدى المرسلون الا من ظلم» وقال تعالى «فسجد الملائكة كلهم اجمعون الا ابليس» فاستثنى ابليس من الملائكة وليس منهم بل من الجن الذين ينسلون والملائكة لا تنسل. واستثنى تعالى من ظلم.
من المرسلين وليسوا من أهل صفتهم. وقال الشاعر:
وبلدة ليس بها انيس … الا اليعافير والا العيس
وليس اليعافير والعيس من الانيس. وقد استثناهم منهم الشاعر العربى الفصيح.
الاقرار بالنسب:
تكلم الظاهرية عن استلحاق المرأة الولد والاقرار بنسبه (١).
المرأة فى استلحاق الولد بنفسها كالرجل بل هى اقوى سببا فى ذلك لانه يلحق بها من حلال كان او من حرام - وجاء فى المحلى من الموضع المذكور ان الولد يلحق بالمرأة اذا زنت به ولا يلحق بالرجل.
стр. 7320
ولد اللعان:
وفى الاقرار بنسب ولد اللعان (١).
ان كانت المرأة الملاعنة حاملا فبتمام اللعان منهما جميعا ينتفى نسب الحمل ذكره او لم يذكره الا ان يقر به فيلحقه. ولا حد عليه فى قذفه لها مع اقراره بأن حملها منه اذا تم اللعان
الاقرار بنسب اللقيط:
وفى الاقرار بنسب اللقيط (٢) وكل من ادعى بان ذلك اللقيط ابنه من المسلمين حرا كان او عبدا صدق ان امكن ان يكون ما قال حقا.
فانه يتعين كذبه لم يلتفت الى دعواه .. برهان ذلك ان الولادات لا تعرف الا بقول الآباء والامهات وهكذا انساب الناس كلهم ما لم يتيقن الكذب. وانما قلنا من المسلمين للثابت عن رسول الله ﷺ من قوله: كل مولود يولد على الفطرة وعلى الملة. وقوله ﷺ عن ربه تعالى فى حديث عياض بن حماد المجاشعى «خلقت عبادى حنفاء كلهم» ولقول الله ﵎: «واذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى. شهدنا أن تقولوا يوم القيامة انا كنا عن هذا غافلين» فان ادعاه كافر لم يصدق لأن فى تصديقه اخراجه عما قد صح له من الاسلام ولا يجوز ذلك الا حيث اجازه النص ممن ولد على فراش كافر من كافرة فقط. ولا فرق بين حر وعبد فيما ذكرنا وقال الحنفيون. ان ادعاه عبد لا يصدق لان فى تصديقه ارقاق الولد.
وكذبوا فى هذا. ولد العبد من الحرة حر لا سيما على اصلهم فى ان العبد لا يتسرى .. وأما نحن فقد قلنا: ان الناس على الحرية.
ولا تحمل امرأة العبد الا على انها حرة فولده حر حتى يثبت انتقاله عن اصله.
اذا تعدد المقر له بالنسب:
وجاء فى المحلى (٣) ان تزوج رجلا بجهالة امرأة فى طهر واحد ولم يعرف تاريخ الزواجين فظهر بها حمل فأتت بولد. فانه:
أن تداعياه جميعا فانه يقرع بينهما فيه فأيهما خرجت قرعته الحق به الولد. وهكذا الحكم فيما زاد سواء كان المتداعيان اجنبيين او قريبين او ابا وابنا. فأن كان احدهما مسلما والاخر كافرا الحق بالمسلم حتما بلا قرعة ..
وان تداعت امرأتان فأكثر ولدا. فان كان فى يد احداهما فهو لها. وان كان فى ايديهن كلهن دعى له القافة .. ولا يجوز أن يكون ولد واحد ابن رجلين وابن امرأتين.
نسب الرقيق:
من استلحق ولد جارية (٤) له باعها ولم يكن عرف قبل ذلك ببينة انه وطئها أو باقرار منه بوطئها قبل بيعه لها لم يصدق ولم يلحق به نسبه سواء باعها حاملا أو حدث الحمل بها بعد بيعه لها او باعها دون ولدها او باع ولدها دونها كل ذلك سواء فلو صح ببينة انه وطئها قبل بيعه لها او اقر بوطئها قبل أن يبيعها. فان ظهر بها حمل كان مبدؤه قبل بيعه لها بلا شك فانه يلحق به ولدها سواء أقر به او لم يقر ويفسخ البيع.