عظيم خطره شرعا كما ينبه عليه كفر مستحله فيقبل فى هذه الاوصاف التفسير بالاقل ..
ولكن لا بد من كونه مما يتمول أى يعد مالا عرفا. لا كقشرة جوزة أو حبة دخن أو حنطة اذ لا قيمة لذلك عادة. وقيل يقبل تفسيره بذلك لانه مملوك شرعا .. والحقيقة الشرعية مقدمة على العرفية. ولتحريم آخذه بغير اذن مالكه ووجوب رده .. ويشكل بأن الملك لا يستلزم اطلاق اسم المال شرعا. والعرف يأباه نعم يتجه ذلك تفسيرا للشئ وان وصفه بالاوصاف العظيمة لما ذكر .. ويقرب منه ما لو قال: له على حق وفى قبول تفسير الشئ والحق برد السّلام والعبادة وتشميت العطاس وجهان من اطلاق الحق عليهما فى الاخبار فيطلق الشئ لانه اعم ومن انه خلاف المتعارف ..
وبعدها عن الفهم فى معرض الاقرار وهو الاشهر .. ولو امتنع المقر عن التفسير حبس وعوقب عليه حتى يفسر لوجوبه عليه .. ولو مات قبل أن يفسر طولب وارثه به ان علمه وخلف المقر تركة .. فأن انكر العلم وادعاه عليه المقر له حلف الوارث على عدمه .. ولا فرق فى الابهام والرجوع اليه فى تفسيره بين قوله - عظيم أو كثير. لاشتراكهما فى الاحتمال … وقبل بالفرق. بأن الكثير ثمانون كالنذر للرواية الواردة به فيه.
والاستشهاد بقوله تعالى «لقد نصركم الله فى مواطن كثيرة» ويضعف مع تسليمه ببطلان القياس ولاستعمال الكثير فى القرآن لغير ذلك مثل قوله تعالى «كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن الله والله مع الصابرين».
وقوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا» ودعوى أنه عرف شرعى فلا قياس خلاف الظاهر. والحاق العظيم به غريب.
انواع من الاقرار:
لو قال المقر: له على اكثر من مال فلان لزمه بقدر مال فلان هذا وزيادة .. ولو فسره بأقل منه وادعى ظن القلة حلف لان الاصل عدم علمه به مع ظهور أن المال من شأنه ان يخفى .. وفسر بما ظنه أنه مال فلان وزاد عليه زيادة .. وينبغى تقييده بأمكان الجهل به فى حقه .. ولا فرق فى ذلك بين قوله قبل ذلك: انى اعلم مال فلان. وعدم قوله ذلك .. نعم لو كان قد أقر بأنه قدر يزيد عما ادعى ظنه لم يقبل انكاره ثانيا .. ولو تأول بأن قال:
ان ما اقررت به يساوى مال فلان أو يفوقه لان مال فلان حرام أو فيه شبهة أو عين من الاعيان .. وما أقررت به حلال ولا شبهة فيه أو دين.
والحلال والدين أكثر نفعا أو بقاء .. فهو يريد الجانب المعقول لا القدر العددى أو المادى اذا قال ذلك ففى قبول قوله قولان من ان المتبادر كثرة المقدار فيكون حقيقة فيها. وهى مقدمة على المجاز مع عدم القرينة الصارفة ..
ومن امكان ارادة المجاز. ولا يعلم قصده الا من لفظه فيرجع اليه فيه .. ولا يخفى قوة الأول أى أن المعتاد كثرة المقدار .. نعم لو اتصل التفسير بالاقرار لم يبعد قبول قوله انه اراد المجاز لان الكلام يكون كالجملة الواحدة حينئذ (١).
ولو قال المقر: له على كذا درهم. برفع درهم أو نصبه أو جره أو الوقوف عليه بالسكون. فأنه يلزمه فى ذلك كله درهم واحد لاشتراكه بين الواحد فما زاد عليه بحسب
стр. 7352
وضع التعبير .. فيحمل على الاقل لانه المتيقن وهذا اذا لم يفسره بأزيد من الدرهم فأن فسره بأزيد منه لزمه ما فسر به … وانما حمل ابتداء على الدرهم الواحد لان كلمة - كذا - كناية عن الشئ فكأنه يقول: له على شئ.
فمع رفع. درهم. يكون بدلا من لفظ شئ.
والتقدير حينئذ له على شئ درهم. أى له على درهم .. ومع نصب درهم يكون تمييزا للمبهم وهو لفظ كذا. المؤول بشئ.
والتقدير على هذا: له على شئ. ثم ميز هذا المبهم وهو شئ بقوله: درهما. أى أعنى درهما. وأجاز بعضهم أن يكون النصب على القطع لا على التمييز أى انه قال: له على شئ ثم قطع الكلام وقال: درهما.
فيكون مقرا بدرهم .. ومع جر درهم يكون قد اضاف اليه ما تقدم اضافة بيانية واضافة الحصيد الى حب فى قول الله ﵎ «وأنزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد». أى حبا هو الحصيد والتقدير على هذا: له على شئ درهم بالاضافة ويشكل على هذا بأن الاضافة تفهم الجزئية أى له على جزء درهم. ويكون الجزء مبهما فى قلته وكثرته ويرجع فى تفسير الجزء المقر به وتحديده الى المقر. لان الجزء هو المتيقن خصوصا مع ملاحظة ان الاصل براءة الذمة ..
وقيل ان الجر لحن فيحمل على الرفع أو النصب ويلزمه حكمهما وهو الدرهم .. واما الوقف بالسكون فيحمل على الرفع والجر ويلزمه حكمهما وهو الدرهم .. ولا يحمل على النصب لأنه لو اراد النصب لا ثبت الفا فى اخره فى حالة الوقف كما تقتضيه القواعد ولكنه لم يفعل فلا يحمل على النصب اذن.
فيلزمه درهم على ما ذكر أو جزء درهم عملا بالتحقيق فى حالة الجر على ما أشير اليه ولو كرر لفظ كذا. بدون عطف فقال: له على كذا كذا درهم. أو مع العطف فقال: له على كذا وكذا درهم. مع رفع درهم أو نصبه أو جره أو الوقوف عليه بالسكون - لزمه درهم واحد فى هذه الأحوال كلها - لانه فى حالة التكرار بدون عطف يحتمل أن يكون تأكيدا للاول فيكون كحالة الاقرار وعدم التكرار ويكون الاعراب فيه فى حالات الرفع والنصب والجر والوقوف بالسكون كالاعراب فيها فى حالة الافراد.
وفى حالة التكرار مع العطف. يعتبر.
كذا. شيئا مبهما. ويكون الثانى معطوفا على الاول. وميز الاثنين المعطوف والمعطوف عليه بدرهم. والتقدير له على كذا أو كذا درهما: أى اعنى درهما .. وأبدل منهما لفظ درهم على تقدير الرفع. والتقدير: له على كذا وكذا درهم أى شئ وشئ هما درهم ..
وبينا معا بالدرهم على الجر بالاضافة البيانية والتقدير: له على شئ وشئ درهم بالاضافة ولو فسر فى هذه الحالة أى حالة الجر ببعض درهم بناء على التحقيق السابق فى حالة الجر عند الافراد وعدم التكرار - لكان اظهر لامكانه وضعا بمقتضى وضع اللفظ يجعل الشئ المراد من كذا وما ألحق به بالتكرار مع العطف أو بدونه كناية عن الجزء. والحمل على ذلك اقوى لانه الأقل المتأكد .. ويرجع فى تحديد جزئى الدرهم للمقر بهما الى تفسير المقر.
وقيل لا يتبع فى تفسير الاقرار بما ذكر من قوله: له على كذا درهم بالاقرار مع الحركات
стр. 7353
الثلاث الرفع والنصب والجر مع الوقف بالسكون .. وقوله: له على كذا وكذا بالتكرار بدون عطف مع الحركات الثلاث ومع الوقف بالسكون .. وقوله: له على كذا وكذا بالتكرار مع العطف. مع الحركات الثلاث ومع الوقف بالسكون ومحصل ذلك اثنتا عشرة صورة. لا يتبع فى تفسير الاقرار فى هذه الصور كلها ما ذكر من جعل المقر به درهما أو بعض درهم على حسب ما تقدم ..
.. وانما يتبع فى تفسيره ما ذكره علماء العربية فى موازنة ومماثلة من الاعداد بان يجعل لفظ (كذا) كناية عن العدد لا عن الشئ المبهم - فيكون الدرهم فى جميع الاحوال تمييزا لذلك العدد المكنى عنه بلفظ (كذا) فينظر الى ما يناسبه بحسب ما تقتضيه قواعد العربية من اعراب المميز للعدد ويحمل عليه ..
ففى حالة افراد المبهم وهو لفظ (كذا) مع رفع الدرهم يلزمه درهم لانه لا يمكن جعله تمييزا اذ المميز لا يكون مرفوعا فيجعل بدلا كما مر ويكون مقرا بدرهم .. ومع النصب يلزمه عشرون درهما لانه اقل عدد مفرد ينصب مميزه اذ فوقه ثلاثون واربعون الى تسعين فيحمل على الاقل. كأنه قال: له على عشرون درهما. واقام (كذا) مقام العدد. ومع الجر يلزمه مائة درهم لانه أقل عدد مفرد فسر بتمييز مفرد مجرور بالاضافة اذ فوقه الالف كأنه قال:
له على مائة درهم. وأقام كذا مقام العدد.
ومع الوقف بالسكون يلزمه درهم واحد لاحتماله الرفع والجر فيحمل على الرفع أخذا بالأقل المتأكد.
وفى حالة التكرار بدون عطف فمع رفع الدرهم يلزمه درهم واحد لان الثانى يكون تأكيدا للاول. وقد ابدل منهما درهم والتقدير له على كذا كذا درهم فيكون اقرارا بدرهم ومع نصب الدرهم يلزمه احد عشر درهما لانه اقل عدد مركب مع غيره ينصب بعده مميزه اذ فوقه اثنا عشر الى تسعة عشر فيحمل على الاقل المتأكد. كأنه قال: له على أحد عشر درهما - وأقام كذا كذا مقام احد عشر ..
ومع الجر يلزمه ثلاث مائة درهم لانه اقل عدد أضيف الى اخر وميز بمفرد ومجرور اذ فوقه أربعمائة الى تسعمائة. ثم مائة مائة ثم مائة الف. ثم الف الف فيحمل على المتيقن ..
والتركيب هنا لا يتأتى لان مميز المركب لم يرد مجرورا .. ومع الوقف بالسكون يحتمل الرفع والجر فيحمل على الاقل منهما وهو الرفع ويلزمه درهم واحد.
وفى حالة التكرار مع العطف. مع رفع الدرهم. يلزمه درهم واحد لانه يكون بدلا من مجموع المعطوف والمعطوف عليه ويكون كأنه اقر بدرهم .. ويحتمل أن يلزمه درهم وزيادة يرجع فى تفسيرها اليه لانه ذكر شيئين متغايرين بالعطف وذكر بعدهما لفظ درهم.
فيجعل تفسيرا للقريب منهما اليه وهو المعطوف ويبقى المعطوف عليه على ابهامه ويرجع فى تفسيره اليه. وكون الاصل براءة الذمة لا يساعد على هذا التأويل. ولكن اذا ارتضاه المقر فهو صاحب الشأن ويجب ان يقبل منه.
ومع نصب الدرهم فى هذه الحالة حالة التكرار مع العطف يلزمه واحد وعشرون درهما لانه اقل عددين عطف احدهما على الاخر وانتصب المميز بعدها اذ فوقه اثنا وعشرون الى تسعة وتسعين فيحمل على الاقل
стр. 7354
ومع جر الدرهم يلزمه الف ومائة لانه أقل عددين عطف احدهما على الاخر. وميز بمفرد مجرور اذ فوقه من الاعداد المعطوف عليها المائة والالف مالا نهاية له. ويحتمل جعل الدرهم مميزا للمعطوف فيكون مائة ويبقى المعطوف عليه مبهما فيرجع اليه فى تفسيره ويجعل التفسير درهما لمناسبة الاعداد المميزة فيكون التقدير: له على درهم ومائة درهم.
وهذا أقل تفسير ممكن لان الاصل براءة الذمة من الزائد .. وهذا القسم لم يصرحوا بحكمه ولكنه لازم للقاعدة .. ومع الوقف بالسكون فى هذه الحالة يحتمل الرفع والجر فيحمل على الرفع لانه الاقل المتيقن.
ولا فرق فيما ذكر بين كون المقر من أهل العربية أو من غيرهم لاستعمالها على الوجه المناسب للعربية فى غير ما أدعوه استعمالا كثيرا (١).
تعقيب الاقرار بما ينافيه:
تعقيب الاقرار بما ينافيه قسمان. قسم مقبول وهو الاستثناء بشروطه. وقسم مردود وهو تعقيب الاقرار بعبارة ينافى مضمونها مضمون عبارة الاقرار ويرفع حكمها. وهذا مردود لا يؤخذ به وتبقى عبارة الاقرار صحيحة ويترتب على الاقرار آثاره ونتائجه.
الاستثناء:
الاستثناء هو اخراج ما لولاه لدخل فى الكلام السابق وهو المستثنى منه .. وتعقيب الاقرار بالاستثناء أى باخراج بعض الاقرار أو الحالات من حكمه مقبول بشروطه.
شروط الاستثناء:
وهى الا يستوعب الاستثناء جميع ما يشمله المستثنى منه سواء بقى بعد الاستثناء الأقل مما كان يشمله المستثنى منه أو الأقل أو المساوى اذ المستثنى والمستثنى منه كالشئ الواحد فلا يتفاوت الحال لكثرة الباقى بعد الاستثناء وقلته .. وقد ورد الاستثناء فى القرآن الكريم وفى اللفظ العربى الفصيح ويشترط فى الاستثناء أيضا أن يكون متصلا بالمستثنى منه بحسب ما تقتضيه العادة ليفتقر التنفس بينهما والسعال وغيرهما مما لا يعد معه منفصلا عرفا ولما كان الاستثناء اخراج ما لولاه لدخل فى اللفظ كان المستثنى والمستثنى منه متناقضين. فالاستثناء من الاثبات نفى ومن النفى اثبات. أما الاول فعليه اجماع العلماء .. واما الثانى فلانه لولاه لما كان قول: لا اله الا الله يتم به التوحيد لأنه لا يتم الا باثبات الألوهية لله تعالى ونفيها عما عداه .. والنفى هنا حاصل فلو لم يحصل الاثبات لم يتم التوحيد.
وبناء على ما ذكر من القواعد. لو قال المقر: له على مائة الا تسعين فهو اقرار بعشرة لان المستثنى منه اثبات للمائة. والمستثنى نفى لتسعين منها فتبقى عشرة هى المقر بها. ولو قال: له على مائة الا تسعون بالرفع فهو اقرار بالمائة لانه لم يستثن منها شيئا لان الاستثناء من الموجب التام لا يكون الا منصوبا فلما رفعه لم يكن استثناء. وانما - لا - فيه بمعنى غير. يوصف بها ويتاليها ما قبلها .. ولما كانت المائة مرفوعة بالابتداء كانت التسعون مرفوعة صفة للمرفوع .. والمعنى: له على مائة موصوفة بأنها غير تسعين. فقد وصف المقر به بما ذكر. ولم يستثن منه شيئا. وهذه
стр. 7355
الصفة مؤكدة صالحة للاسقاط اذ كل مائة موصوفة بذلك فهى مثلها.
وأعلم ان المشهور بين النحاة فى (الا) الوصفية كونها وصفا لجمع منكر كقوله تعالى «لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا» والمائة ليست من هذا الباب .. لكن الذى اختاره جماعة من المتأخرين عدم اشتراط ذلك ونقل فى المغنى عن سيبويه جواز - لو كان معنا رجل الا زيد لغلبنا أى غير زيد ولو قال المقر: ليس له على مائة الا تسعون فهو اقرار بتسعين. لأن المستثنى من المنفى التام يكون مرفوعا. فلما رفع التسعين علم أنه استثناء من المنفى فيكون اثباتا للتسعين بعد نفى المائة .. ولو قال: ليس له على مائة الا تسعين بالياء فلا يكون مقرا بشئ لأن نصب المستثنى دليل على كون المستثنى منه موجبا .. ولما كان ظاهرة النفى حمل على أن حرف النفى داخل على الجملة المثبتة المشتملة على الاستثناء أعنى مجموع المستثنى والمستثنى منه وهو - له على مائة الا تسعين - فكأنه قال المقدار الذى هو مائة الا تسعين أعنى العشرة الباقية بعد الاستثناء - ليس له على
تعدد الاستثناء:
ولو تعدد الاستثناء. فان كان بعاطف كقوله: له على عشرة الا اربعة. والا ثلاثة.
او كان الاستثناء الثانى ازيد من الاول كقوله:
له على عشرة الا اربعة الا خمسة. أو مساويا له كقوله: له على عشرة الا اربعة الا أربعة كانت الاستثناءات كلها من الاول. أما مع العطف فلوجوب اشتراك المعطوف والمعطوف عليه فى الحكم فهما كالجملة الواحدة ولا فرق فى هذه الحالة بين تكرر حرف الاستثناء وعدم تكرره ولا بين زيادة الثانى على الاول ومساواته له ولقضائه عنه .. وأما مع زيادة الثانى عن الاول او مساواته له. فلانه لو عاد الى الاقرب اليه للزم الاستغراق وهو باطل فيبطل الاستثناء. فيصان كلامه عن العبث بقدر الامكان وذلك بعودهما الى المستثنى منه الاول.
واعلم أنه لا يلزم من عود الاستثناءات المتكررة فى الحالات المذكورة الى المستثنى منه الاول صحة الاستثناء. بل ينظر ان لم تستغرق الاستثناءات المستثنى منه الاول كما فى المقالين المذكورين - له على عشرة الا اربعة الا خمسة وله على عشرة الا أربعة الا أربعة صح الاستثناء. وكان الباقى هو المقر به الذى يلزم به المقر - وان استغرق الجميع المستثنى منه فلا يصح الاستثناء من الثانى خاصة كما لو قال: له على عشرة الا خمسة الا خمسة لنا الثانى خاصة لانه هو الذى اوجب الفساد … وكذا العطف سواء كان الثانى مساويا للاول كالمثال المذكور مع العطف ام كان الثانى ازيد كما فى قوله: له على عشرة الا ثلاثة والا سبعة ام انقص كما فى قوله: له على عشرة الا سبعة والا ثلاثة ..
ولو تعدد الاستثناء ولم يكن بعطف ولا كان الثانى ازيد من الاول ولا مساويا له بل كان الثانى انقص من الاول وبدون عطف كقوله: له على عشرة الا تسعة الا ثمانية رجع الثانى الى متلوه اى رجع كل واحد الى ما قبله بقربه منه. اذ لو عاد الى البعيد لزم ترجيحه على الأقرب بغير مرجح. وعوده اليهما يوجب التناقض اذ المستثنى والمستثنى
стр. 7356
منه متخالفان نفيا واثباتا كما مر .. فيلزمه فى قوله: له على عشرة الا تسعة الا ثمانية.
تسعة لان قوله له على عشرة. اقرار بعشرة حيث انه اثبات. والاستثناء الاول نفى للتسعة منها لانه وارد على اثبات فيبقى واحد مثبت. واستثناؤه الثانى اثبات للثمانية لانه استثناء من المنفى فيكون مثبتا فيضم ما اثبته بذلك وهو الثمانية الى الواحد المثبت الباقى من المستثنى منه الاول فتكون تسعة هى المقر بها … ولو انه فى المثال المذكور ضم الى ما ذكر قوله الا سبعة الا ستة حتى وصل الى الواحد لزمه خمسة لانه بالاستثناء الثالث نفى سبعة من التسعة المثبتة فبقى اثنان وبالرابع اثبت ستة فصار المثبت ثمانية وبالخامس يصير ثلاثة وبالسادس يصير سبعة وبالسابع يصير اربعة وبالثامن يصير ستة وبالتاسع وهو الواحد ينتفى منها واحد فيبقى خمسة ..
والضابط ان تجمع الاعداد المثبتة وهى الازواج على حدة. وتجمع المنفية وهى الافراد كذلك.
ونطرح جملة المنفى من جملة المثبت والباقى هو اللازم والمقر به .. والمثبت فى المثال المذكور ثلاثون. والمنفى خمسة وعشرون ..
والباقى خمسة.
الاستثناء من غير الجنس:
ولو استثنى من غير الجنس صح وان كان استثناء مجازا لتصريحه بارادته او لامكان تأويله بالمتصل بأن يضمر قيمة المستثنى ونحوها مما يطابق المستثنى منه. ويسقط المستثنى باعتبار قيمته من المستثنى منه. فاذا بقيت بعد الاسقاط بقية لزمت وكانت هى المقر بها.
وان لم يبق شئ بطل الاستثناء للاستغراق.
كما لو قال: له على مائة الا ثوبا حيث يصح ويطالب ببيان قيمة الثوب. ونطرح القيمة من المائة المستثنى منه. فان بقى شئ من المائة بعد طرح قيمة الثوب قبل الاستثناء وكان هذا الباقى هو المقر به الذى يلزم المقر. وان استغرقت قيمة الثوب التى بينها المقر المائة بطل الاستثناء على الاقوى ولزمته المائة ..
وقيل: بطل بيان القيمة الذى ذكره المقر وطولب ببيان قيمة أخرى.
الاستثناء المستغرق باطل:
والاستثناء المستغرق باطل باتفاق كما لو قال: له على مائة الا مائة. ولا يحمل على الغلط ولو ادعاه المقر لم يسمع منه. هذا اذا لم يتعقبه استثناء آخر يزيل استغراقه كما لو عقب المثال المذكور باستثناء اخر فقال له على مائة الا مائة الا تسعين فيصح الاستثناءان ويلزمه تسعون لان الكلام يصير جملة واحدة لا يتم الا بآخره. وآخره يصير الاول غير مستوعب. فأن المائة المستثناة منفية لانها استثناء من مثبت. والتسعين مثبتة لانها استثناء من منفى وهو المائة فيبقى عشرة تستثنى من المائة المستثنى منه الاول فيبقى تسعون هى المقر به اللازم. ويصير جملة الكلام فى قوة قوله: له تسعون. وكأنه استثنى من اول الامر عشرة من المائة.
الاضراب:
وكذلك يبطل الاضراب عن الكلام الاول الذى يتضمن الاقرار ببل الى ما بعدها مثل قوله: له على مائة بل تسعون وهو باطل لانه بمثابة الرجوع عن الاقرار فلا يقبل ويلزمه المائة فى المثال المذكور للاضراب الموجب لانكار ما قد اقر به فلا يلتفت اليه .. وليس الاضراب
стр. 7357
كالاستثناء لأن الاستثناء من متممات الكلام لغة. والمحكوم بثبوته فيه هو الباقى من المستثنى منه بعده بخلاف الاضراب. فأنه بعد الايجاب يجعل ما قبل. بل كالمسكوت عنه بعد الاقرار به فلا يسمع .. والفارق بين الاستثناء والاضراب اللغة.
وقد قالوا: انه لو قال: له على قفيز حنطة بل قفيز شعير لزمه القفيزان قفيز الحنطة وقفيز الشعير. لثبوت الاول بالاقرار والثانى بالاضراب والانتقال اليه .. ولو قال: له على قفيز حنطة بل قفيزان حنطة لزمه قفيزان من الحنطة وهو الاكثر .. ولو قال: له على هذا الدرهم بل هذا الدرهم. لزمه الدرهمان لاعترافه فى الاضراب بدرهم آخر مع عدم سماع العدول منه .. ولو قال: له على هذا الدرهم بل درهم لزمه درهم واحد لعدم تحقق المغايرة بين المعين والمطلق لامكان حمله عليه … وحاصل الفرق بين هذه الصور يرجع الى تحقيق معنى بل .. وخلاصة هذا التحقيق انها حرف اضراب. ثم ان تقدمها ايجاب وتلاها مفرد جعلت ما قبلها كالمسكوت عنه فلا يحكم عليه بشئ. واثبت الحكم لما بعدها. وحيث كان الاول اقرارا صحيحا استقر حكمه بالاضراب عنه .. وان تقدمها نفى فهى لتقرير ما قبلها على حكمه وجعل ضده لما بعدها. ثم ان كانا مع الايجاب مختلفين او معينين لم يقبل اضرابه لانه انكار للاقرار الاول وهو غير مسموع ..
فالاول كأن يقول: له قفيز حنطة بل قفيز شعير والثانى كقوله: له هذا الدرهم بل هذا الدرهم فيلزمه القفيزان والدرهمان لان أحد المختلفين وأحد الشخصين غير داخل فى الآخر. وان كانا مطلقين او احدهما لزمه واحد ان اتحد مقدار ما قبل بل وما بعدها كقوله: له على درهم بل درهم. أو له على هذا الدرهم بل درهم. او له على درهم بل هذا الدرهم .. لكن يلزمه مع تعيين احدهما المعين .. وان اختلفا كمية كقوله: له عندى قفيز بل قفيزان او هذا القفيز بل قفيزان او له قفيزان بل هذا القفيز. لزمه الاكثر. لكن ان كان المعين هو الاقل لزمه المعين ووجب الاكمال.
ولو قال: هذه الدار لزيد بل لعمرو.
دفعت الى زيد عملا بمقتضى الاقرار الاول وغرم المقر قيمتها لعمرو لانه قد حال باقراره بملكية الدار لزيد بين عمرو وبين الدار فيغرم له القيمة اذ الحيلولة توجب الغرم. الا أن يصدقه زيد فى أن الدار لعمرو فتدفع اليه من غير غرم .. ولو أشهد شاهدى عدل بالبيع لزيد وقبض الثمن منه. ثم ادعى المواطأة بينه وبين المقر له على الاشهاد ومن غير ان يقع بيع وقبض. سمعت دعواه لجريان العادة بذلك.
وأحلف المقر له على الاقباض او على عدم المواطأة .. ويحتمل عدم سماع دعوى المواطأة فلا يتوجه اليمين على المقر له لانه مكذب لاقراره. ويضعف بأن ذلك واقع تعم به البلوى. فعدم سماع الدعوى يفضى الى الضرر .. هذا اذا شهدت البينة على اقراره بها. اما اذا شهدت بالقبض لم يلتفت اليه لانه مكذب لها طاعن فيها فلا يتوجه بدعواه يمين.
القسم الثانى:
من تعقيب الاقرار بما ينافيه: سبق فى اول الكلام على تعقيب الاقرار بما ينافيه أن هذا التعقيب قسمان: الاستثناء. وذكر كلام
стр. 7358
بعد الاقرار يرفع حكمه وينافيه. وقد سبق الكلام على الاستثناء. وما يتعلق به من احكام ويتصل به كالاضراب .. والان موضع الكلام على تعقيب الاقرار بكلام ينافيه ويرفع حكمه وقد قال صاحب الروضة فى ذلك: لو قال المقر فى اقراره: له على مائة درهم. ثم عقب هذا الاقرار بقوله من ثمن خمر او خنزير يبطل هذا التعقيب ويصح الاقرار وتلزمه المائة التى اقر بها. لانه عقب الاقرار بما يقتضى سقوطه لعدم صلاحية الخمر والخنزير مبيعا فيحق به الثمن فى شرع الاسلام … نعم لو قال المقر:
كان ذلك من ثمن خمر او خنزير ظننته لازما لى وأمكن ان يجهل الحكم فى ذلك فى حقه.
توجهت دعواه وكان له تحليف المقر له على نصه أن العلم بالاستحقاق. ولو قال: لا أعلم الحال حلف على عدم العلم بالفساد. ولو لم يمكن جهل المقر بذلك لم يلتفت الى دعواه انه من ثمن خمر أو خنزير ولو قال المقر: له على عشرة دراهم من ثمن مبيع لم اقبضه لزمه العشرة المقر بها ولم يلتفت الى دعواه عدم قبض المبيع للتنافى بين قوله: له على وكونه لم يقبض المبيع. لان مقتضى عدم قبض المبيع عدم استحقاق المطالبة بالثمن مع ثبوته فى الذمة .. فان البائع لا يستحق المطالبة بالثمن الا مع تسليم المبيع .. وفى هذا الكلام نظر: اذ لا منافاة بين ثبوت ثمن المبيع فى الذمة وعدم قبض المبيع وانما التنافى بين استحقاق المطالبة بالثمن مع عدم قبض المبيع. وهذا امر اخر ومن ثم ذهب البعض الى قبول هذا الاقرار لامكان أن يكون عليه العشرة ثمنا ولا يجب التسليم قبل القبض ولان الاصل عدم القبض وبراءة الذمة من المطالبة بالثمن ولان للانسان أن يخبر بما فى ذمته .. وقد يشترى شيئا ولا يقبضه فيخبر بالواقع فلو الزم بغير ما اقر به كان ذريعة الى سد باب الاقرار. وهو مناف للحكمة … والتحقيق أن هذا المثال ليس من باب تعقيب الاقرار بما ينافيه بل اقرار بالعشرة لثبوتها فى الذمة .. وان سلم الكلام فهو اقرار منضم الى دعوى عين من مال المقر له او شئ فى ذمته فيسمع الاقرار بالعشرة ولا تسمع الدعوى بالعين الا اذا كانت هناك بينة على الدعوى .. ولو كان هذا من باب تعقيب الاقرار بالنافى فأن البينة لا تنفع ولا تقبل لان اقراره اولا بالعشرة ينافى ويكذب دعواه … فذكر هذا المثال فى هذا الباب لمناسبة ما.
ادعاء الكذب فى الاقرار:
جاء فى شرائع الإسلام (١) إذا أشهد بالبيع وقبض الثمن ثم قال: أنه لم يقبض الثمن وإنما أشهد بذلك تبعا للعادة - قيل:
لا يقبل قوله لأنه مكذب لإقراره - وقيل يقبل لأنه أدعى ما هو معتاد وهو الأشبه إذ هو ليس مكذبا لإقراره بل هو مدع شيئا آخر فيكون على المشترى اليمين. وهذا صريح فى عدم جواز ادعاء الكذب فى الاقرار اذ مبنى القول الثانى على انه ادعاء لشئ آخر وليس تكذيبا للاقرار. وهذا تسليم بعدم جواز التكذيب فيه.
الاقرار بالنسب:
والاقرار بالنسب منه مالا يتضمن تحميل النسب على الغير كالاقرار بالبنوة والأبوة - ومنه ما يتضمن تحميل النسب على الغير كالاقرار بالاخوة يتضمن تحميل النسب على
стр. 7359
الاب اذ لا تثبت الاخوة بين المقر والمقر له بالنسب الا اذا ثبتت بنوة المقر له للاب وكالاقرار بالعمومة يتضمن تحميل النسب على الجد اذ لا تثبت عمومة المقر له - بالنسب للمقر الا اذا ثبتت بنوة المقر له للجد واخوته للاب. وهكذا … ولم يتضح الفرق بين الوضعين بالنسبة لترتب الارث على صحة الاقرار وثبوت حكمه. وان كان الارث يقتصر على طرفى الاقرار المقر والمقر له ولا يتعداهما الى ورثتهما فى بعض الاحوال على ما سيظهر … والاقرار بالنسب يشترط فيه عدا الشروط التى تشترط فى الاقرار بصفة عامة والتى توفر أهلية المقر للاقرار كالبلوغ والعقل والقصد والاختيار يشترط فيه ما يأتى:
(١) امكان الحاق المقر بنسبه بالمقر شرعا.
وهذا يتدرج تحته شرطان - الاول - ألا يكون المقر بنسبه ثابت النسب من الغير. فلو كان ثابت النسب من الغير واقر شخص ببنوته أو باخوته او بنسبه على أية صورة تنافى نسبه الثابت من الغير كان الاقرار بنسبه باطلا شرعا ولا يترتب عليه أى أثر. والثانى - أن يكون المقر بنسبه من حيث السن فى سن يولد مثله لمثل المقر. فلا يكون أعلى سنا من المقر ولا مساويا له فيه ولا اقل منه بقدر لا تجرى معه العادة بأن يولد مثله لمثل المقر بأن يكون الفرق بينهما اقل من عشر سنين - وان كان صاحب الروضة لم يحدد قدرا معينا بغير حد ادنى للفرق فى هذا الشأن - كما فعل كثير من الفقهاء - كما انه لا يصح الاقرار بالولد الذى نفى الشرع نسبه عنه كولد الزنا ولو كان مولودا على فراشه كما لو زنى بامرأة ثم تزوجها فماتت عن ولد ولد بعد الزواج منها لدون ستة أشهر من حين الدخول. لا يثبت نسبه منه بالاقرار. وكذلك ولد اللعان لا يثبت نسبه بالاقرار وان كان الولد يرثه.
(٢) ويشترط ايضا التصديق اى تصديق المقر بنسبه للمقر فى دعوى النسب الا ان يكون المقر بنسبه ولدا صغيرا ذكرا كان او انثى أو مجنونا ذكرا كان أو أنثى أو ميتا ولو كان بالغا عاقلا ولم يكن ولدا. اما الثلاثة. الصغير والمجنون والميت فلا يعتبر تصديقهم بل يثبت نسبهم بالنسبة للمقر بمجرد اقراره. لان التصديق انما يعتبر شرطا لثبوت النسب بالاقرار مع امكانه. وهو يمتنع من الصغير والمجنون لانعدام التكليف واسقاط عبارتهما شرعا من أن يترتب عليها حكم أو أثر. وكذا الميت مطلقا اى ولو كان قد مات وهو بالغ عاقل .. وربما اشكل الحكم من اطلاق اشتراط تصديق البالغ العاقل فى لحوق نسبه بالاقرار. ومن ان تأخير الاقرار الى الموت يوشك أن يكون خوفا من الانكار لو اقر بنسبه حال حياته وهو بالغ عاقل .. يشكل الحكم ازاء ذلك كله. ولكن الأصحاب أفتوا بالقبول ولا يقدح فى سلامة الاقرار التهمة بأن الغاية من الاقرار هو التوصل الى مال الصغير والمجنون والى ارث الميت … والمراد بالولد المستثنى من شرط التصديق الولد الصلبى. فلو اقر ببنوة ولد ولده تنازلا اعتبر التصديق حيث يكون ممكنا كغيره من الاقارب كما نص على ذلك .. واطلاق الولد يقتضى عدم الفرق بين أن يكون المقر بنسبه الاب او الأم. وهذا احد القولين فى المسألة.
واصح القولين أن هناك فرقا بين اقرار الاب بنسب واقرار الام بذلك. وان الحكم
стр. 7360
المذكور مخصوص باقرار الاب. اما الام فلابد من اعتبار التصديق فى اقرارها بنسب الولد. لورود النص على الاب فقط - والقول باتحاد طريقهما وتساويهما فى الوضع ممنوع اذ يمكن الأم أن تقيم البينة على الولادة دون الاب. ولان ثبوت نسب غير معلوم النسب على خلاف الأصل يقتصر فيه على موضع اليقين.
(٣) ويشترط ايضا فى نفوذ الاقرار بالنسب مطلقا عدم المنازع للمقر فى نسب المقر بنسبه فلو نازعه شخص فى هذا النسب كما لو وطئ رجل امرأة اجنبية خالية عن فراش ثم وطئها آخر بشبهة. وجاءت بولد فأقر احدهما بنسبه وثبوته ونازعه الاخر وادعى نسبه .. ففى هذه الحالة يكون المرجع والفيصل هو البينة فأيهما شهدت له البينة يحكم له بالنسب. فان لم توجد البينة فالقرعة لانها لكل امر شكل او معين عند الله ولكنه مبهم عندنا والامر ههنا مشكل ومبهم عندنا ..
وهذا اذا كان الاثنان قد اشتركا فى الفراش على تقدير دعوى البنوة أو انتفى عنهما الفراش معا كأن وطئها خالية عن الفراش بشبهة .. فلو كانت فراشا لاحدهما حكم له بنسب الولد خاصة دون الاخر وان صادق الزوجان هذا الاخر. لحديث - الولد للفراش - ولو كانا زانيين انتفى نسب الولد منهما معا.
وان كان احدهما هو الزانى انتفى عنه نسبه .. ولا عبرة فى ذلك كله بتصديق الأم.
ولو تصادق اثنان فصاعدا على نسب غير الولاد كالاخوة والعمومة صح تصادقهما وتوارثا لان الحق لهما. ولم يتعداهما التوارث الى ورثتهما لان حكم النسب انما ثبت بالاقرار والتصديق فيقتصر فيه على المتصادقين الا مع تصادق ورثتهما ايضا يجرى التوارث على أساس التصادق .. ومقتضى قولهم غير الولاد. أن التصادق فى الولاد يتعدى مضافا الى ما سبق من الحكم بثبوت النسب فى الحاق الصغير مطلقا والكبير مع التصادق .. والفرق بين هذا النوع من النسب وبين غيره من الانساب مع اشتراكهما فى اعتبار التصادق غير بين ..
(وظاهر مما ذكر ان الإمامية كغيرهم - يفرقون بين الاقرار بالنسب الذى لا يتضمن تحميل النسب على الغير .. وهو ما عبروا بنسب الولاد أو التولد. وبين الاقرار بالنسب الذى يتضمن تحميل نسب على الغير كالاخوة وهو ما عبروا عنه بنسب غير الولاد أو التولد. فقالوا ان الاول يترتب عليه ثبوت النسب شرعا كثبوته فى حالة الفراش وثبوته بالبينة وتترتب عليه الاثار ومنها الميراث بالنسبة للمتصادقين وغيرهم من الاقارب الذين يجرى بينهم التوارث. أما الثانى فلا يثبت فيه النسب شرعا. ولكن يترتب الميراث بين المتصادقين فقط الطرفين أو ورثتهما اذا تصادقوا وهذا معاملة لهم بأقرارهم بالنسبة للمال فقط وقول صاحب الروضة البهية أن الفرق بين الوضعين غير بين. ليس بظاهر. اذا الفرق كبير وظاهر).
وقد تقدم أن الصغير الذى لم يبلغ والمجنون الذى لا يعقل يثبت نسبهما بالاقرار به دون توقف على تصديقهما لعدم أهليتهما للتصديق. فاذا بلغ الصغير وعقل المجنون بعد ثبوت نسبهما بالاقرار ممن له حق الاقرار. يصح انكارهما لهذا النسب
стр. 7361
أو لا؟ يقول صاحب الروضة فى ذلك: ولا عبرة بانكار الصغير بعد بلوغه النسب المعترف به شرعا فى حال صغره وكذا المجنون بعد كماله لا عبرة بانكاره هذا النسب الذى ثبت بالاقرار لثبوت النسب قبل ذلك واستقراره بالاقرار السابق فلا يزول بالانكار اللاحق .. وليس لواحد منهما أن يحلف المقر لان غاية التحليف ان يرجع المقر عن الاقرار أو ينكل عن الحلف والرجوع والنكول غير مسموعين منه ولا يؤثران فى ثبوت النسب السابق. كما لا يسمع منه لو نفى النسب الثابت صراحة ولا يؤثر نفيه بشئ واذا كان للميت عم محكوم بأنه هو الوارث له ظاهرا.
ثم اقر هذا العم بأخ للميت وارث. دفع المال الموروث الى هذا الاخ الذى اعترف به لاعترافه بكونه اولى منه بالارث. فاذا جاء هذا العم بعد ذلك واعترف بولد للميت وارث وصدقه الاخ فى ذلك دفع المال الى الولد المقر به لاعترافهما بكونه اولى منهما بهذا المال .. وان كذب الأخ العم فى كون المقر به ثانيا ولدا للميت لم يدفع الاخ شيئا من المال الذى أخذه الى هذا الولد. لانه مستحق للمال باعتراف العم صاحب اليد على المال سابقا. ولم تعلم اولوية الولد المقر به ثانيا من العم لأن العم بعد تسليم المال للأخ يعتبر خارجا فلا يقبل اقراره بالولد فى حق الاخ - وغرم العم للولد الذى اعترف به ثانيا للميت ما دفع الى الاخ من المال لانه أتلف على الولد ما يستحقه باعترافه من المال بدفعه الى الاخ حين اعترف به. فلو لم يكن العم قد دفع المال الى الأخ حين اعترف به واقتصر الامر على مجرد اعترافه للأخ بالاخوة لم يغرم للولد شيئا لانه لم يتلف عليه شيئا … ولا يعتبر مجرد الاعتراف للاخ بالاخوة اتلافا لانه لا يستلزم كونه وارثا بل هو أعم. نعم لو اعترف بالاخوة وانحصار الارث فى الاخ يكون قد اتلف المال على الولد فيدفع اليه المال. كما لو اقر بمال لواحد ثم اقر به لاخر. ولا فرق فى الحكم بضمان المال للولد بين أن يكون قد دفع للأخ بحكم حاكم أو بدونه لانه باعترافه بأرث الاخ يكون مفوتا على الولد المال بدون الحكم نعم لو كان دفعه المال للاخ فى صورة عدم اعترافه بكونه الوارث بحكم الحاكم اتجه عدم الضمان لعدم اختياره فى الدفع. وكذا الحكم فى كل من أقر بوارث أولى منه ثم أقر بوارث آخر أولى منهما .. وذكر الأخ والولد مجرد تمثيل ..
ولو كان العم قد أقر أولا بأخ ثان للأخ الوارث فأن صدقه الأخ الوارث فشاركا فى الميراث.
وان لم يصدقه فى الاقرار غرم للثانى نصف التركة على الوجه الذى سبق.
ولو أقرت الزوجة بولد للزوج المتوفى ووارثه فى الظاهر هم اخوته. فصدقها الاخوة فى اقرارها بالولد. أخذ هذا الولد المقر به جميع ما فى يد الاخوة من المال لانه مقدم عليهم فى الميراث فلا حق لهم فى اخذ شئ من المال مع وجوده وانما الحق له دونهم لاعترافهم باستحقاقه. وأخذ نصف ما فى يد الزوجة لانها اخذت الربع نصيبها مع الاخوة.
وهى تستحق الثمن مع الولد أى نصف ما فى يدها فترد اليه ما زاد على الثمن وهو نصف الربع الذى اخذته. وان أكذبوها فى اعترافها بالولد دفعت اليه ما بيدها زائدا عن نصيبها على تقدير الولد وهو الثمن لان بيدها ربعا
стр. 7362
نصيبها على تقدير عدم الولد فتدفع الى الولد نصفه .. ولو انعكس الفرض بان اعترف الاخوة بالولد دونها دفعوا اليه جميع ما فى يدهم وهو ثلاثة ارباع التركة.
ولو كان وارث الميت ولدا له. فأقر الولد بآخر دفع اليه النصف لان ذلك هو لازم ارث الولد المتساويين ذكورية وانوثية. فأن اقرا معا بثالث دفعا اليه الثلث اى دفع اليه كل واحد منهما ثلث ما فى يده. وعلى هذا: لو أقر الثلاثة برابع دفع اليه كل واحد منهم ربع ما فى يده .. ولو كان من الورثة المقرين بالوارث اثنان عدلين يثبت بأقرارهما النسب ويترتب عليه الارث لان الاقرار حينئذ يكون شهادة. والنسب يثبت بشهادة عدلين والميراث من لوازمه والا يكن فى المعترفين عدلان يثبت الميراث فحسب لانه لا يتوقف ثبوته على العدالة بل بالاعتراف ومعاملة المقر باقراره.
ولو أقر بزوج للمتوفاة أعطاه النصف أو نصف ما فى يده ان كان المقر بالزوج غير ولد للمتوفاة لان نصيب الزوج مع عدم الولد النصف. والا يكن كذلك بأن كان المقر هو ولد الزوجة المتوفاة أعطى الزوج المقر به الربع لانه نصيب الزوج مع الولد. (ولكم نصف ما ترك أزواجكم ان لم يكن لهن ولد.
فان كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين). والضابط أن المقر يدفع الفاضل عن نصيبه مما فى يده على تقدير وجود المقر به فان كان المقر أخا للميتة ولا ولد لها وأقر بالزوج دفع له النصف وان كان الوارث ولدا للمتوفاة. وأقر بالزوج دفع له الربع .. وان كان للمتوفاة ولد وأب وأم. وأقر أحد الابوين بالزوج لا يدفع له شيئا لان نصيبه السدس فى حال وجود الزوج وعدم وجوده فليس فى يده شئ زائد عن نصيبه حتى يدفعه للزوج.
وانما الذى يدفع للزوج هو الولد ويدفع له الربع أى ربع التركة مما فى يده. هذا اذا كان الولد ذكرا. فان كان انثى وكان المقر بالزوج هو الاب فانه يدفع الزائد عن السدس مما أخذه للزوج المقر به. وكذلك ان كانت الام هى المقرة بالزوج وليس هناك من يحجبها فأنها تدفع ما زاد عن نصيبها المقرر مما فى يدها .. وان كان هناك من يحجبها فأنها لا تدفع شيئا لعدم زيادة ما فى يدها عن نصيبها .. ولو كان المقر هو احد الابوين مع عدم وجود الولد فقد يدفع للزوج المقر به نصف ما فى يده كما اذا كان الاب هو الوارث الوحيد وأقر بالزوج فانه يدفع له النصف.
وقد لا يدفع شيئا كما لو كانت الام ومعها حاجب لها واقرت بالزوج فأنها لا تدفع له شيئا لعدم زيادة ما فى يدها عن نصيبها ..
وان اقر المقر بالزوج ولدا كان أو غيره من الورثة بزوج آخر وأكذب نفسه فى الاقرار بالزوج الاول - غرم لهذا الزوج المقر به ثانيا ما دفع للزوج الاول لا تلافه نصيبه بالاقرار الاول. وان لم يكذب نفسه فى الاقرار الاول فلا شئ عليه على المشهور. لان الاقرار بزوج ثان اقرار بأمر ممتنع شرعا اذ لا يكون للمرأة زوجان شرعا فلا يترتب عليه أثر مادام الاقرار الاول قائما .. والاقوى أن هذا المقر يغرم للزوج المقر به ثانيا ما دفع للزوج المقر به
стр. 7363
اولا مطلقا سواء كذب نفسه فى الاقرار الاول أم لا. لأن الأصل صحة اقرار العاقل على نفسه خصوصا مع امكان أن يكون هذا الثانى هو الزوج وانه ظنه الأول ثم تبين له خلافه
والغاء الاقرار فى حق المقر مع امكان صحته مناف للقواعد الشرعية .. نعم لو ظهر لكلام هذا المقر تأويل ممكن فى حقه كمتزوج هذا الزوج المقر به ثانيا الزوجة المتوفاة فى عدة الزوج المقر به أولا - فظن هذا المقر أنه يرثها الزوجان فقد رأى البعض أن اقراره يتوجه .. ولو أقر الوارث للميت بزوجة له. فأنه يعطيها الربع ان كان المقر غير ولد للميت لأن هذا هو نصيبها عند عدم الولد .. وان كان المقر ولدا للميت أعطاها الثمن … هذا على تنزيله فى الزوج وعلى التحقيق بالنسبة للولد اذ يدفع اليها ربع التركة وهو نصيبها مما فى يده لان نصيبها فى يده خاصة. أما غيره من باقى الورثة فأنه يدفع اليها مما فى يده ما اخذه زائدا عن نصيبه على فرض وجودها. ولو كان بيده أكثر من نصيب الزوجة زائدا عن نصيبه لا يدفع لها الا نصيبها. اى أن الوارث غير الولد يدفع الاقل من نصيب الزوجة.
وما زاد عن نصيبه على تقدير وجودها ان كان معه زيادة على النصيب .. فأحد الابوين مع الولد الذكر لا يدفع شيئا. ومع الانثى يدفع الاقل من نصيب الزوجة وما زاد عن نصيبه ..
والاخ يدفع الربع وهو نصيبها مع عدم الولد والولد يدفع الثمن وهو نصيبها مع وجوده كما ذكر … فان أقر بزوجة أخرى وصدقته الزوجة الاولى فى اقراره الثانى. أقتسمت الزوجتان الربع أو الثمن أو ما حصل .. وان كذبته فى اقراره بالزوجة الثانية غرم المقر للثانية نصيبها وهو نصف ما حصلت عليه الزوجة الاولى باقراره لها أن كان قد باشر تسليمها ما أخذته. وأن لم يكن قد باشر التسليم فلا يغرم لها الا نصيبها فيما دفعه بنفسه عما كان فى يده وهكذا لو أقر بثالثة ورابعة فيلزم للثالثة مع تكذيب الاوليين له فى الاقرار لها ثلث ما لزمه دفعه. وللرابعة مع تكذيب الثلاث ربع ما لزمه دفعه .. ولو اقر بخامسة فكالاقرار بزوج ثان يغرم لها مع أكذاب نفسه على المشهور أو مطلقا على الأقوى على ما سبق بيانه .. بل هنا أولى لامكان الخامسة الوارثة فى المريض اذا تزوج بعد الطلاق وانقضاء العدة ودخل ومات فى سنته.
اقرار المريض:
يعتبر اقرار المريض نافذا من ثلث التركة اذا كانت هناك تهمة فى اقراره. بأن يكون هناك ظن غالب بأنه انما يريد بالاقرار تخصيص المقر له بالمقر به وأنه فى الواقع ونفس الامر كاذب فيه .. ولو اختلف المقر له والوارث فى وجود التهمة فعلى من يدعى أن هناك تهمة أن يقيم البينة على ما يدعيه لان الاصل عدمها.
وعلى من ينكر وجودها اليمين اذا لم تقم بينة على الوجود .. ويكفى فى يمين المقر له انه لا يعلم التهمة لانها ليست حاصلة فى نفس الامر لانتفاء الاقرار على الظاهر.
ولا يكلف الحلف على استحقاق المقر به من حيث أنه يعلم بوجه استحقاقه. لان ذلك غير شرط فى استباحة المقر به. بل له أخذه ما لم يعلم فساد السبب. هذا كله مع موت المقر فى مرضه فلو برئ من مرضه الذى اقر فيه نفذ الاقرار من أصل التركة كلها لا من الثلث
стр. 7364
فقط .. ولا فرق فى ذلك بين أن يكون الاقرار لوارث أو أجنبى .. وان لم تكن هناك تهمة ظاهرة فى الاقرار نفذ الاقرار من الاصل مطلقا سواء مات فى مرضه أو برئ منه على اصح الاقوال.
الاقرار بالزنا:
ويثبت (١) الزنا فى طرف المرأة والرجل بالاقرار به أربع مرات مع كمال المقر ببلوغه وعقله واختياره وحريته أو تصديق المولى له ان كان رقيقا فيما أقر به لأن المانع من نفوذه كونه اقرارا فى حق المولى .. وفى حكم تصديق المولى له انعتاقه لزوال المانع من نفوذه ..
ولا فرق فى الصبى بين المراهق وغيره فى نفى الحد عنه بالاقرار. نعم يؤدب لكذبه أو صدور الفعل عنه لامتناع خلوه عنهما. كما انه لا فرق فى المجنون بين المطبق ومن يعتوره الجنون ادوارا اذا وقع الاقرار حالة الجنون ..
نعم لو أقر حال كماله حكم عليه ولا فرق فى المملوك بين القن والمدبر والمكاتب بقسميه وأن تحرر بعضه. ومطلق المبعض وأم الولد .. وكذا لا فرق فى غير المختار بين من ألجئ اليه بالتوعد وبين من ضرب حتى ارتفع قصده .. ومقتضى اشتراط الاقرار اربع مرات عدم اشتراط تعدد مجالس الاقرار بحسب تعدده.
وهو اصح القولين للاصل ولقول الصادق ﵇ فى خبر جميل. «ولا يرجم الزانى حتى يقر أربع مرات» من غير شرط التعدد .. فلو أشترط لزم تأخر البيان ..
وقيل: يعتبر كونه فى أربعة مجالس بظاهر خبر ماعز بن مالك الانصارى حيث أتى النبى ﷺ فى اربعة مواضع ..
والنبى ﷺ يردده ويوقف عزمه بقوله: لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت.
الحديث .. وفيه أنه لا يدل على الاشتراط.
وانما وقعت المجالس اتفاقا والغرض من تأخيره اتيانه بالعدد المعين .. ويكفى فى الاقرار بالزنا اشارة الأخرس المفهمة يقينا كغيره
ويعتبر تعددها اربعا كاللفظ بطريق اولى ..
ولو لم يفهمها الحاكم اعتبر المقر جم ..
ويكفى اثنان فى ذلك لانهما شاهدان على اقرار لا على الزنا ..
ولو نسب المقر الزنا الى امرأة معينة كأن يقول: زنيت بفلانه. أو نسبته المرأة المقرة به الى رجل معين بأن تقول: زنيت بفلان وجب على المقر الرجل أو المرأة حد القذف لمن نسبه اليه الزنا بأول مرة لأنه قذف صريح. وايجابه الحد لا يتوقف على تعدده .. ولا يجب على المقر حد الزنا الذى أقر به الا بتكرار الاقرار أربع مرات كما لو لم ينسبه الى معين .. وهذا موضع وفاق .. وانما الخلاف فى الاول وهو وجوب حد القذف لمن نسب اليه الزنا باقراره على نفسه بالزنا .. ووجه ثبوته ما ذكر من أنه قذف صريح .. وأنه بذلك قد رمى المحصنة غير المشهورة بالزنا بأنها زنت ..
ووجه الثانى اى عدم اعتباره قذفا يوجب الحد أنه انما اقر على نفسه بالزنا بقوله زنيت ..
وزناه ليس مستلزما لزناها لجواز أن تكون هناك شبهة فى حقها أو أن تكون مكرهة على الزنا كما يحتمل أن تكون مطاوعة ولا شبهة لديها. والعام لا يستلزم الخاص .. والاول اقوى الا أن يدعى ما يوجب انتفاء الزنا عنها كالاكراه والشبهة … ومثله القول فى
стр. 7365
المرأة. وقد روى عن على ﵇ قال:
اذا سألت الفاجرة من فجر بك فقالت فلان جلدتها حدين .. حد الفجور وحدا لفريتها على الرجل المسلم.
الاقرار بالقذف:
ويثبت القذف (١) بشهادة عدلين ذكرين لا بشهادة النساء منفردات ولا منضمات وان كثرن وبالاقرار مرتين من مكلف حر مختار. فلا عبرة باقرار الصبى والمجنون.
والمملوك مطلقا - ولو كان بالغا عاقلا والمكره على الاقرار .. ولو انتفت البينة والاقرار فلا حد ولا يمين على المنكر. وكذا ما يوجب التعزير لا يثبت الا بشاهدين ذكرين عدلين أو بالاقرار من المكلف الحر المختار. واعتبار الاقرار مرتين هو أحد قولين. وقيل يكتفى بالاقرار مرة واحدة لعموم اقرار العقلاء على انفسهم.
الاقرار بالسرقة:
تثبت السرقة (٢) بشهادة عدلين مفصلين لها بذكر ما يعتبر فى القطع من الشرائط أو الاقرار مرتين مع كمال المقر بالبلوغ والعقل ورفع الحجر بالسفه بالنسبة الى ثبوت المال اما بالنسبة الى القطع فلا يشترط رفع الحجر للسفه فى اعتبار الاقرار. وكذلك رفع الحجر للفلس بالنسبة الى تنجيزه - ومع حرية المقر واختياره .. فلا ينفذ اقرار الصبى وان كان مراهقا ولا المجنون مطلقا لا فى المال ولا فى القطع فيهما ولا السفيه فى المال لكن يقطع.
وكذا المفلس لكن يتبع بالمال بعد زوال الحجر ولا العبد بدون موافقة المولى لتعلقه بمال الغير. اما لو صدقه المولى فالاقرار بالقطع وثبوت المال وبدونه يتبع بالمال اذا اعتق وأيسر ولا المكره فيهما أى فى ثبوت القطع والمال اى أن اقرار المكره لا يفيد فى شئ منهما ولا يترتب عليه شئ منهما ولو رد من أكره على الاقرار السرقة بعينها لم يقطع على الاقوى لان وجود العين فى يده لا يدل على السرقة .. والاقرار وقع كرها فلا يعتد به ..
وقيل يقطع لأن ردها قرينة السرقة كدلالة قئ الخمر على شربها. ولحسنة سليمان بن خالد عن الصادق ﵇ فى رجل سرق سرقة فكابر عنها فضرب فجاء بها بعينها ..
هل يجب عليه القطع؟ قال: نعم. ولكن اذا اعترف ولم يجئ بالسرقة لم تقطع يده لانه اعترف على العذاب. ولا يخفى ضعف العمل بالقرينة فى هذا الباب .. والفرق بين القئ والمجبر بالسرقة أن القئ يستلزم الشرب بخلاف المجئ بالسرقة فأنه لا يستلزم السرقة فكان أعم منه. والعام لا يدل على الخاص .. واما الخبر فظاهر الدلالة الا ان اثبات الحكم به مجرد شكل … ولو رجع عن الاقرار بالسرقة اختيارا بعد الاقرار مرتين لم يسقط الحد لثبوته بالاقرار السابق فلا يقدح فيه الانكار كغيره من الحدود ..
ويكفى فى الغرم للمال المسروق الاقرار به مرة واحدة لانه اقرار بحق مالى فلا يشترط فيه تعدد الاقرار لعموم اقرار العقلاء على انفسهم وانما خرج الحد بدليل خارج كقول الصادق ﵇ فى رواية جميل - لا يقطع السارق حتى يقر مرتين.
стр. 7366
مذهب الإباضية:
التعريف:
قال صاحب شرح النيل: الاقرار فى اللغة الاعتراف.
وفى الاصطلاح: خبر وجب حكم صدقه على قائله فقط بلفظه أو بلفظ نائبه .. وقال انه خرج بالخبر الانشاء فأنه لا يسمى اقرارا كبعت واشتريت. ونطق الكافر بكلمة الشهادة .. وهذا صريح فى أن الاقرار اخبار وليس أنشاء .. وخرج بقوله - وجب حكم صدقه على قائله - مثل القذف لان جلد القاذف ليس حكما اقتضاه صدق القاذف وانما اقتضاه كذبه فى القذف .. وقوله فقط. لان الاقرار لا يلزم غير المقر ولا يسرى على غيره ..
وقوله بلفظه يشمل اقرار المقر بلفظه على نفسه وقوله: أو لفظ نائبه يشمل اقرار الوكيل على الموكل. فأنه نائبه شرعا بأنابته هو.
حجية الاقرار:
وحجية الاقرار ثابتة بالكتاب وبالسنة:
اما الكتاب فقول الله ﵎: - «واذ أخذ الله ميثاق النبيين لما أتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه. قال أقررتم وأخذتم على ذلكم اصرى. قالوا أقررنا. قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين» وقوله :
«واذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم.
قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة انا كنا عن هذا غافلين». وأما السنة: فما روى عن النبى ﷺ أنه قال:
اقرار الرجل على نفسه أيسر من الشهادة عليه.
ما به يكون الاقرار:
ويكون الاقرار بما يأتى:
اللفظ: وهو الاصل فى التعبير وابراز فى النفس.
والاشارة يعبر عنها بالايماء بالنسبة للاخرس اذا كانت له اشارة معروفة يعرف بها رضاه من سخطه وأمره ونهيه - وهذا هو الارجح. وقيل لا يصح الاقرار بالاشارة ولا يلزم بها شئ. ولا يجوز اقرار الناطق باشارة اصلا.
والكتابة يصح الاقرار بها ويحكم على المقر بلزوم ما أقر به .. وقيل لا يصح الاقرار بالكتابة حتى ينطق المقر بالاقرار ان كان قادرا على النطق والا فهو أخرس يجوز اقراره بالايماء.
قال صاحب شرح النيل: ويجوز اقرار الاخرس بالايماء اذا كانت له اشارة يعرف بها رضاه من سخطه وأمره ونهيه. وقيل لا يلزم بالايماء شئ. ولا يجوز اقرار الناطق بالايماء .. ويحكم على من اقر بالكتاب ..
وقيل لا حتى ينطق.
شروط الاقرار:
ويشترط لصحة الاقرار ان يكون بالغا عاقلا مختارا غير مكره ولا محجور عليه فى المال ولا مفلس. فلا يصح اقرار الطفل والمجنون والمكره والمحجور عليه فى المال والمفلس ويصح اقرار من توفرت فيه هذه الشروط بالدين أو بشئ معين من المال أو تسمية منه سواء كان اقراره فى حال الصحة أم فى حال المرض وسواء كان اقراره لوارث
стр. 7367
أم لاجنبى. ويتحاصى الوارث المقر له وغير الوارث ولو كان الاقرار فى مرض الموت ان لم يتهم المريض فى اقراره .... قال صاحب شرح النيل: ان أقر بالغ عاقل على نفسه بدين أو بشئ معين من ماله أو تسمية منه جاز اقراره ولو فى مرض الموت أو لوارث اى فى المرض أو الصحة وأصدق ما يكون الانسان عند الموت أن لم يسترب .. وأن استريب لم يحكم بما اقر فى مرضه لوارث أو غيره كما فى الديوان ويتحاصى الوارث المقر له وغير الوارث ولو كان ذلك فى مرض الموت .. قالوا فى الديوان: أجمع العلماء أن اقرار الاحرار البالغين من الرجال والنساء جائز عليهم ومأخوذون به سواء فى هذا الموحدون والمشركون الا اقرار المكره والمحجور عليه فى ماله والمفلس. فأنه لا يجوز عليهم اقرارهم فى اموالهم .. واختلفوا فى اقرار المعدم بعد ما قام عليه أصحاب الديون على رأيين هل يجوز أو لا يجوز .. واقرار العبد لا يجوز الا أن جوزه مولاه. فالشرط فى جواز اقراره أن يجيزه مولاه. وهذا فيما يرجع للمال. أما ما يرجع للبدن كما اذا اقر بما يتلف نفسه وما دونها مثل القصاص فى النفس أو فى الاطراف فقيل انه جائز فلا تجويز من مولاه لأنه راجع الى البدن. وقيل لا يجوز لانه مال وحجر الشارع على العبد والصبى والسفيه والمفلس برد تصرفاتهم المالية التى من جملتها الاقرار بالدين. وفى المقر له يشترط أن يكون المقر له من بنى آدم.
فيجوز الاقرار للرجال والنساء والاحرار والعبيد والاطفال والمجانين. والاحياء والاموات ويجوز للوارث والقريب والصديق وغيرهم فى حال الصحة والمرض الا ان استريب - واختلف فى الاقرار للحمل فمنهم من أجازه أن ولد حيا ومنهم من أبطله - وفى المقر به: يجوز الاقرار بجميع الحقوق المعلوم منها والمجهول وبالخطأ وبالامانات والمضمونات وبالعارية والقراض ونحو ذلك مما هو مضمون أو غير مضمون. وبكل ما جرى عليه الملك من أصل وعرض وحاضر وغائب وعين الشئ والماهية.
والمعلوم والمجهول والكل والبعض ويجوز الاقرار بحمل هذه الناقة والامة أو غيرهما ان تبين فى بطن أمه قال صاحب شرح النيل:
ويجوز اقرار الانسان للرجال والنساء.
والاحرار والعبيد. والاطفال والمجانين والاحياء والاموات. ولا يجوز الاقرار لغير بنى آدم.
ويجوز الاقرار بجميع الحقوق ولو مجهول أو بالخطأ وبالامانات والعارية والقراض ونحو ذلك مما هو مضمون أو غير مضمون ..
والاقرار للحمل منهم من أبطله ومنهم من أجازه أن ولد حيا .. وان فعل شيئا فى طفولته وأقر بأنه فعل كذا فى طفولته لم يؤخذ به ان تبين أنه فعله فى الطفولة. وقيل يؤخذ به متى كان الاقرار به بعد البلوغ
اما ان أقر بفعل أو قول ونسبه الى حال الطفولة أخذ به الا ان بين أنه فعله أو قاله فى تلك الحال .. وذكر فى الكتاب بأنه يؤخذ بالفعل دون القول .. وقيل لا يحكم عليه فى شئ من ذلك كله ولكن يكون القول قوله فى القول والفعل معا .... وان اقر بفعل ونسبه الى حال الجنون. وقد عرف بالجنون فأنه يؤخذ به .. وقيل يصدق فلا يؤخذ به .. وان لم يعرف بالجنون أخذ به وحكم عليه بموجبه … وان أقر بفعل ونسبه الى حال الاكراه أو الخطأ أو النوم أخذ به
стр. 7368
ولا يشتغل بقوله أن كان فى حال كذا
ومن أقر لوارثه وهو صحيح صح أقراره.
وهو مذهبنا ومذهب ابن القاسم فى العتبية ووجهة نفى التهمة لصحته فيحاصص الغرماء وبه العمل … ومذهبنا ان الاقرار يصح لقريب وصديق وغيرهما فى صحة أو مرض الا ان أستريب ومن المجهول أن يقر بحمل هذه الناقة او الامة او غيرهما فأنه جائز. أن تبين فيها الحمل.
وان أقر (١) بالحيوان الا رأسه أو الا رجله أو غير ذلك فيكون كله للمقر له .. وان اقر بجزء من الحيوان كرأسه ورجله لم يجز.، وله واحد أن اقر له بهذا الشئ أو بواحد من هذين الشيئين .. وان قال: له على دينار ونصف ولم يجيز النصف فله الدينار فقط.
وقيل يكون له دينار ونصف دينار كما لو قال:
له على دينار ونصف دينار .. والمراد بالمريض الذى يصح منه الاقرار المريض الذى صح عقله فى مرضه لان من خولط عقله لا يصح اقراره بالدين ولا تبريته. ولا تصديقه للغريم أنه أوفى له ونحو ذلك .. والاقرار بغير المضمون كالقراض والوديعة والامانة كالاقرار بالدين. ولكن يقول فى الدين على كذا لانها لما يثبت فى الذمة. ويقول فى نحو الوديعة والقراض (عندى) الا ان لزمه ضمانه أى أصبحت مضمونة فيقول (على) ..
وان قال: على كذا وديعة أو قراضا أو نحوهما من الامانات فقيل: ويجوز وهو مختار الديوان وقيل: لا. وان قال: عندى كذا دينار لفلان جاز. وقيل: لا يجوز … واذا اقر وأجمل ثم فصل ما أجمله فالقول قول المقر له فى هذا التفصيل. وذلك مثل أن يقول:
أخذت منك الفى درهم. الف وديعة أو قراض. والف قرض. وتلف الف الوديعة او القراض .. وقال المقر له: أخذت الكل قرضا أو يقول المقر: أخذت الفين. الفا غصبا والفا وديعة. وتلفت الوديعة. وقال المقر له:
أخذت الكل غصبا فالقول فى ذلك كله للمقر له .. واذا اقر بذلك وادعى تلف الوديعة او القراض. وقال المقر له لم تتلف فالقول قوله الا اذا بين المقر تلف الوديعة أو القراض فيؤخذ بالبيان فى الاثبات.
وأن اقر المريض باستيفاء حقه ولو من وارث صح كما صح اقراره له بالدين ..
وكذلك ان اقر انه عفا عن قاتل وليه أو أنه أخذ منه الدية أو أنه هو الذى بغى على جارحه أو انه استوفى كتابة عبده فأن ذلك كله كالاقرار بالدين يصح منه وان اقر بذلك الصحيح او المريض يصح لانه لا فرق بين قوله: على كذا وهو الاقرار بالدين. وقوله:
قبضت كذا أو برئت ذمة فلان مما لى عليه لان فى كل من ذلك نقص مال .... وكذلك أن أقر بما هو أمين فيه مثل أن يقر بأنفاذ وصيته أو وصية وارثه أو بتلف الامانة أو بحد كنكال أو ادب .. فأن كان مريضا أقيم عليه اذا صح .. بخلاف ما اذا قال:
دفعت الديون لاربابها فلا يبرأ ورثته أن لم يصدقه أصحابها ومن الاقرار بالمجهول أن يقر بحمل هذه الناقة أو الأمة أو غيرهما فانه جائز ان تبين فيها الحمل وان أقر له بطريق فى أرضه أو ساقية ونحو ذلك بلا تعيين صح الاقرار كما لو عين. ويخرجها فى أرضه ..
стр. 7369
وأن قال المقر: لك على مائة درهم أو عشرة أو نحو ذلك فلا شئ عليه .. وان قال: لك على درهم الى عشرة أو نحو ذلك فلا شئ عليه .. وان قال: لك على درهم الى عشرة أو نحو ذلك صح وله ما نطق به اولا .. وان قال: لك على عدد اصابعك دراهم أو عدد هؤلاء الرجال وأشار اليهم أو اشار الى ما عرف عدده. وقال: لك على عدد هؤلاء دراهم صح ولزمه ما أقر به .... وان قال: لك على كذا وكذا درهما فى قفيز شعير أو عكس ذلك فعليه ما أقر به أولا … وان قال: لك على كذا قبل أن اخلف أو قبل أن تخلف الدنيا.
أو لك على دينار فضة او درهم ذهبا. أو دانق ذهبا ونحو ذلك مما لا يصح لم يجز ولم يصح الاقرار ولا يلزمه شئ وان خلط غير صحيح بصحيح جاز ما يصح وبطل غيره. مثل أن يقول: لك على دينار ودرهم ذهبا. ويصح فى الدينار ويلزمه ويبطل فى الدرهم ولا يلزمه.
وان قال: لك على عشرة دنانير وعشرة فله عشرة دنانير فقط. وهكذا كل عددين غير مركبين لم يذكر معدود الثانى منهما يؤخذ المقر بالاول ويبطل اقراره فى الثانى .. مثل مائة دينار وخمسون. فله مائة دينار فقط ..
وان ذكر معدود العددين آخرا. جاز على قول أقتصروا عليه فى الديوان مثل لك على مائة وخمسون درهما فيلزمه المائة والخمسون درهما … ولا يجوز الاقرار بما لم يوجد ولا استثناؤه مثل أن يقر بما تلد هذه الشاة هذا العام أو ما يكون من الصوف أو السمن أو نحو ذلك .. أو أن يقر بالشجرة الا غلتها فى هذا العام وليس عليها غله .. ولا يجر الاقرار كل ما يجره البيع فأن اقر بالارض لم يدخل النبات كالعكس وقيل يدخل بالارض اذا اقر بها .. وان اقر بماء العين دون بقعتها أو بالعكس صح الاقرار كما اقر. وكذا بالشجر دون التمر وبالعكس .. وجاز استثناء الوجود من ذلك. مثل هذه الشاة الا حملها او الا صوفها .... ويجوز أن يقر بعرصة طعام الا كيلا معلوما أو يقر بكيل معلوم منها.
الاستثناء:
ويجوز أن يستثنى شيئا مجهولا نحو له على مائة درهم الا شيئا وعليه البيان. ولابد أن يكون الاستثناء من الجنس فان استثنى من غير الجنس بطل الاستثناء وصح الاقرار فلو قال: له على دينار الا درهما أو الا مدا شعيرا بطل الاستثناء ولزمه الدينار المقر به.
ولا بد كذلك أن يكون غير مستغرق فان استغرق بطل الاستثناء وصح الاقرار فلو قال:
له على دينار الا دينارا أو الا دينارين بطل الاستثناء ولزمه الدينار المقر به.
وان عرفت دار فى يد رجل فأقر لرجل بأرضها او بنقضها جاز. لا أن لم تعرف له وقعد فيها اقل من ثلاث سنين .. ويجوز استثناء اسطوانة أو سارية أو نحو ذلك أو ممر أوجب ونحوهما. والباب والقفل وما كان غير متصل .. وان أقر بالبستان واستثنى أشجاره جاز وقيل لا. ولا يجوز استثناء ما يعود على الاقرار بالابطال كالاقرار بالدار الا سكناها ابدا والشجرة الا ثمرها ابدا.
فاذا اقر بذلك واستثنى على النحو المذكور صح الاقرار وبطل الاستثناء ولزمه المقر به وما تتحقق به فائدته .. ويجوز الاقرار بالبيت واستثناء هوائه أو بقعته .. ولا استثناء فى الاقرار بمعنى الاقرار بالبعض أو بالتسمية.
стр. 7370
ولو علق الاقرار:
بأن قال: لك على كذا ان مت فى مرض أو سفرى هذا. أو ان أقمت أو ان رجعت منه لم يجز الاقرار ولم يلزمه شئ .. وقيل لزمه ..
وان قال: لك على كذا ان قاله فلان على.
أو ان مطرنا: أو ان جاء فلان أو ان مات. أو ان دخل هذا البيت أحد أو نحو ذلك فلا شئ عليه. (ولم يحك فى ذلك قولا آخر).
ومن أقر بدار فى يده لرجل. ثم أقر بها لرجل آخر. فهى للاول .. وان كانت بيد رجلين فأقر بها أحدهما لرجل وأنكر الاخر كان نصفها للرجل المقر له والنصف الاخر للمنكر. وان اقر احد الرجلين بنصفها لرجل وأنكر الاخر. فللرجل المقر له ربعها من نصيب المقر أى نصف نصيب المقر وهكذا .. وان كان الكيس بيد رجلين فأقر احدهما لرجل بنصفه. وقال الاخر: بل ثلثه. أخذ المقر له من نصيب المقر بالنصف نصفه وهو ربع الكل. وأخذ من نصيب المقر بالثلث ثلثه وهو سدس الكل ..
وان قال المقر: لك على درهم ودرهم.
أو لك على درهم فدرهم. أو لك على درهم ثم درهم. لزمه درهمان فى ذلك كله. وان قال:
لك على عشرة دنانير وعشرة دنانير لزمه عشرون دينارا .. وان قال: لك على درهم فى درهم أو مع درهم أو فوقه أو تحته درهم ..
أو درهم قبل درهم أو بعد درهم أو بجانبه درهم لزمه فى ذلك كله درهم واحد … وان قال لك على درهم فى درهمين أو فى ثلاثة دراهم. أو ثلاثة دراهم فى اربعة أو نحو ذلك - لزمه ما نطق به أولا فقط ..
وان قال: لك على درهم فى دينار أو دينار فى درهم لزمه ما اقر به أولا .. وان قال:
لك على درهم مع دينار. لزمه درهم .. وان قال: لك على درهم بل درهمان. لزمه درهمان … وان قال: لك على يوم السبت درهم ويوم الاحد درهم. لزمه درهمان .. وان قال: لك على درهم يوم السبت ويوم الاحد لزمه درهم واحد يؤخذ به يوم الاحد. وان قال: أو يوم الاحد فواحد .. وان قال يوم السبت لك على درهم. ثم أقر له بدرهم يوم الأحد لزمه درهمان. وقيل واحد - ذكروا القولين فى الديوان.
ومن أقر لرجل ان له عليه تسعة دنانير ثم قال المقر له انه قبض من التسعة المقر بها سبعة دنانير - ثم ذكر المقر الذى عليه الحق أنه دفع للمقر له صاحب الحق دينارين وادعى انهما الباقيان من التسعة ولم يبق عليه شئ.
وادعى المقر له صاحب الحق أن الدينارين المدفوعين من السبعة المدفوعة وأن على المقر دينارين - فالقول قول المقر الذى عليه الحق أن الدينارين من التسعة وأنه لم يبق عليه شئ من المبلغ المقر به اولا.
واذا أقر شخص لقوم بديون عليه. ثم قامت عليه بينة بديون أخرى لقوم آخرين - أو أقر فى صحته لقوم بديون. وأقر فى مرضه لقوم آخرين بديون أخرى. ووجدت عنده اموال لا تفى بكل الديون - الثابتة بالاقرار والثابتة بالبينة أو الثابتة بالاقرار حال الصحة والثابتة بالاقرار حال المرض. فلا يقدم احد الصنفين على الآخر فى الاداء وانما يقسم ما وجد من المال بين الدائنين جميعا بلا فصل ولا تمييز ويأخذون من ديونهم بالمحاصة
стр. 7371
لا يختص بالمال الذى عنده من أقر له فى حال صحته عمن أقر له فى حال مرضه ولا من أقر له عمن شهد له الشهود. وكذا ان أقر لبعض فى صحته ولبعض فى مرضه وشهد الشهود لبعض بتحاص الجميع .. نعم اذا اقر الميت بديون لقوم فى الصحة أو فى المرض ثم أقر ورثته بعد وفاته بديون أخرى عليه لقوم آخرين. ووجد من المال ما يكفى بعض الديون فقط. قدم فى الاستيفاء من اقر لهم الميت على من أقر لهم الورثة فاذا استوفوا أخذ من أقر لهم الورثة الباقى .. وهنا يكون اقرار الوارث على نفسه فقط لا على الكل.
وأن أقر ولد للميت بدين يحيط بمال أبيه الذى تركه فدفعه اليه. ثم أقر برجل آخر أنه أخذه من ابيه المتوفى. فلا يضمن له شيئا من الميراث. ولا يرجع هذا المقر له بالنسب على المقر له بالدين ايضا. وكذا أن اقر لرجل بالوصية بعد ما أقر للآخر بالدين لا يضمن له شيئا ولا يرجع هذا على المقر له بالدين بشئ أيضا .. وأن اقر ابن الميت بوارث اولا ثم اقر بدين محيط فأنكره المقر له بالميراث ضمن المقر ما اعطى من الدين لمن أقر له بالميراث .. وكذا ان أقر بأن مورثه أوصى لرجل بثلث ماله فدفعه له ثم أقر لرجل بدين يحيط بمال مورثه وان أقر ابن الميت لرجل بدين يحيط بالتركة فأقر الرجل بأن لرجل آخر دينا على الميت يحيط بالتركة فكذبه المقر له الاخير. وقال: ان المال كله لى. قسماه نصفين فيما بينهما.
وانما يقدم فى الاستيفاء من أقر لهم الميت على من أقر لهم الورثة. ان لم يعلم من أقر لهم الميت بدين من أقر لهم الورثة ان لم يعلم من أقر لهم الميت بدين من أقر لهم الورثة. فأن علموا بديونهم كانوا اسوة وأخذوا المال بينهم بالمحاصة وان جحد من أقر لهم الميت أن اقرار الورثة بالدين لهؤلاء حق أو أنهم لا يعلمونه لا حقا ولا باطلا - حلفوا لهم يمينا على العلم.
ومن أحاط الدين بماله ويقال له المعدم سواء كان الدين مساويا لماله أو زاد عليه يجوز له أن يتصرف فى ماله ويخرجه من ملكه أو بعضه ببيع وشراء وهبة وتصدق وصداق واجارة وعتق وقضاء دين وغير ذلك وتعليقه برهن - وذلك ما لم يحجر عليه الحاكم او الامام أو الجماعة ويشتهر التحجير أو تقم عليه الغرماء للاستيفاء. فعندئذ لا يجوز له التصرف فى ماله .. وقيل لا يجوز له التصرف فى ماله ولو بالاعتاق. ولو لم يحجر عليه الحاكم ولا غيره ممن له سلطة الحجر ولم تقم عليه الغرماء للاستيفاء - وفى كتاب الوصايا فى باب العتق ما نصه وان اعتق عبده فى المرض وقد احيط بماله صح … والاكثر على بطلانه .. وان أعتقه فى صحته جاز اجماعا ولو أحيط بماله .. وبطل بلا خلاف ان كان العتق بعد الحكم بالدين للدائنين وتحجير ماله عليه. وان أعتقه قبل الحجر وبعد الحكم بالدين ولا وفاء له فى ماله. فهل يمض العتق وهو الأظهر أو يبطل.؟ قولان.
واذا ترك الميت مالا أحاط به الدين فلا يجوز لوارثه أن يتصرف فى هذا المال بشئ لأنه لما أحاط به الدين لم يبق للوارث فيه شئ اذ لا ميراث الا بعد وصية يوصى بها المتوفى أو دين لزمه فى حال حياته .. وقيل ان فعل الوارث شيئا فى المال فى هذه الحالة
стр. 7372
كعتق او بيع أو غيرهما صح وضمن ولزم الورثة حفظه .. وان نما المال فى يدى الورثة فالفضل للورثة وليس لاصحاب الديون الا ديونهم … ولا يصح للورثة التصرف فى مال التركة المحاط بالدين كما ذكر الا بعد أن يفكوا هذا المال من الدائنين .. واذا باع الورثة مال التركة ليوصلوا الثمن الى الدائنين جاز ..
فان باعوا ليوصلوا الثمن الى الدائنين فضاع الثمن منهم بلا تضييع ضمنوا ما ضاع. وقيل:
لا يضمنون وهو الصحيح. وضمنوا بالاجماع أن ضاع الثمن بتضييعهم .. وكذلك ان باعوا من مال التركة لينفقوا على حيوان التركة أو لاصلاح مال التركة يجوز ذلك. وان ضاع الثمن فى هذه الحالة فلا ضمان عليهم الا أن ضاع بتضييعهم .. وان باعوا لغير ذلك ضمنوا ما تلف ولو لم يضيعوا .. ولا ضمان عليهم فيما نقص من المال فى ذاته عن حاله التى تركها عليه الميت.
وان ترك الميت حيوانا من عبيد واماء وغير ذلك فمؤنته أكلا وشربا ولباسا وغير ذلك مما يحتاج فى المال الذى تركه الميت بمراعاة الصلاح. ولو ببيع بعض الحيوان والانفاق على الباقى بثمنه .. ويتولى القيام على ذلك والانفاق على الحيوان وبيع ما يلزم الورثة لا الغرماء وكذلك اصلاح ما يحتاج الى اصلاح يتولاه الورثة لا الغرماء الا اذا فعل الغرماء ذلك فيصح .. وبحث البعض فى ذلك بأن أصل وضع المسألة فى تركة احاط بها الدين وفى هذه الحالة لا تعلق للوارث بهذه التركة فكيف يتولى ما ذكر، ويتقدم فى ذلك على الغرماء أصحاب الحق .. وأجيب بأن العلماء مختلفون فى تعلق حق الورثة بمثل هذه التركة والحكم مبنى على القول بأنه يلزم الوارث التصرف والانفاق على الحيوان واصلاح ما يحتاج الى اصلاح. الا ترى أنه يجوز له أن يستخلص التركة ويدفع للدائنين حقوقهم وتخلص التركة له. ويجاب أيضا بأن التركة فى ايدى الورثة او فى ملك مورثهم. وقد مات فهى كالامانة لا يجوز تضييعها. وأن ذلك من حق مورثهم عليهم بعد موته كالصلة وحق الزوجية والرحم.
الاقرار بالزنا:
ويثبت الزنا بالاقرار أربع مرات. يقر فى كل مرة انه زنى. وحقيقة الزنا معروفة وهى أن يأتى الرجل من المرأة حراما ما يأتى الزوج من زوجته حلالا. وأن يدخل فرجه فى فرجها كما يدخل الميل فى المكحلة والرشاء فى البئر بلا شبهة ولا عذر .. ويشترط لصحة هذا الاقرار وقبوله واقامة الحد بناء عليه ما يشترط فى الاقرار العام من كون المقر بالغا عاقلا مختارا غير مكره. لأن النبى ﷺ أمر باقامة الحد على ماعز لما اقر عنده بالزنا اربع مرات وسأله: أبك جنون فنفى ذلك. وسأله عن الزنا فذكره له
واذا اقر بالزنا أقرارا صحيحا. ثم رجع عن اقراره قبل اقامة الحد عليه لا يقام عليه الحد لان هذا الرجوع يورث شبهة لاحتمال أن يكون صادقا وقد كذب فى اقراره. وحد الزنا من حقوق الله الخالصة التى تسقط بالشبهة.
الاقرار بالسرقة:
وتثبت السرقة بالاقرار اذا توفرت فيه شروط الاقرار بأن يكون المقر بالغا عاقلا مختارا غير مكره. وأن يبين فى اقراره حقيقة السرقة ومقدار ما سرق وممن سرق ولم سرق.
стр. 7373
وسائر ما اعتبره الفقهاء لازما لاقامة حد السرقة ولتنتفى كل شبهة يمكن أن تسقط الحد … واذا أقر وهو فى السجن أو أقر وهو مضطر فى اقراره فلا يعتبر اقراره شرعا ويسقط عنه الحد وهو القطع. لأن القطع فى السرقة من حقوق الله تعالى الخالصة التى تندرئ بالشبهات وان كان المال من حق العبد قد يجب فيه الضمان ولكن لا يثبت القطع ..
واذا أقر بالسرقة اقرارا كاملا صحيحا ثم رجع عن اقراره قبل اقامة الحد عليه فلا يقام عليه الحد. لان رجوعه يورث شبهة والشبهة تسقط الحد. لاحتمال أن يكون صادقا فى رجوعه.
وقد كذب فى الاقرار. أو التبس عليه الأمر فظن بسرقة ما ليس بسرقة .. والشروط والاوضاع التى اعتبرها الفقهاء فى هذا المجال لتتحقق السرقة وتوجد جريمتها على التحقيق محل خلاف كبير بين الفقهاء فى حقيقتها وفى اعتبارها وضرورة تحققها (١).
مقارنات
حجية الاقرار:
الاقرار (٢) حجة علي المقر. يؤخذ به ويحكم عليه بمقتضاه. وهو أقوى الأدلة وأقربها الى الصدق لان احتمال الصدق أرجح من احتمال الكذب. إذ العاقل لا يقر على نفسه عادة ولا يرتب حقا للغير على نفسه الا اذا كان صادقا فى الاقرار ولا تختلف المذاهب فى حجية الاقرار واعتباره دليلا ينبنى عليه الحكم.
وحجية الاقرار ثابتة بالكتاب والسنة والاجماع والقياس والمعقول
أما الكتاب فقول الله ﵎:
«وليملل الذى عليه الحق وليتق الله ربه» أمر صاحب الحق بالاملاء فى كتابة الوثيقة.
واملاؤه هو اقراره. ولو لم يكن اقراره حجة عليه ويؤخذ به لما كان فيه فائدة. ولما أمر به فأمر الله به دليل على حجيته .. وقوله سبحانه «يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين». قال المفسرون: ان شهادة الانسان على نفسه هى اقراره عليها بالحق. وقوله «واذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه. قال أقررتم وأخذتم على ذلكم اصرى. قالوا أقررنا. قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين» وهذا صريح فى اعتبار الاقرار حجة والتثبت به. وقوله: وآخرون أعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم. أخذهم الله باعترافهم بذنوبهم.
والاقرار هو الاعتراف بالشئ .. وقوله «بل الانسان على نفسه بصيرة» قال ابن عباس رضى الله عنهما - بصيرة يعنى شاهدة - وشهادة الانسان على نفسه الاقرار ..
стр. 7374
واما السنة: فقد روى قتادة عن أنس أن جارية وجد رأسها قد رض بين حجرين.
فسألوها من صنع هذا بك؟ وذكروا لها اسماء أشخاص. فلان. فلان. حتى ذكروا يهوديا فأومأت برأسها انه هو. فأخذ اليهودى إلى رسول الله ﷺ فأقر.
فأمر الرسول به أن يرض رأسه بالحجارة ..
وفى الأحاديث الصحيحة المتواترة معنى أن رسول الله ﷺ قبل الاقرار بالزنا من ماعز ومن الغامدية واقام عليها الحد بمقتضاه .. وفى قصة العسيف أن ابنى هذا كان عسيفا على هذا فزنى بأمراته. وانى اخبرت أن على ابنى الرجم فأفتديت منه بمائة شاة ووليدة .. فقال رسول الله ﷺ والذى نفسى بيده لأقضين بينكما بكتاب الله. الوليدة والغنم رد عليك. وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام .. واغد يا أنيس على امرأة هذا فان اعترفت فأرجمها. فغدا عليها فاعترفت فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت … فقتل النبى ﷺ بالاقرار. ورجم به. ورد به المال ممن كان بيده الى صاحبه ..
واما الاجماع. فقد أجمعت الامة من عهد رسول الله ﷺ الى يومنا هذا على العمل بالاقرار واعتباره حجة على المقر يعامل بها ويؤاخذ بمقتضاها. وجرى المسلمون على ذلك فى كل المعاملات. والاقضية من غير نكير … واما القياس. فلانه قد ثبت بالدليل وجوب الأخذ بالشهادة وبناء الحكم عليها مع احتمال الكذب فيها. لرجحان جانب الصدق على جانب الكذب وأفادتها العلم بالمشهود به لدى القاضى - واحتمال الصدق فى الاقرار أقوى من الشهادة والبعد عن الريبة فيه أظهر منها لأن الانسان لا يشهد على نفسه الا وهو صادق عادة - فلأن يجب الاخذ به والحكم بمقتضاه اولى
واما المعقول: فلأن الاقرار. وهو خبر كان بحسب الاصل مترددا بين الصدق والكذب لكن النظرة المعقولة رجحت جانب الصدق فيه على جانب الكذب لوجود الداعى الى الصدق والصارف عن الكذب وهو عقل المقر ودينه. اذ هما يحملانه على الصدق ويزجرانه عن الكذب .. وقد تحمله نفسه الامارة بالسوء على الكذب فى حق غيره حين يكون الكلام متعلقا بالغير. أما فى حق نفسه فلا تحمله هذه النفس على الكذب الضار بالنفس وبالمال فصار عقله ودينه وطبعه دواعى الى الصدق فى الاقرار زواجر عن الكذب فيه - فكان الصدق ظاهرا فيما أقر به على نفسه.
فوجب قبول الاقرار منه. والعمل به.
الاقرار حجة بنفسه:
والاقرار حجة ملزمة بنفسها لا يحتاج الالزام بالمقر به الى القضاء والحكم. واطلاق اسم القضاء على ما بنى على الاقرار مجاز.
فان الحق يثبت بالاقرار بدون حكم. وانما يأمر القاضى المقر بدفع ما لزمه باقراره وليس لزوم الحق بالقضاء. وجعل الاقرار طريقا من طرق القضاء انما هو بحسب الظاهر.
غير أن هناك مسألة يتوقف نفاذ الاقرار فيها على قضاء القاضى وحكمه. ذكرها فى الدر المختار وتكملة حاشية ابن عابدين عليه
стр. 7375
وهى: اذا ادعى شخص دينا على ميت فأقر به احد الورثة وجحده الباقون. فعلى ظاهر الرواية وهو المذهب يلزم المقر الدين كله ان وفت حصته من الميراث بالدين أخذ المدعى دينه منها. وان لم تف اخذ كل حصته .. لكن اختيار الفقيه أبى الليث انه لا يلزم المقر الا حصته من الدين فقط دفعا للضرر عنه لانه ربما اقر بما يتعلق لكل التركة .. ولو شهد هذا المقر مع آخر أن الدين كان على الميت قبلت شهادته .. وبهذا علم أن الدين لا يحل فى نصيبه بمجرد اقراره بل بقضاء القاضى عليه باقراره. فلتحفظ هذه الزيادة. فى التكملة فى الحاشية: وحاصل ما يقال: انه اذا ادعى رجل دينا على ميت واقر بعض الورثة به فعلى قول أصحابنا يؤخذ من حصة المقر جميع الدين. قال الفقيه ابو الليث: هذا هو القياس. لكن الاختيار عندى أن يؤخذ منه ما يخصه من الدين. وهذا القول ابعد عن الضرر. وذكره شمس الائمة الحلوانى ..
وقال مشايخنا: هنا زيادة لم تشترط فى الكتب. وهو ان يقضى القاضى عليه باقراره.
اذ بمجرد الاقرار لا يحل الدين فى نصيبه بل يحل بقضاء القاضى.
قال صاحب الزيادات: وينبغى أن تحفظ هذه الزيادة فان فيها فائدة عظيمة كذا فى العمادية .. لكن يشكل على هذا أن اقرار الانسان حجة فى حق نفسه. والقضاء فيه مظهر لا مثبت كما ذكروا. وايضا فان المال يلزمه بمجرد الاقرار. والقضاء انما يحتاج اليه فى البينة اذ لا يتهم المرء فيما أقر به على نفسه. ولهذا لو أقر بمعين لانسان ثم أقر به لآخر كان للاول ولا شئ للثانى ومن هذا ما اذا مات شخص عن ابنين وله على اخر مائة جنيه فأقر أحدهما بقبض أبيه خمسين جنيها منها فلا شئ للمقر فى الدين لأن اقراره ينصرف الى نصيبه وذلك لأن المائة صارت ميراثا بالموت بين الابنين فلما أقر أحدهما باقتضاء أبيه خمسين من المائة صح الاقرار فى نصيبه لا فى نصيب أخيه فبقيت حصة الآخر كما كانت فيجعل كأن المقر استوفى نصيبه .. وأما الوارث الآخر فله خمسون من المائة بعد حلفه أنه لا يعلم أن أباه قبض شطر المائة ولكن جمعية المجلة العدلية فى تركيا رجحت قول أبى الليث فى هذه المسألة فأخذت به فى المادة (١٦٤٢) ونص عبارتها فيها. كذلك لو أراد أحد أن يدعى بدين على التركة فله أن يدعى حضور واحد من الورثة فقط سواء وجد فى يد ذلك الوارث من التركة مال أو لم يوجد .. فان أقر ذلك يؤمر باعطاء ما أصاب حصته من ذلك الدين ولا يسرى اقراره الى سائر الورثة وفى تعليق على ما ذكر: وعلى هذا اذا أقر الابنين بقبض أبيه خمسين جنيها من المائة لزمه خمسة وعشرون فقط باقراره. وان أقر بأن أباه قبض كل المائة فقط سقط كل حصته من الدين .. وشيوع الاقرار فى كل التركة وعدم اقتصاره على نصيب المقر هو مذهب ابن ابى ليلى والحسن … وبه قال الشافعى فى قول أحمد وهو قياس مذهب مالك تكملة الفتح فى الاقرار.
الاقرار حجة قاصرة:
الاقرار حجة على نفس المقر لا تتعداه الى غيره. لان المقر لا ولاية به على غيره وانما ولايته قاصرة على نفسه يتسرى كلامه على نفسه دون غيره بخلاف
стр. 7376
البينة فانها حجة متعدية يلزم بها الغير ويحكم عليه بمقتضاها.
أخرج الطبرانى مسندا الى ابن عباس رضى الله عنهما قال: بينما رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة اذ اتى رجل فتخطى الناس حتى قرب اليه فقال: يا رسول الله: أقم على الحد. فقال: اجلس فجلس.
ثم قال الثانية: فقال: يا رسول الله: أقم على الحد. فقال النبى أجلس فجلس ثم قال الثالثة: فقال: يا رسول الله: أقم على الحد قال الرسول: وما حدك.؟ قال: أتيت أمرأة حراما. فقال ﷺ لعلى وابن عباس وزيد بن حارثة. وعثمان بن عفان رضى الله عنهم: انطلقوا به فاجلدوه. ولم يكن تزوج. فقيل: يا رسول الله - الا تجلد التى جنيت بها؟ فقال له رسول الله ﷺ : من صاحبتك؟ قال؟ قال: فلانة فدعاها رسول الله ﷺ فسألها. فقالت: يا رسول الله: كذب على.
والله انى لا أعرفه. فقال رسول الله ﷺ : من شاهدك.: فقال: يا رسول الله ما لى شاهد. فأمر به النبى ﷺ . فجلد حد الفرية ثمانين جلدة .. فقصر رسول الله ﷺ اقراره بالزنا على نفسه. وامر بضربه حد الزنا. ولم يعتبر اقراره على المرأة واعتبر قاذفا لها اذ لم يأت بشهود على ما رماها به من الزنا وضربه حد القذف.
وقد رأى الحنفية أن كون الاقرار حجة قاصرة على المقر هو الاصل العام وهو ما أخذ به الائمة والفقهاء فى المذاهب الاخرى وقد خرج عن هذا الاصل عند الحنفية بعض مسائل ذكرها صاحب الدر المختار وصاحب تكملة حاشية ابن عابدين الاقرار:
منها: ما اذا أقرت الحرة المكلفة بدين لغير زوجها. وكذبها الزوج فى الاقرار. فان اقرارها يصح ويقبل فى حق نفسها وفى حق زوجها أيضا عند أبى حنيفة فتحبس فى الدين وتلازم ان ما طلت فيه وان تضرر الزوج بالحبس والملازمة لان ذلك يحول دون استمتاعه بها. وعند الصاحبين لا يقبل اقرارها فى حق الزوج فلا تحبس ولا تلازم لان فى ذلك منعا له من الاستمتاع بها. ويأمرها القاضى بأداء الدين ويبيع من مالها ما يباع فى الدين … وذكر صاحب الدر بحثا انه ينبغى التعويل على قول الصاحبين. ولكن نقل فى التكملة: ان المعول عليه قول الامام.
ومنها: اذا اقر المؤجر بدين لا وفاء له الا من ثمن العين المؤجرة صح الاقرار فى حقه وفى حق المستأجر. وكان للدائن أن يبيع العين المؤجرة أو يستوفى دينه من ثمنها. وان تضرر المستأجر من فوات الاجارة - لذهاب العين المستأجرة.
ومنها: اذا اقرت مجهوله النسب بأنها بنت ابى زوجها او بنت جده وصدقها الاب او الجد فى الاقرار. وكذبها الزوج فيه صح اقرارها فى حق نفسها وفى حق الزوج رغم تكذيبه وانفسخ النكاح بينها وبينه لأن مقتضى الاقرار أنها اخته أو عمته فتكون محرمة عليه على التأييد. ويكون النكاح غير صحيح شرعا.
стр. 7377
ومنها: اذا كانت له جارية ولها ابن مجهول النسب فباع السيد الجارية. ثم اقر بنسب ابنها. ولهذا المقر أخ كذبه فى الاقرار صح الاقرار فى حق المقر وفى حق اخيه المكذب فيثبت نسب الولد المقر به. ويكون ميراث المقر لهذا الولد دون الاخ الذى يحجب به رغم التكذيب. مسائل اخرى يطول الحديث عنها فلا داعى للاطالة بذكرها.
ويتصل بموضوع حجية الاقرار بالنسبة للمقر وغيره مسألة اقرار العبد سواء أكان مأذونا له أو غير مأذون. ومسألة اقرار المريض مرض الموت .. واذا استثنينا. الظاهرية.
فان الائمة والفقهاء فى المذاهب المختلفة متفقون على صحة الاقرار فى المسألتين فى بعض الاحوال وعدم صحته فى بعض آخر رعاية لحق السيد والورثة والدائنين وعدم الإضرار بهم - وقد بينا ذلك بالتفصيل واوضحناه فى المذاهب المختلفة فى موضع كل وبحثه فى كل مذهب.
اما ابن حزم الظاهرى فقد سوى بين الحر والعبد فى الاقرار وأحكامه ومسائله.
ولم يجعل لاقرار العبد وضعا خاصا ولا احكاما خاصة كغيره من الفقهاء. وبالنسبة للمريض جعل اقرار المريض فى مرض موته وفى مرض أفاق منه لوارث ولغير وارث نافذا من رأس المال كإقرار الصحيح ولا فرق مطلقا بينهما.
سماع البينة مع الاقرار:
الاصل أن البينة لا تقام الا على منكر.
فمتى أقر المدعى عليه بالدعوى لم يحتج بعد ذلك للبينة. وذلك لثبوت الدعوى بالاقرار الذى هو من اقوى بل هو كما جرى على الالسنة. سيد الادلة - وليس للمدعى أن يحضر شهودا بعد الاقرار على دعواه.
ولا للقاضى ان يشتغل بسماع شهادة شهود على تلك الدعوى التى قام عليها الاقرار وما على القاضى بعد الاقرار الكامل الا ان يحكم بمقتضى ذلك الاقرار .. هذا هو الاصل ..
ولكن الحنفية استثنوا من هذا الاصل مسائل تسمع فيها البينة مع الاقرار وقد ذكرنا هذه المسائل بالتفصيل فى آخر الكلام على الاقرار عند الحنفية. وبمطالعتها تبين واضحا انه احتيج فى بعضها الى البينة مع الاقرار لان الاقرار لا يكفى لثبوت الحق المدعى به. وانما لان المدعى يريد أن يتعدى الحكم الى غير المدعى عليه. والاقرار لا يتعدى وغرض المدعى أن يتعدى الحكم منعا للضرر وذلك كما فى مسألتى اثبات صفة التوكيل والوصاية ومسألة استحقاق عين من مشتر بعد البيع. ومسألة اقرار الوارث للموصى له بحق. وليس معنى سماع البينة مع الاقرار فى هذه المسائل أن القاضى يطلب سماع البينة بعد الاقرار بل معناه أنه اذا طلب منه المدعى سماع البينة بعد الاقرار يجيبه الى طلبه مراعاة لتلك المصلحة ومنعا للضرر عنه. ثم يحكم بعد سماع البينة بمقتضاها لا يقتضى الاقرار تحصيلا لفائدة تعدى الحكم الى الغير .. وفى بعض آخر من تلك المسائل يحتاج الى سماع البينة لعدم صحة الاقرار شرعا كاقرار الاب والوصى اذا خوصم أحدهما فى حق للصغير فأقر بالحق فان هذا الاقرار على الصغير غير صحيح شرعا ويخرج الوصى بمقتضاه من الخصومة. ولكن لا يخرج الاب به من الخصومة. ومثل الوصى أمين القاضى اذا أقر على الصغير بحق لا يصح
стр. 7378
الاقرار ويخرج به من الخصومة .. ومن ثم يجب اقامة البينة على الحق مع الاقرار فى هذه المسائل .. وهنا يطلب القاضى البينة من تلقاء نفسه ويسميها ليبنى عليها الحكم … وفى مسألة اثبات الدين على الميت - اذا أريد اثبات الدين فى كل التركة وبالنسبة لجميع الورثة لا بالنسبة للوارث المقر أو الورثة المقرين فقط أو اذا أريد اثبات الدين فى حق دائن آخر وتعدى الحكم اليه. فى هذه الحالة وفى تلك لا بد من البينة حتى ولو أقر بالدين الجميع لان اقرار بعضهم فى الحالة الاولى واقرار جميعهم فى الحالة الثانية لا يكفى للحكم المطلوب وكذلك فى مسألة اثبات اليد على العقار فى دعوى العقار لا يكفى.
فيه الاقرار. وفى هذه الحالة حالة عدم كفاية الاقرار للحكم يطلب القاضى من المدعى الدليل الكافى الذى يصح بناء الحكم عليه وهو البينة … والاصل فى هذا الباب أنه فى كل موضع يتوقع فيه الضرر لولا البينة تسمع فيه البينة مع الاقرار .. وتارة يكون سماعها جائزا ويطلب المدعى سماعها ويجيبه القاضى الى الطلب. وتارة يكون سماعها واجبا لعدم صحة الاقرار او عدم كفايته. ويطلبها القاضى .. حسب الاحوال.
ما به يكون الاقرار:
يكون الاقرار بأمور كثيرة بعضها متفق عليه بين الفقهاء. وبعضها مختلف فيه. على الوضع الاتى:
اللفظ:
واللفظ هو الأداة الاولى والاساسية فى الاعراب عما فى النفس وتصوير ارادة الانسان كما يريد .. ومن ثم اتفق الفقهاء جميعا على أن الاقرار يكون باللفظ واللفظ فى دلالته على الاقرار وابراز معناه وهو الاخبار بحق للغير على نفس المقر - قد يكون صريحا أى بمقتضى الوضع اللغوى. وقد يكون دلالة أى بمقتضى اللزوم لا بحسب الوضع - وقد اشرنا الى ذلك واوضحناه فى الكلام على ما به يكون الاقرار والالفاظ والصيغ التى يؤدى بها فى المذاهب المختلفة.
الاشارة:
وقد قال الحنفية: انها تكون من الاخرس اذا كانت له اشارة معهودة مفهمة. فيصح اقراره باشارته المعهودة سواء كان قادرا على الكتابة أو عاجزا عنها على المعتمد عندهم ..
وتقوم اشارته مقام العبارة فى الاقرار فى كل شئ الا فى الحدود والشهادة - وكتابته كاشارته يعمل بها متى كان قادرا عليها ..
والناطق الذى اعتقل لسانه لا تعتبر اشارته الا اذا دامت عقلة لسانه. وصارت له اشارة معلومة مفهمة فان اشارته حينئذ تكون معتبرة ويجوز اقراره بها وينزل منزلة الاخرس بالنسبة اليها .. ولا تعتبر الاشارة من الناطق القادر على التعبير فى الاقرار الا فى مسألتين من مسائله .. الاولى: الاقرار بالنسب. فاذا قيل لرجل هذا ابنك وأشير الى غلام مجهول النسب يولد مثله لمثله. فأشار برأسه أى نعم كان مقرا بنسبه واعتبرت اشارته بالايجاب اقرارا منه بذلك ويعامل به شرعا .. والثانية:
الاقرار بالكفر فاذا قيل لانسان. أتعتقد هذا المكفر فأشار برأسه أى نعم كان مقرا بالكفر.
واعتبرت اشارته بالايجاب اقرارا منه بذلك وعومل به .. وهناك مسائل
стр. 7379
أخرى تعتبر الاشارة من الناطق اقرارا لم نشأ أن نذكرها هنا لأنها ليست من الاقرار ولا من مسائله فى شئ وان كنا ذكرناها مفصلة فى الكلام على مابه يكون الاقرار فى مذهب الحنفية. وفيما ما ذكر لا يعمل بالاشارة فى الاقرار من الناطق القادر على الكلام أصلا.
ويقول المالكية: انه يصح اقرار الا بكم والمريض بالاشارة المعلومة المفهمة. ولا يصح رجوعه بعد ذلك عن هذا الاقرار حتى ولو انطلق لسانه وأراد الرجوع. وكذلك يصح الاقرار بالاشارة الواضحة من القادر على النطق ويلزم. ولا يجيز الشافعية الاقرار بالاشارة المعلومة الا من الاخرس. وكذلك الحنابلة. ويزيدون عدم صحته بالاشارة من معتقل اللسان لطارئ من مرض ونحوه ..
ويرى الزيدية صحة الاقرار بالاشارة من الاخرس والمصمت والمريض الذى لا يقدر على الكلام. وقال الإمامية ان الاشارة تقوم مقام اللفظ ولم يفصلوا أما الظاهرية فلم يذكروا وسيلة للتعبير عن الاقرار سوى اللفظ.
الكتابة:
الاصل عند الحنفية أنه لا يعمل بالكتابة ولا يعتمد على الخط - لان الخط يشبه الخط ..
ومن شأنه ان يزور ويفتعل واستثنوا من هذا المنع خط التاجر فى دفتره والسمسار والصراف. واعتبروا ما يكتبه هؤلاء فى دفاترهم واوراق عملهم حجة يعمل به جريا على العرف والعادة من أنهم لا يكتبون على أنفسهم فى دفاترهم الا ما هو حق غير أن قارئ الهداية. قد أفتى بالأخذ بالصك المكتوب بالدين متى تبينت صحته. وجرى على ذلك القاضى أبو على النسفى فجرى عمل المتأخرين على ذلك. واخذت به المحاكم الشرعية قبل الغائها. واصبح الاخذ بالخط والعمل بالكتابة ضرورة لا يعدل عنها ولا انفكاك منها وهذا ما عليه العمل الان.
ويرى المالكية ان الاقرار بالكتابة كالاقرار بالعبارة - يصح ويؤخذ به المقر اذا كانت الكتابة فى صحيفة أو لوح أو خرقة أو كانت نقشا فى حجر سواء أشهد على نفسه بما كتب فى ذلك أو لم يشهد. اما الكتابة على الارض فلا يصح الاقرار بها الا اذا أشهد على نفسه بما كتب فيها. اذ لا امان لمثل هذه الكتابة به ولا بقاء لها .. وان كتب على الماء أو فى الهواء فلا يصح الاقرار بها مطلقا أشهد او لم يشهد لانها كلا كتابة اذ تذهب مع الريح ..
ويقول الشافعية أن الاقرار بالكتابة يصح ولو من القادر على النطق ونص الحنابلة على صحة الاقرار بالكتابة باطلاق وبلا تفصيل.
فدل ذلك على جواز الاقرار بها مطلقا ولو من القادر على النطق. ومن الاخرس اذا كان يعرفها ولا وسيلة للاقرار عند الظاهرية سوى اللفظ كما أشرنا. ويرى الزيدية صحة الاقرار بالكتابة ممن لا يستطيع النطق متى كان يعرفها.
اما الإمامية فليس عندهم من وسائل التعبير عن الاقرار سوى اللفظ والاشارة على النحو الذى ذكرناه.
السكوت:
لا يعتبر السكوت اقرارا الا عند الحنفية والمالكية على التفصيل الاتى: - يرى الحنفية أن السكوت يعتبر اقرارا فى بعض المواضع.
стр. 7380
فيجعل الساكت مقرا بالحق بسكوته كما يجعل المتكلم مقرا بالحق بكلامه .. وان كان هذا مخالفا للقاعدة الفقهية المقررة التى تقول: انه لا ينسب لساكت قول: الا انهم استثنوا من ذلك مسائل جعلوا الساكت فيها كالمتكلم بعد ذلك. سكوت الوالد بعد تهنئة الناس له بالولد بعد الولادة يكون اقرارا منه أنه ابنه فليس له ان ينفى نسبه منه بعد ذلك .. ومنه سكوت الزوجة أو الولد او القريب عند بيع العقار بحضرته من الزوج او الوالد او القريب يعتبر اقرارا من هذا الحاضر الساكت بملكية البائع للعقد أو المبيع .. ولا تسمع دعواه الملكية على المشترى فى هذا المبيع طبقا لما أفتى به مشايخ سمرقند وذلك قطعا للاطماع الفاسدة .. ومنه ما اذا رأى شخص شخصا آخر يبيع عرضا أو دارا ورأى المشترى يتصرف فى البيع زمانا وهو ساكت. يعتبر سكوته اقرارا منه بملكية البائع للمبيع وصحة البيع فلا تسمع منه دعوى الملكية على المشترى فى هذا المبيع بعد .. ومنه ما اذا سكتت البكر التى زوجها وليها اذا بلغت بكرا يكون سكوتها عند البلوغ وعدم اختيارها نفسها رضا منها بالزواج يبطل خيار البلوغ الثابت لها. بخلاف ما اذا بلغت ثيبا فانه لا يبطل خيارها بمجرد السكوت بل يبطل برضاها. وغير هذا مسائل ذكرناها فى الكلام على مذهب الحنفية فى ذلك.
اما المالكية فقد اختلفوا فى السكوت:
هل يعتبر اذنا بالشئ المسكوت عنه واقرارا به على أساس الرضا والتسليم. أو لا يعتبر كذلك؟ قولان. والأظهر أنه لا يعتبر اقرارا (١) وأما اذا قال له: لى عليك مائة فسكت فقد ذكروا الخلاف فى كون السكوت اقرارا او ليس باقرار (٢).
وجاء فى مواهب الجليل - مسألة: اختلف فى السكوت كالاقرار ام لا .. قال فى العتبية فى رسم العرية من سماع عيسى من كتاب التفليس مسألة: وسئل عن رجل جاء قوما فى مجلس فقال: أنا أشهدكم أن لى على فلان كذا وكذا دينارا. وفلان هذا مع القوم فى المجلس فسكت ولم يقل. نعم ولا لا. ولم يسأله الشهود عن شئ. ثم جاء المشهد يطلب ذلك المبلغ قيل المشهد عليه الذى سمع الاشهاد عليه وسكت. فأنكر أن يكون عليه شئ .. قال:
نعم ذلك لازم اذا سكت ولم يقل شيئا .. قال محمد بن رشد: اختلف فى السكوت هل يعد اذنا فى الشئ واقرارا به على قولين مشهورين فى المذهب منصوص عليهما لابن القاسم.
أحدهما أنه اذن. والثانى أنه ليس باذن ..
وأظهر القولين أنه ليس باذن .. وقد ذكرنا المسألة ببسط وايضاح فى الكلام على مذهب المالكية فى ذلك (٣).
стр. 7381
تجزؤ الاقرار:
اذا استثنينا الظاهرية والحنابلة. فانه يمكن القول بأن الفقهاء فى المذاهب الاخرى متفقون على أن الاقرار يتجزأ: يقول الحنفية اذا ادعى شخص على آخر أنه اقترض منه مبلغ مائة جنيه وطالبه به - فقال المدعى عليه أنى قضيتك المبلغ المطلوب - يكون هذا اقرارا بالمبلغ لان القضاء هو تسليم مثل الواجب فى الذمة فالاخبار بانه قضاه المبلغ يستلزم الاقرار بأنه كان ثابتا فى ذمته فيكون مقرا به مدعيا سقوطه بمسقط فيعامل باقراره بالمبلغ ولا تثبت دعواه السقط الا ببينة (١). وهذا تجزئة للاقرار حيث أخذ منه جزء وهو الضار المتكلم وترك جزء آخر وهو النافع له .. ويقول المالكية مثل (٢) ذلك - أنه اذا قال شخص لآخر لى عليك عشرون مثقالا ذهبا فقال المخاطب: فقد قضيتها او اتزنها او انتقدها أو اجلنى بها او ما أشبه ذلك. فانه بهذا الجواب يكون مقرا بالمبلغ المدعى به لان الضمير فى عبارة الجواب راجع الى المبلغ الذى ذكره المدعى المقر له اولا. وقضاء الدين شرعا هو تسليم مثل الواجب فى الذمة.
فاخبار المخاطب بانه قد قضى العشرين مثقالا يستلزم الاقرار بثبوتها فى ذمته فيكون مقرا بها مدعيا سقوطها بالقضاء فيؤخذ بالاقرار.
ولا يصدق فى دعوى القضاء الا بدليل. وان لم تشتمل عبارة الجواب على الضمير العائد على المبلغ: بأن قال له: أتزن أو انتقد أو قد قضيته أو أجل. ففى دلالة هذا الجواب على الاقرار الحق المدعى قولان .. ويرى الشافعية مثل هذا الرأى (٣). أنه اذا قال شخص لآخر: لى عليك الف درهم. أو قال له: أقض الالف الذى لى عليك. أو قال: أليس لى عليك: ألف درهم. فقال المخاطب فى جواب ذلك. بلى. أو نعم. او صدقت أو نحو ذلك كان هذا اقرارا بالحق المدعى به الا ان يقترن الجواب بما يدل على الاستهزاء او الانكار كالضحك وهز الرأس تعجبا وانكارا فلا يعتبر الجواب دالا على الاقرار .. وان قال المخاطب فى الجواب: أبرأتنى أو قضيته أو نحو ذلك فانه يدل على الاقرار بالحق المدعى لانه يدعى الابراء أو القضاء. وذلك اعتراف بالاصل وشغل الذمة بالمقضى أو المبرأ منه فيؤخذ بهذا الاقرار ولا يصدق فيما يدعيه من الابراء أو القضاء الا بالدليل .. وهو مع ملاحظة أن الاقارير ونحوها مبنية على العرف المتبادر من اللفظ لا على دقائق العربية واعتبارات النحو .. وكذلك الحكم عند الزيدية .. فقد قالوا انه يجب الحق بالاقرار بفرع ثبوته .. فاذا أقر الشخص بشئ يتفرع على ثبوت الحق كان ذلك اقرارا بنفس الحق مثال ذلك أن يدعى رجل على رجل دينا.
فيقول المدعى عليه: قد قضيتك هذا الدين.
فتكون دعواه القضاء اقرارا بالدين لأنه لا قضاء الا عن دين وقد فهم هذا من الدعاوى لان مع المقر اخفى الامرين وهو الابراء. ومع المدعى اظهرها وهو عدم الابراء .. ونحو ان يدعى رجل على امرأة أنها زوجته فتقول ردا على دعواه: قد طلقتنى. فان ذلك يكون اقرارا
стр. 7382
منها بالزوجية. وعليها البينة بالطلاق (١) ويؤخذ مثل ذلك لو قال: أليس لى عليك كذا فقال المخاطب فى الجواب - أجلتنى بها أو قضيتكها منذ أقر وانقلب المقر مدعيا ..
وهذا ظاهر فى أنهم اعتبروا قوله قضيتكها - اقرارا بالحق. وادعاء بالقضاء وهذا هو تجزئة الاقرار فهم يقولون بتجزئة الاقرار (٢).
أما الحنابلة فقد اختلفوا فى اعتبار الاجابة على ادعاء الدين بمثل هذه الاجابة اقرارا وتجزئته كغيرهم أو اعتباره انكارا .. والمعتبر عندهم أنه ليس اقرارا ولا يتجزأ (٣) ومن ادعى عليه شئ بأن قيل له: لى عليك الف فقال: كان له على الف وقضيته لم يكن ذلك اقرارا. حكى ابن ابى موسى أن فى المسألة روايتين: أحداهما. أن هذا ليس باقرار.
واختاره القاضى. وقال: لم أجد عن أحمد رواية بغير هذا والثانية أنه اقرار بالحق وادعاء بقضائه فعليه البينة بالقضاء والا حلف غريمه وأخذ. واختاره أبو الخطاب.
وفى كشاف القناع (٤): وان قال: كان له على الف وقضيته اياه او أبرانى منه او برئت اليه منه أو قبض منى كذا منه. أو أبرأنى من كذا منه. أو اقبضته منه خمسمائة مثلا فهو منكر. وهذا معنى كلام الخرقى وعامة شيوخنا .. ولانه قول يمكن صدقه ولا تناقض فيه من جهة اللفظ فوجب بقوله ولا يلزمه شئ كاستثناء البعض .. وكذلك لو قال له شخص يدعى عليه: لى عليك الف. فقال له فى الجواب: اقبضتك منها عشرة فان المدعى عليه يكون منكرا.
والقول قوله مع يمينه .. وقال ابو الخطاب يكون مقرا بالالف ومدعيا للقضاء فلا يقبل الا ببينة.
وأما الظاهرية (٥) فقد قطع ابن حزم فى المحلى بأن الاقرار لا يتجزأ فلا يؤخذ منه الضار ويترك النافع. وانما يؤخذ كله او يترك كله ومن طريق عماد بن سلمة أخبرنا أبو عقبه ان رجلا ادعى على رجل الف درهم ولم تكن له بينة. فاختصما الى عبد الملك بن يعلى فقال الرجل المدعى عليه: قد كانت له عندى الف درهم فقضيته. فقال المدعى:
أصلحك الله قد اقر. فقال له عبد الملك بن يعلى: ان شئت أخذت بقوله أجمع. وان شئت أبطلته أجمع .. وعبد الملك ابن يعلى من التابعين ولى قضاء البصرة .. ومن طريق عبد الرازق عن معمر عن عبد الله بن طاوس عن أبيه قال: من أقر بشئ فى يده فالقول قوله .. ومن طريق حماد بن سلمة عن اياس ابن معاوية قال: كل من كان فى يده شئ فالقول فيه قوله.
وجاء فى المحلى (٦): ومن قال هذا الشئ لشئ فى يده كان لفلان ووهبه لى او
стр. 7383
قال: باعه متى صدق. ولم يقض عليه بشئ لما ذكرنا قبل (يشير الى قضاء عبد الملك بن يعلى) ولأن الأموال والأملاك بلا شك متنقلة من يد الى يد. هذا امر نعلمه يقينا. فلو قضى عليه ببعض اقراره هنا دون سائره لوجب اخراج جميع املاك الناس عن ايديهم او اكثرها لانك لا تشك فى الدور والارضين والثياب المجلوبة. والعبيد والدواب أنها كانت قبل من هى بيده لغيره بلا شك .. وان امكن فى بعض ذلك ان ينتجه. فان الام وأم الام بلا شك كانت لغيره .. وكذلك الزريعة مما بيده مما ينبت. فظهر فساد هذا القول جملة فان قامت بينة فى شئ مما بيده مما أقر به أو مما لم يقر به أنه كان لغيره قضى به لذلك الغير حينئذ ولم يصدق على انتقال ما قامت به البينة لانسان بعينه البينة الا ببينة .. وهذا متفق عليه. وقد حكم رسول الله ﷺ وقضى بالبينة للمدعى.
دعوى المقر أنه كاذب فى اقراره:
ادعاء الكذب فى الاقرار نوع من محاولة الرجوع عنه. ومن ثم يعلل بعض الفقهاء قبول الرجوع فى الاقرار فيما تؤثر فيه الشبهة .. احتمال الكذب فيه بما يورث شبهة تدرأ الحد .. ويصرحون بأن ادعاء المقر انه كذب فى اقراره صورة من صور الرجوع عن الاقرار وعلى هذا الاساس. اذا وجد فى مذهب من المذاهب نص على حكم ادعاء الكذب فى الاقرار فسيعتمد فى تقرير الحكم على هذا النص - وان لم يوجد نص على الحكم فسيستعان على معرفة الحكم فيه بحكم الرجوع عن الاقرار وما قيل فى منعه واسباب هذا المنع.
والاصل عند الحنفية انه متى أقر شخص لآخر بحق اقرارا صحيحا مستوفيا شروطه الشرعية - الزم بما اقر به. ووجب عليه تسليمه الى المقر له .. ولا يقبل منه بعد ذلك دعوى أنه كان كاذبا فى اقراره - اذا كذبه المقر له فى دعوى الكذب هذه. ولا يقبل منه أن يقيم البينة على كذبه. ولا ان يطلب تحليف خصمه على نفيه فاذا أعطى شخص سندا لآخر مكتوبا فيه بخط المقر: انى قد اقترضت كذا من الدراهم من فلان وقبضت هذا المبلغ. ثم قال: انى وان كنت قد اعطيت هذا السند بيدى وكتبته بخطى الا انى لم اقبض المبلغ المذكور به. فلا يقبل منه ذلك عند أبى حنيفة ومحمد. وهو القياس لأن الاقرار حجة ملزمة شرعا كالبينة بل هو اولى لان احتمال الكذب فيه ابعد .. وقال ابو يوسف: اذا ادعى أو ورثته الكذب فى الاقرار حلف المقر له ان كان حيا أن المقر صادق فيما أقر به ولم يكن كاذبا فيه - فان حلف ثبت حقه فى المقر به. وان نكل فلا شئ له منه .. وان كان ميتا حلف ورثته انهم لا يعلمون ان المقر كان كاذبا فى اقراره .. وهذا مادام المقر لم يصر محكوما عليه بالاقرار موضوع الكلام. فان صار محكوما عليه بالاقرار لم يحلف له المقر له ولا ورثته بالاتفاق لان الاقرار حينئذ يكون قد ثبت وتأيد بالحكم. وقول ابى يوسف هو الاستحسان وعليه الفنوى. وقال فى البزازية وهو المختار. واختارته جمعية المجلة العدلية فى المادة رقم (١٥٨٩) منها. لان العادة جارية بين الناس انهم اذا ارادوا الاستدانة يكتبون السند قبل الاخذ ثم يأخذون المال بعد ذلك. فلا يكون الاقرار دليلا على
стр. 7384
قبض المبلغ المقر به فى السند حقيقة .. ولان الناس قد تغيرت احوالهم وكثرت مخادعاتهم وخياناتهم فينبغى ان نسهل للمقر الخروج عما أقر به كذبا بتحليف المقر له اليمين على نفى دعواه الكذب فى الاقرار. والحلف لا يضر المقر له ان كان صادقا فيه فيصار اليه كذا فى الحدود.
والقول بتحليف المقر له أو ورثته اليمين على نفى دعوى المقر أو ورثته للكذب فى الاقرار، مطلق. وجاء فى الدر المختار ما يفيد أن ذلك مقيد بما اذا كان المقر مضطرا الى الكذب فى الاقرار. فقد جاء فيه أقر رجل بمال فى صك واشهد عليه. ثم ادعى ان بعض هذا المال قرض وبعضه ربا عليه. فان اقام على ذلك بينة تقبل وان كان متناقضا لاننا نعلم انه مضطر الى هذا الاقرار .. ومثله فى الغنية وبه افتى فى الفتاوى الحامدية والفتاوى الخيرية.
ومثل ذلك ما لو اقر بالاستيفاء ثم ادعى الغلط فى اقراره لم تقبل منه دعواه هذه عند الطرفين ابى حنيفة ومحمد وتقبل عند ابى يوسف ويحلف المقر له اليمين على نفيها على ما اختاره المتأخرون .. ومحل عدم اعتبار الغلط على قول الامام ومحمد فى غير الاقرار بالطلاق .. أما لو أقر بطلاق امرأته بناء على فتوى مفت غير أهل للافتاء ثم تبين له عدم وقوع الطلاق كان له ان يرجع الى زوجته ولو بعد كتابة الصك والوثيقة باقراره بالطلاق ..
ولكن هذا فى الديانة وفيما بينه وبين الله تعالى .. أما فى الحكم والقضاء فلا يصدق فى انه بنى اقراره على فتوى المفتى بل يؤاخذ باقراره ومما يلحق بهذا ما نقله الحموى فى حاشيته على الاشباه من أنه لو قال شخص: هذه رضيعتى ثم اعترف بالخطأ يصدق فى دعواه الخطأ .. وله ان يتزوجها بعد ذلك .. وهذا مشروط بما اذا لم يثبت على اقراره بأن قال:
هو حق أو صدق أو كما قلت أو اشهد عليه بذلك شهودا او ما فى معنى ذلك من الثبات اللفظى الدال على الثبات النفسى والعذر للمقر فى رجوعه عن اقراره ان أمر الرضاع مما يخفى عليه. فقد يطلع بعد اقراره على خطأ من نقل اليه الخبر.
وما ذكر من الخلاف فى قبول دعوى الكذب فى الاقرار من المقر فى حق تحليف المقر له اليمين على نفى الدعوى وعدم قبولها - انما هو فى غير الحدود الخالصة حقا لله تعالى كحد الزنا والشرب والسرقة بالنسبة للقطع. أما فى هذه الحدود فتقبل فيها دعوى الكذب فى الاقرار بالاتفاق ولا يؤخذ المقر باقراره مع هذا الادعاء لما يورثه من الشبهة التى تؤثر فى سقوط الحد وتدرؤه عملا بحديث أدرؤا الحدود بالشبهات. كما فى الرجوع عن الاقرار بهذه الحدود فانه يقبل عند الجميع ما عدا ابن حزم الظاهرى.
واذا كذب الشارع المقر فى اقراره بطل الاقرار. كما إذا أقرت المطلقة بانقضاء عدتها بعد مدة تحتمله ثم جاءت بولد لأقل من ستة أشهر بعد الإقرار يثبت نسبه شرعا من المطلق لتيقن مقام الحمل وقت الاقرار. ويكون حكم الشارع ثبوت النسب تكذيبا للمطلقة فى ادعائها انقضاء عدتها ..
وكذا اذا كذب الحاكم المقر فى اقراره يبطل
стр. 7385
الاقرار كما إذا اشترى شخص عينا من آخر ثم ادعى ثالث علي المشترى ملكية هذه العين وانكر المشترى وأقر بأنها ملك البائع الذى اشتراها منه. وأثبت مدعى الاستحقاق دعواه وحكم له بالعين فإنه يكون للمشترى حق الرجوع بالثمن علي البائع رغم إقراره بان العين ملك البائع لأن الحكم بملكية العين للمدعى تكذيب له فى اقراره وابطال لهذا الاقرار.
وفى مذهب المالكية (١): - فى الكلام على اقرار المريض: والصحيح يلزمه الاقرار بلا قيد سواء أقر لوارث بعبد أو قريب او لملاطف أو لمجهول حاله أو لقريب غير وارث. أو لاجنبى غير ملاطف .. ولقول ابن عبد البر فى الكافى وكل من أقر لوارث او لغير وارث فى صحته بشئ من المال او الدين او البراءة او قبض أثمان المبيعات - فاقراره عليه جائز لا تلحقه فيه تهمة ولا يظن فيه توليج - أى أدخال شئ بالكذب - والاجنبى والوارث فى ذلك سواء وكذا القريب والبعيد. والعدو والصديق فى الاقرار فى الصحة. ولا يحتاج من أقر على نفسه فى الصحة ببيع شئ وقبض ثمنه الى معاينة قبض الثمن. أهـ. ولو أقر بعد ذلك بالتوليج فلا عبرة به وهذا الكلام صريح فى ان الصحيح اذا أقر بوارث أو بتصرف لشخص أجنبى من شأنه أن ينقص ماله فان الاقرار يكون صحيحا لانه غير متهم فى اقراره .. ولو ادعى بعد الاقرار انه كان توليجا - أى كان كذبا بقصد الاضرار بالورثة فلا عبرة بهذا القول ولا يقبل منه. وهذه هى صورة دعوى الكذب فى الاقرار. وانها غير مقبولة عند المالكية وقد جاء فى الأشباه والنظائر (٢):
أن المقر يؤخذ بما أقر به ولا يقبل منه دعوى الكذب فى اقراره.
وفى مذهب الحنابلة (٣): ولا يقبل رجوع المقر عن إقراره لتعلق حق المقر له بالمقر به إلا فيما كان حقا لله تعالى فيقبل رجوعه لان الحدود الخالصة لله تعالى تدرأ بالشبهة. واما حقوق العباد وحقوق الله تعالى التى لا تدرأ بالشبهة كالزكاة والكفارات فلا يقبل رجوع المقر عن الاقرار بها. وجاء فى المغنى (٤):
انه لا يقبل رجوع المقر عن اقراره الا فيما كان حد الله تعالى يدرأ بالشبهات ويحتاط لاسقاطه فاما حقوق الآدميين وحقوق الله تعالى التى لا تدرأ بالشبهات كالزكاة والكفارات فلا يقبل رجوعه فيها. ولا نعلم فى هذا خلافا ..
ولا شك أن ادعاء الكذب فى الاقرار هو فى حقيقته احتيال على الرجوع فى الاقرار.
فالحكم يشمله كما هو ظاهر.
وفى مذهب الظاهرية (٥) يقول ابن حزم الظاهرى: من أقر لآخر أو لله تعالى بحق فى مال أو دم أو بشئ وكان المقر عاقلا بالغا غير مكره وأقر اقرارا تاما ولم يصله بما يفسده فقد لزمه ولا رجوع له بعد ذلك - فإن رجع لم ينتفع برجوعه. وقد لزمه ما أقر به على
стр. 7386
نفسه من دم أو حد أو مال. فان وصل الإقرار بما يفسده بطل كله ولم يلزمه شئ لا من مال ولاقود ولا حد. مثل ان يقول: لفلان على مائة دينار. أو يقول: قذفت فلانا بالزنا أو يقول: زنيت. أو يقول: قتلت فلانا أو نحو ذلك فقد لزمه. فان رجع عن ذلك لم يلتفت اليه .. وسواء فى ذلك ان يكون الاقرار بحد من حدود الله الخالصة التى تدرأ بالشبهات أو فى غيرها - لا يجوز الرجوع فيه: فهو يقول فى صفحة ٢٥٢: - وأما الرجوع عن الاقرار فكلهم متفق على ما قلنا الا فى الرجوع عن الاقرار بما يوجب الحد فان الحنفيين والمالكيين قالوا: أن رجع لم يكن عليه شئ ..
وهذا باطل. ثم ناقش وجهة نظرهم وحججهم على الوجه الذى ذكره هناك.
وكلام ابن حزم واضح وقاطع فى عدم جواز الرجوع عن الاقرار فى أية صورة وبأى سبب فتشمل دعوى الكذب فى الاقرار لانها صورة من صور الرجوع فى الاقرار وفى مذهب الزيدية (١): أنه لا يصح رجوع المقر عن اقراره بحال من الاحوال الا ان يكون الاقرار فى حق الله تعالى وكان هذا الحق مما يسقط بالشبهة كالاقرار بالزنا وشرب الخمر وما يوجب القطع فى السرقة فانه يصح الرجوع عن الاقرار بها ويسقط الحد فى الجميع لكن لا يسقط الحق فى المال فى السرقة فلا يؤثر الرجوع فيه ولا يصح الا ان يصادق المقر له على الرجوع فيه فيصح. وأما لو كان حقا لله تعالى ولكن لا يسقط بالشبهة كالزكاة والحرية الاصلية كهذا ابنى أو الطارئة كهذا عتيقى. فانه لا يصح الرجوع عن الاقرار بها وكذلك الاقرار فى سائر حقوق الآدميين المالية وغيز ذلك كالنسب والنكاح والطلاق الرجعى. فانه لا يصح الرجوع عن الاقرار بشئ من ذلك الا ان يصادق المقر له المقر على الرجوع - نحو ان يقر زيد بدين او عين ثم يرجع عن الاقرار ويقول: انه اقرار غير صحيح فهذا صريح فى عدم جواز الرجوع عن الاقرار والقول بأنه اقرار غير صحيح الا بمصادقة المقر له .. ودعوى الكذب فى الاقرار هى بنفسها القول بان الاقرار غير صحيح وهو غير مقبول الا مع المصادقة.
وفى مذهب الإمامية - جاء فى شرائع الإسلام: إذا أشهد بالبيع وقبض الثمن. ثم قال: أنه لم يقبض الثمن. وإنما أشهد بذلك تبعا للعادة. قيل لا يقبل قوله لأنه مكذب لإقراره. وقيل يقبل لأنه أدعى ما هو معتاد.
وهو الأشبه إذ هو ليس مكذبا لإقراره بل هو مدع شيئا آخر فيكون على المشترى اليمين.
وجاء فى الروضة البهية شرح اللمعة الدمشقية: - ولو أشهد شاهدى عدل بالبيع لزيد وقبض الثمن منه. ثم ادعى المواطأة بينه وبين المقر له على الاشهاد من غير أن يقع بيع وقبض. سمعت دعواه لجريان العادة بذلك واحلف المقر له على الاقباض وعلى عدم المواطأة .. ويحتمل عدم سماع دعوى المواطأة فلا يتوجه اليمين على المقر له لانه مكذب لاقراره. ويضعف هذا بأن ذلك واقع تعم به البلوى فعدم سماع الدعوى يفضى الى الضرر.
هذا اذا شهدت البينة على اقراره بها. أما اذا
стр. 7387
شهدت بالقبض لم يلتفت اليه لانه مكذب لها طاعن فيها فلا يتوجه بدعواه يمين. هذه فقولهم. وعبارة الروضة فى نفس موضوع الحديث. وهى واضحة فى أن فيه رأيين ..
وان الراجح هو سماع الدعوى.
الرجوع عن الاقرار:
يقول الحنفية إن رجوع المقر عن إقراره بحقوق الله تعالى الخالصة كحد الزنا والشرب والسرقة بالنسبة للقطع. فيقبل ويبطل به الاقرار فلا يؤخذ به المقر مطلقا سواء رجع قبل القضاء بموجبه او بعد القضاء ولكن قبل الشروع فى الحد والتنفيذ بالفعل او بعد الشروع فيه ولكن قبل تمامه. فلا يحكم عليه بمقتضى الاقرار إن رجع قبل الحكم. ولا يقام عليه الحد ان كان رجوعه بعد الحكم وقبل إقامة الحد. ولا يتمم عليه الحد إن رجع بعد الشروع فيه وقبل إتمامه .. وذلك لاحتمال أن يكون صادقا فى انكاره ورجوعه فيكون كاذبا فى اقراره .. وذلك يورث شبهة فيه. والحد مما يدرأ بالشبهات .. ولانه يستحب للامام تلقين المقر الرجوع عن الاقرار كما لقن رسول الله ﷺ ماعزا حين أقر بالزنا بقوله: لعلك قبلت أو لمست أو غمزت. وقوله لمن رفع اليه بتهمة السرقة وأقر بها - ما اخالك سرقت - ولو لم يكن الرجوع مبطلا للاقرار بما ذكر من الزنا واشباهه لم يكن لتلقينه معنى ولا فائدة.
وانما شرع التلقين احتيالا لدرء الحد لقول النبى ﷺ : ادرؤا الحدود بالشبهات وقوله: ادرؤا الحدود ما استطعتم ..
الا أن الاقرار بالسرقة يصح الرجوع عنه بالنظر للقطع لكونه حق الله تعالى فلا يقطع اذا رجع ولا يصح الرجوع عنه بالنظر للمال المسروق لانه حق العبد فلا يسقط عنه ضمانه .. هذا بالنظر لحقوق الله تعالى الخالصة. اما بالنظر لحقوق العباد الخالصة كالدراهم والدنانير فى القرض والمعاملات المالية من أثمان المبيعات وضمان المتلفات وأروش الجنايات ونحو ذلك وبالنظر لما يشتمل على الحقين كحد القذف - فلا يصح الرجوع عن الاقرار فى ذلك لان غاية ما يحدثه الرجوع عنه وجود شبهة فى ثبوتها .. وهذه الحقوق تثبت مع الشبهة ..
ومنها الاقرار بالقصاص لانه حق العبد المحض فلا يحتمل الرجوع (١) ومن صور الرجوع عن الاقرار. ما اذا اقر بشئ معين كالدابة المعينة او الألف المعينة لشخص مع ذكر سبب الضمان ثم يعود ويقر بها لشخص آخر مع ذكر السبب ايضا وذلك مثل ان يقول: هذه الدابة أو هذه الالف وديعة فلان. لا بل وديعة فلان .. فيكون المقر به وهو الدابة او الالف للمقر له الاول لانه اقر له بها .. وقوله بعد ذلك: لا بل وديعة فلان رجوع عما أقر به للأول فلا يقبل منه .. وبما أنه أقر بها للثانى ولكنه اتلفها عليه باقراره بها للاول.
فيجب عليه مثلها للثانى ان كانت مثلية ..
وقيمتها ان كانت قيمية.
ومن صوره ما اذا أقر لشخص واحد بمالين من جنسين مختلفين بان قال لفلان على درهم بل دينار. أو لفلان عندى أردب قمح بل أردب شعير لزمه فى الاول درهم ودينار وفى الثانى أردب القمح واردب الشعير جميعا.
لان الغلط لا يقع فى الجنس المختلف عادة
стр. 7388
فرجوعه عن الاقرار الأول باطل لا يقبل منه واقراره الثانى صحيح فيعامل بهما معا.
وفى مذهب المالكية (١): أنه لو قال المقر لفلان على الف درهم من ثمن خمر او خنزير او ميتة أو حر مما لا يصح بيعه. فان صدقه المقر له فى قوله: من ثمن خمر مثلا فلا يصح الاقرار ولا يلزم المقر شئ اذا كان المقر له مسلما.
أما اذا كان ذميا كان له قيمة الخمر. وان لم يصدقه المقر له وانكر انه من ثمن خمر بل قال أنه من ثمن عبد أو دار يحلف المقر له أنها ليست من ثمن خمر فان حلف صح الاقرار ولزمت الالف المقر بها المقر. لانه لما أقر بالالف شغلت ذمته بها فتلزمه. فبعد قوله بعد ذلك من ثمن خمر ندما على الاقرار ورجوعا عنه فلا يقبل منه. وان نكل المقر له عن الحلف وكان مسلما لم يصح الاقرار ولم يلزم المقر شئ. وان كان ذميا كان له قيمة الخمر لا الالف.
ولو قال: لفلان على الف من ثمن عبد اشتريته منه ولكنى لم أقبضه. وقال المقر له بل قبضته. يصح الاقرار ويلزم المقر ما أقر به. وبعد قوله - لم أقبضه - ندما ورجوعا عن الاقرار فلا يقبل منه وهذا صريح وقاطع فى ان الندم على الاقرار والرجوع عنه من المقر لا يقبل منه - وهذا فى الحقوق المالية التى هى فى حقوق العباد وكما هو واضح من الأمثلة.
وجاء فى التبصرة (٢): فإن أقر على نفسه وهو رشيد طائع بمال أو قصاص لزمه.
ولا ينفعه الرجوع. وإن أقر بما يوجب عليه الحد كالزنا والسرقة فله الرجوع. ولكن يلزمه الصداق والمال .. فالمالكية كالحنفية يجيزون الرجوع عن الاقرار فى الحدود الخالصة لله تعالى التى تسقط بالشبهة ويمنعونه فى غير ذلك.
وفى مذهب الشافعية (٣): ولو قال:
هذه الدار لزيد بل لعمرو أو هذه الدار غصبتها من زيد بل غصبتها من عمرو سلمت لزيد اذ من تعلق حقه بشئ بمقتضى اقرار أحد به لم يملك المقر الرجوع عنه سواء أقال ذلك متصلا بما قبله أم منفصلا عنه وان طال الزمن .. ويغرم المقر قيمة العين المقر بها لعمرو على الاظهر لانه حال بين عمرو وبين ملكه باقراره لزيد. والحيلولة سبب الضمان كما لو غصب عمدا فأبق من يده حيث يضمن قيمته لمالكه .. والثانى لا يغرم لعمرو شيئا لان الاقرار له صادف ملك الغير فلا يلزمه به شئ كما لو قال: الدار التى بيد زيد ملك لعمرو حيث لا يلزمه بهذا الاقرار شئ لعمرو لانه صادف ملك الغير وهذا صريح فى عدم جواز الرجوع فى الاقرار الصحيح الذى تعلق به حق الغير. ولكن ذلك فى
стр. 7389
حقوق العباد كما هو ظاهر من الأمثلة .. (١)
وكل من أقر بشئ ثم رجع عنه لم يقبل منه إلا فى حدود الله تعالى .. قلت ويضم إلى ذلك ما إذا أقر الأب بعين للابن فإنه يقبل رجوعه كما صححه النووى فى فتاواه.
وفى مذهب الحنابلة: نقلنا فى الفقرة السابقة - دعوى الكذب فى الاقرار - عن كشاف القناع وعن المغنى لابن قدامه النص على عدم جواز رجوع المقر عن إقراره لتعلق حق المقر له بالمقر به الا حقا كان حدا لله تعالى فيقبل رجوعه عنه لأن الحد يدرأ بالشبهة .. وأما حقوق الآدميين وحقوق الله التى لا تدرأ بالشبهات كالزكاة والكفارات فلا يقبل رجوع المقر عن الإقرار بها.
وفى مذهب الظاهرية نقلنا فى تلك الفقرة ايضا عن ابن حزم فى المحلى النص القاطع فى عدم جواز رجوع المقر عن اقراره مطلقا حتى فى حدود الله الخالصة التى تدرأ بالشبهات.
وفى مذهب الزيدية: نقلنا عن شرح الازهار والتاج المذهب النص على عدم جواز الرجوع عن الاقرار الا فى حق الله الخالص الذى يسقط بالشبهة كحد الزنا وشرب الخمر والقطع فى السرقة فانه يصح الرجوع عن الاقرار فيها ويسقط الحد فى الجميع. ولكن لا يصح الرجوع عن الاقرار بالنظر للمال فى السرقة ومن ثم يجب فيه الضمان ولا يسقط. اما حقوق الله التى لا تسقط بالشبهة وحقوق العباد لا يصح الرجوع عن الاقرار فيها.
ولا يجوز الرجوع عنه إذ هو خبر ماض إلا فى حق الله تعالى لأنه يسقط بالشبهة (٢).
قبول الاقرار ورده:
يقول الحنفية: ان الاقرار لا يتوقف على قبول المقر له بل يثبت حكمه ويترتب عليه أثره سواء قبل المقر له او لم يقبل. الا فى الاقرار كالنسب فى احد نوعية وهو الذى يثبت فيه النسب بمجرد الاقرار. وهو الاقرار بنسب لا يتضمن تحميل النسب على الغير.
فانه يشترط فيه تصديق المقر بنسبه للمقر فى اقراره ان كان فى يد نفسه بأن كان بالغا أو صبيا مميزا. فلو كان فى يد غيره فان كان صبيا غير مميز لم يحتج الى تصديقه .. والا اذا كان الاقرار فيه تمليك مال ولو من وجه فانه يتوقف على قبول المقر له اذ لا يمكن دخول شئ فى ملك الشخص بدون رضاه الا فى الميراث .. وفيما عدا هاتين الحالتين لا يتوقف الاقرار على قبول المقر له. ولكنه قد يرده .. فاذا رد المقر له الاقرار فى كل المقر به بطل حكم الاقرار فى الكل - كما اذا قال المقر للمقر له: لك على الف درهم فقال المقر له لا شئ لى عليك. فانه يرتد فى الكل واذا رد فى البعض فان قال: ليس لى عليك الا خمسمائة درهم. ارتد الاقرار فيما رد فيه وهو خمسمائة. وبقى فيما وراءه وليس كل اقرار يرتد بالرد بل هناك امور لا يرتد فيها الاقرار بالمرد ولا يبطل بل يبقى حكمه. واذا رجع المقر له وقبل الاقرار بعد الرد يصح وهذه الأمور هى:
стр. 7390
(١) الاقرار بالحرية: فاذا أقر رجل بحرية عبده ثبتت حريته وإن كذبه العبد فى الاقرار ورده. ولو رجع العبد بعد التكذيب وصدق سيده فى الاقرار بحريته يصح ويقبل منه.
(٢) الاقرار بالنسب فيما يصح الاقرار به وهو ما لا يتضمن تحميل النسب على الغير:
يتوقف على قبول المقر بنسبه وتصديقه اذا كان اهلا للتصديق كما ذكرنا. ولا يرتد برده.
فاذا كذب المقر بنسبه المقر فى اقراره ثم عاد فصدقه صح وثبت النسب بالاقرار بدون حاجة الى اعادة الاقرار ثانيا.
(٣) الاقرار بمولى العتاقة: لا يبطله الرد والتكذيب من المقر له حتى لو عاد المقر له وصدق المقر فى اقراره بعد تكذيبه صح.
(٤) الاقرار بالرق: فاذا أقر شخص بأنه عبد رقيق لفلان مع توفر شروط صحة الاقرار بالرق. فكذبه المقر له فى الاقرار ثم عاد فصدقه صح الاقرار وكان للمقر له ان يمتلكه.
(٥) الاقرار بالطلاق: فاذا أقر رجل بأنه طلق زوجته وكذبته المرأة فى هذا الاقرار عمل باقرار الرجل فى اعتبارها مطلقة ولم ينظر الى تكذيبها.
(٦) الاقرار بالعتق: فاذا أقر رجل بأنه أعتق عبده وكذبه العبد فى هذا الاقرار لم ينظر الى تكذيبه وأصبح العبد حرا بمقتضى اقرار سيده.
(٧) الاقرار بالوقف: فاذا أقر رجل بدار تحت يده انها وقف على فلان ثم من بعده على أولاده. ثم من بعدهم على الفقراء. فرد فلان هذا الاقرار وكذب المقر فيه لم يبطل الاقرار بالموقف بهذا الرد بل تبقى الدار وقفا رغم هذا الرد بحيث لو عاد المنكر وصدق المقر فى اقراره بالوقف أخذ نصيبه فيه بدون احتياج الى اقرار جديد بالوقف ومادام المنكر مصر على الرد يكون نصيبه للفقراء.
(٨) الاقرار بالنكاح: فلو أقر رجل بنكاح امرأة فكذبته فى اقراره وانكرت النكاح لم يبطل النكاح بهذا الرد بل يبقى بحيث اذا عادت وصدقته فى الاقرار ثبت النكاح بدون حاجة الى اقرار آخر جديد.
(٩) الاقرار بالارث لآخر: لا يرتد بالرد ولا يسقط الحق بالرد والتكذيب. الا بدرء الوارث ارثه من مورثه لا يعمل ولا يؤثر.
قال فى الدر المختار: والضابط فى ذلك.
ان ما فيه تمليك مال ولو من وجه يقبل الرد.
وما ليس فيه تمليك مال كابطال شفعة وطلاق وعتاق لا يقبل الرد .. وهذا ضابط حسن فليحفظ. وقال فى تكملة ابن عابدين: نقل العلامة عبد البر بن الشحنة عن تقويم الدبوسى الصدقة بالواجب اى الثابت فى الذمة اسقاط كصدقة الدين على الغريم وهبة الدين له.
فتتم له بغير قبول. وكذا سائر الاسقاطات تتم من غير قبول الا ان ما فيه تمليك مال من وجه قبل الارتداد بالرد. وما ليس فيه تمليك مال لم يقبل الرد كابطال حق الشفعة والطلاق ..
وهذا ضابط حسن فننبه له.
وفى كل موضع بطل الاقرار فيه بالرد اذا اعاد المقر بعد ذلك اقراره ثانية فصدقه المقر له صح الاقرار وكان للمقر له ان يؤاخذه به استحسانا لا قياسا .. وجه الاستحسان أنه يحتمل انه كذبه بغير حق لغرض من الاغراض