طالق غدا، فان أراد بقوله ذلك فتزوجها فهى طالق مكانها (١).
وجاء فى الشرح الصغير أن محل الطلاق ما ملك من عصمة، فان قال لأجنبية، أى غير متزوجة: ان تزوجتك أو تزوجتها فهى طالق، فمتى تزوجها وقع الطلاق، وذلك فى صريح التعليق على النكاح، أما غير الصريح فى التعليق على الزواج كقوله أن دخلت الدار فأنت طالق، ونوى أن فعلته بعد نكاحها فتزوجها ففعلته لزمه الطلاق، لنية التعليق (٢).
مذهب الشافعية:
قال الشافعية: خطاب الأجنبية بطلاق وتعليقه كذلك بنكاح كان تزوجتها فهى طالق وكقوله لأجنبية: ان دخلت الدار فأنت طالق، فتزوجها ثم دخلت لغو للاجماع فى المنجز، وللخبر الصحيح «لا طلاق الا بعد نكاح».
ومحل هذا الخبر على المنجز يرده ما رواه الدارقطنى، قلت: يا رسول الله، ان أمى عرضت على قريبة لها فقلت هى طالق ان تزوجتها.
فقال ﷺ : «هل كان قبل ذلك ملك؟».
قلت: لا.
قال: «لا بأس».
وما روى من أن رسول الله ﷺ سئل عن رجل قال: يوم أتزوج فلانة فهى طالق؟
فقال ﵊: «طلق ما لا يملك» (٣).
مذهب الحنابلة:
قال الحنابلة: اذا قال لامرأته وأجنبية احداكما طالق، طلقت امرأته لأنه لا يملك طلاق غيرها، ولأنه ازالة ملك أشبه ما لو باع ماله ومال غيره صح فى ماله دون غيره. وان قال لأجنبية: أنت طالق ان قمت. فتزوجها ثم قامت لم تطلق بغير خلاف نعلمه» (٤).
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم الظاهرى: وطلاق الأجنبية باطل (٥).
مذهب الزيدية:
قال الزيدية: لو طلق أجنبية بغير اذن زوجها فان الطلاق لا يقع، ومن قال لامرأة قبل أن يتزوجها أنت طالق ثم تزوجها فانها لا تطلق اجماعا لقول رسول الله ﵌: «لا طلاق قبل نكاح» وكذا لو قال: ان دخلت الدار فأنت طالق ثم تزوجها فانها لا تطلق بدخول الدار اجماعا، أما اذا قال لأجنبية: ان تزوجتك
стр. 772
فأنت طالق فمذهب الهادى والقاسم والناصر أنه لا يصح، وفى أحد قولى المؤيد بالله أنه يصح» (١).
مذهب الإمامية:
قال الإمامية: ولا يقع الطلاق من الأجنبى لأنهم يعتبرون فى المطلقة الزوجية فلا يقع بالأجنبية وان علقه على النكاح (٢).
مذهب الإباضية:
قال الإباضية: ومن حلف بالطلاق لغير زوجته ألا يمسها ثم تزوجها فمسها فلا تطلق (٣).
الأجنبى وتغسيل الميت
مذهب الحنفية:
قال الأحناف: من شرط الغاسل للميت أن يحل له النظر الى المغسول فلا يغسل الرجل المرأة ولا المرأة الرجل ولو كان مجبوبا أو خصيا، وأما الخنثى المشكل المراهق اذا مات ففيه اختلاف، والظاهر أنه ييمم، واذا ماتت المرأة فى السفر بين الرجال ييممها ذو رحم محرم منها وان لم يكن ذو الرحم موجودا لف الأجنبى على يديه خرقة ثم ييممها ويغض بصره عن ذراعيها لا فرق بين الشابة والعجوز، والزوج فى امرأته أجنبى الا فى غض البصر وان كانت الميتة أمة يممها الأجنبى بغير ثوب، وكذا اذا مات رجل بين النساء فان وجدت ذات رحم محرم منه أو أمته يممته بغير ثوب، وكذلك الزوجة عند فقد الماء، فان لم توجد ذات رحم محرم منه ولا زوجته ولا أمته يممته الأجنبية بثوب، أما الصبى والصبية اللذين لا يشتهيان فيغسلهما الرجال والنساء (٤).
وجاء فى فتح القدير أن الزوج يعتبر أجنبيا من امرأته بعد موتها، وكذلك تعتبر الأمة أجنبية من سيدها بعد موته، وعلى ذلك فلا يجوز لتزوج أو السيد تغسيلهما لأنهما صارتا أجنبيتين بعد الموت، وخالف زفر فى الأمة.
أما اذا مات الزوج فلا تعتبر الزوجة أجنبية منه الا بعد عدة الوفاة، ولذلك يجوز لها أن تغسله ولو كانت محرمة أو صائمة أو مظاهرا منها الا أن تكون معتدة عن نكاح فاسد، بأن تزوجت المنكوحة ففرق بينهما وردت الى الأول فمات وهى فى عدة النكاح الفاسد فلا تغسله.
وهذا بخلاف السيد اذا مات فلا يجوز للأمة أن تغسله لأنه صار أجنبيا لها ولا يحتج بالعدة لأن عدتها للاستبراء لا من حقوق الوصلة الشرعية بخلاف عدة الزوجة وكذلك لو بانت الزوجة قبل موته بسبب من الأسباب كأن ارتدت أو كانت قد مكنت ابنه منها فلا تغسله حتى ولو كانت فى العدة.
ولو ارتدت بعد موته فأسلمت قبل
стр. 773
غسله فلا تغسله خلافا لزفر فى هذا حيث يقول: الردة بعد الموت لا ترفع النكاح لارتفاعه بالموت، وقد زال المانع بالاسلام فى العدة بخلافها قبله، ولو كان الزوجان مجوسيين فأسلم الزوج ولم تسلم الزوجة حتى مات الزوج فلا تغسله، فان أسلمت غسلته خلافا لأبى يوسف .. هكذا ذكر فى المبسوط وذكر أيضا مثله فى من وطئ أخت زوجته بشبهة حتى حرمت عليه زوجته الى أن تنقضى عدة الموطوءة فمات الزوج فانقضت العدة فلا تغسله زوجته، واذا لم يكن للرجل زوجة ولا رجل يغسله فلا تغسله بنته ولا أحد من ذوات محارمه بل تيممه احداهن أو أمته (١).
مذهب المالكية:
قال المالكية: اذا غسلت الأجنبية الرجل سترت جسده، وقيل تستر عورته فقط، وفى رأى لمالك أنه اذا مات الرجل وليس معه رجال ولا نساء من محارمه فلا تغسله الأجنبية، وانما تيمم وجهه ويديه الى المرفقين، وفى المرأة اذا لم يكن معها ذو محرم فالأجنبى ييمم وجهها ويديها الى الكوعين على ما قاله مالك، أما ذو المحرم فيغسلها من فوق ثوبها (٢).
مذهب الشافعية:
قال الشافعية: ان ماتت امرأة ولم يكن لها زوج غسلها النساء وأولاهن ذات رحم محرم ثم ذات رحم غير محرم ثم الأجنبية، فان لم يكن نساء غسلها الأقرب فالأقرب من الرجال.
ومن هذا يستفاد أن القريب وان لم يكن محرما يغسل قريبه وقريبته، وأما بالنسبة للأجنبى الذى ليس بذى رحم فقد قالوا:
ان مات رجل وليس هناك الا امرأة أجنبية أو ماتت امرأة وليس هناك الا رجل أجنبى ففيه ثلاثة أوجه أصحها عند الجمهور ييمم ولا يغسل، والثانى يجب غسله من فوق ثوب ويلف الغاسل على يده خرقة ويغض طرفه ما أمكنه، فان اضطر الى النظر نظر قدر الضرورة، والثالث لا يغسل ولا ييمم بل يدفن بحاله وهو ضعيف جدا بل باطل ومنه يفهم حكم الأجنبى (٣).
مذهب الحنابلة:
قال الخرقى: ان دعت الضرورة الى أن يغسل الرجل زوجته فلا بأس يعنى أنه يكره له غسلها مع وجود من يغسلها سواه لما فيه من الخلاف والشبهة، ولا يريد بذلك أن غسله اياها محرم، اذ لو كان محرما لم تبحه الضرورة كغسل الرجل ذوات محارمه والأجنبيات، ومنه يفهم أن الرجل لا يغسل الا زوجته أما ذوات المحارم والأجنبيات فلا يغسلهن، وكذلك العكس، ويجوز أن يغسل الأجنبى أجنبيا والأجنبية أجنبية بعد الوصى والأب والابن والأقرب
стр. 774
فالأقرب من العصبات وذوى الأرحام على ترتيب الارث (١).
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم الظاهرى: لو مات رجل بين نساء لا رجل معهن أو ماتت امرأة بين رجال لا نساء معهم، فلا يغسل الرجل المرأة ولا المرأة الرجل الا على ثوب كثيف يصب الماء على جميع الجسد دون مباشرة اليد، وهذا اذا لم تكن فى النساء زوجته أو لم يكن بين الرجال زوجها فهما أولى بالتغسيل (٢).
مذهب الزيدية:
قال الزيدية: يجب أن يكون الغاسل عدلا من جنس الميت ان كان رجلا فرجل أو كان أنثى فأنثى أو جائز الوط ء كالمرأة مع زوجها مع عدم الطلاق البائن بينهما، واذا مات ميت وتعذر حضور جنسه أو من له وطؤه كرجل بين نساء أو امرأة بين رجال، غسله محرمه ان أمكن حضوره كالأخ فى حق المرأة والأخت فى حق الرجل، وذلك بالدلك بيده لما يجوز له أن ينظره، فالأخت تدلك أخاها ما عدا ما بين السرة والركبة والأخ يدلك منها ما عدا بطنها وظهرها والعورة المغلظة، ويكفى الصب على العورة التى لا يجوز لمسها على أن تكون مستترة ثم اذا لم يوجد محرم لذلك الميت مع تعذر حضور الجنس وحضور أحد الزوجين غسلها أجنبى أو غسلته أجنبية بالصب على جميعه، ولا يجوز الدلك لشئ من الميت لا بحائل ولا غيره، ويجب أن يكون هذا الصب مستترا (٣).
مذهب الأمامية:
وقال الأمامية بوجوب المماثلة بين الغاسل والمغسول ذكورة وأنوثة واستثنوا الزوج والزوجة والمحارم بنسب أو رضاع والمولى والأمة اذا لم تكن مزوجة ولا فى عدة الغير ولا مبعضة ولا مكاتبة فيجوز للمولى تغسيلها، وتغسيل الأمة مولاها فيه أشكال، فغير الزوجة والمحارم والأمة - على الخلاف - من النساء أجنبيات بالنسبة للرجل وبالنسبة للمرأة يكون الأجنبى هو غير الزوج وغير المحارم من الرجال (٤).
مذهب الإباضية:
ذهب الإباضية الى مثل ما ذهب اليه الأمامية على خلاف فى الأرجح، فقالوا:
يغسل الرجل برجال والمرأة بنساء اتفاقا، وهل تغسل منفردة مع رجال ليس فيهم زوجها من فوق ثوب كعكسه مطلقا، أو يتيمم لها وهو الأصح، أو تغسل المرأة محرمها غير فرجيه لا عكسه، خلاف.
وفى المشكل أقوال أحسنها التيمم له (٥).
стр. 775
الهبة للأجنبى
وجواز الرجوع فيها
مذهب الحنفية:
قال الأحناف: من وهب لأجنبى شيئا فله حق الرجوع فيه لما روى عن أبى هريرة رضى الله عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها» أى بعوض. فجعل رسول الله ﷺ الواهب أحق بهبته ما لم يصل اليه العوض (١).
مذهب المالكية:
لو وهب لأجنبى هبة والواهب غنى والموهوب له فقير ثم قال بعد ذلك الواهب انما وهبتها للثواب لم يصدق على ذلك ولم يكن له أن يرجع فى هبته، وهذا قول مالك: وقال: وان كان فقيرا فوهب لغنى وقال: انما وهبتها للثواب، فان هذا يصدق ويكون القول قوله، فان أثابه والا رد عليه هبته، وان كانا غنيين أو فقيرين فوهب أحدهما لصاحبه هبة ولم يذكر الثواب حين وهب له ثم قال بعد ذلك الواهب انما وهبتها له للثواب وكذبه الآخر، قال مالك: لا أرى لمن وهب لفقير ثوابا وان كان فقيرا اذا لم يشترط فى أصل الهبة الثواب، وأما غنى وهب لغنى فقال انما وهبتك للثواب فالقول قول الواهب ان أثيب من هبته والا رجع فى هبته (٢).
مذهب الشافعية:
قال الشافعية: الهبة للأجنبى جائزة ولا يجوز الرجوع فيها للخبر وهو: «لا يحل لرجل أن يعطى عطية أو يهب هبة فيرجع فيها الا الوالد فيما يعطى ولده» رواه الترمذى والحاكم وصححاه (٣).
مذهب الحنابلة:
قال الحنابلة: لا يحل للواهب أن يرجع فى هبته وان لم يثبت عليها، يعنى وان لم يعوض عنها، فمن وهب لأجنبى شيئا فلا يجوز له الرجوع فى هبته لقول النبى ﷺ : «لا يرجع واهب فى هبته الا الوالد فيما يعطى ولده» (٤).
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم الظاهرى: بجواز الهبة للأجنبى ولا عبرة بالحيازة وانما تتم الهبة بالتلفظ، ويلزم الواهب رد ما استغل منها سواء فى حياته ومن رأس ماله بعد وفاته، ولا يجوز الرجوع فيها أصلا بالنسبة للأجنبى (٥).
مذهب الزيدية:
قال الزيدية بجواز الهبة للأجنبى، ولا يجوز الرجوع فيها بالنسبة له ما لم يفعلها لغرض غير قصد القربة فيصح الرجوع حينئذ، لقوله ﵊: «من
стр. 776
وهب لذى رحم محرم هبة فليس له أن يرجع فيها، ومن وهب لغير ذى رحم فله أن يرجع الا أن يثيبه عليها».
وروى أن عمر قال: من وهب هبة لصلة رحم أو على وجه صدقة فانه لا يرجع فيها ومن وهب هبة يعلم أنه أراد بها الثواب فهو على هبته يرجع فيها ان لم يرض منها (١).
مذهب الإمامية:
قال الإمامية بجواز الهبة للأجنبى والرجوع فيها مع قيوده، فقالوا: يرجع فى هبة الأجنبى ما دامت العين باقية ما لم يعوض عنها، وفى الرجوع مع التصرف فى العين قولان: أشبههما الجواز (٢).
مذهب الإباضية:
قال الإباضية: تصح الهبة للأجنبى ولا يصح الرجوع فيها، لحديث «لا يحل الرجوع فى الهبة إلا الوالد، والراجع فيها كالراجع فى القيئ، والرجوع فى القيئ حرام. وعن عبد الله بن عباس رحمهما الله، وابن عمر: لا يحل لأحد أن يهب هبة فيعود فيها الا الوالد لولده (٣).
الأجنبى والاطلاع
على بيوت الغير
منع الفقهاء الاطلاع على بيوت الغير وان كانوا جيرانا، مستدلين بقول الرسول ﷺ فيما رواه سهل بن سعد قال: اطلع رجل فى جحر من حجرة رسول الله ﷺ ، ومع النبى ﷺ مدرا يحك به رأسه، فقال النبى ﷺ :
«لو علمت أنك تنظر لطعنت به عينك، انما جعل الاستئذان من أجل البصر».
واختلفوا .. هل له أن يصيبه قبل أن ينهاه بالكلام أو لا؟
ولهم فى ذلك فروع وتفاصيل فى طريقة النظر والناظر ..
مذهب الحنفية:
قال الأحناف: اذا كان بين رجلين دار قسماها وقال أحدهما نبنى حاجزا بيننا ليس على الآخر اجابته فان كان أحدهما يؤذى الآخر بالاطلاع عليه كان للقاضى أن يأمر ببنائه يتخارجان نفقته بقدر حصة كل منهما.
ونظيرها فى فتاوى أبى الليث: رجل فى داره شجرة، فاذا ارتقاها يطلع على عورات الجار، يمنعه القاضى منه اذا رآه.
وقال الصدر الشهيد فى واقعاته: المختار أن المرتقى يخبرهم وقت الارتقاء مرة أو مرتين حتى يستروا أنفسهم لأن هذا جمع بين الحقين.
وذكر أبو الليث فى فتاواه: حجرة سطحها وسطح جاره متساويان فأخبر جاره حتى يتخذ حائطا بينه وبين جاره ليس له ذلك فلو أراد أن يمنعه من الصعود حتى
стр. 777
يتخذ سترة ان كان اذا صعد يقع بصره فى دار جاره فله المنع (١).
مذهب المالكية:
قال المالكية: من أراد الصعود على النخلة لأخذ تمرها أو تقليمها فقيل ينذر الراقى عليها وجوبا، وقيل ندبا، بطلوعه ليستتر الجار (٢).
مذهب الشافعية:
قال الشافعية: ان اطلع رجل أجنبى فى بيته على أهله فله أن يفقأ عينه لما روى سهل بن سعد فى الحديث السابق ذكره.
وان اطلع عليه من باب مفتوح أو كوة واسعة فان نظر وهو على اجتيازه لم يجز رميه. لأن المفرط صاحب الدار بفتح الباب وتوسعة الكوة. وان وقف وأطال النظر، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يجوز له رميه لأنه مفرط فى الاطلاع فأشبه اذا أطلع من ثقب.
والثانى: أنه لا يجوز له رميه وهو قول القاضى أبى القاسم العمرى لأن صاحب الدار مفرط فى فتح الباب وتوسعة الكوة (٣).
مذهب الحنابلة:
قال الحنابلة: من اطلع فى بيت انسان من ثقب أو شق باب أو نحوه فرماه صاحب البيت بحصاة أو طعنه بعود فقلع عينه لم يضمنها مستدلين على ذلك بما سبق، فأما ان ترك الاطلاع ومضى لم يجز رميه لأن النبى ﷺ لم يطعن الذى اطلع ثم انصرف لأنه ترك الجناية، والأولى أنه لا يجوز حذف من نظر من باب مفتوح لأن التفريط من تارك الباب مفتوحا (٤).
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم الظاهرى: أما الاطلاع فمنعه واجب لما روينا عن طريق البخارى حدثنا سفيان بن عيينة حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة قال: قال أبو القاسم ﷺ : «لو أن امرءا اطلع عليك بغير اذن فحذفته بعصا ففقأت عينه لم يكن عليك جناح» (٥).
مذهب الزيدية:
قال الزيدية: يحرم تطلع من الجدران وخروق الأبواب لقول رسول الله ﵌ من اطلع فى دار قوم من غير أذنهم ففقأوا عينه فقد هدرت، ويستأذن على من خلف باب أو فى خيمة لا فى عرصة مكشوفة لقول رسول الله ﵌: «انما جعل الاستئذان من أجل النظر» ويستأذن من عن يمين الباب لا مقابلا لفعل رسول الله ﵌ (٦).
стр. 778
مذهب الإمامية:
قال الإمامية: لو اطلع على عورة قوم ولو الى وجه امرأة ليست بمحرم للمطلع، فلهم زجره، فان امتنع وأصر على النظر جاز لهم رميه بما يندفع به فان فعلوا فرموه بحصاة ونحوها فجنى عليه كان هدرا، ولا فرق بين المطلع من ملك المنظور وغيره حتى الطريق وملك الناظر (١).
مذهب الإباضية:
قال الإباضية: من حق الجار على جاره ألا يتطلع من السطح الى عوراته وان أراد السطح لحاجة كاصلاحه أعلمه ليستتر وان كان يشرف عليه وكذا يغض بصره عن حرمته ولا يديم النظر الى خادمه.
واستدلوا بحديث رسول الله ﷺ : «من ستر على مؤمن ستر الله عليه فى الدنيا والآخرة. ومن تتبع عورات أخيه المسلم تتبع الله عوراته. ومن تتبع عوراته يفضحه الله ولو كان فى جوف بيت» (٢).
الوصية للأجنبى
اشراكه مع الورثة فيها
مذهب الحنفية:
قال الأحناف: تصح الوصية للأجنبى فى حدود الثلث من غير اجازة الورثة لقول رسول الله ﷺ : «ان الله تعالى تصدق عليكم بثلث أموالكم فى آخر أعماركم زيادة لكم فى أعمالكم تضعونها حيث شئتم، أو قال حيث أحببتم» ولم يقيد النبى ﷺ هنا باجازة الورثة. أما الوصية بما زاد على الثلث فلا تنفذ الا اذا أجازها الورثة بعد موته، وهم من أهل التبرع، ولا تعتبر اجازتهم فى حال حياته لأنها قبل ثبوت الحق (٣).
وكذلك تنفذ فيما زاد على الثلث اذا لم يكن للموصى وارث ما.
والأجنبى فى باب الوصية من ليس وارثا بالفعل وقت موت الموصى، وان قام به سبب الارث، فاذا أوصى لامرأة أجنبية وهو مريض أو صحيح ثم تزوجها فلا يصح لأنها زوجته وهى وارثة عند موته (٤).
وجاء فى البدائع: ولو أوصى بثلث ماله لبعض ورثته ولأجنبى فان أجاز بقية الورثة جازت الوصية لهما جميعا. وكان الثلث بين الأجنبى وبين الوارث نصفين وان ردوا جازت فى حصة الأجنبى وبطلت فى حصة الوارث.
قال بعض الناس: يصرف الثلث كله الى الأجنبى لأن الوارث ليس بمحل للوصية فالتحقت الاضافة اليه بالعدد (٥).
مذهب المالكية:
قال المالكية: جازت الوصية لأجنبى فى حدود الثلث وبطلت لوارث مطلقا كما تبطل
стр. 779
للأجنبى بزائد عن الثلث، وان أجازها الورثة فابتداء عطية منهم لا تنفيذ لوصية الموصى. ولا بد فيها من حيازة قبل حصول مانعها، وكون المجيز من أهل التبرع، ولا بد فيها من قبول الموصى له خلافا لابن القصار وابن العطار القائلين بأن اجازة الورثة تنفيذ وليست ابتداء عطية، وعلى هذا القول لا تحتاج الى قبول أو حيازة (١).
مذهب الشافعية:
قال الشافعية: تحوز الوصية للأجنبى فيما زاد على الثلث اذا أجاز الورثة، والمراد بالأجنبى من ليس وارثا، والعبرة فى كونه وارثا بيوم الموت أى وقته، فلو أوصى لأخيه فحدث له ابن قبل موته فتعتبر وصية لأجنبى (٢).
مذهب الحنابلة:
قال الحنابلة: لا تجوز وصية ممن له وارث لأجنبى بزائد عن ثلث ماله الا مع اجازة وارث بعد الموت والوصية بالثلث فما دونه لأجنبى تلزم بلا اجازة، واذا أجاز ورثته ما زاد على الثلث لأجنبى فانها تنفذ أى الوصية وتجوز الوصية بالكل ممن لا وارث له لأن المنع فيما زاد على الثلث لحق الوارث فاذا عدم زال المانع (٣).
وقال فى المغنى: اذا أوصى لوارثه وأجنبى بثلثه فأجاز سائر الورثة وصية الوارث فالثلث بينهما، وان وصى لكل واحد منهما بمعين قيمتهما الثلث فأجاز سائر الورثة وصية الوارث جازت الوصية لهما وان ردوا بطلت وصية الوارث فى المسألتين وللأجنبى السدس فى الأولى والمعين الموصى له به فى الثانية.
وان كان فى الوصيتين بثلثى ماله فأجاز الورثة لهما جازت لهما، وان عينوا نصيب الوارث بالرد وحده، فللأجنبى الثلث كاملا لأنهم خصوا الوارث بالابطال، فالثلث كله للأجنبى وسقطت وصية الوارث فصار كأنه لم يوص له وان أبطلوا الزائد عن الثلث من غير تعيين نصيب أحدهما، فالثلث الباقى بين الوصيين لكل واحد منهما السدس.
واختار أبو الخطاب أن الثلث جميعه للأجنبى، ولو أوصى لامرأة أجنبية أو أوصت له ثم تزوجها لم تجز وصيتهما الا باجازة من الورثة، وان أوصى أحدهما للآخر ثم طلقها جازت الوصية لأنه صار غير وارث الا أنه ان طلقها فى مرض موته فقياس المذهب أنها لا تعطى أكثر من ميراثها لأنه يتهم فى أنه طلقها ليوصل اليها ماله بالوصية فلم ينفذ لها ذلك كما لو طلقها فى مرض موته أو وصى لها بأكثر مما كانت ترث (٤).
مذهب الظاهرية:
يقول ابن حزم الظاهرى: اذا أوصى لمن أمر الله بالوصية لهم وهم قرابته الذين لا يرثون لم ينه عن الوصية لغيرهم فقد أدى
стр. 780
ما أمر به وله أن يوصى بعد ذلك بما أحب (١).
مذهب الزيدية:
قال الزيدية: تصح الوصية ان لا يرث اجماعا (٢).
والوصية بثلث المال جائزة وتعم المنقول والعقار والدين فى ذمة الغير، فان كانت لمعين كمسجد أو آدمى أو نحو ذلك صار المعين شريكا للورثة فى كل المال المنقول وغيره اذا صار مستحقا لجزء مشاع فيه كأحدهم فلا يجوز للورثة أن يعطوه من نوع واحد الا برضاه (٣).
والوصية بما زاد على الثلث صحيحة موقوفة على الاجازة عند الامام يحيى وهو المذهب والعبرة فى تقدير الثلث بالنسبة للتركة انما هو وقت الموت (٤).
مذهب الإمامية:
قال الإمامية: تصح الوصية للأجنبى ولو كان ذميا، قال فى الروضة البهية:
تصح الوصية للذمى وان كان أجنبيا، بخلاف الحربى وان كان رحما. ثم قال:
ولو كان له ابن وبنت وأوصى لأجنبى بمثل نصيب البنت، فللموصى له ربع التركة وان أوصى له بمثل نصيب الابن فقد أوصى له بخمس التركة فيتوقف الزائد عن الثلث على اجازتهما (٥).
مذهب الإباضية:
قال الإباضية: وان خص الموصى بالوصية أجنبيا فللأقرب رد ثلثيها منه وقيل لا يرد مطلقا (٦).
الاقرار للأجنبى
مذهب الحنفية:
قال الأحناف: على ما جاء فى البدائع:
اقرار المريض مرض الموت بالدين للغير لا يخلو من أحد وجهين: اما أن يقر به لأجنبى أو لوارث، فان أقر به لأجنبى فان لم يكن عليه دين ظاهر معلوم فى حالة الصحة يصح اقراره من جميع التركة استحسانا والقياس ألا يصح الا فى الثلث، ووجه القياس أن حق الورثة بما زاد على الثلث متعلق ولهذا لم يملك التبرع بما زاد على الثلث. لكنا تركنا القياس بالأثر، وهو ما روى عن ابن سيدنا عمر رضى الله تعالى عنهما أنه قال: اذا أقر المريض بدين لأجنبى جاز ذلك من جميع تركته ولم يعرف له فيه من الصحابة مخالف فيكون اجماعا ولأنه فى الاقرار للأجنبى غير متهم فيصح.
стр. 781
وان أقر لأجنبى وعليه دين معروف فى الصحة صح اقراره وقدم دين الصحة على دين المرض فى الوفاء لأنه اقرار فلا يتعدى الى غرماء الصحة.
ويصح كذلك اقرار الصحيح للأجنبى من جميع المال لانعدام تعلق حق الورثة بماله فى حالة الصحة بل الدين فى الذمة.
وأما اقرار المريض باستيفاء دين وجب له على غيره فاما أن يقر به على وارث أو على أجنبى.
فان أقر باستيفاء دين وجب له على أجنبى، فاما أن يكون فى حال الصحة أو حال المرض، فان كان فى حال الصحة يصح ويصدق فى اقراره بالاستيفاء حتى يبرأ الغريم عن الدين، وان أقر باستيفاء دين وجب له فى حالة المرض، فان وجب بدلا عما هو مال لم يصح اقراره، وان وجب بدلا عما ليس بمال صح اقراره.
ولو أقر المريض لامرأة أجنبية بدين ثم تزوجها جاز اقراره (١).
ولو أقر بعين لأجنبى فباعه الأجنبى من وارث المقر أو وهبه له أو تصدق به عليه كان الاقرار صحيحا، ولو أقر المريض بعبد فى يديه أنه لأجنبى فقال الأجنبى بل هو لفلان وارث المريض لم يكن لى فيه حق فهو اقرار باطل على قول لأبى يوسف، لأن المقر له لما حوله الى وارث المريض صار كأن المريض أقر لوارثه ابتداء، ولو أقر الأجنبى أن العبد حر الأصل وأن المريض كان أعتقه فى صحته عتق ولا شئ عليه.
مذهب المالكية:
قال المالكية: كل من أقر لوارث أو لغير وارث فى صحته بشئ من المال أو الدين أو البراءة أو قبض أثمان المبيعات فاقراره عليه جائز لا تلحقه فيه تهمة ولا يظن فيه توليج أى ادخال شئ بالكذب، والأجنبى والوارث فى ذلك سواء، واذا أقر المريض لأجنبى وهو صديق ملاطف أو مجهول حاله صح الاقرار ان كان لذلك المقر ولد أو ولد ولد والا فلا، وأما لو أقر لأجنبى غير صديق كان الاقرار لازما كان له ولد أم لا (٢).
مذهب الشافعية:
قال الشافعية: ويصح اقرار المريض مرض الموت لأجنبى بمال، عين أو دين، فيخرج من رأس المال بالاجماع، ولو أقر فى صحته بدين لشخص وفى مرضه بدين لشخص آخر لم يقدم الأول بل يتساويان كما لو أقر بهما فى الصحة أو المرض لأن من صح اقراره له فى الصحة صح اقراره فى المرض (٣).
مذهب الحنابلة:
قال الحنابلة: من أقر لأجنبى بدين فى مرضه وعليه دين ثبت ببينة أو اقرار فى صحته وكان فى المال سعة لهما فهما سواء وان ضاق المال عن قضائهما فظاهر كلام
стр. 782
الخرقى أنهما سواء وهو اختيار التميمى ونقل القاضى عن أحمد أنه اذا أقر وعليه دين يبينه فانه يبدأ بالدين الذى بالبينة وقال أبو الخطاب: لا يحاص غرماء الصحة أى لا يقاسمهم بالنسبة للمقر به له، بل يقدمون عليه.
وان أقر لوارث وأجنبى بطل فى حق الوارث وصح فى حق الأجنبى، ولو أقر لأجنبى فى مرضه بعين ثم أقر بدين أو عكسه بأن أقر بدين ثم أقر بعين فرب العين أحق بها من رب الدين لأن الاقرار بالدين يتعلق بالذمة، والاقرار بالعين يتعلق بذاتها، فتعلقه بالذات أقوى.
ويصح اقرار المريض بأخذ دين له من أجنبى لأنه اقرار لمن لا يتهم فى حقه، وان أقر المريض بدين أو عين لوارث وأجنبى صح الاقرار للاجنبى بغير اجازة (١).
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم الظاهرى: اقرار المريض فى مرض موته وفى مرض أفاق منه لوارث ولغير وارث نافذ من رأس المال كاقرار الصحيح ولا فرق لما روينا من طريق عبد الرازق حدثنا بعض أصحابنا عن الليث ابن سعد عن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر قال: اذا أقر المريض فى مرضه بدين لرجل فانه جائز، فعم ابن عمر ولم يخص، واتفق على أن اقرار الصحيح للوارث ولغير الوارث بالدين جائز من رأس المال كان له ولد أو لم يكن (٢).
مذهب الزيدية:
قال الزيدية: يصح اقرار المريض بما يتعلق بماله ولو زاد على الثلث، بل ولو استغرق جميع التركة واذا ادعى الورثة أو بعضهم أو أهل الدين ان اقرار المريض انما هو توليج ليدخل عليه النقص فالقول له، اذ الأصل عدم التوليج (٣).
ويشترط الزيدية لصحة الاقرار مصادقة المقر له فلو أقر لزيد بعين أو دين لم يصح ذلك الاقرار الا بأن يصادقه زيد عليه فلو كذبه بطل الاقرار، فلو صادقه بعد ذلك التكذيب فانه يصح الاقرار لأجل تلك المصادقة (٤).
مذهب الإمامية:
قال الإمامية: اقرار المريض من الثلث مع التهمة ولو اختلف المقر له والوارث فيها فعلى المدعى لها البينة وعلى منكرها اليمين، ويكفى فى يمين المقر له أنه لا يعلم التهمة لابتناء الاقرار على الظاهر، هذا مع موت المقر فى مرضه، فلو برئ من مرضه نفذ من الأصل مطلقا ولا فرق فى ذلك بين الوارث والأجنبى (٥).
стр. 783
مذهب الإباضية:
قال الإباضية: ان أقر بالغ عاقل على نفسه بدين أو بشئ معين من ماله أو تسمية منه جاز ولو فى مرض أو لوارث فى مرض أو صحة، وأصدق ما يكون الانسان عند الموت ان لم يسترب، وان استريب لم يحكم بما أقر به فى مرضه لوارث أو غيره ويتحاص الوارث المقر له وغير الوارث ولو كان ذلك فى مرض الموت.
ثم جاء فى شرح النيل: ومذهبنا أن الاقرار يصح لقريب وصديق وغيرهما فى صحة أو مرض الا أن استريب (١).
رد العارية مع أجنبى
مذهب الحنفية:
قال الأحناف: لو رد المستعير العارية مع عبده أو أجير مشاهرة أو مسانهة لا مياومة أو مع عبد المعير أو أجيره فضاعت لم يضمن وان ردها مع أجنبى ضمن، كذا فى الهداية (٢).
وجاء فى البحر الرائق أن المختار المفتى به جواز ايداع المستعير من الأجنبى وفى التعقيب على قوله ان رد المستعير الدابة مع عبده أو أجيره مشاهرة أو مع عبد رب الدابة أو أجيره برئ بخلاف الأجنبى قال: تعين أن تكون هذه المسألة محمولة على ما اذا كانت العارية مؤقتة فمضت مدتها ثم بعثها مع الأجنبى لأنه بالامساك بعد المدة يصير متعديا (٣) (انظر: عارية).
قبض الأجنبى للزكاة
مذهب الحنفية:
قال الأحناف: يجوز للأجنبى أن يقبض الزكاة المدفوعة لصبى فقير أو مجنون فقير اذا كان فى عياله - أى يكفله - لأنه فى معنى الولى فى قبض الصدقة لكونه نفعا محضا، وكذلك يملك قبض الهبة له ولا يجوز قبض الأجنبى للفقير البالغ العاقل الا بتوكيله لأنه لا ولاية له عليه، فلا بد من أمره.
وذكر فى العيون عن أبى يوسف أن من عال يتيما فجعل يكسوه ويطعمه وينوى به عن زكاة ماله يجوز (٤) (أنظر: زكاة).
الأجنبى واشتراط الخيار له
مذهب الحنفية:
يجيز الأحناف اشتراط الخيار لأحد المتعاقدين أولهما معا أو لغيرهما، لأن حكمة مشروعيته تقتضى ذلك، ولأن اشتراطه للغير - الأجنبى عن العقد - اشتراط لنفسه اذ يجعل غيره وكيلا عنه، ولذا لم يسقط حق العاقد نفسه فى الخيار.
وخالف فى جواز اشتراطه للأجنبى زفر وعلل لذلك بأن خيار الشرط من حقوق
стр. 784
العقد وهى تثبت للعاقد واشتراطهما ذلك للغير مفسد للعقد، ولأن هذا الشرط يتعلق بانفساخ العقد وابرامه، وينبغى ألا يكون ذلك بفعل الغير (١).
واذا اشترط أحدهما الخيار لأجنبى عن العقد فالأحناف، عدا زفر، يرون أن حق الخيار يثبت المشترط وللأجنبى (أنظر:
خيار الشرط).
يقول الزيلعى (٢): «لو شرط المشترى الخيار لغيره صح وأيهما أجاز أو نقض صح، فان أجاز أحدهما ونقض الآخر فالأسبق أحق وان كانا معا فى وقت واحد كان الفسخ أولى من الاجازة.
وفى رواية أخرى تصرف المالك أولى فسخا كان أو اجازة، لأن الأصل أقوى، اذ النائب يستفيد الولاية منه، فلا يصح أن يكون معارضا للأصل، ولأنه لما أقدم على التصرف كان عزلا منه بالفعل حكما.
مذهب المالكية:
قال المالكية: وجاز الخيار ولو كان لغير المتبايعين، والكلام فى امضاء البيع وعدمه لمن جعل له الخيار دون غيره من المتبايعين بخلاف المشورة كبعته واشتريته بكذا على مشورة فلان، فلمن علق على المشورة من المتبايعين الاستبداد بالامضاء أو الرد دون من علقت المشورة عليه، والفرق أن من علق الأمر على خيار غيره ورضاه قد أعرض من نفسه بالمرة ومن علق على المشورة لغيره فقد جعل لنفسه ما يقوى نظره فله أن يستقل بنفسه هذا هو الراجح (٣).
وذكر الصاوى فى بلغة السالك فى المسألة أقوالا أربعة:
الأول، وهو المعتمد: أنه لا استقلال له فى الخيار بائعا كان أو مشتريا.
والثانى: له الاستقلال.
والثالث: له الاستقلال فى الرضا وليس له الاستقلال فى الخيار.
والرابع: له الاستقلال ان كان بائعا فى الخيار والرضا وليس له ذلك ان كان مشتريا.
مذهب الشافعية:
قال الشافعية: وان شرط الخيار لأجنبى ففيه قولان.
أحدهما: لا يصح لأنه حكم من أحكام العقد، فلا يثبت لغير المتعاقدين.
والثانى: يصح لأنه جعل الى شرطهما للحاجة، وربما دعت الحاجة الى شرطه للأجنبى بأن يكون أعرف بالمتاع منهما فان شرطه للأجنبى وقلنا انه يصح فهل يثبت له؟ فيه وجهان:
أحدهما: يثبت له لأنه اذا ثبت للأجنبى من جهته فلأن يثبت له أولى.
والثانى: لا يثبت لأن ثبوته بالشرط فلا يثبت الا لمن شرط له (٤).
стр. 785
مذهب الحنابلة:
وان شرط الخيار لأجنبى صح وكان اشتراطا لنفسه وتوكيلا لغيره .. وهذا قول أبى حنيفة ومالك، وللشافعى فيه قولان: أحدهما لا يصح، وكذلك قال القاضى: اذا أطلق الخيار لفلان أو قال لفلان دونى لم يصح لأن الخيار شرط لتحصيل الحظ لكل واحد من المتعاقدين بنظره فلا يكون لمن لا حظ له فيه وان جعل الأجنبى وكيلا صح.
ثم قال: وان كان العاقد وكيلا فشرط الخيار لنفسه صح فان النظر فى تحصيل الحظ مفوض اليه وان شرطه للمالك صح لأنه هو المالك والحظ له وان شرطه لأجنبى لم يصح لأنه ليس له أن يوكل غيره ويحتمل الجواز بناء على الرواية التى تقول للوكيل التوكيل (١).
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم الظاهرى: كل بيع وقع بشرط خيار للبائع أو للمشترى أولهما جميعا أو لغيرهما خيار ساعة أو يوم أو أكثر أو أقل فهو باطل تخير انفاذه أو لم يتخيرا (٢).
مذهب الزيدية:
قال الزيدية: ويصح الخيار للأجنبى ولا بد أن يكون معلوما كزيد مثلا ويتبعه خيار الجاعل ويكون الخيار لهما معا وفائدته أن من سبق من الجاعل أو المجعول له وهو الأجنبى المعين الى فسخ أو امضاء كان الحكم له ثم قال: الا أن يشترط الجاعل أن لا خيار لنفسه فيبطل خياره ويبقى الخيار للأجنبى فقط، ثم قال: وأما لو وقع الخيار لأجنبى مجهول فان كان حال العقد فلا يصح العقد ولا الشرط وان كان بعده صح العقد ولغى الشرط (٣).
مذهب الإمامية:
قال الإمامية: ويجوز اشتراط الخيار لأجنبى عنهما أو عن أحدهما، ولأجنبى مع أحدهما عنه وعن الآخر ومعهما واشتراط الأجنبى تحكيم لا توكيل عمن جعل عنه فلا اختيار له معه (٤).
مذهب الإباضية:
قال الإباضية: وجاز اشتراط الخيار لغير المتبايعين ممن جاز فعله فى البيع والشراء فى الجملة ولو كان محجورا عليه فى ماله، لأن التحجير عليه فى ماله لا فى - رضاء البيع أو الشراء لغيره ثم قال: وبطل ممن لا يصح كطفل ونحوه (٥).
الأجنبى ونكاح المعتدة وخطبتها
مذهب الحنفية:
قال الأحناف: لا يجوز للأجنبى، غير المطلق، نكاح المعتدة لقول الله تعالى
стр. 786
«وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ» قيل أى لا تعقدوا عقد النكاح حتى ينقضى ما كتب الله عليها من العدة، ولأن النكاح بعد الطلاق الرجعى وبعد الثلاث قائم حال قيام العدة لقيام بعض الآثار.
أما صاحب العدة فانه يجوز له أن يتزوجها لأن النهى عن التزوج انما هو للأجانب لا للأزواج لأن عدة الطلاق انما لزمتها حقا للزوج لكونها باقية على حكم نكاحه وانما يظهر حق التحريم على الأجنبى لا على الزوج.
ولا يجوز للأجنبى أيضا خطبة المعتدة بكلام صريح سواء كانت مطلقة أو متوفى عنها زوجها، لأن النكاح حال قيام العدة قائم لقيام بعض آثاره.
ولا يجوز التصريح من الأجنبى بالخطبة فى العدة أصلا. أما التعريض فلا يجوز فى عدة الطلاق ولا بأس به فى عدة الوفاة، لقول الله : «وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ» (١).
وللمذاهب فى ذلك تفصيل ينظر فى مصطلحات «خطبة، عدة، نكاح».
الايلاء من الأجنبية والظهار منها
مذهب الحنفية:
قال الأحناف: لو قال رجل لأجنبية (أى غير زوجته) والله لا أقربك، أو قال لها أنت على كظهر أمى، ثم تزوجها لم يكن موليا ولا مظاهرا، لأن هذا الكلام فى مخرجه وقع باطلا لعدم المحلية اذ المحل نساء الزوج بالنص فى الايلاء والظهار لقول الله : «لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ» (٢) ولقول الله : «وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ» (٣). فلا بد كما جاء فى النص من كونها محلا وقت الكلام بالايلاء أو بالظهار.
كذلك لو قال لأجنبية ان دخلت الدار فأنت على كظهر أمى فلا يقع الظهار حتى ولو تزوجها فدخلت الدار، ولا يصير مظاهرا بالاجماع لعدم الملك.
ويصح اضافة التعليق الى سبب الملك، فان قال: ان تزوجتك فأنت على كظهر أمى أو قال: ان تزوجتك فو الله لا أقربك فلو تزوجها صار مظاهرا بوجود الاضافة الى سبب الملك (٤).
وللمذاهب فى ذلك تفصيل ينظر فى مصطلحى «ظهار، وايلاء».
أثر قذف الأجنبية
مذهب الحنفية:
قال الأحناف: قذف الزوجة يوجب اللعان وقذف الأجنبية (وهى غير الزوجة) يوجب الحد فلو قال لامرأته يا زانية بنت الزانية وجب عليه اللعان والحد: اللعان لأنه قذف زوجته والحد لأنه قذف أمها
стр. 787
وفى البدء باللعان أو الحد، تفصيل ينظر فى مصطلحى (حد، ولعان).
ولو قذف أجنبية بالزنا ثم تزوجها وقذفها بالزنا بعد الزواج وجب عليه الحد واللعان لوجود سبب وجوب كل واحد منهما وفى البدء بالحد أو باللعان، تفصيل ينظر فى مصطلحى (حد، ولعان).
وشرط ايجاب الحد فى قذف الأجنبية أن تكون عفيفة، فلا يجب الحد فى قذف الأجنبية اذا لم تكن عفيفة لأنها اذا لم تكن عفيفة فقد صدقته بفعلها.
ولو وطئت المرأة بشبهة وقذفها أجنبى فلا يجب عليه الحد لأنها وطئت وطئا حراما فذهبت عفتها ثم رجع أبو يوسف وقال يجب الحد فى قذف الموطوءة بشبهة، لأن هذا وط ء يتعلق به ثبوت النسب ووجوب المهر فكان كالموجود فى النكاح فلا يزيل العفة فيجب الحد وقيل ردا على أبى يوسف ان الموجود هو شبهة النكاح فيسقط الحد للشبهة ومن ثم يورث شبهة فى وجوب الحد.
ولو قذف أجنبيات فانه يقام عليه حد القذف لهن مرة واحدة لأن المقصود يحصل فى اقامة الحد الواحد للكل وهو رفع العار عنهن (١).
وللمذاهب فى قذف الأجنبية كلام ينظر فى مصطلحات: «قذف، لعان، حد».
إجهاض
التعريف به
جاء فى المصباح: «أجهضت الناقة والمرأة ولدها إجهاضا أسقطته ناقص الخلق فهى جهيض ومجهضة بالهاء الأخيرة، وقد تحذف، والجهاض اسم منه».
وفى القاموس: الجهيض والجهض:
الولد السقط أو ما تم خلقه ونفخ فيه الروح من غير أن يعيش.
ولم يخرج الفقهاء به عن هذا الاستعمال فيما رجعنا إليه من كتب المذاهب، وإنما يغلب فى عباراتهم إيراد لفظ إسقاط بدل - إجهاض، وإن كان الشافعية يكثر استعمالهم للفظ إجهاض.
فقد أورد الرملى (٢) عبارة الاستجهاض فيما نقله عن الغزالى، إذ بين أن العزل خلاف الاستجهاض والوأد، لأنه جناية على موجود حاصل.
وكذلك عبر الرملى نفسه إذ يقول (٣):
«لو ضرب ميتة فأجهضت ميتا .. » وكذا عبر الرشيدى بالإجهاض عن استعمال الدواء بقصد الإسقاط، فقال (٤): «ان ما
стр. 788
ذكر من الإجهاض «أن تستعمل دواء فإذا حملت أجهضت .. ».
وقال البجرمى فى حاشيته على الخطيب (١): تفسيرا لكلمة الإجهاض الواردة فى عبارة الخطيب: إنه الرمى، ونقل عبارة المصباح على أنها تقصر الإجهاض على الناقة فقط، ثم نقل عن الأزهرى وغيره أنه لا يقال أجهضت إلا فى الناقة خاصة، ويقال فى المرأة أسقطت. وقال: إن إطلاق الإجهاض على إسقاط المرأة مجاز.
لكن ما نقلناه عن المصباح صريح فى التسوية بين المرأة والناقة فى استعمال لفظ إجهاض.
كما عبر الشيعة الجعفرية عن الإسقاط بلفظ الإجهاض أيضا إذ يقول صاحب الروضة البهية (٢).
«وتعتبر قيمة الأم عند الجناية لا وقت الإجهاض الذى هو الإسقاط».
حكم الإجهاض الأخروى
مذهب الحنفية:
قال الحصكفى فى كتابه الدر (٣):
«قالوا يباح إسقاط الولد قبل أربعة أشهر ولو بلا إذن الزوج».
وعلق على ذلك ابن عابدين بما نقله عن الطحطاوى عن النهر، قال فى النهر: هل يباح الإسقاط بعد الحمل؟ نعم يباح ما لم يتخلق منه شئ، ولن يكون ذلك إلا بعد مائة وعشرين يوما.
وهذا يقتضى أنهم أرادوا بالتخلق نفخ الروح وإلا فهو غلط، لأن التخلق يتحقق بالمشاهدة قبل هذه المدة، كذا فى الفتح (٤).
وإطلاقهم يفيد عدم توقف جواز إسقاطها قبل المدة المذكورة على إذن الزوج.
وفى كراهة الخانية (أى باب الكراهة فى كتاب الخانية) ولا أقول بالحل إذ المحرم لو كسر بيض الصيد ضمنه لأنه أصل الصيد، فلما كان يؤاخذ بالجزاء فلا أقل من أن يلحقها اثم هنا اذا أسقطت بغير عذر اهـ.
قال ابن وهبان: ومن الأعذار أن ينقطع لبنها بعد ظهور الحمل وليس لأبى الصبى ما يستأجر به الظئر ويخاف هلاكه ونقل عن الذخيرة: لو أرادت الإلقاء قبل مضى زمن ينفخ فيه الروح هل يباح لها ذلك؟
اختلفوا فيه، وكان الفقيه على بن موسى يقول إنه يكره فإن الماء بعد ما وقع فى الرحم مآله الحياة فيكون له حكم الحياة كما فى بيضة صيد الحرم، ونحوه فى الظهيرية.
قال ابن وهبان: فإباحة الإسقاط محمولة على حالة العذر أو أنها لا تأثم اثم القتل اهـ.
стр. 789
قال: وبما فى الذخيرة يتبين أنهم ما أرادوا بالتخليق الا نفخ الروح اهـ.
مذهب المالكية:
جاء فى شرح الدردير على متن خليل بحاشية الدسوقى (١): «لا يجوز إخراج المنى المتكون فى الرحم ولو قبل الأربعين يوما، وإذا نفخت فيه الروح حرم إجماعا».
وعلق الدسوقى على قول الدردير «ولو قبل الأربعين» بأن هذا هو المعتمد، وقيل يكره إخراجه قبل الأربعين.
ونص ابن رشد (٢): على أن مالكا استحسن فى إسقاط الجنين الكفارة ولم يوجبها لتردده بين العمد والخطأ.
واستحسان الكفارة يرتبط بتحقق الإثم.
مذهب الشافعية:
نقل البجرمى فى حاشيته على الإقناع (٣) فرعا عن ابن حجر يقول فيه: اختلفوا فى التسبب لإسقاط ما لم يصل لحد نفخ الروح فيه، وهو مائة وعشرون يوما.
والذى يتجه وفاقا لابن العماد وغيره الحرمة، ولا يشكل عليه جواز العزل لوضوح الفرق بينهما بأن المنى حال نزوله محض جماد لم يتهيأ للحياة بوجه بخلافه بعد استقراره فى الرحم، وأخذه فى مبادئ التخلق، يعرف ذلك بالامارات.
وفى حديث مسلم أنه يكون بعد اثنين وأربعين ليلة، أى ابتداؤها.
ثم قال البجرمى: وقول ابن حجر:
«والذى يتجه .. الخ» فى بعض الكتب خلافه، وقوله: «وأخذه فى مبادئ التخلق» يفيد أنه لا يحرم قبل ذلك.
وفى حاشية الشبراملسى على نهاية المحتاج (٤): اختلفوا فى جواز التسبب فى إلقاء النطفة بعد استقرارها فى الرحم.
فقال أبو إسحاق المروزى: يجوز إلقاء النطفة والعلقة، ونقل ذلك عن أبى حنيفة.
وفى الإحياء فى بحث العزل ما يدل على تحريمه وهو الأوجه لأنها بعد الاستقرار آيلة إلى التخلق المهيأ لنفخ الروح. وحكى الرملى فى شرحه خلافا فى كتاب أمهات الأولاد.
وقد رجعنا إلى كتاب أمهات الأولاد فى المرجع المذكور (٥) فإذا فيه ما يأتى: قال المحب الطبرى: اختلف فى النطفة قبل تمام الأربعين على قولين: قيل لا يثبت لها حكم السقط والوأد، وقيل لها حرمة ولا يباح إفسادها ولا التسبب فى إخراجها بعد الاستقرار فى الرحم بخلاف العزل.
قال الزركشى: وفى تعليق بعض الفقهاء قال الكرابيسى سألت أبا بكر بن أبى سعيد الفراتى عن رجل سقى جاريته شرابا
стр. 790
لتسقط ولدها فقال: ما دامت نطفة أو علقة فواسع له ذلك إن شاء الله اه.
وقد أشار الإمام أبو حامد الغزالى الى هذه المسألة فى الإحياء فقال بعد أن قرر أن العزل خلاف الأولى ما حاصله: وليس هذا كالاستجهاض والوأد لأنه جناية على موجود حاصل فأول مراتب الوجود دفع النطفة فى الرحم فيختلط بماء المرأه فإفسادها جناية فإن صارت علقة أو مضغة فالجناية أفحش فان نفخت الروح واستقرت الخلقة زادت الجناية تفاحشا ثم قال: ويبعد الحكم بعدم تحرمه وقد يقال: إما حالة نفخ الروح فيما بعده الى الوضع فلا شك فى التحريم، وأما قبله فلا يقال انه خلاف الأولى بل يحتمل للتنزيه والتحريم ويقوى التحريم فيما قرب من زمن النفخ لأنه جريمة.
ثم أن تشكل فى صورة آدمى وجبت الغرة نعم لو كانت النطفة من زنا فقد يتخيل الجواز فلو تركت حتى نفخ فيها فلا شك فى التحريم.
مذهب الحنابلة:
ونص الحنابلة (١) فيما يرويه أبن قدامة أن من ضرب بطن إمرأة فألقت جنينا فعليه كفارة وغرة، واذا شربت الحامل دواء فألقت به جنينا فعليها غرة وكفارة.
ومقتضى هذا النص وقوع الإثم فى إلقاء الجنين، لأن الكفارة إنما تترتب عليه كما هو مقتضى تسميتها كفارة.
وجاء فى الروض المربع بشرح زاد المقنع مختصر المقنع (٢) فى باب العدد «ويباح للمرأة إلقاء النطفة قبل أربعين يوما بدواء مباح».
ومن هذا النص الفقهى ينتج أن الإجهاض بشرب الدواء المباح فى هذه الفترة حكمه الإباحة. وأما بعد صيرورته جنينا ففيه الإثم لوجوب الكفارة.
مذهب الظاهرية:
يصور ابن حزم مذهب الظاهرية (٣) يقول «صح أن من ضرب حاملا فأسقطت جنينا فإن كان قبل الأربعة الأشهر قبل تمامها فلا كفارة فى ذلك لكن الغرة واجبة فقط لأن رسول الله حكم بذلك، لأنه لم يقتل أحدا لكنه أسقطها جنينا فقط، وإذا لم يقتل أحدا فلا كفارة فى ذلك إذ لا كفارة إلا فى القتل الخطأ ولا يقتل إلا ذو روح.
وهذا لم ينفخ فيه الروح بعد.
وإن كان بعد تمام الأربعة الأشهر، وتيقنت حركته بلا شك وشهد بذلك أربع قوابل عدول فإن فيه غرة فقط لأنه جنين قتل فهذه هى ديته.
والكفارة واجبة بعتق رقبة، فمن له
стр. 791
يجد فصيام شهرين متتابعين لأنه قتل مؤمنا خطأ.
ومقتضى ذلك حدوث الإثم على مذهبهم فى الإجهاض بعد تمام الأربعة الأشهر إذ أوجبوا الكفارة التى لا تكون ألا مع تحقق الإثم ولم يوجبوها فى الإجهاض قبل ذلك.
مذهب الزيدية:
جاء فى البحر الزخار (١) الذى يحكى المذهب الزيدى، أنه يجوز تغيير النطفة والعلقه والمضغة، لأنه لا حرمة للجماد.
وجاء فى باب الجنايات (٢): لا شئ فيما لم يتبين فيه التخلق والتخطيط كالمضغة والدم.
ثم قال (٣): أنه لا كفارة فى جنين، لأن النبى ﵊ قضى بالغرة ولم يذكر كفارة، ثم إن ما خرج ميتا لم يوصف بالإيمان .. ثم بين إنه إذا خرج حيا ثم مات ففيه الكفارة كما قال على ﵇، ومقتضاه وجود الإثم فى هذه الجزئية.
مذهب الإمامية:
نص صاحب الروضة البهية (٤) على أنه تجب الكفارة بقتل الجنين حين تلجه الروح كالمولود، وقيل مطلقا سواء لم تلج فيه الروح، مع المباشرة لقتله الا مع التسبب.
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل (٥): «ليس للحامل أن تعمل ما يضر بحملها من أكل أو شرب كبارد وحار أو غيرهما كحجامة ورفع ثقيل ونزع ضرس، فإن تعمدت مع علمها بالحمل لزمها الضمان والاثم، والا فلا اثم، وكذا غيرها اذا فعل مضرا بحملها فهو مثلها إذا تعمده فى حالى العلم بالحمل والجهل به، وأن أمرت من يرفع عليها ثقيلا ففعل فأسقطت فلا إثم إن كان على غير علم ولزمه الضمان وإلا لزمه الإثم والضمان، وقيل بسقوطهما فى حال الجهل، وإن علمت الحامل دون من يرفع الثقيل عليها لزمها وحدها الضمان، وأطال شارح النيل فى التفريعات.
حكم الإجهاض الدنيوى
يشمل حكم الإجهاض الدنيوى على ما يلزم فيه من جزاء كالغرة، وعلى أثره فى انقضاء العدة، وما يتعلق بالسقط من طهارة أو نجاسة وتغسيله وتكفينه والصلاة عليه وارثه واستحقاقه فى الوقف والوصية وغير ذلك، والذى يعنينا هنا هو الأول فقط لأنه الذى يختص من جهة كونه إجهاضا، وأما الباقى فأحكامه مشتركة مع كل جنين وسقط دون اعتداء (انظر:
جنين، عدة، طهارة، جنازة).
مذهب الحنفية:
نص فقهاء الأحناف (٦) على أن من ضرب بطن إمرأة أو ظهرها أو جنينها أو رأسها
стр. 792
أو عضوا من أعضائها ولو كانت المرأة كتابية أو مجوسية أو زوجته فألقت جنينا ميتا وجب على العاقلة غرة وهى نصف عشر دية الرجل لو كان الجنين ذكرا وعشر دية المرأة لو كان أنثى.
وقالوا: أن وجوب الغرة وأن كان مخالفا للقياس إلا أنه ثابت بالسنة.
فقد روى عن محمد بن الحسن أنه قال:
بلغنا أن رسول الله صلوات الله عليه قضى بالغرة على العاقلة، وقالوا: إن ألقت الجنين حيا فمات ففيه دية كاملة وكفارة، وإن ألقته ميتا فماتت الأم فدية فى الأم، وغرة فى الجنين لما تقرر إن الفعل يتعدد بتعدد أثره.
وقد ذكر الميرغينانى فى الهداية (١) أنه صح عن النبى ﵊ القضاء بالدية والغرة فى هذه الجزئية، كما قالوا بتعدد الغرة لو جنينين فأكثر وإن ماتت فألقته ميتا فدية فقط ولا شئ فى الجنين لأن موت الأم سبب لموته ظاهرا اذ حياته بحياتها وتنفسه بتنفسها، فيتحقق موته بموتها، وإن ألقته حيا بعد ما ماتت فمات بعد ذلك فعليه دية الأم ودية الجنين كما إذا ألقته حيا ومات.
ثم نصوا على أن ما يجب فيه يورث عنه وترث منه أمه ولا يرث ضاربه منها ولا من غيرها لأنه قاتل مباشرة (أنظر: غرة، جنين).
وقالوا: إن فى جنين الأمة الرقيق الذكر نصف عشر قيمته لو حيا فى مال الضارب حالا، وعشر قيمته لو أنثى كذلك، كما قالوا: أنه لا يجب فى الجنين الذى نزل ميتا بجناية كفارة بل هى مندوبة، وأما إن نزل حيا ثم مات ففيه الكفارة.
وقالوا: إن ما استبان بعض خلقه بمنزلة الجنين التام فى جميع الأحكام.
وإذا أسقطت المرأة جنينا عمدا بدواء أو فعل كضربها بطنها ومعالجة فرجها حتى أسقطت أو حملت حملا ثقيلا بقصد الإسقاط ولم يأذن لها زوجها فإن عاقلتها تضمن الغرة بذلك، وأما إن أذن الزوج أو لم تتعمد الزوجة فلا غرة لعدم التعدى، وعلق على ذلك ابن عابدين فى حاشيته على الدر (٢): بأنه يتمشى على الرواية الضعيفة والصحيح قياسا على ما فى الكافى: أنه لا تسقط الغرة عن عاقلة المرأة بإذن زوجها بإتلاف الجنين لأن أمره لها ليس بأقل من فعله، وهو إذا ضرب إمرأته فألقت جنينا لزم عاقلته الغرة ولا يرث منها.
وقال صاحب الدر: لو أمرت الحامل امرأة بالاعتداء عليها ففعلت لا تضمن المأمورة، وعلق على ذلك ابن عابدين بما نقله عن عزمى من أن نفى الضمان عن المأمورة لا يلزم منه نفيه عن الآمرة إذا أمرت بغير إذن زوجها.
ونقل صاحب الدر عن كتاب الواقعات:
إن من شربت دواء لتسقط الجنين عمدا فإن ألقته حيا فمات عليها الدية والكفارة
стр. 793
وان ألقته ميتا فالغرة، ولا ترث فى الحالين.
وعلق ابن عابدين على وجوب الدية والكفارة فى الصورة الأولى بأن ذلك الحكم ثابت ولو كان الفعل بإذن الزوج لتحقق الجناية على نفس حية فلا تجرى فيها الإباحة. وقال: إن هذا بخلاف ما إذا ألقته ميتا فإنه لو كان بإذن الزوج فلا غرة عليها.
وابن عابدين يتمشى فى هذا مع ما ذكره صاحب التنوير والدر وقال: أنه رواية ضعيفة.
مذهب المالكية:
يقول المالكية فيما يروية كل من الدردير والدسوقى (١): أن فى إلقاء الجنين وإن علقة عشر ما فى أمه ولو كانت أمة، وما يجب فى أمة إن كانت حرة الدية وإن كانت أمة القيمة، وسواء كانت الجناية عمدا أو خطأ من أجنبى أو أب أو أم كما لو شربت ما يسقط به الحمل فأسقطته، وهذا الغرم يدفع نقدا أى معجلا، ويكون فى مال الجانى إلا أن تبلغ ثلث ديته فعلى العاقلة، وله أن يدفع بدل عشر الدية الغرة، وهذا التخيير فى جنين الحرة، أما جنين الأمة فيتعين فيه النقد (أى العين) ولا غرة فيه والغرة عبد أو وليدة تساويه (أنظر:
غرة).
ثم قالوا إن هذا الحكم إن أنفصل كله ميتا وأمه حية فان انفصل كله بعد موتها أو بعضه وهى حية وباقيه بعد موتها فلا شئ فيه، وان انفصل عنها وهو حى حياة مستقرة بأن استهل صارخا أو رضع كثيرا سواء كانت هى حية أو ميتة ثم مات فالدية واجبة أن أقسم أولياؤه أنه مات من فعل الجانى ولو مات بعد تحقق حياته عاجلا، فان لم يقسموا فلا غرة، لأن الجنين إذا استهل صار من جملة الأحياء والديه تتوقف على القسامة وقد امتنع الأولياء عنها (أنظر: دية، قسامة).
وإن تعمد الجانى الجنين بضرب بطن أو رأس أو ظهر لأمه فنزل مستهلا ثم مات ففى القصاص بقسامة أو الدية بقسامة فى مال الجانى لتعمده، خلاف.
والراجح فى تعمد البطن أو الظهر القصاص وفى تعمد الرأس الدية فى ماله كتعمد ضرب يد أو رجل.
ويتعدد الواجب عندهم من عشر أو غرة إن لم يستهل أو دية أن استهل بتعدد الجنين، كما نصوا على أنه يورث على نظام الفرائض، وقالوا: انه إذا كان الإجهاض بفعل أحد الأبوين أو الأخوة اعتبر كالقاتل فلا يرث شيئا.
ويقول ابن رشد (٢): اتفقوا على أن الواجب فى جنين الحرة وجنين الأمة من سيدها هو غرة لما ثبت عن النبى ﷺ من حديث أبى هريرة وغيره أن امرأتين من هذيل رمت احداهما الأخرى
стр. 794
فطرحت جنينها، فقضى فيه الرسول بغرة:
عبد أو وليدة.
واتفقوا على أن قيمة الغرة الواجبة فى ذلك عند من رأى أن الغرة فى ذلك محدودة بالقيمة، وهو مذهب الجمهور هى نصف عشر دية أمه (أنظر: غرة).
كما ذكر أن مذهب مالك أن فى جنين الأمة عشر قيمة أمه ذكرا كان أو أنثى يوم يجنى عليه. وفى جنين الذمية عشر دية أمه ونص على أن الغرة لا تجب إلا إذا خرج الجنين ميتا، ولا تموت أمه من الضرب، فإن ماتت وسقط الجنين ميتا فلا شئ فيه.
وقال أشهب: فيه الغرة، وقال أن مالكا وأصحابه يرون أن علامة الحياة الاستهلال بالصياح أو البكاء وأن مالكا يقول كل ما طرحته من نطفة أو علقة مما يعلم أنه ولد ففيه الغرة.
ورجح ابن رشد اعتبار نفخ الروح فيه قال: إن الغرة عند مالك فى مال الجانى تشبيها لها بدية العمد. وقال: إنها تجب عند مالك لورثة الجنين وحكمها حكم الدية فى أنها موروثة.
مذهب الشافعية:
يقول أبو شجاع وشارحه الخطيب (١):
أن دية الجنين الحر المسلم غرة: عبد أو أمة لأن النبى ﵊ قضى بذلك كما فى الصحيحين.
وعلق البجرمى على قيد «مسلم» بقوله ليس ذلك بقيد. لأن الجنين الكافر فيه غرة أيضا لكنها كثلث غرة المسلم فى الكتابى وثلث خمس غرة المسلم فى المجوسى، وأما المرتد والحربى فمهدران.
فالمعتبر كونه معصوما لا مسلما.
كما علق على قوله عبد أو أمة بأن الخيار للغارم لا للمستحق.
وقال الخطيب: إنما تجب الغرة فى الجنين إذا أنفصل ميتا بجناية على أمه الحية مؤثرة فيه سواء أكانت الجناية بالقول كالتهديد والتخويف المفضى إلى سقوط الجنين أم بالفعل كأن يضربها أو يوجرها دواء فتلقى جنينا أم بالترك كأن يمنعها الطعام أو الشراب حتى تلقى الجنين، ولو دعتها ضرورة الى شرب دواء فينبغى كما قال الزركشى إنها لا تضمن بسببه وليس من الضرورة الصوم ولو فى رمضان إذا خشيت منه الإجهاض فإذا فعلته (أى الصوم) وأجهضت ضمنته كما قال الماوردى.
ولا ترث منه لأنها قاتلة، وسواء أكان الجنين ذكرا أم غيره لاطلاق الخبر لأن ديتهما لو اختلفت لكثر الاختلاف فى كونه ذكرا أو أنثى فسوى الشارع بينهما، وسواء أكان الجنين تام الأعضاء أم ناقصها ثابت النسب أم لا. وسواء انفصل فى حياتها بجناية أو انفصل بعد موتها بجناية فى حياتها، ولو ظهر بعض الجنين بلا انفصال
стр. 795
من أمه كخروج رأسه ميتا وجبت فيه الغرة.
ثم قال: ولو كانت أمه ميتة وقد انفصل ميتا فلا شئ لظهور موته بموتها ولو انفصل حيا وبقى بعد انفصاله زمنا بلا ألم ثم مات فلا ضمان، وإن مات حين خرج بعد انفصاله أو دام ألمه ومات منه فدية نفس كاملة على الجانى ولو ألقت امرأة بجناية عليها جنينين ميتين وجبت غرتان أو ثلاثا فثلاثا وهكذا ولو ألقت لحما قال أهل الخبرة فيه صورة آدمى خفيه وجبت فيه الغرة بخلاف ما لو قالوا لو بقى لتصور أى تخلق.
ثم قال: والخيرة فى الغرة إلى الغارم، ويجبر المستحق علي قبولها بشرط أن يكون العبد أو الأمة مميزا، واشترطوا بلوغ الغرة فى القيمة نصف عشر الدية من الابن المسلم (أنظر: غرة).
والغرة تستحق لورثة الجنين على فرائض الله، وهى واجبة على عاقلة الجانى، وتكون مؤجلة (انظر: عاقلة).
ودية الجنين المملوك ذكرا كان أو غيره عشر قيمة أمه، ولو كانت الأم هى الجانية لا يجب فى جنينها المملوك للسيد شئ، اذ لا يجب للسيد على رقيقه شئ.
ونص البجرمى (١) على أن الجنين لو أنفصل لدون ستة أشهر فمات حين خرج بعد انفصاله أو دوام ألمه ومات منه ففيه الدية الكاملة.
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى لابن قدامة فى باب الديات (٢) أن فى جنين الحرة المسلمة غرة فى قول أكثر أهل العلم. وقد روى عن عمر أنه استشار الناس فى إملاص المرأة (أى إلقاء جنينها) فقال المغيرة بن شعبة:
شهدت النبى ﷺ قضى فيه بغرة عبد أو أمة.
وقال ابن قدامة: إن كانت المرأة كتابية أو أمة والجنين الحر مسلم فإن الجنين يحكم بإسلامه وحريته، وفيه الغرة، ولو كان الجنين محكوما برقه لم تجب فيه الغرة.
وقال (٣): إن الغرة تجب إذا سقط الجنين من الضربة ويعلم ذلك بأن يسقط عقب الضرب أو ببقائها متألمة إلى أن يسقط، ولو قتل حاملا لم يسقط جنينها، أو ضرب من فى جوفها حركة أو انتفاخ فسكن الحركة لم يضمن الجنين. وقال إنه مذهب مالك وقتادة والشافعى.
وحكى عن الزهرى أن عليه الغرة لأن الظاهر أنه قتل الجنين.
واستدل ابن قدامة لمذهبه بأنه لا يثبت حكم الولد إلا بخروجه، ولذلك لا تصح له وصية ولا ميراث، ولأن الحركة يصح
стр. 796
أن تكون لريح فى البطن سكنت ولا يجب الضمان بالشك.
ثم قال: إن وجوب الضمان سواء ألقته فى حياتها أو بعد مماتها لأنه جنين تلف بجنايته وعلم ذلك بخروجه فوجب ضمانه.
فأما إن ظهر بعضه من بطن أمه ولم يخرج باقيه ففيه الغرة. وقال: إنه رأى الشافعى أيضا.
ونقل عن مالك وابن المنذر أنه لا تجب الغرة حتى تلقيه. ثم قال (١): إن ألقت مضغة فشهد ثقات من القوابل بأن فيه صورة خفية ففيه غرة، وإن شهدت أنه مبتدأ خلق آدمى لو بقى تصور، ففيه وجهان أصحهما لا شئ فيه لأنه لم يتصور فلم يجب فيه كالعلقة.
والثانى: فيه غرة لأنه مبتدأ خلق آدمى أشبه ما لو تصور، وهذا يبطل بالنطفة والعلقة.
ثم بين ابن قدامة الحنبلى الغرة الواجبة وأورد ما فيها من خلاف: أهى عبد أو أمة أو تصح بغير ذلك، وبين أن قيمتها نصف عشر الدية، كما ذكر أن غرة جنين الكتابيين نصف الغرة الواجبة فى المسلم، وإن جنين المجوسية تجب فيه غرة قيمتها أربعون درهما، وإلا فالدراهم نفسها.
وفى موضع آخر (٢): يقول ابن قدامة:
إن الجنين المملوك فيه عشر قيمة أمه ذكرا كان أو أنثى.
وقال (٣): إن وطئ أمة بشبهة أو غر بأمة فتزوجها وأحبلها فضربها ضارب فألقت جنينا فهو حر وفيه غرة موروثة ..
وإذا سقط جنين ذمية وقد وطئها مسلم وذمى فى طهر واحد وجب فيه اليقين، وهو ما فى جنين الذمى. فإن الحق بالمسلم فعليه تمام الغرة. وأطال فى ذلك وتفصيله فى مصطلح (جنين، غرة).
كما قال ابن قدامة (٤): إن الغرة موروثة عن الجنين كأنه سقط حيا كما لو قتل بعد الولادة، وقال إنه قول مالك والشافعى وأصحاب الرأى.
ونقل عن الليث إنها لا تورث بل تكون بدله لأنه كعضو من أعضائها، وأطال فى الاستدلال والمناقشة وذكر الصور.
ثم قال (٥): وتحمل العاقلة دية الجنين إذا مات مع أمه إذا كانت الجناية عليها خطأ أو شبه عمد، وإن كان قتل الأم عمدا أو مات الجنين وحده لم تحمله العاقلة ويكون الجميع على الجانى، ونقل خلاف الشافعى فى ذلك.
ثم قال: وإذا ضرب بطن امرأة فألقت أجنة ففى كل واحد غرة لأنه ضمان آدمى فتتعدد بتعدده، وإن ألقتهم أحياء فى وقت
стр. 797
يعيشون فى مثله ثم ماتوا ففى كل واحدة دية كاملة، وإن كان بعضهم حيا فمات وبعضهم ميتا ففى الحى دية وفى الميت غرة.
وقال فى موضع آخر (١): وعلى كل من ضرب ممن ذكرت عتق رقبة مؤمنة سواء كان الجنين حيا أو ميتا. وقال إنه قول أكثر أهل العلم ومنهم الحسن وعطاء والزهري والحكم ومالك والشافعى وإسحاق.
ونقل عن ابن المنذر أنه قال: كل من نحفظ عنه من أهل العلم أوجب على ضارب بطن المرأة فتلقى جنينا الرقبة مع الغرة.
ثم قال (٢): وان ألقت المضروبة أجنة ففى كل جنين كفارة كما أن فى كل جنين غرة أو دية، وإن أشترك جماعة فى ضرب إمرأة فألقت جنينا فديته أو الغرة عليهم بالحصص وعلى كل واحد منهم كفارة، وإن ألقت أجنة فدياتهم عليهم بالحصص، وعلى كل واحد فى كل جنين كفارة.
وقال ابن قدامة إذا شربت الحامل دواء فألقت به جنينا فعليها غرة لا ترث منها شيئا وتعتق رقبة، وليس فى هذا اختلاف بين أهل العلم نعلمه إلا ما كان من قول من لم يوجب عتق الرقبة. وذلك لأنها أسقطت الجنين بفعلها وجنايتها فلزمها ضمانه بالغرة، ولو كان الجانى المسقط للجنين أباه أو غيره من ورثته فعليه غرة لا يرث منها شيئا ويعتق رقبة.
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم الظاهرى فى كتابه المحلى (٣):
إن الحامل إذا قتلت وهى بينة الحمل فسواء طرحت جنينها ميتا أو لم تطرحه فيه غرة، ولا بد لأنه جنين أهلك، وقد اختلف الناس فيه، وروى بسنده عن الزهرى أنه كان يقول: إذا قتلت المرأة وهى حامل ليس فى جنينها شئ حتى تقذفه.
قال على (يعنى ابن حزم نفسه): لم يشترط رسول الله فى الجنين إلقاءه، ولكنه قال: فى الجنين غرة عبد أو أمة كيف ما أصيب ألقى أو لم يلق ففيه الغرة، وإذا قتلت الحامل فقد تلف جنينها بلا شك، وبين بعد ذلك أنهم يفرقون فى حكم الإجهاض الدنيوى بين ما إذا كان إسقاط الجنين نتيجة ضرب الحامل قبل تمام الأربعة الأشهر أو بعدها فان كان قبل ذلك ففيه الغرة دون الكفارة وإن كان بعد ذلك ففيه الغرة والكفارة معا (أنظر على وجه التفصيل فيمن يستحق الغرة: «غرة»).
ثم قال (٤): بين لنا ﷺ أن دية من خرج إلى الدنيا فقتل مائة من الإبل، وبين لنا أن دية الجنين بنص لفظة غرة من العبيد أو الإماء وسماه دية فكانت الدية مختلفة لبيان الرسول لنا، وكانت الكفارة واحدة، لأن الرسول صلى الله
стр. 798
عليه وسلم لم يفرق فيها (أنظر: دية، كفارة).
وقال بعد ذلك (١): فيمن تعمدت قتل جنينها وقد تجاوزت مائة ليلة وعشرين ليلة بيقين فقتلته، أو تعمد أجنبى قتله فى بطنها فقتله. فإن القود واجب فى ذلك ولا بد، ولا غرة فى ذلك حينئذ إلا أن يعفى عنه فتجب الغرة فقط ولا كفارة فى ذلك لأنه عمد.
قال: وإنما وجب القود لأنه قاتل نفس مؤمنة عمدا فهو نفس بنفس وأهله بين خيرتين: إما القود وإما الدية كما حكم رسول الله ﷺ فيمن قتل مؤمنا.
وقال أبن حزم فى المرأة تتعمد إسقاط ولدها: إن النخعى يقول عليها عتق رقبة ولزوجها عليها غرة عبد أو أمة.
وذكر عنه رواية أخرى أنه قال: فى امرأة شربت دواء فأسقطت تعتق رقبة وتعطى أباه غرة قال: وهذا أثر فى غاية الصحة.
ثم قال: وإن كان لم ينفخ فيه الروح فالغرة عليها وإن كان نفخ فيه الروح ولم تتعمد قتله فالغرة على عاقلتها والكفارة عليها، وإن كانت تعمدت قتله فالقود عليها أو المفاداة فى مالها، فإن ماتت هى فى كل ذلك قبل إلقاء الجنين ثم ألقت فالغرة واجبة فى كل ذلك على عاقلة الجانى هى كانت أو غيرها، وكذلك فى العمد قبل أن ينفخ فيه الروح. وأما أن كان نفخ فيه الروح فالقود على الجانى إن كان غيرها وأما إن كانت هى فلا قود ولا غرة ولا شئ لأنه لا حكم على ميت وماله قد صار لغيره.
وقال ابن حزم (٢) فيمن ألقت جنينين فصاعدا وطرح الجنين ميتا ففى كل غرة وكفارة لأن رسول الله ﷺ قال: «دية جنينها عبد أو أمة»، وكل جنين ولو أنهم عشرة فهو جنين لها، ففى كل جنين غرة عبد أو أمة، أما لو قتلوا بعد الحياة ففى كل واحد دية وكفارة (أنظر جنين).
ثم قال فى موضع آخر (٣): فى جنين الأمة من سيدها إنه كجنين الحرة فى أن ديته عبد أو أمة لأن رسول الله ﷺ قضى بذلك فى الجنين ولم يقصره على جنين الحرة فلم يصح لأحد إن يقول رسول الله ﷺ ما لم يقل.
وقال فى جنين الذمية كذلك غرة عبد أو أمة يقضى به على عاقلة الضارب فيطلبون غلاما أو أمة كافرين فيدفعانه أو يدفعانها إلى من تجب، فإن لم يوجدا فبقيمة أحدهما لو وجد.
وقال: لو أن ذميا ضرب امرأة مسلمة خطأ فأسقطت جنينا يكف إن تبتاع عاقلته عبدا كافرا أو أمة كافرة ولا بد.
стр. 799
مذهب الزيدية:
ويتمثل مذهب الزيديه فيما أورده صاحب البحر الزخار (١) من أن الغرة واجبة فى الجنين إن خرج ميتا لقضائه ﷺ على من قتات ضرتها وجنينها.
وقال: إن مذهب العترة أنه لا شئ فيمن مات بضرب أمه إن لم ينفصل .. ومن ضربت فخرج جنينها بعد موتها ففيه القود أو الدية إجماعا. فإن خرج رأسه فمات ولم يخرج الباقى ففيه الغرة أيضا، وما خرج وفيه أمارة حياة صوت أو حركة أو تنفس ففيه الدية ولو لدون ستة أشهر فإن خرج وفيه حياة مستقرة ثم قتله آخر فالقود عليه إذ هو المباشر وعلى الأخر أرش ضرب الأم والتعزير.
فإن ضرب حاملا فخرج منها يد جنين أو رجله ثم خرج ناقصا بعد ذلك قبل برئها من الضرب ففيه الغرة وتدخل اليد فيها إذ الظاهر سقوطها بالضرب، فان خرج حيا فالدية كاملة وتدخل اليد فيها، وإن خرج بعد البرء من الضرب ضمن اليد لا الجنين، فان خرج ميتا فنصف الغرة لأجل اليد، وأن خرج حيا ثم مات فنصف الدية.
وإن ضرب حاملا فألقت يدا ثم ماتت ولم يخرج الباقى ففيها القود أو الدية، وفى الجنين الغرة، إذ الظاهر موته بابانة يده، وقد تحققناه آدميا بخروج يده، ولا شئ فيما لم يتبين فيه التخلق والتخطيط كالمضغة والدم إذ لم يقض النبى ﷺ بالغرة إلا فى متخلق.
ونقل عن الإمام على والباقر والناصر والصادق أن فى إلقاء النطفة عشرين دينارا وفى العلقة أربعون وفى المضغة ستون وفى العظام ثمانون وفى الجنين مائة دينار إذ لزمت الغرة فى الميت ولا حياة فيه فلزمت هذه المقادير فيه ناقصا.
ثم روى عن العترة وجماعة أن الغرة فى الجنين مطلقا عبد أو أمة لقضاء النبى ﵊ بذلك، وأن الباقر والصادق جعلا الغرة عشر الدية، كما ذكر أن الغرة والدية يتعددان بتعدد الجنين، وحكى فى ذلك الإجماع.
وقال: إنه لا غرة فى المملوكة، كما قال إنها موروثة كالدية، ونقل عن العترة والإمام يحيى (٢) أن من ضرب أمة حاملا ثم أعتق ما فى بطنها فخرج حيا ثم مات لزمت القيمة اعتبارا بوقت الجناية.
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية شرح اللمعة الدمشقية فى فقه الشيعة الجعفرية (٣) أن دية الجنين وهو الحمل فى بطن أمه فى النطفة إذا استقرت فى الرحم واستعدت للنشوء عشرون دينارا، ويكفى مجرد الإلقاء فى الرحم مع تحقق الاستقرار، وفى العلقة أربعون دينارا، وفى المضغة ستون دينارا، وفى العظم ثمانون.
وفى التام الخلقة قبل ولوج الروح مائة
стр. 800
دينار هى عشر دية أبيه ذكرا كان أو أنثى وقيل متى لم تتم خلقته ففيه غرة عبد أو أمة، ولو كان الجنين ذميا فثمانون درهما عشر دية أبيه، ولو كان مملوكا فعشر قيمة الأم المملوكة ذكرا كان أو أنثى، مسلما كان أو كافرا، ولو تعدد ففى كل واحدة عشر قيمتها كما تتعدد ديته لو كان حراً، ولا كفارة هنا ولو ولجته الروح فدية كاملة للذكر ونصفها للأنثى، ومع الاشتباه فنصف الديتين.
وجاء فى موضع آخر (١) أن دية الجنين فى مال الجانى ان كان القتال عمدا أو شبيها بالعمد وإلا ففى مال العاقلة كالمولود وحكمها فى التقسيط والتأجيل كغيره (أنظر: دية، غرة).
مذهب الإباضية:
يصور مذهب الإباضية ما ذكره صاحب متن النيل وشارحه (٢) إن الحامل إذا تعمدت ما يضر بالحمل فأسقطت لزمها الضمان علمت بالحمل أم لم تعلم، وكذلك غيرها لو تعمد الاعتداء عليها، وإذا علم الزوج بالحمل وعمل ما يضر بها فأسقطت لزمه الضمان، وان فعل جائزا له ووقع الضرر بامتناعها أو تعرضها ضمنت وسلم وإن لم يعلما به أو علم به أحدهما فوقع الضرر منهما أو من أحدهما بخطأ لزمهما الضمان لا الإثم، وأن راودها غير زوجها فامتنعت فأسقطت ضمن، وإن اعتدت فدافعها المعتدى عليه فأسقطت فهى ضامنة، وإن خوفها أحد فأسقطت ضمن، وان صامت فأسقطت بجوع أو عطش ضمن، وإن حملت ثقيلا ضمنت، وإن مشت فى الحر حتى أسقطت فعليها دية السقط.
وقالوا: إذا وجب على حامل حق من قتل أو غيره فأخرج على علم بالحمل فانه بلزم المخرج الضمان والهلاك، وقيل: لا هلاك عليه ولكن عليه الإثم وضمان الحمل وإن وجب على أمة ضرب فضربت فأسقطت لزم الإثم فقط، وقيل يلزم ضمان الحمل أيضا.
وجاء فى موضع آخر أن سقط الأمة يقدر بنظر العدول وليس على الجانى غير ذلك، وأنه إن سقط حيا فمات أعطى السيد نقصان الأمة وقيمة السقط، وسقط الحرة إن كان نطفة فعلى الجانى عشرة دنانير أو ممتزجا فأربعة عشر أو علقة فأربعة وعشرون أو مضغة فأربعون أو ممتدا فستون أو مصورا فثمانون أو نابت الشعر فمائة دينار أو منفوخا فيه الروح فديه كاملة.
وقيل: إن كان حرا فمات بإسقاطه فالغرة لصاحب الحمل وهل هى عبد أو أمة أو فرس أو جواد أو أربعون دينارا الخ (انظر: غرة).
وقالوا: إن غرة حمل المشرك عشر قيمة ديته من أى ملة كانت بحسب دية ملته، وقيل النظر.
стр. 801
إحالة
المعنى اللغوى:
الإحالة مصدر فعله أحال والمادة تدل على الانتقال والتغير من حال الى حال ومن ذلك قولهم حال الشئ إذا تغير ومثله استحال ومنه تحول من مكانه اذا انتقل وحولته نقلته من موضع إلى آخر وأحال الشئ إلى غيره ومن ذلك أخذت الحوالة ويقال أحلته بدينه اذا نقلته من ذمتك الى ذمة أخرى كما يقال أحلت الشئ إذا نقلته والاسم الحوالة كسحابة (١).
المعنى الشرعى:
من الاعتبارات الشرعية التى أسس عليها كثير من الأحكام الفقهية شغل ذمة الإنسان بما يلتزم به من مال عوضا عن مال تملكه أو منفعة استحقها أو حق أصبح مختصا به أو نتيجة قرض فيصبح بذلك مدينا مطالبا بأدائه ويعرف هذا المال حينئذ باسم الدين وتستمر ذمته مشغولة به إلى أن يوفيه أو يبرئه منه صاحبه الذى يعرف حينئذ باسم الدائن وقد يتفق المدين مع دائنه أن يحل محله فى هذا الدين آخر ينقل إلى ذمته هذا الدين وتبرأ منه ذمة المدين فتنتهى بذلك مطالبته به وذلك بطريق التبرع والتفضل من هذا الشخص أو نظير براءته من دين شغلت به ذمته للمدين الأول أو على أن يحل محله فى المطالبة بهذا الدين والوفاء به فتنتقل إليه المطالبة به ولا توجه إلى المدين الأصلى وذلك على حسب اختلاف الفقهاء فيما تدل عليه تلك المعاملة وما يترتب عليها من أثر وتقوم هذه المعاملة على وجود الأركان الآتية:
مدين يحيل الدين وينقله أو ينقل المطالبة به الى غيره ويسمى بالمحيل ومحال هو الدائن يحيله المدين الى ثالث ليصير مطالبا له بالدين ومحال عليه وهو من التزم للمحال بأن يوفيه هذا الدين وصار بذلك مطالبا به. ودين شغل ذمة المدين وانتقل بهذا الاتفاق إلى ذمة المحال عليه أو أنتقلت إليه المطالبة به وتسمى هذه المعاملة حوالة أو احالة غير ان إطلاق اسم الإحالة عليها قليل الاستعمال فى لسان الفقهاء واستعمالاتهم والكثير الغالب إطلاق أسم الحوالة عليها وتحت هذا الاسم عرفوها وبينوا أنواعها وأركانها وشروطها وموضوعها وأحكامها وجميع ما يتعلق بها مما تتطلبه دراستها من جميع نواحيها، ولذا كان المستحسن الاقتداء بصنيع الفقهاء والرجوع فى تعريف الإحالة وبيان جميع ما يتعلق بها الى مصطلح «حوالة».
احتباء
التعريف به:
الاحتباء بالثوب الاشتمال، والاسم الحِبوة والحُبوة، وهى الثوب الذى يحتبى به، وفى الحديث أنه نهى عن الاحتباء فى الثوب الواحد.
ابن الأثير: هو أن يضم الإنسان رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره ويشده عليها، قال: وقد يكون الاحتباء باليدين عوضا عن الثوب، وإنما نهى عنه لأنه اذا
стр. 802
لم يكن عليه إلا ثوب واحد ربما تحرك أو زال الثوب عنه فتبدو عورته (١).
وفى الحديث الاحتباء حيطان العرب، يعنى ليس فى البرارى حيطان فاذا أرادوا الاسناد احتبوا، لأن الاحتباء يمنعهم من السقوط ويصير لهم كالجدار (٢).
واستعمله الفقهاء بهذا المعنى، واختلفوا فى حكمه فى انتظار الصلاة يوم الجمعة، فأجازه طائفة منهم وكرهه آخرون.
مذهب الحنفية:
أما الأحناف فقالوا: وللرجل أن يحتبى فى يوم الجمعة إن شاء لأن قعوده فى انتظار الصلاة فيقعد كما يشاء.
وقد صح أن النبى ﷺ فى التطوعات فى بيته كان يقعد محتبيا، فإذا جاز ذلك فى الصلاة ففى حالة انتظارها أولى (٣).
مذهب المالكية:
وقال المالكية: يجوز الاحتباء والإمام فى الخطبة. وقال الباجى فى المنتقى: روى ابن نافع عن مالك: لا بأس أن يحتبى الرجل يوم الجمعة والإمام يخطب.
وقال فى النوادر: وله ان يحتبى والإمام يخطب.
قال أبو داود: وكان ابن عمر يحتبى والإمام يخطب، وكان أنس كذلك وجل الصحابة والتابعين قالوا لا بأس بها، ولم يبلغنى أن أحدا كرهه إلا عبادة بن نسى.
وقال الترمذى: وكره قوم الحبوة وقت الخطبة ورخص فيها آخرون.
وقال الخطابى بالنسبة للحبوة والمعنى فيه أنها تجلب النوم فتعرض طهارته للنقض وتمنع من استماع الخطبة، لما روى أبو داود والترمذى والحاكم وابن ماجة أن رسول الله ﷺ نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب (٤).
مذهب الشافعية:
وقال الشافعية: ويكره الاحتباء حال الخطبة للنهى الصحيح عنه ولجلبة النوم (٥).
مذهب الحنابلة:
وأما الحنابلة فقالوا: ولا بأس بالاحتباء مع ستر العورة لما تقدم من مفهوم قوله ﵊: «ليس على فرجه منه شئ»، يعنى الحديث الذى رواه اسحاق ابن عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى عن عطاء بن يزيد عنه مرفوعا: نهى عن لبستين وهما اشتمال الصماء (وهو أن يضع ثوبه على أحد عاتقيه فيبدو واحد شقيه ليس عليه ثوب). والاحتباء (وهو أن يحتبى به ليس على فرجه منه شئ).
ويحرم الاحتباء مع عدمه، أى عدم ستر العورة، لما فيه من كشف العورة بلا حاجة، وعلم من الحديث انه إذا كان عليه ثوب آخر لم يكره لأنه لبسة المحرم وفعلها النبى ﷺ وأن صلاته صحيحة إلا أن تبدو عورته (٦).
стр. 803
وقالوا أيضا: ولا بأس بالحبوة نصا مع ستر العورة وفعله جماعة من الصحابة وكرهه الشيخان لنهيه ﵊ عنه، ورواه أبو داود والترمذى وحسنه، وفيه ضعف (١).
مذهب الظاهرية:
أما ابن حزم الظاهرى فقال: الاحتباء جائز يوم الجمعة والإمام يخطب.
وروى عن ابن عمر أنه كان يحتبى يوم الجمعة والإمام يخطب. وكذلك عن أنس ابن مالك وشريح وصعصعة بن صوحان وسعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعى، ومكحول، وإسماعيل بن محمد بن سعد بن أبى وقاص، ونعيم بن سلامة، ولم يبلغنا عن أحد من التابعين أنه كرهه إلا عبادة بن نسى وحده، ولم ترو كراهة ذلك عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم (٢).
مذهب الزيدية:
أما الزيدية فقد ذهبوا الى عدم جوازه ونصوا على أنه لا لا يحتبى للخبر عن معاذ بن أنس أن النبى ﷺ نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب (٣).
مذهب الإمامية:
وقال الإمامية: يجوز الاحتباء ولو فى ثوب يستر العورة لما ورد فى الحديث عن الإمام الصادق - فيما رواه سماعة - قال سألت أبا عبد الله عن الرجل يحتبى بثوب واحد، فقال: إن كان يغطى عورته فلا بأس (٤).
وكرهوا الاحتباء فى المسجد الحرام لما رواه حماد عن الصادق إعظاما للكعبة (٥).
مذهب الإباضية:
وقال الإباضية: ولا يضر احتباء (٦).
إحتباس
المعنى اللغوى
جاء فى القاموس: «إحتبسه: حبسه فأحتبس، لازم ومتعد».
الإحتباس وسيلة لوجوب
نفقة الزوجة
وهذه يقتضى إن نبين ما يكون به الإحتباس وما يفوت به الإحتباس الموجب للنفقة فى المذاهب.
مذهب الحنفية:
يرى الحنفية، كما فى الهداية وشروحها (٧):
أن النفقة واجبة للزوجة على زوجها سواء كانت مسلمة أو غير مسلمة اذا سلمت نفسها اليه، فعليه نفقتها وكسوتها وسكناها، والأصل فى ذلك قوله تعالى:
«لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ» (٨)، ولأن النفقة
стр. 804
جزاء الإحتباس فكل من كان محبوسا بحق لغيره كالقاضى والعامل فى الصدقات والمفتى والوالى، والمضارب، والمقاتلة إذا قاموا بدفع عدو المسلمين .. والنساء محبوسات لحق الزوج فتجب نفقتهن عليهم مسلمات كن أو لا، ولو غنيات.
وقال كل من صاحبى فتح القدير والعناية تعليقا على قول الميرغينانى فى الهداية:
«اذا سلمت نفسها فى منزله» ليس شرطا لازما فى ظاهر الرواية، بل من حين العقد على الصحيح وإن لم تنتقل إلى منزل الزوج اذا لم يطلب الزوج انتقالها، فإن طلبه فامتنعت لحق لها كمهرها لا تسقط النفقة أيضا، وإن كان لغير حق فلا نفقة لها لنشوزها.
وقال بعض المتأخرين: لا نفقة لها حتى تزف إلى منزل الزوج، وهو رواية عن أبى يوسف، وليس الفتوى عليها.
ونقل الكمال عن بعض الفقهاء أن تسليمها نفسها شرط بالإجماع، وفيه نظر.
ونقل صاحب العناية ما يؤيد أن الشرط ليس بلازم على إطلاقه، فقال: أن النفقة حق المرأة، والانتقال حق الزوج فإذا لم يطالبها بالنقلة فقد ترك حقه، وهذا لا يوجب بطلان حقها.
ويقولون (١): إن المرأة إذا امتنعت عن تسليم نفسها قبل الدخول أو بعده حتى يعطيها المهر فلها النفقة لأنه منع بحق فكان فوت الإحتباس لمعنى من قبله فيجعل كأنه ليس بفائت، وإن نشزت فلا نفقة لها حتى تعود إلى منزله، لأن فوت الاحتباس منها وإذا عادت جاء الاحتباس فتجب النفقة، وإذا امتنعت من التمكين فى بيت الزوج فلها النفقة، لأن الإحتباس قائم والزوج يقدر على الوط ء كرها، وإن كانت صغيرة لا يستمتع بها فلا نفقة لها لأن امتناع الاستمتاع لمعنى فيها.
والإحتباس الموجب للنفقة ما يكون وسيلة إلى مقصود مستحق بالنكاح، ولم يوجد، لأن الصغيرة التى لا تصلح للجماع لا تصلح لدواعيه، لأنها غير مشتهاة، وإذا كان الزوج صغيرا لا يقدر على الوط ء وهى كبيرة فلها النفقة من ماله لأن التسليم قد تحقق منها، وإنما العجز من قبله فصار كالمجبوب والعنين، وإذا حبست المرأة فى دين (٢). فلا نفقة لها لأن فوت الاحتباس منها بالمماطلة، وإن كانا عاجزين بأن كانا صغيرين ففيه بحث.
قال الكمال: والتحقيق أن النفقة لا تجب الا بتسليمها لاستيفاء منافعها المقصودة بذلك التسليم، فيدور وجوبها معه وجودا وعدما فلا تجب فى الصغيرين، وتجب فى الكبيرة تحت الصغير.
قالوا: وإذا غصبها رجل كرها فذهب بها فلا نفقة لها، وعن أبى يوسف أن لها النفقة.
قال الميرغينانى: والفتوى على الأول لأن فوت الاحتباس ليس منه حتى يجعل باقيا تقديرا.
وإذا حجت مع محرم فلا نفقة لها لأن فوت الاحتباس منها، وعن أبى يوسف
стр. 805
آن لها النفقة لأن إقامة الفرض عذر، ولكن تجب عليه نفقة الحضر دون السفر لأنها هى المستحقة عليه، ولو سافر معها الزوج تجب النفقة بالاتفاق لأن الاحتباس قائم لقيامه عليها وتجب نفقة الحضر دون السفر.
واذا مرضت فى منزل الزوج قال الميرغينانى:
لها النفقة، والقياس إن لا نفقة لها إذا كان مرضا يمنع من الجماع لفوت الاحتباس للاستمتاع. وجه الاستحسان إن الاحتباس قائم فإنه يستأنس بها ويمسها وتحفظ البيت، والمانع بعارض فأشبه الحيض.
وعن أبى يوسف إنها إذا سلمت نفسها ثم مرضت تجب النفقة لتحقق التسليم ولو مرضت ثم سلمت نفسها لا تجب لها النفقة لأن التسليم لم يصح.
وقال الكاسانى فى الاستدلال بالمعقول (١):
أن المرأة محبوسة بحبس النكاح حقا للزوج ممنوعة عن الاكتساب بحقه، فكان نفع حبسها عائدا إليه فكانت كفايتها عليه لقوله ﷺ : «الخراج بالضمان» ولأنها إذا كانت محبوسة بحبسه ممنوعة من الخروج للكسب بحقه فلو لم تكن كفايتها عليه لهلكت، ولهذا جعل للقاضى رزق فى بيت مال المسلمين لحقهم لأنه محبوس لجهتهم ممنوع عن الكسب، فجعلت نفقته فى مالهم وهو بيت المال.
كذا هنا، وقال: إن سبب وجوب النفقة للزوجة عند أصحابنا استحقاق الحق الثابت بالنكاح للزوج عليها، والدليل على ذلك أن حق الحبس الثابت للزوج عليها بسبب النكاح مؤثر فى استحقاق النفقة لها عليه لما بينا.
ثم قال: إن النفقة تجب للزوجة فى العدة من نكاح صحيح بهذا السبب، وهو استحقاق الحبس للزوج عليها بسبب النكاح لأن النكاح قائم من وجه فتستحق النفقة كما كانت تستحقها قبل الفرقة بل أولى، لأن حق الحبس بعد الفرقة تأكد بحق الشرع وتأكد السبب يوجب تأكد الحكم، سواء كانت العدة عن فرقة بطلاق أو عن فرقة بغير طلاق من قبل الزوج أو من قبلها، إلا إذا كانت من قبلها بسبب محظور استحسانا. وأطال فى تفصيل ذلك.
وقال صاحب الدر أيضا (٢): لو سلمت نفسها بالليل دون النهار أو عكس ذلك، فلا نفقة لها لنقص التسليم.
ونقل عن المجتبى أن ذلك يدلنا على جواب واقعة فى زماننا، أنه لو تزوج من المحترفة التى تكون بالنهار فى مصالحها وبالليل عنده فلا نفقة لها. وقال فى النهر فيه نظر.
وبين ابن عابدين وجه النظر بأنها معذورة لاشتغالها بمصالحها بخلاف المقيس عليه
стр. 806
فإنه لا عذر لها فنقص التسليم منسوب إليها.
ونقل ابن عابدين عن الهندية أن الأمة إذا سلمها السيد لزوجها ليلا فقط فعلى السيد نفقة النهار وعلى الزوج نفقة الليل، وقياس المحترفة كذلك.
ثم قال ابن عابدين: إن له منعها من الغزل وكل عمل ولو قابلة ومغسلة. فان عصته وخرجت بلا أذنه كانت ناشزة ما دامت خارجة، وان لم يمنعها لم تكن ناشزة.
مذهب المالكية:
جاء فى متن خليل والشرح الكبير (١):
«تجب النفقة لممكنة من نفسها مطيقة للوط ء بلا مانع بعد أن دعت هى أو مجبرها (أى من له حق إجبارها على الزواج) أو وكيلها للدخول»، وعلق الدسوقى على ذلك نقلا عن ابن سلمون بقوله: ان الممكنة هى التى لا تمتنع من الوط ء إذا طلبت، بوأها زوجها معه بيتا أم لا.
وقال الدردير: إن النفقة لا تجب لغير ممكنة، أو التى لم يحصل منها أو من وليها دعاء، أو حصل قبل مضى زمن يتجهز فيه كل منهما، ولا لغير مطيقة، ولا مطيقة بها مانع كرتق إلا أن يتلذذ بها مع علمه بالمانع.
ثم قال (٢): ولها الامتناع من أن تسكن مع أقاربه كأبوية، إلا الوضيعة فليس لها الامتناع من السكنى معهم، وكذا الشريفة إن اشترطوا عليها سكناها معهم.
وعلق الدسوقى على ذلك بقوله إن لها حق الامتناع ولو بعد رضاها بسكناها معهم ولو لم يثبت الضرر لها بمشاجرة ونحوها.
ثم قال: والظاهر أنه ليس لها الامتناع من السكنى مع خدمه وجواريه.
وقال بعضهم: أن لها الامتناع من السكنى معهم ولو لم تحدث بينها وبينهم مشاجرة بدليل تعليل ابن رشد وغيره عدم السكنى مع أهله بقولهم لما عليها من الضرر باطلاعهم على أمرها وما تريد أن تستره عنهم من شأنها.
وقالوا (٣): إن النفقة تسقط ان منعت زوجها الوط ء أو الاستمتاع بدونه فتسقط نفقتها عنه فى اليوم الذى منعته فيه من ذلك، وكذلك إذا خرجت من محل طاعته بلا إذن ولم يقدر على ردها بنفسه أو رسوله أو حاكم ينصف، وهذا إن لم تكن حاملا وإلا فلها النفقة وإن خرجت.
وقيد الدسوقى الخروج المسقط للنفقة بما إذا كانت ظالمة فى ذلك الخروج لا ما إذا كانت مظلومة، ولا حاكم ينصفها.
стр. 807
ثم قال: أن الهاربة خفية لمكان مجهول تسقط نفقتها، ولو قدر على ردها أو علم بمكانها.
ويقول ابن رشد (١): إن هناك اختلافا فى شأن الزوج غير المبالغ هل تجب عليه النفقة، وسبب اختلافهم هل النفقة لمكان الاستمتاع أو لمكان أنها محبوسة على الزوج كالغائب والمريض.
وجاء فى المدونة (٢): إن مالكا يقول فى المريضة إذا دعته للدخول بها، وكان مرضها لا يمنع من الجماع فان النفقة لازمة للزوج، أما إذا كان لا يقدر على جماعها فى المرض فدعت إلى البناء بها وطلبت النفقة فان لها ذلك.
وقال مالك فى الأمة (٣): ان لها النفقة وان كانت تبيت عند أهلها.
وقال الدردير (٤): فى المطلقة: إن المطلقة رجعيا لا تسقط نفقتها مطلقا، والبائن تسقط نفقتها إن لم تحمل، على تفصيل فيما يجب من أنواع النفقة، على ما يتبين فى مصطلح «نفقة».
وقال خليل والدردير (٥): ان المرأة ان حبست فى دين فلا تسقط نفقتها لأن المنع من الاستمتاع ليس من جهتها وكذلك ان حبسته هى فى دين لها عليه لاحتمال أن يكون معه مال أخفاه فيكون متمكنا من الاستمتاع بأدائه لها، ولو حبسه غيرها لم تسقط بالأولى، وكذلك إذا حجت الفرض لا تسقط نفقتها ولو بغير أذنه أو حجت تطوعا بإذنه ولها نفقة الحضر.
مذهب الشافعية:
جاء فى الإقناع على متن أبى شجاع (٦):
إن النفقة واجبة للزوجة الممكنة نفسها تمكينا تاما لأنها سلمت ما ملك عليها فيجب ما يقابله من الأجرة لها ولا تجب بمجرد العقد لأنه ﷺ تزوج عائشة وهى صغيرة ودخل بها بعد سنتين ولم ينقل أنه أنفق عليها قبل الدخول، ولو كان حقا لها لساقه أليها، ولو وقع لنقل.
وعلل البجرمى فقال: إن النفقة دائرة مع التمكين وجودا وعدما.
ويقول الخطيب: فإن لم تعرض عليه زوجته مدة مع سكوته عن طلبها ولم تمتنع فلا نفقة لها لعدم التمكين، وان عرضت عليه وهى عاقلة بالغة مع حضوره فى بلدها كأن بعثت إليه تخبره أنى مسلمة نفسى اليك، فاختر أن آتيك حيث شئت أو تأتى إلى وجبت نفقتها من حين بلوغ الخبر، ولو اختلف الزوجان فى التمكين، فقالت مكنت فى وقت كذا فأنكر ولا بينة صدق بيمينه لأن الأصل عدمه (٧).
وعلق البجرمى على قول الخطيب «أن النفقة واجبة للزوجة الممكنة» فقال: ان
стр. 808
الممكنة تصدق بالمسلمة والذمية والأمة ويخرج بها غير الممكنة فلا نفقة لها.
ثم قال (١): إن عدم التمكين يحصل بأمور منها: النشوز، ومنها الصغر بخلاف الكبيرة اذا كان زوجها صغيرا فلها النفقة، ومنها العبادات التى تمنع التمكين، فإذا أحرمت بحج أو عمرة بغير إذنه وهى فى البيت فلها النفقة ما لم تخرج، لأنه قادر على تحليلها أو بإذنه فان لم يخرج معها فلا نفقة لها، وكذا إذا صامت تطوعا بغير اذنه أو امتنعت من الإفطار فليس لها النفقة.
ويقول: إذا نشزت بعض النهار سقطت جميع نفقة ذلك اليوم، وإذا نشزت بعض الليل سقطت نفقة اليوم الذى بعده.
ثم قال: إن التمكين غير التام يسقط النفقة كما اذا كانت صغيرة لا تطيق الوط ء ولو تمتع بالمقدمات وما إذا كانت أمة مسلمة له نهارا لا ليلا أو العكس أو فى نوع من التمتع دون الآخر.
وقالوا فى زوجة المعسر الذى أمهله الحاكم بالنفقة أن لها الخروج لتحصيل نفقة بكسب أو سؤال، وعليها رجوع لمسكنها ليلا لأنه وقت الدعة وليس لها منعه من التمتع.
وفى نهاية المحتاج (٢): أن النفقة تسقط بالنشوز ولو بحبسها ظلما أو حقا وإن كان الحابس هو الزوج وبالأولى تسقط لو حبسته ولو بحق للحيلولة بينه وبينها.
وقال (٣): أن المرض الذى يضر معه الوط ء والحيض أيضا عذر فى عدم تمكينها من الوط ء فتستحق المؤن.
قال: والخروج من البيت الذى رضى بإقامتها فيه ولو بيتها أو بيت أبيها بلا أذن منه ولا ظن رضاه نشوز، الا أن يشرف على الانهدام، أو الخروج لقاض لطلب الحق أو تعلم أو استفتاء ان لم يفتها زوجها أو المحرم، أو يخرجها معتد ظلما فليس بنشوز وتستحق النفقة.
وقال (٤): وتجب النفقة للمطلقة رجعيا حرة أو أمة ولو حاملا لبقاء حبس الزوج وسلطنته والبائن لا نفقة لها.
مذهب الحنابلة:
يقول ابن قدامه (٥) فى باب عشرة النساء:
إذا تزوج امرأة فطلب تسليمها إليه وجب ذلك وان عرضت نفسها عليه لزمه تسلمها ووجبت نفقتها وإن طلبها فسألت الأنظار أنظرت مدة جرت العادة أن تصلح أمرها فيها: ثم أن كانت حرة وجب تسليمها ليلا ونهارا وان كانت أمة لم يلزم تسليمها إلا بالليل لأنها مملوكة عقد على إحدى منفعتيها فلم يلزم تسليمها فى غير وقتها، وعلل ذلك (٦) فى موضع آخر بأن النفقة فى مقابلة
стр. 809
التمكين وقد وجد منها بالليل فتجب النفقة على الزوج فيه فقط.
ثم قال: وللزوج منعها من الخروج من منزله إلى ما يمكن الاستغناء عنه ولو لزيارة الوالدين أو عيادتهما أو حضور جنازة أحدهما ولا يجوز لها الخروج إلا بإذنه ولكن لا ينبغى للزوج منعها من عيادة الوالدين وزيارتهما .. وان كانت مسلمة فقال القاضى له منعها من الخروج الى المسجد.
وقال (١): وإذا رضيت بالمقام مع الزوج وهو معسر لم يلزمها التمكين من الاستمتاع وعليه تخلية سبيلها لتكتسب لها وتحصل ما تنفقه على نفسها لأن فى حبسها بغير نفقة اضررا بها ولو كانت موسرة أيضا وهو معسر لم يكن له حبسها لأنه إنما يملك حبسها اذ كفاها المئونة وأغناها ما لا بد لها منه، ولحاجته إلى الاستمتاع الواجب عليها فإذا انتفى الأمران لم يملك حبسها.
ويقول (٢): إن المرأة تستحق النفقة علي زوجها بشرطين:
أحدهما: أن تكون كبيرة يمكن وطؤها فان كانت صغيرة لا تحتمل الوط ء فلا نفقة لها لأن النفقة تجب بالتمكين من الاستمتاع ولأن من لا تمكن الزوج من نفسها لا يلزم الزوج نفقتها.
الثانى: أن تبذل التمكين التام من نفسها لزوجها فإن منعت نفسها أو منعها أولياؤها أو تساكنا بعد العقد فلم تبذل ولم يطلب فلا نفقة لها وان أقاما زمنا واستدل بحديث عائشة السابق.
ثم قال: ولأن النفقة تجب فى مقابلة التمكين المستحق بعقد النكاح، ولو بذلت تسليما غير تام لم تستحق النفقة إلا إذا كانت اشترطت ذلك فى العقد وتجب لها النفقة وإن غاب الزوج بعد تمكينها لأنها استحقتها بالتمكين ولم يوجد ما يسقطها، وأن غاب قبل تمكينها فلا نفقة لها عليه.
وإذا مكنت وزوجها صغير أجبر وليها على نفقتها من مال الصغير وأن بذلت الرتقاء أو الحائض أو المهزولة التى لا يمكن وطؤها أو المريضة تسليم نفسها لزمه نفقتها لأنه لا تفريط من جهتها (٣).
وللمرأة أن تمنع نفسها حتى تتسلم صداقها وإذا سافرت بغير إذنه سقطت نفقتها، وكذلك اذا انتقلت من منزله بغير إذنه وأن سافرت بإذنه فى حاجته فهى على نفقتها، وان كانت حاجة نفسها سقطت نفقتها لأنها فوتت التمكين لحظ نفسها إلا أن يكون مسافرا معها متمكنا من الاستمتاع بها، سواء كان سفرها لتجارة أو حج تطوع أو زيارة وان أحرمت بالحج الواجب أو العمرة الواجبة فى الوقت الواجب من الميقات فلها النفقة لأنها فعلت الواجب عليها بأصل الشرع فلم تسقط نفقتها كما لو صامت رمضان.
стр. 810
والقياس أن الاعتكاف بغير إذن كالسفر وان كان بإذنه فلا نفقة لها أيضا على قول الخرقى: وقال القاضى: لها النفقة.
وقال ابن قدامه (١): اذا طلق امرأته طلاقا بائنا فان كانت حاملا استحقت النفقة وإن كانت حائلا فلا نفقة لها على خلاف فى السكنى، والمطلقة رجعيا لها النفقة.
مذهب الظاهرية:
يقول ابن حزم (٢): على الزوج كسوة الزوجة ونفقتها مذ يعقد النكاح صغيرة كانت أو كبيرة دعى إلى البناء أو لم يدع نشزت أو لم تنشز حرة كانت أو أمة بوأت معه فى بيت أو لم تبوأ.
مذهب الزيدية:
يقول صاحب البحر الزخار (٣): تسلم البالغة نفسها تسليما تاما لا فى جهة دون أخرى، فإن قالت لا أسلم نفسى إلا فى هذا المكان أو بشرط ألا تكشف ثيابي فنشوز مسقط للنفقة، فإن عقد فلم يطالب ولا سلمت نفسها مدة فالمذهب وجوبها.
وقال الامام يحيى: ان تسليم الولى للبالغة الكارهة لا يوجب لها شيئا اذا لم يسلمها اذ لا ولاية للولى فى مالها، فإن أرادت تسليم نفسها للغائب أعلمت الحاكم فراسله وفرض لها بعد صحة تمرده، فإن عاقه عن تسلمها عائق فى سفره فلا نفقة لها حتى يتسلمها.
وإذا أسلمت المراهقة نفسها أو وليها فكالكبيرة، فان امتنعا فالقياس يقتضى كونه نشوزا.
وقال الإمام يحيى فى غير المراهقة ان تسليمها كلا تسليم، وإن صلحت وفى ذلك خلاف فى المذهب، وعليه نفقة الطفلة التى لا تصلح خلافا لبعضهم لأنها محبوسة من أجله غير ممتنعة كالمريضة وتلزم النفقة الصغير فى ماله.
وقال الإمام يحيى: يحتمل ألا تجب إذ لا تمكين. قلنا العذر من جهته كما لو هرب وخروجها بغير إذنه مسقط للنفقة فإن خرجت بإذنه لحاجته وجبت.
وجاء فى البحر أيضا فى الموضوع: وإذا امتنعت لتسليم المهر فلها النفقة إجماعا، وإذا نشزت ثم طلقت فلا نفقة للعدة ما لم تتب.
وفى موضع آخر (٤): ولا يلزم السيد تسليم أمته لزوجها نهارا لملكه استخدامها فان فعل لزمت نفقتها لتمام التسليم.
وقال الإمام يحيى: يحتمل إن يلزمها نصفها بتسليم الليل وتسقط نفقتها بالإحرام بغير إذنه، فان صامت بإذنه لم تسقط وله منعها من التطوع، فان صامت بعد منعه فناشزة وإن لم تخرج من المنزل.
مذهب الشيعة الجعفريه:
تجب نفقة الزوجة بالعقد الدائم بشرط التمكين الكامل (٥)، وهو أن تخلى بينه