تجوز من ثلث ماله. ولا تجوز من الصبى ورابعها. اذا جاءت جارية المحجور عليه بولد فأدعاه ثبت نسبه. واذا ادعاه الصبى لا يثبت.
هذه هى حدود الحجر على السفيه وذى الغفلة بمقتضى احكام الفقه. ويلاحظ أنهما مكلفان بسائر التكليفات الشرعية من صلاة وصيام وزكاة وحج ولزوم كفارات وغير ذلك من التكاليف التى كلف بها الشارع العقلاء كما انهما مسئولان عن الجنايات التى تقع منهما مسئولية جنائية كاملة. فتنزل بهما العقوبات المالية والبدنية المترتبة على تلك الجنايات والتى تنزل بغيرهما من الكاملين.
ولا يخضع السفيه وذو الغفلة للمحاكم الحسبية فى التصرفات غير المالية فله ان يتزوج من غير استئذان المحكمة ويطلق كذلك. اما التصرفات المالية فهى موضع الحجر كما اشرنا وكان يجوز له ان يقف امواله او يوصى بها باذن المحكمة كما كان يجوز له ان يتسلم امواله كلها أو بعضها. ويتولى ادارتها باذن من المحكمة وتحت اشرافها واشراف القيم عليه ولما جاء القانون رقم ١٤٩ لسنة ١٩٥٢ - الغى الأمر الأول وهو حق الوقف والوصية مكتفيا بما ذكر فى قانون الوقف والوصية من أحكام وشروط. وقد الغى الوقف وبقيت الوصية بما تضمنه قانونها .. اما الأمر الثانى وهو حق تسلم الاموال وادارتها وقد بين القانون المذكور ما يجوز لهما من التصرفات وما يدخل فى اعمال الادارة كبيع المحصولات وشراء ما يلزم لذلك. وقيد بعض الأعمال باذن خاص كتأجير المبانى والاراضى الزراعية لمدة تزيد على سنة. وأنه لا تجوز لهما التجارة الا باذن خاص مطلقا أو مقيدا وليس للمأذون ان يستوفى حقا أو يوفى دينا الا اذا كان الدين مترتبا على عمله اما اذا كان سابقا على ادارته فانه ليس عليه أن يوفيه الا باذن خاص .. ويعتبر المأذون له بادارة امواله كامل الأهلية فيما أذن له فيه وله التقاضى والمخاصمة بشأنه بما تقتضيه من مدافعة واقرار ..
وللمحكمة أن تسلب المحجور عليه حق ادارة الاموال أو تضيق دائرة الاذن من تلقاء نفسها بعد تقديم الحساب وظهور سوء ادارته أو بطلب الولى أو الوصى أو غيرهما ممن يهمهم أمر المحجور عليه أو بناء على طلب النيابة العامة متى تبين أن بقاء الأذن يعرض أمواله للضياع - وفى كل هذه الأحكام كان السفيه وذو الغفلة كالصبى القاصر اذا تولى ادارة امواله. وان الصبى لا يتولى ذلك الا اذا بلغ ثمانى عشرة سنة.
والمدين يرى الفقهاء أن المدين اذا امتنع عن اداء دينه مع القدرة على ذلك كان للدائن ملازمته وطلب حبسه ويجيبه الحاكم الى ذلك ما لم يثبت اعساره وذلك لأن مطل الغنى ظلم يحل عرضه وعقوبته كما ورد فى الأثر. والظلم يجب رفعه. فيحمل المدين على رفعه بالحبس الى أن يؤدى ما عليه لأنه قادر على ذلك وقد قرر جمهور الفقهاء ومنهم الامامان أبو يوسف ومحمد من أصحاب الامام أبى حنيفة أن المدين فى الوضع المشار اليه يحجر عليه ويباع ماله لسداد الدين. وقد خالف ابو حنيفة جمهور الفقهاء فى ذلك فمنع الحجر على المدين. ومنع بيع ماله لسداد دينه .. ولم يوافقهم الا فى حبس المدين القادر على الأداء وملازمته حتى يؤدى ما عليه والحجر انما يكون اذا كانت الديون مستغرقة كل ماله. ويكون موضع
стр. 7422
الحجر هو المال الذى كان للمدين وقت الحكم بالحجر - أما المال الذى يكتسبه بعد الحجر فأقواله تنفذ فيه دون أن يتوقف نفاذها على اجازة الدائنين - والحجر على المدين لا يكون الا من وقت الحكم به فتصرفاته كلها قبل الحكم بالحجر نافذة - وقد اتفق على ذلك أبو يوسف ومحمد - وقد سار أبو يوسف هنا على اصله الذى قرره فى السفيه وهو أن الحجر يبتدئ من وقت الحكم القاضى به. أما محمد فقد اختلف الحكم عنده فى المدين عنه فى السفيه ووجه الفرق أن الحجر على السفيه لمعنى فيه وهو سوء التدبير وفساد الرأى فأشبه المجنون والمعتوه فيكون الحجر من وقت قيام السبب كما فيهما .. اما الحجر على المدين فهو لحق الغرماء حتى لا تضيع - حقوقهم باطلاق التصرف له فيتوقف على قضاء القاضى بمنع التصرف منه لانه من باب العمل على رفع الظلم وايفاء الحقوق فيكون ملزما من وقت صدوره وكل تصرف بعد الحجر لا ينفذ الا باجازة الدائنين. وان لم يجيزوا لا ينفذ حتى يسدد الدين. واقراره بدين فى هذه الحالة لا يلزم الدائنين. ولكن عليه اداؤه بعد زوال الحجر أو من ماله الذى استفاده بعد الحجر.
وفى جواز الحجر على المدين يحتج الصاحبان بأن مصلحة الناس فى ذلك اذ لو نفذت تصرفاته واقراراته لأدى ذلك الى ضياع حقوق الدائنين فقد يبيع امواله بيعا صوريا ليهرب من اداء الدين أو يقر بالمال لغير الدائنين فتضيع حقوقهم. ودفع الظلم والاحتياط لحفظ الاموال واجب. وايضا فان الديون قد استغرقت امواله وتعلقت بها حقوق الدائنين فاذا تصرف فيها المدين بعد ذلك يكون التصرف فى مال تعلق به حق الغير.
واحتج أبو حنيفة فى منع الحجر عليه بأن الحجر فيه ضرر كبير بالمدين يفوق ضرر الدائنين بتأخير ديونهم اذ هو اهدار لآدميته ويمكن الجمع بين حقه فى حرية التصرف فى ماله وحق الدائنين فى استيفاء ديونهم.
وذلك بحبسه وحمله على الوفاء وان خوف بيع الاموال بيعا صوريا أو الاقرار بها للغير أمر غير واقع. وضرر المدين بالحجر امر واقع ولا يصح أن يدفعها خوف ظلم يتوقع الى ايقاع ظلم واقع ومحقق بالمدين.
وفى جواز بيع مال المدين جبرا عنه لوفاء ديونه يقول الصاحبان: أن البيع يجوز اذا طلب الدائن ذلك وأمر به القاضى سواء أكانت اموال المدين مستغرقة بالديون أم كانت غير مستغرقة. ويحتجان بأن النبى ﷺ باع مال معاذ بن جبل فى دين ركبه وان عمر بن الخطاب باع مال مدين فى دينه وقال: الا انى بائع ماله فقاسم ثمنه بين غرمائه بالحصص فمن كان له عليه دين فليفد. ولأن من يمتنع عن الوفاء بحق واجب عليه ومستحق الوفاء يقوم القاضى مقامه فى الوفاء لأنه ظالم بامتناعه. وواجب القاضى أن يرفع الظلم عن الناس وقال أبو حنيفة: لا يجوز بيع مال المدين لوفاء دينه بغير رضاه لقول النبى ﷺ .. لا يحل مال امرئ مسلم الا بطيب نفس منه. واذا كان واجب القاضى أن يرفع الظلم. فليس البيع متعينا طريقا لرفع الظلم. اذ يمكن حبسه حتى يؤدى .. وقول الصاحبين هو المفتى به.
стр. 7423
ويبدأ فى بيع المال ببيع ما يخشى عليه التلف من عروضه ثم مالا يخشى عليه منها ثم يبيع العقار لأن ذلك أصلح للمدين اذ العقار لا يرغب فيه فى كل الأوقات. وعرضه للبيع قد يبخس ثمنه. قال الزيلعى: والحاصل أن القاضى نصب ناظر لصالح المسلمين فينبغى أن ينظر الى المدين كما ينظر الى الدائن فيبيع ما كان أنظر اليه .. وبيع ما يخشى عليه التلف أنظر اليه.
مذهب المالكية:
يقول المالكية فى شأن المدين: أن المدين له ثلاثة أحوال:
الحالة الأولى:
أن يحيط الدين بماله قبل التفليس أى قبل أن يقوم عليه الغرماء ويحيطوا به ويحبسوه أو يستتر منهم ويحولوا بينه وبين ماله ويمنعوه من التصرف فيه وقبل أن يحكم عليه الحاكم بالتفليس بناء على طلب الغرماء كلهم أو بعضهم - وفى هذه الحالة لا يجوز للمدين أن يتلف شيئا من ماله بغير عوض فيما لا يلزمه فلا يجوز له هبة ولا صدقة ولا عتق ولا حبس (وقف) ولا اقرار بدين لمن يتهم عليه. واذا فعل شيئا من ذلك كان للغرماء ابطاله. ويجوز منه التصرفات المالية كالبيع والشراء وللغرماء منع هذا المفلس الذى أحاط الدين الحال أو المؤجل بماله بأن زاد عليه أو ساواه على الاظهر من التبرع وسائر التصرفات التى يذهب فيها المال لغير عوض ومن ذلك القرض وليس منه كسوة السائل ونفقة العيدين ونفقة ابنه وأبيه - كما لبعضهم منعه من اعطاء بعض ماله لغريم آخر فى دين مؤجل أو اعطاء كل ما بيده من المال لغريم حل دينه أما اعطاء بعض المال للغريم الذى حل دينه فلا يمنع منه .. ولا يعتبر اقرار هذا المدين بمال لمن يتهم عليه كابنه وأخيه وزوجته التى يميل اليها وصديقه الملاطف على المختار والأصح وللغريم منعه من ذلك بخلاف الاقرار لمن لا يتهم عليه كأجنبى ليس بصديق ملاطف فأنه يعتبر ولا يمنع منه. وله أن يتزوج واحدة والظاهر منعه من تزوج ما زاد على الواحدة لعفته بها .. ولا يحج حج تطوع وفى حج الفريضة خلاف وقول مالك فيه المنع.
الحالة الثانية:
أن يقوم عليه الغرماء فيسجنونه أو يقومون عليه فيستتر منهم فلا يجدونه فيحولون بينه وبين ماله. ويمنعونه من التصرفات المالية فى ماله بالبيع والشراء والأخذ والعطاء ولو بغير محاباه ومن التزوج. ولهم قسم ماله بالمحاصة.
الحالة الثالثة:
أن يحجر عليه الحاكم ويحكم بخلع ماله للغرماء لعجزه عن قضاء ما لزمه من الديون ويترتب على هذه الحالة أيضا منعه من التبرعات والتصرفات المالية وقسم ماله بين الغرماء وحلول ما كان مؤجلا من ديونه ويحجر عليه الحاكم بطلب الغرماء كلهم أو بعضهم وان طلب واحد وأبى غيره حكم عليه ويكون لمن لم يطلب محاصته من طلب فيما يأخذه من المال ..
ولا يفلس الا فى الدين الحال اصالة أو بانتهاء أجله الذى كان فلا يفلس فى مؤجل ويستوى أن يكون الدين الحال كله لطالب التفليس أو قبضه له وبعضه لغيره. وكذلك لا يفلس الا اذا زاد الدين على المال الذى بيد المفلس فلا يفلس بدين مساو للمال ولا تهتك حرمته ..
стр. 7424
وهذا ينافى أنه يمنع من التبرعات واذا لم يزد الدين على المال. ولكن يفى من المال فى يد المدين ما لا يفى بالمؤجل من الدين فقال اللخمى يفلس وهو المذهب. وقال المازرى لا يفلس لأن الديون المؤجلة لا يفلس بها. وذلك كمن عليه مائتان مائة حالة ومائة مؤجلة ومعه مائة وخمسون فالباقى بعد وفاء المائة الحالة لا يفى بالدين المؤجل فيفلس ولو أتى بحميل ويترتب على الفلس بمعناه الأخص وهو حكم الحاكم بخلع مال المفلس للغرماء. وعلى الفلس بمعناه الأعم وهو قيام الغرماء وحبسهم اياه أحكام أربعة الاول منع المفلس من التصرف المالى فى ماله كالبيع والشراء والاجارة. وأما منعه من التبرعات فأنه يحصل قبل الفلس بمعقليه بمجرد احاطة الدين بماله والثانى بيع ما وجد من ماله لحق الغرماء. والثالث حبسه عند الامتناع عن وفاء الدين مع القدرة على ذلك.
أى أن الحبس انما يكون عند جهل حاله حتى يثبت عدم اقتداره لاحتمال أنه أخفى ماله ..
والرابع أخذ الغريم عين ماله الذى يجده عند المفلس.
فبالنسبة للحكم الاول يمنع المفلس بالمعنى الأخص من تصرف مالى كبيع وشراء وكراء واكتراء ولو بغير محاباة ولا يمنع من التصرف فى ذمته كما لو التزم شيئا لغير رب الدين ان ملكه ثم ملكه فلا يمنع من دفعه اليه حيث ملكه بعد وفاء دينهم ولا يمنع من تصرف غير مالى كخلعه امرأته على مال لما فيه من أخذ المال وطلاقه زوجته وان ادى الى حلول مؤخر الصداق لما فيه من تخفيف المؤنة عنه. والمطلقة تحاصص بمؤخر صداقها سواء طلقها أو لم يطلقها فليس الطلاق موجبا لذلك ولا يمنع من ان يأخذ بالقصاص ممن جنى عليه او على وليه عمدا اذ ليس مالا بالاصالة لأن الواجب فيه على مذهب ابن القاسم اما القصاص أو العفو مجانا ..
وليس للمجنى عليه او عاقلته الزام الجانى بالدية. نعم لهم التراضى عليها وله العفو عن قصاص أو حد مما لا مال فيه بخلاف الخطأ والعمد الذى فيه مال مقرر فللغرماء منعه من العفو عن ذلك مجانا .. ويحل بالفلس الأخص أى ما كان بحكم الحاكم بخلع المال وبموت المدين ما أجل عليه من الدين لخراب ذمته فيهما فلو طلب بعض الغرماء بقاء دينه مؤجلا لم يجب الى ذلك لأن للمدين حقا فى تخفيف ذمته بحكم الشرع أما لو طلب جميع الغرماء بقاء ديونهم مؤجلة فلهم ذلك. وهذا هو المشهور من المذهب. ومقابله أن الدين المؤجل لا يحل بالمفلس ولا بالموت وحلول المؤجل بالفلس والموت ما لم يشترط المدين وعدم حلوله بهما وما لم يكن الموت بسبب قتل الدائن المدين عمدا. فان كان كذلك لم يحل المؤجل بهما - ولا يحل المؤجل بموت رب الدين او فلسه.
وقبل اقرار المفلس بالتعيين الاخص والاعم أى الذى حكم الحاكم بخلع ماله للغرماء لعجزه عن قضاء ديونه او الذى قام عليه الغرماء لحبسه ومنعه من التصرف فى ماله على الراجح فى الثانى - هذا المفلس بنوعيه اذا أقر فى المجلس الذى حكم عليه فيه بالحجر او قام الغرماء عليه فيه او بقرب المجلس بحيث لا يعد الفاصل بعيدا بحسب العرف - اذا اقر على هذا الوضع بدين فى ذمته ولمن لا يتهم عليه غير الغرماء يقبل اقراره بشرط ان يكون دين الغرماء ثابتا عليه باقراره لا بالبينة - فان كانت ديونهم ثابتة بالبينة ينظر فان كانت تستغرق
стр. 7425
ما بيد المفلس من المال ولم يعلم تقدم معاملة ولا خلطة بينه وبين هذا المقر له بالدين فلا يقبل الاقرار منه. وان كانت لا تستغرق ما بيده من المال او علم تقدم معاملة بينه وبين المقر له قبل اقراره ودخل ذلك المقر له مع الغرماء فى المحاصة بدينه المقر به - وفى حالات عدم قبول اقرار المفلس بالدين لمن لا يتهم عليه غير الغرماء بأن أقر بعد المجلس بقول أو كان دين الغرماء ثابتا بالبينة ويستغرق ما فى يده من المال ولم يعلم تقدم معاملة بينه وبين المقر له - فى هذه الحالات يكون الدين المقر به فى ذمته للمقر له يحاصص به فيما يتجدد للمفلس من مال بعد سداد ديون الغرماء ولا يتعلق له حق بالمال الذى بيد المفلس وقت الاقرار.
والذى تعلق به الغرماء … ويقبل من المفلس مطلقا بالمعنى الاخص او بالمعنى الاعم وسواء كان صحيحا او مريضا تعيين القراض والوديعة بأن يقول المال فى يده: هذا قراض او وديعة ويستوى فى قبول ذلك التعيين منه ان يعين صاحب القراض والوديعة أو لا يعينهما وان يكون هذا التعيين فى مجلس الحجر او قيام الغرماء او بعده يقرب او يطول .. انما يقبل منه تعيين القراض والوديعة على النحو المذكور اذا قامت بينة بأصلهما اى بأن عنده قراضا او وديعة او بأنه اقر بذلك قبل الحجر او قيام الغرماء وهذا عند ابن القاسم خلافا لأصبغ حيث قال: يقبل منه تعيين القراض والوديعة ولو لم تشهد بينة بأصلها واختاره للخمى. فان لم تقم بينة بأصلها فلا عبرة باقراره خلافا لأصبغ كما ذكر وهذا الاقرار مقبول ولو كان لمن يتهم عليه المفلس ولا يكون المقر به فى ذمة المفلس خلافا لما فى المسألة السابقة وهى الاقرار بالدين لأنه هناك أقر بشئ يثبت فى الذمة أما هنا فقد أقر بشئ معين وهو الذى حصل فيه الاقراض أو الوديعة وقد اعطى ما فى يده للغرماء فلم يبق فى ذمته شئ.
اما أن أقر مريض غير مفلس بالقراض أو الوديعة فيقبل منه الاقرار ولو لم تقم بينة على الأصل اذا أقر بمن لا يتهم عليه فان أقر لمن يتهم عليه قبل اقراره ان قامت بينة بأصله والا فلا يقبل. والفرق بين المريض والمفلس حيث اشترط القبول الاقرار فى الثانى قيام البينة على الأصل دون الأول - أما الحجر على المريض أضعف من الحجر على المفلس لأن للمريض أن يشترى لنفسه من ماله ما يحتاجه بخلاف المفلس.
والمختار عند اللخمى وهو قول ابن القاسم قبول قول الصانع فى تعيين ما بيده لأربابه كهذه السلعة لفلان مع يمين المقر له ولو متهما عليه بلا بينة على أصله لأن الشأن أن ما بيده أمتعة الناس وليس العرف الاشهاد عليه عند الدفع ولا يعلم الا من قوله فلا يتهم ان يقر به لغير ربه - وقد جاء فى حاشية الدسوقى على ذلك ان المفلس اذا كان صانعا وعين المصنوع أو كان غير صانع وعين القراض أو الوديعة. فالمسألة ذات اقوال أربعة:
الأول - لمالك فى العتبية عدم قبول تعيينه مطلقا خشية ان يخص صديقه.
والثانى - يقبل تعيينه القراض والوديعه ان قامت بأصله بينة. ويقبل تعيينه المصنوع مطلقا وهو لابن القاسم.
والثالث - يقبل تعيينه القراض والوديعة والمصنوع مطلقا وهو لأصبغ.
والرابع - لمحمد بن المواز - يقبل تعيين
стр. 7426
المفلس القراض والوديعة والمصنوع اذا كان على أصل الدفع أو على الاقرار قبل التفليس بينة .. قال اللخمى بعد حكاية هذه الاقوال وقول ابن القاسم فى الصانع أحسن لأن ما بيده أمتعة الناس. وليس العرف الاشهاد عليه عند الدفع له. وكذا قول أصبغ فى القراض والوديعة. فاللخمى اختار قول ابن القاسم فى تعيين الصانع وقول أصبغ فى تعيين القراض والوديعة - وقد مشى هنا فى كل من المسألتين على قول ابن القاسم (١).
والمفلس اذا حكم الحاكم عليه بالحجر خلع ماله وأخذ المال من تحت يده للغرماء انفك الحجر عنه وزال ولو لم يقسم المال بالفعل بين الغرماء - فاذا تجدد وله مال آخر بعد انفكاك الحجر الأول سواء كان هذا المال المتجدد عن أصل سابق كربح مال تركة بيده لبعض الغرماء الذين فلسوه من قبل أو كان عن معاملة جديدة أو كان عن غير أصل كميراث وهبة ووصية ودية فيكون من حقه أن يتصرف فى هذا المال الجديد حتى يحجر عليه غرماؤه الذين حجروا عليه اولا بباقى ديونهم او غرماء غيرهم بشرط ان يطلب هذا الحجر الجديد الغرماء او بعضهم وان يكون الدين المطلوب الحجر من اجله حالا.
فلو كان مؤجلا لا يحجر به. وان يكون الدين زائدا على مال المفلس الذى بيده فلو كان مساويا او اقل لا يحجر. وان لم يزد الدين ولكن يفى من مال المدين مالا يفى بالمؤجل من الدين فانه يحجر عليه على المذهب ولو أتى بحميل كمن عليه مائتان مائة حالة والاخرى مؤجلة ومعه مائة وخمسون فالباقى بعد وفاء المائة الحالة لا يفى بالدين المؤجل فيحجر عليه وينفك الحجر عن المفلس بأخذ المال منه ولو لم يحكم بزوال الحجر. فالحجر على المفلس ليس كالحجر على السفيه لعدم احتياج فك حجر المفلس الى حكم بخلاف حجر السفيه فأن فكه يحتاج للحكم - وخالف ابن القصار وتلميذه عبد الوهاب فقالوا: انه لا ينفك حجر عن محجور عليه الا بحكم الحاكم ولو أن المفلس مكن غرماءه من ان يأخذوا ماله الذى بيده فباعوه واقتسموا الثمن بينهم بنسبة ديونهم او اقتسموا أعيان المال بالذات بأن كان الدين الذى عليه موافقا للمال الذى بيده جنسا ونوعا وصفة .. ثم ان هذا المفلس تعامل مع آخرين وركبته ديون جديدة وفلسه الغرماء الجدد فلا يدخل الغرماء السابقون مع هؤلاء الجدد فى تفليسهم اياه ولا يأخذون شيئا من المال الذى تحت يده الا أن يفضل من هذا المال شئ بعد سداد ديون الآخرين فيتحاص الأقدمون فى هذه الفضلة بنسبة ما بقى من ديونهم - كما هو الشأن فيما اذا كان الحاكم قد فلسه وخلع ماله وأخذه من يده للغرماء حيث لا يشارك الأولون الآخرين فى شئ من المال الا أن يكون فضله فيتحاصون فيها أما اذا كان قد تجدد لهذا المفلس مال جديد بارث وصله وأرش جناية مثلا غير المال الخاص بالغرماء الآخرين. فان الأولين يشتركون مع الآخرين فى هذا المال الجديد أما بقية أحكام الحجر وهى بيع مال المفلس الذى تحت يده فى ديونه.
وحبسه حتى يدفع أو يثبت أعساره. ورجوع الانسان بعين شيئه الذى تحت يده. فليس فى شئ منها أحكام او فروع أو مسائل تتعلق بالاقرار. ومن ثم لا داعى للاطالة بذكر أحكامها
стр. 7427
ومسائلها (١). ثم قال: الحجر صفة حكمية توجب منع موصوفها من نفوذ تصرفه فيما زاد على قوته. أو تبرعه بزائد على تلف ماله.
فدخل بالتالف حجر المريض ودخل بالأول حجر الصبى والمجنون والسفيه والمفلس والرقيق فيمنعون من التصرف فى الزائد على القوت ولو كان التصرف غير تبرع كالبيع والشراء وأما المريض فلا يمنع من التصرف اذا كان غير متبرع أو كان متبرعا وكان بثلث ماله. وأما تبرعه بزائد عن الثلث فيمنع منه.
وأسباب الحجر كثيرة: منها الدين أى الفلس لأجل الدين ومنها السفه وهو التبذير وعدم حسن التصرف فى المال ومنها الجنون والصباء والمرض والرق والمجنون بصرع أو بوسواس سواء كان كل منهما مطبقا أو منقطعا محجور عليه من حين جنونه لأبيه أو وصيه ان كان له أب أو وصى وكان جنونه قبل البلوغ.
فان لم يكن له أب ولا وصى أو وجداهما ولكنه كان قد جن بعد البلوغ فالذى يحجر عليه الحاكم. ويمتد الحجر عليه الى وقت افاقته من الجنون. فاذا أفاق زال عنه حجر الجنون من غير احتياج الى فك. ثم بعد الافاقة وزوال حجر الجنون. ان كان صغيرا او سفيها حجر عليه حجر جديد لأجلهما. وان لم يكن صغيرا ولا سفيها. فلا يحجر عليه بعد الافاقة ولا ولاية للام من حيث الحجر والولاية وانما لها الحضانة .. والصبى الذكر محجور عليه بالنسبة لنفسه الى البلوغ وهو حجر الحضانة من تدبير نفسه وصيانة مهجته من الهلاك أو الفساد. فمتى بلغ عاقلا زال عنه هذا الحجر وزالت عنه ولاية الأب والوصى والحاكم من حيث تدبير نفسه وصيانة مهجته اذ يؤمن عليه حينئذ من وقوع فى مهواة أو عطب فلا يمنع من الذهاب حيث شاء الا أن يخشى عليه النساء لجماله مثلا فيكون لابيه أو وصيه أو المسلمين منعه. أما بالنسبة للمال فيستمر الحجر على الصبى الذكر الى بلوغه مع صيرورته حافظا لماله بعد البلوغ. فاذا صار حافظا لماله بعد البلوغ زال الحجر عنه وان لم يفك أبوه عنه. ويستثنى من ذلك ما اذا كان الأب قد حجر عليه فى وقت يجوز له ذلك وهو عند البلوغ فانه لا ينفك الحجر عنه بالبلوغ وصيرورته حافظا للمال بل لا بد من ان يفك ابوه الحجر عنه - وهذا بالنسبة للصبى ذى الأب أى الذى له أب موجود اما اذا كان له وصى أو مقدم فانه لا بد لزوال الحجر عنه من ان يفكه عنه الوصى او المقدم ولا يكفى بلوغه مع صيرورته حافظا للمال وذلك لان الأب لما ادخل ولده فى ولاية الوصى أو المقدم صار بمنزلة ما لو حجر عليه بنفسه فلا ينتقل الحجر ولا يزول الا بالاطلاق .. ألا ترى أن الولد لو حجر عليه أبوه للسفه قبل البلوغ أو بعده بالقرب منه بأن قال: أشهدوا أنى حجرت على ابنى فان هذا الولد لا يزال باقيا فى حجره ولو صار يحسن التصرف فى المال ولا ينفك الحجر عنه الا اذا قال أبوه: فككت الحجر عنه أو بحكم حاكم باطلاقه .. هذا كله بالنسبة للذكر أما الأنثى فيستمر الحجر عليها بالنسبة لنفسها الى سقوط حضانتها بزواجها والبناء بها. وأما بالنسبة للمال فيستمر الحجر عليها ولا ينفك عنها الا اذا بلغت وحسن
стр. 7428
تصرفها وشهد العدول لها بصلاح حالها ودخول الزوج وبذلك ينفك الحجر عنها على الاظهر دون توقف على ازالة الحجر عنها من الأب ولو جدد حجرا عليها على خلاف الصبى. أما اذا لم يكن لها أب وكان لها وصى او مقدم فلا ينفك الحجر عنها الا بأمور خمسة: البلوغ وحسن التصرف وشهادة العدول لها بذلك ودخول الزوج بها وفك الوصى او المقدم الحجر عنها.
فان لم يفكا الحجر عنها كان تصرفها مردودا ولو عست أو دخل بها الزوج وطالت اقامتها عنده. وهذا على الأظهر. وبمقابله أنه لا بد مع الشهادة بصلاح حالها ان يمضى عام بعد الدخول بها او ستة اعوام او سبعة فاذا مضى ما ذكر انفك الحجر عنها دون توقف على فك ابيها الحجر عنها. اما الوصى والمقدم فلا بد من فكهما الحجر عنها مع ما ذكر وضمن الصبى ولو غير مميز ما أفسد فى ماله إن كان له مال وألا اتبع بالقيمة فى ذمته. وهذا هو الصواب قال ابن عرفة: الا أن يكون الصبى ابن شهر فانه لا يضمن لأنه كالعجماء. ومحل ضمان الصبى اذا لم يؤمن على المال الذى أفسده أى يستحفظ عليه بأن يودع عنده مثلا فان أمن لم يضمن بالاتلاف ومثل الصبى فيما ذكر السفيه.
قال ابن الحاجب: ومن أودع صبيا أو سفيها أو أقرضه فأتلفها لم يضمن ولو أذن له أهله فى أخذ الوديعة او القرض .. قال فى التوضيح: وانما لم يضمن لأن صاحب السلعة قد سلطه عليها بالايداع او الاقراض فلا يضمن لعدم التعدى ولأنه محجور عليه ولو ضمن المحجور لبطلت فائدة الحجر. قال اللخمى وغيره الا أن يصرف الصبى او السفيه ما أودع لديه فيما لا بد له منه وله مال قد صانه بالصرف من الوديعة فيرجع عليهما حينئذ بالأقل مما أتلفاه وما صاناه من مالهما - اما المجنون اذا اتلف مالا فلا يتصور أن يكون قد جعل أمينا على المال المتلف بالايداع مثلا كالمميز والسفيه وفيما أتلفه ثلاثة أقوال: الأول: أن المال المتلف مضمون فى ماله. ودية جنايته فى نفس أو عضو على العاقلة. وهذا هو القول الراجح لأن الضمان من باب خطاب الوضع الذى لا يشترط فيه التكليف بل ولا التمييز. والثانى ان المال هدر والدية على العاقلة. والثالث: ان كليهما هدر .. وصحت وصية المميز كالسفيه اذا لم يخلط فيها بأن لا يتناقض فيها حيث تكون فى هذه الحالة صحيحة سواء كانت لفقير او لغنى وسواء كان الموصى صالحا او فاسقا. أما لو تناقض فيها بأن قال: اوصيت لزيد بدينار ثم قال أوصيت لزيد بدينارين كانت باطلة. أو بأن يوصى بقربة. فلو أوصى بغيرها كأيصائه لأهل المعاصى كانت باطلة.
والمحجور عليه المميز او السفيه اذا تصرف فى ماله بمعاوضة مالية بغير اذن وليه وكانت تلك المعاوضة على وجه السواء ولأجل انفاقه على نفسه فيما لا بد له منه واستوت المصلحة فى اجازة التصرف ورده فانه يثبت لوليه اذا اطلع على التصرف الخيار بين اجازته ورده.
وهذا هو المشهور ولا فرق بين كون المبيع عقارا او غيره ولو لم يكن عنده غيره - وهذا اذا استوت المصلحة فى الاجازة والرد فأن تعينت فى أحدها تعين - اما ان كان التصرف بغير معاوضة كهبة وعتق فيتعين على الولى رده - وللمحجور عليه ان يرد تصرف نفسه اذا لم يعلم وليه بالتصرف او لم يكن له ولى اذا رشد - سواء كان التصرف مما يجوز للولى رده كالبيع والشراء - أى المعاوضة أو كان مما يجب رده
стр. 7429
كالعتق والهبة بدون معاوضة .. واذا تصرف المحجور ببيع او هبة او عتق ولم يطلع على ذلك الا بعد موته فهل لوارثه ان يرده من بعده كما كان له هو أن يرده فى حياته او ليس للوارث حق الرد؟ قولان مرجحان ..
وليس للولى ان يرد تصرف المحجور فيما هو ضرورى لحياته وعيشه وعيش ولده ورقيقه ومن تلزمه نفقته بالمعروف. ويصح من السفيه البالغ تطليق امرأته واستلحاق نسب الولد لاعن فيه أو لا ونفى نسبه بلعان وقصاص لجناية منه على غيره فى نفس او جرح والعفو عن القصاص عن جان عليه او على وليه عمدا أما الخطأ فليس له العفو فيه لأنه مال. وأقرار بعقوبة كقوله: قطعت يد زيد أو قذفته - وليس للولى ان يرد شيئا من هذه التصرفات ولا للمحجور عليه أن يردها.
والعلة فى بطلان تصرف السفيه هو الحجر عند الامام مالك لتصرفه قبل الحجر محمول على الاجازة لانعدام علة البطلان ..
وهى السفه عند امام ابن القاسم فتصرفه قبله محمول على البطلان عنده لوجود العلة وهى السفه وينبنى على القولين العكس فى الحكم اذا رشد ولكن لم يرفع عنه الحجر فعند الامام مالك تصرفه باطل لوجود علة وهو الحجر.
وعند ابن القاسم صحيح لزوال علة البطلان وهى السفه وان بقى الحجر.
والولى على المحجور عليه من صغير أو سفيه لم يطرأ عليه السفه بعد البلوغ فان طرأ عليه السفه بعد البلوغ. كان الحجر عليه للحاكم لا للأب - الأب الرشيد لا الجد والعم والأخ بايصاء من الأب وله البيع فى مال المحجور عليه مطلقا ولو عقارا بدون ذكر السبب بل بدون سبب لحمل تصرفاته على السداد عند كثير من أهل العلم ثم يلى الأب وصية وان بعد. وهل هو كالأب له البيع مطلقا دون ذكر السبب وان كان لا بد من سبب فى الواقع الا فى العقار فأنه يلزم بيان السبب فى بيعه خلاف. والقولان مشهوران.
مذهب الشافعية:
اقرار المحجور عليه
جاء فى نهاية المحتاج (١): ان الحجر لغة المنع وشرعا المنع من التصرفات المالية ..
والأصل فيه قوله تعالى: «وابتلوا اليتامى حتى اذا بلغوا النكاح .. وقوله: ولا تؤتوا السفهاء اموالكم التى جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا. وقوله:
فان كان الذى عليه الحق سفيها او ضعيفا او لا يستطيع ان يمل هو فليملل وليه بالعدل» نبه على الحجر بالابتلاء .. وكنى عن البلوغ ببلوغ النكاح. والضعيف الصبى. والذى لا يستطيع ان يمل المغلوب على عقله.
والسفيه المبذر. واضافة مال المولى عليه للولى لتصرفه فيه. وقد صح. خذوا على ايدى سفهائكم .. والحجر نوعان نوع شرع لمصلحة الغير ومنه حجر المفلس فى ماله لحق الغرماء وحجر الراهن للمرتهن فى العين المرهونة وحجر المريض للورثة فيما زاد على الثلث حيث لا دين وفى الجميع ان كان عليه دين مستغرق. والعبد لسيده والمرتد للمسلمين وغير ذلك مسائل كثيرة. ونوع شرع لمصلحة المحجور عليه كحجر المجنون والصبى والمبذر.
فبالجنون تنسلب الولايات الثابتة للشخص
стр. 7430
بالشرع كولاية النكاح أو بالتفويض من الغير كالايصاء والقضاء لأنه اذا لم يل أمر نفسه وهو على هذه الحال فأولى ان لا يلى امر غيره.
ويسلب ايضا اعتبار أقواله له وعليه فى الدين والدنيا كالاسلام والمعاملات لانتفاء قصده وسكوته عن الافعال لأن من أفعاله ما يعتبر منه كأحباله واتلافه مال الغير وتقرير المهر بوطئه وترتب الحكم على ارضاعه. ومنها ما لا يعتبر منه كالصدقة والهدية .. والصبى كالمجنون فى الأقوال والأفعال الا أن الصبى المميز - يعتبر قوله فى اذن الدخول وايصال الهدية.
ويعتبر احرامه باذن وليه وتصح عبادته وله ازالة المنكر ويثاب عليه كالبالغ.
ويرتفع حجر المجنون بالافاقة منه من غير فك ولا اقتران بشئ اخر كايناس رشد ..
وقضيته عود الولايات واعتبار الاقوال .. نعم الولاية الجعلية كالقضاء لا تعود الا بولاية جديدة .. فلعل المراد عود الاهلية .. وحجر الصبا يرتفع من حيث الصبا ببلوغه. ويرتفع مطلقا ببلوغه رشيدا. لقوله تعالى: «وابتلوا اليتامى حتى اذا بلغوا النكاح فان آنستم منهم رشدا فادفعوا اليهم أموالهم» والابتلاء الاختبار والامتحان والرشد ضد الغى وفى خبر أبى داود - لا يتم بعد احتلام. والمراد من ايناس الرشد العلم به. واصل الايناس الابصار - واذا انقطع حجر الصبا ببلوغه مبذرا يخلفه حجر السفه. وان بلغ رشيدا ينقطع الحجر مطلقا.
والبلوغ يحصل باستكمال خمسة عشرة سنة قمرية تحديدية حتى لو نقصت يوما لم يحكم ببلوغه او بخروج المنى لوقت امكانه من ذكر أو أنثى لقوله تعالى «واذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا» وخبر رفع القلم عن ثلاث عن الصبى حتى يحتلم. ووقت امكانه استكمال تسع سنين قمرية تحديدية بالاستقراء وتزيد الأنثى حيضا لوقت امكانه بالاجماع وحبلا. والبلوغ فى الحقيقة بالانزال والولادة المسبوقة بالحبل دليل عليه ومن ثم يحكم بالبلوغ قبلها بستة اشهر ولحظة .. والرشد صلاح الدين والمال فلا يفعل محرما يبطل العدالة من كبيرة او اصرار على صغيرة ولا يبذر بأن يضيع المال باحتمال غبن فاحش قبل المعاملة بخلاف اليسير كبيع ما يساوى عشرة بتسعة او يرمى المال فى بحر او نار او ينفقه فى محرم ولو صغيرة لما فيه من قلة الدين. والتبذير الجهل بمواقع الحقوق. والسرف الجهل بمقادير الحقوق .. والاصح ان صرف المال فى الصدقة وباقى وجوه الخير والمطاعم والملابس التى لا تليق بحاله ليس تبذيرا لأنه فى الاولى يقصد الثواب ولا سرف فى الخير كما لا خير فى السرف وفى الثانية المال يتخذ للانتفاع والتلذذ. وقيل يكون تبذيرا عادة - ويختبر رشد الصبى فى الدين بمشاهدة حاله فى العبادات وتجنب المحظورات وتوقى الشبهات وفى المال بحسب الاحوال. فيختبر ولد التاجر بالبيع والشراء والمماكسة فيهما وولد الزارع بالزراعة والنفقة على القائمين بها .. والمحترف بما يتعلق بحرفته أى بحرفة أبيه فيختبر ولد الخياط مثلا بتقدير الاجرة وتختبر المرأة بما يتعلق بالغزل والقطن من حفظ وغيره ..
ويشترط تكرار الاختبار مرتين او اكثر حتى يغلب على الظن رشده .. ووقته قبل البلوغ بحيث يظهر رشده ليسلم اليه ماله. وقيل بعده ليصح تصرفه فلو بلغ غير رشيد دام
стр. 7431
الحجر أى جنسه (١) والا فقد انقطع حجر الصبى ببلوغه وخلفه حجر السفه. وان بلغ رشيدا انفك الحجر عنه بنفس البلوغ واعطى ماله ولو امرأة فيصح تصرفها حينئذ بدون حاجة الى اذن الزوج. وقيل يشترط فك القاضى لأن الرشد يحتاج الى نظر واجتهاد ..
ورد بأنه حجر ثبت من غير حاكم فلم يتوقف زواله على ازالة الحاكم كحجر الجنون فلو بذر بعد بلوغه رشيدا حجر الحاكم عليه دون غيره من أب أو جد لوقوعه فى محل الاجتهاد لقوله تعالى «ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التى جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم» وخبر. خذوا على ايدى سفهائكم. نعم نقل الرويانى عن الشافعى - استحباب رد الحاكم امره بعد الحجر عليه الى ابيه أو جده فان لم يكن فلعصباته لشفقتهم.
ويستحب الاشهاد على حجر السفيه ولو رأى النداء عليه ليجتنب فى المعاملة. وعلى هذا لو عاد رشيدا لم ينفك الحجر الا برفع من الحاكم كما لا يثبت الا بحكم منه. وقيل يعود الحجر بلا اعادة كالجنون وتصرفه قبل الحجر عليه صحيح - ولو فسق مع صلاح تصرفه فى المال بعد بلوغه رشيدا لم يحجر عليه فى الأصح لان الاولين لم يحجروا على الفسقة. والثانى يحجر عليه كالاستدامة وكما لو بذر ومن حجر عليه لسفه طرأ بعد البلوغ رشيدا فوليه القاضى لأنه الذى يعيد الحجر على هذا الرأى اذ ولاية الأب ونحوه زالت فصار النظر لمن له الولاية التامة .. وقيل وليه فى الصغر كما لو بلغ سفيها. واذا قلنا بعود الحجر بنفس السفه فوجهان أصحهما انه القاضى أيضا. وحاصل ذلك أن فيه طريقين أصحهما القطع بأنه للقاضى .. ولو طرأ جنون فوليه وليه فى الصغر وهو الأب ثم الجد وقيل وليه القاضى - والفرق بين الصحيحين أن السفه مجتهد فيه فاحتاج الى نظر الحاكم بخلاف الجنون.
ولا يصح من المحجور عليه لسفه حسا أو شرعا بيع ولو بغبطة أو فى الذمة ولا شراء .. وان أذن له الولى وقدر العوض لان تصحيح ذلك منه يؤدى الى بطلان معنى الحجر ولأنهما اتلاف أو مظنة الاتلاف ولا اعتاق ولو بعوض كالكتابة لانه اتلاف ويبطل معنى الحجر فلو كان بعد الموت كتدبير ووصية صح لانه لا يضره فى الحياة. ولا هبة منه للغير لما فيها من اتلاف المال بخلاف الهبة له فأنها تصح مع كون المخاطب بها سفيها لانه تحصيل مال وليس بتفويت ويصح قبوله الهبة دون الوصية لأنه ليس أهلا لأن يتملك بعقد وقبوله الوصية تملك.
وليس قبول الوصية على الفور فأنيط بالولى لعدم حصول ضرر بالتأخير أما قبول الهبة فالمصلحة تقضى بجعله له لاشتراط اتصال قبولها بأيجابها فكان فوريا وقد يوجد أيجابها مع غيبة الولى فلا مصلحة فى أناطة القبول فيها بالولى. ولان ايجابها ليس تملكا فجعل للمحجور الحق فيه - واذا كان الراجح جواز قبول الهبة فلا يجوز تسليم الموهوب اليه:
وأن سلمه فلا ضمان. ولا يصح منه قبول النكاح لنفسه بغير اذن وليه لانه اتلاف للمال او مظنة اتلافه. أما قبوله النكاح لغيره بالوكالة فصحيح كما قاله الرافعى فى الوكالة.
стр. 7432
وأما ايجابه فى النكاح فلا يصح منه مطلقا لا أصالة ولا وكالة ولو بأذن الولى.
ولو اشترى المحجور عليه لسفه أو اقترض من غير محجور عليه وقبض باذن من باعه أو أقرضه أو باقباضه وتلف المأخوذ فى يده قبل المطالبة له برده أو اتلفه المحجور فلا ضمان عليه فى الحال ولا بعد فك الحجر عنه لانه مسلط من قبل المالك بالاذن او الاقباض واستمر على ذلك بعدم المطالبة بالرد. ولكنه يأثم بالاتلاف لانه مكلف بخلاف الصبى ..
وقضية الكلام عدم الضمان ظاهرا وباطنا وبه صرح الامام الغزالى وصححه صاحب الافصاح وحكاه فى البحر عن ابن ابى هريرة وهو المعتمد. وما نقل عن نص الأم فى باب الاقرار من أنه يضمن بعد انفكاك الحجر حكاه الامام الغزالى وجها وضعفاه بأنه لو وجب باطنا لم تمتنع المطالبة به ظاهرا .. أما لو بقى بعد رشده ثم أتلفه ضمنه وكذا لو تلف وقد أمكنه رده بعد رشده .. فلو قال مالكه: أنما اتلفه بعد رشده. وقال آخذه بل قبله. فان أقام بينة برشده حال أتلافه غرمه. والا فالمتبادر تصديق أخذه بيمينه. وفيه نظر قاله الاذرعى. قال: وكل ذلك تفقه فتأمله.
وكله صحيح جار على القواعد أما لو اشترى أو اقترض من محجور عليه أو من غير محجور عليه وقبض بغير اذنه أو أقباضه أو تلف المأخوذ فى يده بعد المطالبة برده - فانه يضمنه فى كل ذلك كما نقل القطع به فى الصورتين الأوليين فى الروضة عن الأصحاب.
وجزم به ابن المقرى فى الثالثة وفاقا لتصريح الصيدلانى. واقتصار المصنف على الشراء والاقتراض تمثيل. فلو نكح المحجور رشيدة مختارة ووطئها لم يلزمه شئ من المال أما لو كانت سفيهة أو مكرهة يلزمه مهر المثل. وسواء فى ذلك علم من عامله حاله أو جهلها لأن من عامله سلطه على اتلافه بأقباضه وكان من حقه أن يبحث عنه قبل معاملته.
ويصح نكاحه باذن الولى - ولا يصح تصرفه المالى ولو باذن الولى فى الأصح لأن عبارته مسلوبة كما لو أذن لصبى. والثانى يصح كالنكاح. وفرق الأول بأن المقصود بالحجر عليه حفظ المال دون النكاح .. ومحل الخلاف اذا عين له وليه وقدر له الثمن والا لم يصح جزما وفيما اذا كان بعوض كالبيع. فلو خلا عنه كعتق وهبة لم يصح جزما أيضا ويستثنى من الاطلاق ما يعتبر ضروريا كالطعام فيجوز له التصرف فيه كما بحثه الامام. ومالو صالح عن قصاص ولو على أقل من الدية لأن له العفو مجانا فببدل اولى وقبضه دينه بأذن وليه.
ولا يصح اقراره بنكاح كما لا يملك انشاءه ولا بدين فى معاملة أسند وجوبه الى ما قبل الحجر أو الى ما بعده كالصبى.
ولا يقبل اقراره بعين فى يده فى حال الحجر.
وكذا باتلاف المال أو بجناية توجب المال فى الأظهر كدين المعاملة. والثانى يقبل لأنه اذا باشر الاتلاف يضمن فاذا أقر به قبل. ورد بأن الصبى يضمن ما اتلفه ولا يقبل اقراره به جزما وأفهم التعبير بنفى الصحة (ولا يصح) عدم المطالبة به حال الحجر وبعد فكه ظاهرا وباطنا. وهو كذلك. ويحمل القول بلزوم ذلك له باطنا اذا كان صادقا على ما اذا كان سببه متقدما على الحجر أو مضمنا له فيه.
نعم لو أقر بعد رشده بأنه كان اتلف مالا لزمه
стр. 7433
الآن قطعا كما نقله فى زيادة الروضة فى باب الاقرار.
ويصح اقراره بالحد والقصاص لعدم تعلقهما بالمال ولبعد التهمة. وسائر العقوبات مثلهما فى ذلك. ولو كان الحد سرقة قطع ولا يلزمه المال. ولو عفا مستحق القصاص بعد اقراره ..
ويصح طلاقة مجانا ورجعته وخلعه زوجته ولو بأقل من مهر مثلها. ويصح ظهاره وايلاؤه ونفيه النسب لما ولدته زوجته بلعان أو غيره ونحوها كاستيفاء القصاص وحد القذف. لكن يسلم المال فى الخلع الى وليه أو اليه باذن وليه لصحة قبض دينه باذن الولى لأن هذه التصرفات فيما عدا الخلع لا تعلق لها بالمال الذى حجر عليه لاجله أما الخلع فهو كالطلاق بل أولى وهو خاص بالرجل للمعنى المذكور لكن يسلم المال الى الولى او للمحجور باذن الولى كما ذكر … ويصح استلحاقه النسب ويتفق عليه من بيت المال - ولو أقر باستيلاد أمته لم يقبل. نعم لو ثبت كون الموطوءة فراشا له وولدت لمدة الامكان ثبت الاستيلاد قاله السبكى لكنه فى الحقيقة لم يثبت باقراره. وحكمه فى العبادة البدنية واجبة أو مندوبة كالرشيد لاجتماع الشرائط فيه. أما منذورة المال كصدقة التطوع فليس كالرشيد فيه. ومثله ما فيه ولاية وتصرف مالى كالزكاة فانه لا يفرقها بنفسه لما تقرر من أن المقصود من الحجر عليه حفظ ماله. نعم أن اذن له وليه وعين له المدفوع اليه صح صرفه كنظيره فى الصبى المميز والكفارات ونحوها كالزكاة فى ذلك.
وجاء فى الاشباه والنظائر (١) - قال المحاملى: والحجر أربعة أقسام الأول: يثبت بلا حاكم وينفك بدونه وهو حجر المجنون والمغمى عليه. الثانى - لا يثبت الا بحاكم ولا يرتفع الا به وهو حجر السفيه - الثالث لا يثبت الا بحاكم فى انفكاكه بدونه وجهان وهو حجر المفلس والرابع ما ثبت بدون حاكم. وفى انفكاكه وجهان وهو حجر الصبى اذا بلغ رشيدا.
وفى صفحة ٥٢٣ منه - المفلس يجوز شراؤه فى الذمة ونكاحه بلا اذن الولى وقبضه عوض الخلع. والسفيه لا يصح منه شئ من ذلك. فى نهاية المحتاج انه يجوز بأذن الولى لصحة قبضه دينه باذن الولى.
المفلس: جاء فى نهاية المحتاج (٢) أن الحجر على المفلس لسفه هو النداء عليه وشهره الافلاس. وشرعا جعل الحاكم المديون مفلسا يمنعه من التصرف فى ماله والأصل فى هذا الحجر ما صح أن النبى ﷺ حجر على معاذ بن جبل وباع ماله فى دين كان عليه وقسمه بين غرمائه فأصابهم خمسة أسباع حقوقهم. فقال لهم النبى ﷺ :
ليس لكم الا ذلك. ثم بعثه الى اليمن وقال له: لعل الله يجبرك ويؤدى عنك دينك فلم يزل باليمن حتى توفى رسول الله ﷺ . ومن عليه ديون لآدمى لازمة حالة زائدة على ماله يحجر عليه وجوبا كما هى القاعدة الاكثرية. ما جاز بعد منعه كان واجبا وشمل ما اذا كان الحجر بسؤال الغرماء أو بسؤال المفلس - فلا حجر بدين الله تعالى كالزكاة والكفارات والنذر. ولو كانت فورية.
стр. 7434
ولا حجر بالديون المؤجلة لأنه لا مطالبة بها فى الحال.
والذى يحجر على المفلس هو الحاكم لاحتياجه الى النظر والاجتهاد - وفى الحجر مصلحة للغرماء. فقد يخص بعضهم بالوفاء فيضر الباقين. وقد بتصرف فى المال فيضيع حق الجميع ويكفى فى صيغة الحجر من الحاكم منع التصرف أو قوله حجرت بالفلس - واذا حجر بدين حال لم يحل المؤجل فى الأظهر لأن الأصل مقصود فلا يفوت عليه والثانى يحل لأن الحجر يوجب تعلق الدين بالمال فسقط الأجل كالموت. ورد بأن الموت يوجب خراب الذمة - ولو كانت الديون بقدر المال فان كان كسوبا ينفق من كسبه فلا حجر لعدم الحاجة بل يلزمه الحاكم بقضاء الديون. فان امتنع باع عليه أو أكرهه عليه - فان التمس الغرماء الحجر عند الامتناع حجر فى أظهر الوجهين.
وان زاد ماله على دينه انتهى .. وان لم يكن كسوبا وكانت نفقته من ماله فكذلك لا حجر عليه فى الأصح لتمكنهم من المطالبة فى الحال والثانى يحجر عليه لئلا يضيع ماله فى النفقة.
ولا يحجر عليه بغير طلب من الغرماء أو من يخلفهم - فان كان الدين المحجور عليه ولم يسأل وليه وجب على الحاكم الحجر من غير سؤال لانه ناظر لمصلحته. ومثله ما لو كانت لمسجد أو لجهة عامة كالفقراء والمسلمين فيمن مات وورثه المسلمون وله مال على مفلس والدين مما يحجر به - ولو طلب بعض الغرماء الحجر ودينه قد يحجر به بأن زاد على المال حجر به لتوفر شروط الحجر. ولا يقتصر أثر الحجر على الطالبين بل يعمهم وان لم يكن الدين مما يحجر به بأن لم يزد على المال فلا حجر ويحجر بطلب المفلس ولو بوكيله فى الأصح. ومقابله لا يحجر بطلبه لأن الحق لهم فاذا حجر عليه تعلق حق الغرماء بالمال حتى لا ينفذ تصرفه بما يضرهم ولا تزاحمهم فيه الديون الحادثة ..
وأشهد الحاكم استحبابا على الحجر ليحذر الناس معاملته فيأمر من ينادى فى البلد أن الحاكم حجر على فلان .. ولو تصرف المحجور تصرفا ماليا مبتدأ كأن باع أو وهب أو اشترى بالعين أو اعتق أو وقف أو أجر. ففى قول يوقف تصرفه. فان فضل ذلك عن الدين لارتفاع القيمة او ابراء الغرماء أو بعضهم نفذ أى ظهر أنه كان نافذا وان لم يفضل عن الدين لغا. والأظهر بطلانه فى الحال لتعلق حقهم به.
ولانه محجور عليه بالحكم فلا يصح تصرفه ..
فلو باع ماله كله أو بعضه لغريمه بدينه أو لغرمائه بديونهم أو بعضها أو بعين بغير اذن الحاكم بطل البيع فى الأصح لأن الحجر يثبت على العموم ومن الجائز أن يكون له غريم آخر .. والثانى يصح البيع لأن الأصل عدم غيرهم اما باذن القاضى فيصح - فلو تصرف فى الذمة بان باع سلما أو اشترى بثمن فى الذمة أو أقترض أو أستأجر فالصحيح أنه يصح ويثبت المبيع والثمن فى ذمته اذ لا ضرر على الغرماء فيه. والثانى لا يصح كالسفيه.
ويصح نكاحه ورجعته وطلاقه وخلعه زوجته وأستيفاؤه القصاص واذا طلبه أجيب اليه.
واسقاطه القصاص ولو مجانا اذ لا يتعلق بهذه الاشياء مال. ولا يصح استلحاقه النسب ونفيه باللعان .. ولو أقر بعين مطلقا أو بدين وجب قبل الحجر بنحو معاملة أو اتلاف. فالأظهر قبوله فى حق الغرماء كما لو ثبت بالبينة وكاقرار المريض بدين يزحم غرماء الصحة
стр. 7435
ولانتفاء التهمة الظاهرة. وعلى هذا لو طلب الغرماء تحليفه على ذلك لم يحلف على الاصح اذ لا يقبل رجوعه عنه - والفرق بين الانشاء والاقرار أن مقصود الحجر منع التصرف فألغى انشاؤه. والاقرار اخبار. والحجر لا يسلب العبارة عنه. ويثبت عليه الدين بنكوله عن الحلف مع حلف المدعى كأقراره .. والثانى لا يقبل اقراره فى حقهم لئلا يضرهم بالمزاحمة .. ولانه ربما واطأ المقر له .. وان أسند وجوب الدين فى اقراره بالدين الى ما بعد الحجر اسنادا معللا بمعاملة أو اسنادا مطلقا بان لم يقيده بمعاملة ولا غيرها - لم يقبل اقراره بهذا الدين فى حقهم فلا يزاحمهم صاحب الدين فى أقتضائه من مال المحجور عليه المقر بل يطالب به بعد فك الحجر لتقصير من عامله فى الحالة الأولى. ولتنزيل الاقرار على أقل المراتب وهو دين المعاملة فى الحالة الثانية ..
فلو أقر بالدين ولم يسند وجوبه الى ما قبل الحجر ولا لما بعده. قال الرافعى: فقياس المذهب تنزيله على الأقل وهو جعله كأسناده الى ما بعد الحجر .. فان كان ما أطلقه دين معاملة لم يقبل لاحتمال تأخر لزومه أو دين جناية وقيل لان أقل مراتبه أن يكون كما لو صرح به بعد الحجر. فان لم يعلم أهو دين جناية أم معاملة لم يقبل لاحتمال تأخره وكونه دين معاملة.
وان قال أن الدين عن جناية ولو بعد الحجر قبل فى الأصح فيزاحم المجنى عليه الغرماء لانتفاء تقصيره. والثانى لا يزاحمهم كما لو قال عن معاملة … وحاصله: ان ما لزمه بعد الحجر ان كان برضا مستحقه لم يقبل فى حقهم والاقبل وزاحم الغرماء.
والمحجور عليه أن يرد بالعيب والاقالة ما كان اشتراه قبل الحجر ان كانت الغبطة فى الرد لانه ليس تصرفا مبتدأ بل هو من أحكام البيع السابق. والحجر لا يسرى على ما مضى ولانه أحظ له والغرماء .. والأصح تعدى الحجر بنفسه دون توقف على حكم القاضى بالتعدى - الى ما حدث بعده من المال بالاصطياد والهبة والوصية .. وهو الراجح لأن مقصود الحجر وصول الحقوق الى أهلها وذلك لا يختص بالموجود والثانى لا يتعدى الى ما ذكر.
ولو حدث دين تقدم سببه على الحجر كانهدام ما اجره المفلس وقبض اجرته وأتلفها ضارب الدائن بهذا الدين مع الغرماء سواء وجدت قبل القسمة او لا.
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع (١): ان الحجر لغة المنع والتضييق. وشرعا منع الانسان من التصرف فى ماله .. والاصل فى مشروعيته قوله تعالى: «ولا تؤتوا السفهاء اموالكم» أى أموالهم وأضيفت الى الاولياء لقيامهم عليها وتدبيرها .. وقوله تعالى:
«وابتلوا اليتامى حتى اذا بلغوا النكاح فان آنستم منهم رشدا فادفعوا اليهم أموالهم». واذا ثبت الحجر على السفيه واليتيم .. الصبى الذى مات ابوه - ثبت على المجنون من باب اولى والحجر على ضربين: حجر لحق الغير كالحجر على المفلس لحق الغرماء وعلى المريض مرض الموت ويأتى معناه بالنسبة لما زاد على ثلث ماله لحق الورثة. وعلى المرتد لحق المسلمين. وغير ذلك والمفلس من لا مال له
стр. 7436
من النقد ولا ما يدفع حاجته من العروض فهو المعدم. وهذا فى اللغة. وشرعا من لزمه من الدين أكثر من ماله الموجود. وسمى كذلك لان ماله مستحق الصرف فى جهة الدين فكانه معدوم أو بأعتبار ما يؤول اليه أمره من العدم.
والضرب الثانى حجر لحق نفسه اى المحجور عليه كالحجر على الصغير والسفيه والمجنون اذ فائدة الحجر لا يتعداهم .. وحجر المفلس هو منع الحاكم من عليه دين حال يعجز ماله الموجود وقت الحجر مدة الحجر من التصرف فيه ومن لزمه دين مؤجل لا يطالب به ولا يحجر عليه فيه ويجب على المدين القادر على الوفاء بالدين الحال أن يؤديه فورا بطلب رب الدين لقوله ﵊: (مطل الغنى ظلم) وبالطلب يتحقق المطل: فان أبى أن يفى بالدين مع قدرته على ذلك حبسه الحاكم لما روى عن النبى ﷺ قال (لى الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته) رواه أحمد وابو داود وغيرهما. قال احمد قال وكيع: عرضه شكواه. وعقوبته حبسه. ويحبس لو كان أجيرا أو امرأة متزوجة .. وليس للحاكم اخراجه حتى يتبين أمره أنه معسر، أو يبرأ من غريمه بوفاء أو ابراء أو يرضى غريمه باخراجه لانه يكون قد أسقط حقه. حبس المدين فى الدين من الامور المستحدثة وأول من فعله شريح قاضى الكوفة. وكان الخصمان قبل ذلك يتلازمان. فأن أصر المدين على الحبس ولم يوف الدين باع الحاكم ماله وقضى دينه لما روى أن النبى صلي الله عليه وسلّم حجر على معاذ بن جبل فى دين عليه وباع ماله فى الدين. وقال جماعة اذا أصر المدين الملئ على الحبس ضربه الحاكم وعزره. قال الشيخ: نص عليه الائمة من أصحاب احمد وغيرهم ولا أعلم فيه نزاعا لكن لا يزاد فى كل يوم على اكثر التعذير أن قيل بتقديره وان ادعى المدين الاعسار وعدم القدرة على الاداء. وطلب الدائن تفتيشه وجب على الحاكم أجابته الى ذلك.
وان صدقه الدائن فى الاعسار ترك الى الميسرة ولم تجز ملازمته ولا حبسه ولا الحجر عليه - ولو كان للمدين مال لا يفى بالدين وطلب الغرماء أو بعضهم الحجر عليه أجابهم الحاكم الى طلبهم وان لم يطلبوا لم يحجر عليه وأن طلب المعسر نفسه الحجر لانه لحق الغرماء لا لحقه هو … ويستحب للحاكم اظهار الحجر على المفلس والاشهاد عليه لينتشر ويعلم امره فيجتنب الناس معاملته. وربما مات الحاكم أو عزل فيثبت الحجر عند الحاكم الآخر لا يحتاج الى ابتداء حجر ثان بخلاف ما اذا لم يشهد … وكل فعله المفلس بماله قبل الحجر عليه من بيع وهبة واقرار وقضاء بعض الغرماء وغير ذلك فهو نافذ لانه صادر من مالك جائز التصرف ولو استغرق جميع ماله مع ان المقرر أنه يحرم على المدين التصرف فى ماله أن أضر تصرفه بغريمه.
ولو قامت بينة للمفلس بمال معين فأنكر المفلس المال ولم يقر به لاحد أو قال: هو لزيد فكذبه زيد. قضى منه دينه ولا يثبت الملك للمدين لانه لا يدعيه. قال فى الفروع: وظاهر هذا ان البينة هنا لا يعتبر لها تقدم دعوى.
قال ابن نصر الله. أى من المالك. بل قد تحتاج الى دعوى الغريم وان كان له بينة قدمت لاقرار رب الدين. وفى المنتخب بينة المدعى لانها خارجة. وأن صدقه زيد فى قوله
стр. 7437
أن المال لزيد لم يقض منه دينه. ويكون المال لزيد عملا باقرار المفلس مع يمين زيد لاحتمال المواطأة معه .. ويحرم على المعسر أن ينكر أن لا حق عليه للمدعى ويتأول لانه يكون ظالما للمدعى فذلك فلا ينفعه التأويل.
ويتعلق بالحجر على المفلس اربعة أحكام:
أحدها: تعلق حق الغرماء بماله لانه لو لم يكن كذلك لم يكن فى الحجر عليه فائدة.
ولأن هذا المال يباع فى ديونهم فكانت حقوقهم متعلقة به كالرهن. فلا يقبل اقرار المفلس على ماله لتعلق الحق بأعيانه كالعين المرهونة حتى لو اقر بعتق عبده لم يقبل منه. ولا يصح تصرفه فى المال ببيع ولا بغيره حتى ما يتجدد له من مال بعد الحجر يكون حكمه كالموجود حال الحجر من أرش جناية عليه أو على قنه وارث ووصية وصدقة وهبة ونحو ذلك. ولو كان تصرفه بعتق او صدقة بشئ كثير او يسير.
لا ينفذ لانه ممنوع من التبرع لحق الغرماء فلم ينفذ تصرفه … وله رد ما اشتراه قبل الحجر بعيب وخيار شرط وعيب أو تدليس ونحوه غير متقيد بالأحظ لان ذلك اتمام لتصرف سابق على الحجر فلم يمنع منه كاسترداد وديعة أودعها قبل الحجر .. وان كان المفلس صانعا كالقصاب والحائك وكان فى يده متاع فأقر به لاربابه لم يقبل اقراره لانه متهم وتباع العين التى فى يده وتقسم بين الغرماء كسائر ماله وتكون قيمتها واجبة على المفلس بعد فك الحجر عنه مؤاخذة له بأقراره. فان توجهت على المفلس يمين بأن ادعى عليه بشئ فأنكر وطلب الخصم يمينه فنكل وقضى عليه بالنكول فان ذلك يكون كالاقرار منه يلزم فى حقه ويتبع به بعد فك الحجر عنه دون الغرماء فلا يشاركهم المقر له للتهمة .. وان تصرف المفلس فى ذمته بشراء أو ضمان أو اقرار وصح تصرفه ويتبع بما لزمه من هذا التصرف من ثمن مبيع او ضمان أو اقرار بعد فك الحجر عنه لان الحجر متعلق بماله لحق الغرماء لا بذمته بخلاف السفيه ونحوه .. ولا يشارك غرماء الدين الذى تعلق بذمته نتيجة للتصرف فى الذمة من ثمن مبيع أو ضمان أو اقرار لا يشارك هؤلاء - غرماء قبل الحجر عليه سواء نسب ما أقر به الى ما قبل الحجر أو بعده بأن قال: أخذت منه كذا قبل الحجر أو بعده او أطلق. وسواء علم من عامله بعد الحجر انه محجور عليه ام لا لان من علم فلسه ثم عامله فقد رضى بالتأخير. ومن لم يعلم فقد فرط .. وان ثبت على المفلس حق لزمه قبل الحجر ببينة شارك صاحبه الغرماء كما لو شهدت به البينة قبل الحجر .. وان جنى المفلس جناية موجبة للمال شارك المجنى عليه الغرماء بأرش الجناية لانه حق يثبت على الجانى بغير اختيار من له الحق ولم يرض بتأخيره كما قبل الحجر. وان كانت الجناية موجبة للقصاص فعفا صاحبها الى مال او صالحه المفلس على مال شارك المجنى عليه الغرماء لما ذكر.
ثانيها:
ان من وجد عند المفلس عينا كان قد باعها اياه بعد الحجر عليه غير عالم به اذ هو مما يخفى. أو عين قرض كان قد أقرضه أياه أو رأس مال سلم كان قد أعطاه أياه أو غير ذلك فأن هذا الذى وجد عينه عند المفلس يكون أحق بها ان شاء الرجوع فيها ولا يكون أسوة الغرماء ببدل العين الذى تصرف به بغير رضاه لحديث أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه
стр. 7438
وسلم قال (من أدرك متاعه بعينه عند انسان أفلس فهو أحق به) متفق عليه - وحينئذ فالبائع أو المقرض بالخيار بين الرجوع فيها وبين أن يكون أسوة الغرماء ولو بعد خروج العين من ملك المفلس وعودها اليه ثانية بفسخ أو شراء أو أرث أو هبة أو وصية أو نحو ذلك ويشترط لملك الرجوع واخذ العين الموجودة عند المفلس شروط بينها صاحب كشاف القناع.
ثالثها:
بيع الحاكم ماله وقسم ثمنه بين الغرماء بالمحاصة لانه ﵊ لما حجر على معاذ باع ماله فى دينه وقسم ثمنه بين غرمائه. ولفعل عمر رضى الله عنه فى ذلك ويكون ذلك على الفور لان تأخيره مطل وفيه ظلم لهم.
ويجب ذلك على الحاكم ان كان مال المفلس من غير جنس الديون فان كان من جنسها اخذوه ولا حاجة الى البيع. ولا يحتاج الحاكم الى استئذان المفلس فى البيع لانه محجور عليه يحتاج الى قضاء دينه فجاز بيع ماله بغير اذنه كالسفيه لكن يستحب ان يحضره أو يحضر وكيله ليخص ثمن متاعه ويضبطه ولانه أعرف بالجيد والردئ من متاعه فسيتكلم عنه.
ولتطيب نفسه ويسكن قلبه - وكذلك يستحب له أن يحضر الغرماء لانه لهم وربما رغبوا فى شئ فزادوا فى ثمنه ولتطيب نفوسهم ويبعد عن التهمة. وربما يجد احدهم عين ماله فيأخذها. وان باع من غير حضورهم جميعا جاز ويأمرهم الحاكم جميعا بأن يقيموا مناديا ينادى على المتاع وان اتفقوا على ثقة أمضاه.
ويجب على الحاكم ان يترك للمفلس من المتاع ما تدعوا اليه حاجته من مسكن وخادم أن لم يكونا عين مال الغرماء. وكذلك ثيابه التى تليق بمثله وآلة حرفته أن كان صاحب حرفة.
والا ترك له ما يتجر به لمؤنته .. وينفق عليه وعلى من تلزمه من نفقته من ماله بالمعروف - وقد فصل صاحب الكشاف هذا الحكم تفصيلا وأسهب فى بيان ما يشتمل عليه ويتعلق به من احكام وفروع.
رابعها:
انقطاع المطالبة عنه بذلك لقول الله تعالى:
«وان كان ذو عسرة فنظرة الى ميسرة» وقول النبى ﷺ لغرماء معاذ بعد أن باع ماله وقسم الثمن بين الغرماء (ليس لكم الا ذلك) فمن اقرضه شيئا او باعه شيئا لم يملك مطالبته ببدله حتى ينفك عنه الحجر لانه هو الذى اتلف ماله بمعاملة من لا يملك شيئا. لكن ان وجد المقرض او البائع اعيان مالهما فلهما اخذها كما تقدم.
الضرب الثانى من ضربى الحجر - الحجر لمصلحة المحجور عليه نفعه. وهو الصبى اى من لم يبلغ من ذكر او انثى. والمجنون والسفيه لان فائدة الحجر عائدة عليهم والحجر عليهم عام بخلاف المفلس. فلا يصح تصرف الصبى والمجنون والسفيه فى اموالهم ولا ذممهم قبل الاذن لهم بالتصرف لان تصحيح تصرفهم قبل الاذن يقضى الى ضياع اموالهم وفى ذلك ضرر عليهم. ومن دفع اليهم أو الى احدهم ماله ببيع او قرض رجع فيما كان باقيا منه لانه عين ماله. وان أتلفوه أو تلف فى ايديهم بتعد أو وتفريط أو بدون ذلك لم يضمنوا لان المالك سلطهم عليه برضاه سواء علم بالحجر
стр. 7439
او لم يعلم لتفريطه - وان جنوا على نفس أو طرف أو جرح فعليهم أرش الجناية لانهم تعدوا ولا تفريط من المجنى عليه. ويضمنون ما لم يدفع اليهم من المال اذا أتلفوه لانه لا تفريط ولا تسليط من المالك. والاتلاف يستوى فيه من له الاهلية وغيره. وحكم المنصوب كذلك لحصوله فى يدهم بغير اختيار المالك .. واذا دفع محجور عليه لنفسه ماله لمحجور عليه لنفسه فتلف فالظاهر انه مضمون على المدفوع له لانه لا تسليط من المالك لانه غير مكلف وقد تلف بفعل القابض له بغير حق فضمنه لان الاتلاف يستوى فيه الكبير والصغير والعمد والسهو. والأهل وغير الأهل.
ومتى عقل المجنون وبلغ الصبى ورشدا ولو بلا حكم حاكم انفك الحجر عنهما بلا حكم ذكرين كانا أو أنثيين. أما فى الصبى فلقوله تعالى «وابتلوا اليتامى حتى اذا بلغوا النكاح «فان آنستم منهم رشدا فادفعوا اليهم أموالهم» وأما فى المجنون فلان الحجر عليه كان لجنونه فاذا زال وجب زوال الحجر المترتب عليه لزوال علته. ودفع اليهما مالهما بعد أن بلغ الصبى رشيدا وعقل المجنون رشيدا. لقوله تعالى «فان آنستم منهم رشدا فادفعوا اليهم أموالهم» ويستحب ان يكون الدفع لهما باذن قاض وأن يكون ببينة بالرشد وأن يكون ببينة بالدفع ليأمن الولى التبعة اى الرجوع عليه بعد ذلك ولا ينفك الحجر عنهما قبل ذلك اى البلوغ او العقل مع الرشد بحال من الاحوال ولو صارا شيخين. ويحصل البلوغ فى الذكر والانثى بواحد من ثلاثة أشياء. انزال المنى بيقظة أو مناما باحتلام أو جماع أو غير ذلك.
لقوله تعالى «واذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا» قال ابن المنذر: أجمعوا على أن الفرائض والاحكام تجب على المحتلم العاقل - أو بلوغ خمس عشرة سنة. أو نبات الشعر الخشن القوى حول القبل وتزيد الجارية على الذكر شيئين. الحيض والحمل. ولا اعتبار بغلظ الصوت وفرق الانف ونهود الثدى وشعر الابط ونحو ذلك.
والرشد. الصلاح فى المال لا غير فى قول أكثر العلماء لقوله تعالى «فان آنستم منهم رشدا فادفعوا اليهم اموالهم» قال: ابن عباس يعنى صلاحا فى اموالهم. ولا يدفع اليه ماله قبل الرشد ولو صار شيخا. ولا يدفع اليه حتى يختبر ما يليق به ويؤنث رشده ..
واذا علم رشده اعطى ماله سواء رشده او لا لقوله تعالى: «فان آنستم منهم رشدا فادفعوا اليهم اموالهم» قال الشيخ: وان نوزع فى الرشد فشهد به شاهدان قبل الحاكم شهادتهما وعمل بها لان الرشد قد يعلم بالاستفاضة كالنسب ومع عدم البينة له اليمين على وليه أنه لا يعلم رشده لانها على فعل الغير فكانت على نفى العلم .. وتختبر الانثى بأن يفوض اليها ما يفوض الى ربة البيت من الغزل والاستغزال بأجرة المثل وتوكيلها فى شراء الكتان والقطن. وفى حفظ الاطعمة وغير ذلك فان وجدت ضابطة ومستيقظة فهى رشيدة يدفع اليها مالها والا فلا ووقت الاختبار قبل البلوغ لان ظاهر قوله تعالى: «وابتلوا اليتامى حتى اذا بلغوا النكاح» أن الابتلاء قبل البلوغ لانه سماهم يتامى ومد اختبارهم الى البلوغ بلفظ حتى فدل على انه قبله. ولان تأخيره الى البلوغ يفضى الى الحجر على البالغ ولا يختبر الا المراهق المميز الذى يعرف
стр. 7440
البيع والشراء والمصلحة والمفسدة والا ادى ذلك الى ضياع المال وحصول الضرر. وبيع الاختبار وشراءه صحيح لان الله قد أمر بالاختبار وهو يكون فيما يكون بالبيع والشراء والله لا يأمر بغير الصحيح.
وتثبت الولاية على الصغير والمجنون ذكرا او انثى للاب لكمال شفقته ولأنها ولاية فقدم فيها الاب كولاية النكاح. اذا كان الاب بالغا رشيدا عاقلا حرا عدلا ولو ظاهرا لان تفويض الولاية الى غير من هذه صفاته تضييع للمال. ولان غير البالغ الرشيد الحر العاقل يحتاج الى ولى فلا يكون وليا على غيره ولكن تثبت الولاية للمكاتب على ولده التابع له فى الكتابة. ويتصور أن يكون الاب غير بالغ اذا الحق نسب الولد بابن عشر سنين احتياطا للنسب فيلحق به الولد ولا يثبت به بلوغه ..
ثم تثبت الولاية على الصغير والمجنون بعد الاب لوصيه العدل ولو كان بأجر وهناك متبرع بالولاية لانه نائب الاب فأشبه وكيله على الحياة. ثم أن لم يكن أب ولا وصيه او كان الاب موجودا ولكن فقد شيئا من الصفات المعتبرة فيه والتى أشير اليها ثبتت الولاية عليهما للحاكم لانه ولى من لا ولى له.
فان لم يعهد الأب الى وصى أقام الحاكم أمينا ينظر لليتيم والمجنون لانتقال الولاية اليه.
فان لم يوجد حاكم فأين يقوم بالنظر اليهما.
ولا ولاية للجد والام وسائر العصبات ..
ولا يجوز لولى الصغير والمجنون أن يتصرف فى مالهما الا على وجه الحظ والمصلحة لهما لقوله تعالى «ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتى هى أحسن» والمجنون فى معناه ليأخذ حكمه. فان تبرع الولى بهبة أو صدقة أو حابا فى البيع والشراء بأن زاد ونقص او زاد على النفقة عليهما او على من تلزمهما نفقته بالمعروف ضمن فى ذلك كله لانه منوط. والمراد انه يضمن القدر الزائد على الواجب لا مطلقا.
ولا يصح اقرار الولى عليهما بمال ولا اتلاف ونحوه لانه اقرار الغير وهو غير صحيح ولا مقبول شرعا. وأما تصرفاته النافذة منه كالبيع والإجارة وغيرهما فيصير اقراره بها كالوكيل.
ومن بلغ سفيها واستمر أو بلغ مجنونا فالنظر فى ماله لمن كان وليا عليه قبل البلوغ من الاب أو وصيه او الحاكم لما تقدم. وان فك عنه الحجر عند البلوغ بأن بلغ عاقلا رشيدا ثم طرأ عليه السفه أو جن بعد بلوغه ورشده أعيد الحجر عليه فى الحالين لان الحكم يدور مع علته. فأن فسق السفيه ولم يبذر لم يحجر عليه خصوصا على القول بأن الرشد صلاح فى المال فقط .. ولا يحجر على من سفه أو جن بعد البلوغ والرشد الا الحاكم. لان التبذير واختلال العقل اللذين هما سبب الحجر ثانيا يختلف الامر فيهما باختلاف النظر فاحتاج الى الاجتهاد فلا يثبت الا بحكم الحاكم كالحجر على المفلس .. ولا ينظر فى اموالهما الا الحاكم لان الحجر عليهما يفتقر الى الحاكم وفك الحجر عنهما كذلك فكذا النظر فى مالهما. ولا ينفك الحجر عنهما الا بحكمه لانه حجر ثبت بحكمه فلم يزل الا به كالمفلس. والشيخ الكبير اذا اختل عقله حجر عليه بمنزلة المجنون لعجزه عن التصرف فى المال .. ومن حجر عليه الحاكم استحب اظهاره والاشهاد عليه لتجتنب معاملته والاشهاد ليس بشرط لانه ينتشر أمره ويشتهر وان رأى الحاكم أن مناديا ينادى بالحجر عليه ليعرفه الناس قبل .. ولا يصح أن يتزوج
стр. 7441
السفيه الا باذن وليه لانه تصرف فيه مال يحسب به فلم يصح بغير اذن الولى وهذا اذا لم يكن السفيه محتاجا الى التزوج والا لو احتاج اليه صح أن يتزوج بغير اذن الولى لانه حينئذ يكون مصلحة محضة ونفعا خالصا والنكاح لم يشرع لقصد المال ويستوى أن يكون احتياجه للمتزوج للمتعة او للخدمة ..
ويتقيد السفيه اذا تزوج بمهر المثل فلا يزيد عليه لان الزيادة تبرع وهو ليس من أهل التبرع. فان عضله الولى أى منعه من التزوج استقل هو به.
ولا يصح عتق السفيه ولا هبته ولا وقفه لانه تبرع وليس من أهله. لكن ان كان الوقف معلقا بموته فالظاهر صحته لانه وصية ووصيته وتدبيره صحيحان لانه لا ضرر عليه فيهما. وللسفيه أن يطالب بالقصاص لانه يستقل بما لا يتعلق مقصوده بالمال وله العفو عن القصاص على مال ولا يصح عفوه عنه على غير مال .. وان اقر السفيه بحد زنا او شرب او قذف أو طلق زوجته أو خلعها بمال صح الاقرار والطلاق والخلع ويلزمه حكم ذلك فى الحال لانه غير متهم فى نفسه. والحجر انما يتعلق بالمال. وان قبض السفيه عوض الخلع او الطلاق لم يصح قبضه لانه تصرف فى مال فلو أتلفه أو تلف بيده ولم يضمن ولا تبرأ المرأة بدفع هذا العوض اليه كالصغير لعدم أهليته للقبض .. ويصح ظهاره وايلاؤه ولعانه ونفى النسب به .. وأن أقر بما يوجب القصاص فى نفس أو طرف ونحوه وطلب المقر له اقامته كان لربه استيفاؤه فى الحال فان عفا ربه عنه بمال صح العفو والصواب أن لا يجب المال الذى عفا عليه فى الحال لان السفيه والمقر له قد يتواطآن على ذلك بل يجب المال اذا فك الحجر عنه. وسقط القصاص للعفو وأن أقر السفيه بنسب ولد أو نحوه صح اقراره ولزمته احكامه من النفقة والسكنى والارث كنفقة الزوجة والخادم ..
ولا يفرق السفيه زكاة ماله بنفسه بل يفرقها وليه كسائر التصرفات المالية. وأن أقر السفيه بمال صح اقراره ولكن لا يلزمه ما أقر به فى حال حجره بل يتبع به بعد فك الحجر عنه. وأن علم الولى صحة ما أقر به السفيه كدين جناية ونحوه لزمه أداؤه ذكره فى الشرح والوجيز. وحكم تصرف ولى السفيه كحكم تصرف ولى الصغير والمجنون لان ولايته على السفيه لحظه فأشبه ولى الصبى.
ومتى زال الحجر عن الصغير أو المجنون أو السفيه فادعى احدهم على الولى تعديا فى ماله أو ما يوجب ضمانا من نحو تفريط أو محاباة أو تبرع ونحوه بلا بينة فالقول قول الولى لانه أمين كالمودع حتى فى قدر نفقته عليه او على ماله أو عقاره ما لم يعلم كذب الولى فى دعواه بالحس أو مخالفة عادة أو عرفا فلا يقبل قوله حينئذ لمخالفته الظاهر ويقبل قول الولى ايضا فى وجود ضرورة ومصلحة أقتضت بيع عقاره وفى تلف مال المحجور عليه أو بعضه لانه أمين. ويحلف الولى اذا لم يكن هو الحاكم اذ الحاكم لا يحلف لعدم التهمة. ويقبل قوله فى رد المال الى اليتيم بعد بلوغه ورشده لانه أمين كالمودع وهذا اذا كان الولى متبرعا فان كان بأجر فلا يقبل منه دعوى الرد كالمرتهن والمستعير بل يقبل قول اليتيم فى ذلك لان الولى قبض المال
стр. 7442
لحظ اليتيم. وليس لحاكم حجر على مقتر على نفسه وعياله .. وقال الازجى بلى. اى لا يمنع من عقوده ولا يكف عن التصرف فى ماله ولكن ينفق عليه جبرا بالمعروف من ماله ولولى المميز اى الصغير المميز أو السفيه ذكرا كان أو أنثى ولسيد العبد المميز أو البالغ الاذن لهما فى التجارة لقوله تعالى «وابتلوا اليتامى حتى اذا بلغوا النكاح فان آنستم منهم رشدا فادفعوا اليهم أموالهم» .. أى اختبروهم لتعلموا رشدهم. وانما يتحقق ذلك بتفويض الأمر اليهم من البيع والشراء ونحوه. ولأن المميز عاقل محجور عليه فصح تصرفه باذن وليه فلو تصرف بلا اذن لم يصح وبالاذن لهما فى التجارة ينفك الحجر عنهما فيما أذن لهما فيه فقط قدرا أو نوعا. فاذا اذن لهما فى التجارة فى مائة لم يصح تصرفهما فيما زاد عليها. وينفك الحجر عنهما ايضا فى النوع الذى اذن لهما بالاتجار فيه فقط لانهما يتصرفان بالاذن من جهة آدمى فوجب أن يتقيدا بما أذن لهما فيه كوكيل ووصى فى نوع من التصرفات - وان أذن الولى المميز أو السيد العبد فى جميع انواع التجارة لم يجز للمأذون أن يؤجر نفسه ولا أن يتوكل لغيره فى العمل ولو لم يقيد الولى أو السيد المميز أو العبد بذلك لانه لا يملك الا باذن خاص ولانه يشغله عن التجارة المقصودة بالاذن ويصح اقرار المميز والعبد المأذون لهما فى التجارة بقدر ما أذن لهما فيه لان الحجر المانع من صحة الاقرار قد انفك عنهما فيه والمجنون والصغير الذى لم يبلغ حد التمييز لا يصح تصرفهما باذن ولا بغيره لعدم الاعتداد بقولهما. ويبطل الاذن بالحجر على السيد لسفه أو فلس وبموته وجنونه المطبق وجاز ما يبطل الوكالة. لان اذنه للعبد كان لوكالة يبطله ما يبطلها وان حجر السيد على العبد وفى يده مال فأقر به لاحد لم يصح اقراره لحق السيد. ثم ان أذن السيد له فأقر المأذون بالمال صح اقراره لأن المانع من صحة اقراره الحجر عليه وقد زال ولان تصرفه صحيح فيصح اقراره كالحر. وان وكل المميز او العبد وكيلا يصح ويتصرف فيما يعجز عنه الموكل وفيما لا يتولى مثله بنفسه فقط ومتى عزل السيد العبد من الاذن انعزل وكيله من الوكالة لان التوكيل فرع الاذن ومبنى عليه فاذا بطل الاذن بطل ما هو مبنى عليه بخلاف وكيل الصبى المميز المأذون فان وكالته لا تبطل ببطلان الاذن لانه متصرف فى مال نفسه فلم ينعزل وكيله بتغير الحال لكن لا يتصرف الوكيل فى حالة المنع كموكله.
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أنه لا يجوز (١) الحجر على أحد فى ماله الا على من لم يبلغ او على مجنون فى حال جنونه. فهذان خاصة لا ينفذ لهما امر فى مالهما - فاذا بلغ الصغير وأفاق المجنون جاز أمرهما فى مالهما كغيرهما ولا فرق. سواء فى ذلك كله الحر والعبد والذكر والانثى والبكر وذات الاب وغير ذات الاب. وذات الزوج والتى لا زوج لها. وفعل كل من ذكرنا فى اموالهم من عتق أو هبة أو بيع او غير ذلك نافذا اذا وافق الحق من الواجب او المباح ومردود فعل كل احد منهم فى ماله اذا خالف المباح أو الواجب ولا فرق. ولا اعتراض لاب
стр. 7443
ولا لزوج ولا لحاكم فى شئ من ذلك الا ما كان معصية لله تعالى فهو باطل مردود. ومن معصية الله تعالى الصدقة والعطية بما لا يبقى بعده المتصدق او الواهب غنى. فان اراد السيد ابطال فعل العبد فى ماله. فليعلن بانتزاعه منه. ولا يجوز للعبد حينئذ تصرف فى شئ منه.
برهان ذلك ما رويناه من طريق ابى داود حدثنا احمد بن عمرو بن السرح حدثنا ابن وهب أخبرنى جرير بن حازم عن سليمان الأعمش عن ابى ظبيان وهو حصين بن جندب عن ابن عباس بن على بن ابى طالب قال لعمر بن الخطاب: أو ما تذكر أن رسول الله ﷺ قال: رفع القلم عن ثلاثة. عن المجنون المغلوب على عقله حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ وعن الصبى حتى يحتلم.
ومن طريق أبى داود ايضا عن على بن ابى طالب عن النبى ﷺ نحوه. وأبو ظبيان ثقة لقى على بن ابى طالب وسمع منه ومن ابن عباس ومن طريق ابى داود ايضا عن عائشة أم المؤمنين أن رسول الله ﷺ قال: رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ وعن المبتلى حتى يبرأ وعن الصبى حتى يكبر. وقال تعالى «لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون» وقال «والمصدقين والمصدقات» وقال: «جاهدوا بأموالكم وانفسكم فى سبيل الله» وقال: «ما سلككم فى سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين» وحض سبحانه على العتق. وقال رسول الله ﷺ : اتقوا النار ولو بشق تمرة وقال الله تعالى «فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع» وقال: «وآتوا النساء صدقاتهن نحله .. » فصح أن كل أحد مندوب الى فعل الخير والصدقة والعتق والنفقة فى وجوه البر ليقى نفسه بذلك نار جهنم. ولا خلاف فى أن كل من ذكرنا من عبد وذات أب وبكر وذات زوج مأمورون منهيون متوعدون بالنار مندوبون موعودون بالجنة فقراء الى انقاذ انفسهم منها كفقر غيرهم سواء بسواء ولا مزية. فلا يخرج من هذا الحكم الا ما أخرجه النص. ولم يخرج النص الا المجنون مادام فى حال جنونه. والذى لم يبلغ الى أن يبلغ فقط - فكان الفرق بين من ذكرنا فيطلق بعضا على الصدقة والهبة والنكاح ويمنع بعضا بغير نص. مبطل محرم ما ندب الله تعالى اليه مانع من فعل الخير. قال على: روينا عن محمد بن سيرين أنه كان لا يرى الحجر على الحر شيئا. وهو قول جماعة من الصحابة رضى الله عنهم. وقول مجاهد وعبيد الله بن الحسن وغيره. وقال ابو حنيفة: لا يحجر على حر لا لتبذير ولا لدين ولا لتفليس ولا لغيره ولا يرى حجر القاضى عليه لازما ويرى تصرفه فى ماله واقراره بعد حجر القاضى عليه وقبله سواء. كل ذلك نافذ.
ثم ذكر أراء من جوزوا الحجر على السفيه وذى الغفلة والمدين وذكر حججهم وناقشها ورد عليها. وقال: ان السفه فى لغة العرب التى نزل بها القرآن وخوطبنا بها لا يقع الا على ثلاث معان … والمعنى الثالث هو عدم العقل الرافع للمخاطبة كالمجانين والصبيان فقط.
وهؤلاء باجماع منا ومنهم الذين ذكروا فى الآيتين قول الله تعالى: «ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التى جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا»
стр. 7444
وقوله تعالى: «فان كان الذى عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل». وان أهل هذه الصفة لا يوفون أموالهم ولكن يكسبون فيها ويرزقون ويرفق بهم فى الكلام. ولا يقبل قرارهم ولكن يقر عنهم وليهم الناظر لهم فصح هذا بيقين.
وظاهر من هذا ان ابن حزم لا يرى الحجر مطلقا الا على اثنين الصغير حتى يبلغ والمجنون حتى يفيق أخذا من الحديث الشريف والادلة التى ذكرها. ولا حجر عنده على السفيه والمدين وذى الغفلة. وان اقرار المحجور عليه من الصغير والمجنون غير صحيح ولا مقبول شرعا مطلقا فى مال ولا فى غيره. ولكن يقر عنهم وليهم الناظر لهم. وليس هنا مجال البحث فى الصحيح وغير الصحيح من الاقوال ولامكان استعراض الادلة من الطرفين ومناقشتها.
مذهب الزيدية:
والمفلس فى الشرع (١) من لا يفى ماله بدينه .. ويقبل قول من ادعى الاعسار أو الافلاس لاجل حق يدعى عليه به حيث ظهر الافلاس أو الاعسار من حاله اذ يظهر ذلك بقرائن الاحوال والتصرف فى الاموال - واذا كان الظاهر من حاله الاعسار وحكم له به. فأدعى غريمه أنه قد صار موسرا وجب أن يحلف المعسر ثم كذلك كلما لبث مدة ثم أدعى ايساره حلف له أيضا اذا كان قد تخلل بين الادعائين مدة يمكن أن يحدث فيها اليسار بالكسب بحسب العادة لا بمقتضى قدرة الله والا فيلزم أن يحلف له فى كل ساعة .. واذا ثبت عند الحاكم أعساره فلا يمكن الغرماء من ملازمته ولكنه يحال بينه وبين الغرماء. وقيل. لا يحال بينه وبين الغرماء بل يمكن الغرماء من ملازمته ومشاهدة كسبه على وفاء الديون .. وان لم يظهر اعساره بل كان من الظاهر يساره او التبس الامر فى ذلك أقام بينة أنه معسر وحلف مع البينة على القطع بأنه معسر - ولا يقال أن البينة هنا على النفى اى لا يملك شيئا فلا تقبل لأنها قد تضمنت الاثبات وهو سقوط المطالبة عنه. على أن البينة فى الواقع على الاعسار وهو اثبات. فان لم يجد بينة هل يحبس أو يحلف قيل يحبس حتى يغلب على ظن الحاكم اعساره .. وانما حلف مع البينة لانها غير محققة اذ هى على ظاهر الحال والمال قد يخفى. وتكون محققة اذا كانت على اقرار الغرماء أصحاب الديون بالاعسار. واذا أقام كل منهما بينة فبينة المعسر أولى لانها كالخارجة - واذا طلب المدين تحليف الغريم ما يعلم أنه معسرا أجيب الى ذلك فان لم يحلف لم يحبس المدين. وقيل يحبس من غير يمين صاحب الدين واذا اشترى عينا ثم أفلس ولم يستطع دفع الثمن والمبيع فى يده. فالبائع أولى به أو بما تعذر دفع ثمنه منه. وكذا اذا تلف بعض المبيع فالبائع اولى بما بقى منه اذا تعذر دفع ثمن هذا الباقى - وهذا اذا طرأ الافلاس بعد البيع والقبض أو كان موجودا وقت البيع ولكن جهل ولم يظهر. اما اذا كان البائع عالما بافلاس المشترى لم يكن أولى بالمبيع بل يكون اسوة الغرماء.
стр. 7445
وللمفلس ان يتصرف فى السلعة المشتراه كل تصرف بعد افلاسه من بيع أو هبة أو وقف اذا وقع ذلك التصرف قبل أن يصدر الحجر عليه من الحاكم. وكذا لو أقر بها للغير صح اقراره. قالوا ما لم يثبت أنه أقر توليجا فان ثبت ذلك بطل الاقرار. والتوليج لا يفيد الملك فى المال ولكنه يكون كالوصية بعد الموت من الثلث. والمذهب أن التوليج يبطل كله اذا ثبت. والتوليج ليس كالوصية من كل وجه
وفى موضع آخر (١) قال: أن الحجر فى اللغة هو المنع والتضييق. ومنه سمى الحرام محجورا لانه ممنوع فلما منع الحاكم من التصرف سمى فعله حجرا وفى الشرع أن يقول الحاكم للمديون مثلا: حجرت عليك التصرف فى مالك. ومن أسباب الحجر.
الدين. والصغر. والجنون والرق والمرض والرهن .. وليس من أسباب الحجر عند الزيدية التبذير والسفه. قال زيد بن على والناصر وأبو حنيفة لا يصح الحجر لواحد منها. وقال الشافعى وأبو يوسف ومحمد يصح الحجر لكل واحد منها. والتبذير الانفاق فى وجه الرياء والسمعة والعبث نحو عقر البهائم فى الاعزيات ونحوها. واما السفه فهو الذى لا يبالى فى الغبن فيما باع أو شرى ولا يعلم هدايته الى الغالى والرخيص وليس من السفه تصرفه فى أكل الطيب من الطعام ولبس النفيس من الثياب وفاخر المشموم لقوله تعالى:
«قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق». وقال البعض: هو الانفاق فى الزائد على الاقتصاد وعلى ما يحتمله الحال.
وانما يصح الحجر على المديون فى الدين الحال لا فى الدين المؤجل - واذا كان من الديون حال ومؤجل يدخل المؤجل فى الحجر تبعا للحال - وليس للحاكم أن يحجر على المديون الا أن طلب خصومه وهم أهل الدين الحجر عليه. فان حجر عليه من غير طلب لم يصح الحجر واذا طلب بعضهم الحجر لزم الحاكم أن يحجر بطلبه ويكون حجرا للكل ولو كانوا غيبا. وهذا اذا أطلق اما لو قال: حجرت عليك حتى توفى فلانا لم يكن ذلك حجرا لغيره ..
ويتناول الحجر المال الزائد على الدين والمستقبل ايضا .. واذا أدعى رجل دينا على شخص وطلب الحجر عليه قبل ان يقيم البينة على الدين جاز للحاكم أن يحجر ولو قبل التثبيت بالدين بثلاثة أيام ويرتفع الحجر بعدها ان لم يقم البينة. فان أقام البينة فى الثلاث نفذ الحجر … والحجر يدخله التعميم نحو أن يقول حجرتك عن التصرف فى مالك والتخصيص بالزمان نحو حجرتك سنة. والمكان نحو حجرتك عن التصرف فى غير بلدك. والسلعة نحو حجرتك عن التصرف فى دارك أو عندك أو فى السلعة الفلانية. وقدر من المال نحو حجرتك عن التصرف فى ثلث مالك والشخص نحو حجرتك أن تبيع من فلان - وفى كل ذلك لا ينفذ من المحجور عليه فيما تناوله الحجر تصرف. ولا اقرار الا بأجازة الحاكم أو الغرماء أو بعد فك الحجر عنه بأن يقضى ديونهم أو يسقطها بوجه فاذا انفك الحجر بعد العقد الذى وقع فى حال الحجر نفذ .. ولو أقر بعين لغيره ثم قضاها الحاكم للغرماء فأن كانت
стр. 7446
مضمونة لزمه استيفاؤها فان تعذر فقيمتها لمالكها وأن كانت غير مضمونة فلا يضمنها للمالك. ولا يبرأ من قدر قيمة العين فى الوجهين - فان غرم القيمة للمالك بعد أن أتلفها الغريم برئ اذ له ما على المستهلك فيتساقط الدينان - وكذا قيل قبل التلف على القول بأنها قيمة للعين. يبرأ أن قدر ملكه من يوم الغصب لا أن قدر من وقت الدفع والعين لصاحبها وتصرف الحاكم فيها غير صحيح فالدين باق فى ذمته واذا رأى الحاكم صلاحا فى رفع الحجر حتى يقر بدين عليه أو نحوه جاز سواء كان هو الحاجز وغيره ذكره فى الكافى … وأذا قضى المفلس ماله جميعه بعض الغرماء وترك الباقين فبعد الحجر لا يصح منه ذلك اذ الحجر لهم جميعا وحقهم تعلق بالمال. وقبل الحجر يصح ذلك منه ولا يأثم الا اذا كان الباقون قد طالبوه وطلبوا الحجر او كان المتروك مما يتضيق كاليتيم والمسجد فلا يصح منه ذلك ولو باع المحجور شيئا من ماله ليقضى الغرماء او لحاجته الماسة الى النفقة وكان انفاقه على قدر عادة الفقراء ممن يشبهه فى بلده - صح ذلك ان لم يغبن فى البيع - فلو اشترى شيئا الى ذمته فالأقرب أنه ينفذ والثمن فى ذمته وللبائع أن يفسخ لتعذر تسليم الثمن كما اذا تعذر تسليم المبيع. ولا يدخل فى الحجر دين لزم بعده.
واذا تمرد المفلس لغيره عن قضاء الدين أو بيع ماله لقضاء الغرماء فانه يكون للحاكم أن يبيع عليه المال. وكذلك اذا غاب ورأى الحاكم مصلحة فى البيع. وقيل ليس للحاكم ان يبيع عليه المال ولو تمرد عن بيعه بنفسه بل يحسبه حتى يبيع الا الدراهم والدنانير.
لكن قال فى الكافى: ولا خلاف أنه يباع على المتمرد. ونوقش هذا بأنه لعله يعنى بعد الحبس اما قبل الحبس فالخلاف ظاهر - واذا طلب الغرماء تاخير بيع ضيعة المفلس ونحوها حتى يستغلوها بالزائد على قيمتها ثم تباع بالباقى فلهم ذلك - واذا لم يوجد من يشترى ماله الا بغبن ظاهر فله أن يمتنع من البيع مدة قريبة حتى يأتى يوم السوق أو تأتى القافلة أو نحو ذلك حسبما يرى الحاكم من القرائن والظروف.
أما الصغر والجنون فلا خلاف فى الحجر لهما. ولم تذكر احكام الحجر والتصرف بالنسبة لهما … وأما الرق فهو حجر لكنه اذا عتق صح اقراره ولزمه ما أقر به وظاهر الاطلاق ولو كان الاقرار بمال. ويقال ان أقرار الرقيق صحيح مطلقا. والموقوف على العتق المطالبة له - وأما المرض. فان صح من مرضه صح تصرفه الذى صدر منه وقت المرض لانه لا يكون مرض الموت .. وان لم يصح. فان كان مستغرقا كان محجورا عليه فى جميع ماله الا ما استثنى له من الاقرار والاكل واللباس ونحو ذلك كالنكاح والعتق ومعاوضة معتادة وكذا الجناية. وان لم يكن مستغرقا صح تصرفه من الثلث الا الاقرار فانه يصح من رأس المال اذا لم يضف سببه الى مرضه. فأن أضافه الى مرضه نفذ من الثلث. والتعبير أنه اذا أضافه الى حال المرض فمن الثلث. ونحو الاقرار كالتزويج والاجارة والبيع اذا كانت معاوضة معتادة وكذا الجناية ولا يحل الدين المؤجل بالحجر فلو حجر على المفلس لاجل ديون حالة وعليه ديون مؤجلة فأنها لا تحل بالحجر
стр. 7447
وهو احد قولى الشافعى وللمحجور عليه أن يعطى ماله لاصحاب الديون الحالة لقضاء ديونهم. ويبقى حق اصحاب الديون المؤجلة الى وقت حلولها فى ذمته .. بخلاف ما اذا مات فانه يعزل حصته أهل الديون المؤجلة لأنه لا ذمة له. وقيل يعزل نصيب أصحاب الديون المؤجلة الى وقت الحلول ولو فى حال الحياة.
ولو أسقط من عليه الدين المؤجل الأجل هل يسقط حتى يتمكن المستحق من مطالبته فى الحال؟ وجهان أصحهما لا يسقط لان الاجل صفة ثابتة والصفة لا تنفرد بالاسقاط وقيل تسقط لانه تأخير مطالبة.
مذهب الإمامية:
ولا يقبل اقرار المفلس (١) المحجور عليه حال الحجر بعين لتعلق حق الغرماء وبأعيان ماله قبله فيكون اقراره بعين فى قوة الاقرار بمال الغير ولانه قد حجر عن التصرف فى المال وهذا يمنع من نفاذ الاقرار. ويصح اقراره بالدين لانه عاقل مختار فيدخل فى عموم (اقرار العقلاء على أنفسهم جائز) والمانع من صحة الاقرار بالعين منتف هنا لانه فى العين مناف لحق الدائنين الذى تعلق بها. أما هنا فانه متعلق بذمته فلا يشارك الغرماء المقر له جمعا بين الحقين وقوى الشيخ ﵀ وتبعه العلامة المشاركة للخير ولعموم الاذن بقسمة ماله بين غرمائه … وللفرق بين الاقرار والانشاء. فان الاقرار أخبار عن حق سابق والحجر اما يبطل أحداث الملك. ولانه كالبينة ومع قيامها لا اشكال فى المشاركة .. ويشكل بأن رد اقراره ليس لنفسه بل لحق غيره فلا ينافيه الخبر ونحن قد قبلنا الاقرار على نفسه بالزامه المال بعد الحجر. ومشاركة المقر له للغرماء هو المانع من النفوذ الموجب لمساواة الاقرار للانشاء فى المعنى. وكونه كالبينة مطلقا ممنوع .. وموضع الخلاف ما اذا أسند الدين الى ما قبل الحجر. أما اذا أسنده الى ما بعده فانه لا ينفذ معجلا قطعا. نعم لو أسنده الى ما يلزم ذمته كاتلاف مال أو أرش جناية شارك المقر له لوقوع السبب بغير اختيار المستحق فلا تقصير بخلاف المعاملة.
ويمنع المفلس من التصرف المبتدأ فى أعيان ماله المنافى الغرماء، لا من مطلق التصرف .. ووصف التصرف بالمبتدأ للاحتراز عن التصرف فى المال بمثل الفسخ بخيار لانه ليس بابتداء تصرف بل هو أثر لتصرف سابق على الحجر. وكذا لو ظهر له عيب فيما اشتراه سابقا فله الفسخ به. وهل يعتبر فى جواز - الفسخ له بما ذكر. الغبطة أم يجوز مطلقا. الاقوى الثانى نظرا الى أصل الحكم وأن تخلفت الحكمة .. والاجماع على جواز الفسخ بالعيب وأن زاد القيمة فضلا عن الغبطة فيه وشمل التصرف فى أعيان الاموال ما كان بعوض أو بغيره وما تعلق بالعين والمنفعة وخرج به التصرف فى غير المال كالنكاح والطلاق واستيفاء القصاص والعفو عنه وما يفيد تحصيل المال واستفادته كالاحتطاب والاتهاب وقبول الوصية وان منع منه بعده.
وغير بقوله المنافى لحق الغرماء للاحتراز عن وصيته وتدبيره فأنهما يخرجان من التلف بعد
стр. 7448
وفاء الدين. فان تصرف المفلس جائز فى ذلك كله ونحوه اذ لا ضرر فيه على الغرماء.
وتباع اموال المفلس المحجور القابلة للبيع وتقسيم على الغرماء ان وفى والا فعلى نسبة اموالهم ولا يدخر للديون المؤجلة التى لم تحل حالة القسمة شئ ولو حل بعد قسمة البعض شارك فى الباقى وضرب بجميع المال وضرب باقى الغرماء ببقية ديونهم ويباع كل متاع فى سوقه وجوبا مع مراعاة زيادة القيمة والا كان أستحبابا ويحبس المفلس لو أدعى الاعسار حتى يثبته باعتراف الغرماء أو بالبينة المطلقة على باطن الامر. وانما يحبس مع دعوى الاعسار قبل اتيانه اذا كان أصل الدين مالا كالقرض أو عوضا عن مال كثمن مبيع. فلو انتفى الامران كالجناية والاتلاف قبل قوله فى الاعسار ببينة دون توقف على البينة لاصالة عدم المال حينئذ - فاذا ثبت اعساره خلى سبيله لقوله تعالى «وان كان ذو عسرة فنظرة الى ميسرة» وهل يجب عليه التكسب لوفاء الدين. اختار ذلك ابن حمزة ﵀ والعلامة ومنعه الشيخ ابن ادريس للآية وأصالة البراءة.
وانما يحجر على المديون اذا قصرت امواله عن الوفاء بدينه فلو ساوته أو زادت عليه لم يحجر عليه اجماعا وأن ظهرت عليه أمارات الفلس - ويطلب الغرماء الحجر عليه لان الحق لهم فلا يتبرع لهم بالحجر عليه. نعم لو كانت الديون لمن له عليه ولاية كان له الحجر - ولو كانت الديون لغائب لم يكن للحاكم ولايته لانه لا يستوفى له قيل يحفظ اعيان أمواله ولو ألتمس بعض الغرماء فان ماله يفى بدينهم وزيادة جاز الحجر وعم والا فلا. على الاقوى. ويشترط حلول الدين.
فأن كان كله أو بعضه مؤجلا لم يحجر عليه لعدم استحقاق المطالبة حينئذ .. نعم لو كان بعضها حالا جاز للحجر مع قصور المال عنه والتماس أربابه .. ولا تباع داره ولا خادمه ولا ثياب تجمله. ويعتبر فى الاول والاخير ما يليق بحاله كما وكيفا. وكذا دابة ركوبه ولو احتاج الى المتعدد استثنى كالمتحد.
وظاهر ابن الجنيد بيعها. والروايات متضافرة بالاول وعليه العمل. ولو مات قبلها قدم كفنه ويقتصر منه على الواجب وسطا بما يليق به عادة ومؤنة تجهيزه.
وأسباب الحجر ستة (١): الصغر والجنون والرق. والفلس. والسفه. والمرض المتصل بالموت. ويمتد حجر الصغير حتى يبلغ بالاحتلام وهو خروج المنى من القبل فى الذكر والانثى ومن فرجيه فى الخنثى او الانبات للشعر الخشن على العانة مطلقا او اكمال خمس عشرة سنة هلالية فى الذكر والخنثى واكمال تسع سنين فى الانثى على المشهور.
أما الحيض والحمل للمرأة فدليلان على سبق البلوغ. ويرشد الصغير بأن يصلح ماله بحيث تكون له ملكة نفسانية تقتضى اصلاح المال وتمنع افساده وصرفه فى غير الوجوه اللائقة بأفعال العقلاء لا مطلق الاصلاح فاذا تحققت الملكة المذكورة مع البلوغ ارتفع عنه الحجر وأن كان فاسقا على المشهور لاطلاق الامر بدفع اموال اليتامى اليهم بايناس الرشد من غير
стр. 7449
اعتبار أمر آخر معه والمفهوم من الرشد عرفا هو اصلاح المال على الوجه المذكور وأن كان فاسقا وقيل يعتبر مع ذلك العدالة .. ويختبر من يراد معرفة رشده بما يلائمه من التصرفات والاعمال يظهر أنصافه بالملكة وعدمه. فمن كان من أولاد التجار فوض اليه البيع والشراء وان كان من أولاد غيرهم أختبر بما يناسب حال أهله .. والانثى تختبر بما يناسبها من الاعمال كالغزل والخياطة وشراء آلاتهما المعتادة لامثالها بغير غبن وحظ ما يحصل فى يدها من ذلك. ويثبت الرشد لمن تختبر بشهادة النساء فى النساء لا غير لسهولة اطلاعهن عليهن غالبا وبشهادة الرجال مطلقا فى الرجال والنساء:
رجلين أو رجل وأمرأتين أو أربع عشرة.
ولا يصح اقرار السفيه بمال ويصح بغيره كالنسب وأن أوجب النفقة. وفى الانفاق عليه من ماله أو بيت المال قولان اجودهما الثانى وكالاقرار بالجناية الموجبة للقصاص وأن كان فى النفس. ولا يصح تصرفه فى المال وان ناسب أفعال العقلاء. ويصح تصرفه فيما لا يتضمن اخراج المال كالطلاق والظهار والخلع ولا يسلم عوض الخلع اليه. ويجوز أن يتوكل لغيره فى سائر العقود لان عبارته ليست مسلوبة مطلقا بل مسلوبة بالنسبة لما يعتبر تصرفا فى المال ويقتضيه ويمتد حجر المجنون فى التصرفات المالية حتى يفيق ويكمل عقله.
والولاية فى مال الصغير والمجنون للاب والجد للاب وان علا. فيشتركان فى الولاية لو أجتمعا فان أتفقا على أمر نفذ وأن تعارضا قدم عقد السابق منهما. فان أتفقا فى التاريخ ففى بطلانه أو ترجيح الاب أو الجد أوجه. ثم الوصى لاحدهما مع فقدها ثم الحاكم مع فقد الوصى .. والولاية فى مال السفيه الذى لم يسبق رشده كذلك للاب والجد الى آخر ما ذكر عملا بالاستصحاب .. فان سبق رشده وأرتفع الحجر عنه بالبلوغ معه ثم لحقه السفه فللحاكم الولاية دونهم لارتفاع الولاية السابقة عنه بالرشد فلا تعود اليهم الا بدليل.
وهو منتف. والحاكم ولى عام لا يحتاج الى دليل وان تخلف فى بعض الموارد .. وقيل الولاية فى ماله للحاكم مطلقا لظهور توقف الحجر عليه ورفعه عنه على حكمه فى كون النظر اليه. والعبد ممنوع من التصرف مطلقا فى المال وغيره سواء أحلنا ملكه أم قلنا به عدا الطلاق فأن له أيقاعه وان كره الولى.
والمريض ممنوع مما زاد عن الثلث أذا تبرع به أما لو عاوض عليه بثمن مثله نفذ. وان نجز ما تبرع به فى مرضه بأن وهبه أو وقفه أو تصدق به أو حابى به فى بيع أو اجاره على الاقوى للاخبار الكثيرة الدالة عليه منطوقا ومفهوما. وقيل يمضى من الاصل للأصل.
وعليه شواهد من الاخبار.
ويثبت الحجر على السفيه بظهور سنهه وأن لم يحكم به الحاكم لان المقتضى له هو السفه فيجب تحققه بتحققه والظاهر قوله تعالى «فان كان الذى عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل». حيث أثبت عليه الولاية بمجرده.
ولا يزول الحجر عنه الا بحكم الحاكم لان زوال السفه يفتقر الى الاجتهاد وقيام الامارات لانه أمر خفى فيناط بنظر الحاكم - وقيل يتوقفان بثبوت الحجر وزواله على حكمه لذلك - وقيل لا يتوقفان معا على الحكم وهو الاقوى لان
стр. 7450
المقتضى للحجر هو السفه فيجب أن يثبت بثبوته ويزول بزواله.
ولظاهر قوله تعالى: «فان آنستم منهم رشدا فادفعوا اليهم أموالهم» حيث علق الامر بالدفع على ايناس الرشد فلا يتوقف على أمر آخر ..
ولو عامله من يعلم بحاله استعاد ماله مع وجوده لبطلان المعاملة. فان تلف فلا ضمان لان المعامل له قد ضيع ماله بيده حيث سلمه الى من نهى الله تعالى عن ايتائه المال. ولو كان جاهلا بحاله فله الرجوع مطلقا لعدم تقصيره. وقيل لا ضمان مع التلف مطلقا لتقصير من عامله قبل اختياره .. وفصل ثالث فحكم بذلك مع قبض السفيه المال باذن مالكه. ولو كان بغير اذنه ضمنه مطلقا لان المعاملة الفاسدة لا يترتب عليها حكم فيكون قابضا للمال بغير اذن فيضمنه كما لو أتلف مالا أو غصبه بغير اذن مالكه وهو حسن … وفى ايداعه أو اعارته أو اجارته فبتلف العين نظر من تفريطه بتسليمه وقد نهى الله عنه بقوله «ولا تؤتوا السفهاء أموالكم» فيكون بمنزلة من ألقى ماله فى البحر. ومن عدم تسليطه على الاتلاف لان المال فى هذه المواضع امانة يجب حفظه والاتلاف حصل من السفيه بغير اذن فيضمنه كالغصب. والحال أنه بالغ عاقل. وهذا هو الاقوى. ولا يرتفع الحجر عنه ببلوغه خمسا وعشرين سنة اجماعا منا لوجود مقتضى الحجر وعدم صلاحية هذا السن لرفعه ونبه بذلك على خلاف بعض العامة حيث زعم أنه متى بلغ خمسا وعشرين سنة يفك حجره به وأن كان سفيها - ولا يمنع من الواجب مطلقا سواء زادت نفقته عن نفقة الحضر أولا وسواء وجب بالاصل أم بالعارض كالنذور قبل السفه لتعينه عليه. ولكن لا يسلم النفقة بل يتولاها الولى ووكيله. ولا من الحج المندوب اذا استوت نفقته حضرا وسفر - وفى حكم أستواء النفقة ما لو تمكن فى السفر من كسب يجبر الزائد بحيث لا يمكن فعله فى الحضر.
وتنعقد يمينه ويكفر بالصوم لو حنث لمنعه من التصرف المالى .. وله العفو عن القصاص لانه ليس تصرفا ماليا. لا الدية لانه تصرف مالى وله الصلح عن القصاص على مال. ولكن لا يسلم اليه.
مذهب الإباضية:
أخذت احكام الحجر والتفليس فى مذهب الإباضية من كتاب جوهر النظام (١): وقد أقتصرنا على ظاهر ما يعطيه النظم ويدل عليه خوفا من الوقوع فى الخطأ - اذ النظم ربما يشتمل على ألفاظ وتعبيرات لا يتصل بالحكم ولا تعبر عما يلاحظ فيه والحجر عند الإباضية هو منع الحاكم من لا يفى ماله بدينه من التصرف فى ماله. ولا يكون الحجر الا بناء على طلب الغريم من الحاكم وفى دين حال وهل يشترط للحجر أن يكون المحجور عليه حاضرا فلو كان غائبا لا يحجر عليه أو انه يجوز الحجر عليه ولو كان غائبا؟ قولان .. ومن كان غنيا وعنده مال يفى بأداء الدين. ولكنه يمطل بالوفاء ويمتنع من الاداء. رغم مطالبة الغريم له وقيامه عليه يحبسه الحاكم حتى يرتدع عن المطل ويؤدى الدين .. ولا يبيع عليه المال.
وقيل يبيعه رغما عنه متى مطل وامتنع من الأداء. ويعلن الحاكم للناس أمر الحجر
стр. 7451
على المدين ليحذر الناس معاملته ولا ينخدعون فى ظاهر أمره. واذا كان مال المدين اكثر من الدين. فهل يحجر عليه فى كل ماله. او فى قدر الدين فقط؟. خلاف. ويرجع المؤلف أن الحجر يكون فى قدر الدين لان موجب الحجر هو الدين الحال - ولكن كيف يتأتى الحجر فى حالة ما اذا كان مال المدين أكثر من الدين. وقد قال المؤلف: ومن يكن عليه دين لا تفى أمواله يمنع من التصرف؟ وان أدعى المدين الاعسار وأخفى ماله. فليس للغرماء الا تحليفه أنه ما أخفى ماله وليس عنده مال. وعند بيع اموال المدين للوفاء بديون الغرماء. ان كانت عروضا يمهله الحاكم من ثلاثة أيام الى سبعة أيام. وأن كانت أصولا عقارا يمهله شهرا وأن حجر الحاكم على المدين ولم يوف الدين واتاه مال جديد بعد الحجر فأنه يدخل فى المال الذى كان وقت الحجر ويجرى عليه ما كان يجرى على المال السابق والذى ورد على الحجر ويختلف النظر فيما يترك للمحجور عند بيع ماله حسب التسديد والترخيص. وقد قالوا يترك له ازار ورداء أو ازار فقط وكتبه ان كان من أهل العلم والا بيعت ولا المصحف ولا النعل ولا تترك واختلفوا فى الآلات والصناعة هل تباع او تترك. ويرى أبو على الحسن بن احمد انها تترك ولا تباع اذ قد يستعين بها على الكسب .. ومتى حجر الحاكم على المدين صار ماله حقا للغرماء لا يستحق احد فيه شيئا فلا تفرض نفقة للزوجة ولا نفقة الاولاد الصغار. واذا أقر المحجور عليه بدين صح وكان المقر له أسوة الغرماء يحاصص منهم بدينه فى المال المحجور .. وأن أقر بعين من المال الذى حجر انها لفلان والدين مستغرق للمال فان الاقرار يصح ويقبل الا اذا كان المقصود التحايل والالجاء. فانه لا يقبل وتدفع العين المقر بها للغرماء مع باقى المال للوفاء بديونهم واذا كان لزوجة المديون دين عليه ثابت فانها تكون أسوة الغرماء وتحاصص بدينها فى مال المحجور وتأخذ منها. اما اذا كان لابنه دين عليه فانه لا يكون اسوة الغرماء ولا يحاصص بدينه منهم فى المال. والله تعالى لا يندب الانسان بدين ابنه. ولم يتحدث مؤلفنا عن الحجر بالصغر ولا بالجنون ولا بالسفه ولا بالغفلة ولا بأى سبب سوى الدين.
стр. 7452
اقراض
التعريف به لغة:
الاقراض مصدر فعله أقرض الثلاثى المزيد بالهمزة لافادة التعدية، فأصل مادته قرض.
وجاء فى لسان العرب أن القرض القطع يقال قرضه يقرضه بالكسر قرضا. والقرض بفتح القاف وكسرها ما يتجازى به الناس بينهم ويتقاضونه وجمعه قروض وهو ما أسلفه من احسان ومن اساءة وهو على التشبيه قال أمية بن أبى الصلت:
كل امرئ سوف يجزى قرضه حسنا … أو سيئا أو مدينا مثل ما دانا
وقال الله : «وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضاً ١ حَسَناً» ويقال أقرضت فلانا وهو ما تعطيه ليقضيكه. وكل أمر يتجازى به الناس فيما بينهم فهو من القروض.
قال الجوهرى: والقرض ما يعطيه من المال ليقضاه. ويقال: اقرض فلان فلانا وقارضه مقارضة وقراضا. واستقرضت من فلان أى طلبت منه القرض فأقرضنى. ويقال أقرض فلان من فلان أى أخذ منه القرض.
وقال أبو اسحاق النحوى فى قول الله : «مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً ٢ حَسَناً» قال: معنى القرض البلاء الحسن، تقول العرب لك عندى قرض حسن وقرض سيئ وأصل القرض ما يعطيه الرجل الآخر أو ما يفعله ليجازى عليه، والله لا يستقرض من عوز، ولكنه يبلو عباده.
والقرض فى قول الله «مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً» اسم ولو كان مصدرا لكان اقراضا، ولكن قرضا ههنا اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء، فأما قرضت فلانا أقرضه قرضا فمعناه جازيته.
وقال الأخفش فى قول الله «مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً» أى من ذا الذى يفعل فعلا حسنا فى اتباع أمر الله وطاعته والعرب تقول لكل من فعل الى آخر خيرا: قد أحسنت قرض فلان وقد أقرضته قرضا حسنا.
وفى الحديث الشريف أقرض من عرضك ليوم فقرك. يقول ﷺ :
اذا نال عرضك رجل فلا تجازه ولكن استبق أجره موفرا لك قرضا فى ذمته لتأخذه منه يوم حاجتك اليه.
وروى عن رسول الله ﷺ أنه حضره الأعراب وهم يسألونه عن أشياء. أعلينا حرج فى كذا؟. فقال: عباد الله رفع الله عنا الحرج الا من اقترض أمرأ مسلما. وفى رواية الا من اقترض عرض مسلم. أراد ﷺ بقوله اقترض امرأ مسلما أى قطعه بالغيبة والطعن عليه ونال منه وأصله من القرض بمعنى القطع.
стр. 7453
قال أبو عبيدة: القرض فى أشياء فمنها القطع - على ما تقدم - ومنها قرض الفأر لأنه قطع كذلك، وأيضا منها السير فى البلاد لأن السير فى الأرض قطع لها ومنه قول الله «وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ ١» وقيل: قرض فلان فى سيره يقرض قرضا عدل يمنة ويسرة، ومن ذلك قول الله «وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ»﴾.
قال أبو عبيدة رحمه الله تعالى: أى تخلفهم شمالا وتجاوزهم وتقطعهم وتتركهم عن شمالها (٢).
التعريف فى اصطلاح الفقهاء:
يستعمل الفقهاء كلمة الاقراض ويقصدون بها اعطاء الانسان آخر مالا على سبيل السلف ليتقاضاه منه. فى وقت آخر، فهم فى استعمالهم هذا المصطلح لا يكادون يخرجون على المعنى اللغوى ولكنهم يخصصونه بذلك المعنى فقط.
وأحكام الاقراض قد ذكرت وفصلت فى مصطلح (اقتراض) انظر مصطلح اقتراض.
إقطاع
التعريف به لغة:
يقال: اقطع الامام الجند البلد اقطاعا جعل لهم غلتها رزقا. واستقطعته اقطاعا سألته الاقطاع واسم ما يقطع ويعطى قطيعة وجمع ذلك قطائع والقطيعة أيضا اسم للوظيفة والضريبة «المصباح المنير» ويقال: قطعته قطيعة. أى طائفة من أرض الخراج - القاموس المحيط. وذكر عياض: أن الاقطاع هو تسويغ الامام من مال الله شيئا لمن يراه أهلا لذلك وأكثر ما يستعمل فى الأرض وهو أن يعطى الامام منها شيئا من يراه يحوزه اما بقصد ان يتملكه بعمارته وذلك فى الأرض الموات، واما بان يحيل له غلته مدة من الزمان أو مدة حياته قال السبكى: وهذا المعنى الثانى هو الذى يسمى فى زماننا اقطاعا وبه يحصل للمقطع له اختصاص بما أقطع له من الأرض الموات كاختصاص المتحجر ولا يملك به الرقبة. وبه جزم الطبرى. وحكى صاحب الفتح عن ابن القيم أنه انما يسمى اقطاعا اذا كان فى أرض أو عقار وانما يجوز الاقطاع فى الفئ ولا يجوز فى حق لمسلم أو معاهد قال وقد يكون الاقطاع تمليكا وقد يكون غير تمليك ومن الثانى اقطاعه ﷺ أصحابه المهاجرين الدور بالمدينة (٣).
стр. 7454
وفى حاشية ابن عابدين على الدر المختار المشهور فى كتب الفقه أن الاقطاع تمليك الخراج مع بقاء رقبة الأرض لبيت المال ومؤدى هذا أنه يكون فى خراج الأرض أى ثمراتها ومنافعها وهى الأرض الخراجية التى تعد رقبتها ملكا لبيت المال أما الأرض العشرية فالغالب فيها أن تكون ملكا لأربابها فلا يجوز فيها الاقطاع لما فيه حينئذ من الاعتداء على حقوقهم. اما الأرض الخراجية التى تركت فى يد أهلها على أن تكون ملكا لهم فان ما يوظف عليها من خراج مملوك لبيت المال، ولذا يجوز للامام الاقطاع فيه اذا ما اقتضت المصلحة ذلك أو اذا كان لمن هو مصرف له عند أبى يوسف، وأما الأرض التى لا مالك لها وهى أرض الموات - فيجوز الاقطاع فيها كما سيأتى: وأكثر استعمال الفقهاء على اختلاف مذاهبهم لاسم الاقطاع - انما هو فى اقطاع الأرض ولا يكادون يستعملونه فى غيرها الا قليلا بل ان منهم كالظاهرية والشيعة من لا يستعملونه فى غير الأرض.
من له حق الاقطاع:
لا يكون الاقطاع الا من الامام أو نائبه الذى جعل له الامام ولاية ذلك لأنه انما يكون فى أموال بيت المال أو فى الأموال التى لا مالك لها ولكنها تحت سلطانه وحمايته وأمر التصرف فى ذلك انما هو للامام وذلك ما نص عليه فى أكثر كتب الفقه.
مشروعيته:
والاقطاع مشروع بالسنة، فقد ورد كثير من الآثار التى تدل على أن رسول الله ﷺ قد أقطع كثيرا من أصحابه، نكتفى منها بما يلى ذكره: عن ابن عباس رضى الله عنه قال: أقطع رسول الله ﷺ بلال بن الحرث المزنى معادن القبلية «جلسيها» وعوريها، وحيث يصلح الزرع من قدس ولم يعطه حق مسلم، رواه أحمد وأبو داود، وروى أيضا من حديث عمرو بن عوف المزنى. الجلسى: بفتح الجيم: وسكون اللام وكسر السين بعدها ياء النسب المرتفع من الأرض وضده، الغور والقدسى: الصالح للزراعة منها. وعن أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنهما قالت: كنت أنقل النوى من أرض الزبير التى أقطعها رسول الله ﷺ اياه. وفى البخارى أن النبى ﷺ أقطع الزبير بن العوام أرضا من أموال بنى النضير وعن وائل بن حجر أن النبى ﷺ أقطعه أرضا بحضر موت وبعث معاوية ليعطيها اياه. رواه الترمذى وصححه. قال الشوكانى: والأحاديث فى الاقطاع الذى صدر من رسول الله ﷺ عديدة، وهى تدل على أنه يجوز للأئمة اقطاع الأراضى وتخصيصها لمن قطعت اياهم وذلك اذا كان فى الاقطاع مصلحة رآها الامام كما تدل على جواز اقطاع المعادن أيضا. والمراد بالاقطاع جعل الأرض الموات أو المعدن مختصا ببعض الأشخاص سواء أكان ذلك أرضا تحوى معدنا أم أرضا للأحياء (١). وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ :
لو جاءنى مال البحرين لقد أعطيتك هكذا وهكذا فلم يجئ حتى قبض رسول الله ﷺ فلما جاء مال البحرين أمر
стр. 7455
أبو بكر مناديا فنادى من كان له عند رسول الله ﷺ دين أو عدة فليأتنا فأتيته فقلت: ان رسول الله قال لى كذا وكذا فحثا لى حثية وقال عدها فاذا هى خمسمائة فقال خذ مثليها متفق عليه.
وهذا الحديث يدل على جواز اعطاء المال مما سوى الأراضى. وقد جاء التعبير فيه بالعطية لا بالاقطاع - وكلاهما اعطاء مال، ولا فرق الا ان الاقطاع فى العقار والعطية فى غير العقار من المال، وذلك اصطلاح واستعمال (١). وقد ورد كذلك أثار جمة تدل على أن أبا بكر وعمر وعثمان قد أقطعوا من رأوا اعطاءه من مال بيت المال بعد وفاته ﷺ . فكان كل ذلك دليلا على مشروعية الاقطاع والعطاء وسندا لغير هؤلاء من الأئمة حين أقدموا على اعطاء من يرون ما يستعينون به من أموال بيت المال.
لمن يكون الاقطاع:
الاقطاع جائز باتفاق لمن يعد من مصارف بيت المال ففى هذه الحال يتوخى الامام المصلحة فيعطى ما يشاء لا يتجاوزها، لأن تصرف الامام منوط بالمصلحة وأما جوازه لمن لا يعد مصرفا لبيت المال، ففيه اختلاف الفقهاء اذا كان المال المعطى من أموال بيت المال فمنهم من منع ذلك لأن فيه مساسا بحق يجب الحفاظ عليه اذ أنه مال تعلقت به حقوق المسلمين ومصالحهم فلا يجوز صرفها فى غير ذلك وممن ذهب الى ذلك محمد بن الحسن رحمه الله تعالى. ومنهم من أجازه للمصلحة والى ذلك ذهب أبو يوسف ﵀. واما اذا لم يكن المعطى من بيت المال كالأرض الموات التى لا مالك لها والأرض التى جلا عنها أهلها منذ القدم فلم يعرف لها مالك، فلا خلاف فى جواز الاقطاع منها سواء أكان اقطاع تمليك أم اقطاع للعمارة وذلك لما للامام من الولاية العامة والنظر فى مصالح المسلمين.
ما يكون فيه الاقطاع من الأموال:
انما يكون الاقطاع فيما ليس مملوكا ولم يتعلق به حق لمعين ولا يكون من وراء اقطاعه ضرر بالعامة وعلى ذلك يكون الاقطاع فى الأرض الموات وفى الأرض التى لا مالك لها وفى كل أرض ليس عليها أثر لعمارة وفى الأرض يتركها أصحابها منذ زمن بعيد فتعود الى ما كانت عليه قبل العمارة كما يكون فى الجبال والأودية مما قد يكون احياؤه بماء الخراج فيكون أرضا خراجية أو بماء العشر فيكون أرضا عشرية فاذا حدث الاحياء كان عليها الخراج أو العشر حسب ما تسقى به من ماء. وراجع مصطلح عشر ومصطلح خراج. ويعمل الامام فى ذلك بما يرى أنه خير للمسلمين وأعم نفعا وسيان ان تكون الأرض ملكا لبيت المال أو لا ملك ولا حق عليها لأحد والاقطاع فيما بينا منه ما هو محل اتفاق بين الأئمة ومنه ما هو محل لاختلافهم وسنبين ذلك فيما يأتى:
أنواع الاقطاع:
والاقطاع قد يكون للتمليك فيتملك به المقطع له رقبة الأرض المعطاه وقد يكون
стр. 7456
اقطاع امتاع وانتفاع كالتنازل عن الخراج لواضع اليد على الأرض الخراجية أو لغيره، وقد يكون اقطاعا للعمارة والأحياء، وحكمه كما سيأتى حكم التحجير، وقد يكون اقطاع ارفاق كما فى اقطاع المقاعد فى الأسواق والساحات للاتجار ونحوه ومن اقطاع التمليك اقطاع الأرض لأخذ ما فى باطنها من المعادن وتملكها.
والجائز من هذه الأنواع بلا خلاف فيه هو الاقطاع للعمارة والأحياء فهو محل اتفاق فى جميع المذاهب وما عدا ذلك من أنواعه فمحل اختلاف بين الفقهاء كما سيبين عند الكلام على مذاهبهم فى الاقطاع وقد ذكرنا أنه قل من يستعمل اسم الاقطاع فى اقطاع غير العقار من الأموال وانما يطلق على مثل اسم العطية وعلى أية حال فهو عن قبيل الاقطاع للتمليك.
اقطاع التمليك:
هذا النوع من الاقطاع يكون فى العقار وهو الغالب الكثير الشائع، ويكون فى غيره من الأموال كما يدل على ذلك حديث جابر ابن عبد الله الذى مر ذكره وقل من يطلق على هذا اسم اقطاع - ويكون فى المعادن كذلك بقصد استخراجها وتملكها.
مذهب الحنفية:
يرى الحنفية أن هذا النوع من الاقطاع يجوز فى الأرض الموات والأرض التى لا مالك لها، فتملك به الأرض اذا كان ذلك هو القصد الذى قصده الامام منه وقد يكون قصد الامام منه التمكين. من العمارة وعندئذ يكون تملكها بالعمارة ولا يثبت به الا حق الاختصاص والأولوية فيكون حكمه حينئذ حكم المتحجر. وكذلك يرون صحته فى المعادن والمراد بذلك اقطاع الأرض لاستخراج معادنها وتملكها فاذا أقطع الامام مالا لا مالك له سواء أكان من الأرض أو من غيرها تملك المقطع له الأرض لعمارتها ان كانت مواتا وبالاقطاع نفسه اذا قصد به ذلك، وان لم تكن مواتا كما يتملك ما أقطع له من المعادن ملكا لازما لا يجوز للامام ولا لمن يأتى بعده أخذه منه. واذا كان اقطاع الامام فيما هو ملك لبيت المال فان كان لمن يعد مصرفا له ولم يتجاوز ما أقطع له ما يستحقه جاز. اما اذا لم يكن مصرفا له لم يجز عند محمد رحمه الله تعالى لأنه فى أموال تعلقت بها حقوق عامة المسلمين فلا يجوز المساس بها وأجاز ذلك أبو يوسف اذا ما رأى الامام مصلحة المسلمين فى ذلك، فقال فى كتابه الخراج (١):
حدثنى أهل المدينة من المشيخة القدماء، قالوا:
وجدنا فى الديوان ان عمر رضى الله عنه أصفى أموال كسرى وآل كسرى وكل امرئ فر عن أرضه أو قتل فى المعركة وكل مفيض ماء أو اجمة فكان رضى الله عنه يقطع من هذا من أقطع - وهذه كلها أموال صارت الى بيت المال - وكان المقطع له يومئذ من الجند الذين لهم أرزاق فى بيت المال ثم قال أبو يوسف وذلك بمنزلة المال الذى لم يكن لأحد ولا فى يد وارث فللامام أن يجيز منه ويعطى من كان له غناء فى الاسلام ويضع ذلك موضعه ولا يحابى به فكذلك هذه الأرض
стр. 7457
فهذا سبيل القطائع عندى فى أرض العراق ثم قال: ومن أقطعه الولاة المهديون فليس لأحد أن يرد ذلك وما يأخذونه من واحد فيعطى الآخر فذلك بمنزلة مال غصبه واحد من واحد.
ثم قال فى موضع آخر. وكل أرض من أرض الحجاز والعراق واليمن والطائف وأرض العرب وغيرها غامرة وليست لأحد ولا فى يد أحد ولا فى ملك أحد ولا ورثته ولا عليها أثر عمارة فأقطعها الامام رجلا فعمرها فان كانت فى أرض الخراج أدى عنها الخراج وان كانت من أرض العشر أدى عنها العشر. وأرض الخراج ما افتتح عنوة مثل السواد (سواد العراق) وغيره وأرض العشر كل أرض أسلم عليها أهلها فكل أرض أقطعها الامام مما فتحت عنوة ففيها الخراج الا أن يصيرها الامام عشرية وذلك اليه وأرجو أن يكون ذلك موسعا عليه فيه فكيفما شاء من ذلك فعل. ثم قال فى موضع آخر وكل من أقطعه الولاة المهديون أرضا من أرض السواد أو أرض العرب والجبال من الأصناف التى ذكرنا ان للامام أن يقطع منها فلا يحل لمن يأتى بعده من الخلفاء ان يرد ذلك ولا يخرجه ممن هو فى يده وارثا أو مشتريا ثم قال: والأرض عندى بمنزلة المال وللامام ان يجيز من بيت المال من كان له غناء فى الاسلام، ومن يقوى به على العدو ويعمل فى ذلك بالذى يرى أنه خير للمسلمين وأصلح لأمرهم وكذلك الأرضون يقطع الامام منها من أحب من الأصناف التى سميت ولا أرى ان يترك أرضا لا ملك لأحد فيها ولا عمارة حتى يقطعها فان ذلك أعمر للبلاد وأكثر للخراج وهذا حد الاقطاع عندى. وهذه النقول صريحة فى جواز اقطاع الامام من أموال بيت المال عقارا كانت أم منقولا، مواتا كانت أو صالحة للزراعة ولا مالك لها كما يجوز له اقطاع المعادن فى مناجمها وحكم ذلك هو تملك المقطع له ما أقطع له من المال اقطاع تميلك ملكا لازما لا يجوز أخذه منه بعد ذلك الا بحق. وذكر ابن عابدين فى حاشيته على الدر بعد ان نقل بعض هذه النصوص السابقة ما نصه: فهذا يدل على أن للامام أن يعطى الأرض من بيت المال على وجه التمليك لرقبتها كما يعطى المال حيث رأى المصلحة اذ لا فرق بين الأرض والمال فى الدفع للمستحق (١).
مذهب المالكية:
فى الشرح الكبير وحاشية الدسوقى ما يفيد ان الأرض الموات يختص بها من عمرها ببناء أو غرس أو تفجير ماء ونحو ذلك فاذا اندرست العمارة وطال زمن الاندراس ففى بقاء الاختصاص يرد عنه قولان الأول يقول ان اندراسها لا يخرجها عن ملك محييها ولا يجوز لغيره أن يحييها وهى للأول أن أعمرها ولو طال زمن اندراسها وهو قول سحنون والثانى يقول ان اندراسها ينهى ملكيتها وجاز لغيره احياؤها وهو قول ابن القاسم أما العمارة الناشئة عن ملك كأرث وهبة فالاختصاص باق ولو طال زمن الاندراس اتفاقا واذا أقطع الامام أرضا مواتا أو أرضا تركها أهلها لكفار اختيارا لا لخوف لأنها فضلت عن حاجتهم ولا ماء فيها ولا غرس أو ماتوا عنها فانه يثبت للمقطع له بالاقطاع اختصاصه بها وأولويته باحيائها عن
стр. 7458
غيره - أما اذا تركها أهلها عنوة فليس له اقطاعها كما سيأتى:
ومن الموات ما عمر ثم درس وطال الزمن - واقطاع الامام لا يعد احياء انما الاحياء بالتعمير بعده غير أنه مع ذلك يعد تمليكا مجردا ومعنى ذلك أنه تمليك كان له بيعه وهبته ووقفه ويورث عنه ولكن بشرط الحيازة قبل حصول مانع منها كموت الامام ورجح بعضهم بانه لا يحتاج الى حيازة وعليه العمل - ومؤدى كونه كالعطايا أنه قد يكون للتمليك ويترتب عليه حينئذ تملك ما أعطى. قال ابن شاس الاقطاع تمليك وان لم يعقبه عمارة فللمقطع له البيع والهبة ويورث عنه وليس يعد احياء بل تمليكا مجردا.
وليس للامام أن يقطع أرض العنوة العامرة لأنها تصير وقفا بمجرد الاستيلاء عليها اما غير العامرة فيجوز اقطاعها لأنها لا تصير وقفا بالاستيلاء فيجوز اقطاعها اقطاع تمليك وتباع وتوهب (١) وتورث.
ويختلف الاقطاع عن الاحياء فى ان الاقطاع تمليك ولذا اختلف النظر فيه هل يحتاج الى حيازة قبل المانع لافادة الملك أم لا، أما الاحياء فهو عبارة عن الاستيلاء. على الأرض الموات وعمارتها ولا يعد مجرد الاستيلاء تملكا ويفتقر الى اذن الامام ان قربت الأرض من عمارة البلد بأن كانت من حريمها والعامر من أرض العنوة لا يجوز اقطاعه اقطاع تمليك وانما يجوز اقطاعه اقطاع امتاع لمدة أو مدى الحياة كأرض مصر والشام والعراق الصالحة للزراعة.
مذهب الشافعية:
يرى الشافعية ان اقطاع الأرض قد يكون تمليكا وقد يكون للأحياء ففى المهذب (٢) يجوز للامام أن يقطع موات الأرض لمن يتملكه بالاحياء لما روى علقمة بن وائل عن أبيه أن رسول الله ﷺ أقطعه أرضا فارسل معه معاوية ان أقطعه اياها وروى ابن عمر أن النبى ﷺ أقطع الزبير بن العوام حفر فرسه فأجرى فرسه حتى قام ورمى بسوطه فقال أعطوه من حيث وقع السوط «أى مسافة جريه الى موقع السوط» وان أبا بكر أقطع الزبير كذلك وان عمر أقطع عليا وان عثمان أقطع خمسة من أصحاب رسول الله ﷺ وهم الزبير وسعد وابن مسعود وخباب وأسامة ابن زيد رضى الله عنهم. ومن أقطعه الامام شيئا من ذلك كان أحق به وصار كالمتحجر له حكمه اذ يصير بالاقطاع أحق من غيره بالأحياء ولا يقطع الأمام شخصا الا بقدر ما يستطيع احياءه اذ فى اعطائه أكثر من ذلك ضرر وتصرف الامام منوط بالمصلحة.
وجاء فى نهاية المحتاج (٣) وللامام اقطاع أرض بيت المال وتمليكها اذا رأى المصلحة فى ذلك سواء أقطع رقبتها أو منفعتها.
стр. 7459
وجاء فى الشبراملسى نقلا عن السيوطى يجوز للامام اقطاع الموات رقبة فتملك ويترتب على ذلك آثار الملك من بيع وهبة وارث.
وفى النهاية: اقطاع الموات قد يكون تمليكا وقد يكون ارفاقا بحسب المصلحة هذا ومن اقطاع التمليك اقطاع المعادن على التفصيل الآتى لأنها امارة وهى اما ظاهرة واما باطنة فالظاهرة لا يجوز اقطاعها لما روى ثابت بن سعيد عن أبيه عن جده أنه استقطع رسول الله ﷺ ملح المأرب فأقطعه اياه فقال الأقرع ابن حابس وكان حاضرا يا رسول الله انى قد وردت الملح فى الجاهلية وهو بأرض ليس بها ملح ومن ورده أخذه وانما اقطعت مثل الماء العد فقال رسول الله ﷺ اذن فلا واسترده (١). والماء العد الماء لا ينقطع مدده.
أما المعادن الباطنة فقد ذهب فريق من الشافعية الى جواز تملكها بالأحياء وعلى هذا القول يجوز اقطاعها لأن كل ما يملك بالاحياء يجوز اقطاعه وذهب آخرون الى أنها لا تملك بالاحياء وعند هؤلاء رأيان أحدهما يجوز اقطاعها وثانيهما لا يجوز كالمعادن الظاهرة وعلى القول بجواز الاقطاع لا يقطع الامام الا بقدر ما يستطيع المقطع له القيام عليه.
مذهب الحنابلة:
يقسم الحنابلة الاقطاع ثلاثة أقسام:
اقطاع تمليك. واقطاع استغلال. واقطاع ارفاق. وقسم القاضى أبى يعلى اقطاع التمليك الى اقطاع موات واقطاع عام واقطاع معادن وللامام اقطاع الموات لمن يحييه ولا يملكه المقطع له بالاقطاع لأنه لو ملكه بالاقطاع ما جاز استرجاعه قبل الاحياء وقد استرجعه عمر رضى الله عنه من بلال قائلا ان رسول الله لم يقطعك لتحجبه عن الناس وحكم المقطع فى هذه الحال حكم المتحجر فيكون أولى من غيره فى الاحياء ولأنه ترجح بالاقطاع ويسمى هذا النوع أيضا اقطاع تمليك لمآله اليه ولا يقطع الامام الا قدر ما يستطيع المقطع له احياءه. وللامام اقطاع غير الموت تمليكا فيملكه المقطع له بمجرد الاقطاع وله اقطاعه للاستغلال والانتفاع كما يجوز له الاقطاع من مال الجزية والاقطاع من مال الخراج، واقطاع الارفاق: اقطاع الجلوس فى الطريق الواسعة ورحاب المساجد المتسعة ويعد ذلك من اقطاع الشرفة ولا يترتب عليه تملك وانما يترتب عليه أولوية الجلوس فى المكان بمنزلة السابق اليه فلا يسقط حقه بنقل متاعه منه بخلاف السابق ما لم يرجع الامام فيه.
واقطاع الامام مشروط بوجود المصلحة المسوغة للاقطاع وقت صدوره مع اشتراط دوامها فاذا انعدمت بعد ذلك جاز للامام الاسترجاع لأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما ولا يجوز للامام اقطاع مالا يجوز احياؤه. مما قرب من العامر وتعلق بمصالحه، لأنه فى حكم المملوك من العامر، وما لا يتعلق بمصالح العامر ملك بالاحياء كالبعيد عنه،
стр. 7460
وللامام اقطاعه، لاقطاعه ﷺ العقيق لبلال مع قربه من المدينة.
أما الاقطاع فى المعادن فمنها ظاهرة وهى التى يتوصل اليها بدون مؤونة وينتفع بها الناس كالملح والماء والكبريت والتبر والمومياء والنفط والكحل والبرام والياقوت ومقاطع الطين واشباه ذلك وهذه لا تملك بالاحياء ولا يجوز اقطاعها لأحد من الناس ولا احتجازها دون المسلمين لأن فى ذلك ضررا وتضييقا على المسلمين ولأن النبى ﷺ اقطع أبيض بن حمال معدن الملح فلما قيل له انه بمنزلة الماء العد استرده كذا قال أحمد فقد روى أبو عبيد وأبو داود والترمذى باسنادهم عن أبيض بن حمال انه استقطع رسول الله ﷺ الملح بمأرب، فأقطعه، فلما ولى قيل لرسول الله ﷺ أتدرى ما اقطعت له؟ انما اقطعت له الماء العد فرجعه اذ أن هذا وأمثاله تتعلق به مصالح المسلمين العامة فلم يجز اقطاعه واحتجازه عنهم كمشارع الماء وطرقات المسلمين قال ابن قدامة وهذا مذهب الشافعية ولا أعلم فيه خلاف.
اما المعادن الباطنة التى لا يوصل اليها الا بالعمل والمؤونة كالذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص والبلور والفيروزج. فاذا وجدت ظاهرة فلا يجوز اقطاعها ولا تملك بالاحياء أيضا وان لم توجد ظاهرة فاظهرها انسان بعمل ومؤونة ففى ذلك قولان قيل لا تملك أيضا وحكمها حكم سابقتها وقيل تملك بالاحياء والاقطاع وهو قول للشافعى لأنها موات لا ينتفع بها الا بالعمل والمؤونة ولأنها بالاظهار تهيأت للانتفاع بها وهذا هو الصحيح المؤيد برواية اقطاع النبى ﷺ بلال بن الحرث معادن القبلية (١).
واذا كان الاقطاع فى موات لم يترتب عليه ملك بل حق التملك ويجوز للمقطع له نقل حق التملك الى غيره واعارته وينقل حق التملك بموته الى ورثته من بعدة ولا يكون ملكا الا بالاحياء (٢).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى لابن حزم (٣): ليس للامام أن يقطع أرضا مملوكة لمعين ولا أرضا قد سبقت اليها يد انسان ولا ما كان فى اقطاعه مضرة بأهل قرية ضررا ظاهرا وعلى ذلك ليس للامام اقطاع الملح والمراح ورحبة السوق والطريق والمصلى ونحو ذلك.
وما ملك يوما باحياء أو بغيره من أسباب الملك ثم دثر وخلا حتى عاد كأول حاله، فهو ملك لا يزال لمن كان مملوكا له لا يجوز لأحد أن يتملكه فان جهل مالكه فالنظر فيه الى الامام فلا يملك الا باذنه ولذا كان للامام أن يقطعه متى رأى المصلحة فى ذلك.
ولا يقطع الذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص من كل معدن يوجد فى باطن الأرض ولا يتوصل اليه الا بالحفر والنفقة واذا ما كان فى أرض مملوكة فانه يكون ملكا لصاحب الأرض وليس لأحد أخذه منه.