اقطاع امتاع وانتفاع كالتنازل عن الخراج لواضع اليد على الأرض الخراجية أو لغيره، وقد يكون اقطاعا للعمارة والأحياء، وحكمه كما سيأتى حكم التحجير، وقد يكون اقطاع ارفاق كما فى اقطاع المقاعد فى الأسواق والساحات للاتجار ونحوه ومن اقطاع التمليك اقطاع الأرض لأخذ ما فى باطنها من المعادن وتملكها.
والجائز من هذه الأنواع بلا خلاف فيه هو الاقطاع للعمارة والأحياء فهو محل اتفاق فى جميع المذاهب وما عدا ذلك من أنواعه فمحل اختلاف بين الفقهاء كما سيبين عند الكلام على مذاهبهم فى الاقطاع وقد ذكرنا أنه قل من يستعمل اسم الاقطاع فى اقطاع غير العقار من الأموال وانما يطلق على مثل اسم العطية وعلى أية حال فهو عن قبيل الاقطاع للتمليك.
اقطاع التمليك:
هذا النوع من الاقطاع يكون فى العقار وهو الغالب الكثير الشائع، ويكون فى غيره من الأموال كما يدل على ذلك حديث جابر ابن عبد الله الذى مر ذكره وقل من يطلق على هذا اسم اقطاع - ويكون فى المعادن كذلك بقصد استخراجها وتملكها.
مذهب الحنفية:
يرى الحنفية أن هذا النوع من الاقطاع يجوز فى الأرض الموات والأرض التى لا مالك لها، فتملك به الأرض اذا كان ذلك هو القصد الذى قصده الامام منه وقد يكون قصد الامام منه التمكين. من العمارة وعندئذ يكون تملكها بالعمارة ولا يثبت به الا حق الاختصاص والأولوية فيكون حكمه حينئذ حكم المتحجر. وكذلك يرون صحته فى المعادن والمراد بذلك اقطاع الأرض لاستخراج معادنها وتملكها فاذا أقطع الامام مالا لا مالك له سواء أكان من الأرض أو من غيرها تملك المقطع له الأرض لعمارتها ان كانت مواتا وبالاقطاع نفسه اذا قصد به ذلك، وان لم تكن مواتا كما يتملك ما أقطع له من المعادن ملكا لازما لا يجوز للامام ولا لمن يأتى بعده أخذه منه. واذا كان اقطاع الامام فيما هو ملك لبيت المال فان كان لمن يعد مصرفا له ولم يتجاوز ما أقطع له ما يستحقه جاز. اما اذا لم يكن مصرفا له لم يجز عند محمد رحمه الله تعالى لأنه فى أموال تعلقت بها حقوق عامة المسلمين فلا يجوز المساس بها وأجاز ذلك أبو يوسف اذا ما رأى الامام مصلحة المسلمين فى ذلك، فقال فى كتابه الخراج (١):
حدثنى أهل المدينة من المشيخة القدماء، قالوا:
وجدنا فى الديوان ان عمر رضى الله عنه أصفى أموال كسرى وآل كسرى وكل امرئ فر عن أرضه أو قتل فى المعركة وكل مفيض ماء أو اجمة فكان رضى الله عنه يقطع من هذا من أقطع - وهذه كلها أموال صارت الى بيت المال - وكان المقطع له يومئذ من الجند الذين لهم أرزاق فى بيت المال ثم قال أبو يوسف وذلك بمنزلة المال الذى لم يكن لأحد ولا فى يد وارث فللامام أن يجيز منه ويعطى من كان له غناء فى الاسلام ويضع ذلك موضعه ولا يحابى به فكذلك هذه الأرض
стр. 7457
فهذا سبيل القطائع عندى فى أرض العراق ثم قال: ومن أقطعه الولاة المهديون فليس لأحد أن يرد ذلك وما يأخذونه من واحد فيعطى الآخر فذلك بمنزلة مال غصبه واحد من واحد.
ثم قال فى موضع آخر. وكل أرض من أرض الحجاز والعراق واليمن والطائف وأرض العرب وغيرها غامرة وليست لأحد ولا فى يد أحد ولا فى ملك أحد ولا ورثته ولا عليها أثر عمارة فأقطعها الامام رجلا فعمرها فان كانت فى أرض الخراج أدى عنها الخراج وان كانت من أرض العشر أدى عنها العشر. وأرض الخراج ما افتتح عنوة مثل السواد (سواد العراق) وغيره وأرض العشر كل أرض أسلم عليها أهلها فكل أرض أقطعها الامام مما فتحت عنوة ففيها الخراج الا أن يصيرها الامام عشرية وذلك اليه وأرجو أن يكون ذلك موسعا عليه فيه فكيفما شاء من ذلك فعل. ثم قال فى موضع آخر وكل من أقطعه الولاة المهديون أرضا من أرض السواد أو أرض العرب والجبال من الأصناف التى ذكرنا ان للامام أن يقطع منها فلا يحل لمن يأتى بعده من الخلفاء ان يرد ذلك ولا يخرجه ممن هو فى يده وارثا أو مشتريا ثم قال: والأرض عندى بمنزلة المال وللامام ان يجيز من بيت المال من كان له غناء فى الاسلام، ومن يقوى به على العدو ويعمل فى ذلك بالذى يرى أنه خير للمسلمين وأصلح لأمرهم وكذلك الأرضون يقطع الامام منها من أحب من الأصناف التى سميت ولا أرى ان يترك أرضا لا ملك لأحد فيها ولا عمارة حتى يقطعها فان ذلك أعمر للبلاد وأكثر للخراج وهذا حد الاقطاع عندى. وهذه النقول صريحة فى جواز اقطاع الامام من أموال بيت المال عقارا كانت أم منقولا، مواتا كانت أو صالحة للزراعة ولا مالك لها كما يجوز له اقطاع المعادن فى مناجمها وحكم ذلك هو تملك المقطع له ما أقطع له من المال اقطاع تميلك ملكا لازما لا يجوز أخذه منه بعد ذلك الا بحق. وذكر ابن عابدين فى حاشيته على الدر بعد ان نقل بعض هذه النصوص السابقة ما نصه: فهذا يدل على أن للامام أن يعطى الأرض من بيت المال على وجه التمليك لرقبتها كما يعطى المال حيث رأى المصلحة اذ لا فرق بين الأرض والمال فى الدفع للمستحق (١).
مذهب المالكية:
فى الشرح الكبير وحاشية الدسوقى ما يفيد ان الأرض الموات يختص بها من عمرها ببناء أو غرس أو تفجير ماء ونحو ذلك فاذا اندرست العمارة وطال زمن الاندراس ففى بقاء الاختصاص يرد عنه قولان الأول يقول ان اندراسها لا يخرجها عن ملك محييها ولا يجوز لغيره أن يحييها وهى للأول أن أعمرها ولو طال زمن اندراسها وهو قول سحنون والثانى يقول ان اندراسها ينهى ملكيتها وجاز لغيره احياؤها وهو قول ابن القاسم أما العمارة الناشئة عن ملك كأرث وهبة فالاختصاص باق ولو طال زمن الاندراس اتفاقا واذا أقطع الامام أرضا مواتا أو أرضا تركها أهلها لكفار اختيارا لا لخوف لأنها فضلت عن حاجتهم ولا ماء فيها ولا غرس أو ماتوا عنها فانه يثبت للمقطع له بالاقطاع اختصاصه بها وأولويته باحيائها عن
стр. 7458
غيره - أما اذا تركها أهلها عنوة فليس له اقطاعها كما سيأتى:
ومن الموات ما عمر ثم درس وطال الزمن - واقطاع الامام لا يعد احياء انما الاحياء بالتعمير بعده غير أنه مع ذلك يعد تمليكا مجردا ومعنى ذلك أنه تمليك كان له بيعه وهبته ووقفه ويورث عنه ولكن بشرط الحيازة قبل حصول مانع منها كموت الامام ورجح بعضهم بانه لا يحتاج الى حيازة وعليه العمل - ومؤدى كونه كالعطايا أنه قد يكون للتمليك ويترتب عليه حينئذ تملك ما أعطى. قال ابن شاس الاقطاع تمليك وان لم يعقبه عمارة فللمقطع له البيع والهبة ويورث عنه وليس يعد احياء بل تمليكا مجردا.
وليس للامام أن يقطع أرض العنوة العامرة لأنها تصير وقفا بمجرد الاستيلاء عليها اما غير العامرة فيجوز اقطاعها لأنها لا تصير وقفا بالاستيلاء فيجوز اقطاعها اقطاع تمليك وتباع وتوهب (١) وتورث.
ويختلف الاقطاع عن الاحياء فى ان الاقطاع تمليك ولذا اختلف النظر فيه هل يحتاج الى حيازة قبل المانع لافادة الملك أم لا، أما الاحياء فهو عبارة عن الاستيلاء. على الأرض الموات وعمارتها ولا يعد مجرد الاستيلاء تملكا ويفتقر الى اذن الامام ان قربت الأرض من عمارة البلد بأن كانت من حريمها والعامر من أرض العنوة لا يجوز اقطاعه اقطاع تمليك وانما يجوز اقطاعه اقطاع امتاع لمدة أو مدى الحياة كأرض مصر والشام والعراق الصالحة للزراعة.
مذهب الشافعية:
يرى الشافعية ان اقطاع الأرض قد يكون تمليكا وقد يكون للأحياء ففى المهذب (٢) يجوز للامام أن يقطع موات الأرض لمن يتملكه بالاحياء لما روى علقمة بن وائل عن أبيه أن رسول الله ﷺ أقطعه أرضا فارسل معه معاوية ان أقطعه اياها وروى ابن عمر أن النبى ﷺ أقطع الزبير بن العوام حفر فرسه فأجرى فرسه حتى قام ورمى بسوطه فقال أعطوه من حيث وقع السوط «أى مسافة جريه الى موقع السوط» وان أبا بكر أقطع الزبير كذلك وان عمر أقطع عليا وان عثمان أقطع خمسة من أصحاب رسول الله ﷺ وهم الزبير وسعد وابن مسعود وخباب وأسامة ابن زيد رضى الله عنهم. ومن أقطعه الامام شيئا من ذلك كان أحق به وصار كالمتحجر له حكمه اذ يصير بالاقطاع أحق من غيره بالأحياء ولا يقطع الأمام شخصا الا بقدر ما يستطيع احياءه اذ فى اعطائه أكثر من ذلك ضرر وتصرف الامام منوط بالمصلحة.
وجاء فى نهاية المحتاج (٣) وللامام اقطاع أرض بيت المال وتمليكها اذا رأى المصلحة فى ذلك سواء أقطع رقبتها أو منفعتها.
стр. 7459
وجاء فى الشبراملسى نقلا عن السيوطى يجوز للامام اقطاع الموات رقبة فتملك ويترتب على ذلك آثار الملك من بيع وهبة وارث.
وفى النهاية: اقطاع الموات قد يكون تمليكا وقد يكون ارفاقا بحسب المصلحة هذا ومن اقطاع التمليك اقطاع المعادن على التفصيل الآتى لأنها امارة وهى اما ظاهرة واما باطنة فالظاهرة لا يجوز اقطاعها لما روى ثابت بن سعيد عن أبيه عن جده أنه استقطع رسول الله ﷺ ملح المأرب فأقطعه اياه فقال الأقرع ابن حابس وكان حاضرا يا رسول الله انى قد وردت الملح فى الجاهلية وهو بأرض ليس بها ملح ومن ورده أخذه وانما اقطعت مثل الماء العد فقال رسول الله ﷺ اذن فلا واسترده (١). والماء العد الماء لا ينقطع مدده.
أما المعادن الباطنة فقد ذهب فريق من الشافعية الى جواز تملكها بالأحياء وعلى هذا القول يجوز اقطاعها لأن كل ما يملك بالاحياء يجوز اقطاعه وذهب آخرون الى أنها لا تملك بالاحياء وعند هؤلاء رأيان أحدهما يجوز اقطاعها وثانيهما لا يجوز كالمعادن الظاهرة وعلى القول بجواز الاقطاع لا يقطع الامام الا بقدر ما يستطيع المقطع له القيام عليه.
مذهب الحنابلة:
يقسم الحنابلة الاقطاع ثلاثة أقسام:
اقطاع تمليك. واقطاع استغلال. واقطاع ارفاق. وقسم القاضى أبى يعلى اقطاع التمليك الى اقطاع موات واقطاع عام واقطاع معادن وللامام اقطاع الموات لمن يحييه ولا يملكه المقطع له بالاقطاع لأنه لو ملكه بالاقطاع ما جاز استرجاعه قبل الاحياء وقد استرجعه عمر رضى الله عنه من بلال قائلا ان رسول الله لم يقطعك لتحجبه عن الناس وحكم المقطع فى هذه الحال حكم المتحجر فيكون أولى من غيره فى الاحياء ولأنه ترجح بالاقطاع ويسمى هذا النوع أيضا اقطاع تمليك لمآله اليه ولا يقطع الامام الا قدر ما يستطيع المقطع له احياءه. وللامام اقطاع غير الموت تمليكا فيملكه المقطع له بمجرد الاقطاع وله اقطاعه للاستغلال والانتفاع كما يجوز له الاقطاع من مال الجزية والاقطاع من مال الخراج، واقطاع الارفاق: اقطاع الجلوس فى الطريق الواسعة ورحاب المساجد المتسعة ويعد ذلك من اقطاع الشرفة ولا يترتب عليه تملك وانما يترتب عليه أولوية الجلوس فى المكان بمنزلة السابق اليه فلا يسقط حقه بنقل متاعه منه بخلاف السابق ما لم يرجع الامام فيه.
واقطاع الامام مشروط بوجود المصلحة المسوغة للاقطاع وقت صدوره مع اشتراط دوامها فاذا انعدمت بعد ذلك جاز للامام الاسترجاع لأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما ولا يجوز للامام اقطاع مالا يجوز احياؤه. مما قرب من العامر وتعلق بمصالحه، لأنه فى حكم المملوك من العامر، وما لا يتعلق بمصالح العامر ملك بالاحياء كالبعيد عنه،
стр. 7460
وللامام اقطاعه، لاقطاعه ﷺ العقيق لبلال مع قربه من المدينة.
أما الاقطاع فى المعادن فمنها ظاهرة وهى التى يتوصل اليها بدون مؤونة وينتفع بها الناس كالملح والماء والكبريت والتبر والمومياء والنفط والكحل والبرام والياقوت ومقاطع الطين واشباه ذلك وهذه لا تملك بالاحياء ولا يجوز اقطاعها لأحد من الناس ولا احتجازها دون المسلمين لأن فى ذلك ضررا وتضييقا على المسلمين ولأن النبى ﷺ اقطع أبيض بن حمال معدن الملح فلما قيل له انه بمنزلة الماء العد استرده كذا قال أحمد فقد روى أبو عبيد وأبو داود والترمذى باسنادهم عن أبيض بن حمال انه استقطع رسول الله ﷺ الملح بمأرب، فأقطعه، فلما ولى قيل لرسول الله ﷺ أتدرى ما اقطعت له؟ انما اقطعت له الماء العد فرجعه اذ أن هذا وأمثاله تتعلق به مصالح المسلمين العامة فلم يجز اقطاعه واحتجازه عنهم كمشارع الماء وطرقات المسلمين قال ابن قدامة وهذا مذهب الشافعية ولا أعلم فيه خلاف.
اما المعادن الباطنة التى لا يوصل اليها الا بالعمل والمؤونة كالذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص والبلور والفيروزج. فاذا وجدت ظاهرة فلا يجوز اقطاعها ولا تملك بالاحياء أيضا وان لم توجد ظاهرة فاظهرها انسان بعمل ومؤونة ففى ذلك قولان قيل لا تملك أيضا وحكمها حكم سابقتها وقيل تملك بالاحياء والاقطاع وهو قول للشافعى لأنها موات لا ينتفع بها الا بالعمل والمؤونة ولأنها بالاظهار تهيأت للانتفاع بها وهذا هو الصحيح المؤيد برواية اقطاع النبى ﷺ بلال بن الحرث معادن القبلية (١).
واذا كان الاقطاع فى موات لم يترتب عليه ملك بل حق التملك ويجوز للمقطع له نقل حق التملك الى غيره واعارته وينقل حق التملك بموته الى ورثته من بعدة ولا يكون ملكا الا بالاحياء (٢).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى لابن حزم (٣): ليس للامام أن يقطع أرضا مملوكة لمعين ولا أرضا قد سبقت اليها يد انسان ولا ما كان فى اقطاعه مضرة بأهل قرية ضررا ظاهرا وعلى ذلك ليس للامام اقطاع الملح والمراح ورحبة السوق والطريق والمصلى ونحو ذلك.
وما ملك يوما باحياء أو بغيره من أسباب الملك ثم دثر وخلا حتى عاد كأول حاله، فهو ملك لا يزال لمن كان مملوكا له لا يجوز لأحد أن يتملكه فان جهل مالكه فالنظر فيه الى الامام فلا يملك الا باذنه ولذا كان للامام أن يقطعه متى رأى المصلحة فى ذلك.
ولا يقطع الذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص من كل معدن يوجد فى باطن الأرض ولا يتوصل اليه الا بالحفر والنفقة واذا ما كان فى أرض مملوكة فانه يكون ملكا لصاحب الأرض وليس لأحد أخذه منه.
стр. 7461
ولا يكون الاقطاع الا من الامام.
وظاهر اطلاق نصوص المحلى - ان الاقطاع كما يكون اقطاع امتاع وانتفاع يكون اقطاع تمليك وليس فى المحلى نص واضح يبين منه ما للاقطاع من آثار بل جاء بيانه مطلقا وأقل ما يدل عليه عند الاطلاق أدنى أنواعه وأدنى أنواعه افادته التخصص أو الامتاع والانتفاع ولكن ما جاء فى بيانه من النص على أن النظر فى الاقطاع الى الامام ولا يفيد ملكا الا باذنه، يفيد تجويزهم اعطاء التمليك من الامام.
مذهب الزيدية:
جاء فى البحر الزخار (١): ان للامام اقطاع الأرض الموات لاحيائها وذلك لما ورد أن رسول الله ﷺ اقطع الزبير ابن العوام حضر (٢) فرسه فاجرى فرسه حتى قام ثم رمى بسوطه فقال ﷺ أعطوه من حيث بلغ السوط أخرجه أبو داود وقد اقطع أبو بكر وعمر ناسا من الصحابة ولا ينبغى للامام أن يقطع أحدا فوق ما يستطيع احياءه ولا ان يقطع ما يستضر باقطاعه الناس ويثبت بالاقطاع حق الاختصاص فحكمه حكم المتحجر لأن الاقطاع لا يحتاج ثبوت حكمه الى نصب اعلام على الأرض بل يثبت حكمه بمجرد الاعطاء - وللامام اقطاع المعادن فى الأرض بدليل ما فعله رسول الله ﷺ لبلال بن الحرث المزنى اذ أقطعه معادن العقيق وهو فى الحكم كاقطاع الموات ولا يصح اقطاع الملح ولا ما فى معناه فقد روى ان أبيض بن حمال وفد على رسول الله ﷺ فاقطعه الملح بمأرب فلما ولى قال له الأقرع بن حابس التميمى أتدرى يا رسول الله ما اقطعت انما اقطعت له الماء العد (٣)، فقال الرسول فلا اذن واسترده وللامام اقطاع بقاع فى الأسواق والطرق الواسعة، بغير اضرار بأن يقطع حق من سبق اليه بعد رفع قماشه، ويجعل غيره أولى، فلا يستحق العود اليه - بل المقطع أولى.
مذهب الإمامية:
يرى الشيعة الإمامية الاثنا عشرية ان الاقطاع يفيد التمليك كما تدل على ذلك عبارات تحرير الأحكام للامام حسن يوسف أبى مظهر الحلى وانما يرون ان الاقطاع قد يكون للاحياء فى الأرض الموات فيملك حينئذ بالاحياء وقد يكون للانتفاع فى أرض بيت المال (٤).
اقطاع الانتفاع:
وقد يسمى اقطاع الامتاع والمراد منه اقطاع الأرض للانتفاع بخراجها (ثمرتها) بالمجان ولذا لا يعرف الا فى الأرض خراجية كانت أو عشرية اذا لم تكن ملكا لأحد ولم يتعلق بها حق لأحد، ولم يكن فى اقطاعها ضرر بالناس. وكثيرا ما يكون فى أراضى بيت المال عشرية أو خراجية، واليك بيان المذاهب فى ذلك.
стр. 7462
مذهب الحنفية:
يجوز للامام أن يعطى الأرض الخراجية التابعة لبيت المال لمن يجعل له خراجها أى ثمرتها وغلتها عند أبى يوسف ﵀ كما يجوز للامام أو نائبه ترك الخراج لرب الأرض ويحل له هذا الخراج اذا كان مصرفا للخراج، والا تصدق به وبه يفتى. وقال محمد: ليس للامام ترك الخراج لرب الأرض، وما فى الحاوى من ترجيح حله لمن لا يكون مصرفا - خلاف المشهور - ومع جواز ذلك للامام، لا ضمان عليه اذا كان الاقطاع لغير مصرف اذ لا يلزم من جوازه حله لرب الأرض (١) - ولا يجوز للامام ترك العشر اذا كانت الأرض المعطاه عشرية اجماعا ولعل وجهه ان العشر من قبيل الزكاة مستحق للفقراء فلا يجوز تركه مراعاة لحقوقهم، ومعنى هذا فيما يبدو - ألا يكون المقطع له مصرفا والا فلا مساس لأنه من قبيل اعطاء صاحب الحق حقه.
وجاء فى البزازية أن السلطان اذا ترك العشر لمن هو عليه جاز غنيا كان أو فقيرا غير أنه اذا كان فقيرا لم يضمن السلطان وان كان غنيا ضمن السلطان العشر للفقراء من بيت المال المخصص للخراج ويضمن لبيت مال الصدقة وقال ابن عابدين: ومحل ذلك اذا كان الغنى مصرفا للخراج والا ضمن السلطان من ماله.
وملك الرقبة فى حالة اقطاع الامام لخراج الأرض، انما هو لبيت المال. أما خراجها الذى تنازل عنه السلطان فهو للمقطع له ولذا لا يصح للمقطع له بيع الرقبة، ولا التصرف فيها، وتصح اجارتها منه تخريجا على جواز اجارة المستأجر للعين المستأجرة. وجاء فى ابن عابدين نقلا عن الشيخ قاسم فى فتوى رفعت اليه أن الجندى اذا اقطعت له أرض جاز له أن يؤجرها ولا أثر لجواز اخراج الامام له أثناء مدة الاجارة، كما لا أثر لموت المؤجر فيها ولا لكونه قد ملك المنفعة بالمجان وذلك لاتفاقهم على أن من صولح على خدمة عبد سنة، كان للمصالح ان يؤجره الى غير ذلك من النصوص الدالة على جواز الاجارة فيما ملكت منافعه بالمجان، وقد ملك المقطع له المنفعة فى مقابلة استعداده لما أعد له واذا مات المؤجر المقطع له، أو أخرجه الامام من الأرض، تنفسخ الاجارة لانتقال ملك المنفعة الى غير المؤجر - والمراد بالاجارة اجارة الأرض للزراعة وانما يكون هذا اذا لم يكن للأرض زراع وضعوا أيديهم عليها ولهم فيها كبس ونحوه مما يسمى كردار، ويؤدون ما عليها وعندئذ لا تصح اجارتها لغيرهم. ولو أقطعها السلطان لشخص ولأولاده من بعده على أن من مات منهم انتقل نصيبه الى ابنه مثلا، ثم مات السلطان وانتقل من اقطع له فى زمن سلطان آخر - بطل هذا التعليق على مقتضى قواعدهم. وقد أفتى العلامة قاسم بصحة اجارة المقطع له وان للامام اخراج المقطع له متى شاء وقيده ابن نجيم بغير الموات. أما فى الموات فليس للامام اخراجه، لأنه تملك بالاحياء ومعنى هذا أن اقطاع الانتفاع غير لازم.
مذهب المالكية:
جاء فى فروق القرافى (٢): الفرق السادس
стр. 7463
عشر بعد المائة ويجوز اقطاع الامام لمن يرى بغير سبب يوجب استحقاقه وتمليكه لأنه اعانة على أحوال تقع فى المستقبل من الزمن وليس تمليكا حقيقيا ولذا كان للامام نزعه منه فى أى وقت شاء، أو تبديله بغيره، ومؤدى هذا ان هذا اقطاع امتاع وانتفاع، ولذا جاز للامام انهاؤه فى أى وقت شاء ولو كان تمليكا لرقبة الأرض المقطعة، ما جاز أخذها ممن اقطعت له. وهذا بخلاف اقطاع التمليك السابق بيانه. وجاء فى الفرق السابق على هذا الفرق: والاقطاعات أعطيات تجعل للأمراء والاجناد من الأراضى الخراجية وغيرها من الرباع والعقار، وهى ارزاق من بيت المال، وليست فى نظير عمل استؤجروا عليه ولذا لا يشترط فيها مقدار من العمل ولا يحد لها أجل تنتهى اليه. وليس الا عطاء فيه مقدرا فى كل شهر بكذا، بل هو اعانة مطلقة، وان كان لا يجوز للمقطع له تناوله الا بما شرطه الامام من الشروط فى اعطائه من التهيؤ للحرب، ولقاء الأعداء، والمناضلة عن الدين، ونصرة كلمة الاسلام والاستعداد بالخيل والسلاح والاعوان على ذلك، ولو لم يفعل ما شرطه عليه الامام لم يجز له التناول.
لأنه مال بيت المال لا يستحق الا باطلاق الامام على الوجه الذى أطلقه - ولو أطلق له الامام من بيت المال فرق ما يستحقه على ما شرط عليه اما غلطا أو جورا، فأنه لا يستحق الزائد بل يبقى فى يده أمانة شرعية يجب ردها لبيت المال، وللامام بعد ذلك أن ينزعه منه ولمن ظفر به، ومن له فى بيت المال حق، أن يتناوله باذن الامام. واذا أقطع الامام أرضا فآجرها المقطع له ثم مات فى أثناء مدة العقد، فللامام أن يقر ورثته على تلك الأجرة ويمضى لهم تلك الاجارة الى أجلها، وله أن يدفع الأرض لآخر على أن تكون الأجرة للمقطع له الثانى وكل ذلك يجب المصلحة للمسلمين ولا تستقر الأجرة للأول الا بمضى العقد، وانقضاء مدة الاجارة، وهو باق على الاقطاع: والمقطع له انما يستحق المدة التى يستمر فيها اقطاعه تلك الأرض، فاذا مات أو حول عنها لغيرها، آل الاستحقاق لغيره، ومعنى هذا أن الاقطاع غير لازم، وأنه يكون مؤقت فأنه فى هذه الحال اقطاع امتاع وانتفاع لا اقطاع تمليك وهذا البيان يدل على أن الاقطاع يكون فى أرض بيت المال اقطاع انتفاع فيما يرى المالكية ولا يكون اقطاع تمليك وذلك واضح لأن أراضى بيت المال تعتبر وقفا من حين الاستيلاء عليها فلا تملك.
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج ان للامام اقطاع أرض بيت المال اقطاع امتاع وانتفاع اذا رأى المصلحة فى ذلك فيجعل ذلك للمقطع له مدة معينة أو مدة حياته تعود الأرض المقطعة بعدها الى بيت المال وانما يستحق المقطع له منفعتها مدة الاقطاع خاصة - وهذا النوع من الاقطاع غير لازم فللامام أن يرجع فيه اذا ما اقتضت المصلحة ذلك. وليس من هذا النوع اقطاع رسول الله ﷺ العقيق لبلال وانما كان اقطاعا للاحياء ولذا استرده منه عمر رضى الله عنه بعد وفاة الرسول ﷺ وأبى بكر فاسترد ما عجز بلال عن
стр. 7464
عمارته، وقال له: أن رسول الله ﷺ لم يقطعك لتحتجبه عن الناس، وانما أعطاك لتعمره وسواء فى اقطاع الانتفاع ان تكون الأرض خراجية أم عشرية (١). وليس للمقطع اقطاع انتفاع أن يؤجر ما اقتطع له من الأراضى الا باذن الامام له فى ذلك أو فى حال استقرار العرف على ذلك كما هو الحال فى الاقطاعات المصرية - وقد أفتى النووى بصحة الاجارة من غير اذن وبنى ذلك على صحة اجارة الصداق من الزوجة قبل الدخول وهذا محل نظر لأن الصداق فى هذه الحال يجوز بيعه بخلاف هذا (٢).
مذهب الحنابلة:
يجوز للامام اقطاع أرض بيت المال العامرة اقطاع انتفاع بغلتها فيملك المقطع له منفعتها وهو ملك غير لازم، وهو مؤقت بما يؤقته به الامام أو بمدة حياة المقطع له.
ويرى الشيخ تقى الدين ان الامام حين يقدم على هذا يجعله للجند عوضا عن أعمالهم فكان مملوكا بعوض وقد جرى العرف بجواز التصرف فيه بالاجارة فكان لجريان العرف مأذونا به من الامام ضمنا، كما لو صرح بذلك (٣).
مذهب الزيدية:
جاء فى البحر الزخار: وللامام اقطاع مقاعد الأسواق والطرق الواسعة بشرط أن لا يتضرر بذلك أحد فيكون المقطع له أولى من غيره. وللامام أنهاؤه حتى لا يلتبس بالملك ولا يترتب على هذا الاقطاع الا حق الاختصاص والانتفاع (٤).
مذهب الإمامية:
ليس للامام أخذ أرض مملوكة عرف مالكها ليعطيها لغيره فان الأرض لمالكها لا تصرف فيها لأحد بدون اذنه أما ما فتح من الأراضى عنوة فهو اما عامر عند الفتح أو موات - فالعامر للمسلمين جميعا المقاتلة وغيرهم وأمر استغلالها فى مصالحهم للامام يعطيها لمن يقوم باستغلالها بما يراه من نصف أو ثلث أو ربع. فما أخذه منه الامام كان فيه الخمس لأربابه والباقى يضعه فى بيت المال للصرف منه فى مصالح المسلمين من سد الثغور وبناء القناطر وشق الطرق وغير ذلك. وليس لأحد بيع شئ من ذلك ولا وقفه ولا هبته وللامام أن يحدد ذلك بمدة تعطى الأرض بعدها لغير من أعطيت له كما تعود الى الامام بموت المقطع له وأما الموات منها وقت الفتح فهى للامام يتصرف فيها بحسب المصلحة فيقطعها ان شاء لمن يحييها. وكل أرض أنجلى عنها
стр. 7465
أهلها أو كانت مواتا فأحييت ثم انجلى عنها أهلها، فانها للامام له التصرف فيها بالبيع والهبة حسب ما يراه، وله أن يعطيها لاستثمارها من شاء مدة معلومة أو مدة حياته ثم ينقلها الى غيره ما عدا الأرض التى أحييت بعد مواتها فانها تبقى فى يد المحيى، وهو أولى بالتصرف فيها مادام يقوم بدفع ما فرض عليه فى ذلك.
وخلاصة ما تقدم أن بلاد الاسلام اما عامرة وهى لأربابها خاصة ولا يجوز الاقطاع منها.
واما موات لم يجر عليها ملك لمسلم، وهذه أمرها الى الامام خاصة يقطعها لمن شاء ويستغلها كما شاء وان جرى عليها ملك مالك ثم عطلها، لم يكن ذلك منهيا لملكه متى كان معروفا معينا، والا فهى للامام خاصة. والاقطاع لا يفيد ملكا عند الشيعة فانما يترتب عليه حق التملك بالاحياء فيكون أولى من غيره باحيائه حكمه حكم المتحجر، فان للامام ان يقطع آحاد الناس قطائع من الموات، فيكون لهم به الاختصاص لا التملك فان أحيى المقطع له تملك بالاحياء ولا يتملك بالاحياء الا أن يكون باذن من الامام ولا ينبغى للامام أن يقطع أحدا من الموات الا ما يستطيع احياءه، كما ليس له أن يقطع من المعادن ما كان منها ظاهرا وله اقطاع المعادن الباطنة.
والمعادن الظاهرة ما لا يفتقر فى تحصيله الى طلب استنباط وتوصل اليها من غير مؤنة كالملح والنفط والكبريت والقير والموميا والكحل والبرام والياقوت ومقاطع اللبن وأشباه ذلك.
والباطنة مالا يتوصل اليه الا بالعمل والمؤنة كالذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص والبلور والفيروزج، وغير ذلك مما يكون فى بطون الأرض والجبال ولا يظهر الا بالعمل والنفقة.
وقد اختلف فى المعادن بقسميها فقيل: انها للامام خاصة يتصرف فيها حسب المصلحة وعلى هذا القول لا تملك بالاحياء بدون اذن من الامام. وقيل انها للمسلمين ولا يختص الامام منها الا بما يكون فى الأودية التى هى ملكه أما ما كان منها فى أرض المسلمين وللمسلمين يد عليها فليس للامام وانما تكون لمن يملك أرضها والمعادن الظاهرة كما ذكرنا لا يجوز اقطاعها بل هى مباحة كالمياه الجارية أما الباطنة فيجوز للامام اقطاعها لمن شاء ولا يقطع الامام منها الا بقدر استطاعة المقطع له العمل فيها وليس للامام بعد ذلك اقطاعها لغيره وهو اقطاع يفيد أولوية لا تمليكا فان أهمل المقطع له أجبره الامام على العمل أو التخلى عنها (١).
стр. 7466
اكتحال
الاكتحال فى اللغة:
مصدر اكتحل والمادة من الكحل وهو ما يكتحل به ونقل فى اللسان عن ابن سيدة أن الكحل ما وضع فى العين يشتفى به ويقال: كحل عينه يكحلها بفتح الحاء وضمها كحلا فهى مكحولة وكحيل وقد اكتحل وتكحل (١). وكلام ابن سيدة فى المخصص لم يقصر معنى الاكتحال على التداوى (٢).
والفقهاء يستعملون الاكتحال
بمعنى أعم
من أن يكون وضع الكحل للتداوى أو للزينة حسب ما هو مفصل بعد:
مذهب الحنفية:
يرى الحنفية أنه لا بأس بالأثمد للرجال باتفاق المشايخ ويكره الكحل الأسود بالاتفاق اذا قصد به الزينة واختلفوا اذا لم يقصد به الزينة: عامتهم على أنه لا يكره طبقا لما جاء فى الفتاوى الهندية نقلا عن جواهر الاخلاطى (٣). ولا يجوز الاكتحال بميل الذهب وما أشبه ذلك كاستعمال مكحلة الذهب والرجل والمرأة فى ذلك (٤) سواء وأضاف ابن عابدين نقلا عن الخانية أن النساء فيما سوى الحلى من الأكل والشرب والأدهان من الذهب والفضة والعقود بمنزلة الرجال (أنظر آنية).
وقد صرحوا بأنه لو اكتحل بكحل نجس لا يجب غسله (٥).
مذهب المالكية:
نقل العدوى فى حاشيته على الخرشى أنه لا بأس باكتحال الرجل لضرورة دواء ولغيرها ونقل عن مالك قولان الجواز وعدمه والخلاف فى الأثمد اما غير الأثمد فجائز قطعا (٦).
مذهب الشافعية:
يرى الشافعية أنه يسن لكل أحد من الناس أن يدهن غبا بكسر الغين المعجمة - أى وقتا بعد وقت بحيث يجف الأول - وأن يكتحل وترا لكل عين ثلاثة (٧).
مذهب الحنابلة:
يرى الحنابلة أنه يستحب أن يكتحل وترا ويدهن غبا وينظر فى المرآة ويتطيب. قال حنبل رأيت أبا عبد الله (أباه) كانت له صينية فيها
стр. 7467
مرآة ومكحلة ومشط فاذا فرغ من حزبه نظر فى المرآة واكتحل وامتشط. وقد روى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : (عليكم بالاثمد فانه يجلو البصر ويثبت الشعر) قيل لأبى عبد الله كيف يكتحل الرجل؟ قال: وترا يقول ابن قدامة فى المغنى وليس لهذا الحديث اسناد معروف وروى أبو ذر باسناده عن النبى ﷺ قال: (من اكتحل فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج) والوتر ثلاث فى كل عين وقيل ثلاث فى اليمنى واثنتان فى اليسرى ليكون الوتر حاصلا فى العينين معا (١).
اكتحال الصائم
مذهب الحنفية:
جاء فى التنوير وشرحه وحاشيته أنه لا يكره الكحل للصائم اذا لم يقصد به الزينة (٢). وعبارة الهداية فى هذا المقام:
ولو اكتحل الصائم لم يفطر لأن الداخل من المسام لا ينافى كما لو اغتسل بالماء البارد (٣).
وفى الفتاوى البزازية أنهم قالوا: لا يفسد الاكتحال الصوم وان وجد طعمه (٤) كما نقل فى الفتاوى الهندية أن الصائم اذا بزق فرأى أثر الكحل ولونه فى بزاقه فعامة المشايخ على أنه لا يفسد صومه وهو الأصح (٥) فاذا اكتحل ثم أكل متعمدا فعليه الكفارة الا اذا كان جاهلا فأفتى له بالفطر فلا تلزمه الكفارة.
هكذا فى فتاوى قاضى خان (٦).
مذهب المالكية:
جاء فى التاج والاكليل أن اكتحال الصائم جائز لمن يعلم من عادته أنه لا يصل الى حلقه فان علم من عادته أنه يصل منع على قول من أوقع به الفطر.
وقد روى أشهب عن مالك فيه الجواز وقال:
ما كان الناس يشددون فى هذه الأشياء هكذا ثم قال: وفى المدونة لا يكتحل من كان الكحل يصل الى حلقه.
ومن تعليقات الامام الحطاب فى هذا المقام نقلا عن المدونة: أن الصائم لا يكتحل ولا يصب فى أذنه دهنا الا أن يعلم أنه لا يصل الى حلقه فان اكتحل بأثمد أو صبر أو غيره لوجع به أو غيره فوصل ذلك الى حلقه فليتماد فى صومه ولا يفطر بقية يومه وعليه القضاء ولا يكفر ان كان فى رمضان فان لم يصل الى حلقه فلا شئ عليه (٧).
стр. 7468
وفى حاشية العدوى عن أبى الحسن أن الصائم اذا تحقق أن الكحل يصل الى حلقه لم يكن له أن يفعل وان شك كره وليتماد فى صومه وعليه القضاء فان علم أنه لا يصل فلا شئ عليه. ومحل وجوب القضاء فيما يصل من العين ان فعله نهارا فان فعله ليلا فلا شئ عليه فى هبوط ذلك نهارا للحلق لأنه غاص فى أعماق البدن فكان بمنزلة ما ينحدر من الرأس الى البدن (١).
مذهب الشافعية:
يجوز للصائم أن يكتحل لما روى عن أنس رضى الله عنه: (أنه كان ﷺ يكتحل وهو صائم) ولأن العين ليس بمنفذ فلم يبطل الصوم بما وصل اليها (٢). وعن أنس أيضا قال: (جاء رجل إلى النبى ﷺ فقال:
اشتكت عينى أفأكتحل وأنا صائم؟ قال:
نعم) رواه الترمذى. وعن نافع عن ابن عمر قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وعيناه مملؤتان من الكحل وذلك فى رمضان (٣) وهو صائم.
قال ابن قدامة فى المغنى ما يفيد أن الكحل اذا وجد الصائم طعمه فى حلقه أو علم وصوله اليه أفطر والا لم يفطره نص عليه أحمد وقال ابن عقيل: ان كان الكحل حادا أفطره (٤) والا فلا.
مذهب الظاهرية:
يرى ابن حزم أن الاكتحال لا ينقض الصوم وان بلغ الى الحلق نهارا أو ليلا بعقاقير أو بغيرها واستدل على ذلك بأن الله تعالى انما نهانا فى الصوم عن الأكل والشرب والجماع وتعمد القئ والمعاصى. وما علمنا أكلا ولا شربا يكون على دبر أو أحليل أو أذن أو عين أو أنف أو من جرح فى البطن أو الرأس وما نهينا قط عن أن نوصل الى الجوف - بغير الأكل والشرب - ما لم يحرم علينا ايصاله (٥).
مذهب الزيدية:
جاء فى البحر الزخار أن الكحل لا يفسد اذ كان ﷺ يكتحل وهو صائم (٦). والقاعدة عندهم كما فى شرح الأزهار ان كان ما يصل الى الجوف يفسد الصوم بشروط منها أن يكون جاريا فى الحلق من خارجه فلو جرى فى الحلق ولم يجرى من خارجه بل نزل من الدماغ أو العين أو الخيشوم فانه لا يفسد.
ومثل أصحاب الحواشى على الشرح لما نزل من العين بالكحل وكان القياس عندهم أنه يفطر لأنه جار فى الحلق لكن لورود الدليل السابق عن النبى ﷺ . وكذا سائر الكحالات من الصبر وغيره.
стр. 7469
ويستحب للصائم استعمال الزينة من الكحل وغيره عن النبى ﷺ (١).
مذهب الإمامية:
يرى الأمامية أنه يكره الاكتحال للصائم بما فيه صبر أو مسك أو نحوهما مما يصل طعمه أو رائحته الى الحلق بلا خلاف كما فى مستمسك العروة الوثقى نقلا عن الجواهر.
وقال بعضهم اذا كان كحلا ليس فيه مسك وليس له طعم فى الحلق فلا بأس به (٢).
مذهب الإباضية:
يرى الأكثر منهم اجازة الاكتحال نهارا مطلقا ولو كان فيه طعام وقيل ان لم يخلط بدواء يؤكل جاز وان خلط بدواء يؤكل فلا يجوز. وان اكتحل بدواء يؤكل أو لا يؤكل ولم يصل جوفه فلا يفطر.
وكره بعضهم الاكتحال للصائم مطلقا وعن بعضهم أيضا أنه ان اكتحل قضى يوما. وعن قتادة وبعض أهل المذهب كراهة الاكتحال بالصبر وعدم الكراهة بالاثمد ومن وجد طعم الكحل المخلوط بدواء يؤكل فى فيه نهارا فلا ضير عليه (٣).
اكتحال المحرم
مذهب الحنفية:
يرى الحنفية أنه لا بأس للمحرم بالحج أن يكتحل بكحل ليس فيه طيب (٤). فان اكتحل بكحل مطيب مرة أو مرتين فعليه صدقة وان كان مرارا كثيرة فعليه دم. كذا فى الفتاوى الهندية نقلا عن السراج الوهاج (٥).
مذهب المالكية:
اكتحال المحرم مطلقا لدواء جائز وان كان بمطيب ففيه الفدية وعلق على ذلك الحطاب فقال: المذهب أن اكتحال المحرم ان كان لضرورة فهو جائز وان كان لغير ضرورة فثلاثة أقوال: مشهورها وجوب الفدية على الرجل والمرأة، وقيل: لا تجب عليهما، وقيل تجب على المرأة دون الرجل (٦).
مذهب الشافعية:
يرى الشافعية: أنه لا يجوز للمحرم أن يكتحل بالطيب، فان فعل لزمته الفدية لأنه اذا وجب ذلك فيما يستعمله بالثياب فلأن يجب فيما يستعمله ببدنه أولى (٧). ويكره أن يكتحل بما لا طيب فيه لأنه زينة والحاج أشعث أغبر، فإن احتاج إليه لم يكره لأنه إذا لم يكره ما يحرم من الحلق والطيب للحاجة
стр. 7470
فلأن لا يكره مالا يحرم أولى (١). وجزم النووى فى المجموع بأنه لا خلاف فى عدم جواز الاكتحال بالمطيب ولزوم الفدية على المحرم ان فعل (٢).
ثم فصل ذلك بقوله يحرم عليه أن يكتحل بما فيه طيب فان احتاج اليه جاز وعليه الفدية. وأشار الى قول صاحب المهذب بأنه يكره الاكتحال بما لا طيب فيه لأنه زينة وعلق عليه بقوله: اتفق أصحابنا على أنه لا يحرم، وأما الكراهة فنقل عن المزنى عن الشافعى أنه لا بأس به ونص فى الاملاء على كراهته.
والأصح أنه على حالين فان لم يكن فيه زينة كالتوتيا الأبيض لم يكره، وان كان فيه زينة كالاثمد كره الا الحاجة كرمد (٣). ونقل صاحبا النهاية والمغنى هذا الرأى الأخير عن المجموع وأضافا اليه قولهما: والكراهية فى المرأة أشد (٤).
مذهب الحنابلة:
الكحل بالاثمد للمحرم مكروه للمرأة والرجل والكراهة فى حق المرأة أشد لأنها محل الزينة وروى عن ابن عمر أنه قال: يكتحل المحرم بكل كحل ليس فيه طيب. وروى عن أحمد أنه قال: يكتحل المحرم ما لم يرد به الزينة قيل له: للرجال والنساء؟ قال نعم. ويقول ابن قدامه: ان الدليل على كراهته ما روى عن جابر أن عليا قدم من اليمن فوجد فاطمة ممن حل فلبست ثيابا صبيغا واكتحلت فأنكر ذلك عليها فقالت: أبى أمرنى بهذا فقال النبى ﷺ : (صدقت صدقت) رواه مسلم وغيره وهذا يدل على أنها كانت ممنوعة من ذلك وروى عن عائشة أنها قالت لامرأة: (اكتحلى بأى كحل شئت غير الاثمد أو الأسود) اذا ثبت هذا فان الكحل بالاثمد مكروه لا فدية فيه لا أعلم فيه خلافا.
وروى شميسة أنها قالت: اشتكيت عينى وأنا محرمة فسألت عائشة فقالت: اكتحلى بأى كحل شئت غير الاثمد أما انه ليس بحرام ولكنه زينة فنحن نكرهه. أما الكحل بغير الأثمد فلا كراهة فيه ما لم يكن فيه طيب لما ذكرنا من حديث عائشة وقول ابن عمر.
وقد روى مسلم عن نبيه بن وهب قال:
خرجنا مع أبان بن عثمان حتى اذا كنا بملل اشتكى عمر بن عبيد الله عينيه فأرسل الى أبان بن عثمان ليسأله فأرسل اليه أن أضمدها بالصبر فان عثمان حدث عن رسول الله ﷺ فى الرجل: اذا اشتكى عينيه وهو محرم ضمدها بالصبر. ففى هذا دليل على اباحة ما فى معناه مما ليس فيه زينة ولا طيب (٥).
مذهب الظاهرية:
يرى ابن حزم فى المحلى: أن الاكتحال للمحرم جائز (٦).
стр. 7471
مذهب الزيدية:
يرى الزيدية - كما جاء فى البحر الزخار - أن المحرم له الاكتحال بما لا زينة فيه كالصبر وأما ما فيه زينة فهو من محظورات الاحرام كالأسود الا لعذر فيفتدى (١). وقد أورد هذا الحكم الأخير فى الأزهار وقسم الكحل ونحوه الى ثلاثة أقسام: التوتوى ونحوه جائز بالاتفاق. والطيب محرم والكحل الأسود والذى لا طيب فيه مختلف فيه فالمذهب التحريم ثم قال: ولا توجب هذه المحظورات على فاعلها الا الاثم ولا فدية عليه (٢).
مذهب الإمامية:
اكتحال المحرم بالسواد والطيب حرام لكن لا فدية ان اكتحل بالسواد بخلاف المطيب (٣).
مذهب الإباضية:
ان المرأة المحرمة لا تتزين وان بكحل وكذا الرجل والظاهر أن الكحل زينة وان تقصد، فيلزم المكتحلة دم الا لضرورة ونص الشيخ اسماعيل: ان المرأة اذا اكتحلت لغير زينة فهو زينة وان اكتحلت لرمد لزمها دم ووجهه أنها اضطرت الى ما لا يجوز وهو الزينة ففعلته فلزمها دم كسائر ما تضطر اليه وقيل: لا يلزمه وان اكتحلت باثمد أو نحوه مخلوطا بطيب فعليها دم وان كان لوجع، ولا بأس بكحل لا طيب فيه.
ولا تلزم الفدية ناسيا ولا جاهلا بالتحريم قال أبو سعيد: تلزم الجاهل وهو الصحيح وقيل ان المحرم والمحرمة يكحلان بأنزرت لرمد لا بأثمد (٤).
اكتحال المعتدة
مذهب الحنفية:
جاء فى التنوير وشرحه: ان المبتوتة والمتوفى عنها زوجها اذا كانت بالغة مسلمة ولو أمة منكوحة بنكاح صحيح ودخل بها عليها الاحداد ويدخل فى الاحداد ترك الكحل (٥).
وقد علق ابن عابدين على قيد الدخول بها أنه صحيح بالنسبة لمعتدة البت، وأما معتدة الموت فيجب عليها العدة ولو كانت غير مدخولة فيجب فيها الحداد (٦). وفى فتاوى قاضى خان ان اجتناب المعتدة للكحل مقيد بما اذا اكتحلت للزينة فان اكتحلت لا للزينة كان لها ذلك (٧). والظاهر أن المراد بالكحل ما تحصل به الزينة كالأسود ونحوه بخلاف الأبيض ما لم يكن مطيبا (٨).
مذهب المالكية:
لا يجوز للمرأة المتوفى عنها زوجها أن تكتحل الا اذا دعت الضرورة الى ذلك،
стр. 7472
فلا بأس به ليلا وان بطيب، وتمسحه نهارا.
سواء كان بطيب أم لا، وقال الأبى ان محل هذا حيث كان بطيب (١).
مذهب الشافعية:
يوجب الشافعية - كغيرهم - الاحداد فى عدة الوفاة لما روت أم سلمة رضى الله عنها أن النبى ﷺ قال:
المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشق ولا الحلى ولا تختضب ولا تكتحل ولا يجب ذلك على المعتدة الرجعية لأنها باقية على الزوجية ولا يجب على أم الولد اذا توفى عنها مولاها ولا على الموطؤة بشبهة، لما روت أم حبيبة أن النبى ﷺ : قال لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا واختلف قول الشافعى فى المعتدة المبتوتة فقال فى القديم:
يجب عليها الإحداد لأنها معتدة بائن فلزمها الإحداد كالمتوفى عنها زوجها وقال فى الجديد:
لا يجب عليها الإحداد لأنها معتدة من طلاق فلم يلزمها الاحداد كالرجعية. ومن لزمها الاحداد حرم عليها أن تكتحل بالاثمد والصبر وقال أبو الحسن الماسرجسى: ان كانت سوداء لم يحرم عليها. والمذهب أنه يحرم لما ذكر من حديث أم سلمة ولأنه يحسن الوجه.
ويجوز أن تكتحل بالأبيض كالتوتيا، لأنه لا يحسن بل يزيد العين مرها، فان احتاجت الى الاكتحال بالصبر والاثمد اكتحلت بالليل وغسلته بالنهار لما روت أم سلمة قالت:
(دخل على رسول الله ﷺ حين توفى أبو سلمة وقد جعلت على عينى صبرا فقال: ما هذا يا أم سلمة قلت إنما هو صبر ليس فيه طيب فقال إنه يشب الوجه لا تجعليه إلا بالليل، وتنزعينه بالنهار (٢).
وأضاف صاحب نهاية المحتاج أن الاثمد يحرم ولو كان غير مطيب وأن الأولى ترك الاكتحال عند الحاجة (٣).
مذهب الحنابلة:
يرى الحنابلة أن تجتنب المتوفى عنها زوجها أمورا منها الزينة فى نفسها وأن تكتحل بالاثمد من غير ضرورة وذلك لحديث أم سلمة ولما روته أم عطية أن رسول الله ﷺ قال: (لا تحد المرأة فوق ثلاثة أيام إلا على زوج فإنها تحد أربعة أشهر وعشرا ولا تلبس ثوبا معصفرا الا ثوب عصب ولا تكتحل ولا تمس طيبا إلا عند أدنى طهرها إذا طهرت من حيضها بنبذة من قسط أو اظفار) وهو حديث متفق عليه.
ولأن الكحل من أبلغ الزينة والزينة تدعو اليها وتحرك الشهوة فهى كالطيب وأبلغ منه وان اضطرت الحادة إلى الكحل بالاثمد للتداوى فلها أن تكتحل ليلا وتمسحه نهارا لما روت أم حكيم بنت أسد عن أمها: أن زوجها توفى وكانت تشتكى عينها فتكتحل بالجلاد فأرسلت مولانا لها إلى أم سلمه تسألها عن كحل الجلاد فقالت:
стр. 7473
(لا تكتحل الا لما لا بد منه يشتد عليك فتكتحلين بالليل وتغسلينه بالنهار) رواه أبو داود والنسائى.
وانما منع من الكحل بالإثمد لأنه الذى تحصل به الزينة فأما الكحل بالتوتيا والعنزروت ونحوهما فلا بأس به لأنه لا زينة فيه بل يقبح العين ويزدها مرها (١).
مذهب الظاهرية:
يرى ابن حزم أنه فرض على المعتدة من الوفاة أن تجتنب الكحل كله لضرورة أو لغير ضرورة ولو ذهبت عيناها لا ليلا ولا نهارا (٢).
واستدل على ذلك بما رواه بسنده حميد بن نافع عن زينب بنت أم سلمة ان ابنة النحام توفى عنها زوجها فأتت أمها للنبى ﷺ فقالت: ان ابنتى تشتكى عينها أفأكحلها قال لا قالت انى أخشى أن تنفقئ عينها قال وان انفقأت.
مذهب الزيدية:
يقولون بوجوب الاحداد على غير الرجعية المكلفة المسلمة حرة كانت أم أمة وهو ترك الزينة حتى تنقضى عدتها ومن الزينة الاكتحال (٣).
وظاهر كلام البحر أن الكحل الممنوع بما فيه زينة حيث قال ولها الكحل بالتوتيا والصبر (٤).
مذهب الإمامية:
يجب الحداد على الزوجة المتوفى عنها زوجها فى جميع مدة العدة بترك الزينة ومنها الكحل الأسود ولو احتاجت الى الاكتحال بالسواد لعلة جاز فان تأدت الضرورة باستعماله ليلا ومسحه نهارا وجب وإلا اقتصرت على ما تتأدى به الضرورة (٥). يراجع مصطلح (احداد).
مذهب الإباضية:
لا تتزين البائن بكحل الا لعذر ولا تتزين المتوفى عنها زوجها كذلك، وان احتاجت المتوفى عنها الاكتحال فى مرض فى عينها جاز لها ليلا وتمسحه نهارا وأما ما روى أبو عبيدة عن جابر بن زيد أن أم سلمة رضى الله عنها قالت: «جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله: ان ابنتى توفى عنها زوجها وقد اشتكت عينها فقال لها رسول الله ﷺ : لا ثلاثا ثم قال: انما هى أربعة أشهر وعشر» فالظاهر أن المراد منها نهارا لأنه وقت الرؤية فمنع أن ترى متزينة ولو لم تقصد الزينة فيباح لها ليلا للضرورة لأنه لا رؤية فيه واستطرد صاحب النيل الذى أورد الحكم فقال: اطلعت على أن فى الموطأ وغيره حديثا عن أم سلمة فى تلك السائلة جاز فيه:
(اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار) وذكر النووى أن الأولى تركه ولو خشيت على بصرها فان فعلت مسحته نهارا (٦).
стр. 7474
اكتراء واكراء
التعريف اللغوى:
جاء فى لسان العرب (١).
كرا: الكروة والكراء: أجر المستأجر، كاراه مكاراة وكراء واكتراء واكرانى دابته وداره، والاسم الكرو بغير هاء، عن اللحيانى، وكذلك الكروة والكروة، والكراء ممدود لأنه مصدر كاريت، والدليل على ذلك انك تقول رجل مكار، ومفاعل انما هو من فاعلت، وهو من ذوات الواو لأنك تقول أعطيت الكرى كرونه، بالكسر.
والمكارى والكرى: الذى يكريك دابته، والجمع أكرياء، لا بكسر على غير ذلك، واكريت الدار فهى مكراة والبيت مكرى، واكتريت واستكريت وتكاريت بمعنى.
ويقال: اكرى الكرى ظهره، والكرى أيضا:
المكترى: وفى حديث ابن عباس، رضى الله عنهما: أن امرأة محرمة سألته فقالت أشرت الى أرنب فرماها الكرى، بوزن الصبى:
الذى يكرى دابته، فعيل بمعنى مفعل. يقال:
اكرى دابته فهو مكر وكرى، وقد يقع على المكترى فعيل بمعنى مفعل.
وكرا الأرض كروا: حفرها وهو من ذوات الواو والياء. وفى حديث فاطمة رضى الله عنها: أنها خرجت تعزى قوما، فلما انصرفت قال لها: لعلك بلغت معهم الكرى؟ قالت:
معاذ الله: هكذا جاء فى رواية بالراء، وهى القبور جمع كرية أو كروة، من كريت الأرض وكروتها اذا حفرتها كالحفرة، ومنه الحديث:
أن الأنصار سألوا رسول الله ﷺ ، فى نهر يكرونه لهم سيحا أى يحفرونه ويخرجون طينه، وكرا البئر كروا:
طواها بالشجر. وكروت الركية كروا اذا طويتها بالشجر وعرشتها بالخشب وطويتها بالحجارة، وقيل: المكروة من الآبار المطوية بالعرفج والسبط.
التعريف الشرعى:
بالبحث فى كتب الفقه وجدنا ان التعريف الفقهى لم يخرج عن التعريف اللغوى:
«حكم الاكراء والاكتراء فى الحج»:
مذهب الحنفية:
جاء فى كتاب الهداية (٢): انه لا بد من القدرة على الزاد والراحلة وهو قدر ما يكترى به شق محمل أو رأس زاملة وقدر النفقة ذاهبا وجائيا لأنه ﵇: سئل عن السبيل اليه فقال: الزاد والراحلة وان أمكنه أن يكترى عقبة فلا شئ عليه لأنهما اذا كانا يتعاقبان له توجد الراحلة فى جميع السفر، ويشترط أن يكون فاضلا عن المسكن وعما لابد منه كالخادم وأثاث البيت وثيابه لأن هذه الأشياء مشغولة بالحاجة الأصلية، ويشترط أن
стр. 7475
يكون فاضلا عن نفقة عياله الى حين عوده لأن النفقة حق مستحق للمرأة وحق العبد مقدم على حق الشرع بأمره، وليس من شرط الوجوب على أهل مكة ومن حولهم الراحلة لأنه لا تلحقهم مشقة زائدة فى الأداء فأشبه السعى الى الجمعة ولا بد من أمن الطريق لأن الاستطاعة لا تثبت دونه، ثم قيل هو شرط الوجوب حتى لا يجب عليه الايصاء وهو مروى عن أبى حنيفة ﵀، وقيل هو شرط الأداء دون الوجوب لأن النبى ﷺ : فسر الاستطاعة بالزاد والراحلة لا غير.
وجاء فى موضع آخر من كتاب البدائع روى الحسن عن أبى حنيفة أنه فسر الراحلة فقال: اذا كان عنده ما يفضل عما ذكرنا ما يكترى به شق محمل أو زاملة أو رأس راحلة وينفق ذاهبا وجائيا فعليه الحج وان لم يكفه ذلك الا أن يمشى أو يكترى عقبة فليس عليه الحج ماشيا ولا راكبا عقبة وانما اعتبرنا الفضل على ما ذكرنا من الحوائج لأنها من الحوائج اللازمة التى لا بد منها فكان المستحق بها ملحقا بالعدم.
مذهب المالكية:
جاء فى كتاب بلغة السالك (١). من شروط الحج الاستطاعة. والمستطيع أى القادر على الوصول لا على غيره من مكر وفقير وخائف من كلص وغيره ولا تصح نيابة من أحد عن شخص مستطيع فى حج فرض بأجرة أو لا فالاجارة فيه فاسدة لأنه عمل بدنى لا يقبل النيابة كالصلاة والصوم فالفرض باق على المستنيب والا تكن فى فرض بل فى نفل أو فى عمرة كرهت النيابة. وصحت الاجارة فيما ذكر وللمستنيب أجر الدعاء والنفقة وحمل النائب على فعل الخير هذا هو الذى اعتمده الشيخ فى التوضيح وفى المختصر وضعفه بعضهم وقال المعتمد فى المذهب أن النيابة عن الحى لا تجوز ولا تصح مطلقا الا عن ميت أوصى به فتصح مع الكراهية.
مذهب الشافعية:
جاء فى المهذب (٢). انه تجوز النيابة فى حج الفرض فى موضعين:
أحدهما فى حق الميت اذا مات وعليه حج والدليل عليه حديث بريدة رضى الله عنها.
والثانى فى حق من لا يقدر على الثبوت على الراحلة الا بمشقة غير معتادة كالزمن والشيخ الكبير والدليل عليه ما روى ابن عباس رضى الله عنهما أن امرأة من خثعم أتت النبى ﷺ فقالت يا رسول الله ان فريضة الله فى الحج على عباده أدركت أبى شيخا كبيرا لا يستطيع ان يستمسك على الراحلة أفأحج عنه قال نعم قالت أينفعه ذلك قال نعم كما لو كان على أبيك دين فقضيته
стр. 7476
نفعه ولأنه أيس من الحج بنفسه فناب عنه غيره كالميت وفى حج التطوع قولان:
أحدهما لا يجوز لأنه غير مضطر الى الاستنابة فيه فلم تجز الاستنابة فيه كالصحيح.
والثانى أنه يجوز وهو الصحيح لأن كل عبادة جازت النيابة فى فرضها جازت النيابة فى نفلها كالصدقة.
فان (١) استأجر من يتطوع عنه وقلنا لا يجوز فان الحج للحاج وهل يستحق الأجرة فيه قولان:
أحدهما أنه لا يستحق لأن الحج قد انعقد له فلا يستحق الأجرة كالضرورة.
والثانى يستحق لأنه لم يحصل له بهذا الحج منفعة لأنه لم يسقط به عنه فرض ولا حصل له به ثواب بخلاف الضرورة فان هناك قد سقط عنه الفرض.
وجاء فى موضع آخر من المهذب. قال (٢) فى الأم اذا استأجره رجلان للحج فأحرم بهما انعقد احرامه عن نفسه لأنه لا يمكن الجمع بينهما ولا تقديم أحدهما على الآخر فتعارضا وسقطا وبقى احرام مطلق فانعقد له، قال ولو استأجره رجل ليحج عنه فأحرم عنه وعن نفسه انعقد الاحرام عن نفسه لأنه تعارض التعيينان فسقطا وبقى مطلق الاحرام، فانعقد له.
مذهب الحنابلة:
جاء (٣) فى منتهى الارادات: من شروط الحج الاستطاعة ومن الاستطاعة ملك راحلة لركوبه بآلتها بشراء أو كراء يصلحان. أى الراحلة وآلتها لمثله لحديث أحمد عن الحسن لما نزلت هذه الآية «ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا» قال رجل يا رسول الله ما السبيل قال الزاد والراحلة وللدارقطنى عن أنس مرفوعا معناه. فى مسافة قصر عن مكة متعلق بملك راحلة ولا يعتبر ملك راحلة فى دون مسافة القصر عن مكة للقدرة على المشى فيها غالبا ولأن مشقتها يسيرة ولا يخشى فيها عطب لو انقطع بها بخلاف البعيدة الا لعاجز عن مشى لشيخ كبير فيعتبر له ملك الراحلة بآلتها حتى فى دونها، ولا يلزمه السير حبوا ولو أمكنه فأما الزاد فيعتبر قربت المسافة أو بعدت مع الحاجة اليه، أو ملك ما يقدر به من نقد أو عرض على تحصيل ذلك أى الزاد والراحلة بآلتيهما فان لم يملك ذلك لم يلزمه الحج.
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى لابن حزم الظاهرى ان استطاعة السبيل الذى يجب به الحج اما صحة الجسم والطاقة على المشى .. واما مال يمكنه منه ركوب البحر أو البر .. وان لم يكن صحيح الجسم الا انه لا مشقة عليه فى السفر برا أو بحرا، وأما ان يكون له من
стр. 7477
يطيعه فيحج عنه ويعتمر بأجرة أو بغير اجرة ان كان هو لا يقدر على النهوض لا راكبا ولا راجلا فأى هذه الوجوه أمكنت الانسان المسلم العاقل البالغ فالحج والعمرة فرض عليه، ومن عجز عن جميعها فلا حج عليه ولا عمرة (١).
وجاء فى موضع آخر من كتاب المحلى لابن حزم (٢): مسألة فمن استطاع. ثم بطلت استطاعته أو لم تبطل فالحج والعمرة عليه ويلزم أداؤهما عنه من رأس ماله قبل ديون الناس، فان لم يوجد من يحج عنه الا بأجرة استؤجر عنه لقول النبى ﷺ (دين الله أحق بالقضاء) استؤجر من يحج عنه ويعتمر من ميقات من المواقيت لا يلزم غير هذا الا أن يوصى بأن يحج عنه من بلده فتكون الاجارة الزائدة على الحج من ميقات ما من الثلث لأنه عمل لا يلزم .. ثم قال ولا يجزى أن يستأجر من لم يحج ولا اعتمر الا أن لا يكون مستطيعا حين استؤجر فيجوز حينئذ لأنه غير مستطيع للحج عن نفسه فلا يلزمه وهو مستطيع للحج عن غيره بما يأخذ من الأجرة وبالله تعالى التوفيق.
مذهب الزيدية:
جاء فى كتاب شرح الأزهار (٣): من الأركان أن يجد رجلا. دابة أو سفينة ملكا أو مستكرى اذا كانت المسافة بينه وبين مكة بريدا فصاعدا قال فى الانتصار أو كان زمنا لا يستطيع قطع المسافة القريبة الا براحلة فان لم يجد الذى على مسافة بريد راحلة سقط عنه الحج ولو كان قادرا على المشى وعند البعض يجب عليه اذا كان قادرا على المشى.
وأن يجد أجرة خادم فى سفره واذا كان ممن يستخدم ولا يستغنى عنه وأجرة قائد للأعمى فان وجدها وجب عليه الحج عندنا، وأجرة محرم مسلم. وجاء فى البحر الزخار:
(مسألة (٤) ولا يسقط الحج باحتياج الى بذل الخفارة اذ له بذل المال للعبادة كالكراء.
ثم قال. والمعضوب الأصلى لا يلزمه الاستئجار، اذ هو فرع الوجوب وقال. البعض بل يستأجر لخبر الخثعمية. قلنا لعله كان وجب على أبيها جمعا بين الأدلة قال البعض والطارئ كالأصلى. قلنا: هذا قد تمكن فافترقا.
مسألة. ولا يلزمه ان وجد من يحج عنه تبرعا، اذ لم يلزمه فى الأصل.
مذهب الإمامية:
جاء فى كتاب الخلاف: مسألة (٥). الذى لا يستطيع الحج بنفسه وأيس من ذلك
стр. 7478
اما بأن لا يقدر على الكون على الراحلة أو يكون به سبب لا يرجى زواله وهو المعضب والضعف الشديد من الكبر أو ضعف الخلقة بأن يكون ضعيف الخلقة فى بدنه لا يقدر أن يثبت على مركب يلزمه فرض الحج فى ماله بأن يكترى من يحج عنه فان فعل ذلك سقط الفرض وبه قال فى الصحابة على ﵊ وفى الفقهاء النووى وأبو حنيفة وأصحابه وابن المبارك والشافعى وأحمد واسحاق وقال مالك فرض الحج لا يتوجه على من لا يقدر عليه بنفسه فان كان معضوبا لم يجب الحج عليه ولا يجوز أن يكترى من يحج عنه فان أوصى أن يحج عنه حج عنه من الثلث وحكى أنه قال لو عضب بعد وجوب الحج عليه سقط عنه فرضه. دليلنا. اجماع الفرقة وطريقة الاحتياط لأنه اذا فعل ما قلناه برئت ذمته بيقين واذا لم يفعل فليس على براءة ذمته دليل وروى عن على ﵊ انه قال لشيخ كبير لم يحج ان شئت فجهز رجلا يحج عنك وروى سفيان بن عيينة عن الزهرى عن سليمان بن يسار عن ابن عباس ان امرأة من خثعم سألت رسول الله ﷺ فقال ان فريضة الله فى الحج على عباده أدركت أبى شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستمسك على راحلة فهل ترى أن أحج عنه فقال ﷺ نعم وفى رواية عمرو بن دينار عن الزهرى مثله وزاد فقالت يا رسول الله فهل ينفعه ذلك فقال نعم كما لو كان عليه دين تقضيه نفعه ثم قال فى موضع آخر: اذا (١) أوصى المريض بحجة تطوع أو استأجر من يحج عنه تطوعا فانه جائز وبه قال مالك وأبو حنيفة وهو أحد قولى الشافعى.
والقول الآخر لا يجزى ولا الوصية به.
ودليلنا. اجماع الفرقة والأخبار التى وردت فى فضل الحج.
ثم قال (٢) واذا أحرم بالحج عن غيره نيابة ثم نقل النية الى نفسه لا يصح نقلها فاذا أتم حجه لم تسقط أجرته عمن كان استأجره وللشافعى فيه قولان:
أحدهما لا شئ له.
والآخر وهو الذى يختارونه مثل قولنا من أن له أجرة.
دليلنا. ان الأجرة استحقها بنفس العقد وبالدخول فى الاحرام انعقد الحج عن المستأجر ونيته ما أثرت فى النقل وجب أن يكون استحقاق الأجرة ثابتا لأن اسقاطه يحتاج الى دليل. ثم قال. اذا استأجر (٣) الصحيح من يحج عنه الحجة الواجبة لا يجزيه بلا خلاف وان استأجر من يحج عنه النافلة أجزاه وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعى لا يجوز أن يستأجر لا نفلا ولا فرضا.
دليلنا. اجماع الفرقة وأخبارهم الواردة فى ذلك أيضا والأصل جوازه والمنع يحتاج الى دليل.
стр. 7479
مذهب الإباضية:
جاء فى كتاب شرح النيل وشفاء العليل (١):
عن ابن عباس رضى الله عنهما: اذا حج الأجير بالكراء فقد تم حجه ثم تلا هذه الآية (٢) «أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب» ويدل لذلك أيضا أن رجلا جاء الى ابن عباس رضى الله عنهما. وقال انى اكريت دابتى واشترطت عليهم أن أحج فهل يجزينى ذلك قال أنت من الذين قال الله فيهم «أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب» ومعنى اشترطت عليهم أن أحج اشترطت ان أحج عليها بأن يركبها أو يحمل عليها معهم أو اشترط عليهم أن أحج بطعامهم وشرابهم وجميع ما أحتاج من مالهم فى سفرى للحج معهم أو اشترطت أن أشاركهم فى الأجر بأن يترك لهم بعض الثمن فى الكراء فقبلوا تركه لهم بعضه. قال الشيخ اسماعيل وأن رجع من الطريق قبل أن يؤديها فعليه رد الدراهم فان رجع من قابل فحج فقد أدى (ما استؤجر عليه) وقال (٣) فى موضع آخر. قال أبو الحوارى يستحب لمن استؤجر بحجة أن يأخذ منها ولو قليلا وان لم يأخذ منها شيئا حتى قضى الحج جاز له أخذ ما فرضوا له. واتفقوا على جواز اخراج الحجة عن ميت وهو أن يضمن الخارج بها آداءها أو يكون أمينا فيها أو يستأجر لها من يحج بها. قلت بل فيه خلاف ومن أخذ حجة غيره بأجر فمرض بعد ما أحرم فله أن يستأجر من يتمها عنه لا أن مرض قبله الا ان أذن له أصحابها بذلك.
وكذا أن اشتغل عن الذهاب الى الحج بسبب ما فليعطها من يتمها من الموضع وجاز ذلك ومن أخذ حجة فلا يعطها غيره بأجرة وان فعل فعليه الأجرة واعادة الحج وله ثواب حج أجيره وان أذن له الوارث أو الوصى أو أتم له فعله جاز وان أخذها على أن يستأجر لها فاستأجر بأقل مما أخذ وأعان الأجير بشئ ككراء أو زاد فالفضل له وان لم يعنه فالفضل فى سبيل الله لا له ولا للأجير ولا للوارث والظاهر أنه للوارث ومن أخذ حجة بضمان وترك بعضها عند الوارث ثم هلك فى الطريق فلورثته الخيار ان شاءوا أتموها من حيث مات ويخرجوا بها منه ولهم ما بقى عند الوارث أو الوصى وان شاءوا ردوا ما أخذ مورثهم من ماله فتخرج الحجة من بلد الهالك الا أن اتفق وارثه مع ورثة الأجير على أن يخرج بها وارث صاحبها من حيث مات الأجير ومن أخذ حجة ولم يشترط فى سنته فحول نواه فى بعض الطريق أن يحج لنفسه وحج من قابل من ذلك الموضع جاز وقيل عليه أن يرجع الى بلد صاحبها وان شرط عليه فى سنته رد ما أخذ لأنه خالف ومن لم يشترط عليه فى سنته أو مدة فحيث حج فله وعليه الحج الا أن تفاسخوا برضاهم. والله أعلم.
стр. 7480
اكتساب
التعريف اللغوى:
جاء فى القاموس: اكتسب طلب الرزق كما يقال اكتسب بمعنى تصرف واجتهد.
التعريف الاصطلاحى:
استعمله الفقهاء بما لا يخرج عن معناه اللغوى فأرادوا به السعى فيما ينفع الانسان فى دنياه وتارة العمل بما يترتب عليه ثواب أو عقاب فى الآخرة، وينشأ عن ذلك أن المال الذى يكتسبه الشخص يستفيد به فى حياته بما ينفق عن نفسه وعياله، وفى آخرته بما يتصدق به ويعود عليه بالثواب (١).
تقسيم الاكتساب:
ينقسم الاكتساب الى مشروع وغير مشروع فالاكتساب المشروع أنواعه مختلفة، فقد يكون من تجارة أو اجارة أو عمل أو غير ذلك، وحصر الأشياء التى يكون منها الاكتساب مشروعا لا يمكن على وجه التحديد، فمن القواعد المقررة شرعا، أن الأصل فى الأشياء الاباحة فكل ما لم يرد فيه نص بتحريمه، والنهى عنه فهو مباح ومشروع (٢). فمن أنواع المشروع البيع (٣) متى تحققت فيه شروطه التى بينها الفقهاء من طهارة العين وامكان التسليم والملك لمن له العقد، والعلم بالمبيع - الى غير ذلك - أنظر مصطلح «بيع».
ومنها التجارة فيما تجوز فيه التجارة شرعا كالتجارة فى الحيوانات التى تجوز فيها التجارة اما للأكل أو للحفظ أو لغير ذلك أو التجارة فى غير الحيوانات من نبات وجماد وغير ذلك - أنظر مصطلح «تجارة».
ومنها الجعالة: وهى التزام مطلق التصرف عوضا معلوما على عمل (٤) معين.
ومنها السلم (وهو بيع شئ موصوف فى الذمة لأجل (٥). أنظر مصطلح «اسلاف - مسلم».
ومنها الشركة: وهى أن يقول أحد الاثنين للآخر مشاركتك، ويقول الآخر قبلت ويتبع نظامها (٦): انظر مصطلح «شركة» ومنها الصرف كبيع الذهب بالفضة انظر مصطلح «صرف» (٧).
ومنها القراض: وهو أن يعطى غنى مالا لفقير ليتجر فيه والربح حسب شرطهما ويقال له المضاربة - انظر مصطلح «قراض - ومضاربة».
стр. 7481
ومنها المساقاة: وهى دفع شجرة له ثمر مأكول الى آخر ليتعهده بجزء معلوم من الثمر (١). انظر مصطلح «مساقاة».
وبالجملة فجواز الاكتساب من البيع أو غيره يدور مع حل الانتفاع فيجوز الاكتساب من بيع أى شئ يبيح الشرع التجارة فيه وكل ما لم يرد نص بتحريم الاكتساب منه فهو اكتساب مشروع، عملا بالقاعدة الشرعية لا حرمة بلا نص (٢).
الاكتساب غير المشروع: يتحقق الاكتساب غير المشروع فى كل مبادلة غير مشروعة سواء كانت مبادلة مال بمال أو مال بمنافع أو منافع بمنافع - وذلك كبيع الميتة، والخمر والخنزير والدم والعذرة والسرجين. وكبيع الحشرات بجميع أنواعها كالذباب والبعوض والنمل والحيات والعقارب والخنافس، وكذلك بيع آلات اللهو كالمزمار والطنبور وكبيع الحيوانات المفترسة كالذئب والثعلب والنمر والأسد، وكبيع السلاح للحربى، وبيع الحمل، أى ما فى بطن الدابة أو الناقة وكبيع السمك فى الماء والطير فى الهواء واللبن فى الضرع وضربة القانص وهو الصياد فى البر وضربة القانص وهو الصياد فى البحر وبيع المغصوب. وكبيع كلأ المراعى وهى الأعشاب التى ترعاها الابل قبل احرازها وكبيع النحل غير المحرز أى الذى ليس له وعاء يضمه، وكبيع المصحف للكافر، وبيع ما فيه غرر: أى جهل بحال المبيع كبيع المحاقلة وهى بيع الحنطة فى سنبلها بحنطة خالصة من التبن وبيع الصوف على ظهر الغنم وبيع الزيت فى الزيتون والسمسم واللؤلؤ فى الصدف ونوى التمر وبذر البطيخ داخل ثمرتها وبيع العنب والزبيب لمن يعمل منهما خمرا عند بعض الفقهاء ومن الاكتساب غير المشروع الربا وأجر البغى وأجر الكاهن (العراف) وأجر الغناء ومن الاكتساب غير المشروع أيضا الرشوة والكسب الناشئ من الاحتكار المضر كاحتكار التاجر سلعة عند قدرتها والحاجة اليها وكذلك الكسب الناشئ من الشركات الفاسدة ومن الاكتساب غير المشروع أجرة المسكن للدعارة. انظر فى كل ما تقدم مصطلح «بيع واجارة».
اكتساب العبد
مذهب الحنفية:
العبد لا يخلو اما أن يكون غير مأذون له فى التجارة والاكتساب، أو مأذونا له فيهما وعلى الأول لا يصح منه أن يزاول أى عمل تجارى أو غيره اذ لا حق له أن يتجر الا فيما أذن له فيه لأن منافعه مستحقة لمالكه ومن ثم لا يملك التصرف بغير اذن مولاه فكسبه فى هذه الحالة غير مشروع. وأما المأذون له فى الاكتساب فان اكتسابه فى هذه الحالة يكون اكتسابا مشروعا ويكون ملكا لسيده.
انظر (٣) «مصطلح اذن».
стр. 7482
مذهب المالكية:
العبد المأذون اذا أتجر فى مال نفسه كان الربح له أو لسيده وفق ما تضمنه الأذن واذا أتجر فى مال سيده كان الربح له اذا تضمن الأذن ذلك والعبد غير المأذون له قبول الصدقة (١) والهبة.
مذهب الشافعية:
لا يجوز للعبد أن يتجر بغير اذن المولى، لأن منافعه مستحقة له فلا يملك التصرف فيها بغير اذنه فان رآه يتجر فسكت لم يصر مأذونا له لأنه تصرف يفتقر الى الأذن وليس السكوت اذنا فيه كبيع مال الأجنبى فان اشترى شيئا فى الذمة فقد اختلف فيه.
فقال البعض انه عقد معاوضة فلا يصح من العبد بغير اذن المولى كالنكاح.
وقال البعض يصح لأنه محجور عليه لحق غيره فصح شراؤه فى الذمة كالمفلس وان أذن له فى التجارة صح تصرفه لأن الحجر عليه لحق المولى وقد زال وما يكتسبه للمولى لأنه ان دفع اليه مالا فاشترى به كان المشترى عوض ماله فكان له وان أذن له فى الشراء فى الذمة كان المشترى من اكتسابه لأنه تناوله الأذن، فان لم يكن فى يده شئ أتبع به اذا عتق لأنه دين لزمه برضا من له الحق فتعلق بذمته، ولا تباع فيه رقبته لأن المولى لم يأذن له فى رقبته فلا يقضى منها دينه ولا يتجر الا فيما أذن به لأن تصرفه بالأذن فلا يملك الا ما دخل فيه فاذا أذن له فى التجارة لم يملك الاجارة، وقال البعض يملك اجارة ما يشترى به للتجارة لأنه من فوائد المال واذا اكتسب العبد مالا بأن احتش أو اصطاد أو عمل فى معدن فأخذ منه مالا أو ابتاع أو اتهب أو أوصى له بمال فقيل دخل ذلك فى ملك المولى لأنها اكتساب ماله فكانت له (٢). واذا أذن له سيده بالتجارة فاكتسب كان كسبه لسيده ولا يملك العبد بتمليك سيده فى الأظهر فى قوله الجديد لأنه ليس بأهل للملك وفى المذهب القديم يملك بتمليك السيد للحديث من باع عبدا وله مال فماله للبائع الا أن يشترط المبتاع، دل اضافة المال اليه على أنه يملك وأجيب بأن الاضافة للاختصاص (أى الملك للسيد لا للعبد) وعلى القديم هو ملك ضعيف لا يتصرف العبد فيه الا باذن سيده (٣).
مذهب الحنابلة:
يجوز أن يأذن السيد لعبده فى التجارة بغير خلاف، لأن الحجر عليه انما كان لحق سيده، فيجوز له التصرف بأذنه، فى قدر ما أذن له فيه، فهو كوكيل فان دفع اليه سيده مالا يتجر به كان له أن يبيع ويشترى ويتجر فيه، وان أذن له أن يشترى فى ذمته جاز،
стр. 7483
وان عين له نوعا من المال يتجر فيه لم يكن له التجارة فى غيره، وليس للمأذون فى التجارة أن يؤجر نفسه، واذا رأى السيد عبده يتجر فلم ينهه لا يعتبر مأذونا له، لأنه تصرف يقتصر الى الأذن فلا يقوم السكوت مقام الأذن كما لا يجوز له التبرع بهبة الدراهم ولا كسوة الثياب وتجوز هبته للمأكول واعارة الدابة (١). وما يكتسبه العبد بناء على اذن سيده ملكا لسيده لأن السيد وما بيده ملك لسيده (٢).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى (٣) ما يفيد أنه يجوز أن يبيع العبد ويبتاع بغير اذن سيده ما لم ينتزع سيده منه ماله فان انتزعه فهو مال السيد فلا يحل للعبد التصرف فيه، وحجتهم فى الجواز قوله تعالى «وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ» فلم يخص حرا من عبد فلو كان بيع العبد بغير اذن سيده حراما لفصله ، وحيث لم يفصل جل شأنه فصح أنه حلال غير حرام، وأما انتزاع السيد مال العبد فقد صح عن رسول الله ﷺ أنه أعطى الحجام - وهو رقيق - أجره وسأل عن ضريبته فأمر مواليه أن يخففوا عنه منها فصح أن العبد يملك لأنه ﵊ أعطاه أجره كما صح للسيد أخذه لأنه ﵊ أمر أن يخفف عنه من خراجه فصح أن مال العبد له ما لم ينتزعه سيده وصح أن للسيد أخذ كسب عبده لنفسه.
مذهب الزيدية:
يرى الزيدية أن ما يكتسبه العبد قبل عتقه يكون لسيده (٤).
مذهب الأمامية:
ويقول الإمامية (٥) لو كان للرقيق كسب جاز للمولى أن يجعله اليه فان كفاه الكسب بجميع ما يحتاج اليه من نفقة وغيرها اقتصر عليه وان لم يكفه أتم له سيده قدر كفايته ويفرق فى الرقيق بين القن والمدبر.
مذهب الإباضية:
يقول الإباضية أن من أذن لعبده فى الاتجار فى سلعة أو صنعة معروفة فمأذون له فى الكل يتجر فى جميع السلع ويصنع الصنائع كلها ويعامل بالبيع والشراء كذا لو أذن له فى نوع من المعاملات كالسلم فله الكل، ووجه ذلك أن الأذن فى الواحدة اذن فى الكل، وأما
стр. 7484
ما يكون من قبيل المعاملات بغير اذن مولاه فليس على مولاه من ذلك شئ حتى يخرجه من ملكه. وان عامل رجالا شتى بأكثر من ثمن رقبته فأخرجه مولاه من ملكه فانهم يتحاصون فيما دون رقبته وان أفسد شيئا فى مال مولاه بالتعدى ثم عتق فان مولاه له عليه قيمة ما أفسده كله ولو كان أكثر من رقبته (١).
اكتساب المكاتب:
مذهب الحنفية:
بيان ما يملك المكاتب من التصرفات وما لا يملك.
ويملك المكاتب أن يبيع ويشترى لأنه صار مأذونا له فى التجارة والبيع والشراء من باب التجارة وله أن يبيع بقليل الثمن وكثيره وبأى جنس كان بالنقد والنسيئة وله أن يبيع ويشترى من مولاه لأن المكاتب فيما يرجع الى مكاسبه ومنافعه كالحر، فهو فيها بمنزلة الأجنبى لكنه لا يجوز له أن يبيع ما اشتراه من مولاه مرابحة الا أن يبين لأن بيع المرابحة بيع أمانة فيجب صيانته عن الخيانة وشبهتها ما أمكن ولا يجوز له أن يبيع من مولاه درهما بدرهمين لأنه بعقد الكتابة صار أحق بمكاسبه فأصبح كالأجنبى فى المعاوضة المطلقة وله أن يأذن لعبده فى التجارة لأن الأذن فى التجارة وسيلة للاكتساب، والمكاتب مأذون فى الاكتساب ويملك الاجارة والاعارة والايداع لأن ذلك من عمل التجار.
ولا يجوز للمكاتب أن يهب شيئا لأن هذا تبرع وكسب المكاتب لا يحتمل التبرع ولا يملك التصدق الا بشئ يسير حتى لا يجوز له أن يعطى فقيرا درهما ولا أن يكسوه ثوبا ولا يجوز له أن يهدى الا بشئ قليل من المأكول، وله أن يدعو الى الطعام لأن ذلك من عمل التجار وقد روى أن سلمان رضى الله عنه أهدى رسول الله ﷺ وكان مكاتبا فقبل ذلك منه، وكذا روى أن رسول الله ﷺ كان يجيب دعوة المملوك، لأن ذلك وسيلة الى أداء مال الكتابة لأنه يجذب قلوب الناس فيحملهم ذلك على الاهداء اليه فيتمكن من أداء بدل الكتابة، ولا يجوز له أن يقرض لأن القرض تبرع ولا تجوز وصيته. وله أن يشارك حرا شركة عنان، وليس له أن يشارك شركة مفاوضة، لأن مبنى المفاوضة على الكفالة وليس هو من أهل الكفالة وشركة العنان غير مبنية على الكفالة بل على الوكالة والمكاتب من أهل الوكالة (٢).
стр. 7485
مذهب المالكية:
تصرفات المكاتب كالحر، لأنه أحرز نفسه وماله، الا فى التبرع والمحاباة التى تؤدى الى عجزه فيمنع منها لأن الكتابة عقد يترتب عليه عتق العبد فما كان بعوض جاز والا فلا يجوز، فللمكاتب بلا أذن من سيده بيع واشتراء، ومشاركة ومقارضة ومكاتبة لرقيقه لابتغاء الفضل وله سفر قريب بغير اذن وله اقرار فى رقبته كدين (١).
مذهب الشافعية:
يملك المكاتب بالعقد اكتساب المال بالبيع والاجارة والصدقة والهبة والأخذ بالشفعة والاحتشاش والاصطياد وأخذ المباحات، وهو مع المولى كالأجنبى مع الأجنبى فى ضمان المال، ويملك التصرف فى الحال بما يعود الى مصلحته ومصلحة ماله فيجوز أن ينفق على نفسه لأن ذلك من أهم المصالح، وله أن يفدى فى صيانة نفسه أو رقيقه لأن له فيه مصلحة وله أن يمتحن غلامه ويؤدبه لأنه اصلاح للمال، وان كان المكاتب جارية فوطئها المولى، وجب عليه المهر، ولها أن تطالب به لتستعين به على الكتابة لأنه يجرى مجرى الكسب وان أذهب بكارتها، لزمه الأرش لأنه اتلاف جزء لا يستحقه فضمن بدله. ولا يملك المكاتب التصرف الا على وجه النظر والاحتياط لأنه حق المولى فيتعلق باكتسابه فان أراد أن يسافر قال الشافعى فى الأم: يجوز وقال فى الأمالى: لا يجوز، ولا يجوز أن يبيع نسيئة وان كان بأضعاف الثمن ولا يجوز أن يشترى من يعتق عليه أو أن يعتق أو يكاتب أو يهب أو يحابى أو يبرئ من الدين أو يكفر بالمال أو ينفق على أقاربه الأحرار، وبعبارة واضحة لا يستهلك المال. ولا يجوز له أن يتزوج الا بأذن المولى لأنه يلزمه المهر والنفقة فى كسبه فى ذلك اضرارا بالمولى ولا يتسرى بجارية من غير اذن مولاه لأنه ربما أحبلها فيلحقها التلف. ويجب على المولى الايتاء، وهو أن يضع عنه جزءا من المال أو يدفع اليه جزءا من المال لقوله تعالى: «وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللهِ الَّذِي آتاكُمْ» وعن على كرم الله وجهه: أن النبى ﷺ قال فى هذه الآية: يحط عنه ربع الكتابة، والوضع أولى من الدفع وان سبق المكاتب وأدى المال لزم المولى أن يدفع اليه لأنه مال وجب لآدمى فلا يسقط من غير أداء ولا ابراء كسائر الديون وان مات المولى وعليه دين حاص المكاتب أصحاب الديون (٢).
مذهب الحنابلة:
يرى الحنابلة أن للمكاتب أن يبيع ويشترى باجماع من أهل العلم لأن عقد الكتابة انما هو لتحصيل العتق ولا يحصل الا بأداء عوضه - ولا يمكنه الأداء الا بالاكتساب والبيع والشراء من أقوى جهات الاكتساب، فانه قد جاء فى بعض الآثار أن تسعة أعشار الرزق فى التجارة وله أن يأخذ ويعطى فيما فيه الصلاح لماله والتوفير عليه، وله أن ينفق مما فى يده من المال على نفسه فى
стр. 7486
مأكله وكسوته بالمعروف مما لا غناء له عنه وعلى رقيقه والحيوان الذى له، وله المطالبة بالشفعة والأخذ بها لأنه نوع شراء فان كان المشترى للشقص سيده فله أخذه منه لأن له أن يشترى منه. ويصح اقرار المكاتب بالبيع والشراء والعيب والدين لأنه يصح تصرفه فيه ومن ملك شيئا فله الاقرار به (١).
مذهب الظاهرية:
لا يحل للسيد أن ينتزع شيئا من مال مكاتبه منذ مكاتبته والعبد اذا كاتبه مولاه وله مال وسرية وولد فماله وسريته له وولده حر.
ويفرض على السيد أن يعطى المكاتب مالا فى أول عقد الكتابة ويجبر السيد على ذلك لقوله تعالى: «فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللهِ الَّذِي آتاكُمْ» (٢).
مذهب الزيدية:
يملك العبد بمكاتبته التصرف فيشترى ويبيع ويشفع من سيده أو غيره ويصح اقراره بذلك وله سفر بنفسه وبالمال ولو شرط تركه لملكه التصرف، وله المكاتبة عنه وعن غيره لملكه التصرف ولا يصح منه التبرع كالهبة والعتق والغبن الفاحش والترفه الزائد الا باذن اذ لم ينقطع حق السيد، ولئلا يعجز عن الوفاء. ولزم السيد الايفاء فان مات قبله ففى تركته كالدين ولا يصح التضمين بمال الكتابة اذ هو غير مستقر فلا ينتقل الى ذمة الضامن وقيل يصح كسائر الديون ان كان فى ذمة الضامن للمكاتب قدر ما ضمن والا فلا (٣).
مذهب الأمامية:
ويجب على مولاه الايفاء للمكاتب من الزكاة ان وجبت الزكاة عليه للأمر به فى قوله تعالى:
«وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللهِ الَّذِي آتاكُمْ» وان لم تجب الزكاة استحب له الايفاء وهو اعطاؤه شيئا ولا حد للمؤتى بل يكفى ما يطلق عليه اسم المال، ويكفى الحط من النجوم عنه، ويجب على العبد القبول ان أتاه من عين مال الكتابة أو من جنسه وتصح الوصية للمكاتب لرواية محمد بن قيس عن الباقر فى مكاتب كان تحته امرأة حرة فأوصت له عند موتها بوصية فقضى أنه يرث بحساب ما أعتق منه، ولو لم يتحرر منه شئ لم تصح الوصية له مطلقا على المشهور، وقيل بجواز الوصية للمكاتب مطلقا لأن قبولها نوع اكتساب وهو أهل له، هذا اذا كان الموصى غير المولى أما هو فتصح وصيته مطلقا ويعتق منه بقدر الوصية، وليس للمكاتب التصرف فى ماله ببيع ينافى الاكتساب كالبيع نسيئة بغير رهن ولا ضمين أو محاباة أو بغبن لا مطلق البيع فان له التصرف بالبيع والشراء وغيرهما من أنواع التكسب التى لا خطر فيها كما ليس له تبرع ولا هبة ولا عتق لأنه تبرع محض، كما ليس له اقراض فلو كان فى طريق خطر يكون الاقراض أحفظ للمال من بقائه معه أو خاف
стр. 7487
تلفه قبل دفعه أو بيعه أو نحو ذلك فالمتجه الصحة ولا يتصرف المولى فى مال المكاتب بما ينافى الاكتساب الا فيما يتعلق بالاستيفاء.
ويجوز بيع مال الكتابة بعد حضوره ونقله بسائر وجوه النقل (١).
اكتساب المدين المعسر لسداد الدين:
مذهب الحنفية:
المعسر (لغة) المفلس وفى عرف الفقهاء هو من دينه أكثر من ماله وخرجه أكثر من دخله، ولا يجبر المدين المعسر على التكسب لسداد دينه، لأن الدين متعلق بذمته وقد رضيها الدائن. فاذا اكتسب مالا لم يتعلق دينه باكتسابه بل يكون له كسائر أمواله - الا أن يحجر عليه كما يرى الصاحبان فعندئذ يتعلق الدين بما يملكه من أموال أو اكتساب فاضل عن حاجته (٢).
مذهب المالكية:
(المعسر المفلس) ولا يلزم المفلس بعد أخذ ما بيده بتكسب لوفاء ما عليه من الدين ولو كان قادرا على ذلك، لأن الدين انما تعلق بذمته، وان كان المفلس امرأة فليس للغرماء أن يأخذوا معجل صداقها قبل الدخول بأيام يسيرة لأنه يلزمها أن تتجهز به للزوج، ولا يجوز لها أن تقضى منه دينها، أما ما تداينته بعد دخول زوجها فان مهرها يؤخذ فيه ويقسم مال المفلس، المتحصل بنسبة الديون بعضها الى بعض، ومنه المضاربة ويأخذ كل غريم من مال المفلس بتلك النسبة ويترك للمعسر من ماله ما يقتات به والنفقة الواجبة عليه لغيره كزوجاته ووالديه وأولاده الى وقت يظن - بحسب الاجتهاد - أنه يحصل له فيه ما تتأتى به المعيشة، وهذا بخلاف مستغرق الذمة بالتبعات والمظالم، وهو من كان كل ماله حرام، فانه لا يترك له الا ما يسد رمقه وحده ولا يلازم رب الدين الغريم بحيث كل ما يأتيه شئ يأخذه منه لأن المولى جل شأنه قد أوجب انظاره لليسر قال تعالى:
«وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ» (٣).
مذهب الشافعية:
(المدين المعسر): هو من أحاط الدين بماله والدين اذا كان مؤجلا لم يجز للغرماء مطالبته به لأنه لو جازت مطالبته سقطت فائدة التأجيل، وكذلك ان كان الدين حالا لم يجز مطالبته به لقوله تعالى «وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ» ولا يملك الدائن ملازمته لأن كل دين لا يملك المطالبة به لم يملك الملازمة كالدين المؤجل، فان كان يحسن صنعه فطلب الغريم أن يؤجر المدين نفسه ليكسب ما يعطيه لم يجبر على ذلك لأنه اجبار على التكسب فلم يجز كالاجبار على التجارة اذ المفلس لا يكلف الاكتساب وان كان موسرا جازت مطالبته،
стр. 7488
لأنه اذا لم يكن ذا عسرة لم يجب انظاره فان ادعى الاعسار نظرت دعواه، فان لم يعرف له قبل ذلك مال فالقول قوله مع يمينه لأن الأصل عدم المال، فان عرف له مال لم يقبل قوله انه معسر الا ببينة لأن الأصل بقاء المال. وان ركبته الديون ورفع الغرماء أمره الى الحاكم وسألوه أن يحجر عليه نظر الحاكم فى ماله فان كان له مال يفى بالديون لم يحجر عليه وأمر بقضاء الدين فان كان له مال لا يفى بالديون حجر عليه وباع ماله عليه، روى كعب بن مالك أن رسول الله ﷺ حجر على معاذ وباع عليه ماله. وان كان ماله يفى بالديون غير أنه ظهرت عليه أمارة التفليس بأن زاد خرجه على دخله ففيه وجهان:
الأول: لا يحجر عليه لأنه ملئ بالدين كما لو لم يظهر فيه أمارة الفلس.
والثانى: يحجر عليه لأنه اذا لم يحجر عليه أتى الخرج على ماله فذهب ودخل الضرر على الغرماء. وان لم يكن له كسب ترك له من ماله ما يحتاج اليه للنفقة الى أن يفك الحجر عليه ويرجع الى الكسب لقول الرسول ﷺ : (أبدأ بنفسك ثم بمن تعول) فقدم حق نفسه على حق العيال وهو دين فدل على أنه يقدم على كل دين فان كان له من تلزمه نفقته من زوجة أو قريب ترك لهم ما يحتاجون اليه من نفقة وكسوة وان كان له كسب جعلت نفقته فى كسبه.
واذا أراد الحاكم بيع ماله فالمستحب أن يحضره لأنه أعرف بثمن ماله (١).
مذهب الحنابلة:
متى لزم الانسان ديون حالة لا يفى ماله بها، فسأل غرماؤه الحاكم الحجر عليه لزمته اجابتهم، ويستحب أن يظهر الحجر عليه لتجنب معاملته. واذا فلس الحاكم رجلا فأصاب أحد الغرماء عين ماله فهو أحق به الا أن يشاء تركه ويكون أسوة الغرماء رد المفلس اذا حجر عليه فوجد بعض غرمائه سلعته التى باعه اياها بعينها ملك فسخ البيع وأخذ سلعته، روى ذلك عن عثمان وعلى وروى أيضا عن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال:
(من أدرك متاعه بعينه عند انسان قد أفلس فهو أحق به) متفق عليه. واذا اشترى المفلس من انسان سلعة بعد ثبوت الحجر عليه لم أو لم يعلم لأنه لا يستحق المطالبة بثمنها فلا يستحق الفسخ لتعذره. ومتى حجر عليه لم ينفذ تصرفه فى شئ من ماله، فان تصرف ببيع أو هبة أو وقف أو أصدق امرأة مالا له أو نحو ذلك لم يصح واذا حجر على المفلس وكان ذا كسب يفى بنفقته ونفقة من تلزمه نفقته فى كسبه، وان كان كسبه دون نفقته اكملت نفقته من ماله وان لم يكن ذا كسب أنفق عليه من ماله، قال ﷺ (ابدأ بنفسك ثم بمن تعول) ولا تباع داره التى لا غنى له عن سكناها، وان كان له داران يستغنى بسكنى احداهما بيعت الأخرى. واذا فرق مال المفلس على الغرماء وبقيت عليه بقية فهل يجبره الحاكم على ايجار نفسه ليقضى دينه؟ فى ذلك روايتان عن أحمد:
احداهما لا يجبره.
стр. 7489
والثانية: يجبر على الكسب ولا يجبر على قبول هدية ولا صدقة ولا وصية ولا قرض، ولا تجبر المرأة على التزويج ليأخذ الغرماء مهرها ومن وجب عليه حق فذكر أنه معسر به حبس الى أن يأتى ببينة تشهد بعسرته (١).
مذهب الظاهرية:
المعسر لا يمنع خصمه من لزومه والمشى حيث يمشى هو أو وكيله، ويقسم مال المفلس الذى يوجد له بين الغرماء بالحصص بالقيمة، واقرار المفلس بالدين لازم مقبول ويدخل مع الغرماء فان أقر بعد أن قضى بماله للغرماء لزمه فى ذمته ولم يدخل مع الغرماء فى مال قد قضى لهم به وملكوه قبل اقراره، ومن ثبت أن للناس عليه حقوقا من مال أو مما يوجب غرم مال ببينة عدل أو باقرار منه صحيح، بيع عليه كل ما يوجد له وانصف الغرماء، ولا يحل أن يسجن أصلا لقوله تعالى «كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ» وروى عن أبى سعيد الخدرى قال: أصيب رجل فى ثمار ابتاعها فى عهد رسول الله ﷺ فكثر دينه، فقال رسول الله ﷺ (تصدقوا عليه) فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه فقال ﷺ لغرمائه: خذوا ما وجدتم وليس لكم الا ذلك (٢).
مذهب الزيدية:
المعسر له معنيان لغوى وشرعى، اللغوى:
مأخوذ من العسر، لأنه متى عدم المال عسرت عليه أموره وأما الشرعى فهو من لا يملك شيئا غير ما استثنى له، والمفلس من لا يفى ماله بدينه، ويقبل قول من ادعى الاعسار أو الافلاس لأجل حق يدعى عليه حيث ظهرا من حاله، والظاهر يثبت بقرائن الأحوال والتصرف فى الأموال. واذا كان الظاهر من حالة الاعسار، وحكم له به، فادعى غريمه أنه قد صار موسرا وجب تحليف المعسر، واذا ثبت عند الحاكم اعساره لم يمكن الغرماء من ملازمته حتى يوسر، ويقسم ماله بين غرمائه.
ولا يؤجر الحر المعسر بالدين - وقال أحمد واسحق يؤجر الحر - ولا تلزمه قبول الهبة لأجل الدين ولا تلزم المرأة التزوج لتقضى دينها بالمهر، ولا التزوج بمهر المثل لأجل الدين وله أن يؤجر نفسه بدون أجر المثل. فان لم يظهر اعساره بل كان الظاهر يساره أو التبس بين أنه معسر وحلف مع البينة وقيل لا يستخلف مع البينة وبينة المعسر ويمينه انما يسمعان بعد جسه حتى يغلب الظن بافلاسه (٣).
مذهب الأمامية:
المفلس هو الفقير الذى ذهب خيار ماله وبقيت فلوسه (ردئ ماله) والمفلس: هو الذى جعل مفلسا ومنع من التصرف فى أمواله وتقسم أمواله بين غرمائه. ويمنع من التصرف احتياطا لحق الغرماء، فلو تصرف كان تصرفه باطلا سواء كان بعوض كالبيع والاجارة أو
стр. 7490
بغير عوض كالعتق والهبة ولو أقر بدين سابق صح، ويشارك المقر له الغرماء ولو قال هذا المال مضاربة لغائب، قيل يقبل قوله مع يمينه وان قال: هذا المال لحاضر وصدقه دفع اليه، وان كذبه قسم بين الغرماء. ولو كان له حق فقبض دونه كان للغرماء منعه ولو أقرضه انسان مالا بعد الحجر، أو باعه بثمن فى ذمته لم يشارك الغرماء، وكان ثابتا فى ذمته، ولو أقر بمال مطلقا وجهل السبب لم يشارك المقر له الغرماء لاحتمال مالا يستحق به المشاركة، ولا تحل الديون المؤجلة بالحجر عليه. واذا جنى عليه خطأ تعلق حق الغرماء بالدية وان كان عمدا كان بالخيار بين القصاص وأخذ الدية ان بذلت له ولا يتعين عليه قبول الدية، لأنها اكتساب وهو غير واجب، ولو كان دارا أو دابة وجب أن يؤجرها.
واذا شهد للمفلس شاهد بمال، فان حلف استحق لأن فى اليمين اثبات حق الغرماء وينظر المعسر ولا يجوز الزامه ولا مؤاجرته. وفى قسمة ماله يستحب احضار كل متاع فى سوقه لتتوفر الرغبة وحضور الغرماء تعرضا للزيادة، ويبدأ ببيع ما يخشى تلفه. ولا يجبر المفلس على بيع داره التى يسكنها ويباع منه عن حاجته، وكذا أمته التى تخدمه ولو باع الحاكم مال المفلس، ثم طلب الزيادة لم يفسخ العقد. واذا قسم الحاكم مال المفلس ثم ظهر غريم جديد نقضها وشاركهم الغريم الجديد، واذا كان عليه ديون حالة ومؤجلة قسم أمواله على الحالة خاصة (١).
مذهب الإباضية:
المعسر: من لم يكن عنده ما يقضى به دينه، فاذا كان قادرا على الكسب بوجه حلال وجب عليه أن يفعل ما يجد به ما يعطيه لسداد دينه، ولو أدى الى سؤال الناس، ومن عنده قليل وعليه حج ودين وعنده عيال، فالواجب قضاء الدين، وان خاف على عياله ضررا أنفق عليهم واجتهد فى قضاء الدين، وللغرماء مطالبته وملازمته ويجوز حبس المعسر والأصل تركه لقوله تعالى «وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ» والمشترى اذا أفلس والمبيع قائم بعينه فالبائع أولى بما باعه، اذا لم يخرج من يد المشترى لقوله ﷺ «من وجد متاعه عند مفلس فهو أولى به» أما لو كان البائع عالما بافلاسه لم يكن أولى بالمبيع بل هو والغرماء على سواء وللمفلس أن يتصرف فى السلعة المشتراه كل التصرف من بيع أو هبة أو وقف اذا وقع هذا التصرف قبل أن يصدر الحجر عليه من الحاكم. واذا قسم مال المفلس بين غرمائه ثم ظهر له غريم آخر، قيل يرجع عليهم بحصته، وقيل لا يرجع بشئ، ويبقى لغير كسوب ثوبه ومنزله وقوت يوم له ولطفله ولزوجته وأبويه وقيل يترك له قوت سنة (٢).
اكتساب من تجب عليه النفقة
للانفاق على غيره
مذهب الحنفية:
يرى جمهور الفقهاء أن نفقة الغير تجب
стр. 7491
على الشخص بأسباب ثلاثة، زوجية وقرابة وملك، والملك يشمل المملوك من بنى آدم والحيوان. ويرى الحنفية أن نفقة الزوجة تجب على زوجها فى ماله بنكاح صحيح، ولو كان فقيرا كما تجب لخادمها المملوك لها الذى لا عمل له غير خدمتها، وتجب عليه نفقة المعسرين، ولا تصير دينا الا بالقضاء أو الرضاء وترجع عليه بما أنفقت ولو من مال نفسها كما تجب النفقة بأنواعها لطفله الفقير، فلو كان الأب فقيرا فعليه أن يكتسب أو يتكفف بمسألة الناس وينفق على ولده الصغير ولو لم يتيسر له الانفاق أو الاكتساب أنفق عليه القريب عند يساره كذا تجب النفقة لولده الكبير العاجز عن الكسب ولا يشارك الأب أحد فى ذلك ما لم يكن معسرا فعلى من يليه كما تجب للأبوين على ابنهما حتى ولو كان الأب قادرا على الكسب حيث كان لا مال له لأن الله تعالى أمر بالاحسان الى الوالدين وعدم ايذائهما وفى تكليفهما بالاكتساب مع يسار ابنهما عدم امتثال لأمر الاحسان اليهما وايذاء لهما وذلك غير جائز عملا بقوله تعالى: «وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً» وكذلك يجب عليه الانفاق على بهائمه للنهى عن تعذيب الحيوان والانفاق على بهائمه للنهى عن تعذيب الحيوان والانفاق على النخيل والزرع والوديعة واللقطه والدار اذا احتاجت للاصلاح (١). فمن وجبت عليه نفقة وكان باستطاعته أن يدفعها وامتنع وثبت ذلك عند الحاكم، حبس الى أن يؤدى ما لزمه، فان كان معسرا غير قادر على الكسب ترك ولم يحبس لقوله تعالى «وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ»﴾.
مذهب المالكية:
لا يجب على المدين المعسر أن يتكسب لينفق على زوجته لأن المعسر لا يلزم بنفقة الزوجة فليس لها أن تطالبه بها مادام معسرا. وان أيسر ليس لها أن ترجع عليه بنفقتها وقت اعساره (٢). انظر مصطلح «نفقة».
ولا يجب على المدين المعسر أن يتكسب بصنعة أو غيرها لينفق على أبويه المعسرين لأن نفقتهما تجب على ابنهما الموسر بالفعل.
فان كان غير موسر بالفعل فلا يجب عليه التكسب للانفاق على أبويه ولو كان قادرا على التكسب.
وكذلك لا يجب على المدين المعسر أن يتكسب بصنعة أو غيرها لينفق على ولده المعسر ولو كان لذلك الأب المعسر صنعة (٣). أنظر مصطلح «نفقة».
ولا يجب على المدين المعسر أن يتكسب لينفق على رقيقه لأن نفقة الرقيق وان كانت واجبة على سيده الا انه اذا امتنع أو عجز عن الانفاق حكم عليه باخراج الرقيق من ملكه ببيع أو صدقة أو عتق ولا يجبر على التكسب
стр. 7492
للانفاق عليه. ولا يجب على المدين المعسر أن يتكسب لينفق على دابته لأن نفقة الحيوان وان كانت واجبة على مالكه الا أنه اذا امتنع أو عجز عن الانفاق عليه فان كان مما يذكى أجبر المالك على تذكيته أو اخراجه من ملكه ببيع أو صدقة وان كان الحيوان مما لا يذكى ولا يباع أجبر على اخراجه من ملكه بغير البيع (١). انظر مصطلح «نفقة».
مذهب الشافعية:
المدين المعسر اذا كان قادرا على الكسب وجب عليه أن يكتسب لينفق على زوجته، ولا تسقط النفقة عنه باعساره حتى ولو لم يكن قادرا على الكسب لأنها حينئذ تكون فى ذمته فاذا أيسر طولب بها. والمدين المعسر اذا كان فى كسبه بعد نفقته ونفقة زوجته، نفقة أصله أو فرعه العاجز عن الكسب - وجبت عليه هذه النفقة (٢) انظر مصطلح «نفقة».
مذهب الحنابلة:
المدين المعسر يجبر على التكسب ليؤدى ما وجب عليه من نفقة زوجته ولا تسقط نفقة الزوجة بالاعسار (٣). انظر مصطلح «نفقة» وعلى المدين المعسر أن ينفق على من وجبت عليه نفقته من أصوله وفروعه ان كان له كسب ويفيض من كسبه بعد نفقته (٤) ونفقة زوجه ونفقة أصله أو فرعه. انظر مصطلح «نفقة».
والمدين المعسر وان كانت تجب عليه نفقة حيوانه الا أنه لا يجبر على التكسب للانفاق على الحيوان لأنه اذا امتنع أو عجز عن الانفاق عليه يجبر على بيعه أو اجارته أو ذبح ما يؤكل منه لأن بقاء الحيوان فى يده مع ترك الانفاق (٥) عليه ظلم والظلم تجب ازالته فان امتنع مالك الحيوان عن أحد هذه الأمور فعل الحاكم الأصلح منها أو اقترض عليه وأنفق عليها مصطلح «نفقة».
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى ما يفيد أن المدين المعسر اذا قدر على بعض نفقة الزوجة قضى عليه بما قدر، ويسقط عنه ما لا يقدر، وان لم يقدر على شئ منها سقطت عنه، ولا يقضى عليه بشئ منها - فان أيسر بعد ذلك قضى عليه ما ينفقه من حين اليسار، ولا يقضى عليه بنفقة مدة الاعسار لقول الله تعالى: «لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها ٦» ولا يجبر المدين المعسر على الاكتساب للانفاق على حيوانه، لأن نفقته وان وجبت عليه الا أنه اذا امتنع عن تسريحه للرعى أو الانفاق عليه (٧) بيع عليه.
مذهب الزيدية:
المدين (٨) المعسر تجب عليه نفقة زوجته من أى وجه أمكنه أن يحصل عليها من كسب أو
стр. 7493
مسألة أو استدانة ويجبر على التكسب ان لم يفعل والا فرق بينهما. وكذلك تجب نفقة الصغار الفقراء على أبيهم الفقير المعسر من كسبه حيث كان قادرا على التكسب ولا يلزم الابن التكسب الا اذا كان الأب عاجزا فعندئذ يجبر الولد على التكسب له وكذا يجبر الأب على الاكتساب للابن اذا كان الابن عاجزا فان كانا يقدران على التكسب معا لم يجبر أحدهما - فاذا اكتسب أحدهما أدخل الثانى معه اذا كان دخله يفضل عن قوته (١). والمدين المعسر لا يجبر على الكسب للانفاق على حيوانه وانما عليه تركه فى موضع مرتع اذا كان يرتع ما يكفيه أو بيعه.
مذهب الإباضية:
المدين المعسر القادر على الكسب يجبر عليه للانفاق على زوجته أو على طلاقها - كما يجبر على الكسب للانفاق على الأولياء والعبيد. أما بالنسبة للحيوان فانه يجبر اما على الكسب للانفاق عليه واما على ذبحه ان كان مما يذبح - واما على تركه لمن شاء أن يأخذه (٢).
القدرة على الاكتساب
هل تمنع من وجوب النفقة على الفقير
ان الله فرض على العباد الاكتساب لطلب المعاش ليستعينوا به على طاعته قال تعالى «وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً» فجعل الاكتساب سببا للعبادة، وعن ابن مسعود رضى الله عنه عن رسول الله ﷺ أنه قال:
(طلب الكسب فريضة على كل مسلم) وقد كان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقدم درجة الكسب على درجة الجهاد، لأن الله تعالى قدم الذين يضربون فى الأرض يبتغون من فضل الله على المجاهدين بقوله تعالى:
«وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ ٣» والاكتساب طريق المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين، وقال النبى ﷺ :
(إن أطيب ما أكلتم من كسب أيديكم وان أخى داود كان يأكل من كسب يده) (٤) وقد اختلف الفقهاء فى اكتساب من تجب له النفقة.
مذهب الحنفية:
يرى الحنفية أن الزوجة لا تلزم بالاكتساب ولو قادرة عليه للانفاق على نفسها، فنفقتها على زوجها مسلمة كانت أو كافرة اذا سلمت نفسها الى منزله، فكل من كان محبوسا بحق مقصود لغيره كانت نفقته عليه، والأصل أن نفقة الانسان فى مال نفسه صغيرا أو كبيرا عدا الزوجة ومن مال نفسه اكتسابه من أى نوع من أنواع الاكتساب كتجارة أو اجارة أو زراعة أو صناعة، فمن كان له كسب يكفى للانفاق على نفسه ومن تلزمه نفقته، فنفقته ونفقة من تلزمه فى كسبه بقدر حاله،
стр. 7494
ومن كان كسبه لا يكفيه قدرت له تكملة النفقة على من تجب عليه نفقته من باقى الأقارب الموسرين نفقة كفاية. أما الأب فقدرته على الاكتساب لا تمنع من وجوب نفقته على ولده، فلا يجبر على الاكتساب فى الأصح. وقال بعضهم: ان قدرته على الاكتساب تمنع من وجوب نفقته على غيره، الا اذا كان كسبه لا يفى بالانفاق عليه وعلى من تلزمه نفقته، والأقارب من النساء أما أو غيرها لا يلزمن بالاكتساب، اذ الأنوثة عجز، غير أن المكتسبة فعلا - كمن لها عمل تكتسب منه - لا نفقة لها على غيرها (١). فالأولاد الصغار والبنات صغارا كن أو بالغات والأمهات والجدات والأجداد، اذا كانوا فقراء أو ليس لهم كسب فنفقتهم على من تجب لهم عليهم.
وبالجملة: فنفقة الانسان لا تجب على غيره مادام قادرا على الاكتساب الكافى للانفاق على نفسه وعلى من تلزمه نفقته.
مذهب المالكية:
يرى المالكية أن القادر على الاكتساب لا تجب له نفقة على غيره، فلا تجب نفقة الأب القادر على الكسب على ولده، ولا نفقة الولد القادر على الكسب على أبيه، أما البنت القادرة على الكسب فنفقتها على أبيها حتى يدخل بها زوجها البالغ، وقيل انه ان دخل بها زوجها لم يشترط بلوغه. أما الزوجة القادرة على الكسب فتجب نفقتها على زوجها مع قدرتها على الكسب (٢).
مذهب الشافعية:
يرى فقهاء الشافعية: أن قدرة الزوجة على الاكتساب لا تمنع من وجوب نفقتها على زوجها لأن الزوجة تجب نفقتها على زوجها ولو كانت موسرة بمالها أو بكسبها. أما القريب فان كان قادرا على الكسب بالصحة والقوة فان كان من الوالدين ففيه قولان، أحدهما يستحق لأنه محتاج فاستحق النفقة على الغريب كالزمن والثانى لا يستحق لأن القوة كاليسار، ولهذا سوى رسول الله ﷺ بينهما فى تحريم الزكاة فقال:
لا تحل الصدقة لغنى ولا لذى مرة قوى (المرة القوة والعقل)، ومنه قوله تعالى:
«ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى» وان كان من المولودين ففيه طريقان من أصحابنا: من قال فيه قولان كالوالدين، ومنهم من قال لا يستحق قولا واحدا لأن حرمة الوالد آكد فاستحق مع القوة، وحرمة الولد أضعف فلم يستحق بها مع القوة (٣).
стр. 7495
مذهب الحنابلة:
يرى الحنابلة أن القدرة على الاكتساب لا تمنع من وجوب النفقة للزوجة على زوجها موسرة أو مكتسبة ولا أثر للقدرة على الاكتساب فى منع نفقتها من الزوج أو الانفاق على نفسها من مالها. أما القريب اذا كان قادرا على الاكتساب سواء كان من عمود النسب كالأب والجد أو غير عمود النسب كالأخ والعم فلا تجب له نفقة على قريبه الموسر، لكن اذا كانت قدرته على الاكتساب لا تكفى للانفاق على نفسه لزم من تجب له عليه نفقة تكملة النفقة له، فالقدرة على الاكتساب لا تخلو اما أن تكون تامة وكفيلة لانفاق الانسان على نفسه، فلا تجب له نفقة عليه أو تكون القدرة على الاكتساب ناقصة بمعنى أن ما يكتسبه الانسان لا يكفيه للانفاق ففى هذه الحالة يجب تكملتها (١).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى ما يفيد أن قدرة الزوجة على الاكتساب لا تمنع من وجوب نفقتها على زوجها أما القريب فان قدرته على الكسب من أى نوع كان تمنع من وجوب نفقته على غيره سواء كان أصلا أو فرعا أو كان من الأخوة والأخوات - غير أن القدرة على الاكتساب من طريق خسيس لا تمنع من وجوب نفقة الأصل على فرعه بل تجب النفقة للأبوين والأجداد والجدات مع القدرة على الاكتساب من هذا النوع (٢).
مذهب الزيدية:
يرى فقهاء الزيدية أن القدرة على الاكتساب أو اليسار بالنسبة للزوجة لا أثر له فى وجوب الانفاق على نفسها اذ أن نفقه الزوجة والمطلقة - موسرة كانت أو قادرة على الاكتساب على الزوج. أما بالقدرة على الاكتساب بالنسبة لمن عدا الزوجة فأنا نمنع وجوب النفقة للانسان على غيره.
مذهب الأمامية:
ويقول الإمامية أن نفقة الزوجة على زوجها بالعقد الدائم ولا أثر لكونها موسرة أو مكتسبة لأن النفقة نظير التمكين أما الأقارب فتجب النفقة على الأبوين والأولاد إجماعا وفى وجوب الإنفاق على آباء الأبوين وأمهاتهم تردد أظهره الوجوب، ولا تجب النفقة على غير العمودين من الأقارب كالأخوة والأعمام والأخوال وغيرهم لكن تستحب وتتأكد فى الوارث منهم، وتشترط فى وجوب الانفاق الفقر، ويشترط فى المنفق القدرة فان فضل شئ فلزوجته ثم للأبوين والأولاد والواجب قدر الكفاية. وهل يشترط العجز عن الاكتساب فى الانفاق؟ الأظهر اشتراطه لأن النفقة معونة على سد الخلة والمكتسب قادر فهو كالغنى.
والمكاتب نفقته فى كسبه ولو كان للرقيق كسب