على الشخص بأسباب ثلاثة، زوجية وقرابة وملك، والملك يشمل المملوك من بنى آدم والحيوان. ويرى الحنفية أن نفقة الزوجة تجب على زوجها فى ماله بنكاح صحيح، ولو كان فقيرا كما تجب لخادمها المملوك لها الذى لا عمل له غير خدمتها، وتجب عليه نفقة المعسرين، ولا تصير دينا الا بالقضاء أو الرضاء وترجع عليه بما أنفقت ولو من مال نفسها كما تجب النفقة بأنواعها لطفله الفقير، فلو كان الأب فقيرا فعليه أن يكتسب أو يتكفف بمسألة الناس وينفق على ولده الصغير ولو لم يتيسر له الانفاق أو الاكتساب أنفق عليه القريب عند يساره كذا تجب النفقة لولده الكبير العاجز عن الكسب ولا يشارك الأب أحد فى ذلك ما لم يكن معسرا فعلى من يليه كما تجب للأبوين على ابنهما حتى ولو كان الأب قادرا على الكسب حيث كان لا مال له لأن الله تعالى أمر بالاحسان الى الوالدين وعدم ايذائهما وفى تكليفهما بالاكتساب مع يسار ابنهما عدم امتثال لأمر الاحسان اليهما وايذاء لهما وذلك غير جائز عملا بقوله تعالى: «وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً» وكذلك يجب عليه الانفاق على بهائمه للنهى عن تعذيب الحيوان والانفاق على بهائمه للنهى عن تعذيب الحيوان والانفاق على النخيل والزرع والوديعة واللقطه والدار اذا احتاجت للاصلاح (١). فمن وجبت عليه نفقة وكان باستطاعته أن يدفعها وامتنع وثبت ذلك عند الحاكم، حبس الى أن يؤدى ما لزمه، فان كان معسرا غير قادر على الكسب ترك ولم يحبس لقوله تعالى «وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ»﴾.
مذهب المالكية:
لا يجب على المدين المعسر أن يتكسب لينفق على زوجته لأن المعسر لا يلزم بنفقة الزوجة فليس لها أن تطالبه بها مادام معسرا. وان أيسر ليس لها أن ترجع عليه بنفقتها وقت اعساره (٢). انظر مصطلح «نفقة».
ولا يجب على المدين المعسر أن يتكسب بصنعة أو غيرها لينفق على أبويه المعسرين لأن نفقتهما تجب على ابنهما الموسر بالفعل.
فان كان غير موسر بالفعل فلا يجب عليه التكسب للانفاق على أبويه ولو كان قادرا على التكسب.
وكذلك لا يجب على المدين المعسر أن يتكسب بصنعة أو غيرها لينفق على ولده المعسر ولو كان لذلك الأب المعسر صنعة (٣). أنظر مصطلح «نفقة».
ولا يجب على المدين المعسر أن يتكسب لينفق على رقيقه لأن نفقة الرقيق وان كانت واجبة على سيده الا انه اذا امتنع أو عجز عن الانفاق حكم عليه باخراج الرقيق من ملكه ببيع أو صدقة أو عتق ولا يجبر على التكسب
стр. 7492
للانفاق عليه. ولا يجب على المدين المعسر أن يتكسب لينفق على دابته لأن نفقة الحيوان وان كانت واجبة على مالكه الا أنه اذا امتنع أو عجز عن الانفاق عليه فان كان مما يذكى أجبر المالك على تذكيته أو اخراجه من ملكه ببيع أو صدقة وان كان الحيوان مما لا يذكى ولا يباع أجبر على اخراجه من ملكه بغير البيع (١). انظر مصطلح «نفقة».
مذهب الشافعية:
المدين المعسر اذا كان قادرا على الكسب وجب عليه أن يكتسب لينفق على زوجته، ولا تسقط النفقة عنه باعساره حتى ولو لم يكن قادرا على الكسب لأنها حينئذ تكون فى ذمته فاذا أيسر طولب بها. والمدين المعسر اذا كان فى كسبه بعد نفقته ونفقة زوجته، نفقة أصله أو فرعه العاجز عن الكسب - وجبت عليه هذه النفقة (٢) انظر مصطلح «نفقة».
مذهب الحنابلة:
المدين المعسر يجبر على التكسب ليؤدى ما وجب عليه من نفقة زوجته ولا تسقط نفقة الزوجة بالاعسار (٣). انظر مصطلح «نفقة» وعلى المدين المعسر أن ينفق على من وجبت عليه نفقته من أصوله وفروعه ان كان له كسب ويفيض من كسبه بعد نفقته (٤) ونفقة زوجه ونفقة أصله أو فرعه. انظر مصطلح «نفقة».
والمدين المعسر وان كانت تجب عليه نفقة حيوانه الا أنه لا يجبر على التكسب للانفاق على الحيوان لأنه اذا امتنع أو عجز عن الانفاق عليه يجبر على بيعه أو اجارته أو ذبح ما يؤكل منه لأن بقاء الحيوان فى يده مع ترك الانفاق (٥) عليه ظلم والظلم تجب ازالته فان امتنع مالك الحيوان عن أحد هذه الأمور فعل الحاكم الأصلح منها أو اقترض عليه وأنفق عليها مصطلح «نفقة».
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى ما يفيد أن المدين المعسر اذا قدر على بعض نفقة الزوجة قضى عليه بما قدر، ويسقط عنه ما لا يقدر، وان لم يقدر على شئ منها سقطت عنه، ولا يقضى عليه بشئ منها - فان أيسر بعد ذلك قضى عليه ما ينفقه من حين اليسار، ولا يقضى عليه بنفقة مدة الاعسار لقول الله تعالى: «لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها ٦» ولا يجبر المدين المعسر على الاكتساب للانفاق على حيوانه، لأن نفقته وان وجبت عليه الا أنه اذا امتنع عن تسريحه للرعى أو الانفاق عليه (٧) بيع عليه.
مذهب الزيدية:
المدين (٨) المعسر تجب عليه نفقة زوجته من أى وجه أمكنه أن يحصل عليها من كسب أو
стр. 7493
مسألة أو استدانة ويجبر على التكسب ان لم يفعل والا فرق بينهما. وكذلك تجب نفقة الصغار الفقراء على أبيهم الفقير المعسر من كسبه حيث كان قادرا على التكسب ولا يلزم الابن التكسب الا اذا كان الأب عاجزا فعندئذ يجبر الولد على التكسب له وكذا يجبر الأب على الاكتساب للابن اذا كان الابن عاجزا فان كانا يقدران على التكسب معا لم يجبر أحدهما - فاذا اكتسب أحدهما أدخل الثانى معه اذا كان دخله يفضل عن قوته (١). والمدين المعسر لا يجبر على الكسب للانفاق على حيوانه وانما عليه تركه فى موضع مرتع اذا كان يرتع ما يكفيه أو بيعه.
مذهب الإباضية:
المدين المعسر القادر على الكسب يجبر عليه للانفاق على زوجته أو على طلاقها - كما يجبر على الكسب للانفاق على الأولياء والعبيد. أما بالنسبة للحيوان فانه يجبر اما على الكسب للانفاق عليه واما على ذبحه ان كان مما يذبح - واما على تركه لمن شاء أن يأخذه (٢).
القدرة على الاكتساب
هل تمنع من وجوب النفقة على الفقير
ان الله فرض على العباد الاكتساب لطلب المعاش ليستعينوا به على طاعته قال تعالى «وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً» فجعل الاكتساب سببا للعبادة، وعن ابن مسعود رضى الله عنه عن رسول الله ﷺ أنه قال:
(طلب الكسب فريضة على كل مسلم) وقد كان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقدم درجة الكسب على درجة الجهاد، لأن الله تعالى قدم الذين يضربون فى الأرض يبتغون من فضل الله على المجاهدين بقوله تعالى:
«وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ ٣» والاكتساب طريق المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين، وقال النبى ﷺ :
(إن أطيب ما أكلتم من كسب أيديكم وان أخى داود كان يأكل من كسب يده) (٤) وقد اختلف الفقهاء فى اكتساب من تجب له النفقة.
مذهب الحنفية:
يرى الحنفية أن الزوجة لا تلزم بالاكتساب ولو قادرة عليه للانفاق على نفسها، فنفقتها على زوجها مسلمة كانت أو كافرة اذا سلمت نفسها الى منزله، فكل من كان محبوسا بحق مقصود لغيره كانت نفقته عليه، والأصل أن نفقة الانسان فى مال نفسه صغيرا أو كبيرا عدا الزوجة ومن مال نفسه اكتسابه من أى نوع من أنواع الاكتساب كتجارة أو اجارة أو زراعة أو صناعة، فمن كان له كسب يكفى للانفاق على نفسه ومن تلزمه نفقته، فنفقته ونفقة من تلزمه فى كسبه بقدر حاله،
стр. 7494
ومن كان كسبه لا يكفيه قدرت له تكملة النفقة على من تجب عليه نفقته من باقى الأقارب الموسرين نفقة كفاية. أما الأب فقدرته على الاكتساب لا تمنع من وجوب نفقته على ولده، فلا يجبر على الاكتساب فى الأصح. وقال بعضهم: ان قدرته على الاكتساب تمنع من وجوب نفقته على غيره، الا اذا كان كسبه لا يفى بالانفاق عليه وعلى من تلزمه نفقته، والأقارب من النساء أما أو غيرها لا يلزمن بالاكتساب، اذ الأنوثة عجز، غير أن المكتسبة فعلا - كمن لها عمل تكتسب منه - لا نفقة لها على غيرها (١). فالأولاد الصغار والبنات صغارا كن أو بالغات والأمهات والجدات والأجداد، اذا كانوا فقراء أو ليس لهم كسب فنفقتهم على من تجب لهم عليهم.
وبالجملة: فنفقة الانسان لا تجب على غيره مادام قادرا على الاكتساب الكافى للانفاق على نفسه وعلى من تلزمه نفقته.
مذهب المالكية:
يرى المالكية أن القادر على الاكتساب لا تجب له نفقة على غيره، فلا تجب نفقة الأب القادر على الكسب على ولده، ولا نفقة الولد القادر على الكسب على أبيه، أما البنت القادرة على الكسب فنفقتها على أبيها حتى يدخل بها زوجها البالغ، وقيل انه ان دخل بها زوجها لم يشترط بلوغه. أما الزوجة القادرة على الكسب فتجب نفقتها على زوجها مع قدرتها على الكسب (٢).
مذهب الشافعية:
يرى فقهاء الشافعية: أن قدرة الزوجة على الاكتساب لا تمنع من وجوب نفقتها على زوجها لأن الزوجة تجب نفقتها على زوجها ولو كانت موسرة بمالها أو بكسبها. أما القريب فان كان قادرا على الكسب بالصحة والقوة فان كان من الوالدين ففيه قولان، أحدهما يستحق لأنه محتاج فاستحق النفقة على الغريب كالزمن والثانى لا يستحق لأن القوة كاليسار، ولهذا سوى رسول الله ﷺ بينهما فى تحريم الزكاة فقال:
لا تحل الصدقة لغنى ولا لذى مرة قوى (المرة القوة والعقل)، ومنه قوله تعالى:
«ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى» وان كان من المولودين ففيه طريقان من أصحابنا: من قال فيه قولان كالوالدين، ومنهم من قال لا يستحق قولا واحدا لأن حرمة الوالد آكد فاستحق مع القوة، وحرمة الولد أضعف فلم يستحق بها مع القوة (٣).
стр. 7495
مذهب الحنابلة:
يرى الحنابلة أن القدرة على الاكتساب لا تمنع من وجوب النفقة للزوجة على زوجها موسرة أو مكتسبة ولا أثر للقدرة على الاكتساب فى منع نفقتها من الزوج أو الانفاق على نفسها من مالها. أما القريب اذا كان قادرا على الاكتساب سواء كان من عمود النسب كالأب والجد أو غير عمود النسب كالأخ والعم فلا تجب له نفقة على قريبه الموسر، لكن اذا كانت قدرته على الاكتساب لا تكفى للانفاق على نفسه لزم من تجب له عليه نفقة تكملة النفقة له، فالقدرة على الاكتساب لا تخلو اما أن تكون تامة وكفيلة لانفاق الانسان على نفسه، فلا تجب له نفقة عليه أو تكون القدرة على الاكتساب ناقصة بمعنى أن ما يكتسبه الانسان لا يكفيه للانفاق ففى هذه الحالة يجب تكملتها (١).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى ما يفيد أن قدرة الزوجة على الاكتساب لا تمنع من وجوب نفقتها على زوجها أما القريب فان قدرته على الكسب من أى نوع كان تمنع من وجوب نفقته على غيره سواء كان أصلا أو فرعا أو كان من الأخوة والأخوات - غير أن القدرة على الاكتساب من طريق خسيس لا تمنع من وجوب نفقة الأصل على فرعه بل تجب النفقة للأبوين والأجداد والجدات مع القدرة على الاكتساب من هذا النوع (٢).
مذهب الزيدية:
يرى فقهاء الزيدية أن القدرة على الاكتساب أو اليسار بالنسبة للزوجة لا أثر له فى وجوب الانفاق على نفسها اذ أن نفقه الزوجة والمطلقة - موسرة كانت أو قادرة على الاكتساب على الزوج. أما بالقدرة على الاكتساب بالنسبة لمن عدا الزوجة فأنا نمنع وجوب النفقة للانسان على غيره.
مذهب الأمامية:
ويقول الإمامية أن نفقة الزوجة على زوجها بالعقد الدائم ولا أثر لكونها موسرة أو مكتسبة لأن النفقة نظير التمكين أما الأقارب فتجب النفقة على الأبوين والأولاد إجماعا وفى وجوب الإنفاق على آباء الأبوين وأمهاتهم تردد أظهره الوجوب، ولا تجب النفقة على غير العمودين من الأقارب كالأخوة والأعمام والأخوال وغيرهم لكن تستحب وتتأكد فى الوارث منهم، وتشترط فى وجوب الانفاق الفقر، ويشترط فى المنفق القدرة فان فضل شئ فلزوجته ثم للأبوين والأولاد والواجب قدر الكفاية. وهل يشترط العجز عن الاكتساب فى الانفاق؟ الأظهر اشتراطه لأن النفقة معونة على سد الخلة والمكتسب قادر فهو كالغنى.
والمكاتب نفقته فى كسبه ولو كان للرقيق كسب
стр. 7496
جاز للمولى أن يكله اليه، فان كفاه الكسب بجميع ما يحتاج اليه من النفقة، اقتصر عليه، وان لم يكفيه أتم له كفايته، أما القدرة على الاكتساب وأثرها فى وجوب النفقة (١).
مذهب الإباضية:
يرى فقهاء الإباضية كغيرهم أن نفقة الزوجة غنية كانت أو قادرة على الاكتساب - أنها تلزم زوجها ولا أثر ليسارها أو قدرتها على الاكتساب، ويجبر الزوج على نفقتها حتى يتفق أو يطلق وينفق عليها من غالب طعام البلد وتلزم الأب نفقة أطفاله الفقراء الذكور حتى يحتلموا والاناث حتى يدخل بهن أزواجهن، كما تجب عليه نفقة خادم زوجته فلا يلزم الرجل النفقة الا على زوجته غنية كانت أو فقيرة وعلى أبويه الفقيرين وصغاره الذين لا مال لهم وكباره المعدمين فمن كانت له قدرة على الاكتساب من الأقارب عدا الزوجة - فنفقته فى كسبه، ونفقة من تلزمه نفقته عليه. فمن كان قادرا على الاكتساب لا تجب نفقة له على غيره، بل نفقته على نفسه لقدرته على الاكتساب، وتلزمه نفقة غيره الواجبة عليه ان كان كسبه يفضل منه ما ينفق على غيره (٢).
اكراه
تعريف الاكراه لغة:
الكره - بالفتح والضم - الاباء والمشقة، وقيل: بالضم - ما أكرهت نفسك عليه - وبالفتح - ما أكرهك (٣) غيرك عليه، وجاء فى الدر المختار: الاكراه فى اللغة حمل الانسان على شئ يكرهه. والاصطلاح استعمله الفقهاء فيما لا يخرج عن معناه اللغوى كما سيأتى.
مذهب الحنفية:
الاكراه هو حمل الغير على أمر يمتنع عنه بتخويف يقدر الحامل على اتباعه ويصير الغير خائفا به (٤). وعرفه ابن عابدين بأنه: فعل لا يحق يوجد من المكره بالكسر فيحدث فى المكره بالفتح معنى يصير به مدفوعا الى الفعل الذى طلب منه، اما الاكراه بحق فلا يعدم الاختيار شرعا كالعنين اذا أكرهه القاضى على الفرقة بعد مضى المدة أو المدين اذا أكرهه القاضى على بيع ماله والذى اذا أسلم عبده فأجبر على بيعه فأن ذلك لا يكون اكراها والفعل فى التعريف يتناول الحكمى كما اذ أمر بقتل رجل ولم يهدده بشئ الا أن المأمور يعلم بدلالة الحال أنه لو لم يقتله لقتله الآمر
стр. 7497
فان هذا يعد اكراها ويشمل الفعل أيضا الوعيد بالقول (١).
أنواع الاكراه:
يتنوع الاكراه الى أنواع:
أولها: اكراه ملجئ: ويتحقق بالتهديد بتلف نفسى أو عضو أو بعضه أو ضرب مبرح وهذا النوع يعدم الرضا ويفسد الاختيار ويظهر أثره فى الأقوال والأفعال.
ثانيها: اكراه غير ملجئ ويتحقق بالتخويف بالحبس مدة مديدة وهى ما زاد على يوم وبالضرب اليسير الذى لا يخاف فيه تلف النفس وهذا النوع معدم للرضا غير مفسد للاختيار لعدم الاضطرار الى مباشرة ما أكره عليه لتمكنه من الصبر على ما هدد به وهذا يظهر أثره فى الأقوال فقط.
فلو أكره بذلك على أن يطرح ماله فى النار أو الماء أو أن يدفعه الى فلان لم يكن مكرها (٢).
ثالثها: اكراه لا يعدم الرضا فلا يفسد به الاختيار ضرورة لأن الرضا مستلزم لصحة الاختيار وذلك بقصد المكره بالكسر حبس أبى المكره بالفتح. أو يغتم المكره بالفتح بسبب حبس أبيه وما يجرى مجراه من حبس زوجته وأخته وأمه وأخيه وكل ذى رحم محرم منه لأن القرابة المتأبدة بالمحرمية بمنزلة الولاد.
وهذا هو مقتضى القياس وبه قال الزيلعى (٣) وجاء فى المبسوط:
لو قيل له سنحبس أباك أو ابنك فى السجن أو لتبيعن عبدك بألف درهم ففعل ففى القياس البيع جائز لأن هذا ليس باكراه فانه لم يهدده بشئ فى نفسه وحبس أبيه فى السجن لا يلحق ضررا به فالتهديد به لا يمنع صحة بيعه واقراره وهبته وكذلك فى حق كل ذى رحم محرم وفى الاستحسان ذلك اكراه ولا ينفذ شئ من هذه التصرفات لأن حبس أبيه يلحق به من الحزن والهم ما يلحق به بحبس نفسه أو أكثر فان الولد اذا كان بارا يسعى فى تخليص أبيه من السجن وربما يدخل السجن مختارا ويجلس مكان أبيه ليخرج أبوه فكما أن التهديد بالحبس فى حقه يعدم تمام الرضا فكذلك التهديد بحبس أبيه (٤). وذكر الطورى أن هذا هو المعتمد اذ لا فرق بين حبس الوالدين والولد فى وجه الاستحسان وزاد القهستانى أو غيرهم من ذى رحم محرم (٥) وعلى هذا يكون النوع الثالث من النوع الثانى ولذلك جرى فقهاء الحنفية فى كتب الفقه على أن الاكراه نوعان هما الأول والثانى فقالوا ان الاكراه الذى له أثر فى الأحكام نوعان كامل يفسد الاختيار ويوجب الالجاء وهو النوع الأول وقاصر يعدم الرضا ولا يوجب الالجاء وهو النوع الثانى (٦).
стр. 7498
شروط الاكراه:
أولا: بالنسبة للمكره بالكسر:
يشترط لتحقق الاكراه بالنسبة للمكره بالكسر قدرته على ايقاع ما هدد به سواء كان سلطانا أو لصا أو نحوه وهو رأى الصاحبين أما الامام فلا يتحقق الاكراه عنده الا من السلطان لأن القدرة لا تكون بلا منعة والمنعة للسلطان وحده وقال متأخروا الحنفية هذا اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حجة وبرهان لأن فى زمانه لم يكن لغير السلطان من القوة ما يتحقق به الاكراه لذلك أجاب الامام بناء على ما شاهد أما فى زمان الصاحبين فقد ظهر الفساد وصار الأمر الى كل متغلب فيتحقق الاكراه من الكل لهذا كانت الفتوى على قولهما (١) ويعتبر أمر السلطان اكراها وان لم يتوعد المكره بالفتح وأمر غير السلطان لا يعتبر اكراها الا أن علم المأمور بدلالة الحال انه سيقتله ان لم يمتثل أمره أمر أنه سيقطع يده أو يتلف عضوا له أو يضربه ضربا يخاف على نفسه منه وظاهر قول الحنفية أن الزوج سلطان زوجته فيتحقق منه الاكراه بمجرد الأمر أن خافت منه الضرر، وعند محمد ان خلا بها فى موضع لا تمتنع منه فهو كالسلطان (٢).
ثانيا: بالنسبة للمكره بالفتح .
يشترط لتحقق الاكراه بالنسبة للمكره بالفتح خوفه من ايقاع ما هدد به فى الحال بغلبة ظنه ليصير محمولا الى ما دعى اليه من الفعل والظاهر أن قيد فى الحال اتفاقى اذ لو توعده بتلف بعد مدة وغلب على ظنه ايقاعه صار ملجأ وهذا الالجاء يتحقق مادام المكره (بالكسر) حاضرا (٣).
ثالثا: بالنسبة للشئ المكره عليه:
يشترط لتحقق الاكراه بالنسبة للمكره عليه كون المكره بالفتح ممتنعا عما أكره عليه قبله اما لحقه كاكراهه على اتلاف ماله ولو بعوض كبيعه أو لحق شخص آخر كاتلاف مال الغير أو لحق الشرع كشرب الخمر وارتكاب الزنا. وبحسب اختلاف هذه الأحوال يختلف الحكم.
رابعا: بالنسبة للآلة:
يشترط لتحقق الاكراه أن يكون الشئ المكره به متلفا نفسا حقيقة أو حكما - كتلف المال كله أو بعضه اذ المال شقيق الروح. أو عضوا أو بعضه. أو موجبا غما وهذا أدنى مراتبه وهو يختلف باختلاف الأشخاص. فان الأشراف يغمون بكلام خشن والأرزال ربما لا يغمون الا بالضرب المبرح (٤).
стр. 7499
أثر الاكراه فى الأهلية:
الاكراه بجميع أقسامه لا ينافى أهلية الوجوب ولا أهلية الأداء لأن أهلية الوجوب منوطة بالذمة وأهلية الأداء منوطة بالفعل والبلوغ والاكراه لا يؤثر فى شئ من ذلك (١).
أثر الاكراه فى الاختيار:
الاكراه لا ينافى الاختيار أيضا. لأن الاختيار لو سقط لتعطل الاكراه. اذ الاكراه فيما لا اختيار فيه لا يتصور. دليل ذلك أن المكره حمله على اختيار الفعل وقد وافق المكره (بالفتح) الحامل فيكون مختارا فى الفعل ضرورة اذ لو لم يكن مختارا لم يكن موافقا له فلا يكون مكرها ولكونه مختارا فى الفعل ضرورة كان مخاطبا فى عين ما أكره عليه لأن الخطاب كما يعتمد على الأهلية يعتمد على الاختيار لأنه يعتمد على القدرة وهى بدون الاختيار لا يتحقق فثبت بهذا أن الاكراه لا ينافى أهلية ولا يوجب سقوط الخطاب ولا ينافى الاختيار (٢).
الاكراه بنفسه لا يصلح لابطال حكم شئ
من الأقوال والأفعال:
القول بأن الاكراه لا ينافى أهلية ولا يوجب سقوط خطاب ولا ينافى الاختيار يترتب عليه أن الاكراه بنفسه لا يصلح لابطال حكم شئ من الأقوال مثل الطلاق والبيع والعتق ونحوها من الأفعال مثل القتل واتلاف المال وافساد الصوم والصلاة ونحوها لكونها صادرة عن أهلية واختيار.
نعم يتغير الحكم بدليل آخر بعد ما صح الفعل فى نفسه قياسا على تغير فعل الطائع بدليل يلتحق به يوجب تغير موجبه فان موجب قوله أنت طالق أو أنت حر وهو وقوع الطلاق أو العتاق يثبت عقب التكلم به الا اذا لحق به مغير من تعليق أو استثناء كذلك موجب فعل المكلف كشرب الخمر والزنا والسرقة ثابت فى الحال الا اذا تحقق مانع كحصول هذه الأفعال فى دار الحرب أو تحققت فيها شبهة.
فكذلك يثبت موجب أقوال المكره وأفعاله الا عند وجود المغير لما بينا قبل ذلك من أنها صادرة من عقل وأهلية خطاب واختيار كأفعال الطائع وأقواله (٣).
ومما يدل على ذلك أيضا أن المكره (بالفتح) على اتلاف المال لا يجعل فعله لغوا بمنزلة فعل البهيمة لكن يجعل موجبا للضمان على المكره (٤).
أثر الاكراه:
قد يقال اذا كان الاكراه لا يؤثر بذاته فى الأقوال والأفعال بالابطال فما هو أثره فأقول: يظهر أثره فى حالتين:
الأولى: أنه يؤثر فى تبديل النسبة وذلك اذا تكامل الاكراه بأن كان ملجئا بحيث يصير
стр. 7500
الفعل منسوبا الى المكره (بالكسر) لا المكره (بالفتح).
الثانية: أنه يؤثر فى تفويت الرضا وذلك اذا لم يكن كاملا بأن لم يكن ملجئا كالاكراه بالحبس أو القيد فى تفويت الرضا وهو فى هذه الحالة لا يؤثر فى النسبة الى المكره (بالفتح) (١).
أثر الاكراه فى الأسباب:
الاكراه لا يعدم الاختيار فى السبب لكنه يعدم الرضا فيه. وقد شبه بعض مشايخ الحنفية الاكراه بالهزل لأن الهزل يعدم الرضا بحكم السبب مع وجود القصد والاختيار فى نفس السبب.
وشبهه بعضهم باشتراط الخيار فان شرط الخيار يعدم الرضا بحكم السبب دون نفى السبب.
لكن فخر الاسلام لم يرفض ذلك حيث قال هو دونهما ودون الخطأ لأن فى الهزل وشرط الخيار عدم اختيار الحكم والرضا به أصلا وان وجد الرضا بالسبب.
وفى الخطأ الاختيار موجود تقديرا لا تحقيقا.
أما فى الاكراه فالاختيار فى السبب والحكم موجود حقيقة وان كان فاسدا فكان دون تلك الأشياء فى المنع وأقرب الى فعل الطائع منها فكان تصرف المكره أولى بالاعتبار من تصرف الهازل والخاطئ بقى أن يقال اذا كان الاكراه دون هذه الأشياء فى المنع لوجود الاختيار فيه فينبغى أن يقتصر الحكم على المكره (بالفتح) كما فى الهزل أو الخطأ، فالجواب أن الاكراه لا يعدم الاختيار بل يفسده. فاذا عارض الاختيار الفاسد اختيار صحيح وهو اختيار المكره وجب ترجيح الصحيح على الفاسد ان أمكن وذلك باحتمال نسبة الفعل الى المكره بجعل المكره آلة نسبة الفعل الى المكره بجعل المكرة آلة له.
واذا لم يمكن الترجيح فلا وجه لنسبة الفعل الى المكره وحينئذ فلا معارضة فى استحقاق الحكم فبقى الحكم منسوبا الى الاختيار الفاسد لصلاحيته لاستحقاق الحكم مادام لم يكن هناك ترجيح (٢).
أثر الاكراه الملجئ
فى الحل والحرمة والثواب والعقاب
الاكراه على المعاصى أنواع:
النوع الأول: يرخص للشخص فى فعله ويثاب على تركه كاجراء كلمة الكفر وشتم النبى ﷺ وترك الصلاة وكل ما ثبت بالكتاب الكريم.
النوع الثانى: يحرم على الشخص فعله ويأثم باتيانه كقتل المسلم أو قطع عضو أو ضربه ضربا متلفا أو شتمه وآذيته والزنا.
النوع الثالث: يباح للشخص فعله ويأثم بتركه كشرب الخمر والدم وأكل لحم الخنزير (٣).
стр. 7501
مذهب المالكية:
الاكراه عند المالكية:
الاكراه عند المالكية على نوعين: أولهما:
اكراه ملجئ وهو الذى لا يبقى للشخص معه قدرة ولا اختيار كالقاء شخص من شاهق على شخص ليقتله. فالشخص الملقى لا قدرة له على الوقوع لا فعلا ولا تركا. فلا اختيار له فى ذلك وهذا النوع من الاكراه يمنع التكليف بالفعل الملجأ اليه وبنقيضه لأن المكره عليه واجب الوقوع وضده ممتنع والتكليف بواجب الوجود أو الممتنع الوجود محال.
وهناك رأى ضعيف يرى جواز تكليف الملجأ بناء على جواز التكليف بما لا يطاق. وعلى هذا فالمكره (بالفتح) الملجأ هو: من يدرى ولا مندوحة له عن ما الجئ اليه.
ثانيهما: اكراه غير ملجئ وهو الذى لا ينتهى الى حد الالجاء كما لو قيل لشخص ان لم تقتل هذا قتلتك وعلم الشخص انه ان لم يفعل قتله المكره (بالكسر) لأن هذا ليس فيه سلب للاختيار وهذا النوع لا يمنع التكليف بعين الفعل المكره عليه ولا بنقيضه سواء كان الفعل المكره عليه طاعة أو معصية لأن الفعل المكره عليه ممكن والفاعل متمكن وهذا النوع من الاكراه يسقط الرضا فقط وتبقى معه القدرة والاختيار وعلى هذا فالمكره (بالفتح) غير الملجأ هو الذى لا مندوحة له عن ما أكره عليه الا بالصبر على ما أكره به (١).
الاكراه غير الملجئ عند المالكية نوعان:
أحدهما شرعى والآخر غير شرعى.
تعريف الاكراه الشرعى وحكمه:
الاكراه الشرعى عبارة عن اكراه على الفعل الذى تعلق به حق لمخلوق الذى به الفتوى وهو مذهب المدونة أنه طوع يقع به نحو طلاق، فلو حلف بالطلاق لا تخرج زوجته فاخرجها قاض لتحلف اليمين أمامه أو حلف بالطلاق فى نصف عبد يملكه ألا يبيعه فأعتق شريكه نصفه تقوم عليه نصيب الحالف وكمل به عتق الشريك كذلك لو حلف لا يشترى نصيب شريكه فى العبد فأعتق الحالف نصيبه قوم عليه نصيب شريكه لتكميل عتقه. كذلك اذا حلف لا ينفق على زوجته أو لا يطيع أبويه. أو لا يقضى فلانا دينه الذى عليه فأكرهه القاضى على الانفاق عليها. أو على طاعة أبويه. أو على قضاء الدين لزمه الطلاق خلافا لليمين حيث قال بعدم لزوم الطلاق اختاره صاحب المختصر.
تعريف الاكراه غير الشرعى وحكمه:
الاكراه غير الشرعى هو اكراه على فعل لا يتعلق به حق لمخلوق وقد اختلف المالكية فى حكمه فقال جمهورهم انه لا يؤثر فى الفعل فيجعله لاغيا فلا يحنث اذا حلف بالطلاق لا يدخل دارا فأكره على دخولها أو حمل وأدخلها مكرها (٢).
стр. 7502
شروط الاكراه الذى لا حنث معه:
الاكراه الذى لا حنث معه يكون بخوف شئ مؤلم يحصل له حالا أو فى المستقبل ان لم يطلق ويكفى غلبة الظن بحصول ذلك الشئ المؤلم ان لم يطلق ولا يشترط تيقن حصوله ان لم يطلق خلافا لما فى سماع عيسى ابن مسكين والخوف المؤلم يكون بالتخويف بالقتل أو بالضرب وان قل وبالسجن ظلما وان لم يطل وبالقيد ان لم يطل هذا اذا كان المكره بالفتح من ذوى الأقدار. أما اذا كان من غيرهم فلا يعد اكراها الا اذا هدد بطول الاقامة فى السجن وفى القيد. كذلك يحصل بالصفع بكف فى قفا لذى مرؤة بملأ أى جماعة من الناس لا فى خلوة ولا لغير ذى مرؤة فى الملأ.
هذا اذا قل الصفع فان كثر فاكراه مطلقا أى سواء حصل فى الملأ أو الخلاء لذى مرؤة أو لغيره. كذلك يحصل بالخوف من قتل ولده وان سفل ولو عاقا وكذا بعقوبته ان كان بارا أما الاكراه بأخذ المال أو اتلافه:
ففيه ثلاثة أقوال: القول الأول لمالك: وهو أنه اكراه، والثانى لأصبغ: وهو ليس باكراه، والثالث لابن الماجشون: وهو ان كثر فالاكراه والا فلا ثم ان المتأخرين اختلفوا فمنهم من جعل الثالث تفسيرا للأولين وذلك كابن بشير ومن تبعه وعلى هذا فالمذهب على قول واحد. ومنهم كابن الحاجب من جعل الأقوال الثلاثة متقابلة ابقاء لها على ظاهرها والتخويف بقتل الأب اكراه كالولد وهو الظاهر وقيل ليس باكراه كالتخويف بقتل غير الولد من أخ أو عم. ولا يعتبر اكراه التخويف بقتل غير الولد وذلك كقول ظالم ان لم تطلق زوجتك قتلت فلانا صاحبك أو عمك أو أخاك فطلق وقع الطلاق لأن التخويف بقتل غير الولد لا يعد اكراها شرعيا. والاكراه الحاصل بالخوف من القتل والحبس والقيد وغيره مما تقدم ذكره انما يؤثر فى الطلاق والايمان والنكاح والعتق والاقرار والبيع والشراء والاجارة وسائر العقود أما الكفر وسب الرسول وسب الصحابة ولو بغير قذف. وقذف المسلم أى قذفه بالزنا واللواط فلا يؤثر فيها الاكراه الا بالخوف من القتل فقط ولا يتحقق بغير ذلك من قطع عضو وغير ذلك من سائر ضروب التخويف. وأما قتل المسلم أو قطع بعضه أو فعل الزنا فلا يؤثر فيه الاكراه ولو بالقتل (١).
مذهب الشافعية:
الاكراه عند الشافعية على نوعين:
أولهما: اكراه ملجئ
وهو الذى لا يبقى للشخص معه قدرة ولا اختيار كالقاء شخص من شاهق على شخص ليقتله فالشخص الملقى لا قدرة له على الوقوع لا فعلا ولا تركا فلا اختيار له فى ذلك وهذا النوع من الاكراه يمنع التكليف بالفعل الملجأ اليه وبنقيضه لأن المكره عليه واجب الوقوع وضده ممتنع والتكليف بالواجب والممتنع محال. وهناك رأى ضعيف يرى جواز تكليف الملجأ بناء على جواز التكليف بما لا يطاق، وعلى هذا فالمكره الملجأ هو من يدرى ولا مندوحة له عما الجئ اليه.
ثانيهما: اكراه غير ملجئ
وهو الذى لا ينتهى الى حد الالجاء كما لو قيل لشخص
стр. 7503
ان لم تقتل هذا قتلتك. وعلم الشخص أنه ان لم يفعل قتله المكره (بالكسر) لأن هذا ليس فيه سلب للاختيار وهذا النوع لا يمنع التكليف بعين الفعل المكره عليه ولا بنقيضه سواء كان الفعل المكره عليه طاعة أو معصية لأن الفعل المكره عليه ممكن والفاعل متمكن وهم فى هذا يوافقون أهل السنة وهذا النوع من الاكراه يسقط الرضا فقط وتبقى معه القدرة والاختيار وعلى هذا فالمكره (بالفتح) غير الملجأ هو الذى لا مندوحة له عما أكره عليه الا بالصبر على ما أكره به (١).
تقسيم الاكراه غير الملجئ:
قسم الشافعية الاكراه غير الملجئ الى قسمين: أولهما اكراه بحق أى اكراه على عمل مطلوب شرعا وهذا لا يؤثر فى الأقوال فعل الصلاة والوضوء وأركان الطهارة والصلاة وأداء الزكاة والحج والكفارة كأداء الدين وبيع مال المدين فيه والصوم والاستئجار لحج والاتفاق على قريبه وبهيمته واقامة الحدود واعتاق المنذور عتقه واختيار أربع بالنسبة لمن أسلم على أكثر من أربع وغسل الميت والجهاد (٢) وكاكراه الحاكم من عنده طعام على بيعه عند حاجة الناس اليه ان بقى له قوت سنة (٣).
ثانيهما: اكراه بغير حق - وهذا يؤثر فى الأقوال والأفعال فيجعل القول من المكره (بالفتح) لاغيا الا فيما يبطل الصلاة من الأقوال ويجعل فعل المكره (بالفتح) أيضا لاغيا الا فيما يبطل الصلاة كالفعل الكثير فيها وعدم استقبال القبلة أو ترك القيام فى الفرض فكل ذلك يبطل الصلاة وكذلك الاكراه فى الرضاع يترتب عليه التحريم والاكراه على القتل يوجب القصاص (٤).
ما يتصور فيه الاكراه وما لا يتصور:
لا يتصور الاكراه على شئ من أفعال القلوب (٥).
ما يتحقق به الاكراه:
قال الرافعى الذى مال اليه المعتبرون: ان الاكراه على القتل لا يحصل الا بالتخويف بالقتل أو ما يخاف منه القتل واما الاكراه على غير القتل ففيه سبعة أوجه.
الأول: لا يحصل الا بالقتل.
الثانى: يحصل بالقتل أو لقطع أحد الأطراف أو ضرب يخاف منه الهلاك.
الثالث: يحصل بما يسلب الاختيار ويحصل المكره بالفتح كالهارب من الأسد الذى يتخطى الشوك والنار ولا يبالى. فلا يعد منه الاكراه بالحبس.
стр. 7504
الرابع: يشترط لتحققه عقوبة بدنية يتعلق بها قود.
الخامس: يشترط لتحققه عقوبة شديدة تتعلق ببدنه كالحبس الطويل.
السادس: يحصل الاكراه بما ذكر. ويأخذ المال .. أم اتلافه والاستخفاف بالأماثل واهانتهم كالصفع بالملأ وتسويد الوجه وهذا اختيار جمهور العراقيين وصححه الرافعى.
السابع: وهو اختيار النووى فى الروضة انه يحصل بكل ما يؤثر العاقل الاقدام على المكره عليه حذرا مما هدد به وذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأفعال المطلوبة والأمور المخوف بها فقد تكون الشئ اكراها فى شئ دون غيره وفى حق شخص دون آخر.
فالاكراه على الطلاق يكون بالتخويف بالقتل والقطع والحبس الطويل والضرب الكثير والمتوسط لمن لا يحتمله بدنه ولم يعتده وبتخويف ذى المرؤة بالصفع فى الملأ وتسويد الوجه ونحوه وكذا بقتل الوالد وان علا الولد وان سفل على الصحيح لا سائر المحارم واتلاف المال على الأصح وان كان الاكراه على القتل، فالتخويف بالحبس وقتل الولد ليس اكراها.
وان كان على اتلاف مال: فالتخويف بجميع ذلك اكراه.
ما يباح بالاكراه:
١ - يباح بالاكراه التلفظ بكلمة الكفر فيباح به للآية ولا يجب بل الأفضل الاقناع ومصابرة على الدين والاقتداء بالسلف وقيل الأفضل التلفظ صيانة لنفسه وقيل ان كان ممن يتوقع منه النكاية فى العدو والقيام بأحكام الشرع فالأفضل التلفظ لمصلحة ابقاءه والا فالأفضل الامتناع.
٢ - يباح به القذف حيث قال ابن الرفعة فى المطلب: يشبه أن يلتحق بالتلفظ بكلمة الكفر ولا نظر الى تعلقه بالمقذوف لأنه لم يتضرر به، وفى كتب الحنفية أنه يباح بالاكراه ولا يجب به حد وهو الذى تقتضيه قواعد المذهب.
٣ - يباح به قطعا شرب الخمر استبقاء للمهجة كما يباح لمن غص بلقمة أن يسبغها بها.
٤ - يباح به شرب البول وأكل الميتة.
٥ - يباح به اتلاف مال الغير بل يجب قطعا كما يجب على المضطر آكل طعام غيره.
٦ - السرقة قال فى المطلب يظهر أن يلتحق باتلاف المال لأنها دون الاتلاف قال فى الخادم وقد صرح جماعة باباحتها منهم القاضى حسين فى تعليقه قال السيوطى وقد جزم به الاسنوى.
٧ - شهادة الزور أن كانت تقتضى اتلاف مال ألحقت به.
٨ - يباح به بل يجب الخروج من صلاة الفرض وهو كالفطر فى رمضان.
ما لا يباح بالاكراه:
١ - الزنا لا يباح به بالاتفاق لأن مفسدته أفحش من الصبر على القتل وسواء كان المكره بالفتح رجلا أو امرأة.
стр. 7505
٢ - اللواط لا يباح به أيضا صرح به فى الروضة.
٣ - شهادة الزور ان كانت تقتضى قتلا أو قطعا ألحقت به أو جلدا فهو فى محل نظر اذ يفضى الى القتل كذا فى المطلب، وقال الشيخ عز الدين بن عبد السّلام لو أكره على شهادة الزور أو حكم باطل فى قتل أو قطع أو احلال بضع استسلم للقتل وان كان يتضمن اتلاف مال لزمه ذلك حفظا للمهجة، وقد ضبط الأورنى هذه الصور بضابط هو: ما يسقط بالتوبة يسقط حكمه بالاكراه وما لا يسقط حكمه بالتوبة لا يسقط بالاكراه نقل ذلك الضابط فى الروضة وأصلها وجاء فى الخادم أنه قد أورد عليه شرب الخمر فانه يباح بالاكراه ولا يسقط حده بالتوبة وكذلك القذف (١).
أما تهديد المكره بالنفى عن البلد.
وتهديد المرأة بالزنا والرجل باللواط:
أعلم أن التهديد يعتبر اكراها على الأصح لأن مفارقة الوطن شديدة لأنه اكراه بما هو شديد على النفس.
شروط الاكراه:
يتحتم فى كل ما مر توفر الشروط الآتية:
أولها: قدرة المكره بالكسر على تحقيق ما هدد به بولاية أو تغلب أو فرط هجوم.
ثانيها: عجز المكره بالفتح عن دفعه بهرب أو استغاثة أو مقاومة.
ثالثها: غلبة ظنه أنه ان امتنع مما أكره عليه أوقع به المتوعد به.
رابعها: كون المتوعد به مما يحرم تعاطيه على المكره (بالفتح) فلو قال ولى القصاص للجانى طلق امرأتك والا اقتصصت منك لم يكن اكراها (٢).
خامسها: أن يكون عاجلا فلو قال طلقها والا قتلتك غدا فليس باكراه.
سادسها: أن يكون معينا فلو قال: اقتل زيدا أو عمرا فليس باكراه.
سابعها: أن يحصل بفعل المكره عليه التخلص من المتوعد به، فلو قال اقتل نفسك والا قتلتك فليس باكراه كما لا يحصل الاكراه بقوله:
والا قتلت نفسى أو كفرت أو أبطلت صومى أو صلاتى.
أمر السلطان:
اختلف علماء الشافعية فى أمر السلطان هل ينزل منزلة الاكراه؟ على وجهين أو قولين.
الأول: لا لأن الاكراه لا يكون الا بالتهديد صريحا.
الثانى: نعم لعلتين. الأولى: أن الغالب من حالة السطوة عند المخالفة. الثانية: أن طاعته واجبة فى الجملة، فينهض ذلك شبهة، قال الرافعى: ومقتضى ما ذكره الجمهور صريحا ودلالة انه لا ينزل منزلة الاكراه، ثم قال:
стр. 7506
ومثل السلطان فى اجراء الخلاف: الزعيم والمتغلب لأن المدار على خوف المحذور من مخالفته.
حكم الحاكم وحكم الشرع:
يندرج تحت هذا العنوان فروع ذكرها فقهاء الشافعية جعلوا منها ما نزل الحكم فيها منزلة الاكراه.
أولا: كما لو حلف لا يفارقه حتى يستوفى حقه فأفلس ومنعه الحاكم من ملازمته ففى اعتباره مكرها خلاف.
ثانيا: لو حلف ليطأن زوجته الليلة فوجدها حائضا لم يحنث كما لو أكره على ترك الوط ء.
ثالثا: لو قال لزوجته ان لم تصومى غدا فأنت طالق فحاضت ففى اعتباره مكرها خلاف، وجعلوا منها ما لم ينزل منزلة الاكراه كما لو حلف لا يحلف يمينا مغلظة فوجب عليه يمين وقلنا وجوب التغليظ حلف وحنث (١).
مذهب الحنابلة:
«الحنابلة يقسمون الاكراه الى نوعين اكراه ملجئ واكراه غير ملجئ وهم يتفقون مع الشافعية فى تعريف كل من النوعين».
وقسم الحنابلة الاكراه الى اكراه بحق واكراه بغير حق، فالاكراه بحق: كاكراه الحاكم المولى على الطلاق بعد التربص اذا لم يفى وكاكراه الحاكم الرجلين اللذين زوجهما وليان ولا يعلم السابق منهما على الطلاق. وحكم هذا النوع من الاكراه أنه لا يؤثر فى صحة القول أو الفعل الصادر من الشخص المكره لذلك قيل بوقوع الطلاق فى الصورتين السابقتين، لأنه قول حمل عليه بحق فصح كاسلام المرتد اذا أكره على الاسلام ولأنه انما جاز اكراهه على الطلاق ليقع طلاقه فلو لم يقع لم يحصل المقصود، وهذا النوع فى حقيقته كلا اكراه اذ لا يترتب عليه أثر فى الحكم، أما الاكراه بغير حق فكاكراه شخص على الطلاق. وكالاكراه على كلمة الكفر.
وحكم هذا النوع من الاكراه: أنه يؤثر فى الأقوال والأفعال. فلا يترتب عليها آثارها.
لذلك قيل بعدم وقوع طلاق المكره بغير حق. وعدم كفر المكره على كلمة الكفر (٢).
متى يتحقق الاكراه:
لا يكون الشخص مكرها الا اذا ناله شئ من العذاب كالضرب والخنق والعصر للساق والحبس والقيد الطويلين والغط فى الماء مع الوعيد. يدل لذلك أن المشركين أخذوا عمارا فأرادوه على الشرك فأعطاهم فأتى اليه النبى وهو يبكى فجعل يمسح الدموع من عينيه ويقول (أخذك المشركون فغطوك فى الماء وأمروك أن تشرك بالله ففعلته فان أخذوك مرة أخرى فأفعل ذلك) رواه أبو حفص باسناده وقال عمر رضى الله عنه ليس الرجل أمينا على نفسه اذا أوجعته أو ضربته أو أوثقته وهذا يقتضى وجود فعل يكون به اكراها.
стр. 7507
حكم الوعيد بمفرده:
اذا كان الاكراه بالوعيد فقط فعن أحمد فيه روايتان:
أحداهما: ليس باكراه لأن الذى ورد الشرع بالرخصة معه هو ما ورد فى حديث عمار. وفيه أنهم أخذوك فغطوك فى الماء فلا يثبت الحكم الا فيما كان مثله.
ثانيهما: أن الوعيد بمفرده اكراه يدل ذلك قول أحمد فى رواية ابن مقصود: حد الاكراه اذا خاف القتل أو ضربا شديدا. وهذا القول هو قول أكثر الفقهاء لأن الاكراه لا يكون الا بالوعيد، اذ الماضى من العقوبة لا يندفع بفعل ما أكره عليه. ولا يخشى من وقوعه وانما أبيح له فعل المكره عليه دفعا لما يتوعد به من العقوبة فيما بعد. لأنه متى توعد بالقتل وعلم أنه سيقتله لم يبح له فعل ما يقضى الى قتله كما لا يباح له القاء نفسه الى التهلكة. كما أن ثبوت الاكراه فى حق من نيل بشئ من العذاب لا ينفى ثبوته فى حق غيره ومما يدل على ذلك أيضا فعل عمر:
فقد روى عن عمر فى الذى تدلى بشتار عسلا فوقفت امرأته على الحبل. وقالت له طلقنى ثلاثا والا قطعته فذكرها بالله والاسلام فقالت: لتفعلن أو لأفعلن. فطلقها ثلاثا:
فردها اليه رواه سعيد باسناده. وجه الدلالة ان الذى حصل من الزوجة كان وعيدا فقط (١).
ولا يعتبر الحنابلة الشتم والسب من قبيل الاكراه رواية واحدة. وذهب الحنابلة الى أن أخذ المال واحدة وذهب الحنابلة الى أن أخذ المال اليسير لا يعتبر اكراها. أما الكثير فيعتبر اكراها.
ويرى الحنابلة أن الضرر اليسير ان كان فى حق من لا يبالى فليس باكراه وان كان فى حق ذوى المروءات فان كان على وجه يكون اخراقا لصاحبه وفضاله وشهره فى حقه فهو كالضرب الكثير فى حق غيره. ويرى الحنابلة أن التوعد بتعذيب الولد فيه قولان:
أحدهما: ليس باكراه لأن الضرر لاحق بغيره.
ثانيهما: هو اكراه وهو المعتمد لأن ذلك عند المكره بالفتح أعظم من أخذ ماله والوعيد بهذا اكراه فكذلك هذا (٢).
شروط الاكراه:
يشترط لتحقق الاكراه عند الحنابلة شروط هى:
أولها: أن يكون من قادر بسلطان أو تغلب كاللص ونحوه خلافا لمن قال: ان أكرهه اللص على الطلاق لم يقع وان أكرهه السلطان وقع لأن عموم ما ذكرناه فى دليل الاكراه يتناول الجميع. والذين أكرهوا عمارا لم يكونوا لصوصا وقد قال النبى ﷺ لعمار (ان عادوا فعد) ولأنه اكراه فمنع وقوع الطلاق كاكراه اللص.
ثانيها: أن يغلب على ظنه نزول الوعيد ان لم يجبه الى ما طلبه.
стр. 7508
ثالثها: أن يكون مما يستضر به ضررا كثيرا كالقتل والضرب الشديد والحبس والقيد الطويلين (١).
مذهب الظاهرية:
يرى ابن حزم أن تعريف الأكراه هو كل ما سمى فى اللغة اكراها وعرف بالحس أنه اكراه. وقسم الاكراه قسمين:
القسم الأول: اكراه على الكلام.
القسم الثانى: اكراه على الفعل.
حكم الاكراه على الكلام: يرى ابن حزم أن الاكراه على الكلام يجعل الكلام لا يجب به شئ وان قاله للمكره بالفتح كالكفر، والقذف والقرار والنكاح والانكاح والرجعة والطلاق والبيع والابتياع. والنذر والايمان والعتق والهبة واكراه الذمى الكتابى على الايمان وغير ذلك. دليل ذلك: أن المكره على القول ما هو الا حاك للفظ الذى أمر بقوله: ولا شئ على الحاكى بلا خلاف ومن فرق بين الأمرين فقد تناقض قوله، وأيضا فقد قال الرسول ﷺ :
(إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى) فصح أن كل من أكره على قول ولم ينوه مختارا له فانه لا يلزمه.
حكم الاكراه على الفعل:
الاكراه على الفعل ينقسم قسمين:
أحدهما: فعل تبيحه الضرورة كالأكل والشرب فهذا يبيحه الاكراه لأن الاكراه ضرورة فمن أكره على شئ من هذا فلا شئ عليه لأنه أتى مباحا له اتيانه.
ثانيهما: فعل لا تبيحه الضرورة كالقتل والجراح والضرب وافساد المال. فهذا لا يبيحه الاكراه فمن أكره على شئ من ذلك لزمه القود. والضمان لأنه أتى محرما عليه اتيانه. يراجع فيما تبين الضرورة وما لا تبين مصطلح «اضرار وضرورة».
ما يتحقق به الاكراه:
يتحقق بالوعيد بالقتل ممن لا يؤمن منه انفاذ ما توعد به وبالوعيد بالضرب كذلك وبالوعيد بالسجن كذلك وبالوعيد بافساد المال. كذلك يتحقق بالوعيد بقتل مسلم آخر أو ضربه أو سجنه أو افساد ماله يدل لذلك قول الرسول ﷺ (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه) ولا فرق بين اكراه السلطان أو غيره كاللصوص اذ كل ذلك سواء لأن الله تعالى لم يفرق بين شئ من ذلك ولا رسوله.
مذهب الزيدية:
تعريف الاكراه: هو سلب الاختيار والعمل بالاضطرار، وقيل الأولى فى حده: البعث على الفعل الشاق بالوعيد بانزال ضرر أو تفويت نفع والأصل فيما يترتب عليه من أحكام الكتاب والسنة. أما الكتاب فقوله تعالى: «إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ»﴾.
وأما السنة: فقوله ﷺ (رفع عن آمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه). يجوز فعل كل محظور باكراه يصدر من القادر بوعيده اذا توعده بقتل أو قطع
стр. 7509
عضو لا قلع سن فمتى كان الاكراه بهذا الوجه وهو أن يخشى التلف أو اذهاب حاسة أو قطع عضو أو بعضه ولو زائدا. أو أخذ مال مجحف به مؤثر فى نفسه أو ما يؤدى الى ذلك من الضرب أو الحبس. أو الاخراج من البلد اذا كان يؤدى الى ذلك وأن يكون الوعيد صادرا من قادر على فعل ذلك مع ظن صدقه أنه يفعل ما توعد به. سواء كان المتوعد سلطانا أو ظالما أو غيره من لص أو قاطع طريق فانه يجوز له بهذا الاكراه أن يرتكب ما أكره عليه من المحظورات اذا تعذرت عليه الهجرة ويستثنى من ذلك ثلاثة أشياء لا تجوز بالاكراه وان خشى التلف وهى:
١ - الزنا لا المقدمات.
٢ - ايلام الآدمى حيا لا ميتا.
٣ - سب الآدمى وقذفه حيا وميتا.
فان فعل الزنا أو القذف مكرها لم يحد وأما القتل فيقتص منه، واما قتل غير الآدمى من المحترمات كالخيل والبغال فمفهوم كلام الأزهار أنه يجوز بالاكراه وهو المذهب، لأنه قال (وايلام الآدمى) تدل على أن غير الآدمى بخلافه، واذا كان المحظور الذى ارتكبه هو اتلاف مال الغير وجب عليه أن يضمن قدر المال وينوى ذلك عند الاستهلاك ويرجع على المكره (بالكسر) وهذا مبنى على أنه تبيحه الضرورة وهو قول المؤيد بالله وصحح للمذهب. أما اذا كان الاكراه لا يبقى للمكره (بالفتح) فيه فعل فكلا فعل أى لا يلزمه اثم ولا ضمان مثال ذلك أن يوجر الماء وهو صائم فيدخل بغير اختياره فانه لا يفطر بذلك كذلك لو ضرب به الغير حتى مات فلا يلزمه اثم ولا ضمان لأنه آلة، واذا كان الاكراه بالاضرار فقط كضرب أو حبس مضرين ولا يقتلان فانه يجوز بالاكراه ترك الواجب ولو بعد الدخول فيه كالصلاة والصوم ويجب القضاء. ولا يجوز بهذا النوع من الاكراه ارتكاب المحظورات والاكراه بالاضرار يبطل أحكام العقود فيصيرها كأن لم تكن (١).
مذهب الأمامية:
فرق الشيعة الإمامية بين القهر والاكراه فقالوا: اذا كان الفعل المفطر واقعا على الشخص الصائم بلا ارادة منه أصلا كما لو أوجر فى حلقه أو غمس رأسه فى الماء ونحو ذلك. فهذا هو ضابط المقهورية والخروج عن الفطر - أى لا يكون به مفطرا، ولو كان يصدر عنه بارادته لكن يحمله عليه من لا مناص له عن اتباعه فهذا هو ضابط الاكراه المسوغ للافطار ويلزمه قضاؤه (٢).
مذهب الإباضية:
يرى الإباضية أن من العوارض المكتسبة الجبر ويعبر عنه بالاكراه.
تعريف الاكراه:
هو حمل الغير على أن يفعل ما لا يرضاه ولا يختار مباشرته لو خلى ونفسه.
стр. 7510
أثر الاكراه فى الرضا
والاختيار والخطاب الشرعى:
الاكراه عند الإباضية يعدم الرضا دون الاختيار اذ الفعل يصدر عن المكره بالفتح باختياره حيث آثر الجانب الأسهل على الجانب الأشق. لذا كان الجبر غير مناف للخطاب، لأن الخطاب الشرعى متوجه للمجبور فتثبت الأحكام الشرعية فى حقه. لكن خفف عليه بسبب الاكراه. اذا جوز له الترخص فى كثير من الأحكام حتى فى كلمة الشرك (١).
ما يتحقق به الاكراه:
يتحقق الاكراه عند الإباضية بالخوف من القتل أو الضرب العنيف. أو الخلود أى المكث الطويل فى السجن، أو بمثله كقطع أنملة أو حلق لحية. أو فقء عين وهذا هو الراجح وقيل لا يتحقق الاكراه الا بالاشارة الى المكره بسيف أو سوط أو نحوهما فما لم يشرع فى الضرب ولا يسعه الا أن يفعل أو يفر بما أكره عليه. والصحيح هو الأول:
لذلك له أن يفعل أو يفر اذا خاف ولو قبل الشروع تقية، وهناك قول عند الإباضية يرى أن الخوف من وقوع ضربة أو ضربتين يحقق اكراها ومن استحلفه السلطان بالطلاق أو العتاق وخاف ان لم يحلف أن يفعل به ما ذكر وان أكرهه على الطلاق أو العتاق جاز له النطق بهما ولا يقعان وقيل يقعان ان حلف بهما أو نطق بهما قبل أن يشار اليه بنحو سيف وقيل يقعان مطلقا (٢). ويرى الإباضية أنه لا اكراه باذهاب مال الا أن كان يؤدى اذهابه الى الموت أو ذهاب عضو (٣).
أثر الاكراه فى الاسلام والكفر
مذهب الحنفية:
الاكراه على الاسلام يصح: اسلام المكره ولو ذميا كما هو اطلاق كثير من مشايخ الحنفية وما فى الخانية من تفصيل من أنه لو حربيا يصح ولو ذميا فلا هو القياس.
لأن الزام الحربى بالاسلام ليس باكراه لأنه بحق بخلاف الذمى فانه لا يجبر عليه.
والاستحسان صحته مطلقا من الذمى وغيره.
وهو المعول عليه. ولا يقتل لو رجع للشبهة كما فى باب المرتد (٤).
الاكراه على الكفر:
يرخص بالاكراه اجراء كلمة الكفر على اللسان مع اطمئنان القلب بالايمان اذا كان الاكراه تاما وهو محرم فى نفسه مع ثبوت الرخصة فأثر الرخصة فى تغيير حكم الفعل وهو المؤاخذة لا فى تغير وصفه وهو الحرمة لأن كلمة الكفر مما لا يحتمل الاباحة بحال فكانت الحرمة قائمة الا أنه سقطت المؤاخذة لعذر الاكراه. قال الله ﵎:
«مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ﴾
стр. 7511
﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ»﴾. والامتناع عنه أفضل من الأقدام عليه حتى لو امتنع فقتل كان مأجورا لأنه جاد بنفسه فى سبيل الله تعالى قال ﵊ (من قتل مجبرا فى نفسه فهو فى ظل العرش يوم القيامة). كذلك يرخص التكلم بشتم النبى ﷺ مع اطمئنان القلب بالايمان والأصل فيه ما روى أن عمار بن ياسر رضى الله عنهما لما أكرهه الكفار ورجع إلى رسول الله ﷺ فقال له (ما وراءك يا عمار) فقال: (شر يا رسول الله ما تركونى حتى نلت منك). فقال رسول الله ﷺ (ان عادوا فعد) فقد رخص ﵇ فى اتيان الكلمة بشريطة اطمئنان القلب بالايمان حيث أمره ﵊ بالعود الى ما وجد منه لكن الامتناع عنه أفضل لما مر. والمكره على الكفر لا يحكم بكفره اذا كان قلبه مطمئنا بالايمان بخلاف المكره على الايمان فيحكم بايمانه.
ويترتب على عدم تكفيره عدم اثبات أحكام الكفر فلا تبين منه امرأته والقياس ثبوت البينونة لوجود سبب الفرقة وهى كلمة الكفر قياسا على الطلاق الذى لا يختلف.
حكمه بالطوع والكره:
وجه الاستحسان: ان سبب الفرقة هو وجود الردة دون نفس كلمة الكفر. وانما الكلمة دلالة عليها حالة الطوع ولم يبق دليلا حالة الاكراه فلم تثبت الردة فلا تثبت البينونة، هذا كله اذا كان الاكراه على الكفر تاما أى ملجئا أما اذا كان ناقصا أى غير ملجئ فانه يحكم بكفره لأنه ليس بمكره فى الحقيقة لأنه ما فعله للضرورة بل لدفع الغم عن نفسه (١).
مذهب المالكية:
الاكراه على الاسلام: المجوسى المسبى يجبره مالكه على الاسلام اتفاقا ان كان صغيرا وعلى الراجح ان كان كبيرا. أما الكتابى فلا يجبر مطلقا على الاسلام اتفاقا فى الكبير وعلى الراجح فى الصغير (٢).
الاكراه على الكفر: الاكراه على الاتيان بما يقتضى الاتصاف بالكفر فى الظاهر من قول كسب الله تعالى أو فعل كالقاء مصحف فى قذر وسبه ﵊ وكذا سب نبى مجمع على نبوته، أو ملك مجمع على ملكيته أو الحور العين وسب الصحابة ولو بغير قذف لا يتحقق الا بالخوف من القتل فقط ولا يتحقق بغيره من قطع عضو وغير ذلك من سائر ضروب التخويف. وعلى ذلك لو خوف بغير القتل كالضرب وقتل الولد ونهب المال على سب الله أو النبى ﷺ ارتد بخلاف ما اذا سب لمعاينة القتل فلا يرتد (٣).
стр. 7512
مذهب الشافعية:
الاكراه على الاسلام:
قال صاحب المجموع: قال أصحابنا التصرفات القولية التى يكره عليها بغير حق باطلة أما ما أكره عليه بحق فصحيح.
فيتحصل من هذا أن المرتد والحربى اذا أكره على الاسلام صح اسلامهما - لأنه اكراه بحق أما الذمى اذا أكره على الاسلام فهو اكراه بغير حق لأنا شرطنا فى الذمة أن نقره على دينه فاذا أكره فهل يصح اسلامه فيه طريقان:
أولهما لا يصح وجها واحدا وهو مقتضى كلام الشيرازى وآخرين.
ثانيهما: فيه وجهان حكاهما امام الحرمين.
أصحهما: باتفاق الأصحاب لا يصح قال امام الحرمين المصير الى صحته مع أن اكراهه غير سائغ وقال امام الحرمين أيضا: اذا أكره الحربى على الاسلام فنطق بالشهادتين تحت السيف حكم باسلامه اتفقت الطرق على هذا (١).
الاكراه على الكفر:
يباح بالاكراه التلفظ بكلمة الكفر للآية ولا يجب بل الأفضل الامتناع مصابرة على الدين واقتداء بالسلف وقيل: الأفضل التلفظ بكلمة الكفر صيانة لنفسه. وقيل ان كان ممن يتوقع منه النكاية فى العدو. والقيام بأحكام الشرع فالأفضل له التلفظ لمصلحة بقائه والا فالأفضل الامتناع (٢) ولو شهد الشهود بردة شخص فقال كنت مكرها واقتضته قرينة كأسر كفار له صدق بيمينه وحلف لاحتمال كونه مختارا وان لم تقتضه قرينة فلا يصدق ويجرى عليه حكم المرتد.
ولو قال الشاهدان لفظ لفظ كفر أو فعل فعل كفر فادعى اكراها صدق بيمينه مطلقا أو دونها (٣).
مذهب الحنابلة:
الاكراه على الاسلام:
اذا أكره من لا يجوز اكراهه كالذمى والمستأمن فأسلم لم يثبت له حكم الاسلام حتى يوجد منه ما يدل على الاسلام طوعا مثل أن يثبت على الاسلام بعد زوال الاكراه عنه فان مات قبل ذلك فحكمه حكم الكفار وان رجع الى دين الكفر لم يجز قتله ولا اكراهه على الاسلام والدليل على تحريم الاكراه قوله تعالى «لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ» وأيضا أجمع أهل العلم على أن الذمى اذا أقام على ما عوهد عليه والمستأمن لا يجوز نقض عهد كل ولا اكراهه على ما لم يلتزمه ولأنه أكره على ما لا يجوز اكراهه عليه فلم يثبت حكمه فى حقه كالاقرار والعتق.
أما الحربى والمرتد فيجوز قتلهما واكراههما على الاسلام كأن يقال اسلم والا قتلناك متى
стр. 7513
أسلم حكم باسلامه ظاهرا، وان مات قبل زوال الاكراه عنه فحكمه حكم المسلمين لأنه أكره بحق فحكم بصحة ما يأتى به كما لو أكره المسلم على الصلاة فصلى.
أما فى الباطن فيما بينهم وبين ربهم فان من اعتقد منهم الاسلام بقلبه وأسلم فيما بينه وبين الله تعالى فهو مسلم عند الله موعود بما وعد به من أسلم طائعا.
من لم يعتقد الاسلام بقلبه فهو باق على كفره ولا حظ له فى الاسلام. سواء فى هذا من يجوز اكراهه ومن لا يجوز اكراهه. لأن الاسلام لا يحصل بدون اعتقاده من العاقل بدليل أن المنافقين كانوا يظهرون الاسلام ويقومون بفرائضه ولم يكونوا مسلمين (١).
الاكراه على الكفر:
من أكره على الكفر فأتى بكلمة الكفر لم يصر كافرا لقوله تعالى: «إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ»﴾.
وروى أن عمارا أخذه المشركون فضربوه حتى تكلم بما طلبوا منه ثم أتى النبى وهو يبكى فأخبره بما حدث فقال له النبى ﷺ (ان عادوا فعد).
وروى أن الكفار كانوا يعذبون المستضعفين من المؤمنين فما منهم من أحد الا أجابهم الا بلالا فانه كان يقول أحد أحد وأيضا يقول النبى ﷺ :
(عفى عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) وأيضا أنه قول أكره عليه بغير حق فلم يثبت حكمه كما لو أكره على الاقرار.
وفارق ما اذا أكره بحق فانه قد خير بين أمرين يلزمه أحدهما. فأيهما اختاره ثبت حكمه فى حقه. فاذا ثبت انه لم يكفر فمتى زال عنه الاكراه أمر باظهار اسلامه. فان أظهره فهو باق على اسلامه وان أظهر الكفر حكم بكفره من حين نطق به لأننا تبينا من ذلك أنه كان منشرح الصدر بالكفر من حين نطق به.
مختارا له. وان قامت عليه بينة أنه نطق بكلمة الكفر لكنه كان محبوسا عند الكفار ومقيدا عندهم فى حالة خوف لم يحكم بردته لأن ذلك ظاهر فى الاكراه (٢). والأفضل لمن أكره على كلمة الكفر أن يصبر ولا يقولها وان أتى ذك على نفسه لما روى خباب عن رسول الله ﷺ قال (كان الرجل ممن قبلكم يحفر له فى الأرض فيجعل فيها فيجاء بمنشار فيوضع على شق رأسه ويشق اثنتين ما يمنعه ذلك عن دينه) ويمشط بامشاط الحديد ما دون عظمه من لحم ما يصرفه ذلك عن دينه وجاء فى تفسير قوله تعالى «قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ النّارِ ذاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ» أن بعض ملوك الكفار أخذ قوما من المؤمنين فحفر لهم أخدودا فى الأرض وأوقد فيه نارا ثم قال من لم يرجع عن دينه فألقوه فى النار فجعلوا يلقونهم فيها حتى
стр. 7514
جاءت امرأة على كتفها صبى فتقاعست من أجل الصبى. فقال الصبى يا أمه اصبرى انك على الحق فذكرهم الله تعالى فى كتابه.
وروى الأثرم عن أبى عبد الله انه سئل عن الرجل يؤسر فيعرض على الكفر ويكره عليه آله يرتد فكرهه كراهة شديدة وقال ما يشبه هذا عندى الذى أنزلت فيهم الآية من أصحاب النبى أولئك كانوا يرادون على الكلمة ثم يتركون يعملون ما شاءوا. وهؤلاء يريدونهم على الاقامة على الكفر وترك دينهم. وذلك بأن الذى يكره على كلمة يقولها ثم يخلى لا ضرر فيها (١).
مذهب الظاهرية:
الاكراه على الاسلام:
الاكراه على الكلام لا يجب به شئ وان قاله المكره بالفتح كاكراه الذمى الكتابى على الايمان لأن المكره على المكره ما هو الا حاك للفظ الذى أمر أن يقوله ولا شئ على الحاكى بلا خلاف لقول النبى ﷺ (إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى) فصح أن كل من أكره على قول ولم ينو مختارا له فانه يلزمه (٢).
الاكراه على الكفر:
من أكره على السجود لوثن أو لصليب أو لانسان وخشى الضرب أو الأذى أو القتل على نفسه أو على مسلم غيره ان لم يفعل فليسجد لله تعالى قبالة الصنم أو الصليب أو الانسان ولا يبالى الى القبلة يسجد أو لغيرها.
لأن السجود لله تعالى الى كل جهة عمدا قصدا لم يأت منه منع قال الله تعالى «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ» وانما أمرنا باستقبال الكعبة فى الصلاة خاصة. والسجود وحده ليس بصلاة وهو جائز بلا طهارة والى غير القبلة وللحائض، لأنه لم يأت نص بايجاب ذلك يدل لما قدمنا قوله تعالى «إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ ٣» كذلك اذا قال المكره ما يكفر به لم يجب بقوله شئ لأن المكره على القول ما هو الا حاك للفظ الذى أمر أن يقوله ولا شئ على الحاكى بلا خلاف.
يدل لذلك قول الرسول ﷺ «إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى» فصح أن كل من أكره على قول ولم ينوه مختارا له فانه لا يلزمه (٤).
مذهب الزيدية:
الاكراه على الاسلام:
من أفعال المكره ما يصح مع الاكراه كالاسلام (٥).
الاكراه على الكفر:
يتأول المكره بالفتح وجوبا كلمة الكفر عند تكلمه بها اذا أكرهه عليها مكره بالكسر وذلك نحو أن يضمر قلتم ان لله ثانيا أو
стр. 7515
أكرهتمونى على ذلك أو نحو ذلك من الاضمارات فلو لم يتأول هل يكفر أم لا فيه خلاف (١).
مذهب الإباضية:
الاكراه على الكفر: للمجبور المكره على الشرك أن يتلفظ بكلمة الشرك اذا كان قلبه مطمئنا بالايمان قال الله تعالى «إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ ٢» واذا لم يأخذ بالرخصة وتمسك بالعزيمة حتى قتل أو عذب حاز بذلك من الله المقام الأكمل اذ لا يلزمه الترخص. بل الترخص جائز فقط خلافا لمن أوجب التقية. يدل لذلك أن رجلين مرا على مسيلمة فأخذهما. فقال لأحدهما ما تقول فى محمد قال رسول الله ﷺ قال: ما تقول فى قال: أنت أيضا فخلاه، فقال للآخر: ما تقول فى محمد قال رسول الله قال ما تقول فى قال: أنا أصم فأعاد ثلاثا فأعاد جوابه، فقتله.
فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: أما الأول فقد أخذ الرخصة. وأما الثانى فقد صدع بالحق فهنيئا، فبهذا الدليل مصرح بأن الأخذ بالعزيمة فى الاكراه على الكفر أفضل من الترخص بالكفر ولم يعد تارك الرخصة فى هذه الصورة حتى قتل مهلكا لنفسه (٣).
الاكراه فى باب الطهارة
أولا: الوضوء:
مذهب الحنفية:
أعلم أن المانع من الوضوء ان كان من قبل العباد كأسير منعه الكفار من الوضوء أو قيل للشخص ان توضأت قتلتك جاز له التيمم ويصل بركوع وسجود ثم يعيد الصلاة اذا زال المانع (٤).
مذهب المالكية:
لو أكره الشخص فى الوضوء على التفريق بين الأعضاء كأن غسل وجهه مثلا بنية الوضوء ثم حصل له اكراه على ترك الغسل ثم زال الاكراه بنى مطلقا سواء كان الفاصل كبيرا أو يسيرا (٥).
نقض الوضوء:
القبلة على الفم تنقض الوضوء وان وقعت بكره من رجل لامرأة أو العكس بشرط أن تكون القبلة على فم من يتلذذ به عادة. وكانا بالغين أو أحدهما بالغا. وكانت لغير وداع ورحمة (٦).
مذهب الشافعية:
جاء فى الروضة. لو ألقى انسان فى نهر مكرها فنوى رفع الحدث صح وضوءه.
стр. 7516
وجاء فى شرح المهذب: قال الشيخ أبو على:
أطلق الأصحاب صحة وضوئه ولا بد فيه من تفصيل. فان نوى رفع الحدث وهو يريد المقام فيه ولو لحظة صح لأنه فعل يتصور قصده وان كره المقام وتحقق الاضطرار من كل وجه لم يصح وضوءه اذ لا تتحقق النية به (١).
نقض الوضوء:
قال الشافعى والأصحاب ﵏ ما أوجب الطهارة لا فرق فيه بين ما وجد من الشخص بتعمد واختيار وما وجد بغير تعمد واختيار كالمكره على الحديث. دليل ذلك قوله تعالى «وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا» والجنابة تكون باحتلام وغيره والاحتلام بغير قصد واختيار، ثانيا: أمر النبى ﷺ فى المذى بالوضوء. وهو يخرج بلا قصد (٢). وعلى هذا لو أكره على لمس امرأة أجنبية انتقض وضوءه.
الاحتياج لماء الطهارة:
اذا احتاج الشخص الى ماء للطهارة دون العطش ووجد الماء مع من لا يحتاج اليه فطلبه منه بيعا أو هبة أو قرضا فامتنع من ذلك. لم يجز أن يقهره على أخذه بلا خلاف. بخلاف ما اذا احتاج اليه لشدة العطش وصاحبه غير محتاج اليه فانه يقهره على أخذه لأن لماء الطهارة بدلا فيتيمم ويصلى ولا اعادة، قال أصحابنا وحيث قلنا يجوز أن يقهره فان قهره فأدى الى هلاك المالك كان هدرا لأنه ظالم يمنعه وان أدى الى هلاك المضطر كان مضمونا لأنه مظلوم (٣) لو أكره على ترك الوضوء فتيمم قال الرويانى لا قضاء. قال النووى وفيه نظر. لكن الراجح ما ذكره لأنه فى معنى من غصب ماؤه. قال الأسنوى: والمتجه خلافه لأن الغصب كثير معهود بخلاف الاكراه على ترك الوضوء (٤).
مذهب الظاهرية:
نواقض الوضوء:
كل حدث ينقض الطهارة متى وجد ولو باكراه فى الصلاة ينقض الطهارة (٥).
مذهب الزيدية:
نواقض الوضوء:
من أكره على ارتكاب ما ينقض الوضوء انتقض وضوءه (٦).
مذهب الإباضية:
نواقض الوضوء:
ينتقض الوضوء بلمس بدن أجنبية بالغة مشتهاة ولو شعرا أو سنا أو ظفرا بيد سالمة بلا حائل الا لمعالجة ولو كان اللمس بقهر أحد لهما بامساك والقاء عليه أو بالعكس (٧).
стр. 7517
ثانيا: الغسل:
مذهب الحنفية:
لو تيمم لخوف العدو بأن توعد على الوضوء أو الغسل أعاد لأن العذر أتى من غير صاحب الحق (١).
مذهب الشافعية:
لو استدخلت امرأة ذكر رجل وجب عليه الغسل وعليها سواء كان مختارا أم مكرها.
واذا أولج الرجل ذكره فى قبل امرأة أو دبرها أو دبر رجل أو خنثى أو صبى وجب الغسل سواء كان المولج فيه مختارا أو مكرها (٢) غسل الميت بطريق الاكراه يصح لأنه اكراه بحق (٣).
مذهب الحنابلة:
يجب الغسل على كل واطئ وموطوء اذا كان من أهل الغسل سواء كان فى الفرج قبلا أو دبرا من كل آدمى أو بهيمة حى أو ميت طائعا أو مكرها (٤).
مذهب الزيدية:
يجب الغسل على من أكره على الزنا (٥).
اذ الاعتبار فى وجوب الغسل بتغييب الحشفة أو قدرها من مقطوعها فى فرج امرأة أو دبرها أو دبر رجل أو فرج بهيمة أو دبرها سواء كان ذلك بطريق الاختيار أو الاكراه (٦).
مذهب الأمامية:
تحصل الجنابة بخروج المنى ولو فى حال النوه أو الاضطرار. وبالجماع وان لم ينزل من غير فرق بين الاختيار والاضطرار (٧).
ثالثا: الحيض:
مذهب الحنفية:
وط ء الحائض كبيرة من عامد مختار عالم بالتحريم الا من أكره (٨).
مذهب الشافعية:
من وطئ الحائض مكرها فلا اثم عليه ولا كفارة لحديث ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى ﷺ قال: (إن الله تجاوز لى عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) حديث حسن رواه ابن ماجة والبيهقى وغيرهما (٩).
стр. 7518
مذهب الحنابلة:
اذا وطئت المرأة فى حيضها أو نفاسها مكرهة لم يجب عليها كفارة لقوله ﵇ (عفى لأمتى عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه (١).
مذهب الإباضية:
اذا وطئ الزوج زوجته قهرا فى الحيض أو الصفرة لم يلزمها شئ ويلزمه التصدق بدينارين أحدهما عنه والآخر عنها. ويكون عليه أيضا عاصيا (٢).
الاكراه فى الصلاة
مذهب الحنفية:
المنع من الصلاة: الأسير الذى منعه العدو من الصلاة يصلى ايماء ثم يعيد (٣).
التكلم فى الصلاة يفسد الصلاة التكلم فيها ولو من مكره على ذلك أما حديث رفع عن آمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.
فمحمول على رفع الاثم (٤).
الدفع والجذب والحمل للمصلى: قال الحلبى من دفع فى صلاته أو جذبته دابته فمشى بسبب الدفع أو الجذب ثلاث خطوات متواليات من غير أن يملك نفسه فسدت صلاته. وفى البحر عن الظهيرية: ان جذبته الدابة حتى أزالته عن موضع سجوده فسدت صلاته. لو حمل رجل المصلى أثناء صلاته فوضعه على الدابة فسدت صلاته للعمل الكثير بخلاف ما لو رفعه من مكانه ثم وضعه أو ألقاه ثم قام ووقف مكانه من غير أن يتحول عن القبلة.
التحول عن القبلة: تبطل صلاة من حول عن القبلة كرها اذا كان قدر أداء ركن ولو بقى فى مكانه. وكل ما سبق من أحكام هذا المعتمد عند الحنفية.
مذهب المالكية:
لو أكره المصلى على زيادة ركن فعلى كسجدة أو كلام ولو بحرف بطلت صلاته (٥).
المنع من صلاة الجمعة: اذا منع الامام من اقامة الجمعة فاما أن يكون ذلك اجتهادا منه بأن رأى أن شروط وجوبها غير متوفرة واما أن يكون ذلك جورا. فان كان الأول وجبت طاعته ولا تحل مخالفته ولو أمنوا فان خالفوا وصلوا لم تجزهم ولا يعيدونها أبدا وان كان الثانى ففيه تفصيل فان أمنوا على أنفسهم منه وجبت عليهم والا لم تجز لهم مخالفته لكن اذا وقع ونزل أجزأتهم (٦).
стр. 7519
مذهب الشافعية:
المنع من الصلاة: من أكره على ترك الصلاة مع المنع من الايماء بها أو أكره على التلبس بما ينافيها قلة تأخيرها عن وقتها حتى يزول عذره أما من لم يكن كذلك وأمكنه الايماء برأسه وعينه أو نحو ذلك فيجب عليه الصلاة فى الوقت لحرمته ثم يعيدها بعد ذلك. دليل ذلك قول النبى ﷺ (اذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) رواه البخارى ومسلم من رواية أبى هريرة رضى الله عنه (١).
التحول عن القبلة: لو أمال شخص مصليا عن القبلة قهرا وهو يصلى على الأرض فرضا أو نفلا فعاد الى الاستقبال بعد طول الفصل بطلت صلاته بلا خلاف. أما ان عاد عن قرب فوجهان: أصحهما تبطل أيضا لأنه نادر كما لو أكره على الكلام فانها تبطل على الصحيح من القولين لأنه نادر (٢).
الاكراه على الصلاة قاعدا
أو من غير وضوء:
لو أكره أن يصلى بلا وضوء أو قاعدا وجبت الاعادة قطعا لندرة ذلك.
الاكراه على فعل يناقض الصلاة:
قال البغوى: لو أكره على فعل يناقض الصلاة بطلت صلاته لأنه نادر (٣).
هل زوال العقل بوسيلة مكره على فعلها
يسقط الصلاة:
اذا أكره الشخص على شرب مسكر فزال عقله كل الوقت فلا صلاة عليه. واذا أفاق فلا قضاء عليه بلا خلاف (٤).
الاكراه على الكلام فى الصلاة:
لو أكره الشخص على الكلام فى الصلاة بطلت فى الأظهر لندرة الاكراه فيها والثانى لا تبطل كالناسى وهذا يشعر بأن الخلاف فى الكلام اليسير وأنها تبطل بالكثير قطعا.
الاكراه على الصلاة
بغير استقبال أو بغير سترة:
لو أكره المصلى على الصلاة بغير استقبال أو بغير سترة بطلت صلاته بخلاف ما لو غصبت منه (٥).
الاكراه على ترك صلاة الجماعة:
من أعذار ترك الجماعة الاكراه على تركها (٦).
стр. 7520
مذهب الحنابلة:
الاكراه على الكلام فى الصلاة
أو زيادة عدد الركعات أو الركوع:
حمل بعض الحنابلة المكره على الكلام فى الصلاة على الناسى ودليلهم على ذلك أن النبى ﷺ جمع بينهما فى العفو بقوله ﷺ (عفى لأمتى عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) هذا تفسد صلاة لأنه أتى بما يفسد الصلاة فأشبه ما لو أكره على صلاة الفجر أربع أو على أن يركع فى كل ركعة ركوعين. ولا يصح قياسه على الناسى لوجهين.
أحدهما: أن النسيان يكثر ولا يمكن التحرز منه بخلاف الاكراه.
ثانيهما: أنه لو نسى فزاد فى الصلاة أو نسى فى كل ركعة سجدة لم تفسد صلاته ولم يثبت هذا فى الاكراه (١).
التحول عن القبلة:
اذا ترك مصلى النافلة على راحلة لا تطيعه أو فى قطار قبلته مقلوبا فهو على صلاته ويعود اليها عند زوال عذره لأنه مغلوب على ذلك فأشبه العاجز عن الاستقبال فان تمادى فى ذلك بعد زوال عذره فسدت صلاته لأنه ترك الاستقبال عمدا. لا فرق فى هذا بين جميع التطوعات فيستوى فيه النوافل المطلقة والسنن والرواتب المعينة والوتر وسجود التلاوة (٢).
مذهب الظاهرية:
ستر العورة:
من أكره على ترك ستر العورة فى الصلاة فصلاته تامة لقوله تعالى «وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ» ولقوله تعالى «لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها» ولقول الرسول ﷺ (رفع عن آمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) (٣).
التحول عن الكعبة:
استقبال جهة الكعبة بالوجه والجسد فرض على المصلى حاشا المتطوع راكبا فمن كان مقلوبا بمرض أو بجهد أو بخوف أو باكراه فتجزيه صلاته كما يقدر وينوى فى كل ذلك التوجه الى الكعبة لقوله تعالى «لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها» وقول الرسول ﷺ (اذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم (٤).
الحدث فى الصلاة:
كل حدث ينقض الطهارة متى وجد ولو باكراه فى الصلاة ما بين التكبير للاحرام لها
стр. 7521
الى أن يتم سلامه منها ينقض الطهارة والصلاة معا. ويلزمه ابتداؤها ولا يجوز له البقاء فيها سواء كان اماما أو مأموما. أو منفردا فى فرض كان أو تطوع الا أنه لا تلزمه الاعادة فى التطوع خاصة (١).
مذهب الزيدية:
المنع من الصلاة:
من أكره على ترك الصلاة وجب عليه قضاؤها (٢).
مذهب الإمامية:
يجب قطع صلاة الفريضة اذا توقف على ذلك حفظ نفسه أو حفظ نفس محترمة أو حفظ مال يجب حفظه عليه (٣).
مذهب الإباضية:
المنع من الصلاة:
يصح للمكره الترخص بترك العبادات البدنية فلو أكرهه جبار على ترك صلاة الظهر مثلا وكان قائما عليه لا يفارقه حتى مضى الوقت كان لهذا المجبور أن يترك من أركان الصلاة ما يخشى فى فعله الهلاك على نفسه ويصلى كيف أمكنه وكان ذلك عذرا له وذلك أن الترخص قد صح فى كلمة الكفر وهو هاهنا أولى، وأيضا فقد ثبت الترخص فى أمور الصلاة والصوم ونحوهما بأعذار دون الاكراه كالسفر. والمرض والخوف ونحو ذلك فثبوت الترخص فى الاكراه أولى لأنه أشد من السفر والمرض وهو نوع من أنواع الخوف الشديد فينبغى أن تثبت فيه رخص الخوف (٤).
التحول عن القبلة:
يسقط استقبال الكعبة بشدة خوف وان كان الخوف على مال أو نفس لغيره ان خاف ضمان مال الغير وذلك بحيث لو استقبل قتل أو ضرب أو أخذ المال منه أو ربط على خشبة ونحوها وقيل ينوى القبلة (٥).
الكلام فى الصلاة:
من أكره على الكلام فى الصلاة تكلم وأعاد (٦).
الاكراه فى الاعتكاف
مذهب الحنفية:
يرى الامام أن اكراه المعتكف على الخروج من المسجد مفسد للاعتكاف لأن الخروج لمرض وحيض ونسيان مفسد مع أنه من قبل من له الحق فيكون الاكراه الذى من قبل العبد مفسدا من باب أولى. وصرح فى
стр. 7522
البدائع بعدم الفساد استحسانا لأنه مضطر اليه كما نقل عن البدائع أيضا القول بعدم الفساد اذا دخل المكره بالفتح مسجدا آخر من ساعته استحسانا فقوله من ساعته صريح فى أنه على قول الامام. أما الصاحبان فيقولان: بعدم الفساد بالخروج أقل من نصف النهار بلا عذر أصلا فيكون الخروج بعذر الاكراه أولى (١).
مذهب المالكية:
لو أخر المعتكف الرجوع الى المسجد بعد زوال عذره ولو اكراها بطل اعتكافه واستأنفه (٢).
مذهب الشافعية:
لو حمل المعتكف مكرها فأخرج من المسجد لم يبطل اعتكافه لقول الرسول ﷺ (رفع عن آمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور. قال الرافعى: وقيل فى بطلانه قولان كالمكره (أى الذى أكره وخرج بنفسه). وان أكره حتى بنفسه فطريقان أصحهما فيه قولان كالاكراه على الأكل فى الصوم. أصحهما لا يبطل اعتكافه والثانى يبطل. الطريق الثانى: لا يبطل قولا واحدا.
فان زال الاكراه وتمكن من العودة فلم يعد بطل اعتكافه لأن ترك الاعتكاف من غير عذر فأشبه ما اذا خرج من غير عذر (٣).
مذهب الظاهرية:
لا يبطل الاعتكاف الخروج من المسجد بطريق الاكراه ولا المباشرة والجماع بطريق الاكراه أيضا. لأن المعتكف لم يعمد ابطال اعتكافه وقد صح عن النبى ﷺ أنه قال (رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه (٤).
مذهب الزيدية:
اذا أكره المعتكف على الخروج من المسجد انتقل الى أقرب مسجد اليه ويبنى (٥).
مذهب الإمامية:
لو خرج المعتكف من المسجد مكرها لم يبطل اعتكافه (٦).
مذهب الإباضية:
ان أكره الزوج الزوجة المعتكفة على وط ء لزمته كفارتها وقيل لا الا أن اعتكفت برأيه (٧).
стр. 7523
الاكراه فى الصيام
مذهب الحنفية:
الأكل والشراب:
اذا أوجر الصائم مكرها أفطر كذلك اذا أكل أو شرب بنفسه مكرها فانه يفسد صومه خلافا لزفر.
الجماع فى الصوم:
قال فى الفتح: كان أبو حنيفة يقول أولا فى المكره على الجماع عليه القضاء والكفارة لأنه لا يكون الا بانتشار الآلة وذلك امارة الاختيار ثم رجع وقال: لا كفارة عليه حتى ولو كان الاكراه من الزوجة وهو قولهما لأن فساد الصوم يتحقق بالايلاج وهو مكره فيه لأنه ليس كل من انتشرت آلته يجامع. وهذا هو المفتى به. وجاء فى الاختيار القول بوجوب الكفارة على الزوج والزوجة اذا كانت هى المكرهة للزوج على الوط ء (١).
العوارض المبيحة لعدم الصوم:
يعتبر الاكراه من العوارض المبيحة للفطر (٢).
مذهب المالكية:
الاكراه عذر للفطر:
الاكراه عذر مباح لأجله الفطر والمكره على الفطر لا يباح له الاستمرار فى الفطر بعد زوال الاكراه بل يجب عليه الامساك. يقضى من أفطر فى الفرض اكراها. أما المتنفل فلا قضاء ان أفطر اكراها. ولا كفارة كبرى على من أفطر مكرها (٣).
الأكل والشرب فى الصوم:
لو أكرهه غيره على الأكل أو الشرب فلا كفارة على المكره بالكسر ولا على المكره بالفتح (٤).
اكراه الزوجة والأمة على الوط ء:
يكفر الرجل عن أمة له وطئها أن أكرهها على الوط ء فى رمضان. ان كانت بالغة عاقلة مسلمة ما لم تطلبه ولو حكما بأن تتزين له فيلزمها الكفارة بالصوم ما لم يأذن لها سيدها فى الاطعام كما يكفر الزوج عن زوجته اذا كانت بالغة عاقلة مسلمة. ولو أمة ان أكرهها على الوط ء فى رمضان ولو كان عبدا وهى حرة. وتكون جناية فى رقبته ان شاء سيده أسلمه لها أو فداه بأقل القيمتين أى قيمة الرقبة أو الطعام وليس لها أن تأخذ الزوج العبد وتصوم بل متى أخذته لا بد أن تكفر بالاطعام أو العتق. كذلك اذا أخذت من
стр. 7524
سيده الأقل من القيمتين لا تكفر بالصوم لأنها لو صامت فقد أخذت العبد أو أقل القيمتين ثمنا للصوم .. وفى حالة تسليمه لها تملكه وينفسخ النكاح لكن هل تعتقه حينئذ فيصير معتقا عما لزمه فى الأصل على صومها بسبب جنايته أو لا تكفر به بل تكفر بعتق غيره أو بالاطعام قولان. واخراج الكفارة من المكره بالكسر نيابة عن كل منهما فلا يصوم عن واحدة منهما بل يكفر عن الزوجة الحرة بالاطعام أو العتق والأمة يكفر عنها السيد بالاطعام ولا يصح أن يعتق عنها اذ لا ولاء لها أما لو كانت الزوجة أو الأمة صغيرة أو كافرة أو غير عاقلة فلا كفارة على مكرهها لأنه يكفر. عنها نيابة وهى اذ كانت بصفة من هذه الصفات لا كفارة عليها فلا كفارة على مكرهها عنها. وان أعسر الزوج عما لزمه عنها. وكذلك لو فعلت ذلك مع يسره كفرت عن نفسها بأحد الأنواع الثلاثة ورجعت عليه ان لم تصم لأن الصوم لا ثمن له (١).
الاكراه على ما دون الوط ء:
لو أكره الرجل أمته أو زوجته على ما دون الجماع كالقبلة مثلا فأنزلا أو أنزلت هى لم يكفر عنها ومع ذلك لا كفارة عليها. وفى قول تجب عليه الكفارة عنها. وعلى هذا القول يجرى هنا ما سبق من أنه لو أعسر كفرت عن نفسها بأحد الأنواع الثلاثة ورجعت عليه ان لم تصم بالأقل من قيمة الرقبة ونفس كيل الطعام.
اكراه الرجل على الوط ء:
لو أكره رجل رجلا على الجماع فنفذ فالراجح أن المكره بالكسر لا يكفر عن المنفذ ومع ذلك لا كفارة عليه على المعتمد. وقيل يلزمه كفارة نفسه نظرا لانتشاره (٢).
مذهب الشافعية:
الاكراه على الأكل والشرب
والتداوى والمرأة على الجماع:
اذا أوجر الصائم الطعام قهرا أو أسقط الماء وغيره أو ربطت المرأة وجومعت فلا فطر فى كل ذلك لقول الرسول ﷺ (ومن ذرعه القئ فلا قضاء عليه) فدل على أن كل ما حصل بغير اختياره لا يجب به القضاء ولأن النبى ﷺ أضاف أكل الناس الى الله وأسقط به القضاء فدل على أن كل ما حصل بغير فعله لا يوجب القضاء. ولا خلاف عند الشافعية فى شئ من هذا. ولو أكره الصائم على أن يأكل بنفسه أو يشرب فأكل أو شرب أو أكرهت على التمكين من الوط ء فمكنت ففى بطلان الصوم به قولان أحدهما يبطل الصوم لأنه فعل ما ينافى الصوم لدفع الضرر وهو ذاكر للصوم فبطل صومه كما لو أكل لخوف أو شرب لدفع العطش. والثانى من القولين وهو الأصح لا يبطل صومه لأن الصائم بالاكراه سقط أثر فعله ولهذا لا يأثم بالأكل لأنه صار مأمورا بالاكل لا منهيا عنه فهو كالناسى بل أولى فى
стр. 7525
عدم الفطر لأنه مخاطب بالأكل لدفع ضرر الاكراه عن نفسه بخلاف الناس فانه ليس بمخاطب بأمر ولا نهى (١). نعم ان تناوله لا لأجل الاكراه كأن قصد التلذذ بالأكل أفطر وكذا لو أكره على أحد اناءين معين فأكل من الآخر. ويدخل فى الاكراه ما لو أكرهه على الزنا وما لو أخاف المكره بكسر الراء المكره بفتحها تلف عضو أو منفعة أو مشقة لا تحتمل فأكرهه على الأكل أو على الشرب فلا يفطر أيضا (٢). وان قلنا يفطر المكره فلا كفارة عليه بلا خلاف سواء أكره على أكل أو أكرهت على التمكين من الوط ء (٣).
اكراه الرجل على الجماع:
أما اذا أكره رجل على الوط ء فحكم ذلك يتوقف على الخلاف المشهور فى أنه هل يتصور اكراهه على الوط ء أم لا. فان قيل يتصور اكراهه فهو كالمكره ففى افطاره القولان السابقان. وان قيل لا يتصور اكراهه أفطر قولا واحدا. ووجبت الكفارة لأنه غير مكره.
مذهب الحنابلة:
الاكراه على الأكل والحجامة والتداوى:
لا يفسد صوم الصائم بصب شئ فى حلقه أو أنفه بطريق الاكراه كما لا يفسد صومه بحجمه كرها وكذلك تداوى مأمومته أو جائفته بغير اختياره. أما اذا أكره على شئ من ذلك بالوعيد ففعله قال ابن عقيل: قال أصحابنا لا يفطر به أيضا لقول النبى ﷺ (عفى لأمتى عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) قال: ويحتمل عندى أن يفطر لأنه فعل المفطر لدفع الضرر عن نفسه فأشبه المريض يفطر لدفع المرض ومن يشرب لدفع العطش. ويفارق الملجأ لأنه خرج بالالجاء عن حيز الفعل ولذلك لا يضاف اليه ولذلك افترقا فيما لو أكره على قتل آدمى أو ألقى عليه فقتله (٤).
أكراه المرأة على الجماع:
ان أكرهت المرأة على الجماع فلا كفارة عليها رواية واحدة. وعليها فى ظاهر المذهب قال: مهنا: سألت أحمد عن المرأة غصبها رجل نفسها فجامعها أعليها القضاء؟ قال: نعم قلت: وعليها الكفارة قال: لا.
ونقل أحمد ابن القاسم عن ابن حنبل أيضا قوله: كل أمر غلب عليه الصائم فليس عليه قضاء ولا غيره فهذه الرواية تدل على اسقاط القضاء والكفارة مع الاكراه وبذلك أيضا قال أبو الخطاب ويرى صاحب المغنى والشرح الكبير أن رواية ابن القاسم تحمل على حالة الاكراه الملجئ اذ لم يوجد فيها فعل فلا تفطر كما لو صب الماء فى حلقها بغير اختيارها.
ووجه القول الأول: أنه جماع فى الفرج فأفسد الصوم كما لو أكرهت بالوعيد، ولأن الصوم عبادة يفسدها الوط ء ففسدت به فى كل حال كالصلاة والحج (٥).
стр. 7526
أكراه الرجل على الجماع:
ان أكره الرجل فجامع فسد صومه على الصحيح لأنه اذا فسد صوم المرأة فصوم الرجل أولى أما الكفارة فقد قال القاضى أبو يعلى تجب عليه لأن الاكراه على الوط ء لا يمكن لأنه لا يطأ حتى ينتشر ولا ينتشر الا عن شهوة فهو كغير المكره. وقال أبو الخطاب: فيه روايتان أحداهما: لا كفارة عليه. لأن الكفارة اما عقوبة أو ماحية للذنب والمكره غير آثم ولا مذنب ولقول النبى ﷺ (عفى لأمتى عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) ولأن الشرع لم يرد بوجوب الكفارة فيه ولا يصح قياسه على ما ورد الشرع فيه لاختلافهما فى وجود العذر وعدمه.
والرواية الثانية: عليه الكفارة لما ذكر سابقا، أما ان كان الاكراه ملجئا مثل أن غلبت المرأة زوجها فى حال يقظته على نفسه فلا قضاء عليه ولا كفارة عند ابن عقيل لأن معنى حرمة الصوم حصل بغير اختياره فلم يفطر به. كما لو أطارت الريح الى حلقه ذبابة. ولرواية ابن القاسم عن الامام أحمد اذ يقول لكل أمر غلب عليه الصائم فليس عليه قضاء ولا غيره. وظاهر كلام الامام أحمد أن عليه القضاء لأنه قال فى المرأة: اذا غصبها رجل نفسها فجامعها علبها القضاء فالرجل أولى فاستوى فيه حالة الاختيار والاكراه كالحج. ولا يصح قياس الجماع على غيره فى عدم الافساد لتأكده بايجاب الكفارة وافساده للحج من بين سائر محظوراته وايجاب الحد به اذا كان زنا. وقد سبق التوفيق بين روايتى أحمد (١).
مذهب الظاهرية:
الاكراه على الأكل والجماع:
لا ينقض الصوم بالاكراه على ما ينقضه فان أكره على الفطر ووطئت امرأة صائمة مكرهة فصوم كل من المكره بالفتح تام صحيح لا داخله فيه ولا شئ عليهما كذلك اذا وطئت امرأة نائمة أو صب فى حلقه ماء وهو نائم اذ النائم والنائمة مكرهان بلا شك غير مختارين لما فعل بهما (٢).
مذهب الزيدية:
الاكراه على الأكل والشرب والجماع:
من أوجر ماء بغير فعله ولا سببه كفتح فيه لم يفسد صومه لدخوله بغير اختياره ولو جومعت مكرهة. من دون أن يكون منها تمكين ولا استطاعة للمدافعة ولا سبب لم يبطل صومها.
أما لو دخلت قاصدة للوط ء ثم أكرهت على وجه لم يبق لها فعل ولا تمكين فانه يفسد صومها لأن السبب كالفعل (٣). ولو أفطر بأى أسباب الافطار وكان فى تلك الحال مكرها على ذلك فانه يفسد صومه اذا وقع الافطار بفعله كالازدراد أو فعل سببه كفتح فيه. أما لو أكره
стр. 7527
على وجه لم يبق له فعل لم يفسد صومه كما تقدم.
الاكراه مرخص للفطر:
من الأمور المرخصة لفطر الصائم الاكراه على الفطر وذلك بأن يتوعده من هو قادر على انفاذ ما توعده به بأن يحبسه أو يضربه.
أو يضره ضررا مجحفا ان لم يفطر فانه حينئذ يجوز له الافطار.
واختلف فى حد الاحجاف فقال محمد بن سليمان أن يخشى التلف فقط لأن هذا اكراه على فعل محظور. وهو لا يباح بالاكراه الا أن يخشى المكره التلف.
قال محمد بن يحيى: بل المراد بالاجحاف هنا خشية الضرر فمتى خشى من القادر الاضرار به جاز له الافطار لأنه ترك واجب، وهذا هو الأقوى وهو الذى يقتضيه كلام الأزهار (١).
هل يرجع المكره بالكفارة على المكره:
اذا أكره الصائم على الافطار ثم عجز عن القضاء وكفر هل يرجع بالكفارة؟.
قيل: يرجع وقيل: لا يرجع (٢).
مذهب الإمامية:
الاكراه على الجماع:
لا يبطل الصوم بالجماع اذا كان مكرها بحيث خرج عن اختياره وفرض القهر فى الجماع انما يستقيم فى المرأة دون الرجل بحسب العادة. واذا كان الجماع جبرا ثم ارتفع الجبر وجب الاخراج فورا فان تراضى بطل صومه.
الاكراه على الأكل والشرب:
اذا كان الفعل المفطر واقعا على الشخص الصائم بلا ارادة منه أصلا كما لو أوجر فى حلقه أو رمس رأسه فى الماء ونحو ذلك فهذا هو ضابط المقهورية والخروج عن الفطر واذا ارتفع القهر وجب عليه المبادرة الى الخروج عما قهر عليه والا بطل صومه. واذا كان الفعل يصدر عنه بارادته لكن يحمله عليه من لا مناص له عن اتباعه فهذا هو ضابط الاكراه المسوغ للفظ ويلزمه القضاء (٣).
اذا أفطر الصائم تقية من ظالم بطل صومه. روى سماعة عن أبى بصير قال:
سألت أبا عبد الله عن المرأة تقضى صوم شهر رمضان فيكرهها زوجها على الافطار فقال:
لا ينبغى أن يكرهها بعد زوال الشمس (٤).
مذهب الإباضية:
الاكراه مرخص للفطر:
جوز الأكل والشرب لمكره حاضر، ويعيد من أكل مكرها على الأكل وقيل لا. ومن دخل صوم تطوع وأكره على الفطر فلا قضاء عليه (٥).
стр. 7528
الاكراه على الطعام والجماع:
من أدخل فى فيه ماء أو طعام باكراه فلا بأس عليه ان وصل جوفه بعد جهده أى بعد تعبه فى الامتناع والكراهة ولا يفسد يومه. ولا يجامع ان أكره على جماع. وقيل يجوز أن يجامع وينتقض يومه وقيل ما مضى بالجماع اكراها اتفاقا، ولمكرهة على وط ء ولو زنا بدل يومها وقيل لا. وعلى مكرهها بزنا أو غيره ما على مفسد رمضان عمدا (١).
اكراه الصائم قضاء على الفطر:
ان أكل قاض باكراه فسد قضاؤه ولا يعذر فى القضاء بما يعذر به من عذر فى رمضان كاكراه وقيل هو مثله. فلا يفسد بالأكل باكراه (٢).
الاكراه فى الزكاة
مذهب الحنفية:
أخذ الساعى الزكاة من صاحبها كرها لا يسقط الفرض عنه فى الأموال الباطنة (٣).
بخلاف الظاهرة (٤) وفى مختصر الكرخى: اذا أخذها الامام كرها فوضعها موضعها أجزأ لأن له ولاية أخذ الصدقات فقام أخذه مقام دفع المالك. وفى القنية فيه أشكال لأن النية فيه شرط ولم توجد منه. ويرى البعض من الحنفية أن الساعى لو أخذها كرها لم تقع زكاة لكونها بلا اختيار لكن يجبر بالحبس ليؤدى بنفسه لأن الاكراه لا ينافى الاختيار (٥). اذا أكره الرجل بوعيد تلف أو حبس على اخراج ما وجب عليه لله من صدقة ففعل ولم يأمره المكره بالفتح باخراج شئ بعينه لم يضمن المكره بالكسر ويجزى عن الرجل ما فعل لأن المكره بالكسر ومحتسب حين لم يزد على أمره باسقاط الواجب والوفاء بما التزمه وقد قال الله تعالى «وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ» فان أوجب شيئا بعينه على نفسه صدقة فى المساكين فأكره بحبس أو قيد على أن يتصدق بذلك جاز ما صنع منه ولم يرجع على المكره بشئ لأن الوفاء بما التزمه مستحق عليه شرعا كما التزمه فاذا التزم التصدق بالعين كان عليه الوفاء به فى ذلك العين والمكره ما زاد فى أمره على ذلك فلا يرجع عليه بشئ.
كذلك صدقة الفطر لو أكره عليها رجل حتى فعلها أجزأه ولم يرجع على المكره بشئ لأن ذلك واجب عليه شرعا. اذا كان هناك رجل عنده خمس وعشرون بنت مخاض فحال عليها الحول فوجب فيها ابنة مخاض وسط فأكره بوعيد قتل على أن يتصدق على المساكين بابنة مخاض جيدة غرم المكره فضل قيمتها على قيمة
стр. 7529
الوسط لأنه ظالم له فى الزام هذه الزيادة وقد جازت الصدقة عن المتصدق فى مقدار الوسط فلا يغرم المكره ذلك لأن هذا ليس بمال الربا فيمكن تجويز بعضه عن كله ألا ترى أنه لو تصدق بنصف أبنة مخاض جيدة فبلغ قيمته قيمة ابنة مخاض وسط أجزأة عن الواجب فلهذا لا توجب على المكره الا ضمان الفضل بينهما (١). لو أكره الرجل على أن يقول ان قربت زوجتى فمالى صدقة فى المساكين فتركها أربعة أشهر فبانت ولم يدخل بها أو قربها فى الأربعة أشهر فلزمته الصدقة لم يرجع على المكره بالكسر بشئ.
لأنه ان قربها فقد خالف ما أمر به المكره وان لم يقربها فقد كان متمكنا من أن يقربها فى المدة ويلزمه بالقربان صدقة فيما بينه وبين ربه من غير أن يجبره السلطان عليها. ولهذا لا يرجع على المكره بالكسر بشئ وهو فى المعنى نظير ما لو أكرهه على النذر بصدقة ماله فى المساكين (٢).
مذهب الشافعية:
اذا امتنع رب المال عن دفع الزكاة للامام فأخذها منه قهرا. فان نوى رب المال أداء الزكاة حال الأخذ أجزأه ظاهرا وباطنا وان لم ينو الامام وهذا لا خلاف فيه كما سبق فى حال الاختيار وان لم ينو رب المال نظر ان نوى الامام اجزأه فى الظاهر فلا يطالب ثانيا. وهل يجزئه باطنا فيه وجهان مشهوران فى طريقة الخراسانيين أصحهما يجزئه وهو ظاهر كلام المصنف وجمهور العراقيين وتقام نية الامام مقام نيته للضرورة كما تقدم فى نية ولى الصبى والمجنون والسفيه قام بنيته للضرورة وان لم ينو الامام أيضا لم يسقط الفرض فى الباطن قطعا. وهل يسقط فى الظاهر؟ فيه وجهان مشهوران أيضا الأصح لا يسقط ذكره البغوى وآخرون (٣).
مذهب الحنابلة:
قال الخرقى: اذا أخذ الامام الزكاة من الانسان قهرا اجزأته من غير نية. واختار أبو الخطاب وابن عقيل: أنها لا تجزئ فيما بينه وبين الله الا بنية رب المال لأن الامام اما وكيله. واما وكيل الفقراء أو وكيلهما معا وأى ذلك كان فلا تجزئ نيته عن نية رب المال ولأن الزكاة تجب لها النية فلا تجزئ عمن وجبت عليه بغير نية ان كان من أهل النية كالصلاة وانما أخذت منه مع عدم الأجزاء حراسة للعلم الظاهر كالصلاة يجبر عليها ليأتى بصورتها ولو صلى بغير نية لم يجزئه عند الله تعالى.
قال ابن عقيل: ومعنى قول الفقهاء: يجزئ عنه أى فى الظاهر بمعنى أنه لا يطالب بها ثانيا (٤).
مذهب الزيدية:
لا يقتل تارك الزكاة بل يكره على أدائها (٥).
стр. 7530
مذهب الإمامية:
اذا أخذ الحاكم الزكاة من الممتنع كرها يكون هو المتولى للنية وظاهر كلامهم الأجزاء وهو الأقوى ولا يجب على الممتنع بعد ذلك شئ وانما يكون عليه الاثم من حيث امتناعه (١).
مذهب الإباضية:
ليس على مقهور عقد ولا عهد أى فى شئ ما فلا يلزمه ما اكره عليه من صدقة (٢) لقوله ﷺ (ليس على مكره عقد ولا عهد. وقيل مضى ولا يقبل بيانها).
الاكراه فى الحج والعمرة
مذهب الحنفية:
اذا اكره الرجل بوعيد تلف أو حبس على حج أو هدى أو بدنة وجب عليه لله تعالى.
ففعل ذلك ولم يأمره المكره بالكسر بشئ بعينه فلا ضمان على المكره ويجزى عن الرجل ما فعله لأن المكره محتسب حين لم يزد على أمره باسقاط الواجب والوفاء بما التزمه وقد قال الله تعالى «وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ» فان أوجب شيئا بعينه على نفسه من هدى أو بدنة فأكره بحبس أو قيد على أن يفعل ذلك المعين جاز ما صنع منه ولم يرجع على المكره بالكسر بشئ لأن الوفاء بما التزمه مستحق عليه شرعا كما التزمه فاذا التزم بذلك المعين كان عليه الوفاء به فى ذلك العين والمكره ما زاد فى أمره على ذلك فلا يرجع عليه بشئ (٣). والواجب دم على محرم بالغ أكره على فعل محظور من محظورات الاحرام التى يجب على فعلها دم فلا أثر للاكراه فى مثل ذلك كما اذا أكره على طيب عضوا أو ستر رأسه يوما كاملا أو ليلة كاملة (٤). ولو أكره محرم على قتل صيد غير صيد الحرم فأبى حتى قتل كان مأجورا عند الله تعالى لأنه من حقوق الله وهو ثابت بنص القرآن. قال تعالى «لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ» فكان الامتناع عزيمة واباحة قتل الصيد رخصة عند الضرورة فان ترخص بالرخصة كان فى سعة من ذلك وان تمسك بالعزيمة فهو أفضل له فان قتل المكره بالفتح الصيد فلا شئ عليه قياسا - لأنه صار آلة للمكره بالالجاء التام فينعدم الفعل فى جانبه - ولا على الآمر - أما فى الاستحسان فعلى القاتل الكفارة ولا شئ على الآمر لأنه حلال اذ لو باشر قتل الصيد بيده لم يلزمه شئ فكذلك اذا اكره عليه غيره. ووجه الاستحسان أن قتل الصيد منه جناية على احرامه وهو بالجناية على احرام نفسه لا يصلح أن يكون آلة لغيره. أما ان كان محرمين فعلى كل كفارة. ولو توعده بالحبس وهما محرمان ففى القياس تلزم الكفارة القاتل فقط لأن قتل الصيد فعل ولا أثر للاكراه بالحبس فى الأفعال. أما فى الاستحسان فعلى كل الجزاء أما على القاتل فلا يشكل وأما على المكره بالكسر