← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

فإنه لا عذر لها فنقص التسليم منسوب إليها. ونقل ابن عابدين عن الهندية أن الأمة إذا سلمها السيد لزوجها ليلا فقط فعلى السيد نفقة النهار وعلى الزوج نفقة الليل، وقياس المحترفة كذلك. ثم قال ابن عابدين: إن له منعها من الغزل وكل عمل ولو قابلة ومغسلة. فان عصته وخرجت بلا أذنه كانت ناشزة ما دامت خارجة، وان لم يمنعها لم تكن ناشزة. مذهب المالكية: جاء فى متن خليل والشرح الكبير (١): «تجب النفقة لممكنة من نفسها مطيقة للوط ء بلا مانع بعد أن دعت هى أو مجبرها (أى من له حق إجبارها على الزواج) أو وكيلها للدخول»، وعلق الدسوقى على ذلك نقلا عن ابن سلمون بقوله: ان الممكنة هى التى لا تمتنع من الوط ء إذا طلبت، بوأها زوجها معه بيتا أم لا. وقال الدردير: إن النفقة لا تجب لغير ممكنة، أو التى لم يحصل منها أو من وليها دعاء، أو حصل قبل مضى زمن يتجهز فيه كل منهما، ولا لغير مطيقة، ولا مطيقة بها مانع كرتق إلا أن يتلذذ بها مع علمه بالمانع. ثم قال (٢): ولها الامتناع من أن تسكن مع أقاربه كأبوية، إلا الوضيعة فليس لها الامتناع من السكنى معهم، وكذا الشريفة إن اشترطوا عليها سكناها معهم. وعلق الدسوقى على ذلك بقوله إن لها حق الامتناع ولو بعد رضاها بسكناها معهم ولو لم يثبت الضرر لها بمشاجرة ونحوها. ثم قال: والظاهر أنه ليس لها الامتناع من السكنى مع خدمه وجواريه. وقال بعضهم: أن لها الامتناع من السكنى معهم ولو لم تحدث بينها وبينهم مشاجرة بدليل تعليل ابن رشد وغيره عدم السكنى مع أهله بقولهم لما عليها من الضرر باطلاعهم على أمرها وما تريد أن تستره عنهم من شأنها. وقالوا (٣): إن النفقة تسقط ان منعت زوجها الوط ء أو الاستمتاع بدونه فتسقط نفقتها عنه فى اليوم الذى منعته فيه من ذلك، وكذلك إذا خرجت من محل طاعته بلا إذن ولم يقدر على ردها بنفسه أو رسوله أو حاكم ينصف، وهذا إن لم تكن حاملا وإلا فلها النفقة وإن خرجت. وقيد الدسوقى الخروج المسقط للنفقة بما إذا كانت ظالمة فى ذلك الخروج لا ما إذا كانت مظلومة، ولا حاكم ينصفها.

стр. 807

ثم قال: أن الهاربة خفية لمكان مجهول تسقط نفقتها، ولو قدر على ردها أو علم بمكانها. ويقول ابن رشد (١): إن هناك اختلافا فى شأن الزوج غير المبالغ هل تجب عليه النفقة، وسبب اختلافهم هل النفقة لمكان الاستمتاع أو لمكان أنها محبوسة على الزوج كالغائب والمريض. وجاء فى المدونة (٢): إن مالكا يقول فى المريضة إذا دعته للدخول بها، وكان مرضها لا يمنع من الجماع فان النفقة لازمة للزوج، أما إذا كان لا يقدر على جماعها فى المرض فدعت إلى البناء بها وطلبت النفقة فان لها ذلك. وقال مالك فى الأمة (٣): ان لها النفقة وان كانت تبيت عند أهلها. وقال الدردير (٤): فى المطلقة: إن المطلقة رجعيا لا تسقط نفقتها مطلقا، والبائن تسقط نفقتها إن لم تحمل، على تفصيل فيما يجب من أنواع النفقة، على ما يتبين فى مصطلح «نفقة». وقال خليل والدردير (٥): ان المرأة ان حبست فى دين فلا تسقط نفقتها لأن المنع من الاستمتاع ليس من جهتها وكذلك ان حبسته هى فى دين لها عليه لاحتمال أن يكون معه مال أخفاه فيكون متمكنا من الاستمتاع بأدائه لها، ولو حبسه غيرها لم تسقط بالأولى، وكذلك إذا حجت الفرض لا تسقط نفقتها ولو بغير أذنه أو حجت تطوعا بإذنه ولها نفقة الحضر. مذهب الشافعية: جاء فى الإقناع على متن أبى شجاع (٦): إن النفقة واجبة للزوجة الممكنة نفسها تمكينا تاما لأنها سلمت ما ملك عليها فيجب ما يقابله من الأجرة لها ولا تجب بمجرد العقد لأنه ﷺ تزوج عائشة وهى صغيرة ودخل بها بعد سنتين ولم ينقل أنه أنفق عليها قبل الدخول، ولو كان حقا لها لساقه أليها، ولو وقع لنقل. وعلل البجرمى فقال: إن النفقة دائرة مع التمكين وجودا وعدما. ويقول الخطيب: فإن لم تعرض عليه زوجته مدة مع سكوته عن طلبها ولم تمتنع فلا نفقة لها لعدم التمكين، وان عرضت عليه وهى عاقلة بالغة مع حضوره فى بلدها كأن بعثت إليه تخبره أنى مسلمة نفسى اليك، فاختر أن آتيك حيث شئت أو تأتى إلى وجبت نفقتها من حين بلوغ الخبر، ولو اختلف الزوجان فى التمكين، فقالت مكنت فى وقت كذا فأنكر ولا بينة صدق بيمينه لأن الأصل عدمه (٧). وعلق البجرمى على قول الخطيب «أن النفقة واجبة للزوجة الممكنة» فقال: ان

стр. 808

الممكنة تصدق بالمسلمة والذمية والأمة ويخرج بها غير الممكنة فلا نفقة لها. ثم قال (١): إن عدم التمكين يحصل بأمور منها: النشوز، ومنها الصغر بخلاف الكبيرة اذا كان زوجها صغيرا فلها النفقة، ومنها العبادات التى تمنع التمكين، فإذا أحرمت بحج أو عمرة بغير إذنه وهى فى البيت فلها النفقة ما لم تخرج، لأنه قادر على تحليلها أو بإذنه فان لم يخرج معها فلا نفقة لها، وكذا إذا صامت تطوعا بغير اذنه أو امتنعت من الإفطار فليس لها النفقة. ويقول: إذا نشزت بعض النهار سقطت جميع نفقة ذلك اليوم، وإذا نشزت بعض الليل سقطت نفقة اليوم الذى بعده. ثم قال: إن التمكين غير التام يسقط النفقة كما اذا كانت صغيرة لا تطيق الوط ء ولو تمتع بالمقدمات وما إذا كانت أمة مسلمة له نهارا لا ليلا أو العكس أو فى نوع من التمتع دون الآخر. وقالوا فى زوجة المعسر الذى أمهله الحاكم بالنفقة أن لها الخروج لتحصيل نفقة بكسب أو سؤال، وعليها رجوع لمسكنها ليلا لأنه وقت الدعة وليس لها منعه من التمتع. وفى نهاية المحتاج (٢): أن النفقة تسقط بالنشوز ولو بحبسها ظلما أو حقا وإن كان الحابس هو الزوج وبالأولى تسقط لو حبسته ولو بحق للحيلولة بينه وبينها. وقال (٣): أن المرض الذى يضر معه الوط ء والحيض أيضا عذر فى عدم تمكينها من الوط ء فتستحق المؤن. قال: والخروج من البيت الذى رضى بإقامتها فيه ولو بيتها أو بيت أبيها بلا أذن منه ولا ظن رضاه نشوز، الا أن يشرف على الانهدام، أو الخروج لقاض لطلب الحق أو تعلم أو استفتاء ان لم يفتها زوجها أو المحرم، أو يخرجها معتد ظلما فليس بنشوز وتستحق النفقة. وقال (٤): وتجب النفقة للمطلقة رجعيا حرة أو أمة ولو حاملا لبقاء حبس الزوج وسلطنته والبائن لا نفقة لها. مذهب الحنابلة: يقول ابن قدامه (٥) فى باب عشرة النساء: إذا تزوج امرأة فطلب تسليمها إليه وجب ذلك وان عرضت نفسها عليه لزمه تسلمها ووجبت نفقتها وإن طلبها فسألت الأنظار أنظرت مدة جرت العادة أن تصلح أمرها فيها: ثم أن كانت حرة وجب تسليمها ليلا ونهارا وان كانت أمة لم يلزم تسليمها إلا بالليل لأنها مملوكة عقد على إحدى منفعتيها فلم يلزم تسليمها فى غير وقتها، وعلل ذلك (٦) فى موضع آخر بأن النفقة فى مقابلة

стр. 809

التمكين وقد وجد منها بالليل فتجب النفقة على الزوج فيه فقط. ثم قال: وللزوج منعها من الخروج من منزله إلى ما يمكن الاستغناء عنه ولو لزيارة الوالدين أو عيادتهما أو حضور جنازة أحدهما ولا يجوز لها الخروج إلا بإذنه ولكن لا ينبغى للزوج منعها من عيادة الوالدين وزيارتهما .. وان كانت مسلمة فقال القاضى له منعها من الخروج الى المسجد. وقال (١): وإذا رضيت بالمقام مع الزوج وهو معسر لم يلزمها التمكين من الاستمتاع وعليه تخلية سبيلها لتكتسب لها وتحصل ما تنفقه على نفسها لأن فى حبسها بغير نفقة اضررا بها ولو كانت موسرة أيضا وهو معسر لم يكن له حبسها لأنه إنما يملك حبسها اذ كفاها المئونة وأغناها ما لا بد لها منه، ولحاجته إلى الاستمتاع الواجب عليها فإذا انتفى الأمران لم يملك حبسها. ويقول (٢): إن المرأة تستحق النفقة علي زوجها بشرطين: أحدهما: أن تكون كبيرة يمكن وطؤها فان كانت صغيرة لا تحتمل الوط ء فلا نفقة لها لأن النفقة تجب بالتمكين من الاستمتاع ولأن من لا تمكن الزوج من نفسها لا يلزم الزوج نفقتها. الثانى: أن تبذل التمكين التام من نفسها لزوجها فإن منعت نفسها أو منعها أولياؤها أو تساكنا بعد العقد فلم تبذل ولم يطلب فلا نفقة لها وان أقاما زمنا واستدل بحديث عائشة السابق. ثم قال: ولأن النفقة تجب فى مقابلة التمكين المستحق بعقد النكاح، ولو بذلت تسليما غير تام لم تستحق النفقة إلا إذا كانت اشترطت ذلك فى العقد وتجب لها النفقة وإن غاب الزوج بعد تمكينها لأنها استحقتها بالتمكين ولم يوجد ما يسقطها، وأن غاب قبل تمكينها فلا نفقة لها عليه. وإذا مكنت وزوجها صغير أجبر وليها على نفقتها من مال الصغير وأن بذلت الرتقاء أو الحائض أو المهزولة التى لا يمكن وطؤها أو المريضة تسليم نفسها لزمه نفقتها لأنه لا تفريط من جهتها (٣). وللمرأة أن تمنع نفسها حتى تتسلم صداقها وإذا سافرت بغير إذنه سقطت نفقتها، وكذلك اذا انتقلت من منزله بغير إذنه وأن سافرت بإذنه فى حاجته فهى على نفقتها، وان كانت حاجة نفسها سقطت نفقتها لأنها فوتت التمكين لحظ نفسها إلا أن يكون مسافرا معها متمكنا من الاستمتاع بها، سواء كان سفرها لتجارة أو حج تطوع أو زيارة وان أحرمت بالحج الواجب أو العمرة الواجبة فى الوقت الواجب من الميقات فلها النفقة لأنها فعلت الواجب عليها بأصل الشرع فلم تسقط نفقتها كما لو صامت رمضان.

стр. 810

والقياس أن الاعتكاف بغير إذن كالسفر وان كان بإذنه فلا نفقة لها أيضا على قول الخرقى: وقال القاضى: لها النفقة. وقال ابن قدامه (١): اذا طلق امرأته طلاقا بائنا فان كانت حاملا استحقت النفقة وإن كانت حائلا فلا نفقة لها على خلاف فى السكنى، والمطلقة رجعيا لها النفقة. مذهب الظاهرية: يقول ابن حزم (٢): على الزوج كسوة الزوجة ونفقتها مذ يعقد النكاح صغيرة كانت أو كبيرة دعى إلى البناء أو لم يدع نشزت أو لم تنشز حرة كانت أو أمة بوأت معه فى بيت أو لم تبوأ. مذهب الزيدية: يقول صاحب البحر الزخار (٣): تسلم البالغة نفسها تسليما تاما لا فى جهة دون أخرى، فإن قالت لا أسلم نفسى إلا فى هذا المكان أو بشرط ألا تكشف ثيابي فنشوز مسقط للنفقة، فإن عقد فلم يطالب ولا سلمت نفسها مدة فالمذهب وجوبها. وقال الامام يحيى: ان تسليم الولى للبالغة الكارهة لا يوجب لها شيئا اذا لم يسلمها اذ لا ولاية للولى فى مالها، فإن أرادت تسليم نفسها للغائب أعلمت الحاكم فراسله وفرض لها بعد صحة تمرده، فإن عاقه عن تسلمها عائق فى سفره فلا نفقة لها حتى يتسلمها. وإذا أسلمت المراهقة نفسها أو وليها فكالكبيرة، فان امتنعا فالقياس يقتضى كونه نشوزا. وقال الإمام يحيى فى غير المراهقة ان تسليمها كلا تسليم، وإن صلحت وفى ذلك خلاف فى المذهب، وعليه نفقة الطفلة التى لا تصلح خلافا لبعضهم لأنها محبوسة من أجله غير ممتنعة كالمريضة وتلزم النفقة الصغير فى ماله. وقال الإمام يحيى: يحتمل ألا تجب إذ لا تمكين. قلنا العذر من جهته كما لو هرب وخروجها بغير إذنه مسقط للنفقة فإن خرجت بإذنه لحاجته وجبت. وجاء فى البحر أيضا فى الموضوع: وإذا امتنعت لتسليم المهر فلها النفقة إجماعا، وإذا نشزت ثم طلقت فلا نفقة للعدة ما لم تتب. وفى موضع آخر (٤): ولا يلزم السيد تسليم أمته لزوجها نهارا لملكه استخدامها فان فعل لزمت نفقتها لتمام التسليم. وقال الإمام يحيى: يحتمل إن يلزمها نصفها بتسليم الليل وتسقط نفقتها بالإحرام بغير إذنه، فان صامت بإذنه لم تسقط وله منعها من التطوع، فان صامت بعد منعه فناشزة وإن لم تخرج من المنزل. مذهب الشيعة الجعفريه: تجب نفقة الزوجة بالعقد الدائم بشرط التمكين الكامل (٥)، وهو أن تخلى بينه

стр. 811

وبين نفسها قولا وفعلا فى كل زمان ومكان يسوغ فيه الاستمتاع. فلو بذلت فى زمان دون زمان أو مكان دون مكان وكان كل من الزمان والمكان يصلح للاستمتاع فيه فلا نفقة لها. ثم قال: وحيث كان مشروطا بالتمكين فلا نفقة للصغيرة التى لم تبلغ سنا يجوز الاستمتاع بها بالجماع على أشهر القولين لفقد الشرط وهو التمكين من الاستمتاع، ولو كانت كبيرة ممكنة والزوج صغيرا وجبت النفقة لوجود المقتضى وانتفاء المانع لأن الصغر لا يصلح للمنع. ولا نفقة للناشزة الخارجة عن طاعة الزوج ولا للساكنة بعد العقد ما لم تعرض التمكين عليه بأن تقول: سلمت نفسى إليك فى أى مكان شئت، ونحو ذلك وتعمل بمقتضى قولها حيث يطلب، ومقتضى ذلك أن التمكين الفعلي خاصة غير كاف. مذهب الإباضية: جاء فى النيل وشرحه (١): «لا يلزم الزوج حق البكر، كنفقتها، وهى التى لها أب لتعلق حقوقها به حتى يجلبها، أى يتسلمها الزوج، أو يقول له أبوها اجلبها أو تجئ إليه على ألا ترجع إلى أبيها أو أمسكها وإن لم يكن لها أب كذلك، ولو كانت ثيبا لزمت حقوقها من حين العقد. وإن ترك الزوج جلبها، أى أخذها، تهاونا بها لزمه نفقتها وكسوتها وسكناها ومؤونتها ولو لم تطلب الجلب. ثم قال: ان المجئ إلى زوجها حق عليها فلا يلزمه كراء الدابة أو السفينة ونحو ذلك للقدوم عليه من غيبتها. وجاء فيه (٢): إن الزوجة إن مضت لواجب حج لزمته نفقتها فى الرجوع وقيل فى الذهاب، والصحيح أنها لا تلزم فى الذهاب لأن الحج فرض عليها وليس فى ذهابها إليه حق لزوجها لأنها فارقته بالسفر بخلاف الرجوع فانه رجوع إلى حقوقه بعد الذهاب عنها وبخلاف ما إذا كان الحج نفلا فإن إذنه لها فيه ترك لحقوقه عليها ما لم ترجع لا لحقوقها عليه ما أمكنت فلا تبطل نفقتها وكسوتها. ثم قال: إن حقوقها لازمة فى حيضها ونفاسها وفى نهار رمضان مع انه ممنوع من وقاعها، مع انه لو منعت امرأة زوجها من وقاعها وأباحت المقدمات لأبطلت حقوقها. وقال (٣): وإن سافر معها لزمه كراء الدابة وسائر حقوقها الممكنة فى السفر ذهابا ورجوعا. ثم قال (٤): وإن حبست فى تعدية (بسبب اعتداء) فعليه مؤونتها، ولها أن تطلبه أن يأتيها فى الحبس وأن تغلق الباب عليه معها، وإن حبست فى تعدية منها. فكانت محبوسة على الحق أو من الحابس أو من غيره فتكون محبوسة على غير الحق فعليه مؤنتها لأنها إن حبست على الحق فليست تعديتها مبطلة لحقها لأن له

стр. 812

أن يأتيها فى الحبس وإن حبست على غير حق فذلك مصيبة لا يبطل بها حقها ولكن له فيما بينه وبين الله على حابسها على غير حق مثل ما أنفق عليها لأنه عطلها عن محله ولو كان يجد الدخول إليها، ألا ترى أنه لا حق لها إذا أبت الجلب إلى بيته ولو أباحت له الدخول إليها فى بيتها. وقال (١): أنه تلزم الزوج نفقة المطلقة الرجعية وكسوتها وسكناها فى العدة والحامل التى طلقت ثلاثا أو بائنا لها نفقة فقط حتى تضع، ووجه ذلك أنه شغل بطنها بالحمل وقد يمنعها الحمل من الاكتساب أو بعضه. احتجام التعريف به جاء فى القاموس: المحجم والمحجمة ما يحتجم به وحرفته الحجامة ككتابه واحتجم طلبها ومثله فى المنجد غير أن المقصود هنا بالاحتجام هو قبول الفعل الذى تعبر عنه اللغة بالحجم ووقوعه فى جسده برضاه. حكم الاحتجام عبارات الفقهاء فى الفروع التى تناولوا فيها الاحتجام فى أبواب الفقه كاحتجام الصائم والمتوضئ والمحرم تفيد إباحة الاحتجام فى كل حال إلا أن يترتب عليه ضرر وسيتبين ذلك مما نورده بعد فى هذه الفروع. احتجام المتوضئ مذهب الحنفية: قال الإمام السرخسى فى المبسوط (٢): الحجامة توجب الوضوء وغسل موضع المحجمة عندنا خلافا للشافعى لأن الوضوء واجب بخروج النجس فإن توضأ ولم يغسل موضع المحجمة فإن كان أكثر من قدر الدرهم لم تجزه الصلاة وان كانت دون ذلك أجزأت. مذهب المالكية: جاء فى الشرح الكبير (٣): ان نقض الوضوء يحصل بحدث وهو الخارج المعتاد قال وخرج بالمعتاد ما ليس معتادا كدم وقيح ان خرجا خالصين من الأذى. وعلق الدسوقى فى حاشيته على قول الدردير: ان خرجا خالصين من الأذى، فقال إنهما لو لم يخلصا من الأذى لنقض المخالط لهما. وبين الصفتى (٤) الأذى فقال: أما الدم والقيح فإن خرج معهما عذرة أو بول انتقض الوضوء وإن خرجا خالصين من ذلك فلا نقض، وما نقلناه عن المالكية يفيد بعمومه أن دم الحجامة لا ينقض الوضوء لخلوصه من الأذى المذكور.

стр. 813

مذهب الشافعية: قال الخطيب فى الإقناع (١): لا ينتقض الوضوء بالنجاسة الخارجة من غير الفرج كالفصد والحجامة لما روى أبو داود بإسناد صحيح أن رجلين من أصحاب النبى ﷺ حرسا المسلمين فى غزوة ذات الرقاع فقام أحدهما يصلى فرماه رجل من الكفار بسهم فنزعه وصلى ودمه يجرى. وعلم النبى ﷺ به ولم ينكره. مذهب الحنابلة: قال ابن قدامه (٢): إن الخارج من البدن من غير السبيل ينقسم طاهرا ونجسا، فالطاهر لا ينقض الوضوء والنجس ينقض الوضوء فى الجملة رواية واحدة. وهذا القول بعمومة يتناول دم الحجامة فهم يوافقون الأحناف فى وجوب الوضوء منه. مذهب الظاهرية: يقول ابن حزم الظاهرى (٣) لا ينتقض الوضوء برعاف ولادم سائل من شئ من الجسد ولا بحجامة ولا فصد. وبرهان ذلك أنه لم يأت قرآن ولا سنة ولا اجماع بايجاب وضوء فى شئ من ذلك. مذهب الزيدية: يروى صاحب البحر الزخار (٤): إن الدم السائل ينقض الوضوء، ورد على من نفى ذلك محتجا بأن النبى ﵊ احتجم وصلى، بأن القول أقوى من الفعل فى الدلالة على التشريع، والسنة القولية التى استدل بها الزيديه على نقض الوضوء بالحجامة هى ما روى عن تميم الدارى عن رسول الله أنه قال الوضوء من كل دافق سائل: مذهب الشيعة الجعفرية: حصر صاحب المختصر النافع نواقض الوضوء فى البول والغائط والريح المعتاد. والنوم الغالب على الحاستين السمع والبصر، وعلي الاستحاضة القليلة، وزاد صاحب الروضة (٥): ما يزيل العقل من جنون وسكر ومن هذا يتبين عدم النقض عندهم بالحجامة وما شبهها. مذهب الإباضية: جاء فى متن النيل (٦): «وفى النقض بدم مرتفع ذى ظل وإن قرعة برأس أو شقاق رجل .. قولان». والحجامة داخلة فى ذلك ففى النقض بها خلاف عندهم فيما يظهر. ويتلخص من هذا أن القائلين بالنقض بالحجامة هم الأحناف والحنابلة والزيدية

стр. 814

وفى قول عند الإباضية، ومن عداهم من المذاهب المذكورة يرون عدم النقض بالحجامة. احتجام الصائم مذهب الحنفية: جاء فى التنوير وشرحه (١): ان الصائم إذا احتجم لا يفسد صومه، وعلل ذلك العينى فى شر الكنز (٢) بما رواه أبو داود من قوله ﷺ «لا يفطر من قاء ولا من احتلم ولا من احتجم». وقال: ان قوله ﵊: «أفطر الحاجم والمحجوم» منسوخ. وروى الميرغينانى فى الهداية (٣) الحديث بلفظ: «ثلاث لا يفطرن الصائم: القئ والحجامة والاحتلام». وعلق على ذلك الكمال بن الهمام (٤) بأن هذأ الحديث روى من عدة طرق وأحسنها ما رواه البزار من حديث ابن عباس رضى الله عنهما، وقال: انه أصح الروايات إسنادا ويجب أن يرتقى إلى درجة الحسن. وفى المبسوط للسرخسى (٥): يحتج الحنفية لعدم الإفطار بالاحتجام بحديث أنس بن مالك رضى الله عنه. قال: مر بنا أبو طيبة فى بعض أيام رمضان، فقلنا: من أين جئت؟ فقال: حجمت رسول الله ﷺ . وفى حديث أبن عباس: أن النبى احتجم وهو صائم محرم، وعنه أن النبى ﷺ لما قال: «أفطر الحاجم والمحجوم»، شكا الناس إليه الدم فرخص للصائم أن يحتجم. وهذه تبين طريق النسخ الذى أشار إليه العينى. ويقول السرخسى أيضا: إن تأويل حديث «أفطر الحاجم والمحجوم» أن النبى ﷺ مر بهما وهما يغتابان آخر فقال الحديث، والمراد: ذهب ثواب صومهما بالغيبة، وقيل الصحيح أنه غشى على المحجوم فصب الحاجم الماء فى حلقه، فقال الرسول ﵊: «أفطر الحاجم والمحجوم»، فوقع عند الراوى أنه قال: أفطر الحاجم والمحجوم، ثم علل أيضا بأن خروج الدم من البدن لا يفوت ركن الصوم ولا يحصل به اقتضاء الشهوة وبقاء العبادة ببقاء ركنها. مذهب المالكية: قال المالكية (٦): إن الحجامة لا تفطر لما صححه الترمذى أن المصطفى ﵊ احتجم وهو صائم فى حجة الوداع.

стр. 815

قال: فيكون هذا الحديث ناسخا لما روى من قوله: أفطر الحاجم والمحجوم. وجاء فى المدونة (١): ما يدل على الكراهة عند مالك، ولو احتجم مسلم لم يكن عليه شئ. ثم ساق الحديث: «ثلاث لا يفطرن». وحديث ابن عباس أن الرسول احتجم وهو صائم. مذهب الشافعية: جاء فى المنهاج وشرحه (٢): ولا تفطر الحجامة لما صح من احتجام الرسول وهو صائم، وقال ابن خبر الإفطار منسوخ، وأن القياس يؤيد عدم الإفطار. ثم قال: إن الحجامة مكروهة للصائم، وجزم فى المجموع بأنه خلاف الأولى. وقال الأسنوى: وهو المنصوص، فقد قال فى الأم: وتركه أحب إلى. وعلق الشبراملسى فى حاشيته علي كون النبى ﷺ احتجم وهو صائم، بأنه ليس مكروها فى حقه وأن كره فى حق غيره لأنه يجوز أنه فعله لبيان الجواز، بل فعله المكروه يثاب عليه ثواب الواجب. وقد رجعنا إلى «الأم» فى باب «ما يفطر الصائم (٣)» فيما يتعلق بالحجامة فوجدنا عبارته: قال الشافعى: روى عن النبى ﷺ : «أفطر الحاجم والمحجوم»، وروى: أنه احتجم صائما. قال الشافعى: ولا نعلم وأحدا منهما ثابتا، ولو ثبت واحد منهما عن النبى قلت به، ولو ترك رجل الحجامة للتوقى لكان احب إلى، ولو احتجم لم أره يفطره. مذهب الحنابلة: قال ابن قدامه (٤): ان الحجامة يفطر بها الحاجم والمحجوم، وذكر ممن قال به إسحاق وابن المنذر، وكان الحسن وابن مسروق وابن سيرين لا يرون للصائم أن يحتجم، وكان جماعة من الصحابة يحتجمون ليلا فى الصوم منهم ابن عمر، وأبن عباس وغيرهما. واحتج لمذهبهم بقول النبى ﷺ «أفطر الحاجم والمحجوم»، وقال: إنه رواه عن النبى أحد عشر نفسا، وذكر عن أحمد أن هذا الحديث أصح حديث يروى فى هذا الباب، وأطال فى الرد على القائلين بأن الحجامة لا تفطر الصائم. مذهب الظاهرية: وفى المحلى لابن حزم الظاهرى (٥) ما يفيد أنه لا ينقض الصوم حجامة ولا احتلام، ثم قال: صح عن النبى ﷺ أنه قال: «أفطر الحاجم والمحجوم» فوجب الأخذ به إلا أن يصح

стр. 816

نسخه وقد صح نسخه بحديث أن الرسول صلوات الله عليه أرخص فى الحجامة للصائم فقامت به الحجة، ولفظ أرخص لا تكون إلا بعد نهى فصح بهذا الخبر نسخ الخبر الأول. مذهب الزيدية: قال صاحب البحر (١): لا يفسد الصوم بالحجامة إذ احتجم النبى ﷺ صائما، ورخص للصائم فيه. قال: وحديث «أفطر الحاجم والمحجوم» نسخ بالترخيص، أو لأنهما اغتابا فبطل ثوابهما، وإلا لزم فى الحجام ولا قائل به. مذهب الشيعة الجعفرية: يصوره ما جاء فى الروضة البهية والمختصر النافع (٢): لا يفسد الصوم بإخراج الدم المضعف، والإخراج المذكور يشمل الحجامة. مذهب الإباضية: جاء فى كتاب الوضع (٣): كرهوا للصائم أربعة، فإن فعلهن فلا بأس، وعد منها الحجامة بالنهار. وفى شرح النيل (٤): كره احتجام نهارا مطلقا، وقيل فى آخر النهار، وقيل فى أوله لا لفساده بل لخوف الضعف فيؤدى للافطار. وقالوا: ولم يصح حديث: الحجامة تنقض الصوم وأما حديث «أفطر الحاجم والمحتجم» فهو حكم عليهما بالإفطار لفعلهما أمرا مفطرا كنظر الحاجم إلى عورة المحتجم أو لاغتيابهما ويدل على ذلك ذكر الحاجم فإنه لا حجة قوية على أن من فعل بأحد ما يفطر به كان مفطرا. ويتلخص موقف فقهاء المذاهب المذكورة فى أنهم جميعا عدا الحنابلة يرون عدم فساد الصوم بالحجامة وان كان مكروها أو خلاف الأولى على التفصيل المذكور. احتجام المحرم مذهب الحنفية: قال السرخسى (٥): وللمحرم أن يحتجم ويغتسل ويدخل الحمام لأن هذا كله من باب المعالجة، فالمحرم والحلال (أى غير المحرم) فيه سواء، ألا ترى أن النبى ﷺ احتجم وهو صائم محرم بالقاحة (موضع بقرب المدينة). وقال الميرغينانى (٦): إن حلق المحرم موضع المحاجم فعليه دم عند أبى حنيفة. وقال الصاحبان عليه صدقة لأنه إنما يحلق لأجل الحجامة وهى ليست من المحظورات، فكذا ما يكون وسيلة اليها الا أن فيه ازالة شئ من التفث فتجب الصدقة.

стр. 817

مذهب المالكية: نص خليل والدردير (١) على جواز الفصد للمحرم إذا كان لحاجة وإلا كره فيما يظهر. وعلق الدسوقى بقوله: وعلى كل حال لا فديه فيه. ومنه يبين حكم الحجامة لاشتراكهما. وفى المدونة (٢): سئل مالك ألا يكره للحجام المحرم أن يحجم المحرمين ويحلق منهم مواضع المحاجم؟ قال مالك: لا أكره ذلك له إذا كان المحرم المحتجم إنما يحتجم لموضع الضرورة. مذهب الشافعية: جاء فى الأم (٣)، قال الشافعى أخبرنا سفيان بن عيينة عن أبن عباس أن النبى ﷺ احتجم وهو محرم. قال الشافعى: فلا بأس أن يحتجم المحرم من ضرورة أو غير ضرورة ولا يحلق الشعر. مذهب الحنابلة: يقول ابن قدامه (٤): أما الحجامة اذا لم يقطع شعرا فمباحة من غير فدية فى قول الجمهور لأنه تداو بإخراج دم فأشبه الفصد. ولأن ابن عباس روى أن النبى احتجم وهو محرم، متفق عليه، ولم يذكر فديه، ولأنه لا يترفه بذلك، فأشبه شرب الأدوية. وإن احتاج فى الحجامة إلى قطع شعر فله قطعه لما روى عبد الله بن بحينة أن رسول الله ﷺ احتجم بلحى جمل فى طريق مكة وهو محرم وسط رأسه، متفق عليه. ومن ضرورة ذلك قطع الشعر ولأنه يباح حلق الشعر لإزالة الأذى فكذلك هنا وعليه الفديه، لقوله تعالى: «فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ .. » الأيه. مذهب الظاهرية: يرى ابن حزم الظاهرى فى كتابه المحلى (٥) إن للمحرم أن يحتجم ويحلق موضع المحاجم ولا شئ عليه، ثم روى من طريق عائشة أن رسول الله ﷺ احتجم وهو محرم ومثله من طريق سفيان بن عيينة عن أبن عباس، ومن طريق مسلم عن ابن بحينة ولم يخبر عليه أن فى ذلك فدية ولا غرامة. مذهب الزيدية: اباحة الفصد والحجامة. جاء فى البحر الزخار (٦): وله أن يفتصد ولا فديه، لأن النبى ﷺ احتجم وهو محرم، وقاسوا على أباحه الاحتجام إباحة عصر الدماميل ونزع الشوك. مذهب الشيعة الجعفريه: جاء فى المختصر النافع (٧): إن فى الحجامة بالنسبة للمحرم لغير ضرورة قولين أشبههما الكراهية.

стр. 818

مذهب الإباضية: ويقول الإباضية كما فى كتاب الوضع (١): على المحرم أن يترك فعل أربعة من بدنه، وذكر منها قطع شئ من بدنه وادماءه. ثم قال: فان قطع شيئا من بدنه أو أدماه فعليه دم. والإدماء يتناول الاحتجام إذ هو مخرج للدم لا محالة، وعلى هذا فان المذاهب الثمانية لا تمنع الاحتجام فى الاحرام، ومن عدا الإباضية لا يوجبون فديه لذات الاحتجام وقد نصت بعض المذاهب على وجوب الفدية لحلق موضع الحجامة وقيل الواجب صدقة ونص الظاهرية على أنه لا يجب شئ حتى فى هذا. التداوى بالاحتجام يتبين من النقول السابق ذكرها أن الفقهاء مجمعون على أن التداوى بالاحتجام جائز غير محظور، وقد صح عن النبى ﷺ أنه تداوى به. وأن كثرة عديدة من الصحابة كانوا يفعلون ذلك. وقد روى البخارى وابن ماجة أن النبى ﵊ قال: «الشفاء فى ثلاث: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار». وقال الكرمانى فى شرحه للحديث: أن فيه إثبات الطب والتداوى. وقال العزيزى فى شرحه أيضا: إن الحجم أنجح هذه الثلاثة شفاء عند هيجان الدم. احْتِسَابُ المعنى اللغوى الاحتساب مصدر. فعله احتسب. يقال احتسب بكذا اكتفى به واحتسب على فلان الأمر أنكره عليه، واحتسب الأجر على الله ادخره لديه، كما يقال احتسبت بكذا أجرا عند الله، أى فعلته مدخرا إياه عنده. والمادة تدل فى كثير من استعمالاتها على العد كما تبين من الاستعمالات السابقة، ومنه علم الحساب، أى علم العدد، والحسبة اسم من الاحتساب. وإذن فالاحتساب يستعمل فى فعل ما يحتسب عند الله (٢). المعنى الشرعى يستعمل الفقهاء اسم الاحتساب فى الدلالة على فعل ما يحتسبه فاعله عند الله مدخرا اياه راجيا ثوابه فى الدار الآخرة وذلك الاستعمال لا يكاد يخرج عن بعض استعمالاته اللغوية وعلى ذلك فالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر يسمى احتسابا فى لسانهم كما يسمى حسبة أيضا، وذلك إذا فعله لا لرياء ولا لسمعة ولا لإظهار علو أو كبرياء - وكذلك كل معروف يفعله الإنسان لوجه الله مدخراً ثوابه عنده لغير رياء ولا سمعة

стр. 819

كالصدقة يتصدق بها احتسابا ودفع الأذى والشر يقوم به احتسابا والمعونة فى الخير والنصرة يقوم بهما احتسابا وفى هذا المعنى جاء فى قوله ﷺ فيما رواه أبو الدرداء رضى الله عنه قال سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: إن الله قال: يا عيسى إنى باعث من بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا رواه الحاكم، وقال صحيح على شرط البخارى. وفى قوله ﷺ فيما رواه أبو هريرة «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» .. رواه البخارى ومسلم وفيما روى عن عمر قال أيها الناس احتسبوا أعمالكم فإن من احتسب عمله كتب له أجر عمله وأجر حسبته وفى هذا ما يدل على أن الاحتساب بمعنى الحسبة - وفى بيان ما يدل على طلبه بمعنى الحسبة وعلى حكمه وعلى طبيعته وعلى ما فيه من معنى الولاية وعلى شروطه وأركانه وعلى موضوعه وما يتم به يرجع الى مصطلح حسبة. احْتِطاب المعنى اللغوى الاحتطاب فى القاموس: الحطب محركة ما أعد من الشجر شبوبا، وحطب كغرب جمعه كاحتطب. ويستعمله الفقهاء بمعناه اللغوى. ويكون الاحتطاب فى الأراضى المباحة التى لم يملكها أحد أو فى المملوكة بإذن من صاحبها. ومن سبق إليه كان أحق به من غيره فيملكه بذلك، والاحتطاب من الأرض غير المملوكة لا يحتاج إلى إذن الإمام لأنه من الأشياء المباحة التى لا يفتقر ملكها إلى إذن الإمام (١): هذا وقد ذكر الأئمة له عدة أحكام تتعلق به. مذهب الحنفية: قال الحنفية: لو اشتركا فى الإحتطاب يجب الأجر بالغا ما بلغ عند محمد، لأن المسمى وهو نصف الحطب غير معلوم فلم يصح الحط بأقل (٢). وهل إذا سرق الحطب تقطع اليد فيه أم لا؟ ورد عن أبى حنيفة أنه لا قطع فى الطعام، ولا فيما أصله مباح (٣). والحطب فى ملك رجل ملك له فليس لغيره أن يحتطبه بدون إذنه، وإن كان فى غير ملك فلا بأس به ولا يضر نسبته إلى قرية أو جماعة ما لم يعلم أن ذلك ملك لهم، ويملك المحتطب الحطب بمجرد الاحتطاب وان لم يشده ولم يجمعه (٤).

стр. 820

ولا تجوز الشركة فى الأشياء المباحة مثل الإحتطاب والاحتشاش والاصطياد وكل مباح، لأن الشركة متضمنة معنى الوكالة، والتوكيل فى أخذ المباح باطل، لأن أمر الموكل به غير صحيح، والوكيل يملكه بغير أمره فلا يصلح نائبا عنه، وما أصطاده كل واحد منهما أو احتطبه أو احتشه فهو له دون صاحبه لثبوت الملك فى المباح بالأخذ، فان أخذه معا فهو بينهما نصفان لاستوائهما فى سبب الاستحقاق، وأن أخذه أحدهما ولم يعمل الآخر شيئا فهو للعامل وإن عمل أحدهما وأعانه الآخر، بأن حمله معه أو حرسه له فللمعين أجرة مثله لا يجاوز به نصف ثمن ذلك عند أبى حنيفة وأبى يوسف، وعند محمد بالغا ما بلغ (١). مذهب المالكية: قال المالكية: لو قال لآخر: إحتطبْ على دابتى ولك نصف الحطب جاز إن علم ما يحتطبه عليها بعادة أو شرط وسواء فى ذلك إن قيد بزمن كيوم لى، ويوم لك، أم لم يقيده كنقلة لى ونقلة لك، فالأجرة هنا واجبة، مثل الدابة السفينة والشبكة ونحوهما فيجوز بنصف ما يحمله عليها إذا كان معينا من مكان معين (٢). مذهب الشافعية: قال الشافعية: يصح التوكيل فى تملك المباحات كالإحياء والاصطياد والاحتطاب فى الأظهر ومقابله المنع، والملك فيها للوكيل (٣). مذهب الحنابلة: قال الحنابلة: يجوز للشخص أن يستأجر رجلاً ليحتطب له لأنه عمل مباح تدخله النيابة فأشبه حصاد الزرع، ويصح التوكيل فى تملك المباحات من الصيد والاحتطاب والحشائش ونحو ذلك كإحياء الموات وهذا هو الصحيح من المذهب (٤). وتصح شركة الأبدان فى الاحتشاش والاصطياد والتلصص على دار الحرب، وسائر المباحات كالاحتطاب (٥). مذهب الزيدية: قال الزيدية: لو استأجر شخص من يصطاد له أو يحتش أو يحتطب أو يسقى أو نحو ذلك من المباح فلا يصح الاستئجار - وكذا لو عقد اثنان شركة فى ذلك - أو وكل رجل غيره لم يصح ولو نواه للغير بل يملكه الفاعل إذا فعل فى الأصح من المذهب. وقال المتوكل بالله يصح التوكيل فيه .. وعلى الأصح من المذهب لا أجرة له من الآمر إلا أن يكرهه (٦).

стр. 821

مذهب الإمامية: قال الإمامية: إذا أستأجر غيره للاحتطاب أو الاحتشاش أو الاصطياد من المباحات مدة معينة صحت الإجارة، ويملك المستأجر ما يحصل من ذلك فى تلك المدة هذا ولا تدخل النيابة فى الاحتطاب والاحتشاش، لأنه تعلق قصد الشارع بإيقاعه من المكلف مباشرة، لو احتطب أو احتش بنية أنه له ولغيره لم تؤثر تلك النية وكان بأجمعه له خاصة (١). مذهب الإباضية: قال الإباضية: وجاز احتطاب شخص أو أخذه الشوك أو الحشيش من أرض آخر على أن الحطب بينهما مثلا، وإنما جاز لأنه قد رأى الأرض مع ما فيها، أو لم ير لكنه قد عقد أن له النصف مثلا فى كل ما حطب (٢). الاحتطاب فى أرض الحرم مذهب الحنفية: قال الحنفية: إن قطع حشيش الحرم أو شجرة ليست مملوكة لأحد وهو مما لا ينبته الناس فعليه قيمته (٣) إلا ما جف منه .. وما جف من شجر الحرم لا ضمان فيه لأنه ليس بنام (٤). مذهب المالكية: قال المالكية: حرم على المكلف بالحرم محرما أو غيره آفاقيا أو من أهل مكة قلع ما نبت بنفسه ولو كان قطعه لإطعام الدواب على المعتمد، ولا فرق بين الأخضر واليابس إلا الأذخر (٥)، كما ورد فى الحديث استثناء الأذخر والملحقات به وهى السنا والسواك والعصا (٦). مذهب الشافعية: قال الشافعية: ويحل من شجر الحرم الأذخر قلعا وقطعا لاستثنائه فى الخبر. وكذا الشوك كالعوسج (٧) وغيره من كل مؤذ منتشر من الأغصان المضرة فى طريق الناس عند الجمهور، والأصح حل أخذ نباته من حشيش أو نحوه لعلف البهائم وللدواء كحنظل للحاجة إليه (٨). مذهب الحنابلة: قال الحنابلة: ويباح الانتفاع بما أنكسر من الأغصان وبما انقطع من الشجر بغير فعل آدمى وكذا الورق الساقط يجوز الانتفاع به (٩). مذهب الظاهرية: قال الظاهرية: من احتطب فى حرم المدينة خاصة فحلال سلب ما وجد معه فى حاله تلك ويجرد من ثيابه الا مما يستر

стр. 822

عورته فقط لما ورد عن عامر بن سعد قال: إن سعدا (أباه) ركب إلى العتين فوجد عبدا يقطع شجرا أو يخبطه فسلبه، فلما رجع سعد جاءه أهل العبد فسألوه أن يرد على غلامهم أو عليهم ما أخذ من غلامهم، فقال: معاذ الله أن أرد شيئا نفلنيه رسول الله ﷺ وأبى أن يرده عليهم (١). مذهب الزيدية: قال الزيدية: من محظورات الإحرام قطع شجر من الحرمين أو رعيه. فلو كان يابسا جاز قطعه، فلو كان مؤذيا كالعوسج ونحوه مما له شوك مؤذ فيجوز قطعه فلو كان مستثنى كالاذخر جاز قطعه. أما لو كان أصله فى الحل وفروعه فى الحرم جاز قطعه وأن يكون مما ينبت بنفسه (٢). مذهب الإمامية: قال الإمامية: ولا كفارة فى قلع الحشيش وإن أثم فى غير الأذخر، وما أنبته الآدمى ومحل التحريم فيهما الاخضرار، أما اليابس فيجوز قطعه مطلقا لا قلعه إن كان أصله ثابتا (٣). مذهب الإباضية: قال الإباضية: وجاز لمحرم احتطاب وشد محمله أى ربطه والعقد عليه إلا على نفسه منه ولا محل وإن لمحل شجر الحرم، ويجوز رعيه. ولا يجوز قطع اليابس أيضا، وجوز رسول الله ﷺ الأذخر (٤). والأصل فى شجر الحرم إنه غير مستنبت ففيه الجزاء، وعن ابن محبوب فى عود صغير فى الحرم إطعام مسكين، وقيل فى كسر عود درهم ولو صغيرا كسواك (٥). احْتِكَار معنى الاحتكار فى اللغة جاء فى المصباح: احتكر فلان الطعام، إذا حبسه إرادة الغلاء، والاسم الحكرة، مثل الغرفة من الإغتراف، والحكر (بفتح الحاء والكاف أو اسكانها) بمعنى الاحتكار. وعرف صاحب القاموس الحَكْر، بفتح الحاء وسكون الكاف بأنه الظلم واساءة المعاشرة، وقال انه بالتحريك اى الحكر بفتحتين: ما احتكر أى حبس انتظارا لغلائه كالحكر بضم الحاء، فيكون اسما من الاحتكار. ونقل الصنعانى (٦) عن النهاية لابن الأثير فى شرح قول النبى صلى الله عليه

стр. 823

وسلم: «من احتكر طعاما .. » اى اشتراه وحبسه ليغلو فيغلو. ومن هذا يتبين بوضوح أن معانى المادة كلها تدور حول الظلم فى المعاملة وحبس شئ من الأشياء لاستبداد بشأنه. ومنه ما ورد فى استعمال الشريعة من عصر النبوة إلى أن عرفه الفقهاء فى كتبهم بما لا يخرج عن ذلك فى الجملة. التعريف الفقهى للاحتكار يقول الحصكفى من الأحناف فى شرح الدر المنتقى (١) نقلا عن الشرنبلالية عن الكافى: أن الاحتكار شرعا اشتراء الطعام ونحوه وحبسه إلى الغلاء أربعين يوما لقوله ﵊: «من احتكر على المسلمين أربعين يوما ضربه الله بالجذام والإفلاس». ثم قال: وقيل شهر وقيل أكثر، وبين الحصكفى أن تكثيرة مدة الأيام للمعاقبة فى الدنيا بنحو البيع والتعزير لا للإثم لحصوله وإن قلت المدة، وتفاوت الإثم بين تربص المحتكر لعزة الطعام وندرته أو للقحط. وقد رجعنا الى حاشية الشرنبلالى على درر الحكام شرح غرر الأحكام (٢) فوجدنا ما يأتى تعليقا على قول صاحب الغرر: كره احتكار قوت البشر والبهائم: الاحتكار حبس الطعام للغلاء افتعال من حكر إذا ظلم ونقص وحكر بالشئ إذا أستبد به وحبسه عن غيره، وتقييده بقوت البشر والبهائم قول أبى حنيفة ومحمد وعليه الفتوى، وقال أبو يوسف: كل ما أضر بالعامة حبسه فهو احتكار وإن كان ذهبا أو فضة أو ثوبا. كذا فى الكافى. وأما تقدير مدة حبس الطعام فقد ورد فى كلام صاحب الدرر إذ يقول: «ومدة الحبس قيل أربعون يوما وقيل شهر وهذا فى حق المعاقبة فى الدنيا، لكن يأثم وإن قلت المدة». ويقول البابرتى (٣) الحنفى: إن المراد بالاحتكار «حبس الأقوات تربصا للغلاء» وهذا التعريف أقرب إلى ما أورده الشرنبلالى فإنه لم يقيد الحبس بكونه على سبيل الشراء، ولم يذكر نحو الأقوات، وقد اختلف كل منهما عن الحصكفى من هاتين الناحيتين. وقد وافق صاحب الاختيار الحصكفى فى تقييد الحبس بكونه على سبيل الشراء وإن كان قصر على الطعام كالبابرتى والشرنبلالى، وأشار صاحب الاختيار الموصلى الحنفى إلى شمول الاحتكار للشراء من المصر أو من مكان يجلب طعامه إلى مصر، فقال (٤): «إن الاحتكار أن

стр. 824

يبتاع الشخص طعاما من المصر أو من مكان يجلب طعامه إلى المصر ويحبسه إلى وقت الغلاء». ونبه الكاسانى الحنفى إلى قيد يفيد حكمة المنع من الإحتكار (١): فأضاف إلى التعريف قيد أن يكون ذلك يضر بالناس بدل قولهم (إلى وقت الغلاء). مذهب المالكية: أما المالكية فيصورون الاحتكار بما تفيده عبارة المدونة برواية سحنون (٢): أنه سمع مالكا يقول: الحكرة فى كل شئ فى السوق من الطعام والزيت والكتان والصوف وجميع الأشياء وكل ما اضر بالسوق فيمنع من يحتكر شيئا من ذلك كما يمنع من احتكار الحب». والمالكية فى هذا التعميم يتفقون مع أبى يوسف فى عدم قصر الإحتكار على الطعام. مذهب الشافعية: عرفه الرملى الشافعى بقوله (٣): أنه اشتراء القوت وقت الغلاء ليمسكه ويبيعه بعد ذلك بأكثر من ثمنه للتضييق. وبمثله عرفه الإمام النووى الشافعى فى شرحه لصحيح مسلم (٤). وقد انفرد هذا التعريف بتقييد الشراء بكونه وقت الغلاء. مذهب الحنابلة: وعرفه ابن قدامة الحنبلى فى المغنى بقوله (٥): الاحتكار المحرم هو ما اجتمع فيه ثلاثة شروط: أن يشترى، وأن يكون المشترى قوتا، وأن يضيق على الناس بشرائه. فهو يتفق مع من يقول ممن قدمنا أن الاحتكار يتحقق بالشراء وتخصيصه بالقوت. مذهب الظاهرية: وأما ابن حزم الظاهرى فقد وافق الجميع فى اعتبار الإضرار بالناس قيدا فى الاحتكار الممنوع، واتجه إلى أنه مرتبط بالشراء ولم يقصره على الطعام وعبارته (٦): الحكرة المضرة بالناس حرام، سواء فى الابتياع أو إمساك ما ابتاع، «والمحتكر فى وقت الرخاء ليس آثما». مذهب الزيدية: والزيدية يخصونه بأن المحبوس قوت آدمى أو بهيمة، ويعممون فى الحبس بما يشمل ما يكون على سبيل الشراء أو غيره ويصور مذهبهم ما جاء فى البخر الزخار (٧) من قولهم: يحرم احتكار قوت الآدمى والبهيمة لعموم قوله ﷺ «من احتكر الطعام» (أى الخبز ونحوه) فإنه لم يخصه بالشراء وبذأ يتحقق الاحتكار عندهم مما يكون حبسه بعد الشراء أو

стр. 825

الحصول عليه من زراعته، كما يشمل ما إذا كان الشراء من المصر أو كان مجلوبا من خارجها. مذهب الإمامية: وعرف الشيعة الإمامية الحكرة (١): بأنها جمع الطعام وحبسه يتربص به الغلاء، وحصروا الطعام الذى يتحقق فيه الاحتكار فى سبعة أشياء، هى: الحنطة والشعير والتمر والزبيب والسمن والزيت والملح. فهم لا يخصونه بالشراء وينفردون بقصر الطعام على هذه الأنواع. مذهب الإباضية: وعرفه الإباضية (٢): بأنه شراء مقيم من سوق أو من غيره بالنقد أو غيره طعاما ينتظر به الغلاء فهم يخصون الاحتكار بشراء المقيم للطعام، ويصرحون بأن من أخذ الطعام من غيره فى دين أو مقاضاة أو أرش أو أجرة أو ارث أو هبة فلا يكون ذلك من الاحتكار المحظور، وقد ألحقوا بالمقيم فى تحقق الاحتكار الممنوع المسافر الذى يتجر بمال المقيم بخلاف المقيم الذى يتجر بمال المسافر فلا يكون من الاحتكار الممنوع، واختلفوا فى الطعام الذى يكون فيه الاحتكار فجعله بعضهم عاما فى كل ما يطعم ولو رهنا أو شرابا، وخصه بعضهم بالحبوب الستة، وخصه بعضهم بما يسمى فى العرف طعاما، وبعضهم خصه بالبر والشعير. حكم الاحتكار الأخروى الاحتكار الذى تتحقق فيه القيود المذكورة على اختلاف المذاهب فيها كما بينا محظور أجماعا غير أنه قد اختلفت عبارات الفقهاء فى التعبير عن هذا الحظر. فمنهم من صرح بالحرمة، ومنهم من صرح بالكراهة، ومنهم من اكتفى بلفظ المنع الصادق بكل من التحريم والكراهة. فالكاسانى الحنفى يقول (٣): تتعلق بالاحتكار أحكام منها الحرمة لما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «المحتكر ملعون والجالب مرزوق»، ولا يلحق اللعن إلا بمباشرة المحرم، وروى عنه ﵊ أنه قال: «من احتكر طعاما أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه». ومثل هذا الوعيد لا يلحق إلا بارتكاب الحرام، وساق دليلا آخر عقليا يرجع إلى أن الاحتكار من باب الظلم والظلم حرام، وقال بعد ذلك أن قليل مدة الحبس وكثيرها سواء فى حق الحرمة لتحقق الظلم. وبمثل ذلك صرح الشبراملسى الشافعى فقد قال (٤): إن النهى المتعلق بالاحتكار نهى تحريم، وأيضا فان ابن حجر الهيثمى الشافعى يعتبره من الكبائر ويقول (٥): أن كونه كبيرة هو ظاهر الأحاديث الواردة فى النهى عن الاحتكار لوجود الوعيد الشديد كاللعنة وبراءة ذمة الله ورسوله والضرب

стр. 826

عليه بالجذام والإفلاس وبعض هذه دليل على الكبيرة. وكذلك ابن قدامة الحنبلى (١) ينص على تحريم الاحتكار ويستدل بعدة أحاديث منها قوله ﷺ : «من احتكر فهو خاطئ». ووافقهم ابن حزم الظاهرى فيما نقلناه من العبارة السابقة إذ يقول (٢): إن الحكرة المضرة بالناس حرام. وكذلك بالنسبة للزيدية فإن صاحب البحر الزخار ينص (٣): على أنه يحرم احتكار قوت الآدمى والبهيمة فى الفاضل عن كفايته ومن يمونه. وكذلك الإباضية فقد صرحوا (٤) بأن الاحتكار حرام. وقال صاحب شرح النيل: أن النهى عن الاحتكار أشد من غيره من البيوع الممنوعة لانتظار المحتكر اللعنة بالاحتكار لحديث: «المحتكر ينتظر اللعنة». وأما القائلون بالكراهة فمن الأحناف الميرغينانى صاحب الهداية وكل من الموصلى صاحب الاختيار والتمرتاشى صاحب تنوير الأبصار والحصكفى فى الدر وابن عابدين فى حاشيته وهو المذكور في ملتقى الأبحر وشارحه. يقول صاحب الهداية (٥): «ويكره الاحتكار فى أقوات الآدميين والبهائم .. الخ». كما يقول صاحب التنوير وشارحه صاحب الدر وابن عابدين فى حاشيته (٦). «وكره احتكار قوت البشر .. الخ». ويوافق الشيعة الجعفرية من قالوا بالكراهة من الأحناف، فقد أورده صاحب اللمعة الدمشقية وشارحه صاحب الروضة البهية فى مكروهات التجارة (٧). وإن كان صاحب الروضة البهية قد اختار فى موضع آخر (٨) أنه يحرم مع حاجة الناس إليه إذ يقول: والأقوى تحريمه مع حاجة الناس إليه لصحة الخبر بالنهى عنه عن النبى ﷺ كما أورده صاحب المختصر النافع من الشيعة الجعفرية فى المكروهات أيضا وذكر أن هناك قولا بحرمته. واما من أورد عبارة المنع دون تحديد لجهة المنع فانه الحطاب من المالكية اذا أورد أنه ممنوع (٩). حكم الاحتكار الدنيوى يقول صاحب البدائع الفقيه الحنفى: إن من أحكام الاحتكار أن يؤمر المحتكر بالبيع إزالة للظلم لكن إنما يؤمر ببيع ما فضل عن قوته وقوت أهله، فان لم يفعل

стр. 827

وأصر على الاحتكار ورفع إلى الإمام مرة أخرى وهو مصر عليه فإن الإمام يعظه ويهدده، فإن لم يفعل ورفع إليه مرة ثالثة يحبسه ويعزره زجرا له عن سوء صنعه ولا يجبر على البيع. وقال محمد: يجبر عليه، وهذا يرجع إلى مسألة الحجر على الحر لأن الجبر على البيع فى معنى الحجر. ويقول الميرغينانى الحنفى فى كتابه الهداية: إن رفع المحتكر إلى الإمام مرة ثانية حبسه وعزره زجرا له ودفعا لضرر العامة. أما صاحب الدر الحنفى فيصرح بأنه يجب على القاضى أن يأمره ببيع ما فضل عن قوته وقوت أهله. ويضيف ابن عابدين: أنه مع أمره ينهاه عن الاحتكار ويعظه ويزجره. ثم يقول صاحب الدر: فإن لم يبع بل خالف الأمر عزره وباع عليه وفاقا على الصحيح. ثم نقل عن صاحب السراج أنه لو خاف الإمام علي أهل بلد الهلاك أخذ الطعام من المحتكرين وقومه فإذا كانوا فى سعة ردوا مثله. قال: وليس هذا بحجر بل للضرورة، ومثله فى الاختيار والبدائع. مذهب المالكية: ونص المالكية على أن من اشترى الطعام من الأسواق واحتكره وأضر بالناس فإن الناس يشتركون فيه بالثمن الذى اشتراه به. وصرح ابن جزى بأن فى جبر الناس على إخراج الطعام فى الغلاء خلافا (١). ويقول الأبى المالكى فى شرحه لصحيح مسلم (٢): إن الخليفة كان إذا غلا السعر ترفق بالمسلمين فأمر بفتح مخازنه وأن يباع بأقل مما يبيع الناس حتى يرجع الناس عن غلوهم فى الأثمان، ثم يأمر مرة أخرى أن يباع بأقل من ذلك حتى يرجع السعر إلى أوله أو القدر الذى يصلح للناس حتى يغلب الجالبين والمحتكرين بهذا الفعل. وكان ذلك من حسن نظره. مذهب الشافعية: وصرح الشافعية بأن من عنده زائد على كفايته ومئونته سنة يجبر على بيعه فى زمن الضرورة، بل قالوا: أنه إذا اشتدت الضرورة يجبر على بيع ما عنده ولو لم يبق له كفاية سنة. مذهب الحنابلة: كما صرح الحنابلة بأن لولى الأمر أن يكره المحتكرين على بيع ما عندهم بقيمة المثل عند ضرورة الناس إليه مثل من عنده طعام لا يحتاج إليه الناس فى مخمصة فإن من اضطر إلى طعام غيره أخذه منه بغير اختياره بقيمة المثل ولو امتنع عن بيعه إِلا بأكثر من سعره أخذه منه بقيمة المثل.

стр. 828

ثم يقول ابن القيم (١): «من أقبح الظلم أن يلزم الناس إلا يبيعوا الطعام أو غيره من الأصناف إلا ناس معروفون، فلا تباع تلك السلع إلا لهم، ثم يبيعونها هم بما يريدون، فلو باع غيرهم ذلك منعوه، وهذا يمكن تسميته احتكار الصنف». ثم قال: إن هذا من البغى والفساد، فيجب التسعير عليهم، ومن هنا ذهب كثير من الفقهاء إلى القول بأن من حق الإمام، بل من واجبه أن يسعر السلع وأن يمنع الناس أن يبيعوا إلا بقيمة المثل ولا يشتروا إلا بها بلا تردد فى ذلك عند أحد من العلماء (انظر: تسعير). مذهب الظاهرية: يقول ابن حزم الظاهرى: يمنع المحتكر من الاحتكار، وروى بسنده إلى على أنه أحرق طعاما أحتكر بمائة ألف، كما روى عن عبد الرحمن بن قيس قال: أحرق لى على بن أبى طالب بيادر بالسواد كنت احتكرتها، لو تركها لربحت فيها مثل عطاء الكوفة. (والبيدر: الموضع الذى تدرس فيه الحبوب، والمراد: ما فى تلك الأماكن من الحبوب). مذهب الزيدية: وصرح الزيدية بأن المحتكر يجبر على بيع ما احتكره ولا يباع عنه إلا إذا تمرد فيبيعه الحاكم ويعزره لعصيانه. مذهب الإمامية: أما الشيعة الجعفرية فيقولون: يجب بيع الطعام المحتكر. ويقول صاحب اللمعة الدمشقية (٢): أن الطعام المحتكر لو لم يوجد غيره وجب البيع ويسعر أن أجحف فى الثمن. مذهب الإباضية: وينص الإباضية على أنه لا يترك المحتكر يبيع بأكثر مما اشترى وإنما يجبر على البيع كما اشترى، وقيل إن أخذ منه حين الفراغ من العقد قبل الانتظار أجبر على البيع ولو بربح، وان قبض عليه بعد الانتظار أجبر أن يبيع بمثل ما اشترى وقد يمنع من الربح مطلقا لسوء نيته. وروى عن جابر أن من أحتكر طعاما على الناس وأبى أن يبيع إلا على حكمه وهو غال ينزع منه. ثم قال صاحب النيل (٣): ولا يجبر المحتكر على البيع إن خرج من ملكه بوجه أورده لنفقته أو تغير عن حاله مثل أن يكون حبا فيطحنه أو دقيقا فيخبزه. ثم قال: وإن مات المحتكر لم يجبر وارثه ولا يجبر من دخله ملكه بوجه.

стр. 829

احتلام المعنى اللغوى: جاء فى المصباح: احتلم: رأى فى منامه رؤيا، وحلم الصبى واحتلم: أدرك وبلغ مبلغ الرجال فهو حالم ومحتلم. وفى القاموس: الاحتلام الجماع فى النوم والاسم الحلم. المعنى الفقهى: والفقهاء يتناولون الاحتلام بمعنيين: الأول: الادراك وبلوغ مبلغ الرجال. والثانى: الجماع فى المنام. كما يعتبرون الاحتلام بالمعنى الثانى فى الجملة سبيلا الى تحقيق الاحتلام بالمعنى الأول. جاء فى حاشية ابن عابدين (١): الاحتلام من الحلم اسم لما يراه النائم. ثم غلب على ما يراه من الجماع. وفى موضع آخر يقول (٢): انه غلب لفظ الاحتلام فى هذا دون غيره من أنواع المنام لكثرة الاستعمال فيه. هذا وسيبين من ايراد الفروع أن معناه يختلف فى بعضها عنه فى البعض الآخر، فهو فى بعض الفروع يستعمل بالمعنى الأول وفى بعضها يستعمل بالمعنى الثانى. أثر الاحتلام فى الطهارة مذهب الحنفية: جاء فى التنوير وشرحه وحاشية ابن عابدين (٣): «فرض الغسل عند خروج منى منفصل عن مقره بشهوة ولو حكما كمحتلم» فانه لا لذة له يقينا لفقد ادراكه. قال الرحمتى: أى اذا رأى البلل ولم يذكر اللذة لأنه يمكن أنه أدركها ثم ذهل عنها فجعلت اللذة حاصلة حكما. وفرض عند رؤية متيقظ منيا أو مذيا وان لم يتذكر الاحتلام الا اذا علم أنه مذى أو شك أنه مذى أو ودى أو كان ذكره منتشرا قبيل النوم فلا غسل عليه اتفاقا كالودى الا اذا نام مضطجعا أو تيقن أنه منى أو تذكر حلما فعليه الغسل، ولا يفترض الغسل ان تذكر ولو مع اللذة أو الانزال ولم ير بللا اجماعا، وكذا المرأة مثل الرجل على المذهب، ولو وجد بين الزوجين ماء ولا مميز ولا تذكر، ولا نام قبلهما غيرهما اغتسلا. قال ابن عابدين: والتقييد بالزوجين، الظاهر أنه اتفاقى جريا على الغالب. ونقل عن الطحطاوى أن الأجنبى والأجنبية كذلك.

стр. 830

وفى شرح درر الحكام شرح عزم الأحكام (١) تعليقا على قوله: «وعند رؤية مستيقظ منيا أو مذيا وان لم يتذكر حلما» ان المذى ماء رقيق أبيض يخرج عند ملاعبة الرجل أهله، أما الودى فهو كما جاء فى شرح العينى على الكنز (٢): ماء غليظ يعقب البول، وعلق على عبارة «كذا المرأة فى الأصح» فقال: ان هذا احتراز عن ما قيل لو احتلمت المرأة ولم يخرج منها المنى ان وجدت لذة الانزال فعليها الغسل لأن ماءها ينزل من صدرها الى رحمها بخلاف الرجل حيث يشترط الظهور فى حق الغسل. وفى صحيح البخارى (٣) فى كتابى العلم والغسل: «أن أم سليم جاءت إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله ان الله لا يستحى من الحق، هل على المرأة من غسل اذا هى احتلمت؟ فقال ﵊: «نعم اذا رأت الماء». وقد علق عليه الكرمانى فقال نقلا عن ابن بطال: لا خلاف أن النساء اذا احتلمن أن عليهن الغسل وحكمهن حكم الرجال. مذهب المالكية: جاء فى الشرح الكبير على متن خليل (٤): «يجب غسل ظاهر الجسد بمنى أو بسبب خروجه من رجل أو امرأة وان بنوم أى فيه بلذة معتادة أو لا، بل ولو بلا لذة أصلا على المعتمد». وقد فسر خروج المنى ببروزه عن الفرج فى حق المرأة لا مجرد احساسها بانفصاله خلافا لسند حيث قال: خروج ماء المرأة ليس بشرط فى جنابتها، ومحل الخلاف فى اليقظة أما فى النوم فلا بد من بروزه منها قطعا. مذهب الشافعية: جاء فى متن أبى شجاع وشرحه الاقناع (٥): «من موجبات الغسل انزال المنى .. وفى البكر لا بد من بروزه الى الظاهر كما أنه فى حق الرجل لا بد من بروزه عن الحشفة، والأصل فيه خبر مسلم «انما الماء من الماء»، وخبر الصحيحين عن أم سليم. وذكر الحديث السابق. وفسر البجرمى فى حاشيته كلمه «احتلمت» فى الحديث بقوله: «أى رأت فى منامها»، وفسر قول الرسول ﷺ : «اذا رأت الماء» أى المنى اذا استيقظت. قال: وجعل رؤية المنى شرطا للغسل يدل على أنها اذا لم تر الماء لا غسل عليها. ثم قال (٦): لو رأى فى فراشة أو ثوبه منيا لا يحتمل أنه من غيره لزمه الغسل واعادة

стр. 831

كل صلاة لا يحتمل خلوها منه، ويسن اعادة كل صلاة يحتمل خلوها عنه، وان احتمل كونه من آخر نام معه فى فراشه مثلا فانه يسن لهما الغسل والاعادة. وعلق البجرمى على قوله «لا يحتمل أنه من غيره» فقال: بأن نام وحده أو مع من لا يتصور انزاله كالممسوح، لزمه الغسل وان لم يتذكر احتلاما. مذهب الحنابلة: يقول ابن قدامة (١): الموجب للغسل خروج المنى، وروى مسلم فى صحيحه عن أم سليم، وذكر الحديث السابق برواية مسلم، ثم قال: أنه متفق عليه. فخروج المنى الدافق بشهوة يوجب الغسل من الرجل والمرأة فى يقظة أو نوم وهو قول عامة الفقهاء. ثم فسر رؤية الماء الواردة فى الحديث بالاحتلام، وقال: انما يخرج فى الاحتلام بالشهوة. ثم قال: سئل أحمد عن رجل رأى فى المنام أنه يجامع فاستيقظ فلم يجد شيئا، فلما مشى خرج منه المنى، قال: يغتسل ثم قال: ان احتلم أو جامع فأمنى ثم اغتسل ثم خرج منه منى فالمشهور عن أحمد أنه لا غسل عليه. وقال الخلال: تواترت الروايات عن أبى عبد الله أنه ليس عليه الا الوضوء، واذا رأى أنه احتلم ولم يجد منيا فلا غسل عليه. قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من أحفظ عنهم من أهل العلم، وان انتبه فرأى منيا ولم يذكر احتلاما فعليه الغسل لا نعلم فيه خلافا أيضا. وروى ذلك عن عمر وعثمان وبعض الصحابة وجماعة من التابعين ومالك والشافعى. ونقل (٢) عن عمر رضى الله عنه أنه صلى الفجر بالمسلمين ثم خرج الى الجرف (موضع قرب المدينة) فرأى فى ثوبه احتلاما فقال: ما أرانى الا قد احتلمت فاغتسل وغسل ثوبه وصلى وأطال فى الاستدلال. ثم قال: اذا انتبه فوجد بللا لا يعلم هو منى أو غيره. فقال أحمد: اذا وجد بلة اغتسل الا أن يكون به أبردة أو لاعب أهله فانه ربما خرج منه المذى فأرجو ألا يكون به بأس، وكذلك اذا كان انتشر من أول الليل بتذكر أو رؤية لا غسل عليه، وهو قول الحسن لأنه مشكوك فيه يحتمل أنه مذى وقد وجد سببه فلا يجب الغسل مع الشك، وان لم يكن وجد ذلك فعليه الغسل لخبر عائشة سئل رسول الله ﷺ عن

стр. 832

الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاما. فقال: يغتسل، ولأن الظاهر أنه احتلام. وقد توقف أحمد فى هذه المسألة فى مواضع. ونقل عن مجاهد وقتادة خلاف ذلك. ثم قال: وان رأى فى ثوبه منيا وكان مما لا ينام فيه غيره فعليه الغسل لأن عمر وعثمان اغتسلا حين رأياه فى ثوبهما، ولأنه لا يحتمل أن يكون الا منه ويعيد الصلاة من أحدث نومة نامها فيه، الا أن يرى أمارة تدل على أنه صلى قبلها فيعيد من أدنى نومة يحتمل أنه منها، وان كان الرائى له غلاما يمكن وجود المنى منه كابن اثنتى عشرة سنة فهو كالرجل لأنه وجد دليله وهو محتمل للوجود. فان كان أقل من ذلك فلا غسل عليه لأنه لا يحتمل، فتعين حمله على أنه من غيره، فأما ان رأى الرجل منيا فى ثوب ينام فيه هو وغيره ممن يحتلم فلا غسل على واحد منهما لأن كل واحد منهما بالنظر اليه مفردا يحتمل ألا يكون منه فوجوب الغسل عليه مشكوك فيه. مذهب الظاهرية: ويمثله قول ابن حزم (١): الجنابة هى الماء الذى يكون من نوعه الولد، ثم ساق حديث أم سليم السابق، ثم قال: فهذا هو الماء الذى يوجب الغسل وهو واضح فى أن ماء الاحتلام الذى ورد فى الحديث عندهم يوجب الغسل. ثم قال (٢): وكيفما خرجت الجنابة المذكورة .. فالغسل واجب لقوله تعالى: «وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا» ولأمره ﵊: «اذا فضح الماء (أى دفق) أن يغتسل»، وهذا عموم لكل من خرجت منه الجنابة فيشمل الاحتلام. مذهب الزيدية: جاء فى البحر الزخار (٣): ان من موجبات الغسل الامناء بشهوة اجماعا لقوله ﵊: «الماء من الماء». وقال: ان الأكثر على أن المرأة كالرجل ولها ماء لقوله ﵊: «ان للمرأة ماء كماء الرجل». وأورد صاحب جواهر الأخبار الحديث فى تعليقه بما يفيد دخول الاحتلام دخولا أوليا. قال: روى عن على قال: دخلت أنا ورسول الله على عائشة قبل أن يأمر بالستر دوننا فاذا عندها نسوة من الأمصار فقالت عائشة: يا رسول الله، هؤلاء النسوة جئنك يسألنك عن أشياء يستحين من ذكرها، فقال: «ان ﴿اللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ»﴾. قالت: المرأة ترى فى منامها ما يراه الرجل، هل عليها الغسل؟

стр. 833

قال: «عليها الغسل، ان لها ماء كماء الرجل، ولكن الله تعالى أسر ماءها وأظهر ماء الرجل». ثم ساق حديث أم سليم. وقال صاحب البحر (١): لا بد من تيقن المنى ويكفى ظن الشهوة اذ سئل النبى ﵊ عن الرجل يجد البلل ولا يذكر الاحتلام، قال: يغتسل لا العكس اذ لا دليل والأصل الطهارة. ثم قال: ولا شئ فى الشهوة ما لم يمن لقوله ﵊: «لمن احتلم ولم يجد بللا لا غسل عليك»، ويغتسل ان تيقن المنى فى ثوب لم يلبسه غيره ولا اغتسل بعد أقرب نومة عن جنابة ولم يجوز أن يكون من غيره لقوله ﷺ لمن وجد البلل ولم يذكر الاحتلام يغتسل. مذهب الشيعة الجعفرية: يقتضى أن (٢) الاحتلام مع الانزال يوجب الغسل. جاء فى الروضة البهية: «أن موجب الجنابة شيئان: الأول الانزال للمنى يقظة ونوما .. الخ. مذهب الإباضية (٣): من موجبات الغسل الاحتلام وهو يكون بالمنى والمذى والودى. أما المنى فالاغتسال منه واجب، وأما المذى ففيه اختلاف. وأما الودى فليس يجب فيه غير الوضوء. وجاء فى النيل وشرحه (٤): أجمعوا على وجوب الطهارة من حيض ووط ء ولو بلا انزال أو بالانزال ولو باحتلام ولو كان ذلك لامرأة على الصحيح. ثم قال: ولزم الغسل ببلل الليل غير ذى بوادر، قيل مطلقا وقيل ان وجدت معه رائحة ورؤيا (أى حلم) وقيل ان وجده فى فراش لا ينام فيه غيره أو فى ثوبه مما يلى ذكره أو عليه أو فى فخذه. أثر الاحتلام فى الصوم اتفقت المذاهب الثمانية على أن الاحتلام لا يفسد الصوم وان اختلف مسلكهم فى توجيه ذلك كما يتبين من عباراتهم. مذهب الحنفية (٥): أورد صاحب التنوير وشارحه الحصكفى الاحتلام فيما لا يفسد الصوم، وقد استدل لذلك صاحب الاختيار (٦) وقال: وأما اذا نام فاحتلم فلقوله ﵊ فيما رواه أبو سعيد الخدرى: «ثلاثة لا يفطرن الصائم: القئ والحجامة والاحتلام». مذهب المالكية: جاء فى متن خليل (٧): ان صحة الصوم تتحقق بترك منى يقظة بلذة معتادة.

стр. 834

وعلق على ذلك الدسوقى بقوله، واحترز بقوله يقظة بلذة معتادة عن الاحتلام .. الخ. مذهب الشافعية (١): ان الفكر والنظر بشهوة لا يفسد الصوم اذ هو انزال من غير مباشرة فأشبه الاحتلام ومثله فى الاقناع للخطيب (٢). مذهب الحنابلة (٣): يقول ابن قدامة ان الاحتلام لا يفسد الصوم لأنه لا فعل له به. مذهب الظاهرية: يقول ابن حزم (٤): لا ينقض الصوم حجامة أو احتلام .. الخ. ثم قال (٥): أما الاحتلام فلا خلاف فى أنه لا ينقض الصوم الا ممن لا يعتد به. مذهب الزيدية (٦): يفسد الصوم بالامناء لشهوة فى اليقظة والامناء بالنظر، قيل لا يفسد كالاحتلام وقيل ان كان عن أول نظرة كالمحتلم. مذهب الشيعة الجعفرية: جاء فى شرائع الاسلام (٧): ولو احتلم بعد نية الصوم نهارا لم يفسد صومه. مذهب الإباضية: جاء فى النيل وشرحه (٨): من لزمه غسل نهارا فى نوم أو ضرورة أو نسيان من الليل فضيعه أفطر وأعاد ما مضى، وقيل يومه، وقيل ان منع مانع من الاغتسال فلا افطار حتى يضيع قدر الاغتسال، وزاد (٩) أنه اذا لم يبطله التشاغل بشئ عن اتيان الاغتسال مثل أن يشتغل بعمل وهو يسخن الماء فلا بأس. وجاء فى الموضوع نفسه عن حاجب أحد فقهاء المذهب: ان من لزمته الجنابة نهارا باحتلام فاستنجى وغسل رأسه فقط صح صومه وأعاد صلاته. الاحتلام مظهر للبلوغ لا خلاف فى أن الاحتلام مظهر من مظاهر البلوغ. يقول الألوسى (١٠): اتفق الفقهاء على أنه اذا احتلم الصبى فقد بلغ وانما يختلفون فى التعبير عنه وتصويره أو الاستدلال له، واليك بعض ما جاء فى كتب المذاهب: مذهب الحنفية: قال الكاسانى (١١): البلوغ فى الغلام يعرف

стр. 835

بالاحتلام والاحبال والانزال، وفى الجارية بالحيض والاحتلام والحبل فان لم يوجد شئ من ذلك فيعتبر بالسن، أما معرفة البلوغ بالاحتلام فبما روى رسول الله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاث .. » وعد منها الصبى حتى يحتلم، فجعل ﵊ الاحتلام غاية لارتفاع الخطاب والخطاب بالبلوغ فدل على أن البلوغ يثبت بالاحتلام، ولأن البلوغ والادراك عبارة عن بلوغ المرء كمال الحال وذلك بكمال القوة والقدرة من حيث سلامة الأسباب والآلات، هى امكان استعمال سائر الجوارح السليمة وذلك لا يتحقق على الكمال الا عند الاحتلام ولأن الله تعالى أمر بابتغاء الولد والتكليف بذلك انما يتوجه فى وقت لو ابتغى فيه الولد لوجد ولا يكون ذلك الا فى خروج الماء للشهوة وذلك فى حق الصبى بالاحتلام فى المتعارف ولأنه عند الاحتلام يخرج عن حيز الأولاد ويدخل فى حيز الآباء لأن عنده يصير من أهل العلوق فكان الاحتلام علما على البلوغ. مذهب المالكية: قال الدردير فى الشرح الكبير حاشية الدسوقى (١): من علامات البلوغ الحلم أى الانزال مطلقا وان كان الأصل غير الانزال فى النوم. وعلق الدسوقى على قوله «وان كان الأصل غير» بقوله: أى وان كان المعنى الأصلى للحلم الانزال. مذهب الشافعية: قال الخطيب (٢): البلوغ يحمل بأشياء عد منها الأمناء لقوله تعالى: «وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ» وقال الحلم والاحتلام، وهو لغة: ما يراه النائم .. والمراد به هنا خروج المنى فى نوم أو يقظة بجماع أو غيره. مذهب الحنابلة: يقول ابن قدامة (٣): يحصل البلوغ بأحد أشياء: خروج المنى من قبله فى يقظة أو منام أو احتلام لا نعلم فى ذلك خلافا، واستدل بآية: «وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ»، وقوله: «وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ»﴾. وقول النبى ﷺ : «رفع القلم عن ثلاث .. » الحديث، وعد منها الاحتلام. وقوله: «خذ من كل حالم دينارا». قال ابن المنذر: وأجمعوا على أن الفرائض والأحكام تجب على المحتلم العاقل مذهب الظاهرية: قال ابن حزم (٤): الأم أحق بحضانة الولد الصغير والابنة الصغيرة، حتى تبلغ المحيض أو الاحتلام أو الانبات.

стр. 836

مذهب الزيدية: قال صاحب البحر (١): «واحتلام الذكر مع انزاله بلوغ اجماعا، وكذا الأنثى على المذهب لعموم قوله ﷺ : «لا يتم بعد الاحتلام» والامناء لشهوة فى اليقظة بلوغ اذ هو العلة فى بلوغ المحتلم. مذهب الإمامية: يقول صاحب الروضة (٢): البلوغ الذى يجب معه العبادة: الاحتلام أو الانبات أى فى شعر العانة، أو السن، وعرف الاحتلام بأنه خروج المنى من قبله مطلقا فى الذكر والأنثى ومن فرجيه فى الخنثى. مذهب الإباضية: وقال الإباضية (٣) فى كتاب طلعة الشمس على الألفية: ان فى نفس البلوغ خفاء فنصب له العلامات الظاهرة كانبات الشعر والاستحلام والحيض. الاحتلام بالنسبة للاستئذان فى دخول المنازل يقول الله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرّاتٍ .. » الآية. ويقول: «واذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم». ويقول المفسرون (٤): ان الآية الأولى تبين حكم الأطفال من أنهم لا يحتاجون الى الاستئذان، فى غير الأوقات الثلاث. والآية الثانية تبين حالة اذا بلغوا. وقوله «كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ» أى الذين ذكروا فى آية «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا». وجاء فى الفقه الأباضى (٥): وجاز دخول طفل على والده ولو بلا اذن فى غير قائلة وقبل فجر وبعد عشاء، وكره فى هذه الأوقات دخول بغير اذن لطفل فى سن الخامسة أو طفلة كذلك، واستئذان من بلغ الحلم ليس محل اختلاف انما يختلف أسلوب الفقهاء فى طريق الاستئذان وعدد مراته (انظر: استئذان). ولا خلاف بين الفقهاء فى أن التكليف لا يكون الا للبالغ العاقل، وأن البلوغ يتحقق بالاحتلام على ما بينا. يقول ابن أمير الحاج: «التقرير والتحبير على التحرير (٦): أن الشرع أقام اعتدال الحال بالبلوغ عن عقل بلا عنه مقام العقل فى توجيه الخطاب تيسيرا على العباد، ثم صار صفة الكمال الذى يتوهم وجوده. قيل: هذا الحد ساقط الاعتبار، كما سقط توهم بقاء النقصان بعد هذا الحد. ويقول ابن قدامة (٧): قال ابن المنذر وأجمعوا على أن الفرائض والأحكام تجب على المحتلم العاقل .. الخ.

стр. 837

احْتِيَال تعريف الاحتيال: الاحتيال لغة: جاء فى مختار الصحاح (١): «الحيلة اسم من الاحتيال، وكذا الحَيْل والحوْل .. يقال لا حيل ولا قوة، لغة فى حوْل. وهو أحيل منه، أى أكثر حيلة، ويقال ما له حيلة ولا احتيال ولا محال بمعنى واحد». وجاء فى لسان العرب (٢): «الاحتيال مطالبتك الشئ بالحيل» وعلى هذا فالاحتيال هو اللجوء إلى الحيلة. ويعرف الشاطبى الحيل بقوله: «أن حقيقته المشهورة هى تقديم عمل ظاهر الجواز لابطال حكم شرعى، وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر، فمآل العمل فيها خرم قواعد الشريعة فى الواقع، كالواهب ماله عند رأس الحول فرارا من الزكاة، فإن أصل الهبة على الجواز، ولو منع الزكاة من غير هبة كان ممنوعا، فإن كل واحد منهما ظاهر أمره فى المصلحة أو المفسدة، فإذا جمع بينهما على هذا القصد صار مال الهبة المنع من آداء الزكاة، وهو مفسدة، ولكن هذا بقصد إبطال الأحكام الشرعية (٣). وقال قبل ذلك (٤): التحيل بوجه سائغ شروع فى الظاهر وذلك كمن وهب النصاب قبل الحول حتى لا تجب الزكاة، أو غير سائغ كمن شرب الخمر فى وقت الصلاة حتى تسقط عنه، على إسقاط حكم أو قلبه إلى حكم آخر بحيث لا يسقط أو ينقلب إلا مع تلك الواسطة، فتفعل ليتوصل بها إلى ذلك الغرض المقصود مع العلم بكونها لم تشرع له. ويبين ابن القيم أقسام الحيل فيقول (٥): القسم الأول: الطرق الخفية التى يتوصل بها إلى ما هو محرم فى نفسه بحيث لا يحل بمثل ذلك السبب بحال، فمتى كان المقصود بها محرما فى نفسه فهى حرام باتفاق المسلمين. وهذا القسم ينطوى على أنواع ثلاثة: أحدها أن تكون الحيلة محرمة ويقصد بها المحرم. الثانى: أن تكون مباحة فى نفسها ويقصد بها المحرم، فتصير حراما تحريم الوسائل كالسفر لقطع الطريق وقتل النفس المعصومة. وهذان القسمان تكون الحيلة فيهما موضوعة للمقصود الباطل المحرم، ومفضية إليه كما هى موضوعة للمقصود الصحيح الجائز ومفضية إليه، فإن السفر طريق صالح لهذا وهذا. الثالث: أن تكون الطريق لم توضع للإفضاء إلى المحرم، وإنما وضعت مفضية إلى المشروع كالإقرار والبيع والنكاح والهبة ونحو ذلك فيتخذها المتحيل سلما وطريقا إلى الحرام.

стр. 838

القسم الثانى: أن يقصد بالحيلة أخذ حق أو دفع باطل، وهذا القسم ينقسم إلى ثلاثة أنواع أيضا: النوع الأول: أن يكون الطريق محرما فى نفسه وإن كان المقصود به حقا مثل أن يكون له على رجل حق فيجحده ولا بينة له، فيقيم صاحبه شاهدى زور يشهدان به، ولا يعلمان ثبوت ذلك الحق، فهذا يأثم على الوسيلة دون المقصود، وفى مثل هذا جاء الحديث «أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك». النوع الثانى: أن تكون الطريق مشروعة، وما تفضى إليه مشروع، وهذه هى الأسباب التى نصبها الشارع مفضية إلى مسبباتها كالبيع والإجارة، ويدخل فى هذا النوع الاحتيال على جلب المنافع وعلى دفع المضار، وليس كلامنا ولا كلام السلف الصالح فى دم الحيل متناولا لهذا النوع، بل العاجز من عجز عنه. النوع الثالث: أن يحتال على التوصل إلى الحق أو على دفع الظلم بطريق مباحة لم توضع موصلة إلى ذلك، بل وضعت لغيره، فيتخذها هو طريقا إلى هذا المقصود الصحيح، أو قد تكون وضعت ولكنها خفية ولا يفطن لها. والفرق بين هذا النوع والذى قبله أن الطريق فى الذى قبله نصبت مفضية إلى مقصودها ظاهرا فسالكها سالك للطريق المعهود، والطريق فى هذا النوع نصبت مفضية إلى غيره فيتوصل بها إلى ما لم توضع له، فهى فى الأفعال كالتعريض الجائز فى الأقوال. الصلة بين الاحتيال وبعض الأصول الشرعية قرر الشاطبى حرمة الاحتيال، وأسس هذا البطلان على جملة من الأصول الشرعية الكلية والقواعد القطعية، ثم قام بعمل استقراء من نصوص الشريعة يفيد أن الاحتيال بالفعل المشروع فى الظاهر إلى إبطال الأحكام الشرعية باطل شرعا، وإليك هذه الأصول. أولا: الاحتيال ومخالفة قصد الشارع . أسس الشاطبى حرمة الاحتيال على أن المحتال قصد ما ينافى قصد الشارع فبطل عمله. ذلك أن قصد المكلف فى العمل يجب أن يكون موافقا لقصد الشارع وأن من ابتغى فى تكاليف الشريعة غير ما شرعت له فقد ناقض الشريعة، وكل من ناقضها فعمله على المناقضة باطل، وقد أقام الأدلة على أن مخالفة قصد الشارع مبطلة للعمل (١). أما أن المحتال قاض بالعمل غير ما شرع له فظاهر، فالناكح - يقصد تحليل المرأة لزوجها الأول - قاصد بالزواج غير ما شرع له. فالزواج شرع للتناسل وتكوين الأسرة والسكن والمودة والرحمة، وما إلى ذلك من مصالح الزواج التى لا تحصل إلا بدوام العشرة. وليس من مصالح النكاح التى قصدها الشارع منه أن يحلل الزوج المرأة لغيره، بل إن ذلك مناف للحكمة من الزواج ومفوت لمصالحه.

стр. 839

ودليل ذلك أن الجمهور على أن التحليل لو شرط صراحة فى العقد لبطل، لأنه شرط ينافى مقتضى العقد، وقصد الشارع من عقد البيع دفع حاجة البائع إلى الثمن وحاجة المشترى إلى السلعة، فإذا قصد المحتال أن يقرض مائة إلى أجل ليسترد مائتين، وجعل السلعة وسيلة لذلك وليس لأحدهما غرض فيها بوجه من الوجوه فقد خالف قصده قصد الشارع. الأساس الثانى - الاحتيال وقاعدة اعتبار المآل يقرر الشاطبى أن النظر فى مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا، وبين أن مضمون هذه القاعدة أن المجتهد لا يحكم على فعل بالإذن أو المنع إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، فإذا كان الفعل مشروعا لمصلحة فيه تستجلب، أو لمفسدة تدرأ، فإنه يمنع إذا أدى استجلاب تلك المصلحة أو درء تلك المضرة إلى فوات مصلحة أهم أو حدوث مفسدة أكبر، وبالمثل فإن الفعل غير المشروع لمفسدة تنشأ عنه، أو لمصلحه تندفع به يشرعه إذا أدى استدفاع المضرة أو جلب المصلحة إلى مفسدة تساوى أو تزيد. وهذه القاعدة تنطبق على الاحتيال، ذلك أن الفعل المتحيل به فعل مشروع لمصلحة فى الظاهر، لم يقصد به المتحيل تحصيل هذه المصلحة، وإنما قصد به مفسدة محرمة، كالواهب ماله عند رأس الحول فرارا من الزكاة، فإن أصل الهبة على الجواز، ولو منع الزكاة من غير هبة لكان ممنوعا، فإن كل واحد منهما ظاهر أمره فى المصلحة أو المفسدة، فإذا جمع بينهما على هذا القصد صار مال الهبة المنع من آداء الزكاة وهو مفسدة (١). الاحتيال وإسقاط حكم السبب بفعل شرط أو تركه إذا كان إعمال السبب يتوقف على فعل شرط أو تركه، فإن قام المكلف بفعل ما يحقق هذا الشرط أو يفوته، تحصيلا لمصلحة شرعية، فإن فعل الشرط يترتب عليه أثره. وأما إذا فعل المكلف هذا الشرط أو تركه من حيث كونه شرطا دون قصد إلى تحصيل مصلحه شرعية، وإنما فعله قصدا لإسقاط حكم السبب لكى لا يترتب عليه أثره، فهذا عمل غير صحيح، وسعى باطل. ومثل الشاطبى لذلك بأنه إذا توافر النصاب كان سببا لوجوب الزكاة. ولكن يتوقف الوجوب على بقاء النصاب، حتى يحول الحول، فإذا ما أنفق المكلف النصاب قبيل الحول للحاجة إلى إنفاقه، أو أبقاه للحاجة إلى إبقائه، فإن الأحكام التى تترتب على الأسباب تنبنى على وجود الشرط أو فقده، أما إذا أنفقه من حيث أنه شرط لوجوب الزكاة قاصدا عدم ترتب آثار السبب عليه، فإن هذا العمل غير صحيح، ولقد أقام الشاطبى الأدلة التى تفيد القطع فى جملتها بأن فعل ما يحقق الشرط أو

стр. 840

يعدمه. بقصد إبطال حكم السبب، فعل غير صحيح وسعى باطل. ثم قال: فا هذا العمل يصير ما انعقد سببا للحكم، جلبا لمصلحة أو دفعا لمفسدة، عبثا لا حكمة له ولا منفعة فيه، وهذا مناقض لما ثبت فى قاعدة المصالح وأنها معتبرة فى الأحكام، وأيضا فإنه مضاد لقصد الشارع من جهة أن السبب لما انعقد سببا وحصل فى الوجود صار مقتضيا شرعا لمسببه، ولكنه توقف شرعا على حصول شرط هو تكميل للسبب، فصار هذا الفاعل أو التارك بقصد رفع حكم السبب قاصدا لمضادة الشارع فى وضعه سببا. وقد تبين أن مضادة قصد الشارع باطلة، فهذا العمل باطل (١). الاحتيال وانعدام الإرادة فى العقد المتحيل به إن ركن العقد هو الرضا، ولما كانت الإرادة أمرا باطنا لا يطلع عليه، جعل الشارع مظنة الرضا، وهو الصيغة، قائمة مقام الرضا. على أنه إذا ثبت أن العاقد الذى أتى بالصيغة قد قصد بها غير ما وضعت له، فإن الرضا بالعقد يكون منعدما، إذ الصيغة لا تنعقد سببا لترتب آثار العقد عليه إلا إذا قصدها العاقد غير مريد بها معنى يناقض موجبها ومعناها. فعاقد الهبة بقصد التهرب من الزكاة لم يتوافر بالنسبة له الرضا بالعقد الذى أبرمه ذلك أنه قصد بالصيغة ما ينافى المعنى الذى وضعت له. فلفظ الهبة إنما وضع لإرادة تمليك الواهب للموهوب له على سبيل الإرفاق والإحسان، والواهب للنصاب لم يقصد باللفظ معناه الموضوع له شرعا، وإنما قصد به الهروب من دفع الزكاة، ولم يضع الشرع لفظ الهبة للهروب من دفع الزكاة. كما لم يضع لفظ النكاح ليحلل المطلقة وإنما وضعه لدوام العشرة، وإذا كانت بعض عقود الهازل صحيحة. فإن هناك فرقا بين الهازل والمحتال. ذلك أن الهازل أتى بالصيغة غير قاصد ما يناقض المعنى الذى وضعت له شرعا، فكان قاصدا لحكم اللفظ حكما، وإن لم يقصده حقيقة، وذلك بخلاف المحتال، فإنه لما كان قاصدا خلاف معنى اللفظ لم يصح القول بأنه قاصدا لمدلوله حكما، فالهازل آت بالسبب غير راغب فى ترتب آثاره عليه وترتب الأثر بحكم الشارع لا بإرادة الشخص (٢). حكم الاحتيال وأدلته يقرر الشاطبى أن الاحتيال بالمعنى الذى قرره غير مشروع، والفعل المتحيل به غير صحيح، فيقول: الحيل فى الدين بالمعنى المذكور غير مشروعة فى الجملة … فإذا كان الأمر فى ظاهره وباطنه على أصل المشروعية فلا إشكال، وإن كان الظاهر موافقا والمصلحة مخالفة فالفعل غير صحيح وغير مشروع (٣).

стр. 841

وعلى هذا فإن الفعل المتحيل على ما لا يجوز غير مشروع فى الباطن بينه وبين الله تعالى، وغير صحيح ولا يترتب عليه أثر فى أحكام الدنيا إذا قامت الأدلة على القصد المحرم والباعث غير المشروع. وعلى هذا فإن واهب النصاب قبيل الحول بقصد الفرار من الزكاة تحرم هبته وتبطل إذا ثبت بإقراره أو بالقرائن أنه إنما وهب النصاب بقصد الفرار من هذا الواجب وهو مجال الخلاف بين المالكية والحنابلة من جهة، وبين الشافعية والحنفية من جهة أخرى. فالفريق الأول يبطلون الفعل الذى يقصد به الفاعل قصداً غير مشروع إذا قامت القرائن على هذا القصد، أما الفريق الآخر فإنهم وإن وافقوا على أن القصد إلى إبطال الحقوق وإسقاط الواجبات وغير ذلك من النيات المحرمة والمقاصد غير المشروعة محرم، الا أن العقد أو التصرف لا يبطل بل يترتب عليه أثره، ويحكم بصحته قضاء، ولو ثبت قصد الفاعل غير المشروع أو نيته المحرمة، ما لم يكن العاقد قد أظهر هذا القصد أو تلك النية فى العقد نفسه، بحيث كانت داخلة فى صلب التصرف ومعبراً عنها فيه. ويقرر الشاطبى أن هناك نصوصا شرعية يقطع مجموعها بالمنع من الاحتيال فى الشريعة ونحن نورد بعض هذه النصوص: ١ - ما جاء فى القرآن من نصوص خاصة بالمنافقين والمرائين: فقد ذم الله هذين الفريقين وتوعدهم بالعقوبة وشنع عليهم، ويتمثل النفاق فى الرياء فى أنهم أتوا قولا أو عملاً. للشارع منه قصد معين، وهم يقصدون منه ما يناقض هذا القصد، فالمنافق ينطق بكلمة الشهادة لا يقصد بها الخضوع فى الباطن والظاهر لله ، وإنما يقصد بها صيانة دمه وماله والمرائى يأتى العبادة لا يقصد بها التوجه إلى الله الواحد المعبود، ولا نيل الثواب فى الآخرة، وإنما قصده النيل من أوساخ الخلق، أو من تعظيمهم، أو غير ذلك من حظوظ الدنيا الفانية، ومتعها الزائلة. ٢ - ما جاء فى القرآن فى شأن أصحاب السبت الذين حرم عليهم الصيد فى يوم السبت فحفروا حياضا تصلها قنوات بالبحر حتى تدخلها الحيتان يوم السبت ثم يحبسونها حتى يصيدوها فى الأيام الجائز فيها الصيد، وقد كان عقابهم بالمسخ، وهو أشنع العقوبات (١). والاحتيال واضح فى أفعالهم، إذ إنهم ما قصدوا بالحفر مصلحه شرعية بل كان مقصدهم الاحتيال على فعل المنهى عنه. ٣ - ما جاء فى السنة من النهى عن جمع المتفرق وتفريق المجتمع خشية الصدقة ذلك أن الجمع والتفريق جائزان إذا قصد الخليطان مصلحة مشروعة لذلك الفعل، أما إذا كان ذلك الفعل لم يقصد به إلا إسقاط الزكاة الواجبة أو تقليلها فإن هذا القصد يبطل لأن ما خالف قصد الشارع حرام باطل. ٤ - ما جاء فى السنة من تحذير

стр. 842

المسلمين من فعل اليهود الذين استحلوا محارم الله بأدنى الحيل. فقد حرم الله عليهم الشحوم فجملوها (١) وباعوها وأكلوا أثمانها. وقد لعن الله اليهود بسبب فعلهم هذا. ذلك أن المصلحة المفهومة من النهى عن الشحوم هى عدم الانتفاع بها، وذلك يشمل الانتفاع بالثمن وهم قد أغفلوا هذا المعنى واعتبروا ظاهر النص لا قصدا إلى الوقوف عندما حده الشارع مما لم تعلم مصلحته على الخصوص، وإنما بقصد الحصول على المال الذى هو معبودهم المقدس، إذ كيف تطيب نفوسهم بترك الشحوم دون الاستفادة منها (٢). ٥ - ما جاء فى السنة من لعن المحلل والمحلل له، والراشى والمرتشى، وحرمة بيع العينة، وهدية المديان، وغلول الأمراء والبيع والسلف. إحْدَاد تعريفه لغة: الإحداد مأخوذ من الحد، وهو لغة: المنع، ويريد به اللغويون منعا خاصا، وهو امتناع المرأة عن الزينة والخضاب بعد وفاة زوجها (٣). وفى عرف الفقهاء: ألا تقرب المعتدة من وفاة، شيئا من الزينة والطيب، وما إليهما على تفصيل فى ذلك بين المذاهب، وعلى خلاف بين المباح والممنوع (انظر ما تجتنبه الحاد). زاد بعض المذاهب كالحنفية والزيدية المعتدة من طلاق ثلاثا وعلل الحنفية ذلك بأن حزن المرأة على انفصام عرى الزوجية لا يقل عن حزنها لموته (٤). والإحداد امتناع المرأة المتوفى عنها زوجها من الزينة كلها من لباس وطيب وغيرهما، و «من» كل ما كان من دواعى الجماع. والحداد ثياب المآتم السود، والحاد والمحد من النساء التى تترك الزينة والطيب يقال حدت تحد وتحد حدا وحدادا، وأحدت. وأبى الأصعمى إلا أحدت تحد وهى محد ولم يعرف حدت. قال أبو عبيد: ونرى أنه مأخوذ من المنع، لأنها قد منعت من ذلك، ومنه قيل للبواب حداد، لأنه يمنع الناس من الدخول والسجان حداد. وقد سميت الحدود الشرعية كذلك لأنها تمنع وتردع عن المعصية. وقال ابن عرفة: الإحداد ترك ما هو زينة ولو مع غيره، فيدخل ترك الخاتم، اذ قد يكون زينة

стр. 843

وحده لبعض النساء، وقد لا يكون، فى بعض آخر. إلا مع غيره، فيمنع على الحالين. والأصل فيه قوله ﷺ «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا (١)». حكمه وجمهور الفقهاء على وجوبه (٢) على المتوفى عنها، إلا ما يروى عن الحسن البصرى من طريق حماد بن سلمة عن حميد أنه قال: المطلقة ثلاثا والمتوفى عنها زوجها يكتحلان ويمتشطان ويتطيبان ويختضبان وينتعلان ويصنعان ما شاء ا. ومثله عن الحكم بن عتيبة، وعن الشعبى أنه كان لا يعرف الإحداد، قال أحمد: ما كان بالعرق أشد تبحرا من هذين، يعنى الحسن والشعبى، وخفى ذلك عليهما. وحجة الجمهور حديث أم عطية فى المتفق عليه واللفظ لمسلم أن رسول الله ﷺ قال: لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً (٣). وقد فصل العلماء القول فى وجوبه على الكتابية والأمة والصغيرة والمطلقة الخ على ما سيأتى بيانه. حكمته أن التطيب والتزين يلفت النظر إلى المرأة، ويدعو إلى اشتهائها والتفكير فيها، فمنعت منه صونا لها فى زمن عدتها وفاء بحق الزوج الذى فارقها وهو على وفاق معها، وإذا كانت تلك الأمور دواعى للرغبة فيها وهى ممنوعة من النكاح فإن اجتنابها واجب كى لا تصير ذريعة الى الوقوع فى المحرم (٤). مدته أربعة أشهر وعشرة أيام بلياليها للحرة، وعلى النصف من ذلك للأمة، وتحل الحرة ليلة الحادى عشر. مذهب الحنفية: أن كانت حاملا فعدتها أن تضع حملها، لقوله تعالى: «وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ». مذهب المالكية: قال الباجى: قوله ﷺ : «إنما هى أربعة أشهر وعشر» على وجه الإخبار بمدة الإحداد الواجب على زوجة المتوفى، وذلك أربعة أشهر وعشر.

стр. 844

وقال مالك: تحد الأمة إذا توفى عنها زوجها شهرين وخمس ليال، مثل عدتها وليس على أم الولد إحداد إذا مات سيدها ولا على أمة يموت عنها سيدها إحداد، وانما الاحداد على زوات الأزواج (١): انظر مصطلح «عدة». مذهب الشافعية: وقال الشافعى فى الأم: وعدة المتوفى عنها من يوم يموت عنها زوجها فإن لم يأتها نبأ وفاة حتى انقضت عدتها لم تستأنف عدة جديدة. وكذلك لو لم يأتها نبأ الوفاة حتى يمضى بعض عدتها أكملت ما بقى من عدتها حادة، ولم تعد ما مضى منها. وإن بلغها يقين وفاته ولم تعرف اليوم الذى مات عنها فيه اعتدت من يوم استيقنت وفاته حتى تكمل عدتها، ولم تعتد بما شك فيه كأن شهد عندها أنه مات فى رجب، وقالوا لا ندرى فى أى رجب مات فتعتد فى آخر ساعات النهار من رجب فاستقبلت بالعدة شعبان، وإذا كان اليوم العاشر بعد الأربعة الأشهر فى آخر ساعات النهار، حلت، فكانت قد استكملت أربعة أشهر وعشرا (٢). وهذا إذا لم تكن حاملا، وإلا فإن أمد الإحداد ينتهى بوضع حملها. قصرت المدة أم طالت. وقال بعض العلماء: لا يلزمها الإحداد بعد أربعة أشهر وعشر وإن لم تضع الحمل. وهذا بالنسبة للزوج، أما إذا كان الإحداد على غير زوج فلا يزيد عن ثلاث ليال، لقوله ﷺ : لا تحد المرأة فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا (٣)». مذهب الحنابلة: إذا كانت حاملا فحتى تضع. مذهب الظاهرية: وافقوا الجمهور فى مدة الإحداد على الزوج، وعلى غيره من الأوقات. قال ابن حزم: لو التزمت المرأة ثلاثة أيام على أب أو أخ او ابن أو أم أو قريب أو قرينة، كان ذلك مباحا واستدل بنحو الرواية التى سقناها قريبا. ؟ أما إن كانت المتوفى عنها حاملا فقد ذكر بشأنها أنه إن كانت عدة المتوفى عنها وضع حملها فلا بد من الإحداد أربعة أشهر وعشر فأقل - إن وضعت قبل مضيها - ولا نوجبه عليها بعد ذلك، لأن النصوص كلها إنما جاءت بأربعة أشهر وعشر فقط.

стр. 845

وقد صح أن رسول الله ﷺ أمر سبيعة الأسلمية بأن تنكح من شاءت اذ وضعت حملها أثر موت زوجها بليال. وقد تشوفت للخطاب فلم ينكر ذلك عليها. فصح أنه لا إحداد عليها بعد إنقضاء حملها قبل الأربعة الأشهر وعشر. ثم قال: ولم نجد نصابا يجابه عليها أن تمادى الحمل أكثر من أربعة أشهر وعشر. فإن وجد فالقول به واجب وإلا فلا. ثم استدركنا إذ تدبرنا قول رسول الله ﷺ ، فى بعض طرق خبر أم عطية أنها تجتذب ما ذكر اجتنابه دون ذكر أربعة أشهر وعشر، فكان العموم أولى أن تضع حملها (١). مذهب الزيدية: قالوا: والحامل بآخر الأجلين لقوله تعالى: «أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ» وقوله: «أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً». وقيل: بالوضع فقط لقوله تعالى: «أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ» ولم يفصل. مذهب الإمامية: قالوا: بأبعد الأجلين إذا كانت حاملا. وسواء قيل بالوضع أو بأبعد الأجلين، فمحصل آراء الحنفية والزيدية والإمامية والحنابلة أنه إذا استمر حملها أكثر من أربعة أشهر وعشرا لا تحل حتى تضع. وحيث أن الإحداد يكون فى مدة العدة فإنه فى هذه الحالة يستمر وجوبه حتى تضع كذلك (٢). إحداد الكتابية مذهبا الحنفية والزيدية: يرون إن الإحداد لا يجب على الكتابية لأن الإيمان شرط لوجوب الإحداد، عملا بظاهر الحديث، ولأن الإحداد عبادة، والكتابية غير مخاطبة بها خطاب تكليف إذ ليست من أهل العبادة (٣). مذهب المالكية: اختلف قول مالك فى ذلك حسبما روى عنه، فروى عنه أشهب: لا إحداد عليها لما ذكرنا من التعليل عند الأحناف. وروى عنه ابن القاسم وغيره أن عليها الإحداد كالمسلمة، ووجهه أن هذا حكم من أحكام العدة، وحق من حقوق الزوجية فلزوم الكتابية للمسلم كلزوم المسكن والعدة والنفقة. وعلى هذا فلا يكون المراد من وصف الإيمان هنا ما يفهم تخصيص الحكم بالمؤمنات بل يكون ذكره على سبيل
следующие страницы →