وبنات خاله وخالته ان أرضعت من أجداده أو جداته ان أمكن رضاع مثلها لمثلها أو قالت له أرضعت امرأتك أو أمها أو أباها أو جد أو جدة لها ان أمكن ارضاع مثلها لمثلهم فيحرم نكاحها وما ولدها وان علا وما أرضعها وان علا لا ما ولدت من بنات ولا يجمعه من مع امرأته التى نسبت اليها رضاعها. وحلت له ان قالت أرضعت ابنك أو بنتك أو أولادهما وما ولدها وما ولدته وحرمت على الرجل أم امرأته وان لم يمس امرأته وما ولدها من جهة الابوة ومن جهة الامومة وان علا ولا ما ولدت ولا ما ولد ما ولدت فسافلا ولا يجمع ما ولدت ولا ما ولد ما ولدت مع التى عنده وتحرم البنت وما ولدت وان سفل اذا مس الأم أو الجدة من أى جهة سواء ربيت فى حجره أم لا. ولا تحرم بمجرد العقد على الأم فلو عقد على الأم وافترقا قبل الدخول لم تحرم عليه بنتها وفيه خلاف بين الإباضية فيقول صاحب شرح كتاب النيل (خلافا فالبعض قومنا) وتحرم الأم بالعقد على البنت وبنت الابن وبنت البنت وان سفلت وان عقد على البنت بلا أمرها وأنكرت حلت أمها وان عقد عليها أبوها وهى بكر بلا أمرها حرمت أمها ولو لم ترض وقيل تحل ان لم ترض (١).
ومن تزوج صبية ولم يدخل بها وأنكرته بعد البلوغ فله نكاح أمها عند من لا يثبت نكاح الصبية حتى تبلغ لا عند ما يثبته ولو لم يدخل بها.
روى الترمذى عن عبد الله بن عمر ابن العاص عن النبى ﷺ «ايما رجل نكح امرأة فدخل بها فلا يحل له نكاح ابنتها فان لم يكن دخل بها فلينكح ابنتها وأيما رجل نكح امرأة فدخل بها أو لم يدخل فلا يحل له نكاح أمها» والخلوة مس فان أقرت الأم بعدم المس مع امكان الخلوة صدقت فى ان لها نصف الصداق وحرمت البنت وتعتد الأم ولو أقر الزوج بعدم المس فان طلقت أم أو فوديت أو خولعت أو ظوهر منها وماتت أو حرمت قبل أن تمس وقبل امكان الخلوة حلت بنتها.
وهل تحل البنت ان ماتت أمها قبل المس أو الخلوة أولا بناء على ان الموت بمنزلة الدخول؟ فيه قولان والصحيح الأول لأن الصحيح أن الموت بمنزلة الطلاق والقولان فى المذهب ونسب بعضهم الثانى لبعض المخالفين.
ومن تزوج امرأة فى عدتها ولم يدخل بها حلت أمها وبنتها وان مسها فى غير الفرج ثم تبين انها فى العدة فتركها وتزوج أمها لم يفرق بينهما وقيل يفرق بينهما (٢).
الأم والولاية على عقد النكاح
مذهب الحنفية:
جاء فى مختصر (القدورى) انه يجوز نكاح الصغير والصغيرة إذا زوجهما الولى
стр. 7807
بكرا كانت الصغيرة أو ثيبا والولى هو العصبة فان زوجهما غير الأب والجد فلكل واحد منهما الخيار اذا بلغا ان شاء أقام على النكاح وان شاء فسخ ولا ولاية لعبد ولا لصغير ولا لمجنون ولا لكافر على مسلمة وقال أبو حنيفة ﵀ انه يجوز لغير العصبات من الأقارب التزويج مثل الأخت والأم والخالة ومن لا ولى لها اذا زوجها مولاها الذى أعتقها جاز. واذا غاب الولى الأقرب غيبة منقطعة جاز لمن هو أبعد منه ان يزوجها والغيبة المتقطعة أن يكون فى بلد لا تصل اليه القوافل فى السنة الا مرة واحدة. (١)
وإذا اجتمع فى المجنونة أبوها وابنها فالولى فى نكاحها ابنها عند أبى حنيفة وأبى يوسف وقال محمد أبوها (٢).
وجاء فى «الفتاوى الهندية» أن الأفضل أن يأمر الأب الابن بالنكاح حتى يجوز بلا خلاف (٣) وعند عدم العصبة كل قريب يرث الصغير والصغيرة من ذوى الأرحام يملك تزويجهما فى ظاهر الرواية عن أبى حنيفة وقال محمد: لا ولاية لذوى الأرحام وقول أبى يوسف مضطرب والأقرب عند أبى حنيفة للأم ثم البنت ثم بنت الابن ثم بنت البنت ثم بنت ابن الابن ثم بنت بنت البنت ثم الأخت لأب وأم ثم الأخت لأب ثم الأخ والأخت لأم ثم أولادهم واذا بلغ الابن معتوها أو مجنونا تبقى ولاية الأب عليه فى ماله ونفسه (٤).
مذهب المالكية:
جاء فى كتاب «بداية المجتهد» أن مالكا ذهب الى أنه لا يكون نكاح الا بولى وان الولاية شرط فى صحة النكاح فى رواية أشهب عنه.
ويتخرج على رواية ابن القاسم عن مالك ان اشتراط الولاية سنة لا فرض وذلك انه روى أنه كان يرى الميراث بين الزوجين بغير ولى وانه يجوز للمرأة غير الشريفة أن تستخلف رجلا من الناس على انكاحها وكان يستحب أن تقدم الثيب وليها ليعقد عليها فكأنه عنده شرط من شروط التمام لا من شروط الصحة بخلاف عبارة البغداديين من أصحاب مالك فانهم يقولون انها من شروط الصحة لا من شروط التمام (٥).
ومن شروط الولاية: الاسلام والبلوغ الذكورية وسوالبها اضداد هذه أى الكفر والصغر والانوثة (٦) وجاء فى «المدونة الكبرى» ان الابن أولى بانكاح الأم والصلاة عليها وابن ابنها أولى بانكاحهما والصلاة عليها واذا كان أولياؤها حضورا كلهم وبعضهم أقعد من بعض، منهم العم والأخ والجد وولد الولد والولد نفسه فزوجها العم فأنكر ولدها وسائر
стр. 7808
الأولياء تزويجها وقد رضيت المرأة فذلك جائز على الأولياء (١).
مذهب الشافعية:
جاء فى (الوجيز) ان أسباب الولاية أربعة:
الأول: الأبوة وفى معناها الجدودة وتفيد ولاية الاجبار على البكر وان كانت بالغا لا على الثيب وان كانت صغيرة سواء ثابت بالزنا أو بوط ء حلال ولا أثر لزوال البكارة بالسقطة ولو التمست البكر البالغة التزويج وجبت الاجابة وان كانت مجبرة فان عضل زوج السلطان والكفء الذى عينته أولى ممن عينه الولى على وجه.
الثانى: للولاية هو العصوبة كالاخوة والعمومة ولا يفيد الا تزويج البالغة العاقلة برضاها الصريح ان كانت ثيبا. وبسكوتها ان كانت بكرا على رأى.
الثالث: المعتق وهو كالعصابات.
الرابع: السلطان وانما يزوج البالغة عند عدم الولى أو عضله أو غيبته أو أراد الولى أن يتزوج بنفسه كابن عم أو معتق أو قاض وليس للسلطان تزويج الصغيرة ولا للوصى ولاية وان فوض اليه أما ترتيب الأولياء فالأصل القرابة ثم الولاء ثم السلطة ومن الأقارب الأب ثم الجد ثم الأخ ثم ابنه ثم العم ثم ابنه على ترتيبهم فى عصوبة الميراث. والابن لا يزوج أمه بالبنوة ولا تمنعه البنوة عن التزويج بالولاء وغيره واذا أعتقت المرأة فلها الولاء وتزويج العتاقة الى ولى السيدة ولا يفتقر الى رضا السيدة على الأشهر ويزوجها أبو السيدة فى حياتها وابنها بعد وفاته (٢).
وقال الامام الشافعى فى «كتاب الأم» قال رسول الله ﷺ «ايما امرأة نكحت بغير اذن وليها فنكاحها (باطل) فبين فيه ان الولى رجل لا امرأة فلا تكون المرأة وليا أبدا لغيرها. واذا لم تكن وليا لنفسها كانت أبعد من أن تكون وليا لغيرها ولا تعقد عقدة النكاح (٣).
وجاء فى «الأنوار» لأعمال الأبرار أن من شروط الولاية فى النكاح ان يكون الولى ذكرا يقينا فلا ولاية للخنثى بل لوليه باذنه ولا للمرأة على نفسها ولا غيرها لا بالملك ولا بغيره بكرا كانت أو ثيبا شريفة أو دنيئة أو زوجت نفسها أو غيرها باذن الولى أو دونه أو زوجها غير الولى باذنها دون اذن الولى بطل النكاح ولا يجب الحد (٤).
مذهب الحنابلة:
جاء فى «كشاف القناع» ان أحق الناس بالولاية على نكاح المرأة الحرة أبوها ثم أبوه وإن علا وأولى الأجداد أقربهم كالميراث ثم ابنها ثم ابنه وان سفل ثم أخوها لأبويها ثم
стр. 7809
أخوها لأبيها ثم بنوهما كذلك وان نزلوا كالارث ثم العم لأبوين ثم العم الأب ثم بنوهما كذلك وان نزلوا الأقرب فالأقرب ثم أقرب العصابات على ترتيب الميراث (١) ومن شروط الولى الذكورية لان المرأة لا تثبت لها ولاية على نفسها فعلى غيرها أولى (٢).
مذهب الظاهرية:
جاء فى (المحلى) (٣) أنه لا تكون المرأة وليا فى النكاح فان ارادت انكاح امتها أو عبدها أمرت أقرب الرجال اليها من عصبتها ان يأذن لها فى النكاح، فان لم يكن لها عاصب فالسلطان يأذن لها فى النكاح برهان ذلك قول الله «وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ» (٤) فصح يقينا أن المأمورين بانكاح العبيد والاماء هم المأمورين بانكاح الايامى لان الخطاب واحد ونص الآية يوجب أن المأمورين بذلك الرجال فى انكاح الايامى والعبيد والاماء فصح بهذا أن المرأة لا تكون وليا فى انكاح احد اصلا لكن لا بد من اذنها فى ذلك والا فلا يجوز لقول الله تعالى «وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ، فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ (٥).
مذهب الزيدية:
جاء فى «شرح الازهار» أن ولى عقد النكاح الأقرب فالأقرب المكلف الحر من عصبته النسب لأنه لا ولاية للأبعد مع وجود الأقرب. كالاخ مع الابن واقرب العصبة هو الابن ثم ابنه ما نزل ثم الأباء وأقربهم الأب ثم أبوه ثم كذلك ما علوا ثم الأخوة لأبوين ثم للأب ثم ابن الاخ لأبوين ثم لأب ثم الاعمام كذلك ثم بنوهم كذلك ثم أعمام الأب كذلك ثم بنوهم كذلك فلا ولاية للصبى ولا للمجنون ولا ولاية للعبد فى النكاح ثم اذا لم يكن للمرأة عصبة من النسب فولى نكاحها عصبة السبب وهو معتقها ان كانت عتيقة ثم عصبته مرتبا على ذلك التدريج فى النسب سواء سواء ثم سببه وهو معتق المعتق ثم عصبته كذلك ثم اذا لم يكن للمرأة ولى من جهة النسب ولا من جهة السبب فولى نكاحها الوصى بالنكاح فاذا كان ولى نكاحها قد أوصى شخصا أن يزوجها فان هذا الوصى أولى من الامام والحاكم بشرطين.
احدهما أن يكون الميت قد أمر الوصى أن يعقد لشخص معين.
والثانى أن تكون هذه الوصية فى حق الصغير (٦).
ومن شروط الولى أن يكون مرشدا أى بالغا عاقلا ولو كان فاسقا. وأحد قولى الناصر أنه يعتبر فيه العدالة وأن يكون ذكرا لأنه لا ولاية لامرأة ولا لخنثى وأن يكون حلالا فلا يكون الولى محرما بحج أو عمرة مطلقا (٧).
стр. 7810
مذهب الإمامية:
جاء فى «المختصر النافع» أنه لا ولاية فى النكاح لغير الأب والجد للأب وان علا والوصى والولى والحاكم (١) ولا ولاية للأم فلو زوجت الولد فأجاز صح ولو انكر بطل وقيل يلزمها المهر ويمكن حمله على دعوى الوكالة عنه (٢).
وجاء فى كتاب «الخلاف» أن الأم لا تلى على أولادها بنفسها الا بوصية من أبيهم لأنه لا دليل على ذلك من الشرع فوجب نفيه لأن طريق ذلك الشرع (٣).
وجاء فى «الخلاف» أيضا أنه اذا بلغت الحرة الأب عنها والجد الا اذا كانت بكرا فان الظاهر من روايات الإمامية أنه لا يجوز لها ذلك وفيهم من قال البكر أيضا تزول ولايتهما عنها فأما غير الأب والجد فلا ولاية لأحد عليها سواء كانت بكرا أو ثيبا والأمر اليها تتزوج كيف شاءت بنفسها أو توكل فى ذلك بلا خلاف عندهم غير أن الأفضل لها أن ترد أمرها الى أخيها أو الى ابن أخيها أو عمها أو ابن عمها وليس ذلك شرطا فى صحة العقد (٤) والابن لا يزوج أمه بالبنوة فان وكلته جاز (٥).
جاء فى «الروضة البهية» أنه لا ولاية للأم على الولد مطلقا فلو زوجته أو زوجتها اعتبر رضاهما بعد الكمال كالفضولى فلو ادعت الوكالة عن الابن الكامل وانكر بطل العقد وغرمت للزوجة نصف المهر لتفويتها عليها البضع وغرورها بدعوى الوكالة مع أن الفرقة قبل الدخول وقيل يلزمها المهر لما ذكر وأنما يتنصف بالطلاق ولم يقع ولرواية محمد بن مسلم عن الباقر ويشكل أن البضع انما يضمن بالاستيفاء على بعض الوجوه لا مطلقا والعقد لم يثبت فلم يثبت موجبه والأقوى انه لا شئ على الوكيل مطلقا الا مع الضمان فيلزمه ما ضمن ويمكن حمل الرواية لو سلم سندها على الضمان وعلى هذا يتعدى الحكم على غير الأم وبالغ القائل بلزوم المهر فحكم به على الأم وان لم تدع الوكالة استنادا الى ظاهر الرواية وهو بعيد. وقريب منه حملها على دعواها الوكالة فان مجرد ذلك لا يصلح لثبوت المهر فى ذمة الوكيل (٦).
مذهب الاباضة:
جاء فى كتاب «شرح النيل» أن أولى الأولياء بالنكاح الأب فالجد للأب الأقرب فالاقرب فالأخ فابنه الأقرب فالأقرب فالعم الشقيق فالأبوى فابنه الأقرب فالأقرب فابن العم للأب الأقرب فالأقرب والأخ الأبوى أولى من ابن الأخ الشقيق والأكثر على أن الأخ الشقيق أو للأب وابن الأخ الشقيق أو للأب أولى بالنكاح وبالقتل لمن قتلها
стр. 7811
من الولد فاذا كان الولد على هذا القول أولى من الأخ فأولى أن يكون أولى من العم وابنه ومن ابن الأخ فى مذهب غير الأكثر لأن الأخ أولى من العم فتحصل اجماعا أن الولد أولى من ابن الأخ ومن العم وابنه وأراد بالولد الابن والدية له أى للولد ولو أنثى ولو تسفل وذلك اذا لم يجز القتل أو عدل عنه وقيل الولد قرب أو بعد أولى بالنكاح والقتل من الأخ وأولى به اتفاقا مما بعد من الأخ وأولى منه الأب والجد ولو علا والأخ الشقيق أولى من الأبوى فقط وابن الأخ الشقيق أولى من ابن الأخ الأبوى ولا حكم فى النكاح لكلالى (١).
الأم والولاية في مال الصغير
مذهب الحنفية:
جاء فى «بدائع الصنائع» أنه ليس للأم ولاية التصرف على مال الصغير لأن الأم وان كانت لها وفور الشفقة لكن ليس لها كمال الرأى لقصور عقل النساء عادة فلا تثبت لهن ولاية التصرف فى المال ولا لوصيهن لأن الوصى خلف الموصى فهو قائم مقامه فلا يثبت له الا قدر ما كان للموصى وهو قضاء الدين والحفظ لكن عند عدم الأولياء، ولوصى الأم والأخ أن يبيع المنقول والعقار لقضاء دين ميت والباقى ميراث للصغير (٢).
وجاء فى «الهداية» أنه ان كان اليتيم فى حجر أمه فقبض الأم الهبة له جائز لأن لها الولاية فيما يرجع الى حفظه وحفظ ماله وهذا من بابه لأنه لا يبقى الا بالمال فلا بد من ولاية التحصيل (٣).
مذهب المالكية:
جاء فى «الشرح الكبير وحاشية الدسوقى عليه» أن الولى على المحجور من صغير أو سفيه لم يطرأ عليه السفه بعد بلوغه الأب الرشيد لا الجد ولا الأخ ولا العم إلا بايصاء من الأب، وله البيع بايصاء من الأب وله البيع لمال ولده المحجور عليه مطلقا ريعا أو غيره وان لم يذكر سبب البيع، بل وان لم يكن له سبب من الأسباب الآتية لحمله على السداد عند كثير من أهل العلم كابن سلمون والمتيطى رحمهما الله تعالى، ثم يلى الأب وصيه فوصى الوصى وإن بعد، ثم اختلف فى وصى الأب فقيل هو كالأب له أن يبيع مطلقا، ثم يلى الوصى الحاكم أو من يقيمه لا حاض أى كافل لليتيم ذكرا كان أو أنثى قريبا أو بعيدا كجد وأم وعم فليس يولى على اليتيم، فلا يبيع متاعه ما لم يكن وصيا بالنص، واستحسن أن يكون العرف كالنص، فاذا جرى العرف بأن الكافل يقوم بتولية أمر اليتيم والنظر فى شأنه كان تصرفه صحيحا فى القليل والكثير اذا كان التصرف لحاجة، وان لم يجر العرف بذلك فالمشهور أنه لا يمضى تصرفه لا فى القليل ولا فى الكثير،
стр. 7812
والذى جرى به العمل مضى التصرف فى القليل دون الكثير، ولا بد للرفع للحاكم فى الكثير، وفى حد اليسير بعشرة دنانير أو عشرين أو ثلاثة تردد والظاهر الرجوع للعرف وهو يختلف باختلاف الأشخاص والمكان والزمان (١).
مذهب الشافعية:
جاء فى «مغنى المحتاج» أن ولى الصغير أبوه بالاجماع ثم جده أبو الأب وان علا كولاية النكاح، وتكفى عدالتهما الظاهرة لوفور الشفقة ثم يلى الصغير وصى من تأخر موته منهما لأنه يقوم مقامه وشرطه العدالة، ثم القاضى أو أمينه لما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «السلطان ولى من لا ولى له» رواه الترمذى وحسنه الحاكم وصححه، وحكم المجنون حكم الصبى فى ترتيب الأولياء وكذلك حكم من بلغ سفيها.
قال الجرجانى ﵀: واذا لم يوجد أحد من الأولياء المذكورين فعلى المسلمين النظر الى حال محجورهم وتولى حفظ مالها.
ولا تلى الأم فى الأصح كولاية النكاح، والقول الثانى لمقابل للأصح أن الأم تلى بعد الأب والجد، وتقدم على وصيهما لكمال شفقتها وكذا لا ولاية لسائر العصبات كالأخ والعم، نعم لهم الانفاق من مال الطفل فى تعليمه وتأديبه وان لم يكن لهم عليه ولاية لأنه قليل فسومح به، قاله فى المجموع فى احرام الولى عن الصبى (٢).
مذهب الحنابلة:
جاء فى «كشاف القناع» أن الولاية تثبت على صغير ومجنون ذكرا كان أو أنثى للأب لأنها ولاية فقدم فيها الأب كولاية النكاح، ولكمال شفقته ويشترط فى الأب أن يكون بالغا رشيدا عاقلا حرا عدلا ولو ظاهرا، لأن تفويض الولاية الى غير هذه صفاته تضييع للمال، ثم تثبت الولاية على صغير ومجنون بعد الأب لوصيه العدل ولو كان بجعل وثم متبرع بالولاية لأنه نائب الأب أشبه وكيله فى الحياة. ثم ان لم يكن أب ولا وصيه أو كان الأب موجودا وفقد شيئا من الصفات المعتبرة فيه تثبت الولاية على من ذكرنا للحاكم. والجد لا ولاية له لأنه لا يدلى بنفسه وانما يدلى بالأب فهو كالأخ، وكذا الأم وسائر العصبات لا ولاية لهم لان المال محال الخيانة ومن عدا من ذكرنا غير مأمون على المال.
وسأل الأثرم الامام عن رجل مات وله ورثة صغار كيف يصنع بهم فقال ان لم يكن لهم وصية ولهم أم مشفقة تدفع اليها (٣).
مذهب الزيدية:
جاء فى «البحر الزخار» أن ولى مال الصغير والمجنون أبوهما العدل لا الفاسق اذا يؤمن ثم الجد كذلك قال العباس: ووصى الأب أقدم من الجد لقيامه مقامه وقال الامام يحيى بل الجد أقدم لاستحقاقه الولاية بالشرع، ولا ولاية للأم كولاية النكاح وكالتعصيب:
وقال بعض أصحابنا الأم تستحق الولاية
стр. 7813
كالأب ولكن بعده .. فإن عدم الأب والجد ووصيهما فالأم والحاكم (١).
مذهب الإمامية:
جاء فى «شرائع الإسلام» أن الولاية فى مال الطفل والمجنون للأب والجد للأب، فإن لم يكون فللوصى، فإن لم يكن فللحاكم، أما السفيه والمفلس فالولاية للحاكم لا غير (٢).
مذهب الإباضية:
جاء فى «شرح النيل» أنه يلزم ولى يتيم وعشيرته القيام باليتيم وبماله وقد جمع العشيرة مع الولى لأنهم يقيمون الولى عليه وأن لم يقيموه لزمه القيام به وسواء مات أبوة فى بلد ولدة أو غيرة يلزمة القيام باليتيم وبماله والوصى مخاطب بذلك قبل العشيرة، فإن لم يقم به مع القدرة عصى فإن ضاع شئ فى بدنه هلك أو فى ماله ضمنه، وعلى العشيرة القيام به إذا لم يقم به وان احتاج فى أمر إليه وإلى العشيرة جميعا قاموا به جميعا وإلا ضمنوا جميعا العشيرة والولى، أى أن حق اليتيم واجب كل من قام به أجزأه. والمخاطب به الأقرب فالأقرب فاذا لم يقم به إقامته العشيرة له، وأن لم يفعلوا أو امتنع أو هرب لزمها حتى يقيم له صالحا وإلا لزمها الضمان، ولزم ذلك الممتع أو الهارب أن أطاق وإذا لم تقم به العشيرة لزم من علم به ممن يليهم فى نسب ما والا فأهل المنزل الأقرب فالأقرب منزلا وإلا فأهل بلد يلى ذلك البلد، وذلك أن القيام به فرض كفاية، ولو كان المخاطب به الأقرب فالأقرب، وكل مسبوق يزعجه سابقة إلى القيام، فإن قام هذا السابق وإلا تمام المسبوق، وان لم يقم أزعجه من بعده وهكذا وإذا لم يزعجه ضمن السابق والمسبوق، وإن أزعجه فلم يقم ضمنا ولا ضمان على من لم يعلم به، وقيل أنما يضمن ممن لزمه القيام من قريب أو بعيد الصلحاء فقط .. ووجه الزام الكل أنه قد لزم غير الصالح أن يكون صالحا وأن يقوم، فإذا كفئ غيره الاقامة أجزأه وبقى عليه أن يكون صالحا، وأن لم يقم غيره فلا منجى له من الضمان، ولو لم يكن صالحا وأنما يضمن من العشيرة إذا لم يستخلفوا له الرجال البلغ الاحرار وأما النساء والعبيد والأطفال والمجانين فليس عليهم شئ، وأما الموالى فهم من العشيرة (٣).
الأم وحد السرقة
مذهب الحنفية:
جاء فى «بدائع الصنائع» أنه لا قطع على من سرق من ذى رحم محرم سواء كان بينهما ولاد أو لا خلافا لقول الشافعى رحمه الله تعالى، فى غير الوالدين والمولودين والصحيح
стр. 7814
قولنا لأن كل واحد منهما يدخل فى منزل صاحبه بغير اذن عادة وذلك دلالة الاذن من صاحبه فاختل معنى الحرز ولأن القطع بسبب السرقة فعل يفضى الى قطع الرحم وذلك حرام والمفضى الى الحرام حرام. ولو سرق جماعة فيهم ذو رحم محرم من المسروق لا يقطع واحد منهم عند أبى حنيفة، وعند أبى يوسف لا يقطع ذو الرحم المحرم ويقطع سواه.
ولو سرق من ذى رحم غير محرم يقطع بالاجماع لأن المباسطة بالدخول من غير استئذان غير ثابتة فى هذه القرابة عادة وكذا هذه القرابة لا تجب صيانتها عن القطيعة ولهذا لم يجب فى العتق والنفقة وغير ذلك.
ولو سرق من أى محرم لا رحم له بسبب الرضاع فقد قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله: يقطع الذى سرق ممن يحرم عليه من الرضاع كائنا من كان، قال ابو يوسف اذا سرق من أمه من الرضاع لا يقطع، وجه قوله أن المباسطة بينهما فى الدخول ثابتة عرفا وعادة فان الانسان يدخل فى منزل أمه من الرضاع من غير اذن كما يدخل منزل أمه من النسب بخلاف الأخت من الرضاع ويدل لأبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى أن الثابت بالرضاع ليس الا الحرمة المؤبدة وأنها لا تمنع وجوب القطع كما لو سرق من أم موطوءته، ولهذا يقطع فى الأخت من الرضاع.
ولو سرق من امرأة أبيه أو من زوج أمه أو من حليلة ابنه أو من ابن امرأته أو بنتها أو أمها ينظر، فان سرق مالهم من منزل من يضاف السارق اليه من أبيه وأمه وابنه وامرأته لا يقطع بلا خلاف، لأنه مأذون بالدخول فى منزل هؤلاء فلم يكن المنزل حرزا فى حقه، وان سرق من منزل آخر فان كانا فيه لم يقطع بالاجماع وان كان لكل واحد منهما منزل على حده اختلف فيه فقد قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: لا يقطع، وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: يقطع اذا سرق من غير منزل السارق أو منزل أبيه أو ابنه، وذكر القاضى فى شرح مختصر الطحاوى قول محمد مع قول أبو يوسف رحمهما الله تعالى وجه قولهما أن المانع هو القرابة ولا قرابة بين السارق وبين المسروق بل كل واحد منهما أجنبى عن صاحبه فلا يمنع وجوب القطع كما لو سرق من أجنبى آخر. وجه قول أبى حنيفة أن فى الحرز شبهة لأن حق التزاور ثابت بينه وبين قريبه لأن كون المنزل لغير قريبه لا يقطع التزاور وهذا يورث شبهة اباحة الدخول للزيارة فيختل معنى الحرز (١).
مذهب المالكية:
جاء فى «حاشية الدسوقى» على الشرح الكبير أنه اذا سرق الجد ولو لأم من مال ابن ولده فلا يقطع للشبهة القوى فى مال الولد وان سفل فأولى الأب والأم. وهذا بخلاف الولد يسرق من مال أصله فيقطع لضعف الشبهة ولذا حد ان وطئ جارية أبيه بخلاف الأب يطأ جارية ابنه (٢).
وجاء فى «المدونة الكبرى»، أنه لا يقطع الأب
стр. 7815
والأم اذا سرقا من مال الولد والأجداد والآباء والأمهات. فيقول ابن القاسم: أحب الى أن يدرأ عنه الحد لأنه أب واذا سرق الولد من مال الأب قطع (١).
مذهب الشافعية:
جاء فى «المغنى المحتاج» أن من شروط القطع فى السرقة عدم الشبهة فى المسروق لحديث الرسول ﷺ «ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم» صحح الحاكم اسناده، سواء فى ذلك شبهة الملك كمن سرق مشتركا بينه وبين غيره أو شبهة الفاعل كمن أخذ مالا على صورة السرقة يظن أنه ملكه أو ملك أصله أو فرعه أو شبهة المحل كسرقة الابن مال أصوله أو أحد الأصول مال فرعه، فلا قطع بسرقة مال أصل للسارق وان علا، وفرع له وأن سفل لما بينهما من الاتحاد وان اختلفت ديتهما كما بحثه بعض المتأخرين ولأن مال كل واحد منهما مرصد لحاجة الآخر ومنها أن لا تقطع يد بسرقة ذلك المال بخلاف سائر الأقارب سواء أكان السارق منهما حرا أو عبدا كما صرح به الزركشى تفقها مؤيدا له بما ذكروه من أنه لو وطئ الرقيق أمة فرعه لم يحد لشهة (٢).
وجاء فى «الأنوار لأعمال الأبرار» أنه لا يقطع بسرقة مال من يستحق النفقة عليه بالبعضية وان لم يكن محتاجا لغناه كالفرع يسرق مال الأصل وبالعكس (٣).
مذهب الحنابلة:
جاء فى «كشاف القناع» أنه يشترط للقطع فى السرقة انتفاء الشبهة لقول الرسول ﷺ «ادرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم» فلا يقطع بسرقة مال ولده وان سفل لقول الرسول ﷺ «أنت ومالك لأبيك» وسواء فى ذلك الأب والأم والابن والبنت والجد والجدة من قبل الأم والأب لأن بينهم قرابة تمنع شهادة أحدهما للآخر فلم يقطع بالسرقة منه، كالأب بسرقة مال ابنه، ولا قطع بسرقة ولد مال والده وإن علا، لأن النفقة تجب للولد على الوالد فى مال والده حفظا له، فلا يجوز إتلافه لحفظ ماله. ويقطع باقى الأقارب بالسرقة من مال أقاربهم كالاخوة والأخوات ومن عداهم (٤).
مذهب الظاهرية:
جاء فى «المحلى» لابن حزم أن الناس قد اختلفوا فيمن سرق من مال كل ذى رحم محرم وقال: أصحابنا: القطع واجب على من سرق من ولده أو من والديه أو من جدته أو من جده أو من ذى رحم محرمة أو غير محرمة.
واتفقوا كلهم أنه يقطع فيما سرق من ذى
стр. 7816
رحمه غير المحرمة وفيما سرق من أمه من الرضاعة وابنته وابنه من الرضاعة واخوته من الرضاعة وقال أبو محمد: القطع واجب على الأب والأم اذا سرقا من مال ابنهما مالا حاجة بهما اليه لقول الله ﵎:
«وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللهِ» (١).
والرسول ﷺ يوجب القطع على سرق فيقول «ان دماءكم وأموالكم عليكم رحام» (٢).
مذهب الزيدية:
جاء فى كتاب «شرح الازهار» أنه لا يقطع والد لولده وان سفل لأن له شبهة فى مال ولده فأما الولد فيقطع لوالده. ولا فرق بين الأم والأب من النسب بخلاف ولده من الزنا فانه يقطع له. وكذا الأم اتفاقا ولو كان الأب عبدا. ويقطع الوالد إذا سرق ولده العبد لأنه لا شبهة له فى ملك الغير. وقيل لا يقطع (٣).
مذهب الإمامية:
جاء فى كتاب «المختصر النافع» أنه يشترط فى حد السارق التكليف وارتفاع الشبهة، وألا يكون الوالد سارقا من ولده، وأن يهتك الحرز، ويخرج المتاع بنفسه، ويأخذ سرا.
والحر والعبد والمسلم والكافر، والذكر والأنثى سواء (٤).
وجاء فى كتاب «الخلاف» أنه اذا سرق الرجل من مال ولده فلا قطع عليه بلا خلاف الا داود. وان سرق الولد من مال والديه أو واحد منهما أو جده أو جدته أو جدهما أو أجداده من قبل أمه وان علوا كان عليه القطع (٥).
واذا سرقت الأم من مال ولدها وجب عليها القطع (٦).
مذهب الإباضية:
جاء فى كتاب «شرح النيل» أنه لا قطع على الأبوين - أبيه وأمه مطلقا فى السرقة ولو من منزل لم يسكنوا فيه، وقيل ولا على أجداده وجداته من أى جهة كانوا وقيل تقطع الأم والجد والجدة (٧).
الأم وحد القصاص
مذهب الحنفية:
جاء فى «بدائع الصنائع» أنه لو قتل الأب ولده فلا قصاص عليه، وكذلك الجد أب الأب
стр. 7817
أو أب الأم وان علا، وكذلك الأم اذا قتلت ولدها أو أم الأم أو أم الأب اذا قتلت ولد ولدها. والأصل فيه ما روى عن النبى ﷺ أنه قال: «لا يقاد الوالد بولده» واسم الوالد والولد يتناول كل والد وان علا، وكل ولد وان سفل، ولو كان فى ورثة المقتول ولد القاتل أو ولد ولده فلا قصاص لأنه بقدر ايجاب القصاص للولد فى نصيبه فلا يمكن الايجاب للباقين لأنه لا يتجزأ وتجب الدية للكل. ويقتل الولد بالوالد لعمومات القصاص من غير فصل، ثم خص منها الوالد بالنص الخاص فبقى الولد داخلا تحت العموم. ولأى القصاص شرع لتحقيق حكمة الحياة بالزجر والردع والحاجة الى الزجر فى جانب الولد لا فى جانب الوالد، لان الوالد يجب ولده لولده لا لنفسه بوصول النفع اليه من جهته أو بحبه لحياة الذكر لما يحيى به ذكره وفيه أيضا زيادة شفقة تمنع الوالد عن قتله.
فأما الولد فانما يحب والده لا لوالده بل لنفسه وهو وصول النفع اليه من جهته فلم تكن محبته وشفقته مانعة من القتل فلزم المنع بشرع القصاص كما فى الأجانب، ولأن محبة الولد لوالده لما كانت المنافع تصل اليه من جهته لا لعينه فربما يقتل الولد ليتعجل الوصول الى أملاكه لا سيما اذا كان لا يصل النفع اليه من جهته لعوارض. ومثل هذا يندر فى جانب الأب (١).
مذهب المالكية:
جاء فى «بداية المجتهد» قال مالك: لا يقاد الأب بالابن الا أن يضجعه فيذبحه فأما ان حذفه بسيف أو عصا فقتله لم يقتل وكذلك الجد عنده مع حفيده (٢).
وجاء فى «حاشية الدسوقى» لا يقتل الأب بولده ولو قصد ما لم يقصد ازهاق روحه كخنق ومنع طعام أو شراب قاصدا به موته فمات فان قصد مجرد التعذيب فالدية ومن ذلك الأم تمنع ولدها الرضاعة حتى مات فان قصدت موته قتلت والا فالدية على عاقلتها أى لا تقتل بمنعه مطلقا بل حتى تقصد موته قياسا على ما مر فى الأب من أنه لا بد مع الضرب من قصد الموت والا لم يقتل (٣).
مذهب الشافعية:
جاء فى «مغنى المحتاج» أنه لا قصاص بقتل الوالد الولد وان سفل لخبر الحاكم والبيهقى وصححاه: «لا يقاد للابن من أبيه» ولرعاية حرمته ولأنه كان سببا فى وجوده فلا يكون سببا فى عدمه ولو حكم حاكم بقتل الحر بالعبد أو الأصل بالفرع نقض حكمه فى الثانى دون الأول الا أن أضجع الأصل فرعه وذبحه فلا ينقض حكمه وكلامهم يشمل الأب والأم والأجداد والجدات وان علوا من قبل
стр. 7818
الأب والأم جميعا لأن الحكم يتعلق بالولادة فاستوى فيه من ذكر كالنفقة، ولا قصاص للولد على الوالد كأن قتل زوجة نفسه وله منها ولد أو قتل زوجة ابنه أو لزمه قود فورث بعضه ولده كأن قتل أبا زوجته ثم ماتت الزوجة وله منها ولد لأنه اذا لم يقتل بجناية على ولده فلأن لا يقتل بجناية على من له فى قتله حق أولى ويقتل الولد بوالديه وان علوا أى بكل واحد منهم كغيرهم بل أولى. ولا يقتل الولد المسلم بالولد الكافر. ولو قتل أحد أخوين شقيقين حائزين للميراث الأب وقتل الآخر الأم وكان زهوق روحهما معا سواء أكان بينهما زوجيه أو لا، فلكل منهما قصاص على أخيه الآخر لأنه قتل مورثه هذا يقتص بأبيه وهذا يقتص بأمه ولا يرث كل قاتل من قتيله شيئا، والمعية والترتيب الآتى بزهوق الروح لا بالجناية، وتعبيره بالقتل يشير اليه فلو عفا أحدهما عن الآخر كان للمعفو عنه قتل العافى، وان لم يعف واحد منهما أو تنازعا فى التقديم للقصاص فانه يقدم له بقرعة اذ لا مزية لأحدهما على الآخر فان اقتص بالقرعة أو مبادرا بلا قرعة فلو أرث المقتص منه قتل المقتص فالقرعة أو المبادرة ان لم تورث قاتلا بحق وهو الأصح كما فى كتاب الفرائض أو ورثناه على المرجوح وكان هناك من يحجبه كأن يكون لذلك الأخ ابن فان ورثناه ولم يكن هناك من يحجبه سقط القصاص عنه لأنه ورث القصاص المستحق على نفسه أو بعضه، وكذا ان قتل الاخوان الأبوين مرتبا بأن تأخر زهوق روح أحدهما ولا زوجيه حينئذ بين الأبوين فلكل منهما حق القصاص على الآخر والا بان كانت الزوجية باقية بين الأبوين فالقصاص على القاتل الثانى فقط أى دون الأول لأنه اذا قتل الأب لم يرث منه قاتله ويرثه أخوه والأم، واذا قتل الآخر الأم ورثها الأول فتنتقل اليه حصتها من القصاص ويسقط باقيه ويستحق القصاص على أخيه، ولو سبق قتل الأم سقط القصاص عن قاتلها واستحق قتل أخيه (١).
مذهب الحنابلة:
جاء فى «كشاف القناع» أن من شروط القصاص أن لا يكون المقتول من ذرية القاتل فلا يقتل والد أبا كان أو أما وإن علا بولده وان سفل من ولد البنين والبنات لحديث ابن عباس مرفوعا: «لا يقتل والد بولده». وقال رسول الله ﷺ : «أنت ومالك لأبيك»: فمقتضى هذه الإضافة تمكينه اياه فاذا لم تثبت حقيقة الملكية ثبتت الاضافة بشبهة فى إسقاط القصاص، ولأنه كان سببا فى إيجاده فلا يكون سببا فى إعدامه.
وتؤخذ من حر دية المقتول كما تجب على الأجنبى ولا تأثير لاختلاف الدين ولاختلاف الحرية، فلو كان أحدهما مسلما والأخر كافرا، أو أحدهما رقيقا والآخر حرا فلا قصاص كاتفاقهما. فلو قتل الكافر ولده المسلم، أو قتل العبد ولده الحر لم يجب القصاص بشرف الأبوة إلا أن يكون ولده من رضاع أو زنا فيقتل الوالد به لأنه ليس بولده
стр. 7819
حقيقة (١) ويقتل الولد المكلف ذكرا كان أو أنثى بكل واحد من الأبوين المكافئين وان علوا للآية والأخبار وموافقة القياس، وقياسه على الأب ممتنع لتأكد حرمته، ولأنه اذا قتل بالأجنبى فبأبيه أولى، ولأنه يحد بقذفه فيقتل به كالأجنبى. ومتى ورث الولد القصاص أو شيئا منه وان قل سقط القصاص لأنه لو لم يسقط لوجب له على والده وهو ممنوع، ولأنه اذا لم يجب بالجناية عليه فلا يجب بالجناية على غيره أولى، أو ورث القاتل شيئا من دمه سقط القصاص، لأنه لو لم يسقط لوجب له على نفسه القصاص وهو ممنوع. فلو قتل أحد الزوجين الآخر ولهما ولد فلا قود، لأنه لو وجب لوجب لولده، واذا لم يجب للولد بالجناية عليه، فعلى غيره أولى وسواء كان الولد ذكرا أو أنثى، أو كان للمقتول من يشاركه فى الميراث، لأنه لو وجب لثبت له حرمته، ولا يمكن وجوبه. واذا سقط بعضه سقط كله لأنه لا يتبعض، كما لو عفا أحد الشريكين.
ولو قتل رجل أخا زوجته فورثته ثم ماتت فورثها زوجها القاتل أو ورثها ولده لم يجب القصاص سواء كان لها ولد من غيره أو لا، لأنه ورث هو أو ولده شيئا من دمه وهو لا يتبعض ولو قتلت المرأة أخا زوجها فصار القصاص أو جزء منه لابنها بموت زوجها الوارث لأخيه، أو قتل رجل أخاه فورثه ابن القاتل أو ورثه أحد يرث ابنه منه شيئا لم يجب القصاص لارث ولده جزءا من دمه واذا قتل أحد أبوى المكاتب والمكاتب لم يجب القصاص لعموم ما سبق. ولو قتل أحدهما عبدا له لم يجب القصاص لأنه لو وجب لكان للمكاتب، ولا يثبت له قصاص على أبويه كما لو قتلاه وأولى. وان اشترى المكاتب أحد أبويه أو غيره من ذوى رحمه المحرم ثم قتله لم يجب القصاص لأنه فضله بالملك، وهذا بخلاف ما قدمه فيما سبق. وان قتل أحد الأخوين أباه وقتل الآخر أمه وهى زوجة الأب سقط القصاص عن الأول وهو قاتل الأب لارثه بعض دم نفسه، وذلك ثمن دم الأب، والقصاص على القاتل الثانى، فلأخيه قتله ويرثه، وانما سقط القصاص عن قاتل الأب لأن القتيل الثانى وهو الأم ورث جزءا من دم الأول وهو الثمن، فلما قتل ورثه قاتل الأب ضرورة أن القاتل لا يرث، فصار له جزء من دم نفسه وهو الثمن فسقط القصاص عن الأول وهو قاتل الأب لارثه عن أمه وعليه سبعة أثمان دية لأخيه قاتل أمه لارثه ذلك من أبيه.
ولقاتل الأب أن يقتص من أخيه قاتل أمه ويرثه، لأن القتل بحق لا يمنع الميراث. ولو كانت الزوجة بائنا أو قتلاهما معا مطلقا فعلى كل واحد منهما القصاص لأخيه، لأن أحدهما لا يرث من دم نفسه شيئا لعدم الزوجية أو لموتهما معا. فان بادر أحدهما فقتل أحدهما أخاه سقط عنه القصاص لأنه يرث أخاه ان لم يكن للمقتول ابن أو ابن ابن، فان كان له ابن أو ابن ابن فالأخ محجوب به، فللابن أو ابن الابن قتل عمه ويرثه ان لم يكن له وارث
стр. 7820
سواه لأن القتل بحق لا يمنع الارث (١).
ويستحق القصاص كل من يرث المال على قدر مواريثهم (٢).
مذهب الظاهرية:
جاء فى «المحلى» لابن حزم الظاهرى اجابة على مسألة نقول «هل للعادل أن يعمد الى قتل أبيه الباغى أم لا؟» قال أبو محمد: قتال أهل البغى قتال فى الدين، الا أننا لا نختار أن يعمد المرء الى أبيه خاصة أو جده ما دام يجد غيرهما، فان لم يفعل فلا حرج. وهكذا القول فى اقامة الحد عليهما، وعلى الأم والجدة فى القتل والقطع والقصاص والجلد ولا فرق، فأما إذا رأى العادل أباه الباغى أو جده يقصد إلى مسلم يريد قتله أو ظلمه، ففرض على الابن حينئذ أن لا يشتغل بغيره عنه، وفرض عليه دفعه عن المسلم بأى وجه أمكنه، وإن كان فى ذلك قتل الأب والجد والأم وبرهان ذلك قول رسول الله ﷺ : «أنصر أخاك ظالما أو مظلوما» قيل يا رسول الله - هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما؟ قال: «تمنعه، تأخذ فوق يده».
وقول الرسول ﷺ : «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه». فهذا أمر من رسول اله ﷺ أن لا يسلم المرء أخاه المسلم لظلم ظالم، وأن يأخذ فوق يد كل ظالم، وأن ينصر كل مظلوم، فاذا رأى المسلم أباه الباغى أو ذا رحمه كذلك يريد ظلم مسلم أو ذمى، ففرض عليه منعه من ذلك بكل ما لا يقدر على منعه الا به من قتال أو قتل فما دون ذلك (٣).
مذهب الزيدية:
جاء فى كتاب «شرح الازهار» أنه لا يجب القصاص لفرع من النسب لقول النبى ﷺ فى الأصل: «لا يقاد والد بولده، ولا يقتل مؤمن بكافر» وأما الفرع من الزنا فيثبت له القصاص على الأب وأصوله من جهة الزنا وفاقا. فلا يجوز أن يقتص فرع من أصل له، فلا يقتل أب ولا جد وإن علا، ولا أم ولا جدة وان علت بفرع لهم وان سفل، وقال صاحب «الازهار» تفريعا على منع الاقتصاص من الأصل: فلا يقتل الولد أمه بأبيه ونحوه، وهو أخوه أو ولده.
يعنى اذا قتلت المرأة زوجها لم يكن لولده منها أن يقتلها به، أو من غيرها مع وجود ولد منها لسقوط حصة ولدها. وكذلك اذا قتلت أمه ابنه أو أخاه لم يكن له أن يقتص منها، ولا أبوه يجوز له أن يقتل أمه به، فاذا قتلت ولدها لم يكن لأبيه أن يقتلها به ونحوه، وذلك أن تقتل الأم ابن ابنها بعد أن مات ابنها، فليس للأب أن يقتل الأم بابن ابنها وان سفل، وعلى الأصل الدية، اذ لا موجب لسقوطها، وتكون لورثته ان كانوا، والا فلبيت المال، ويلزمه معها الكفارة لان
стр. 7821
عمده خطأ (١) وتضمن الحاضة من مات لتفريطها وهى عالمة أو ظانة أنه يموت بذلك التفريط، فلو بعثت الأم بولدها قبل أن يرضع شيئا من اللبأ فمات بذلك، وهى عالمة، كانت ديته فى مالها غالبا.
مذهب الإمامية:
جاء فى كتاب «المختصر النافع» أنه من الشرائط المعتبرة فى القصاص ألا يكون القاتل أبا فلو قتل الأب ولده لم يقتل به، وعليه الدية والكفارة والتعزيز (٢). وجاء فى كتاب «الخلاف» أنه لا يقتل الوالد بولده سواء قتله بالسيف حذفا أو ذبحا وعلى أى وجه كان والدليل اجماع الفرقة وأخبارهم وقول النبى ﷺ : «لا يقتل والد بولده»، وقوله: «لا تقام الحدود فى المساجد ولا يقتل والد بولده» (٣). وجاء فيه أيضا: أن الأم اذا قتلت ولدها قتلت به وكذلك أمهاتها، وكذلك أمهات الأب وان علون فأما الأجداد فيجرون مجرى الأب، لا يقادون به لتناول اسم الأب لهم. والدليل اجماع الفرقة واخبارهم وقول الله ﵎: «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى» (٤) الآية وكذلك قوله تعالى: «وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ» (٥) الآية: ولم يفصل فوجب حملها على العموم الى ما أخرجه الدليل (٦).
مذهب الإباضية:
جاء فى «كتاب شرح النيل» أنه لا يقتل الأب أو الأم بولدهما إذا قتلاه، ويقتل به جده وجدته إلا أن قتلاه لديانته، فإنهما يقتلان حدا لا قصاصا ويقتل الولد بالأب والأم، وجوز قتل الأم به. ولزمت الأب والأم ديته يعطيها قاتله لغيره من ورثة الولد كالجد والجدة والأم ان قتله الأب، وكالأب ان قتلته الأم، وكالاخوة ان قتله الأب ولم يكن له جد من أبيه ولا يرثه من قتله منهما، لا فى تركته ولا فى الدية وهذا على القول الأول وهو أنهما لا يقتلان به أما على القول الثانى الذى هو: أن الأم تقتل به فاما أن تقتل به، واما أن تعطى الدية. وما ذكر من أن الأب لا يقتل بابنه هو مذهب الأكثر وقيل يقتل، وقيل ان أراد قتله قتل به، مثل أن يضجعه فيذبحه، أو يضربه حتى مات تحت ضربه. واذا قلنا أن الأب لا يقتل فى ولده والجد والأم والجدة لا يقتلون فانه تغلظ عليهم الدية. وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«لا يقاد الوالد بالولد» .. رواه أحمد والترمذى وابن ماجه وصححه ابن الجارود والبيهقى، وقال الترمذى انه مضطرب (٧).
стр. 7822
الأم والجنائز
مذهب الحنفية:
جاء فى «الفتاوى العالمكيرية» أنه ان امرأة ماتت والولد يضطرب فى بطنها يقول محمد ﵀ انه يشق بطنها ويخرج الولد، لا يسع الا ذلك (١). وجاء فى (الفتاوى العالمكيرية) أيضا أنه يستحب للغاسل أن يكون أقرب الناس الى الميت، فان لم يعلم الغسل فأهل الأمانة والورع (٢).
ولو مات رجل بين النساء تيممه ذات رحم محرم منه أو زوجته أو أمته بغير ثوب، وغيرها بثوب (٣). ومن لم يكن له مال، فالكفن على من تجب عليه النفقة الا الزوج فى قول محمد، وعلى قول أبى يوسف يجب الكفن على الزوج وان تركت مالا وعليه الفتوى (٤). ومن قتل أحد أبويه لا يصلى عليه اهانة له (٥).
وجاء فى (القدورى) أن أولى الناس بالامامه على الميت السلطان ان حضر، وان لم يحضر فيصلى القاضى ان حضر، وان لم يحضر يستحب تقديم امام الحى ثم الولى، فان صلى عليه غير الولى أو السلطان أعاد الولى: فان صلى الولى لم يجز لأحد أن يصلى عليه بعده، فان دفن ولم يصل عليه صلى على قبره الى ثلاثة أيام فى الشتاء وسبعة أيام فى الصيف، ولا يصلى بعد ذلك (٦). وجاء فى (الفتاوى العالمكيرية) أنه فى الصلاة على الميت يقوم الأولياء على ترتيب العصبات الأقرب فالأقرب، الا الأب فانه يقدم على الابن، قيل هذا قول محمد، وعندهما الابن أولى، والصحيح أنه قول الكل. ولا حق للنساء فى الصلاة على الميت ولا للصغار.
ولو ماتت امرأة ولها زوج وابن عاقل بالغ منه، فالولاية للابن دون الزوج، لكن يكره للابن أن يتقدم أباه، وينبغى أن يقدمه.
فان كان لها ابن من زوج آخر فلا بأس بأن يتقدم لأنه هو الولى، وتعظيم زوج أمه غير واجب عليه (٧). وذو الرحم المحرم أولى بادخال المرأة قبرها من غيره. وكذا ذو الرحم غير المحرم أولى من الاجنبى، فان لم يكن فلا بأس للأجانب فى وضعها، ولا يدخل احد من النساء القبر (٨).
مذهب المالكية:
جاء فى «المدونة الكبرى» أن الامام مالكا قال فى الرجل يموت فى السفر وليس معه الا نساء: أمه أو أخته أو عمته أو خالته، أو ذات رحم محرم منه، قال مالك: انهن يغسلنه ويسترنه اذا لم يكن معهن رجال. وكذلك المرأة تموت فى السفر مع الرجال وليس معهم نساء ومعها ذو رحم محرم منها يغسلها من فوق الثوب، وقال: لا بأس أن تغسل المرأة الصبى اذا كان ابن سبع سنين.
стр. 7823
وما أشبهه (١). ومن هو أقعد بالميت فهو أولى بالصلاة عليه. والعصبة أولى بالصلاة على الميتة من زوجها وزوجها أولى بالدخول بها فى قبرها من عصبتها. ووالى المصر أو صاحب الشرط اذا كانت الصلاة اليه أولى بالصلاة على الميتة من وليها. والقاضى اذا كان هو يلى الصلاة. ولا بأس أن تشيع المرأة جنازة ولدها ووالدها، ومثل زوجها وأخيها وأختها اذا كان ذلك مما يعرف أنه يخرج مثلها على مثله، وان كانت شابة. ويكره لها أن تخرج على غير هؤلاء ممن لا ينكر لها الخروج عليهم من قرابتها.
وتصلى النساء على الرجل اذا مات معهن.
وليس معهن رجل، ولا تؤمهن واحدة منهن وليصلين واحدة واحدة افذاذا، وليكن صفوفا (٢).
مذهب الشافعية:
جاء فى «الأنوار» أن الأولى بغسل المرأة نساء القرابة ثم الأجنبيات ثم الزوج ثم رجال المخارم كترتيبهم فى الصلاة، فان لم يحضر الا أجنبى يممها حتما ولا يغسلها، ويجب تقديم النساء والزوج على غيرهم، ويحرم تفويضهم الى غيرهم، كما يجب تقديم المحارم على الأجانب ويحرم تفويضهم (٣). وجاء فى (الأم) أن الشافعى قال: اذا حضر الولى الميت أحببت ألا يصلى عليه الا بأمر وليه لأن هذا من الأمور الخاصة التى أرى الولى أحق بها من الوالى. وقد قال بعض من له علم: الوالى أحق. واذا حضر الصلاة عليه أهل القرابة فأحقهم به الأب والجد من قبل الأب، ثم الولد وولد الولد، ثم الأخ للأب والأم، ثم الأخ للأب ثم أقرب الناس من قبل الأب وليس من قبل الأم لأنه انما الولاية للعصبة. فاذا استوى الولاة فى القرابة وتشاحوا وكل ذى حق، فأحبهم الى أسنهم الا أن يكون حاله ليست محمودة فكان أفضلهم وأفقههم أحب الى، فان تقاربوا فأسنهم، فان استووا - وقلما يكون ذلك - فلم يصطلحوا أقرع بينهم، فأيهم خرج سهمه ولى الصلاة عليه (٤).
وجاء فى (الأنوار) انه لا يدخل الميت القبر الا الرجال ان وجدوا، وأولاهم بالدفن الزوج ثم الأب ثم أبوه وان علا، ثم الابن ثم ابن الابن وان سفل، ثم الأخ ثم ابنه، ثم ذوو الأرحام الذين لهم محرمية ان كان الميت امرأة.
ثم عبيدها ثم الخصيان ثم العصبات بترتيب الارث، ثم ذوو الأرحام الذين لا محرمية لهم ثم أهل الصلاح من الأجانب.
ويجب تقديم الزوج والمحارم على غيرهم كما فى الغسل، ولو استقل واحد بوضع الميت فى القبر، بأن كان الميت طفلا فذاك، والا فالمستحب أن يكون عدد الدافنين وترا: ثلاثة أو خمسة كعدد الغاسلين (٥). وحمل الجنازة
стр. 7824
بر واكرام للميت ولا يتولاه غير الرجال وان لم يكن الميت ذكرا (١).
وجاء فى (الأنوار) أنه لو ماتت ذمية حامل بمسلم دفنت بين مقابر المسلمين والكفار ويجعل ظهرها الى القبلة ليتوجه الجنين الى القبلة فان وجهه الى ظهر الأم. ولو ماتت امرأة حامل فان كان يرجى حياة الجنين شق جوفها وأخرج ثم دفنت. وان لم يرج فلا، ويترك حتى يموت ثم يدفن (٢).
مذهب الحنابلة:
جاء فى (كشاف القناع) أنه اذا مات الانسان سن تغميض عينيه، ويكره تغميض من جنب وحائض وان يقرباه، وللرجل أن يغمض ذات محرمه كأمه وأخته وأم زوجته وأخته من رضاع، وللمرأة أن تغمض ذا محرمها كأبيها وأخيها (٣). وأولى الناس بغسل الميت وصيه اذا كان عدلا، ثم أبوه لحنوه وشفقته ثم جده وان علا ثم ابنه وان نزل ثم الأقرب فالأقرب من عصباته نسبا، فيقدم الأخ الأبوين ثم لأب ثم ابن الأخ لأبوين ثم الأب ثم عم لأبوين ثم لأب، وهكذا ثم عصباته نعمة فيقدم المعتق ثم عصبته الأقرب فالأقرب، ثم ذوو الأرحام كالأخ لأم والجد لها والعم لها وابن الأخت ونحوهم كما فى الميراث، ثم الأجانب، ويقدم الأصدقاء منهم (٤) وغسل المرأة أحق الناس به بعد وصيتها على ما سبق أمها وان علت، ثم بنتها وان نزلت، ثم القربى فالقربى كما فى الميراث ويقدم منهن من يقدم من الرجال، فتقدم الأخت الشقيقة على الأخت لأب كما فى الرجال، وعمتها وخالتها سواء كبنت أخيها وبنت أختها ثم الأجنبيات بعد ذوات الرحم كما فى الرجال (٥). ولرجل وامرأة غسل من له دون سبع سنوات من ذكر وأنثى ولو كان دون السبع سنين بلحظة. ولكل منهما مس عورته ونظرها وليس للرجل غسل ابنة سبع سنين فأكثر ولو كان محرما لها كأبيها وابنها وأخيها لأنها محل للشهوة ويحرم النظر الى عورتها أشبهت البالغة.
وليس للمرأة غسل ابن سبع سنين ولو كان محرما لها، وذلك غير ما جاء من تغسيل الرجل لزوجته وأمته وتغسيلهما له (٦).
والأولى بالصلاة على الميت إماما وصيه العدل، ثم بعد الوصى السلطان ثم نائبه الأمير ثم الحاكم وهو القاضى، لكن السيد أولى بالصلاة على رقيقه أماما من السلطان ونوابه لأنه ملكه.
والأولى بالصلاة على الحر بعد السلطان أقرب العصبة، يعنى الأب ثم الجد وان علا، ثم الابن ثم ابنه وان نزل، ثم الأخ لأبوين، ثم لأب وهكذا كالميراث، ثم ذوو أرحامه الأقرب فالأقرب كالغسل ثم الزوج ثم الأجانب. ومع التساوى كابنين أو أخوين أو عمين يقدم الأولى
стр. 7825
بالامامة، فان استووا فى الصفات بحيث لا أولوية لأحدهم على الآخر أقرع بينهم، ويقدم الحر البعيد على العبد القريب (١).
والأولى بدفن المرأة محارمها الرجال الأقرب فالأقرب، ثم أن عدموا فالأولى زوجها. ثم الرجال الأجانب. ثم محارمها النساء القربى فالقربى منهن كالرجال، ويقدم من الرجال بدفن امرأة خصى ثم شيخ، ثم أفضل دينا ومعرفة، ومن بعد عهده بجماع أولى ممن قرب عهده به، ولا يكره للرجال الأجانب دفن امرأة ولها محرم موجود (٢). ويكره لامرأة اتباع الجنائز (٣). وان مات الولد حضرته أمه لتعاهد بل حلقه ونحوه، لأنها أرفق به، وتتولى من ولدها اذا احتضر ما تتولاه حال الحياة، فتشهده فى حال نزعه وتشد لحيته، وتوجهه الى القبلة وتشرف على من يتولى غسله وتجهيزه، لأن ذلك كله من البر والصلة.
ولا تمنع من جميع ذلك اذا طلبته، فان أرادت الحضور بما ينافى الشرع من تخريق ثوب ولطم خد ونوح، منعت منه، فاذا امتنعت من ذلك والا حجبت عنه الى أن تترك المنكر، فيجب نهيها وكفها عنه. بما يزال به المنكر، ولا ينبغى لين القول مع النساء (٤).
وجاء فى «كشاف القناع» أنه ان ماتت حامل بمن يرجى حياته حرم شق بطنها من أجل الحمل مسلمة كانت أو ذمية لما فيه من هتك حرمة متيقنة لابقاء حياة موهومة، لأن الغالب والظاهر أن الولد لا يعيش. وتسطو عليه القوابل أو غيرهن من النساء فيدخلن أيديهن فى فرجها فيخرجن الجنين من بطنها. والجنين الذى ترجى حياته هو الذى تم له ستة أشهر وكان يتحرك حركة قوية وانتفخت المخارج.
فان لم يوجد نساء لم يسط الرجال عليه لما فيه من هتك حرمتها.
فان تعذر عليهن اخراجه ترك حتى يموت ولا تشق بطنها لما تقدم. ولا تدفن قبل موت حملها لما يلزمه من دفنه معها. ولا يوضع عليه ما يموته لعموم النواهى عن قتل النفس المحرمة. ولو خرج بعض الحمل حيا شق بطنها حتى يخرج الباقى لتيقن حياته بعد أن كانت موهومة. فلو مات الحمل قبل خروجه أخرج وغسل كغيره، وان تعذر خروج باقى الحمل ترك بحاله وغسل ما خرج منه لأن له حكم السقط وأجزأ غسله، وما بقى من الحمل، فى جوفها ففى حكم الباطل لا يحتاج الى التيمم من أجله لأنه فى حكم الحمل وصلى على من خرج بعضه مع أمه بأن ينوى الصلاة عليهما حيث تم له أربعة أشهر فأكثر.
وان ماتت ذمية أو كافرة حامل بمسلم دفنها مسلم وحدها أى فى مكان وحدها أى فى مكان غير مقابر المسلمين وغير مقابر الكفار ان أمكن دفنها وحدها وان لم يمكن دفنها وحدها فانها تدفن مع المسلمين لأن ذلك أولى من دفن المسلم الذى هو الجنين مع الكفار، وجعل ظهرها الى القبلة، وتدفن على جنبها الأيسر ليكون الجنين على جنبه الأيمن مستقبل القبلة لأن ظهره لوجه
стр. 7826
أمه، ولا يصلى عليه لأنه غير مولود ولا سقط، وكألمأكول ببطن الآكل. ويصلى على مسلمة حامل وعلى حملها بعد مضى زمن تصوير وهو أربعة أشهر فينويهما بالصلاة، وان لم يمض زمن لتصوير، صلى عليها دونه (١).
مذهب الظاهرية:
جاء فى «المحلى لابن حزم» أن من تزوج كافرة وحملت منه وهو مسلم وماتت حاملا، فان كانت قبل أربعة أشهر ولم ينفخ فيه الروح بعد دفنت مع أهل دينها، وان كان بعد أربعة أشهر والروح قد نفخ فيه دفنت فى طرف مقبرة المسلمين، لأن عمل أهل الاسلام من عهد رسول الله ﷺ أن لا يدفن مسلم مع مشرك (٢). وجاء فى «المحلى» أيضا أن أحق الناس بالصلاة على الميت والميتة الأولياء وهم الأب وآباؤه والابن وأبناؤه ثم الأخوة الأشقاء ثم الذين للأب ثم بنوه ثم الأعمام للأب والأم ثم للأب ثم بنوه ثم كل ذى رحم محرم إلا أن يوصى الميت أن يصلى عليه انسان بعينه فهو أولى، ثم الزوج ثم الأمير أو القاضى فإن صلى غير من ذكرنا أجزأه برهان ذلك قول الله «وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ»،﴾ وقول رسول الله ﷺ «لا يؤمن الرجل فى أهله» (٣)
مذهب الزيدية:
جاء فى كتاب «شرح الأزهار» أنه اذا كان الميت امرأة حاملا فانه يشق بطنها وجوبا من أيسره لاستخراج حمل عرف أنه قد تحرك بعد الموت ولو علم أنه يموت، وذلك حيث لم يبلغ ستة أشهر، لأن للحى حرمة ولو ساعة واحدة، ولأنه بخروجه حيا يرث ويورث. وعن أبى الفضل الناصر انما يشق له اذا بلغ ستة أشهر لا دونها، فيترك ساعة حتى يموت. أما لو تحرك قبل الموت وسكن بعده فالأقرب أنه لا يدفن الميت حتى يغلب فى الظن موت الجنين.
ولو دفنت المرأة والولد يتحرك فمات فقيل يضمن الدافن دية أنثاه، لأنه المتيقن وفيه نظر، والقياس أنه يضمن الغرة اذا عرف بخروج يد أو نحوها، فلو دفنت المرأة والولد يتحرك ولم يتحقق بخروج يد أو نحوها فلا شئ، اذ الاصل براءة الذمة. وان تيقن الحمل بنحو ذلك وجبت الغرة. والصحيح أنه لا شئ، لأن الأصل براءة الذمة، لجواز ان يكون ريحا (٤) وليكن الغاسل والميمم للميت المسلم عدلا، فلا يجوز أن يغسل الميت فاسق.
ولا بد ان يكون ذلك الغاسل من جنس الميت ان كان رجلا فرجل، وان كان أنثى فأنثى، أو جائز الوط ء كالمرأة مع زوجها، والمملوكة التى هى غير مزوجة مع مالكها، فيجوز أن يغسل كل منهما صاحبه (٥). أما لو مات طفل أو طفلة لا يشتهى جماع أيهما لصغره فكل مسلم عدل يصح أن يغسله لو كان أجنبيا منه، والجنس أولى (٦). والأولى بالامامة فى الصلاة على
стр. 7827
الميت هو الامام الأعظم وواليه كالحاكم فانهما أولى من قرابة الميت، ثم اذا لم يكن ثم امام أو لم يحضر القبر أو موضع الصلاة، فالأولى بالتقدم الأقرب نسبه الى الميت ولو امرأة.
وقال المفتى: لاحظ لها فى الصلاة. ويتقدم الصالح للإمامة فى الصلاة من عصبة الميت، فيقدم الأقرب فالأقرب على حسب درجتهم فى القرب، فإن عدمت العصبة فالأقرب من ذوى رحمه. أما لو أوصى الميت أن يصلى عليه فلان.
قال فى الياقوتة - كان أولى من سواه. وقال فى الانتصار. القريب أحق على ظاهر المذهب، وكذا فى الغسل والادلاء والتجهيز والكفن وهو قول الفقهاء (١). ويوارى الميت فى قبره من يجوز له غسله باللمس فيوارى الرجل رجل أو زوجته أو أمته والمرأة امرأة أو زوجها أو محرمها أما اذا لم يوجد من يجوز له غسله باللمس حالة القبر جاز أن يدليه غيره للضرورة (٢).
مذهب الإمامية:
جاء فى «الروضة البهية» أن الأولى بميراث الميت أولى بأحكامه بمعنى أن الوارث أولى ممن ليس بوارث وان كان قريبا، ثم ان اتحد الوارث اختص، وان تعدد فالذكر أولى من الأنثى والمكلف أولى من غيره، والأب أولى من الولد، والجد، والزوج أولى بزوجته مطلقا فى جميع أحكام الميت، ولا فرق بين الدائم والمنقطع. ويجب المساواة بين الغاسل والميت فى الرجولية والأنثوية فاذا كان الولى مخالفا للميت أذن للمماثل لأن ولايته تسقط، لا منافاة بين الأولوية وعدم المباشرة، وقيد بالرجولية لئلا يخرج تغسيل كل من الرجل والمرأة ابن ثلاث سنين ونيته لانتقاء وصف الرجولية فى المغسل الصغير، ومع ذلك لا يخلو من القصور كما لا يخفى، والمحرم وهو من يحرم نكاحه مؤبدا بنسب أو رضاع أو مصاهرة يغسل محرمها الذى يزيد سنه عن ثلاث سنين من وراء الثوب (٣).
مذهب الإباضية:
جاء فى كتاب «شرح النيل» أنه يغسل الرجل برجال، والمرأة بنساء اتفاقا والطفل ما لم يجاوز سبعا تغسله الرجال أو النساء وان جاوزها فلا يغسله الا الرجال ان حضروا، والا تيمم له (أى يمحوه) كطفلة حضرها رجال فقط، ورخص أن يغسلوا ان لم تجاوز أربعة والا تيمموا لها (أى يمموها) ان لم يحضرها غيرهم. وقيل تغسل المرأة الطفل ما لم يتكلم، والرجل الطفله ما لم تتكلم، وقيل تغسل الفطيم أو فوقه بشئ، وقيل ابن أربع أو خمس (٤).
وقال أبو العباس: «ويلزم غسل الميت أولياءه» وان لم يشتغلوا به فكل من حضر. وينبغى أن لا يغسل الميت محارمه من الرجال والنساء الا على الضرورة (٥). وأولى بالأنثى غسلا عن محارمها الاناث زوجها ان كان، والا فليغسلها النساء، وهى على الترتيب فى الحرمة.
وذوات الحرمة هن كل امرأة لو كانت رجلا لم يحل له نكاحها بسبب القرابة ثم الأجنبية بعد
стр. 7828
القريبة. والرضاع كالنسب (١). وفرض تكفين ميت على حاضره ثوب كتان أو قطن طاهر أبيض جديد ان تيسر، وهو قبل الدين من ماله ان كان له مال، والا فعلى ورثته بحسب سهامهم غير الازواج، والكلالة ان لم يكونوا من العصبة ان حضروه، والا فعلى حاضره، وان لم يجده الا بكل ماله فان أشهد على أخذ قيمته من مال الهالك أو وارثه أخذ، والا عد متبرعا (٢). ولا يكفن فى كفن واحد متعدد غير ولد مات مع أمه بعد خروجه أو قبله وقبل تفريق بينهما، وان مات بعد خروجه أو قبله وأمه حية فرق بينهما ولا ينتظر موتها، فهذان المذكوران من ولد وأمه حكمهما أنه يجعل لأمه ما أمكنها من سننها ثم تضم مع ولدها فى كفن واحد بعد لفه منه أو من غيره ويلصق الى كفنها ويستر بطرفه وحده، ويجعل أمامها ان كان ذكرا، لأنه أفضل ولأن صلاة الرجل فى حياته أمام المرأة، ويجعل خلفها ان كان أنثى لعظم حق الأم، ولعله ان كان خنثى مشكلا جعل أمامها أيضا. ولا يفرق بينهما بعد موت بأن ولد ميتا بل قبله. فاذا لم يفرقوا حتى مات فلا يفرقوه، وقيل يفرقونه. وان خرج ميتا فلا يفرق وقيل يفرق وعلى كل قول من القولين يلف فقط، اذ لا تلزم حقوق ولد خرج ميتا. وفى جعله أمام أو خلف أو حيث شاؤا ما مر أيضا بخلاف ما اذا خرج حيا. وفرق قبل موته فله حقوقه على حده (٣). وأولى الناس بالصلاة على الميت أبوه وأب أبيه وان علا على الترتيب، ثم الزوج ثم الابن ثم الأخ الشقيق ثم الأبوى ثم العم كذلك ثم الأقرب فالأقرب. وان استووا كاخوة اشقاء صلى واحد، وان تنازعوا اقترعوا. وان صلى عليه بعيد ولو كان أجنبيا فصلاته كافية. ولا يصلى عليه حتى يستأذن وليه ولو كان الولى امرأة وكذا دفنه.
وان لم يعرف الولى كيف يصلى أو يدفن أو يفعل غير ذلك فكل من يعرف. وقيل: يقدم القوم فى الصلاة من رضوا به للصلاة عليه كغيرها من الصلوات. وأما فى الدفن فلا، بل لابد من الولى أو اذنه فيه، الا ان لم يتيسر.
وقيل الامام أو أمير الجيش أولى من الولى فى صلاة الميت كصلاة الجمعة (٤). وأولى بالأنثى انزالا فى قبرها محرمها، وقيل زوجها وهو الراجح، ويحتمل أن يريد بالمحرم ما يشمل الزوج فيقدم الزوج، وذلك أن المحرم ضد الزوج. وهو من لا يحل له تزوجها، ولكن قد يراد فى العرف للمحرم من يحل لها أن تكشف اليه. ويلى محرمها عجزها ان كان واحدا والباقون ليس بمحاوم، وكذا الزوج مع سائر من لم يكم محرما لها، وهو مقدم على المحرم. ويلى عجز الزوج الزوجة ان لم يكن الا هى والنساء.
وقيل محرمته أولى. وان لم يكن محرم ولا زوج فليل عجزها أمين، وان لم يكن فليخطر خير من وجد، فان تنازع أولياء الميت على غسله وتكفينه ودفنه فالأقرب فالأقارب،
стр. 7829
الا أن الزوجة أولى من الأب بالغسل والتكفين وادخال القبر (١).
الأم وعدم خروج ابنها
للجهاد اذا احتاجت اليه
مذهب الحنفية:
جاء فى «بدائع الصنائع» أنه لا يباح للعبد أن يخرج للجهاد الا باذن مولاه ولا المرأة الا باذن زوجها لأن خدمة المولى والقيام بحقوقه الزوجية كل ذلك فرض عين، أحكامه مقدما على فرض الكفاية، وكذا الولد لا يخرج الا باذن والديه أو أحدهما اذا كان الآخر ميتا لأن بر الوالدين فرض عين فكان مقدما على فرض الكفاية، والأصل أن كل سفر لا يؤمن فيه الهلاك ويشتد فيه الخطر لا يحل للولد أن يخرج اليه بغير اذن والديه لأنهما يشفقان على ولدهما فيتضرران بذلك وكل سفر لا يشتد فيه الخطر يحل له أن يخرج اليه بغير اذنهما اذا لم يضيعهما لانعدام الضرر، ومن مشايخنا من رخص فى سفر التعلم بغير اذنهما لأنهما لا يتضرران بذلك بل ينتفعان به فلا يلحقه سمة العقوق، هذا اذا لم يكن النفير عاما، فأما اذا عم النفير بأن هجم العدو على بلد فهو فرض عين يفترض على كل واحد من آحاد المسلمين ممن هو قادر عليه لقول الله «اِنْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً ٢» قيل نزلت فى النفير وقول الله : «ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ٣» ولأن الوجوب على الكل قيل عموم النفير ثابت لأن السقوط عن الباقين بقيام البعض به فاذا عم النفير لا يتحقق القيام به الا بالكل فبقى فرضا على الكل عينا بمنزلة الصوم والصلاة فيخرج العبد بغير اذن مولاه، والمرأة بغير اذن زوجها لأن منافع العبد والمرأة فى حق العبادات المفروضة عينا مستثناة عن ملك المولى والزوج شرعا كما فى الصوم والصلاة، وكذا يباح للولد أن يخرج بغير اذن والديه لأن حق الوالدين لا يظهر فى فروض الاعيان كالصوم والصلاة (٤).
مذهب المالكية:
جاء فى «حاشية الدسوقى على الشرح الكبير» أن للوالدين أو أحدهما منع الابن من السفر فى كل فرض كفاية اذا كان السفر لتحصيله فى البر أو البحر الخطر لا ان كان فى بر آمن ويستثنى من ذلك الجهاد فان لهما منع الولد منه مطلقا ولو كان السفر له فى بر آمن ويستثنى أيضا طلب العلم الكفائى ان كان فى بلدهما من يفيده والا فليس لهما منعه من السفر، وليس للجد أو الجدة المنع من الخروج للجهاد وان كان برهما واجبا فيسترضيهما ليأذنا له فان أبيا خرج بلا اذن وليس لأحد الأبوين الكافرين المنع من
стр. 7830
الخروج للجهاد لأنه مظنة قصد توهين الاسلام الا لقرينة تفيد الشفقة ونحوها (١).
وجاء فى «مواهب الجليل» أن للوالدين منع الولد من الجهاد إذا كان فرض كفاية أما إذا كان الجهاد فرض عين فلا يحتاج لإذنهما ولو لم يكونا فى كفاية وهو مذهب المدونة (٢).
مذهب الشافعية:
جاء فى «مغنى المحتاج» أنه يحرم على رجل جهاد بسفر وغيره الا باذن أبويه ان كانا مسلمين لأن الجهاد فرض كفاية وبرهما فرض عين، وفى الصحيحين أن رجلا استأذن النبى ﷺ فى الجهاد فقال:
«ألك والدان»؟ فقال نعم، قال: «ففيهما فجاهد» وفى رواية «ألك والدة»؟ قال نعم.
قال: فانطلق اليها فأكرمها فان الجنة تحت رجليها». رواه الحاكم وقال صحيح ولو كان الحى أحدهما لم يجز الا باذنه وجميع أصوله المسلمين كذلك، ولو وجد الأقرب منه واذن سواء كانوا أحرارا أم أرقاء ذكورا أم لناثا لأن برهم متعين عليه بخلاف الكافر منهم لا يجب استئذانه، وكذا المنافق كما نص عليه فى «الأم» ولو كان الولد رقيقا اعتبر اذن سيده لا والديه كما قال الماوردى، ويلزم المبعض استئذان الأبوين لما فيه من الحرية والسيد لما فيه من الرق. فان أذن الأبوان والغريم للرجل فى الجهاد ثم رجعوا بعد خروجه وعلم بذلك وجب عليه الرجوع ان لم يحضر الصف لأن عدم الاذن عذر يمنع وجوب الجهاد فكذا طريائه كالعمى والمرض، ولو أسلم أصله الكافر بعد خروجه ولم يأذن وعلم الفرع الحال فهو كالرجوع عن الاذن ويستثنى من كلامه ما لو خاف على نفسه أو ماله أو خاف انكسار قلوب المسلمين برجوعه أو خرج مع الامام بجعل كما قاله الماوردى تبعا للنص فلا يلزمه الرجوع بل لا يجوز فى معظم ذلك وان أمكنه الاقامة عند الخوف بموضع فى طريقه الا أن يرجع الجيش فيرجع معهم لزمه ذلك وان لم يمكنه الاقامه ولا الرجوع فله المضى مع الجيش لكن يتوقى مظان الموت كما نص عليه فى «الأم» فان حضر الصف وشرع فى القتال بأن التقى الصفان ثم رجع من ذكر وعلم برجوعه حرم الانصراف فى الأظهر وعبر فى الروضة بالأصح لوجوب المثابرة لقول الله :
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا» ولأن الانصراف يشوش أمر القتال ويكسر القلوب والثانى لا يحرم بل يجب الانصراف رعاية لحق الآدمى الذى بناؤه على الضيق. وعلى الأول لا يقف موقف طلب الشهادة بل فى آخر الصفوف يحرس كما قاله القاضى أبو الطيب، وحكى عن نص الشافعى رضى الله عنه (٣).
وجاء فى «الأم» أنه اذا كان الأبوان على غير دينه فانما يجاهد أهل دينهما ولا طاعة لهما عليه فى ترك الجهاد وله الجهاد وان
стр. 7831
خالفهما، والأغلب أن منعهما سخط لدينه ورضا لدينهما لا شفقة عليه فقط، وقد انقطعت الولاية بينه وبينهما فى الدين يقول الامام الشافعى: ان الدليل على ذلك أن ابن عتبة ابن ربيعة جاهد مع النبى ﷺ وأمره النبى ﵊ بالجهاد وأبوه مجاهد النبى ﵊ فلست أشك فى كراهية أبيه لجهاده مع رسول الله ﷺ ، وكذلك جاهد عبد الله بن عبد الله بن أبى مع النبى ﷺ وأبوه متخلف عن النبى ﷺ بأحد، ويخذل عنه من أطاعه مع غيرهم ممن لا أشك - ان شاء الله تعالى. فى كراهتهم لجهاد أبنائهم مع النبى ﵊ اذ كانوا مخالفين مجاهدين له أو مخذلين، وأى الأبوين أسلم كان حقا على الولد أن لا يغزو الا باذنه الا أن يكون الولد يعلم من الوالد نفاقا فلا يكون له عليه طاعة فى الغزو (١).
مذهب الحنابلة:
جاء فى «كشاف القناع» أنه لا يجاهد تطوعا من أبواه حران مسلمان عاقلان إلا بإذنهما وان كان أحد أبويه حرا مسلما عاقلا لم يجاهد تطوعا إلا بإذنه، لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: جاء رجل إلى النبى ﷺ فقال:
يا رسول الله. أجاهد فقال له الرسول: «لك أبوان؟» قال نعم. قال: «ففيهما فجاهد» وروى البخارى معناه من حديث ابن عمرو وروى أبو داود عن أبى سعيد أن رجلا هاجر إلى النبى ﷺ من اليمن، فقال: «هل لك أحد باليمن؟» فقال: أبواى فقال: «أذنا لك؟» قال: لا. قال «فارجع فاستئذنهما، فإن أذنا لك فجاهد، وإلا فبرهما، ولأن برهما فرض عين والجهاد فرض كفاية، والأول مقدم، ويسقط اذن الوالدين اذا تعين عليه الجهاد لحضور الصف أو حضر العدو أو استنفار الأمام له ونحوه، لأنه يصير فرض عين وتركه معصية (٢).
مذهب الظاهرية:
وعند الظاهرية لا يجوز الجهاد إلا بإذن الأبوين، إلا أن ينزل العدو بقوم من المسلمين فعندئذ يفرض على كل من يمكنه اعانتهم أن يقصدهم مغيثا لهم أذن الأبوان أم لم يأذنا، إلا أن يضيعا أو أحدهما بعده، فلا يحل له ترك من يضيع منهما لحديث عبد الله بن عمرو ابن العاص الذى رواه البخارى حيث قال:
جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فاستأذنه فى الجهاد، فقال له ﵊: «أحى والداك؟» قال: نعم. قال رسول الله ﷺ : «ففيهما فجاهد». ومن طريق البخارى عن ابن عمر رضى الله عنهما عن النبى ﷺ
стр. 7832
قال: «السمع والطاعة حق ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» (١).
مذهب الزيدية:
جاء فى كتاب «شرح الأزهار» أن الجهاد فرض بلا خلاف لقول الله ﵎:
«كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ» (٢) والآى الدالة على وجوبه كثيرة، لكنه فرض كفاية لا فرض عين. وروى عن ابن المسيب أنه فرض عين. ولا خلاف فى كونه فرض عين اذا قصد الكفار أو البغاة ديار المسلمين. قال فى شرح الابانة الا أنه يكفى البعض فى دفعه.
واذا ثبت وجوبه فانه يجب أن يخرج له ولكل واجب ويندب لكل مندوب فى غالب الأحوال لا فى جميعها فانه قد لا يجوز الخروج وقد يكره، أما حيث لا يجوز فهو اذا كان يفوت بخروجه لذلك الواجب واجب مثله أو أهم منه نحو أن يخرج لطلب ما هو فرض كفاية ويخل بخروجه بنفقة من يلزمه انفاقه والتكسب له فى جهته، أو يخرج لطلب العلم وفى جهته جهاد واجب متعين اما مع امام أو مع مدافع عن نفسه أو نحو ذلك مع محترم الدم كأهل الذمة. أما المكروه فحيث يفوت مندوب أفضل مما خرج له أو مثله.
بل يخير نحو أن يخرج لزيارة بعض اخوانه فى جهة نازحة، ووالداه يبكيان من فراقه وتشتد لوعتهما بحيث يكون ادخال السرور عليهما أفضل من تلك الزيارة. وأما اذا كان الذى خرج له واجبا كالجهاد والنفقة الواجبة، أو أفضل نحو أن يكون فى غير وطنه أقرب الى المواظبة على الطاعة والبعد عن الشبهة الجائزة والمكروهات فانه يجوز، بل يجب فيما هو واجب، ويندب فيما هو مندوب له الخروج وان كره الوالدان يدخل فى ذلك الجد والجدة، وقيل الأب والأم فقط وهو الظاهر خروجه لم يتأخر عن الخروج لأجل كراهتهما الخروج. وقيل بل لا يجوز خروجه للجهاد الا باذن والديه المسلمين أو أحدهما لقوله ﷺ : «لنومك على السرير برا بوالديك تضحكهما ويضحكانك أفضل من جلادك بالسيف فى سبيل الله» قيل وكذلك الخلاف فى الخروج للحج وطلب العلم ما لم يتضررا أو أحدهما مضرة فى أبدانهما وان كان من جهة النفقة بخروج الولد، فان تضررا حرم حينئذ الخروج بالاجماع، قيل الا أن يكونا كافرين حربيين لاذميين فله الخروج بالاتفاق. وذلك لما روى عن النبى ﷺ : «أن رجلا هاجر من اليمن فقال له الرسول ﷺ :» ألك أحد فى اليمن؟ قال: أبوان:
فقال: مر اليهما فاستئذنهما فان أذنا فجاهد وان لم يأدنا فأبرهما: وروى أن رجلا أتى النبى ﷺ ليبايعه على الجهاد فقال له الرسول ﷺ : «ألك أبوان؟» قال: نعم. فقال ﷺ قال: (ففيهما فجاهد) وروى عنه ﷺ : «ارجع اليهما فاضحكهما كما أبكيتهما (٣)».
стр. 7833
مذهب الإمامية:
وجاء فى كتاب «الروضة البهية» أن للأبوين منع الولد من الجهاد ان كان المقصود جهاد المشركين ابتداء لدعائهم للإسلام، إلا أن يتعين عليه الجهاد بأمر الإمام، أو بضعف المسلمين عن المقاومة بدونه، إذ يجب عليه حينئذ الجهاد عينا فلا يتوقف على أذن الأبوين أما جهاد من يدهم على المسلمين من الكفار بحيث يخافون استيلاءهم على بلادهم وأخذ مالهم وما أشبهه وإن قل، فإنه لا يحتاج إلى أذن الأبوين (١).
مذهب الإباضية:
وجاء فى كتاب «شرح كتاب النيل وشفاء العليل». أنه لا يخرج الابن عن أبويه فى غير فرض كتعين حج وطلب قوت وان لعياله أو من لزمته مؤنته أو نفقته وجهاد راجع أمره اليه واحتيج فيه اليه كأن يكون اماما عادلا احتيج لحضوره أو قائما بأمر من أمور الحرب لا يقوم به غيره الا باذنهما ان احتاجا اليه، والا جاز الخروج عنهما لو منعاه، أو كان ما يخرج اليه غير فرض متعين، مفهوم من قول الربيع: من أراد الجهاد وكان له أبوان أو واحد، فقيران كارهان لخروجه، أو كبيران أو مريضان، فأرى ان لم يكن لهما غنى أن يقيم معهما فهو أفضل، فالخروج غير جائز، وذلك حيث لم يتعين الخروج والا وجب. قال الشيخ: عليه أن يخرج الى الجهاد ولو كرها ان كان لهما غنى لأنهما لا يمنعانه مما لم يمنعه الله منه وأمره به.
ولو منعاه كالجهاد فان الله أمره ولم يشترط رضى والديه فوجب عليه الخروج اليه اذا تعين واستحسنه له اذا لم يتعين. ولم تشترط السنة الا احتياجهما اليه لمرض أو كبر أو احتياج، فالباقى باق على وجوبه أو استحسانه وان كرها. وقيل لا بد من اذنهما وان استغنوا عنه فى غير فرض تعين. وأما فيه وقد استغنوا عنه فلا بد من اذنهما، وان منعاه خرج ولا اثم عليه. واما فيه - ولم يستغنوا - فان وجد من يقوم عنه عليه أو عليهما عذاك، والا اشتغل بما كان: وكذا القعود معهما أو الخروج الى الفرض ويؤخر ما احتمل التأخير، وله خروج من جهاد لم يلزمه لأنه لا حد له، ولو دخل فيه ان أمراه بالخروج ولم يكن فى خروجه انهزام المؤمنين فانه يجب عليه الخروج (٢). ولا طاعة للوالدين فى ترك العدو اذا فاجأ المسلمين فيجب عليه دفاعهم ولو منعاه (٣).
стр. 7834
الأم وأحكام الهبة
مذهب الحنفية:
جاء فى «الهداية شرح بداية المبتدى» أنه اذا وهب لابنه الصغير هبة ملكها بالعقد، لأنه فى قبض الأب فينوب عن قبض الهبة، ولا فرق بين ما إذا كان فى يده أو فى يد مودعه لأن يده كيده، وكذا اذا وهبت له أمه وهو فى عيالها والأب ميت ولا وصى له، وكذلك كل من يعوله وان وهب له أجنبى هبة تمت بقبض الأب، لأنه يملك عليه الدائر بين النافع والضار، فأولى أن يملك النافع. واذا وهب لليتيم هبة فقبضها له وليه وهو وصى الأب أو جد اليتيم، أو وصيه جاز، لأن لهؤلاء ولاية عليه لقيامهم مقام الأب. وان كان فى حجر أمه فقبضها له جائز لأن لها الولاية فيما يرجع الى حفظه وحفظ ماله وهذا من بابه لانه لا يبقى الا بالمال فلا بد من ولاية التحصيل، وكذا اذا كان فى حجر أجنبى يربيه، لأن له عليه يدا معتبرة وان قبض الصبى الهبة بنفسه جاز اذا كان عاقلا، لأنه نافع فى حقه وهو من أهله. وفيما وهب للصغيرة يجوز قبض زوجها لها بعد الزفاف لتفويض الأب أمورها اليه دلالة، بخلاف ما قبل الزفاف. ويملكه مع حضرة الأب بخلاف الأم، وكل من يعولها غيرها حيث لا يملكونه الا بعد موت الأب أو غيبته غيبة منقطعة فى الصحيح لأن تصرف هؤلاء للضرورة لا بتفويض الأب. ومع حضوره لا ضرورة (١). واذا وهب المرء هبة لأجنبى فله الرجوع فيها، والمراد بالأجنبى هنا من لم يكن ذا رحم محرم منه، فخرج منه من كان ذا رحم وليس بمحرم كبنى الأعمام والأخوال، ومن كان محرما ليس بذى رحم كالأخ الرضاعى، وذلك لقول الرسول ﵊: «الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها، أى ما لم يعوض» ولأن المقصود فى الهبة هو التعويض للعادة، لأن العادة الظاهرة أن الانسان يهدى الى من فوقه ليصونه بجاهه، والى من دونه ليخدمه، والى من يساويه ليعوضه، واذا تطرق الخلل فيما هو مقصود من عقد الهبة يتمكن العاقد من الفسخ كالمشترى اذا وجد بالمبيع عيبا فثبتت له ولاية الفسخ عند فوات المقصود، اذ العقد يقبله، والمراد بما روى نفى استبداد الرجوع، يعنى لا يستبد الواهب بالرجوع فى الهبة، ولا ينفرد به من غير قضاء أو رضا الا الوالد فيما وهب لولده، فان ذلك له اذا احتاج اليه لحاجته وسمى ذلك رجوعا باعتبار الظاهر، وان لم يكن رجوعا فى الحكم (٢).
أما الكراهة فلازمة لقوله ﵊: «العائد فى هبته كالعائد فى قيئه» وهذا لاستقباحه. ثم للرجوع موانع ذكر بعضها فقال: الا أن يعوضه عنها لحصول المقصود، أو تزيد زيادة متصلة، لأنه لا وجه الى الرجوع فيها دون الزيادة لعدم الامكان، ولا مع الزيادة لعدم دخولها تحت العقد، أو
стр. 7835
بموت أحد المتعاقدين، أو تخرج الهبة عن ملك الموهوب له (١).
وجاء فى «مختصر القدورى» أن من وهب جارية الا حملها صحت الهبة وبطل الاستثناء (٢).
مذهب المالكية:
جاء فى «المدونة الكبرى» أنه لو وهبت الأم لولدها الصغار وهم فى حجرها هبة وأشهدت لهم فانها لا تكون حائزة لهم الا أن تكون وصيا، فيجوز أن تحوز لهم، ويجوز كذلك اذا كانت وصى للوالد أو وصى وصى الوالد ففى هذه الحالات الأم تكون حائزة صدقتها وهبتها على ولدها الصغار - واذا حاضت الجارية وليس لها والد ووهبت لها أمها هبة والأم وصيتها وهى فى حجر أمها تكون الأم حائزة لها هبتها (٣). واذا وهبت الأم لولدها أو نحلتهم ولهم أب فان الأم تعتصر ذلك كما يعتصره الأب ما لم يستحدثوا دينا أو ينكحوا. وما نحلت أو وهبت الأم لولدها الصغار ولا أب لهم فانها لا تعتصر ذلك وليس يعتصر ما يوهب لليتامى، ولا ما ينحلون انما ذلك بمنزلة الصدقة. وما نحل الأب أو وهب لولده الصغار فانه يعتصر ذلك ولو لم تكن لهم أم لأن اليتيم انما هو من قبل الأب. الا ان ينكحوا أو يحدثوا دينا.
واذا وهبت الأم لولدها وهم كبار هبة فانه يجوز لها أن تعتصرها قبل أن يحدثوا فيها شيئا. واذا وهبت الأم لولدها وهم صغار لا والد لهم هبة فبلغوا رجالا ولم يحدثوا فى الهبة شيئا فليس للأم أن تعتصر الهبة لأنها وقعت يوم وقعت لهم وهم يتامى وهى بمنزلة الصدقة. واذا كان للصغير والد، والوالد مجنون جنونا مطبقا وله والدة فوهبت له الأم هبة فلها أن تعتصرها ان شاءت لأنه ليس بمنزلة اليتيم (٤).
وجاء فى «بداية المجتهد» أن مالكا وجمهور علماء المدينة ذهبوا الى أن للأب أن يعتصر (يرجع) ما وهبه لابنه ما لم يتزوج الابن أو لم يستحدث دينا وبالجملة ما لم يترتب عليه حق الغير، وان للأم أيضا أن تعتصر ما وهبت ان كان الأب حيا، وقد روى عن مالك أنها لا تعتصر. والاجماع على أن الهبة التى يراد بها الصدقة أى وجه الله لا يجوز لأحد الرجوع فيها. وسبب الخلاف تعارض الآثار، فمن لم ير الاعتصار أصلا احتج بعموم الحديث الثابت، وهو قول رسول الله ﷺ : «العائد فى هبته كالكلب يعود فى قيئه» ومن استثنى الابوين احتج بحديث طاوس أنه قال ﷺ :
стр. 7836
«لا يحل لواهب أن يرجع فى هبته الا الوالد» وقاس الأم على الوالد (١). وجاء فى «بداية المجتهد» أن مالكا وأصحابه قالوا انه لا بد من الحيازة فى المسكون والملبوس، فان كانت دارا سكن فيها خرج منها، وكذلك الملبوس ان لبسه بطلت الهبة، وقالوا فى سائر العروض انه يكفى فى ذلك اعلانه واشهاده، أما الذهب والورق فاختلفت الرواية فيه عن مالك، فروى عنه أنه لا يجوز الا أن يخرجه الأب عن يده الى يد غيره، وروى عنه أنه يجوز اذا جعلها فى ظرف أو اناء وختم عليها بخاتم وأشهد على ذلك الشهود. ولا خلاف بين أصحاب الامام مالك أن الوصى يقوم فى ذلك مقام الأب، واختلفوا فى الأم: فقال ابن القاسم لا تقوم مقام الأب ورواه عن مالك، وقال غيره من أصحابه انها تقوم مقامه (٢). ويرى الامام مالك جواز تفضيل الرجل بعض ولده على بعض فى الهبة، ولكن لا يجوز أن يهب بعضهم جميع المال دون بعض (٣).
مذهب الشافعية:
جاء فى كتاب «نهاية المحتاج الى شرح المنهاج» أنه يسن للوالد أى الأصل وان علا العدل فى عطية أولاده أى فروعه وان سفلوا ولو أحفادا مع وجود الأولاد فيما يظهر كما رجحه جمع وان خصصه آخرون بالأولاد، سواء كانت تلك العطية هبة أم هدية أم صدقة أم وقفا أم تبرعا آخر فان ترك العدل بلا عذر كره عند أكثر العلماء خلافا لمن ذهب الى حرمته. والأصل فى ذلك خبر البخارى «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم» وخبر أحمد أنه ﷺ قال لمن أراد أن يشهده على عطية لبعض أولاده «لا تشهدنى على جور، لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم» وفى رواية لمسلم أشهد على هذا غيرى، ثم قال أيسرك أن يكونوا لك فى البر سواء؟ قال بلى «قال فلا اذن» فأمره باشهاد غيره صريح فى الجواز وتسميته جورا باعتبار ما فيه من انتفاء العدل المطلوب، فان فضل البعض أعطى بقيتهم ما يحصل به العدل، والأرجع ندبا للأمرية فى رواية، نعم يظهر أنه لو علم من المحروم الرضى وظن عقوق غيره لفقره ورقة دينه لم يستحب الرجوع ولم يكره التفضيل، كما لو حرم فاسقا لئلا يصرفه عن معصية أو عاقا أو زاد أو آثر الأحوج أو المتميز بنحو فضل كما فعله الصديق مع عائشة: رضى الله عنهما والأوجه أن حكم تخصيص بعضهم بالرجوع فى هبة حكم ما لو خصصه بالهبة فيما مر وأفهم قوله عطية عدم طلب التسوية فى غيرها كتودد بكلام أو غيره لكن ذكر الدميرى فى بعض نسخه أنه لا خلاف فى طلب التسوية بينهم حتى فى الكلام وهو متجه اذ كثيرا ما يترتب على التفاوت فى ذلك ما مر فى الاعطاء، ومن ثم ينبغى أن يأتى هنا أيضا استثناء التمييز لعذر. ويسن للولد العدل أيضا فى عطية أصوله فان فضل كره
стр. 7837
خلافا لبعضهم وحينئذ فالأم أولى به كما فى الروضة عن الدرامى وأقره لخبر «ان لهما ثلثى البر» وعليه يحمل ما فى شرح مسلم عن المحاسبى من الاجماع على تفضيلها فى البر على الأب. والأوجه استحباب العدل بين نحو الأخوة أيضا. نعم هو دون طلبه فى الأولاد، وروى البيهقى خبر «حق كبير الأخوة على صغيرهم كحق الوالد على ولده» وفى رواية الأكبر من الأخوة بمنزلة الأب» وانما يحصل العدل بين من ذكر بأن يسوى بين الذكر والأنثى لرواية ظاهرة فى ذلك فى الخبر المار ولخبر ضعيف، وقيل الصحيح ارساله «سووا بين أولادكم فى العطية ولو كنت مفضلا أحدا لفضلت النساء». وقيل كقسمة الارث وفرق الأول بأن ملحظ هذا العصوبة وهى مختلفة مع عدم تهمة فيه وملحظ ذاك الرحم وهما فيه سواء مع التهمة فيه، وعلى هذا وما مر فى اعطاء أولاد الأولاد مع الأولاد تتصور التسوية بأن يفرض الأسفلون فى درجة الأعلين نظيرا ما يأتى فى ميراث الأرحام على قول.
وللأب الرجوع فى هبة ولده عينا بالمعنى الأعم الشامل للهدية والصدقة على الراجح بل يوجد التصريح بذلك فى بعض النسخ ولا يتعين الفور بل له ذلك متى شاء وان لم يحكم به حاكم أو كان الولد فقيرا صغيرا مخالفا دينا لخبر «لا يحل لرجل أن يعطى عطية أو يهب هبة فيرجع فيها الا الوالد فيما يعطى ولده». واختص بذلك لانتفاء التهمة فيه اذ ما طبع عليه من ايثاره لولده على نفسه يقضى وأنه انما رجع لحاجة أو مصلحة، ويكره الرجوع من غير عذر، فان وجد ككون الولد عاقا أو يصرفه فى معصية أنذره به فان أصر لم يكره كما قالا. وبحث الأسنوى ندبه فى العاصى وكراهته فى العاق ان زاد عقوقه وندبه ان أزاله واباحته ان لم يفد شيئا والأذرعى عدم كراهته ان احتاج الأب لنفقة أو دين بل ندبه حيث كان الولد غير محتاج له ووجوبه فى العاصى أن غلب على الظن تعيينه طريقا الى كفه عن المعصية - ويمتنع الرجوع كما بحثه البلقينى فى صدقة واجبة كنذر وزكاة وكفارة، وكذا فى لحم أضحية تطوع، لأنه انما يرجع ليستقل بالتصرف وهو ممتنع هنا، وقد جرى على ذلك جمع ممن سبقه وتأخر عنه ورووا على من أفتى بجواز الرجوع فى النذر بما فى الروضة وغيرها. ولا حاجة الى زيادة قول:
من قيد ذلك بما اذا وجدت صيغة نذر صحيحة، اذ النذر عند الاطلاق منصرف لذلك، ولا نظر لكونه تمليكا محضا لأن الشرع أوجب الوفاء به على العموم من غير مخصص، وقياس الواجب على التبرع غير سديد، ولا رجوع فى هبة بثواب بخلافها من غير ثواب وان أثابه عليها كما قال القاضى، وله الرجوع فى بعض الموهوب ولا يسقط بالاسقاط، وله الرجوع فيما أقر بأنه لفرعه كما أفتى به المصنف وهو المعتمد ومحله كما أفاده الجلال البلقينى عن أبيه فيما اذا فسره بالهبة، ولو وهبه وأقبضه ومات فادعى الوارث صدوره فى المرض والمتهب كونه فى الصحة صدق الثانى بيمينه ولو أقاما بينتين قدمت بينة الوارث لأن معها زيادة علم ثم محل ما تقرر اذا ما كان الولد حرا فان كان رقيقا فالهبة لسيده كما علم مما مر، ولو أبرأه من دين كان له عليه امتنع الرجوع جزما سواءا قلنا أنه تمليك أو اسقاط،
стр. 7838
اذ لا بقاء للدين فأشبه ما لو وهبه شيئا فتلف. وكذا لسائر الأصول من الجهتين وان علوا الرجوع كالأب فيما ذكر على المشهور كما فى نفقتهم وعتقهم وسقوط القود عنهم وخرج بهم الفروع والحواشى. وأفهم كلامه اختصاص الرجوع بالواهب فلا يجوز ذلك لأبيه لو مات ولم يرثه فرعه الموهوب له لمانع قام به وورثه جده لأن الحقوق لا تورث وحدها وانما تورث بتبعية المال وهو لا يرثها.
ومقابل المشهور لا رجوع لغير الأب قصرا للوالد فى الخبر المار على الأب، والأول عممه (١).
مذهب الحنبلة:
جاء فى «كشاف القناع» أنه يجب على الأب وعلى الأم وعلى غيرهما من سائر الأقارب التعديل بين من يرث بقرابة من ولد وغيره كأب وأم وأخ وابنه، وعم وابنه فى عطيتهم. ولا يجب التعديل بينهم فى شئ تافه لأنه يتسامح به فلا يحصل التأثر.
والتعديل الواجب أن يعطيهم بقدر ورثهم الا فى نفقة وكسوة فتجب الكفاية دون التعديل. ولا يجب على المسلم التسوية بين أولاد الذمة، وللأب والأم وغيرهما التخصيص لبعض أقاربه الذين يرثونه باذن الباقى منهم، فان خص بعضهم بالعطية أو فضله فى الاعطاء بلا اذن الباقى أثم .. وعليه الرجوع فيما يخص أو فضل به حيث أمكن. أو اعطاء الآخر ولو فى مرض الموت حتى يستووا.
والرجوع المذكور يختص بالأب دون الأم وغيرها كالجد والابن والأخوة والأعمام (٢).
ولا يجوز لواهب ولا يصح أن يرجع فى هبته ولو صدقة وهدية ونحلة أو نقوطا وحمولة فى عرس ونحوه لقول الرسول ﷺ : «العائد فى هبته كالكلب يقئ ثم يعود فى قيئه» متفق عليه، وفى رواية لأحمد قال قتاتة: ولا أعلم القئ الا حراما.
وسواء عوض عنها أو لم يعوض لأن الهبة المطلقة لا تقتضى الثواب. ولو تعلق بالموهوب رغبة الغير بأن ناكح انسان الولد الموهوب لوجود ذلك الذى وهبه له والده بأن زوجه ان كان ذكرا أو تزوجه ان كان أنثى لذلك أو داينه أو باعه أو أقرضه أو أجره ونحوه لوجود ذلك الذى وهبه أبوه له فان ذلك لا يمنع رجوع الأب فيما وهبه لولده بعد لزومها بأنواعها بالقبض. وأما الرجوع قبل لزومها فجائز مطلقا كما لا يجوز للواهب الرجوع فى قيمة العين الموهوبة ولو تلفت عنده الا الأب الأقرب لحديث ابن عمر وابن عباس يرفعانه قال: ليس لأحد أن يعطى عطية ويرجع فيها الا الوالد فيما يعطى ولده. رواه الترمذى وحسنه، وفى بعض ألفاظ حديث بشير المتقدم من قوله ﵊ لبشير:
«فأردده» وروى «فأرجعه» رواه مالك.
стр. 7839
ولا فرق بين أب يقصد برجوعه التسوية بين أولاده وبين غيره. ولو وهب كافر لولده الكافر شيئا ثم أسلم الولد فلأبيه الرجوع فى هبته خلافا للشيخ تقى الدين. ولو أسقط الأب حقه من الرجوع فله الرجوع لأنه حق ثبت له بالشرع فلم يسقط باسقاطه كما لو أسقط الولى حقه من ولاية النكاح.
وقال فى «المنتهى» يسقط رجوعه لأنه مجرد حقه، وقد أسقطه والفرق بينه وبين ولاية النكاح أن ولاية النكاح حق عليه لله تعالى وللمرأة بدليل اثمه بالعضل بخلاف الرجوع فانه حق للأب. ولو ادعى اثنان مولودا مجهول النسب كل يقول هو ابنى فوهباه أو وهبه أحدهما شيئا فلا رجوع لانتفاء ثبوت الدعوى وان ثبت اللحاق بأحدهما ثبت له الرجوع لثبوت الأبوة، ويشترط لجواز رجوع الأب وصحته فيما وهب لولده شروط ثلاثة:
الشرط الأول: أن تكون الهبة عينا بآقية فى ملك الابن الى رجوع أبيه فلا رجوع للأب فى دينه على الولد بعد الابراء منه لأنه اسقاط لا تمليك، ولا فى منفعة أباحها له أبوه بعد الاستيفاء كسكنى دار ونحوها لأنه اباحة واستيفاء المنفعة بمنزلة اتلافها فان خرجت العين الموهوبة عن ملك الابن ببيع أو هبة أو وقف أو خرجت بغير ذلك بأن جعلها صداقا لامرأة أو عوضا فى صلح ونحوه ثم عادت العين الى الابن بسبب جديد كبيع ولو مع خيار أو هبة أو وصية أو ارث أو نحوه كأن أخذها عوضا عن أرش جناية أو قيمة متلف لم يملك الأب الرجوع فيها لأنها عادت الى الولد بملك جديد لم يستفده من قبل أبيه فلم يملك ازالته كما لو لم تكن موهوبة. وان عادت العين للولد بعد بيعها بفسخ البيع بعيب فيها أو فى الثمن أو عادت باقالة أو عادت بفسخ لمفلس المشترى بالثمن أو بفسخ خيار الشرط أو المجلس ملك الأب الرجوع فيها لعود الملك بالسبب الأول فكأنه ما انتقل وبه فارق العود ببيع أو هبة أو نحوهما أو دبر لولد العبد الموهوب له من والده أو كاتبه ملك الأب الرجوع فى العبد لأن التدبير والكتابة لا يمنعان التصرف فى الرقبة بالبيع ونحوه فلم يمنعا الرجوع كما لو زوجه أو أجره وهو أى العبد الذى كاتبه الولد ثم رجع أبوه فيه مكاتب أى باق على كتابته للزومها فاذا أدى الى الأب باقى ما للكتابة عتق وان عجز كما لو باعه الابن وما أخذه الابن من دين الكتابة قبل رجوع الأب لم يأخذه منه أبوه لاستقرار ملكه عليه.
الشرط الثانى: أن تكون العين باقية فى تصرف الولد فان تلفت العين فلا رجوع للأب فى قيمتها وتقدم. وان استولد الابن الأمة التى وهبها له أبوه لم يملك الرجوع لامتناع نقل الملك فى أم الولد أو كان الأب وهبها له للاستعفاف لم يملك الأب الرجوع فيها وان استغنى الولد أو لم يستولدها لأن اعفافها واجب عليه. وان رهن الابن العين التى وهبها له أبوه وأقبضها فكذلك أو أفلس الابن وحجر عليه فكذلك أى فلا رجوع لأبيه لتعلق حق المرتهن والغرماء بالعين وفى الرجوع ابطال لذلك. وما ذكره المصنف من أن الحجرة عليه لفلس مانع من الرجوع قال الحارثى انه الصواب بلا خلاف كما فى الرهن ونحوه وبه
стр. 7840
صرح فى المغنى وصاحب المحرر وغيرهما.
ومقتضى ما قدمه فى المقنع أنه غير مانع وتبعه فى المنتهى لأنه لم يخالفه فى التلقيح فان أفلس ولم يحجر عليه ففيه روايتان أطلقهما فى الشرح فان حمل كلام المقنع والمنتهى على فلس لا حجر معه وافق ما ذكره الحارثى والشارع. فان زال المانع بأن انفك الحجر والرهن ملك الأب الرجوع لأن ملك الابن لم يزل، وانما طرأ معنى قطع التصرف مع بقاء الملك فمنع الرجوع فاذا زال زال المانع. وكل تصرف لا يمنع الابن التصرف فى الرقبة كالوصية والهبة قبل القبض والرهن قبل القبض والوط ء المجرد عن الأحبال والتزويج للرقيق والاجارة والمزارعة عليها وجعلها مضاربة فى عقد شركة لا يمنع الأب الرجوع لبقاء ملك الابن وسلطة تصرفه. وكذلك العتق المعلق على صفة قبل وجودها فلا يمنع الرجوع. واذا رجع الأب فى العين وكان التصرف لازما كالاجارة والتزويج والكتابة فالتصرف باق بحاله كاستمراره مع المشترى من الولد، لكن تقدم أن الأخذ بالشفعة تنفسخ به الاجارة، والفرق أن للأب فعلا فى الاجارة لان تمليكه لولده تسليط له على التصرف فيه وليس كذلك الشفيع. وان كان التصرف جائزا كالوصية والهبة قبل القبض والمزارعة والمضاربة والمشاركة بطل ذلك التصرف لأنه استمرار حكمه مقيد لبقاء المعقود معه وقد فات بخلاف الأول. والتدبير والعتق المعلق بصفة لا يبقى حكمهما فى حق الأب لأنهما لم يصدرا منه ومتى عاد المدبر أو المعلق عتقه بصفة الى ملك الابن عاد حكمهما لعود الصفة.
وان وهبه الولد لولده لم يملك الواهب الأول الرجوع لأن فيه ابطالا لملك غير ابنه وهو لا يملكه الا أن يرجع هو أى الواهب الثانى فى هبته لابنه فيملك الأول الرجوع حينئذ لأنه فسخ فى هبته برجوعه فعاد اليه الملك بسببه الأول.
الشرط الثالث: أن لا تزيد العين الموهوبة عند الولد زيادة متصلة تزيد فى قيمتها كالسمن والكبر والحمل وتعلم صنعة أو تعلم كتابة أو قرآن لأن الزيادة للموهوب له، لكونها نماء ملكه ولم تنتقل اليه من جهة أبيه فلم يملك الرجوع فيها كالمنفصلة. واذا امتنع الرجوع فيها امتنع فى الأصل لئلا يقضى الى سوء المشاركة وضرر التشخيص ولأنه استرجاع للمال بفسخ عقد لغير عيب فى عوضه فمنعه الزيادة المتصلة كاسترجاع الصداق بفسخ النكاح أو نصفه بالطلاق أو رجوع البائع فى المبيع لفلس المشترى وقد يفارق الرد بالعيب من جهة أن الرد من المشترى وقد رضى ببذل الزيادة. وان زاد الموهوب ببرئه من مرض أو صمم منع الرجوع كسائر الزيادات. وان اختلف الأب وولده فى حدوث زيادة بأن قال الولد حدث فيه زيادة فمنعت الرجوع وأنكر الأب فقول الأب لأن الأصل عدم الزيادة.
ولا تمنع الزيادة المنفصلة الرجوع كولد البهيمة وثمرة الشجرة وكسب العبد لأن الرجوع فى الأصل دون النماء والزيادة المنفصلة للولد لأنها حادثة فى ملكه ولا تتبع فى الفسوخ فكذا هنا. فان كانت الزيادة ولو أمة بأن حملت الأمة وولدت عند الولد امتنع الرجوع فى الأم لتحريم التفريق بين الأم وولدها. وان وهب الأب ولده أمة أو بهيمة حاملا فولدت فى يد الابن
стр. 7841
فالولد زيادة متصلة أى باعتبار الكبر وان وهبه أمة أو بهيمة حائلا ثم رجع الأب فيها حاملا فان زادت قيمتها بالحمل فزيادة متصلة تمنع الرجوع وان وهبه نخلا فحملت فقبل التأبير زيادة متصلة تمنع الرجوع وبعد التأبير والمراد التشقق فهى زيادة منفصلة لا تمنع الرجوع نقله الحارثى عن الموفق واقتصر عليه. وان تلف بعض العين لم يمنع الرجوع فى الباقى منها وان نقصت قيمتها لم يمنع الرجوع وان أبق العبد لموهوب لم يمنع الرجوع لبقاء الملك أو ارتد الولد الموهوب له لم يمنع الرجوع لبقاء الملك ولا ضمان على الابن فيما تلف منها ولو كان التلف بفعله لأنه فى ملكه. وان جنى العبد الموهوب للولد جناية يتعلق ارشها برقبته فللأب الرجوع فيه لبقاء ملك ولده عليه ويضمن الأب ارش الجناية لتعلقه برقبة العبد فيفديه أو يسلمه أو يبيعه فيها فان جنى على العبد الموهوب للولد فرجع الأب فيه فأرش الجناية عليه للابن لأنها زيادة منفصلة وصفة الرجوع من الأب فيما وهبه لولده أن يقول قد رجعت فى هبة أو يقول ارتجعتها أو رددتها ونحوه كعدت فيها أو أعدتها الى ملكى ونحو ذلك من الألفاظ الدالة على الرجوع. قال الحارثى والأكمل رجعت فيما وهبته لك من كذا ومن الناس من قسمه الى صريح وكناية بنية ولا بأس به.
وسواء علم الولد برجوع أبيه أو لم يعلم به. ولا يحتاج الرجوع الى حكم حاكم لثبوته بالنص كفسخ معتقه تحت عبد. وان تصرف الأب فيما وهبه لولده بعد قبض الابن لم يكن رجوعا بغير قول، أو وطئ الأب الجارية التى وهبها لولده وأقبضها له ولو نوى الأب بالتصرف أو الوط ء الرجوع لم يكن ذلك رجوعا بغير قول لأن ملك الموهوب له ثابت يقينا فلا يزول الا بيقين وهو صريح القول (١).
مذهب الظاهرية:
جاء فى «المحلى» أن من وهب هبة صحيحة لم يجز له الرجوع فيها أصلا مذ يلفظ بها إلا الوالد والأم فيما أعطيا أو أحدهما لولدهما فلهما الرجوع فيه أبداً، الصغير والكبير سواء وسواء تزوج الولد أو الابنة على تلك العطية أو لم يتزوجا، داينا عليها ولم يداينا، فإن فات عينها فلا رجوع لهما بشئ، ولا رجوع لهما بالغلة ولا بالولد الحادث بعد الهبة، فإن فات البعض وبقى البعض كان لهما الرجوع فيما بقى فقط. والحجة فى ذلك قول الله ﵎: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (٢). وقوله: «وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ» (٣) وقول رسول الله ﷺ «العائد فى هبته كالعائد فى قيئه» وقوله ﵊: «لا يحل لأحد يعطى العطية فيرجع فيها الا الوالد يعطى ولده، ومثل الذى يعطى العطية فيرجع فيها كالكلب أكل حتى اذا شبع قاء ثم عاد فرجع فى قيئه (٤).
стр. 7842
مذهب الزيدية:
جاء فى كتاب «شرح الأزهار» أنه اذا كانت الهبة لذى رحم محرم أو من يليه بدرجة لم يصح الرجوع فيها سواء كانت لله أم لا الا الأب فله الرجوع فى هبة طفله ما لم يحصل أحد الموانع كأن تكون الهبة لله تعالى أو يزيد الموهوب زيادة متصلة أو يستهلكه ولو حكما كالحفظ أو نحو ذلك .. فأما لو لم يكن طفلا بل كان بالغا. لم يصح للوالد الرجوع فيما وهب له. فان قيل قد قال رسول الله ﷺ : «الا الوالد فيما وهب لولده» فالواجب أن الكبير مخصوص بدلالة أخرى الا فيما وهبه لولده «الصغير» فلو وهب له فى صغره وأراد الرجوع بعد البلوغ لم يصح ذلك.
وقيل لا يجوز الرجوع للوالد مطلقا، وقيل له: أن يرجع مطلقا صغيرا كان الولد أم كبيرا وان سفل الولد وفى صحة رجوع الأم فيما وهبت لولدها الصغير خلاف، فقيل أنه لا رجوع لها وقيل ان لها الرجوع اذ لفظ الوالد يعمهما وهو قوى (١).
مذهب الإمامية:
جاء فى كتاب «الخلاف» فى الفقه أنه اذا أعطى انسان ولده فانه يستحب له أن لا يفضل بعضهم على بعض سواء كانوا ذكورا أو اناثا وعلى كل حال. والدليل على ذلك ما رواه ابن عباس عن النبى ﷺ أنه قال: «سووا بين أولادكم فى العطية (٢)».
وجاء فيه كذلك أنه اذا وهب الوالد ولده وان علا الوالد أو الأم لولدها وان علت، وقبضوا ان كانوا كبارا أو كانوا صغارا لم يكن لهما الرجوع فيه (٣).
مذهب الإباضية:
جاء فى كتاب «شرح النيل» أن الهبة هى تمليك بلا عوض، والهبة لثواب الآخرة صدقة، وأما لثواب الدنيا فهبة ثواب، وتصح الهبة مطلقا فى كل شئ مملوك ولو معنى كسائر المنافع الا الدنانير والدراهم فلا تجوز هبتها للثواب ولا تصح هبة فى الحرام لأنه غير مملوك كلحم الميتة. وتجوز بطيب نفس واهبها اذا كان بالغا حرا عاقلا مالكا جائز التصرف، أو نائب من كان كذلك بلا خلف أى بلا عوض ان كانت لغير ثواب، وبالخلف ان كانت لثواب، وهل تصح بلا قبول وقبض مطلقا؟ أو تصح بهما أو تصح بقبول فقط، وهو المختار فى غير هبة الأب لولده ذكرا أو أنثى، وأما فى هبة الأب لولده فالمختار اشتراط القبض.
وذكر الإباضية أن من أعطى ابنه أو ابنته عند التزوج شيئا لم يحتج للقبض، فإن مات ابنه أو ابنته أخذ منه وارثه لأنه لما أنعقد عليه النكاح صار كالبيع. وقيل لا تصح إلا بقبض. وعلى اشتراط القبض لا يصح
стр. 7843
هبة الأب لولده للتسمية لعدم القبض فيها.
الا ان كان الباقى للولد. واستدل بعض بحديث أنه «لا يحل لأحد الرجوع فى هبته الا للوالد» على أنه لا يجوز له الرجوع فيما وهبه لولده، فحرمت على الواهب. بمجرد القبول. كذا قيل. وصاحب «شرح النيل» يرى أن الحديث يدل على أنها تحرم عليه بمجرد الهبة ولو لم يكن قبول الا ان ردها الموهوب له. قال الشيخ: الهبة عقد كالبيع.
بل قالوا تقوم مقام البيع، يعنى تجوز فى موضع يجوز فيه، وتبطل حيث يبطل، بل هى أسهل لأنها قربة وصح عود والد فى الهبة، وذلك فى الحكم، وعند الله إلا أن عنى التقرب إلى الله بإعطائه ولده فلا يجوز له الرجوع عند الله. وإن أحدث الولد أمرا فيه لم يصح الرجوع الا ان رجع، إلا إن خرج من ملكه ثم رجع فلا رجوع للأب فيه، وليس لغير الوالد الرجوع لحديث: «لا يحل الرجوع فى الهبة إلا الوالد. والراجع فيها كالراجع فى القئ والرجوع فى القئ حرام» وان كان الولد بالغا فوهب له أبوه هبة وميزها له وهو فى عيال الأب ولم يقبض لا تجوز. وعن ابن الليث وعن الداودى عن بعض المالكية جواز رجوع الأم أيضا كالأب. قال وهو قول أكثر الفقهاء.
الا أن المالكية فرقوا بينهما فأجازوا رجوعها ان كان الأب حيا، وقيدوا رجوع الأب أيضا بما اذا لم يحدث الابن بها دينا أو نكاحا أو حدثا وبه قال القرطبى (١).
الأم والنسب
مذهب الحنفية:
جاء فى «كتاب الفتاوى الهندية» أن لثبوت النسب ثلاث مراتب هى:
الأولى: النكاح الصحيح وما هو فى معناه من النكاح الفاسد والحكم فيه أنه يثبت النسب من غير دعوى ولا ينتفى بمجرد النفى وانما ينتفى باللعان فان كانا ممن لا لعان بينهما لا ينتفى نسب الولد.
الثانية: أم الولد والحكم فيها أن يثبت النسب من غير دعوى وينتفى بمجرد النفى كذا فى الظهيرية وذكر فى النهاية معزيا الى المبسوط انما يملك نفيه ما لم يقض القاضى به أو لم يتطاول ذلك فأما اذا قضى القاضى به فقد لزمه على وجه لا يملك ابطاله وكذا بعد التطاول قالوا: وانما يثبت نسب ولد أم الولد بدون الدعوى ان كان يحل للمولى وطؤها. أما اذا كان لا يحل فلا يثبت النسب بدون الدعوى كأم ولد كاتبها مولاها أو أمة مشتركة بين اثنين استولدها احدهما، ثم جاءت بولد بعد ذلك لا يثبت النسب بدون الدعوى وكذا لو حرم وطؤها عليه بعد ذلك بوط ء ابيه أو ابنه أو بوطئه أمها أو بنتها لم يثبت نسب ما تلده بعد ذلك الا بالدعوى.
الثالثة: الأمة اذا جاءت بولد لا يثبت النسب بدون الدعوى وحكم المدبرة كحكم الأمة فى انه لا يثبت النسب منه بدون دعوة المولى وان كان يطأ الأمة ولا يعزل عنها لا يحل له نفيه فيما بينه وبين الله ويلزمه أن يعترف به وان كان يعزل عنها
стр. 7844
ولم يحصنها جاز له النفى لتعارض الظاهرين (١).
وجاء فى «كتاب الفتاوى الهندية» أيضا أنه لو زوج أمته من رضيع ثم جاءت بولد فادعاه المولى يثبت النسب منه لأنه عبده وليس له نسب. فلو كان الزوج مجبوبا لم يثبت النسب من المولى لأنه عبده لكن له نسب معلوم واذا تزوج الرجل امرأة فجاءت بالولد لأقل من ستة أشهر منذ تزوجها لم يثبت نسبه وان جاءت به لستة أشهر فصاعدا يثبت نسبه منه اعترف به الزوج أو سكت فان جحد الولادة تثبت بشهادة امرأة واحدة تشهد بالولادة ولو ولدت المرأة ولدين أحدهما لأقل من ستة أشهر من وقت النكاح بيوم والآخر بعده بيوم لم يثبت نسب واحد منهما والأصل فى هذا أن كل امرأة لم تجب عليها العدة فان نسب ولدها لا يثبت من الزوج الا اذا علم يقينا انه منه وهو أن يجئ لأقل من ستة أشهر وكل امرأة وجبت عليها العدة فان نسب ولدها يثبت من الزوج الا اذا علم يقينا أنه ليس منه، وهو أن يجئ لأكثر من سنتين وعلى هذا فاذا طلق رجل امرأته قبل الدخول بها ثم جاءت بولد لأقل من ستة أشهر من وقت الطلاق يثبت النسب فان جاءت به لستة أشهر فصاعدا لا يثبت النسب ولو قال لامرأة أجنبية اذا تزوجتك فأنت طالق ثم تزوجها وقع الطلاق ثم اذا جاءت بولد لتمام ستة أشهر من وقت النكاح يثبت النسب ولو جاءت به لأقل من ستة أشهر من وقت النكاح لا يثبت (٢).
وجاء فى الهداية انها ان جاءت به لستة أشهر من يوم تزوجها فهو ابنه وعليه المهر أما النسب فلأنها فراشه لأنها لما جاءت بالولد لستة أشهر من وقت النكاح وقد جاءت به لأقل من ستة أشهر من وقت الطلاق فكان العلوق به قبله فى حالة النكاح والتصور ثابت بأنه تزوجها وهو يخالطها فوافق الانزال النكاح والنسب يحتاط فى اثباته وأما المهر فلانه لما ثبت النسب منه جعل واطئا حكما فتأكد المهر به (٣).
وجاء فى كتاب الفتاوى الهندية ان المرأة لو طلقت بعد الدخول بها ثم جاءت بولد فانه يثبت النسب للزوج الى سنتين وتنقضى به العدة ولو جاءت به لأكثر من سنتين ان كان الطلاق رجعيا يثبت النسب ويصير مراجعا لها وان كان الطلاق بائنا لا يثبت النسب ما لم يدع الزوج فاذا ادعى الزوج يثبت منها. وهل يحتاج الى تصديقها أم لا؟ فيه روايتان رواية يحتاج وفى رواية لا يحتاج هذا اذا طلقها ولو مات عنها قبل الدخول أو بعده ثم جاءت بولد من وقت الوفاة الى سنتين يثبت النسب منه.
وان جاءت به لأكثر من سنتين من وقت الوفاة لا يثبت النسب هذا كله اذا لم تقر بانقضاء العدة وان أقرت وذلك فى مدة تنقضى فى مثلها العدة من الطلاق والوفاة سواء ثم جاءت به لأقل من ستة أشهر من وقت الاقرار يثبت النسب والا فلا يثبت هذا كله اذا كانت كبيرة سواء كانت ممن تحيض أو ممن لا تحيض وأما اذا كانت صغيرة طلقها زوجها ان كان قبل الدخول فجاءت بولد لأقل من ستة أشهر من
стр. 7845
وقت الطلاق يثبت النسب وان جاءت به لأكثر من ستة أشهر لا يثبت النسب واذا طلقها بعد الدخول فان ادعت الحبل ففى الطلاق الرجعى يثبت النسب الى سبعة وعشرين شهرا وفى الطلاق البائن الى سنتين ولو أقرت بانقضاء العدة ثم جاءت بولد لأقل من ستة أشهر من وقت الاقرار يثبت النسب وان جاءت به لأكثر من ذلك لا يثبت النسب ولو سكتت عن الدعوى فعند أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله سكوتها بمنزلة الاقرار وعند أبى يوسف كدعوى الحبل وان قالت امرأة فى عدة الوفاة لست بحامل ثم قالت من الغد أنا حامل كان القول قولها وان قالت بعد أربعة أشهر وعشرة أيام لست بحامل ثم قالت أنا حامل لا يقبل قولها الا أن تأتى بولد لأقل من ستة أشهر من موت زوجها فيقبل قولها ويبطل اقرارها بانقضاء العدة والصغيرة اذا توفى عنها زوجها فان أقرت بالحبل فهى كالكبيرة يثبت نسبه منه الى سنتين لأن القول قولها فى ذلك، وان أقرت بانقضاء عدتها بعد أربعة أشهر وعشرة ثم ولدت لستة أشهر فصاعدا لم يثبت النسب منه وان لم تدع حبلا ولم تقر بالعدة فعند أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى - ان ولدت لأقل من عشرة أشهر وعشرة أيام يثبت النسب والا لم يثبت (١).
وجاء فى «الهداية» أن المبتوتة يثبت نسب ولدها اذا جاءت به لأقل من سنتين من وقت الفرقة لأنه يحتمل أن يكون الولد قائما وقت الطلاق فلا يتيقن بزوال الفراش قبل العلوق فيثبت النسب احتياطا فان جاءت به لتمام سنتين من وقت الفرقة لم يثبت لأن الحمل حادث بعد الطلاق فلا يكون منه لأن وطأها حرام قال: الا أن يدعيه لأنه التزمه وله وجه بأن وطئها بشبهة فى العدة فان كانت المبتوتة صغيرة يجامع مثلها فجاءت بولد لتسعة أشهر لم يلزمه حتى تأتى به لأقل من تسعة أشهر عند أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال أبو يوسف يثبت النسب منه الى سنتين لأنها معتدة يحتمل أن تكون حاملا ولم تقر بانقضاء العدة فأشبهت الكبيرة ولهما ان لانقضاء عدتها جهة متعينة وهو الأشهر فبمضيها يحكم الشرع بالانقضاء وهو فى الدلالة فوق اقرارها لأنه لا يحتمل الخلاف والاقرار يحتمله (٢).
وجاء فى كتاب «الفتاوى الهندية» أن المبتوتة لو جاءت بولدين أحدهما لأقل من سنتين والآخر لأكثر من سنتين وبين الولادتين يوم قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى يثبت نسبهما. ولو خرج بعض الولد لأقل من سنتين وباقيه لأكثر من سنتين لا يلزمه حتى يكون الخارج لأقل من سنتين نصف بدنه أو يخرج من قبل الرجلين أكثر البدن لأقل والباقى لأكثر ذكره محمد ﵀ (٣).
وان كانت معتدة من طلاق بائن أو من وفاة فجاءت بولد الى سنتين فأنكر الزوج الولادة أو الورثة بعد وفاته وادعت هى فان لم يكن الزوج قد أقر بالحبل ولا كان الحبل ظاهرا لا يثبت النسب الا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين فى قول أبى حنيفة وان كان الزوج قد