← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 7876–7915 · переход к 7881.

стр. 7876

والوارث من أقارب الأجنبى كغيره فيدخل الجميع بخلاف ايصائه لذوى رحم نفسه أو أهله أو أقاربه هو فلا يدخل وارثه فى لفظ من هذه الألفاظ اذ لا وصية لوارث كما لا يدخل أقارب أمه حيث كان أقارب لأب بل نختص بهم حيث كانوا غير ورثته (١). وجاء فى «المدونة الكبرى» أنه لو هلكت امرأة وتركت ولدا صغيرا يتيما فأوصت الأم بالصبى وبمالها الى رجل ولها ورثة سوى الصبى فانه لا يجوز من وصية الأم شئ عند الامام مالك رضى الله عنه، ولا يجوز أن يقاسم وصى الأم لهذا الصبى الذى أوصت به الأم اليه. ويرى الامام مالك أن وصى الأم ليس بوصى وانما هو كرجل من الناس فلا يجوز على الصبى شئ من صنيعه. واذا كان ما تركته المرأة فى يديه مالا تافها يسيرا جاز أن يترك هذا المال فى يديه. ولو أن امرأة هلكت وأوصت بثلثها أن ينفذ وأوصت بذلك الى رجل أن ينفذه فهو وصى فى ثلثها وذلك اليه، تكون وصيتها الى هذا الرجل فى ثلثها وذلك جائز (٢). ويرى ابن القاسم رأى الامام مالك رضى الله عنهما فى أن وصى الأم يكن وصيا فى الشئ اليسير، وأما فى الشئ الكثير فان السلطان ينظر له فى ذلك عند ابن القاسم (٣). ولا يجوز أن تقاسم الأم على ابنها الصغير قليلا ولا كثيرا الا أن تكون الأم وصية (٤). وجاء فى «الموطأ» للامام مالك أن المرأة الحامل اذا أثقلت لم يجز لها قضاء الا فى ثلثها فأول الاتمام ستة أشهر فاذا مضت للحامل ستة أشهر من يوم حملت لم يجز لها قضاء فى مالها الا فى الثلث (٥). مذهب الشافعية: جاء فى كتاب «الأم» أن الشافعى ﵀ قال: قال الله تعالى: «كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ، فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» (٦). وكان فرضا فى كتاب الله تعالى على من ترك خيرا والخير المال أن يوصى لوالديه وأقربيه. ثم زعم بعض أهل العلم بالقرآن أن الوصية للوالدين والأقربين الوارثين منسوخة. واختلفوا فى الأقربين غير الوارثين. قال الشافعى: فأكثر من لقيت من أهل العلم من حفظت عنه - قال: الوصايا منسوخة، لأنه انما أمر بها اذا كانت انما يورث بها، فلما قسم الله تعالى ذكره المواريث كانت تطوعا، وهذا كله كما قالوا. والدليل على ذلك قول الله ﵎: ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك ان كان له ولد، فان لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث، فان كان له اخوة فلأمه

стр. 7877

السدس (١). وقول الرسول ﷺ : «لا وصية لوارث». ويقول الشافعى: وما وصفت من أن الوصية الوارث منسوخة بأى المواريث وان لا وصية لوارث مما لا أعرف فيه عن أحد ممن لقيت خلافا .. واذا كانت الوصايا لمن أمر الله تعالى ذكره بالوصية له منسوخة بأى المواريث، وكانت السنة تدل على أنها لا تجوز لوارث، وتدل على انها تجوز لغير قرابة، دل ذلك على نسخ الوصايا للورثة، وأشبه أن يدل نسخ الوصايا لغيرهم. ودل على أن الوصايا للوالدين وغيرهما ممن يرث بكل حال اذا كان فى معنى غير وارث فالوصية له جائزة ومن قيل أنها انما بطلت وصيته اذا كان وارثا، فاذا لم يكن وارثا فليس بمبطل للوصية. واذا كان الموصى يتناول من شاء بوصيته كان والده دون قرابته اذا كانوا غير ورثة فى معنى من لا يرث ولهم حق القرابة وصلة الرحم. والدليل على أن الوصية لغير ذى الرحم جائزة حديث عمران بن حصين أن رجلا أعتق ستة مملوكين له ليس له مال غيرهم فجزأهم النبى ﷺ ثلاثة أجزاء، فأعتق اثنين وأرق أربعة، والمعتق عربى، وانما كانت العرب تملك من لا قرابة بينها وبينه، فلو لم تجز الوصية الا لذى قرابة لم تجز للمملوكين، وقد أجازها لهم رسول الله ﷺ (٢). وجاء فى كتاب الوجيز، أنه لو أوصى المرء لأقرب أقاربه دخل فيه الأب والابن، ثم لا ترجيح بالذكورة، فيستوى الأب والأم والأخ والأخت (٣). ويجوز التفويص الى النساء، والأم أولى من ينصب قيما، فان لم تنصب فلا ولاية لها. ولو أوصى المرء الى مستولدته أو مدبره ففيه تردد (٤). وجاء فى كتاب «الأنوار» أنه لا تصح الوصاية من الصبى والمجنون والرقيق، ومن الأم والأخ والعم والوصى المطلق، وتصح الى الأنثى، وأم الطفل أولى من غيرها (٥). ولو أوصى بشئ لأقارب زيد مثلا أو رحمه دخل كل قرابة له وإن بعد مسلما كان أو كافرا غنيا أو فقيرا حرا أو رقيقا ويكون نصيبه لسيده، ولا يدخل الأصل أى الأب والأم فقط ولا الفرع أى أولاد الصلب فى الأصح اذ لا يسمون أقارب عرفا. أما الأجداد والأحفاد فيدخلون لشمول الاسم لهم ورأى آخر يدخل الأصل والفرع لأنهما يدخلان فى الوصية لأقرب الأقارب. فكيف لا يكونون من الأقارب، قال السبكى وهذا أظهر بحثا ونقلا. ولا تدخل قرابة الأم فى الوصية للأقارب فى وصية العرب للأصح ويدخل فى أقرب أقارب الموصى الأصل من أب وأم والفرع من ابن وبنت كما يدخل غيرهم عند عدمهم لأن أقربهم هو المنفرد بزيادة القرابة

стр. 7878

وهم كذلك وان لم يطلق عليهم أقارب عرفا والمراد دخولهم فى الجملة (١). مذهب الحنابلة: جاء فى كتاب «المغنى» أنه لا وصية لوارث الا أن يجيز الورثة ذلك. وجملة ذلك أن الانسان اذا أوصى لوارثه بوصية لم يجزها سائر الورثة لم تصح بغير خلاف بين العلماء. قال ابن المنذر وابن عبد البر: أجمع أهل العلم على هذا، وجاءت الأخبار عن رسول الله ﷺ بذلك، فروى أبو أمامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ان الله قد أعطى كل ذى حق حقه، فلا وصية لوارث» رواه أبو داود وابن ماجه والترمذى. ولأن النبى ﷺ منع الانسان من عطية بعض ولده، وتفضيل بعضهم على بعض فى حالة الصحة وقوة الملك وامكان تلافى العدل بينهم باعطاء الذى لم يعطه فيما بعد ذلك لما فيه من ايقاع العداوة والحسد بينهم، ففى حال موته أو مرضه وضعف ملكه وتعلق الحقوق به وتعذر تلافى العدل بينهم أولى وأحرى. وان أجازوها جازت فى قول الجمهور من العلماء وقال بعض أصحابنا: الوصية باطلة وان أجازها سائر الورثة الا أن يعطوه عطية مبتدأة، أخذا من ظاهر قول أحمد فى رواية ابنه حنبل لا وصية لوارث (٢). مذهب الظاهرية: جاء فى «المحلى» أنه فرض على كل مسلم أن يوصى لقرابته الذين لا يرثون اما لرق، واما لكفر، واما لأن هناك من يحجبهم عن الميراث، أو لأنهم لا يرثون فيوصى لهم بما طابت به نفسه لاحد فى ذلك. فان لم يفعل أعطوا ولا بد، ما رآه الورثة أو الوصى. فان كان والداه أو أحدهما على الكفر، أو مملوكا ففرض عليه أيضا أن يوصى لهما أو لأحدهما ان لم يكن الآخر كذلك، فان لم يفعل أعطى أو أعطيا من المال ولا بد، ثم يوصى فيما شاء بعد ذلك. فان أوصى لثلاثة من أقاربه المذكورين أجزأه. والأقربون من يجنمعون مع الميت فى الأب الذى به يعرف اذا نسب، ومن جهة أمه كذلك أيضا هو من يجتمع مع أمه فى الأب الذى يعرف بالنسبة اليه، لأن هؤلاء فى اللغة أقارب، ولا يجوز أن يوقع على غير هؤلاء اسم أقارب بلا برهان. وبرهان ذلك قول الله ﵎: «كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾. ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ، إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» (٣). فهذا فرض خرج منه الوالدان والأقربون

стр. 7879

الوارثون، وبقى من لا يرث منهم على هذا الفرض. واذ هو حق لهم واجب فقد وجب لهم من ماله جزء مفروض اخراجه لمن وجب له، ان ظلم هو ولم يأمر باخراجه، واذا أوصى لمن أمر به فلم ينه عن الوصية لغيرهم فقد أدى ما أمر به. وله أن يوصى بعد ذلك بما أحب. ومن أوصى لثلاثة أقربين فقد أوصى للأقربين، وهذا قول طائفة من السلف (١). مذهب الزيدية: جاء فى «شرح الأزهار» أنه لو كانت الوصية المندوبة موصى بها لوارث لقول الله : «لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ» (٢). ونسخ وجوبها لا يسخ ندبها، كما أن نسخ وجوب صوم يوم عاشوراء لا ينسخ ندبه - وهى مندوبة عند الهادوية … قيل وهو اجماع أهل البيت - وأكثر الفقهاء - انها لا تصح للوارث لقول الرسول ﷺ : «لا وصية لوارث». فان صح الخبر حمل على الوجوب لا على الندب. وحكاه فى «شرح الابانة» عن زيد بن على وأبى عبد الله الداعى، واختلفوا اذا أجاز الوارث، يعنى أجاز باقى الورثة للوارث، قيل أنها تصح، لقول ابن عباس عن النبى ﷺ انه لا تجوز الوصية للوارث الا أن يشاء الورثة، فعلقوا الجواز بالمشيئة من الوارث، فدل على أنهم ان شاءوا نفذت الوصية (٣). مذهب الإمامية: جاء فى كتاب «الخلاف» أنه يصح الوصية الوارث مثل الابن والأبوين وغيرهم. والدليل هو اجماع الفرقة وأخبارهم وأيضا قول الله ﵎: «كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ» (٤). وهذا نص، فان ادعوا أن هذا منسوخ لقول الرسول ﵊: «لا وصية لوارث» قلنا هذا خبر واحد، ولا يجوز نسخ القرآن بأخبار الآحاد بلا خلاف. فان ادعوا الاجماع على صحة الخبر، قلنا: لا نسلم بذلك. على أن فى أصحابنا من منع من نسخ القرآن بالسنة. وان كانت متطوعا بها. واذا منع من ذلك فليس فى القرآن ما يدل على نسخه، فوجب حمل الآية على ظاهرها. فان حملها انسان على الوالدين والأقربين اذا كانوا كفارا غير وارثين. قيل هذا تخصيص بغير دليل (٥). وجاء فى «الروضة البهية أنه تستحب الوصية لذوى القرابة وارثا كان أم غيره واستشهد بالآية السابقة، ولأن فيه صلة

стр. 7880

الارث لأن كل مرتبة أقرب اليه من التى بعدها لكن يتساوى المستحق هنا لاستواء نسبتهم الى سبب الاستحقاق وهو الوصية، والأصل عدم التفاضل فللذكر مثل حظ الانثى (١). مذهب الإباضية: الوصية للوالدين ان لم يرثا الموصى، أو لوارث من ورثته اذا منع من الارث، وذلك للرحم، وأقل مراتبه الاستحباب. ولو أوصى لأقرب الناس اليه نسبا نزل على مراتب جاء فى «كتاب شرح النيل» انه تجوز بالشرك أو العبودية، اذا كان عبدا لغير وارث، أو لبعض ورثته ان أجازها له باقيهم فى حياته، وردها ذلك الباقى بعد موته أو لمشرك قولان، وكذا ان أجاز بعض الورثة دون بعض فقيل تثبت لأبيه وأمه أو وارثه. لان المانع له من الوصية الارث، وقد زال الارث المانع فتثبت (٢). الأم والجنين مذهب الحنفية: جاء فى كتاب «الهداية شرح بداية المبتدى» أنه اذا ضرب بطن امرأة فألقت جنينا ميتا ففيه غرة، وهى نصف عشر دية الرجل هذا فى الذكر، أما فى الأنثى فهى عشر دية المرأة وكل منهما خمسمائة درهم. والقياس أن لا يجب شئ، لأنه لم يتيقن بحياته، والظاهر لا يصلح حجة للاستحقاق. وجه الاستحسان ما روى أن النبى ﷺ قال: «فى الجنين غرة عبد أو أمة قيمته خمسمائة» ويروى خمسمائة فتركنا القياس بالأثر. وهى على العاقلة اذا كانت خمسمائة درهم، وتجب فى سنة على ما روى عن محمد بن الحسن أنه قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ جعله على العاقلة فى سنة، ولأنه ان كان بدل النفس من حيث أنه نفس على حدة فهو بدل العضو من حيث الاتصال بالأم، الأول فى حق التوريث والثانى فى حق التأجيل الى سنة لأنه بدل العضو اذا كان ثلث الدية أو أقل أكثر من نصف العشر يجب فى سنة بخلاف أجزاء الدية، لأن كل جزء منها على من وجب يجب فى ثلاث سنين ويستوى فيه الذكر والأنثى لأطلاق ما روى، ولأن فى غير الجنين انما ظهر التفاوت ليتفاوت معانى الآدمية ولا تفاوت فى الجنين فيقدر بمقدار واحد وهو خمسمائة. فأن ألقته حيا ثم مات ففيه دية كاملة لأنه أتلف حيا بالضرب السابق. وأن ألقته ميتا ثم ماتت الأم فعليه دية بقتل الأم وغرة بالقائها. وان ماتت الأم من الضربة ثم خرج الجنين بعد ذلك حيا ثم مات فعليه دية فى الأم ودية فى الجنين لأنه قاتل شخصين. وان ماتت ثم ألقت ميتا فعليه دية فى الأم ولا شئ فى الجنين (٣). وجاء فى كتاب «المبسوط» أنه ان كان فى بطنها

стр. 7881

جنينان خرج أحدهما قبل موتها وخرج الآخر بعد موتها وهما ميتان ففى الذى خرج قبل موتها خمسمائة درهم وليس فى الذى خرج بعد موتها شئ اعتبارا لكل واحد منهما بما لو كان وحده، وهذا لأنه لا سبب لموت الذى خرج قبل موتها سوى الضربة واشتبه السبب فى الذى خرج بعد موتها، ومع اشتباه السبب لا يجب الضمان. ثم الذى خرج قبل موتها ميتا لا يرث من دية أمه، لأن شرط التوريث بقاء الوارث حيا بعد موت المورث، ولها ميراثها منه لأنها كانت حية بعد ما وجب بدل هذا الجنين بانفصاله ميتا فلها ميراثها منه. وان كان الذى خرج بعد موتها خرج حيا ثم مات ففيه الدية أيضا، لأن الاشتباه زال حين انفصل حيا وقد مات بالضربة بعد ما صار نفسا من كل وجه فتجب فيه الدية كاملة، وله ميراثه من دية أمه، ومما ورثت أمه من أخيه وان لم يكن لأخيه أب حى فله ميراثه من أخيه أيضا، لأنه كان حيا بعد موتهما فيكون له الميراث منهما (١). وجاء فى كتاب «الهداية» أيضا أن ما يجب فى الجنين موروث عنه لأنه بدل نفسه فيرثه ورثته ولا يرثه الضارب حتى لو ضرب رجل بطن مرأته فألقت ابنه ميتا فعلى عاقلة الأب غرة ولا يرث فيها لأنه قاتل بغير حق ولا ميراث للقاتل. وفى جنين الأمة ان كان ذكرا نصف عشر قيمته لو كان حيا، وعشر قيمته لو كان أنثى لأنه بدل نفسه، لأن ضمان الطرف لا يجب الا عند ظهور النقصان ولا يعتبر به فى ضمان الجنين، فكان بدل نفسه فيقدر بها. وقال أبو يوسف: يجب ضمان النقصان لو انتقصت الأم اعتبارا كجنين البهائم، وهذا لأن الضمان فى قتل الرقيق ضمان مال عنده فصح الاعتبار على أصله. فان ضربت الأمة فأعتق المولى ما فى بطنها ثم ألقته حيا ثم مات ففيه قيمته حيا ولا تجب الدية، وان مات بعد العتق، لأنه قتله بالقتل بالضرب السابق وقد كان فى حالة الرق فلهذا تجب القيمة دون الدية، وتجب قيمته حيا لأنه بالضرب صار قاتلا اياه وهو حى فنظر الى حالتى السبب والتلف، وقيل هذا عندهما، وعند محمد تجب قيمته ما بين كونه مضروبا الى كونه غير مضروب لأن الاعتاق قاطع للسراية. ولا كفارة فى الجنين لأن الكفارة فيها معنى العقوبة، وقد عرفت فى النفوس فلا تتعداها، ولهذا لم يجب كل البدل قالوا: الا أن يشاء ذلك لأنه ارتكب محظورا، فاذا تقرب الى الله تعالى كان أفضل له ويستغفر مما صنع. والجنين الذى استبان بعض خلقه بمنزلة الجنين التام فى جميع هذه الأحكام لاطلاق ما روى، ولأنه ولد فى حق أمومية الولد، وانقضاء العدة والنفاس وغير ذلك فكذا فى حق هذا الحكم ولأنه بهذا القدر يتميز من العلقة والدم فكان نفسا (٢). وجاء فى كتاب «الهداية» أيضا أنه تجوز الوصية للحمل وبالحمل اذا وضع لأقل من ستة شهر من وقت الوصية، أما الوصية للحمل فلأن الوصية استخلاف من وجه لأنه يجعله

стр. 7882

خليفة فى بعض ماله، والجنين صلح خليفة فى الارث، فكذا فى الوصية اذ هى أخته الا أنه يرتد بالرد لما فيه من معنى التمليك بخلاف الهبة لأنها تمليك محض ولا ولاية لأحد ليملكه شيئا. أما الوصية بالحمل فلأنه بفرض الوجود اذ الكلام فيما اذا علم وجوده وقت الوصية وبابها أوسع لحاجة الميت وعجزه، ولهذا تصح فى غير الموجود كالثمرة فلأن تصح فى الموجود أولى (١). وجاء فى القدورى. أن من وهب جارية الا حملها صحت الهبة وبطل الاستثناء (٢). مذهب المالكية: جاء فى الموطأ للامام مالك أنه قال: «ان فدية جنين الحرة عشر ديتها والعشر خمسون دينارا أو ستمائة درهم» وقال: ولم أسمع أحدا يخالف فى أن الجنين لا تكون فيه الغرة حتى يزايل بطن أمه ويسقط من بطنها ميتا. وقال الامام مالك: وسمعت أنه اذا خرج الجنين من بطن أمه حيا ثم مات أن فيه الدية كاملة وقال: ولا حياة للجنين الا بالاستهلال، فاذا خرج من بطن أمه فاستهل ثم مات ففيه الدية كاملة ونرى أن فى جنين الأمة عشر ثمن أمه. وقال الامام مالك: واذا قتلت المرأة رجلا أو امرأة عمدا والتى قتلت حامل لم يقد منها حتى تضع حملها. وان قتلت المرأة وهى حامل عمدا أو خطأ فليس على من قتلها فى جنينها شئ، فان قتلت عمدا قتل الذى قتلها وليس فى جنينها دية. وان قتلت خطأ فعلى عاقلة قاتلها ديتها وليس فى جنينها دية، وحدث يحيى أن مالكا سئل عن جنين اليهودية والنصرانية يطرح فقال: أرى أن فيه عشر ديه أمه (٣). وجاء فى «المدونة الكبرى» أنه لو أوصى رجل لجنين امرأة فأسقطته بعد موت الموصى فيرى ابن القاسم أن لا شئ له من الوصية الا أن يخرج حيا ويستهل صارخا (٤). وجاء فى المدونة أيضا أن البكر الحامل من الزنا يؤخر جلدها حتى تضع حملها ويجف دمها وتتعالى من نفاسها. وان كان حدها الرجم تمهل حتى تضع ما فى بطنها فاذا وضعت ما فى بطنها، فان أصابوا للصبى من يرضعه أقيم عليها الحد ولم تؤخر، وان لم يصيبوا للصبى من يرضعه لم يعجل عليها حتى ترضع ولدها (٥). وجاء فى «المدونة الكبرى» أنه اذا اشترى العبد المأذون له فى التجارة جارية فوطئها بملك اليمين باذن السيد أو بغير اذن السيد فولدت منه ثم أعتق العبد بعد ذلك فتبعته كما يتبعه ماله. قال مالك: لا تكون به أم ولد وله أن يبيعها وكل ولد ولدته قبل أن يعتق أو أعتقه سيده وأمته حامل لم تضعه فان ما ولدته قبل أن يعتقه سيده وما فى بطن أمته رقيق كلهم للسيد ولا تكون بشئ منهم أم ولد

стр. 7883

لأنهم عبيد وانما أمهم بمنزله ماله، لأنه اذا أعتقه سيده تبعه ماله. قال ابن القاسم: الا أن يملك العبد ذلك الحمل الذى فى بطن جاريته منه حريته قبل أن تضعه فتكون به أم ولد - فقيل لمالك: فلو أن العبد حيث أعتقه سيده أعتق جاريته وهى حامل منه؟ قال مالك: لا عتق فى جاريته. وحدودها وحرمتها وجراحها جراح أمة حتى تضع ما فى بطنها فيأخذه سيده وتعتق الأمة اذا وضعت ما فى بطنها بالعتق الذى أعتقها به العبد المعتق ولا تحتاج الجارية هنا الى أن يجدد لها عتقا. قال ابن القاسم سئل مالك أرأيت المدبر اذا اشترى جارية فوطئها ثم حملت ثم عجل سيده عتقه. وقد علم أن ماله يتبعه - أترى ولده يتبع المدبر؟ قال مالك: لا ولكنها اذا وضعته كان مدبرا على حال ما كان عليه الأب قبل أن يعتقه السيد. والجارية للعبد تبع لأنها ماله. وقد اختلف قول مالك فى هل تصير ملكا له ولا تكون بهذا الولد أم ولد بمنزلة ما اختلف فى المكاتب وجعله فى هذه الجارية بمنزلة المكاتب فى جاريته قال ابن القاسم: والذى سمعت من مالك أنه قال: تكون أم ولد اذا ولدته فى التدبير أو فى الكتابة وان لم يكن لها يوم تعتق ولد حى. وحجة مالك فى التى فى بطنها ولد من هذا العبد الذى أعتقه سيده، فقال المعتق هى حرة ثم جعلها فى جراحها وحدودها بمنزلة الأمة، وانما فى بطنها ولد للسيد، وهى اذا ما وضعت ما فى بطنها كانت حرة باللفظ الذى أعتقها به العبد المعتق - لأن ما فى البطن ملك للسيد فلا يصلح أن تكون حرة وما فى بطنها رفيق فلما لم يجز هذا وقفت ولم تنفذ لها حريتها حتى تضع ما فى بطنها، ومما يبين أن العبد اذا كاتبه سيده وله أمة حامل منه أن ما فى بطنها رقيق ولا يدخل فى كتابة المكاتب الا أن يشترط المكاتب (١). واذا كانت الأمة بين الرجلين فعتق أحدهما ما فى بطنها وهو موسر، فاذا وضعت قوم عليه حين تضعه. قال مالك: عقل الجنين اذا أعتق فى بطن أمه عقل جنين أمه فاذا لم يجعله عقله عقل جنين الحرة علمنا أن عتقه انما هو فى قول مالك بعد خروجه، فاذا خرج قوم على شريكه يوم يحكم فيه. وان ضرب بطن الأمة فألقت هذا الجنين وقد أعتقه أحد الشريكين فالعقل بينهما لأن مالكا جعل حريته بعد خروجه. قال مالك: اذا أعتق الرجل ما فى بطن أمته وهو صحيح ثم مرض فولدته وهو مريض، أو ولدته بعد موته فانه فارع من رأس المال، ولا يكون فى شئ من الثلث، لأن من أعتق عبدا له الى أجل من الآجال والسيد صحيح ثم مرض فمات من مرضه ذلك أن العبد يعتق من رأس المال فكذلك الجنين فى بطن أمه، فهو قبل خروجه فى حالاته كلها فى الجنايات عليه، وغير ذلك خلاف العبد وهو من رأس المال وليس من الثلث. وان كان لهذا الجنين الذى أعتقه سيده أخوة أحرار فضرب رجل بطنها فألقت جنينا ميتا فعقله لسيده دون اخوته (٢). وان أعتق رجل ما فى بطن أمته ثم لحقه الدين من بعد ما أعتق ما فى بطنها ثم ولدته قبل أن

стр. 7884

يقوم الغرماء على سيد الأمة فليس لهم على الولد سبيل، لأنه قد زايل الأم قبل أن يقوم الغرماء على حقهم، ولأن عتقه اياه قد كان قبل دين الغرماء. وان أعتق رجل ما فى بطن أمته وهو صحيح ثم لحق السيد دين فقامت الغرماء على الأمة - قال مالك: تباع بما فى بطنها للغرماء ويفسخ عتق السيد فى الولد لأنه اذا بيعت أمه فى الدين كان الولد تابعا لها، لأنه لا يجوز أن تباع أمه ويستثنى ما فى بطنها، فلذلك بطل عتق هذا الولد. ولو لم تقم الغرماء على هذا السيد حتى يزايل الولد أمه أعتق الولد من رأس المال اذا كان عتق السيد اياه فى الصحة قبل الدين وبيعت الأم وحدها فى الدين (١). ولو أن أم ولد رجل حملت من سيدها فضرب رجل بطنها فألقت جنينا ميتا فعقله عقل جنين حرة لأن أم الولد حين حملت به فهو حر، ولو أن رجلا قال لأمته ما فى بطنك حر ولها زوج ولا يعلم أنها حامل يومئذ فجاءت بولد لأربع سنين فلا يعتق من هذا الا ما كان لأقل من ستة أشهر (٢). مذهب الشافعية: جاء فى كتاب «الأنوار» أن الموجب فى دية الجنين وهو جناية ينفصل بها الجنين ميتا ذو قيود: القيد الأول: وهو ما يؤثر فى الجنين من ضرب وايجار دواء وتهديد شديد وشهر صلاح ونحوها، ولا أثر للطمة خفيفة وشبهها. القيد الثانى: الانفصال فلو ماتت الأم ولم ينفصل الجنين لم يجب الضارب شئ للجنين، وان سمع من البطن طرقا، ولو كانت منتفخة البطن فضربها فزاد الانتفاخ أو كانت تجد تحركا فى بطنها «تزال فكذلك» ولا يشترط انفصاله بتمامه، فاذا ضرب بطنها فخرج رأس الجنين وماتت أمه ولم ينفصل أو خرج رأسه ثم جنى عليها فماتت وجبت الغرة. والقيد الثالث: كونه ميتا، فاذا انفصل حيا وبقى زمانا سالما غير متألم فلا ضمان، وان مات كما خرج أو بقى متألما حتى مات وجبت دية كاملة على العاقلة استهل أم لا. ولا يشترط تيقن الحياة لوجوب الدية ولاستقرارها، بل يكفى ما يدل عليها كالتنفس وامتصاص اللبن والحركة القوية كقبض اليد وبسطها وفتح عينيه وتطبيقهما، ولا عبرة لمجرد الاختلاج، ولا يشترط بلوغه وقتا يعيش الولد فيه وهو ستة أشهر فما فوقها. ولو ماتت المضروبة ثم انفصل ميتا وجبت دية لها وغرة للجنين. وان انفصل حيا ثم مات وجبت ديتان وورثت منه ان مات أولا ويرث هو منها ان ماتت أولا. ولا فرق فى وجوب الغرة بين أن يكون الجنين ذكرا أو أنثى أو خنثى أو مجهول الحال، كان ثابت النسب أو غيره تام الأعضاء أو ناقصها. ولو اشترك اثنان فى الضرب فالغرة على عاقلتهما مناصفة. ولو ألقت جنينين وجبت غرتان، ولو ألقت حيا وميتا فلكل حكمه، ولو ألقت يدا أو رجلا أو عينا أو غير ذلك مما يدل على تصور وماتت ولم ينفصل وجبت غرة، وكذا او ألقت رأسين أو أربع أيدى أو أربع أرجل.

стр. 7885

ولو ألقت بيدين وجبت غرتان. ولو ألقت يدا أو رجلا ثم انفصل فقيد اليد أو الرجل ميتا بلا اندمال وجبت غرة. وان انفصل حيا فقيدا بلا اندمال ومات وجبت دية كاملة، وان عاش فان قالت القوابل انها يد من لم تخلق الحياة فيه وجب نصف غرة، وان قلن انها يد من خلقت فيه الحياة وجب نصف الدية وكذا ان عرف انفصال اليد بعد وجود الحياة بأن ألقته عقيب الضرب ثم انفصل. وان شك وجب نصف الغرة، وان ألقته بعد اندماله لم يضمن الجنين حيا كان أو ميتا، أما اليد فان خرج ميتا وجب نصف الغرة، وان خرج حيا ومات أو عاش فقيل يجب نصف غرة وقيل يراجع القوابل. وان انفصل حيا ومات وجبت دية، وان عاش فحكومة. وبهذا التفصيل قطع الغزالى. وفى التتمة والتهذيب أنه ان انفصل ميتا فغرتان، وان انفصل حيا ومات فدية وغرة. ولو ألقت أولا جنينا كاملا ثم يدا فكذلك الحكم، ولو انفصل بعد الاندمال فلا شئ للجنين. وتجب الغرة اذا انفصل ما ظهر فيه صورة الآدمى من يد أو أصبع أو ظفر أو غيره، ويكفى الظهور فى طرف واحد، ولا يشترط فى الأطراف كلها. ولو لم يظهر شئ من ذلك وشهدت القوابل بأن فيه صورة خفية يختص بمعرفتها أهل الخبرة وجبت غرة، وان قلن ليست فيه صورة خفية لكن لو بقى لتصور أو شككن فى أنه أصل آدمى أو لا لم تجب الغرة. وليس فى القاء العلقة شئ. ولا تجب الغرة القابلة الا بجنين كامل وهو المحكوم بالاسلام تبعا لأبويه أو لأحدهما، وبالحرية تبعا لحرية الأم أو بسبب آخر مع رقها كما فى نكاح الغرور أو اعتقاق السيد الحمل وحده فأما المحكوم بالتهود، والتنصر تبعا ففيه ثلث غرة المسلم وهو بعير وثلثان فيشترى به غرة ان وجدت والا فيعدل الى قيمة الابل. والمحكوم بالتمجس ففيه ثلثا عشر غرة المسلم وهو ثلث بعير فيشترى به غرة ان وجدت والا فالابل أو الدراهم. وان كان أحد أبويه يهوديا والآخر مجوسيا فكجنين الأشرف، ولو جنى على ذمية حبلى من ذمى فأسلم أحدهما ثم أجهضت وجبت غرة كاملة وكذا لو جنى على أمة حبلى فعتقت ثم ألقته ميتا وللسيد منه الأقل من عشر قيمة الأم ومن الغرة. ولو جنى السيد على أمته الحامل من غيره فعتقت ثم القت الجنين فلا شئ أما الجنين الرقيق ففيه عشر قيمة الأم أكثر ما كانت من الجناية الى الاجهاض ذكرا كان أو أنثى .. قنة كانت الأم أو مدبرة أو مكاتبة أو مستولدة. ولو كان الجنين سليما والأم مقطوعة الأطراف تقدر سليمة وتقوم، ولو كان فقيد الأطراف والأم سليمة لم تقدر مقطوعة، ولو كان رقيقا والأم حرة بأن كانت لرجل والجنين لآخر فأعتقها سيدها وألقت جنينا تقدر الأم رقيقة وتقوم. ولو حبلت الأمة المشتركة من زوج أو زنا فألقت جنينا فالواجب للسيدين - ولو ضربها أحدهما فألقت جنينا ميتا لزمه نصف عشر قيمة الأم لشريكه ويهدر نصفه ولو وطئا الأمة المشتركة فحبلت وألقت جنينا فان أيسرا فالجنين حر وعلى عاقلة الجانى غرة لمن يلحقه الجنين، وان أعسرا فنصفه حر وعلى الجانى نصف غرة لمن يلحقه ونصف عشر قيمة الأم لمن لا يلحقه. والمستحق للغرة هو ورثة الجنين. ولو

стр. 7886

كان مات مورثه ووقف له شئ فلا يجعل الموقوف لورثته بل هو لورثة مورثه. ولو جنت الحامل على نفسها بشرب دواء أو أكله أو حمل شئ ثقيل أو بطفرة أو غيرها وأجهضت وجبت الغرة على عاقلتها، ولا شئ لها منها لأنها قاتلة. ولو ضرب زوج زوجته فألقت جنينا وجبت غرة على عاقلته ولا شئ له منها لأنه قاتل (١). وجاء فى «الوجيز» أنه اذا خلف الميت زوجة حبلى نأخذ بأضر الأحوال فى حق كل واحد من الورثة وأقصى المحتمل من حيث العدد أن يقدر أربعة أولاد. وجاء فى «الوجيز» أيضا أنه لو أوصى لحمل جاز بشرط أن ينفصل حيا لوقت يعلم وجوده عند الوصية وهو لما دون ستة أشهر. فان كان لما فوقه والمرأة ذات زوج لم يستحق لظهور طريان وط ء الشبهة بعيد ومهما انفصل الجنين أنه يستحق. الا أن يجاوز أربع سنين لأن طريان وط ء الشبهة بعيد ومهما انفصل الجنين ميتا ولو بجناية جان فلا شئ له. ولو أوصى لحمل سيكون فسد فى أصح الوجهين اذ لا متعلق للعقد فى الحال .. ولو أوصى بحمل سيكون صح فى أصح الوجهين كالوصية بالمنافع وثمار الأشجار (٢) واذا أوصى بجارية دون حملها أو بالحمل دون الجارية صح. وعند الاطلاق هل يتناول الحمل باسم الجارية؟ فيه خلاف. فان تناوله فلا ينقطع بالانفصال، بل يبقى موصى به. فاذا قال لحمل فلانة كذا فأتت بولدين وزع عليهما بالسوية، واستوى الذكر والأنثى فى المقدار. خلو خرج حى وميت فالكل للحى. وقيل يسقط الشطر. ولو قال ان كان فى بطنها غلام فأعطوه، استحق الغلام دون الجارية. وان كانا غلامين فثلاثة أوجه: قيل يوزع عليهما، وقيل خيار التعيين الى الوارث. وقيل يوقف بينهما الى الصلح عند البلوغ (٣). وجاء فى «الأنوار» أن الحامل لا يقتص منها فى النفس والطرف، ولا تحد بالقذف وغيره حتى تضع حملها وترضعه اللبأ، من زنا كان أو غيره وحتى تفطمه ان لم يوجد مرضعه أو ما يعيش به الولد. ولو بادر والحالة هذه وقتلها ومات الولد لزمه القود كما لو حبسه فى بيت ومنعه الطعام ولو قالت أنا حامل وجب التأخير الى ظهور مخايل الحمل. وتحبس الحامل الى وقت الاستيفاء، فان بادر الوارث وقتلها عصى ولزمت غرة الجنين على عاقلته ان انفصل ميتا، وان انفصل حيا متألما ومات وجبت الدية - ولا يجوز للامام اتخاذ جلاد كافر لاقامة الحدود على المسلمين كما لا يجوز عن توكيله باستيفاء القصاص من المسلم (٤). وجاء فى «الوجيز» أن الولى لو قتلها بتسليط الامام فيحال بالغرة على الامام فى وجه لتقصيره فى التسليط أو ترك البحث، وعلى الولى فى وجه لمباشرته، وعليهما بالشركة فى وجه. وفى وجه رابع يحال على الامام ان كان عالما، فان كان جاهلا فلا. أما

стр. 7887

الجلاد فلا عهدة عليه عند جهله بحال (١). ولا يزكى المال الموقوف للجنين أى المنسوب اليه وان بانت حياته، اذ لا ثقة بوجوده ولا بحياته (٢). وجاء فى «الأنوار» أنه لو ماتت ذمية حامل بمسلم دفنت بين مقابر المسلمين والكفار، ويجعل ظهرها الى القبلة ليتوجه الجنين الى القبلة فان وجهه الى ظهر الأم. ولو ماتت امرأة حاملا فان كان يرجى حياة الجنين شق جوفها وأخرج ثم دفنت وان لم يرج فلا، يترك حتى يموت ثم يدفن (٣). مذهب الحنابلة: جاء فى «عمدة الفقه» أن دية الجنين اذا سقط غرة عبد أو أمة قيمتها خمس من الابل موروثة عنه. ولو شربت الحامل دواء فأسقطت به جنينها فعليها غرة لا ترث منها شيئا. وان كان الجنين كتابيا ففيه عشر دية أمه، وان كان عبدا ففيه عشر قيمة أمه. وان سقط الجنين حيا ثم مات من الضربة ففيه دية كاملة اذا كان سقوطه لوقت يعيش فى مثله (٤). وجاء فى «كشاف القناع» أنه اذا مات انسان عن حمل يرثه ومع الحمل من يرث أيضا ورضى بأن يوقف الأمر الى الوضع وقف الأمر اليه وهو أولى لتكون القسمة مرة واحدة، فان طلب بقية الورثة أو بعضهم القسمة لم يجبروا على الصبر ولم يعطوا كل المال ووقف للحمل الأكثر من ارث ذكرين أو انثيين لأن ولادة التوأمين كثيرة معتادة فلا يجوز قسم نصيبهما كالواحد وما زاد عليهما نادر فلم يوقف له شئ كالخامس والسادس. مثال: كون الذكرين نصيبهما أكثر لو خلف زوجة حاملا وابنا فيدفع للزوجة ثمنها ويوقف للحمل نصيب ذكرين لأنه أكثر من نصيب أنثيين. ومثاله فى الانثيين كزوجة حامل مع أبوين. ومتى زادت الفروض على الثلث فميراث الاناث أكثر لأنه يفرض لهن الثلثان. ويدخل النقص على الكل بالمحاصة. وان نقصت كان ميراث الذكرين أكثر وان استوت كأبوين وحمل استوى ميراث الذكرين والانثيين. ومن لا يحجبه الحمل يأخذ ارثه كاملا كزوج أو زوجة مع أم حامل، ويعطى من ينقصه الحمل شيئا التعبيين كالأم فى المثال تعطى السدس لاحتمال أن يكون حملها عددا فيحجبها عن الثلث الى السدس. وكذا من مات عن زوجة حاملا تعطى الثمن لأنه يفين. ومن سقط بالحمل لم يعط شيئا، فمن مات عن حمل منه وعن أخ أو أخت أو عم لم يعط شيئا، فاذا ولد الحمل وورث الموقوف كله دفع اليه لأنه ميراثه والمراد الى وليه. وان زاد ما وقف له عن ميراثه رد الباقى لمستحقه. وان أعوز شيئا بأن وقف له نصيب ذكرين فولدت ثلاثة رجع على من هو بيده بباقى ميراثه، وربما لا يرث الحمل الا اذا كان أنثى كزوج وأخت لأبوين وامرأة أب حامل يوقف له سهم من سبعة، فان ولدته أنثى فأكثر من الاناث أخذته، وان ولدته ذكرا أو ذكرا وأنثى فأكثر اقتسمه الزوج والأخت. وربما

стр. 7888

لا يرث الا اذا كان ذكرا كبنت وعم وامرأة أخ حامل فانه يوقف له ما فضل عن ارث البنت وهو نصف، فان ظهر ذكرا أخذه وان أنثى أخذه العم (١). ولو كان الحمل من كافر غيره فأسلمت أمه قبل وضعه قبل أن يخلف كافر أمه الكافرة حاملا من غير أبيه فيتبعها حملها ولا يرث للحكم باسلامه قبل الوضع، وعلى مقتضى القول بأنه يرث بالموت هنا لتأخر الاسلام عنه. ويرث طفل حكم باسلامه بموت أحد أبويه منه. ويرث الحمل ويورث بشرطين: أحدهما أن يعلم أنه كان موجودا حال موت مورثه بأن تأتى به الأم لأقل من ستة أشهر فراشا كانت أو لا، فان أتت به أمه لأكثر من ستة أشهر وكان لها زوج أو سيد يطؤها لم يرث، الا أن تقر الورثة أنه كان موجودا حال الموت فيلزمهم دفع ميراثه اليه مؤاخذة لهم باقرارهم، وان كانت التى وضعت الحمل لا توطأ لعدم وجود الزوج أو السيد أو غيبتهما أو اجتنابهما الوط ء عجزا أو قصدا أو غيره ويرث ما لم يجاوز أكثر مدة الحمل أربع سنين اناطة للحكم بسببه الظاهر. والشرط الثانى: أن تضعه حيا، وتعلم حياته اذا استهل بعد وضعه كله صارخا أو عطس أو بكى أو ارتضع أو تحرك حركة طويلة أو تنفس أو طال زمن التنفس ونحو ذلك مما يدل على حياته لا لحركة يسيرة أو اختلاج يسير أو تنفس يسير لأنها لا تدل على حياته، فاذا استهل يثبت له أحكام الحى لحديث أبى هريره: «اذا استهل المولود صارخا ورث» رواه أحمد وأبو داود - وان خرج بعضه حيا فاستهل ثم انفصل ميتا لم يرث. وان جهل مستهل من توأمين ذكر وأنثى وارثهما مختلف بأن كانا من غير ولد الأم عين المستهل بقرعة. وقال الخبرى: ليس فى هذا عن السلف نص، وقال بعض الفرضيين تعمل المسألة على الحاليين ويعطى لكل وارث اليقين، ويوقف الباقى حتى يصطلحوا عليه. ومن خلف أما مزوجة وورثة لا تحجب ولدها، لم توطأ حتى تستبرأ ليعلم أحامل هى أو لا، فان وطئت وولدته بعد فقد تقدم فى الشرط الأول. ولو زوج أمته بحر فأحبلها، فقال السيد: ان كان حملك ذكرا فأنت وهو رقيقان، والا فأنتما حران فعلى ما قال. وهى القائلة. ان ألد ذكرا لم أرث ولم يرث والا ان ولدت أنثى ورثنا لأنهما حران حال الموت. ومن خلفت زوجا وأما واخوة لأم اثنين فأكثر وامرأة أب حامل فهى القائلة: ان ألد أنثى ورثت لا ذكرا لأنها ان ولدت أنثى واحدة أعيل لها بالنصف (٢). وجاء فى عمدة الفقه أنه تصح الوصية لكل من تصح الهبة له، وللحمل اذا علم أنه كان موجودا حين الوصية له (٣). وجاء فى «كشاف القناع» أنه ان أعتق الرجل

стр. 7889

أمة حاملا عتق جنينها لأنه يتبعها فى البيع والهبة فتبعها فى العتق الا أن يستثنيه فلا يعتق، وان أعتق ما فى بطنها دونها عتق حملها وحده ولم يسر العتق الى أمه لأن الأصل لا يتبع الفرع بخلاف عكسه. ولو أعتق أمة حملها لغيره والمعتق موسر بقيمة الحمل، كالحمل الموصى به اذا أعتق الوارث الموسر أمة عتق الحمل تبعا لأمه بالسراية وضمن المعتق قيمته للموصى له بها لأنه فوته عليه وتعتبر قيمته يوم وضعه لأنه أول وقت يتأتى تقويمه فيه (١). وان ماتت حامل بمن يرجى حياته حرم شق بطنها من أجل الحمل مسلمة كانت أم ذمية لما فيه من هتك حرمة متيقنة لابقاء حياة موهومة، لأن الغالب والظاهر أن الولد لا يعيش وبدلا من شق بطنها تسطو عليه القوابل أو غيرهن من النساء فيدخلن أيديهن فى فرجها فيخرجن الجنين من بطنها. والجنين الذى ترجى حياته هو الذى تم له ستة أشهر وكان يتحرك حركة قوية وانتفخت المخارج. فان لم يوجد نساء لم يسط الرجال عليه لما فيه من هتك حرمتها، فان تعذر عليهن اخراجه ترك حتى يموت ولا تشق بطنها. ولا تدفن قبل موت حملها لما يلزمه من دفنه معها. ولا يوضع عليه ما يموته لعموم النواهى عن قتل النفس المحرمة. ولو خرج بعض الحمل حيا شق بطنها حتى يخرج الباقى لتيقن حياته بعد أن كانت موهومة. فلو مات الحمل قبل خروجه، أخرج وغسل كغيره، وان تعذر خروج باقى الحمل ترك بحاله وغسل ما خرج منه لأن له حكم السقط وأجزأ غسله. وما بقى من الحمل فى جوفها ففى حكم الباطل لا يحتاج الى التيمم من أجله لأنه فى حكم الحمل. وصلى على من خرج بعضه مع أمه بأن ينوى الصلاة عليهما حيث تم له أربعة أشهر فأكثر. وان ماتت ذمية أو كافرة حامل بمسلم دفنت وحدها أى فى مكان غير مقابر المسليمن وغير مقابر الكفار ان أمكن دفنها وحدها وان لم يمكن دفنها وحدها فانها تدفن مع المسلمين لأن ذلك أولى من دفن المسلم الذى هو الجنين مع الكفار، وجعل ظهرها الى القبلة، وتدفن على جنبها الأيسر ليكون الجنين على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، لأن ظهره لوجه أمه، ولا يصلى عليه لأنه غير مولود ولا سقط وكالمأكول ببطن الآكل. ويصلى على مسلمة حامل وعلى حملها بعد مضى زمن تصويره وهو أربعة أشهر فينويهما بالصلاة، وان لم يمض زمن تصويره صلى عليها دونه (٢). مذهب الظاهرية: جاء فى (المحلى) أنه ان قتلت حامل بينة الحمل فطرحت جنينها ميتا أو لم تطرحه فيه غرة ولا بد لأنه جنين أهلك (٣)، ومن ضرب حاملا فأسقطت جنينا، فإن كان قبل الأربعة أشهر قبل تمامها فلا كفارة فى ذلك، لكن الغرة واجبة فقط لأن رسول الله صلّى الله

стр. 7890

عليه وسلم حكم بذلك ولم يقتل أحدا، ولكن أسقطها جنينا فقط، واذا لم يقتل أحدا لا خطأ ولا عمدا فلا كفارة فى ذلك، إذ لا كفارة الا فى قتل الخطأ، ولا يقتل إلا ذو روح. وهذا لم ينفخ فيه الروح بعد. وإن كان بعد تمام الأربعة الأشهر وتيقنت حركته بلا شك وشهد بذلك أربع قوابل عدول فإن فيه غرة عبدا أو أمة فقط لأنه جنين قتل فهذه هى ديته. والكفارة واجبة بعتق رقبة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين لأنه قتل مأمنا خطأ. وقد صح عن النبى ﷺ أن الروح ينفخ فيه بعد مائة ليلة وعشرين ليلة وان تعمدت المرأة قتل جنينها وقد تجاوزت مائة ليلة وعشرين ليلة بيقين فقتلته، أو تعمد أجنبى قتله فى بطنها فقتله، فالقول أن القود واجب فى ذلك ولا بد ولا غرة فى ذلك حينئذ إلا أن يعفى عنه فتجب الغرة فقط لأنها دية ولا كفارة فى ذلك لأنه عمد وإنما وجب القود لأنه قاتل نفس مؤمنة عمدا فهو نفس بنفس وأهله بين خيرتين اما القود واما الدية، أو المفادات كما حكم رسول الله ﷺ فيمن قتل مؤمنا (١)، وبالله تعالى التوفيق. وان تعمدت المرأة اسقاط ولدها بأن كانت حبلى فذهبت تستدخل فألقت ولدها فان عليها عتق رقبة ولزوجها عليها غرة عبد أو أمة. وعن ابراهيم النخعى أنه قال فى امرأة شربت دواء فأسقطت قال: تعتق رقبة وتعطى أباه غرة. قال أبو محمد: هذا أثر فى غاية الصحة وقال على: ان كان لم ينفخ فيه الروح فالغرة عليها، وان كان قد نفخ فيه الروح - فان كانت لم تعمد قتله فالغرة أيضا على عاقلتها والكفارة عليها، وإن كانت تعمدت قتله فالقود عليها، أو المفادات فى مالها، فإن ماتت هى فى كل ذلك قبل القاء الجنين ثم القته فالغرة واجبة فى كل ذلك. فى الخطأ على عاقلة الجانى هى كانت أو غيرها، وكذلك فى العمد قبل أن ينفخ فيه الروح، واما ان كان قد نفخ فيه الروح فالقود على الجانى إن كان غيرها، وأما إن كانت هى فلا قود ولا غرة ولا شئ، لأنه لا حكم على ميت وماله قد صار لغيره (٢). قال على: فى الجنين اذا طرح ميتا غرة عبد أو وليدة، فان كانا اثنين ففيهما غرتان لأن رسول الله ﷺ قال: دية جنينها عبد أو أمة، وكل جنين ولو أنهم عشرة فهو جنين لها، ففى كل جنين غرة عبد أو أمة، فلو قتلوا بعد الحياة ففى كل واحد دية وكفارة (٣). وقال أبو محمد ان الجنين اذا تيقنا أنه تجاوز الحمل به مائة ليلة وعشرين ليلة فالغرة موروثة لورثته الذين كانوا يرثونه لو خرج حيا فمات على حكم المواريث، وان لم يوقن أنه تجاوز الحمل به مائة ليلة وعشرين ليلة فالغرة لأمه فقط (٤). قال على: لا خلاف فى أن جنين الأمة من سيدها الحر مثل جنين الحرة

стр. 7891

ولا فرق (١). وفى جنين الذمية أيضا غرة عبد أو أمة، يقضى على عاقلة الضارب به فيطلبون غلاما أو أمة كافرين فيدفعانه أو يدفعانها الى من تجب له، فان لم يوجد فبقيمة أحدهما لو وجد، والقيمة فى هذا وفى الغرة جملة اذا عدمت أقل ما يمكن اذ لا يجوز أن يلزم أحد غرامة الا بنص أو اجماع لقول رسول الله ﷺ : «ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام» فأقل ما كانت تساوى الغرة لو وجدت واجب على العاقلة بالنص، وما زاد على ذلك غير واجب لا بنص ولا باجماع فهو ساقط لا يجوز الحكم به. ولو أن ذميا ضرب امرأة مسلمة خطأ فأسقطت جنينا يكلف إن تبتاع عاقلته عبدا كافرا أو أمة كافرة ولا بد، ولا يجوز أن يبتاع عبدا مسلما ولا أمة مسلمة. والرقبة الكافرة تجزى فى الغرة المذكورة سواء كان الجانى وعاقلته مسلمين أو كانوا كفارا وانما الواجب عبد أو أمة فقط (٢). ولا يجوز عتق الجنين دون أمه اذا نفخ فيه الروح قبل أن تضعه أمه ولا هبته دونها. ويجوز عتقه قبل أن ينفخ فيه الروح، وتكون أمه بذلك العتق حرة وان لم يرد عتقها. ولا تجوز هبته أصلا دونها، فان أعتقها وهى حامل - فان كان جنينها لم ينفخ فيه الروح فهو حر الا أن يستثنيه، فان استثناه فهى حرة وهو غير حر، وان كان قد نفخ فيه الروح - فان اتبعها اياه اذا أعتقها فهو حر، وان لم يتبعها اياه أو استثناه فهى حرة وهو غير حر. وكذلك القول فى الهبة اذا وهبها سواء بسواء ولا فرق. وحد نفخ الروح فيه تمام أربعة أشهر من حملها وبرهان ذلك قول الله : «وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً، فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً، فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً، فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً، ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ، فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ» (٣). وعن عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله ﷺ قال: «ان خلق أحدكم يجمع فى بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله اليه ملكا فيؤمر بأربع كلمات: فيكتب رزقه وعمله وأجله، ثم يكتب شقى أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح». فهذه النصوص توجب كل ما قلناه. فصح أنه الى تمام المائة والعشرين ليلة ماء من ماء أمه ولحمة ومضغة من حشوتها كسائر ما فى جوفها فهو تبع لها، لأنه بعضها، وله استثناؤه فى كل حال، لأنه يزايلها كما يزايلها اللبن، واذ هو كذلك فاذا أعتق فقد أعتق بعضها، فوجب بذلك عتق جميعها، ولا تجوز هبته دونها لأنه مجهول، ولا تجوز هبة المجهول. وأما اذا نفخ فيه الروح فهو غيرها، لأن الله تعالى سماه خلقا آخر، وهو حينئذ قد يكون ذكرا وهى أنثى ويكون اثنين وهى واحدة، ويكون أسود أو أبيض وهى بخلافه فى خلقه وخلقه، وفى السعادة والشقاء. فاذ

стр. 7892

هو كذلك فلا تجوز هبته ولا عتقه دونها، لأنه مجهول. ولا يجوز التقرب الى الله تعالى الا بما تطيب النفس عليه، ولا يمكن البتة طيب النفس الا فى معلوم الصفة والقدر. فان أعتقها فلا عتق له، لأنه غيرها، فان وهبها فكذلك، فان أتبعها حملها فى العتق والهبة والصدقة جاز ذلك، لأنه لم يزل الناس فى عهد رسول الله ﷺ وبعلمه وبعده يعتقون الحوامل وينفذون عتق حملها، ويهبون كذلك، ويبعونها كذلك، ويتملكونها بالقسمة كذلك، ويتصدقون ويهدون ويضحون باناث الحيوان فيتبعون أحمالها لها، فتكون فى حكمها (١). ومن تزوج كافرة وحملت منه وهو مسلم وماتت حاملا، فان كانت قبل أربعة أشهر ولم ينفخ فيه الروح بعد دفنت مع أهل دينها، وان كان بعد أربعة أشهر والروح قد نفخ فيه دفنت فى طرف مقبرة المسلمين، لأن عمل أهل الاسلام من عهد رسول الله صلّى الله وسلم أن لا يدفن مسلم مع مشرك (٢). ولو ماتت امرأة حامل والولد حى يتحرك قد جاوز ستة أشهر فانه يشق بطنها طولا ويخرج الولد، لقول الله : «وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النّاسَ جَمِيعاً» (٣). ومن تركه عمدا حتى يموت فهو قاتل نفس (٤). مذهب الزيدية: جاء فى شرح «الأزهار» أنه تصح الوصية للحمل والعبد والوصية بهما، فاذا أوصى للحمل فولد ذكر وأنثى وخنثى كانت عليهم أثلاثا. فان أوصى للحمل ان كان ذكرا فله كذا، وان كان أنثى فله كذا فخرج خنثى أو ذكرين أو أنثيين أو ذكرا وأنثى فلا شئ له. يقال لو خرج توأمين أحدهما ميت والآخر حى قيل يسلم للحى النصف، وقيل بل يستحق الحى الجميع. فان خرج أنثى وخنثى فنصفان اذ هو عطية بشرط أن يكون موجودا حال الوصية أو تأتى به لدون ستة أشهر من يوم الوصية وأن يخرج حيا، فلو خرج ميتا بطلت الوصية، أما اذا كان موجودا حال الوصية فيصح، ولو أتت لأكثر من ستة أشهر، فان أوصى لما يحدث من حمل امرأة معينة بعد موته لم يصح لأنها وصية لمعدوم (٥). واذا كان الميت امرأة حاملا فانه يشق بطنها وجوبا من أيسره لاستخراج حمل عرف أنه قد تحرك بعد الموت، ولو علم أنه يموت وذلك حيث لم يبلغ ستة أشهر، لأن للحى حرمة ولو ساعة واحدة، ولأنه بخروجه حيا يرث ويورث. وعن أبى الفضل الناصر: انما يشق له اذا بلغ ستة أشهر لا دونها فيترك ساعة حتى يموت. أما لو تحرك قبل الموت وسكن بعده فالأقرب أنه لا يدفن الميت حتى يغلب الظن موت الجنين. ولو دفنت المرأة والولد يتحرك فمات فقيل. يضمن الدافن

стр. 7893

دية أنثاه لأنه المتيقن وفيه نظر، والقياس أنه يضمن الغرة اذا عرف بخروج يد أو نحوها، فلو دفنت المرأة والولد يتحرك ولم يتحقق من خروج يد أو نحوها فلا شئ اذ الأصل براءة الذمة. وان تيقن الحمل بنحو ذلك وجبت الغرة والصحيح أنه لا شئ لأن الأصل براءة الذمة لجواز أن يكون ريحا (١). مذهب الإمامية: جاء فى «المختصر النافع» أن الحمل يرث ان سقط حيا، وتعتبر حركة الأحياء كالاستهلال والحركات الارادية دون التقلص (٢)، وجاء فى كتاب «الخلاف» أنه اذا مات ميت وخلف ورثة وامرأة حاملا فانه يوقف ميراث ابنين ويقسم الباقى ويجوز أخذ ضمين الدليل أن العادة جرت بأن أكثر ما تلده المرأة اثنان وما زاد عليه شاذ خارج عن العادة، ولتجويز ذلك أخذنا الضمناء، وزيادته ما جرت به العادة، ووجوب ايقافه يحتاج الى دليل (٣). وجاء فى «المختصر النافع» أن الشيخ قال: يوقف للحمل نصيب ذكرين احتياطا، ولو كان ذوو فرض أعطوا النصيب الأدنى (٤). وجاء فى «الخلاف» أن دية الجنين اذا تم خلقه مائة دينار، واذا لم يتم فغرة عبد أو أمته، وعند الفقهاء عبدا وأمة على كل حال الا أن هذه الدية يرثها سائر المناسبين وغير المناسبين، وبه قال جميع الفقهاء الأربعة، فانه قال ان هذا العبد لأمه لأنه قتل ولم ينفصل منها فكأنه أتلف عضوا منها، الدليل اجماع الفرقة واخبارهم، وروى مغيرة بن شعبة أن امرأتين من هذيل افتتلتا فقتلت احداهما الأخرى، فقضى رسول الله ﷺ : بدية المقتولة على عاقلة القاتلة، وقضى فى الجنين بغرة عبد أو أمة، فوجه الدلالة أن النبى ﵇ أفرد دية الجنين عن دية النفس فثبت بذلك ما قلناه (٥) ويرث دية الجنين أبواه ومن يتقرب بهما أو بالأب (٦). مذهب الإباضية: جاء فى كتاب «شرح النيل وشفاء العليل» أنه ان قتلت امرأة فخرج بعد موتها ولدها ميتا لم يلزم به شئ ويحكم بدية المرأة وحدها لأنهما كجسد، وان وقع حيا فمات فعلى الجانى ديته والكفارة به أيضا كما لزم بالأم وهى العتق على كل واحد، وان قتل فلا عتق عليه، وان كان ببطنها اثنان فخرج أحدهما ميتا ثم ماتت ثم خرج الآخر حيا ورث أمه وان مما ورثت من دية الخارج ميتا قبلها وان لم يكن لأخيه أب ورث منه منابه لأنه لما سقط ميتا خلف

стр. 7894

أخاه فى البطن وأمه فيرث أخوه فى البطن سهمه الذى ينوبه من الغرة باعتبار أنها غرة أخيه وسهمه من أمه من جميع ما لها مما كان لها من الغرة وغير ذلك (١). ومن ضرب امرأة فألقت جنينا ميتا وأمه حية فعليه الغرة للمالك لا على العاقلة أو قيمة الغرة ويورث ذلك عن الجنين على فرائض الله تعالى. واذا ألقت الأم جنينا ميتا بعد ضربها ثم ألقت بعده آخر وصرخ فانه يرث فى الأول ويورث عنها، وان كان الأول هو الذى صرخ فلا يرث فى الثانى. وقيل لا يرث ذلك الا الأبوان، وأيهما انفرد به كان له (٢). أحكام الأم الرضاعية مذهب الحنفية: جاء فى كتاب «بدائع الصنائع» أنه تحرم المرضعة على المرضع لأنها صارت أما له بالرضاع فتحرم عليه لقول الله : (وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم) (٣) معطوفا على قوله تعالى ﴿(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ)﴾ فسمى المرضعة أم المرضع وحرمها عليه، وكذا بناتها يحرمن عليه، سواء كن من صاحب اللبن أو من غير صاحب اللبن، من تقدم منهن ومن تأخر لأنهن أخواته من الرضاعة، وقد قال الله ﴿(وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ)﴾. أثبت الأخوة بين بنات المرضعة وبين المرضع، والحرمة بينهما مطلقا من غير فصل بين أخت وأخت وكذا بنات بناتها، وبنات أبنائها وان سفلن لأنهن بنات أخ المرضع وأخته من الرضاعة وهن يحرمن من النسب فكذا من الرضاعة، ولو أرضعت امرأة صغيرين من أولاد الأجانب صارا أخوين من الرضاعة لكونهما من أولاد المرضعة، فلا يجوز المناكحة بينهما اذا كان أحدهما أنثى. والأصل فى ذلك أن كل اثنين اجتمعا على ثدى واحد صارا أخوين أو أختين أو أخا وأختا من الرضاعة فلا يجوز لأحدهما أن يتزوج بالآخر ولا بولده كما فى النسب. وأمهات المرضعة يحرمن على المرضع لأنهن جداته من قبل أمه من الرضاع. وآباء المرضعة أجداد المرضع من الرضاع فيحرم عليهم كما فى النسب. فأما بنات أخوة المرضعة وأخواتها فلا يحرمن على المرضع لأنهن بنات أخواله وخالاته من الرضاعة، وأنهن لا يحرمن من النسب، فكذا من الرضاعة. وتحرم المرضعة على أبناء المرضع وأبناء أبنائه وان سفلوا كما فى النسب. هذا تفسير الحرمة فى جانب المرضعة. والأصل فى هذه الجملة قول النبى ﷺ : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب». فيجب العمل بعمومه الا ما خص بدليل (٤). وأما الحرمة فى جانب زوج المرضعة التى

стр. 7895

نزل لها منه لبن فتثبت عند عامة العلماء وعامة الصحابة رضى الله عنهم، وهى المسألة الملقبة عند الفقهاء «بلبن الفحل» أنه هل يحرم أو لا؟. وتفسير تحريم لبن الفحل: أن المرضعة تحرم على زوج المرضعة لأنها ابنته من الرضاعة، وكذا على أبنائه الذين من غير المرضعة لأنهم أخوتها لأب من الرضاعة وعلى هذا اذا كان لرجل امرأتان فحملتا منه وأرضعت كل واحدة منهما صغيرا أجنبيا فقد صارا أخوين لأب من الرضاعة، فان كان أحدهما أنثى فلا يجوز النكاح بينهما، لأن الذكر أخوها لأبيها من الرضاعة. وان كان أنثيين فلا يجوز لرجل أن يجمع بينهما لأنهما أختان لأب من الرضاعة، وتحرم على آباء زوج المرضعة لأنهم أجدادها من قبل الأب من الرضاعة، وكذا على أخوته لأنهم أعمامها من الرضاعة، وأخواته عمات المرضع فيحرمن عليه. وأما أولاد أخوته وأخواته فلا تحرم المناكحة بينهما لأنهم أولاد الأعمام والعمات، ويجوز النكاح بينهم فى النسب فيجوز فى الرضاعة. هذا تفسير لبن الفحل. والحجة فيه الحديث المشهور وهو قول النبى ﷺ : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب». وروى أن عائشة رضى الله عنها قالت: جاء عمى من الرضاعة فاستأذن على فأبيت أن آذن له حتى استأذن رسول الله ﷺ . فسألته عن ذلك، فقال ﷺ : «انما هو عمك فأذنى له» فقلت: يا رسول الله انما أرضعتنى المرأة ولم يرضعنى الرجل. فقال رسول الله ﷺ : «انه عمك فليلج عليك» قالت عائشة رضى الله عنها وكان ذلك بعد أن ضرب علينا الحجاب. أى بعد أمر الله النساء بالحجاب عن الأجانب. وكان الداخل عليها أفلح أخا أبى القعيس وكانت امرأة أبى القعيس قد أرضعتها. وعن عمرة أن عائشة رضى الله عنها أخبرتها أن رسول الله ﷺ كان عندها وأنها سمعت صوت رجل يستأذن فى بيت حفصة، قالت عائشة: فقلت يا رسول الله هذا رجل يستأذن فى بيتك، فقال أراه فلانا «لعم حفصة من الرضاعة» فقلت يا رسول الله: لو كان فلان حيا - لعمى من الرضاعة - أكان يدخل على؟ فقال: «نعم. أن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة» وعن على رضى الله عنه أنه قال لا تنكح من أرضعته امرأة أبيك ولا امرأة أخيك ولا امرأة ابنك». وعن ابن عباس رضى الله عنهما أنه سئل عن رجل له امرأتان أو جارية وامرأة فأرضعت هذه غلاما وهذه جارية - هل يصلح للغلام أن يتزوج الجارية؟ فقال رضى الله عنه .. لا. اللقاح واحد. بين الحكم وأشار الى المعنى وهو اتحاد اللقاح ولأن المحرم هو اللبن وسبب اللبن هو ماء الرجل والمرأة جميعا، فيجب أن يكون الرضاع منهما جميعا، كما كان الولد لهما جميعا. وأما قولهم ان الله تعالى بين الحرمة فى جانب المرضعة لا فى جانب زوجها، فنقول: ان لم يبينها نصا فقد بينها دلالة، وهذا لأن البيان من الله تعالى بطريقين: بيان احاطة، وبيان كفاية. فبين فى النسب بيان احاطة، وبين فى الرضاع بيان كفاية تسليطا للمجتهدين على الاجتهاد والاستدلال بالمنصوص على غيره، وهو أن الحرمة فى جانب المرضعة لمكان اللبن، وسبب حصول اللبن ونزوله هو ماؤهما جميعا،

стр. 7896

فكان الرضاع منهما جميعا، وهذا لأن اللبن انما يوجب الحرمة لأجل الجزئية والبعضية، لأنه ينبت اللحم وينشز العظم على ما نطق به الحديث، ولما كان سبب حصول اللبن ونزوله ماؤهما جميعا، وبارتضاع اللبن تثبت الجزئية بواسطة نبات اللحم يقام سبب الجزئية مقام حقيقة الجزئية فى باب الحرمات احتياطا، والسبب يقام مقام المسبب خصوصا فى باب الحرمات أيضا فالمرأة تحرم على جدها كما تحرم على أبيها وان لم يكن تحريمها على جدها منصوصا عليه فى الكتاب العزيز، لكن لما كان مبينا بيان كفاية، وهو أن النبت وان حدثت من ماء الأب حقيقة دون ماء الجد، لكن الجد سبب ماء الأب، أقيم السبب مقام المسبب فى حق الحرمة احتياطا، كذا ههنا، والدليل عليه أنه لما لم يذكر البنات من الرضاعة نصا لم يذكر بنات الأخوة والأخوات من الرضاعة نصا، وانما ذكر الأخوات، ثم ذكر لبنات الأخوة، والأخوات دلالة حتى حرمن بالاجماع، كذا ههنا. على أنه ان لم يبين بوحى متلو فقد بين بوحى غير متلو على لسان رسول الله ﷺ بقوله: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب». وقد خرج الجواب عن قولهم ان الارضاع وجد منها، لما ذكر أنه وجد منهما لأن سبب حصول اللبن ماؤهما جميعا. وأما الزوج اذا نزل له لبن فارتضعت به صغيرة فذاك لا يسمى رضاعا عرفا وعادة، ومعنى الرضاع أيضا لا يحصل به وهو اكتفاء الصغير به فى الغذاء لأنه لا يغنيه من جوع فصار كلبن الشاه. ثم انما تثبت الحرمة من جانب الزوج اذا كان للمرأة زوج، فأما اذا لم يكن لها زوج بأن ولدت من الزنا فنزل لها لبن فأرضعت به صبيا فالرضاع يكون منها خاصة لا من الزانى لأن نسبه يثبت منها لا من الزانى، والأصل أن كل من يثبت منه النسب يثبت منه الرضاع ومن لا يثبت منه النسب لا يثبت منه الرضاع. وكذا البكر اذا نزل لها لبن وهى لم تتزوج قط فالرضاع يكون منها خاصة (١). وكل من يحرم بسبب المصاهرة يحرم بسبب الرضاع فيحرم على الرجل أم زوجته وبنتها من زوج آخر من الرضاع كما فى النسب، الا أن الأم تحرم بنفس العقد على البنت اذا كان صحيحا، والبنت لا تحرم الا بالدخول بالأم كما فى النسب. وكذا جدات زوجته من أبيها وأمها وان علون أو بنات بناتها وبنات أبنائها وان سفلن من الرضاع كما فى النسب، وكذا تحرم حليلة ابن الرضاع وابن ابن الرضاع وان سفل على أب الرضاع وأب أبيه وان علا كما فى النسب. وتحرم منكوحة أب الرضاع وأب أبيه وان علا على ابن الرضاع وابن ابنه وان سفل كما فى النسب. وكذا يحرم بالوط ء أم الموطؤة وبنتها من الرضاع على الواطئ، وكذا جداتها وبنات بناتها كما فى النسب، وتحرم الموطوءة على أب الواطئ وابنه من الرضاع، وكذا على أجداده وان علوا، وعلى أبناء أبنائه وان سفلوا كما فى النسب سواء كان الوط ء حلالا بأن كان بملك اليمين أو الوط ء بنكاح فاسد أو شبهة نكاح أو كان بزنا.

стр. 7897

ثم قول النبى ﷺ : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» مجرى على عمومه الا فى مسألتين: احداهما: أنه لا يجوز للرجل أن يتزوج بأخت ابنه من النسب لأمه، وهو أن يكون لابنه أخت لأمه من النسب من زوج آخر كان لها، ويجوز له أن يتزوج أخت ابنه من الرضاع، وهو أن يكون لابنه من الرضاع أخت من النسب لم ترضعها امرأته، لأن المانع من الجواز فى النسب كون أم الأخت موطوءة الزوج، لأن أمها اذا كان موطوءة كانت هى بنت الموطوءة وأنها حرام، وهذا لم يوجد فى الرضاع، ولو وجد لا يجوز كما لا يجوز فى النسب. والمسألة الثانية: أنه لا يجوز للرجل أن يتزوج أم أخته من النسب لأبيه، وهو أن يكون له أخت من أبيه من النسب لا من أمه، فلا يجوز له أن يتزوج أم هذه الأخت، ويجوز له أن يتزوج أم أخته من الرضاع وهو أن يكون لها أخت من الرضاعة فيتزوج أمها من النسب، لأن المانع فى النسب كون المتزوجة موطوءة أبيه، وهذا لم يوجد فى الرضاع. حتى لو وجدت لا يجوز كما فى النسب. ويجوز للرجل أن يتزوج أخت أخيه لأبيه من النسب، وصورته: منكوحة أبيه اذا ولدت ابنا ولها بنت من زوج آخر فهى أخت أخيه لأبيه فيجوز له أن يتزوجها، وكذا يجوز للرجل أن يتزوج أخت أخته من الرضاع وهذا ظاهر. ويجوز لزوج المرضعة أن يتزوج أم المرضع من النسب، لأن المرضع ابنه ويجوز للانسان أن يتزوج أم ابنه من النسب - وكذا أب المرضع من النسب يجوز له أن يتزوج المرضعة لأنها أم ابنه من الرضاعة، فهى كأم ابنه من النسب وكذا يجوز له أن يتزوج بمحارم أبى الصبى من الرضاعة أو النسب كما يجوز له أن يتزوج بأمه (١). وأما صفة الرضاع على المحرم فهو ما يكون فى حال الصغر، فأما ما يكون فى حال الكبر فلا يحرم عند عامة العلماء وعامة الصحابة رضى الله عنهم، الا ما روى عن عائشة رضى الله عنها أنه يحرم فى الصغر والكبر جميعا، واحتجت بظاهر قول الله : «وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ، وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ ٢». من غير فصل بين حال الصغر والكبر، ولنا ما روى أن رسول الله ﷺ : دخل يوما على عائشة رضى الله عنها فوجد عندها رجلا، فتغير وجه رسول الله ﷺ فقال: من هذا الرجل؟ فقالت عائشة: هذا عمى من الرضاع. فقال رسول الله ﷺ : «أنظرن ما أخواتكم من الرضاعة، انما الرضاعة من المجاعة»: أشار ﷺ الى أن الرضاع فى الصغر هو المحرم اذ هو الذى يدفع الجوع فأما جوع الكبير فلا يندفع بالرضاع وروى عن النبى ﷺ انه قال «الرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم» وذلك هو رضاع الصغير دون الكبير لأن ارضاعه لا ينبت اللحم ولا ينشز العظم. وروى عنه

стр. 7898

صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «الرضاع ما فتق الأمعاء» ورضاع الصغير هو الذى يفتق الأمعاء لارضاع الكبير لان أمعاء الصغير تكون ضيقة لا يفتقها الا اللبن لكونه من ألطف الأغذية كما وصفه الله فى كتابه الكريم بقوله «خالِصاً سائِغاً لِلشّارِبِينَ» (١) فأمعاء الكبير مفتقة لا تحتاج الى الفتق باللبن وروى عن النبى ﷺ انه قال: «لا رضاع بعد فصال» وروى أن رجلا من أهل البادية ولدت امرأته ولدا فمات ولدها فورم ثدى المرأة فجعل الرجل يمصه ويمجه فدخلت جرعة منه حلقه فسأل عنه أبا موسى الأشعرى رضى لله عنه فقال: «قد حرمت عليك. ثم جاء الى عبد الله ابن مسعود رضى الله عنه فسأله فقال: سألت أحدا؟ قال الرجل: نعم سألت أبا موسى الأشعرى فقال حرمت عليك. فجاء ابن مسعود أبا موسى الأشعرى رضى الله عنهما فقال له. أما علمت انه انما يحرم من الرضاع ما أنبت اللحم؟ فقال أبو موسى: لا تسألونى عن شئ ما دام هذا الحبر بين أظهركم وعن عبد الله ابن عمر ان رجلا جاء الى عمر رضى الله عنه فقال كانت لى وليدة أطؤها فعمدت امرأتى اليها فأرضعتها فدخلت عليها فقالت: دونك مقدور الله. أرضعتها. قال عمر رضى الله عنه: واقعها فهى جاريتك فانما الرضاعة عند الصغر وبهذا يتبين ان ليس المراد من الآية الكريمة رضاع الكبير لأن النبى ﷺ فسر الرضاع المحرم بكونه دافعا للجوع منبتا للحم منشزا للعظم فاتقا للأمعاء وهذا وصف رضاع الصغير لا الكبير فصارت السنة مبينة لما فى الكتاب أصله (٢). وقد اختلف فى مدة الرضاع المحرم فقال أبو حنيفة ثلاثون شهرا ولا يحرم بعد ذلك سواء فطم أو لم يفطم وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى: حولان لا يحرم بعد ذلك فطم أو لم يفطم وقال زفر ثلاثة أحوال وقال بعضهم خمس عشرة سنة وقال بعضهم أربعون سنة احتج أبو يوسف ومحمد يقول الله «وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ» (٣) جعل الله تعالى الحولين الكاملين تمام مدة الرضاعة وليس وراء التمام شئ. بقول الله : «وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ» (٤) وقوله : «وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً» (٥) وأقل مدة الحمل ستة أشهر فبقى مدة الفصال حولين وروى عن النبى ﷺ أنه قال: «لا رضاع بعد الحولين» وهذا نص فى الباب. ولأبى حنيفة قول الله : «وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ» (٦) أثبت الحرمة بالرضاع مطلقا عن التعرض لزمان الارضاع الا أنه قام الدليل على ان زمان ما بعد الثلاثين شهرا ليس بمراد فيعمل باطلاقه فيما وراءه وقوله تعالى «فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ» (٧) والاستدلال به من وجهين

стр. 7899

أحدهما: انه أثبت لهما ارادة الفصال مطلقا عن الوقت ولا يكون الفصال الا عن الرضاع فدل على بقاء حكم الرضاع فى مطلق الوقت الى أن يقوم الدليل على التقييد. وقوله تعالى: «وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ» (١) أثبت لها ارادة الاسترضاع مطلقا عن الوقت فمن ادعى التقييد بالحولين فعليه الدليل ولأن الارضاع انما يوجب الحرمة لكونه منبتا للحم منشزا للعظم على ما نطق به الحديث ومن المحال عادة ان يكون منبتا للحم الى الحولين ثم لا ينبت بعد الحولين بساعة لطيفة لأن الله تعالى ما أجرى العادة بتغير الغذاء الا بعد مدة معتبرة ولان المرأة قد تلد فى البرد الشديد والحر الشديد فاذا تم على الصبى سنتان لا يجوز أن تؤمر أمه بفطامه لأنه يخاف منه الهلاك على الولد اذا لو لم يعود بغيره من الطعام فلا بد وان تؤمر بالرضاع ومحال أن تؤمر بالرضاع ويحرم عليها الرضاع فى وقت واحد فدل أن الرضاع بعد الحولين يكون رضاعا الا أن أبا حنيفة استحق فى تقديره مدة ابقاء حكم الرضاع بعد الحولين بستة أشهر لانه أقل مدة تغير الولد فان الولد يبقى فى بطن أمه ستة أشهر يتغذى بغذائها ثم ينفصل فيصير أصلا فى الغذاء. زفر اعتبر بعد الحولين سنة كاملة فقال لما ثبت حكم الرضاع فى ابتداء السنة الثالثة لما قاله أبو حنيفة يثبت فى بقيتها كالسنة الأولى والثانية وأما الآية الأولى ففيها أن الحولين مدة الرضاعة فى حق من أتم الرضاع وهذا لا ينفى أن يكون الزائد على الحولين مدة الرضاع فى حق من لم يرد أن يتم الرضاعة من أن ذكر الشئ بالتمام لا يمنع من احتمال الزيادة عليه على أن فى الآية الكريمة أن الحولين تمام مدة الرضاعة لكنها تمام مدة الرضاع فى حق الحرمة أو فى حق وجوب اجر الرضاع على الأب؟ فالنص لا يتعرض له. وعندهما تمام مدة الرضاع فى حق وجوب الأجر على الأب حتى أن الأم المطلقة اذا طلبت الأجر بعد الحولين ولا ترضع بلا أجر لم يجبر الأب على أجر الرضاع. فيما زاد على الحولين أو تحمل الآية على هذا توفيقا بين الدلائل لأن الله لا تتناقض وأما الآية الثانية فالفصال فى عامين لا ينفى الفصال فى أكثر من عامين كما لا ينفيه فى أقل من عامين عن تراض منهما وتشاور فكان هذا استدلالا بالمسكوت كقول الله «فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً» (٢) انه لا يمنع جواز الكتابة اذا لم يعلم فيهم خيرا وأما الآية الثالثة فتحتمل ما ذكرتم أن المراد من الحمل هو الحمل بالبطن والفصال هو الفطام فيقتضى أن تكون مدة الرضاع سنتين ومدة الحمل ستة أشهر كما روى عن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما وتحتمل أن يكون المراد من الحمل باليد والحجر فيقتضى أن يكون الثلاثون شهرا مدة الحمل والفصال جميعا لانه يحمل باليد والحجر فى هذه المدة غالبا لا أن يكون بعض هذه المدة مدة الحمل، وبعضها مدة الفصال، لأن اضافة السنتين الى الوقت لا تقتضى قسمة الوقت

стр. 7900

عليهما بل تقتضى أن يكون جميع ذلك الوقت مدة لكل واحد منهما كقول القائل. صومك وزكاتك فى شهر رمضان هذا لا يقتضى قسمة الشهر عليهما بل يقتضى كون الشهر كله وقتا لكل واحد منهما فيقتضى ان يكون الثلاثون شهرا مدة الرضاع كما هو مذهب أبى حنيفة فلا يكون حجة مع الاحتمال على انه ان وقع التعارض بين الآيات ظاهرا لكن ما تلون حاظر وما تلوتم مبيح والعمل بالحاظر اولى احتياطا وأما الحديث فالمشهور «لا رضاع بعد فصال» ونحن نقول بموجبه فجائز أن يكون أصل الحديث هذا وان من ذكر الحولين حمله على المعنى عنده ولو ثبت هذا اللفظ فيحتمل أن يكون معناه الارضاع على الأب بعد الحولين أى فى حق وجوب الأجر عليه على ما ذكر من تأويل الآية أو يحمل على هذا عملا بالدلائل كلها ثم الرضاع يحرم فى المدة على اختلافهم فيها سواء فطم فى المدة أو لم يفطم هذا جواب ظاهر الرواية عن الأحناف حتى لو فصل الرضيع فى مدة الرضاع ثم سقى بعد ذلك فى المدة كان ذلك رضاعا محرما ولا يعتبر الفطام انما يعتبر الوقت فيحرم عند أبى حنيفة ما كان فى السنتين ونصف وعندهما ما كان فى السنتين لان الرضاع فى وقته عرف محرما فى الشرع لما ذكر من الدلائل من غير فصل بين ما اذا فطم أو لم يفطم وروى الحسن عن أبى حنيفة أنه قال اذا فطم فى السنتين حتى استغنى بالفطام ثم ارتضع بعد ذاك فى السنتين أو الثلاثين شهرا لم يكن ذلك رضاعا لأنه لا رضاع بعد الفطام. وان هى فطمته فأكل أكلا ضعيفا لا يستغنى به عن الرضاع ثم عاد فأرضع كما يرضع أولا فى الثلاثين شهرا فهو رضاع محرم كما يحرم رضاع الصغير الذى لم يفطم ويحتمل أن تكون رواية الحسن تفسير الظاهر قول اصحابنا وهو ان الرضاع فى المدة بعد الفطام انما يكون رضاعا محرما اذا لم يكن الفطام تاما بأن كان يستغنى بالطعام عن الرضاع فان استغنى لا يحرم بالاجماع. ويحمل قول النبى ﷺ «لا رضاع بعد الفصال» على الفصال المتعارف المعتاد، وهو الفصال التام المغنى عن الرضاع (١). ويستوفى الرضاع المحرم قليله وكثيره عند عامة العلماء وعامة الصحابة رضى الله عنهم وروى عن عبد الله بن الزبير وعائشة رضى الله عنهما: أن قليل الرضاع لا يحرم ولنا قوله ﴿(وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ)﴾ (٢) مطلقا عن القدر وروى عن على وعن عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس رضى الله عنهم أنهم قالوا: قليل الرضاع وكثيره سواء. وروى عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه قال: الرضعة الواحدة تحرم. وروى أنه لما بلغه أن عبد الله بن الزبير يقول: لا تحرم الرضعة والرضعتان فقال: قضاء الله خير من قضاء ابن الزبير وتلا قول الله «وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ». وروى أنه لما بلغه أن عائشة رضى الله عنها تقول. لا تحرم المصة والمصتان فقال: حكم

стр. 7901

الله تعالى أولى وخير من حكمها. وكذا يستوى فيه لبن الحية والميتة بأن حلب لبنها بعد موتها فى قدح فأوجر به الصبى يحرم عند الاحناف وحجتهم فى هذا الحديث المشهور عن رسول الله ﷺ انه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. واسم الرضاع لا يقف على الارتضاع من الثدى فان العرب تقول: يتيم راضع وان كان يرضع بلبن الشاه والبقر ولا على فعل الارتضاع منها بدليل انه لو ارتضع الصبى منها وهى نائمة يسمى ذلك رضاعا ويحرم ويقال أيضا ارضع هذا الصبى بلبن هذه الميتة كما يقال ارضع بلبن الحية وقوله ﷺ «الرضاع من المجاعة» وقوله «الرضاع ما انبت اللحم وأنشز العظم» وقوله الرضاع ما فتق الامعاء» ولبن الميتة يدفع الجوع وينبت اللحم وينشز العظم ويفتق الأمعاء فيوجب الحرمة ولأن اللبن كان محرما فى حال الحياة والعارض هو الموت واللبن لا يموت كالبيضة. كذا روى عن عمر رضى الله عنه أنه قال: اللبن لا يموت ولأن الموت يحل محل الحياة ولا حياة فى اللبن فالمرأة لم تتألم بأخذ، فى حال حياتها والحيوان يتألم بأخذ ما فيه حياة من لحمه وسائر أعضائه واذا لم يكن فيه حياة كان حاله بعد موت المرأة كحالة قبل موتها، وقبل دونها محرم فهو كذلك بعده محرم (١) ويستوى فى تحريم الرضاع الارتضاع من الثدى والاسعاط والايجار لأن المؤثر فى التحريم هو حصول الغذاء باللبن وانبات اللحم وانشاز العظم وسد المجاعة لكى تتحقق الجزئية وذلك يحصل بالاسعاط والايجار لأن السعوط يصل الى الدماغ والى الحلق فيغذى ويسد الجوع، والجور يصل الى الجوف فيغذى وأما الاقطار فى الاذن فلا يحرم لأنه لا يعلم وصوله الى الدماغ لضيق الخرق فى الأذن وكذلك الاقطار فى الاحليل لآنه لا يصل الى الجوف فضلا عن الوصول الى المعدة وكذلك الأقطار فى العين والقبل لما سبق وكذلك الاقطار فى الجائفة وفى الآمة لأن الجائفة نصل الى الجوف لا الى المعدة والآمة وان كان يصل الى المعدة لكن ما يصل اليها من الجراحة لا يحصل به الغذاء فلا تثبت به الحرمة والحقنة لا تحرم بأن حقن الصبى باللبن فى الرواية المشهورة وروى عن محمد انها تحرم وجه هذه الرواية انها وصلت الى الجوف حتى أوجبت فساد الصوم فصار كما لو وصل من الفم. وجه ظاهر الرواية أن المعتبر فى هذه الحرمة هو معنى التغذى والحقنة لا تصل الى موضع الغذاء لأن موضع الغذاء هو المعدة والحقنة لا تصل اليها فلا يحصل بها نبات اللحم ونشوز العظم واندفاع الجوع فلا توجب الحرمة ولو جعل اللبن مخيضا أو رائبا أو شيرازا أو جبنا أو أقطا أو مصلا فتناوله الصبى لا يثبت به الحرمة لأن اسم الرضاع لا يقع عليه وكذا لا ينبت اللحم وينشز العظم ولا يكتفى به الصبى فى الاغتذاء فلا يحرم (٢). ولو اختلط اللبن بغيره فهذا على وجوه أما أن اختلط بالطعام أو بالدواء أو بالماء أو بلبن

стр. 7902

البهائم أو بلبن امرأة اخرى فان اختلط بالطعام فان مسته النار حتى نضج لم يحرم فى قولهم جميعا لأنه تغير عن طبعه بالطبخ وان لم تمسه النار فان كان الغالب هو الطعام لم تثبت الحرمة لأن الطعام اذا غلب سلب قوة اللبن وأزال معناه وهو التغذى فلا تثبت به الحرمة وان كان اللبن غالبا للطعام وهو طعام يستبين لا يثبت به الحرمة فى قول أبى حنيفة وعند أبى يوسف ومحمد يثبت. وجه قولهما أن اعتبار الغالب والحاق المغلوب بالعدم أصل فى الشرع فيجب اعتباره ما أمكن كما اذا اختلط بالماء أو بلبن شاة ولأبى حنيفة ان الطعام وان كان أقل من اللبن فانه يسلب قوة اللبن لأنه يرق ويضعف بحيث يظهر ذلك فى حس البصر فلا تقع الكفاية به فى تغذية الصبى فكان اللبن مغلوبا معنى وان كان غالبا صورة. وان اختلط اللبن بالدواء أو بالدهن أو بالنبيذ يعتبر فيه الغالب فان كان اللبن غالبا يحرم لأن هذه الأشياء لا تحل بصفة اللبن وصيرورته غذاء بل بقدر ذلك لأنها انما تخلط باللبن ليوصل اللبن الى ما كان لا يصل اليه بنفسه لاختصاصها بقوة التنفيذ ثم اللبن بانفراده يحرم فمع هذه الأشياء أولى. وان كان الدواء هو الغالب لا تثبت به الحرمة لأن اللبن اذا صار مغلوبا صار مستهلكا فلا يقع به التغذى فلا تثبت به الحرمة وكذا اذا اختلط بالماء يعتبر فيه الغالب أيضا فان كان اللبن غالبا يثبت به الحرمة، وان كان الماء غالبا لا يثبت به لأن الشرع علق الحرمة فى باب الرضاع بمعنى التغذى على ما نطقت به الأحاديث واللبن المغلوب بالماء لا يغذى الصبى لزوال قوته لأنه لا يقع الاكتفاء به فى تغذية الصبى فلم يكن محرما. وذكر الجصاص أن جواب الكتاب ينبغى أن يكون قولهما فأما على قول أبى حنيفة ينبغى أن لا يحرم وان كان اللبن غالبا وقاس الماء على الطعام وجمع بينهما من حيث أن اختلاطه بالماء يسلب قوته وان كان الماء قليلا كاختلاطه بالطعام القليل وفى ظاهر الرواية أطلق الجواب ولم يذكر الخلاف ولو اختلط بلبن البهائم كلبن الشاة وغيره يعتبر فيه الغالب أيضا لما ذكر. ولو اختلط لبن امرأة بابن امرأة أخرى فالحكم للغالب منهما فى قول أبى يوسف وروى عن أبى حنيفة كذلك وعند محمد ثبتت الحرمة منهما جميعا وهو قول زفر. وجه قول محمد ان اللبنين من جنس واحد والجنس لا يغلب الجنس فلا يكون خلط الجنس بالجنس استهلاكا فلا يصير القليل مستهلكا فى الكثير فيتغذى الصبى كل واحد منهما بقدره بانبات اللحم وانشاز العظم وسد الجوع لأن أحدهما لا يسلب قوة الآخر. والدليل على أن خلط الجنس بالجنس لا يكون استهلاكا له أن من غصب من آخر زيتا مخلطة بزيت آخر اشتركا فيه فى قولهم جميعا ولو خلط بشيرج أو بدهن آخر من غير جنسه يعتبر الغالب فان كان الغالب هو المغصوب كان لصاحبه أن يأخذه ويعطيه قسط ما اختلط بزيته وان كان الغالب غير المغصوب صار المغصوب مستهلكا فيه ولم يكن له أن يشاركه فيه ولكن الغاصب يغرم له مثل ما غصبه فدل ذلك على اختلاف حكم الجنس الواحد والجنسين وأبو يوسف اعتبر هذا النوع من الاختلاط باختلاط اللبن بالماء وهناك الحكم للغالب كذا ههنا ولمحمد أن يفرق بين الفصلين فان اختلاط اللبن بما هو من جنسه لا يوجب الاخلال بمعنى التغذى من كل واحد منهما بقدره لأن أحدهما لا يسلب قوة

стр. 7903

الآخر وليس كذلك اختلاط اللبن بالماء واللبن مغلوب لأن الماء يسلب قوة اللبن أو يخل به فلا يحصل التغذى أو يختل (١). ولو طلق الرجل امرأته ولها لبن من ولد كانت ولدته منه فانقصت عدتها وتزوجت بزوج آخر. وهى كذلك فأرضعت صبيا عند الثانى ينظران أرضعت قبل أن تحمل من الثانى فالرضاع من الأول بالاجماع لأن اللبن نزل من الاول فلا يرتفع حكمه بارتفاع النكاح كما لا يرتفع بالموت وكما لو حلب منها لبن ثم ماتت لا يبطل حكم الرضاع من لبنها كذا هذا وان أرضعت بعد ما وضعت من الثانى فالرضاع من الثانى بالاجماع لأن اللبن منه ظاهرا. وان أرضعت بعد ما حملت من الثانى قبل أن تضع فالرضاع من الاول الى أن تضع فى قول أبى حنيفة. وقال أبو يوسف: ان علم أن هذا اللبن من الثانى بأن ازداد لبنها فالرضاع من الثانى وان لم يعلم فالرضاع من الاول وروى الحسن بن زياد عنه أنها اذا حبلت فاللبن للثانى وقال محمد وزفر الرضاع منهما جميعا الى أن تلد، فاذا ولدت فهو من الثانى وجه قول محمد أن اللبن الأول باق والحمل سبب لحدوث زيادة لبن فيجتمع لبنان فى ثدى واحد فتثبت الحرمة بهما كما قال: فى اختلاط أحد اللبنين بالآخر بخلاف ما اذا وضعت لأن اللبن الأول ينقطع بالوضع ظاهرا وغالبا فكان اللبن من الثانى فكان الرضاع منه ووجه قول أبى يوسف أن الحامل قد ينزل لها لبن فلما ازداد لبنها عند الحمل من الثانى فدل أن الزيادة من الحمل الثانى، اذ لو لم يكن الحمل لم تكن هناك زيادة فى اللبن بل ينقص أو العادة أن اللبن ينقص بمضى الزمان ولا يزداد فكانت الزيادة دليلا على أنها من الحمل الثانى لا من الأول. ووجه رواية الحسن عنه أن العادة أن بالحمل ينقطع اللبن الأول ويحدث عنده لبن آخر فكان الموجود عند الحمل الثانى من الحمل الثانى لا من الأول فكان الرضاع منه لا من الأول ولأبى حنيفة ان نزول اللبن من الأول ثبت بيقين لأن الولادة سبب لنزول اللبن بيقين عادة فكان حكم الأول ثابتا بيقين فلا يبطل حكمه ما لم يوجد سبب آخر مثله بيقين وهو ولادة أخرى لا الحمل لأن الحامل قد ينزل لها لبن بسبب الحمل وقد لا ينزل حتى تضع والثابت بيقين لا يزول بالشك وأما قول أبى يوسف لما ازداد اللبن دل على حدوث اللبن من الثانى فممنوع أن زيادة اللبن تدل على حدوث اللبن من الحمل فان لزيادة اللبن أسبابا من زيادة الغذاء وجودته وصحة البدن واعتدال الطبيعة وغير ذلك فلا يدل الحمل على حدوث الزيادة بالشك فلا ينقطع الحكم عن الأول بالشك وقد خرج الجواب عما قاله محمد: ويستوى فى تحريم الرضاع الرضاع المقارن للنكاح والطارئ عليه لان دلائل التحريم لا توجب الفصل بينهما (٢) وبيان هذا الأصل فى مسائل: اذا تزوج صغيرة فأرضعتها أمه من النسب أو من الرضاع حرمت عليه لأنها صارت أختا له من الرضاع فتحرم عليه كما فى النسب وكذا اذا أرضعتها أخته أو بنته من النسب أو من الرضاع لأنها صارت بنت أخته أو بنت بنته من الرضاع وانها تحرم من الرضاعة كما تحرم من النسب. ولو تزوج صغيرتين رضيعتين فجاءت امرأة أجنبية

стр. 7904

فأرضعتهما معا أو على التعاقب حرمتا عليه لانهما صارتا اختين من الرضاع فيحرم الجمع بينهما فى حالة البقاء كما يحرم فى حالة الابتداء كما فى النسب، ويجوز أن يتزوج احداهما أيتهما شاء لأن المحرم هو الجمع كما فى النسب فان كن ثلاثا فارضعتهن جميعا معا حرمن عليه لأنهن صرن أخوات من الرضاعة فيحرم الجمع بينهن وله أن يتزوج واحدة منهن أيتهن شاء. وان ارضعتهن على التعاقب واحدة بعد واحدة حرمت عليه الأوليان وكانت الثالثة زوجة لأنها لما أرضعت الأولى ثم الثانية صارتا اختين فبانتا منه فاذا أرضعت الثالثة فقد صارت أختا لهما لكنهما أجنبيتان من الزوج فلم يتحقق الجمع فلا تبين منه وكذا اذا أرضعت البنتين معا ثم الثالثة حرمتا والثالثة امرأته كما قلن. ولو أرضعت الأولى ثم الثنتين معا حرمن جميعا لأن الأولى لم تحرم بمجرد الارضاع لعدم الجمع فاذا أرضعت الأخريين معا صرن أخوات فى حالة واحدة فيفسد نكاحهن. ولو كن أربع صبيانه فأرضعتهن على التعاقب واحدة بعد واحدة حرمن جميعا لأنها لما ارضعت الثانية فقد صارت أختا للأولى فحصل الجمع بين الأختين من الرضاعة. فبانتا ولما أرضعت الرابعة فقد صارت أختا للثالثة فحصل الجمع فبانتا. وحكم المهر والرجوع فى مثل هذه المسائل يأتى فى المسألة الآتية وهى: ما اذا تزوج صغيرة وكبيرة فارضعت الكبيرة الصغيرة فأما حكم النكاح فقد حرمتا عليه لأن الصغيرة صارت بنتا لها والجمع بين الأم والبنت من الرضاع نكاحا حرام كما يحرم من النسب، ثم أن كان ذلك بعد ما دخل بالكبيرة لا يجوز له أن يتزوج واحدة منهما ابدا كما فى النسب. وان كان قبل أن يدخل بالكبيرة جاز. له أن يتزوج الصغيرة لأنها ربيبة من الرضاع لم يدخل بأمها فلا يحرم عليه نكاحها كما فى النسب ولا يجوز له أن يتزوج الكبيرة ابدا لأنها أم منكوحته من الرضاع. فتحرم بمجرد نكاح البنت دخل بها أو لم يدخل بها كما فى النسب. واما حكم المهر فان كان قد دخل بالكبيرة فلها جميع مهرها سواء تعمدت الفساد أو لم تتعمد لأن الأصل أن الفرقة الحاصلة قبل الدخول توجب سقوط كل المهر لأن المبدل يعود سليما الى المرأة وسلامة المبدل لأحد المتعاقدين يوجب سلامة البدل للآخر لئلا يجتمع المبدل والبدل فى ملك واحد فى عقد المبادلة كان ينبغى الا يجب على الزوج شئ سواء كانت الفرقة بغير طلاق أو بطلاق الا أن الشرع أوجب عليه فى الطلاق قبل الدخول ما لا مقدرا بنصف المهر المسمى ابتداء بطريق المتعة صلة لها تطيبيا لقلبها لما لحقها من وحشة الفراق بفوات نعمة الزوجية عنها من غير رضاها فاذا أرضعت فقد رضيت بارتفاع النكاح فلا تستحق شيئا. وأما الصغيرة فلها نصف المهر على الزواج عند عامة العلماء ولنا ما ذكرنا أن الفرقة من أيهما كانت توجب سقوط كل المهر لما ذكر، وانما يجب نصف المهر مقدرا بالمسمى ابتداء صلة للمرأة نظرا لها ولم يوجد من الصغيرة ما يوجب خروجها عن استحقاق النظر لأن فعلها لا يوصف بالحظر وليست هى من أهل الرضا لنجعل فعلها دلالة الرضا بارتفاع النكاح فلا تحرم نصف الصداق بخلاف الكبيرة لأن اقدامها على الارضاع دلالة الرضا بارتفاع النكاح وهى من أهل الرضا وارضاعها جناية فلا تستحق النظر بايجاب نصف المهر لها ابتداء اذ الجانى لا يستحق النظر على جنايته بل يستحق الزجر

стр. 7905

وذلك بالحرمان لئلا يفعل مثله فى المستقبل فلا يجب لها شئ سواء تعمدت الفساد أو لم تتعمد لأن فعلها جناية فى الحالين ويرجع الزوج بما أدى على الكبيرة ان كانت تعمدت الفساد وان كانت لم تتعمد لم يرجع عليها كذا ذكر المشايخ وهذا قول أبى حنيفة وابى يوسف وروى عن محمد أن له أن يرجع عليها سواء تعمدت الفساد أو لم تتعمد وهو قول زفر وبشر المريسى والشافعى وجه قولهم أن هذا ضمان الاتلاف وانه لا يختلف بالعمد والخطأ والدليل على أن هذا ضمان الاتلاف فى أن الفرقة حصلت من قبلها بارضاعها صارت بالارضاع مؤكدة نصف المهر على الزوج لأنه كان محتملا للسقوط بردتها أو تمكينها من ابن الزوج أو تقبيلها اذا كبرت فهى بالارضاع أكدت نصف المهر بحيث لا يحتمل السقوط فصارت متلفة عليه ماله فتضمن. وجه قول محمد انها وان تعمدت الفساد فهى صاحبة شرط فى ثبوت الفرقة لأن علة الفرقة هى الارتضاع للصغيرة لما بينا والحكم يضاف الى العلة لا الى الشرط على أن ارضاعها ان كان سبب الفرقة فهو سبب محض لأنه طرأ عليه فعل اختيارى وهو ارتضاع الصغيرة والسبب اذا اعترض عليه فهو فعل اختيارى يكون سببا محضا، السبب المحض لا حكم له وان كان صاحب السبب متعمدا فى مباشرة السبب كفتح باب الاسطبل والقفص حتى خرجت الدابة وضلت أو طار الطير وضاع، ولأن الضمان لو وجب عليها اما أن يجب باتلاف ملك النكاح أو باتلاف الصداق أو بتأكيد نصفه على الزوج. لا وجه للأول لأن ملك النكاح غير مضمون باتلاف على اصلنا، ولا وجه للثانى لأنها ما أتلفت الصداق بل أسقطت نصفه والنصف الباقى بقى واجبا بالنكاح السابق ولا وجه للثالث لأن التأكيد لا يماثل التفويت فلا يكون اعتداء بالمثل. ولأبى حنيفة وأبى يوسف أن الكبير. وان كانت محصلة شرط الفرقة وعلة الفرقة من الصغيرة كما ذكره محمد لكن الأصل أن الشرط مع العلة اذا اشتركا فى الحظر والاباحة أى فى سبب المؤاخذة وعدمه فاضافة الحكم الى العلة أولى من اضافته الى الشرط فأما اذا كان الشرط محظورا والعلة غير موصوفة بالحظر فاضافة الحكم الى الشرط أولى من اضافته الى العلة كما فى حفر البئر على قارعة الطريق. فالكبيرة اذا لم تكن تعمدت الفساد فقد استوى الشرط والعلة فى عدم الحظر فكانت الفرقة مضافة الى العلة وهى ارتضاعها وان كانت تعمدت الفساد كان الشرط محظورا وهو ارضاع الكبيرة والعلة غير موصوفة بالحظر وهى ارتضاع الصغيرة فكان اضافة الحكم الى الشرط أولى. واذا أضيفت الفرقة الى الكبيرة عند تعمدها الفساد ووجب نصف المهر على الزوج ابتداء ملازما للفرقة صارت الفرقة الحاصلة منها كأنها علة لوجوبه لا أنه بقى النصف بعد الفرقة واجبا بالنكاح السابق، لأن ذلك قول بتخصيص العلة لأنه قول ببقاء نصف المهر على وجود العلة المسقطة لكله، وأنه باطل فصارت الكبيرة متلفة هذا القدر من المال على الزوج اذ الأداء مبنى على الوجوب فيثبت له حق الرجوع عليها ولهذا المعنى وجب الضمان على شهود الطلاق قبل الدخول اذا رجعوا بالاجماع بخلاف اذا لم تتعمد الفساد لأن عند عدم التعمد لا تكون الفرقة مضافة الى فعل الكبيرة فلم يوجد منها علة وجوب نصف المهر على الزوج فلا يرجع عليها. ثم تعمد الفساد ويثبت بثلاثة أشياء:

стр. 7906

بعلمها بنكاح الصغيرة وعلمها بفساد النكاح بارضاعها وعدم الضرورة وهى ضرورة خوف الهلاك على الصغيرة ان لم ترضعها والقول قولها فى انها لم تتعمد الفساد مع يمينها لأن الزوج بدعوى تعمد الفساد يدعى عليها الضمان وهى تنكر فكان القول قولها. وعلى هذا حكم المهر والرجوع فى المسائل المتقدمة من الاتفاق والاختلاف. ولو تزوج (١) كبيرة وصغيرتين فأرضعتهما الكبيرة فان أرضعتهما معا حرمن عليه لانهما جميعا صارتا بنتين للمرضعة فصار جامعا بينهن نكاحا فحرمن عليه ولا يجوز له أن يتزوج الكبيرة أبدا سواء كان دخل بها أو لم يدخل لأنها أم منكوحته فتحرم بنفس العقد على البنت ولا يجوز له أن يجمع بين الصغيرتين ابدا لأنهما صارتا اختين من الرضاع ويجوز أن يتزوج باحداهما ان لم يدخل بالكبيرة لأنها ربيبة من الرضاعة فلا تحرم بمجرد العقد على الأم كما فى النسب وان كان قد دخل بها لا يجوز كما فى النسب وان أرضعتهما على التعاقب واحدة بعد أخرى فقد حرمت الكبيرة مع الصغيرة الأولى لأنها لما أرضعت الأولى صارت بنتا لها فحصل الجمع بين الأم والبنت فبانتا منه. وأما الصغيرة الثانية فانما أرضعتها بعد ما باتت الكبيرة فلم يصر جامعا، لكنها ربيبته من الرضاعة فان كان قد دخل بأمها تحرم عليه والا فلا ولا يجوز نكاح الكبيرة بعد ذلك ولا الجمع بين الصغيرتين لما ذكر. ولو تزوج كبيرة وثلاث صبيات فأرضعتهن على التعاقب واحدة بعد أخرى حرمن عليه جميعا لانها لما أرضعت الأولى صارت بنتا لها فحصل الجمع بين الأم والبنت فحرمتا عليه ولما أرضعت الثانية فقد أرضعتها والكبيرة والصغيرة الأولى مبانتان فلا يحرم بسبب الجمع لعدم الجمع ولكن ينظر ان كان قد دخل بالكبيرة تحرم عليه للحال لأنها ربيبته وقد دخل بأمها وان كان لم يدخل بأمها لا تحرم عليه للحال حتى ترضع الثالثة فاذا ارتضعت الثالثة حرمتا عليه لأنهما صارتا أختين والحكم فى تزوج الكبيرة بعد ذلك والجمع بين الصغيرتين وتزوج احدى الصغائر كما ذكر. ولو تزوج صغيرتين وكبيرتين فعمدت الكبيرتان الى احدى الصغيرتين فأرضعتاها احداهما بعد أخرى ثم أرضعتا الثانية واحدة بعد أخرى بانت الكبيرتان والصغيرة الأولى والصغيرة الثانية امرأته لأنهما لما أرضعتا الصغيرة الأولى صارت كل واحدة من الكبيرتين أم امرأته وصارت الصغيرة بنت امرأته فصار جامعا بينهن فحرمن عليه فلما أرضعتا الثانية فقد أرضعناها بعد ثبوت البينونة فلم يصر جامعا فلا تحرم هذه الصغيرة بسبب الجمع ولكنها ابن منكوحة كانت له فان كان لم يدخل بها فلا تحرم عليه وان كان قد دخل بها تحرم ولا يجوز نكاح واحدة من الكبيرتين بعد ذلك بحال والأمر فى جواز نكاح الصغيرة الأولى على التفصيل الذى مر. ولو كانت احدى الكبيرتين أرضعت الصغيرتين واحدة بعد الأخرى ثم أرضعت الكبيرة الأخرى الصغيرتين واحدة بعد الأخرى ينظر ان كانت الكبيرة الأخيرة بدأت بالتى بدأت بها الكبيرة الأولى بانت الكبيرتان والصغيرة الأولى والصغيرة الأخرى امرأته وان كانت بدأت بالتى لم تبدأ بها الأولى حرمن عليه

стр. 7907

جميعا وانما كان ذلك لان الكبيرة الأولى لما أرضعت الصغيرة الأولى فقد صارت بنتها فحصل الجمع بين الأم وابنتها فحرمتا عليه فلما أرضعت الأخرى أرضعتها وهى أجنبية فلم يتحقق الجمع، لكن صارت الأخرى ربيبته فان كان لم يدخل بأمها لا تحرم وان كان قد دخل بها تحرم فلما جاءت الكبيرة الأخيرة فأرضعت الصغيرة الأولى فقد صارت أم منكوحته فحرمت عليه فلما أرضعت الصغيرة الأخرى فقد أرضعتها وهى أجنبية فصارت ربيبته فلا تحرم اذا كان لم يدخل بأمها وان كان قد دخل بأمها تحرم واذا كانت الكبيرة الأخيرة بدأت بالتى لم تبدأ بها الكبيرة الأولى فقد صارت بنتا لها فصار جامعها مع أمها فحرمتا عليه كما حرمت الكبيرة الأولى مع الصغيرة الأولى فحرمن جميعا. ولو كانت تحته صغيرة وكبيرة فأرضعت أم الكبيرة الصغيرة بانتا لأنهما صارتا أختين وكذا اذا أرضعت أخت الكبيرة الصغيرة لانها صارت بنت أخت امرأته والجمع بين المرأة وبين بنت أختها لا يجوز فى الرضاع كما لا يجوز فى النسب ولو أرضعتهما عمة الكبيرة أو خالتها لم تبن لانها صارت بنت عم امرأته أو بنت خالتها ويجوز للانسان ان يجمع بين امرأة وبين بنت عمتها أو بنت خالتها فى النسب فكذا فى الرضاع (١). ولو طلق رجل امرأته ثلاثا ثم أرضعت المطلقة قبل انقضاء عدتها امرأة صغيرة له بانت الصغيرة لانها صارت بنتا له فحصل الجمع فى حال العدة والجمع فى حال قيام العدة كالجمع فى حال قيام النكاح ولو زوج ابنه وهو صغير امرأة لها لبن فارتدت وبانت من الصبى ثم أسلمت فتزوجها رجل فحبلت منه ثم أرضعت بلبنها ذلك الصبى الذى كان زوجها حرمت على زوجها الثانى كذا روى بشر بن الوليد عن محمد لأن ذلك الصبى صار ابنا لزوجها فصارت هى منكوحة ابنه من الرضاع فحرمت عليه. ولو زوج رجل أم ولده مملوكا صغيرا فأرضعته بلبن السيد حرمت على زوجها وعلى مولاها. لان الزوج صار ابنا لزوجها فصارت هى موطؤة أبيه فتحرم عليه - ولا يجوز للمولى أن يطأها بملك اليمين لأنها منكوحة ابنه ولو تزوج صغيرة فطلقها ثم تزوج كبيرة لها لبن فأرضعتها حرمت عليه لأنها صارت أم منكوحة كانت له فتحرم بنكاح البنت (٢). ويقول صاحب «بدائع الصنائع» أما بيان ما يثبت به الرضاع أى يظهر به فالرضاع يظهر فى أحد أمرين أحدهما الاقرار والثانى البينة أما الاقرار فهو ان يقول لامرأة تزوجها هى أختى من الرضاعة أو أمى من الرضاعة أو بنتى من الرضاعة ويثبت على ذلك ويصر عليه فيفرق بينهما. لأنه أقر ببطلان ما يملك ابطاله للحال فيصدق فيه على نفسه واذا صدق لا يحل له وطؤها والاستمتاع بها فلا يكون فى ابقاء النكاح فائدة فيفرق بينهما سواء صدقته أو كذبته لان الحرمة ثابتة فى زعمه ثم ان كان قبل الدخول بها فلها نصف المهر ان كذبته لان الزوج مصدق على نفسه لا عليها بابطال حقها فى المهر. وان كان بعد الدخول بها فلها كمال المهر والنفقة والسكنى

стр. 7908

لانه غير مصدق بابطال حقها فان أقر بذلك ثم قال أو همت أو أخطأت أو غلطت أو نسيت أو كذبت فهما على النكاح ولا يفرق بينهما عندنا ولنا أن الأقرار اخبار فقوله: هذه أختى اخبار منه انها لم تكن زوجته قط لكونها محرمة عليه على التأبيد فاذا قال أو همت صار كأنه قال ما تزوجتها ثم قال تزوجتها وصدقته المرأة، ولو قال ذلك يقران على النكاح كذا بخلاف الطلاق لان قوله كنت طلقتك ثلاثا اقرار منه بانشاء الطلاق الثلاث من جهته ولا يتحقق انشاء الطلاق الا بعد صحة النكاح فاذا أقر ثم رجع عنه لم يصدق وبخلاف قوله لأمته هذه أمى أو ابنتى لان ذلك لا يقتضى نفى الملك فى الأصل لأنها لو كانت أمه أو بنته حقيقة جاز دخولها فى ملكه حتى يقع العتق عليها من جهته فتضمن هذا اللفظ منه انشاء العتق عليها فاذا قال أوهمت لا يصدق كما لو قال هذه حرة ثم قال أوهمت وكذلك اذا أقر الزوج بهذا قبل النكاح فقال هذه أختى من الرضاع أو أمى أو ابنتى وأصر على ذلك ودوام عليه لا يجوز له ان يتزوجها ولو تزوجها يفرق بينهما. ولو قال أوهمت أو غلطت جاز له أن يتزوجها ولو جحد الاقرار فشهد شاهدان على اقراره فرق بينهما. وكذلك اذا أقر بالنسب فقال هذه أمى من النسب أو ابنتى أو أختى وليس لها نسب معروف وانها تصلح بنتا له أو أما له فانه يسأل مرة أخرى فان أصر على ذلك وثبت عليه يفرق بينهما لظهور النسب باقراره مع اصراره عليه وان قال أو همت أو أخطأت أو غلطت يصدق ولا يفرق بينهما. وان كان لها نسب معروف أو لا تصلح أما أو بنتا له، لا يفرق بينهما وان داوم على ذلك لأنه كاذب فى اقراره بيقين (١) وجاء فى كتاب الفتاوى الهندية ان محمدا ذكر فى كتاب النكاح اذا قال الرجل لامرأة هذه أمى من الرضاعة ثم أراد أن يتزوجها بعد ذلك فقال أخطأت فى ذلك فله أن يتزوجها استحسانا. لأنه فى الرضاع ما أخبر عن فعل نفسه فى زمان يتذكره هو انما سمع من غيره والخطأ فيه ليس بنادر (٢) وأما البينة فهو أن يشهد على الرضاع رجلان أو رجل وامرأتان ولا يقبل على الرضاع أقل من ذلك ولا شهادة النساء بانفرادهن لما روى محمد عن عكرمة بن خالد المخزومى عن عمر رضى الله عنه انه قال لا يقبل على الرضاع أقل من شاهدين وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم يظهر النكير من أحد فيكون اجماعا ولان هذا باب مما يطلع عليه الرجال فلا يقبل فيه شهادة النساء على الانفراد كالمال. وذلك لان الرضاع مما يطلع عليه الرجال أما ثدى الأمة فلانه يجوز للاجانب النظر اليه واما ثدى الحرة فيجوز لمحارمها النظر اليه فثبت أن هذه شهادة مما يطلع عليه الرجال فلا يقبل فيه شهادة النساء على الانفراد لأن قبول شهادتهن بانفرادهن فى أصول الشرع بالضرورة وهى ضرورة عدم اطلاع الرجال على المشهود به فاذا جاز الاطلاع عليه فى الجملة لم تتحقق

стр. 7909

الضرورة بخلاف الولادة فانه لا يجوز لأحد فيها من الرجال الاطلاع عليها فدعت الضرورة الى القبول واذا شهدت امرأة على الرضاع فالأفضل للزوج أن يفارقها لما روى محمد أن عقبة بن الحرث قال تزوجت بنت أبى اهاب فجاءت سوداء فقالت انى أرضعتكما فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال فارقها فقلت انها امرأة سوداء وانها كيت وكيت فقال ﷺ كيف؟ وقد قيل فى بعض الروايات قال عقبة فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فأعرض ثم ذكرتها فأعرض حتى قال فى الثالثة والرابعة فدعها اذن وقوله فارقها أو فدعها اذن ندب الى الأفضل والأولى لأنه ﷺ لم يفرق بينهما بل أعرض ولو كان التفريق واجبا لما أعرض فدل قوله ﷺ فارقها على بقاء النكاح وروى أن رجلا تزوج امرأة فجاءت امرأة فزعمت انها أرضعتهما فسأل الرجل عليا رضى الله عنه فقال: هى امرأتك ليس أحد يحرمها عليك فان تنزهت فهو أفضل وسأل ابن عباس رضى الله عنهما فقال له مثل ذلك ولانه يحتمل ان تكون صادقة فى شهادتها فكان الاحتياط هو المفارقة فاذا فارقها فالأفضل له ان يعطيها نصف المهر ان كان قبل الدخول بها لاحتمال صحة النكاح لاحتمال كذبها فى الشهادة والأفضل لها ان تأخذ شيئا منه لاحتمال فساد النكاح لاحتمال صدقها فى الشهادة وان كان بعد الدخول فالأفضل للزوج أن يعطيها كمال المهر والنفقة والسكنى لاحتمال جواز النكاح والأفضل لها ان تأخذ الأقل من مهر مثلها ومن المسمى ولا تأخذ النفقة والسكنى لاحتمال الفساد وان لم يطلقها فهو فى سعة من المقام معها لان النكاح قائم فى الحكم. كذا اذا شهدت امرأتان أو رجل وامرأة أو رجلان غير عدلين أو رجل وامرأتان غير عدول واذا شهد رجلان عدلان أو رجل وامرأتان وفرق بينهما فان كان قبل الدخول بها فلا شئ لها لانه تبين ان النكاح كان فاسدا وان كان بعد الدخول بها يجب لها الأقل من المسمى ومن مهر المثل ولا تجب النفقة والسكنى فى سائر الأنكحة الفاسدة (١). مذهب المالكية: جاء فى «حاشية الدسوقى والشرح الكبير» أن وصول لبن امرأة مرضعة الى جوف الطفل محرم ما حرمه النسب ان حصل فى الحولين من يوم الولادة أو بزيادة الشهرين عليهما الا ان يستغنى الصبى بالطعام عن اللبن ولو فى الحولين استغناء بينا بحيث لا يغنيه اللبن عن الطعام لو عاد اليه هذا هو المراد وسواء كان الاستغناء فيهما بمدة قريبة أو بعيدة خلافا لمن قال ببقاء التحريم الى تمامها وظاهره ان الرضاع اذا حصل بعد الشهرين والحولين لا يحرم ولو كان بعدهما بيوم واحد الا ان يستغنى بعد الفطام أما لو استمر الرضاع من غير فطام كان محرما فى مدته مطلقا ولو استغنى عنه بالطعام بالفعل فان استغنى بالطعام بعد الفطام كان غير محرم ولو كان الاستغناء فى حولين وسواء رضع فيهما بعد الاستغناء بمدة قريبة أو بعيدة على المشهور

стр. 7910

لأن القرب والبعد انما يعتبران بين الاستغناء والعود للرضاع وحاصل النفقة كما فى التوضيح انه اذا حصل الرضاع فى الحولين فان لم يستغن بأن لم يفطم أصلا أو فطم ولكن أرضعته بعد فطامه بيوم أو يومين نشر الحرمة باتفاق وان استغنى فاما ان يحصل الرضاع بعد الاستغناء بمدة قريبة أو بعيدة فان كان بمدة بعيدة لم يعتبر وكذا ان كان بمدة قريبة على المشهور وهو مذهب المدونة فمذهبها أن الرضاع بعد الاستغناء لا يحرم سواء حصل بعد الاستغناء بمدة قريبة أو بعيدة ومقابلة لطرف وابن الماجشون وأصيغ فى «الواضحة» انه يحرم الى تمام الحولين ولو حصل بعد الاستغناء بمدة قريبة أو بعيدة. ويحرم لبن المرأة وان كانت ميتة أى هذا اذا كانت تلك المرأة حية بل ولو كانت ميتة دب الطفل فرضعها أو حلب منها وعلم ان الذى بثديها لبن وكذا ان شك هل حولين أو غيره لانه أحوط وكذلك ان كانت صغيرة لا تطيق الوط ء وعجوزا فعدت عن الولادة أى فلبنها محرم ويحرم اللبن وان وصل الى جوف الصبى بوجور أو سعوط أو حقنة تكون غذاء وقت انصبابها وان احتاج بعد ذلك لغذاء بالقرب واما ما وصل من منفذ عال كالفم والانف فلا يشترط فيه أن يكون غذاء بل تحرم وان كانت مصة. ويحرم لبن المرأة اذا خلط بغيره من طعام أو شراب وكان غالبا أو مساويا لغيره لا مغلوبا بأن لم يبق له طعم أى لاستهلاكه فلا يحرم فلو خلط لبن امرأة بلبن أخرى صار ابنا لهما مطلقا تساويا أم لا. ولا ان كان كماء أصفر أو غيره مما ليس بلبن - ولبن البهيمة لا يحرم - ولا الاكتحال بلبن المرأة أو وصوله من أذن أو مسام الرأس (١). ويحرم لبن المرضعة ما حرمه النسب من الذوات فالمحرم من النسب سبع بقول الله «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ .. ﴾. الى آخر الآية» (٢) ولم يصرح فى الآية بما حرمه الرضاع الا بالأم والأخت وقال ﵊ «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» فأمك من الرضاع من أرضعتك أو أرضعت من له عليك ولادة وأمهاتها وأختك من رضعت معك على امرأة وكل بنت ولدتها مرضعتك أو فحلها المنسوب له ذلك اللبن وبنتك كل من أرضعته زوجتك بلبنك أو أرضعتها بنتك من نسب. أو رضاع وأخوات الفحل عماتك وأخوات المرضع خالاتك وبنات الأخ من أرضعته زوجة أخيك بلبنه وبنات الأخت من أرضعته أختك ومثل النسب الصهر واستثنى العلماء من ذلك ست مسائل هى أم أخيك أو أم أختك فانها تحرم من النسب لانها اما أمك أو امرأة أبيك ولو أرضعت أجنبية أخاك أو أختك لم تحرم عليك. وأم ولد ولدك هى من النسب أما بنتك أو زوجة ابنك وكلتاهما حرام عليك. ولو

стр. 7911

أرضعت امرأة ولد ولدك لم تحرم عليك والا جدة ولدك هى أمك أو أم زوجتك ولو أرضعت أجنبية ولدك لم تحرم عليك أمها وأخت ولدك هى بنتك أو ربيبتك ولو أرضعت امرأة ولدك فلك نكاح أخته من الرضاع والا أم عمك وعمتك هى أما جدتك أو زوجة جدك ولو أرضعت أجنبية عمك أو عمتك لم تحرم عليك وأم خالك وخالاتك هى كالتى قبلها فقد لا يحرمن هذه الستة من الرضاعة وقد يحرمن لعارض كما لو رضعت بنت مع ولدك على زوجتك أو على أمك فصارت بنتك أو أختك وقدر الطفل الرضيع خاصة دون اخوته وأخواته أى ودون أصوله ولدا لصاحبة اللبن ولصاحبه زوج أو سيد فكأنه حصل من بطنها وظهره وأما فروع ذلك الطفل فانهم مثله فى حرمة المرضعة وأمهاتها وبناتها وعماتها وخالاتها ويعتبر الطفل الرضيع ولدا لصاحب اللبن من حين وطئه للمرضعة الذى أنزل فيه اللبن لانقطاعه ولو بعد سنين كثيرة ولو طلقها فأولاده من غيرها ما تقدم أو تأخر على الرضاع أخوة لذلك الطفل ولو تأيمت وفى ثديها لبن من الأول ووطئها ثان وأنزل اشترك الزوج الثانى مع الزوج القديم فى الولد الذى أرضعته بعد وط ء الثانى ولو كثرت الأزواج كان ابنا للجميع ما دام لبن الأول فى ثديها وثبتت الحرمة وصاحب اللبن، ولو حصل اللبن بحرام أى بسبب وط ء حرام لا يلحق الولد به كما اذا زنى بامرأة ذات لبن أو حدث من وطئه لبن فكل رضيع شرب من هذا اللبن يكون ابنا لصاحبه أو تزوج بمحرمه أو بخامسة عالما فأولى فى نشر الحرمة لو كان بحرام يلحق به الولد كما لو تزوج بما ذكر جاهلا على المشهور فما فى أكثر النسخ من قوله الا أن لا يلحق الولد به ضعيف أى لأن المشهور نشر الحرمة ولا يقال هذا معارض لما مر من انه لا يحرم بالزنا حلال لأن ما مر فى النكاح أى أن الزنا لا ينشر الحرمة بين أصول المزنى بها وفروعها وبين الزانى وما هنا فى نشر الحرمة بين المرتضع وبنات الرجل. وحرمت الزوجة على الزوج صاحب اللبن ان أرضعت بلبنه طفلا كان زوجا لها سابقا فصورتها تزوجت رضيعا بولاية أبيه ثم طلقها عليه لمصلحة فتزوجت بالغا وطئها فحدث لها لبن فأرضعت الطفل الذى كان زوجها فتحرم على الزوج لانها والحالة هذه زوجة ابنه من الرضاع فالبنوة طرأت بعد الوط ء كمرضعة مبانته أى كتحريم زوجة أرضعت رضيعة كان أبانها زوجها وصورتها تزوج برضيعة وطلقها وعنده زوجة كبيرة وطئها وبها لبن أرضعت تلك الرضيعة التى كان أبانها فان المرضعة تحرم على زوجها لانها صارت أم زوجته والعقد على البنات يحرم الامهات. وكذلك تحرم الزوجة على الزوج صاحب اللبن ان أرضعت مرتضع من مبانته واللبن من غيره ومعناه انه طلق زوجته المدخول بها فتزوجت بغيره وحدث لها لبن من الثانى فارضعت طفله فهذه الرضيعة تحرم على كل من كان طلقها لانها صارت بنت زوجته رضاعا فتقدير المصنف وكتحريم رضيعة مرتضعة من مطلقته. وان أرضعت امرأة تحل له بناتها ولم يكن تلذذ بها زوجتيه الرضيعتين اختار واحدة منهما وكذا لو كن أكثر لصيرورتهن اخوة من الرضاعة وان الأخيرة عقدا أو رضاعا وان كان الزوج قد بنى بالزوجة التى أرضعت

стр. 7912

حرم الجميع المرضعة للعقد على الرضيعتين والعقد على البنات يحرم الامهات والرضيعتان للتلذذ بأمهما من الرضاع. وأدبت المتعمدة بارضاعها من ذكر للافساد وفسخ نكاح الزوجين المكلفين المتصادقين على الرضاع باخوة أو غيرها ولو سفيهين قبل الدخول أو بعده كقيام بينة يثبت بها الرضاع على اقرار أحدهما به قبل العقد ولم يطلع على ذلك الا بعد العقد أقامها أحدهما أو غيرهما أو قامت احتسابا. ومفهوم الاقرار قبل العقد فيه تفصيل فان كان المقر بعده هو الزوج فكذلك وان كان الزوجة لم يفسخ لاتهامها على مفارقته ولم يتهم هو لان الطلاق بيده. ولها اذا فسخ المسمى الحلال والا فصداق المثل بالدخول سواء كانا عالمين بالرضاع حين العقد أو جهلا أو علم فقط الا أن تعلم فقط بالرضاع وأنكر العلم فكالغارة للزوج بانقضاء عدتها وتزوجت فيها عالمة بالحكم فلها ربع دينار بالدخول ولا شئ لها قبله. وان ادعى الزوج الرضاع بعد العقد وقبل البناء فأنكرت أخذ باقراره فيفسخ نكاحه ولها النصف لانه يتهم على انه أقر ليفسخ بلا شئ. وهذه احدى المسائل الثلاث المستثناة من القاعدة وهى ان كل عقد فسخ قبل الدخول فلا شئ فيه الا نكاح الدرهمين وفرقة المتلاعنين وفسخ المتراضعين وهى هذه. وان ادعته بعد العقد وقبل البناء وبعده فانكر لم يندفع النكاح عنها بالفسخ لاتهامها على قصد فراقه ولا تقدر على طلب المهر قبل الدخول أى لا تمكن من طلب ذلك وان طلقت قبل الدخول فلا شئ لها لاقرارها بفساد العقد وظاهره ولو بالموت وهو ظاهر. واقرار الأبوين بالرضاع بين ولديهما الصغيرين مقبول قبل عقد النكاح فيفسخ أن وقع لا بعده فلا يقبل كاقرارهما برضاع ولديهما الكبيرين فهما بالنسبة للكبيرين كأجنبيين فلا بد من كونهما عدلين أو فشوا قبله كما يأتى وشمل قوله الأبوين أباه وأباها أو أبا أحدهما وأم الآخر ولا يشمل أمهما لدخول هذه فى قوله امرأتين وشبه فى القبول قبل النكاح لا بعده قوله كقول أبى أحدهما أى انه يقبل اقرار أحد الأبوين قبل النكاح لا بعده حيث كان ولده غير بالغ بأن يقول رضع ابنى مع فلانة أو بنتى مع فلان ولا شك أن هذه المسألة تغنى عما قبلها لفهمها من هذه بالأولى. واذا قبلا أو أحدهما - أى اذا قبل صغيرين أو اقرار أبوى أحدهما - قبل عقد النكاح وأراد النكاح بعد ذلك لا يقبل منه بعد ذلك أنه أراد الاعتذار بأن يقول انما فعلته لعدم ارادة النكاح. وان حصل عقد فسخ بخلاف قول أم أحدهما أرضعته أو أرضعتها مع ابنى مثلا واستمرت على اقرارها أو رجعت عنه اعتذارا بأن تقول أنا كنت كاذبة فى اقرارى برضاعها انما أردت منعه منها فالتنزه مستحب لا واجب وليست كالأب ولو كانت وصية لكن المعتمد انه أن فشا منها ذلك قبل ارادة النكاح وجب التنزه وقبل قولها وأولى كل منهما، ويثبت الرضاع برجل وامرأة أى مع امرأة وبامرأتين أن فشا ذلك منهما فى الصورتين أما فى الأولى فباتفاق واما فى الثانية فعلى قول ابن القاسم وهو المشهور ومقابله قول سحنون يثبت الرضاع بشهادة المرأتين فى عدم الفشو اذا كانتا عدلتين قبل العقد لا ان لم يفش ذلك منهما فلا يثبت وشمل كلامه الأب والأم فى

стр. 7913

البالغين والأم مع امرأة أخرى فى البالغين كما يشمل أمهما اذا كانا صغيرين فلا يثبت الرضاع بشهادتهما الا اذا فشا ذلك منهما قبل العقد. وهل تشترط عدالة الرجل والمرأة وعدالة المرأتين مع الفشو أو لا تشترط الا مع عدمه، وأما معه فلا تشترط لقيام الفشو مقامها تردد والراجح لا تشترط. ويثبت الرضاع برجلين عدلين اتفاقا فشا أولا وغير العدلين لا يقبلان الا مع فشو قبله فالتردد ولا يثبت بامرأة أجنبية ولو فشا ذلك منها قبل العقد وندب التنزه مطلقا فى كل شهادة لا توجب فراقا كشهادة امرأة واحدة أو رجل واحد ولو عدلا أو امرأتين بلا فشو على أحد الترددين ومعنى التنزه عدم الاقدام على النكاح والطلاق ان حصل النكاح (١). ورضاع الكفر معتبر فلو أرضعت الكافرة صغيره مع ابنها أو صغيرا مع بنتها لم يحل لذلك الطفل نكاح الصغيرة ولا الكبيرة. مذهب الشافعية: جاء فى «المهذب» أنه اذا ثار للمرأة لبن على ولد فارتضع منها طفل له دون الحولين خمس رضعات متفرقات صار الطفل ولدا لها فى حكمين: فى تحريم النكاح وفى جواز الخلوة وأولاده أولادها وصارت المرأة أما له وأمهاتها جداته وأباؤها أجداده وأولادها اخوته وأخواته وأخواتها أخواله وخالاته. وان كان الولد ثابت النسب من رجل صار الطفل ولدا له وأولاده أولاده، وصار الرجل أبا له وأباؤه أجداده وأمهاته جداته وأولاده اخوته وأخوته وأخواته أعمامه وعماته والدليل عليه قول الله ﵎: «وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ» (٢) فنص على الامهات والأخوات فدل على ما سواه وروى ابن عباس رضى الله عنه: أن رسول الله ﷺ : «أريد على ابنة حمزة بن عبد المطلب فقال انها ابنة أخى من الرضاعة وأنه يحرم من الرضاع مثل ما يحرم من النسب». وروت عائشة رضى الله عنها: أن النبى ﷺ قال: «يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة» وروت عائشة رضى الله عنها: «أن أفلح أخا أبى القيس استأذن عليها فأبت أن تأذن له فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «أفلا أذنت لعمك؟» فقالت يا رسول الله: انما أرضعتنى المرأة ولم يرضعنى الرجل قال: «فأذنى له فانه عمك» وكان أبو القعيس زوج المرأة التى أرضعت عائشة رضى الله عنها ولان اللبن حدث للولد والولد ولدهما فكان المرضع باللبن ولدهما وتنتشر حرمة الرضاع من الولد الى أولاده وأولاد أولاده ذكورا كانوا أو اناثا ولا تنتشر الى أمهاته وآبائه واخوته وأخواته ولا يحرم على المرضعة أن تتزوج بأبى الطفل ولا بأخيه. ولا يحرم على زوج المرضعة التى ثار اللبن على ولده أن يتزوج بأم الطفل لا بأخته لقول رسول الله ﷺ يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» «وحرمة النسب فى الولد تنتشر الى أولاده

стр. 7914

ولا تنتشر الى أمهاته وآبائه ولا الى أخوته وأخواته فكذلك الرضاع ولا يثبت تحريم الرضاع فيما يرتضع بعد الحولين. لقول الله : «وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ» (١) فجعل تمام الرضاع فى الحولين فدل على أنه لا حكم للرضاع بعد الحولين وروى يحيى بن سعيد أن رجلا قال لأبى موسى الأشعرى: أنى مصصت من ثدى امرأتى لبنا فذهب فى بطنى قال أبو موسى: لا أراه الا قد حرمت عليك. فقال عبد الله بن مسعود: أنظر ما تفتى به الرجل فقال أبو موسى ما تقول أنت؟ فقال: عبد الله: لا رضاع الا ما كان فى الحولين. قال أبو موسى لا تسألونى عن شئ مادام هذا الحبر بين أظهركم وعن ابن عباس رضى الله عنه قال: لا رضاع الا ما كان فى الحولين (٢). ولا يثبت تحريم الرضاع بما دون خمس رضعات وقال أبو ثور يثبت بثلاث رضعات لما روت أم الفضل رضى الله عنها: أن رسول الله ﷺ قال لا تحرم الا ملاجة ولا الا ملاجتان فدل أن الثلاث يحرمن والدليل على أنه لا يحرم مادون خمس الرضعات ماروت عائشة رضى الله عنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخ بخمس معلومات فتوفى رسول الله ﷺ وهن مما يقرأ فى القرآن. وحديث أم الفضل يدل على ان الثلاث يحرمن من جهة دليل الخطاب والنص يقوم على دليل الخطاب وهو ما رويناه ولا يثبت الا بخمس رضعات متفرقات لان الشرع ورد بها مطلقا فحمل على العرف والعرف فى الرضعات أن يرتضع ثم يقطعه باختياره من غير عارض ثم يعود اليه بعد زمان ثم يرتضع ثم يقطعه وعلى هذا الى أن يستوفى العدد كما أن العادة فى الأكلات أن تكون متفرقة فى أوقات فأما اذا قطع الرضاع لضيق نفس أو لشئ يلهيه ثم رجع اليه أو انتقل من ثدى الى ثدى كان الجميع رضعة، كما أن الآكل اذا قطعه لضيق نفس أو شرب ماء أو لانتقال من لون الى لون كان الجميع أكلة فان قطعت المرضعة عليه ففيه وجهان: أحدهما: أن ذلك ليس برضعة لأنه قطع عليه بغير اختياره والثانى أنه رضعة لأن الرضاع يصح بكل واحد منهما ولهذا لو أوجرته وهو نائم ثبت التحريم كما يثبت اذا ارتضع منها وهى نائمة فاذا تمت الرضعة بقطعة وجب أنه تم بقطعها فان أرضعته امرأة أربع رضعات ثم أرضعته امرأة أخرى أربع رضعات ثم عاد الى الأولى فارتضع منها وقطع وعاد الى الأخرى فى الحال فارتضع منها ففيه وجهان: أحدهما لا يتم عدد الخمس من واحدة منهما لانه انتقل من احداهما الى الأخرى قبل تمام الرضعة فلم تكن كل واحدة منهما رضعة كما لو انتقل من ثدى الى ثدى. والوجه الثانى: يتم العدد من كل واحدة منهما لأن الرضعة أن يرتضع القليل والكثير ثم يقطع ولا يعود الا بعد زمان طويل وقد وجد ذلك وان شكت المرضعة هل أرضعته أم لا؟ أو هل أرضعته خمس رضعات أو أربع رضعات لم يثبت التحريم كما لو شك الزوج. هل طلق امرأته أم لا؟ وهل طلق ثلاثا أم طلقتين.

стр. 7915

ويثبت التحريم بالوجور لأنه يصل اللبن الى حيث يصل بالارتضاع ويحصل به من انبات اللحم وانشاز العظم ما يحصل بالرضاع ويثبت بالسعوط لانه سبيل لفطر الصائم فكان سبيلا لتحريم الرضاع كالفم وهل يثبت بالحقنة؟. فيه قولان: القول الأول يثبت لما ذكرناه فى السعوط والقول الثانى - لا يثبت لأن الرضاع جعل لانبات اللحم وانشاز العظم والحقنة جعلت للاسهال فان ارتضع مرتين وأوجر مرة، وأسعط مرة وحقن مرة وقلنا ان الحقنة تحرم يثبت التحريم لانا جعلنا الجميع كالرضاع فى التحريم وكذلك فى اتمام العدد. وان حلبت المرضعة لبنا كثيرا فى دفعة واحدة وسقته فى خمس أوقات فالمنصوص أنها رضعة وقال الربيع فيه قول آخر أنه خمس رضعات. فمن أصحابنا من قال: هو من تخريج الربيع ومنهم من قال فيه قولان. أحدهما. أنه خمس رضعات لأنه يحصل به ما يحصل بخمس رضعات والقول الثانى انه رضعة وهو الصحيح لان الوجور فرع للرضاع ثم العدد فى الرضاع لا يحصل الا بما ينفصل خمس مرات فكذلك فى الوجور وان حلبت المرضعة خمس مرات وسقته دفعة واحدة ففيه طريقان: من أصحابنا من قال هو على قولين كالمسألة التى قبلها ومنهم من قال هو رضعة قولا واحدا لانه لم يشرب الا مرة وفى المسألة التى قبلها شرب خمس مرات وان حلبت خمس مرات وجعلتها فى اناء ثم فرقته وسقته خمس مرات ففيه طريقان: من أصحابنا من قال يثبت التحريم قولا واحدا لانه تفرق فى الحلب والسقى ومنهم من قال هو على قولين لأن التفريق الذى حصل من جهة المرضعة قد بطل حكمه بالجمع فى اناء - وان جبن اللبن وأطعم الصبى حرم لانه يحصل به ما يحصل باللبن من انبات اللحم وانشاز العظم فان خلط اللبن بمائع أو جامد وأطعم الصبى حرم. وحكى عن المزنى انه قال: ان كان اللبن غالبا حرم وان كان مغلوبا لم يحرم لان من غلبة المخالطة يزول الاسم والمعنى الذى يراد به وهذا خطأ لان ما تعلق به التحريم اذا كان غالبا تعلق به اذا كان مغلوبا كالنجاسة فى الماء القليل - فان شرب لبن امرأة ميتة لم يحرم لانه معنى يوجب تحريما مؤبدا فبطل بالموت كالوط ء. ولا يثبت التحريم بلبن البهيمة فان شرب طفلان من لبن شاة لم يثبت بينهما حرمة الرضاع لان التحريم بالشرع ولم يرد الشرع الا فى لبن الآدمية والبهيمة دون الآدمية فى الحرمة ولبنها دون لبن الآدمية فى اصلاح البدن فلم يلحق به فى التحريم ولأن الأخوة فرع على الأمومة فاذا لم يثبت بهذا الرضاع أمومة فلأن لا يثبت به الاخوة أولا ولا يثبت التحريم بلبن الرجل وقال الكرابيسى يثبت كما يثبت بلبن المرأة وهذا خطأ لان لبنه لم يجعل غذاء للمولود فلم يثبت به التحريم كلبن البهيمة. وان ثار للخنثى لبن فارتضع منه صبى فان علم انه رجل لم يحرم وان علم انه امرأة حرم فان أشكل فقال أبو اسحق ان قال النساء ان هذا اللبن لا يكون على غزارته الا لامرأة حكم بأنه امرأة وان لبنه يحرم. ومن أصحابنا من قال: لا يجعل اللبن دليلا لأنه قد يثور اللبن للرجل فعلى هذا يوقف أمر من يرضع بلبنه كما يوقف أمره.
следующие страницы →