أرضعت امرأة ولد ولدك لم تحرم عليك والا جدة ولدك هى أمك أو أم زوجتك ولو أرضعت أجنبية ولدك لم تحرم عليك أمها وأخت ولدك هى بنتك أو ربيبتك ولو أرضعت امرأة ولدك فلك نكاح أخته من الرضاع والا أم عمك وعمتك هى أما جدتك أو زوجة جدك ولو أرضعت أجنبية عمك أو عمتك لم تحرم عليك وأم خالك وخالاتك هى كالتى قبلها فقد لا يحرمن هذه الستة من الرضاعة وقد يحرمن لعارض كما لو رضعت بنت مع ولدك على زوجتك أو على أمك فصارت بنتك أو أختك وقدر الطفل الرضيع خاصة دون اخوته وأخواته أى ودون أصوله ولدا لصاحبة اللبن ولصاحبه زوج أو سيد فكأنه حصل من بطنها وظهره وأما فروع ذلك الطفل فانهم مثله فى حرمة المرضعة وأمهاتها وبناتها وعماتها وخالاتها ويعتبر الطفل الرضيع ولدا لصاحب اللبن من حين وطئه للمرضعة الذى أنزل فيه اللبن لانقطاعه ولو بعد سنين كثيرة ولو طلقها فأولاده من غيرها ما تقدم أو تأخر على الرضاع أخوة لذلك الطفل ولو تأيمت وفى ثديها لبن من الأول ووطئها ثان وأنزل اشترك الزوج الثانى مع الزوج القديم فى الولد الذى أرضعته بعد وط ء الثانى ولو كثرت الأزواج كان ابنا للجميع ما دام لبن الأول فى ثديها وثبتت الحرمة وصاحب اللبن، ولو حصل اللبن بحرام أى بسبب وط ء حرام لا يلحق الولد به كما اذا زنى بامرأة ذات لبن أو حدث من وطئه لبن فكل رضيع شرب من هذا اللبن يكون ابنا لصاحبه أو تزوج بمحرمه أو بخامسة عالما فأولى فى نشر الحرمة لو كان بحرام يلحق به الولد كما لو تزوج بما ذكر جاهلا على المشهور فما فى أكثر النسخ من قوله الا أن لا يلحق الولد به ضعيف أى لأن المشهور نشر الحرمة ولا يقال هذا معارض لما مر من انه لا يحرم بالزنا حلال لأن ما مر فى النكاح أى أن الزنا لا ينشر الحرمة بين أصول المزنى بها وفروعها وبين الزانى وما هنا فى نشر الحرمة بين المرتضع وبنات الرجل. وحرمت الزوجة على الزوج صاحب اللبن ان أرضعت بلبنه طفلا كان زوجا لها سابقا فصورتها تزوجت رضيعا بولاية أبيه ثم طلقها عليه لمصلحة فتزوجت بالغا وطئها فحدث لها لبن فأرضعت الطفل الذى كان زوجها فتحرم على الزوج لانها والحالة هذه زوجة ابنه من الرضاع فالبنوة طرأت بعد الوط ء كمرضعة مبانته أى كتحريم زوجة أرضعت رضيعة كان أبانها زوجها وصورتها تزوج برضيعة وطلقها وعنده زوجة كبيرة وطئها وبها لبن أرضعت تلك الرضيعة التى كان أبانها فان المرضعة تحرم على زوجها لانها صارت أم زوجته والعقد على البنات يحرم الامهات. وكذلك تحرم الزوجة على الزوج صاحب اللبن ان أرضعت مرتضع من مبانته واللبن من غيره ومعناه انه طلق زوجته المدخول بها فتزوجت بغيره وحدث لها لبن من الثانى فارضعت طفله فهذه الرضيعة تحرم على كل من كان طلقها لانها صارت بنت زوجته رضاعا فتقدير المصنف وكتحريم رضيعة مرتضعة من مطلقته. وان أرضعت امرأة تحل له بناتها ولم يكن تلذذ بها زوجتيه الرضيعتين اختار واحدة منهما وكذا لو كن أكثر لصيرورتهن اخوة من الرضاعة وان الأخيرة عقدا أو رضاعا وان كان الزوج قد بنى بالزوجة التى أرضعت
стр. 7912
حرم الجميع المرضعة للعقد على الرضيعتين والعقد على البنات يحرم الامهات والرضيعتان للتلذذ بأمهما من الرضاع.
وأدبت المتعمدة بارضاعها من ذكر للافساد وفسخ نكاح الزوجين المكلفين المتصادقين على الرضاع باخوة أو غيرها ولو سفيهين قبل الدخول أو بعده كقيام بينة يثبت بها الرضاع على اقرار أحدهما به قبل العقد ولم يطلع على ذلك الا بعد العقد أقامها أحدهما أو غيرهما أو قامت احتسابا. ومفهوم الاقرار قبل العقد فيه تفصيل فان كان المقر بعده هو الزوج فكذلك وان كان الزوجة لم يفسخ لاتهامها على مفارقته ولم يتهم هو لان الطلاق بيده. ولها اذا فسخ المسمى الحلال والا فصداق المثل بالدخول سواء كانا عالمين بالرضاع حين العقد أو جهلا أو علم فقط الا أن تعلم فقط بالرضاع وأنكر العلم فكالغارة للزوج بانقضاء عدتها وتزوجت فيها عالمة بالحكم فلها ربع دينار بالدخول ولا شئ لها قبله. وان ادعى الزوج الرضاع بعد العقد وقبل البناء فأنكرت أخذ باقراره فيفسخ نكاحه ولها النصف لانه يتهم على انه أقر ليفسخ بلا شئ. وهذه احدى المسائل الثلاث المستثناة من القاعدة وهى ان كل عقد فسخ قبل الدخول فلا شئ فيه الا نكاح الدرهمين وفرقة المتلاعنين وفسخ المتراضعين وهى هذه.
وان ادعته بعد العقد وقبل البناء وبعده فانكر لم يندفع النكاح عنها بالفسخ لاتهامها على قصد فراقه ولا تقدر على طلب المهر قبل الدخول أى لا تمكن من طلب ذلك وان طلقت قبل الدخول فلا شئ لها لاقرارها بفساد العقد وظاهره ولو بالموت وهو ظاهر. واقرار الأبوين بالرضاع بين ولديهما الصغيرين مقبول قبل عقد النكاح فيفسخ أن وقع لا بعده فلا يقبل كاقرارهما برضاع ولديهما الكبيرين فهما بالنسبة للكبيرين كأجنبيين فلا بد من كونهما عدلين أو فشوا قبله كما يأتى وشمل قوله الأبوين أباه وأباها أو أبا أحدهما وأم الآخر ولا يشمل أمهما لدخول هذه فى قوله امرأتين وشبه فى القبول قبل النكاح لا بعده قوله كقول أبى أحدهما أى انه يقبل اقرار أحد الأبوين قبل النكاح لا بعده حيث كان ولده غير بالغ بأن يقول رضع ابنى مع فلانة أو بنتى مع فلان ولا شك أن هذه المسألة تغنى عما قبلها لفهمها من هذه بالأولى. واذا قبلا أو أحدهما - أى اذا قبل صغيرين أو اقرار أبوى أحدهما - قبل عقد النكاح وأراد النكاح بعد ذلك لا يقبل منه بعد ذلك أنه أراد الاعتذار بأن يقول انما فعلته لعدم ارادة النكاح. وان حصل عقد فسخ بخلاف قول أم أحدهما أرضعته أو أرضعتها مع ابنى مثلا واستمرت على اقرارها أو رجعت عنه اعتذارا بأن تقول أنا كنت كاذبة فى اقرارى برضاعها انما أردت منعه منها فالتنزه مستحب لا واجب وليست كالأب ولو كانت وصية لكن المعتمد انه أن فشا منها ذلك قبل ارادة النكاح وجب التنزه وقبل قولها وأولى كل منهما، ويثبت الرضاع برجل وامرأة أى مع امرأة وبامرأتين أن فشا ذلك منهما فى الصورتين أما فى الأولى فباتفاق واما فى الثانية فعلى قول ابن القاسم وهو المشهور ومقابله قول سحنون يثبت الرضاع بشهادة المرأتين فى عدم الفشو اذا كانتا عدلتين قبل العقد لا ان لم يفش ذلك منهما فلا يثبت وشمل كلامه الأب والأم فى
стр. 7913
البالغين والأم مع امرأة أخرى فى البالغين كما يشمل أمهما اذا كانا صغيرين فلا يثبت الرضاع بشهادتهما الا اذا فشا ذلك منهما قبل العقد. وهل تشترط عدالة الرجل والمرأة وعدالة المرأتين مع الفشو أو لا تشترط الا مع عدمه، وأما معه فلا تشترط لقيام الفشو مقامها تردد والراجح لا تشترط. ويثبت الرضاع برجلين عدلين اتفاقا فشا أولا وغير العدلين لا يقبلان الا مع فشو قبله فالتردد ولا يثبت بامرأة أجنبية ولو فشا ذلك منها قبل العقد وندب التنزه مطلقا فى كل شهادة لا توجب فراقا كشهادة امرأة واحدة أو رجل واحد ولو عدلا أو امرأتين بلا فشو على أحد الترددين ومعنى التنزه عدم الاقدام على النكاح والطلاق ان حصل النكاح (١).
ورضاع الكفر معتبر فلو أرضعت الكافرة صغيره مع ابنها أو صغيرا مع بنتها لم يحل لذلك الطفل نكاح الصغيرة ولا الكبيرة.
مذهب الشافعية:
جاء فى «المهذب» أنه اذا ثار للمرأة لبن على ولد فارتضع منها طفل له دون الحولين خمس رضعات متفرقات صار الطفل ولدا لها فى حكمين: فى تحريم النكاح وفى جواز الخلوة وأولاده أولادها وصارت المرأة أما له وأمهاتها جداته وأباؤها أجداده وأولادها اخوته وأخواته وأخواتها أخواله وخالاته. وان كان الولد ثابت النسب من رجل صار الطفل ولدا له وأولاده أولاده، وصار الرجل أبا له وأباؤه أجداده وأمهاته جداته وأولاده اخوته وأخوته وأخواته أعمامه وعماته والدليل عليه قول الله ﵎: «وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ» (٢) فنص على الامهات والأخوات فدل على ما سواه وروى ابن عباس رضى الله عنه: أن رسول الله ﷺ :
«أريد على ابنة حمزة بن عبد المطلب فقال انها ابنة أخى من الرضاعة وأنه يحرم من الرضاع مثل ما يحرم من النسب». وروت عائشة رضى الله عنها: أن النبى ﷺ قال:
«يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة» وروت عائشة رضى الله عنها:
«أن أفلح أخا أبى القيس استأذن عليها فأبت أن تأذن له فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «أفلا أذنت لعمك؟» فقالت يا رسول الله: انما أرضعتنى المرأة ولم يرضعنى الرجل قال: «فأذنى له فانه عمك» وكان أبو القعيس زوج المرأة التى أرضعت عائشة رضى الله عنها ولان اللبن حدث للولد والولد ولدهما فكان المرضع باللبن ولدهما وتنتشر حرمة الرضاع من الولد الى أولاده وأولاد أولاده ذكورا كانوا أو اناثا ولا تنتشر الى أمهاته وآبائه واخوته وأخواته ولا يحرم على المرضعة أن تتزوج بأبى الطفل ولا بأخيه. ولا يحرم على زوج المرضعة التى ثار اللبن على ولده أن يتزوج بأم الطفل لا بأخته لقول رسول الله ﷺ يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» «وحرمة النسب فى الولد تنتشر الى أولاده
стр. 7914
ولا تنتشر الى أمهاته وآبائه ولا الى أخوته وأخواته فكذلك الرضاع ولا يثبت تحريم الرضاع فيما يرتضع بعد الحولين. لقول الله : «وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ» (١) فجعل تمام الرضاع فى الحولين فدل على أنه لا حكم للرضاع بعد الحولين وروى يحيى بن سعيد أن رجلا قال لأبى موسى الأشعرى: أنى مصصت من ثدى امرأتى لبنا فذهب فى بطنى قال أبو موسى: لا أراه الا قد حرمت عليك.
فقال عبد الله بن مسعود: أنظر ما تفتى به الرجل فقال أبو موسى ما تقول أنت؟ فقال:
عبد الله: لا رضاع الا ما كان فى الحولين. قال أبو موسى لا تسألونى عن شئ مادام هذا الحبر بين أظهركم وعن ابن عباس رضى الله عنه قال: لا رضاع الا ما كان فى الحولين (٢).
ولا يثبت تحريم الرضاع بما دون خمس رضعات وقال أبو ثور يثبت بثلاث رضعات لما روت أم الفضل رضى الله عنها: أن رسول الله ﷺ قال لا تحرم الا ملاجة ولا الا ملاجتان فدل أن الثلاث يحرمن والدليل على أنه لا يحرم مادون خمس الرضعات ماروت عائشة رضى الله عنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخ بخمس معلومات فتوفى رسول الله ﷺ وهن مما يقرأ فى القرآن.
وحديث أم الفضل يدل على ان الثلاث يحرمن من جهة دليل الخطاب والنص يقوم على دليل الخطاب وهو ما رويناه ولا يثبت الا بخمس رضعات متفرقات لان الشرع ورد بها مطلقا فحمل على العرف والعرف فى الرضعات أن يرتضع ثم يقطعه باختياره من غير عارض ثم يعود اليه بعد زمان ثم يرتضع ثم يقطعه وعلى هذا الى أن يستوفى العدد كما أن العادة فى الأكلات أن تكون متفرقة فى أوقات فأما اذا قطع الرضاع لضيق نفس أو لشئ يلهيه ثم رجع اليه أو انتقل من ثدى الى ثدى كان الجميع رضعة، كما أن الآكل اذا قطعه لضيق نفس أو شرب ماء أو لانتقال من لون الى لون كان الجميع أكلة فان قطعت المرضعة عليه ففيه وجهان: أحدهما: أن ذلك ليس برضعة لأنه قطع عليه بغير اختياره والثانى أنه رضعة لأن الرضاع يصح بكل واحد منهما ولهذا لو أوجرته وهو نائم ثبت التحريم كما يثبت اذا ارتضع منها وهى نائمة فاذا تمت الرضعة بقطعة وجب أنه تم بقطعها فان أرضعته امرأة أربع رضعات ثم أرضعته امرأة أخرى أربع رضعات ثم عاد الى الأولى فارتضع منها وقطع وعاد الى الأخرى فى الحال فارتضع منها ففيه وجهان: أحدهما لا يتم عدد الخمس من واحدة منهما لانه انتقل من احداهما الى الأخرى قبل تمام الرضعة فلم تكن كل واحدة منهما رضعة كما لو انتقل من ثدى الى ثدى. والوجه الثانى: يتم العدد من كل واحدة منهما لأن الرضعة أن يرتضع القليل والكثير ثم يقطع ولا يعود الا بعد زمان طويل وقد وجد ذلك وان شكت المرضعة هل أرضعته أم لا؟ أو هل أرضعته خمس رضعات أو أربع رضعات لم يثبت التحريم كما لو شك الزوج.
هل طلق امرأته أم لا؟ وهل طلق ثلاثا أم طلقتين.
стр. 7915
ويثبت التحريم بالوجور لأنه يصل اللبن الى حيث يصل بالارتضاع ويحصل به من انبات اللحم وانشاز العظم ما يحصل بالرضاع ويثبت بالسعوط لانه سبيل لفطر الصائم فكان سبيلا لتحريم الرضاع كالفم وهل يثبت بالحقنة؟. فيه قولان: القول الأول يثبت لما ذكرناه فى السعوط والقول الثانى - لا يثبت لأن الرضاع جعل لانبات اللحم وانشاز العظم والحقنة جعلت للاسهال فان ارتضع مرتين وأوجر مرة، وأسعط مرة وحقن مرة وقلنا ان الحقنة تحرم يثبت التحريم لانا جعلنا الجميع كالرضاع فى التحريم وكذلك فى اتمام العدد. وان حلبت المرضعة لبنا كثيرا فى دفعة واحدة وسقته فى خمس أوقات فالمنصوص أنها رضعة وقال الربيع فيه قول آخر أنه خمس رضعات. فمن أصحابنا من قال: هو من تخريج الربيع ومنهم من قال فيه قولان. أحدهما. أنه خمس رضعات لأنه يحصل به ما يحصل بخمس رضعات والقول الثانى انه رضعة وهو الصحيح لان الوجور فرع للرضاع ثم العدد فى الرضاع لا يحصل الا بما ينفصل خمس مرات فكذلك فى الوجور وان حلبت المرضعة خمس مرات وسقته دفعة واحدة ففيه طريقان: من أصحابنا من قال هو على قولين كالمسألة التى قبلها ومنهم من قال هو رضعة قولا واحدا لانه لم يشرب الا مرة وفى المسألة التى قبلها شرب خمس مرات وان حلبت خمس مرات وجعلتها فى اناء ثم فرقته وسقته خمس مرات ففيه طريقان:
من أصحابنا من قال يثبت التحريم قولا واحدا لانه تفرق فى الحلب والسقى ومنهم من قال هو على قولين لأن التفريق الذى حصل من جهة المرضعة قد بطل حكمه بالجمع فى اناء - وان جبن اللبن وأطعم الصبى حرم لانه يحصل به ما يحصل باللبن من انبات اللحم وانشاز العظم فان خلط اللبن بمائع أو جامد وأطعم الصبى حرم. وحكى عن المزنى انه قال: ان كان اللبن غالبا حرم وان كان مغلوبا لم يحرم لان من غلبة المخالطة يزول الاسم والمعنى الذى يراد به وهذا خطأ لان ما تعلق به التحريم اذا كان غالبا تعلق به اذا كان مغلوبا كالنجاسة فى الماء القليل - فان شرب لبن امرأة ميتة لم يحرم لانه معنى يوجب تحريما مؤبدا فبطل بالموت كالوط ء.
ولا يثبت التحريم بلبن البهيمة فان شرب طفلان من لبن شاة لم يثبت بينهما حرمة الرضاع لان التحريم بالشرع ولم يرد الشرع الا فى لبن الآدمية والبهيمة دون الآدمية فى الحرمة ولبنها دون لبن الآدمية فى اصلاح البدن فلم يلحق به فى التحريم ولأن الأخوة فرع على الأمومة فاذا لم يثبت بهذا الرضاع أمومة فلأن لا يثبت به الاخوة أولا ولا يثبت التحريم بلبن الرجل وقال الكرابيسى يثبت كما يثبت بلبن المرأة وهذا خطأ لان لبنه لم يجعل غذاء للمولود فلم يثبت به التحريم كلبن البهيمة. وان ثار للخنثى لبن فارتضع منه صبى فان علم انه رجل لم يحرم وان علم انه امرأة حرم فان أشكل فقال أبو اسحق ان قال النساء ان هذا اللبن لا يكون على غزارته الا لامرأة حكم بأنه امرأة وان لبنه يحرم. ومن أصحابنا من قال: لا يجعل اللبن دليلا لأنه قد يثور اللبن للرجل فعلى هذا يوقف أمر من يرضع بلبنه كما يوقف أمره.
стр. 7916
فان ثار للبكر لبن أو لثيب لا زوج لها فأرضعت به طفلا ثبت بينهما حرمة الرضاع لان لبن النساء غذاء للأطفال. فان ثار للمرأة لبن على ولد من الزنا فأرضعت به طفلا ثبت بينهما حرمة الرضاع لأن الرضاع تابع للنسب ثم النسب يثبت بينه وبينها ولا يثبت بينه وبين الزانى فكذلك حرمة الرضاع (١).
واذا ثار لها لبن على ولد من زوج فطلقها وتزوجت بآخر فاللبن للأول الى ان تحبل من الثانى وينتهى الى حال ينزل اللبن على الحبل فان أرضعت طفلا كان اللبن للأول زاد اللبن أو لم يزد انقطع ثم عاد أو لم ينقطع لأنه لم يوجد سبب يوجب حدوث اللبن غير الأول فان بلغ الحمل من الثانى الى حال ينزل فيه اللبن نظرت فان لم يزد اللبن فهو للأول فان أرضعت به طفلا كان ولدا للأول لأنه لم يتغير اللبن فان زاد فارتضع به طفل ففيه قولان.
قال فى القديم هو ابنها لان الظاهر ان الزيادة لأجل الحبل والمرضع به لبنهما فكان ابنهما. وقال:
فى الجديد هو ابن الأول لأن اللبن للأول يقين ويجوز أن تكون الزيادة لفضل الغذاء ويجوز أن تكون للحمل فلا يزال اليقين بالشك فان انقطع اللبن ثم عاد فى الوقت الذى ينزل اللبن على الحبل فارتضعت به طفلا ففيه ثلاثة أقوال القول الأول: أنه ابن الأول لأن اللبن خلق غذاء للولد دون الحمل والولد للأول فكان المرضع به ابنه والقول الثانى: انه من الثانى لأن لبن الأول انقطع فالظاهر انه حدث للحمل والحمل للثانى فكان المرضع باللبن ابنه والقول الثالث. انه ابنهما لان لكل واحد منهما امارة تدل على أن اللبن له فجعل المرضع باللبن ابنهما فان وضعت الحمل وأرضعت طفلا كان ابنا للثانى فى الأحوال كلها زاد اللبن أو لم يزد اتصل أو انقطع ثم عاد لان حاجة المولود الى اللبن تمنع أن يكون اللبن لغيره (٢).
وان وطئ رجلان امرأة وطأ يلحق به النسب فأتت بولد وأرضعت بلبنه طفلا كان الطفل ابنا لمن يلحقه نسب الولد لان اللبن تابع للولد فان مات الولد ولم يثبت نسبه بالقافة ولا بالانتساب الى أحدهما فان كان له ولد قام مقامه فى الانتساب فاذا انتسب الى أحدهما صار المرضع ولد من انتسب اليه. وان لم يكن له ولد ففى المرضع بلبنه قولان أحدهما انه ابنهما لان اللبن قد يكون من الوط ء وقد يكون من الولد والقول الثانى: أنه لا يكون ابنهما لان المرضع تابع للمناسب ولا يجوز أن يكون المناسب ابنا لاثنين فكذلك المرضع فعلى هذا هل يخير المرضع فى الانتساب الى أحدهما فيه قولان: القول الأول: لا يخير لانه لا يعرض على القافة فلا يخير بالانتساب والقول الثانى يخير لان الولد قد يأخذ الشبه بالرضاع فى الأخلاق ويميل بطبعه الى من ارتضع بلبنه، ولهذا روى أن النبى ﷺ قال: «أنا أفصح العرب ولا فخر
стр. 7917
بيد انى من قريش ونشأت فى بنى سعد وارتضعت فى بنى زهرة». ولهذا يقال يحسن خلق الولد اذا حسن خلق المرضعة ويسوء خلقه اذا ساء خلقها فاذا قلنا انه يخير فانتسب الى أحدهما كان ابنه من الرضاعة فاذا قلنا لا يخير فهل له أن يتزوج بنتيهما؟ فى ذلك الأمر ثلاثة أوجه: الوجه الأول منها وهو الأصح أنه لا يحل له نكاح بنت واحد منهما لأنا وان جهلنا عين الأب منهما الا أنا نتحقق ان بنت أحدهما أخته وبنت الآخر أجنبية فلم يجز له نكاح واحدة منهما كما لو اختلطت أخته بأجنبية، والوجه الثانى منها أنه يجوز أن يتزوج بنت من شاء منهما فاذا تزوجها حرمت عليه الأخرى لأن الأصل فى بنت كل واحد منهما الاباحة وهو يشك فى تحريمها واليقين لا يزال بالشك فاذا تزوج احداهما تعينت الأخوة فى الأخرى فحرم نكاحها على التأبيد كما لو اشتبه ماء طاهر وماء نجس فتوضأ بأحدهما بالاجتهاد فان النجاسة تتيقن فى الآخر. ولا يجوز أن يتوضأ به - والوجه الثالث منها انه يجوز أن يتزوج بنت كل واحد منهما ثم يطلقها ثم يتزوج الأخرى لأن الحظر لا يتعين فى واحدة منهما كما يجوز أن يصلى بالاجتهاد الى جهة أخرى ويحرم أن يجمع بينهما لان الحظر يتعين فى الجميع فصار كرجلين رأيا طائرا فقال أحدهما ان كان هذا الطائر غرابا فعبدى حر وقال الآخران لم يكن غرابا فعبدى حر فطار ولا يعلم انه غراب أو غيره، فانه يعتق على واحد منهما لانفراده بملك مشكوك فيه وان اجتمع العبدان لواحد عتق أحدهما لاجتماعهما فى ملكه.
وان أتت امرأته بولد ونفاه باللعان فأرضعت بلبنه طفلا كان الطفل ابنا للمرأة ولا يكون ابنا للزوج لان الطفل تابع للولد والولد ثابت النسب من المرأة دون الزوج فكذلك الطفل فان أقر بالولد صار الطفل ابنا له لانه تابع للولد وان كان لرجل خمس أمهات أولاد فثار لهن منه لبن فارتضع صبى من كل واحدة منهن رضعة ففيه وجهان.
الوجه الأول منهما: وهو قول أبى العباس ابن سريج وأبى القاسم الانماطى وأبى بكر بن الحداد المصرى انه لا يصير المولى أبا للصبى لأنه ارضاع لم يثبت به الأمومة فلم تثبت به الابوة. الوجه الثانى منهما: وهو قول أبى اسحق وأبى العباس ابن القاص أنه يصير المولى أبا للصبى وهو الصحيح لانه ارتضع من لبنه خمس رضعات فصار ابنا له وان كان لرجل خمس أخوات فارتضع طفل من كل واحدة منهن رضعة فهل يصير خالا له.
الحكم على الوجهين السابقين وان كان لرجل زوجة صغيرة فشربت من لبن أمه خمس رضعات انفسخ بينهما النكاح لأنها صارت أخته. وان كانت له زوجة كبيرة وزوجة صغيرة فارضعت الكبيرة الصغيرة خمس رضعات انفسخ نكاحهما لانه لا يجوز أن يكون عنده امرأة وابنتها فان كان له زوجتان صغيرتان فجاءت امرأة فأرضعت احداهما خمس رضعات ثم أرضعت الأخرى خمس رضعات ففيه قولان.
القول الأول: ينفسخ نكاحهما وهو اختيار المزنى لانهما صارتا أختين فانفسخ نكاحهما كما لو أرضعتهما فى وقت واحد.
القول الثانى: انه ينفسخ نكاح الثانية لأن سبب الفسخ حصل بالثانية فاختص نكاحها
стр. 7918
بالبطلان كما لو تزوج احدى الأختين بعد الأخرى (١).
ومن أفسد نكاح امرأة بالرضاع فالمنصوص أنه يلزمه نصف مهر المثل ونص فى الشاهدين بالطلاق اذا رجعا على قولين.
القول الأول: يلزمها مهر المثل.
القول الثانى: يلزمهما نصف مهر المثل واختلف أصحابنا فيه فنقل أبو سعيد الاسطخرى جوابه من احدى المسألتين الى الأخرى وجعلهما على قولين.
القول الأول: يجب المثل لانه أتلف البضع فوجب ضمان جميعه.
القول الثانى: يجب نصف مهر المثل لانه لم يغرم للصغيرة الا نصف بدل البضع فلم يجب له أكثر من نصف بدله.
وقال أبو اسحق يجب فى الرضاع نصف المهر وفى الشهادة يجب الجميع والفرق بينهما ان فى الرضاع وقعت الفرقة ظاهرا وباطنا.
وتلف البضع عليه وقد رجع اليه بدل النصف فوجب له بدل النصف وفى الشهادة لم يتلف البضع فى الحقيقة وانما حيل بينه وبين ملكه فوجب ضمان جميعه والصحيح طريقة أبى اسحق وعليه التفريع وان كان لرجل زوجة صغيرة فجاء خمسة أنفس وأرضع كل واحد منهم الصغيرة من لبن أم الزوج أو أخته رضعة وجب على كل واحد منهم خمس نصف المهر لتساويهم فى الاتلاف وان كانوا ثلاثة فأرضعها أحدهم رضعة وأرضعها كل واحد من الآخرين رضعتين ففيه وجهان الوجه الأول. انه يجب على كل واحد منهم ثلث النصف لان كل واحد منهم وجد فيه سبب الاتلاف فتساووا فى الضمان كما لو طرح رجل فى خل قدر دانق من نجاسة وآخر قدر درهم.
الوجه الثانى: يقسط على عدد الرضعات فيجب على من أرضع رضعة الخمس من نصف المهر وعلى كل واحد من الآخرين الخمسان لان الفسخ حصل بعدد الرضعات فيقسط الضمان عليه واذا ارتضعت الصغيرة من أم زوجها خمس رضعات والأم نائمة سقط مهرها لان الفرقة قد حصلت بفعلها. فسقط مهرها ولا يرجع الزوج عليها بمهر مثلها ولا بنصفه لأن الاتلاف من جهة العاقد قبل التسليم لا يوجب غير المسمى فان ارتضعت من أم الزوج رضعتين والأم نائمة وأرضعتها الأم تمام الخمس والزوجة نائمة ففيه وجهان.
الوجه الأول: أنه يسقط من نصف المسمى نصفه وهو الربع ويجب الربع.
الوجه الثانى: يقسط على عدد الرضعات فيسقط من نصف المسمى خمسان ويجب ثلاثة أخماسه ووجهها ما ذكرناه فى المسألة التى قبلها (٢).
وقد جاء فى كتاب «الأم» للامام الشافعى أنه تجوز شهادة النساء فى الرضاع كما تجوز شهادتهن فى الولادة ولو رأى ذلك رجلان عدلان أو رجل وامرأتان جازت شهادتهم فى
стр. 7919
ذلك ولا تجوز شهادة النساء فى الموضع الذى ينفردان فيه الا أن يكن حرائر عدولا بوالغ ويكن أربعا لان الله اذا أجاز شهادتهن فى الدين جعل امرأتين تقومان مقام رجل بعينه فاذا شهد أربع نسوة ان امرأة أرضعت امرأة خمس رضعات وأرضعت زوجها خمسا أو أقر زوجها بأنها أرضعته خمسا فرق بينهما فان أصابها فلها مهر مثلها وان لم يصبها فلا نصف مهر لها ولا متعة. وكذلك ان كان فى النسوة أخوات المرأة وعماتها وخالاتها لانها لا يرد لها الا شهادة ولد أو والد وان كانت المرأة تنكر الرضاع فكانت فيهن ابنتها وأمها جزن عليها، أنكره الزوج أو ادعاه وان كانت المرأة تنكر الرضاع والزوج ينكر أو لا ينكر فلا يجوز فيه أمها ولا أمهاتها ولا ابنتها ولا بناتها وسواء هذا قبل عقدة النكاح وبعد عقدته قبل الدخول وبعده لا يختلف لا يفرق فيه بين المرأة والزوج الا بشهادة أربع ممن تجوز شهادته عليه ليس فيهن عدد للمشهود عليه أو غير عدل ويجوز فى ذلك شهادة التى أرضعت لانه ليس لها فى ذلك ولا عليها شئ ترد به شهادتها وكذلك تجوز شهادة ولدها وأمهاتها ويوقفن حتى يشهدن ان قد أرضع المولود خمس رضعات تخلص كلهن الى جوفه أو يخلص من كل واحدة منهن شئ الى جوفه وتسعهن الشهادة على هذه لانه لا يستدرك فى الشهادة فيه أبدا أكثر من رؤيتهن الرضاع وعلمهن وصوله بما يرين من ظاهر الرضاع قال الشافعى: واذا لم يكمل فى الرضاع شهادة أربع نسوة أحببت له فراقها وان كان نكحها وترك نكاحها ان لم يكن نكحها للورع فانه ان يدع ماله نكاحه خير من أن ينكح ما حرم عليه ولو نكحها لم أفرق بينهما الا بما أقطع به الشهادة على الرضاع فقد أخبرنا عبد المجيد بن عبد العزيز عن ابن جريج قال أخبرنى ابن أبى مليكة أن عقبة بن الحرث أخبره انه نكح أم يحيى بنت أبى اهاب فقالت أمه سوداء قد أرضعتكما قال فجئت الى النبى ﷺ فذكرت ذلك له فأعرض فتنحيت فذكرت ذلك له فقال وكيف وقد زعمت انها أرضعتكما قال الشافعى اعراضه ﷺ يشبه ان يكون لم ير هذا شهادة تلزمه وقوله وكيف وقد زعمت انها أرضعتكما يشبه أن يكون كره له ان يقيم معها وقد قيل انها أخته من الرضاعة وهذا معنى ما قلنا من أن يتركها ورعا لا حكما (١) واذا أقر رجل أن أمرأة أمه من الرضاعة أو ابنته من الرضاعة ولم ينكح واحدة منهما وقد ولدت المرأة التى يزعم انها أمه وكان لبن يعرف للمرضع مثله وكان لها سن يحتمل ان يرضع مثلها مثله لو ولد له وكانت له سن تحتمل ان ترضع امرأته أو أمته التى ولدت منه مثل الذى أقر انها ابنته لم تحلل له واحدة منهما ابدا فى الحكم ولا من بناتهما ولو قال مكانه غلطت أو وهمت لم يقبل منه لأنه قد أقر أنهما ذواتا محرم منه قيل يلزمه لهما أو يلزمهما له شئ وكذلك لو كانت هى المقرة بذلك وهو يكذبها ثم قالت غلطت لانها أقرت به فى حال لا يدفع بها عن نفسه ولا يجر اليها ولا تلزمه ولا نفسها باقرارها شيئا ولو كانت المسألة بحالها غير أن لم تلد التى أقر أنها أرضعته
стр. 7920
أو ولدت وهى أصغر مولودا منه فكان مثلها لا يرضع لمثله بحال أو كانت التى ذكر أنها ابنته من الرضاعة مثله فى السن أو أكبر منه أو قريبا منه لا يحتمل مثله أن تكون ابنته من الرضاعة كان قوله وقولها فى هذه الأحوال باطلا ولم يحرم عليه ان ينكح واحدة منهما ولا ولدا لها انما تقبل دعواه ويلزمه اقراره فيما يمكن مثله وسواء فى ذلك كذبته المرأة أو صدقته أو كانت المدعية دونه ولو كانت المسألة فى دعواها بحالها فقال هذه أختى من الرضاعة أو قالت هذا أخى من الرضاعة قبل أن يتزوجها وكذبته أو صدقته أو كذبها فى الدعوى أو صدقها كان سواء كله ولا يحل لواحد منهما أن ينكح الآخر ولا واحدا من ولده فى الحكم ويحل فيما بينه وبين الله تعالى ان علما أنهما كاذبان ان يتناكحا أو ولدهما ولو أقر انها أخته من الرضاعة من امرأة لم يسمها قبل ذلك منه ولم ينظر الى سنه وسنها لانه قد يكون أكبر منها وتعيش التى أرضعته حتى ترضعها بلبن ولد غير الولد الذى أرضعته به وكذلك ان كانت أكبر منه وان سمى امرأة أرضعته فقال أرضعتنى واياها فلانة فكان لا يمكن بحال ان ترضعه أولا يمكن بحال أن ترضعها لتفاوت السنين أو موت التى زعم انها أرضعتهما قبل أن يولد أحدهما كان اقراره باطلا انما يلزمه اقراره واقرارها فيما يمكن مثله ولا يلزمهما فيما لا يمكن مثله اذا كان اقرارهما لا يلزم واحدا منهما لصاحبه شيئا قال الشافعى ولو كان ملك عقدة نكاحها ولم يدخل بها حتى أقر انها ابنته أو أخته أو أمه وذلك يمكن. فيها وفيه، سألتها فان صدقته فرقت بينهما ولم أجعل لها مهرا ولا متعة وان كذبته أو كانت صبية فأكذبه أبوها أو أقر بدعواه فسواء لانه ليس له ان يبطل حقها وفرق بينهما بكل حال وأجعل لها عليه نصف المهر الذى سمى لها لأنه انما أقر بأنها محرم منه بعد ما لزمه لها المهر ان دخل ونصفه ان طلق قبل أن يدخل فأقبل اقراره فيما يفسده على نفسه وأرده فيما يطرح به حقها الذى يلزمه وأن أراد احلافها وكانت بالغة أحلفتها له ما هى أخته من الرضاعة فان حلفت كان لها نصف المهر وان نكلت حلف على انها أخته من الرضاعة وسقط عنه نصف المهر، وان نكل لزمه نصف المهر وان كانت صبية أو معتوهة فلا يمين عليها وآخذه لها بنصف المهر الذى سمى فان كبرت الصبية أحلفتها له ان شاء ولو كان لم يفرض لها وكانت صبية أو محجورا عليها كان لها نصف صداق مثلها لانه ليس لوليها أن يزوجها بغير صداق وان كانت بالغة غير محجور عليها فزوجت برضاها بلا مهر فلا مهر لها ولا متعة ولو كانت هى المدعية لذلك أفتيته بأن يتقى الله ويدع نكاحها بتطليقة يوقعها عليها لتحل بها لغيره ان كانت كاذبة ولا يضره ان كانت صادقة ولا أجبره فى الحكم على ان يطلقها لانه لزمها نكاحه فلا أصدقها على افساده وأحلفه لها على دعواها ما هى اخته من الرضاعة فان حلف أثبت النكاح وان نكل أحلفتها فان حلفت فسخت النكاح ولا شئ لها وان لم تحلف فهى امرأته بحالها وهذا اذا لم يقم واحد منهما أربع نسوة ولا رجلين ولا رجلا وامرأتين على ما ادعى فان أقاما على ذلك من تجوز شهادته فلا أيمان
стр. 7921
بينهما والنكاح مفسوخ اذا شهد النسوة على الرضاع أو الرجال. فان شهد على اقرار الرجل والمرأة بالرضاع أربع نسوة لم تجز شهادتهن لان هذا مما يشهد عليه الرجال وانما تجوز شهادة النساء منفردات فيما لا ينبغى للرجال ان يتعمدوا النظر اليه لغير شهادة. وان كان هذا بعد اصابته اياها وكان هو المقر فان كذبته فلها المهر الذى سمى لها وان صدقته فلها مهر مثلها كان أكثر أو أقل من المهر الذى سمى لها وان كانت هى المدعية أنها أخته لم تصدق الا أن يصدقها فيكون لها مهر مثلها.
وان نزل للرجل من ثديه لبن فأرضع به مولودة يكره له نكاحها ولولده فان نكحها يرى الشافعى انه لا ينفسخ لان الله ذكر رضاع الوالدات - والوالدات اناث والوالدون غير الوالدات وذكر الوالد بأن عليه مؤنة الرضاع. فقال «وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» فلم يجز أن يكون حكم الآباء حكم الأمهات ولا حكم الأمهات حكم الآباء وقد فرق الله بين أحكامهم (١).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كتاب «المغنى» ان الأصل فى التحريم بالرضاع الكتاب والسنة والاجماع أما الكتاب فقول الله «وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ» (٢) ذكرهم الله فى جملة المحرمات. أما السنة فما روت عائشة أن النبى ﷺ قال «ان الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة» متفق عليه. وفى لفظ «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» رواه النسائى وعن ابن عباس رضى الله عنه قال:
قال رسول الله ﷺ فى بنت حمزة «لا تحل لى يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب وهى ابنة أخى من الرضاع» متفق عليه فى أخبار كثيرة وأجمع علماء الأمة على التحريم بالرضاع اذا ثبت هذا فان تحريم الأم والأخت ثبت بنص الكتاب وتحريم البنت ثبت بالتنبيه فانه اذا حرمت الأخت فالبنت أولى وسائر المحرمات ثبت تحريمهن فى السنة وتثبيت المحرمية لأنها فرع على التحريم اذا كان بسبب مباح أما بقية أحكام النسب من النفقة والعتق ورد الشهادة وغير ذلك فلا يتعلق به لأن النسب أقوى منه فلا يقاس عليه فى جميع أحكامه وانما يشبه به فيما نص عليه فيه (٣).
والرضاع الذى لا يشك فى تحريمه أن يكون خمس رضعات فصاعدا وفى هذه المسألة مسألتان أحدهما أن الذى يتعلق به التحريم خمس رضعات فصاعدا هذا الصحيح فى المذهب وروى هذا عن عائشة وابن مسعود وابن الزبير وعطاء وطاووس وهو قول الشافعى وعن أحمد رواية ثانية هى أن قليل الرضاع وكثيره يحرم (٤).
واذا وقع الشك فى وجود الرضاع أو فى
стр. 7922
عدم الرضاع المحرم هل كمل أولا لم يثبت التحريم لان الأصل عدمه فلا نزول عن اليقين بالشك - والمسألة الثانية ان تكون الرضعات متفرقات والمرجع فى معرفة الرضعة الى العرف لان الشرع ورد بها مطلقا ولم يحدها بزمن ولا مقدار أدل ذلك على انه ردهم الى العرف فاذا ارتضع الصبى وقطع قطعا بينا باختياره كان ذلك رضعة فاذا عاد كانت رضعة أخرى فأما ان قطع لضيق نفس أو للانتقال من ثدى الى ثدى أو لشئ يلهيه أو قطعت عليه المرضعة نظرنا فان لم يعد قريبا فهى رضعة وان عاد فى الحال ففيه وجهان أحدهما ان الأولى رضعة فاذا عاد فهى رضعة أخرى وهذا اختيار أبى بكر ﵀ وظاهر كلام أحمد فى رواية حنبل فانه قال: أما ترى الصبى يرتضع من الثدى فاذا أدركه النفس أمسك عن الثدى ليتنفس أو يستريح فاذا فعل ذلك فهى رضعة. وذلك لان الأولى رضعة لو لم يعد فكانت رضعة وان عاد كما لو قطع باختياره والوجه الآخر: ان ذلك رضعة الا فيما اذا قطعت عليه المرضعة ففيه وجهان لانه لو حلف لا أكلت اليوم الا أكلة واحدة فاستدام الأكل زمنا أو قطع لشرب الماء أو انتقال من لون الى لون أو انتظار لما يحمل اليه من الطعام لم يعد الا أكلة واحدة فكذا ههنا.
والأول أصح لان اليسير من السعوط والوجور رضعة، فكذا هذا (١). والسعوط كالرضاع وكذا الوجور، ومعنى السعوط أن يصب اللبن فى أنفه من اناء أو غيره والوجور ان يصب فى حلقه صبا من غير الثدى واختلفت الرواية فى التحريم بهما فاصح الروايتين ان التحريم يثبت بذلك كما يثبت بالرضاع لما روى ابن مسعود عن النبى ﷺ «لا رضاع الا ما أنشز العظم وأنبت اللحم» رواه أبو داود ولأن هذا يصل به اللبن إلى حيث يصل بالارتضاع ويحصل به من انبات اللحم وانشاز العظم ما يحصل من الارتضاع فيجب أن يساويه فى التحريم.
والأنف سبيل الفطر للصائم فكان سبيلا للتحريم كالرضاع بالفعل. وانما من السعوط والوجور مثل الذى يحرم بالرضاع وهو خمس فى الرواية المشهورة فانه فرع على الرضاع فيأخذ حكمه. فان ارتضع وكمل الخمس بسعوط أو وجور أو استسعط أو أوجر وكمل الخمس برضاع ثبت التحريم لانا جعلناه كالرضاع فى أصل التحريم فكذلك فى اكمال العدد.
ولو حلبت فى اناء دفعة واحدة ثم سقته غلاما فى خمسة أوقات فهو خمس رضعات فانه لو أكل من طعام خمس أكلات متفرقات لكان قد أكل خمس أكلات. وان حلبت فى اناء حلبات فى خمسة أوقات ثم سقته دفعة واحدة كان رضعة واحدة كما لو جعل الطعام فى اناء واحد فى خمسة أوقات ثم أكله دفعة واحدة كان أكلة واحدة والاعتبار بشرب الصبى له لأنه المحرم ولهذا ثبت التحريم به من غير رضاع.
ولو ارتضع بحيث يصل الى فيه ثم مجه لم يثبت التحريم فكان الاعتبار به وما وجد منه الا دفعة واحدة فكان رضعة واحدة وان سقته فى أوقات فقد وجد فى خمسة أوقات فكان خمس رضعات، فأما ان
стр. 7923
سقته اللبن المجموع جرعة بعد جرعة متتابعة فظاهر قول الخرقى أنه رضعة واحدة لا اعتباره خمس رضعات متفرقات ولأن المرجع فى الرضعة الى العرف وهم لا يعدون هذا رضعات فأشبه ما لو أكل الطعام لقمة بعد لقمة فانه لا يعد أكلات، ويحتمل أن يخرج على ما اذا قطعت عليه المرضعة الرضاع (١) وان عمل اللبن جبنا ثم أطعمه الصبى ثبت به التحريم لأنه واصل الحلق يحصل به انبات اللحم وانشاز العظم فحصل به التحريم كما لو شربه (٢) فأما الحقنة فقال أبو الخطاب المنصوص عن أحمد أنها لا تحرم لأن هذا ليس برضاع ولا يحصل به التغذى فلم ينشر الحرمة كما لو قطر فى احليله ولأنه ليس برضاع ولا فى معناه فلم يجز اثبات حكمه فيه ويفارق فطر الصائم فانه لا يعتبر فيه انبات اللحم ولا انشاز العظم وهذا لا يحرم فيه الا ما أنبت اللحم وأنشز العظم ولأنه وصل اللبن الى الباطن من غير الحلق أشبه ما لو وصل من جرح (٣) واللبن المشوب كالمحض، والمشوب هو المختلط بغيره والمحض هو الخالص الذى لا يخالطه سواه، وسوى الخرقى بينهما سواء شيب بطعام أو شراب أو غيره. وقال أبو بكر قياس قول أحمد أنه لا يحرم لأنه وجور.
وحكى عن ابن حامد قال: ان كان الغالب اللبن حرم والا فلا، لأن الحكم للاغلب ولأنه يزول بذلك الاسم والمعنى المراد به. ووجه الأول أن اللبن متى كان ظاهرا فقد حصل شربه ويحصل منه انبات اللحم وانشاز العظم فحرم كما لو كان غالبا وهذا فيما اذا كانت صفات اللبن باقية فأما ان صب فى ماء كثير لم يتغير به لم يثبت به التحريم لأن هذا ليس بلبن مشوب ولا يحصل به التغذى ولا انبات اللحم ولا انشاز العظم لأن هذا ليس برضاع ولا فى معناه فوجب أن لا يثبت حكمه (٤).
وان حلب من نسوة وسقيه الصبى فهو كما لو ارتضع من كل واحدة منهن لأنه لو شيب بماء أو عسل لم يخرج عن كونه رضاعا محرما فكذلك اذا شيب بلبن آخر. (٥) ويحرم لبن الميتة كما يحرم لبن الحية لأن اللبن لا يموت، والمنصوص عن أحمد فى رواية ابراهيم الحربى أنه ينشر الحرمة لأنه وجد الارتضاع على وجه ينبت اللحم وينشز العظم من امرأة فأثبت التحريم كما لو كانت حية ولأنه لا فارق بين شربه فى حياتها وموتها الا الحياة والموت أو النجاسة وهذا لا أثر له فان اللبن لا يموت، والنجاسة لا تمنع كما لو حلب فى وعاء نجس، ولأنه لو حلب منها فى حياتها فشربه بعد موتها لنشر الحرمة، وبقاؤه فى ثديها لا يمنع ثبوت الحرمة لأن ثديها لا يزيد على الاناء فى عدم الحياء وهى لا تزيد على عظم الميتة فى ثبوت النجاسة. ولو حلبت المرأة لبنها فى اناء ثم ماتت فشربه صبى نشر الحرمة فى قول كل من جعل الوجور محرما وذلك لأنه لبن امرأة فى حياتها فأشبه فيما لو شربه فى الحياة (٦).
стр. 7924
واذا حبلت ممن يلحق نسب ولدها به فثاب لها لبن فأرضعت به طفلا خمس رضعات متفرقات فى حولين حرمت عليه وبناتها من أبى هذا الحمل ومن غيره وبنات أبى هذا الحمل منها ومن غيرها وان أرضعت صبية فقد صارت ابنة لها ولزوجها لان اللبن من الحمل الذى هو منه. وجملة ذلك أن المرأة اذا حملت من رجل وثاب لها لبن فأرضعت به طفلا رضاعا محرما صار الطفل المرتضع ابنا للمرضعة وصار أيضا ابنا لمن ينسب الحمل اليه فصار فى التحريم واباحة الخلوة ابنا لهما وأولاده من البنين والبنات أولاد أولادهما وان نزلت درجتهم وجميع أولاد المرضعة من زوجها ومن غيره وجميع أولاد الرجل الذى انتسب الحمل اليه من المرضعة ومن غيرها اخوة المرتضع وأخواته وأولاد أولادها أولاد اخوته وأخواته وان نزلت درجتهم وأم المرضعة جدته وأبوه جده واخوتها أخواله واخواتها خالاته وأبو الرجل جده وأمه جدته واخوته أعمامه وأخواته عماته وجميع أقاربهما ينتسبون الى المرتضع كما ينتسبون الى ولدهما من النسب لأن اللبن الذى ثاب للمرأة مخلوق من ماء الرجل والمرأة فنشر التحريم اليهما ونشر الحرمة الى الرجل والى أقاربه وهو الذى يسمى لبن الفحل. والحجة القاطعة فيه ما روت عائشة أن أفلح أخا أبى القعيس استأذن على بعد ما أنزل الحجاب فقلت والله لا آذن له حتى استأذن رسول الله ﷺ فان أخا أبا القعيس ليس هو الذى أرضعنى ولكن أرضعتنى امرأة أبى القعيس فدخل على رسول الله ﷺ فقلت يا رسول الله ان الرجل ليس هو الذى أرضعنى ولكن أرضعتنى امرأته قال: «ائذنى له فانه عمك تربت يمينك» قال عروة فبذلك كانت عائشة تأخذ بقول: حرموا من الرضاع ما يحرم من النسب متفق عليه (١) وسئل ابن عباس رضى الله عنهما عن رجل تزوج امرأتين فأرضعت أحدهما جارية والأخرى غلاما هل يتزوج الغلام بالجارية قال لا: اللقاح واحد.
فأما المرتضع فان الحرمة تنتشر اليه والى أولاده وان نزلوا ولا تنتشر الى من فى درجته من اخوته وأخواته ولا الى أعلى منه كأبيه وأمه وأعمامه وعماته وأخواله وخالاته وأجداده وجداته فلا يحرم على المرضعة نكاح أب الطفل المرتضع ولا أخيه ولا عمه ولا خاله ولا يحرم على زوجها نكاح أم الطفل المرتضع ولا اخته ولا عمته ولا خالته ولا بأس أن يتزوج أولاد المرضعة وأولاد زوجها اخوة الطفل المرتضع وأخواته قال أحمد: لا بأس أن يتزوج الرجل أخت أخته من الرضاع ليس بينهما رضاع ولا نسب وانما الرضاع ليس بينهما رضاع ولا نسب وانما الرضاع بين الجارية وأخته (٢) اذا ثبت هذا فان شرط تحريم الرضاع أن يكون فى الحولين لقول الله «وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ» (٣) فجعل تمام ارضاعة حولين فيدل على أنه لا حكم له بعدهما وعن عائشة أن رسول الله ﷺ دخل عليها وعندها رجل فتغير وجه النبى ﷺ فقالت يا رسول الله: انه أخى
стр. 7925
من الرضاعة فقال رسول الله ﷺ «أنظرن من اخواتكن فانما الرضاعة من المجاعة» متفق عليه وعن أم سلمة قالت قال رسول الله ﷺ «لا يحرم من الرضاع الا ما فتق الأمعاء وكان قبل الفطام» أخرجه الترمذى وقال حديث حسن صحيح وروى عنه ﵊ «لا رضاع الا ما كان فى الحولين» والفطام معتبر بمدته لا بنفسه قال أبو الحطاب لو ارتضع بعد الحولين بساعة لم يحرم وقال القاضى «لو شرع فى الخامسة فحال الحول قبل كمالها لم يثبت التحريم ولا يصح هذا لأن ما وجد من الرضعة فى الحولين كاف فى التحريم بدليل ما لو انفصل مما بعده فلا ينبغى أن يسقط حكم بايصال مالا أثر له به واشترط الخرقى نشر الحرمة بين المرتضع وبين الرجل الذى ثاب اللبن بوطئه ان يكون لبن حمل ينتسب الى الواطئ اما لكون الوط ء فى نكاح أو ملك يمين أو شبهة فأما لبن الزانى أو النافى للولد باللعان فلا ينشر الحرمة بينهما فى مفهوم كلام الخرقى وقال أبو بكر عبد العزيز: تنتشر الحرمة بينهما لأنه معنى ينشر الحرمة فاستوى بذلك فى مباحه ومحظوره كالوط ء يحققه أن الواطئ حصل منه لبن وولد ثم ان الولد ينشر الحرمة بينه وبين الواطئ كذلك اللبن ولأنه رضاع ينشر الحرمة الى المرضعة فنشرها الى الواطئ كصورة الاجماع. ووجه القول الأول أن التحريم بينهما فرع لحرمة الأبوة فلما لم يثبت حرمة الأبوة لم يثبت ما هو فرع لها ويفارق تحريم ابنته من الزنا لانها من نطفته حقيقة بخلاف مسألتنا ويفارق تحريم المصاهرة فان التحريم ثم لا يقف على ثبوت النسب، ولهذا تحرم أم زوجته وابنتها من غير نسب. وتحريم الرضاع مبنى على النسب ولهذا قال النبى ﷺ «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».
فأما المرضعة فان الطفل المرتضع محرم عليها ومنسوب اليها عند الجميع، وكذلك يحرم جميع أولادها وأقاربها الذين يحرمون على أولادها على هذا المرتضع كما فى الرضاع باللبن المباح. وان كان المرتضع جارية حرمت على الملاعن بغير خلاف أيضا لأنها ربيبته فانها بنت امرأته من الرضاع وتحرم على الزانى من يرى تحريم المصاهرة وكذلك يحرم بناتها وبنات المرتضع من الغلمان لذلك (١).
واذا وطئ رجلان امرأة فأتت بولد فأرضعت بلبنه طفلا صار ابنا لمن ثبت نسب المولود منه سواء ثبت نسبه منه بالقافة أو بغيرها. وان الحقته القافة بهما صار المرتضع ابنا لهما فالمرتضع فى كل موضع تبع للمناسب فمتى لحق المناسب بشخص فالمرتضع مثله. وان انتفى المناسب عن أحدهما فالمرتضع مثله لأنه بلبنه ارتضع وحرمته فرع على حرمته وان لم يثبت نسبه منهما لتعذر القافة أو لاشتباهه عليهم ونحو ذلك حرم عليهما تغليبا للحظر لانه يحتمل أن يكون منهما ويحتمل أن يكون من أحدهما فيحرم عليه أقاربه دون أقارب الآخر وقد اختلطت أخته بغيرها فحرم الجميع كما لو علم أخته بعينها ثم اختلطت بأجنبيات وان انتفى عنهما جميعا بأن تأتى به لدون ستة أشهر من وطئهما أو لأكثر من أربع سنين أو لدون ستة أشهر من وط ء أحدهما أو لأكثر من أربع سنين من وط ء الآخر انتفى المرتضع عنهما أيضا. فان كان
стр. 7926
المرتضع جارية حرمت عليهما تحريم المصاهرة ويحرم أولادها عليهما أيضا لأنها ابنة موطوءتهما فهى ربيبة لهما (١) وان ثاب للمرأة لبن من غير وط ء فان أرضعت به طفلا نشر الحرمة فى أظهر الروايتين لقول الله تعالى:
«وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ» (٢) ولأنه لبن امرأة فتعلق به التحريم كما لو ثاب بوط ء ولأن ألبان النساء خلقت لغذاء الأطفال فان كان هذا نادرا فجنسه معتاد. والرواية الثانية لا تنشر الحرمة لأنه نادر لم تجر العادة به لتغذية الأطفال فأشبه لبن الرجال والأول لبن أصح (٣).
واذا كان لرجل خمس امهات أولاد له منهن لبن فارتضع طفل من كل واحدة منهن رضعة لم يصرن أمهات له وصار المولى أبا له. وهذا قول ابن حامد لأنه ارتضع من لبنه خمس رضعات وفيه وجه آخر لا تثبت الأبوة لانه رضاع لم يثبت الأمومة فلم يثبت الأبوة كالارتضاع بلبن الرجل. والأول أصح فان الابوة انما تثبت لكونه رضع من لبنه لا لكون المرضعة أما له واذا قلنا بثبوت الابوة حرمت عليه المرضعات لانه ربيبهن وهن موطوءات أبيه. وان كان لرجل خمس بنات فأرضعن طفلا كل واحدة رضعة لم يصرن امهات له وهل يصير الرجل جدا له وأولاده أخوالا له وخالات؟ على وجهين: أحدهما يصير جدا واخوهن خالا لأنه قد كمل للمرتضع خمس رضعات من لبن بناته أو اخواته فأشبه ما لو كان من واحدة والوجه الآخر: لا تثبت ذلك لأن كونه جدا فرع كون ابنته أما وكونه خالا فرع كون اخته أما. ولم يثبت ذلك فلا يثبت الفرع وعلى هذا الوجه يترجح فى هذه المسألة، لأن الفرعية متحققة بخلاف التى قبلها فان قلنا يصير اخوهن خالا لم تثبت الخؤولة فى حق واحدة منهن لأنه لم يرتضع من لبن اخواتها خمس رضعات ولكن يحتمل التحريم لأنه قد اجتمع من لبن المحرم خمس رضعات ولو كمل للطفل خمس رضعات من اخته وابنته وزوجته وزوجة أبيه من كل واحدة رضعة خرج على الوجهين (٤).
واذا كان لامرأة لبن من زوج فأرضعت طفلا ثلاث رضعات وانقطع لبنها فتزوجت آخر فصار لها منه لبن فأرضعت منه الصبى رضعتين صارت أما له بغير خلاف علمناه عند القائلين بأن الخمس محرمات ولم يصر واحد من الزوجين آبا له لأنه لم يكمل عدد الرضاع من لبنه ويحرم على الرجلين لكونه ربيبهما لا لكونه ولدهما (٥).
ولو طلق زوجته ثلاثا وهى ترتضع من لبن ولده فتزوجت بصبى مرضع فأرضعته حرمت عليه ثم تزوجت بآخر ودخل بها ووطئها ثم طلقها أو مات عنها لم يجز أن يتزوجها الأول لأنها صارت من حلائل الابناء لما ارضعت الصبى الذى تزوجت به هذه المسألة من فروع المسألة التى قبلها وهو أن المرتضع يصير ابنا للرجل الذى ثاب اللبن بوطئه فهذه المرأة لما تزوجت صبيا ثم أرضعته بلبن مطلقها صار ابنا لطلقها فحرمت عليه لانها أمه وبانت منه
стр. 7927
وكانت زوجة له فصارت زوجة لابن مطلقها فحرمت على الأول على التأبيد لكونها صارت من حلائل ابنائه (١).
ولو تزوجت امرأة صبيا فوجدت به عيبا ففسخت نكاحه ثم تزوجت كبيرا فصار لها منه لبن فأرضعت به الصبى خمس رضعات حرمت على زوجها لأنها صارت من حلائل ابنائه. ولو زوج الرجل أم ولده أو امته بصبى مملوك فأرضعته بلبن سيدها خمس رضعات انفسخ نكاحه وحرمت على سيدها على التأبيد لأنها صارت من حلائل ابنائه فان كان الصبى حرا لم يتصور هذا الفرع لم يصح نكاحه لأن من شروط جواز نكاح الحر الأمة خوف العنت ولا يوجد ذلك فى الطفل فان زوج بها كان النكاح فاسدا وان أرضعته لم تحرم على سيدها لأنه ليس بزوج فى الحقيقة (٢) واذا طلق الرجل زوجته ولها منه لبن فتزوجت آخر لم يخل من خمسة أحوال.
الأول: أن يبقى لبن الأول بحاله لم يزد ولم ينقص ولم تلد من الثانى فهو للأول سواء حملت من الثانى أو لم تحمل - لا نعلم فيه خلافا لان اللبن كان للأول ولم يتجدد ما يجعله من الثانى فبقى للأول.
الثانى: أن لا تحمل من الثانى فهو للأول سواء زاد أو لم يزد أو انقطع ثم عاد أو لم ينقطع.
الثالث: أن تلد من الثانى فاللبن له خاصة سواء زاد أو لم يزد أو انقطع أو اتصل لأن اللبن الأول ينقطع بالولادة من الثانى فان حاجة المولود الى اللبن تمنع كونه لغيره.
الرابع: أن يكون لبن الأول باقيا وراد بالحمل من الثانى فاللبن منهما جميعا، لأن زيادته عند حدوث الحمل ظاهر فى أنها منه.
وبقاء لبن الأول يقتضى كون أصله منه فيجب أن يضاف اليهما كما لو كان الولد منهما.
الخامس: انقطع من الأول ثم ثاب بالحمل من الثانى فقال أبو بكر هو منهما اذا انتهى الحمل الى حال ينزل به اللبن وذلك لأن اللبن كان للأول، فلما عاد بحدوث الحمل فالظاهر أن لبن الأول ثاب بسبب الحمل الثانى فكان مضافا اليهما كما لو لم ينقطع. واختار أبو الحطاب أنه من الثانى لأن لبن الأول انقطع فزال حكمه بانقطاعه وحدث بالحمل من الثانى فكان له كما لو لم يكن لها ابن من الأول (٣) ولو تزوج كبيرة وصغيرة ولم يدخل بالكبيرة حتى أرضعت الصغيرة فى الحولين حرمت عليه الكبيرة وثبت نكاح الصغيرة. وان كان دخل بالكبيرة حرمتا عليه جميعا. ويرجع بنصف مهر الصغيرة على الكبيرة. نص أحمد على هذا كله فى هذه المسألة فصول أربعة:
الأول: أنه متى تزوج كبيرة وصغيرة فأرضعت الكبيرة الصغيرة قبل دخوله بها فسد نكاح الكبيرة فى الحال وحرمت على التأبيد لأنه أمكن ازالة الجمع بانفساخ نكاح الكبيرة وهى أولى به لأن نكاحها محرم على التأبيد فلم يبطل
стр. 7928
نكاحهما به كما لو ابتدأ العقد على اخته وأجنبية، ولأن الجمع طرأ على نكاح الأم والبنت فاختص الفسخ بنكاح الأم كما لو أسلم وتحته امرأة وبنتها، وفارق الأختين لانه ليست أحدهما أولى بالفسخ من الأخرى وفارق ما لو ابتدأ العقد عليهما لأن الدوام أقوى من الابتداء.
الثانى: أنه ان كان دخل بالكبيرة حرمتا جميعا على الأبد وانفسخ نكاحهما لأن الكبيرة صارت من أمهات النساء والصغيرة ربيبة قد دخل بأمها فتحرم تحريما مؤبدا وان كان الرضاع بلبنه صارت الصغيرة بنتا محرمة عليه لوجهين: لكونها بنته وربيبته التى دخل بأمها.
الثالث: أن عليه نصف مهر الصغيرة لان نكاحها انفسخ قبل دخوله بها من غير جهتها والفسخ اذا جاء من أجنبى كان كطلاق الزوج فى وجوب الصداق عليه ولا مهر للكبيرة ان لم يكن قد دخل بها لأن فسخ نكاحها بسبب من جهتها فسقط صداقها كما لو ارتدت ولا نعلم فيه خلافا وان كان قد دخل بالكبيرة لم يسقط مهرها لأنه استقر بدخوله بها لا يسقطه شئ ولذلك لا يسقط بردتها ولا بغيرها.
الرابع: أنه يرجع على الكبيرة بما لزمه من صداق الصغيرة والواجب نصف المسمى لا نصف مهر المثل لأنه انما يرجع بما غرم والذى غرم نصف ما فرض لها فرجع به لأن خروج البضع من ملك الزوج لا قيمة له بدليل ما لو قتلت نفسها أو ارتدت أو ارضعت من ينفسخ نكاحها بارضاعه فانها لا تغرم له شيئا وانما الرجوع ههنا بما غرم فلا يرجع بغيره ولأنه لو رجع بقيمة المتلف لمرجع بمهر المثل كله، ولم يختص بنصفه لأن التلف لم يختص بالنصف ولأن شهود الطلاق قبل الدخول اذا رجعوا لزمهم نصف المسمى كذا ههنا (١).
وكل امرأة تحرم بنتها اذا أرضعت زوجته الصغيرة أفسدت نكاحه وحرمتها عليه ولزمها نصف الصداق فان أرضعتها أمه صارت اخته وان أرضعتها جدته صارت عمه أو خالته، وان أرضعتها اخته صارت بنت اخته وكل امرأة تحرم بنت زوجها اذا أرضعتها بلبن زوجها حرمتها عليه، وعليها نصف مهرها كامرأة ابنه أو امرأة أبيه وامرأة أخيه وامرأة جده لأنها ان أرضعتها امرأة أبيه بلبنه صارت أخته وأن أرضعتها امرأة أبنه صارت بنت أبيه وان أرضعتها امرأة أخيه صارت بنت أخيه وان أرضعتها امرأة جده صارت عمته أو خالته.
وان أرضعتها امرأة أحد هؤلاء بلبن غيره لم تحرم عليه لأنها صارت ربيبة زوجها. وان أرضعتها من لا تحرم بنتها كعمته وخالته لم تحرمها عليه ولو تزوج ابنة عمه فأرضعت جدتهما احدهما صغيرا انفسخ النكاح لأنها ان أرضعت الزوج صار عم زوجته وان أرضعت الزوجة صارت عمته وان أرضعتهما جميعا صار كل واحد منهما عم الآخر وان تزوج بنت عمته فأرضعت جدتهما أحدهما صغيرا انفسخ النكاح لأنها ان أرضعت الزوج صار خالا لها وان أرضعت الزوجة صارت عمتها. وان تزوج ابنة خاله فأرضعت جدتها الزوجة صار عم زوجته وان أرضعتها صارت خالتها. وان تزوج ابنة خالته فأرضعت الزوج صار خال زوجته وان ارضعتها صارت خالة زوجها وان تزوج كبيرة ثم طلقها فأرضعت صغيرة بلبنه صارت بنتا له وان
стр. 7929
أرضعتها بلبن غيره صارت ربيبة فان كان قد دخل بالكبيرة حرمت الصغيرة على التأبيد وان كان لم يدخل بها لم تحرم لأنها رببية لم يدخل بأمها. وان تزوج صغيرة ثم طلقها فأرضعتها امرأة حرمت المرضعة على التأبيد لأنها من امهات نسائه وان تزوج كبيره وصغيرة ثم طلق الصغيرة فأرضعتها الكبيرة حرمت الكبيرة وانفسخ نكاحها وان كان لم يدخل بها فلا مهر لها وله نكاح الصغيرة وان كان دخل بها فلها مهرها وتحرم هى والصغيرة على التأبيد. وان طلق الكبيرة وحدها قبل الرضاع فأرضعت الصغيرة ولم يكن دخل بالكبيرة ثبت نكاح الصغيرة وان كان دخل بها حرمت الصغيرة وانفسخ نكاحها. ويرجع على الكبيرة بنصف صداقها وان طلقهما جميعا فالحكم فى التحريم على ما مضى. ولو تزوج رجل كبيرة وآخر صغيرة ثم طلقاهما ونكح كل واحد منهما زوجة الآخر ثم أرضعت الكبيرة الصغيرة حرمت عليهما الكبيرة وانفسخ نكاحها.
وان كان زوج الصغيرة دخل بالكبيرة حرمت عليه وانفسخ نكاحها والا فلا. وان أرضعت بنت الكبيرة الصغيرة فالحكم فى التحريم والفسخ حكمه ما لو أرضعتها الكبيرة لأنها صارت جدتها والرجوع بالصداق على المرضعة التى أفسدت النكاح. وان أرضعتها أم الكبيرة انفسخ نكاحهما معا لأنهما صارتا اختين فان كان لم يدخل بالكبيرة فله أن ينكح من شاء منهما. ويرجع على المرضعة بنصف صداقهما.
وان كان قد دخل بالكبيرة فله نكاحها لأن الصغيرة لا عدة عليها وليس له نكاح الصغيرة حتى تنقضى عدة الكبيرة لأنها قد صارت اختها فلا ينكحها فى عدتها. وكذلك الحكم ان أرضعتها اختها أو زوجة اخيها بلبنه لأنها صارت بنت أخت الكبيرة أو بنت أخيه وكذلك ان أرضعتها بنت أخيها أو بنت أخيه ولا يحرم فى شئ من هذا واحدة منهن على التأبيد لأنه تحريم جمع الا اذا أرضعتها بنت الكبيرة وقد دخل بأمها (١). ومن أفسد نكاح امرأة بالرضاع قبل الدخول غرم نصف صداقها وان كان بعد الدخول فنص أحمد على أن يرجع عليه بالمهر كله لأن المرأة تستحق المهر كله على زوجها فترجع بما لزمه كنصف المهر فى غير المدخول بها والصحيح ان شاء الله تعالى: انه لا يرجع على المرضعة بعد الدخول بشئ لأنها لم تقرر على الزوج شيئا ولم تلزمه اياه فلم يرجع عليها بشئ كما لو أفسدت نكاح نفسها ولأنه لو ملك الرجوع بالصداق بعد الدخول تسقط اذا كانت المرأة هى المفسدة للنكاح كالنصف قبل الدخول.
ولأن خروج البضع من ملك الزوج غير متقيم ما ذكر فيما مضى ولذلك لا يجب مهر المثل وانما رجع الزوج بنصف المسمى قبل الدخول لأنها قررته عليه ولذلك يسقط اذا كانت هى المفسدة لنكاحها.
ولم يوجد ذلك هنا ولأنه لو رجع بالمهر بعد الدخول لم يخل اما أن يكون رجوعه ببدل البضع الذى فوتته أو بالمهر الذى اداه لا يجوز أن يكون ببدل البضع لأنه لو وجب بدله لوجب له على الزوجة اذا فات بفعلها أو بقتلها ولكان الواجب لها مهر مثلها ولا يجوز أن يجب له بدل ما أداه اليها وذلك ولأنها ما أوجبته ولا لها أثر فى ايجابه ولا أداه ولا تقريره ولا نعلم بينهم خلافا فى انها اذا أفسدت نكاح نفسها بعد الدخول انه لا يسقط مهرها ولا يرجع عليها بشئ ان كان أداه اليها ولا فى أنها اذا أفسدته
стр. 7930
قبل الدخول انه يسقط صداقها وأنه يرجع عليها بما أعطاها فلو دبت صغيرة الى كبيرة فأرتضعت منها خمس رضعات وهى نائمة وهما زوجتا رجل انفسخ نكاح الكبيرة وحرمت على التأبيد. فان كان دخل بالكبيرة حرمت الصغيرة وأنفسخ نكاحها ولا مهر للصغيرة لأنها فسخت نكاح نفسها وعليه مهر الكبيرة يرجع به على الصغيرة عند أصحابنا ولا يرجع به على ما اخترناه وان لم يكن دخل بالكبيرة فعليه نصف صداقها يرجع به على مال الصغيرة لأنها فسخت نكاحها وأن ارتضعت الصغيرة منها رضعتين وهى نائمة ثم انتبهت الكبيرة فأتمت لها ثلاث رضعات فقد حصل الفساد بفعلها فيتقسط الواجب عليهما وعليه مهر الكبيرة.
وثلاثة اعشار مهر الصغيرة يرجع به على الكبيرة وان لم يكن دخل بالكبيرة فعليه خمس مهرها يرجع به على الصغيرة وهل ينفسخ نكاح الصغيرة؟ على روايتين (١).
وان أفسد النكاح جماعة تقسط المهر عليهم فلو جاء خمس فسقين زوجة صغيرة من لبن أم الزوج خمس مرات انفسخ نكاحها ولزمهن نصف مهرها بينهن فان سقتها واحدة شربتين وأخرى ثلاثا فعلى الأولى الخمس وعلى الثانية خمس وعشر وان سقتها واحدة شربتين وسقاها ثلاث شربات فعلى الأولى الخمس وعلى كل واحدة من الثلاث عشر وان كان له ثلاث نسوة كبار وواحدة صغيرة فأرضعت كل واحدة من الثلاث الصغيرة أربع رضعات ثم حلبن فى اناء وسقيناه الصغيرة حرم الكبار وانفسخ نكاحهن فان لم يكن دخل بهن فنكاح الصغيرة ثابت على احدى الروايتين وعليه لكل واحدة منهن ثلث صداقها ترجع به على ضرتها لأن فساد نكاحها حصل بفعلها وفعلهما فسقط ما قابل فعلها وهو سدس الصداق وبقى عليه الثلث فرجع به على وريثها. فان كان صداقهن متساويا سقط ولم يجب شئ لانه يتقاص مالها على الزوج بما يرجع به عليها اذ لا فائدة فى أن يجب لها عليه ما يرجع به عليها وان كان مختلفا وهو من جنس واحد تقاضا منه بقدر اقلهما ووجب الفضلة به لصاحبها.
وان كان من أجنس ثبت التراجع على ما ذكرنا وان كان قد دخل باحدى الكبار حرمت الصغيرة أيضا وانفسخ نكاحها ووجب لها نصف صداقها ترجع به عليهن أثلاثا والتى دخل بها المهر كاملا. وفى الرجوع به ما سلف من الخلاف وان حلبن فى اناء فسقته احداهن الصغيرة خمس مرات كان صداق ضراتها يرجع به عليها ان كان قبل الدخول بهن لأنها أفسدت نكاحهن ويسقط مهرها ان لم يكن دخل بها وان كان دخل بها فلها مهرها ولا ترجع به على احد وان كانت كل واحدة من الكبار أرضعت الصغيرة خمس رضعات حرم الثلاث فان كان لم يدخل بهن فعليه لكل واحدة مهرها لا يرجع به على أحد وتحرم الصغيرة ويرجع بما لزمه من صداقها على المرضعة الأولى لأنها هى التى حرمتها عليه وفسخت نكاحها. ولو أرضع الثلاث الصغيرة بلبن الزوج فأرضعتها كل واحدة رضعتين صارت بنتا لزوجها فى الصحيح وينفسخ نكاحها ويرجع بنصف صداقها عليهن على المرضعتين الاوليين منه أربعة اخماس وعلى الثالثة خمسه لأن رضعتها الأولى حصل بها التحريم لكمال الخمس بها والثانية لا أثرا لها فى التحريم فلم يجب عليها بها شئ ولا ينفسخ نكاح الأكابر لأنهن لم يصرن امهات
стр. 7931
لها. ولو كان لامرأته الكبيرة خمس بنات لهن لبن فأرضعن امرأته الصغيرة رضاعا تصير به احداهن أما لها لحرمت أمها وأنفسخ نكاحها.
وهل ينفسخ نكاح الصغيرة؟ على روايتين وان أرضعت كل واحدة منهن الصغيرة رضعة فالصحيح أن الكبيرة لا تحرم بهذا لأن كونها جدة يبنى على كون ابنتها أما وما صارت واحدة من بناتها أما، ويحتمل أن تحرم لأنه قد كمل لها من بناتها خمس رضعات وكذلك الحكم لو أرضعتها بنتها رضعة وبنت ابنها رضعة وبنات بناتها ثلاث رضعات، ولو كمل لها من زوجته بلبنه ومن أمه وأخته وابنته ابنة ابنه خمس رضعات فعلى الوجهين: أصحهما لا يثبت تحريمها وفى الآخر يثبت فعلى هذا الوجه ينفسخ نكاحها ويرجع عليهن بما غرم من صداقها على قدر رضاعهن فان قيل فلم لا يرجع عليهن على عدد رءوسهن لكون الرضاع مفسد فيستوى قليله وكثيره كما لو طرح النجاسة جماعة فى مائع فى حالة واحدة قلنا لأن التحريم يتعلق بعدد الرضعات فكان الضمان متعلقا بالعدد بخلاف النجاسة فان التنجيس لا يتعلق بقدر فيستوى قليله وكثيره ليكون القليل والكثير سواء فى الافساد فنظير ذلك أن يشرب فى الرضعة من احداهما أكثر مما يشرب من الأخرى (١).
واذا كانت له زوجة أمة فأرضعت امرأته الصغيرة فحرمتها عليه وفسخت نكاحها كان ما ازمه من صداق الصغيرة له فى رقبة الأمة لأن ذلك من جنايتها. وان أرضعتها أم ولده أفسدت نكاحها وحرمتها عليه لأنها ربيبة دخل بأمها وتحرم أم الولد عليه ابدا لأنها من أمهات نسائه ولا غرامة عليها لأنها أفسدت على سيدها فان كان قد كاتبها رجع عليها لأن المكاتبة يلزمها أرش جنايتها وان أرضعت أم ولده امرأة ابنه بلبنه فسخت نكاحها وحرمتها عليه لأنها صارت أخته وان أرضعت زوجة أبيه بلبنه حرمتها عليه لأنها صارت بنت ابنه ويرجع الأب على ابنه بأقل الأمرين مما غرمه لزوجته أو قيمتها لأن من ذلك من جناية أم ولده.
وان أرضعت واحدة منهما بغير لبن سيدها لم تحرمها لأن لها واحدة منهما صارت بنت ام ولده (٢) ولو تزوج بكبيرة وصغيرتين فأرضعت الكبيرة الصغيرتين حرمت عليه الكبيرة وانفسخ نكاح الصغيرتين ولا مهر عليه للكبيرة ويرجع عليها بنصف صداق الصغيرتين لأنها أفسدت نكاحهما وله ان ينكح ما شاء منهما لأن انفساخ نكاحهما للجمع ولا يوجب تحريما مؤيدا وهذا على الرواية التى قلنا انها اذا أرضعت الصغيرة اختص الفسخ بالكبيرة فأما على الرواية التى نقول ينفسخ نكاحهما معا فانه يثبت نكاح الأخيرة من الصغيرتين لأن الكبيرة لما أرضعت الأولى انفسخ نكاحهما ثم أرضعت الأخرى فلم تجتمع معهما فى النكاح فلم ينفسخ نكاحهما. فأما ان كان دخل بالكبيرة حرمت وحرمت الصغيرتان على التأبيد لانهما ربيبتان قد دخل بأمهما. فان أرضعت الصغيرتين أجنبية انفسخ نكاحهما أيضا لأنه جامع بين الأختين فى النكاح فانفسخ نكاحهما كما لو أرضعتهما معا. وان أرضعتهما بنت الكبيرة
стр. 7932
فالحكم فى الفسخ كما لو أرضعتهما الكبيرة نفسها لأن الكبيرة تصير جدة لهما ولكن الرجوع يكون على المرضعة المفسدة لنكاحهن. وان كن الأصاغر ثلاثا فأرضعتهن منفردات حرمت الكبيرة وانفسخ نكاح المرضعتين أولا وثبت نكاح آخرهن رضاعا. فان أرضعت احداهن منفردة واثنتين بعد ذلك معا حرمت الكبيرة وانفسخ نكاح الأصاغر وتزوج من شاء من الأصاغر.
وان كان دخل بالكبيرة حرم الكل عليه على الأبد، حرمت الكبيرة لأنها صارت من أمهات النساء وانفسخ نكاح المرضعتين أولا لأنهما صارتا أختين فى نكاحه وثبت نكاح الأخيرة لأن رضاعها بعد انفساخ نكاح الصغيرتين اللتين قبلها فلم يصادف اخوتها جميعا فى النكاح. وان أرضعت احداهن منفردة واثنتين بعد ذلك معا بأن تلقم كل واحدة منهما ثديا فيمتصان معا أو تحلب من لبنها فى اناء فتسقيهما انفسخ نكاح الجميع لأنهن صرن اخوات فى نكاح وله أن يتزوج من شاء من الأصاغر لأن تحريمهن تحريم جمع لا تحريم تأبيد فانهن ربائب لم يدخل بأمهن. وان دخل بالكبيرة حرم الكل على الأبد لأنهن ربائب مدخول بأمهن هذا على الرواية الأولى وعلى الأخرى لما أرضعت الأولى انفسخ نكاحها ونكاح الكبيرة لأنها صارت امها واجتمعتا فى نكاحه ثم ارتضعت الثانية فلم ينفسخ نكاحها لأنها منفردة بالرضاعة فى النكاح فلما أرضعت الثالثة صارتا اختين فانفسخ نكاحهما. فان ارضعتهن بنت الكبيرة فهو كما لو ارضعتهن امها.
ولو كان لها ثلاث بنات فأرضعت كل واحدة منهن زوجة من الأصاغر حرمت الكبيرة بارضاع أولادهن ويرجع على مرضعتهما بما لزمه من مهرها لأنها أفسدت نكاحها ولا ينفسخ نكاح الاصاغر لأنهن لم يصرن اخوات انما هن بنات خالات.
وعلى الرواية الأخرى ينفسخ نكاح المرضعة الأولى لاجتماعها مع جدتها فى النكاح ويثبت نكاح الأخيرتين ويرجع بما لزمه من مهر التى فسد نكاحها على التى أرضعتها. وان كان دخل بالكبيرة حرم الكل عليه على الأبد ورجع على كل واحدة بما لزمه من مهر التى أرضعتها وان قلنا أنه يرجع بمهر الكبيرة رجع به على المرضعة الأولى لأنها التى أفسدت نكاحها (١).
واذا شهدت امرأة واحدة على الرضاعة حرم النكاح اذا كانت مرضية. وقد روى عن أبى عبد الله ﵀ رواية أخرى: ان كانت مرضية استحلفت فان كانت كاذبة لم يحل الحول حتى تبيض ثدياها وذهب فى ذلك الى قول ابن عباس رضى الله عنهما. وجملة ذلك ان شهادة المرأة الواحدة مقبولة فى الرضاعة اذا كانت مرضية وعن أحمد رواية أخرى: لا يقبل الا شهادة امرأتين وهو قول الحكم لأن الرجال أكمل من النساء ولا يقبل الا شهادة رجلين فالنساء أولى وعن أحمد رواية ثالثة ان شهادة المرأة الواحدة مقبولة وتستحلف مع شهادتها وهو قول ابن عباس لانه قال فى امرأة زعمت انها أرضعت رجلا وأهله فقال اذا كانت مرضية استحلفت وفارق امرأته وقال ان كانت كاذبة لم يحل الحول حتى تبيض ثدياها يعنى يصيبها
стр. 7933
فيها برص عقوبة على كذبها وهذا لا يقتضيه قياس ولا يهتدى اليه رأى، فالظاهر أنه لا يقوله الا توقيفا، ولنا ما روى عقبة بن الحارث قال تزوجت أم يحيى بنت أبى اهاب فجاءت أمة سوداء فقالت قد أرضعتكما فأتيت النبى ﷺ فذكرت ذلك له فقال «وكيف وقد زعمت ذلك»؟ متفق عليه وفى لفظ رواه النسائى قال فأتيته من قبل وجهه فقلت انها كاذبة قال «كيف وقد زعمت انها ارضعتكما؟ خل سبيلها وهذا يدل على الاكتفاء بالمرة الواحدة ويقبل فيه شهادة المرضعة على فعل نفسها لما ذكر من حديث عقبة من أن الأمة السوداء قالت قد أرضعتكما فقبل النبى ﷺ شهادتها ولانه فعل لا يحصل لها منه نفع مقصود ولا تدفع عنها به ضررا فقبلت شهادتها كفعل غيرها فان قيل فانها تستبيح الخلوة به والسفر معه وتصير محرما له. قلن ليس هذا من الأمور المقصودة التى ترد بها الشهادة الا ترى أن رجلين لو شهدا ان فلانا طلق زوجته واعتق امته قبلت شهادتهما وان كان يحل لهما نكاحهما بذلك (١).
ولا تقبل الشهادة على الرضاعة الا مفسرة فلو قالت أشهد أن هذا ابن هذه من الرضاعة لا يقبل لأن الرضاع المحرم يختلف الناس فيه منهم من يحرم بالقليل ومنهم من يحرم بعد الحولين فلزم الشاهد تبيين كيفيته ليحكم الحاكم فيه باجتهاده فيحتاج الشاهد أن يشهد ان هذا قد ارتضع من ثدى هذه خمس رضعات متفرقات خلص اللبن فيهن الى جوفه فى الحولين.
فان قيل خلوص اللبن الى جوفه لا طريق له الى مشاهدته فكيف تجوز الشهادة؟ قلن اذا علم ان هذه المرأة ذات لبن ورأى الصبى قد التقم ثديها وحرك فمه فى الامتصاص وحلقه فى الاجتراع حصل ظن يخرج الى اليقين ان اللبن قد وصل الى جوفه، وما يتعذر الوقوف عليه بالمشاهدة اكتفى فيه بالظاهر كالشهادة فى الملك وثبوت الدين فى الذمة والشهادة على النسب بالاستفاضة ولو قال الشاهد ادخل رأسه تحت ثيابها والتقم ثديها لا يقبل، لأنه قد يدخل رأسه ولا يأخذ الثدى وفد يأخذ الثدى ولا يمص فلا بد من ذكر ما يدل عليه.
وان قال أشهد أن هذه أرضعت هذا فالظاهر أنه يكتفى بثبوت أصل الرضاعة لأن المرأة التى قالت قد أرضعتكما اكتفى بقولها (٢). واذا تزوج امرأة ثم قال قبل الدخول هى اختى من الرضاعة انفسخ النكاح. فان صدقته المرأة فلا مهر لها وان كذبته فلها نصف المهر وجملته أن الزوج اذا أقر أن زوجته اخته من الرضاعة انفسخ نكاحه ويفرق بينهما لأنه أقر بما يتضمن تحريمها عليه فلا يقبل رجوعه عنه كما لو أقر بالطلاق ثم رجع وأقر أن أمته أخته من النسب، وهذا الكلام فى الحكم فأما فيما بينه وبين ربه فينبنى ذلك على علمه بصدقه. فان علم أن الأمر كما قال فهى محرمة عليه ولا نكاح بينهما وان علم كذب نفسه فالنكاح باق بحاله وقوله كذب لا يحرمها عليه لان المحرم حقيقة الرضاع لا القول وان شك فى ذلك لم ينزل عن اليقين بالشك. وقيل فى حلها له اذا علم كذب نفسه
стр. 7934
روايتان والصحيح ما قلناه لان قوله ذلك اذا كان كذبا لم يثبت التحريم كما لو قال وهى أكبر منه هى ابنتى من الرضاعة. اذا ثبت هذا فانه ان كان قبل الدخول وصدقته المرأة فلا شئ لها لأنهما اتفقا على هذا ان النكاح فاسد من أصله لا يستحق فيه مهر فأشبهه ما لو ثبت ذلك ببينة وان أكذبه فالقول قولها لأن قوله غير مقبول عليهما فى اسقاط حقوقها فلزمه اقراره فيما هو حق له وهو تحريمها عليه وفسخ نكاحه ولم يقبل قوله فيما عليه من المهر. فان قال هى عمتى أو خالتى أو أبنة أخى أو أختى أو أمى من الرضاعة وأمكن صدقه فالحكم فيه أما لو قال هى أختى وان لم يمكن صدقه مثل أن يقول لأصغر منه أو لمثله هى أمى أو لاكبر منه أو لمثله هذه ابنتى لم تحرم عليه ولنا أنه أقر بما تحقق كذبه فيه فأشبه ما لو قال أرضعتنى واياها حواء أو كما لو قال هذه حواء. ويفارق اذا أمكن فانه لا يتحقق كذبه والحكم فى الاقرار بقرابة من النسب تحرمها عليه كالحكم فى الاقرار بالرضاعة لأنه فى معناه واذا أدعى أن زوجته أخته من الرضاع فأنكرته فشهدت بذلك أمه أو ابنته لم تقبل شهادتهما لأن شهادة الوالدة لولدها والوالد لولده غير مقبولة وان شهدت بذلك أمها أو ابنتها قبلت. وعنه لا يقبل بناء على شهادة الوالد على ولده والولد على والده وفى ذلك روايتان وان أدعت ذلك المرأة وأنكره الزوج فشهدت لها أمها أو ابنتها لم تقبل وأن شهدت لها أم الزوج أو ابنته فعلى روايتين وان كانت المرأة هى التى قالت هو أخى من الرضاعة فأكذبها ولم تأت بالبينة على ما وصفته فهى زوجته فى الحكم. وجملة أن المرأة اذا أقرت أن زوجها أخوها من الرضاعة فأكذبها لم يقبل قولها فى فسح النكاح، لأنه حق عليها، فان كان قبل الدخول فلا مهر لها لأنها تقر بأنها لا تستحقه فان كانت قد قبضته لم يكن للزوج أخذه منها لأنه يقر بأنه حق له وان كان بعد الدخول فأقرت أنها كانت عالمة بأنها أخته وبتحريمها عليه ومطاوعة له فى الوط ء فلا مهر لها أيضا لاقرارها بأنها زانية مطاوعة وان أنكرت شيئا من ذلك فلها المهر لأنه وط ء بشبهة وهى زوجته فى ظاهر الحكم لأن قولها عليه غير مقبول فاما فيما بينها وبين الله تعالى فان علمت صحة ما أقرت به لم يحل لها مساكنته وتمكينه من وطئها وعليها أن تفر منه وتفتدى نفسها بما أمكنها لأن وطأه لها زنا فعليها التخلص منه مهما أمكنها كما قلنا فى التى علمت أن زوجها طلقها ثلاثا وجحدها ذلك.
وينبغى أن يكون الواجب لها من المهر بعد الدخول أقل الأمرين من المسمى أو مهر المثل لأنه ان كان المسمى أقل فلا يقبل قولها فى وجوب زائد عليه وان كان الأقل مهر المثل لم تستحق أكثر منه لاعترافها أن استحقاقها له بوطئها الا بالعقد فلا تستحق أكثر منه.
وان كان اقرارها بأخوته قبل النكاح لم يجز لها نكاحه ولا يقبل رجوعها عن اقرارها فى ظاهر الحكم لأن اقرارها لم يصادف زوجيه عليها يبطلها فقبل اقرارها على نفسها بتحريمها عليها، وكذلك لو أقر الرجل أن هذه أخته من الرضاعة أو محرمة عليه برضاع أو غيره وأمكن صدقه لم يحل له تزوجها فيما بعد ذلك فى ظاهر الحكم.
وأما فيما بينه وبين الله سبحانه وتعالى
стр. 7935
فينبنى على علمه بحقيقة الحال كما ذكر وان ادعى أحد الزوجين على الآخر أنه أقر أنه أخو صاحبه من الرضاعة فأنكر لم يقبل فى ذلك شهادة النساء المنفردات لأنها شهادة على الاقرار والاقرار مما يطلع عليه الرجال فلم يحتاج فيه الى شهادة النساء المنفردات فلم يقبل ذلك بخلاف الرضاع نفسه (١).
مذهب الظاهرية:
جاء فى «المحلى لابن حزم الظاهرى» أنه من كانت له امرأتان أو أمتان أو زوجة وأمة فأرضعت أحداهما بلبن حدث لها من حمل منه رجلا رضاعا محرما وأرضعت الأخرى بلبن حدث لها من حمل منه امرأة كذلك، لم يحل لأحدهما نكاح الآخر أصلا. وكل من أرضعت الرجل حرمت عليه لأنها أمه من الرضاعة وحرم عليه بناتها لأنهن أخواته سواء فى ذلك من ولدت قبله أو من ولدت بعده من الرضاعة. وحرمت عليه أخواتها لأنهن خالاته من الرضاعة.
وحرمت عليه أمهاتها لأنهن جداته وحرم عليه أخوات زوج التى أرضعته بلبنها من حمل منه لأنهن عماته من الرضاعة وحرمت عليه أمهاته لأنهن جداته وحرم عليه من أرضعت امرأته بلبن حدث لها من حمل منه لأنهن بناته وكذلك يحرم على الرجل الذى أرضعت امرأته وحكم التى ترضع امرأته كحكم ابنتها التى ولدتها ولا يجمع بين الأختين من الرضاعة. برهان ذلك قول الله فيما حرم من النساء «وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ» (٢) وقول الرسول ﷺ «يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة» (٣) ولبن الفحل يحرم وهو أن ترضع امرأة رجل ذكرا، وترضع امرأته الأخرى أنثى فتحرم احداهما على الاخرى (٤). ولو أن رجلا تزوج امرأتين فأرضعتهما امرأة رضاعا محرما حرمتا جميعا وانفسخ نكاحهما اذ صارتا بذلك الرضاع أختين أو عمة وبنت أخ أو خالة وبنت أخت أو حريمة امرأة له لأنهما معا حدث لهما التحريم فلم تكن احداهما أولى بالفسخ من الأخرى وكذلك لو دخل بهما فأرضعت احداهما الأخرى رضاعا محرما ولا فرق، فلو لم يدخل بهما فأرضعت احداهما الأخرى رضاعا محرما انفسخ نكاح التى صارت أما للأخرى وبقى نكاح التى صارت لها ابنة صحيحا، لأن الله تعالى قال: «وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ» (٥) فصارت بنت امرأته التى لم يدخل بها ولا هى فى حجره، فثبت نكاحها، وصارت الأخرى من أمهات نسائه فحرمت جملة (٦).
وأما صفة الرضاع المحرم فانه هو ما امتصه الراضع من ثدى المرضعة بفيه فقط. فأما من
стр. 7936
سقى لبن امرأة فشربه من اناء أو حلب فى فيه فبلعه أو أطعمه بخبز أو فى طعام أو صب فى فمه أو فى أنفه أو فى أذنه أو حقن به فكل ذلك لا يحرم شيئا ولو كان ذلك غذاءه دمره كله.
برهان ذلك قول الله : «وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ» وقول الرسول ﷺ «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» فلم يحرم الله ولا رسوله ﷺ فى هذا المعنى نكاحا الا بالارضاع والرضاع والرضاعة فقط: «ولا يسمى ارضاعا ألا ما وضعته المرأة المرضعة من ثديها فى فم الرضيع وقالوا: يقال أرضعته ترضعه ارضاعا ولا يسمى رضاعة ولا ارضاعا الا أخذ المرضع أو الرضيع بفيه الثدى وامتصاصه اياه.
تقول رضع يرضع رضاعا ورضاعة وأما كل ما عدا ذلك مما ذكرنا فلا يسمى بشئ منه ارضاعا ولا رضاعة ولا رضاعا وانما هو حلب وطعام وسقاء وشراب وأكل وبلع وحقنة وسعوط وتقطير ولم يحرم الله بهذا شيئا (١). وان ارتضع صغير أو كبير من لبن ميتة أو مجنونة أو سكرى خمس رضعات فان التحريم يقع به لأنه رضاع صحيح (٢).
ولا يحرم من الرضاع الا خمس رضعات تقطع كل رضعة من الأخرى. أو خمس مصات مفترقات كذلك، أو خمس ما بين مصة ورضعة تقطع كل واحدة من الأخرى هذا اذا كانت المصة تغنى شيئا من دفع الجوع.
والا فليست شيئا ولا تحرم شيئا (٣) ورضاع الكبير محرم ولو أنه شيخ يحرم كما يحرم رضاع الصغير ولا فرق (٤). وان حملت امرأة ممن يلحق ولدها به فدر لها اللبن ثم وضعت فطلقها زوجها أو مات عنها وتزوجها آخر أو كانت أمة فملكها آخر. فما أرضعت فهو ولد للأول لا للثانى، فان حملت من الثانى فتمادى اللبن فهو للأول الا أن يتغير ثم يعتدل. فانه اذا تغير فقد بطل حكم الأول وصار للثانى (٥).
مذهب الزيدية:
جاء فى «كتاب شرح الأزهار»، «أنه لا خلاف فى أن اجراء الرضاع مجرى النسب مقصور على تحريم النكاح دون سقوط القيود والشهادة - على القول بأن شهادة القريب لا تصح والمختار أنها تصح - وثبوت النفقة ونحو ذلك كالارث والحد والعقل والعتق.
ويثبت حكم الرضاع بشروط خمسة لا يتم من دونها:
الشرط الأول: أن يكون اللبن وصل الى جوف الرضيع حيا، فلو لم يصل الا الى الحلق أو الصدر لم يثبت حكمه ويكفى فى ذلك غالب الظن.
الشرط الثانى: أن يكون دخوله من فيه أو أنفه أو نحوهما كعينه أو أذنه، فلو كان من
стр. 7937
حقنة أو نحو ذلك لم يؤثر.
الشرط الثالث: أن يكون الرضاع والصبى فى الحولين لم يتعد عمره عليهما.
الشرط الرابع: أن يكون لبن آدمية وسواء كان فيه لون اللبن أم لا، فلو ارتضع صبيان من رجل أو خنثى أو جنية - لو فرض وقوعه - أو بهيمة لم يصيرا أخوين.
الشرط الخامس: أن تكون تلك الآدمية قد دخلت فى السنة العاشرة فأما اذا لم تبلغ سنا يصح فيها العلوق فهى كالذكر وقيل اذا دخلت فى السنة التاسعة. ولبن الآدمية يقتضى لتحريم، ولو أخذ منها فى حال كونها ميتة أو بكرا لم تلد ولم تزوج، وأما الرضيع فلا بد من كونه حيا لا ميتا فلا تحريم وفائدة التحريم بعد موته لو كان قد عقد بامرأة لم يحرم على ذوى اللبن وكذا لو كان لرجل زوجتان رضعت الصغرى من الكبرى ثم ماتت قبل وصول اللبن جوفها لم تحرم عليه الكبرى ولو تناول لبنا بعد أن صار متغيرا بأن صار دهنا أو مطبوخا أو أخذ فى لخا. وأسعط الصبى فانه فى هذه الوجوه يقتضى التحريم بخلاف الجبن فانه لا يحرم وقيل انه يحرم وأما الزبد فقيل الخلاف فيه كالجبن وقيل انه يحرم ولو شربه مع جنسه وهو لبن الادميات فانه يقتضى التحريم مطلقا أى سواء كان غالبا أو مغلوبا اذا كان يصل الجوف لو انفصل عن الخلط، أو خلط مع غيره أو غير جنسه كالماء ولبن البهائم والمرق أو طعام أو نحوه وكان هو الغالب وهو ظاهر لما خلط به فانه يقتضى التحريم الا أن يخلط بالسمن لم يحرم والأولى انه يحرم ولا بد أن يقدر أنه لو انفصل وصل الجوف، فان كان اللبن مساويا لما خلط به أو مغلوبا أو التبس الأغلب منهما فلا تحريم ولا فرق بين أن يلتبس من أصله أو يعلم أن أحدهما أكثر ثم يلتبس لان الأصل التحريم. وقيل يقتضى التحريم والمراد بالغلبة التسمية. فان كان يسمى لبنا فهو الغالب واقتضى التحريم، وان كان لا يسمى لبنا فهو المغلوب ولم يحرم واذا التبس دخول المرضعة فى السنة العاشرة فانه يقتضى التحريم، وهذا مبنى على أنه قد تحقق دخولها فى العاشرة والتبس الرضاع قبلها أم فيها. أما لو التبس حين الرضاع هل قد دخلت فى السنة العاشرة أم هى فى التاسعة فانه يحكم بالأصل وهو عدم دخول العاشرة. لا لو التبس حين رضاع الصبى هل قد زاد عمره على الحولين أم لا بل هو فى الحولين، فان الرضاع مع هذا اللبس لا يقتضى التحريم هذا مع الاطلاق لا مع التاريخ الى وقت معلوم محتمل فالأصل الصغر. هذا الذى صحح للمذهب. أعنى الفرق بين التباس دخول العاشرة وبين التباس بقاء الحولين. فمتى ثبت الرضاع على الشروط الخمسة التى تقدمت ثبت حكم البنوة للمرضعة بمعنى أن الولد يصير لها ولدا وكذلك يثبت حكم البنوة لذى اللبن وهو زوجها الذى علقت منه وأرضعت بعد العلوق (١).
والزوج يشارك الأم فى حكم البنوة ان كان
стр. 7938
لها زوج والا فالولد لها فحسب ومعنى ثبوت حكم البنوة انما هو فى تحريم النكاح وجواز النظر والسفر بها والخلوة دون غيره من الأحكام كالنسب والارث وسقوط القود ونحو ذلك.
وانما يشاركها الزوج فى حكم البنوة فى المرضع فيصير ابنا له كما هو ابن لها من وطئها أو استدخلت ماءه وعلقت منه بولد ولحقه نسبه فان كان اللبن بعد العلوق ويصير لهما جميعا. وقبل العلوق لا يشاركها فيه. ولا يزال الرجل مشاركا للمرأة فى اللبن حتى ينقطع منها بالكلية فلو عاد بعد الانقطاع لم يرجع له فيه حق ما لم تحبل أو لم ينقطع منها اللبن لم يزل مشاركا لها، ولو طلقها وتزوجت غيره لم ينقطع حق الأول فى اللبن حتى تضع ولو بعض الحمل من زوج غيره، فمتى وضعت بطل حق الأول، ولا فرق بين أن تضع من زوج أو من غيره ولو من زنا فمتى وضعت من زنا انقطع حق الأول وكان الولد لها وقيل انه لا ينقطع حق الأول الا اذا علقت ممن يلحق والزانى لا حق له فلا يقطع حق غيره واذا طلقها الزوج الأول المشارك لها فى اللبن ثم تزوجت آخر لم يكن للآخر نصيب فى اللبن حتى تعلق منه أيضا وحين تعلق منه يشترك الثلاثة فى اللبن وهم:
المرأة والزوج الأول والزوج الثانى، فلا يزالون مشتركين فى اللبن من العلوق الثانى الى الوضع فمن ارتضع منها ما بين العلوق والوضع كان لبنا للمرأة وللزوج الثانى والأول وقيل انه لا يثبت الاشتراك فى الولد بين الزوجين: لكن للأول الى وضع الحمل ثم للثانى وقيل هو للأول الى ظهور الحمل ثم للثانى. وقد يكون الابن من الرضاع ابنا للرجل فقط دون من أرضعته فيكون للرجل من الرضاع لا أم له، وذلك حيث يعتدى بلبن من زوجيته واللبن لا يصل الجوف الا مجتمعا بحيث لو انفصل لبن كل واحدة وحده لم يصل الجوف لقلته فانه فى هذه الصورة اذا جمعتاه فشربه صار ابنا لزوجهما لا لهما وكذلك لبن أمى أولاده أو غير ذلك ممن يلحقه نسبه ولو لم تكن زوجة كوط ء الغلط والوط ء فى ملك أو شبهة ملك فانه يكون اللبن له ويثبت تحريم من ارتضع منه فى حقه ومثله فى البيان وأما على المختار فانه لا يقتضى التحريم فى وط ء الغلط مسلم فى تحريم المصاهرة وأما ثبوت حكم الرضاع فيثبت كما اقتضاه عموم قوله وانما يشاركه من علقت منه ولحقه وهو هنا لاحق به (١). ويحرم بالرضاع من النساء من صيره اللبن للراضع محرما كالأم من الرضاع والأخت من الرضاع لأب وأم، أو لأب أو لأم. والعمة كذلك والجدة أم الأم وأم الأب، وزوجة الأب من الرضاعة.
وضابط ذلك أن حرمة الرضاع تنتشر من المرضعة الى أصولهما وفصولهما ونسائهما وحواشيهما، وتنتشر من الرضيع الى فصوله فقط ونسائه ونساء فروعه دون أصوله وحواشيه وعلى الجملة ان ما حرم بالنسب لأجل النسب والصهر حرم بالرضاع الا أخت الابن من الرضاع ونحوه. ومن فسخ نكاح منكوحة غير مدخولة بفعله مختارا، ولو قد خلا بها غير مكره، رجع بما لزم من المهر ونفقة عدة الفسخ فى المدخولة عليه على الذى فعل ذلك الرضاع. فان كان الفاعل هو الرضيع نحو أن تدب صغرى زوجيته على الكبرى وهى
стр. 7939
نائعة أو غير نائمة ولم يكن منها فعل فترضع منها بغير علمها فانه يرجع على الصغرى بنصف مهر الكبرى. وفى هامش البيان - ما لفظه: فان لم تكن نائمة ولم تمنعها ولا ناولتها ثديها فانه يسقط مهرهما جميعا.
والوجه فيه أنها حينئذ متعدية بتركها أو مفرطة، لأن لبنها معها كالوديعة يجب حفظه.
وان كان شخص عاقل هو الذى قرب الصغرى للرضاع رجع عليه بنصف مهر كل واحدة.
الا أن يكون الذى فعل الرضاع جاهلا محسنا، بأن تخشى المرضعة على الصغيرة التلف ولضرر وهى جاهلة لانفساخ النكاح بذلك، فانه لا يرجع عليها، ولا مهر لها، لأن الفسخ من جهتها اذا كانت غير مدخولة حينئذ فيبطل الرجوع فى المهر بهذين الشرطين وهما: الجهل وخشية التلف. وأما المدخولة أو وجد خلوة فى عقد صحيح وظاهر فلا يسقط مهرها بحال ولو انفسخ نكاحها بأى وجه، ولا يرجع به على أحد لأنه قد استوفى ما فى مقابلته بالوط ء. فان أكره الزوج الكبيرة فانفسخ من جهته فلا يرجع عليها بمهر الصغيرة، ولها نصف مهرها ان لم يكن قد خلا بها، يعنى الكبيرة حيث لا فعل لها. وان كان المكره الغير رجع على المكره بنصف المهرين، فان بقى لها فعل سقط مهرها لأن الاتلاف حصل من جهتها، ويضمن الزوج للصغرى ويرجع على الكبرى وهى ترجع على المكره فان لم يبق لها فعل ضمن الزوج لهما جميعا ويرجع به على المكره، ويقال لا يسقط، وسواء بقى لها فعل أم لا كما لو أكرهها على اتلاف مال الغير. ويثبت حكم الرضاع على الزوج باقراره أو نكوله أو رده اليمين، وكذا لو لم يكن منه اقرار ولا بينة اذا علم الحاكم بتواتر أو غيره وجب الفسخ ولزم اجبارها.
ويثبت كذلك ببينتها ولو من جهة الحسبة يعنى مع الحكم. وأما البينة من دون حكم فلا حكم له. ويكفى فى اقراره أن يقر بأن المرأة محرمة عليه بسبب الرضاع أو أنها أخته من الرضاع أو نحو ذلك. والشهادة على الرضاع لابد فيها من رجلين أو رجل وامرأتين سوى المرضعة لأنها تشهد على امضاء فعلها.
قيل: ذكر أبو جعفر أن شهادتها لا تقبل اذا شهدت أنها ناولته ثديها، لا اذا شهدت أنها وضعت اللبن بين يديه فتقبل، أو رضع الصبى بنفسه من ثديها، أو يوجر الغير من لبنها فحينئذ تقبل شهادتها بذلك اذ لا فعل لها. وقيل انها لا تقبل مطلقا لأنها تجر الى نفسها البنوة (١).
والرضاع فى التحريم كالنسب، أى يحرم به ما يحرم من النسب. فيحرم على الرضيع أصول أمه من الرضاعة وأصول أبيه، وأول فصل من كل أصل قبلهما، ونساؤهم، أى نساء أصول أبيه ونساء أصول أمه، وأما نساء أول فصل فلا يحرمن. ويحرم على الأب والأم فصول ولدهما من الرضاع ما تناسلوا ونساؤهم. ويحرم على الابن فصول أبويه نسبا لهما ورضاعا، وهم اخوته من الرضاعة ما تناسلوا. غالبا يحترز من ست.
الأولى: فانها تحرم لأجل النسب ولا تحرم
стр. 7940
لأجل الرضاع وهى أخت الابن من الرضاع، فانها تحل لأبيه، ولا تحل له أخت ابنه من النسب لأنها تكون بنته أو ربيبته.
الثانية: عمة الابن من الرضاعة لأبيه، والعكس لا تحل عمة الابن من النسب لانها أخت الأب.
الثالثة: جدة الابن من الرضاع أم أمه وأم أبيه من النسب، فانها تحل لأبيه من الرضاع، ولا تحل جدة الابن من النسب، لأنها أم الأب أو أم زوجته.
الرابعة: أم الأخ من الرضاع التى ولدته، فانها تحل لأخيه لأمه من الرضاع، ولا تحل أم الأخ من النسب لانها أم أو امرأة أب.
الخامسة: عمة الأخ من الرضاع فانها تحل لأخيه من الرضاع.
السادسة: خالة الأخ من الرضاع فانها تحل لأخيه من الرضاع (١).
مذهب الإمامية:
جاء فى كتاب «الخلاف» أنه اذا حصل الرضاع المحرم لم يحل للفحل نكاح أخت المولود المرتضع بلبنه، ولا لأحد أولاده من غير المرضعة ومنها لأن أخواته واخوته صاروا بمنزلة أولاده.
والدليل: اجماع الفرقة وأخبارهم وطريقة الاحتياط. وقول الرسول ﷺ : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» وليس فى الشرع جواز أن يتزوج الرجل بأخت ابنه على كل حال فحكم الرضاع مثله (٢). وتنشر حرمة الرضاع للأم المرضعة والفحل صاحب اللبن، فيصير الفحل أبا للمرتضع وأبوه جده وأخته عمته، وأخوه عمه، وكل ولد له فهم أخوة لهذا المرتضع (٣)، وهناك خلاف على عدد الرضعات التى تحرم، فقد جاء فى الخلاف، من أصحابنا من قال ان الذى يحرم من الرضاع عشر رضعات متواليات لم يفصل بينهن برضاع امرأة أخرى. ومنهم من قال خمس عشرة رضعة وهو الأقوى أو ارضاع يوم وليلة، أو ما أنبت اللحم وشد العظم اذا لم يتخلل بينهن رضاع امرأة أخرى وواحد الرضعة ما يروى به الصبى دون المصة. والدليل: أن الأصل عدم التحريم وما ذكر مجمع على أنه يحرم، وما قالوه ليس عليه دليل. وأيضا عليه اجماع الفرقة الا من شذ منهم ممن لا يعتد بقوله.
وروى عن النبى ﷺ أنه قال: «الرضاعة من المجاعة» يعنى ما سد الجوع وقال ﷺ : «الرضاع ما أنبت اللحم وشد العظم» وروى سفيان ابن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير أن النبى ﷺ قال: «لا تحرم المصة ولا المصتان،
стр. 7941
ولا الرضعة ولا الرضعتان». وروى عن عائشة رضى الله تعالى عنها أنها قالت:
«كان مما أنزل الله فى القرآن أن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات وتوفى رسول الله ﷺ وهى مما نقرأ فى القرآن» ووجه الدلالة أنها أخبرت أن عشر رضعات كان فيما أنزله الله، وقولها: «ثم نسخن بخمس رضعات» قولها ولا خلاف لا يقبل قول الراوى انه نسخ كذا بكذا الا أن يبين ما نسخه لينظر فيه هل هو نسخ أم لا (١)؟ والرضاع انما ينشر الحرمة اذا كان المولود صغيرا، فأما ان كان كبيرا. فلو ارتضع المدة الطويلة لم ينشر الحرمة والدليل اجماع الفرقة وأخبارهم وأيضا قول الله ﵎: «وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ ٢» وفيه دليلان.
الأول: أنه جعل الحولين تمام الرضاعة، ومعلوم أنه لم يرد الاسم واللغة ولا الجواز، أنه ينطلق على بعد الحولين، ثبت أنه أراد الرضاع الشرعى الذى يتعلق به الحرمة والتحريم.
الثانى: حده بالحولين، فلا يخلو اما أن يفيد جواز الرضاعة أو الكفاية أو التحريم، فبطل أن يريد الجواز لانه جائز بلا خلاف، وبطل أن يريد الكفاية لأنه قد يكتفى بدون الحولين، فلم يبق الا أنه حده بهذه المدة لان الحكم بها يتعلق لا غير.
وأيضا روى ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى ﷺ قال:
«لا رضاع بعد الحولين» ومعلوم أنه لم يرد سلب الاسم بعد الحولين لأن الاسم ينطلق عليه بعدها، ثبت أنه أراد سلب حكمه (٣).
والقدر المعتبر فى الرضاع المحرم ينبغى أن يكون كله واقعا فى مدة الحولين فان وقع بعضه فى مدة الحولين وبعضه خارجا لم يحرم. مثاله: ان من راعى عشر رضعات من أصحابنا أو خمس عشرة رضعة على ما اعتبرناه. فان وقع خمس رضعات فى مدة الحولين وباقيها بعد تمام الحولين فانه لا يحرم الدليل: قول الله :
«حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ» وما سبق فى المسألة الرابعة (٤). ولا فرق بين أن يكون المرتضع مفتقرا الى اللبن أو مستغنيا عنه، فانه متى حصل الرضاع بالقدر الذى يحرم نشر الحرمة والدليل: عموم الأخبار (٥). واذا اعتبرنا عدد الرضعات فالرضعة ما يشربه الصبى حتى يروى ولا تعتبر بالمصة ويراعى ألا يدخل بين الرضعة والرضعة رضاع امرأة أخرى فان فصل بينهما برضاع امرأة أخرى بطل حكم الأولى. والدليل اجماع الفرقة
стр. 7942
واخبارهم (١).
واذا أوجر اللبن فى حلقه وهو أن يصب فى حلقه صبا ووصل الى جوفه لم يحرم. والدليل ما جاء فى المسألة الأولى وأيضا قول الله : «وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ» وهذه ما أرضعت، ولأن الأصل نفى الحرمة (٢) واذا سعط باللبن حتى يصل الى دماغه فانه لا ينشر الحرمة. والدليل ما جاء فى المسألة الأولى (٣). واذا حقن المولود باللبن لا ينشر الحرمة. والدليل ما جاء فى المسألة الأولى، وأيضا قول الله : «وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ» وهذه ما أرضعت (٤). واذا شيب اللبن بغيره ثم سقى المولود لم ينشر الحرمة غالبا كان اللبن أو مغلوبا، وسواء شيب بجامد كالسويق والدقيق والأرز ونحوه أو بمايع كالماء والخل واللبن، كان مستهلكا أو غير مستهلك.
والدليل قول الله : «وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ» وهذه ما أرضعت ولأن الأصلى نفى التحريم (٥) واذا جمد اللبن أو غلى لم ينشر الحرمة. والدليل ما سبق فى المسألة الأولى (٦). ولبن الميتة لا ينشر الحرمة، ولو ارتضع أكثر الرضعات حال الحياة وتمامها بعد الوفاة لم ينشر الحرمة، والدليل قول الله : «وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ» وهذه ما أرضعت ولأن الأصل الاباحة، وأيضا قول الله : «وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ» (٧) وهذه من وراء ذلك (٨). واذا كانت له زوجة مرتضعة فأرضعتها من يحرم عليه بنتها انفسخ النكاح بلا خلاف، ولا يلزمها شئ من المهر اذا لم يكن بأمره. والدليل أن الأصل براءة الذمة (٩). واذا أرضعتها من يحرم عليه بنتها مثل أمه أو جدته أو أخته أو بنته وامرأة أبيه بلبن أخيه فانفسخ النكاح لم يكن للزوج على المرضعة شئ، قصدت المرضعة فسخ النكاح أو لم تقصد. والدليل ما جاء فى المسألة الأولى (١٠) واذا كانت له زوجة كبيرة لها لبن من غيره وله ثلاث زوجات صغيرات دون الحولين فأرضعت منهن واحدة بعد واحدة، فاذا رضعت الأولى الرضاع المحرم انفسخ نكاحها ونكاح الكبيرة، فاذا أرضعت الثانية فان كان قد دخل بالكبيرة انفسخ نكاح الثانية، وان لم يكن دخل بها فالنكاح بحاله، لأنها بنت من لم يدخل بها، فاذا أرضعت بعد ذلك الثالثة صارت الثالثة أخت الثانية من رضاع فانفسخ نكاحها ونكاح الثانية. والدليل قول الرسول ﷺ : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» وهذه أخت زوجته من أمها من جهة
стр. 7943
الرضاع فوجب أن تحرم (١). ولا تقبل شهادة النساء فى الرضاع بحال لا منفردات ولا مع الرجال. والدليل اجماع الفرقة وأخبارهم، ولأن الأصل ارتفاع الرضاع (٢). واذا قال الرجل لمن هو أكبر سنا منه أو مثله فى السن: هذا ابنى من الرضاع، أو قالت المرأة ذلك سقط قولهما ولم يقبل اقرارهما بذلك. والدليل أن هذا معلوم كذبه فاذا علمنا كذبه أسقطنا قوله (٣).
واذا در لبن امرأة من غير ولادة فأرضعت صبيا صغيرا لم ينشر الحرمة. وخالف جميع الفقهاء فى ذلك. والدليل اجماع الفرقة وأخبارهم (٤).
مذهب الإباضية:
يرى الإباضية أنه لا ترضع امرأة غير ولدها بلا ضرورة الا باذن زوجها. وقد قيل لأن تجعل ثديها فى فم حية خير لها من فم غير ولدها لا لحاجة، كراهة تشبيك الانساب، ولتشهد على ذلك ان ارادته. وان جعلت ثديها بفم طفل وشكت أنه تجرع لبنها أو قطرته فى أذنه أو عينه أو منخره أو فى جرح بحلقه بتداو أو غيره وشكت فى وصوله الى جوفه فذلك موجب شبهة فلا يتزوجها مخافة أن يكون قد وصل الجوف ولا يصافحها كما يصافح ذات محرم مخافة أن يكون لم يصل، وكذا غيره وغيرها ممن يحرم بهما، وكذا لو فعلت ذلك بطفلة فيحتمل الوصول، فهى بنتها فلا يتزوجها ولدها، ولا يتزوج بنتها ابن الكبيرة. وان وقع التزويج أو المصافحة لم يحكم بالتحريم ولا بالكفر ولا يجب التفريق. وقيل لا بأس بقطرة فى أذن أو دبر، ومعنى هذا أنه لا حد للرضاع فأقل قليل رضاع وهو الصحيح وان صبته فى فيه من اناء أو من يدها أو ثديها ولو قاءه بعد وصوله الى جوفه فرضاع لانه صدق عليه أنه رضعها، والرضاع يكون ولو عن قهر ولو جعلت اللبن فى كماء أو لبن شاة أو غيرها أو بطعام غير يابس فلم يعلم موضع لبن المرأة أو علم موضعه لكنه رطب كثيرا بحيث يسرى فسقته أو أطعمته الكل أو الأكثر فذلك رضاع والأقل شبهة وأن تفرد اللبن فى جانب وتبين ولم يشرب فلا رضاع ولا شبهة وقيل لو قطرت قطرة من لبن امرأة فى بئر فشرب منها صبى لكان رضاعا، وقيل لا، ان استهلكت عين اللبن ولونه وغلب عليه الماء، وقيل لا أيضا، ان كان الماء أكثر وان جعلته بدقيق أو طعام يابس فأطعمته ولو قليله فذلك رضاع ان لم يتبين موضعه أو عجنت به ذلك الطعام. وقيل شبهة ان لم يتبين ولم تطعمه الكل ولا الأكثر، وان تبين لم يكن رضاعا ما لم تطعمه، ولا شك ان عجنته كله به وحده فانه رضاع وان طبخت لبنها فى أرز فأكل منه صبى أو شرب من مائه فشبهة ويكون رضاعا الا ان جف الأرز جفافا لا تلحقه رطوبة منه وتغير واحتمله وذهب عينه واختير الاحتياط وفى الديوان قولان:
اذا ذهب لونه وطعمته فى نحو ماء أو طعام، وان طبخ وحده أو مع غيره حتى غيرته النار لم
стр. 7944
يكن رضاعا ولكن صاحب شرح النيل يرى انه رضاع. واذا وقع لبنها فى طعام وتيبس حتى ذهبت رطوبته فأكله الصبى لم يكن رضاعا لزواله ولا يشترط فى اللبن الا زوال رطوبته فى الرضاع وان جعلته فى اناء واحد فشربه طفلان أو أكثر فرضاع وهم أخوة من الرضاع وان جعلت نساء البانهن أو امرأتان فى اناء واحد فشرب طفل بعضه فشبهة بينهن لاحتمال أن يكون البعض المشروب لبن هذه أو لبن هذه أو لبنهن واما هو فقد تحقق انه شرب غير لبن أمه فلا يتزوج ولا يصافح واحدة منهن وان شرب كله فرضاع منهن وان شربه أو شرب بعضه فريق متعدد من الاطفال فشبهة فى حق كل واحد مع الآخر وعليهن جميعا (١) وان ألقم صبى الثدى ومص وقعت شبهة والرضاع أولى به وتركت الشبهة وذلك ان كان فيه لبن والمص دون ظهور اللبن لا يوجب رضاعا لأنه قد يمص ولا ينحدر له اللبن الا أنه شبهة ولا يحكم الا بالرضاع أو الا بظهور اللبن فى طرفى شفتيه أو باحساسها اللبن يتحلب منها وبشهادة وقيل اذا رأته يمص وغلب ظنها انه وصل جوفه فرضاع والطفلة كالطفل بالنسبة الى ابن مرضعتها ومن يحرم برضاعها. وان ارضعت ابن حولين قبل الحلول فى الثالث فأقل فتجرعه رضاع ولو استغنى عن الرضاع وقيل ان جمع الاكل والرضاع فرضاع وان اعتمد على الطعام واجتزأ به فليس برضاع لا ان ارضعت ابن ثلاث سنين فأكثر وابن الثلاث هو الداخل فى السنة الثالثة ما لم يخرج منها. فليتزوج مرضعته ومحرماتها هذا الأمر للاباحة.
والاذن ولا يصافحهن ولو لم يستغن عن الرضاع وقيل ان لم يستغن فرضاع حتى يدخل الرابعة وقيل أبعد الربية أربعة أعوام (احتياطا) أى دخول الرابع قائله أبو عبيدة احتياطا وقاله البعض جزما وذكر الريبة والبعد عنها بناء على أن المدار فى الرضاع على اعتماد الصبى على اللبن فى تغذية ويدل على أن المدار على ذلك قول البعض أنه أن اجتزئ بالطعام قبل الخروج من العامين فليس برضاع ووجه الحوطة ما يروى من الزيادة على عامين وشهر عنه ﷺ «لا رضاع بعد حولين» وروى وأربعة أشهر وروى وستة أشهر وأجمعوا أن للأم أن تطالب الزوج بنفقة الرضاع الى الحولين ولا يحكم لها بها بعدهما كما لو طلب الرضاع بعدهما لم يحكم به عليها: وانه لا يحرم عليه أن يرضع من لبن زوجته - وعلى القول بأن أبعد الريبة أربعة فمن أرضعته دونها لا تتزوجه وهو معنى قولهم ابن سنتين يصافح مرضعته ولا يناكحها لأنها محرمته وابن ثلاث لا يصافح لربية أن لا تحرم عليه ولا يناكح لريبة أن تحرم عليه وابن أربع يناكح لتيقن أنها ليست محرمة له ولا يصافح لذلك أيضا وأما على القول الأول فابن ثلاث كابن أربع (٢).
وان دخلت امرأة محلة فأرضعت صبيانا فيها فخفى ذلك على أهلها وقد علموا بالرضاع جازت مناكحة القوم الا من علم انه أخ الآخر.
ومنعها بعض وان كان لرجل أكثر من زوجة
стр. 7945
أو كان معها أى مع الزوجة الواحدة أو الزوجات سرية أو سريتان أو أكثر أو تجردت له سريتان أو أكثر فرضيع واحدة من لبنه لا يتزوج رضيع آخر منه لأنه أخوه من أبيه من الرضاع ولا يتزوجها لانه ربيبها من الرضاع لاتحاد الفحل لأن اللبن له وكذا ان كان الرضيع جارية فلا تحل لأحد من ولد الرجل ولو لم تجتمع المرضعات عنده فى المسألتين ولو تقدم الأخ أو الاخت من الرضاعة على الرضيع وكذا فى سائر المسائل. فان ولدت امرأة ثم بانت فتزوجت آخر فأرضعت من لبنه غلاما أو جارية فلا يحل أحدهما لأحد من ولد الأول وله أن يتزوج من ولد الأخيرة من غير المرأة لجواز أن يريد بالرضيع الولد الرضيع ذكرا أو انثى.
ومن طلق زوجة أو مات عنها أو فارقته بوجه ما أو أعتق سرية أو اعتزلها أو باعها ثم تزوجت غيره أو تسراها فان مسها الثانى انقطع اللبن عن الأول الى الثانى، ولو كانت ترضع ولد الأول فيحل له تزوج امرأة الأول وأمها وبنتها وخالتها ونحوهن. وقبل المس تحرم عليه هؤلاء ويحللن له من الثانى. وقيل لا ينقطع حتى تحمل من الثانى وقيل حتى تحمل منه وتضع والمس هنا هو الجماع فلا ينقطع اللبن بمس فرج بيد ولا بنظر.
قال فى الديوان يكون اللبن لمجنون ان مس بالغة ولعبد ومشرك لا لطفل ويكون لناكح فاسدا ولواطئ فى دبر أو فيما دون أو فى حيض أو نفاس أو بزنا لا لماس فرجا بيد ولا لناظر بطن جسد أى ولو باطن فرج ولا لمجبوب ولا لواطئ فى نكاح حرام بعمد ويقطع الزوج البالغ اللبن اذا مس مسا تاما أى بأن غابت الحشفة فلو لم تغب لم يقطع قال وكل مس يقطع اللبن اذا كان يثبت به اللبن الا المس فيما دون الفرج. فانه يثبته ولا يقطعه ولا مس طفل بزنا ولا بنكاح محرم عمدا كنكاح خائنة أو فى عدة ويقطعه بنكاح فاسد والذبد كاللبن وفى المنجوس قولان.
والمغصوب والمسروق رضاع. ولبن الرجل لا يكون رضاعا وقيل يكون ويكونه لبن الخنثى ولا يتزوج أب زان بامرأة كأبنة رضيعها من لبنه اذا كان الرضيع انثى وكذا الآباء والامهات صاعدا أو سافلا من الجهتين والأبناء كذلك وذلك أن يزنى بامرأة فتحل بزناه ولا زوج لها بذلك اللبن ينسب اليه فلا يتزوج ما أرضعت به ولا يتزوج ما أرضعته والده ولا والدته ولا ولده ونحوهم مما يحرم لو كانت تلك زوجته وكان من أرضعته ولدا له وان كان لها زوج فاللبن له لا يقطعه الزانى فالولد له لا للزانى فلا يحرم من رضعها بعد زناه بها عليه فى ظاهر الحكم ولا على من فوقه أو تحته ويستحب له أن يجتنب ذلك فانه شبهه (١) وحرم ارضاع طفل لبن امرأة ميتة لانه نجس حرام فلا يحل الا لضرورة وهو رضاع ان وقع من امرأة ميتة ان خرج من ثديها شئ ولو لم يعرف ما هو وقيل لا.
وعلى انه رضاع هل يتجاوزها الى غيرها فلا يتزوج بنتها ولو سفلت ولا امها ولو علت أو لا؟ قولان: ولبن أمة من عبد ومشركة من مشرك رضاع وهل يتجاوزهما وينشر الحرمة فى أولادهما وامهاتهما كحرة ومسلمة أو لا يتجاوزهما؟ خلاف. والأول أصح عند بعض،
стр. 7946
ووجهه عموم لفظ الرضاع ووجه من قال لا يتجاوز ان التحريم بالرضاع محمول على التحريم بالأم والمشركة لا تكون أما لولد مسلم الا ان كانت كتابية لأنها لا تحل له وكذا الميتة فاقتصر فى المشركة عليها، ولا بد لعموم ظاهر «وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم» فى الميتة ولعموم لفظ الرضاع فى الأحاديث والأمة ولو صح أن تكون أما لولد مسلم لكن قد عارض التحريم بها أن ولد الأمة عبد ومن أرضع أمة يكون كولدها ولا سبيل الى تصييره عبدا بلبنها مع انه ولد حرة فألغى كون ذلك رضاعا الا فى حقها ومما يؤكد التجاوز فى الميتة حديث «حرمة موتانا كحرمة أحيائنا». وكون أرش الميت كأرش الحى واما لبن أمة من حر ولبن مشركة من مسلم فينشر الحرمة لقوته بالحر والمسلم فان اللبن للزوج فالتحريم فى جانبه لأن اللبن له وفى جانبها لأنها مرضعة وكذا لبن حرة من عبد يقوى بها فينشر الحرمة وقال فى الديوان «لبن المشركة والأمة اذا مسهما فحل بحرام فهو رضاع لا يجاوزهما كالحرة الموحدة وقيل يجاوزهما».
ومعنى كونه لا يجاوزهما هو انه لا يتعداهما الى بناتهما وامهاتهما وظاهره اختيار انه لا يجاوزهما ولكن خص المسألة بمس الحرام والظاهر أن لبن الحرة الموحدة يتجاوزهما قطعا وهو الحق وعليه الجمهور.
فمن له امرأتان ترضع احداهما صبيا والأخرى صبية وليسا منه فالجمهور على تحريم تناكحهما وغيرهم على جوازه وعلى قول الجمهور لا يتزوج بنته من رضاع وهى التى رضعت من لبنه ولا اخته وهى بنت مرضعته وبنت من رضع من لبنه ولا عمته ولا خالته وبنت أخيه أو أخته ولا امرأة من ولد مرضعته كانت بنت ابن أو بنت بنت ولا ولد ولد الذى رضع من لبنه. ومن زنا بأمرأة فأرضعت جارية حرمتا عليه ولك أن تتزوج أم بنتك من رضاع واختها ومرضعة اخيك (١).
وأن اسلمت مشركة فما أرضعته بشرك فكرضاع المشركات فى أنه هل ينشر الحرمة أو لا قولان وما أرضعته فى الاسلام فرضاعه كرضاع المسلمات فى نشر الحرمة على المذهب الحق. وكذا رضاع أمة قبل العتق كرضاع الأمة من لبن عبد فى أنه هل ينشر الحرمة أم لا؟ ورضاعها بعد العتق كرضاع الحرة فى نشر الحرمة وما أرضعته أمة من لبن حر متزوج لها أو متسر فكرضاع الحرائر فى النشر وكذا ما أرضعت كتابية معاهدة من لبن مسلم فكرضاع المسلمات فى النشر وما أرضعت حرة من لبن عبد فكرضاع الحرائر فى النشر وكذا لا يراعى الزوج فيما أرضعته مسلمة من مشرك فانه يكون رضاع كرضاع المسلمة الحرة لا كرضاع المشركة. وتصوير ذلك أن تتزوج على أنه مسلم فظهر انه مشرك، أو يزنى مشرك بمسلمة لا زوج لها فتبين اللبن مته، وأن تسلم مشركة تحت مشرك وقد حملت منه أو كان منه لبن ولا يقيم عليها. وأن أسلمت مشركة بعد ما حملت من شرك فرضاعها كرضاع مسلمة.
والزبد من لبن المرأة وكل ما تحصل من لبنها كاللبن، والضابط هو أن اللبن تابع للحرية والاسلام اذا اجتمع أحدهما مع ضده وكذا الزبد (٢) وان تغير لبن بدم أو قيح أو بهما فتجرعهما فهو موجب للشبهة ولو كان اللبن مغلوبا من باب التحرج والتورع لا يتزوج ولا يصافح وأما الحكم فللأغلب. فان كان
стр. 7947
اللبن مغلوبا فلا رضاع أو غالبا فرضاع وان استوى بغيره رجح الجزم بأنه رضاع (١).
واختلف فى رضاع لبن جارية بكر أو ثيب قبل أن يمسها فحل لا حلالا ولا حراما والمراد هنا البالغ وفى عجوز لم يمسها وفى طفلة. وجه القول بأن ذلك رضاع عموم لفظ الرضاع ووجه القول بأنه غير رضاع أنها ليست زوجة قط لأحد، ولا كان اللبن لأحد. والتحريم بالرضاع انما هو محمول على أصله الذى هو ارضاع الوالدة ولدها. ولبن ثدى الرجل أو الطفل رضاع. وفيما حلبته امرأة من ثديها مشوبا لا خالص لبن هل هو رضاع شرعى أو لا؟ قولان ثالثهما أنه رضاع ان كان ينبت اللحم وعنه ﷺ لا رضاع الا ما شد اللحم رواه ابن مسعود وعنه ﷺ «لا يحرم من الرضاع الا ما فتق» روته أم الفضل وعلى هذا القول لا يقع التحريم بلبن قديم ضعيف طال عهده فى المرأة بحيث لا يغذى ولا ينبت اللحم. ولبن الخنثى رضاع. وان قالت أرضعت فلانا وفلانة حرم تناكحهما ولو قالت بعد كذبت. وفرق بينهما حتما ان سبق قولها بأنها أرضعتهما تناكحهما. وقد قيل لو نطق طائر برضاع لم يجز الاقدام على التزوج لا ان قالت أرضعتهما بعد نكاح ظاهر وحضرته بأن كانت فى البلد بحيث يصلها فى العادة. وان غابت وبلغها الخبر بالتزوج، فقالت ذلك وكانت فى البلد بحيث يصلها فى العادة. وان غابت وبلغها الخبر بالتزوج فقالت ذلك فرق، كما اذا بلغتها ارادة التزوج فقالته أو لما قدمت اخبرتهم بأنها أرضعتهما وتصدق ان ادعت نسيانا انها لم تخبرهم بالارضاع لنسيانها اياه وكانت متولاه والا لم تصدق الا ببيان وقيل تصدق ان ادعت نسيانا لو غير متولاه ويقبل قولها مطلقا فى انسان ممكن أن ترضعه. وان أرضعته ولو قالت انها أرضعت من هو أكبر منها أو مثلها أو دونها ولم تفقه بسبع سنين ولا بست وبعض السابعة أو فاقته بها وقد تبين انها حينئذ لا تتزوج أو لم يكن لها لبن فى وقت ادعت ارضاعه لم يكن قولها بشئ. ومن أقر بمحرمة من رضاع ثم ادعى غلطا أو نسيانا أو خطأ فله تزوجها أن صدقته وان لم يدع فرقا. ويقبل اقراره فى الحرمة للأم لا عليها فى الصداق وان أقرت المرأة وأنكر ثم كذبت نفسها وقالت أخطأت فتزوجها جاز ولا يقبل قولها بعد التزوج الا ان صدقها أو بينت وأن صدقت افتدت وأن تزوجها قبل أن تكذب نفسها لم يفرقا ويؤمر بتركها. وان ادعى وتزوجته قبل أن يكذب نفسه ثم كذب نفسه فسد وقيل لا كأعمى أشار لاخته فأخطأ بأمرأته فقال هذه اختى ورد بأنه لا للمبصر الرجوع، وكذا فى العتق ومن أدعى حرمة رضاع أو نسب وقد علم خلافها لم يفرقا وأن لم يعلم فرقا. وان باعت عبدا فادعى انها أرضعته لم يقبل فى ذلك ولو صدقته الا عدلان شهدا باقرارها قبل، فان كان ردت الثمن ورجع العبد اليها.
وجازت شهادة المرضعة ولو لم تسأل وقيل ولا رجوع لشهادة بالرضاع وان قال أمينان فلانة أرضعت فلانا وفلانة أو أحدهما وقالت لم أرضعهما نقول الأمناء أحق من قولها وأما أهل الجملة فلا يؤخذ بقولهم مع انكارها ولو كثروا الا عند من أجاز الحكم بشهادتهم ولو وقع الانكار ما لم يسترابوا فانه يؤخذ بقولهم وهو أحوط وهل تقبل شهادة النساء
стр. 7948
برضاع أن فلانة أرضعت فلانا أو فلانة أو أنى أرضعتهما ولو وجدهن أولا؟
قولان: وعلى الأول فهل تقبل من أربع أو اثنتين أو واحدة مرضية وتستحلف أو لا تستحلف أقوال ومذهبنا جواز الواحدة الأمينة المرضعة حرة أو أمة ولو بعد النكاح وترد من غيرها بعد الدخول وقيل ترد بعد العقد ولو لم يكن الدخول ويؤمر بقبول قولها قبد الدخول لا وجوبا ولا يقبل العراقيون قول المرضعة ولو أمينة وجازت من عدلين عن مرضعة ان ماتت أو جنت أو غابت لا دون ذلك. وصدق بعض المجوسية ان لم تتهم وكذا سائر المشركات وجازت شهادة الذميين فى الرضاع وأجيزت الأمة الكتابية ان لم تتهم وان أخبرت غير الأمينة برضاع بعد العقد فقال الزوج أصدقها ولا أقوم على شبهة فان قالت الزوجة كذلك افترقا بلا طلاق ولا صداق والا وحاكمته حكم عليه بالطلاق ونصف الصداق وقال صاحب النيل فى بعض مختصراته اختلف فى شهادة المرضعة قبل العتق ان كانت غير عدلة ولا يفرق بين الزوجين بعد الجواز الا بعدلة وقيل بعدلين وجازت من الذمية ان كانت عدلة فى دينها وقيل لا.
وجازت من الأم لا الأب على البنت بالرضاع وعن أبى عبد الله لا تجوز المرأة وحدها الا على ارضاعها لأحد دون ارضاع سواها لأحد وجازت عند بعض من قابلة عدلة وان قالت امرأة لم أرضعهما ثم قالت أرضعتهما ونسيت أو بالعكس قبلت مطلقا ان عدلت وقيل ان نفت وعلمت بنكاحهما ورأتهما مجتمعين فلم تشهد حتى مضى زمان اتهمت وردت وان شهدت ثم رجعت قبل أن يفرق قبلت وان رجعت بعد التفريق ردت وغرمت الصداق وتم التفريق.
وان قالت أرضعتهما ثم أنكرت رد قولها الأول وقيل اذا قالت ثم رجعت قبل الحكم ثم شهدت بذلك بينة رد الأول لرجوعها عنه وان شهدت أمة انها أرضعت مولاها فلا تجب له بيعها ولا نكاحها ولا ما ولدت وجوز بيعها لأنها تجر نفعا لنفسها ومن خطب امرأة أو أراد تسريها فزعمت زوجته أو سريته أو غيرهما أنها أرضعتها أو أرضعت من لا تحل به المخطوبة ثم كلما أراد أمرأة بنكاح أو تسر قالت أرضعتها أو من لا تحل به دفع قولها ان استربيت وان لم تسترب أو قالت ذلك بعدلين قبل العقد أو التسرى صدقت وقيل أن متولاة. ومن تزوج محرمة برضاع بلا علمه ثبت النسب ولو علمت وان علم الأب ضمن له الصداق وعوقب.
وان خطب امرأة فقال أبوه أو من تحرم به مستها أو أرضعتها أو رضعتنى تركها وان قالوا بعد العقد أو المس لم يصدقوا وقيل يصدقون قبل المس وقيل يصدقون ولو بعده ان ادعوا نسيانا ولو حضروا أو لم يتولوا وأن تزوج امرأة وطفلة فأرضعتها فارقها وأن فى عقدة فارقها وجدد للطفلة وان مسها فارق الكبيرة أو مسهما فارق الطفلة وقيل حرمتا وأن مسها فارق الطفلة وان تزوج امرأة وطفلتين فأرضعت واحدة فارقها وأمسكها وان أرضعتهما استأنف لواحدة، وان مس الكبيرة فارقهما وكذا ان مسهما فأرضعتهما، وان مسهما فارقها وجدد لواحدة وكذا ان مس احداهما وان تزوج أربعا فأرضعتهن أجنبية استأنف لمن شاء وقيل يقيم على من شاء.
стр. 7949
ومن تزوج طفلة فأرضعتها من تحرم به أصدقها ورجع على المرضعة أن تعمدت التحريم وان كانت أمة فعلى ربها قيمتها فأقل (١).
أم الفروخ «أم الأرامل»
معنى أم الفروخ:
أم الفروخ مسألة من مسائل الميراث العائلة، أى التى تزيد سهام الورثة فيها عن سهام التركة ومعنى هذا الاسم أنها شبهت بالطائر الذى له فروخ كثيرة كالدجاج ونحوه، لكثرة السهام العائلة فيها. فلذلك سميت بهذا الاسم كما سميت بالشريحية لأن أول من قضى فيها القاضى شريح الكندى.
صورة المسألة:
ماتت امرأة وخلفت زوجا وأما وأختين من الأم وأختين من الأب والأم.
حكم التوريث فيها:
للزوج النصف، وللأم السدس، وللأختين من الأم الثلث، وللأختين من الأم والأب الثلثان.
فأصلها من ستة وتعول الى عشرة، وهو أكثر ما تعول اليه الفرائض: لأنها عالت بثلثيها.
وقد اتفقت المذاهب الاسلامية على ذلك (٢).
مسائل أخرى مماثلة لأم الفروخ
أم الأرامل:
وسميت بهذا الاسم لأن أهل الفرض كلهم نساء وتسمى أم الفروخ أيضا.
وصورتها:
مات رجل وخلف ثلاث زوجات وجدتين وأربع أخوات من الأم وثمانى أخوات من الأب والأم. فللزوجات الربع وللجدتين السدس وللأخوات من الأم الثلث وللأخوات من الأب والأم الثلثان.
وأصلها من اثنى عشر وهو أكثر ما يعول اليه هذا الأصل (٣).
كما تسمى هذه المسألة أيضا بالدينارية الصغرى على أساس أنها تقسم بعولها الى سبعة عشر حيث المال فى التركة سبعة عشر دينارا (٤).
стр. 7950
«أم ولد»
التعريف فى اللغة:
أم ولد مركب اضافى يلاحظ طرفاه فيمن يطلق عليه، فتعريفه لغويا يقتضى تعريف كل من طرفيه فى اصطلاح اللغويين.
أما كلمة (أم) بضم الهمزة فهى اسم من الفعل أم، يقال أمت المرأة وتؤم أمومة صارت أما. وأمت المرأة ولدا صارت له كالأم.
والأم بضم الهمزة: أصل الشئ (للحيوان والنبات)، والأم: الوالدة وتطلق على الجدة، يقال حواء أم البشر. ويتغير معناها تبعا لتغير ما تضاف اليه وما توصف به، فأم الكتاب فاتحته وأم النجوم المجرة وأم الطريق الأعظم بجانبيه طرق أخرى، وأم المثوى مدبرة المنزل، وأم القرى مكة، وأم الرأس الدماغ، وأم الخبائث الخمر.
والأم الحنون (فى التشريح):
الغشاء الوعائى الرقيق المؤلف للطبقة الداخلة من الأغلفة الثلاثة المحيطة بالمخ والحبل الشوكى (١). وأما كلمة ولد، فالولد كل ما ولد ذكرا كان أو أنثى، مفردا أو مثنى أو جمعا.
فأم الولد هى كل من ولد لها ولد (٢).
التعريف فى اصطلاح الفقهاء:
جرى استعمال الفقهاء لكلمة (أم ولد) على معنى: الجارية التى استولدها سيدها فصارت أم ولد، مع اختلاف فى الشروط والأسباب (٣).
سبب صيرورة الجارية أم ولد
مذهب الحنفية:
جاء فى «بدائع الصنائع» أن سبب صيرورة الجارية أم ولد لسيدها هو ثبوت نسب الولد لأن الوط ء المعلق أوجب الجزئية بين المولى والجارية بواسطة الولد لاختلاط الماءين وصيرورتهما شيئا واحدا وانخلاق الولد منه فكان الولد جزءا لهما وبعد الانفصال عنها ان لم يبق جزءا لها على الحقيقة فقد بقى حكما لثبوت النسب، ولهذا تنسب كل الأم اليه بواسطة الولد، يقال أم ولده، فلو بقيت حقيقة الحرية لثبتت حقيقة الحرية للحال، فاذا بقيت حكما ثبت الحق على ما عليه وضع مأخذ الحجج فى ترتيب الأحكام على قدر قوتها وضعفها، والى هذا المعنى أشار عمر رضى الله تعالى عنه فقال أبعد ما اختلطت لحومكم بلحومهن ودماؤكم بدمائهن تريدون بيعهن. ثم اختلف أصحابنا رحمهم الله تعالى فى كيفية هذا السبب، فقال علماؤنا الثلاثة:
السبب هو ثبوت النسب شرعا، وقال زفر رحمه الله تعالى:
هو ثبوت النسب مطلقا، سواء ثبت شرعا أو حقيقة وبيان هذه الجملة فى مسائل، اذا تزوج جارية انسان فاستولدها ثم ملكها صارت أم ولد له عند أصحابنا لأن سبب الاستيلاد وهو ثبوت النسب وقد ثبت فتحقق