← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 7981–8020 · переход к 7986.

стр. 7981

واذا جنت أم الولد تعلق ارش جنايتها برقبتها وعلى السيد ان يفديها باقل الأمرين من قيمتها أو دونها وبهذا قال الشافعى رضى الله تعالى عنه وحكى ابو بكر عبد العزيز رحمه الله تعالى قولا آخر انه يفديها بارش جنايتها بالغة ما بلغت لأنه لم يسلمها فى الجناية فلزمه ارش جنايتها بالغة ما بلغت كالقن وقال أبو ثور رحمه الله تعالى: ليس عليه فداؤها وجنايتها فى ذمتها تتبع بها اذا عتقت لأنه لا يملك بيعها فلم يكن عليه فداؤها كالحرة. ويدل لنا انها مملوكة له يملك كسبها لم يسلمها فلزمه ارش جنايتها كالقن ولا تلزمه زيادة على قيمتها لأنه لم يمتنع من تسليمها، وانما الشرع منع ذلك لكونها لم تبق محلا للبيع ولا لنقل الملك فيها وأما القن اذا لم يسلمها فلنا فيه منع وان سلم فلأن القن امكن ان يسلمها للبيع فربما زاد فيها راغب أكثر من قيمتها فاذا امتنع مالكها من تسليمها أوجبنا عليه الارش بكماله بخلاف أم الولد فان ذلك لا يحتمل فيها لأنه لا يجوز بيعها فلم يكن عليه أكثر من قيمتها (١). فان ماتت قبل فدائها فلا شئ على سيدها لأنه لم يتعلق بذمته شئ وانما تعلق برقبتها فاذا ماتت سقط الحق لتلف متعلقه، وان نقصت قيمتها قبل فدائها وجب فداؤها بقيمتها يوم الفداء لأنها لو تلفت جميعها لسقط الفداء فيجب ان يسقط بعضه بتلف بعضها وان زادت قيمتها، زاد فداؤها لأن متعلق الحق زاد فزاد الفداء بزيادته كالقن، وينبغى ان تجب قيمتها معيبة بعيب الاستيلاد لأن ذلك ينقصها فاعتبر كالمرض وغيره من العيوب ولأن الواجب قيمتها فى حال فدائها وقيمتها ناقصة عن قيمة أم الولد فيجب أن ينقض فداؤها وأن يكون مقدرا بقيمتها فى حال كونها أم ولد. فان كسبت بعد جنايتها شيئا فهو لسيدها لأن الملك ثابت له دون المجنى عليه وكذلك ولدها لأنه منفصل عنها فأشبه الكسب وان فداها فى حال حملها فعليه قيمتها حاملا لأن الولد متصل بها أشبه سمنها وان اتلفها سيدها فعليه قيمتها لأنه أتلف حق غيره فأشبه اتلاف الراهن وان نقصها فعليه نقصها لأنه لما ضمن العين ضمن أجزاءها، فاما ان جنت جنايات فان كانت الجنايات كلها قبل فداء شئ منها تعلق ارش الجميع برقبتها ولم يكن عليه فيها كلها الا قيمتها أو ارش جميعها وعليه الأقل منهما ويشترك المجنى عليهم فى الواجب لهم فان لم يف بها تحاصوا فيها بقدر أروش جناياتهم وان كانت الجناية الثانية بعد فدائه من الأولى فعليه فداؤها من التى بعدها كالأولى وحكى أبو الخطاب رواية ثانية عن أحمد رضى الله تعالى عنه انه اذا فداها بقيمتها مرة لم يلزمه فداؤها بعد ذلك لأنها جناية فلم يلزمه أكثر من قيمتها كما لو لم يكن فداها وقال الشافعى رضى الله تعالى عنه فى أحد قوليه. لا يضمنها ثانيا ويشارك الثانى الأول فيما أخذه كما لو كانت قبل فدائها ويدل لنا انها أم ولد جانية فلزمه فداؤها كالأولى ولأن ما أخذه الأول عوض جنايته أخذه بحق فلم يجز ان يشاركه غيره فيه كارش جناية الحر أو الرقيق القن وفارق ما قبل الفداء لأن ارش الجنايات تعلق برقبتها فى وقت واحد فلم يلزم السيد أكثر من قيمة واحدة كما لو كانت الجنايات على واحد فان ابرأ بعضهم من حقه توفر الواجب

стр. 7982

على الباقين اذا كانت كلها قبل الفداء وان كانت المعفو عنها بعد فدائه توفر ارشها على سيدها (١). وللسيد تزويجها وان كرهت لأنها أمة يملك الاستمتاع منها واستخدامها فملك تزويجها واذا زوجها فالمهر له لأنه بمنزلة كسبها وكسبها له (٢) واذا قتلت أم الولد سيدها عمدا فعليها القصاص لورثة سيدها ان لم يكن له منها ولد كما لو لم تكن أم ولد وان كان له منها ولد وهو الوارث وحده لم يجب عليها القصاص لأنه لو وجب لوجب لولدها ولا يجب للولد على أمه قصاص، وقد توقف أحمد عن هذه المسئلة فى رواية مهنا وقال دعنا من هذه المسائل وقياس مذهبه ما ذكرناه وان كان مع ولده منها أولاد له من غيرها لم يجب القصاص أيضا لأن حق ولدها من القصاص يسقط فيسقط كله ونقل مهنا عن احمد انه يقتلها اولاده من غيرها وهذه الرواية تخالف أصول مذهبه والصحيح انه لا قصاص عليها واذا لم يجب القصاص فعليها قيمة نفسها ويدل لنا انها جناية من أم ولد فلم يجب بها أكثر من قيمتها كما لو وجب على أجنبى ولان اعتبار الجناية فى حق الجانى بحال الجناية بدليل ما لو جنى عبد فأعتقه سيده وهى فى حال الجناية أمه فانها انما عتقت بالموت الحاصل بالجناية فيكون عليها فداء نفسها بقيمتها كما يفديها سيدها اذا قتلت غيرها ولأنها ناقصة بالرق اشبهت القن وتفارق الحر فانه جنى وهو كامل وانما تعلق موجب الجناية بها لأنها فوتت رقها بقتلها سيدها فأشبه ما لو فوت المكاتب الجانى رقه بادائه (٣). ولا حد على قاذفها وعنه عليه الحد والأول قول أكثر أهل العلم وروى عن أحمد رضى الله تعالى عنه أن عليه الحد لأن ذلك يروى عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما ولأن قذفها قذف لولدها الحر وفيها معنى منع بيعها فاشبهت الحرة والأول أصح لأنها أمة حكمها حكم الاماء فى أكثر احكامها ففى الحد أولى لأن الحدود يدرأ بالشبهات ويحتاط لاسقاطها ولأنها أمة تعتق بالموت اشبهت المدبرة وتفارق الحرة فانها كاملة ولا يجب القصاص على الحرة بقتلها لعدم المكافأة فان كان القاتل رقيقا وجب القصاص عليه لأنها أكمل منه وان جنت على عبد أو أمة جناية فيها القصاص لزمها القصاص لأنها أمة احكامها احكام الاماء واستحقاق العتق لا يمنع القصاص كالمدبرة (٤). وجاء فى المغنى أن الكافر يصح منه الاستيلاد لأمته كما يصح منه عتقها واذا استولد الذمى أمته ثم أسلمت لم تعتق فى الحال وعن أحمد رضى الله تعالى عنه رواية أخرى انها تستسعى فان أدت عتقت وهو قول أبى حنيفة لأن فيه جمعا بين الحقين حقها فى أن لا يبقى ملك الكافر عليها وحقه فى حصول عوض ملكه فاشبه بيعها اذا لم تكن أم ولد ويدل لنا أنه اسلام طرأ على ملك فلم يوجب عتقا ولا سعاية كالعبد القن وما ذكروه مجرد حكمة لم يعرف من الشارع اعتبارها وبقاؤها ضرر فان فى عتقها مجانا

стр. 7983

اضرارا بالمالك بازالة ملكه بغير عوض وفى الاستسعاء الزام لها بالكسب بغير رضاها وتضييع لحقه لأن فيه احالة على سعاية لا تدرى هل يحصل منها شئ أولا؟ وان حصل فالظاهر انه يكون يسيرا فى أوقات متفرقة وجوده قريب من عدمه والحق ان يبقى الملك على ما كان عليه ويمنع من وطئها والتلذذ بها كى لا يطأها ويبتذلها وهو مشرك ويحال بينه وبينها ويمنع الخلوة بها لئلا يفضى الى الوط ء المحرم ويجبر على نفقتها على التمام لانها مملوكته ومنعه من وطئها بغير معصية منها فأشبهت الحائض والمريضة وتسلم الى امرأة ثقة تكون عندها لتحفظها وتقوم بأمرها، وان احتاجت الى آجر أو أجر مسكن فعلى سيدها. وذكر القاضى ان نفقتها فى كسبها وما فضل من كسبها فهو لسيدها وان عجز عن نفقتها فهل يلزم سيدها تمام نفقتها؟ على روايتين، والصحيح ان نفقتها على سيدها وكسبها له يصنع به ما شاء وعليه نفقتها على التمام سواء كان لها كسب أو لم يكن لأنها مملوكة له ولم يجر بينهما عقد يسقط نفقتها ولا يملك به كسبها فأشبهت أمته القن أو ما قبل اسلامها ولأن الملك سبب لهذين الحكمين، والحادث منهما لا يصلح مانعا لأن الاستيلاد لا يمنع منهما بدليل ما قبل اسلامها والاسلام لا يمنع بدليل ما لو وجد قبل ولادتها واجتماعهما لا يمنع لأنه لا نص فيه ولا هو فى معنى المنصوص عليه، ولانه اذا لم تلزمه نفقتها ولم يكن لها كسب أفضى الى هلاكها وضياعها ولأنه يملك فاضل كسبها فيلزمه فضل نفقتها كسائر مماليكه (١)، واذا عتقت أم الولد بموت سيدها فما كان فى يدها من شئ فهو لورثة سيدها لأن أم الولد أمة وكسبها لسيدها وسائر ما فى يدها له فاذا مات سيدها فعتقت انتقل ما فى يدها الى ورثته كسائر ماله وكما فى يد المدبرة وتخالف المكاتبة فان كسبها فى حياة سيدها لها فاذا عتقت بقى لها كما كان لها قبل العتق (٢). والوصية لأم الولد تصح. فلا نعلم فيه خلافا بين أهل العلم القائلين بثبوت حكم الاستيلاد وبهذا قال الشافعى واسحاق واصحاب الرأى. وقد روى الامام احمد وسعيد ابن منصور عن هشيم باسناده أن عمر ابن الخطاب رضى الله تعالى عنه أوصى لأمهات أولاده باربعة آلاف ولأن أم الولد حرة فى حال نفوذ الوصية لها لأن عتقها يتنجز بموته فلا تقع الوصية لها الا فى حال حريتها (٣). مذهب الظاهرية: جاء فى «المحلى» أن كل مملوكة حملت من سيدها فأسقطت شيئا يدرى

стр. 7984

أنه ولد أو ولدته فقد حرم بيعها وهبتها ورهنها والصدقة بها وقرضها ولسيدها وطؤها واستخدامها مدة حياته فاذا مات فهى حرة من رأس ماله، وكل مالها هو لها اذا عتقت ولسيدها انتزاعه فى حياته فان ولدت من غير سيدها بزنا أو اكراه أو نكاح بجهل فولدها بمنزلتها اذا عتقت عتقوا (١). ويجوز لأم الولد أن تعتق عبدها ويكون الولاء لها يدور معها حيث دار (٢). مذهب الزيدية: جاء فى «البحر الزخار» أن أم الولد كالقن فى جواز الوط ء والاستخدام اتفاقا لما رواه ابن عمر عن النبى ﷺ أنه نهى عن بيع أمهات الأولاد قال: لا يبعن ولا يوهبن ولا يورثن، يستمتع منها السيد ما دام حيا، فاذا مات فهى حرة قال الهادى والمؤيد بالله: وليس له تزويجها حتى يثبت عتقها، اذ قد ثبت فراشها الموجب للنسب والعدة فلا تنكح حتى يرتفع كفراش الزوجية. وقال الامام يحيى والعترة: يجوز برضاها لا مع الاكراه لشبهها بالحرة لحصول سبب عتق لا يملك السيد ابطاله. ويدل لنا أن هذا معارض بالقياس الذى ذكرنا، ولا قياس مع الفرق. وعلى رأى من يجوز انكاحها فان ذلك يكون الى الحاكم للخلاف. وقال الامام يحيى وابن أبى هريرة: يكون انكاحها الى الحاكم مع التشاجر والا فالى السيد. قال العترة: وله تأجيرها وقال مالك رضى الله تعالى عنه: لا، لنهيه ﷺ عن خراج الأمة (٣) ويدل لنا قوله ﷺ : «وليستمتع بها مدة حياته» ونهيه ﷺ متعلق بالخراج المحظور لقوله تعالى «وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ» (٤) وتجبر على الخدمة والاجارة لا التزويج، اذ ثبت لها سبب عتق ليس للمولى ابطاله كالمكاتبة، ويتبعها الأولاد ولا يبطل عتقهم بموتها قبل السيد لثبوت الحق لهم وان ماتت رقيقة، واذا وطئت بشبهة فالمهر للسيد لملكه المنافع وارش جنايتها له لبقاء حكم الملك وجنايتها عليه الى قيمتها ثم فى ذمتها اذ لا يصح استرقاقها ولا تتعدد القيمة بتعدد الجنايات ما لم يتخلل التسليم. ومن وطئ أمته الرضيعة فلا حد مع الجهل ومع العلم وجهان: أصحهما يحد لقوة وجه التحريم. والثانى: لا، اذ وطئ فى ملك كما

стр. 7985

لو وطئ حائضة ولو وطئ أمته المجوسية والوثنية ففيه هذان الوجان وتصير بالعلوق أم ولد مع الجهل فى المسألتين لوقوعه فى ملك. قال الامام يحيى: واذا أسلمت أم ولد الذمى فالحكم مامر، ولا يؤمر ببيعها لئلا تبطل حريتها وتنفق من كسبها ان كان والا فمالكها ينفق عليها لبقاء ملكه. قال صاحب البحر: والمذهب انها تعتق بانقضاء حيضتها ولم يسلم سيدها وتسعى كما مر. فان وطئها بعد اسلامها فكالرضيعة. ويسرى الاستيلاد كالتدبير، ويحد الشريك ان وطئها عالما بعد استيلاد شريكه اياها، اذ صارت كالأجنبية فان استولدها عتقت بموت الأول ان علم والا فبموتهما جميعا ويضمن كل لشريكه فان أعسرا سعت واذا ماتت قبل السيد ماتت رقيقة ويعتق أولادها بموت السيد اذ قد ثبت لهم حق مستقر (١). مذهب الإمامية: جاء فى «شرائع الاسلام» أن أم الولد مملوكة لا تحرر بموت المولى بل هى من نصيب ولدها لكن لا يجوز للمولى بيعها ما دام ولدها حيا الا فى ثمن رقبتها اذا كان دينا على المولى ولا وجه لادائه الا منها ولو مات ولدها رجعت طلقا، وجاز التصرف فيها بالبيع وغيره من التصرفات واذا مات مولاها وولدها حى جعلت فى نصيب ولدها وعتقت عليه، ولو لم يكن سواها عتق نصيب ولدها منها وسعت فى الباقى وفى رواية تقوم على ولدها ان كان موسرا وهى مهجورة. واذا أوصى لأم ولده قيل: تنعتق من نصيب ولدها وتعطى الوصية، وقيل: تنعتق من الوصية فان فضل منها شئ عتقت من نصيب ولدها وهو أشبه. واذا جنت أم الولد خطأ تعلقت الجناية برقبتها وللمولى فكها، وبكم يفكها؟ قيل: بأقل الأمرين من أرش الجناية، وهو الأشبه، وان شاء دفعها الى المجنى عليه وفى رواية سمع عن أبى عبد الله ﵇: جنايتها فى حقوق الناس على سيدها. ولو جنت على جماعة فالخيار للمولى أيضا بين فديتها وتسليمها الى المجنى عليهم أو ورثتهم على قدر الجنايات. وروى محمد بن قيس عن أبى جعفر ﵇ فى وليدة نصرانية أسلمت عند رجل وولدت منه غلاما ومات فاعتقت وتزوجت نصرانيا وتنصرت وولدت فقال ﵇: ولدها لابنها من سيدها وتحبس حتى تضع فاذا ولدت فأقتلها وفى رواية يفعل بها ما يفعل بالمرتدة والرواية شاذة (٢).

стр. 7986

ما يظهر به الاستيلاد مذهب الحنفية: جاء فى «بدائع الصنائع» ان الاستيلاد يظهر باقرار المولى، ثم ان أقر به فى حال الصحة ان هذه الجارية قد ولدت منه فقد صارت أم ولده سواء كان معها ولد أو لم يكن لأن الاقرار فى حال الصحة لا تهمة فيه فيصح سواء كان معها ولد أو لم يكن ولهذا لو أعتقها فى الصحة يعتبر من جميع المال وان كان الاقرار به فى مرض موته فان كان معها ولد صارت أم ولده أيضا وتعتق من جميع المال اذا مات المولى لان كون الولد معها دليل الاستيلاد فكان الظاهر شاهدا له فيصح اقراره ولان التسبب من الحوائج الأصلية وتصرف المريض فى مرض الموت فيما يحتاج اليه حاجة أصلية نافذ، كشراء الطعام والكسوة ونحو ذلك وان لم يكن معها ولد عتقت من الثلث لانه متهم فى اقراره فى حق سائر الورثة ولم يوجد ما ينفى التهمة وهو الولد وكذا اذا لم يكن معها ولد لا تحتاج الى التسبب فيصير قوله هذه أم ولدى كقوله هذه حرة بعد موتى فتعتق بعد موته من الثلث (١). مذهب المالكية: جاء فى «الشرح الكبير» وحاشية الدسوقى عليه ان الاستيلاد يثبت باقرار السيد فى صحته أو فى مرضه بوط ء أمته مع الانزال (٢)، فاذا كان الاقرار فى مرضه المخوف فقال ولدت منى فى المرض أو فى الصحة ولا ولد لها ظاهر صدق ان ورثه ولد من غيرها ذكرا كان أو أنثى لانه حينئذ ورثه غير كلالة فتعتق من رأس المال عند ابن القاسم رحمه الله تعالى اذ لا تهمة وقال أكثر الرواة لا تعتق من رأس المال ولا من الثلث فان لم يكن له ولد فانه يتهم فى اقراره ولا تعتق من رأس مال ولا ثلث (٣) وان أقر سيد مريض بايلاد لجاريته فى صحته أو مرضه ولا ولد له منها ولا من غيرها أو أقر المريض بعتق لقن ذكرا وأنثى فى صحته ولو مع ولد لم تعتق من ثلث لأنه لم يقصد به الوصية ولا من رأس مال لأن تصرفات المريض لا تكون فى رأس المال (٤). مذهب الشافعية: جاء فى «مغنى المحتاج» أن الأمة تعتق اذا أحبلها سيدها الحر المسلم أو الكافر الأصلى بأن علقت منه ولو سفيها أو مجنونا أو مكرها أو أحبلها الكافر حال اسلامه قبل بيعها عليه بوط ء مباح أو محرم كأن تكون حائضا أو محرما له كأخته أو زوجة باستدخالها ذكره ولو كان نائما أو ماءه المحترم فى حال حياته فولدت ولدا حيا أو ميتا أو ما تجب فيه غرة كمضغة ظهر فيها صورة آدمى وان لم تظهر

стр. 7987

الا لأهل الخبرة (١) ولو شهد اثنان على اقرار سيد الأمة بايلادها وحكم به ثم رجعا عن شهادتهما لم يغرما شيئا لأن الملك باق فيها ولم يفوتا الا سلطنة البيع، ولا قيمة لها بانفرادها وليس كاباق العبد منه يد غاصبه فانه فى غيره ضمان يد حتى يعود الى مستحقه فان مات السيد غرما للوارث لأن هذه الشهادة لا تنحط عن الشهادة بتعليق العتق لو شهدا بتعليقه فوجدت الصفة وحكم بعتقه ثم رجعا غرما (٢). مذهب الحنابلة: جاء فى «كشاف القناع» أنه يصح اقرار المريض باحبال الأمة لأنه يملك ذلك فملك الاقرار به فاذا أقر بذلك ثم مات فان بين انه استولدها فى ملكه فولدت حر الأصل فأم ولد تعتق بموته من رأس المال، وان أقر بأن ذلك كان من نكاح أو وط ء بشبهة عتق الولد ولم تصر أم ولد وان لم يبين السبب فالأصل الرق ولا ولاء على الولد لأن الأصل عدمه فان كان له وارث قام مقامه فى بيان كيفية استيلادها (٣). قال صاحب المغنى: ويحتمل أن تصير الأمة التى لم يتبين استيلادها أم ولد، لأن الظاهر استيلادها فى ملكه من قبل أنها مملوكته والولادة موجودة (٤) واذا كان له أمة لها ثلاثة أولاد ولا زوج لها ولا اقر بوطئها فقال أحد هؤلاء ولدى فاقراره صحيح ويطالب بالبيان فان عين أحدهم ثبت نسبه وحريته ثم يسئل عن كيفية الاستيلاد فان قال: كان بنكاح فعلى الولد الولاء لأنه قدمه رقا والأم وولداها الآخران رقيق قن وان قال استولدتها فى ملكى فالمقربه حر الأصل لاولاء عليه والأمة أم ولده ثم ان كان المقربه الأكبر فاخواه أبناء أم ولد حكمهما حكمها فى العتق بموت سيدها وان كان الأوسط فالأكبر قن والأصغر له حكم الأم وان عين الأصغر فاخواه رقيق قن لانها ولدتهما قبل الحكم بكونها أم ولد، وان قال هو من وط ء شبهة فالولد حر الأصل واخواه مملوكان، وان مات قبل أن يبين أخذ ورثته بالبيان ويقوم بيانهم مقام بيانه، فان بينوا النسب ولم يبينوا الاستيلاد ثبت النسب وحرية الولد ولم يثبت للأم ولا ولديها حكم الاستيلاد لأنه يحتمل أن يكون فى نكاح أو وط ء شبهة وأن لم يبينوا النسب وقالوا لا نعرف ذلك ولا الاستيلاد فانا نريه القافة فان الحقوا به واحدا منهم

стр. 7988

الحقناه ولا يثبت حكم الاستيلاد لغيره، فان لم تكن قافة أقرع بينهم فمن وقعت له القرعة عتق وورث لأنه حر استندت حريته الى اقرار أبيه فورث كما لو عينه فى اقراره (١) واذا كان له امتان لكل واحدة منهما ولد فقال أحد هذين ولدى من أمتى نظرت فان كان لكل واحدة منهما زوج يمكن الحاق الولد به لم يصح اقراره ولحق الولدان بالزوجين، وان كان لاحداهما زوج دون الأخرى انصرف الاقرار الى ولد الأخرى لأنه الذى يمكن الحاقه به وان لم يكن لواحدة منهما زوج، ولكن أقر السيد بوطئهما صارتا فراشا ولحق ولداهما به اذا أمكن أن يولد بعد وطئه. وان أمكن فى احداهما دون الأخرى انصرف الاقرار الى من أمكن لأنه ولده حكما. وان لم يكن أقر بوط ء بواحدة منهما صح اقراره وتثبت حرية المقر به لأنه أقر بنسب صغير مجهول النسب مع الامكان لا منازع له فيه فلحقه نسبه، ثم يكلف البيان كما مر طلق احدى نسائه، فاذا بين قبل بيانه لأن المرجع فى ذلك اليه ثم يطالب ببيان كيفية الولادة فان قال استولدتها فى ملكى فالولد حر الأصل لا ولاء عليه وأمه أم ولد وان قال فى نكاح فعلى الولد الولاء لأنه مسه رق والأمة قن لأنها علقت بمملوك وان قال بوط ء شبهة فالولد حر الأصل والأمة قن لأنها علقت به فى غير ملك. وان ادعت الأخرى أنها التى استولدها فالقول قوله مع يمنيه لأن الأصل عدم الاستيلاد فأشبه ما لو ادعت ذلك من غير اقراره بشئ فاذا حلف رقت ورق ولدها واذا مات ورثه ولده المقربه وان كانت أمة صارت أم ولد عتقت أيضا وان لم تصر أم ولد عتقت على ولدها ان كان هو الوارث وحده وان كان معه غيره عتق منها بقدر ما ملك فان مات قبل أن يبين قام وارثه مقامه فى البيان لأنه يقوم مقامه فى الحاق النسب وغيره فاذا بين كان كما لو بين الموروث وان لم يعلم الوارث كيفية الاستيلاد ففى الأمة وجهان. أحدهما: تكون رقيقا لأن الرق الأصل فلا يزول بالاحتمال. والثانى: يعتق لأن الظاهر انها ولدته فى ملكه لأنه اقر بولدها وهى فى ملكه وهذا منصوص الشافعى - فان لم يكن وارث أو كان وارث فلم يعين عرض على القافة فان الحقت به أحدهما ثبت نسبه وكان حكمه كما لو عين الوارث فان لم تكن قافة أو كانت فلم تعرف أقرع بين الولدين فيعتق احدهما بالقرعة لأن للقرعة مدخلا فى اثبات الحرية (٢). صفة الاستيلاد مذهب الحنفية: جاء فى «بدائع الصنائع» أن الاستيلاد لا يتجزأ عند أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى كالتدبير وعند أبى حنيفة هو متجزئ الا أنه قد يتكامل عند وجود سبب التكامل وشرطه وهو امكان التكامل وقيل أنه لا يتجزأ عنده أيضا، لكن فيما يحتمل نقل الملك فيه، وأما فيما

стр. 7989

لا يحتمل فهو متجزئ عنده، كما لو كانت أمة قنة بين اثنين جاءت بولد فادعاه أحدهما، فان كلها تصير أم ولد له. وان ادعياه جميعا صارت أم ولد لهما جميعا، ثم أم الولد الخالصة اذا اعتق المولى نصفها عتق كلها بالاجماع وكذا اذا كانت بين اثنين فأعتق احدهما نصيبه عتق جميعها بلا خلاف لكن عند أبى يوسف ومحمد لعدم تجزئ الاعتاق وعند أبى حنيفة رحمه الله تعالى لعدم الفائدة فى بقاء حكم الاستيلاد فى الباقى، لا باعتاقه، كما فى الطلاق والعفو عن القصاص. ولا ضمان على الشريك المعتق ولا سعاية عليها فى قول أبى حنيفة رضى الله تعالى عنه. ولو كانت مدبرة صار نصب تعالى عنه. ولو كانت مدبرة صار نصيب المدعى أم ولد له ونصيب الآخر بقى مدبرا على حاله وان كانت مكاتبة بين اثنين صار نصيب المدعى أم ولد عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى، وتبقى الكتابة وعند أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى يصير الكل أم ولد للمدعى وتفسخ الكتابة فى النصف (١). مذهب المالكية: جاء فى «الشرح الكبير» وحاشية الدسوقى عليه أنه ان وطئ شريك أمة للشركة فحملت غرم نصيب الآخر لأنه افاتها عليه بالحمل وسواء اذن له شريكه فى وطئها أم لا. وهل تقويمها على الوطئ يوم الوط ء أو يوم الحمل؟ قولان. ولا شئ عليه من قيمة الولد على القولين وان لم تحمل فان أذن له فى وطئها قومت أيضا يوم الوط ء، وان لم يأذن له لم تقوم عليه، ويغرم له القيمة فى الصور الثلاثة عاجلا، هذا كله ان أيسر، فان أعسر وقد حملت خير، أولا فى ابقائها للشركة ويرجع عليه بنصف قيمة الولد لأنه حر وفى تقويمها عليه، فان اختار تقويمها خير الشريك وهو غير الواطئ. ثانيا فى اتباعه بقيمة حصته منها يوم الوط ء الناشئ عنه الحمل، فان تعدد الوط ء اعتبر يوم الحمل، فالقيمة تعتبر يوم الحمل على كل حال سواء تعدد الوط ء أم لا (٢). مذهب الشافعية: جاء فى «مغنى المحتاج» أن استيلاد أحد الشريكين الموسر الأمة المشتركة بينهما يسرى الى نصيب شريكه كالعتق بل أولى منه بالنفوذ لأنه فعل وهو أقوى من القول، ولهذا ينفذ استيلاد المجنون والمحجور عليه دون عتقهما وايلاد المريض من رأس المال واعتاقه من الثلث هذا اذا كان الشريك الذى استولد الأمة موسرا، فان كان معسرا فلا يسرى استيلاده كالعتق نعم ان كان الشريك المستولد أصلا لشريكه سرى كما لو استولد الجارية التى كلها

стр. 7990

له وعليه قيمة نصيب شريكه للاتلاف بازالة ملكه وعليه أيضا حصته من مهر المثل للاستمتاع بملك غيره (١). مذهب الحنابلة: جاء فى (كشاف القناع) أن من وطئ أمة مشتركة بينه وبين آخر فاحبلها صارت أم ولد له اذا وضعت ما يتبين فيه بعض خلق الانسان كما لو كانت خالصة له، وتخرج بذلك عن ملك الشريك موسرا كان الواطئ أو معسرا لأن الايلاد أقوى من الاعتاق. وولده حر ولم يلزم الواطئ لشريكه سوى نصف قيمتها لأنه اتلف نصيبه منها عليه فيدفعه اليه ان كان موسرا. وان كان معسرا ثبت فى ذمته كما لو اتلفها ولا شئ عليه لشريكه فى المهر والولد لأن حصة الشريك انتقلت اليه بمجرد العلوق فلا يلزمه شئ من مهر مملوكته والولد قد انعقد حرا، والحر لا قيمة له (٢). مذهب الزيدية: جاء فى «البحر الزخار» أن الاستيلاد كالتدبير ويحد الشريك ان وطئها عالما بعد استيلاد شريكه اياها، اذ صارت كالأجنبية فان استولداها عتقت بموت الأول ان علم والا فبموتها جميعا ويضمن كل لشريكه فان أعسرا سعت واذا ماتت قبل السيد ماتت رقيقة ويعتق أولادها بموت السيد اذ قد ثبت لهم حق مستقر (٣).

стр. 7991

" إمارة - أمير " المدلول اللغوى: جاء في مفردات الراغب والمصباح والتاج - الإِمارة بكسر الهمزة الولاية وهى الأمرَة. يقال: أمَر على القوم يأمُر من باب قتل يقتل فهو أمير والجمع أمراء - ويعدَّى بالتضعيف فيقال أمرته تأميرًا فتأمَّر - والأمارة كالعلامة وزنا ومعنى وأمِرَ الشيء من باب تعب كَثُر ويعدى بالهمزة وبالتضعيف فيقال آمرت وأمَرت والأمر الطلب من المستعلى لغيره جمعه أوامر والتقدم بالشيء سواء أكان ذلك بقول أو فعل أو بلام الأمر أو بلفظ الخبر والآمر الشأن والحال وهو عام في الأفعال والأقوال ومنه قوله تعالى ﴿إليه يرجع الأمر كله﴾ وقوله ﴿وما أمر فرعون برشيد﴾ وجمعه أمور كفلْس وفلوس ويقال أيضًا أمِرَ فلان بالكسر وأمرَ بالضم صار أميرا والاسم الأمِرةُ وهى الأمارهُ ومنه حديث طلحة: لعلك ساءتك إمرة ابن عمك والأمارة الولاية وتلحق بالحرف والصناعات والأمير الملِك سمى بذلك لنفاذ أمره والأنثى أميرة والأمير قائد الأعمى لأنه يملك أمره، والجارُ والمشاوَر. ومنه حديث أمِيرى من الملائكة جبريل والأمير المؤمَّر كمعظم. وفى التنزيل: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم﴾ قيل هم الأمراء فى زمن النبى ﷺ وقيل الرؤساء والعلماء وقيل الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر. وللمفسرين في ذلك أقوال كثيرة - وعلى هذا فأمِر القوم صاحب الأمر فيهم. المدلول الاصطلاحى: لم يكن للفقهاء عرف خاص في كلمتى إمارة وأمير بل كان استعمالهم إياهما في عباراتهم استعمالا لغويا يضعونهما حيث يراد منهما معنى الرياسة المنوط بها الأمر والتوجيه والقيام على ما يعهد به من الأمور إلى من يوصف بهما ولذا فإنه كثيرًا ما يضافان إلى ما يقيد معناهما ويخصصه فيقال أمير المصر أو أمير الجيش أو أمير المؤمنين أو أمير الحج أو نحو ذلك مما يقصد به الدلالة على من له الولاية على هذه الأمور. وقد كان هذا الاستعمال معروفا منذ القدم وقبل ظهور الإسلام، إذ كان في العرب أمراء وكان لكل قبيلة أمير بحكم الوراثة أو بالغلبة وكذلك كان لرسول الله - صلى الله علية وسلم - أمراء هم ولاته الذين ولاهم على البلاد التي استجاب له أهلها فأسلموا وعلى القضاء والصدقات فيها كما جاء في شرح الزرقانى على المواهب والأمراء الذين ولاهم رسول الله ﷺ على الجهات والأعمال كثيرون منهم أمير مكة عتاب بن أُسَيْد فقد بعثه رسول الله ﷺ أميرا على مكة وإقامة المواسم والحج بالمسلمين وكان ذلك سنة ثمان ومنهم بادان ويقال له بادام الذي كان نائب كسرى على اليمن فقد ولاه رسول الله حين أسلم على مخاليف اليمن وكان منزله بصنعاء ومنهم عبد الله بن عمرو أمّره رسول الله ﷺ على بنى تغلب وعبس وغطفان، ومنهم أبو موسى الأشعرى فقد استعمله رسول الله ﷺ على زبيد وعدن من أعمال اليمن، ومنهم عمرو بن العاص. إذ أمّره رسول الله ﷺ على جيش كان فيه أبو بكر وعمر، ومنهم السائب بن عثمان فقد استعمله رسول الله ﷺ على المدينة

стр. 7992

حين خرج في غزوة بواط، ومنهم عثمان بن أبي العاص إذ استعمله ﷺ على الطائف، ومنهم عمرو بن حزم الأنصارى الذي استعمله على نجران وكتب وكتب إليه كتابه في الفرائض والزكاة والديات، ومنهم أبو بكر إذ استعمله رسول الله ﷺ على الحج عقب فتح مكة. وغير هؤلاء كثير بعث بهم رسول الله ﷺ الى الجهات في جزيرة العرب ليقوموا على تعليم الناس القرآن وجمع الصدقات وإحضارها إلى رسول الله ﷺ لصرفها في مصارفها الشرعية (١). وكان ﷺ إذا استعمل أميرا على جهة عهد إليه بما يرشده ويسدده في عمله حتى يقوم به خير قيام. ومن ذلك عهده إلى عمرو بن حزم ونصه كما ذكره ابن هشام في شيرته بعد البسملة: هذا بيان من الله ورسوله، يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود عهدا من محمد رسول الله لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن أمره بتقوى الله في أمره كله فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون وأمره أن يأخذ بالحق كما أمره الله وأن يبشر الناس بالخير ويأمرهم به ويعلمهم القرآن ويفقههم فيه وينهى الناس فلا يمس القرآن إنسان إلا وهو طاهر ويخبر الناس بالذي هو لهم والذي عليهم ويبين للناس الحق ويشهد عليهم في الظلم فإن الله كره الظلم ونهى عنه فقال ألا لعنة الله على الظالمين إلى آخر الكتاب (٢). الفرق بين الإِمارة والولاية: الولاية لها عدة معان منها الصداقة والنصرة وتولّى الأمر، والذي يعنينا في موضوعنا - هو الولاية بمعنى تَوَلِّى الأمر والاضطلاع به. ويقال فيه وليت الأمر إليه ولاية ووليت البلد وولّيت عليه فأنا وال والجمع وُلاة واسم المفعول مولى عليه. والولى على الشئ من ملك أمره وكان له القيام عليه أو قام به. والولاية في استعمال الفقهاء سلطة شرعية على النفس أو على المال أو على الجماعة يترتب عليها نفاذ قول صاحبها أو فعله فيمن يلى عليه شرعا ويكون بها صاحبها مؤاخذا بقوله وفعله في حق نفسه إذا تصرف تصرفا قوليا فتزوج أو باع أو تصرف تصرفا فعليا فاعتدى على مال غيره إذ يلزمه عندئذ ضمانه كما يكون بها صاحبها نافذ التصرف في حق من يلى عليه من صبى أو محجور عليه أو غيرهما من جماعة الناس في حدود ولايته التي حددها الشارع. فكان له بيع الأموال واستثمار العقار وعمارة البناء كما يكون له بها جمع الزكاة وتولى شؤون البلد العامة فيما هو من ولايته بمقتضى إقامته ممن له الأمر عليهم - وهى بهذا المعنى لثبت بطريق الإِيصاء للوصى وبطريق الإِقامة للقيم على السفيه وبطريق الوكالة للوكيل وبطريق القرابة حسب المنصوص عليه لمن يرتبطون برباط النسب بعضهم على بعض في النفس والمال جميعا أو في أحدهما وبطريق التولية من ذى السلطان. وهى في حال ثبوتها شرعا بالقرابة أو حال ثبوتها على نفس الولى حقٌّ ذاتى يثبت لصاحبه شرعا فلا يقبل الإِسقاط من صاحبه وكانت لذلك في معنى التكليف. والولاية إما عامة كالولاية على الجماعة في أمر عام يخصهم كما في ولاية الصلاة وولاية جمع الصدقات وولاية الخراج وإما خاصة كما

стр. 7993

في الولاية على النفس وعلى مال ضعيف الأهلية وهى في الحال الأولى حيث تكون عامة وعلى الجماعة ونحوها نوعٌ من الإِمارة فصاحبها يسمى أميرا كما يسمى واليا في الاصصلاح الشرعى وإنما سمى في هذه الحال أميرا لما يكون له عادة من حق الطاعة على من يلى عليهم فيما يأمرهم به وما يرشدهم إليه فكان له بسبب ذلك الريادة والقيادة والرياسة عليهم ومن ثم سمى أميرا وذلك لما يوحى به مدلول هذا اللفظ لأنه من معنى الأمر ومضمون الآمر وقد جرى الاستعمال الاصطلاحى على أن هذا اللقب أو الوصف لا يطلق إلا عند كثرة المولى عليهم واشتراكهم في وال واحد يتعهدهم كما في أمير المصر وأمير الجيش ونحو ذلك. أما في غير هذه الحال فلا يستعمل اسم أميرا ولكن يستعمل اسم وال أو ولى كما في ناظر الوقف والولى على الأيتام والقيم على المحجور عليهم والقائم بالتصرف بناء على الإِذن فيه والمتصرف لنفسه والولى على النفس أو على المال فكل هؤلاء أولياء وليسوا بأمراء وربما أطلق اسم أمير في غير ذلك كما في حديث أميرى جبريل المتقدم ذكره. أما في الحال الثانية حيث تكون خاصة فلا تعد من الإِمارة ولا يسمى الوليّ في هذه الحال أميرا ومن هذا يظهر أن الولاية أعم من الإِمارة فكل أمير وال على من أمّر عليه وليس كل وال أميرا على من يلى عليه كالوصى فإنه لا يسمى أميرا على الصغار ومما ينبغى ملاحظته أن الولاية تستبع نيابة عن المولى عليه كما ولاية الوصى والقيم، أما الإمارة فقد تستبع نيابة الأمير نيابة عامة عن من أمِّر عليه كأمارة القاضي فإن القاضي يعد نائبا على من له ولاية القضاء فيهم في بعض الأحوال كما في قيامه بتزويج من لا ولى له من ناقص الأهلية وذلك مما يعرف حكمه ومسائله في موضعه من مصطلح قضاء أو ولاية. أنواع الإِمارات: الإمارة قد تكون عامة وقد تكون خاصة ومرجع ذلك إلى عموم موضوعها وخصوصه وإلى خصوص مكانها وحدوده من ناحية شمولها وعدم شمولها فأعم الإِمارات إمارة أمير المؤمنين وهى ما تسمى بالخلافة وبالإِمامة العظمى وهى الرياسة الجامعة لمصالح الدين وحراسته وسياسة الدنيا بالدين. وقد أجمع السلف من أهل السنة وجمهور الطوائف الأخرى على أن نصْب الإِمام واجب على المسلمين وأن طاعته واجبة في غير معصية الخالق وأنه يستمد ولايته في إمارته من الأمة وهو منفذ لما تضمنه كتاب الله وسنة رسوله. وللباحثين في الخلافة طرق مختلفة تبعا لاختلافهم في وجهة النظر إليها ولكنها جميعها تنتهى إلى نتيجة واحدة وهى أنها رياسة دينية في أمر الدين والدنيا لشخص من الأشخاص نيابة عن النبي ﷺ وأنا عامة بمعنى أنها لا تتقيد بحادثة ولا بضرب من ضروب السلطة ولا بنوع من أنواع الولايات ولا ببلد إسلامى من البلدان وليس يعلوها إمارة أخرى ولا تحد إلا بما يحدها به الشرع. ويشترط فيه أن يكون مكلفا مسلما عدلا حرا ذكرا مجتهدا شجاعا ذا رأى وكفاية سميعا بصيرا ناطقا قرشيا وفى هذه الشروط آراء ومذاهب لكثير من العلماء كما أن لهم بحوثا وآراء فيما يتعلق بهذا الموضوع من وجوب تولية الخليفة وطريق تعيينه وممن يكون اختياره وشروط من له الحق في اختياره وبم تنعقد إمامته وفى وحدته وتعدده ومصدر سلطته وإطلاقها وتقييدها وعصمته وعدمها - فلهم في

стр. 7994

جميع ذلك بحوث يرجع إليها في مصطلح خلافة ومصطلح إمامة كما أن الكلام فيما يجب عليه للأمة وفيما يجب للأمة عليه من حقوق وواجبات وفى عموم ولايته وعدم عمومها وفيما يخرجه من الولاية وفى ثبوت هذه الولاية بالغلبة والقوة مباحث. كذلك يرجع إليها في مصطلح خلافة لأنها أمس وأوثق بهذا المصطلح (١). وجاء في مقدمة ابن خلدون "الفصل الثاني والثلاثون" أن لقب أمير المؤمنين قد استحدث منذ عهد الخلفاء إذ كانوا يسمون بعض قواد الجيوش والبعوث باسم الأمير وهو فعيل في الإِمارة فقد كان الصحابة يدعون سعد بن أبي وقاص أمير المؤمنين لأمارته على جيش القادسية وهم معظم المسلمون يومئذ. كما كانوا يلقبون عبد الله بن جحش به. واتفق أن دعا بعض الصحابة عمر بن الخطاب رضى الله عنه أمير المؤمنين فاستحسنه الناس واستصوبوه ودعوه به وكان ذلك فيما كتبه إليه أبو موسى الأشعرى وفيما خاطبه به مشافهة المغيرة بن شعبة وعمرو ابن العاص. كما حدث أن جاء بريد من بعض البعوث إلى المدينة فلما دخلها أخذ يسأل عن عمر ويقول أين أمير المؤمنين وسمعها الصحابة من بريد جاء إلى المدينة من الغزاة فاستحسنوا ذلك وقالوا: أصبت والله اسمه أنه والله أمير المؤمنين حقا فدعوه بذلك وصار له لقبا في الناس وتوارثه الخلفاء من بعده. وقد كان قبل ذلك يدعى خليفة خليفة رسول الله ﷺ إذ كان خليفة لأبى بكر وكان أبو بكر يلقب بخليفة رسول الله ثم توارث الخلفاء هذا اللقب لا يشاركهم فيه أحد وخاصة بنى أمية ثم بنى العباس ثم تلقب به من ولى الخلافة بالأندلس إلى أن جاءت دولة المرابطين وكان منهم يوسف بن تاشفين واستولى على المغرب والأندلس فسمى بأمير المسلمين أدبا مع الخليفة العباسى. غير أن الشيعة خصّوا عليا رضى الله عنه باسم الإمام نعتا له بالإمامة التي هي بمعنى الخلافة والتي هي أصل من أصول مذهبهم وذلك تنويها ببيان مذهبهم في أنه أحق بأمامة الصلاة من أبي بكر رضى الله عنه فخصوه بهذا اللقب وساقوه إلى من جاء بعده من أئمتهم ولا يطلقونه على غيرهم من ولاة الأمر بل يطلقون عليهم اسم خلفاء. أما عند غيرهم من طوائف المسلمين فقد شاع فيهم إطلاق اسم الإِمام لورود ما يؤيد هذا الإِطلاق في الكتاب حين نعت فيه إبراهيم ﵇ بالإمام وفى السنة إذ ورد فيها قوله ﷺ لحذيفة وقد سأله ماذا نفعل في أوقات الفتن: تلزم جماعة المسلمين وأمامتهم وقوله من بايع إماما فأعطاه صفته يده وثمرة قلبه فليطلق ما استطاع على أن بعض من ولى أمر المسلمين من أمراء المغرب لقب نفسه بأمير المسلمين كما أشرنا إلى ذلك شعورا منه بأنه لم يصل إلى المستوى الذي يجعله جديرا بلقب أمير المؤمنين. أما بقية أنواع الإمارات وهى التي يعبر عنها في بعض كتب الفقه بالولايات أو الوظائف فإنها تقوم بسلطات أو بولايات متنوعة عديدة منها العام ومنها الخاص وفيما يلى بيانها: النوع الأول: ولاية عامة في أعمال عامة

стр. 7995

وهى للوزراء الذين يستنابون في جميع الأمور من غير تخصيص. النوع الثاني: ولاية عامة في أعمال خاصة وهى لأمراء الأقاليم والبلدان ذلك لأن النظر فيما خصوا به من الأعمال عام في جميع أمورها بينما لا تتجاوز إمارتهم قطرا أو بلدا معينا من البلدان. النوع الثالث: ولاية خاصة في أعمال عامة وهى لقاضى القضاة وأمراء الجيوش وأمراء الثغور وأمراء الخراج وأمراء الصدقات ذلك لأن كل واحد منهم مقصور على نظر خاص في جميع الأعمال التي نيطت به. النوع الرابع: ولاية خاصة في أعمال خاصة وهى لقاضى البلد أو الأقليم أو أمير خراجه أو صدقاته أو أمير جنده لأن كل واحد منهم قد خص بالنظر في عمل خاص محدد ولكل واحد من هؤلاء الولاة شروط تنعقد بها ولايته ويصح بها نظره وسنعرض لذلك فيما يلى على وجه الإِجمال (١). الوزارة: هي الولاية الثانية في الدولة الإِسلامية أو هي الإِمارة التالية لإِمارة المؤمنين وهى إمارة عامة في موضوعها تكاد تتساوى مع إمارة المؤمنين من الوجهة العملية أو التنفيذية فإن الوزير ينيبه الإِمام في جميع الأمور العامة نيابة عامة تتناول جميع الأقسام والمناطق التي تتكون منها الدولة وبذلك تمتاز الوزارة عن سائر الإمارات الأخرى ومنصب الوزارة منصب قديم وهى نوع من الوكالة ووضع الفقهاء لها شروطها الخاصة وطريق إقامتها مسترشدين في ذلك بما جاء في الكتاب العزيز حكاية عن موسى ﵇ إذ طلب من ربه فقال ﴿واجعل لى وزيرا من أهلى هارون اخى أشدد به أزرى وأشركه في أمرى﴾ ولما في شرع ذلك من المصلحة فإن الإِمام مكلف ومحمل بأعمال عديدة ينوء بحملها أي شخص يحملها فلا يستطيع منفردا أن يقوم بها على وجهها فكان من المصلحة معاونته فيها بالإِنتداب والمشاركة في الرأى والعمل حتى يكون على العمل وإحسانه أقوى وعلى تجنب الخطأ أقدر وفى المصلحة أبصر ولذا قال الماوردى في الأحكام السلطانية "ومشاركة الوزير للإمام في التدبير والعمل أصح في تنفيذ الأمور من إنفراده بها ليستظهر به على نفسه وليكون أبعد عن الزلل وأمنع من الخطأ" (٢). ولهذا خصت بهذا الاسم على أساس أنه مُشتق من الوزر وهو الثقل لأن الوزير يحمل من الأمير أثقاله أو من الوزَرَ وهو الملجأ ومنه قوله تعالى ﴿كلا لا وزر﴾ أي لا ملجأ لأن الأمير يلجأ إلى رأى وزيره ومعونته أو من الأزر وهو الظهر لأن الأمير يقوى بوزيره كما يقوى البدن بقوة الظهر ويقول ابن خلدون أن الاسم مأخوذ من الموازرة وهى المعاونة أو من الوزر - ولم توجد الوزارة بهذا الاسم في عهد النبوة ولا في عهد الخلفاء الراشدين وإن وجدت بمعناها فقد كان رسول الله ﷺ يشاور أصحابه في أمورهم العامة وكان أخصهم في ذلك أبو بكر وعمر رضى الله عنهما وهكذا كان شأن أبي بكر في إمارته مع عمر رضى الله عنه ومع عثمان وعلى وشان عمر مع على وعثمان رضى الله

стр. 7996

عنهما ومع كبار الصحابة رضوان الله عليهم مشاورة ومعاونة تتحقق بهما معنى الوزارة وإن لم يكن ذلك على سبيل المعاقدة والتقليد حتى إذا استحالت الخلافة ملكا وتطورت أمورها ونظمها وتعددت سلطاتها ودعت الحاجة في قيامها وحسن تدبير أمورها إلى اختيار النظم المحققة لأغراضها والاسترشاد بالنظم التي كانت معروفة في طرائق الحكم في الدول المجاورة تبلور معنى استنابة الخليفة لغيره واستعانته به وارتفعت مرتبته وعظم شأنه وخص باسم الوزير وصارت إليه النيابة عن الخليفة بالتعيين والعقد وتنوعت الوزارة تبعا لتنوع أعمالها فصارت نوعين وزارة تفويض ووزارة تنفيذ وتميزت طبيعة كل منهما واتضحت الفروق بينهما (١). وزارة التفويض: تمتاز وزارة التفويض بأنها إمارة عامة في موضوعها وتكاد تتساوى مع إمارة المؤمنين فيما تقوم به من تدبير وتنظيم ووضع للأمور في مواضعها إذ أنها تقوم على تفويض عام من الإمام لمن يعهد بها إليه من رعيته في تدبير الأمور برأيه وإمضائها حسب اجتهاده ولذا اشترط فيمن يتقلدها شروط الإِمامة فيجب أن يكون من أهل الكفاية فيما توجبه عليه هذه الولاية من أمور الحرب والخراج والإدارة وجميع شؤون الدولة خبيرا بها إذ أن عليه أن يباشرها بنفسه وقد يستنيب فيها عند الحاجة من يكون أهلا. لها ولا يصل إلى استنابة أهل الكفاية فيه إلا إذا كان منهم كمالًا تستقيم الأمور ولا تصلح إذا قصر في ذلك عنهم وهى لا تثبت لمن يتقلدها إلا بعقد من الإمام يتضمن إنابته عنه في النظر والتدبير على وجه العموم لأنها ولاية عامة في النظر والتدبير فلا يكفى في ثبوتها مجرد النص على النيابة دون بيان عموم ما تكون فيه هذه النيابة وذلك لما لها من خطر ولما سيكون لصاحبها من القوامة على جميع أمور الدولة من الحكم بين الناس وتأمير الأمراء وتعيين الحكام والنظر في المظالم وتولى الجهاد وغير ذلك من أمور الدولة العامة. وقد جاء في الأحكام السلطانية لأبى يعلى الحنبلى أن هذه الوظائف هي الدفاع عن الحوزة وتحصين الثغور والقيام بالجهاد وما يستتبعه وهذا ما يسمى بالوظيفة الدفاعية، ثم جباية الفئ والصدقات والخراج وتقدير العطاء وما يستحق في بيت المال وما يستحق له وهذا ما يعرف بالوظيفة المالية ثم القضاء بين الناس وتنفيذ الأحكام وإقامة الحدود الشرعية وهذا ما يجمعه اسم الولاية القضائية ثم استكفاء الأمناء وتقليد الأكفاء والنصحاء وإدارة الأمور وهذا ما يعرف بالوظيفة الإدارية ثم حفظ الدين وإقامة شعائره والقيام على الأخلاق وهذا ما يعرف بالحسبة. فيقوم بذلك بنفسه وله أن يستنيب فيه وعلى الجملة فكل ما يقوم به الإمام يصع أن يقوم به وزير التفويض ما عدا ثلاثة أشياء: أحدها: ولاية العهد فللإمام أن يعهد بالخلافة إلى من يختاره مع مراعاة ما لذلك من شروط وأوضاع وليس فلك لوزير التفويض وثانيها أن للإمام أن يستعفى الأمة وليس ذلك لوزير التفويض لأن في استعفائه ضررا بمصالح الدولة فلابد أن يكون ذلك بموافقة الخليفة. وثالثها أن للإمام أن يعزل من يوليه وزير التفويض وليس لوزير التفويض أن يعزل من يوليه الإمام إلا أن يجعل له الإمام ذلك في عقد

стр. 7997

التفويض إليه وإذا عارضه الإمام فأراد نقض ما أمضاه مما هو في ولايته لم يجز له نقض ما أنفذه بإجتهاده من حكم ولا استرجاع ما أعطى من مال على وجهه وإذا حدث ذلك في تقليد وال أو أمير أو تجهيز جيش أو تدبير حرب جاز للإمام معارضته بعزل المولى أو بالعدول بالجيش إلى حيث تقضى الحرب والمكيدة لأن للإمام أن يستدرك ذلك من أفعال نفسه فكان أولى أن يستدركه من أفعال نائبه ووزيره وإذا أمَّر الإمام أميرًا وأمر الوزير غيره على العمل نفسه كانت الإِمارة لأسبقهما ولاية إلا أن يكون تأمير الإِمام قد تم على علم بتأمير الوزير فإن الإِمارة عندئذ لمن أمره الإمام ويكون تأمير الإمام عزلا لمن أمره الأمير - وخالف في ذلك بعض الشافعية فذهبوا إلى أن من ولاه الوزير في هذه الحال لا ينعزل بتولية الإِمام غيره حتى يعزله بقوله عزلتك ونحوه وعندئذ يصير معزولا بقوله لا بتقليده غيره وعلى هذا إن كان النظر مما يصح فيه الاشتراك صح تقليدهما جميعا فكانا شريكين في النظر وإن كان مما لا يصح فيه الاشتراك كان تقليدهما موقوفا على عزل أحدهما وإقرار الآخر فإن أراد ذلك الإِمام جاز له عزل أيهما وإقرار الآخر أما وزير التفويض فليس له عزل من ولاه فقط (١). وزارة التنفيذ: هي إمارة تلى إمارة التفويض في المنزلة والعموم وسلطانها أضعف وشروطها أقل لأن النظر فيها مقصور على رأى الإِمام وتدبيره وليس وزير التنفيذ إلا واسطة بينه وبين رعاياه وولاته يؤدى إليهم ما أمر به وأوجب إنفاذه ويُمضى ما حكم به ويعلن تقليد الولاة والأمراء وتجهيز الجيوش ويقوم بعرض ما ورد منهم على الإِمام ورفع ما حدث من حوادث عليه ليرى فيها رأيه حتى يقوم بتنفيذه فهو منفذ للأمور وليس بوالٍ عليها ولا متقلد لها فإن أشركه الإِمام في الرأى كان باسم الوزارة أولى وأخص وإن لم يشركه فيه كان باسم الوساطة والسفارة أشبه ولا تفتقر هذه الإِمارة إلى تقليد وعقد وإنما تتوقف على مجرد الإِذن ولا يشترط في صاحبها الحرية ولا العلم لأنه ليس له أن ينفرد بولاية ولا حكم ولا تقليد حتى يشترط فيه ما يُشترط في الوزير المفوض من العلم والحرية وإنما هو مقصور. على النظر في أمرين: أحدهما أن يرفع إلى الخليفة ما يجب أن يُرفع إليه؛ وثانيهما أن يقوم عنه بما يأمره به ولذلك يجب أن يراعى فيه الصفات الآتية: أحدها الأمانة حتى لا يخون فيما أؤتمن عليه ولا يفشى فيما استنصح فيه، وثانيها صدق اللهجة حتى يُوثق بخبره فيعمل الخليفة على وقفه إن رأى ذلك؛ وثالثها عدم الطمع حتى لا يرتشى ولا ينخدع؛ ورابعها أن يكون بريئا من العداوة والشحناء فإن العداوة تصد عن النصفة؛ وخامسها أن يكون ذكورا لما يؤديه إلى الخليفة حتى لا يفوته شئ؛ وسادسها الذكاء والفطنة حتى لا تُدَلَّس عليه الأمور فتلتبس؛ وسابعها ألا يكون من أهل الأهواء حتى لا يحيد به الهوى عن الحق فإن الهوي خادع وصارفٌ عن الصواب فإن كان هذا الوزير ممن يشركه الخليفة في الرأى وجب أن يكون من أهل الحنكة والتجربة التي تؤدى إلى صحة الرأى وصواب التدبير ولا يجوز أن تُسند

стр. 7998

هذه الإِمارة إلى امرأة وإن كان خبرها مقبولا وذلك لما في هذه الإِمارة من معنى الولاية. وقد قال ﷺ "ما أفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة"؛ ولأنها إمارة تقتضى الظهور في مباشرة الأمور وذلك على النساء محظور ويجوز أن يكون هذا الوزير من أهل الذمة دون وزير التفويض والفرق بين الإِمارتين إمارة التنفيذ وإمارة التفويض من أربعة أوجه: أحدها أن إمارة التفويض تقتضى مباشرة الحكم والنظر في المظالم دون إمارة التنفيذ؛ ثانيها أن إمارة التفويض تتضمن جواز تقليد الولاة والأمراء وليس ذلك لإِمارة التنفيذ؛ وثالثها أن لوزير التفويض أن ينفرد بتسيير الجيوش وتدبير الحروب وليس ذلك لوزير التنفيذ؛ ورابعها أنه يجوز لوزير التفويض التصرف في أموال بيت المال وذلك بقبض ما هو مستحق له وبأداء ما يجب عليه وليس ذلك لوزير التنفيذ. وليس فيما عدا هذه الأربعة ما يمنع أهل الذمة من القيام بها إلا أن يجعلوها وسيلة إلى الاستطالة فيمنعون منها حينئذ ولهذه الفروق الأربعة اختلفت الإِمارتان في أربعة من شروطها أحدها أن الحرية معتبرة في إمارة التفويض دون إمارة التنفيذ؛ ثانيها أن الإِسلام معتبر في الأولى دون الثانية؛ ثالثها أن العلم بالأحكام الشرعية معتبر في الأولى دون الثانية أيضا؛ رابعها أن المعرفة بأمور الحرب والخراج معتبرة في الأولى دون الثانية فهما مختلفتان في هذه الشروط متفقتان فيما سواها (١). وقد ذكر الخِرقى من الحنابلة أنه يجوز أن يكون وزير التنفيذ من أهل الذمة وأن يُجعل له عطاء من بيت المال جزاء عمله لا على أنه صدقة وروى عن أحمد ما يدل على منع ذلك إذ قد جاء في رواية أبي طالب أنه سُئل أيستعمل اليهودى والنصرانى في أعمال المسلمين كالخراج فقال لا يُستعان بهم في شئ. ويجوز للخليفة أن يقلد وزيرى تنفيذ على اجتماع وانفراد ولا يجوز أن يقلد وزيرى تفويض على اجتماع كما لا يجوز تقليد إمامين لأنهما ربما تعارضا في العقد والحل والتقليد والعزل وفى تعارضهما الفساد فإن قلد وزيرى تفويض نظر فإن فوض إلى كل واحد منهما عموم النظر بم يصح وعندئذ إن كان التقليد في وقت واحد بطل تقليدهما معا وإن سبق أحدهما الآخر صح تقليد السابق وبطل تعليد اللاحق. أما إن أشرك بينهما في النظر على اجتماعهما فيه ولم يجعل إلى كل واحد منهما أن ينفرد صح وتكون الوزارة فيهما مجتمعين لا في واحد منهما ولها تنفيذ ما اجتمعا عليه وليس لهما تنفيذ ما اختلفا فيه بل يكون موقوفا على رأى الخليفة وخارجا عن نظر هذه الوزارة وتكون هذه الوزارة قاصرة عن وزارة التفويض المطلقة من وجهين أحدهما اجتماعما على تنفيذ ما اتفقا عليه والثانى زوال نظرهما فيما اختلفا فيه فإن اتفقا بعد الاختلاف وكان ذلك عن رأى اجتمعا على صوابه بعد اختلافهما فيه دخل في نظرهما وصح تنفيذه منهما لأن ما تقدم من الاختلاف لا يمنع من جواز الاتفاق بعده وإن كان من متابعة أحدهما لصاحبه مع بقائهما على الرأى المختلف فيه بينهما فهو على خروجه من نظرهما لأنه لا يصح من الوزير تنفيذ ما لا يراه صوابا، فإن لم يُشرك بينهما في النظر بل أفرد كل واحد منهما بعمل يكون فيه عام النظر خاص العمل

стр. 7999

مثل أن يجعل إلى أحدهما وزارة بلاد الشرق والى الآخر وزارة بلاد الغرب أو يخص كل واحد منهما ينظر يكون فيه عام العمل خاص النظر مثل أن يستوزر أحدهما على الحرب والآخر على الخراج صح تقليدهما على كلا الوجهين غير أنهما لا يكونان عندئذ وما يرى تفويض بل يكونان أميرين على عملين مختلفين لأن وزارة التفويض لا تكون إلا عامة وعندئذ ينفذ أمر كل من الأميرين فيما عهد إليه به ويكون تقليد كل واحد منهما مقصورا على ما خص به وليس له معارضة الآخر في نظره وعمله. ولا يجوز لوزير التنفيذ أن يولى معزولا ولا أن يعزل واليا ويجوز لوزير التفويض أن يولى المعزول ويعزل الولاة ولا يعزل من ولاه الخليفة منهم. ويجوز لوزير التفويض أن يوقع عن نفسه إلى عماله وإلى عمال الخليفة وأن يلزمهم بقبول توقيعاته. وإذا عزل الخليفة وزير التنفيذ لم ينعزل بذلك أحد من الولاة. وإذا عزل وزير التفويض انعزل بذلك عمال التنفيذ ولم ينعزل به عمال التفويض لأن عمال التنفيذ نواب وعمال التفويض ولاة. ويجوز لوزير التفويض أن يستخلف نائبا عنه ولا يجوز لوزير التنفيذ أن يستخلف من ينيب عنه لأن الاستخلاف تقليد فهو صحيح من وزير التفويض غير صحيح من وزير التنفيذ وإذا نهى الخليفة وزير التفويض عن الاستخلاف لم يكن له أن يستخلف وإذا أذن لوزير التنفيذ في الاستخلاف جاز له أن يستخلف لأن كل واحد من الوزيرين يتصرف عن أمر الخليفة ونهيه وإن افترقا في حكمهما على الإطلاق والتقييد وإذا فوض الخليفة تدبير الأقاليم إلى أمرائها ووكل النظر فيها إلى المسئولين عليها جاز لوالى كل أقليم أن يستوزر وكان حكم وزيره معه كحكم وزير الخليفة مع الخليفة في اعتبار الوزارتين وأحكام النظرين (١). الأمراء: إذا قلد الخليفة أميرا على أقليم أو مصر أو بلد كانت إمارته على ضربين: عامة وخاصة فأما العامة فعلى ضربين إمارة استكفاء بعقد عن اختيار وإمارة استيلاء بعقد عن اضطرار، فأما إمارة الاستكفاء التي تنعقد عن اختيار فهى في عمل محدود ونظر معهود والتقليد فيها أن يفوض الخليفة إلى الأمير الولاية على جميع أمور بلد أو أقليم نظرا في المعهود من سائر أعماله فيصير عام النظر فيما هو محدود من عمل ومعهود من نظر فيشمل نظره سبعة أمور أحدها النظر في تدبير الجيوش وترتيبهم في الجهات والنواحى وتقدير أرازقهم إلا أن يكون الخليفة قد قدرها فيؤديها إليهم؛ وثانيها النظر في الأحكام وتقليد القضاة والحكام، وثالثها جباية الخراج وقبض الصدقات وتقليد العاملين عليها وتفريق ما استحق منها؛ ورابعها حماية الدين والذب عن الحريم؛ وخامسها إقامة الحدود؛ وسادسها الإِمامة في الجميع والجماعات والاستخلاف فيها، وسابعها تسيير الحجيج فإن كان هذا الأقليم ثغرا متأخما للعدو قام بجهاد من يليه من الأعداء وقسم غنائمهم وأخذ خمسها لأهل الخمس. وشروط هذا الضرب من الإِمارات هي الشروط المعتبرة في وزارة التفويض. وإذا تولى الخليفة عقد هذه الإِمارة كان لوزير

стр. 8000

التفويض على صاحبها حق المراعاة والنظر في تصرفه وإن لم يكن له حق عزله ولا نقله من أقليم إلى غيره. أما إذا تولاه وزير التفويض فإن كان ذلك عن أمر من الخليفة لم يجز له عزله ولا نقله من عمل إلى غيره إلا بإذن من الخليفة وإذا عزل هذا الوزير لم ينعزل هذا الأمير. وإن قلده الوزير عن نفسه فهو نائب عنه فيجوز له أن يعزله وأن يستبدل به غيره وأن ينقله إلى عمل آخر بحسب ما يؤدى إليه اجتهاده من النظر في الأصلح وإذا أطلق الوزير تقليد هذا الأمير فلم يصرح فيه بأنه عن نفسه أو عن الخليفة كان عن نفسه فله أن يعزله وإذا عزل الوزير انعزل هذا الأمير إلا أن يقره الخليفة على إمارته فإن ذلك يكون تجديد لولايته واستئنافا لتقليده غير أنه لا يُحتاج في ذلك إلى ما يحتاجه إليه ابتداء من العقد وشروطه ولذا يكفى أن يقول الخليفة له قد أقررتك على ولايتك أو إمارتك. أما عند الابتداء فيجب أن يقول له قلدتك إمارة ناحية كذا أو بلدة كذا والنظر في جميع ما يتعلق بها ويكون ذلك على تفصيل لا يدخله إجمال ولا يتناوله احتمال. وإذا قلد الخليفة هذه الإِمارة أحدًا لم يمنع ذلك الوزير عن تصفحها ومراعاتها. وإذا قلد الخليفة وزيرا جديدا لم يكن ذلك عزلا للأمير عن إمارته ويجوز لهذا الأمير ولا يجوز له أن يستوزر لنفسه وزير تنفيذ بأمر الخليفة وبغير أمره ولا يجوز له أن يستوزر وزير تفويض إلا بإذن من الخليفة لأن وزير التنفيذ مُعينٌ ووزير التفويض مسئول وإذا أراد هذا الأمير زيادة أرزاق جيشه بغير سبب لم يجز لما فيه من إعطاء مال بغير حق وإن زادهم لحدوث ما يقتضيه نظر في السبب فإن كان مما يُرجى زواله لم تستقر هذه الزيادة على التأبيد كالزيادة لغلاء سعر أو حدوث حدث أو منفعة في حرب فعند ذلك يجوز للأمير أن يؤدى هذه الزيادة من بيت المال ولا يجب عليه استئمار الخليفة فيها لأنها من حذق السياسة الموكولة إلى اجتهاده وإن كان سبب الزيادة مما يقضى بدوامها كالبلاء الحسن في الحرب وجب استئمار الخليفة فيها ولم يكن له التفرد بإمضائها وإذا فضل من مال الخراج فضل عن الأرزاق والحاجة حمله إلى الخليفة ليضعه في بيت المال العام وإذا فضل من مال الصدقات فضل عن أهله لم يلزمه حمله إلى الخليفة بل يصرفه في أقرب أهل الصدقات من عمله وإذا نقص مال الخراج عن الحاجة طالب الخليفة بإكماله من بيت المال ولو نقص مال الصدقات عن أهلها لم يكن له مطالبة الخليفة بالإِتمام لأن أرزاق الجيش مقدرة بالكتابة وحقوق أهل الصدقات معتبرة بالوجود. ولا ينعزل الأمير من قبل الخليفة بموته ولكنه ينعزل بموت الوزير إن كان مولى من قبله لأن تقليد الخليفة مراعى فيه النيابة عن المسلمين وتقليد الوزير إنما هو نيابة عن نفسه وينعزل الوزير بموت الخليفة وإن لم ينعزل به الأمير لأن الوزارة نيابة عن الخليفة والإِمارة نيابة عن المسلمين. وأما الإِمارات الخاصة فهى الإِمارات المقصورة على تدبير الجيوش وسياسة الرعية وحماية البيضة والذب عن الحريم وليس لأميرها أن يتعرض القضاء والأحكام ولا لجباية الخراج والصدقات. أما إقامة الحدود فما افتقر منها إلى اجتهاد لاختلاف الفقهاء أو إلى إقامة بينة بسبب تناكر المتنازعين فيه لم يكن له التعرض فيه لأن ذلك من الأحكام الخارجة عن خصوص إمارته وإن لم يفتقر إلى اجتهاد ولا إلى بينة أو افتقر

стр. 8001

إليهما فنفذ فيه اجتهاد الحاكم أو قامت عليه البينة عنده وكان من حقوق الآدميين كحد القذف والقصاص في نفس أو في ظرف كان ذلك معتبرا بحال الطالب فإن عدل عنه إلى الحاكم كان الحاكم أحق باستيفائه لدخوله في الحقوق التي تندب الحكام إلى استيفائها وإن عدل الطالب في ذلك إلى الأمير كان الأمير أحق باستيفائه لأنه ليس بحكم ولكنه معونة على استيفاء حق وصاحب المعونة هو الأمير دون الحاكم وإن كان هذا الحد من حقوق الله تعالى كحد الزنا فالأمير أحق باستيفائه من الحكم لدخوله في قوانين السياسة وموجبات الحماية فدخل في حقوق الإِمارات ولا يخرج منها إلا بنص كما أنه يخرج من حقوق القضاء ولا يدخل فيها إلا بنص أما نظره في المظالم فإن كان مما نفذت فيه الأحكام وأمضاه القضاة والحكام جاز له النظر في استيفائه معونة للمحق على المبطل وانتزاعا للمحق من المعترف به المماطل فيه لأنه موكول إليه المنع من التظالم والأخذ بالتعاطف والتناصف وإن كانت المظالم مما تستأنف فيها الأحكام ويبدأ فيها القضاء مُنع من النظر فيها هذا الأمير لأنها من الأحكام التي لا يتضمنها عقد إمارته ورُدت إلى حاكم البلد فإن قضى حكمه لأحدهم بحق قام الأمير باستيفائه إن ضعف الحاكم عنه فإن لم يكن في البلد حاكم كان ذلك لأقرب الحكام من البلد إن لم يكن في المسير إلى مشقة فإن كان في المسير إليه مشقة استأمر الخليفة فيما يحدث من نزاع في ذلك. أما تسيير الحجيج فداخل في إمارته لأنه من جملة المعونات التي ندب إليها أما إقامة الصلاة في الجمع والأعياد والجنائز فالأمراء أخص بها من القضاة، عند أبي حنيفة ﵀ خلافا للشافعى، وقد قال ابن القاسم إذا حضر الأمير فهو أحق. وتعتبر في ولاية هذه الإمارة الشروط المعتبرة في إمارة التنفيذ ويزاد عليها شرطان الإِسلام والحرية لما تتضمنه هذه الولاية من الأمور الدينية التي لا تصح مع الكفر والرق ولكن لا يعتبر فيها العلم والفقه. وبذلك يبين أن شروط الإمارة العامة معتبرة بشروط وزارة التفويض لاستوائهما في عموم النظر وإن افترقا في خصوص العمل وشروط الإِمارة الخاصة تقل عن شروط الإِمارة العامة بشرط واحد هو العلم لأن لمن عمت إمارته أن يحكم وليس ذلك لمن خصت إمارته. وليس على واحد من هذين الأميرين مطالعة الخليفة فيما أمضياه من عملهما على مقتضى إمارتهما إلا على وجه الاحتياط والاختيار فإن حدث أمر غير معهود وقفاه على مطالعة الإمام وعَمِلا برأيه فيه فإن خافا من ذلك اتساع الخرق فأما بما يدفع الخصومة حتى يرد عليهما أمر الخليفة. وأما إمارة الاستيلاء التي تعقد عن اضطرار فهى أن يستولى الأمير بالقوة على بلد الخليفة إمارتها ويفوض إليه تدبير أمورها وسياستها فتكون تصرفاته بذلك معتبرة بإذن الخليفة فيقلده. وهذا وإن خرج عن عرف التقليد المطلق في شروطه وأحكامه ففيه من حفظ القوانين الشرعية وحراسة أحكام الدين ما لا يجوز أن يترك مختلا فاسدا فجاز فيه مع الاستيلاء والاضطرار ما امتنع في تقليد الاستكفاء والاختيار للفرق بين شروط الإمكان والعجز. والذي يحفظ في تقليد المستولى من قوانين الشرع سبعة أشياء فيشترك في التزامها الخليفة الولى والأمير المتولى ووجوبها في جانب

стр. 8002

المستولى أغلظ وأشد أحدهما حفظ منصب الإِمامة في خلافة النبوة وتدبير أمور الملة ليكون ما أوجبه الشرع من إقامتها محفوظا وما تفرع عنها من الحقوق محروسا. والثانى ظهور الطاعة الدينية التي يزول معها حكم العناد فيه وينتفى بها أثم المباينة له والثالث اجتماع الكلمة على الألفة والتناصر ليكون للمسلمين يد على من سواهم والرابع أن تكون عقود الولايات الدينية جائرة والأحكام والأقضية فيها نافذة لا تبطل بفساد عقودها ولا تسقط بتحلل عهودها والخامس أن يكون استيفاء الأموال الشرعية بحق تبرأ به ذمة مؤديها ويستباح به أخذها والسادس أن تكون الحدود مستوفاة بحق وقائمة على مستحق والسابع أن يكون الأمير في حفظ الدين ورعا عن محارم الله يأمر بحقه ويدعو إلى طاعته فهذه سبع قواعد من قوانين الشرع تحفظ بها حقوق الإِمامة وأحكام الأمة ولأجلها وجب تقليد المستولى فإن كملت فيه شروط الاختيار كان تقليده حقا استدعاء لطاعته ودفعا لمخالفته صار بالإِذن له نافد التصرف في حقوق الملة وأحكام الأمة وجرى عن من استوزره واستنابه أحكام من استوزره الخليفة وجاز له أن يستوزر وزير تفويض ووزير تنفيذ فإن لم يكمل في المستولى شروط الاختيار جاز للخليفة إظهار تقليده استدعاء لطاعته وحسما لمخالفته ومعاندته وكان نفوذ تصرفه في الأحكام والحقوق موقوفا على أن يستنيب له الخليفة فيها من تكمل فيه شروطها ليكون كمال الشروط فيمن أضيف إلى نيابته جبرا لما فقد من شروطها في نفسه فيصير التقليد للمستولى واللنفيذ من المستناب وجاز ذلك وإن شذ عن الأصول وذلك بناء على أن الضرورة تسقط ما أعوز من شروط المكنة. فإذا صحت إمارة الاستيلاء كان الفرق بينها وبين إمارة الاستكفاء من أربعة أوجه أحدهما أن إمارة الاستيلاء متعينة في المستولى وإمارة الاستكفاء مقصورة على اختيار المستكفى والثانى أن إمارة الاستيلاء مشتملة على البلاد التي غلب عليها المستولى وإمارة الاستكفاء مقصورة على البلاد التي تضمها عهد المستكفى والثالث أن إمارة الاستيلاء تشتمل على معهود النظر ونادِرِه وإمارة الاستكفاء مقصورة على معهود النظر دون نادره والرابع أن وزارة التفويض تصح في إمارة الاستيلاء ولا تصح في إمارة الاستكفاء للفرق بين المستولى ووزيره في النظر لأن نظر الوزير مقصور على المعهود دون النادر وللمستولى أن ينظر كل المعهود والنادر وإمارة الاستكفاء مقصورة على النظر في المعهود فلم تصح معها وزارة تشتمل على مثلها من النظر في المعهود فقط لاشتباه حال الوزير بالمستوزر حينئذ (١). إمارة الجهاد: هي من الإِمارات العامة التي تختص بقتال المشركين وتدبير الجيوش والنظر في أمرهم وفى كل ما يتعلق بهم مما يمس قيامهم بحماية البلاد والذب عن الملة ونُصرة الأمة وجهاد المشركين. وهى على ضربين أحدهما أن تكون مقصورة على سياسة الجيوش وتدبير أمور الحرب فتعتبر فيها شروط الإِمارة الخاصة والضرب الثاني أن يفوض الإِمام إلى أميرها جميع ما يتصل بها من الأحكام من قسم الغنائم وعقد الصلح والمهادنة ونحو ذلك فيعتبر فيها

стр. 8003

شروط الإمارة العامة وهذه الإمارة هي من أعظم الولايات الخاصة أحكاما ومن أوفرها أنواعا وفصولا ويتعلق بها من الأحكام عند عمومها ستة: أولها ما يتعلق بتسيير الجيش وعليه في ذلك أن يراعى سبعة حقوق أحدها الرفق بالجيش في السير الذي يقدر عليه أضعفهم وتحفظ به قوة أقواهم. ثانيها أن يتفقد خيلهم ورُبُطهم ويمنع من حمل ما يزيد على طاقة خيلهم؛ ثالثها أن يراعى من معه من المقاتلة مسترزقة ومتطوعة أما المسترزقة فهم أصحاب الديوان من أهل الفيئ والجهاد فيفرض لهم العطاء من بيت المال بحسب الفناء والحاجة. وأما المتطوعة فهم الخارجون عن الديوان من أهل البوادى وسكان القرى والأمصار الذين خرجوا في النفير طاعة لقوله تعالى ﴿انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله﴾ أي شبانا وشيوخا أغنياء وفقراء ركبانا ومشاة. وهؤلاء يعطون من الصدقات ولا يُعطون من الفيئ لأن حقهم في الصدقات ولا يعطى أهل الفيئ المسترزقة من الديوان شيئا من مال الصدقات فلكل واحد من الفريقين مال لا يجوز أن يشاركه غيره فيه. إلى هذا ذهب الشافعي. وجوَّز أبو حنيفة صرف كل واحد من المالين إلى كل واحد من الفريقين بحسب الحاجة. ورابعها أن يعرِّفَ على الفريقين العرفاءَ وينقب عليهما النقباء ليعرف من عرفائهم ونقبائهم أحوالهم. وفد فعل رسول الله ﷺ ذلك في مغازيه، فكان ﷺ يؤمر على السرايا والجيوش الأمراء والنقباء والعُرفاء في أسفارهم وغزواتهم ومحلاتهم ليكون إليهم تعليمهم والقيام على أمورهم وقد جعل رسول الله ﷺ ليلة العقبة اثنى عشر نقيبا من الأنصار على طوائفهم ممن بايعه يعرفونهم بالإِسلام والخامس أن يجعل لكل طائفة شعارا يتداعون به ليصيروا متميزين وبالإجماع متظافرين. فقد روى عروة بن الزبير عن أبيه أن النبي ﷺ جعل شعار المهاجرين: بنى عبد الرحمن وشعار الخزرج: بنى عبد الله وشعار الأوس: بنى عبيد الله وسمى خيله خمل الله. والسادس أن يتصفح الجيش ومن فيه ليخرج منهم من كان فيه تخذيل للمجاهدين وإرجاف للمسلمين أو كان عبئا عليهم للمشركين فقد رد رسول الله ﷺ عبد الله بن أبي بن سلول في غزوة تبوك في بعض غزواته لتخذيله المسلمين. والسابع ألَّا يمائى من ناسبه أو وافق رأيه ومذهبه على غيره حتى لا يظهر من ذلك ما تتفرق به الكلمة الجامعة. وقد أغض رسول الله ﷺ عن المنافقين وهم أعداء الدين وأجرى عليهم أحكام ظاهرهم - ومن أحكام هذه الإمارة تدبير الحرب والنظر فيها يعامل به المشركون المحاربون وهم على ضربين أحدهما من بلغتهم الدعوة الإسلامية فامتنعوا من إجابتها وتأبوا عليها وأمير الجيش مخير في قتالهم بين أن يبيتهم ليلا أو يغير عليهم بغتة نهارا وبين أن ينذرهم ويحاربهم حتى ينتصر عليهم والضرب الثاني من لم تبلغه الدعوة وهؤلاء يحرم قتالهم فبل إظهار دعوة الإسلام وإعلامهم به فإن أقاموا على الكفر بعد ذلك حاربهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون فإن بدأ بقتالهم قبل دعائهم إلى الإسلام وإنذارهم بالحجة وقتلهم غرة وبياتا ضمن ديات نفوسهم وكانت على الأصح من مذهب الشافعي كديات المسلمين ومقابله تكون مماثلة لديات الكفار على اختلافها باختلاف مذاهبهم. وعند أبي حنيفة لا دية على قاتلهم ونفوسهم هدر وهو ما ذهب إليه الحنابلة.

стр. 8004

ومن أحكام هذه الإِمارة ما يلزم أمير الجيش في سياستهم وهو عشرة أمور: أحدها حراستهم من غرة يظفر بها العدو وذلك بأن يتتبع المكامن فيحفظها عليهم ويحوط أسوارهم بحرس يأمنون به على أنفسهم ورحالهم، وثانيها أن يتخير لهم المنازل لمحاربة عدوهم مما يُعدُّ اختيارها من الحرب والمكيدة؛ وثالثها أعداد ما يحتاج إليه الجيش من زاد وعلوفة وأن توزع عليهم في أوقات حاجتهم تسكينا لنفوسهم، ورابعها أن يتعرف أخبار العدو حتى يقف عليهم ويكون على علم بأحوالهم وخططهم فيأمن مكرهم ويتلمس القوة في الهجوم عليهم. خامسها أن يقوم على ترتيب الجيش في مصاف الحرب وأن يتفقد الصفوف ويصلح ما يبدو له فيها من خلل وضعف بإمداده بما يقويها وإقامة من يرعاها؛ سادسها أن يقوى نفوس الجيش بما يشعرهم بقوتهم واقتراب ظفرهم ليقلل العدو في أعينهم. سابعها أن يعد أهل الصبر والبلاء والنجدة والإِقدام منهم بثواب الله تعالى في الآخرة وبالجزاء والثقل من الغنيمة في الدنيا؛ ثامنها أن يشاور أهل الرأى فيما يعن من الأمور المعضلة ويرجع إلى أهل الحزم والحكمة فيما يشكل منها ليأمن الخطأ ويسلم من الزلل؛ تاسعها أن يأخذ جيشه بما أوجبه الله تعالى من حقوقه؛ عاشرها ألا يمكن أحدا من جيشه بأن يشغله عن الحرب والجهاد تجارة أو زراعة أو أي عمل يصرفه عن الاهتمام بها وعن مصايرة عدوه. ومن أحكام هذه الإِمارة ما يلزم المجاهدين معه من حقوق الجهاد وهو ضربان: أحدهما ما يلزمهم في حق الله تعالى، وثانيهما ما يلزمهم في حق الأمير عليهم. أما الأول فأربعة أشياء أحدها مصابرة العدو عند التقاء الجمعين ولا يولى أحد دبره من مثله إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد فرض الله في أول الإِسلام على كل مسلم أن يقاتل عشرة من الكفار إذ يقول في كتابه ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن مائة يغلبوا ألفا بإذن الله﴾ ثم خفف الله عن المسلمين إذ أوجب على كل مسلم أن يقاتل رجلين فقد جاء في كتابه: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله﴾. قال الخرقى لا يجوز للمسلم أن يهرب من كافرين ويباح له إن خشى القتل أو الأسر أن يهرب من ثلاثة. الثاني أن يقصد بقتاله نصرة دين الله تعالى دون قصد إلى مُغنم. الثالث أن يؤدى الأمانة فيما حازه من الغنائم فلا يغل. الرابع ألا يمالئ المشركين وإن كانوا ذوى قربى وألا يحابى في نصرة دين الله ذا مودة. وأما ما يلزم الجيش في حق أميره فأربعة أشياء أحدها التزام طاعته والدخول في ولايته؛ الثاني أن يفوضوا الأمر إليه ويكلوه إلى تدبيره حتى لا يختلفوا؛ الثالث أن يسارعوا إلى امتثال أمره والوقوف عند نهيه وزجره فإن لم يفعلوا كان له حق تأديبهم حسب أحوالهم. الرابع ألا تكون منهم منازعة في الغنائم وقسمتها. ومن أحكام هذه الإِمارة مصابرة الأمير قتال العدو وأن يطاول به المدة وألا يولى عنهم وفيه قوة - وهذه المصابرة واجبة لازمة حتى يظفر بخصلة من خصال أربع إحداها أن يسلموا فيعصموا بالإِسلام أموالهم ودماءهم ويليهم صغار أولادهم؛ الثانية أن يظفره الله عليهم

стр. 8005

فيسبى ذراريهم ويغنم أموالهم ويقتل من لم يؤسر منهم وهو في الأسرى مخير في استعمال الأصلح للمسلمين من أربعة أمور: المن عليهم والفداء منهم والقتل إن لم يثخن فيهم والاسترقاق ومعاملة بمثل معاملتهم للمسلمين (١). وهذا بناء على أن آية سورة القتال وآيات التوبة والأنفال محكمة ولا تعارض بينها والجمع بينها جائز وقال النحاس فإذا كان الأسر جاز القتل والاسترقاق والمقاواة والسن على ما فيه الصلاح للمسلمين. وقد وقع كل ذلك من رسول الله ﷺ . وهذا القول يروى عن أهل المدينة والشافعى وأبي عبيد وحكاه الطحاوى مذهبا عن أبي حنيفة (٢). (أرجع إلى مصطلح أسير من الموسوعة جـ ٩ ص ٢٩٣). الخصلة الثالثة: أن يبذلوا مالا على المسالمة والموادعة فيجوز للأمير أن يقيله منهم ويوادعهم عليه وذلك على ضربين أحدهما أن يبذلوه لوقتهم ولا يجعلوه خراجا مستمرا فيكون هذا المال غنيمة لأنه مأخوذ بإيجاف الخيل والركاب فيقسم بين القائمين ويكون ذلك أمانا لهم في الانكفاف به عن قتالهم في هذا الوقت ولا يمنع من قتالهم فيما بعد. الضرب الثاني أن يبذلوه كل عام فيكون خراجا مستمرا ويستقر به الأمان والمأخوذ منهم في العام الأول غنيمة وفى الأعوام المستقبلة فئ ولا يجوز العودة إلى قتالهم ما داموا مقيمين على دفع هذا المال لاستقرار الموادعة بالأمان على النفس والمال فإن منعوا المال زالت الموادعة وارتفع الأمان وفجاز جهادهم وصاروا كغيرهم من أهل الحرب ولا يعد بذلهم مالا على أنه هدية عهدا فلا يمتنع قتالهم لأن العهد لا يكون إلا عن عقد. الخصلة الرابعة: أن يسألوا الأمان والمهادنة فيجوز أن يقبل منهم ذلك ما كان في مصلحة المسلمين فقد هادن رسول الله ﷺ قريشا عام الحديبية عشر سنين ولا يزاد على ذلك وإذا نقضوا العهد صاروا حربا يجاهدون من غير إيذان وذلك ما فعله رسول الله ﷺ مع قريش حين نقضت عهدها بعد صلح الحديبية ولكن لا يجوز لنا عند ذلك قتل من يكون في أيدينا من رهائنهم ذكر ذلك المبارك بن سليمان نقلا عن أحمد بن حنبل (٣) وقد روى أن الروم نقضوا عهدهم زمن معاوية وفى يده رهائن منهم فلم يمس الرهائن من ذلك شر من المسلمين وقالوا وفاء بغدر خير من غدر بغدر. ولذلك كان للأمير عند ذلك إطلاق رهائنهم ما لم يقع حرب بيننا وبينهم وإلا استبقوا حتى لا يكونوا حربا علينا. ومن أحكام هذه الإِمارة أنه يجوز لأمير الجيش في حصار العدو أن ينصب عليهم العرادات والمنجنيقات وقد نصب رسول الله ﷺ على أهل الطائف منجنيقا (٤). ويجوز له أن يفاجئهم في منازلهم ويحرقها عليهم وإذا رأى في قطع نخلهم وشجرهم صلاحا وضعفا لهم وظفر بهم جاز له ذلك. فقد قطع رسول الله ﷺ كروم أهل الطائف وكان ذلك سببا لإِسلامهم ونقل

стр. 8006

المروزى عن أحمد أننا نفعل بهم مثل ما يفعلون بنا من ذلك ونقل الأشرم عنه أن أحمد قال: إنى أكره ذلك إلا أن يكون يغيظهم وينال منهم (١). ويجوز لأمير الجيش أن يغوّر عليهم المياه وأن يقطعها عنهم لأن ذلك أبلغ في الظفر بهم ويوارى قتلاهم ولا يلزمه تكفينهم ولا يحرقهم بالنار أحياء ولا أمواتا لنهى رسول الله ﷺ عن ذلك إلا إن فعلوا ذلك بنا ورأى فيه مصلحة للمسلمين كما فعل أبو بكر حين أحرق بعض أهل الردة (٢). وإذا عقدت هذه الإمارة على غزاة واحدة لم يكن لأميرها أن يغزو غيرها وإذا عقدت عامة لزمه معاودة الغزو عاما بعد عام متى قدر عليه، ويلزم هذا الأمير أن ينظر في أحوال المجاهدين وأن يقيم الحدود عليهم ولا ينظر في أحكام غيرهم حال غزوه أو حال خروجه له فإن استقر في الثغر الذي تقلده جاز له أن ينظر في أحكام جميع أهله ورعيته. وأمير الجيش إذا كان مولى من الإمام كان عزله من ولاية الإمام وإذا كان مولى من أمير المصر أو الأقليم على جيش ذلك الاقليم أو المصر كان عزله إلى الإمام وإلى من ولاه. الإمارة على حروب المصالح: وهى إمارة تقوم على دفع الفتن واتقائها وقطع الفساد في الأرض وهى تختص بقتال أهل الردة وأهل البغى والمحاربين ويصح أن يعهد بها إلى أمير الجيش فيتولاها مع ولاية الجهاد. فإذا ارتد فريق من المسلمين عن الإسلام إلى أي دين انتقلوا إليه سواء أكان دينا يصح أن يقر أهله كاليهودية والنصرانية أو لا يصح كالزندقة والوثنية ولم يجز أن يقر على ردته لما في إقراره عليه من الفتنة والفساد ولذا قال ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه". فإذا كان المرتدون قلة تقيم في دار الإسلام ولم يتمتعوا بدار يتميزون بها عن المسلمين فلا حاجة إلى قتالهم لدخولهم تحت القدرة عليهم فيكشف عن شبهاتهم وتقام لهم الحجج على بطلانها حتى يتبين لهم الحق فإن تابوا قبلت توبتهم وعادوا إلى حكم الإسلام كما كانوا، وإن لم يتوبوا وجب قتلهم رجالا كانوا أو نساء. وقال أبو حنيفة لا تقتل المرأة. أما إذا انحازوا إلى دار ينفردون بها عن المسلمين حتى يصيروا فيها ممتنعين فعندئذ يجب قتالهم على الردة بعد مناظرتهم على الإسلام وإيضاح دلائله ويجرى على قتالهم بعد الإنذار والإعذار ما يجرى على قتال أهل الحرب مما سبق بيانه. غير أن من أمر منهم قتل إن لم يثب. (أرجع فيما تقدم إلى مصطلح ردة). أما إذا بغت طائفة من المسلمين فخالفوا رأى الجماعة وانفردوا بمذهب ابتدعوه فإن لم يخرجوا به عن المظاهرة بطاعة الإمام ولم يتميزوا بدار اعتزلوا فيها وكانوا أفرادا متفرقين تنالهم القدرة تركوا ولم يحاربوا وأجريت عليهم أحكام العدل فيما يجب لهم وعليهم من الحقوق والحدود فإن تظاهروا باعتقادهم مع اختلاطهم بأهل العدل أوضح لهم الإِمام فساد ما اعتقدوه وضلال ما ابتدعوه وجاز للإمام أن يعزر من تظاهر بالفساد أو بأمر زجرا ولا يتجاوزه إلى قتل ولا حد وإن اعتزلت هذه الطائفة الباغية أهل العدل وامتنعت بداد فإن لم تمتنع عن حق ولم تخرج عن طاعة لم يحاربوا وقد عزلت طائفة

стр. 8007

من الخوارج عليا رضى الله عنه بالنهروان فولى عليهم عاملا أقاموا على طاعته زمانا وهو لهم موادع إلى أن قتلوه فأرسل إليهم أن سلموا قاتله فأبوا فقاتلهم. (أرجع في ذلك إلى مصطلح بغى أو بغاة). أما المحاربون وقطاع الطريق من أهل الفساد الذين شهروا سلاحهم وقطعوا الطريق وأخذوا الأموال وقتلوا النفوس ومنعوا السابلة فقد نزل فيهم قوله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض﴾ فإذا امتنعوا قوتلوا وأجريت عليهم الحدود. (أرجع في ذلك إلى مصطلح محاربة). إمارة القضاء أو ولايته: لا يُقلد القضاء إلا من كُملت فيه ثمانية شروط وهى الذكورة والبلوغ والعقل والحرية والإسلام والعدالة والسلامة في السمع والبصر والعلم. والمراد بالعلم أن يكون عالما بكتاب الله وبسنة رسول الله وبأقوال السلف وبالقياس فإذا علم ذلك كان من أهل الاجتهاد وجاز له أن يفتى ويقضى. وجَوَّز أبو حنيفة أن يُولى القضاء من ليس أهلا للاجتهاد على أن يستفتى غيره في أحكامه قبل قضائه. وفى تولية القضاء من لم تتوفر فيه بعض هذه الشروط، وفى نفاذ قضائه آراء (يرجع إليها في مصطلح قضاء). وقد ولى رسول الله ﷺ عليا رضى الله عنه قضاء اليمن وكان حديث السنن فقال له يا رسول الله ترسلنى قاضيا وأنا حديث السن ولا علم لي بالقضاء؟ فقال ﷺ : إن الله سيهدى قلبك ويثبت لسانك فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء. قال على فما زلت قاضيا وما شككت في قضاء بعد. أخرجه الترمذى. وقال حديث حسن. كذلك بعث رسول الله ﷺ معاذ بن جبل إلى ناحية من نواحى اليمن قاضيا فسأله وقال له بم تقضى؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله ﷺ . قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيى ولا آلو (أي أقصر) فضرب رسول الله ﷺ صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول الله لما يرضى رسول الله. وقد تكون ولاية القضاء بالمراسلة والمكاتبة مع الغيبة كما تكون بالمشافهة مع الحضور فإن كان التقليد مشافهة فقبوله على الفور لفظا وإن كان في الغيبة جاز أن يكون على التراضى. وقد تكون التولية عامة. وقد تكون خاصة. فإذا كانت عامة اشتمل نظره على عشرة أحكام، الفصْل في المنازعات، واستيفاء الحقوق من الممتنع، وثبوت الولاية على من كان ممنوعا من التصرف لضعف أهليته، والنظر في الأوقاف، وفى تنفيذ الوصايا، وفى تزويج الأيامى بالأكفاء عند عدم الأولياء، وفى إقامة الحدود على مستحقها، وفى النظر في المصالح عامة من كتب المعتدين ونحو ذلك، وفى تصفح الشهود والأمناء واختيار النائبين، وفى التسوية في الحكم بين القوى والضعيف والشريف والوضيع. وإن كانت خاصة اختصت بما تضمنته الصيغة عند التقليد أو التولية فليس للقاضى على الجملة وإن عمت ولايته جباية الخراج لأن ذلك من ولاية أمير الجيوش. أما أموال الصدقات فإن اختصت بناظر خرجت من عموم ولايته وإلا دخلت في عموم ولايته

стр. 8008

على خلاف في ذلك بين الفقهاء (يرجع إليه في مصطلح قضاء). وكذلك القول في إمامة الجمع والأعياد. ويجوز أن يكون القاضي عام النظر في خصوص العمل الذي قُلده فيكون له النظر في جميع الأحكام في المحلة أو البلد الذي عين له وعندئذ يحكم بين ساكنيها والطارئين عليها إلا أن يُنص في التقليد على تخصيص ولايته لأهله فقط. وفى استخلاف القاضي غيره فيما عُهد إليه بعد فصل، (يرجع إلى حكمه في مصطلح استخلاف). ويجوز أن تكون ولاية القاضي متعددة على خصومة معينة بين خصمين كما يجوز أن تكون مخصصة بضروب معينة من النزاع والتخاصم وليس لغير أهل الاجتهاد وطلب القضاء لأنه ليس من أهله، فإن كان من أهل الاجتهاد كان له طلب القضاء إذا لم يكن هناك أحق منه. وفى ذلك آراء (يرجع إليها في مصطلح قضاء). ومرد هذه المسألة إلى جواز طلب الولاية وعدم جوازه. وقد روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من سأل القضاء وكل إلى نفسه ومن أجبر عليه نزل إليه ملك يسدده" وعنه ﷺ أنه قال لعبد الرحمن بن أبي سمرة "لا تسأل الإِمارة فإنك إن أعطيتها من غمر مسألة أعنت عليها". وقد استحدث العباسيون في القضاء ولاية عامة سموا صاحبها بقاضى القضاة، كان إليه النظر في أمر القضاء تولية وعزلا وتخصيصا تعميما وكان أول من قُلد هذه الولاية أبو يوسف يعقوب ابن إبراهيم الأنصارى الكوفي صاحب أبي حنيفة المتوفى سنة ١٨٢ هـ. وقد كان القضاء في عهد رسول الله ﷺ وفى عهد أبي بكر وفى صدر خلافة عمر رضى الله عنهما جزءا من الولايات العامة فكانت إلى رسول الله ﷺ في عهده وإلى الخليفة من بعده أو إلى من ينيبه ممن يرى أنه أهل للقضاء. ولقد أناب رسول الله ﷺ فيه بعض أصحابه في بعض ما رفع إليه كما أناب أبو بكر وعمر. ولما فتحت الأمصار وكثر الناس في عهد عمر عهد به إلى من يليه فعهد إلى أبي الدرداء بقضاء المدينة وإلى شريح بقضاء البصرة وإلى أبي موسى الأشعرى بقضاء الكوفة ومن ذلك الحين صارت ولاية القضاء مستقلة ومستمدة من الخليفة أو من الأمير إذا كانت إمارته عامة كأمير المصر. وكانت هذه الولاية في أول عهدها خاصة بولاية الفصل في الخصومات بين الناس ولا تتجاوزه إلى غيرها من الولايات كولاية الخراج وولاية بيت المال. بل كانت لا تتناول القصاص والحدود إذ كان مرجع ذلك إلى ولاة الأمصار. وجاء في مقدمة ابن خلدون أن من الخلفاء من كان يفوض إلى بعض القضاة النظر في بعض الأمور العامة لا باعتبار أنها داخلة في ولاية القضاء ولكن لما يراه فيه من الكفاءة كما فوض عمر بن الخطاب لقاضيه أبي إدريس الخولانى النظر في المظالم وهى ولاية خاصة يراعى فيها قوة السلطة ونصفة القاضي وشدة الرهبة لما تقوم به من قمع الظالمين وزجر المعتدين. إمارة الحسبة: الحسبة فعل ما يحتسب عند الله تعالى ذكر ذلك الراغبُ الأصفهانى في مفرداته ولا تخرج في استعمال الفقهاء لها عن هذا المعنى فهى عندهم أمر بمعروف ظهر تركه ونهى عن منكر ظهر فعله فرضها الله على عباده إذ يقول ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير

стр. 8009

ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾ (آل عمران) وهى من فروض الكفاية إذا قام بها بعض الأمة سقط طلبها عن باقيها لم يخالف في ذلك إلا عدد دليل منهم الشيخ أبو جعفر وابن حمزة من الإِمامية. وهذه الولاية ولاية شرعية أوجبها الشارع على من كان قادرا عليها. قال ﷺ "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وهذا أضعف الإِيمان" رواه الشيخان في صحيحهما. وولاية الخليفة أو الحاكم تنظمها بحكم أنها ولاية عامة ولذا كان الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بالنسبة إليهما فرض عين كما أنه فرض عين كذلك على من يُولى ذلك من قبل الخلفاء أو الأمراء بحكم منصبه ووجوب قيامه به والولاية في الحسبة نوعان: ولاية أصلية ثابتة عن الشارع وهى الولاية التي اقتضاها التكليف بها وولاية مستمدة وهى التي تُسْتمد من الخليفة أو الأمير وهي ولاية المحتسب المعين كذلك ولذا يُرى أنه يجمع بين الولايتين جميعا لأنه مكلف بها من جهة الشارع ومكلف بها كذلك من قبل من عهد بها إليه. والولاية الأصلية كما تتضمن الأمر والنهى على وجه الطلب مباشرة تتضمن كذلك القيام بما يؤدى إلى اجتناب المنكر على وجه الإدعاء والاستعداء وذلك بالتقدم إلى القضاء بالدعوى أو بالشهادة لديه أو باستدعاء إلى المحتسب أو والى المظالم وتسمى الدعوى لدى القاضي عندئذ دعوى حسبة ولا تكون إلا فيما هو حق لله تعالى أو ما كان فيه حق الله غالبا وعندئذ يكون مدعيها مدعيا بالحق وشاهدا عليه في وقت واحد لأنه إن كان ممن عاين المنكر فهو شاهد وشهادته مقبولة دون دعوى تتقدمها وإن لم يشاهده ولم يعلم به لم تكن دعواه دعوى حقيقية وكانت مجرد اختبار للقاضى بما حصل من أمر المنكر لا يترتب عليه أثر وليس للقاضى بناء عليه أن يقوم بتجسس لأن وظيفته تنحصر في الفصل فيما يرفع إليه من النزاع ولا تتعدى ذلك إلى التحرى وبث العيون. والحسبة ولاية شرعية ووظيفه دينية تلى في المرتبة وظيفة القضاء إذ أن ولايات رفع المظالم ثلاث أسماها وأقواها ولاية المظالم ويليها ولاية القضاء ويليها ولاية الحسبة لأن ولاية المظالم تقوم على التناصف بالرهبة وزجر المنازعين عن التجاحد بالهيبة ولذا كان من يعهد بها إليه جليل القدر عظيم الهيبة ظاهر العفة قليل الطمع كثير الورع لأن قيامه بعمله يحتاج إلى سطوة الحُماة وثبت القضاة ولذا كان من سلطانه تنفيذ ما لم ينفذ من أحكام القضاء للعجز عن تنفيذه والضعف عن إنفاذه أما ولاية القضاء فمجالها الفصل بين الناس في المنازعات التي ترفع إلى القاضي وأما ولاية الحسبة فهى تقصر عن ولاية القضاء في إنشاء الأحكام إذ أن مجالها النظر في الأمر بمعروف ترك والنهى عن منكر يفعل دون حاجة إلى دعوى ترفع وبينة تقدم وأيمان تطلب والحدود بمن هذه الولايات الثلاث ليست مرسومة على وجه يمتنع منه التداخل والتنازع بينها. فكان الفصْل بينها بسبب ذلك دقيقا وكان المرجع في ذلك على العموم ما نحويه مراسم التولية في كل منها وعلى الجملة يُرى أن ولاية الحسبة تتفق مع ولاية القضاء في بعض المسائل وتقصر عنها في بعضها وتزيد علمها في مسائل أخرى فهى تتفق معها في جواز الاستعداء إلى القائم بها

стр. 8010

وتقصر عنها في عدم تناولها لأية دعوى خارجة عن نطاق المنكرات الظاهرة فلا يختص والى الحسبة بسماع شئ من الدعاوى في العقود والمعاملات وتزيد عليها في أنها تتناول بعض ما لا تتناوله ولاية القضاء إذ لوالى الحسبة أن ينظر فيما عليه الناس فإن تركوا معروفا أمرهم به وإن رآهم على منكر نهاهم عنه وإن لم يترافع إليه في ذلك خصم ولم يستعده مستعد ثم لوالى الحسبة من القوة والسلاطة والاستطالة فيما يتعلق بالمنكرات ما ليس للقضاة ما بين ولاية الحسبة وولاية القضاء من فرق أما ما بينها وبين ولاية المظالم فهى تشبهها في أنها تقوم على سلاطة السلطة وقوة الصرامة وجواز التعرض لأسباب تقتضيها المصالح العامة والتطلع إلى إنكار العدوان الظاهر وتختلف عنها ولاية المظالم في أنها تتناول ما يعجز عنه القضاء ولذا كانت ولاية المظالم أرفع الولايات. طريق الحسبة: الاحتساب يعد من الولاية العامة الشرعية إذا ما أسند إلى شخص من الأشخاص كولاية القضاء وله طرق توصل إليه كما أن للقضاء طرقا توصل إليه وهى الدعوى ووسائل إثباتها غير أن طريقه يختلف عن طريق القضاء فالاحتساب يقوم على الاستعداء أو المشاهدة والعلم فإذا كان في حق من الحقوق الخاصة التي لا حق لمجموع الأمة فيها كان طريقه الاستعداء من صاحب الحق وليس للمحتسب أن يتدخل بالمنع والتغيير إلا بناء على طلب صاحب الحق واستعدائه وذلك كما إذا اعتدى إنسان على دار لآخر فسكنها بدون حق أو اغتصب شخص من آخر مالا وذلك لجواز ترك صاحب الحق حقه لمن اعتدى عليه فلا يكون مع هذا الترك ظهور لما اقترف من المنكر إذ قد يكون صاحب الحق في هذه الحال قد أباحه لمن هو في يده. والمحتسب إنما يتدخل عند ظهور المنكر وعدم احتمال زواله ورفعه. والاستعداء في هذه الحال يشبه الدعوى تطلب للقضاء غير أنه لا يطلب من المحتسب إلا التثبت من صحة الخبر بأى طريق من الطرق إما عند الخفاء والإنكار ممن نسب إليه الاعتداء فلا يتدخل المحتسب لأنه لا يسمع دعوى ولا يوجه عيبا ولا يتجسس. ذلك إذا كان المنكر متمثلا في الاعتداء على حق خاص أما إذا كان متمثلا في حق من حقوق الله تعالى بأن يظهر اعتداء على مرفق عام أو حق يغلب فيه حق الله فإنه في هذه الحال يقوم على المشاهدة والعلم الشخصى سواء أكان ذلك بواسطة المحتسب نفسه أو بواسطة أعوانه لأنهم في الواقع ولاة من ولاة الحسبة بسبب تعيينهم فيها. ويجوز أن يقوم الاحتساب في هذه الحال على الإمارات الظاهرة فإذا سمع المحتسب أصوات استغاثة أو أصواتا منبثقة من اقتراف جريمة وجب عليه أن يتدخل وإن لم ير الجريمة نفسها لأن العلم كما يكون بالنظر يكون بالسمع. وليس للمحتسب على العموم أن يتعرف على المنكر بالتجسس ولا باستراق السمع ولا باستنشاق الروائح التي تدل عليه ولا برفع المستور لينظر ما وراءها. وهذه كانت سنة الخلفاء الراشدين وما يتفق مع ما نهى عنه الكتاب من التجسس. والاحتساب لا يكون إلا حيث يرى أن منكرا يقترف أو معروفا يترك وكان ذلك هديه ﷺ طيلة حياته إذ كانت حياته حافلة بنهيه عن المنكرات وأمره بالمعروف وكان أكثر نهيه نهيا

стр. 8011

عن أمور قائمة محظورة وقلَّ أن يكون عن أمر لم يقع وكذلك كان الوضع فيما كان يأمر به من معروف إذ كان يأمر به إذا لم يجده قائما وشاع في الناس تركه، وقد استن أصحابه من بعده سنته في ذلك فكانت حياة عمر رضى الله عنه حافلة بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. إذ كان يجوب الطرقات ويمر في الأسواق وبيده درته يعزر بها كل من يراه مرتكبا منكرا تاركا معروفا مأمورا به. غير أنه لم يكن لولاية الحسبة في عهد الخلفاء الراشدين من عهد إليه بها من الصحابة بل ترك أمرها إلى من لهم ولاية الحكم على العموم وإلى آحاد المسلمين بحكم طلبها منهم شرعا ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن عين للقيام بها من يليها وسميت بهذا الاسم وذلك في عهد الدولة العباسية وفيما بعدها من الزمن فكان في كل من القاهرة ودمشق وحلب وغيرها إمارات للحسبة لها ولاة يقومون عليها. (ارجع إلى مصطلح حسبة). ولاية المظالم: يقول الماوردى: نظر المظالم هو قود المتظالمين إلى التناصف بالرهبة وزجر المتنازعين عن التجاحد بالهيبة فكان من شروط الناظر منها أن يكون جليل القدر نافذ الأمر عظيم الهيبة ظاهر العفة قليل الطمع كثير الورع لأنه يحتاج في نظره إلى سطوة الحماة وثبت القضاة. أما ابن خلدون فيقول: النظر في المظالم وظيفة ممتزجة في سطوة السلطنة ونصفة القضاء وتحتاج إلى علوية وعظيم رهبة تقمع الظالم في الخصمين وتزجر المعتدى. أما شيخ الإسلام بن تيميه فيقول عن ولاية المظالم: من الولايات والولاية أمانة والأمانة مطلوب أداؤها على حقيقتها. قال تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا﴾. ويتبين من ذلك أن ولاية المظالم كولاية القضاء وكولاية الحرب وكولاية الحسبة جزء مما يتولاه ولى الأمر الأعظم ويقيم نائبا عنه فيه ممن يكون فيه الكفاية والهمة لأدائه ويسمى المتولى لأمر المظالم ناظرا ولا يسمى قاضيا وإن كان له مثل سلطان القضاء ومثل إجراءاته في كثير من الأحوال ولكن عمله ليس قضائيا خالصا بل هو قضائى وتنفيذى قد يعالج الأمور الواضحة بالتنفيذ أو بالصفح أو بالعمل الذي يرد لصاحب الحق حقه فهو قضاء أحيانا وتنفيذ إدارى أحيانا. ولم يكن هذا الإجراء بالأمر الذي لم يكن له مثيل في ما قبل الإِسلام فقد حدث في زمن الجاهلية ما يسمى بحلف الفضول الذي حضره رسول الله ﷺ وأقره بعد نبوته إذ قال "لقد حضرت في بيت عبد الله بن جدعان في الجاهلية حلفا ما أحب أن لي به حجر النعم ولو دعيت إليه في الإسلام لأجبت" وسببه أن رجلا من اليمن في زبيد قدم مكة معتمرا ببضاعة فاشتراها منه رجل من بنى سهم قيل أنه العاص بن وائل فلوى الرجل بحقه على الرغم من كثرة سؤاله بدفع ثمنه أو رد متاعه وامتنع من إجابته فاستعدى عليه الرجل من استعدى من أهل مكة فاجتمعت بطون قريش وتحالفوا في دار عبد الله بن جدعان على رد المظالم بمكة وعلى ألا يظلم أحد بها إلا منعهوه وأخذوا للمظلوم حقه من ظالمه. وكان رسول الله ﷺ فيهم قبل النبوة. ولقد نظر الرسول ﷺ في رد المظالم وباشر ذلك بنفسه ومن ذلك ما حدث من قيامه ﷺ من دفع دية

стр. 8012

قتلى من قتلهم خالد بن الوليد بعد إعلانهم الخضوع إذ استنكر رسول الله ﷺ ذلك عليه والتزم بدفع دية القتلى على أساس أن ذلك وقع خطأ وقال "اللهم إنى أبرأ إليك مما فعل خالد" وبعث في ذلك على بن أبي طالب رضى الله عنه وقد استن سنته ﷺ في ذلك الخلفاء الراشدون ومن ذلك انتصار عمر رضى الله عنه للقبطى الذي ضربه بن عمرو بن العاص حين سبقه في السباق قائلا له "أتسبق ابن الأكرمين" فلقد أحضره عمر حين شكاه القبطى إليه وأمره أن يقتص لنفسه قائلا "اضرب ابن الأكرمين" وسيرة عمر بن عبد العزيز مليئة برد الظلامات والحقوق وإنصاف المظلومين ومن ذلك أن أهل سمرقند شكوا إليه قائده قتيبة بن مسلم لأنه قاتلهم قبل أن يعرض الإِسلام عليهم أو العهد فبعث لهم عمر من ينظر في هذه الظلامة فأمر أن يخرج عرب سمرقند إلى معسكرهم وأن ينابذهم المسلمون على سواء فقال أهل سمرقند نرضى بما كان ولا نريد حربا جديدة. ولقد جاءه وفد من أحد الأقاليم يشكون إليه ظلما فقال لهم لا تجشموا أنفسكم مشقة السفر في طلب الحق بل أطلبوه وأنتم في بلدكم مطمئنون في دياركم والنتيجة أن النظر في المظالم كان مرده إلى فعل النبي ﷺ ومسلك خلفائه من بعده. وقد روى أن أول من نظر في المظالم بانتظام على بن أبي طالب ولما غلب على الناس الطابع المادى الدنيوى وذلك في عهد بنى أمية وما يليه أصبح نظر المظالم ولاية متميزة وإمارة خاصة بها متميزة عن ولاية القضاء وولاية الحسبة. وكان عبد الملك بن مروان من أول من خصص لهذه الولاية يوما للنظر فيها سواء بنفسه أو بواسطة أعوانه وكذلك فعل من بعده من العباسيين المهدى ثم الهادى ثم الرشيد ثم المأمون. ولقد كتب أبو يوسف إلى هارون الرشيد في كتابه الخراج قوله "يا أمير المؤمنين تقرب إلى الله بالجلوس لمظالم رعيتك تتسمع من المظلوم وتنكر على الظالم ولعلك لا تجلس بهذا إلا مجلسا أو مجلسين حتى يشيع ذلك في الأمصار والمدن فيخاف الظالم وقوفك على ظلمه (١). ديوان المظالم: لقد أصبح النظر في المظالم بمرور الزمن ولاية لها أناظيمها وحدودها وعمال يقومون عليها. لهم أمير أو ناظر يختار من علمة القوم ومن ذوى المكانة والجاه معروف بالتقوى والورع وقلة الطمع كما أورد أبو يعلى حين يقول لناظر المظالم في فضل الهيبة وقوة اليد في كف الخصوم عن التجاحد ورفع الظلمة من التغالب والتجاذب ما ليس للقضاة فالناظر في المظالم يجب أن يكون جليل القدر نافذ الأمر عظيم الهيبة ظاهر العفة قليل الطمع كثير الورع لأنه يحتاج في نظره إلى سطوة الحماة وتثبت القضاة فاحتاج إلى الجمع بين الصفتين (٢). وقد ذهب بعض العلماء إلى التعبير عن ديوان المظالم باسم المحكمة العليا وكانت رياستها للخليفة أو لمن ينيبه ومن أعضائها قاضى القضاة وكبار. رؤساء الدواوين وبعض رجال الفقه والإفتاء. وكان لأحكامها قوة ليست لأحكام القضاء التي كثيرا ما كان يُلجأ في تنفيذها إليهم

стр. 8013

ولم يكن أحد يجرؤ على عدم الخضوع لقراراتها وذلك لاستنادها إلى سلطان ولى الأمر نفسه. وقد جاء في كتاب الأحكام السلطانية للماوردى في ذلك أنه إذا نظر في المظالم من انتدب لها جعل لنظره يوما معروفا يقصده فيه المتظلمون ويستكمل مجلس نظره بحضور خمسة أصناف لا يستغنى عنهم ولا ينتظم نظره إلا بهم أحدهم: الحماة والأعوان لجذب القوى وتقويم الجرئ والصنف الثاني: القضاة والحكام لاستعلام ما يثبت عندهم من الحقوق ومعرفة ما يجرى في مجالسهم بين الخصوم، والصنف الثالث: الفقهاء: ليرجع إليهم فيما أشكل ويسألهم عما اشتبه وأعضل، والصنف الرابع: الكتاب: ليثبتوا ما جرى بين الخصوم وما توجه لهم أو عليهم من الحقوق، والصنف الخامس: الشهود ليشهدهم على ما أوجبه من حق وأمضاه من حكم. اختصاص ديوان المظالم: إن ما يرفع إلى ديوان المظالم من خصومات بعضه لا يحتاج إلى رفع دعوى وبعضه الآخر يتوقف النظر فيه عليها وبهذا يختلف القضاء عن النظر في المظالم إذ من المظالم ما ينظر فيه ناظرها بعد تصفحه لأحوال الرعية واتصال علمه بما وقع من ظلم لرفعه وأكثر ذلك متعلق بالنظام العام. ومنها ما يحتاج النظر فيه إلى دعوى ترفع ومطالب تعرض. وقد أورد الماوردى في الأحكام السلطانية القضايا التي يعالجها ناظر المظالم فقسمها إلى عشرة أنواع ثلاثة منها لا يحتاج إلى متظلم أو مُدع بل يعرض لها ناظر المظالم من تلقاء نفسه والسبعة الباقية يتوقف النظر فيها إلى تظلم متظلم يتقدم بدعواه. النوع الأول وهو ما لا يحتاج إلى متظلم يتناول. أولا: النظر في اعتداء الولاة على الرعية وتعديهم سلطانهم وهذا من أهم ما ينظر فيه أمير المظالم فعلمه أن يتصفح سير الولاة بين الرعية وأحوالهم وأعمالهم وتصرفاتهم ويحاسبهم على التجاوز فيها. ثانيا: النظر في جور العمال فيما يجبونه من أموال وسيرهم في جبايتها بالحق حتى يتأكد أنهم قد جمعوها من غير إرهاق للناس أو إيذاء وأن هذه الأموال لم تتجاوز ما يجب عليهم. كما يجب أن يتحرى نزاهة العمال وأنهم لم يأخذوا لأنفسهم شيئا عن طريق الرشوة أو الهدية المقنعة وفى قصة ابن اللتبية الذي أمره الرسول على بعض المال فلما جاء به إلى الرسول قال له هذا لكم وهذا لي أعطيتُه هدية، فقد صعد رسول الله على المنبر وقال ما بال أحدكم يُعهد إليه بإحضار مال من أموال المسلمين فإذا جاء به قال هذا لكم وهذا لي هدية أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى يُهدى إليه. ثالثا: مراقبة كتاب الدواوين في أعمالهم لأنهم أمناء المسلمين على ثبوت أموالهم فيما يستوفونه أو يُوفونه. النوع الثاني: ويتمثل في رفع الظلم الخاص ويتناول: أولا: النظر في تظلم العمال من نقص أرزاقهم أو تأخيرها عن موعدها. ثانيا: رد الأموال المغتصبة إلى أربابها ويُعتبر هذا من أهم ما ينظر فيه والى المظالم إذ أن الغاصب غالبا ما يكون من ذوى القوة والبأس وقد قسم الفقهاء هذا النوع من الغصوب قسمين: الأول: غصوب سلطانية وهى التي أخذها الولاة أو الحكام من غير حق إما بضمها إلى مال الدولة

стр. 8014

ظلما وإما أن يأخذها الولاة لأنفسهم وفى هذه الخال يقوم مجلس المظالم برد هذه الغصوب إلى أهلها - وعلى والى المظالم أن يتعرف على ذلك بتصفح أحوال الولاة وسلوكهم وما ضم إلى أموال الدولة من أموال كما له أن يتعرف على ذلك بالاستماع إلى ظلامات أصحابها وبحثها والقسم الثاني من الغصوب ما غصبه الأقوياء من الضعفاء وتصرفوا فيه تصرف الملاك وقد جعل النظر في هذا النوع لوالى المظالم فوق ما للقضاء فيه من ولاية نظرا لما للمغصوب فيه من ضعف أمام الغاصب قد يذهب بحقه بسبب ما للغاصب من قوة وسطوة وجاه. قد يحول دون نصفته أمام القضاء. وهذا النوع من الغصوب لا ينظر فيه والى المظالم إلا بناء على دعوى أو ظلامة ترفع إليه ولكنه لا يتقيد عند نظره بما يتقيد به القاضي من طرق الإيثار بل يكون له أن يصل إلى الحق فيه بكل طريق يوصله إليه وتطمئن إليه نفسه لأن ضعف صاحب الحق قد يعجزه عن الإثبات كما أن قوة الغاصب قد تخيف الشهود وتساعد على إخفاء الحقيقة وطمسها. ثالثا: الأوقاف: فينظر فيها والى المظالم وهى ضربان عامة وخاصة: فأما العامة فيبدأ بتصفحها وإن لم يكن فيها متظلم ليجريها على سبيلها ويمضيها على شروط واقفها إذا عرفها من أحد ثلاثة أوجه إما من دواوين الحكام المندوبين لحراسة الأحكام، وإما من دواوين السلطنة على ما جرى فيها من معاملة أو ثبت لها من ذكر وتسمية وإما من كتب فيها قديمة تقع في النفس صحتها وإن لم يشهد الشهود بها لأنه ليس يتعين الخصم فيها فكان الحكم أوسع منه في الوقوف الخاصة فإن نظره فيها موقوف على تظلم أهلها عند التنازع فيها لوقفها على خصوم متعينين فيعمل عند التشاجر فيها على ما تثبت به الحقوق عند الحاكم ولا يجوز أن يرجع إلى ديوان السلطنة ولا إلى ما يثبت من ذكرها في الكتب القديمة إذا لم يشهد بها شهود معدلون، والقسم السابع: تنفيذ ما وقف القضاة من أحكامها لضعفهم عن إنقاذها وعجزهم عن المحكوم عليه لتعززه وقوة يده أو لعلو قدره وعظم خطره فيكون ناظر المظالم أقوى يدا وأنفذ أمرا فينفذ الحكم على من توجه إليه بانتزاع ما في يده أو بإلزامه الخروج مما في ذمته، والقسم الثامن: النظر فيما عجز عنه الناظرون من الحسبة في المصالح العامة كالمجاهرة منكر ضعفط عن دفعه والتصدى في طريق عجز عن منعه والتخفيف في حق لم يقدر على رده فيأخذهم بحق الله تعالى في جميعه ويأمر بحملهم على موجبه، والقسم التاسع: مراعاة العبادات الظاهرة كالجمع والأعياد والحج والجهاد من تقصير فيها وإخلال بشروطها فإن حقوق الله أولى أن تستوفى وفروضه أحق أن تؤدى، والقسم العاشر: النظر بين المتشاجرين والحكم بين المتنازعين فلا يخرج في النظر بينهم عن موجب الحق ومقتضاه ولا يسوغ أن يحكم بينهم إلا بما يحكم به الحكام والقضاة وربما اشتبه حكم المظالم على الناظرين فيها فيجوزون في أحكامها ويخرجون إلى الحد الذي لا يسوغ فيها. ويبين من هذا أن ولاية المظالم قد تكون فيما يدخل في الولايتين ولاية القضاء وولاية الحسبة (١). غير أن كثيرا من الفقهاء يميزون

стр. 8015

بين نظر والى المظالم والقاضى من عدة وجوه ذكرها الماوردى في الأحكام السلطانية. ويمكن إجمالها فيما يأتى وهو أن نظر والى المظالم أفسح مجالا وأوسع مقالا وبخاصة في طريق الوصول إلى الحق والتعرف على الباطل وإن لوالى المظالم أن يقوم بتعزيز من ظهر ظلمه وبتقويم من بان عدوانه وأن يتأنى في إصدار حكمه إذا ما رأى المصلحة في ذلك وأن يرد الخصوم ليصلحوا ما بينهم دون مداخلة منه وأن يسمع من شهادات المستورين بما يخرج عن عرف القضاء وأن يحلف الشهود عند ارتيابه وأن يقوم بما يرى من طرق التحرى وأن يستدعى من يرى سؤاله من الشهود ولو لم يطلب من المدعى وعلى الجملة فله أن يفصل بعلمه نتيجة لتحريه وبحثه ورؤيته وليس ذلك للقاضى. هذا. وقد ذكر الماوردى أن ولاية المظالم تتفق مع ولاية الحسبة في أن اختصاص كل منهما قائم على الرهبة وزيادة السلطة وقوتها وفى التعرض لإقامة الصالح وإنكار العدوان الظاهر عليها. وتفترقان في أن النظر في المظالم يكون غالبا لما عجز عنه القضاء وأن لوالى المظالم أن يرفع إلى القاضي والمحتسب بما يرى المصلحة في رفعه إليهما وليس لهما أن يرفعا إلى والى المظالم لأنه دونه في المنزلة والسلطان (١). وفى تعرف باقى الأحكام يرجع إلى (مصطلح ولاية المظالم). إمارة الحج: هذه الإمارة قد تكون لتيسير سفر الحجيج وتدبير أمورهم وقد تكون لإقامة شعيرة الحج. والأولى من هاتين الإِمارتين إمارة سياسية وولاية تدبيرية والشروط المعتبرة فيمن يلبيها أن يكون مطاعا ذا رأى وشجاعة وهيبة وهداية وعلى من يلى إمارة الحج من الحقوق عشرة: أحدها أن يجمع الناس في مسيرهم ونزولهم حتى لا يتفرقوا فيخاف عليهم التلف والضلال؛ وثانيها ترتيبهم في المسير والنزول وجعلهم طوائف على كل طائفة منهم عريف حتى تعرف أمكنتهم ونقل منازعتهم؛ ثالثها أن يرفق بهم في السير حتى لا يعجز ضعيفهم، فقد روى عن النبى ﷺ أنه قال: "الضعيف أمير الرفقة". يريد: أن من ضعفت دوابه كان على القوم أن يسيروا بسيره؛ رابعها أن يسلك بهم أوضح الطرق وأخصبها ويتجنب أوعرها وأجدبها؛ خامسها أن يرتاد بهم موارد المياه حتى لا يصيبهم عطش؛ سادسها أن يقوم على حراستهم؛ سابعها أن يجنبهم عوائق المسير ثامنها أن يصلح بينهم إذا تنازعوا ولا يتعرض للحكم بينهم إلا إذا فوِّض إليه ذلك؛ تاسعها أن يقوم زائفهم ويؤدب خائنهم ولا يتجاوز التعزير إلى الحد إلا أن يؤذن له في ذلك فيستوفيه. وإذا دخل بلدا عليه من يلى الحدود كان أولى بإقامة الحد أن سببه قد حدث قبل دخول البلد، وإلا كان ذلك لوالى البلد وعاشرها أن يراعى اتساع الوقت حتى يؤمن القوات - فإذا وصل إلى الميقات أمهلهم للإحرام وإقامة سنته. وعلى الجملة يرعاهم ويهديهم إلى ما فيه يسرهم ولا يعنتهم. وإذا وصل الحجيج إلى مكة فمن كان منهم على نية الرجوع إلى بلده فهو تحت ولايته ويلتزم بأحكام طاعته. ومن كان منهم على نيّة الإقامة بمكة زالت عنه ولايته. وإذا قضى الناس الحج أمهلهم بما جرت به العادة من

стр. 8016

الإِقامة ولا يرهقهم في الخروج فيضر بهم ثم يكون معهم في زيارة قبر رسول الله ﷺ . ثم يكون في العودة بهم إلى بلدهم ملتزما بمثل ما التزم به في خروجه بهم. وإذا كان واليا على إقامة الحج كان عليه أن يرشد الناس إلى مناسك الحج وأحكامها وسننها وشروطها حتى يكونوا على علم بما يطلب منهم فيها. وعند ذلك يراعى فيه أن يكون عالما بمناسك الحج وأحكامه عارفا بمواقيته وأيامه. وتتوقف ولايته بسبعة أيام من صلاة ظهر اليوم السابع من ذى الحجة إلى الثالث عشر منه وهو فيما قبل ذلك وما بعده أحد الرعايا وليس من الولاة. وإذا كانت إمارته على إقامة الحج مطلقة فله إمارته في كل عام حتى يصرف عنها. وعليه في هذه الولاية إشعار الناس بوقت إحرامهم والخروج إلى مشاعرهم وترتيبه المناسك على ما جاء به الشرع ويكون تقدير المواقيت بمقامه فيها وسيره عنها كما تقدر صلاة المأمومين بصلاة الإِمام وعليه إتباع الأذكار والأدعية المأثورة فيها لينبه الناس في ذلك ويؤم الناس في الصلاة التي شرعت فيها خطب الحج وهى خطبتان خطبة في يوم عرفة وأخرى يوم النفر الأول ويستحب له في اليوم الثامن أن يخرج من مكة فينزل بخيف منى بنى كنانة كما فعل رسول الله ﷺ وبيت بها ويسير بهم من منى في اليوم التاسع إلى عرفة فإذا أشرف على عرفة نزل ببطن عرفة وأقام به حتى تزول الشمس ثم سار إلى مسجد إبراهيم بوادى عرفة فخطب الخطبة الأولى من خطب الحج قبل الصلاة فذكر للناس فيها ما يلزمهم من أركان الحج ومناسكه وما يحرم عليهم من محظوراته ثم صلا بهم بعد الخطبة صلاة الظهر والعصر جامعا بينهما في وقت الظهر ويقصر المسافرون ويتم المقيمون ثم يسير بعد فراغه إلى عرفة فيقف بها ثم يسير بعد غروب الشمس إلى مزدلفة فيؤخر صلاة المغرب حتى يجمع بينها وبين صلاة العشاء ويؤم الناس ويبيت بمزدلفة ويلتقط هو والناس حصى الجمار ويسير منها بعد الفجر ثم يتوجه منها إلى المشعر الحرام فيقف فيه داعيا. ثم يسير إلى منى فيبدأ برمى جمرة العقبة قبل الزوال بسبع حصيات ثم ينحر هو ومن ساق هديا ثم يحلق أو يقصر ثم يتوجه إلى مكة فيطوف طواف الإِفاضة ويسعى بعده ان لم يسع قبل عرفه ثم يعود إلى منى فيصلى بالناس الظهر ويخطب بعدها وهى الخطبة الثالثة من خطب الحج الأربع ويذكر للناس ما بقى عليهم من مناسكه وحكم إحلاله الأول والثانى وما يستبيحونه من محظورات الإِحرام بكل واحد منهما على الإِنفراد. وإن كان فقيها قال هل من سائل. وإن لم يكن فقيها لم يتعرض للسؤال. ويبيت ليلته بمنى ليرمى من غدها وهو يوم الحادى عشر إحدى وعشرين حصاة وهى الجمار الثلاث كل جمرة بسبع ويبيت بها ليلته الثانية ويرمى في غيرها الجمار الثلاث وذلك يوم النفر الأول ثم يخطب بعد صلاة الظهر الخطبة الرابعة وهى آخر الخطب المشروعة في الحج يعلم الناس فيها بقية مناسك الحج المندوبة من النفر في يومين أو ثلاثة أيام ويعلمهم أن من نفر من منى قبل غروب الشمس من يومه هذا، سقط عنه المبيت بها، والرمى للجمار من غده. ومن أقام بها حتى غربت الشمس لزمه المبيت بها، والرمى في غده. وليس لهذا الإِمام بحكم ولايته أن ينفر في النفر الأول، ويقيم ليبيت بها لينفر في النفر

стр. 8017

الثاني من غده، في يوم الحلاق، وهو اليوم الثاني عشر بعد رمى الجمار الثلاث. لأنه متبوع. فلا ينفر إلا بعد استكمال المناسك. فإذا استقر حكم النفر الثاني، انفضت ولايته وقد أدى ما لزمه. وليس له تعزير الحجيج إلا من فعل منهم محظورا من محظورات الحج وليس له الحكم بينهم فيما يتنازعون فيه من غير أحكام الحج وله الإِفتاء لمن فعل محظورا يستوجب جزاء بما يجب عليه من جزاء كما له أن يفتى فيما يسأل عنه إذا كان فقيها عالما به وليس له أن يحمل الناس على مذهبه (الأحكام السلطانية لأبى يعلى من إمارة الحج). إمارة بيت المال: بيت المال اسم للجهة التي يحفظ فيها جميع ما يستحقه جماعة المسلمين من أموال لإِنفاقه في مصالحهم العامة فبيت المال إذن في اصطلاح الفقهاء بناء على ذلك هو المصرف الشرعى الذي يمثل تلك المصالح التي سنعرض لها عند بيان مصادر تلك الأموال العامة المستحقة التي لا يستحقها شخص بعينه - هذا ما يريده الفقهاء عند طلاقهم اسم بيت المال إذا ما قالوا هذا من حق بيت المال أو هذا لبيت مال المسلمين أو هذا حق مستحق في بيت المال وكثيرا ما يراد به المكان الذي تخزن فيه تلك الأموال فور جمعها وتحصيلها إلى أن تصرف في مصارفها المختصة بها وهذا استعمال لا يبعد عن الاستعمال السابق والمقصود فيهما واحد إذ العبرة بالمستحق لا بمكان المال المستحق - وليس يعلم على التحديد زمن نشأة هذا الاصطلاح واستعماله في لسان الفقهاء ولكن المؤكد أن هذا الاصطلاح لم يعرف إلا في عهد عمر رضى الله عنه حين أشير عليه بإنشاء الديوان على غرار ما كان عليه الحال في النظامين الرومانى والفارسى حين دعت الحاجة إلى ذلك إذ لم تكن حاجة إلى إنشائه في عهد رسول الله ﷺ وعهد أبي بكر من بعده وذلك لقلة مصادره من الأموال حين ذلك فقد كانت الصدقات قليلة والغنائم قليلة وكان ما يرد منها يقسم بمن مستحقيه وقت وروده دون إدخار لشئ منه وكان هذا هو شأن كل مغنم جاء في عهد رسول الله ﷺ يجئ ويفرق في حينه ولما فرضت الزكاة ووجدت ابل الصدقة وكان لها مراح ورعاة يقومون عليها لم يكن ذلك أيضا داعيا إلى إنشاء بيت المال واستمر الحال على ذلك في عهد أبي بكر وشطر من خلافه عمر حيث كان المسجد هو المكان الذي تحمل إليه الأموال فتقسم بين المسلمين حين ورودها فلما اتسعت الفتوح في عهد عمر وكثرت الأموال لم ير عمر بدا من أن يضبط موارد هذا المال ومصارفه فأمر بإنشاء ديوان لبيت المال يُرصد فيه الوارد والمنصرف ويحصر فيه الجند وأعطياتهم مما فرض للمهاجرين والأنصار كما أمر أن يكون لكل والٍ من ولاة الأمصار ديوان على هذا الوضع وبهذا كان أول ديوان لبيت المال والجند ديوان عمر (١). وبيت مال المسلمين يتمول من كل مال يستحق للمسلمين دون تعيين مالك معين منهم له فكل مال من هذا القبيل يعد من حقوق بيت المال فإذا قبض صار بالقبض مضافا إلى حقوق بيت المال سواء أدخل في حرزه أم لم يدخل. وكل حق وجب صرفه في مصالح المسلمين فهو حق على بيت المال.

стр. 8018

مصادر بيت المال: الفيئ والصدقات وخمس الغنائم وكذلك الخراج والجزية وعشور التجارة والعشر ونصف العشر والأموال التي ليس لها مالك كالتركات التي لا وارث لها والغصوب والودائع التي تعذر معرفة أصحابها عقارا كان أم منقولا. فأما الفيئ فمن حقوق بيت المال لأن مصرفه موقوف على رأى الإمام (١). أما الغنيمة فيما عدا الخمس فليست من حقوق بيت المال لأنها مستحقة للغانمين الذين تعينوا بحضورهم الواقعة ولا يتوقف مصرفها واستحقاقها على رأى الإِمام ولا على اجتهاد له في مغنمهم منها فلم تصر لذلك من حقوق بيت المال إلا في الأراضين. فقد حكى فيها روايتان إحداهما أنه لا رأى له فيها كغيرها من الأموال والثانية أن له رأيا في وقفها أو قسمتها وأرجع في ذلك إلى مصطلح غنيمة ويلاحظ أن ما يؤخذ من الغنيمة من الخمس الواجب فيها فإنه ينقسم ثلاثة أقسام قسم منه يعد من حقوق بيت المال وهو سهم الرسول الواجب صرفه في المصالح العامة لوقوف مصرفه على رأى الإمام واجتهاده وقسم منه ليس من حقوق بيت المال وهو سهم ذوي القربى يتعين مالكه وخروجه بذلك عن حقوق بيت المال ولذلك خرج عن اجتهاد الإمام ورأيه وقسم منه يكون بيت المال فيه حافظا له على أهله وهو سهم اليتامى والمساكين وابن السبيل إن وجدوا دفع إليهم وإن فقدوا أحرز لهم وأرجع إلى مصطلح فيئ (المرجع السابق). وأما الصدقة وهى الزكاة فضربان صدقة المال الباطن وصدقة المال الظاهر، فأما صدقة المال الباطن فلا تعد من حقوق بيت المال لجواز أن ينفرد أربابه بإخراجها وتقسيمها في أهلها وأما صدقة المال الظاهر كأعشار الزروع والثمار وزكاة المواشى فقد ذهب أحمد إلى أن هذا النوع ليس من حقوق بيت المال أيضا لأن الجهات معنية لا يجوز صرفه في غير جهاته برأى الإمام ولا هو محل لإحراز بيت المال عند تعذر جهاته ولذا لا يجب دفعه إلى الإمام وإن جاز أن يدفع إليه. ونقل عن بعض العلماء كجعفر بن محمد ما يفيد أن هذا النوع من حقوق بيت المال وذهب أبو حنيفة إلى أن هذا النوع من حقوق بيت المال أيضا لأن للإمام رأيا في صرفه في أهله وعند الشافعي ليس من حقوق بيت المال لأنه ليس لجهات عنده لا يجوز صرفة في غيرها ولكن اختلف قوله هل يكون بيت المال محلا لإِحرازه عند تعذر جهاته أم لا فذهب في القديم إلى أنه إذا تعذرت الجهات كان بيت المال محلا لإحرازه إلى أن توجد لأنه كان يرى وجوب دفعه إلى الإمام وذهب في الجديد إلى أن بيت المال ليس محلا لإحرازه استحقاقا لأنه لا يرى فيه وجوب دفعه إلى الإِمام وإن جاز أن يدفع إليه فلذلك لم يكن إحرازه مستحقا لبيت المال وإن جاز إحرازه فيه. (أرجع إلى مصطلح زكاة). أما ما كان مستحقا على بيت المال من أموال فنوعان: أحدهما ما كان بيت المال حرزا له واستحقاقه عندئذ معتبر بوجود أهله وجهاته فإن كان المال موجودا فيه كان صرفه في جهاته مستحقا لهم وإن كان غير موجود فيه لم يكن لجهاته استحقاق في بيت المال؛ والنوع الثاني أن يكون بيت المال له مستحقا وذلك على ضربين: أحدهما أن يكون

стр. 8019

مصرفه مستحقا على وجه البدل كأرزاق الجند وأثمان الكراع والسلاح فاستحقاق ذلك غير معتبر، بالوجود وهى من الحقوق اللازمة عند الوجود والعدم فعند الوجود يحل ومنه كالديون مع اليسار وعند العدم يجب في الأنظار كالديون مع الإعسار والضرب الثاني أن يكون مصرفه مستحقا على وجه المصلحة والارتفاق دون البدل فاستحقاقه معتبر بالوجود دون العدم فإن كان موجودا في بيت المال وجب فيه وسقط فرضه عن المسلمين وإن كان معدوما سقط وجوبه عن بيت المال وكان من فروض الكفاية أن عم ضرره كافة المسلمين حتى يقوم به منهم من فيه كفاية كالجهاد وإن كان ما لا يعلم ضرره كوعورة طريق قريب يجد الناس طريقا غيره بعيدا أو انتفاع شرب يجد الناس شربا غيره فإنه إن سقط وجوبه على بيت المال بالعدم سقط وجوبه عن الكافة لوجود البدل وإذا اجتمع على بيت المال حقان ضاق عنهما واتسع لأحدهما صرف فيما يصير منهما دينا في بيت المال فلو ضاق من كل واحد منهما جاز لولى الأمر إذا خاف الفساد أن يعترض على بيت المال ما يصرفه في الديون دون الارتفاق. وكان بيت المال مأخوذا بقضائه إذا اتسع له بعد ذلك وإذا كان قيما لبيت المال من حقوق فضل عن مصرفها فقد اختلف في ذلك الفقهاء فذهب أبو حنيفة إلى أنه يُدخر في بيت المال لما ينوب المسلمين من حادث وذهب الشافعي إلى أنه يفرق على ما يعم به صلاح المسلمين ولا يُدخر وإن النوائب يتعين فرضها عليهم إذا حدثت ولم يكن في بيت المال ما يقوم بها (المرجع السابق). وأما الخراج فهو ما يفرض على الأرض التي فتحها المسلمون عنوة أو صلحا. ويرى أبو يوسف أنه يعد من الفيئ إذ يقول وأما الفيئ فهو الخراج عندنا والخراج خراج الأرض وكان عمر رضى الله عنه يرى أن الخراج حق لجماعة المسلمين غانمين وغير غانمين ولذا خالف بلال حين سأله قسمة ما أفاء الله عليهم من أرض العراق والشام قائلا لو قسمت لم يبق لمن بعدكم شئ وقد أشرك الله فيها الذين يأتون من بعدكم إذ قال ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولأخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾. وهذا والله أعلم يعلم كل من جاء بعدهم من المؤمنين إلى يوم القيامة: ويرى أبو عبيدة أن الجزية من الفيئ أيضا فالخراج هو ما على الأرض من وظيفة وما على الرءوس من جزية ولذا كانت الجزية شأنها شأن الخراج في أنها لجميع المسلمين والأراضى التي افتتحها المسلمون ثلاثة أنواع أرض أسلم عليها أهلها وهى لهم ملك وعليهم فيها عشر ما تنتجه زكاة لا خراجا وأرض فتحت صلحا على خراج معلوم وهى على ما صولح عليه أهلها لا يلزمهم أكثر منه ومصيره إلى بيت المال وأرض أخذت عنوة وقد اختلف فيها الرأى بين الفقهاء فقال بعضهم سبيلها سبيل الغنيمة فتخمس وتقسم أربعة أخماسها بين الغانمين والخمس الباقى لمن سمى الله تعالى في قوله ﴿واعلموا أنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ وقال بعضهم أمرها إلى الإمام إن رأى أن يجعلها غنيمة جعلها كما فعل رسول الله ﷺ في خيبر فذلك له إن رأى المصلحة في ذلك وإن رأى أن يجعلها فيئا فلا يخمسها ولا يقسمها بل تكون موقوفة على المسلمين عامة فذلك له إن رأى المصلحة فيه

стр. 8020

كما صنع عمر بالسواد. (انظر مصطلح خراج). وأما الجزية فهى ما فرض من مال على رءوس أهل الذمة الذين دخلوا في حوزة المسلمين من أهل الكتاب والمجوس ما خلا نصارى تغلب ونجران خاصة ومصيرها إلى بيت المال. وقد كتب رسول الله ﷺ الى أهل اليمن إن من كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يفتن عنها (لا يصرف عنها) وعليه الجزية. (وانظر في نظامها وأحكامها إلى مصطلح جزية). وأما عشور الحجارة فهو ما يؤخذ من أموال أهل الذمة أو أهل الحرب إذا مروا بتجارتهم في أرض المسلمين وعلى الذمى في تجارته نصف العشر من قيمتها من الحول إلى الحول. وأما المحارب فعليه العشر كاملا. أما ما يؤخذ من المسلمين في تجارته فيعتبر زكاة. (وانظر في تعرف أحكام ذلك إلى مصطلح عشور التجارة) (المرجع السابق). ومن البيان المتقدم يتضح أن ما لبيت المال من حقوق أشرنا إليها وما عليه من حقوق مردها إلى حقوق جميع العمال القائمين بمهام الدولة من جند وغيرهم من العاملين بمصالحها العامة الذين تجب لهم أجورهم في بيت المال وما يقتضيه ذلك من نظام وتدبير في جمع الحقوق وحصرها وتوزيعها على مستحقيها وحفظها إلى أن يحين وقت توزيعها قد استوجب إقامة أمير أو والٍ يقوم على هذه المهام المنوطة ببيت المال ويسمى ناظر بيت المال أو أميره أو وإليه وله في هذه الحقوق من الولاية ما للقيم والأوصياء على أموال المحجور عليهم وهو في ذلك مُقيد برأى الإمام باعتباره مستمد ولايته منه. (ارجع في تعرف بقية الأحكام إلى مصطلح ولاية ومصطلح بيت المال). " الإِمامة في الصلاة " التعريف لغة: الإِمامة مصدر فعله أم. قال صاحب لسان العرب (١): أم فلان فلانا يؤمه أما إذا قصده، وفى حديث ابن عمر رضى الله عنهما: من كانت فترته إلى سُنَّة فلأَم ما هو، أي قصد الطريق المستقيم، ويحتمل أن يكون الأم أقيم مقام المأموم أي هو على طريق ينبغى أن يقصد، وفى حديث كعب بن مالك: ثم يؤمر بأمّ الباب على أهل النار فلا يخرج منهم غمٌّ أبدا، أي يقصد إليه فيسد عليهم. قال ابن سيده: والتيمم التوضوء بالتراب على البدل، وأصله من الأم لأنه يقصد التراب فيتمسح به. والأم العلم الذي يتبعه الجيش. ويقال تأمم فلان بكذا وأْتم به جعله أمة أي سُنة، وأم فلان القوم وأم بهم تقدمهم، وهى الإمامة، والإمام كل من إئتم به قوم سواء كانوا على الصراط المستقيم أو كانوا ضالين، قال ابن الأعرابى في قوله : ﴿يوم ندعو كل أناس بإمامهم﴾ (٢) قالت طائفة:
следующие страницы →