← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 8086–8125 · переход к 8091.

стр. 8086

غيره ويكون رأس الميت عن يمينه ندبا إلا في الروضة الشريفة فإنه يجعل رأس الميت على يسار الإمام جهة القبر الشريف. وفى التاج والأكليل (١) من الحطاب. وقال أبو عمر اختلفت الآثار أين يقوم الإمام من الجنازة وليس في ذلك حد لازم من كتاب ولا سنة فلا حرج في فعل كل ما جاء عن السلف وليس قيامه ﵌ منها في موضع ما يمنع من غيره لأنه لم يوقف عليه. قال ابن عرفة يجعل رأس الميت عن يمين الإمام فلو عكس فقال سحنون وابن القاسم صلاتهم مجزئة عنهم. قال ابن رشد فالأمر في ذلك واسع وكذلك لو أخطأ في ترتيب الجنائز للصلاة عليها فقدم النساء على الرجال والصغار على الكبار لمضت الصلاة ولا إعادة. وفى الحطاب (٢): قال في المدخل تقدم المصلى على الإمام والجنازة فيه مكروهان أحدهما تقدمه على الإمام والثانى تقدمه على الجنازة انتهى بالمعنى. فعلى هذا يكون التقدم على الجنازة مكروها فقط وتصح الصلاة سواء كان المتقدم إماما أو مأموما والله أعلم. قال في المدخل في سنن الصلاة على الجنازة أن يكون الميت بين يدى المصلى ورأسه إلى جهه المغرب وهذا بالنسبة إلى بلده. قال القاضي أبو الفضل عن الطبرى أنه قال أجمعوا أن الإمام لا يلاحق الجنازة وليكن بينه وبينها فرجة. مذهب الشافعية: جاء في مغنى المحتاج (٣): أنه لا يجوز أن يتقدم المأموم على إمامه في الموقف ولا في مكان القعود أو الاضطجاع لأن المقتدين بالنبى ﵌ وبالخلفاء الراشدين لم ينقل عن أحد منهم ذلك ولقول رسول الله ﷺ : "إنما جعل الإِمام ليؤتم به" والائتمام الإتباع والمتقدم غير تابع فإن تقدم عليه في أثناء صلاته بطلت في الجديد الأظهر ولو تقدم عليه عند التحريم لم تنعقد كالتقدم بتكبيرة الإحرام قياسا للمكان على الزمان ولأن المخالفة في الأفعال مبطلة وهذه المخالفة أفحش. وفى القديم لا تبطل مع الكراهة كما لو وقف خلص الصف وحده. نعم يستثنى من ذلك صلاة شدة الخوف فإن الجماعة فيها أفضل وإن تقدم بعضهم على بعض وعلى الجديد لو شك هل هو متقدم أو متأخر كأن كان في ظلمة صحت صلاته مطلقا لأن الأصل عدم المفسد. وقال القاضي حسن إن جاء من خلفه حتى صحت صلاته وإن جاء من أمامه لم تصح عملا بالأصل فيهما والأول هو المعتمد الذي قطع به المحققون وإن قال ابن الرفعة إن الثاني أوجه، ولا تضطر مساواة المأموم لإِمامه لعدم المخالفة لكن مع الكراهة كما في المجموع والتحقيق وإن استبعده السبكى

стр. 8087

ويندب تخلف المأموم عن الإِمام قليلا إذا كانا ذكرين غير عاريين بصيرين أو كان الإِمام عاريا والمأموم بصيرا ولا ظلمة تمنع النظر استعمالا للأدب ولتظهر رتبة الإِمام على المأموم، والاعتبار في التقدم للقائم بالعقب وهو مؤخر القدم لا الكعب فلو تساويا في العقب وتقدمت أصابع المأموم لم يضر نعم إن كان اعتماده على رءوس الأصابع ضر كما بحثه الأسنوى ولو تقدمت عقبه وتأخرت أصابعه ضر لأن تقدم العقب يستلزم تقدم المنكب والمراد ما يعتمد عليها فلو اعتمد على إحدى رجليه وقدم الأخرى على رجل الإِمام لم يضر ولو قدم إحدى رجليه واعتمد عليهما لم يضر كما في فتاوى البغوي والاعتبار للقاعد بالإلية كما أفتى به البغوي ولو في التشهد. أما في حال السجود فيظهر أن يكون المعتبر رءوس الأصابع ويشمل ذلك الراكب وهو الظاهر والجماعة يستديرون في المسجد الحرام حول الكعبة ندبا لاستقبال الجميع ضاق المسجد أم لا خلافا للزركشى لكن الصفوف أفضل من الاستدارة. ويندب أن يقف الإمام خلف المقام ولو وقف صف طويل في آخر المسجد بلا استدارة حول الكعبة جاز على ما جزم به الشيخان (النووى والرافعى) وإن كانوا بحيث يخرج بعضهم عن سمتها لو قربوا خلافا للزركشى ولا يضر كون المأموم أقرب إلى الكعبة في غير جهة الإِمام في الأصح لأن رعاية القرب والبعد في غير جهة الإمام مما يشق بخلاف جهته ولا يظهر به مخالفة منكرة، ولا يضر لو وقف الإمام والمأموم في داخل الكعبة واختلفت جهتاهما بأن كان وجهه إلى وجهه أو ظهره إلى ظهره. أما إذا اتحدت الجهة بأن يكون ظهر المأموم إلى وجه الإمام فلا تصح في الأصح ولو وقف الإمام في الكعبة والمأموم خارجها لم يضر وله التوجه إلى أي جهة شاء ولو وقف المأموم في الكعبة والإمام خارجها لم يضر لكن لا يتوجه المأموم إلى الجهة التي توجه إليها الإمام لتقدمه حينئذ عليه، ويندب أن يقف المأموم الذكر ولو صبيا إذا لم يحضر غيره عن يمين الإمام لما في الصحيحين أن ابن عباس رضى الله تعالى عنه قال: بت عند خالتى ميمونة فقام النبي ﷺ يصلى من الليل فقمت عن يساره فأخذ برأسى فأقامنى عن يمينه، فإن وقف عن يساره أو خلفه سن له أن يندار مع اجتناب الأفعال الكثيرة فإن لم يفعل قال في المجموع سن للإمام تحويله فإن حضر ذكر آخر أحرم ندبا عن يساره ثم يتقدم الإمام أو يتأخران حالة القيام أو الركوع وتأخرهما أفضل من تقدم الإمام لخبر مسلم عن جابر قال صليت خلف رسول الله ﷺ فقمت عن يمينه ثم جاء جابر بن صخر فقام عن يساره فأخذ بأيدينا جميعا حتى أقامنا خلفه ولأن الإمام متبوع فلا ينتقل من مكانه ولو حضر مع الإمام ابتداء رجلان أو صبيان أو رجل وصبى قاما صفا خلفه بحيث لا يزيد ما بينه وبينهما على ثلثمائة أذرع وكذا ما بين كل صفين. أما الرجلان فلحديث جابر السابق وأما الرجل والصبى فلما في الصحيحين عن أنس رضى الله تعالى عنه أنه ﵊ صلى في بيت أم سليم فقمت أنا ويتيم خلفه وأم سليم خلفنا، فلو وقفا عن يمينه أو يساره أو أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره أو أحدهما خلفه والآخر بجنبه أو خلف الأول كره كما في المجموع نقلا عن الشافعي. وكذا امرأة ولو محرما أو زوجة أو نسوة تقوم أو يقمن خلفه لحديث أنس رضى الله تعالى عنه السابق فإن حضر معه ذكر وامرأة

стр. 8088

وقف الذكر عن يمينه والمرأة خلف الذكر. ولو حضرت امرأة وذكران وقفا خلفه وهى خلفهما. ولو حضر ذكر وامرأة وخنثى وقف الذكر عن يمينه والخنثى خلفهما لاحتمال أنوثته والمرأة خلفه لاحتمال ذكورته. وإذا اجتمع الرجال وغيرهم وقف الرجال خلف الإمام لفضلهم ثم الصبيان لأنهم من جنس الرجال ثم الخناثى لاحتمال ذكورتهم ثم النساء لتحقق أنوثتهم، وتقف (١) إمامة النساء وسطهن ندبا لثبوت ذلك عن فعل عائشة وأم سلمة رضى الله تعالى عنهما. رواه البيهقى بإسناد صحيح. أما إذا أمهن غير المرأة من رجل أو خنثى فإنه يتقدم عليهن ومثل المرأة في ذلك عار أمَّ بعراء في ضوء. فلو كانوا عراة فإن كانوا عميا أو في ظلمة أو في ضوء لكن أمامهم مكتس استحب أن يتقدم أمامهم بناء على استحباب الجماعة لهم وإن كانوا بعراء بحيث يتأتى نظر بعضهم بعضا فالجماعة في حقهم وانفرادهم سواء فإن صلوا جماعة في هذه الحالة وقف الإمام وسطهم قال ابن الرفعة عن إمام الحرمين والمتولى هذا إذا أمكن وقوفهم صفا وإلا وقفوا صفوفا مع غض البصر. وإذا اجتمع الرجال مع النساء والجميع عراة لا يصلين معهم لا في صف ولا في صفين بل يتنحين ويجلسن خلفهم ويستدبرن القبلة حتى يصلى الرجال. وإذا جمع الإمام (٢) والمأموم مسجد واحد مع الاقتداء وإن بعدت المسافة بينهما في المسجد وحالت أبنية كبئر وسطح ومنارة تنفذ أبوابها وإن أغلقت فلابد أن يكون لسطح المسجد باب من المسجد لأنه كله مبنى للصلاة فالمجتمعون فيه مجتمعون لإقامة الجماعة مؤدون لشعارها ولابد أن يكون التنافذ على العادة كما قاله بعض المتأخرين وأعلم أن التسمير للأبواب يخرجها عن الاجتماع فإن لم تتنافذ أبوابها إليه أو لم يكن التنافذ على العادة فلا يعد الجامع بها مسجدا واحدًا وإن خالف في ذلك البلقينى فيضر الشباك، فلو وقف من ورائه بجوار المسجد ضر، وعلو المسجد كسفله فهما مسجد واحد وكذا رحبته معه وهى ما كان محجرا عليه لأجله. قال في أصل الروضة ولم يفرقوا بين أن يكون بينهما طريق أم لا. وقال ابن كج إن انفصلت فكمسجد آخر، والمساجد المتلاصقة التي ينفذ أبواب بعضها إلى بعض كالمسجد الواحد في صحة الاقتداء وإن بعدت المسافة واختلفت الأبنية وانفرد كل مسجد بإمام ومؤذن وجماعة نعم إن حال بينهما نهر قديم بأن حفر قبل حدوثها فلا تكون كمسجد واحد بل تكون كمسجد وغيره. أما النهر الطارئ الذي حفر بعد حدوثها فلا يخرجها عن كونها كمسجد واحد، وكالنهر في ذلك الطريق، ولو كان الإِمام والمأموم في مكان واسع كصحراء يشترط أن لا يزيد ما بينهما على ثلثمائة ذراع بذراع الآدمى تقريبا وقيل تحديدا فإن وقف شخصان أو صفان خلف الإِمام أو عن يمينه أو يساره وأحدهما وراء الآخر أو عن يمينه أو يساره اعتبرت المسافة المذكورة بين الأخير والأول لأن الأول في هذه الحالة كإمام الأخيرة، ولا يضر، وإذا كان بين الإِمام (٣) والمأمومين شارع مطروق أو نهر يحتاج إلى سباحة فالصحيح أن ذلك لا يضر لأن ذلك لا يعد

стр. 8089

حائلا في العرف كما لو كانا في سفينتين مكشوفتين في البحر ومقابل الصحيح أن ذلك يقر أما الشارع فقد تكثر فيه الزحمة فيعسر الاطلاع على أحوال الإمام. وأما النهر فقياسا على حيلولة الجدار. ولا يضر جزما الشارع غير المطروق والنهر الذي يمكن العبور من أحد طرفيه إلى الآخر من غير سباحة وذلك بالوثوب فوقه أو المشى فيه أو على جسر ممدود على حافتيه، فإن كان الإمام والمأموم في بناءين كصحن وصفة أو بيت من كان واحد كالمدرسة المشتملة على هذه الأمور مع محاذاة الأسفل للأعلى بجزء منهما فطريقان أصحهما إن كان بناء المأموم يمينا أو شمالا لبناء الإمام وجب اتصال صف من أحد البناءين بالآخر كأن يقف واحد بطرف الصفة وآخر بالصحن متصلا به لأن اختلاف الأبنية يوجب الافتراق. فاشترط الاتصال ليحصل الربط بالاجتماع ولا تضر فرجة لا تسع واقفا في الأصح وإن كان بناء المأموم خلف بناء الإِمام فالصحيح صحة القدوة بشرط أن لا يكون بين الصفين أكثر من ثلاثة أذرع والطريق الثاني أنه لا يشترط إلا القرب لئلا يزيد ما بين الإِمام والمأموم على ثلثمائة ذراع سواء كان موقف المأموم يمينا أم شمالا أم خلف بناء الإِمام فإن حال ما يمنع المرور لا الرؤية كالشباك أو يمنع الرؤية لا المرور كالباب المردود فوجهان أصحهما في أصل الروضة عدم صحة القدوة. أما لو حال جدار أو باب مغلق لم تصح القدوة باتفاق الطريقين لأن الجدار معد للفصل بين الأماكن. ولو وقف (١) المأموم في علو في غير مسجد كصفة مرتفعة وسط دار وإمامه في سفل كصحن تلك الدار أو بالعكس اشترط مع وجوب اتصال صف من أحدهما بالآخر محاذاة بعض بدن المأموم ببعض بدن الإمام. والمراد بالعلو البناء أما الجبل الذي يمكن صعوده فداخل في الفضاء فالصلاة على الصفا أم المروة أو على جبل أبى قبيس بصلاة الإمام في المسجد صحيحة وإن كان أعلى منه كما نص عليه الشافعي رضى الله تعالى عنه وله نص آخر فيه بالمنع وحمل على ما إذا بعدت المسافة أو حالت أبنية هناك ولو كان الإِمام والمأموم في سفينتين مكشوفتين في البحر فيصح الاقتداء بشرط أنه لا يزيد على ثلثمائة ذراع تقريبا وإن لم تشد أحداهما بالأخرى فإن كانتا مسقفتين أو أحداهما مسقفة فقط فيشترط مع قرب المسافة وعدم الحائل وجود الواقف بالمنفذ إن كان بينهما منفذ والسفينة التي فيها بيوت كالدار التي فيها بيوت. ولو وقف المأموم في نحو موات كشارع وإمامه في مسجد متصل بالموات فإن لم يحل شئ بين الإمام والمأموم فالشرط التقارب وهو ثلثمائة ذراع ويعتبر ذلك من آخر المسجد لأن المسجد كل شئ واحد لأنه محل للصلاة فلا يدخل في الحد الفاصل وقيل من آخر صف فيه لأنه المتبوع فإن لم يكن فيه إلا الإِمام فمن موقفه. قال الدارمى: ومحل الخلاف إذا لم تخرج الصفوف عن المسجد فإن خرجت عنه فالمعتبر من آخر صف خارج المسجد قطعا، وارتفاع (٢) المأموم عن الإمام وعكسه مكروه أما ارتفاع الإِمام عن المأموم فللنهى عنه. كما أخرجه أبو داود في سننه والحاكم في المستدرك. وأما ارتفاع المأموم عن الإمام فقياسا على ارتفاع الإمام وهذا إذا أمكن وقوفهما على مستو وإلا فلا كراهة ولا فرق في ذلك بين أن يكونا في مسجد أو لا إلا لحاجة تتعلق بالصلاة كتعليم الإمام المأمومين صفة الصلاة،

стр. 8090

كما ثبت في الصحيحين وكتبليغ المأموم تكبير الإمام فيستحب ارتفاعهما لذلك، أما بالنسبة لصلاة الجنازة فالسنة (١) أن يقف الإمام فيها عند رأس الرجل وعند عجيزة المرأة. وقال أبو على الطبرى السنة أن يقف عند صدر الرجل وعند عجيزة المرأة والمذهب الأول لما روى أن أنسا رضى الله تعالى عنه صلى على رجل فقام عند رأسه وصلى على امرأة فقام عند عجيزتها فقال له العلاء بن زياد هكذا كانت صلاة رسول الله ﵌ صلى المرأة عند عجيزتها وعلى الرجل عند رأسه قال نعم. مذهب الحنابلة: جاء في كشاف القناع (٢): السنة وقوف المأمومين خلف الإمام رجالا كانوا أو نساء لفعل النبي صلى الله علمه وآله وسلم كان إذا قام إلى الصلاة قام أصحابه خلفه. فقد روى أن جابرا وجبارا وقف أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره فأخذ بأيديهما حتى أقامهما خلفه. رواه مسلم وأبو داود. ولا ينفلهما إلا إلى الأكمل. أما العراة فيقف الإِمام إذا كان منهم وسطهم وجوبا لستر العورة. وأما النساء فإن الإمام منهن يقف وسطهن استحبابا. روى عن عائشة رضى الله تعالى عنها ورواه سعيد عن أم سلمة ولأنه يستحب لها التستر وهذا أستر لها، وإن وقف المأمومون قدام الإمام ولو بقدر تكبيرة الإِحرام ثم تأخروا لم تصح صلاتهم لقول رسول الله ﵌: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" والمخالفة في الأفعال مبطلة لكونه يحتاج في الاقتداء إلى الالتفات خلفه ولأنه لم ينقل عنه ﵊ ولا هو في معنى المنقول فلا يصح وإذا تقابل المأموم والإمام في صلاة نفل داخل الكعبة بأن كان وجه الإِمام إلى وجه المأموم أو تدابرا بأن جعل المأموم ظهره إلى ظهر إمامه صحت الصلاة لأنه لا يعتقد خطأه أما إن جعل المأموم ظهره إلى وجه الإِمام فلا تصح الصلاة لتقدم المأموم على إمامه، وإذا استدار الصف حول الكعبة وكان المأموم في غير جهة الإِمام فإن الصلاة صحيحة ولو كان أقرب إلى الكعبة من الإمام لأنه لا يتحقق تقدمه على الإِمام. وفى صلاة الخوف (٣) إذا أمكن المتابعة لا يضر تقدم المأموم على إمامه للحاجة إليه فإن لم تمكن المتابعة لم يصح الاقتداء وإن وقت المأمومون عن يمين الإمام أو وقفوا من جانبيه فإن كان المأموم واحدا وقف عن يمين الإمام لإدارة النبي ﵌ ابن عباس وجابر إلى يمينه لما وقفا عن يساره. رواه مسلم. ويندب تخلفه قليلا خوفا من التقدم ومراعاة للمرتبة فإن وقف المأموم خلف الإِمام أو عن يساره مع خلو يمينه وصلى ركعة كاملة بطلت صلاته لما تقدم في إدارة النبي ﵌ ابن عباس وجبارا. وعن أحمد أنه صلاته صحيحة. اختاره أبو محمد التميمى والموفق وكون النبي ﵌ رد جابر أو ابن عباس لا يدل على عدم الصحة

стр. 8091

بدليل رد جابر وجبارا إلى ورائه مع صحة صلاتهما عن جانبيه. وإذا وقف المأموم عن يسار الإمام سواء أحرم أم لا سن للإمام أن يديره من ورائه إلى يمينه ولم تبطل تحريمته وإن وقف مأموم عن يمين الإمام ووقف آخر عن يساره أخرهما خلفه فإن شق عليه تأخيرهما أو لم يمكن تأخيرهما تقدم الإمام عنهما ليصيرا وراءه وصلى بينهما، والاعتبار في التقدم والمساواة بمؤخر القدم وهو العقب فإن لم يتقدم بمؤخر القدم لم يضر كطول المأموم عن الإِمام لأنه لم يتقدم برأسه في السجود فلو استوى الإمام والمأموم في العقب وتقدمت أصابع المأموم لم يؤثر في صلاته لعدم تقدم عقبه على عقب الإمام وإن تقدم عقب المأموم عقب الإمام مع تأخر أصابع المأموم عن أصابع الإمام لم تصح صلاة المأموم لتقدمه على إمامه اعتبارا بالعقب. ولو قدم (١) رجله وهى مرتفعة عن الأرض لم يضر لعدم اعتماده عليها وكذا لو تأخر عقب المأموم وإن تقدمت أصابعه فإن صلى قاعدا فالاعتبار بمحل القعود لأنه محل استقراره وهو الإلية فلو مد المأموم رجليه وقدمهما على الإمام لم يضر لعدم اعتماده عليها وإن أم رجل خنثى وقف الخنثى عن يمينه احتياطا لاحتمال أن يكون رجلا فإن كان معهما رجل وقف الرجل عن يمين الإمام والخنثى عن يساره أو عن يمين الرجل ولا يقفان خلفه لجواز أن يكون امرأة وإن كان معهم رجل آخر وقف الثلاثة خلفه صفا وإن أم رجل امرأة وقفت خلفه سواء كان معه رجل أو رجال أو لا وإن أم خنثى امرأة وقفت خلفه لقول رسول الله ﵌: "أخروهن من حيث أخرهن الله". ويكره لها الوقوف في صف الرجال فإن فعلت لم تبطل صلاة من يليها ولا صلاة من خلفها ولا صلاة من أمامها ولا صلاتها والأمر بتأخيرها لا يقتضى الفساد مع عدمه وإن أم رجل رجلا وصبيا استحب أن يقف الرجل عن يمينه لكمال الرجل ويقف الصبى عن يساره ولو أم رجلا وامرأة وقف الرجل عن يمينه والمرأة خلفه لحديث مسلم عن أنس أن النبى ﷺ صلى به وبأمه فأقامنى عن يمينه وأقام المرأة خلفنا وإن اجتمع في الصلاة أنواع من رجال وصبيان ونساء وخناثى سن تقديم الرجال لما روى أبو داود عن عبد الرحمن بن غُنمْ قال: قال أبو مالك الأشعرى ألا أحدثكم بصلاة النبي ﵌ قال: فأقام الصف فصفف الرجال وصف الغلمان خلفهم، ويقدم الرجال الأحرار على الأرقاء الأفضل ثم الأفضل ثم يليهم الصبيان الأحرار ثم العبيد ثم يليهم الخناثى ثم النساء الأحرار ثم الإماء، ويجوز (٢) أن يكون المأموم مساويا للإمام وأعلى منه كالذى على سطح المسجد أو على دكة عالية أو رف. وفى ذلك روى عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أنه صلى بصلاة الإمام على سطح المسجد ولأنهما في المسجد فصح أن يأتم به كالمتساويين ولا يعتبر اتصال الصفوف إذا كانا جميعا في المسجد. قال الآمدى: لا خلاف في المذهب أنه إذا كان في أقصى المسجد وليس بينه وبين الإمام ما يمنع المشاهدة أنه يصح اقتداؤه به وإن لم

стр. 8092

تتصل الصفوف وذلك لأن المسجد بنى للجماعة فكل ما جعل فيه فقد حصل في محل الجماعة لأن هذا لا تأثير له في المنع من الاقتداء بالإمام ولم يرد فيه نهى ولا هو في معنى ذلك فلم يمنع صحة الائتمام به كالفصل اليسير وإذا ثبت هذا فإن معنى اتصال الصفوف أن لا يكون بينهما بعد لم تجر العادة به ولا يمنع إمكان الاقتداء. فإن كان (١) بين الإِمام والمأموم حائل يمنع رؤية الإمام أو ورؤية من وراءه فقال ابن حامد فيه روايتان: أحداهما لا يضع الائتمام به واختارة القاضي لأن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت لنساء كن يصلين في حجرتها: لا تصلين بصلاة الإمام فإنكن دونه في حجاب ولأنه لا يمكنه الاقتداء به في الغالب. والرواية الثانية أنه يصح الائتمام به قال أحمد في رجل يصلى خارج المسجد يوم الجمعة وأبواب المسجد مغلقة أرجو أن لا يكون به بأس وسئل عن رجل يصلى يوم الجمعة وبينه وبين الإمام سترة قال إذا لم يقدر على غير ذلك تصح. وقال في المنبر: إذا قطع الصف لا يضر ولأنه أمكنه الاقتداء بالإِمام فيصح اقتداؤه به من غير مشاهدة كالأعمى ولأن المشاهدة تراد للعلم بحال الإمام والعلم يحصل بسماع التكبير فجرى مجرى الرؤية ولا فرق بين أن يكون المأموم في المسجد أو في غيره. واختار القاضي أنه يصح إذا كانا في المسجد ولا يصح في غيره لأن المسجد محل الجماعة وفى مظنة القرب ولا يصح في غيره لعدم هذا المعنى ولخبر عائشة أم المؤمنين رضى الله تعالى عنها السابق، وكل موضع اعتبرنا فيه المشاهدة فإنه يكفيه مشاهدة من وراء الإِمام سواء شاهده من باب أمامه أو عن يمينه أو عن يساره أو شاهد طرف الصف الذي وراءه فإن ذلك يمكنه الاقتداء به وإن كانت المشاهدة تحصل في بعض أحوال الصلاة فالظاهر صحة الصلاة لما روى عن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﵌ يصلى من الليل وجدار الحجرة قصير فرأى الناس شخص رسول الله ﵌ فقام أناس يصلون بصلاته وأصبحوا يتحدثون بذلك فقام الليلة الثانية فقام معه أناس يصلون بصلاته. رواه البخارى والظاهر أنهم إنما كانوا يرونه في حال قيامه وإذا كان بين الإمام والمأموم طريق أو نهر تجرى فيه السفن أو كانا في سفينتين مفترقتين ففيه وجهان أحدهما لا يصح أن يأتم به وهو اختيار لأصحابنا لأن الطريق ليست محلا للصلاة، فأشبه ما يمنع الاتصال والثانى يصح وهو رأى ابن قدامه لأنه لا نص في منع ذلك ولا إجماع ولا هو في معنى ذلك لأنه لا يمنع الاقتداء فإن المؤثر في ذلك ما يمنع الرؤية أو سماع الصوت وليس هذا بواحد منهما، ولو كانت صلاة في جنازة أو جمعة أو عيد لم يؤثر ذلك فيها لأنها تصح في الطريق. وقد صلى أنس رضى الله تعالى عنه في موت حميد بن عبد الرحمن بصلاة الإِمام وبينهما طريق، والمشهور (٢) في المذهب أنه يكره أن يكون الإِمام أعلى من المأمومين سواء أراد تعليمهم الصلاة أو لم يرد. وروى عن أحمد ما يدل على أنه لا يكره مستدلا بما روى عن سهل بن سعد قال: لقد رأيت رسول الله ﵌ قام على المنبر فكبر وكبر

стр. 8093

الناس وراءه ثم ركع وهو على المنبر ثم رفع فنزل القهقرى حتى سجد في أصل المنبر ثم عاد حتى فرغ من آخر صلاته ثم أقبل على الناس فقال: "أيها الناس إنما فعلت هذا لتأتموا بى ولتعلموا صلاتى" متفق عليه. قال الإِمام أحمد فلا بأس أن يكون الإِمام أعلى من الناس بهذا الحديث ودليل المشهور في المذهب أن عمار بن ياسر كان بالمدائن فأقيمت الصلاة فتقدم عمار فقام على دكان والناس أسفل منه فتقدم حذيفة فأخذ بيده فأتبعه عمار حتى أنزله حذيفة فلما فرغ من صلاته قال له حذيفة: ألم تسمع رسول الله ﵌ يقول إذا أم الرجل القوم فلا يقومن في مكان أرفع من مقامهم؟ فقال عمار: فلذلك اتبتعك حين أخذت على يدى وعن ابن مسعود رضى الله تعالى عنه أن رجلا تقدم يؤم بقوم على مكان فقام على دكان فنهاه ابن مسعود رضى الله تعالى عنه. وقال للإمام استو مع أصحابك ولأنه يحتاج أن يقتدى بإمامه فينظر ركوعه وسجوده فإذا كان أعلى منه احتاج أن يرفع بصره إليه ليشاهده وذلك منهى عنه في الصلاة. أما حديث سهل بن سعد فالظاهر أن النبي ﵌ كان على الدرجة السفلى لئلا يحتاج إلى عمل كبير في الصعود والنزول فيكون ارتفاعا يسيرا فلا بأس به جمعا بين الأخبار ويحتمل أن يختص ذلك بالنبى ﵌ لأنه فعل شيئا ونهى عنه فيكون فعله له ونهيه لغيره ولذلك لا يستحب مثله لغير النبي ﵌ ولأن النبي ﵌ لم يتم الصلاة على المنبر فإن سجوده وجلوسه إنما كان على الأرض بخلاف ما اختلفنا فيه ولا بأس بالعلو اليسير لحديث سهل ولأن النهى معلل بما يفضى إليه من رفع البصر في الصلاة واليسير مثل درجة المنبر ونحوها. فإن صلى (١) الإِمام في مكان أعلى من المأمومين فقال ابن حامد: لا تصح صلاتهم وهو قول الأوزاعى لأن النهى يقتضى فساد المنهى عنه. وقال القاضي (أبو يعلى): لا تبطل لأن عمارا أتم صلاته ولو كانت فاسدة لاستأنفها ولأن النهى معلل بما يفضى إليه من رفع البصر في الصلاة وذلك لا يفسدها فسببه أولى، وإن كان مع الإِمام من هو مساوٍ له أو أعلى منه ومن هو أسفل منه اختصت الكراهة بمن هو أسفل منه لأن المعنى وجد فيهم دون غيرهم ويحتمل أن يتناول النهى الإِمام لكونه منهيا عن القيام في مكان أعلى من مقامهم فعلى هذا الاحتمال تبطل صلاة الجميع عند من أبطل الصلاة بارتكاب النهى، أما بالنسبة لصلاة الجنازة فلا خلاف في المذهب في أن السنة (٢) أن يقوم الإمام في صلاة الجنازة حذاء وسط المرأة وعند صدر الرجل أو عند منكبيه وإن وقف في غير هذا الموضع خالف سنة الموقف وأجزأه. ودليل وقوف الإِمام كما ذكر ما روى سَمُرة قال: صليت وراء النبي ﵌ على امرأة ماتت في نفاسها فقام وسطها. متفق عليه. وروى عن أنس أنه صلى على رجل عند رأسه ثم صلى على امرأة فقام حيال وسط السرير فقال له العلاء بن زياد وهكذا رأيت رسول الله ﵌ قام على الجنازة مقامك منها ومن الرجل مقامك منه؟ قال نعم. فلما فرغ قال احفظوا، والمرأة تخالف الرجل في الموقف فجاز أن تخالفه هاهنا لأن قيامه عند وسط المرأة ستر لها

стр. 8094

من الناس فكان أولى فإن اجتمع جنائز رجال ونساء فعن أحمد روايتان إحداهما يسوى بين رءوسهم وهو اختيار القاضي لأنه يروى عن ابن عمر أنه كان يسوى بين رءوسهم. وروى سعيد بإسناده عن الشعبى أن أم كلثوم بنت على وابنها زيد بن عمر توفيا جميعا فأُخرجت جنازتاهما فصلى عليهما أمر المدينة فسوى بين رءوسهما وأرجلهما حين صلى عليهما. والرواية الثانية أن يقف الرجال صفا والنساء صفا ويجعل وسط النساء عند صدور الرجال وهذا اختيار أبى الخطاب ليكون موقف الإمام عند صدر الرجل ووسط المرأة. وقال سعيد: حدثنى خالد بن يزيد عن أبى مالك الدمشقى قال: حدثنى أبى قال: رأيت وائلة بن الأسقع يصلى على جنائز الرجال والنساء إذا اجتمعت فيصف الرجال صفا ثم يصف النساء خلف الرجال رأس أول امرأة يضعها عند ركبة آخر الرجال ثم يصفهن ثم يقوم وسط الرجال وإذا كانوا رجالا كلهم صفهم ثم قام وسطهم. وما ذكرناه أولى لأنه مدلول عليه بفعل النبي ﵌ ولا حجة في قول أحد خالف فعله أو قوله. مذهب الظاهرية: جاء المحلى (١): أن الإمام يتقدم المأمومين في الصلاة ولا يحل لأحد أن يصلى أمام الإِمام إلا لضرورة حبس فقط أو في سفينة حيث لا يمكن غير ذلك لما روى عبادة بن الوليد عن عبادة بن الصامت رضى الله تعالى عنه قال: أتينا جابر بن عبد الله فحدثنا أن رسول الله ﵌ توضأ قال جابر فتوضأت من متوضأ رسول الله ﵌ فذهب جبار بن صخر يقضى حاجته فقام رسول الله ﷺ ليصلى ثم جئت حتى قمت عن يسار رسول الله ﵌ فأخذ بيدى فأدارنى حتى أقامنى عن يمينه ثم جاء جبار بن صخر فقام عن يسار رسول الله ﷺ فأخذ بأيدينا جميعا حتى أقامنا خلفه فوجب أن يكون الاثنان فصاعدا خلف الإمام ولابد وأن يكون الواحد عن يمين الإمام ولابد لأن دفع الرسول ﵌ جابرا وجبارا إلى ما وراءه أمر منه ﵌ بذلك لا يجوز تعديه وإداراته جابرا إلى يمينه كذلك فمن صلى بخلاف ما أمر به رسول الله ﵌ فلا صلاة له، أو إن صلت (٢) امرأة إلى جنب رجل لا تأتم به ولا بإمامه فذلك جائز فإن كان لا ينوى أن يؤمها ونوت هي ذلك فصلاته تامة وصلاتها باطالة فإن نوى أن يؤمها وهى قادرة على التأخر عنه فصلاتهما جميعا فاسدة فإن كانا جميعا مؤتمين بإمام واحد ولا تقدر هي ولا هو على مكان آخر فصلاتهما تامة وإن كانت قادرة على التأخر وهو غير قادر على تأخيرها فصلاتها باطلة وصلاته تامة فلو قدر على تأخيرها فلم يفعل فصلاتهما جميعا باطلة لما روى عن أنس بن مالك عن أبيه قال: صلى بى رسول الله ﵌ وبامرأة من أهلى فأقامنى عن يمينه والمرأة خلفنا فصح أن مقام المرأة والمرأتين والأكثر إنما هو خلف الرجال ولابد لا مع رجل واحد أصلا ولا أمامه وأن موقف الرجل والرجلين والأكثر إنما هو أمام

стр. 8095

المرأة والمرأتين والأكثر ولابد فمن تعدى موضعه الذي أمره الله تعالى على لسان رسوله ﵌ أن يصلى فيه وصلى حيث منعه الله كذلك فقد عصى الله في عمله ذلك ولم يأت بالصلاة التي أمر الله بها والمعصية لا تجزئ عن الطاعة وأما من عجز عن المكان الذي أمر به ولم يقدر على غيره فقد قال الله ﵎: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (١) وقال رسول الله ﵌: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وجائز للإمام (٢) أن يصلى في مكان أرفع من مكان جميع المأمومين وفى أخفض منه سواء في كل ذلك العامة والأكثر والأقل فإن أمكنه السجود فحسن وإلا فإذا أراد السجود فلينزل حتى يسجد حيث يقدر ثم يرجع إلى مكانه لما روى أن سهل بن سعد قال: رأيت رسول الله ﵌ قام على المنبر فكبر وكبر الناس وراءه وهو على المنبر ثم رفع فنزل القهقرى حتى سجد في أصل المنبر ثم عاد حتى فرغ من آخر صلاته ثم أقبل على الناس فقال يأيها الناس إنما صنعت هذا لتأتموا بى ولتعلموا صلاتى. قال على: لا بيان أبين من هذا في جواز صلاة الإمام في مكان أرفع من مكان المأمومين، وإن كان قوم (٣) في سفينة لا يمكنهم الخروج إلى البر إلا بمشقة أو بتضيعها فليصلوا فيها كما يقدرون بإمام وأذان وأمامة ولابد فإن عجزوا عن إقامة الصفوف وعن القيام لحركة وميل أو لكون بعضهم تحت السطح أو لترجع السفينة صلوا كما يقدرون وسواء كان بعضهم أو كلهم قدام الإمام أو معه أو خلفه إذا لم يقدروا على الأكثر، أما بالنسبة لمقام الإِمام في صلاة الجنازة فقد قال ابن حزم: يقف (٤) الإِمام إذا صلى على الجنازة من الرجل قبالة رأسه ومن المرأة قبالة وسطها لما روى عن أبى غالب نافع قال: شهدت جنازة عبد الله بن عمير فصلى عليها أنس بن مالك وأنا خلفه فقام عند رأسه فكبر أربع تكبيرات ثم قالوا: يا أبا حمزة المرأة الأنصارية فقربوها وعليها نعش أخضر فقام عليها عند عجيزتها فصلى عليها نحو صلاته على الرجل فقال له العلاء بن زياد: يا أبا حمزة هكذا كان رسول الله ﵌ يصلى على الجنازة كصلاتك يكبر عليها أربعا ويقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة؟ قال: نعم. مذهب الزيدية: جاء في شرح الأزهار (٥): يقف المؤتم أيمن إمامه غير متقدم عليه ولا متأخر عنه بكل القدمين فأما إذا تقدم أو تأخر عنه ببعض القدمين أو بأحدهما فلا تفسد الصلاة ولا يكون المؤتم الواحد غير منفصل عن إمامه وقد قدر الانفصال المفسد بأن يكون بينهما قدر ما يسع واحدًا فإن لم يقف المؤتم الواحد على هذه الصفة بل تقدم أو تأخر أو انفصل أكثر من قدر المعقد أو وقف

стр. 8096

على اليسار بطلت صلاته. وقال السيد أبو العباس الحسنى: لا تفسد بالتأخر. وفى حواشى الإِفادة للقاسم ويحيى والناصر يجوز أن يقف المأموم على يسار الإِمام من غير عذر. وروى مثله عن أبى طالب والحقينى أما إذا وقف المؤتم على يسار الإمام أو نحو ذلك لعذر فإن صلاته تصح حينئذ والعذر نحو أن لا يجد متسعا عن يمين الإمام أو يكون في المكان مانع من نجاسة أو غيرها، قال في الياقوتة (١): فإن تعذر عليه الوقوف عن يمين الإِمام وقف عن يساره وقال في شرح أبى مضر يقف خلفه وأما إذا تقدم المؤتم على إمامه فإن صلاته مؤتما متقدما على إمامه لا تصح سواء تقدم لعذر أو لغير عذر لكن هل تفسد صلاة الإِمام لأنه وقف في غير موقفه أم لا فقيل إنها لا تفسد على الإِمام وهو ظاهر الشرح واللمع وقال السيد أبو العباس تفسد لأنه وقف في غير موقفه وقيل إن الأولى التفصيل وهو أنه إن ابتدأ الصلاة على هذه الصفة فسدت صلاته أما إذا تقدم عليه المؤتم في حال الصلاة فلا تفسد، ويقف الاثنان فصاعدا خلف الإمام وأقل التأخر أن يكون طرف أصابع الصف الآخر في أعقاب الصف الأول وهذا موافق للأصول عندهم إذ دون ذلك يكونون صفا واحدًا فتفسد بلا انفصال وقيل قدر ما يسع المصلى ويكون موضع سجوده خلف الصف الأول وهو الأصح ولا يكفى كون الاثنين من خلف الإمام بل لابد أن يكونا محاذيين له ولا يكونا يمينا ولا شمالا إلا لعذر نحو أن يكون المكان ضيقا أو كان (٢) تقدم الاثنين صف حاذى الإمام مثل أن يتقدم الإمام ويصلى خلفه اثنان فصاعدا محاذين له ثم يأتى اثنان أو أكثر فيقفان خلف ذلك الصف في غير مقابلة الإِمام بل يمينا أو شمالا فإن ذلك يصح وقيل بل حكم هذا الصف حكم الصف الأول إذا لم يحاذى، ونبه صاحب الأزهار على أن حكم الاثنين فصاعدا بعد الإمام حكم الإمام وواحد معه في أنه لا يجوز انفصال أحدهما عن الآخر ولا يجوز تقدم أحدهما ولا تأخره بكل القدمين وكذا سائر في الصفوف وإذا وقف الإِمام في وسط الصف فذكر ابن أبي الفوارس وأبو جعفر أنها تصح. وقال المنصور بالله والشيخ عطية وعلى خليل عن المؤيد بالله أنها لا تصح. وهكذا لو وقفوا جميعا عن يمينه أو يساره لغير عذر أو وقفوا خلفه إلا أنه لا يسامته أحد بل على الميمنة أو على الميسر أدنى الميمنة والميسرة وخلفه خاليا فالخلاف والمختار أنه لا يصح إلا لعذر وقيل إنما وقفوا خلفه غير مسامتين فلعل ذلك لا يغير وإن كره والمختار أنها لا تصح فلو كان (٣) خلف الإِمام صف ثم جاء صف آخر وقفوا في أحد الجانبين غير مسامتين للصف الأول فقيل هو على الخلاف المتقدم وقيل بل هذا إجماع بصحة الصلاة وإن كرهت وإذا صلى في الحرم حولى الكعبة حلقة فظاهر كلام الهادى ﵇ أنها لا تجوز إلا لمن خلفه كسائر المساجد وهو المختار. وقال الناصر أنها تجوز مطلقا وقيل إنها تجوز بشرط أن لا يكون المأموم أقرب إلى جدار الكعبة من الإمام. أما لو صلوا في جوف الكعبة فظاهر المذهب أنه لا فرق بين ذلك

стр. 8097

المكان وغيره في الاصطفاف. وفى الزوائد عن الناصر والقاسمية أنها تصح إذا لم يكن ظهر المؤتم إلى وجه الإمام ولا يضر ارتفاع المؤتم على إمامه قدر قامة وكذا إذا كان الإمام في مكان مرتفع على المؤتم قدر قامة ولا تفسد الصلاة بذلك وكذا لا يضر قدر القامة فما دونها بعدا بين الإمام والمأموم فلا يضر البعد في المسجد إذا كانوا يعرفون ما يفعله الإمام أما برؤيته أو سماع صوته لا صوت غيره من الصفوف الأولى وكذا لو كان قدر القامة حائلا بين الإمام والمأموم في التأخر فإن ذلك لا يضر. أما لو حال بينهما في الاصطفاف فعلى الخلاف في توسط السارية فقيل توسط السارية يفسد وقيل لا يفسد إذا كان قدر ما يسع واحدا وهو المختار، ولا يضر البعد من الإمام ولا الارتفاع ولا الانخفاض ولا الحائل ولو كان فوق القامة في حالين لا غير أحدهما (١) أن يكون ذلك البعد أو الارتفاع أو الانخفاض أو الحائل واقعا في المسجد فإن كان في المسجد لم تفسد الصلاة والحال الثاني: إذا لم يكن ذلك في المسجد فإنه يعفى عن فوق القامة في ارتفاع المؤتم على الإمام. أما لو كان المرتفع هو الإِمام فإنها تفسد سواء كان ذلك في المسجد أم في غيره فإنه إذا ارتفع فوق القامة فسدت على المؤتم والفرق في الحالين أنه إذا ارتفع الإمام فوق القامة كان المؤتمون غير مواجهين بخلاف ما إذا كان المرتفع هو المؤتم فإنه متوجه إلى الإمام ولو كثر ارتفاعا وقال السيد أبو العباس الحسنى وظاهر قول المنتخب أنه لا فرق بين ارتفاع المؤتم أو الإمام فوق القامة فإن ذلك تبطل به الصلاة ويقدم من صفوف الجماعة صف الرجال ثم إذا اتفق خناثى ونساء قدم الخناثى على النساء إذا كانت الخنوثة ملتبسة ثم بعد الخناثى النساء وإن اتفق صبيان مع البالغين فالمسنون أن يلى كلا من الصفوف صبيانه فيلى الرجال الأولاد وبعدهم الخناثى الكبار ثم الخناثى الصغار ثم النساء ثم البنات الصغار وهذا الترتيب في الصبيان مسنون وفى الكبار واجب، وفى البحر الزخار (٢): يندب ارتفاع الإِمام على نشز (مكان مرتفع) إن قصد تعليم المأمومين كفعله ﷺ الوارد في خبر سهل وهو عن سهل بن سعد قال: أرسل رسول الله صلى الله ﷺ وآله وسلم إلى امرأة انظرى غلامك النجار يعمل في أعوادا أكلم الناس عليها فعمل هذه الثلاث درجات ثم أمر بها رسول الله ﵌ فوضعت هذا الموضع فهى من طرفاء الغابة ولقد رأيت رسول الله ﵌ قام عليه فكبر وكبر الناس وراءه وهو على المنبر فركع فركع الناس خلفه ثم رفع فنزل القهقرى حتى سجد في أصل المنبر ثم عاد حتى فرغ من آخر صلاته ثم أقبل على الناس فقال: "يأيها الناس إنما فعلت ذلك لتأتموا بى ولتعلموا صلاتى" أخرجه. مسلم وأبو داود والنسائى وأخرج البخارى نحوه. ويكره ارتفاع الإمام على نشز إذا كان لغير إعلان لقول النبي ﵌: "لا يصلى إمام القوم على أنشز مما هم عليه" وحين أم حذيفة الناس بالمدائن

стр. 8098

على دكان فأخذ أبو مسعود بقميصه فجذبه فلما فرغ من صلاته قال ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟ قال تذكرت حين جذبتنى. أخرجه أبو داود. أما بالنسبة لصلاة الجنازة فقد جاء في شرح الأزهار (١) أن الإمام يستقبل حال صلاته على الجنازة سورة الرجل أي وسطه وهذا دليل على سبيل الندب وقيل وجوبا وهو ظاهر الأزهار لفعل على ﵇ ويكون رأس الميت عن يمين الإمام ورجلاه عن يساره وإن عكس جاز ويستقبل ندبا ثدى المرأة والمراد حذاء الصدر منها وإذا حضرت جنائز فإن كانوا جنسا واحدًا متساوين في الفضل رتبها كيف شاء وإن كانوا أجناسا أو مختلفين في الفضل فإن صفوفهم ترتب ويليه الأفضل ندبا فالأفضل فتقدم جنائز الرجال الأحرار مما يلى الإمام ثم جنائز الصبيان ثم جنائز العبيد ثم جنائز النساء. ذكر ذلك الهادى ﵇ في الأحكام وصححه السادة. وقال في المنتخب تقدم جنائز النساء على جنائز العبيد. قال المهدى ﵇: والصحيح الأول وهذا إذا وردوا معا وإلا قدم الأول فالأول. مذهب الإمامية: جاء في العروة الوثقى والمستمسك (٢): أنه لا يجوز أن يكون بين الإمام والمأموم (إذا كان رجلا) حائل يمنع عن مشاهدته لصحيح زرارة عن أبى جعفر ﵇ المروى في الكافى إن صلى قوم بينهم وبين الإمام ما لا يتخطى فليس ذلك الإمام لهم بإمام وأى صف كان أهله يصلون بصلاة إمام بينهم وبين الصف الذي يتقدمهم قدر ما لا يتخطى فليس تلك لهم بصلاة. فإن كان بينهم سترة أو جدار فليست تلك لهم بصلاة إلا من كان من حيال الباب. وتبطل الصلاة بوجود الحائل ولو في بعض أحوال الصلاة من قيام أو قعود أو ركوع أو سجود من غير فرق في الحائل بين كونه جدارا أو غيره ولو شخص إنسان لم يكون مأموما. أما إن كان المأموم امرأة فلا بأس بالحائل بينها وبين الإِمام أو بينها وبين غيره من المأمومين مع كون الإِمام رجلا بشرط أن تتمكن من المتابعة بأن تكون عالمة بأحوال الإمام من القيام والركوع والسجود ونحوها مع أن الأحوط فيها عدم الحائل لما روى في موثق عمار سألت أبا عبد الله ﵇ عن الرجل يصلى بالقوم وخلفه دار فيها نساء هل يجوز لهم أن يصلين خلفه قال نعم إن كان الإمام أسفل منهن وبينهن وبينه حائطا أو طريقا فقال ﵇ لا بأس وإذا كان الإِمام امرأة فالحكم كما في الرجل وكذا لا يجوز أن يكون بين بعض المأمومين والبعض الآخر الواسطة في الاتصال بالإِمام حائل. ولا بأس (٣) بالحائل القصير الذي لا يمنع من المشاهدة في أحوال الصلاة وإن كان مانعا منها حال السجود كمقدار الشبر بل أزيد أيضا. نعم إذا كان مانعا حال الجلوس ففيه إشكال لا يترك معه الاحتياط، وإذا (٤) كان

стр. 8099

الحائل مما يتحقق معه المشاهدة حال الركوع لثقب في وسطه مثلا أو حال القيام لثقب في أعلاه أو حال الهوى إلى السجود لثقب في أسفله فالأحوط الأقوى فيه عدم الجواز وكذا لو كان في الجمع لصدق الحائل معه، وإذا كان (١) الحائل زجاجيا يحكى من وراءه فالأقوى عدم جوازه لصدق اسم الحائل عليه وعن كشف الغطاء جوازه لتحقق المشاهدة فيه المعتبر عدمها في ظاهر النص وصريح الفتوى، ولا بأس (٢) بالظلمة والغبار ونحوهما ولا تعد من الحائل وكذا النهر والطريق إذا لم يكن فيهما يعد ممنوع في الجماعة، والشباك (٣) لا يعد من الحائل وإن كان الأحوط الاجتناب، ولا يقدح (٤) حيلولة المأمومين بعضهم لبعض وإن كان أهل الصف المتقدم الحائل لم يدخلوا في الصلاة إذا كانوا متهيئين لهما، ولا يقدح (٥) عدم مشاهدة بعض المأمومين للإمام إذا كان ذلك بسبب حيلولة بعض المأمومين ولو كان الإمام في محراب داخل في جدار ونحوه فلا يصح اقتداء من على اليمين أو اليسار من يحول الحائط بينه وبين الإمام ويصح اقتداء من يكون مقابلا للباب لعدم الحائل بالنسبة إليه بل وكذا من على جانبيه ممن لا يرى الإِمام لكن مع اتصال الصف على الأقوى وإن كان الأحوط العدم وكذا (٦) الحال إذا زادت الصفوف إلى باب المسجد فأقتدى من في خارج المسجد مقابلا للباب ووقف الصف من جانبيه فإن الأقوى صحة صلاة الجميع وإن كان الأحوط العدم بالنسبة إلى الجانبين، ولا يصح (٧) اقتداء من بين الاسطوانات (٨) مع وجود الحائل بينه وبين من تقدمه إلا إذا كان متصلا بمن لم تحل الاسطوانة بينهم كما أنه يصح إذا لم يتصل بمن لا حائل له كما أنه يصح إذا لم يتصل بمن لا حائل له لكن لم يكن بينه وبين من تقدمه حائل مانع. ولو تجدد (٩) الحائل في الأثناء فالأقوى بطلان الجماعة ويصير منفردا. ولو دخل (١٠) في الصلاة مع وجود الحائل جاهلا به لعمى أو نحوه لم تصح جماعته فإن التفت قبل أن يعمل ما ينافى صلاة المنفرد أتم منفردا وإلا بطلت. ولا بأس (١١) بالحائل غير المستقر كمرور شخص من إنسان أو حيوان أو غير ذلك نعم إذا اتصلت المارة لا يجوز وإن كانوا غير متقدمين لاستقرار المانع حينئذ. ولو شك (١٢) في حدوث الحائل في الأثناء بنى على عدمه وكذا لو شك قبل الدخول في الصلاة في حدوثه بعد سبق عدمه وأما لو شك في وجوده وعدمه مع عدم سبق العدم فالظاهر عدم جواز الدخول إلا مع الاطمئنان بعدمه. وإذا كان (١٣) الحائل مما لا يمنع عن المشاهدة حال القيام ولكن يمنع

стр. 8100

عنها حال الركوع أو حال الجلوس والمفروض زواله حال الركوع أو الجلوس فهل يجوز معه الدخول في الصلاة؟ فيه وجهان والأحوط كونه مانعا من الأولى وكذا العكس لصدق وجود الحائل بينه وبين الإمام. وإذا تمت (١) صلاة الصف المتقدم وكانوا جالسين في مكانهم أشكل بالنسبة إلى الصف المتأخر لكونهم حينئذ حائلين غير مصلين. نعم إذا قاموا بعد الإتمام بلا فصل ودخلوا مع الإمام في صلاة أخرى فلا يبعد بقاء قدوة المتأخرين والثوب (٢) الرقيق الذي يرى الشيخ من وراءه حائل لا يجوز معه الاقتداء. وإذا كان (٣) أهل الصفوف اللاحقة غير الصف الأول متفرقين بأن كان بين بعضهم مع البعض فصل أزيد من الخطوة التي تملأ الفرج فإن لم يكن قدامهم من ليلى بينهم وبينه البعد المانع ولم يكن إلى جانبهم أيضا متصلا بهم من ليس بينه وبين من تقدمه البعد المانع لم يصح اقتداؤهم وإلا صح للاكتفاء بالقرب من إحدى الجهات ولو يتوسط المأمومين. وأما الصف الأول فلابد فيه من عدم الفصل بين أهله ومع الفصل لا يصح اقتداء من بعد عن الإمام أو عن المأموم من طرف الإمام بالبعد المانع، ولو تجدد (٤) البعد في أثناء الصلاة بطلت الجماعة وصار منفردا وإن لم يلتفت وبقى على نية الاقتداء فإن أتى بما ينافى صلاة المنفرد من زيادة ركوع مثلا للمتابعة أو نحو ذلك بطلت صلاته وإلا صحت وإذا انتهت صلاة الصف المتقدم من جهة كونهم مقصرين أو عدلوا إلى الأنفراد فالأقوى بطلان اقتداء المتأخر للبعد إلا إذا عاد المتقدم إلى الجماعة بلا فصل. وإذا علم (٥) بطلان صلاة الصف المتقدم تبطل جماعة المتأخر من جهة الفصل أو الحيلولة وإن كانوا غير ملتفتين للبطلان نعم من الجهل بحالهم تحمل على الصحة. ولا يضر كما لا يضر فصلهم إذا كانت صلاتهم صحيحة بحسب تقليدهم وإن كانت باطلة بحسب تقليد الصف المتأخر ولا يضر (٦) الفصل بالصبى المميز ما لم يعلم بطلان صلاته وإذا شك في حدوث البعد في الأثناء بنى على عدمه وإن شك في تحققه من الأول وجب إحراز عدمه إلا أن يكون مسبوقا بالقرب كما إذا كان قريبا من الإمام الذي يريد أن يأتم به فشك في أنه تقدم عن مكانه أم لا، ولا يجوز (٧) أن يكون موقف الإمام أعلى من موقف المأمومين علوا معتدا به رأسيا كالأبنية ونحوها لا انحداريا على الأصح لموثق عمار عن الصادق ﵇ عن الرجل يصلى بقوم وهم في موضع أسفل من موضعه الذي يصلى فيه فقال ﵇ إن كان الإِمام على شبه الدكان أو على موضع أرفع من موضعهم لم تجز صلاتهم ثم لا فرق (٨) بين المأموم الأعمى والبصير والرجل والمرأة في عدم جواز ارتفاع الإِمام. وقال أبو على: لا يكون الإمام أعلى في مقامه بحيث لا يرى المأموم فعله إلا أن يكون المأمومون أضراء فإن فرض البصراء الاقتداء بالنظر وفرض الأضراء الاقتداء بالسمع، ولا بأس (٩) بالارتفاع غير المعتد به

стр. 8101

مما هو دون الشبر ولا بالعلو الانحدارى حيث يكون العلو فيه تدريجيا على وجه لا ينافى صدق انبساط الأرض. وأما إذا كان مثل الجبل فالأحوط ملاحظة قدر الشبر فيه. ولا بأس (١) بعلو المأموم على الإمام ولو بكثير لما في موثق عمار سئل أبو عبد الله ﵇ فإن قام الإِمام أسفل من موضع من يصلى خلفه؟ قال ﵇: لا بأس. ولو كانت الرجل فوق بيت أو غير ذلك دكانا كان أو غيره وكان الإمام يصلى على الأرض أسفل منه جاز للرجل أن يصلى خلفه ويقتدى بصلاته وإن كان أرفع منه بشئ كثير ولا يجوز أن يتباعد المأموم عن الإمام بما يكون كثيرا في العادة إلا إذا كان في صف متصل بعضه ببعض حتى ينتهى إلى القريب أو كان في صف بينه وبين الصف المتقدم بعد المذكور وهكذا حتى ينتهى إلى القريب والأحوط أن لا يكون بين موقف الإمام ومسجد المأموم أو بين موقف السابق ومسجد اللاحق أزيد من مقدار الخطوة التي تملأ الفرج وأحوط من ذلك مراعاة الخطوة المتعارفة والأفضل بل الأحوط أن لا يكون بين الموقفين أزيد من مقدار جسد الإِنسان إذا سجد بأن يكون مسجد اللاحق وراء موقف السابق بلا فصل ولا يجوز (٢) أن يتقدم المأموم على الإمام في الموقف فلو تقدم في الابتداء أو الأثناء بطلت صلاته إن بقى على نية الائتمام والأحوط تأخره عنه وإن كان الأقوى جواز المساواة ولا بأس بعد تقدم الإمام في الموقف أو المساواة معه بزيادة المأموم على الإمام في ركوعه وسجوده لطول قامته ونحوه وإن كان الأحوط مراعاة عدم التقدم في جميع الأحوال حتى في الركوع والسجود والجلوس والمراد في التقدم والتساوى هو نظر العرف وإذا تقدم (٣) المأموم على الإمام في أثناء الصلاة سهوا أو جهلا أو اضطرارا صار منفردا ولا يجوز له تجديد الاقتداء. نعم لو عاد بلا فصل لا يبعد بقاء قدوته ويجوز (٤) على الأقوى الجماعة بالاستدارة حول الكعبة والأحوط عدم تقدم المأموم على الإِمام بحسب الدائرة وأحوط (٥) منه عدم أقربيته مع ذلك إلى الكعبة وأحوط من ذلك تقدم الإمام بحسب الدائرة وأقربيته مع ذلك إلى الكعبة، ويستحب (٦) أن يقف المأموم عن يمين الإمام إن كان رجلا واحد وخلفه إن كانوا أكثر وعن المنتهى: لو وقف الواحد عن يساره فعل مكروها ولو كان المأموم امرأة واحدة وقفت خلف الإمام على الجانب الأيمن بحيث يكون سجودها محاذيا لركبة الإمام أو قدمه ولو كن أزيد وقفن خلفه ولو كان رجلا واحدًا وامرأة واحدة أو أكثر وقف الرجل عن يمين الإمام والمرأة خلفه ولو كان رجالا ونساءا اصطفوا خلفه واصطفت النساء خلفهم لرواية الحلبى عن الصادق عن الرجل يؤم النساء قال: نعم وإن كان معهن غلمان فأقيموهم بين أيديهن وإن كانوا عبيدا، هذا إذا كان الإمام رجلا وأما في جماعة النساء فالأولى وقوفهن صفا واحدًا أو أزيد من غير أن تبرز أمامهن من

стр. 8102

بينهم، ويستحب (١) أن يقف الإِمام في وسط الصف وأن يكون في الصف الأول أهل الفضل ممن له مزية في العلم والكمال والعقل والورع والتقوى وأن يكون يمينه لأفضلهم في الصف الأول فإنه أفضل الصفوف ويستحب الوقوف في القرب من الإِمام، أما بالنسبة لصلاة الجنازة فقد جاء في العروة الوثقى (٢): يستحب إتيان صلاة الجنازة جماعة والأحوط بل الأظهر اعتبار اجتماع شرائط الإمامة فيه من البلوغ والعقل والإيمان والعدالة وكونه رجلا للرجال وأن لا يكون ولد زنا بل الأحوط اجتماع شرائط الجماعة أيضا من عدم الحائل وعدم علو مكان الإمام وعدم كونه جالسا مع قيام المأمومين وعدم البعد بين المأمومين والامام وبعضهم مع بعض ويجوز أن تؤم المرأة جماعة النساء والأولى بل الأحوط أن تقوم في صفهن ولا تتقدم عليهن ويجوز صلاة العراة على الميت فرادى وجماعة ومع الجماعة يقوم الإمام في الصف كما في جماعة النساء فلا يتقدم ولا يبرز ويجب عليهم ستر عورتهم ولو بأيديهم وإذا لم يمكن صلوا جلوسا. وفى الجماعة من غير النساء والعراة الأولى أن يتقدم الإِمام ويكون المأمومون خلفه بل يكره وقوفهم إلى جانبه ولو كان المأموم واحدًا وإذا اقتدت المرأة بالرجل يستحب أن تقف خلفه وإذا كان هناك صفوف الرجال وقفت خلفهم. ويشترط أن يوضع الميت مستلقيا. ويشترط (٣) أن يكون رأس الميت إلى يمين المصلى ورجله إلى يساره وأن يكون المصلى خلفه محاذيا له لا أن يكون في أحد طرفيه إلا إذا طال صف المأمومين وأن لا يكون بينهما حائل كستر أو جدار وأن لا يكون بينهما بعد مفرط لا يصدق الوقوف عنده إلا في المأموم مع اتصال الصف وأن لا يكون أحدهما أعلى من الآخر علوا مفرطا، وجاء في موضع آخر: ويستحب (٤) أن يقف الإمام والمنفرد عند وسط الرجل وعند صدر المرأة ويتحيز في الخنثى ولو شرك بين الذكر والأنثى في الصلاة جعل وسط الرجل في قبال صدر المرأة ليدرك الاستحباب بالنسبة إلى كل منهما. مذهب الإباضية: جاء في الإيضاح (٥): أجمعوا أن من سنة الواحد أن يقوم عن يمين الإِمام والدليل ما روى من طريق ابن عباس رضى الله تعالى عنه أنه أقام عن يسار النبي ﵌ فأقامه عن يمينه. رواه أحمد والنسائى وكذلك حديثه حين بات عند ميمونة زوج النبي ﵌ خالته قال: "فقام ﵌ إلى قن معلقا فتوضأ منها وأحسن وضوءه ثم قام يصلى قال فقمت فصنعت مثل ما صنع ثم ذهبت فقمت إلى جنبه فوضع ﵌ يده اليمنى على رأسى وأخذ بأذنى يفتلها" رواه الدارقطنى والبيهقى يدل على هذا وإن قام على يساره أو خلفه أعاد صلاته فهذه

стр. 8103

الأحاديث وإن كان إنما يصلى برجلين فإنهما يصطفان خلف الإِمام وكذلك إن كان يصلى برجل ثم دخل عليهما ثالت فإنه إن كان في المسجد فليدفع هذا الداخل الإِمام إلى المحراب وإن كان خارجا من المسجد فليجر إلى صاحبه. وإن تأخر أيضا الرجل إلى صاحبه من غير أن يجر، فلا بأس والدليل ما روى أنه ﵌ صلى وعن يمينه رجل يصلى بصلاته ثم دخل عليهما جابرا بن عبد الله فقام عن يسار النبي ﵌ فأدراهما إلى خلفه وهو في الصلاة. رواه مسلم وأبو داود. وكذلك على هذا الحال إن تقدم الإِمام من غير أن يدفعه فلا بأس بصلاتهم وإن اصطف الرجلان عن يمين الإمام فلا بأس أن يسبقهما بقليل لأنه من سنة الإمام أن يتقدم عن المأموم والله أعلم. وإن صلى الرجلان عن يسار الإمام أعادا صلاتهما لأنهما كالجانب الأيمن الذي هو أفضل من الجانب الأيسر لحديث ابن عباس المتقدم الذي قام عن يسار النبي ﵌ فأقامه عن يمينه. وقال بعض لا إعادة عليهما إن صليا على جانب الإمام الأيسر ولعلهم ذهبوا إلى أن الواجب أن يصلوا خلفه فقط والله أعلم. وأما إن كانوا ثلاثة أو أربعة فحاذوه عن يمينه فأحرم عليهم على هذا الحال فإنهم يعيدون صلاتهم. وإن دخل رجل على الإِمام وهو يصلى بقوم ولم يجد موضعا في الصف يقف فيه فإنه يجر رجلا آخر ويصطف معه. وأما المرأة فإنما تقف خلف الإِمام (١) ما يقابل كتفه الأيسر ويكون بينهما وبين الإمام مقدار ما يصلى فيه الصف وذلك إذا كانت ذات محرم، وأما إن كانت أجنبية فلا يصلى بها وحدها لقول رسول الله ﵌ "لا يخلو أحدكم بامرأة ليست معه بذات محرم فإن الشيطان ثالثهما" متفق عليه. وذلك منهما معصية. وقد روى: أن أم سليم صلت خلف النبي ﵌ وحدها. رواه البخارى. وإن كانت ذات محرم منه وصلت إلى جانبه الأيسر فلا يجاوز سجودها منكبيه. وقال بعض لا نقض عليه ولو ساوى سجودها سجوده والله أعلم. وأنها إنما أنها تقوم خلف الإمام لأنه لا صف على النساء ولا عليهن جماعة والدليل ما روى من طريق أنس رضى الله تعالى عنه حين وصف صلاة رسول الله ﵌ به هو والعجوز قال: فصففت أنا واليتيم والعجوز من ورائنا. رواه أحمد وأبو داود. وكذلك (٢) ألا يصلى الرجل بالنساء إذا لم يكن غيرهن إلا إن كان فيهن ذات المحارم أو كان معهن رجل وإن صلى بهن على هذا الحال فلا بأس لحديث أم سليم ويجعل بينه وبينهم مقدار ما يصطف فيه الصف والله أعلم. وإذا (٣) ارتفع الإمام عن المأمومين في مقامه بمقدار ذراع أعادوا صلاتهم إلا إن كان هنالك معه منهم صف وإن كان معه تمت صلاة الجميع والدليل على هذا ما روى أن حذيفة صلى بقوم على دكان فجذبه سلمان وقال: أو ما علمت أن رسول الله ﵌ نهى عن ذلك. رواه أبو داود، وإن ارتفع (٤) بأقل من ذراع فلا إعادة عليهم وتحديد الارتفاع بالذراع استحسان وأما إن

стр. 8104

كان القوم فوق وكان الإمام أسفل فلا بأس بصلاتهم ولو لم يكن معه أحد وقال بعض يحتاج إلى من يكون معه على كل حال سواء كان الإمام فوق أو كان أسفل أو خارجا أو داخلا لكى يصيب من يستخلف والله أعلم. وأما إذا كان الإمام في المسجد فلا بأس على من يصلى إليه من خارج المسجد والله أعلم. وإن حال بين القوم وبين إمامهم طريق شارع أو نهر جار أو مقبرة أو مذبلة أو مجزرة أو معاطن الإبل أو كان بينه وبينهم نجس فلا يفعلوا ذلك لأن هذه الأشياء تقطع على المصلى صلاته إذا كانت بينه وبين سترته وإن فعلوا فلا يعبدون صلاتهم وهذا على مذهب الذين لم يعتبروا ما يقطع على المصلى صلاته ما لم يسجد عليه ولا تصلى جماعتان صلاة واحدة في المسجد وذلك لأجل ما يدخل عليهم من الاختلاف في ذلك ألا ترى إلى قوله ﵇: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة". متفق عليه. أو قال: "صلاة الجماعة مع الإمام" وإن فعلوا فليس عليهم إعادة وكذلك إن أحرم الإمام داخلا في المسجد ثم خرج بعذر فأتم الصلاة خارجا فلا تصلى بالجماعة تلك الصلاة في ذلك المسجد وإما إن أحرم الإمام بالناس خارجا فأتم الصلاة داخلا في المسجد بعذر فلا بأس بتلك الصلاة بالجماعة في ذلك المسجد وإنما ينظر في ذلك إلى موضع أحرم فيه الإِمام، أما بالنسبة لصلاة الجنازة فقد جاء في الإيضاح: من أراد (١) أن يصلى على الميت فإنه يستقبل من الذكر رأسه ومن المرأة صدرها وقال بعضهم بعكس هذا وعلى هذا إن صلت المرأة على الميت فإنها تستقبل خلاف ما يستقبل الرجل أعنى تستقبل الرأس في موضع يستقبل فيه الرجل الصدر والصدر في موضع يستقبل فيه الرأس وقال قوم يقوم حيال الصدر رجلا كان أو امرأة. وهذا القول دليله ما روى أن رسول الله ﵌ صلى على امرأة فقام نحو وسطها. رواه البيهقى وأبو داود والدارقطنى، والرجل والمرأة في ذلك سواء لأن حكمهما واحد إلا إن ثبت في ذلك فرق شرعى وقد روى أن الحسن البصرى لا يبالى أين قام من الرجل والمرأة والله أعلم. حكم نية الإمامة والجهر أو السر وحكم تطويل الإمام في الصلاة انتظارا لمن يريد الاقتداء به وحكم ما يفعله بعد الصلاة: مذهب الحنفية: جاء في بدائع الصنائع (٢): لا يحتاج الإِمام إلى نية إمامة الرجال ويصح اقتداؤهم به بدون نية إمامتهم أما نية إمامة النساء فشرط الصحة اقتداؤهن به عند أبى حنيفة وصاحبيه وعند زفر ليس بشرط قياسا لإمامة النساء على إمامة الرجال وقال أبو حنيفة وصاحباه أنه لو صح اقتداء المرأة بالرجل فربما تحاذيه فتفسد صلاته فيلحقه الضرر من غير اختياره ولأنه مأمور بأداء الصلاة فلابد أن يكون متمكنا من صيانتها عن النواقض. ولو صح اقتداؤها به من غير نية لم يتمكن من الصيانة لأن المرأة تأتى فتقتدى به ثم تحاذيه فتفسد صلاته. وأما في الجمعة (٣) والعيدين فأكثر المشايخ قالوا إن نية إمامتهن شرط فيهما كغيرهما من الصلاة. ومنهم من قال ليست بشرط لأنها لو شرطت للحقها الضرر لأنها لا تقدر على أداء الجمعة والعيدين وحدها ولا تجد إماما آخر تقتدى به والظاهر أنها

стр. 8105

لا تتمكن من الوقوف بجانب الإِمام في هاتين الصلاتين لازدحام الناس فصح اقتداؤها لدفع الضرر عنها بخلاف سائر الصلوات، ويجب على الإِمام (١) مراعاة الجهر فيما يجهر فيه من الصلاة وهى صلاة الفجر والمغرب والعشاء في الأوليين منهما، وكذا في كل صلاة من شرطها الجماعة كالجمعة والعيدين والترويحات ويجب عليه المخافتة فيما يخافت فيه من الصلاة وهى الثالثة من المغرب والأخريان من العشاء وكذا جميع ركعات الظهر والعصر وإن كان بعرفة وإنما كان كذلك لأن القراءة ركن يتحمله الإِمام عن القوم فعلا فيجهر ليتأمل القوم ويتفكروا في ذلك فتحصل ثمرة القراءة وفائدتها للقوم فتصير قراءة الإمام قراءة لهم تقديرا كأنهم قرءوا وثمرة الجهر تفوت في صلاة النهار لأن الناس في الأغلب يحضرون الجماعات في خلال الكسب والتصرف والانتشار في الأرض فكانت قلوبهم متعلقة بذلك فيشغلهم ذلك عن حقيقة التأمل فلا يكون الجهر مفيدا بل يقع تسبيبا إلى الاثم بترك التأمل وهذا لا يجوز بخلاف صلاة الليل لأن الحضور إليها لا يكون في خلال الشغل وبخلاف الجمعة والعيدين لأنه يؤدى في الأحايين مرة على هيئة مخصوصة من الجمع العظيم وحضور السلطان وغير ذلك فيكون ذلك باعثا على إحضار القلب والتأمل ولأن القراءة من أركان الصلاة والأركان في الفرائض تؤدى على سبيل الشهرة دون الإِخفاء ولهذا كان رسول الله ﷺ يجهر في الصلوات كلها في الابتداء إلى أن قصد الكفار أن لا يسمعوا القرآن وكادوا يلغون فيه فخافت النبي ﷺ بالقراءة في الظهر والعصر لأنهم كانوا مستعدين للأذى في هذين الوقتين ولهذا كان يجهر في الجمعة والعيدين لأنه أقامهما بالمدينة وما كان للكفار بالمدينة قوة الأذى. وقد بقيت هذه السنة بعد زوال هذا العذر كالرمل في الطواف ونحوه ولأنه واظب على المخافتة فيهما في عمره فكانت واجبة وكذلك واظب على الجهر فيما يجهر والمخافتة فيما يخافت وذلك دليل الوجوب، وإذا جهر الإِمام فيما يخافت أو خافت فيما يجهر فإن كان عامدا يكون مسيئا وإن كان ساهيا فعليه سجود السهو لأنه وجب عليه إسماع القوم فيما يجهر وإخفاء القراءة عنهم فيما يخافت وترك الواجب عمدا يوجب الإساءة وسهوا يوجب سجود السهو، وذكر في نوادر (٢) أبى سليمان أنه إن جهر فيما يخافت فيه فعليه سجود السهو قل ذلك أو كثر وإن خافت فيما يجهر فإن كان في أكثر الفاتحة أو في ثلات آيات من غير الفاتحة فعليه السهو وإلا فلا وذلك لأن المخافتة فيما يخافت ألزم من الجهر فيما يجهر فإذا جهر فيما يخافت فقد تمكن النقصان في الصلاة بنفس الجهر فيجب جبره بالسجود فأما بنفس المخافتة فيما يجهر فلا يتمكن النقصان ما لم يكن مقدار ثلاث آيات أو أكثر، وروى ابن سماعة عن محمد رحمهما الله تعالى التسوية بين الفصلين أنه إن تمكن التغيير في ثلاث آيات أو أكثر فعليه سجود السهو وإلا فلا وذلك لما روى عن أبى قتادة أن

стр. 8106

رسول الله ﷺ كان يسمعنا الآيه والآيتين أحيانا في الظهر والعصر وهذا جهر فيما يخافت فإذا ثبت فيه ثبت في المخافتة فيما يجهر لأنهما يستويان لما ورد الحديث مقدرا بآية أو آيتين ولم يرد أزيد من ذلك كانت الزيادة تركا للواجب فيوجب السهو. وروى الحسن عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى أنه إن تمكن التغيير في آية واحدة فعليه السجود وذلك بناء على أن فرض القراءة عند أبى حنيفة يتأذى بآية واحدة وإن كانت قصيرة فإذا غير صفة القراءة في هذا القدر تعلق به السهو وعندهما لا يتأدى فرض القراءة إلا بآية طويلة أو ثلاث آيات قصار فما لم يتمكن التغيير في هذا المقدار لا يجب السهو وروى عن أبى يوسف رحمه الله تعالى أنه إذا جهر بحرف يسجد وذكر ابن عابدين (١): أن جهر الإمام يكون برفع الصوت بحسب الجماعة التي تصلى فإن زاد على ذلك أساء، وفى الزاهدى عن أبى جعفر الطحاوى: لو زاد على الحاجة فهو أفضل إلا إذا أجهد نفسه أو آذى غيره، ولو ائتم به أحد بعد قراءة الفاتحة أو بعد قراءة بعضها سرا أعادها جهرا لأن الجهر فيما بقى صار واجبا بالاقتداء والجمع بين الجهر والمخافتة في ركعة واحدة شفيع ومفاده أنه لو ائتم به بعد قراءة بعض السورة أنه يعيد الفاتحة والسورة ولكن في آخر شرح المنية أنه إن ائتم به بعد الفاتحة يجهر بالسورة إن قصد الإمامة وإلا فلا يلزمه الجهر وهو قول آخر. وقد حكى القولين القهستانى حيث قال إن الإِمام لو خافت ببعض الفاتحة أو كلها أو المنفرد ثم اقتدى به رجل أعادها جهرا كما في الخلاصة وقيل لم يعد وجهر فيما بقى من بعض الفاتحة أو السورة كلها أو بعضها كما في المنية. وكذلك (٢) يسر الإِمام في صلاته الثناء والتعوذ والتسمية لقول ابن مسعود رضى الله تعالى عنه أربع يخفيهن الإِمام وهى التعوذ والتسمية وآمين والرابع التحميد والأربعة رواها ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعى وروى عن أبى وائل عن عبد الله أنه كان يخفى بسم الله الرحمن الرحيم والاستعاذة وربنا لك الحمد، وجاء في بدائع الصنائع (٣): أنه إذا فرغ الإمام من الصلاة فلا يخلو الحال من أن تكون تلك الصلاة صلاة لا تصلى بعدها سنة أو تكون صلاة تصلى بعدها سنة، فإن كانت صلاة لا تصلى بعدها سنة كالفجر والعصر فإن شاء الإمام قام وإن شاء قعد في مكانه يشتغل بالدعاء لأنه لا تطوع بعد هاتين الصلاتين فلا بأس بالقعود إلا أنه يكره المكث على هيئته مستقبل القبلة لما روى عن عائشة رضى الله تعالى عنها أن رسول الله ﷺ كان إذا فرغ من الصلاة لا يمكث في مكانه إلا مقدار أن يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، وروى أن جلوس الإِمام في مصلاه بعد الفراغ من الصلاة مستقبل القبلة بدعة ولأن مكثه يوهم الداخل أنه في الصلاة فيقتدى به فيفسد اقتداؤه فكان المكث تعريضا لفساد اقتداء غيره به فلا يمكث ولكنه يستقبل القوم بوجهه إن شاء إن لم يكن بحذائه أحد يصلى

стр. 8107

لما روى أن النبى - صلي الله عليه وسلم - كان إذا فرغ من صلاة الفجر استقبل بوجهه أصحابه وقال: هل رأى أحدكم رؤيا كأنه كان يطلب رؤيا فيها بشرى بفتح مكة، فإن كان بحذائه أحد يصلى فلا يستقبل القوم بوجهه لأن استقبال الصورة، الصورة في الصلاة مكروه لما روى أن عمر رضى الله تعالى عنه رأى رجلا يصلى إلى وجه غيره فعلاهما بالدرة. وقال للمصلى أتستقبل الصورة وقال للآخر أتستقبل المصلى بوجهك. وإن شاء الإمام انحرف لأن بالانحراف يزول الاشتباه كما يزول بالاستقبال. ثم اختلف المشايخ في كيفية الانحراف، قال بعضهم: ينحرف إلى يمين القبلة تبركا بالتيامن وقال بعضهم ينحرف إلى اليسار ليكون يساره إلى اليمين. وقال بعضهم هو مخير إن شاء انحرف يمنة وإن شاء يسرة وهو الصحيح لأن ما هو المقصود من الانحراف وهو زوال الاشتباه يحصل بالأمرين جميعا، أما إن كانت صلاة بعدها سنة فإن الإمام يكره له المكث قاعدا وكراهة القعود مروية عن الصحابة رضى الله تعالى عنهم. وروى عن أبى بكر وعمر رضى الله تعالى عنهما أنهما كانا إذا فرغا من الصلاة قاما كأنهما على الرضف (الحجارة المحماة) ولأن المكث يوجب اشتباه الأمر على الداخل فلا يمكث ولكن يقوم ويتنحى عن ذلك المكان ثم يتنفل لما روى عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أيعجز أحدكم إذا فرغ من صلاته أن يتقدم أو يتأخر وعن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما أنه كره للإمام أن يتنفل في المكان الذي أم فيه ولأن ذلك يؤدى إلى اشتباه الأمر على الداخل فينبغى أن يتنحى إزالة للاشتباه أو استكثارا من شهوده على ما روى أن مكان المصلى يشهد له يوم القيامة. يسن (١) للإمام في الحضر أن يقرأ من طوال المفصل في الفجر والظهر وهى من الحجرات إلى آخر البروج ويقرأ من أوساطه في العصر والعشاء وهى من أول سورة الطارق إلى آخر لم يكن ويقرأ من قصاره في المغرب وقصاره هي باقى السور، ويكره (٢) له تحريما تطويل الصلاة على القوم زائدا على قدر السنة في القراءة والأذكار سواء رضى القوم أو لا لإطلاق الأمر بالتخفيف وهو ما ورد في الصحيحين: إذا صلى أحدكم للناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء، وقال الشيخ إسماعيل: إذا كان القوم محصورين ورضوا بالتطويل فلا كراهة. وتعليل الأمر بما ذكر يفيد ذلك، وفى الشرنبالالية أن الإمام يقرأ بقدر حال القوم مطلقا أي ولو دون القدر المسنون وظاهر حديث معاذ أن الإمام لا يزيد على صلاة أضعفهم مطلقا، وذكر ابن عابدين والكمال بن الهمام أن الإِمام لا ينقص عن القدر المسنون إلا لضرورة لما ذكر أن النبي ﷺ قرأ بالمعوذتين في الفجر فلما فرغ قالوا له: أوجزت، قال ﷺ : سمعت بكاء صبى فخشيت أن تفتن أمه، ولا ينقص عن القدر المسنون لضعف القوم لأن القدر المسنون لا يزيد على صلاة أضعفهم لأن النبي ﷺ كان يفعله مع علمه بأنه يقتدى به الضعيف والسقيم ولا يتركه إلا وقت الضرورة، وقراءة معاذ لما شكاه قومه إلى النبي ﷺ وقال له: أفتان

стр. 8108

أنت يا معاذ؟ إنما كانت زائدة على القدر المسنون لأنها كانت بسورة البقرة على ما في مسلم أن معاذا افتتح بالبقرة فانحرف رجل فسلم ثم صلى وحده وانصرف. وقال ﷺ : إذا أممت بالناس فاقرأ بالشمس وضحاها وسبح اسم ربك الأعلى واقرأ باسم ربك والليل إذا يغشى لأنها كانت العشاء وأن قوم معاذ كان العذر متحققا فيهم لا لكسل منهم فأمر فيهم بذلك لذلك، ويكره (١) تحريما أن يطيل الإمام الركوع أو القراءة أو القعود الأخير قبل السلام لإدراك الجائى إن عرفه لأن انتظاره حينئذ يكون للتودد إليه لا للتقرب والإِعانة على الخير وإن لم يعرفه فلا بأس به لأنه إعانة على الطاعة لكن يطول مقدار ما لا يثقل على القوم بأن يزيد تسبيحة أو تسبيحتين على المعتاد وتركه أفضل فإن فعل العبادة لأمر فيه شبهة عدم إخلاصها لله تعالى لا شك أن تركه أفضل لقول النبي ﷺ : (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) ولأنه وإن كان إعانة على إدراك الركعة ففيه إعانة على التكاسل وترك المبادرة والتهيؤ للصلاة قبل حضور وقتها فالأولى تركه، ولو أراد بالانتظار التقرب إلى الله تعالى خاصة من غير أن يتخالج قلبه شئ سوى التقرب حتى ولا الإعانة على إدراك الركعة فيكون حينئذ هو الأفضل لكنه في غاية الندرة ويمكن أن يراد بالتقرب الإعانة على إدراك الركعة لما فيه من إعانة عباد الله على طاعته فيكون الأفضل تركه لما فيه من الشبهة. نقل ابن عابدين ذلك ملخصا عن شرح المنية وقال: قصد الإعانة على إدراك الركعة مطلوب فقد شرعت إطالة الركعة الأولى في الفجر اتفاقا وكذا في غيره على الخلاف إعانة للناس على إدراكها لأنه وقت نوم وغفلة كما فهم الصحابة ذلك من فعل النبي ﷺ وفي المنية: يكره للإمام أن يعجلهم عن إكمال السنة ونقل في الحلية عن عبد الله بن المبارك وإسحاق وإبراهيم والثورى أنه يستحب للإمام أن يسبح خمس تسبيحات ليدرك من خلفه الثلاث، فعلى هذا إذا قصد إعانة الجائى فهو أفضل بعد أن لا يخطر بباله التودد إليه ولا الحياء منه ونحوه ولهذا نقل في المعراج عن الجامع الأصغر أنه مأجور لقول الله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾. وفى المنتقى أن تأخير المؤذن وتطويل القراءة لإدراك بعض الناس حرام هذا إذا مال لأهل الدنيا تطويلا وتأخيرا يشق على الناس فالحاصل أن التأخير القليل لإعانة أهل الخير غير مكروه، ويظهر أن من التقرب إطالة الإمام الركوع لإِدراك مكبر لو رفع الإمام رأسه قبل إدراكه يظن أنه أدرك الركعة كما يقع لكثير من العوام فيسلم صح الإمام بناء على ظنه ولا يتمكن الإمام من أمره بالإعادة أو الإتمام ولو انتظر الإمام قبل الصلاة ليدرك الناس الجماعة يجوز ولو كان الانتظار لأجل واحد بعد الاجتماع إلا إذا كان دارعا شريرا. مذهب المالكية: جاء فى الشرح الكبير (٢) وحاشية الدسوقى عليه: أن نية الإمامة ليست شرطا في إمامة الصلاة أما لو نوى الإِمامة ثم رفضها ونوى

стр. 8109

الفذية فإن الصلاة تبطل لتلاعبه ولأنها من الأمور التي تلزم بالشروع. أما نية الإمامة في صلاة الجنازة فقد اختلف فيها فأوجب ابن رشد فيها نية الإِمامة على الإمام بناء على اشتراط الجماعة فيها فإن صلى عليها فرادى أعيدت ما لم تدفن وإلا فلا إعادة والتحقيق أن الجماعة في صلاة الجنازة مندوبة وقيل سنة وعلى ذلك فليست نية الإمامة فيها واجبة على الإِمام. وأما صلاة الجمعة فإنه يشترط فيها نية الإمامة لأن الجماعة شرط صحة فيها فإذا لم ينو الإمامة فيها بطلت عليه وعليهم لإنفراده والجمع بين الصلاتين ليلة المطر فقط لأنه الذي يشترط فيه الجماعة فلابد فيه من نية الإِمامة في الصلاتين على المشهور وقيل تكون نية الإمامة في الثانية فقط لظهور أثر الجمع فيها ونية الجمع تكون عند الصلاة الأولى وتستصحب للثانية ولا تبطل الصلاة يترك نية الجمع بخلاف نية الإمامة في الصلاتين فإنه يبطلهما أما الأولى فلترك النية فيهما وأما الثانية فلأنها تبع للأولى وإن تركها في الثانية فقط، وقال البنانى إذا ترك نية الإِمامة فيها بطلت الثانية فقط لأن المغرب وقعت في وقتها. قال العدوى والفقه ما ذكره الدردير وهو بطلان الصلاتين وكذلك تشترط نية الإمامة في صلاة الخوف الذي تؤدى فيه الصلاة يقسم المأمومين طائفتين إذ لا يصح ذلك إلا بجماعة فلو لم ينو الإمامة بطلت عليه وعلى الطائفتين قال الدسوقى نقلا عن العدوى والصواب أنها إنما تبطل صلاة الطائفة الأولى فقط لأنها فارقت الإِمام في غير محل المفارقة وأما صلاة الطائفة الثانية وصلاة الإِمام فصحيحة وكذلك تجب نية الإِمامة على المستخلف لأنه كان مأموما فلابد من نية الإمامة ليميز بين النيتين فإن لم ينو الإِمامة فصلاته صحيحة وغايته أنه منفرد ما لم ينو أنه خليفة الإِمام مع كونه مأموما فتبطل صلاته لتلاعبه لأن كونه خليفة ينافى كونه مأموما وكونه مأموما ينافى كونه خليفة ونية الأمرين المتنافيين تلاعب. وأما الجماعة فإن اقتدوا بطلت في الحالين أي إذا لم ينو الإمامة سواء نوى أنه خليفة عن الإمام مع كونه مأموما أو لم ينو ذلك وإن لم يقتدوا به لم تبطل صلاتهم ونية الإِمامة في الصلوات الأربع وهى صلاة الجمعة والجمع والخوف والاستخلاف شرط في صحتها بحيث لا تصح إلا بها، والنية الحكمية كما قال الدسوقى تكفى فتقدم الإمام في الجمعة وفى الجمع والاستخلاف دال على النية فاشتراط نية الإِمامة في صحة الصلاة في هذه الأربع لا فائدة فيه وقد يجاب بأن المراد بأن نية الإمامة فيها عدم نية الانفراد، وفضل (١) الجماعة يحصل للإمام وإن لم ينو الإمامة على ما يدل عليه كلام اللخمى لأنه قال لا يعيد في جماعة أخرى. قال مالك فيمن صلى لنفسه ثم أتى رجل فائتم به أنها له صلاة جماعة وكذلك الإمام يصير له صلاة جماعة ولا يعيد في جماعة أخرى وقال الأكثر إنه إذا لم ينو الإمامة لم يحصل له فضل الجماعة ولذلك ألزم ابن عرفة هذا المؤتم به الذي لم ينو الإِمامة أن يعيد الصلاة في جماعة ونقله ابن غازى وسلمة ونقل مثله عن ابن عبد السلام والإمام الراتب إذا صلى وحده فإنه إنما يحصل له فضل الجماعة إذا نوى الإمامة، وأما نية إمامة النساء فقد قال ابن زرقون أنه يجب على الإِمام نية الإمامة إذا أمهن لما ذكر في سماع موسى أن من أم نساء تمت صلاتهن إن نوى إمامتهن وجعل ابن رشد هذا القول مقابلا لمذهب المدونة ويرى ابن رشد وجوب نية الإمامة في

стр. 8110

الرجال والنساء وذلك لأن الإمام ضامن بأنه تحمل القراءة ولا ضمان ولا حمل إلا بنية، ويسن (١) للإمام الجهر فيما يجهر فيه من الصلاة وذلك في صلاة الصبح والجمعة وأولتا المغرب والعشاء ويسن له السر فيما عدا ذلك من الصلاة وحدود الجهر بالنسبة له أن يبالغ في رفع صوته بعد سماع من يصلى خلفه. وجاء في الحطاب (٢) نقلا عن الإرشاد أن الإِمام يحرم بعد استواء الصفوف ويرفق بهم ويشركهم في دعائه. قال الشيخ زروق في شرحه: أما إحرامه بعد استواء الصفوف فمستحب فإن أحرم قبل ذلك فقد ترك المستحب فقط وأما رفقه بهم فلأمر رسول الله ﵌ بذلك ولأنه كان يفعله وأمر ﵌ أن يشركهم في دعائه. وروى إن لم يشركهم فيه فقد خانهم. وقال الشيخ زروق: من جهل الإِمام المبادرة للمحراب قبل تمام الإقامة والتعمق في المحراب بعد دخوله والتنفل به بعد الصلاة وكذا الإِقامة لغير ضرورة ولا خلاف في مشروعية الدعاء خلف الصلاة فقد قال رسول الله ﵌: "أسمع الدعاء جوف الليل وإدبار الصلوات المكتوبات". وخرج الحاكم على شرط مسلم من طريق حبيب بن مسلمة القهرى رضى الله تعالى عنه لا يجتمع قوم مسلمون فيدعون بعضهم ويؤمن بعضهم إلا استجاب الله تعالى دعاءهم. وقد أنكر جماعة كون الدعاء بعد الصلاة على الهيئة المعهودة من تأمين المؤذن بوجه خاص وأجازه ابن عرفة والكلام في ذلك واسع. وقال البرزلى في مسائل الجامع وسئل عز الدين عن المصافحة عقب صلاة الصبح والعصر أمستحبة أم لا والدعاء عقيب السلام مستحب للإمام في كل صلاة أم لا وعلى الاستحباب فهل يلتفت ويستدبر القبلة أم يدعو مستقبلا لها وهل يرفع صوته أو يخفض وهل يرفع اليد أم لا في غير المواطن التي ثبتت عن رسول الله ﵌ أنه يرفع يده فيها فأجاب: المصافحة عقيب صلاة الصبح والعصر من البدع إلا لقادم يجتمع بمن يصافحه قبل الصلاة فإن المصافحة مشروعة عند القدوم وكان رسول الله ﵌ يأتى بعد السلام بالأذكار المشروعة ويستغفر ثلاثا ثم ينصرف. وروى أنه قال: "رب قنى عذابك يوم تبعث عبادك" والخير كله في إتباع رسول الله ﵌، وقال البساطى في المغنى قال في النوادر عن ابن حبيب إذا نزل بالناس نائبة فلا بأس أن يأمرهم الإمام بالدعاء ورفع الأيدى ولا يطيل (٣) الإِمام الركوع لداخل قال ابن حبيب إن ركع الإمام فحس أحدا دخل في المسجد فلا يمد في ركوعه ليدرك الرجل الركعة. قال اللخمى ومن وراءه أعظم عليه حقا ممن يأتى وفسره ابن رشد بالكراهة وقال سحنون ينتظره وإن طال ذلك ونقل ابن رشد عن بعض العلماء أنه يجوز الانتظار اليسير الذي لا يضر بمن معه. وقد روى عن رسول الله ﵌ أنه أطال وقال: إن ابنى ارتحلنى. وكذلك خفف النبي ﵌ حين سمع بكاء الصبى، وجاء في الشرح (٤) الكبير وحاشية الدسوقى عليه: يندب

стр. 8111

تطويل القراءة في صلاة الصبح بأن يقرأ فيها من طوال المفصل إلا لضرورة أو خوف خروج وقت والظهر تلى الصبح في التطويل أي دونها فيه فيقرأ في الصبح من أطوال طوال المفصل وفى الظهر من أقصر طوال المفصل وأول المفصل من الحجرات وهذا في غير الإمام أما الإمام فينبغى له التقصير لقول النبى ﷺ : "إذا أم أحدكم فليخفف فإن في الناس الكبير والمريض وذا الحاجة وإذا أطال الإمام القراءة حتى خرج عن العادة وخشى المأموم تلف بعض ماله إن أتم معه أو فوت ما يلحقه منه ضرر شديد قال المازرى يسوغ له الخروج عن الإِمام ويتم لنفسه وحكى عياض في ذلك قولين عن ابن العربى. مذهب الشافعية: جاء في مغنى المحتاج (١): أنه لا يشترط للإمام في صحة الاقتداء به في غير الجمعة نية الإِمامة بل يستحب ليحوز فضيلة الجماعة فإن لم ينو لم تحصل له إذ ليس للمرء عمله إلا ما نوى وتصح نيته لها مع تحرمه وإن لم يكن إماما في الحال لأنه سيصير إماما وفاقا للجوينى وخلافا للعمرانى في عدم الصحة حينئذ وإذا نوى في أثناء الصلاة حاز الفضيلة من حين النية ولا تنعطف نيته على ما قبلها بخلاف ما نوى الصوم في النفل قبل الزوال فإنها تنعطف على ما قبلها لأن النهار لا تتبعض صوما وغيره بخلاف الصلاة فإنها تتبعض جماعة وغيرها. أما في الجمعة فيشترط أن يأتى بها فيها فلو تركها لم تصح جمعته لعدم استقلاله فيها سواء أكان من الأربعين أم زائدا عليهم. نعم إن لم يكن من أهل الوجوب ونوى غير الجمعة لم يشترط ذكر. وظاهر أن الصلاة المعادة كالجمعة إذ لا تصح فرادى فلابد من نية الإمامة فيها فإن أخطأ الإمام في غير الجمعة وما ألحق بها في تعيين تابعه الذي نوى الإِمامة به لم يضر لأن غلطه في النية لا يزيد على تركها. أما إذا نوى ذلك في الجمعة أو ما ألحق بها فيضر لأن ما يجب التعرض له يضر الخطأ فيه، ويستحب (٢) للإمام الجهر في صلاة الصبح وفى الركعتين الأولين من المغرب والعشاء وفى الجمعة للاتباع. ويسر فيما عدا ذلك وهذا في الصلاة المؤداة وأما الصلاة المقضية فيجهر فيها من مغيب الشمس إلى طلوعها ويسر من طلوعها إلى غروبها ويستثنى كما قال الأسنوى صلاة العيد فإنه يجهر في قضائها كما يجهر في أدائها. وأما النوافل غير المطلقة فيجهر في صلاة العيدين وخسوف القمر والاستسقاء والتراويح والوتر في رمضان وركعتى الطواف إذا صلاها ليلا ويسر فيما عدا ذلك. وأما النوافل المطلقة فيسر فيها نهارا ويتوسط فيها ليلا بين الإسرار والجهر إن لم يشوش على نائم أو حصل وإلا فالسنة الإِسرار فقد نقل في المجموع عن

стр. 8112

العلماء أن محل فضيلة رفع الصوت بقراءة القرآن إذا لم يخف رياء ولم يتأنى به أحد وإلا فالإسرار أفضل وهذا جمع بين الأخبار المقتضية لأفضلية الإسرار والأخبار المقتضية لأفضلية الرفع. ويستحب (١) للإِمام إذا سلم أن يقوم من مصلاه عقب سلامه إذا لم يكن خلفه نساء. قال الأصحاب لئلا يشك هو أو من خلفه هل سلم أولا ولئلا يدخل غريب فيظنه ما زال في صلاته فيقتدى به. قال الأذرعى والصلتان تنتفيان إذا حول الإمام وجهه إلى المأمومين أو انحرف عن القبلة، قال الخطيب الشربينى: وينبغى كما بحثه بعضهم أن يستثنى من ذلك ما إذا قعد مكانه يذكر الله بعد صلاة الصبح إلى أن تطلع الشمس لأن ذلك كحجة وعمرة تامة، رواه الترمذى عن أنس رضى الله تعالى عنه وأفضل الانتقال للنقل من موضع صلاته إلى بيته لقول رسول الله ﵌: "صلوا أيها الناس في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" رواه الشيخان. ويستوى في هذا المسجد الحرام ومسجد المدينة والأقصى وغيرها والحكمة فيه بعده من الرياء وذلك لحديث مسلم: إذا قضى أحدكم صلاته في مسجده فليجعل لبيته نصيبا من صلاته فإن الله جاعل من صلاته خيرا والمراد صلاة النافلة. وروى: اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا. وإذا صلى وراءهم نساء مكث الإمام بعد سلامه ومكث معه الرجال قدرا يسيرا يذكرون الله تعالى حتى ينصرفن. ويندب (٢) للإمام أن يخفف صلاته مع فعل الإيعاض والهيئات لقول رسول الله ﵌ "إذا أم أحدكم الناس فليخفف فإن فيهم الكبير والصغير والضعيف وذا الحاجة وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطل ما شاء" رواه الشيخان قال في المجموع نقلا عن الشافعي والأصحاب بأن يخفف القراءة والأذكار بحيث لا يقتصر على الأقل ولا يستوفى الأكمل المستحب للمتفرد من طوال المفصل وأوساطه وأذكار الركوع والسجود ويكره التطويل كما نص عليه في الأم إلا أن يرضى بتطويله محصورون أي لا يصلى وراءه غيرهم وهم أحرار غير أجراء إجارة عين فيسن له التطويل كما في المجموع عن جماعة وعليه يحمل ما وقع من فعل رسول الله ﵌ في بعض الأوقات فإن جهل حاله أو اختلفوا لم يطول. قال ابن الصلاح: إلا إن قل من لم يرض كواحد أو اثنين ونحوهما لمرض ونحوه فإن كان ذلك مرة ونحوها خفف وإن كثر حضوره طول مواعاة لحق الراضين ولا يفوت حقهم لهذا الفرد الملازم. قال في المجموع وهو حسن متعين. قال الأذرعى تبعا للسبكى وفيه نظر لتخفيف رسول الله ﵌ لبكاء الصبى ولإنكاره على معاذ التطويل لما شكاه الرجل الواحد وأجيب بأن قضية بكاء الصبى وقضية معاذ لم يكثرا فلا ينافى ذلك كلام ابن الصلاح فيه على ذلك الفزى. أما الأرقاء والأجراء إجارة عين فلا عبرة برضاهم للتطويل إذ ليس لهم التطويل على قدر صلاتهم منفردين بغير إذن فيه من

стр. 8113

أرباب الحقوق نبه على ذلك الأذرعى ويكره تطويل الإمام في الصلاة ليلحق به آخرون سواء كان عادتهم الحضور أم لا أو ليلحق به رجل شريف كما في المحرر وغيره للإضرار بالحاضرين ولتقصير المتأخرين ولأن في عدم انتظارهم حثا لهم على المبادرة إلى فضيلة تكبيرة الإِحرام، ولو أحس في الركوع أو التشهد الأخير بداخل محل الصلاة يأتم به لم يكره له انتظاره بل يباح في الأظهر إن لم يبالغ في الانتظار ولم يفرق. نقله الرافعى عن الإمام إمام الحرمين وأقره بين الداخلين في الصلاة بانتظار بعضهم لصداقة أو شرف أو سيادة أو نحو ذلك دون بعض بل يسوى بينهم في الانتظار لا للتودد إليهم واستمالة قلوبهم. والمذهب استحباب انتظاره بالشروط المذكورة وهو القول الثاني ولا ينتظر في غير الركوع والتشهد الأخير من قيام وغيره. أما إذا أحس بخارج عن محل الصلاة أو لم يكن انتظاره لله تعالى أو بالغ في الانتظار أو فرق بين الداخلين أو انتظره في غير الركوع والتشهد فلا يستحب قطعا بل يكره الانتظار في غير الركوع والتشهد الأخير. وأما إذا خالف في غير ذلك فهو خلاف الأولى لا مكروه. ويستثنى من استحباب الانتظار صور منها إذا خشى خروج الوقت بالانتظار ومنها إذا كان الداخل لا يعتقد إدراك الركعة أو فضيلة الجماعة بإدراك ما ذكر إذ لا فائدة في الانتظار ومنها إذا كان الداخل يعتاد البطء وتأخير التحريم إلى الركوع ومنها ما إذا كانت صلاة المأموم يجب عليه إعادتها كفاقد الطهورين بناء على أن صلاة المحدث في جماعة كلا جماعة والمتجه في هذه استحباب انتظاره ولأن الركعة تحسب عن المأموم في إسقاط حرمة الوقف. مذهب الحنابلة: جاء في كشاف القناع (١): أن من شرط الجماعة أن ينوى الإِمام الإِمامة وينوى المأموم الائتمام سواء كانت الصلاة فرضا أو نفلا لقول رسول الله ﵌: "وإنما لكل امرئ ما نوى" فينوى الإمام أنه مقتدى به وينوى المأموم أنه مقتد كالجمعة لأن الجماعة تتعلق بها أحكام وجوب الإتباع وسقوط السهو عن المأموم وفساد صلاته بفساد صلاة إمامه وإنما يتميز الإمام عن المأموم بالنية فكانت شرطا لصحة انعقاد الجماعة فلو نوى أحدهما دون صاحبه بأن نوى الإمام دون المأموم أو بالعكس أو نوى كل واحد منهما أنه إمام الآخر أو أنه مأمومه لم يصح لهما لأنه أم من لم يأتم به أو ائتم بمن ليس إماما وكذلك لو نوى إمامة من لا يصح أن يؤمه كأمى نوى أن يؤم قارئا أو امرأة نوت أن تؤم رجلا ونحوه كعاجز عن شرط الصلاة نوى أن يؤم قادرا عليه لم تصح صلاتهما لأن كلا من الإمامة والائتمام فاسدان وكذلك لو نوى الائتمام بأحد الإِمامين لا يعنيه لم تصح صلاته لأنه لم يعين وكذلك لو نوى الائتمام بالإمامين لم تصح صلاته لأنه لا يمكنه الاقتداء بهما وكذلك لو نوى الائتمام

стр. 8114

بالمأموم أو بالمنفرد لم تصح صلاته لأنه أئتم بغير إمام ولو شك في الصلاة أنه إمام أو مأموم لم تصح صلاته لعدم الجزم بنية الإمامة أو الائتمام ولو أحرم بحاضر فانصرف قبل إحرامه معه ولم يعد ولم يدخل غيره معه قبل رفعه من ركوعه لم تصح صلاته لأنه نوى الإِمامة ولم تتحقق لأنه لم يوجد مأموم. ولو نوى الإِمامة وهو يعلم عدم مجئ أحد أو يشك في حضور أحدا أو غلب على ظنه أنه لا يحضر لم تصح الصلاة ولو حضر من ائتم به. وإن نوى الإمامة ظانا حضور مأموم فلم يحضر لم تصح صلاته لأنه نوى الإمامة بمن لم يأتم به فإن حضر أحد ودخل في الصلات معه ثم انصرف قبل إتمامه صلاته فإن صلاة الإِمام لا تبطل ويتمها منفردا وإن أحرم منفردا ثم نوى الائتمام في أثناء الصلاة أو أحرم منفردا ثم نوى الإِمامة لم يصح سواء كانت الصلاة فرضا أو نفلا كالتراويح والوتر قال في الإنصاف هذا هو المذهب وعليه الجمهور. والمنصوص صحة الإِمامة ممن أحرم منفردا في النفل وهو الصحيح عند الموفق ومن تابعه لحديث ابن عباس رضى الله تعالى عنه قال: بت عند خالتى ميمونة فقام النبي ﵌ يصلى من الليل فقمت عن يساره فأخذ بيدى فأدارنى عن يمينه. متفق عليه. وروى مسلم معناه من حديث أنس وجابر ابن عبد الله رضى الله تعالى عنهما. قال صاحب كشاف القناع: ولا دليل في ذلك لاحتمال أن النبي ﵌ نوى الإمامة ابتداء لظنه حضورهم، ويسن (١) جهر الإِمام بكل التكبيرات في الصلاة ليتمكن المأموم من متابعته فيه لقول رسول الله ﵌: "فإذا كبر فكبروا" ويسن له الجهر أيضا بالتسميع ليحمد المأموم عقبه لقول النبي ﵌: "وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد" ولا يسن جهر الإمام بالتحميد لأنه لا يتعقبه من المأموم شئ فلا فائدة في الجهر به. ويسن جهر الإمام بالتسليمة الأولى ليتابعه المأموم في السلام فيها ولا يجهر بالتسليمة الثانية لحصول العلم بالسلام بالأولى إذ من المعلوم أن الثانية تعقب الأولى. ويسن جهر الإِمام بالقراءة في الصلاة الجهرية وهى أولتا المغرب والعشاء والصبح والجمعة والعيد ونحوها ويكون الجهر في كل موضع يستحب الجهر فيه بحيث يسمع جميع من خلفه إن أمكن وأدنى جهر الإِمام أن يسمع غيره ولو واحدًا ممن وراءه لأنه إذا سمعه واحد اقتدى به واقتدى بذلك الواحد غيره فيحصل المقصود، وإذا فرغ (٢) الإِمام من قراءة الفاتحة قال آمين بعد سكتة لطيفة ليعلم أنها ليست من القرآن، ويجهر بها الإِمام والمأموم معا في صلاة الجهر لحديت أبى هريرة رضى الله تعالى عنه مرفوعا: إذ أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له. متفق عليه. وروى أبو وائل أن النبي ﵌ كان يقول آمين يمد بها صوته. رواه أحمد وأبو داود والدارقطنى وصححه، ويسن (٣) للإمام تخفيف الصلاة مع إتمامها لحديث أبى هريرة رضى الله تعالى عنه يرفعه "إذا صلى أحدكم للناس فليخفف فإن فيهم السقيم

стр. 8115

والضعيف وذا الحاجة وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء" رواه الجماعة. وعن أبى مسعود وعقبة بن عامر قالا: جاء رجل إلى النبى ﵌ فقال: إنى لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان مما يطيل بنا. قال فما رأيت النبي ﵌ غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ فقال: "يأيها الناس إن منكم منفرين فأيكم أم الناس فليوجز فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة" متفق عليه. قال في المبدع ومعناه أن يقتصر على أدنى الكمال من التسبيح وسائر أجزاء الصلاة وهذا ما لم يؤثر المأمومون التطويل وكان عددهم مختصر فإن أثروه كلهم استحب لزوال علة الكراهة وهى التنفير. ويسن للإمام أن يرتل القرآن والتسبيح والتشهد بقدر ما يرى أن من خلفه ممن يثقل لسانه قد أتى به وأن يتمكن في ركوعه وسجوده قدر ما يرى أن الكبير والصغير والثقيل قد أتى عليه ليتمكن كل من المأمومين من متابعته من غير إخلال بسنة، ويسن للإمام إذا عرض في الصلاة عارض لبعض المأمومين يقتضى خروجه من الصلاة أن يخفف كما إذا سمع بكاء صبى ونحو ذلك لقول النبي ﵌: "إنى لأقوم في الصلاة وأنا أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبى فأتجوز فيها مخافة أن أشق على أمه" رواه أبو داود، وتكره للإمام سرعة تمنع مأموما فعل ما يسن له كقراءة السورة والمرة الثانية والثالثة من تسبيح الركوع والسجود ورب اغفر لى بين السجدتين وإتمام ما يسن في التشهد الأخير لما في ذلك من تفويت المأموم ما يستحب له فعله. وقال الشيخ تقى الدين: يلزم الإمام مراعاة المأموم إن تضرر بالصلاة أول الوقت أو آخره ونحوه. وقال ليس له أن يزيد على القدر المشروع إن تضرر المأموم بذلك وينبغى للإمام أن يفعل غالبا ما كان النبي ﵌ يفعله ويزيد وينقص للمصلحة كما كان النبي ﵌ يزيد وينقص أحيانا، ويسن تطويل قراءة الركعة الأولى أكثر من قراءة الثانية لما روى أبو قتادة قال: كان النبي ﵌ يطول في الركعة الأولى. متفق عليه. وقال أبو سعيد: كانت صلاة الظهر تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضى حاجته ثم يتوضأ ثم يأتى رسول الله ﵌ في الركعة الأولى مما يطولها. رواه مسلم. وليلحقه القاصر إليها لئلا يفوته من الجماعة شئ فإن عكس بأن طول الثانية عن الأولى فيجزئه وينبغى أن لا يفعل لمخالفته السنة وتطويل قراءة الركعة الأولى عن الثانية في كل صلاة ثنائية أوثلاثية أو رباعية إلا في صلاة الخوف في الوجه الثاني فالثانية أطول من الأولى لتتم الطائفة الأولى صلاتها ثم تذهب لتحرس ثم تأتى الأخرى فتدخل معه وإلا في صلاة الجمعة إذا قرأ بسبح والغاشية لوروده ولعل المراد أنه لا أثر لتفاوت يسير أي إذا كانت الثانية أطول بيسير فلا كراهة وإن أحس (١) الإمام بداخل في الصلاة وهو في ركوع أو غيره ولو كان الداخل من ذوى الهيئات وكانت الجماعة كثيرة كره للإمام انتظاره لأنه يبعد أن لا يكون فيهم من يشق عليه ذلك وكذلك إن كانت الجماعة يسيرة والانتظار يشق عليهم أو على بعضهم فيكره الانتظار لأن حرمة المأموم الذي نوى معه في الصلاة أعظم من حرمة من يريد الدخول فلا يشق على من معه

стр. 8116

لنفع الداخل وإن كانت الجماعة يسيرة ولا يشق الانتظار عليهم ولا على بعضهم استحب انتظار الإِمام للداخل في الركوع أو غيره لأن الانتظار ثبت عن النبي ﵌ في صلاة الخوف لإِدراك الجماعة وذلك موجود هنا ولأن ذلك تحصيل مصلحة بلا مضرة فكان مستحبا كرفع الصوت بتكبيرة الإِحرام، ويكره (١) تطوع الإِمام في موضع المكتوبة بعدها نص عليه أحمد وقال كذا قال على بن أبى طالب لما روى المغيرة بن شعبة مرفوعا قال: لا يصلين الإِمام في مقامه الذي صلى فيه المكتوبة حتى يتنحى عنه. رواه أبو داود إلا أن أحمد قال: لا أعرف ذلك من غير على ولأن في تحوله من مكانه إعلاما لمن أتى المسجد أنه قد صلى فلا ينتظره ويطلب جماعة أخرى وكراهة التطوع في مكان المكتوبة إذا كان لغير حاجة كضيق المسجد فإن احتاج إلى ذلك لم يكره، وتكره الحالة القعود للإمام بعد الصلاة لضيق المسجد مستقبل القبلة لقول عائشة رضى الله تعالى عنها: كان النبي ﵌ إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإِكرام. رواه مسلم ولأنه إذا بقى على حاله ربما سها فظن أنه لم يسلم أو ظن غيره أنه في الصلاة والمأموم والمنفرد على حالهما وكراهه إطالة القعود للإمام بعد الصلاة إن لم يكن هناك نساء ولا حاجة تدعو إلى إطالة الجلوس مستقبلا كما إذا لم يجد منصرفا ولم يمكنه الانحراف فإن أطال الإمام الجلوس مستقبل القبلة انصرف المأموم أذن لمخالفة الإمام السنة وإن لم يطل الإِمام الجلوس استحب للمأموم أن لا ينصرف قبله لقول رسول الله ﵌: "لا تسبقونى بالانصراف" رواه مسلم ولئلا بذكر سهوا فيسجد له وإن انحرف فلا بأس. ذكره في المغنى والشرح. مذهب الظاهرية: جاء في المحلى (٢) أنه يستحب أن لا يكبر الإِمام حتى يستوى كل من وراءه في صف أو أكثر فإن كبر قبل ذلك أساء وأجزأه، ويستحب (٣) له الجهر في ركعتى صلاة الصبح والأوليين من المغرب والأوليين من العتمة وفى الركعتين من الجمعة والإِسرا في الظهر كلها وفى العصر كلها وفى الثالثة من المغرب وفى الآخرتين من العتمة فإن فعل خلاف ذلك كره وأجزأه وذلك أن الجهر فيما يجهر فيه والإسرار فيما يسر فيه إنما هما فعل النبي ﵌ وليس ذلك أمرا منه وأفعاله ﵌ على الائتساء لا على الوجوب وهو ﵊ الإِمام. وقد روى عن أبى قتادة رضى الله تعالى عنه أنه قال: كان النبي ﵌ يصلى بنا فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين ويسمعنا الآية أحيانا. رواه مسلم. فهذا النبي صلى الله علمه وآله وسلم يجهر ببعض القراءة في الظهر وعن أبى إسحاق عبد البراء بن عازب قال: كنا نصلى خلف النبي ﵌ الظهر فيسمعنا الآية بعد الآيات من لقمان والذرايات وكذلك كان عمر

стр. 8117

بن الخطاب رضى الله تعالى عنه يقرأ في الظهر والعصر بالذاريات ذروا وسورة ق والقرآن المجيد يعلن فيهما، ويجب على الإِمام (١) التخفيف إذا أم جماعة لا يدرى كيف طاقتهم. وإن خفف المنفرد فذلك له مباح. وفى البخارى عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أن رسول الله ﵌ قال: "إذا أم أحدكم الناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير، وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء، وعن ابن أبي حازم قال: أخبرنى أبو مسعود أن رجلا قال: والله يا رسول الله إنى لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا فما رأيت رسول الله ﵌ في موعظة أشد غضبا منه يومئذ ثم قال ﵇: "إن منكم منفرين فأيكم ما صلى بالناس فليتجوز فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة" قال ابن حزم: وحد التخفيف أن ينظر ما يحتمل أضعف من خلفه وأمسهم حاجة من الوقوف والركوع والسجود والجلوس فليصل على حسب ذلك. وروينا ذلك عن السلف الطيب، وجلوس (٢) الإِمام في مصلاه بعد سلامه حسن مباح لا يكره وإن قام ساعة يسلم فحسن لما روى البراء بن عازب رضى الله تعالى عنه قال: رفعت الصلاة مع النبي ﵌ فوجدت قيامه فركعته فاعتداله بعد ركوعه فسجدته فجلسته بين السجدتين فسجدته فجلسته وجلسته ما بين التسليم والانصراف قريبا من السواء وعن جابر بن يزيد بن الأسود عن أبيه أنه صلى مع رسول الله ﵌ الصبح فلما صلى انحرف قال ابن حزم: وكلا الأمرين مأثور عن السلف. مذهب الزيدية: جاء في شرح الأزهار (٣): أنه يجب على الإِمام نية الإِمامة وعلى المؤتم نية الائتمام. قال المهدى: أما المؤتم فلا خلاف في ذلك في حقه وأما الإِمام ففى ذلك ثلاثة أقوال: الأول ما ذكره القاسم ومحمد بن يحيى وخرجه أبو طالب للهادى أن نية الإِمام شرط حتى روى في الكافى عن المرتضى أنه إذا نوى أن يؤم قوما بأعيانهم لا يصح أن يؤم غيرهم. القول الثاني: للمؤيد بالله وهو قول المنصور بالله أن ذلك لا يجب. القول الثالث: ذكره في شرح الابانة للناصر والقاسمية: أن المرأة لا تدخل إلا بنية من الإِمام إذا لم ينو الإمام الإمامة ولم ينو المؤتم الائتمام لم تنعقد صلاة الجماعة وصحت صلاة كل منهما فرادى وإذا نوى المؤتم الائتمام ولم ينو الإِمام الإِمامة بطلت صلاة المؤتم لأنه علق صلاته بمن لا تصح الصلاة خلفه لأجل النية. فإن نوى كل واحد منهما أنه إمام للآخر صحت الصلاة فرادى لأن كل واحد منهما لم يعلق صلاته بصلاة الغير فتلقوا نية الإِمامة، ويجهر (٤) الإِمام بالبسلمة في الجهرية لجهر

стр. 8118

جبريل حين أمه صلى الله علية وآله وسلم. روى عن النعمان بن بشير عن رسول الله ﵌ أنه قال: "أمنى جبريل عند باب الكعبة فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم" حكاه في الانتصار ولفعل النبي ﵌ ولقوله ﵌: "كل صلاة لا يجهر فيها ببسم الله الرحمن الرحيم فهى آية اختلسها الشيطان" حكاه في الشفاء. وأعلم (١) أن في صفة القراءة قولين: الأول المذهب وهو أن القدر الواجب من القراءة يجب أن يقرأ سرا في العصرين وهما الظهر والعصر ويجب أن يكون ذلك جهرا في غير العصرين وهى المغرب والعشاء والفجر وصلاة الجمعة والعيدين وركعتا الطواف. القول الثاني: للمؤيد بالله والمنصور بالله أن ذلك الجهر والإسراء غير واجب. وهكذا روى في الكافى عن زيد بن على والناصر وعامة أهل البيت قال واختلفوا هل هو سنة أم هيئة والفرق بين المسنون والهيئات أن المسنونات أمور مستقلة قد تكون أفعالا وقد تكون أقوالا والهيئات أمور إضافية أي مضافات لأفعال وأقوال (٢). فقال المؤيد بالله والناصر: هو هيئة ولذلك قالوا سهو لا يسجد إن تركه. وقال زيد بن علي: أنه سنة وكذلك قالوا يسجد لأجله. قال في التقرير: أما في الجمعة فالجهر واجب. قال المهدى ﵇: ثم ذكرنا حكما يختص بالجهر وهو أنه يتحمله الإمام بمعنى أنه إذا قرأ الإمام في موضع الجهر سقط فرض الجمهور به عن المؤتم السامع. وإذا أحس (٣) الإمام بداخل وهو راكع فيندب أن لا يزيد الإمام على القدر المعتاد له في صلاته انتظارا منه للاحق وهذا رواه في شرح أبى مضر عن القاضي زيد لمذهب يحيى ﵇ لأنه مأمور بالتخفيف. والانتظار الزائد على المعتاد مكروه ولا تفسد الصلاة به وإن كان كثيرا. وقال المؤيد بالله والمنصور بالله يستحب أن ينتظره. قال المنصور بالله حتى يبلغ تسبيحه عشرين. وقيل يجب أن لا يزيد الإمام في الانتظار وهو ظاهر الأزهار، ومن طول في صلاته أو سجوده لفرض لم يضر ذلك. ذكره في الشرح والانتصار. وقال الإِمام المهدى ﵇ إن كان الانتظار كثيرا فسد ولعل وجهه أن فيه مشاركة بقصد انتظار الغير فأشبه التلقين ولو في موضعه والحق أنه لا يفسد والأحاديث لا تنفى شرعية كما ثبت عن رسول الله ﵌ في صلاة الخوف لنيل الفضيلة وكما رواه في الشفاء وغيره أن رسول الله ﵌ كان يطيل القراءة إذا أحس بداخل فكان يقوم في الركعة الأولى من الظهر حتى لا يسمع وقع قدم ولأن النبي ﵌ سجد فارتحل الحسن ﵇ على ظهره وهو طفل فأطال السجود حتى نزل وقال أطلنا السجود ليقضى وطره وكره أن يزعجه فدل على أن الانتظار لا يفسد بل يكون الأولى وعلى القول الأول لو انتظر فإنه يعتبر الفعل الكثير وعدمه ذكره المهدى ﵇، وجاء في البحر الزخار (٤): أنه يندب بعد الفراغ اللبث قليلا والدعاء والذكر بالمأثور لفعل رسول الله ﵌ فيما ورد عن عائشة

стр. 8119

أم المؤمنين رضى الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﵌ إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: "اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام" أخرجه مسلم والترمذى إلا إذا كان هناك نساء فلا ينصرف الإمام حتى ينصرف النساء لفعل رسول الله ﵌ فيما ورد عن أم سلمة قالت: كان رسول الله ﵌ إذا سلم يمكث في مكانه يسيرا، قالت فيرى والله أعلم لكى تنصرف النساء قبل أن يدركهن الرجال، ولا يطيل اللبث إذ ربما عرض بسببه الشك في التسليم وينصرف حيث حاجته من يمين أو شمال لفعل رسول الله ﵌ ويتحول للنافلة: أيالجهات الأربع لقول النبي ﵌: "أيعجز أحدكم أن يتقدم أو يتأخر وعن يمينه أو عن شماله" الخبر. والتقدم والتأخر أولى لئلا يقطع صلاة من خلفه. مذهب الإمامية: جاء في مستمسك العروة الوثقى (١): أنه لا يشترط في انعقاد الجماعة في غير الجمعة والعيدين نية الإمام الجماعة والإمامة بلا خلاف بل الإِجماع عليه محكى صريحا وظاهرا عن جماعة فلو لم ينوها مع اقتداء غيره به تحققت الجماعة سواء كان الإمام ملتفتا لاقتداء الغير به أم لا. نعم حصول الثواب في حقه موقوف على نية الإِمامة، وأما المأموم فلابد له من نية الائتمام فلو لم ينوه لم تتحقق الجماعة في حقه وإن تابعه في الأقوال والأفعال وحينئذ فإن أتى بجميع ما يجب على المنفرد صحت صلاته وإلا فلا. وإذا صلى (٢) اثنان وبعد الفراغ علم أن نية كل منهما الإمامة للآخر صحت صلاتهما إجماعا. أما لو علم أن كلا منهما أئتم بالآخر فصلاتهما فاسدة وليستأنفا إذا كانت صلاة كل منهما مخالفة لصلاة المنفرد. وجاء في العروة الوثقى (٣): أنه يجب (٤) على الإمام الجهر بالقراءة في الصبح والركعتين الأولتين من المغرب والعشاء ويجب الإخفات في الظهر والعصر في غير يوم الجمعة وأما فيه فيستحب الجهر في صلاة الجمعة بل في الظهر أيضا على الأقوى، ويستحب (٥) الجهر بالبسملة في الظهرين للحمد والسورة، وإذا جهر (٦) في موضع الإخفات أو أخفت في موضع الجهر عمدا بطلت الصلاة، وإن كان ناسيا أو جاهلا ولو بالحكم صحت سواء كان الجاهل بالحكم متنبها للسؤال ولم يسأل أم لا لكن الشرط حصول قصد القربة منه. وإن كان الأحوط في هذه الصورة الإعادة. وإذا تذكر (٧) الناسى

стр. 8120

أو الجاهل قبل الركوع لا يجب عليه إعادة القراءة بل وكذا لو تذكر في أثناء القراءة حتى لو قرأ آية لا يجب إعادتها لكن الأحوط الإِعادة خصوصا إذا كان في الأثناء، ولا فرق (١) في معذورية الجاهل بالحكم في الجهر والإِخفات بين أن يكون جاهلا بوجوبهما أو جاهلا بمحلهما بأن علم إجمالا أنه يجب في بعض الصلوات الجهر وفى بعضها الإِخفات إلا أنه اشتبه عليه أن الصبح مثلا جهرية والظهر إخفائية بل تخيل العكس أو كان جاهلا بمعنى الجهر والإِخفات فالأقوى معذوريته في الصورتين كما أن الأقوى معذوريته إذا كان جاهلا بأن المأموم يجب عليه الإِخفات عند وجوب القراءة عليه، وإن كانت الصلاة جهرية فجهر لكن الأحوط فيه وفى الصورتين الأوليين الإِعادة، وفى الجهر لا يجوز منه ما كان مفرطا خارجا عن المعتاد كالصباح فإن فعل فالظاهر البطلان. وجاء في العروة الوثقى (٢): أن يصلى الإمام بصلاة أضعف من خلفه بأن لا يطيل في أفعال الصلاة من القنوت والركوع والسجود إلا إذا علم حب التطويل من جميع المأمومين وأن يطيل ركوعه إذا أحس بدخول شخص ضعف ما كان يركع انتظارا للداخلين ثم يرفع رأسه وإن أحس بداخل، وأن لا يقوم الإِمام من مقامه بعد التسليم بل يبقى على هيئة المصلى حتى يتم من خلفه صلاته من المسبوقين أو الحاضرين لو كان الإِمام مسافرا بل هو الأحوط ويستحب للإِمام المسافر أن يستنيب من يتم بهم الصلاة عند مفارقته لهم. مذهب الإباضية: جاء في الذهب الخالص (٣): أن الإمام ينوى الصلاة بكل من أتم به ممن تصح صلاته وإن خص أحدا لم تجز لغيره إلا إن خصه في اللفظ أو النية ولم ينو منع غيره كما أجيز الائتمام بمن أحرم لنفسه ولم يستشعر الإمامة، وجاء في شرح النيل (٤): أن الإمام لا يحرم على معينين (أي لا ينوى الإِمامة لمعينين فقط) فإن فعل وجاء غيرهم ففى فساد صلاة الغير قولان وعلى القول، يجب على الإِمام أن يخبر من فسدت صلاته أنه لم يعنه. وجاء في موضع آخر (٥) أجمع الإباضية أن يجهر الإِمام في ركعتى الفجر وأوليي المغرب وأوليي العشاء في الفاتحة والسور (٦) ويسر بالقراءة في عصر وظهر وآخرة مغرب وآخرتين من العشاء ويجهر بسمع الله لمن حمده والتعظيم والتسبيح والتحيات وقيل يسر في ذلك بالقراءة وغيرها من الأقوال كلها وهو الصحيح كالتكبير لغير الإِحرام والتحيات والتعظيم ويجهر الإمام بالتكبيرات مطلقا وسمع الله لمن حمده باتفاق مطلقا في ركعة الجهر وركعة السر لإعلام المأمومين وأقل الجهر بالنسبة للإِمام أن يسمع من خلفه. وجاء في الإِيضاح (٧): أنه ينبغى للإمام أن يرفق بمن

стр. 8121

يصلى خلفه من الناس لأن فيهم الضعيف والمريض ومن له عذر لما روى من طريق أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أن النبي ﵌ قال: "إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف فإن فيهم السقيم والضعيف والكبير وذا الحاجة وإذا صلى لنفسه فليطل ما شاء" رواه الجماعة إلا ابن ماجه وكما روى أن النبي ﵌: "إذا جلس الجلسة الأولى للتشهد كأنه على الرضف" (وهى الحجارة المحماة) وقد كان النبي ﵌ صلاته قصد ودعائه قصد وإن صلى وحده إن شاء طول وإن شاء قصر. متفق عليه، وكذلك لا ينبغى للإمام أن يسر بتكبيره لئلا يخيل على الناس صلاتهم ولكن يسمعهم صوته ويحتسب في ذلك رجاء ثواب ربه وخوفا من عقابه. حكم أخذ الأجرة على الإمامة مذهب الحنفية: جاء في الهداية وشروحها (١): أنه لا يجوز الاستئجار على الأذان والحج وكذا الإِمامة وتعليم القرآن والفقه والأصل أن كل طاعة يختص بها المسلم لا يجوز الاستئجار عليها لقول النبي ﷺ : "اقرءوا القرآن ولا تأكلوا به" وفى آخر ما عهد رسول الله ﷺ إلى عثمان بن أبى العاص "وإن اتخذت مؤذنا فلا تأخذ على الأذان أجرا" ولأن القربة متى حصلت وقعت عن العامل ولهذا تعتبر أهلية فلا يجوز له أخذ الأجر من غيره، وبعض مشايخ بلخ استحسنوا الاستئجار على تعليم القرآن لأنه ظهر التوانى في الأمور الدينية ففى الامتناع تضيع حفظ القرآن وعليه الفتوى وإنما كره المتقدمون الأجر على ذلك لأنه للمعلمين عطيات من بيت المال فكانوا مستغنين عما لابد لهم من أمر معاشهم وقد كان في الناس رغبة في التعليم بطريق الحسبة ولم يبق ذلك. وجاء في العناية عن الذخيرة: أنه يجوز في هذا الزمان أخذ الأجرة للإمام والمؤذن والمعلم والمفتى. مذهب المالكية: جاء في الدسوقى: وكره أخذ الأجرة على الإِمامة في الصلاة وحدها فرضا أو نفلا من المصلين لا من بيت المال أو وقف المسجد فلا يكره لأنه من الإِعانة لا من الإِجارة أما أخذ الأجرة على الأذان مع الصلاة صفقة واحدة فهو جائز. وجاء في الحطاب (٢): قال في المدونة في باب الأذان: أنه تجوز الإِجارة على الأذان والصلاة جميعا ولا تجوز الإِجارة على الصلاة خاصة وكره مالك الإِجارة في الحج وعلى الإِمامة في الفرض والنافلة في قيام رمضان ومن استأجر رجلا على أن يؤذن لهم ويقيم بهم جاز وكأن الأجر إنما وقع على الأذان والإِمامة والقيام بالمسجد لا على الصلاة. وقال ابن حبيب: لا تجوز الإِجارة على الأذان وعلى الإِمامة في الصلاة. وقال ابن عبد الحكم تجوز الإِجارة فيهما وظاهر كلام ابن حبيب أن المنع على التحريم. وذكر ابن رشد عن بكر القاضي أنه

стр. 8122

روى عن علي أنه لا بأس بالإجارة على الفرض لا على النفل. قال ابن رشد لعدم لزوم النفل ولزوم الفرض. ونقل عن الماذرى أنه قال بجواز الإجارة لمن بعدت داره لا لمن قربت داره. وعند المحققين إن كان يتكلف في ملازمة الصلاة في موضع معين يشق القصد إليه صحت الإجارة وإن كان لا مشقة في ذلك لم تصح. وقال عبد الحق إنها مكروهة لا أنها لا تجوز كما قال ابن حبيب. وروى أشهب أن الاستئجار لقيام رمضان مباح وإن كان بأس فعلى الإمام. وروى ابن القاسم أنه مكروه، وعلى جواز الإِجارة على الأذان والإمامة معا في قول مالك إذا تخلف المؤذن عن الصلاة خاصة من سلس بول ونحوه فقيل لا يسقط من الإجارة حصة الصلاة لأنها تبع كمال العبد وثمرة النخل الذي لم يبد صلاحه لا يجوز على الانفراد ويجوز إذا جمع وقيل بل تسقط حصة الصلاة لأن التبع قد يرتفع عنه التحريم الثابت له منفردا كحلية السيف التابعة له فإنه يحرم بيعها بجنسها ويجوز تبعا. والأحباس الموقوفة على من يؤذن أو يصلى قيل إنها إجارة وقيل إنها إعانة، والصلاة خلف من يأخذ الأجرة على الإمامة جائزة. قال في رسم الصلاة الثاني من سماع أشهب وسئل عن الصلاة خلف من يستأجر لقيام رمضان يؤم الناس فقال لا يكون بذلك بأس وإن كان بأس فعليه قال ابن رشد لأنه لا بأس بالصلاة خلف من استؤجر لقيام رمضان لأن الإجارة عليه ليست حراما فتكون جرحة فيه تقدح في إمامته وإنما هي له مكروهة فتركها أفضل ولا تكره إمامة من فعل ما تركه أفضل كما لا يكره إمامة من ترك ما فعله أفضل من النوافل. مذهب الشافعية: جاء في نهاية المحتاج (١): أنه لا تصح إجارة لفعل عبادة يجب فيها النية أو لمتعلقها كالإمامة بحيث يتوقف أصل حصولها عليها ولا يستحق الأجير شيئا لأن كل ما لا يصح الاستئجار له لا أجرة لفاعله وإن عمل طامعا وألحق بذلك الإمامة ولو لنفل لأنه حصل لنفسه فمن أراد اقتدى به وإن لم ينو الإمامة وتوقف فضل الجماعة على نيتها فائدة تختص به وما جرت به العادة من جعل جامكية (٢) على ذلك فليس من باب الإجارة وإنما هو من باب الأرزاق والإحسان والمسامحة بخلاف الإجارة فإنها من باب المعارضة. أما ما لا تجب له نية كالأذان فيصح الاستئجار عليه، وما يقع لكثير من أرباب البيوت كالأمراء حيث يجعلون لمن يصلى بهم قدرا معلوما في كل شهر من غير عقد إجارة فلا يستحقون معلوما لأن هذه إجارة فاسدة وما كان فاسدا لكونه ليس محلا للصحة أصلا لا شئ فيه للأجير وإن عمل طامعا فطريق من يصلى أن يطلب من صاحب البيت أو غيره أن ينذر له شيئا معينا ما دام يصلى فيستحقه عليه.

стр. 8123

مذهب الحنابلة: جاء في منتهى الإرادات (١): الأعمال التي تقع قربة لفاعلها لكونه مسلما لا تصح الإجارة عليها وذلك كالأذان والإقامة وإمامة الصلاة وتعليم القرآن والفقه والحديث والنيابة في الحج والعمرة لحديث عثمان بن أبى العاص أن آخر ما عهد إلى النبي ﷺ أن اتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا. قال الترمذى حديث حسن. وعن عبادة بن الصامت قال: علمت ناسا من أهل الصفة القرآن والكتابة فأهدى إليَّ رجل منهم قوسا قال قلت قوس وليس بمال. قال قلت أتقلدها في سبيل الله فذكرت تلك للنبى ﷺ فقال: "إنك لو لبستها ألبسك الله مكانها ثوبا من نار" رواه الأثرم في سننه. ولأن من شرط صحة هذه الأفعال كونها قربة إلى الله تعالى فلم يصح أخذ الأجرة عليها كما لو استأجر إنسانا يصلى خلفه الجمعة أو التراويح ولا يحرم أخذ جعالة على ذلك لأنها أوسع من الإجارة ولهذا جازت مع جهالة العمل والمدة ولا يحرم أخذ على ذلك بلا شرط وحديث القوس والخميصة قضيتان في عين. مذهب الزيدية: جاء في التاج المذهب (٢): أنه تحرم الأجرة على أمر واجب سواء كان فرض عين أم فرض كفاية، وأما الوصية على إمام المحراب فعادة الفضلاء، أخذها خلفا عن سلف ووجهها أنها لا تؤخذ في مقابلة الصلاة بل في مقابلة تخصيص هذا الموضع بالصلاة فيه أول الوقت وهو غير واجب. وأما المباح والمندوب والمسنون والمكروه فيحل أخذ الأجرة عليه ولو بالشرط. مذهب الإمامية: جاء في شرائع الإسلام (٣): أن أخذ الأجرة على الأذان حرام ولا بأس بالرزق من بيت المال وكذا الصلاة بالناس. مذهب الإباضية: جاء في شرح النيل (٤): أن أخذ الأجرة على الصلاة مكروه وفى الديوان لا يصلى خلف من أخذ الأجرة على الصلاة وإن صلى فلا إعادة.

стр. 8124

هل الإِمامة أفضل أم الأذان ؟ مذهب الحنفية: اختلف فقهاء الحنفية (١) هل الإِمامة أفضل أم الأذان؟ فقيل إن الأذان أفضل لقول الله ﵎ ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ (٢) وفسرت السيدة عائشة رضى الله تعالى عنها بالمؤذنين ولقول النبي ﵌: "المؤذنون أطول أعناقا يوم القيامة" وقيل إن الإِمامة أفضل لأن النبي ﵌ والخلفاء من بعده كانوا أئمة ولم يكونوا مؤذنين وهم لا يختارون من الأمور إلا أفضلها، وقيل: هما سواء. واختار المحقق الكمال بن الهمام أنها أفضل لما ذكرناه وقول عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه: لولا الخليفى لأذنت لا يستلزم تفضيل الأذان على الإِمامة بل مراده لأذنت مع الإِمامة لا مع تركها فيفيد أن الأفضل كون الإِمام هو المؤذن وهنا مذهب الحنفية وعليه كان الإِمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى كما علم من أخباره. مذهب المالكية: جاء في الحطاب (٣): أن العلماء اختلفوا أيهما أفضل الأذان أو الإمامة؟ فقيل الأذان أفضل واختاره عبد الحق وقيل الإِمامة أفضل وقيل هما سواء وقيل إن كان الإِمام توفرت فيه شرائط الإمامة فهو أفضل وإلا فلا. مذهب الشافعية: جاء في مغنى المحتاج (٤): أن الإمامة أفضل من الأذان في الأصح لمواظبة رسول الله ﵌ وخلفائه من بعده رضى الله تعالى عنهم ولأن القيام بالشئ أولى من الدعاء واختار هذا السبكى مع قوله إن السلامة في تركها. ونقل في الأحياء عن بعض السلف أنه قال ليس بعد الأنبياء أفضل من العلماء ولا بعد العلماء أفضل من الأئمة المصلين لأنهم قاموا بين الله وبين خلقه هؤلاء بالنبوة وهؤلاء بالعلم وهؤلاء بعماد الدين، قلت الأصح أن الأذان أفضل من الإِمامة والله أعلم لقول الله : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ (٥) قالت عائشة أم المؤمنين رضى الله تعالى عنها هم المؤذنون لخبر إن خيار عباد الله

стр. 8125

الذين يراعون الشمس والقمر والنجوم والأظلة لذكر الله تعالى. رواه الحاكم وصحح إسناده ولدعاء رسول الله ﵌ للمؤذن بالمغفرة وللإمام بالإِرشاد. والمغفرة أعلى من الإِرشاد كما قاله الرافعى. وقال الماوردى: دعا للإمام بالرشد خوف زيعه وللمؤذن بالمغفرة لعلمه بسلامة حاله وأجيب عن الأول بأن الأذان يحتاج إلى فراغ وكانوا مشتغلين بمصالح الأمة وقيل لأن رسول الله ﷺ لو أذن لوجب الحضور على من سمعه. وضعف هذا بأن قرينة الحال تصرفه إلى الاستحباب ولأن النبي ﵌ أذن مرة في السفر كما رواه الترمذى بإسناد جيد وقيل أذن مرتين وصحح المصنف في نكته أن الأذان مع الإقامة أفضل من الإِمامة وجرى على ذلك بعض المتأخرين والمعتمد ما في الكتاب تبعا لصاحب التنبيه وإذا كان أفضل من الإمامة فهو أفضل من الخطابة لأن الإِمامة أفضل منها لأن الإِمام يأتى بالمشروط والخطيب يأتى بالشرط والإتيان بالمشروط أولى، وقيل الأذان والإمامة سواء وقيل إن علم من نفسه القيام بحقوق الإِمامة فهو أفضل. مذهب الحنابلة: جاء في كشاف القناع (١): أن الأذان أفضل من الإقامة لزيادته عليها وأفضل من الإِمامة ويدل لفضل الأذان أحاديث كثيرة منها حديث أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أن رسول الله ﵌ قال: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه" متفق عليه. وحديث معاوية بن أبى سفيان قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: "المؤذنون أطول أعناقا يوم القيامة" رواه مسلم. ويشهد لفضل الأذان على الإِمامة حديث أبى هريرة رضى الله تعالى عنه برفعه "الإِمام ضامن والمؤذن مؤتمن اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين" رواه أحمد وأبو داود والترمذى والأمانة أعلى من الضمان والمغفرة أعلى من الإِرشاد وإنما لم يتول النبي ﷺ وخلفاؤه من بعده الأذان لضيق وقتهم عنه. قال عمر رضى الله تعالى عنه: لولا الخلفاء لأذنت. قال في الاختيارات هما أفضل من الإقامة وهو أصح الروايتين عن أحمد واختيار أكثر الأصحاب وأما إمامته ﵌ والخلفاء الراشدين من بعده فكانت متعينة عليهم فإنها وظيفة الإِمام الأعظم ولم يمكن الجمع بينهما وبين الأذان فصارت الإِمامة في حقهم أفضل من الأذان لخصوص أحوالهم وإن كان لأكثر الناس الأذان أفضل، وله الجمع بين الأذان وبين الإِمامة بل ذكر أبو المعالى أن الجمع بينهما أفضل وقال أيضًا ما صلح له فهو أفضل. مذهب الزيدية: جاء في شرح الأزهار (٢): أن الأذان أفضل من الإِمامة لما ورد من الأخبار التي تدل على فضل الأذان على الإِمامة منها الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن واختلف في تفسير الضمان قيل لأنه متحمل عنهم القرآن في الجهرية ويتحمل سهو المؤتم عند المؤيد بالله فلا يسجد لسهوه
следующие страницы →