← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 8121–8160 · переход к 8126.

стр. 8121

يصلى خلفه من الناس لأن فيهم الضعيف والمريض ومن له عذر لما روى من طريق أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أن النبي ﵌ قال: "إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف فإن فيهم السقيم والضعيف والكبير وذا الحاجة وإذا صلى لنفسه فليطل ما شاء" رواه الجماعة إلا ابن ماجه وكما روى أن النبي ﵌: "إذا جلس الجلسة الأولى للتشهد كأنه على الرضف" (وهى الحجارة المحماة) وقد كان النبي ﵌ صلاته قصد ودعائه قصد وإن صلى وحده إن شاء طول وإن شاء قصر. متفق عليه، وكذلك لا ينبغى للإمام أن يسر بتكبيره لئلا يخيل على الناس صلاتهم ولكن يسمعهم صوته ويحتسب في ذلك رجاء ثواب ربه وخوفا من عقابه. حكم أخذ الأجرة على الإمامة مذهب الحنفية: جاء في الهداية وشروحها (١): أنه لا يجوز الاستئجار على الأذان والحج وكذا الإِمامة وتعليم القرآن والفقه والأصل أن كل طاعة يختص بها المسلم لا يجوز الاستئجار عليها لقول النبي ﷺ : "اقرءوا القرآن ولا تأكلوا به" وفى آخر ما عهد رسول الله ﷺ إلى عثمان بن أبى العاص "وإن اتخذت مؤذنا فلا تأخذ على الأذان أجرا" ولأن القربة متى حصلت وقعت عن العامل ولهذا تعتبر أهلية فلا يجوز له أخذ الأجر من غيره، وبعض مشايخ بلخ استحسنوا الاستئجار على تعليم القرآن لأنه ظهر التوانى في الأمور الدينية ففى الامتناع تضيع حفظ القرآن وعليه الفتوى وإنما كره المتقدمون الأجر على ذلك لأنه للمعلمين عطيات من بيت المال فكانوا مستغنين عما لابد لهم من أمر معاشهم وقد كان في الناس رغبة في التعليم بطريق الحسبة ولم يبق ذلك. وجاء في العناية عن الذخيرة: أنه يجوز في هذا الزمان أخذ الأجرة للإمام والمؤذن والمعلم والمفتى. مذهب المالكية: جاء في الدسوقى: وكره أخذ الأجرة على الإِمامة في الصلاة وحدها فرضا أو نفلا من المصلين لا من بيت المال أو وقف المسجد فلا يكره لأنه من الإِعانة لا من الإِجارة أما أخذ الأجرة على الأذان مع الصلاة صفقة واحدة فهو جائز. وجاء في الحطاب (٢): قال في المدونة في باب الأذان: أنه تجوز الإِجارة على الأذان والصلاة جميعا ولا تجوز الإِجارة على الصلاة خاصة وكره مالك الإِجارة في الحج وعلى الإِمامة في الفرض والنافلة في قيام رمضان ومن استأجر رجلا على أن يؤذن لهم ويقيم بهم جاز وكأن الأجر إنما وقع على الأذان والإِمامة والقيام بالمسجد لا على الصلاة. وقال ابن حبيب: لا تجوز الإِجارة على الأذان وعلى الإِمامة في الصلاة. وقال ابن عبد الحكم تجوز الإِجارة فيهما وظاهر كلام ابن حبيب أن المنع على التحريم. وذكر ابن رشد عن بكر القاضي أنه

стр. 8122

روى عن علي أنه لا بأس بالإجارة على الفرض لا على النفل. قال ابن رشد لعدم لزوم النفل ولزوم الفرض. ونقل عن الماذرى أنه قال بجواز الإجارة لمن بعدت داره لا لمن قربت داره. وعند المحققين إن كان يتكلف في ملازمة الصلاة في موضع معين يشق القصد إليه صحت الإجارة وإن كان لا مشقة في ذلك لم تصح. وقال عبد الحق إنها مكروهة لا أنها لا تجوز كما قال ابن حبيب. وروى أشهب أن الاستئجار لقيام رمضان مباح وإن كان بأس فعلى الإمام. وروى ابن القاسم أنه مكروه، وعلى جواز الإِجارة على الأذان والإمامة معا في قول مالك إذا تخلف المؤذن عن الصلاة خاصة من سلس بول ونحوه فقيل لا يسقط من الإجارة حصة الصلاة لأنها تبع كمال العبد وثمرة النخل الذي لم يبد صلاحه لا يجوز على الانفراد ويجوز إذا جمع وقيل بل تسقط حصة الصلاة لأن التبع قد يرتفع عنه التحريم الثابت له منفردا كحلية السيف التابعة له فإنه يحرم بيعها بجنسها ويجوز تبعا. والأحباس الموقوفة على من يؤذن أو يصلى قيل إنها إجارة وقيل إنها إعانة، والصلاة خلف من يأخذ الأجرة على الإمامة جائزة. قال في رسم الصلاة الثاني من سماع أشهب وسئل عن الصلاة خلف من يستأجر لقيام رمضان يؤم الناس فقال لا يكون بذلك بأس وإن كان بأس فعليه قال ابن رشد لأنه لا بأس بالصلاة خلف من استؤجر لقيام رمضان لأن الإجارة عليه ليست حراما فتكون جرحة فيه تقدح في إمامته وإنما هي له مكروهة فتركها أفضل ولا تكره إمامة من فعل ما تركه أفضل كما لا يكره إمامة من ترك ما فعله أفضل من النوافل. مذهب الشافعية: جاء في نهاية المحتاج (١): أنه لا تصح إجارة لفعل عبادة يجب فيها النية أو لمتعلقها كالإمامة بحيث يتوقف أصل حصولها عليها ولا يستحق الأجير شيئا لأن كل ما لا يصح الاستئجار له لا أجرة لفاعله وإن عمل طامعا وألحق بذلك الإمامة ولو لنفل لأنه حصل لنفسه فمن أراد اقتدى به وإن لم ينو الإمامة وتوقف فضل الجماعة على نيتها فائدة تختص به وما جرت به العادة من جعل جامكية (٢) على ذلك فليس من باب الإجارة وإنما هو من باب الأرزاق والإحسان والمسامحة بخلاف الإجارة فإنها من باب المعارضة. أما ما لا تجب له نية كالأذان فيصح الاستئجار عليه، وما يقع لكثير من أرباب البيوت كالأمراء حيث يجعلون لمن يصلى بهم قدرا معلوما في كل شهر من غير عقد إجارة فلا يستحقون معلوما لأن هذه إجارة فاسدة وما كان فاسدا لكونه ليس محلا للصحة أصلا لا شئ فيه للأجير وإن عمل طامعا فطريق من يصلى أن يطلب من صاحب البيت أو غيره أن ينذر له شيئا معينا ما دام يصلى فيستحقه عليه.

стр. 8123

مذهب الحنابلة: جاء في منتهى الإرادات (١): الأعمال التي تقع قربة لفاعلها لكونه مسلما لا تصح الإجارة عليها وذلك كالأذان والإقامة وإمامة الصلاة وتعليم القرآن والفقه والحديث والنيابة في الحج والعمرة لحديث عثمان بن أبى العاص أن آخر ما عهد إلى النبي ﷺ أن اتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا. قال الترمذى حديث حسن. وعن عبادة بن الصامت قال: علمت ناسا من أهل الصفة القرآن والكتابة فأهدى إليَّ رجل منهم قوسا قال قلت قوس وليس بمال. قال قلت أتقلدها في سبيل الله فذكرت تلك للنبى ﷺ فقال: "إنك لو لبستها ألبسك الله مكانها ثوبا من نار" رواه الأثرم في سننه. ولأن من شرط صحة هذه الأفعال كونها قربة إلى الله تعالى فلم يصح أخذ الأجرة عليها كما لو استأجر إنسانا يصلى خلفه الجمعة أو التراويح ولا يحرم أخذ جعالة على ذلك لأنها أوسع من الإجارة ولهذا جازت مع جهالة العمل والمدة ولا يحرم أخذ على ذلك بلا شرط وحديث القوس والخميصة قضيتان في عين. مذهب الزيدية: جاء في التاج المذهب (٢): أنه تحرم الأجرة على أمر واجب سواء كان فرض عين أم فرض كفاية، وأما الوصية على إمام المحراب فعادة الفضلاء، أخذها خلفا عن سلف ووجهها أنها لا تؤخذ في مقابلة الصلاة بل في مقابلة تخصيص هذا الموضع بالصلاة فيه أول الوقت وهو غير واجب. وأما المباح والمندوب والمسنون والمكروه فيحل أخذ الأجرة عليه ولو بالشرط. مذهب الإمامية: جاء في شرائع الإسلام (٣): أن أخذ الأجرة على الأذان حرام ولا بأس بالرزق من بيت المال وكذا الصلاة بالناس. مذهب الإباضية: جاء في شرح النيل (٤): أن أخذ الأجرة على الصلاة مكروه وفى الديوان لا يصلى خلف من أخذ الأجرة على الصلاة وإن صلى فلا إعادة.

стр. 8124

هل الإِمامة أفضل أم الأذان ؟ مذهب الحنفية: اختلف فقهاء الحنفية (١) هل الإِمامة أفضل أم الأذان؟ فقيل إن الأذان أفضل لقول الله ﵎ ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ (٢) وفسرت السيدة عائشة رضى الله تعالى عنها بالمؤذنين ولقول النبي ﵌: "المؤذنون أطول أعناقا يوم القيامة" وقيل إن الإِمامة أفضل لأن النبي ﵌ والخلفاء من بعده كانوا أئمة ولم يكونوا مؤذنين وهم لا يختارون من الأمور إلا أفضلها، وقيل: هما سواء. واختار المحقق الكمال بن الهمام أنها أفضل لما ذكرناه وقول عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه: لولا الخليفى لأذنت لا يستلزم تفضيل الأذان على الإِمامة بل مراده لأذنت مع الإِمامة لا مع تركها فيفيد أن الأفضل كون الإِمام هو المؤذن وهنا مذهب الحنفية وعليه كان الإِمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى كما علم من أخباره. مذهب المالكية: جاء في الحطاب (٣): أن العلماء اختلفوا أيهما أفضل الأذان أو الإمامة؟ فقيل الأذان أفضل واختاره عبد الحق وقيل الإِمامة أفضل وقيل هما سواء وقيل إن كان الإِمام توفرت فيه شرائط الإمامة فهو أفضل وإلا فلا. مذهب الشافعية: جاء في مغنى المحتاج (٤): أن الإمامة أفضل من الأذان في الأصح لمواظبة رسول الله ﵌ وخلفائه من بعده رضى الله تعالى عنهم ولأن القيام بالشئ أولى من الدعاء واختار هذا السبكى مع قوله إن السلامة في تركها. ونقل في الأحياء عن بعض السلف أنه قال ليس بعد الأنبياء أفضل من العلماء ولا بعد العلماء أفضل من الأئمة المصلين لأنهم قاموا بين الله وبين خلقه هؤلاء بالنبوة وهؤلاء بالعلم وهؤلاء بعماد الدين، قلت الأصح أن الأذان أفضل من الإِمامة والله أعلم لقول الله : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ (٥) قالت عائشة أم المؤمنين رضى الله تعالى عنها هم المؤذنون لخبر إن خيار عباد الله

стр. 8125

الذين يراعون الشمس والقمر والنجوم والأظلة لذكر الله تعالى. رواه الحاكم وصحح إسناده ولدعاء رسول الله ﵌ للمؤذن بالمغفرة وللإمام بالإِرشاد. والمغفرة أعلى من الإِرشاد كما قاله الرافعى. وقال الماوردى: دعا للإمام بالرشد خوف زيعه وللمؤذن بالمغفرة لعلمه بسلامة حاله وأجيب عن الأول بأن الأذان يحتاج إلى فراغ وكانوا مشتغلين بمصالح الأمة وقيل لأن رسول الله ﷺ لو أذن لوجب الحضور على من سمعه. وضعف هذا بأن قرينة الحال تصرفه إلى الاستحباب ولأن النبي ﵌ أذن مرة في السفر كما رواه الترمذى بإسناد جيد وقيل أذن مرتين وصحح المصنف في نكته أن الأذان مع الإقامة أفضل من الإِمامة وجرى على ذلك بعض المتأخرين والمعتمد ما في الكتاب تبعا لصاحب التنبيه وإذا كان أفضل من الإمامة فهو أفضل من الخطابة لأن الإِمامة أفضل منها لأن الإِمام يأتى بالمشروط والخطيب يأتى بالشرط والإتيان بالمشروط أولى، وقيل الأذان والإمامة سواء وقيل إن علم من نفسه القيام بحقوق الإِمامة فهو أفضل. مذهب الحنابلة: جاء في كشاف القناع (١): أن الأذان أفضل من الإقامة لزيادته عليها وأفضل من الإِمامة ويدل لفضل الأذان أحاديث كثيرة منها حديث أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أن رسول الله ﵌ قال: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه" متفق عليه. وحديث معاوية بن أبى سفيان قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: "المؤذنون أطول أعناقا يوم القيامة" رواه مسلم. ويشهد لفضل الأذان على الإِمامة حديث أبى هريرة رضى الله تعالى عنه برفعه "الإِمام ضامن والمؤذن مؤتمن اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين" رواه أحمد وأبو داود والترمذى والأمانة أعلى من الضمان والمغفرة أعلى من الإِرشاد وإنما لم يتول النبي ﷺ وخلفاؤه من بعده الأذان لضيق وقتهم عنه. قال عمر رضى الله تعالى عنه: لولا الخلفاء لأذنت. قال في الاختيارات هما أفضل من الإقامة وهو أصح الروايتين عن أحمد واختيار أكثر الأصحاب وأما إمامته ﵌ والخلفاء الراشدين من بعده فكانت متعينة عليهم فإنها وظيفة الإِمام الأعظم ولم يمكن الجمع بينهما وبين الأذان فصارت الإِمامة في حقهم أفضل من الأذان لخصوص أحوالهم وإن كان لأكثر الناس الأذان أفضل، وله الجمع بين الأذان وبين الإِمامة بل ذكر أبو المعالى أن الجمع بينهما أفضل وقال أيضًا ما صلح له فهو أفضل. مذهب الزيدية: جاء في شرح الأزهار (٢): أن الأذان أفضل من الإِمامة لما ورد من الأخبار التي تدل على فضل الأذان على الإِمامة منها الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن واختلف في تفسير الضمان قيل لأنه متحمل عنهم القرآن في الجهرية ويتحمل سهو المؤتم عند المؤيد بالله فلا يسجد لسهوه

стр. 8126

وقيل يضمن بمعنى أنه يلزمه ما يلزم الضامن من العقوبة وذلك حيث يخل بشرط منها عالما وأما المؤذن مؤتمن فقيل لأنه دخل فيما لا يجب عليه وبه احتج من قال الأذان ليس بواجب واحتج من فضل المؤذن على الإمام بأن حال الأمين أحسن من حال الضمين. وقال في الانتصار: الإمام أفضل والحديث ليس فيه دلالة على الأفضلية والوصف بالضمان والائتمان باعتبار التحمل وغيره فالاستدلال بالحديث على الأفضلية فيه بعد. مذهب الإمامية: جاء في مفتاح الكرامة (١): أن الإمامة أفضل من التأذين. وفى المبسوط والمنتهى والبيان وغيرها لأنهم ﵈ كانوا يختارونها خصوصا النبي ﵌، ولأن الإمام أكمل فالإمامة أكمل إلى غير ذلك مما ذكروا، وأما الإقامة ففى جامع الشرائع والتذكرة والمنتهى أنها أفضل من الأذان ونقله في الذكرى عن الشيخ ساكتا عليه واستندوا في ذلك إلى كثرة الحث عليها واعتناء الشارع بها والاكتفاء بها في أكثر المواضع وغير ذلك مما ذكروه. الإِمامة: ويرادفها في لسان العلماء .. الخلافة التعريف في اللغة: في "مختار الصحاح" في مادة - أَمَمَ - أمَّ القوم في الصلاة يؤُم مثل ردَّ يرائد إذا تقدمهم للصلاة واقتدوا به - وأْتَمَ به اقتدى والإمام الذي يقتدى به - وجمعه أئمة - وقرئ، فقاتلوا أيمة الكفر بالياء وأئمة الكفر بهمزتين .. وتقول: كان أمامه أي قدامه - والإمام أيضًا الطريق. قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ وأما قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾. فقد قال الحسن: في كتاب مبين. وفيه أيضا في مادة خَلَف - خَلْف ضد قدام .. والخلْف والخَلَف ساكن اللام ومفتوحها ما جاء من بعد - يقال: هو خلْف سوء من أبيه - وخَلَف سوء من أبيه بالتحريك إذا قام مقامه، وقال الأحفش: هما سواء منهم من يحرك ومنهم من يسكن فيهما جميعا إذا أضاف .. ومنهم من يقول: خلف صدق بالتحريك ويسكن قبل الآخر بينهما. والخلف أيضا بالتحريك ما استخلفته من شئ والخليِّفى بكسر الخاء واللام وتشديد اللام مقصورا - الخلافة والخليفة والسلطان الأعظم والجمع الخلائف على الأصل مثل: كريمة وكرائم وجمعوه أيضا على خلفاء من أجل ألا يقع إلا على مذكر وفيه الهاء فجمعوه على إسقاط الهاء مثل ظريفى وظرفاء لأن فعيله لا يجمع على عقلاء … وخَلَف فلان فلانا إذا كان خليفته. يقال: خلفه في قومه من باب كتب ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ .. ﴾ وخلفه أيضا جاء بعده.

стр. 8127

وفى المفردات في غريب القرآن للأصفهانى يقال: خَلَف فلان فلانا إذا قام بالأمر عنه إما معه وإما بعده - قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ .. ﴾ والخلافة - النيابة عن الغير إما لنيبة المنوب عنه وإما لموته وإما لعجزه، وفى القاموس وغيره من كتب الصحاح والخليفة السلطان الأعظم. في الاصطلاح: جاء في "حاشية الشيخ عبد السلام" (١) على الجوهرة في علم الكلام أن الخلافة وترادفها الإمامة - رياسة عامة في أمور الدين والدنيا نيابة عن النبي ﷺ . وفى "مطالع الأنظار على طوالع الأنوار" للإمام البيضاوى: الإمامة عبارة عن خلافة شخص من الأشخاص للرسول ﵊ في إقامة القوانين الشرعية وحفظ جوزة الملة على دين يجب إتباعه على كافة الأمة … وفى "شرح المقاصد" (٢) لسعد الدين التفتازانى: والإمامة رياسة عامة في أمر الدين والدنيا خلافة عن النبي ﷺ .. وبهذا القيد خرجت النبوة ويفيد العموم خرج مثل القضاء والولاية والرياسة في بعض النواحى وكذا رياسة من جعله الإمام نائبا عنه على الإطلاق فإنها لا تعم الإمامة. وقال الإمام الرازى: هي رياسة عامة في الدين والدنيا لشخص واحد من الأشخاص .. فإن قيل: الخلافة عن النبي ﷺ إنما تكون فيمن استخلفه ولا يصدق التعريف على إمامة لبيعة ونحوها فضلا عن رياسة النائب العام للإِمام - قلنا لو سلم فالاستخلاف أعم من أن يكون بوسيط أو بدونه. وفى "مقدمة ابن خلدون" في حديثه عن معنى الملك والخلافة في الفصل الخامس والعشرين: إن الملك الطبيعى هو عمل الكافة على مقتضى الفرض والشهوة وهو جور وعدوان ومذموم كما هو مقتضى الحكمة والسياسة .. والملك السياسى هو حمل الكافة على مقتضى النظر العقلى في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار وهو مذموم أيضا لأنه بغير نور الله .. ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور .. وأما الخلافة فهى حمل الناس على مقتضى النظر الشرعى في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها .. وإذ قد بينا حقيقة هذا المنصب وأنه نيابة عن صاحب الشريعة في حفظ الدين وسياسة الدنيا .. فقد سمى خلافة وإمامة والقائم به خليفة وإماما. وسماه المتأخرون سلطانا حين نشأ التعدد فيه واضطروا بالمباعد وفقدان شروط المنصب إلى عقد البيعة لكل متغلب .. فأما تسميته إماما فتشبيها له بإمام الصلاة في إتباعه والاقتداء به، ولهذا يقال: الإمامة الكبرى تمييزا لها .. وأما تسميته خليفة فلكونه يخلف النبي ﷺ في أمته فيقال خليفة. إطلاق وخليفة رسول الله واختلف في تسميته خليفة الله فأجازه بعضهم اقتباسا من الخلافة العامة التي للآدميين في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ .. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾.

стр. 8128

ومنع الجمهور منه لأن معنى الآيات ليس عليه وقد نهى أبو بكر رضى الله عنه عن ذلك لما دعى به وقال: لست خليفة الله ولكنى خليفة رسول الله ﷺ . ولأن الاستخلاف إنما هو في حق الغائب أما الحاضر فلا. والله تعالى حاضر وليس بغائب. وفى كتاب "الأحكام السلطانية" لأبى الحسن الماوردى (١): الإِمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا. تلك هي التعريفات التي أوردها العلماء للإمامة والخلافة وهى تكاد تكون متفقة في المعانى والألفاظ وإن كان ابن خلدون قد قال إن الخلافة هي حمل الناس على مقتضى النظر الشرعى في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراحبة إليها، وهذا في الواقع أثر الخلافة وعمل الخليفة ومن ثم قفي ابن خلدون على ما ذكر بقوله: فهى في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به، وهو يجرى في ذلك مع سائر التعاريف. هل الإِمامة من العقائد وأصول الدين ؟! اتفق أهل السنة والمنزلة والخوارج وسائر الطوائف عدا الشيعة على أن الإمامة ليست عقيدة شرعية ولا أصلا من أصول الدين .. وتتابع جميع من ذكرنا في تآليفهم وأبحاثهم وكل ما نقل عنهم على أن هذا الموضوع من الأحكام الفرعية العملية حتى ظهر "كتاب الإِسلام وأصول العلم" للمغفور له الأستاذ على عبد الرازق الوزير السابق وعرض فيه المؤلف لموضوع الخلافة وقرر فيما قرره. أن العلماء المسلمين اتخذوا الخلافة عقيدة شرعية وحكما من أحكام الدين إذ جاء (٢) في هذا الكتاب عند مناقشته العلماء الذين تكلموا في موضوع الإِمامة في استدلالهم على حكمها بالسنة فقال: "نفترض أن الأحاديث التي ذكروها كلها صحيحة وأن لفظ الأئمة وأولى الأمر ونحوهما إذا وردت في لسان الشرع فالمراد به أهل الخلافة فأصحاب الإِمامة العظمى. وأن البيعة معناها بيعة الخليفة وأن جماعة المسلمين معناها حكومة الخلافة الإِسلامية - نفترض ذلك كله ونتنزل كل هذا التنزل ثم لا نجد في تلك الأحاديث بعد كل ذلك ما ينهض دليلا لأولئك الذين يتخذون الخلافة عقيدة شرعية وحكما من أحكام الدين" وجاء فيه (٣) "وكذلك نشأ بين المسلمين منذ الصدر الأول الزعم بأن الخلافة مقام دينى ونيابة عن صاحب الشريعة ﵇. وكان من مصلحة السلاطين أن يروجوا ذلك الخطأ بين الناس حتى يتخذوا من الدين دروعا تحمى عروشهم وتزود الخارجين عليهم .. وما زالوا كذلك حتى أفهموا الناس أن طاعة الأئمة من طاعة الله وعصيانهم من عصيان الله. ثم إذا الخلافة قد أصبحت تلصق بالمباحث الدينية وصارت جزء من عقائد التوحيد يدرسه المسلم مع صفات الله تعالى وصفات رسله الكرام ويلقنه كما يلقن شهادة "أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله". ويظهر أن الذي أوقع صاحب الإِسلام وأصول الحكم في هذا الخطأ ما درج عليه

стр. 8129

العلماء من دراسة موضوع الإمامة وأحكامها في علم الكلام وضمن كتب العقائد مع أن هؤلاء العلماء قد صرحوا في كتبهم هذه بأن موضوع الإِمامة وأحكامها من أحكام الفروع وأن مكانها هو كتب الفقه وذكرت فعلا في بعض هذه الكتب وأن الذي حملهم على إدماجها في علم الكلام وكتب العقائد ما أثاره بعض الطوائف حولها من أقوال وآراء وعقائد فاسدة وأنها أصل من أصول الدين وركن من أركانه واستباحتهم الطعن في كبار الصحابة وغير ذلك تعصبا واستهتارًا يكاد أن يؤثر على كثير من قواعد الإِسلام وعقائد المسلمين. قال العلامة (١) سعد الدين التفتازانى في شرح المقاصد من الفصل الرابع في مباحث الإِمامة: "أنه لا نزاع في أن مباحث الإِمامة بعلم الفروع أليق لرجوعها إلى أن الإِمامة ونصب الإِمام الموصوف بالصفات المخصوصة من فروض الكنايات. وهى أمور كلية تتعلق بها مصالح دينية أو دنيوية لا ينتظم الأمر إلا بحصولها فيقصد الشارع تحصيلها في الجملة من غير أن يقصد حصولها من كل أحد ولا خفاء في أن ذلك من الأحكام العملية دون الاعتقادية .. وقد ذكرنا في كتبنا الفقهية أنه لابد للأمة من إمام يحمى الدين ويقيم السنة، وينصف المظلومين ويستوفى الحقوق ويضعها مواضعها .. ولكن لما شاعت بين الناس في باب الإِمامة اعتقادات فاسدة واختلافات، بل اختلافات باردة. ومالت كل فئة إلى توصيات تكاد تفضى إلى رفض كثير من قواعد الإِسلام ونقض عقائد المسلمين والقدح في الخلفاء الراشدين. لما كان الأمر كذلك الحق المتكلمون هذا الباب بأبواب علم الكلام … وقال السيد الشريف في شرح "خطبة المواقف للعضد" أن الإمامة وإن كانت من فروع الدين إلا أنها ألحقت بأصوله دفعا لخرافات أهل البدع والأهواء وصونا للأئمة المهديين عن مطامعهم لئلا يفضى بالقاصرين إلى سواء اعتقادهم فيهم. وقال الكمال من أبى شريف في هوامش السعد على العقائد النسفيه من باب الإِمامة والتحقيق من مباحث الإِمامة الفقهيات. لكن لما شاع بين الناس اعتقادات فاسدة وظهر من أهل البدع والأهواء تعصبات فيها تكاد تفضى إلى رفض كثير من العقائد الإِسلامية، ونقض بعض العقائد الدينية والقدح في الخلفاء الراشدين - ألحقت تلك المباحث بالكلام وجعلت من مقاصده. وإذا كانت مباحث الإِمامة وما يتعلق بها من أحكام من مسائل الفروع وأحكام فإنه يكفى في الاستدلال على الأحكام فيها الأدلة التي تفيد الظن الراجح على خلاف مسائل العقائد وأحكامها حيث لا يكفى للاستدلال فيها إلا الأدلة القطعية التي تفيد العلم واليقين. وسنرى عند الكلام على أدلة أهل السنة والطوائف الأخرى على حكم الإِمامة ونصب الإِمام أنها في جملتها من النوع الأول على أن المقرر أن الأدلة الظنية إذا كثرت وتواردت على حكم واحد أفادت في مجموعها العلم. حكم الإمامة ونصب الإمام: قال العضد في المواقف: "قد اختلفوا في أن نصب الإِمام واجب أولا، واختلف القائلون بوجوبه في طريق معرفته وعندنا أن نصب

стр. 8130

الإمام واجب علينا سمعا وقالت المعتزلة والزيدية: بل عقلا. وقال الجاحظ: الكعبى وأبو الحسين من المعتزلة بل عقلا وسمعا معًا .. وقالت الإِمامية والإسماعيلية: لا يجب نصب الإمام علينا .. بل على الله .. وقالت الخوارج: لا يجب نصب الإمام أصلا. بل هو أمر جائز .. والدليل على أن نصب الإمام واجب وأن وجوبه بالشرع من وجهين: الأول: أنه تواتر إجماع المسلمين في الصدر الأول بعد وفاة الرسول ﷺ على امتناع خلو الوقت من إمام حتى قال أبو بكر رضى الله عنه في خطبته المشهورة عقب وفاة الرسول ﷺ : أيها الناس: ألا إن محمدًا قد مات ولابد لهذا الدين ممن يقوم به .. فبادر الكل إلى قبوله وتركوا من أجله أهم الأشياء لديهم وهو دفن رسول الله ﷺ .. ولم يزل الناس على ذلك في كل عصر إلى زماننا هذا من نصب إمام متبع في كل عصر. والثانى: أن في نصب الإمام دفع ضرر محقق .. ودفع الضرر واجب شرعًا .. وبيان ذلك: أننا نعلم علمًا يقارب الضرورة أن مقصور الشارع فيما شرع من المعاملات والمناكحات. والجهاد والحدود والمقاصات وإظهار شعائر الدين في الأعياد والجمع .. إنَّما هو مصالح عائدة إلى الخلق معاشا ومعادا. وذلك لا يتم إلا بإمام يكون من قبل الشارع يرجعون إليه فيما يعن لهم فإنهم على اختلاف الأهواء وتشتت الآراء وما بينهم من الشحناء قلما ينقاد بعضهم لبعض فيقضى ذلك إلى التنازع .. وربما يؤدى إلى هلاكهم جميعا. وتشهد لذلك التجربة .. ففى نصب الإمام دفع مضرة لا يتصور أعظم منها، بل نقول: إن نصب الإمام من أتم مصالح المسلمين، وأعظم مقاصد الدين، فحكمة الإيجاب الشرعى سمعًا". وقال سعد الدين التفتازانى في شرح المقاصد (١): "نصب الإِمام بعض انقراض زمن النبوة واجب سمعًا عند أهل السنة وعامة المعتزلة وعقلا عند الجاحظ والخياط والكعبى وأبو الحسين البصرى .. وقالت الشيعة: هو واجب على الله تعالى فعندهم ليكون معلمًا في معرفة الله تعالى. وعند بعض الشيعة وهم الإمامية ليكون لطفا في أداء الواجبات العقلية .. واجتناب المقبحات العقلية. وعند بعضهم وهم الغلاة لتعليم اللغات وأحوال الأغذية والأدوية والسموم والحرف والصناعات والمحافظة عن الآفات والمخافات. وقالت النجدات. وهم قوم من الخوارج أصحاب نجدة بن عامر: أنه ليس بواجب أصلا .. وقال أبو بكر الأصم من المعتزلة: إنه لا يجب عند ظهور العدل والإنصاف بين الناس لعدم الحاجة إليه، ويجب عند ظهور الظلم … وقد صرح السعد باسم الأصم. وقد جاء "بكتاب المنية والأمل" شرح الملل والنحل: أنه أبو بكر عبد الرحمن من كيسان المعتزلى. وكذلك ذكره إمام الحرمين في غيات الأمم وقد أخطأ بعض الناس فقال: إنه حاتم الأصم الزاهد البلخى المتوفى سنة ٢٣٧ هـ وتابع السعد كلامه فقال: وقال هشام القوطى منهم بالعكس أي يجب عند ظهور العدل لإظهار شرائع الشرع لا عند

стр. 8131

ظهور الظلم لأن الظلمة ربما لم يطيعوه فيصير سببا لزيادة الفتن. لنا على الواجب وجوه: الأول: وهو العمدة: إجماع الصحابة حتى جعلوا ذلك أهم الواجبات واشتغلوا به عن دفن رسول الله ﷺ وكذا عقيب موت كل إمام .. روى أنه لما توفى رسول الله ﷺ خطب أبو بكر رضى الله عنه في المسلمين فقال: أيها الناس: من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد رب محمد فإنه حى لا يموت. ولابد لهذا الأمر ممن يقوم به. فانظروا وهاتوا آراءكم رحمكم الله، فتبادروا من كل جانب وقالوا: صدقت. ولكن ننظر في الأمر، ولم يقل أحد: أنه لا حاجة إلى الإمام .. الثاني: أن الشارع أمر بإقامة الحدود وسد الثغور وتجهيز الجيوش للجهاد وكثير من الأمور المتعلقة بحفظ النظام وحماية بيضة الإسلام مما لا يتم إلا بالإمام .. وما لا يتم الواجب المطلق إلا به وكان مقدورًا فهو واجب … الثالث: أن في نصب الإمام منافع لا تحصى واستدفاع مضار لا تخفى .. وكل ما هو كذلك فهو واجب .. أما الكبرى فبالإجماع .. وأما الصغرى فتكاد تلحق بالضروريات ولا تحتاج إلى بيان ولهذا اشتهر أن ما يزع السلطان أكثر مما يزع القرآن .. وذلك لأن الاجتماع المؤدى إلى إصلاح المعاش والمعاد لا يتم بدون سلطان ظاهر يدرأ المفاسد ويحفظ المصالح. ولهذا لا ينتظم أمر أدنى اجتماع كرفقة طريق بدون رئيس يصدرون عن رأيه، ومقتضى أمره ونهيه .. ولا يقال: إن غاية ذلك أنه يقتضى إقامة رئيس مطاع في كل جماعة يناط به النظام ولا يقتضى إقامة إمام عام .. لأنا نقول: انتظام أمر عموم الناس على وجه يؤدى إلى صلاح الدين والدنيا يفتقر إلى رياسة عامة فيهما. ولو تعدد الرؤساء لأدى إلى التنازع والتخاصم مما يوجب اختلال النظام .. ولو اقتصرت رياسته على أمور الدنيا لفات أمر الدين وهو الأهم عند الشارع والمقصود له أولا .. فإن قيل أن تنصيب الإمام يوجد منافسًا كبيرًا يؤدى إلى التنازع والاضطراب والفتن .. وما أمر إنهاء خلافة عثمان وما حدث بعدها إلى عهد العباسيين ببعيد - قلنا - أن منافعه أكبر من مفاسده. فإن قيل أن القول بأن إقامة الإمام واجب يلزم عليه وقوع الأمة كلها في الخطأ لترك هذا الواجب في كثير من العصور خصوصا بعد الدولة العباسية. والرسول ﷺ يقول: "لا تجتمع أمتى على ضلالة". ويقول: الخلافة بعدى ثلاثون سنة، ثم تصير ملكا عضوضا، قلنا إنما تعتبر الأمة واقعة في المعصية إذا تركت الواجب عن إمكان وقدرة واختيار لا عن عجز واضطرار كما هو الواقع .. والحديث من باب الآحاد أو يحمل على الخلافة الكاملة ويرد على القائلين بوجوب نصب الإمام على الله تعالى بأنه لو صح لما خلا زمان من إمام .. واللازم مناف للواقع. واحتجت الخوارج القائلون بعدم وجوب نصب الإمام بأن إيجابه يؤدى إلى فتن وحروب وتنافس يؤدى إلى الاضطراب والخراب .. ويرد بأن هناك مرجحات بين الأشخاص بالصفات والشرائط .. وهذا يمنع التخاصم والتنافس … وقد ذكر مثل ذلك إمام الحرمين في غياث الأمم.

стр. 8132

وظاهر مما جاء في المواقف والمقاصد أنهما اعتمدا في الاستدلال لأهل السنة على الإِجماع والدليل النظرى المبنى على القواعد الشرعية مما سنوضحه فيما بعد. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه السياسة الشرعية: "يجب أن يعرف أن ولاية الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا يقام الدين إلا بها فإن بنى آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالإجماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد من عند الاجتماع من رئيس. حتى قال النبي ﷺ : "إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم". وروى الإمام أحمد في المسند عن عبد الله بن عمر أن النبى ﷺ قال: "لا يحل لثلاثة أن يكونوا بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم". فأوجب ﷺ تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر تنبيها بذلك على سائر أنواع الاجتماع. لأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة .. وكذلك ما أوجبه الدين من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصرة المظلوم وإقامة الحدود .. فالواجب اتخاذ والإمارة دينا وقربة يتقرب بها إلى الله فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات .. والمقصود بالولايات إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسرانا مبينا ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا، وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به عن أمر الدنيا .. وظاهر من كلام الإِمام ابن تيميه أنه لم يشر إلى الخلاف في وجوب نصب الإِمام وأقوال الفرض فيه .. ولم يستدل على الوجوب إلا بالدليل النظرى المبنى على القواعد الشرعية ولم يشر إلى الإِجماع ولا إلى غيره من الأدلة .. وقال ابن حزم الظاهرى في كتابه: الفصل في الملل والأهواء والنحل (١): "اتفق جميع أهل السنة وجميع المرجئة وجميع الشيعة وجميع الخوارج على وجوب الإِمامة وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإِمام عادل يقيم فيهم أحكام الدين ويسوسهم بأحكام الشريعة التي أتى بها رسول الله ﷺ . حاشا النجدات من الخوارج فإنهم قالوا: لا يلزم الناس فرض الإِمامة .. وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم .. وهذه فرقة ما ترى بقى منهم أحد وهم المتسربون إلى نجدة الحنيفى من بنى حنيفة باليمامة .. وقول هذه الفرقة ساقط ويكفى في الرد عليه إجماع من ذكرنا على بطلانه .. والقرآن والسنة قد وردا بإيجاب الإمام ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ مع أحاديث كثيرة صحاح في طاعة الأئمة وإيجاب الأمانة .. وأيضا فإن الله تعالى يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ فوجب اليقين بأن الله تعالى لا يكلف الناس ما ليس في احتمالهم .. وقد علمنا بضرورة العقل وبديهته أن قيام الناس بما أوجبه الله تعالى من الأحكام عليهم في الأموال والجنايات والدماء والنكاح والطلاق وسائر الأحكام كلها ومنع الظالم وإنصاف المظلوم وأخذ القصاص على تباعد أقطارهم وشواغلهم واختلاف آرائهم. ممتنع غير ممكن إذ قد يريد واحد أو جماعة أن يحكم عليهم إنسان ويريد آخر أو جماعة أخرى أن لا يحكم عليهم

стр. 8133

إما لأنها ترى في اجتهادها خلاف ما رأى هؤلاء وإما خلافا مجردا عليهم .. وهذا مشاهد في البلاد التي لا رئيس لها .. فلا تصح إقامة الدين إلا بالإسناد إلى واحد فاضل عالم حسن السياسة قوى الإنفاذ .. وظاهر من عبارة ابن حزم أن جميع السنية من أهل السنة في وجوب الإمامة وأن على الأمة الطاعة والانقياد. مع أن عبارات المؤلفين وواقع الأمر أن الشيعة يقولون بوجوب الإمامة. على الله تعالى .. وإن كان من الممكن حمل عبارة ابن حزم على أن المقصود بالاتفاق مجرد الوجوب بدليل مقابلته بالقول بعدم الوجوب أصلا، واستدل ابن حزم بالكتاب والسنة والدليل النظرى المبنى على القواعد الشرعية .. وإن كان لم يشكر شيئا من الأحاديث التي أشار إليها. وقال ابن خلدون في مقدمته المعروفة في الفصل السادس والعشرين بعد أن بين معنى الخلافة والإمامة: "ثم أن نصب الإمام واجب" قد عرف وجوبته في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين لأن أصحاب رسول الله ﷺ عند وفاته قد بادروا إلى بيعة أبى بكر رضى الله عنه النظر إليه في أمورهم وكذا في كل عصر من بعد ذلك. ولم يترك الناس فوضى في أي عصر من الأعصار، واستقر ذلك إجماعا دالا على وجوب نصب الإمام. وقد ذهب بعض الناس إلى أن من مدرك وجوبه النقل وأن الإجماع الذي وقع إنما هو قضاء بحكم الفعل فيه .. قالوا وإنما وجب بالفعل لضرورة الاجتماع للبشر واستحالة حياتهم ووجودهم منفردين. ومن ضرورة الاجتماع التنازع لإزدحام الأغراض فما لم يوجد الحاكم الوازع أفضى ذلك إلى الهرج المؤذن بهلاك البشر وانقطاعهم مع أن حفظ النوع من مقاصد الشرع الضرورية .. وهذا المعنى بعينه هو الذي لحظه الحكماء في وجوب النبوات في البشر، وقد نبهنا على فساده وأن إحدى مقدماته أن الوازع إنما يكون بشرع من الله تسلم له الكافة تسليم إيمان واعتقاد وهو غير مسلم لأن الوازع قد يكون بسطوة الملك وقهر أهل الشوكة ولو لم يكن شرع كما في أمم المجوس وغيرهم ممن ليس لهم كتاب أو لم تبلغهم الدعوة. أو نقول: يكفى في رفع التنازع معرفة كل واحد بتحريم الظلم عليه بحكم العقل، فادعاؤهم أن التنازع إنما يكون بوجوب الشرع هناك ونصب الإمام. هذا غير صحيح، بل كما يقول بنصب الإمام يكون بوجود الرؤساء وأهل الشوكة أو بامتناع الناس عن التنازع والنظر. إليه فلا ينهض دليلهم العقلى المبنى على هذه المقدمة. فدل على أن مدرك وجوبه إنما هو الشرع وهو الإجماع الذي قدمناه. وقد شذ بعض الناس فقال بعدم وجوب نصب الإِمام أصلا لا بالعقل ولا بالشرع. منهم الأصم من المعتزلة وبعض الخوارج وغيرهم، والواجب عند هؤلاء إنما هو إمضاء الحكم بالشرع فإذا تواطأت الأمة على العدل وتنفيذ أحكام الله تعالى لم يحتج إلى إمام ولا يجب نصبه. وهؤلاء ممجوجون بالإجماع .. والذي حملهم على هذا المذهب إنما هو الفرار عن الملك ومذاهبه من الاستطالة والتغلب والاستمتاع بالدنيا لما رأوا الشريعة ممتلئة بذم ذلك والنعى على أهله ومرغبة في رفضه .. ولكنا نقول لهم إن هذا الفرار عن الملك بعدم وجوب نصب الإِمام لا يغنيكم شيئا لأنكم موافقون على وجوب إقامة أحكام الشريعة وذلك

стр. 8134

لا يحصل إلا بالعصبية والشوكة، والعصبية مقتضية بطبعها للملك فيحصل الملك وإن لم ينصب إمام وهو عين ما قررتم منه .. وإذا تقرر أن هذا المنصب واجب بإجماع فهو من فروض الكفاية وراجع إلى اختيار أهل الحل والعقد فيتعين عليهم نصبه .. ويجب على الخلق جميعا طاعته لقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. وظاهر من كلام ابن خلدون أنه اعتمد في الاستدلال لمذهب أهل السنة على الإجماع فقط وقال أنه إجماع الصحابة والتابعين واستمر التصور على ذلك .. ولم يشر إلى باقى الأدلة .. وناقش مذهب القائلين بأن وجوب إقامة الإمام بالعقل. ومذهب القائلين بعدم الوجوب أصلا. وقال أبو الحسن الماوردى في كتابه الأحكام السلطانية (١): "واختلف في وجوبها (الإمامة). هل وجبت بالعقل أو بالشرع؟. فقالت طائفة: وجبت بالعقل لما في طبائع العقلاء من التسليم لزعيم يمنعهم من التظالم ويفصل بينهم في التنازع والتخاصم. ولولا الولاة لكانوا فوضى مهملين وهمجا مضيعين. وقد قال الأفوه الأودى: (لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم … ولا سراة إذا جهالهم سادوا) وقالت طائفه: بل وجبت بالشرع دون العقل لأن الإمام يقوم بأمور شرعية قد كان محجوزا في العقل أن لا يرد التعبد بها فلم يكن العقل موجبا لها .. وإنما يوجب العقل أن يمنع كل واحد من العقلاء نفسه عن التظالم والتقاطع ويأخذ بمقتضى العقل في التناصف والتواصل فيتدبر بعقله لا بعقل غيره. ولكن جاء الشرع بتفويض الأمور إلى وليه في الدين. وقال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ففرض طاعة أولى الأمر فينا وهم الأئمة المتآمرون علينا .. وروى هشام بن عروة عن أبى صالح عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "سيليكم من بعدى ولاة. فيليكم البر ببره، ويليكم الفاجر بفجوره، فاسمعوا لهم وأطيعوا في كل ما وافق الحق فإن أحسنوا فلكم ولهم، وإن ساءوا فلكم وعليهم" وظاهر من كلام الماوردى أنه لم يستوعب الآراء كلها في حكم نصب الإمام، وأنه اقتضى في الاستدلال لأهل السنة على الكتاب والسنة. وبالنظر في هذه المقتطفات التي سقناها يتضح ما يأتى: أولا: أن أهل السنة وجمهور المعتزلة والخوارج يرون أن نصب الإِمام واجب على الأمة لا على الله تعالى وأن وجوبه عرف بالشرع لا بالعقل وأن المزلفين الذين نقلنا عنهم ما نقلناه في هذا الصدد قد استدلوا لهذا الرأى في جملتهم بالإجماع والدليل النظرى المبنى على القواعد الشرعية كما بالكتاب والسنة وسيأتى بيان هذا الاستدلال وتفصيله وما قيل في كل من تلك الأدلة والرد عليه.

стр. 8135

ثانيا: أن الجاحظ والخياط والكعبى وأبا الحسين البصرى من المعتزلة يرون أن نصب الإمام واجب على الأمة ولكن بطريق العقل لا بطريق الشرع، وأن الإجماع الذي وقع إنما هو قضاء بحكم العقل. مستندين إلى أن الاجتماع ضرورى للبشر. ومن ضرورة الاجتماع التنازع لتزاحم الأغراض ولو استمر لأدى إلى الفتن المؤذنة بهلاك النوع الإنسانى وبقاء النوع من مقاصد الشرع فلابد من إقامة حاكم يقضى على التنازع. وقد ناقش ابن خلدون هذا الاحتجاج ورد عليه بما ذكرناه سابقا. وكذلك القاضي أبو الحسن الماوردى على ما سبق النقل عنه. ثالثا: أن بعض الخوارج وهم النجدات أصحاب نجدة بن عامر الحنيفى ومنهم الأصم أبو بكر عثمان بن كيسان من المعتزلة يرون أن نصب الإمام ليس واجبا أصلا لا بالشرع ولا بالعقل، وإنما على الأمة أن تتعاطى الحق والعدل فيما بينها وتلتزم في حياتها ومعاملاتها بقوانين الشرع وأحكامه، وإذ يتحقق لهم ذلك لا تبقى بهم حاجة إلى الإِمام .. وأيضا فإن نصب الإِمام يؤدى إلى التنافس والتنازع المفضى إلى الاضطراب والخراب فلا داعى له. وقد رأيت فيما سبق أن بعض المزلفين صور رأى الأصم بأن نصب الإمام لا يجب عند تحقق العدل في الأمة، ويجب عند قيام الظلم فيها وأن هشام القوطى من المعتزلة يرى عكس ذلك. وقد قال إمام الحرمين في غياث الأمم في الرد على الأصم: أن رأيه يؤدى إلى ترك الناس أخيافا يلتطمون ائتلافا واختلافا لا يجمعهم ضابط، ولا يربط شتات رأيهم رابط .. وهذا الرجل هجوم على شق العصا ومقابلة الحقوق بالعقوق، لا يهاب حجاب الاتصاف ولا يذكر إلا عند الانسلال والخروج من ربقة الإجماع والحيد عن سنن الاتباع. وهو مسبوق بإجماع من أشرقت عليهم الشمس شارقة وغاربة، واتفاق مذاهب العلماء قاطبة … على أن الأصم ومن معه قد قيدوا قولهم بعدم الوجوب وعلقوه على أمر لم تجربه السنن الكونية في هذه الحياة على طولها وامتدادها وهو تواطؤ الأمة على إقامة العدل بينهم وتنفيذ أحكام الله تعالى وقوانين الشرع … ولا شك أن اتفاق مجتمع بشرى على إقامة حدود الله وتطبيق أحكام الشريعة فيما بين أفراده دون وازع من إمام عادل يطبق وينفذ هذه الأحكام بما له من قوة وسلطان. مما دلت التجارب والمشاهدات الطويلة على أنه خارج عن طبيعة البشر إلا أن ينقلب الناس ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. أما القول بأن وجوب إقامة الإمام يؤدى إلى التنافس والتنازع المفضى إلى الخراب والدمار .. فقد رد عليه السعد التفتازانى فيما نقلناه عنه سابقا بأن هناك مرجحات بين المتنافسين من الصفات والشروط التي أوجبت الشريعة توافرها في الإمام. وهذا يحد من المنافسة ويمنع التنازع على أن نفعه أكثر من ضرره.

стр. 8136

وسنبين فيما بعد إن كان خلاف هؤلاء في الوجوب يؤثر في الإجماع الذي احتج به أهل السنة أو لا يؤثر. رابعا: أن إقامة الإِمام واجب على الله تعالى. وأن هذا أصل من أصول الدين وركن من أركانه لا يمكن أن يغفل النبي ﷺ أمر تعيين الإمام ولا أن يترك ذلك للأمة تختاره وتقيمه لأن الإمام يجب أن يكون معصوما وجوبا عن الصغائر والكبائر وأن يكون أفضل أهل زمانه وأعلمهم بعلوم الدين والشريعة وغيرها. وهذا مما لا يعلمه إلا الله تعالى .. وسيأتى الكلام على مذاهبهم في الإِمامة والإمام وفرقهم وأدلتهم ومناقشتها والرد عليها .. وإلى هنا بينا المذاهب والآراء في حكم الإِمامة .. وأدلة الفرق التي خالفت أهل السنة. فيما عدا الشيعة .. ومناقشة هذه الأدلة .. وسنبين الآن أدلة أهل السنة. أدلة أهل السنة: ذكرنا أن العلماء قد احتجوا لأهل السنة بالإجماع .. والدليل النظرى المبنى على القواعد الشرعية، والكتاب والسنة وقد أثار البعض كلاما حول هذه الأدلة يشكك في وجود بعضها ودلالته وينتهى إلى عدم صحة الاستدلال بشئ منها. وسنبين ذلك مبتدئين بالإجماع الذي اتفق عليه أكثر العلماء. بالنسبة للإجماع: أثار البعض كلاما حول الإجماع يتضمن أن بعض الأشخاص أو بعض الفرق قد أنكر حجية الإجماع كدليل شرعى للأحكام وأن البعض أنكر تصور حدوثه وانعقاده على أمر غير ضرورى .. وأن بعض الأئمة ذهب إلى أنه لا إجماع إلا للصحابة أو من عترة الرسول ﷺ أي قرابته. أو لأهل المدينة. وأن من الأئمة من قال: من ادعى الإِجماع فهو كاذب .. وإذا سلم فإنه لم يقم إجماع من المسلمين في موضوع حكم الإِمامة: وما ذكر من ذلك هنا أو هناك لا يعتد به ولا يعتبر دليلا لأنه كان وليد الضغط والإكراه، وتحت بريق السيوف من خلال السلاح. وأخيرا فإن الأصم وبعض الخوارج وغيرهم قد خالفوا في الحكم المدعى الإِجماع عليه وهذا كاف في نقض الإِجماع، فكيف التمسك به مع هذا؟ جاء في كتاب (١) الإِسلام وأصول الحكم للمغفور له الأستاذ على عبد الرازق الوزير السابق في حديثه عن استدلال العلماء والمتكلمين من أهل السنة على وجوب الخلافة وإقامة الخليفة ما يأتى: "زعموا وقد فاتهم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أنه تواتر إجماع المسلمين في الصدر الأول بعد وفاة النبي ﷺ على امتناع خلو الوقت من إمام حتى قال أبو بكر رضى الله عنه في خطبته المشهورة حين وفاته ﵊: "ألا إن محمدًا قد مات ولابد لهذا الدين ممن يقوم به. فبادر الكل إلى قبوله وتركوا له أهم الأشياء وهو دفن رسول الله ﷺ .. ولم يزل الناس على ذلك في كل عصر وإلى زماننا من نصب إمام متبع في كل مصر .. فسلم أن الإِجماع حجة شرعية ولا نثير خلافا في ذلك مع المخالفين. وعلق على هذه العبارة في الهامش بقوله: "الإجماع حجة مقطوع بها عند عامة المسلمين".

стр. 8137

ومن أهل الأهواء من لم يجعله حجة مثل إبراهيم النظام والقاشانى من المعتزلة والخوارج وأكثر الروافض. ثم نسلم أن الإجماع في ذاته ممكن الوقوع والثبوت وعلق في الهامش على هذه العبارة بقوله: "أنكر بعض الروافض والنظام من المعتزلة تصور النقاد الإجماع على أمر غير ضرورى". وذهب داود وشيعته من أهل الظاهر. وأحمد بن حنبل فى إحدى الروايتين عنه إلى أنه لا إجماع إلا للصحابة. وقال الزيدية والإمامية من الروافض: لا يصح الإِجماع إلا من عترة الرسول ﷺ أي قرابته .. ونقل عن مالك ﵀ أنه قال: لا إجماع إلا لأهل المدينة. ا. هـ. راجع كتاب كشف الأسرار لليزدوى (١). ولا نقول مع القائل إن من أدعى الإجماع فهو كاذب. وعلق على هذه العبارة في الهامش بقوله: روى ذلك عن الإِمام أحمد بن حنبل. (راجع تاريخ التشريع الإسلامي لمؤلفه محمد الحضرى (٢)). ويتابع المؤلف كلامه فيقول: أما دعوى الإجماع في هذه المسألة (وجوب الخلافة) فلا نجد مساغا لقبولها على أي حال ومحال إذا طالبناهم بالدليل أن يظفروا بدليل. على أننا مثبتون لك فيما يلى أن دعوى الإجماع غير صحيحة ولا مسموعة سواء أرادوا إجماع الصحابة وحدهم أم الصحابة والتابعين أم علماء المسلمين كلهم بعد أن نمهد لهذا تمهيدا .. وبعد أن أشار إلى أن تاريخ الحركة العلمية عند المسلمين يشير إلى أن حظهم من العلوم السياسية كان أقل وأضعف من حظهم في غيرها وأرجع ذلك إلى السلاطين والخلفاء وعملهم على الحيلولة دون نوسعهم في دراسة العلوم السياسية ونقلها عن اليونانيين مع غيرها حرصا على عروشهم ومراكزهم القائمة على القهر والغلبة لأن هذه العلوم تبحث دائما في نظم الحكم ومبادئه وأنواعه وحقوق الشعوب والأمم وحرياتها فيخشى أن تفتح أذهان المسلمين وعيونهم على ما هم عليه من سوء واستبداد. وقد تكون لذلك أسباب أخرى لا يعنينا أن نستوعبها وإنما الذي يعنينا أن نقرر أن ارتكاز الخلافة على القوة حقيقة واقعة لا ريب فيها. وتستطيع أن تدرك مثلا لذلك في قصة البيعة ليزيد بن معاوية حين قام أحد الدعاة إلى تلك البيعة خطيبا في الحفل الذي أقيم لذلك فأوجز البيان في كلمات لم تدع لذى إربة في القول جدًّا ولا هزلا - قال هذا الداعى "أمير المؤمنين هذا وأشار إلى معاوية فإن هلك فهذا (وأشار إلى يزيد) فمن أبى فهذا (وأشار إلى سيفه) فقال معاوية: اجلس فأنت سيد الخطباء .. إلى أن قال (٣): ونعود بك الآن إلى حيث كنا عند قولهم أن الأمة أجمعت على أن نصب الإِمام فكان ذلك إجماعا دالا على وجوبه .. لو ثبت عندنا أن الأمة في كل عصر سكتت على بيعة الإمامة فكان ذلك إجماعًا سكوتيا - بل لو ثبت أن الأمة بجملتها وتفضيلها قد اشتركت بالفعل في كل عصر في بيعة الإِمامة واعترفت بها فكان ذلك إجماعا صريحا .. لو نقل إلينا ذلك لأنكرنا أن يكون إجماعًا حقيقيا ولرفضنا أن نستخلص منه حكمًا شرعيًا وأن

стр. 8138

نتخذه حجة في الدين .. وقد عرفت من قضية يزيد بن معاوية كيف كانت تؤخذ البيعة ويغتصب الإقرار .. ولو ثبت الإجماع الذي زعموا لما كان إجماعًا يعتد به، فكيف وقد قالت الخوارج لا يجب نصب الإمام أصلا .. وكذلك قال الأمم من المعتزلة وقال غيرهم أيضا كما سبقت الإشارة إليه مثل ذلك وحسبنا في هذا المقام نقضا لهذا الإجماع أن يثبت عندنا خلاف الأصم والخوارج وغيرهم .. وإن قال ابن خلدون بأنهم شواذ. ا. هـ. المناقشة: أما عن حجية الإجماع فقد قال المؤلف نفسه في تعليقه في الهامش: إن الإجماع حجة مقطوع بها عند عامة المسلمين ومن أهل الأهواء من لم يجعله حجة. والواقع أنه لا عبرة بأهل الأهواء ولا مسلك من نازع في حجية الإجماع كدليل. شرعى. فإن الإسلام قد فتح للاجتهاد والنظر في الأدلة والأحكام طريقا واسعًا وكان من سيرة الصحابة رضوان الله عليهم بعد النبي ﷺ ومن تابعهم وأتى بعدهم من العلماء الراسخين إلى الوقت الذي ساد فيه القول بإغلاق باب الاجتهاد - كان من سيرتهم ألا يتقبلوا الأحكام والأقوال والآراء التي تثار فيها إلا أن تستند إلى حجة ظاهرة تفيد القطع في مسائل العقائد أو تعتبر الظن الراجح على الأقل في الأحكام الفرعية وكانت مثل هذه المسائل تطرح على بساط البحث وتداولها أنظارهم في دقة بالغة وعمق وأناة حتى يستقرون فيها على حكم يقررونه بإجماع وتصبح المسألة ويصبح الحكم فيها من الثبوت والاستقرار بحيث لا يبقى لمخالف فيها مجال ولا وجه يلتفت إليه. وخصوصا ما كان من ذلك في عصر الصحابة والذين شهدوا الوحى ووقفوا على روح التشريع ولم يعرفوا في الحق مناصرته هوادة ولا محاباة. ثبت ذلك بالاستقراء والتتبع. فكل رأى يتهجم مبتدعه على خرق إجماع الصحابة أو أهل العلم الراسخين المؤمنين ساقط لا يكلف نظرًا في دليل .. ولا يستدعى بحثا عن حجة: قال الشاطبى (١): "قلما تقع المخالفة لفعل المتقدمين إلا ممن أدخل نفسه في أهل الاجتهاد غلطا أو مغالطة" … ولم تؤخذ حجية الإجماع من الكتاب والسنة من آيات قليلة أو أحاديث معدودة، بل ثبتت بآيات كثيرة وأحاديث شتى .. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا … ﴾ والإجماع هو عنوان سبيل المؤمنين والمعبر عن طريقهم. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ .. فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. فمما فسر به أولو الأمر العلماء وقد أمر الشارع بطاعتهم لأنهم الذين يجتهدون ويستنطبون الأحكام، فإذا أجمعوا على شئ لا تجوز مخالفته ولا الخروج عليه .. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. وفى ذلك دعوة إلى رد ما يختلفون فيه إلى أولى الأمر وهم العلماء .. والمفروض أن الإمام عالم .. ولا معنى للرد إليهم إلا التزام حكمهم وإتباع رأيهم. وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ

стр. 8139

أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ شهد للأمة من حيث هي أمة بالعدالة وأهلية الشهادة. والإجماع عنوان الأمة فيكون إجماعًا على الحق والعدل .. وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ نهى عن التفرق. ومخالفة الإجماع تفرق فيكون محرما وغير جائز لأنه منهى عنه وغير هذه الآيات كثير … وقال النبي ﷺ : "لا تجمع أمتى على ضلالة" وفى رواية: "لا تجتمع أمتى على خطأ" وقال أيضا ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن .. " وهذه الأدلة وإن كانت بالنظر إلى مفرداتها فكل واحد منها ظنية وتفيد الظن من حيث الدلالة إلا أنه ظن راجح يكفى لإثبات الأحكام الفقهية .. وهى في اجتماعها على الدلالة على الحكم وتواردها على موضوع واحد تفيد القطع .. قال الشاطبى في الموافقات (١): الأدلة المعتبرة هنا المستقرأة من جملة أدلة ظنية تضافرت على معنى واحد حتى أفادت القطع. فإن للإجتماع من القوة ما ليس للافتراق. ولأجله أفاد التواتر القطع، وإذا تأملت كون أدلة الإجماع حجة أو خبر الواحد أو القياس حجة، فهو راجع إلى هذا المساق لأن أدلتها مأخوذة من مواضع تكاد تفوق الحصر، فمن خالف في حجية الإجماع فهو محجوج بهذه الأدلة .. ومع ذلك فالمخالفون كما يقول المؤلف من أهل الأهواء. ولا عبرة بهؤلاء. وأما من أنكر تصور حصول الإجماع على أمر غير ضرورى فليس أبلغ في الرد عليه من الرجوع إلى الواقع فقد وقع الإِجماع بالفعل ونقل إلينا ذلك بالتواتر، ثم يستثنون الأمر الضرورى، ويتصورون الإجماع عليه، وحدود التصور واسعة وتقدير الضرورى وغير الضرورى يتفاوت فيه النظر والتصور. وأما القول بأن الإمام أحمد بن حنبل رضى الله عنه قال: من ادعى الإجماع فهو كاذب .. فإن الإمام أحمد لم يرد بقوله هذا الإجماع الأصولى الذي هو من الأدلة الأصلية، وهو اتفاق المجتهدين من أمة محمد ﷺ بعد وفاته فى عصر من العصور على حكم شرعى وإنما يقصد بذلك الرد على بعض العلماء الذين ينظرون إلى المسألة حتى إذا لم يطلعوا على خلاف في حكمها .. قالوا إن الحكم فيها ثابت بالإجماع .. يدل على ذلك ما قاله العلامة ابن القيم (٢): "ولا يقدم. يعنى الإمام أحمد عدم علمه بالمخالف الذي يسميه كثير من الناس إجماعا ويقدمونه على الحديث الصحيح - وقد كذَّب أحمد من ادعى هذا الإجماع، وكذلك الإمام الشافعي فقد نص في رسالته الجديدة على أن ما لا يعلم فيه خلاف لا يقال له إجماع وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبى يقول: ما يدعى فيه الرجل الإجماع فهو كاذب لعل الناس اختلفوا، ولكنه يقول: لا نعلم الناس اختلفوا .. إنه استبعاد لوجود الإجماع في ذلك وحصوله بالفعل - فالإمام أحمد إنما يريد بما قال: أن ينكر على الفقيه أن يسمى عدم علمه بالخلاف إجماعًا … وعلى مثل هذا جرى ابن حزم الظاهرى في كتاب الأحكام حيث قال: تحكم بعضهم فقال: إن قال عالم لا أعلم هنا خلافا فهو إجماع، وإن قال ذلك غير عالم فليس إجماعًا. وهذا قول في غاية الفساد ولا يكون

стр. 8140

إجماعًا ولو قال ذلك محمد بن نصر المروزى - وهو من علماء الشافعية، وكان من أعلم الناس باختلاف الصحابة فمن بعدهم توفى سنة ٢٠٢ كما جاء في طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكى (١). وأما قول المؤلف أنه قد خالف في وجوب الإمامة الخوارج والأصم وغيرهم فلا محل مع هذا الزعم الإِجماع والتمسك به. إذ حسبنا نقضا لدعوى الإجماع أن يثبت عندنا خلاف هؤلاء في الحكم. والواقع أنه لم يخالف في وجوب الإمامة من الخوارج إلا النجدات أصحاب نجدة ابن عامر الحنيفى. وقد نقلنا فيما مضى قول ابن حزم في هذا الصدد واتفق جميع أهل السنة وجميع المرجئة وجميع الشيعة وجميع الخوارج على وجوب الإمامة وأن الأمة يجب عليها الإنقياد لإِمام عادل حاشا النجدات من الخوارج .. وانضم إليهم الأصم من المعتزلة .. وقد قال البعض أن أقوال الطوائف التي يراها أهل السنة على غير حق وخلافاتهم تعتبر لاغية ولا وجود لها .. ولكن الذي اختاره الغزالى والآمدى وغيرهما من الأصوليين أن أقوالهم لا تعتبر لاغية وأن خلافهم في الأحكام يمنع من انعقاد الإجماع .. وإنما يرد على صاحب الإِسلام وأصول الحكم بأن خلاف النجدات والأصم قد وقع بعد انعقاد الإِجماع ممن نقدمهم على وجوب نصب الإمام والمقرر أن حدوث قول بعد انقراض العصر الذي انعقد فيه الإجماع على حكم شرعى لا يؤثر في الإِجماع ولا ينقضه وهو مردود على صاحبه .. ولعل قول إمام الحرمين في الرد على الأصم في غياث الأمم "وهو مسبوق بإجماع من أشرقت عليه الشمس شارقة وغاربة "واتفاق مذاهب العلماء قاطبة" يشير إلى هذا المعنى وهو أن خلافه حدث بعد الإجماع فلا يؤثر فيه على أنهم كما سبق القول قيدوا مخالفتهم وعلقوها على أمر لا يكاد يتحقق فهو خلاف في حكم العدم. وأما القول بأن الإِجماع الذي يعتبر حجة ويثبت به الحكم لم يقع مطلقا وأن ما وقع من ذلك إنما كان تحت ظلال السيوف وضغط القوة والإِرهاب ومثل ذلك لا يمكن أن يعتبر إجماعًا يبنى عليه حكم ويكون حجة فيما يريد العلماء أن يستدلوا به عليه. والاستشهاد على ذلك بقصة بيعة يزيد بن معاوية هذا القول خروج إلى شئ آخر غير الذي يجرى فيه الخلاف وتدور حوله المناقشة. فإن العلماء والمتكلمين من أهل السنة إنما يتحدثون عن حكم الإمامة ووجوب نصب الإمام ويقولون إن إجماع الصحابة والتابعين قد تم وانعقد على ذلك إذ لم يحدث أي خلاف بين أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين لهم بأحياء … وأما مبايعة إمام خاص كأبى بكر رضى الله عنه أو يزيد بن معاوية أو غيرهما فلا يحتاج انقضاء البيعة فيه بل يكفى في انعقادها اتفاق جماعة من أهل الحل والعقد بحيث تكون كلمتهم العليا على من خالفهم .. قال إمام الحرمين في كتاب غياث الأمم: "اتفق المنتمون إلى الإسلام على تفرق المذاهب وتباين المطالب على ثبوت الأمانة" ثم قال: "الإِجماع ليس شرطا عند الإِمامة بإجماع" فاستدلال صاحب الإسلام وأصول الحكم على إبطال الإِجماع على حكم الخلافة ووجوب نصب الخليفة بعدم الإجماع على بيعة يزيد

стр. 8141

ابن معاوية. أو يكون هذا الإجماع وليد ضغط وإكراه مما يجعله عديم الأثر وغير صحيح شرعا. وهذا الاستدلال في غمر محله وهو جمع بين أمرين كل منهما بعيد عن الآخر. إن الإجماع الذي يستند إليه في تقرير الأحكام هو اتفاق مجتهدى الأمة على حكم شرعى والحكم في موضوعنا هو وجوب نصب الإمام. أما مبايعة الشخص المعين بالإمامة فإنه لا يشترط فيها اتفاق مجتهدى الأمة بل المدار في انعقادها على جماعة من أهل الحل والعقد وإن لم يكن فيهم مجتهد واحد .. فلا محل للقول بأن مبايعة فلان كانت وليدة القوة الرهيبة فيكون الإجماع المزعوم باطلا لا يبنى عليه حكم .. ومن باطل القول وزيف الكلام أن يغمز البعض ويشير إلى سكوت الصحابة عن إبداء الرأى في وجوب نصب الإِمام ثم في بيعة أبى بكر بأنه لم يكن عن اقتناع بالأمر ورضاء بما تجرى فيه المشاورة .. ولكن كان مبعثه الخوف والرهبة من البطش .. إذ لم تكن هناك قوة تبطش بلا سلاح يبعث في النفوس الخوف .. والعصر الذي صدع فيه الأصم ونجدة ابن عامر الحنيفى واتباعه بالقول بعدم وجوب نصب الإمام والجهر به على خلاف إجماع سابق من سادة المسلمين وقادتهم في العلم والرأى والاجتهاد وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان .. هذا العصر لم تكن حرية الرأى والجهر بالعقيدة فيه بأحسن حالا من عصر الصحابة الذي قام فيه رجل من عامة الناس وجابه الخليفة العظيم عمر بن الخطاب وفى اجتماع عام وقال له: "والله لو رأينا فيك إعوجاجًا لقومناه بسيوفنا" ويتقبل الخليفة منه ذلك. ويعلن أنه يحمد الله تعالى على أن جعل في المسلمين من يقوم إعوجاج عمر بالسيف. ولا محل للقول بأننا لو رجعنا إلى الواقع ونفس الأمر لوجدنا أن الخلافة في الإِسلام لم ترتكز إلا على أساس القوة الرهيبة وأن تلك القوة كانت إلا في القادر قوة مادية مسلحة .. فلم يكن للخليفة ما يحددا مقامه إلا الرماح والسيوف والجيش المدجج والبأس الشديد، فبتلك دون غيرها يطمئن مركزه ويتم أمره. قد يسهل التردد في أن الثلاثة الأول من الخلفاء الراشدين مثلا أشادوا مقامهم على أساس القوة المادية وبنوه على قواعد الغلبة والقهر .. ولكن أيسهل الشك في أن عليًّا ومعاوية رضى الله عنهما لم يتبوءأ عرش الخلافة إلا تحت ظلال السيف على أسنة الرمح … لا نشك مطلقا في أن الغلبة كانت دائما عماد الخلافة .. ". وللرد على ذلك نبين فيما يلى كيف تمت بيعة الخلفاء الراشدين رضى الله عنهم بما في ذلك بيعة على رضى الله عنه: ففى بيعة أبى بكر الصديق روى البخارى في كتاب الحدود من صحيحه الخطبة التي ألقاها عمر بن الخطاب حاكيا واقعة مبايعة أبى بكر في سقيفة بنى ساعدة، وبعد أن أتى على المناقشة والمحاورة التي دارت بين أبى بكر وبعض الأنصار قال: "" فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى فرقت من الاختلاف". فقلت: أبسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته وبايعته المهاجرون ثم بايعته الأنصار". وفى باب مناقب أبى بكر من صحيح البخارى أيضا أن أبا بكر الصديق قال للأنصار: "بايعوا عمر بن الخطاب أو أبا عبيدة بن الجراح. فقال عمر: بل نبايعك أنت .. فأنت سيدنا وخيرنا

стр. 8142

وأحبنا إلى رسول الله ﷺ .. فأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه الناس". أفأنت ترى من ذلك كيف بويع أبو بكر الصديق .. وأنه بويع في جو هادئ وباختيار كامل .. وليس حوله قوة مال أثر بها فيمن بايعه ولا جند ولا سلاح بعث بهما الرهبة في قلوب البايعين .. ولم تصدر منه كلمة تؤذن بتهديد أو إكراه .. وقصارى - ما وقع في المحاورة التي جرت في السقيفة قبل البيعة كما رواها الثقات ونقلة الأخبار الأنباء في كتب السيرة والتاريخ. أن بعض الأنصار قال للمهاجرين: منا أمير ومنكم أمير .. ورد عليهم أبو بكر بأن هذا الأمر لن يعرف إلا لهذا الحى من قريش. هم أوسط العرب وسطا ودارًا .. ثم أشار عليهم بمبايعة عمر بن الخطاب، أو أبى عبيدة بن الجراح. ولما كثر اللغط وكثرت الأصوات، أوجس عمر خيفة من أن يحدث اختلاف يؤدى بهم إلى عاقبة سيئة. فلم يتمالك أن بسط يده إلى أبى بكر وبايعه وامتدت أيدى المهاجرين والأنصار على أثره فانعقدت البيعة من أهل الحل والعقد عن اختيار منهم. ولو كفوا أيديهم ولم يتابعوه على المبايعة لما انعقدت البيعة كما نص عليه أبو المعالى في كتاب غياث الأمم .. ويبدو أن عمر بن الخطاب وهو اللماح الذي كان يبدى الرأى في الملمات فينزل الوحى من السماء مؤيدا لما رأى. لم يبسط يده لمبايعة أبى بكر إلا بعد أن عرف أن معظم المهاجرين والأنصار يرون رأيه في أن أبى بكر الصديق أحق الناس بالخلافة - يؤيد هذا أن الحاضرين بالسقيفة لم يتباطئوا عن متابعة عمر في المبايعة ثم إن الإِمام ابن جرير الطبرى ذكر في تاريخه المعروف (١) أن أبا بكر الصديق جلس من السند على المنبر وبايعه الناس البيعة العامة بعد بيعة السقيفة … وهؤلاء المبايعون هم أصحاب رسول الله ﷺ الذين جاهدوا في الله حق جهاده، وتعلموا من الرسول ﵇ فضيلة الصراحة وعدم السكوت عن قول الحق مهما ترتب على ذلك، وكذا امتنع سعد بن معاذ سيد الأنصار عن المبايعة في السقيفة بحجة أنه أولى بالإمامة .. ولم يتعرض لشئ مطلقا. وبقى على رأيه حتى مات .. وقد سمى عمر رضى الله عنه مبايعته هذه خلفه وقى الله المسلمين شرها لأنها لم تكن بعد إنهاء المشاورة كما كان متوقعا في مثل هذا الأمر الخطير من أمور المسلمين .. قال شيخ الإسلام ابن تيميه في كتاب منهاج السنة (٢) شارحا قول عمر هذا: "ومعناه أن بيعة أبى بكر بودر إليها من غير تريث ولا انتظار لكونه كان متعينا لهذا الأمر كما قال عمر: ليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبى بكر .. وكان ظهور فضيلة أبى بكر على من سواه وتقديم رسول الله ﷺ على سائر الصحابة أمرًا ظاهرًا معلوما فكانت دلالة النهى على تعيينه تغنى عن مشاورة وانتظار وتريث بخلاف غيره فإنه لا تجوز مبايعته إلا بعد المشاورة والانتظار والتريث " .. ومع كونها فلتة كما قال عمر فإنها لا تجعل مبايعة أبى بكر مأخوذة بالقهر والغلبة. وتخلف بعض المهاجرين أو الأنصار عن البيعة حينا من الزمن مثل على والعباس لا يخل بانعقادها ولا ينفى عنها أن تكون مبايعة اختيارية

стр. 8143

عن رضا واطمئنان إذ المدار على أن الأغلبية، وهى محل الاعتبار ويدار عليها الحكم في جلائل الأعمال والأمور المصيرية للأمة في سائر القوانين الدستورية .. ولو جرى الانتخاب بطريق الاقتراع السرى على العادة المألوفة اليوم .. ما فاز بالإمامة غير أبى بكر الصديق رضى الله عنه. وأما عمر بن الخطاب - فقد استخلفه أبو بكر رضى الله عنه وعهد إليه بالخلافة بعده لما اشتد عليه المرض وأحس بدنو أجله .. والاستخلاف بالعهد طريق من طرق لنعقاد الإمامة بالاتفاق بين العلماء كما سنجيئه عند الكلام على طرق انعقاد الإمامة .. وتذكر كتب السيرة والتاريخ ومؤلفات العلماء والمتكلمين أن أبا بكر أملى على عثمان بن عفان كتاب العهد والاستخلاف وأن عثمان خرج بالكتاب إلى المسلمين المجتمعين .. وقال لهم: أترضون بمن في هذا الكتاب أن يكون إماما وقرأ عليهم الكتاب فرضوا به وبايعوا عمر وبايعه المسلمون بعد وفاة أبى بكر. جاء في شرح المقاصد للسعد التفتازانى (١) "مرض أبى بكر رضى الله عنه مرضه الذي توفى فيه في جمادى الآخرة سنة ثلاثة عشرة من الهجرة بعد ما انقضت من خلافته سنتان وأربعة أشهر وستة أيام. فشاور الصحابة وجعل الخلافة لعمر. وقال لعثمان رضى الله عنه: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم .. هذا ما عهد أبا بكر بن قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجا عنها، وأول عهده بالآخرة داخلا فيها حين يؤمن الكافر ويوقن الفاجر ويصدق الكاذب. إنى استخلفت عمر بن الخطاب .. فإن عدل فذلك ظنى به ورأيى فيه، وإن بدل ما جاء فلكل امرئ ما اكتسب من الإِثم. والخير أردت ولا أعلم الغيب وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، وعرضت الصحيفة على جملة الصحابة فبايعوا من فيها حتى مرت على عليٍّ رضى الله عنه فقال: بايعت لمن فيها وإن كان عمر .. فانعقدت له الإمامة بنص الإِمام وإجماع أهل الحل والعقد من المهاجرين والأنصار .. ويقول شيخ الإسلام ابن تيميه في كتاب منهاج السنة (٢) في هذا الصدد: "وبايعه المسلمون بعد وفاة أبى بكر فصار إماما لما حصلت له القدرة بمبايعتهم" وتم الأمر لعمر رضى الله عنه بإجماع المسلمين ورضاهم دون ضغط ولا إكراه ولا وعيد ولا إغراء .. وأما عثمان رضى الله عنه فقصة مبايعته أن عمر بن الخطاب لما طعنه الشقى أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة وهو في الصلاة وأحس بالموت، قيل له استخلف. فقال: إن استخلف فقد استخلف من هو خير منى - يريد أبا بكر رضى الله عنه - وإن لم استخلف فلم يستخلف من هو خير منى - يريد النبي ﷺ ثم قال: ما أجد الحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفى رسول الله ﷺ وهو عنهم راض فسمى عليا وعثمان والزبير وطلحة وسعد بن أبى وقاص وعبد الرحمن بن عوف جعل الخلافة شورى بينهم وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر وليس له من الأمر شئ .. ثم إنه خرج من الأمر طلحة والزبير وسعد باختيارهم .. "وبقى على وعثمان وعبد الرحمن بن عوف. واتفق الثلاثة على أن عبد الرحمن بن عوف لا يتولى ويولى أحد الرجلين وأقام عبد الرحمن ثلاثا حلف

стр. 8144

أنه لم يغتمض فيها بكثير نوم بشأن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان .. ثم أخذ بيد على رضى الله عنه وقال: تبايعنى على كتاب الله وسنة رسول الله وسيرة الشيخين أبى بكر وعمر؟ فقال على: أبايعك على كتاب الله وسنة رسول الله واجتهد برأيى. ثم قال: مثل ذلك لعثمان. فأجابه إلى ما دعاه وكرر عليهما ثلاث مرات وأجاب كل منهما بما أجاب به أولا .. فبايع عثمان وبايعه الناس ورضوا بإمامته وتمت له البيعة من المسلمين بالرضا والاختيار لا عن رغبة أعطاهم إياها ولا عن رهبة أخافهم بها .. وقال ابن تيمية في كتاب منهاج السنة (١) "لم يصر عثمان إماما باختيار بعضهم بل لمبايعة الناس له. وجميع المسلمين بايعوا عثمان بن عفان لم يتخلف عن بيعته أحد" وقال الإمام أحمد: "ما كان من القوم من بيعة عثمان كانت بإجماعهم". وقول على رضى الله عنه - واجتهد برأيى ليس خلافا منه في إمامة الشيخين بل ذهابا إلى أنه لا يجوز للمجتهد تقليد مجتهد آخر بل عليه إتباع اجتهاده .. وكان من مذهب عثمان وعبد الرحمن أنه يجوز إذا كان الآخر أعلم وأبصر بوجوده القياس .. وأما على بن أبى طالب رضى الله عنه فقد جاء في تاريخ ابن جرير الطبرى (١) بأن المهاجرين والأنصار اجتمعوا بعد مقتل عثمان رضى الله عنه وأتوا عليا وقالوا له: يا أبا حسن: هل نبايعك؟ فقال: لا حاجة لى في أمركم وأنا معكم فمن اخترتم فقد رضيت به - فاختاروا والله. فقالوا: ما نختار غيرك ثم اختلفوا إليه مرارًا. ثم أتوه في آخر ذلك. فقالوا: إنه لا يصلح الناس إلا بهذا الأمر. وفى رواية أخرى: "أنه قال لهم: لا تفعلوا فإنى أكون وزيرا خير من أن أكون أميرًا .. فقالوا: لا والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك. قال: ففى المسجد فإن بيعتى لا تكون خفيا ولا تكون إلا عن رضا المسلمين. وقال عبد الله بن عباس: فلقد كرهت أن يأتى المسجد مخافة أن يشغب عليه. وأبى هو إلا المسجد .. فلما دخل المهاجرون والأنصار فبايعوه ثم بايعه الناس .. ". وفى شرح المقاصد (٣): ثم خرج على عثمان بعد اثنتى عشرة سنة من خلافته رعاع وأوباش من كل أدب وأرذال من خزاعة ليس فيهم أحد من كبار الصحابة وأهل العلم ومن يعتد به من أوساط الناس فقتلوه ظلما وعدوانا في ذى الحجة سنة خمس وثلاثين. ولو استحق القتل أو الخلع لما ترك أكابر الصحابة ومن بقى من أهل الشورى ومن المبشرين بالجنة ذلك إلى جمع من الأوباش والأرذال ومن لا سابقة له في الإسلام ولا علم بشئ من أمور الدين .. ثم اجتمع الناس بعد ثلاثة أيام وقيل خمسة أيام على عليٍّ رضى الله تعالى عنه والتمسوا منه القيام بأمر الخلافة لكونه أولى الناس بذلك وأفضلهم في ذلك الزمان فقبله بعد امتناع كثير ومدافعة طويلة، وبايعه جماعة ممن حضر منهم خزامة بن ثابت وأبو الهيثم بن الشهابى ومحمد بن مسلم وعمار وأبو موسى الأشعرى وعبد الله بن عباس وغيرهم. وكذا طلحة والزبير وكذا بايعه عبد الله بن عمر وسعد بن أبى وقاص

стр. 8145

ومحمد بن مسلمة - إلا أنهم استعفوا فيما بعد من القتال مع أهل القبلة بقيادته لما رووا في هذا المعنى من الأحاديث .. وانعقدت خلافة على بالبيعة واتفاق أهل الحل والعقد. وقد دلت على خلافته أحاديث كقوله ﷺ : "الخلافة بعدى ثلاثون سنة"، وقوله ﵇ لعلى رضى الله عنه: "إنك مقاتل الناكثين والمارقين والقاسطين" .. وقوله ﵇ لعمار: "تقتلك الفئة الباغية، وقد قتل يوم صفين تحت راية على رضى الله عنه في حربه مع معاوية وأهل الشام. ومن المتكلمين من يرى أن هناك إجماعا على خلافته لأنه انعقد الإجماع زمان الشورى بعد عمر على أن الخلافة لعثمان أو على وهو إجماع على أنه لولا عثمان فهى لعلى. فحين خرج عثمان من البين بالقتل بقى الأمر لعلى بالإجماع .. قال إمام الحرمين: لا اكتراث بقول من قال: لا إجماع على إمامة على رضى الله تعالى عنه .. فإن الإمامة لم تجحد له. وإنما هاجت الفتن لأمور أخرى. ولعل مما يلقى ضوء على هذه الأمور الأخر التي يقول إمام الحرمين إنما هاجت الفتن لأجلها ما ذكره السعد (١) التفتازانى في حديثه عن وجوب تعظيم الصحابة رضوان الله عليهم: "وأما توقف على في بيعة أبى بكر فيحمل على أنه لما أصابه من الكآبة والحزن لفقد رسول الله ﷺ فلم يتفرغ للنظر والاجتهاد ولما انتهى الأمر نظر وظهر له الحق ودخل فيما دخلت فيه الجماعة .. وأما توقفه عن نصرة عثمان رضى الله عنه ودفع الغوغاء عنه. فلأن عثمان لم يرض بذلك ولم يأذن فيه، وكان يتجافى عن الحرب وإراقة الدماء حتى قال: من وضع السلاح من غلمانى فهو حر .. ومع هذا فقد دفع عنه الحسنان أبنا على رضى الله عنهما ولم ينفع وكان ما كان ولم يكن رضا من علي بذلك وأعانه عليه .. ولهذا قال: ما قتلت عثمان ولا مالأت عليه .. وتوقف في قبول البيعة إعظاما لقتل عثمان وإنكارًا .. وكذا طلحة والزبير إلا أن من حضر من وجوه المهاجرين والأنصار أقسموا عليه وناشدوه الله في حفظ بقية الأمة وصيانة دار الهجرة إذ أن قتلة عثمان قصدوا الاستيلاء على المدينة والفتك بأهلها وكانوا جهلة لا سابقة لهم في الإسلام ولا علم لهم بأمر الدين ولا صحبة مع الرسول ﷺ فقبل البيعة: وتوقفه عن قصاصى قتلة عثمان رضى الله عنه إما لشوكتهم وكثرتهم وقوتهم وحرصهم على الخروج على من يطالبهم بدمه فاقتضى النظر الصائب تأخير الأمر احترازًا عن إثارة الفتنة .. وأما لأنه رأى أنهم بغاة لما لهم من المنعة الظاهرة والتأويل الفاسد حيث استحلوا دمه بما أنكروا عليه من الأمور .. وأن الباغى إذا انقاد لإمام أهل العدل لا يؤاخذ بما سبق منه من إتلاف أموالهم وسفك دمائهم على ما هو رأى بعض المجتهدين … وامتناع جماعة من الصحابة لسعد بى أبى وقاص وسعيد بن زيد وأسامة بن زيد وعبد الله بن عمر وغيرهم عن مناصرة على والخروج معه إلى الحرب لم يكن عن نزاع منهم في إمامته ولا عن إباء عما وجب عليهم من طاعته بل لأنه تركهم واختيارهم في ذلك من غير الزام على الخروج إلى الحرب فاختاروا ذلك بناء على أحاديث رووها على ما قال محمد بن مسلمة أن رسول الله ﷺ عهد إلى إذا وقعت الفتنة أن

стр. 8146

أكسر سيفى واتخذ مكانه سيفا من خشب .. وروى سعد بن أبى وقاص - ستكون بعدى فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشى، والماشى فيها خير من الساعى … وأما واقعة الجمل، فإن عليا رضى الله عنه قاتل ثلاث فرق من المسلمين على ما قال النبي ﷺ : إنك تقاتل الناكثين والمارقين والقاسطين … فالناكثون هم: الذين نكثوا عهد على ونقضوا بيعته وخرجوا إلى البصرة يتقدمهم طلحة والزبير رضى الله عنهما وقاتلوا عليًّا رضى الله عنه بعسكر تتقدمهم أم المؤمنين السيدة عائشة رضى الله عنها في هودج على جمل أخذ بخطامه كعب بن سور فسمى ذلك الحرب حرب الجمل وكان الحامل عليه المطالبة بدم عثمان رضى الله عنه. والمارقون هم: الذين نزعوا اليد من طاعة على رضى الله عنه بعد ما بايعوه وتابعوه في حرب أهل الشام زعما منهم أنه كفر حيث رضى بالتحكيم وهم الخوارج وذلك أنه لما استمرت محاربة على رضى الله عنه ومعاوية بصفين وطالت. اتفق الفريقان على تحكيم أبى موسى الأشعرى وعمرو بن العاص في أمر الخلافة وعلى الرضا بما يريانه .. فاجتمع الخوارج على عبد الله بن وهب المرايسى وساروا إلى النهر وسار إليهم على بعسكره وكسرهم وقتل الكثير منهم .. وذلك حرب الخوارج وحرب النهروان. والقاسطون هم: معاوية وإتباعه الذين اجتمعوا عليه وعدلوا عن طريق الحق الذي هو بيعة على والدخول في طاعته ذهابا إلى أنه مالأ على قتل عثمان رضى الله، عنه حيث ترك معاونته وجعل قتلته خواصه وبطانته. فاجتمع الفريقان بصفين وهى قرية خراب من قرى الروم على خلوة من الفزات، ودامت الحرب بينهم شهورا فسميت حرب صفين .. والذي اتفق عليه أهل الحق أن المصيب في جميع ذلك على ما ثبت من إمامته بيعة أهل الحل والعقد .. وتكاثر من الأخبار في كون الحق معه .. وما وقع عليه الاتفاق حتى من الأعداء على أنه أفضل أهل زمانه وأنه لا أحق بالإمامة منه. والمخالفون بناة لخروجهم على الإمام الحق بشبهة هي تركه القصاص من قتلة عثمان رضى الله عنه ولقول النبي ﷺ لعمار: تقتلك الفئة الباغية. وقد قتل يوم صفين على يد أهل الشام. ولقول على رضى الله عنه: إخواننا بغوا علينا وليسوا كفارًا ولا فسقة ولا ظلمة لما لهم من التأويل وإن كان باطلا .. فغاية الأمر أنهم أخطأوا في الاجتهاد وذلك لا يوجب التضييق فضلا عن التكفير .. ولهذا منع على على أصحابه من لعن أهل الشام. وقال: إخواننا بغوا علينا .. كيف وقد صح ندم طلحة والزبير رضى الله عنهما وانصراف الزبير رضى الله عنه عن الحرب .. واشتهر ندم عائشة رضى الله عنها. والمحققون من أصحابنا على أن حرب الجمل كانت فلتة من غير قصد من الفريقين، بل كانت تهييجا من قتلة عثمان حيث صاروا فرقتين واختلطوا بالعسكرين وأقاموا الحرب خوفا من القصاص .. وقصد عائشة رضى الله عنها لم يكن إلا الإصلاح الطائفتين وتسكين الفتنة، فوقعت في الحرب. وما ذهب إليه الشيعة من أن محاربى على

стр. 8147

كفرة، وأن مخالفيه فسقة تمسكا بقوله ﷺ : حربك يا على حربى. وبأن الطاعة واجبة وترك الواجب فسق .. فمن اجتراءاتهم وجهالاتهم حيث لم يفرفوا بين ما يكون بتأويل واجتهاد وما لا يكون كذلك .. نعم .. لو قلنا بتكفير الخوارج بناء على تكفيرهم عليا لم يبعد لكنه بحث آخر .. فإن قيل لا كلام في أن عليا أفضل وأعلم وفى باب الاجتهاد أكمل .. لكن من أين لكم أن اجتهاده في هذه المسألة وحكمه بعدم القصاص على الباغى أو باشتراط المنعة .. صواب واجتهاد القائلين بالوجوب خطأ ليصح لهم مقاتلتهم؟. وهل هذا إلا كما إذا خرج طائفة على الإمام، وطلبوا منه الاقتصاص ممن قتل مسلمًا بالثقل؟ قلقا ليس قطعنا بخطئهم في الاجتهاد عائدًا إلى حكم المسألة نفسه، بل اعتقادهم أن عليا يعرف القتلة بأعيانهم ويقدر على الاقتصاص منهم .. كيف وقد كانت عشرة آلاف من الرجال يلبسون السلاح وينادون أننا كلنا قتلة عثمان .. وبهذا يظهر فساد ما ذهب إليه عمرو بن عبيدة وواصل بن عطاء من أن المصيب إحدى الطائفتين ولا نعلمه على التعيين .. وكذا ما ذهب إليه البعض من أن كلتا الطائفتين على الصواب بناء على تصويب كل مجتهد .. وذلك لأن الخلاف إنما هو فيما إذا كان كل منهما مجتهدا في الدين على الشرائط المذكورة في الاجتهاد لا في كل من يتخيل شبهة واهية ويتأول تأويلا فاسدًا .. وقد يكون من المفيد أن ننقل باختصار ما قاله العلامة ابن خلدون في هذا الشأن ليظهر واضحا ما ارتكزت عليه خلافة على وقامت على أساسه في نظر العلماء والمحققين … قال في الفصل الثامن والعشرين من مقدمته عن نظرة الصحابة إلى الخلافة وإيثارهم أمور الدين على كل شئ: "فهذا عثمان لما حُصِر في الدار جاءه الحسن والحسين وعبد الله بن عمرو وابن جعفر وأمثالهم يريدون المدافعة عنه فأبى ومنع من سل السيوف من المسلمين مخافة الفرفة وحفظا للألفة التي بها حفظ الكلمة ولو أدى إلى هلاكه .. وهذا عليّ أشار عليه المغيرة لأول ولايته باستبقاء الزبير ومعاوية وطلحة على أعمالهم حتى يجتمع الناس على بيعته وتتفق الكلمة .. وله بعد ذلك ما شاء من أمره وكان ذلك من سياسة المُلْك فأبى على فرارًا من الغسن الذي ينافيه الإِسلام .. وغدا عليه المغيرة من الغداة فقال: لقد أشرت عليك بالأمس بما أشرت ثم عدت إلى نظرى فعلمت أنه ليس من الحق والنصيحة وأن الحق فيما رأيته أنت .. فقال على: لا والله. بل أعلم أنك نصحتنى بالأمس وغششتنى اليوم. ولكن منعنى مما أشرت به زائد الحق". وقال في الفصل الثلاثين: فأما واقعة على فإن الناس كانوا عند مقتل عثمان متفرقين في الأمصار فلم يشهدوا بيعة على والذين شهدوا منهم من بايع ومنهم من توقف حتى يجتمع الناس ويتفقوا على إمام .. ومن الذين بايعوه من عدل عن بيعته إلى المطالبة بدم عثمان وتركوا الأمر فوضى حتى يكون شورى بين المسلمين وظنوا بعلى هوادة في السكوت عن نصر عثمان من قاتليه لا في الممالأة عليه فحاش لله من ذلك .. ولقد كان معاوية إذا صرح بملامة على إنما يوجهها عليه في سكوته فقط … ثم اختلفوا بعد ذلك فرأى على أن بيعته قد انعقدت ولزمت من تأخر عنها باجتماع من

стр. 8148

اجتمع عليها بالمدينة دار النبي ﷺ وموطن الصحابة وأرجأ الأمر في المطالبة بدم عثمان إلى اجتماع الناس واتفاق الكلمة فيتمكن حينئذ من ذلك .. ورأف الآخرون أن بيعته لم تنعقد لإفتراق الصحابة أهل الحل والعقد .. بالآفاق ولم يحضر إلا قليل ولا تكون البيعة إلا باتفاق أهل الحل والعقد .. وأن المسلمين حينئذ فوضى فيطالبون أولا بدم عثمان ثم يجتمعون على إمام .. وذهب إلى هذا معاوية وعمرو بن العاص وأم المؤمنين عائشة وطلحة والزبير .. إلا أن أهل الثاني من بعدهم اتفقوا على انعقاد بيعة على ولزومها للمسلمين أجمعين وتصويب رأى على فيما ذهب إليه .. وتعيين الخطأ من جهة معاوية ومن كان على رأيه وخصوصا طلحة والزبير لانتقاضهما على على بعد البيعة له فيما نقل مع وقع التأثيم عن كل من الفريقين كالشأن في المجتهدين. وصار ذلك إجماعا من أهل العصر الثاني على أحد قولى العصر الأول كما هو معروف. ويتضح من هذا كله أن بيعة على رضى الله عنة بالخلافة تمت في المدينة وبين أهلها من أصحاب رسول الله ﷺ المهاجرين والأنصار ووجوه الناس وأهل الحل والعقد فيهم في جو هادئ وبمحض الرضا والاختيار .. ثم ثبتت فتنة المطالبة بدم عثمان رضى الله عنه والقصاص من قتلته واعتبار ذلك في مجال النظر الأول .. والخروج على عليٍّ واتهامه بالسكوت والمماطلة في ذلك. وليس أدل على بيعة على بالمدينة وأنها تمت من أهل الحل والعقد بالرضا والاختيار من إجماع مجتهدى وعلماء وأهل القرن الثاني على صحتها وسلامتها وكلام ابن حزم صريح وقاطع في أنه لم يكن خلاف ولا قتال على بيعة علي وإمامته وأن إمامته حق لا شك فيه .. وليس الكلام في إمامة الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم وكيف تمت وعلى أي أساس قامت وما صاحبها وأحاط بها من ظروف وأحوال وتصرفات من باب الاستطراد في القول أو التزيد في الموضوع - بل هو من صميم الموضوع وقد عرض له وبسطه كل العلماء والمتكلمين الذين كتبوا في موضوع الإمامة. وإلى هنا تم الكلام على الإجماع واستدلال أهل السنة به على وجوب نصب الإمام وسلامة هذا الاستدلال .. وننتقل بعد ذلك إلى استدلالهم بالدليل النظرى … وأما بالنسبة للدليل النظرى المبنى على القواعد الشرعية فقد رأينا مما سبق أن كل العلماء والمتكلمين الذين بحثوا في ذلك قد استدلوا بهذا الدليل وتبعهم في ذلك المغفور له الأستاذ الشيخ محمد بخيت المطيعى مفتى الديار المصرية سابقًا. إذ قال في كتابه القول المفيد على الرسالة المسماة وسيلة العبيد في علم التوحيد (١): "إن نصب الإمام يتوقف عليه إظهار الشعائر الدينية وصلاح الرعية .. وذلك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر الذين هما فرضان بلا شك .. وبدون نصب الإمام لا يمكن القيام بهما وإذا لم يقم بهما أحد لا تنتظم أمور الرعية. بل يقوم التناهب فيما بينهم مقام التواهب ويكثر الظلم وتعم الفوضى .. ولا تفصل الخصومات التي هي من ضروريات المجتمع الإنسانى ..

стр. 8149

ولا شك أن ما يتوقف عليه الفرض فرض .. لكان نصب الإمام فرضا كذلك .. ومثل الأمر والنهى في التوقف على نصب الإمام الكليات الست التي تجب المحافظة عليها بالزواجر والحدود التي بينها الشارع لا بغير ذلك .. والكليات الست هي: حفظ الدين - وحفظ النفس .. وحفظ العقل .. وحفظ النسب .. وحفظ المال .. وحفظ العرض .. " ا. هـ. وقد نقل صاحب الإسلام وأصول الحكم هذا الاستدلال بنصه (١): "ولكن المنصفين من العلماء والمتكلفين منهم قد أعجزهم أن يجدوا في كتاب الله تعالى حجة لرأيهم فانصرفوا عنه إلى ما رأيت من دعوى الإجماع تارة ومن الالتجاء إلى أقيسة المنطق وأحكام العقل تارة أخرى" فهو يسمى طريق الاستدلال الذي نحاه الأستاذ الشيخ محمد بخيت ومن تقدمه من علماء الكلام قياسا منطقيا وحكما عقليا .. وهذا مما يخيل للقارئ أن هذا الدليل خارج عن الأدلة الشرعية .. مع أنه راجع إلى الأدلة الشرعية وقائم على أساسها كما يشهد بذلك قول العلماء أن نصب الإمام عندنا واجب سمعا لوجهين: الوجه الأول: الإجماع، والثانى هذا الدليل. وبيان أن هذا الدليل قائم على نظر شرعى أن استنباط الأحكام الشرعية يعتمد على نظرين: أحدهما: يتعلق بالأدلة السمعية التي يقع منها الاستنباط مباشرة في ضوء القواعد التي قررها علماء الأصول واتخذ منها كل مجتهد أساسًا لإِجتهاده واستنباطه .. وثانيهما: يرجع إلى وجوه الدلالات المعتد بها في الاستعمال اللغوى والشرعى .. أما الأدلة السمعية فهى الكتاب والسنة والإجماع .. وأما وجوه الدلالات فدلالة بالمنطوق ودلالة بالمفهوم .. ودلالة بالعقول .. ويندمج في دلالة المعقول القياس .. وهو الأصل الرابع في الأدلة .. ونتيجة ذلك انحصار الأدلة الشرعية العالية أو الأصلية في الكتاب والسنة والإجماع والقياس مع أدلة أخرى ترجع إلى هذه الأصول وهى القواعد الشرعية المقطوع بصحتها والتي استنتجها العلماء من الشريعة والنصوص بالتتبع والاستقراء واستقصاء الفروع والجزئيات المتفرعة عن الكليات والأصول العامة كقاعدة "الضرر يزال" وقاعدة "المشقة تجلب التيسير" وقاعدة "العادة محكمة" وقاعدة "ما لا يتم الواجب المطلق إلا به وكان مقدورًا فهو واجب" وقاعدة "الضرورات تبيح المحظورات" وغير ذلك من القواعد التي اتفق عليها العلماء .. فإن مثل هذه القواعد لم يقررها العلماء بمحض العقل أو مجرد التفريع على كلمة المصلحة والمفسدة إجمالا ودون بحث واستقراء .. بل أنهم رجعوا في كل قاعدة إلى استقراء موارد كثيرة من جليات الشريعة وجزئياتها حتى تحققوا قصد الشارع إليها واعتباره إياها في تقرير الحكم .. وأصبحت بمنزلة الخبر المتواتر في وقوعها موقع اليقين .. وقال ابن حزم في كتابه: الفصل في الملل والأهواء والنحل (٢) أنه قد صح ووجب فرض الإمامة بما ذكرنا من الأدلة على ذلك من قبل في إيجاب الإمامة وإذ هي فرض فلا يجوز تضييع الفرض .. وإذ ذاك كذلك فالمبادرة إلى تقديم إمام عند موت الإِمام فرض واجب ..

стр. 8150

وقد ذكرنا وجوب الائتمام بالإمام، فإذ هذا كله كما ذكرنا .. فإذا مات عثمان رضى الله عنه وهو الإمام ففرض إقامة إمام بدله يأتم به الناس لئلا يبقوا بلا إمام فإذا بادر علي إلى ذلك وبايعه واحد من المسلمين فصاعدا فهو إمام قائم وطاعته فرض لا سيما ولم تتقدم بيعته بيعة لأحد غيره، ولم ينازعه الإِمامة أحد مطلقا .. فهذا أوضح في وجوب إمامته وصحة بيعته ولزوم إمارته للمؤمنين فهو الإِمام بحقه وما ظهر منه قط إلى أن مات رضى الله عنه شئ يوجب نقض بيعته، وما ظهر منه قط إلا العدل والجبر والبر والتقوى ولو سبقت بيعة طلحة والزبير أو من يستحق الإمامة لكانت أيضًا بيعة حق لازمة لعلي ولغيره فعلي مصيب في الدعاء لنفسه والدخول تحت طاعته .. وهذا برهان لا يحيد عنه .. وأما أم المؤمنين عائشة والزبير وطلحة رضى الله عنهم ومن كان معهم فما أبطلوا قط إمامة على ولا طعنوا فيها ولا ذكروا فيه جرحة تحطه عن الإِمامة ولا أحدثوا إمامة أخرى ولا جددوا بيعة لغيره .. هذا ما لا يقدر أن يدعيه أحد بوجه من الوجوه بل يقطع كل ذى علم أن كل ذلك كذلك .. فإذ لا شك في هذا فقد صح صحة ضرورية لا إشكال فيها .. إنهم لم يمضوا إلى البصرة لحرب على ولا خلافا عليه ولا نقضا لبيعته. ولو أرادوا ذلك لأحدثوا بيعة غير بيعته، هذا ما لا شك فيه أحد .. وإنما نهضوا إلى البصرة لسد الفتق الحادث في الإسلام من قتل أمير المؤمنين عثمان رضى الله عنه ظلما .. وبرهان ذلك أنهم اجتمعوا ولم يقتتلوا ولا تحاربوا .. فلما كان الليل عرف قتلة عثمان أن التدبير عليهم فذهبوا إلى عسكر طلحة والزبير واعملوا السيف فيهم فدفع القوم عن أنفسهم حتى خالطوا عسكر علي فدفع أهله عن أنفسهم وكل طائفة تظن .. ولا شك أن الأخرى بدأتها بالقتال واختلط الأمر اختلاطا لم يقدر أحد فمه أكثر من الدفاع عن نفسه .. والفسقة من قتلة عثمان لا يفترون عن شن الحرب وإضرامه .. فكلتا الطائفتين .. أهل الجمل وقوم علي مصيبة في غرضها ومقصدها مدافعة عن نفسها ورجع الزبير وترك الحرب بحالها، وأتى طلحة سهم عابر وهو قائم لا يدرى حقيقة ذلك الاختلاط فصادف جرحا في ساقه كان أصابه يوم أحد بين يدى رسول الله ﷺ فانصرف ومات من وقته .. وقتل الزبير رضى الله عنه بوادى السباع على أقل من يوم البصرة .. فهذا كان الأمر، وكذلك كان قتل عثمان إنما حاصره المصريون ومن لف منهم يريدونه على إسلام مروان إليهم وهو يأبى لعلمه أنه إن أسلمه قتلوه دون تثبت. وكان جماعات من الصحابة فيهم الحسن والحسين ابنا على وعبد الله بن الزبير ومحمد بن طلحة وأبو هريرة وعبد الله بن عمر وغيرهم في نحو سبعمائة من الصحابة وغيرهم معه في الدار يحمونه وينفلتون إلى القتال فيردعهم إلى أن تسوروا عليه من خوخة في دار ابن حزم الأنصارى جاره وقتلوه غيلة .. فما رضى أحد بقتله ولا علموا أنهم يريدون قتله لأنه لم يأت بشئ يبيح قتله. ودفن من ليلته رضى الله عنه وشهد دفنه طائفة من الصحابة .. وليس صحيحا أن عليا تركه بلا دفن ثلاثة أيام مطروحًا على مزبلة، ولو فعل لكانت جرمة فيه، والكافر الميت لا يفعل به ذلك .. وأما أمر معاوية رضى الله عنه فبخلاف ذلك ولم يقاتله علي رضى الله عنه لامتناعه عن بيعته لأنه كان يسعه في ذلك ما وسع ابن عمر وغيره ممن لم يبايعوا عليا في المدينة .. ولم يقاتل أحدًا

стр. 8151

منهم ولكن قاتله لامتناعه من إنفاذ أوامره في جميع أرض الشام وهو الامام الواجبة طاعته .. فعلى هو المصيب في هذا ولم ينكر معاوية قط فضل على واستحقاقه الخلافة ولكن اجتهاده أداه إلى أن رأى تقديم أخذ الشهود من قتلة عثمان رضى الله عنه على البيعة .. ورأى نفسه أحق بطلب دم عثمان والكلام فيه .. من ولد عثمان وولد الحكم بن أبي العاص لسنه ولقوته على الطلب بذلك كما أمر رسول الله ﷺ عبد الرحمن بن سهل الذي قتل بخيبر حين أراد الكلام في أمر دم أخيه - أمن بالسكوت وقال له كبركبر - ورد - لى الكبر الكبر - فسكت عبد الرحمن - وتكلم مُحَيِّصَهَ وحُرَيِّصَة ابنا مسعود وهما ابنا عم المقتول. لأنهما كانا أكبر سنا من أخيه عبد الرحمن - ومن هنا رأى معاوية أنه أحق بالمطالبة بدم عثمان ولم يطلب إلا ما كان له من الحق أن يطلبه .. وأصاب في ذلك الأثر الذي ذكرنا .. ولكنه أخطأ في تقديمه هذا الطلب على البيعة لعلى فله أجر الاجتهاد في ذلك ولا إثم عليه فيما أخطأ فيه كسائر المخطئين في الدين الذين أخبر رسول الله ﷺ أن لهم أجرًا واحدًا وللمصيب أجرين .. ولا عجب أعجب ممن يجيز الاجتهاد في الدماء والفروج والأنساب والأموال والشرائع كالتحليل والتحريم والإيجاب ويعذر المخطئين في ذلك .. ويرى ذلك لليث والبتى وأبى حنيفة والثورى ومالك والشافعى وأحمد وداود وإسحاق وأبى ثور وغيرهم كزفر وأبى يوسف ومحمد والحسن بن زياد بن القاسم وأشهب وابن الماجشون والمزنى وغيرهم .. فواحد من هؤلاء يبيح دم هذا الإنسان وآخر منهم يحرمه كمن حارب ولم يقتل أو عمل عمل دوم لوط .. وواحد منهم يبيح هذا الفرج وآخر منهم يحرمه كبكر أنكحها أبوها وهى بالغة عاقلة بدون إذنها أو رضاها .. ثم يضيفون ذلك على من له الصحبة والفضل والعلم والتقدم والاجتهاد وكمعاوية وعمرو بن العاص ومن معهما من الصحابة. وقد علمنا أن من لزمه حق واجب وامتنع من أدائه وقاتل دونه. فإنه يجب على الإمام أن يقاتله وإن كان منا، أفبهذا قطعنا على صواب على وصحة إمامته وأنه صاحب الحق .. وله أجران .. أجر الاجتهاد وأجر الإصابة .. وقطعنا أن معاوية رضى الله عنه ومن معه مخطئون مجتهدون لهم أجر واحد .. وأيضا ففى الحديث الصحيح أن النبى ﷺ أخبر أن مارقة تمرق بين طائفتين من أمته وأن أولى الطائفتين بالحق نقتلها .. وهم الخوارج مرقوا بين أصحاب على وأصحاب معاوية لقتلهم على وأصحابه .. فصح أنهم أولى الطائفتين بالحق. وفى حديث أن عمارًا تقتله الفئة الباغية وقد قتل بصفين من أهل الشام وأصحاب معاوية فهم باغون .. قتله أبو العادية بسار بن سبع السلمى .. وهو صحابى شهير شهد بدرا .. ولكنه مجتهد متأول مخطئ .. الذي لا تخالجه ريبة .. قال الشاطبى في الموافقات: إن المجتهد إذا استقرأ معنى عاما من أدلة خاصة واضطر وله ذلك المعنى لم يفتقر بعد ذلك إلى دليل خاص على خصوص نازلة بعينها بل يحكم عليها وإن كانت خاصة بالدخول تحت عموم المعنى الذي انتهى إليه من استقراء الجزئيات والأدلة الخاصة كالنصوص بصيغة عامة .. والعلماء حين يستدلون على وجوب نصب الإمام بأن ترك الناس فوضى لا يجمعهم على الحق جامع، ولا يزعهم عن الباطل وازع. يفضى إلى تبدد الجماعة وإضاعة الدين وإنتهاك

стр. 8152

حرمة الأموال والأنفس والأعراض .. ويحول دون القيام بواجب المحافظة على الدين والنوع الإنسانى والقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر - العلماء حين يفعلون ذلك إنما يطبقون قاعدة شرعية متفقا عليها وهى قاعدة: "الضرر يزال" أو قاعدة " ما لا يتم الواجب المطلق إلا به وكان مقدورا فهو واجب" وقد صرح الأستاذ الشيخ بخيت في تعبيره عن هذا الدليل بقوله: "ولا شك أن ما يتوقف عليه الفرض فرض" وهى نفس القاعدة. فالدليل في الواقع دليل شرعى أساسه قواعد شرعية متفق عليها. وأما الاستدلال بالكتاب: فقد قطع صاحب الإسلام وأصول الحكم بأنه لا يوجد دليل ولا شبه دليل في كتاب الله تعالى على وجوب نصب الإمام ولو كان في الكتاب دليل لما تردد العلماء في التنويه والإشادة به .. بل لو كان فيه شبه دليل على ذلك لوجد من يحاول أن يتخذ من شبه الدليل دليلا .. لكنهم لم يجدوا وبالتالى لم يحاولوا أو يستدلوا بشئ من الكتاب .. ثم قال (١): "هنالك بعض آيات من القرآن كنا نحسب من الحق علينا أن نبين لك حقيقة معناها حتى لا يخيل إليك أنها تتصل بشئ من أمر الإمامة مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. ولكنا لم نجد من يزعم أن يجد في شئ من تلك الآيات دليلا ولا من يحاول أن يتمسك بها. لذلك لا نطيل القول فيها تجنبا للغو البحث والجهاد مع غير خصم .. وأعلم على كل حال أن أولى الأمر قد حملهم المفسرون في الآية الأولى على أمراء المسلمين في عهد الرسول ﷺ وبعده كما قال البيضاوى ويندرج فيهم الخلفاء والقضاة وأمراء السرية .. وقيل علماء الشرع لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. وأما أولوا الأمر في الآية الثانية فهم كبراء الصحابة البصراء بالأمور .. أو الذين كانوا يؤمرون منهم .. وكيفما كان الأمر فالآيتان لا شئ فيهما يصلح دليلا على الخلافة التي يتكلمون فيها .. وغاية ما يمكن إرهاق الآيتين به أن يقال أنهما تدلان على أن للمسلمين قوما ترجع إليهم الأمور .. وذلك معنى أوسع كثيرًا وأعم من تلك الخلافة بالمعنى الذي يذكرون .. بل ذلك معنى يغاير الآخر ولا يكاد يتصل به .. وفيما نقلناه سابقا من أقوال العلماء في حكم الإِمامة ونصب الإمام أن بعض أهل العلم قد استدل على هذا الحكم بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. كابن حزم في كتابه "الفصل في الملل والأهواء والنحل" وأبى الحسن الماوردى في كتابه "الأحكام السلطانية" .. والبيضاوى في "مطالع الأنظار" .. فإنه قال بعد أن قرر الدليل النظرى .. قيل صغرى هذا الدليل عقلية بين الحسن والقبيح وكبراه أوضح مثلا من الصغرى .. والأولى أن يعتمد فيه على قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ولم يبين هؤلاء العلماء وجه الاستدلال بهذه الآية - وأوردها العلامة سعد الدين التفتازانى في شرح المقاصد، فقال

стр. 8153

بعد أن ذكر الإجماع والدليل النظرى، وقد يتمسك بمثل قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ وقوله ﷺ : "من مات ولم يعرف إمامه مات ميتة جاهلية .. " فإن وجوب الطاعة والمعرفة يقتضى وجوب الحصول .. ووجه الاستدلال بالآية المذكورة أن أولى الأمر فيها محمول على الأمراء على ما هو الراجح من أقوال العلماء والمفسرين .. ويؤيد ذلك سبب نزول الآية، فقد جاء في فتح البارى شرح صحيح البخارى (١) رواية عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدى إذ بعثه النبي ﷺ في سرية .. وأيضا فقد وردت هذه الآية بعد قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾. قال ابن عيينة: سألت يزيد بن أسلم عن قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ولم يكن أحد بالمدينة يفسر القرآن بعد محمد بن كعب مثله .. فقال: اقرأ ما قبلها تعرف .. فقرأت: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ فقال هذه في الولاة .. ثم تعقيب الآية بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فإن الخطاب للمؤمنين عامة ومن بينهم أهل الحل والعقد من العلماء وشأن عامة المؤمنين أن ينازعوا أولى الأمر في بعض تصرفاتهم وليس لهم أن ينازعوا العلماء فيما يصدرونه من الفتاوى .. إذ يراد بالعلماء المجتهدون ومن أين لغيرهم من عامة المؤمنين أن ينازعهم في تقرير حكم أو يعرف كيف يرده معهم إلى كتاب الله وسنة رسوله .. فالله تعالى يأمرنا بطاعة أولى الأمر ويرد ما يقع فيه الخلاف والنزاع إلى كتاب الله وسنة رسوله .. وهذا يستدعى وجوب وجودهم .. وقد يرى البعض الاستدلال على وجوب نصب الإمام بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ على أساس أن المراد بأولى الأمر فيها الأمراء كما في الآية التي سبق الكلام فيها، ولكن المفسرين والعلماء يرجحون أن المراد بأولى الأمر كبار الصحابة البصراء بالأمور فلا يتم الاستدلال .. وأما الاستدلال بالسنة على وجوب نصب الإمام فيقول فيه صاحب الإسلام وأصول الحكم: "ليس القرآن وحده هو الذي أهمل تلك الخلافة ولم يتصد لها، بل السنة كالقرآن أيضا قد تركتها ولم تتعرض لها .. يدلك على هذا أن العلماء لم يستطيعوا أن يستدلوا في هذا الباب بشئ من الحديث ولو وجدوا لهم في الحديث دليلا لقدموه في الاستدلال على الإِجماع .. ولكن السيد محمد رشيد رضا يريد أن يجد في السنة دليلا على وجوب الخلافة فإنه نقل عن السعد التفتازانى في المقاصد ما استدل به على وجوب الإمامة .. ولم يكن من بين تلك الأدلة بالضرورة شئ من كتاب الله ولا من سنة رسول الله ﷺ . فقام السيد/ رشيد يعترض على السعد بأنه قد غفل هو وأمثاله عن الاستدلال عن نصب الإمام بالأحاديث الصحيحة الواردة في التزام جماعة المسلمين أمامهم .. وفى

стр. 8154

بعضها التصريح بأن من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية .. وسيأتى حديث حذيفة المتفق عليه وفيه قوله ﷺ : "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم". وقد سبق السيد رشيد إلى ذلك ابن حزم الظاهرى في الفصل في الملل والأهواء والنحل .. بل قد زعم هذا أن القرآن والسنة قد وردّا بإيجاب الإمامة وساق الآية المتقدمة، وقال مع أحاديث كثيرة صحاح في طاعة الأئمة وإيجاب الإِمامة .. وأنت إذا تتبعت كل ما يريدون الرجوع إليه من أحاديث الرسول ﷺ لم تجد فيها شيئا أكثر من أنها ذكرت الإمامة أو البيعة أو الجماعة مثل ما روى "الأئمة من قريش" "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم" "من مات وليس في عنقه بيعة فقد مات ميتة جاهلية" "من بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه"، فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر". اقتدوا بالذين من بعدى أبى بكر وعمر" إلى آخر ما ذكروه. وقد ذكرت هذه الأحاديث كلها مفرقة في رسالة الخلافة أو الإمامة العظمى للسيد محمد رشيد رضا وغالبها مخرج .. وليس في شئ من ذلك كله ما يصلح دليلا على ما زعموه من أن الشريعة اعترفت بوجود الخلافة أو الإمامة العظمى - بمعنى النيابة عن النبي ﷺ والقيام مقامه من المسلمين - لا نريد أن نناقشهم في صحة الأحاديث التي يسوقونها في هذا الباب وقد كان لنا في مناقشتهم مجال فسيح .. ولكننا نتنزل جدلا إلى افتراض صحتها كلها .. ثم لا نناقشهم في المعنى الذي يريده الشارع من كلمات إمامة وبيعة وجماعة وقد كانت تحسن مناقشتهم في ذلك ليعرفوا أن تلك العبارات وأمثالها في لسان الشرع لا ترمى إلى شئ من المعانى التي استحدثوها بعد. ثم زعموا أن يحملوا عليها لغة الإسلام .. نتجاوز لهم عن كل ذلك، ونتنزل كل هذا التنزل، ثم لا نجد في تلك الأحاديث بعد كل ذلك ما ينهض دليلا لأولئك الذين يتخذون الخلافة عقيدة شرعية، وحكما من أحكام الدين .. إلى آخر ما ذكره في هذا الصدد .. والواقع أن المتكلمين والعلماء الذين تكلموا في موضوع الإمامة فيما عدا السيد محمد رشيد رضا .. لم يستدلوا على وجوب الإِمامة ونصب الإمام بالحديث .. ومن استدل منهم به .. لم يذكر له حديثا واحدًا كأبى الحسن الماوردى الذي ذكر حديث "سيليكم بعدى ولاة. فيليكم البار ببره .. ويليكم الفاجر بفجوره فاسمعوا لله وأطيعوا كل ما وافق الحق فإن أحسنوا فلكم ولهم .. وإن أساءوا فلكم وعليهم" وكان للسعد التفتازانى في ذكر حديث - "فاقتدوا بالذين من بعدى أبى بكر وعمر". وقد ذكر ابن حزم في الملل والنحل أن هذا الحديث لم يصح .. ويعيذنا بالله من الاحتجاج بما لا يصح .. ومنهم من لم يذكر شيئا من الأحاديث مطلقا كابن حزم حيث قال: إن القرآن والسنة قد وردا بإيجاب الإِمام .. وذكر الآية المتقدمة وقال مع أحاديث كثيرة صحاح في طاعة الأئمة وإيجاب الإِمامة واكتفى بذلك. ويبدو أن الذي حمل المتكلمين والعلماء على عدم الاستدلال بالحديث على وجوب الإمامة وإقامة الإمام أنه لما انتقل مبحث الخلافه إلى علم الكلام للسبب الذي أشير إليه فيما سبق، ودارت المناظرة فيها مع طائفة الشيعة التي جعلتها من العقائد الأصلية، وركنا في الدين، وألقت عليها شيئا من هذه الصبغة العقائدية رأى أهل العلم أن

стр. 8155

هذه الطائفة لا يكف بأسها ولا يسد عليها طرق المشاغبة إلا الأدلة الحاسمة التي تفيد العلم واليقين .. ومن ثم وقعت عنايتهم على الاحتجاج بالإجماع والقواعد النظرية الشرعية لكونهما من قبيل ما يفيد العلم ولا سبيل إلى إنكاره والطعن فيه والنفى بهذين الدليلين من لم يستند من المتكلمين والعلماء إلى غيرهما. أو لأنه رأى أن أخبار الآحاد في نفسها لا تتجاوز مراتب الظنون ولا يكبر على ذوى الأهواء الغالية أن ينسلخوا منها ويخترعوا منفذا للطعن في صحتها أو صرفها عن وجه دلالتها. وأما ما أثاره صاحب الإسلام وأصول الحكم من احتمال الأحاديث للمناقشة في صحتها وطرق دلالتها فهو مجرد تشكيك لا يغنى في مقام الاستدلال شيئا ولو كان هناك من المطاعن شئ له أثره لبادر إلى ذكره ولأفاض القول فيه كما فعل في الآيتين التي قال إن البعض قد يستدل بهما في موضوع الجدل .. وقد خرَّج السيد/ رشيد رضا كثيرا من الأحاديث التي ذكرناها في رسالته وليس فيها مطعن من حديث الثبوت. وألفاظ الإمامة والبيعة والجماعة حققت دلالالتها اللغوية والشرعية ولم يثر حول هذه الدلالات ما يقلل من شأنها أو يشكك في صحتها. وإذا رجعنا إلى كتب الحديث الصحيحة، التي اتفق المسلمون على أنها المصادر المعتمدة في الحديث .. وفى مقدمتها صحيح البخارى وصحيح مسلم، نجد أنه قد وردت أحاديث كثيرة في أغراض متعددة ومعان مختلفة، وذكر فيها الخليفة والإمام والبيعة والأمير والتزام الطاعة والوفاء للخليفة، ومنع تعدد الخليفة مما يوحى بطلب إقامة الإمام وتأكيد وجود الإمامة كنظام في الدين وأساس لحفظه، وسياسة المسلمين به .. من ذلك ما جاء في أن الإمام مسئول عما يفرط فيه من حقوق الرعية كقوله ﷺ فيما رواه البخارى: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فالإمام الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته. والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عن رعيته .. " إلى آخر الحديث. ومنها ما جاء في ملازمة الإمام وعدم الخروج عنه كحديث: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم" (١). ومنها ما ورد في بيان حكم من حاول الخروج على الإمام كحديث "من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه" (٢) .. وحديث: "إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر" وحديث: "من بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعمه إن استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر" (٣). ومنه ما جاء في مساق الأخبار وعن وجود الخلفاء وقرن ذلك الأخبار بالأمر بالوفاء ببيعة الأول .. كحديث: "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبى خلفه نبى. وإنه لا نبى بعدى وسنكون خلفاء فتكثر .. قالوا: فما تأمرنا؟ قال: فوا ببيعة الأول فالأول" (٤). ومنها ما ورد مورد الإنكار والوعيد عن نكث اليد من طاعة الإمام وأن يموت المسلم وليس في عنقه بيعة كحديث: "من خلع يدا من طاعة لقى

стр. 8156

الله يوم القيامة لا حجة له" .. "من مات وليست في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية" (١). وهذا الحديث إن لم يرد فيه ذكر الإمام ولا الخليفة وأن الأحاديث السابقة تفسره. ومنها ما ورد في وصف خيار الأئمة وشرارهم كحديث: "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم. وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنوكم". ومنها ما ذكر فيه الخليفة بجانب النبي وأخبر فيه بما يكون له من بطانتى الخير والشر كحديث: "ما بعث الله من نبى ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه .. وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، فالمعصوم من عصمة الله" (٢). ومنها ما جاء لبيان منزلة الإمام العادل وفضله كحديث: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" وصدرها بالإِمام العادل فقال: "إمام عادل" الموطأ بشرح الزرقانى (٣). وحديث: "إنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به فإن أمر بتقوى الله وعدل كان له بذلك أجر، وأن يأمر بغيره كان عليه منه" (٤). فهذه الأحاديث الواردة في أغراض شتى وبأسانيد مختلفة وكلها تدور حول الإمام فتبين مسئوليته وتأمر بالوفاء ببيعته وإطاعته وملازمته وقتل من يحاول الخروج عليه وتصف الأئمة وتفرق بين خيارهم وشرارهم. هذه الأحاديث إذا وقعت في يد مجتهد يتبصر في حكمة أمرها ونهيها ووصفها لا يتردد في ان نصب الإمام أمر حتم وشرع قائم ولا يصح أن يكون هذا الحق إلا من قبيل الواجب. تلك هي أدلة أهل السنة على وجوب الإمامة ونصب الإمام العام وأن هذا الوجوب على الأمة لا على الله تعالى وقد أشرنا في الحديث عن آراء الفرق الأخرى من غير أهل السنة إلى استدلالهم على ما ذهبوا إليه ومناقشة تلك الأدلة والرد عليها. ولم يبق إلا الشيعة .. وسنبدأ فيما يلى الكلام عن مذاهبهم وفرقهم وأدلتهم والرد عليها .. الشيعة: والشيعة كما عرفهم ابن خلدون سلفة الصحب والأتباع ويطلق في عرف الفقهاء والمتكلمين من الخلف والسلف. على من تشبهوا لعلى بن أبى طالب وبنيه رضى الله عنهم وقالوا بانحصارا الإِمامة بعد رسول الله ﷺ فيه وفى بنيه من بعده على ترتيب يختلف باختلاف فرقهم ويكاد يكون موضوع الشيعة ورأيهم في الإمامة وفرقهم ومذهب كل فرقة في ترتيب أشخاص الأئمة وتسلسل الإِمامة في الأشخاص واختلافهم في هذا التسلسل. ووقوف بعضهم بالإمامة عند بعض الأشخاص ولا يردن نقلها من بعده إلى غيره مع قول بعض منهم إن هذا الشخص الذي وقفوا بالإمامة عليه قد مات ولكنه سيعود. وحول بعض آخر إنه لم يمت ولكنه غائب وسيرجع من غيبته ويستمر في الإمامة، ومنهم من يقول بانتقال الإِمامة من هذا الشخص إلى غيره يختلفون اختلافا كبيرا فيمن تنقل إليه الإِمامة ..

стр. 8157

وينقسمون في ذلك فرقا وطوائف وهكذا .. ولهم في مذاهبهم وآرائهم واعتقاداتهم خلط كثير وخبط لا حد له - يكاد يكون هذا الموضوع أهم ما عرض له العلماء والمتكلمون .. وقد عرض له الشهرستانى في الملل والنحل، وابن حزم في الفصل والأهواء والنحل، وابن خلدون في مقدمته، والعلامة السعد التفتازانى في شرح المقاصد .. وقد اختلفت مناهج هؤلاء العلماء في تناول هذا الموضوع وأساليبهم في عرضه. فمن من اقتصر على بيان فرقهم ومذهب كل فرقة في أشخاص الأئمة وتسلسل الإمامة بينهم والتوفف وتعدية الإمامة على نحو ما أشرنا إليه دون عناية بذكر الأدلة إلا في القليل ودون منافشة ولا رد لما ذكر منها كالشهرستانى .. ويقرب منه في ذلك ابن خلدون .. ومنهم من أشار في قصد إلى بيان بعض الفرق ومذاهبهم في أشخاص الأئمة والتسلسل بينهم - وحتى بذكر أدلة الإمامية والرافضة ومناقشتها والرد عليها بتوسع وبسط كابن حزم، ومنهم من اقتصر على ذكر مذهب الشيعة الإمامية وتوسع في ذكر أدلتهم ومناقشتها والرد عليها وهو السعد التفتازانى. سننقل فيما يلى عن هذه المراجع ما يكفى لبيان الموضوع وإيضاحه وإلقاء الضوء على جوانبه: قال الشهرستانى في كتابه المذكور (١): والشيعة هم الذين شايعوا عليًّا ﵇ على الخصوص وقالوا بإمامته نصا ووصاية. إما جليا وإما خفيا. وأعتقد أن الإمامة لا تخرج من أولاده. وإن خرجت فبظلم يكون من غيره أو يتقيه من عنده هو .. قالوا: وليست الإمامة قضية مصلحية تناط باختيار العامة وينتصب الإمام بتنصيبهم بل هي قضية أصولية وهى ركن في الدين لا يجوز للرسول ﷺ إغفاله وإهماله وتفويضه إلى العامة وإرساله .. ويجمعهم القول بوجوب تعيين الإمام والتنصيص عليه وثبوت عصمة الأئمة وجوبا عن الكبائر والصغائر والقول بالتولى والتبرى قولا وفعلا وعقدا إلا في حال التقية .. ويخالفهم بعض الزيدية في ذلك ولهم في تعدية الإمامة كلام وخلاف كثير وعند كل تعدية وتوقف مغالة ومذاهب وخبط .. والشيعة خمس فرق: كيسانية، وزيدية، وإمامية، وغلاة، وإسماعيلية. وبعضهم يميل في الأصول إلى الاعتزال. وبعضهم يميل إلى السنة، وبعضهم يميل إلى التشبيه. الكيسانية: فهم أصحاب كيسان - مولى أمير المؤمنين علي رضى الله عنه، وقيل هو تلميذ أو مولى محمد بن الحنفية أحد أولاد علي من غير السيدة فاطمة الزهراء .. وهؤلاء قالوا بإمامة محمد بن الحنفية بعد أبيه على بن أبى طالب رضى الله عنهما، وقيل لا بل بعد الحسن والحسين .. ومن أصحاب محمد بن الحنفية المختار بن أبى عبيد كان خارجيا ثم صار زيديا ثم صار شيعيا وكيسانيا .. قال بإمامة محمد بن الحنفية بعد أبيه على أو بعد أخويه الحسن والحسين .. وكان يدعو الناس إليه ويظهر أنه من رجاله .. ولكنه كان يتغالى فيه مغالاة شديدة. ويذكر علوما مزخرفة ينوطها به ..

стр. 8158

ولما علم محمد بن الحنفية عنه ذلك تبرأ منه وأعلن للناس براءته منه ومن الضلالات والتأويلات الفاسدة التي ابتدعها. وإنما حمله على الانتساب إلى محمد بن الحنفية حسن اعتقاد الناس فيه، وامتلاء قلوبهم بمحبته إذ كان كثير العلم غزير المعرفة وقاد الفكر .. مصيب النظر في العواقب .. وقد أخبره أبوه أمير المؤمنين على ﵇ من أحوال الملامح وأطلعه على مدارج المعالم. وقد قيل أنه كان مستودع علم الإمامة حتى سلم الأمانة إلى أهلها، وما فارق الدنيا حتى أقرها في مستودعها وكان من شيعته السيد الحميرى وكثير عزة، الشاعران المعروفان، وكانا يعتقدان أنه لم يمت بل هو في جبل رضوى بين أسد ونمر يحفظانه وعنده عينان نضاختان تجريان بماء وعسل ويعود بعد الغيبة فيملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا. وقد قال كثير عزة في ذلك شعرًا يروى .. وهذا أول حكم بغيبة الإمام ورجوعه بعد الغيبة حكم به الشيعة .. وجرى في بعض جماعاتهم حتى اعتقدوه دينا وركنا من أركان التشيع .. وبعد انتقال محمد بن الحنفية. اختلف الكيسانية، فمنهم من ساق الإمامة إلى ابنه أبى هاشم الذي أفضى إليه أبوه بأسرار العلوم والمعارف ومن تجتمع له العلوم فهو الإمام حقا ويسمى هؤلاء بالهاشمية .. ثم اختلف الهاشمية بعد أبى هاشم إلى خمس فرق أو أكثر ذكرها الشهرستانى وذكر مذاهبها ومعتقداتها. قالت فرقة أن أبا هاشم مات منصرفا من الشام بأرض الشراة، وأوصى بالإمامة إلى محمد بن على بن عبد الله بن عباس وأنجزت الوصية في أولاده حتى صارت الخلافة إلى بنى العباس .. ولهم في الخلافة حق لإتصال النسب، وقد توفى رسول الله ﷺ وعمه العباس حى وهو أولى بالخلافة .. وقالت فرقة أخرى أن الإمامة بعد موت أبى هاشم لابن أخيه الحسن بن على بن محمد بن الحنفية. وقالت فرقة ثالثة: إن أبا هاشم أوصى إلى أخيه علي بن محمد بن الحنفية وعليّ أوصى إلى ابنه الحسن .. فالإِمامة عندهم في بنى الحنفية لا تخرج إلى غيرهم .. وقالت طائفة: إن أبا هاشم أوصى إلى عبد الله بن عمرو بن حرب. الكندى وإن الإمامة خرجت بذلك من بنى هاشم إلى عبد الله الكندى وتحولت إليه روح بنى هاشم .. وعبد الله هذا ما كان على شئ من العلم ولا من الديانة. واطلع بعض القوم على حقيقته وخيانته وكذبه، فأعرضوا وقالوا بأمانة عبد الله بن معاوية بن جعفر بن أبى طالب .. وكان من مذهب عبد الله أن الأرواح تتناسخ من شخص إلى شخص، وأن روح الله تناسخت حتى وصلت إليه وحلت فيه، وأدعى الألوهية والنبوة "وأنه يعلم الغيب، فعبده شيعته الحمقى وكفروا بالقيامة لاعتقادهم أن التناسخ يكون في الدنيا .. ولما مات افترق أصحابه فمنهم من قال: إنه ما يزال حيا لم يمت وسيرجع .. ومنهم من قال: إنه مات وتحولت روحه إلى إسحاق بن زيد بن الحارث الأنصارى. وهم الحارثية الذين "يبيحون المحرمات ويعيشون عيش من لا تكليف عليه ..

стр. 8159

وهناك خلاف شديد على الإِمامة بين أصحاب عبد الله بن معاوية هذا وبين محمد بن على بن عبد الله بن عباس الذي قالت الطائفة الأولى من الهاشمية: أوصى إليه بالإمامة - كل منهما يدعى أن أبا هاشم أوصى إليه بالإمامة، وليس هنا له ما يثبت هذا أو ذاك، ولا ما يعتمد عليه في الأمر .. وهناك طائفة من الهاشمية تسمى البنانية أتباع بنان بن سمعان النهدى قالوا بانتقال الإمامة من أبى هاشم إليه وهو من غلاة الشيعة القائلين بإلهية أمير المؤمنين على ﵇. قال: حل جزء إلهى في على دائمة بجسده. فبه كان يعلم الغيب إذا أخبر عن الملاحم وصح الخبر .. وبه كان يحارب الكفار وتتم له النصرة والظفر، وبه قلع باب خيبر .. وعن هذا روى عنه قوله: والله ما قلعت باب خيبر بقوة حسدانية ولا بحركة غذائية ولكن قلعته بقوة ملكوتية بنور ربها مضيئة فالقوة الملكوتية كالمصباح في المشكاة والنور الإلهى كالنور في المصباح .. وربما يظهر على في بعض الأزمان ويأتى في ظلل من الغمام كما تشير الآية "وهل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام" حيث أراد به عليا .. والرعد صوته والغمام تبسمه .. وادعى بنان هذا أنه قد انتقل إليه الجزء الإلهى بنوع من التناسخ فاستحق أن يكون إماما وخليفة .. وهناك فرقة من الهاشمية تسمى الرزنية اتباع رزام ساقوا الإِمامة من على أمير المؤمنين إلى ابنه محمد بن الحنفية ثم منه إلى ابنه أبى هاشم ثم منه إلى على بن عبد الله بن عباس بالوصية ثم إلى محمد بن على وأوصى محمد إلى ابنه إبراهيم الإمام صاحب أبى مسلم الخراسانى الذي قيل أنه كان من الكيسانية وعرض خدماته على جعفر الصادق فلم يقبل منه، وكان من أكبر الدعاة ضد بنى أمية ولصالح العباسيين .. الزيدية: فهم أتباع زيد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب أمير المؤمنين - ساقوا الإمامة بعد على بن أبى طالب في أولاده من السيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ ولم يجوزوا ثبوت الإمامة في غيرهم. إلا أنهم جوزوا أن يكون كل فاطمى عالم زاهد شجاع سخى خرج ينادى بالإِمامة ويسعى لها يكون إماما واجب الطاعة سواء كان من أولاد الحسن أو من أولاد الحسين .. وجوزوا خروج إمامين في قطرين يستجمعان هذه الخصال، ويكون كل واحد مبهما إماما واجب الطاعة .. وعن هذا قالت طائفة منهم بإمامة محمد وإبراهيم الإمامين ابنى عبد الله بن الحسن بن الحسين الذي خرجا في أيام المنصور العباسى يدعوان للإمامة وقتلا على ذلك وكان الإمام جعفر الصادق بن محمد الباقر قد أخبرهما بما جرى عليهما قبل أن يجرى أخذًا عن أبائه. وزيد بن على بن الحسين إمام الزيدية والمنسوبون إليه مذهبه هذا المذهب. ولما أراد أن يحصل العلم في الأصول والفروع حتى يتحلى بالعلم - تتلمذ في الأصول على واصل بن عطاء رأس المعتزلة مع اعتقاد واصل بأن جده على بن أبى طالب في حروبه التي جرت بينه وبين أصحاب الجمل وأصحاب الشام ما كان على يقين من الصواب فيها وأن أحد الفريقين منهما كان على الخطأ لا بعينه ..

стр. 8160

فاقتبس زيد الاعتزال من واصل وصارت أصحابه كلها معتزلة وكان من مذهبه جواز إمامة المفضول مع قيام الأفضل فقال: كان على بن أبى طالت أفضل الصحابة إلا أن الخلافة فوضت لأبى بكر لمصلحة رأوها، وقاعدة دينية راعوها من تسكين ثائرة الفتنة، وتطييب قلوب العامة، فإن عهد الحروب التي جرت في أيام النبوة كان قريبا وسيف أمير المؤمنين عليّ ﵇ من دماء المشركين من قريش لم يجف بعد، والضغائن في صدور القوم من طلب الثأر كما هي. فما كانت القلوب تميل إليه كل الميل ولا تنقاد إليه الرقاب كل الانقياد وكانت المصلحة أن يقوم بهذا الشأن من عرفوه باللين والتودد والتقدم بالسن والسبق في الإسلام والقرب من رسول الله ﷺ وهو أبو بكر، ألا ترى أنه لما أراد في مرضه الذي مات فيه تقليدا لأمر عمر بن الخطاب رضى الله عنه. زعق الناس وقالوا: لقد وليت علينا فظا غليظا، فما كان يرضون بأمير المؤمنين عمر لشدة وصلابة وغلظ له في الدين وفظاظة على الأعداء حتى سكتهم أبو بكر رضى الله عنه .. وكذلك يجوز أن يكون المفضول إماما .. والأفضل قائم فيرجع إليه في الأحكام ويحكم بحكمه في القضايا … ولما سمعت شيعة الكوفة هذه المقالة عن زيد وعرفوا أنه لا يتبرأ من الشيخين أبى بكر وعمر رفضوه حتى أتى عليه قدره فسمت رافضة .. وجرت بينه وبين أخيه محمد الباقر مناظرة لا من هذا الوجه بل من حيث كان يتتلمذ لواصل بن عطاء ويقتبس العلم ممن يجوز الخطأ. على جده في قتال الناكثين والقاسطين ومن يتكلم في القدر على غير ما ذهب إليه أهل البيت. ومن حيث إنه كان يشترط الخروج شرطا في كون الإِمام إماما حتى قال له يوما: على قضية مذهبك والدك ليس بإمام فإنه لم يخرج قط ولا تعرض للخروج .. ولما قتل زيد بن على هذا وصلب بكناسة الكوفة بيد هشام بن عبد الملك قام بالإمامة بعده ابنه يحيى بن زيد ومضى إلى خراسان واجتمعت عليه جماعات كثيرة، حتى قتل بجوزجان خراسان بيد أميرها وصلب، وكان قد وصل إليه الخبر من جعفر الصادق بن محمد البادر بن على زين العابدين بن الحسين أنه سيقتل ويصلب كما قتل أبوه زيد وصلب فجرى عليه الأمر كما أخبر، وذكر جعفر أن أباءه أخبروه بذلك كله وأن بنى أمية يتطاولون على الناس حتى لو طاولتهم الجبال لطالوا عليها وأنهم يستشعرون بغض أهل البيت. ولم ينتظم أمر الزيدية بعد ذلك حتى ظهر بخراسان ناصر الأطروش وأريد قتله فاختفى واعتزل إلى بلاد الديلم والجبل وكان أهلها لم يتحلوا بدين الإسلام بعد، فدعى فيهم بدعوة الإِسلام على مذهب زيد بن على إمام الزيدية فدانوا بذلك ونشأوا عليه، وبقى الزيدية في تلك البلاد وظاهرين، وكان يخرج منهم واحد بعد واحد من الأئمة ويلى أمرهم وخالفوا بنى أعمامهم في مسائل الأصول .. وما أكثر الزيدية بعد ذلك عن القول بإمامة المفضول، مع وجود الأفضل، وطعنوا في الصحابة طعن الإمامية .. ثم انقسم الزيدية بعد ذلك إلى ثلاث فرق: الجارودية: أصحاب أبى الجارود وقد زعموا أن النبي ﷺ قص على عليٍّ رضى الله عنه وعينه إماما من بعده بالوصف لا بالاسم إلا أن الناس قصروا
следующие страницы →