← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

وعلى هذا فإن الفعل المتحيل على ما لا يجوز غير مشروع فى الباطن بينه وبين الله تعالى، وغير صحيح ولا يترتب عليه أثر فى أحكام الدنيا إذا قامت الأدلة على القصد المحرم والباعث غير المشروع. وعلى هذا فإن واهب النصاب قبيل الحول بقصد الفرار من الزكاة تحرم هبته وتبطل إذا ثبت بإقراره أو بالقرائن أنه إنما وهب النصاب بقصد الفرار من هذا الواجب وهو مجال الخلاف بين المالكية والحنابلة من جهة، وبين الشافعية والحنفية من جهة أخرى. فالفريق الأول يبطلون الفعل الذى يقصد به الفاعل قصداً غير مشروع إذا قامت القرائن على هذا القصد، أما الفريق الآخر فإنهم وإن وافقوا على أن القصد إلى إبطال الحقوق وإسقاط الواجبات وغير ذلك من النيات المحرمة والمقاصد غير المشروعة محرم، الا أن العقد أو التصرف لا يبطل بل يترتب عليه أثره، ويحكم بصحته قضاء، ولو ثبت قصد الفاعل غير المشروع أو نيته المحرمة، ما لم يكن العاقد قد أظهر هذا القصد أو تلك النية فى العقد نفسه، بحيث كانت داخلة فى صلب التصرف ومعبراً عنها فيه. ويقرر الشاطبى أن هناك نصوصا شرعية يقطع مجموعها بالمنع من الاحتيال فى الشريعة ونحن نورد بعض هذه النصوص: ١ - ما جاء فى القرآن من نصوص خاصة بالمنافقين والمرائين: فقد ذم الله هذين الفريقين وتوعدهم بالعقوبة وشنع عليهم، ويتمثل النفاق فى الرياء فى أنهم أتوا قولا أو عملاً. للشارع منه قصد معين، وهم يقصدون منه ما يناقض هذا القصد، فالمنافق ينطق بكلمة الشهادة لا يقصد بها الخضوع فى الباطن والظاهر لله ، وإنما يقصد بها صيانة دمه وماله والمرائى يأتى العبادة لا يقصد بها التوجه إلى الله الواحد المعبود، ولا نيل الثواب فى الآخرة، وإنما قصده النيل من أوساخ الخلق، أو من تعظيمهم، أو غير ذلك من حظوظ الدنيا الفانية، ومتعها الزائلة. ٢ - ما جاء فى القرآن فى شأن أصحاب السبت الذين حرم عليهم الصيد فى يوم السبت فحفروا حياضا تصلها قنوات بالبحر حتى تدخلها الحيتان يوم السبت ثم يحبسونها حتى يصيدوها فى الأيام الجائز فيها الصيد، وقد كان عقابهم بالمسخ، وهو أشنع العقوبات (١). والاحتيال واضح فى أفعالهم، إذ إنهم ما قصدوا بالحفر مصلحه شرعية بل كان مقصدهم الاحتيال على فعل المنهى عنه. ٣ - ما جاء فى السنة من النهى عن جمع المتفرق وتفريق المجتمع خشية الصدقة ذلك أن الجمع والتفريق جائزان إذا قصد الخليطان مصلحة مشروعة لذلك الفعل، أما إذا كان ذلك الفعل لم يقصد به إلا إسقاط الزكاة الواجبة أو تقليلها فإن هذا القصد يبطل لأن ما خالف قصد الشارع حرام باطل. ٤ - ما جاء فى السنة من تحذير

стр. 842

المسلمين من فعل اليهود الذين استحلوا محارم الله بأدنى الحيل. فقد حرم الله عليهم الشحوم فجملوها (١) وباعوها وأكلوا أثمانها. وقد لعن الله اليهود بسبب فعلهم هذا. ذلك أن المصلحة المفهومة من النهى عن الشحوم هى عدم الانتفاع بها، وذلك يشمل الانتفاع بالثمن وهم قد أغفلوا هذا المعنى واعتبروا ظاهر النص لا قصدا إلى الوقوف عندما حده الشارع مما لم تعلم مصلحته على الخصوص، وإنما بقصد الحصول على المال الذى هو معبودهم المقدس، إذ كيف تطيب نفوسهم بترك الشحوم دون الاستفادة منها (٢). ٥ - ما جاء فى السنة من لعن المحلل والمحلل له، والراشى والمرتشى، وحرمة بيع العينة، وهدية المديان، وغلول الأمراء والبيع والسلف. إحْدَاد تعريفه لغة: الإحداد مأخوذ من الحد، وهو لغة: المنع، ويريد به اللغويون منعا خاصا، وهو امتناع المرأة عن الزينة والخضاب بعد وفاة زوجها (٣). وفى عرف الفقهاء: ألا تقرب المعتدة من وفاة، شيئا من الزينة والطيب، وما إليهما على تفصيل فى ذلك بين المذاهب، وعلى خلاف بين المباح والممنوع (انظر ما تجتنبه الحاد). زاد بعض المذاهب كالحنفية والزيدية المعتدة من طلاق ثلاثا وعلل الحنفية ذلك بأن حزن المرأة على انفصام عرى الزوجية لا يقل عن حزنها لموته (٤). والإحداد امتناع المرأة المتوفى عنها زوجها من الزينة كلها من لباس وطيب وغيرهما، و «من» كل ما كان من دواعى الجماع. والحداد ثياب المآتم السود، والحاد والمحد من النساء التى تترك الزينة والطيب يقال حدت تحد وتحد حدا وحدادا، وأحدت. وأبى الأصعمى إلا أحدت تحد وهى محد ولم يعرف حدت. قال أبو عبيد: ونرى أنه مأخوذ من المنع، لأنها قد منعت من ذلك، ومنه قيل للبواب حداد، لأنه يمنع الناس من الدخول والسجان حداد. وقد سميت الحدود الشرعية كذلك لأنها تمنع وتردع عن المعصية. وقال ابن عرفة: الإحداد ترك ما هو زينة ولو مع غيره، فيدخل ترك الخاتم، اذ قد يكون زينة

стр. 843

وحده لبعض النساء، وقد لا يكون، فى بعض آخر. إلا مع غيره، فيمنع على الحالين. والأصل فيه قوله ﷺ «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا (١)». حكمه وجمهور الفقهاء على وجوبه (٢) على المتوفى عنها، إلا ما يروى عن الحسن البصرى من طريق حماد بن سلمة عن حميد أنه قال: المطلقة ثلاثا والمتوفى عنها زوجها يكتحلان ويمتشطان ويتطيبان ويختضبان وينتعلان ويصنعان ما شاء ا. ومثله عن الحكم بن عتيبة، وعن الشعبى أنه كان لا يعرف الإحداد، قال أحمد: ما كان بالعرق أشد تبحرا من هذين، يعنى الحسن والشعبى، وخفى ذلك عليهما. وحجة الجمهور حديث أم عطية فى المتفق عليه واللفظ لمسلم أن رسول الله ﷺ قال: لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً (٣). وقد فصل العلماء القول فى وجوبه على الكتابية والأمة والصغيرة والمطلقة الخ على ما سيأتى بيانه. حكمته أن التطيب والتزين يلفت النظر إلى المرأة، ويدعو إلى اشتهائها والتفكير فيها، فمنعت منه صونا لها فى زمن عدتها وفاء بحق الزوج الذى فارقها وهو على وفاق معها، وإذا كانت تلك الأمور دواعى للرغبة فيها وهى ممنوعة من النكاح فإن اجتنابها واجب كى لا تصير ذريعة الى الوقوع فى المحرم (٤). مدته أربعة أشهر وعشرة أيام بلياليها للحرة، وعلى النصف من ذلك للأمة، وتحل الحرة ليلة الحادى عشر. مذهب الحنفية: أن كانت حاملا فعدتها أن تضع حملها، لقوله تعالى: «وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ». مذهب المالكية: قال الباجى: قوله ﷺ : «إنما هى أربعة أشهر وعشر» على وجه الإخبار بمدة الإحداد الواجب على زوجة المتوفى، وذلك أربعة أشهر وعشر.

стр. 844

وقال مالك: تحد الأمة إذا توفى عنها زوجها شهرين وخمس ليال، مثل عدتها وليس على أم الولد إحداد إذا مات سيدها ولا على أمة يموت عنها سيدها إحداد، وانما الاحداد على زوات الأزواج (١): انظر مصطلح «عدة». مذهب الشافعية: وقال الشافعى فى الأم: وعدة المتوفى عنها من يوم يموت عنها زوجها فإن لم يأتها نبأ وفاة حتى انقضت عدتها لم تستأنف عدة جديدة. وكذلك لو لم يأتها نبأ الوفاة حتى يمضى بعض عدتها أكملت ما بقى من عدتها حادة، ولم تعد ما مضى منها. وإن بلغها يقين وفاته ولم تعرف اليوم الذى مات عنها فيه اعتدت من يوم استيقنت وفاته حتى تكمل عدتها، ولم تعتد بما شك فيه كأن شهد عندها أنه مات فى رجب، وقالوا لا ندرى فى أى رجب مات فتعتد فى آخر ساعات النهار من رجب فاستقبلت بالعدة شعبان، وإذا كان اليوم العاشر بعد الأربعة الأشهر فى آخر ساعات النهار، حلت، فكانت قد استكملت أربعة أشهر وعشرا (٢). وهذا إذا لم تكن حاملا، وإلا فإن أمد الإحداد ينتهى بوضع حملها. قصرت المدة أم طالت. وقال بعض العلماء: لا يلزمها الإحداد بعد أربعة أشهر وعشر وإن لم تضع الحمل. وهذا بالنسبة للزوج، أما إذا كان الإحداد على غير زوج فلا يزيد عن ثلاث ليال، لقوله ﷺ : لا تحد المرأة فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا (٣)». مذهب الحنابلة: إذا كانت حاملا فحتى تضع. مذهب الظاهرية: وافقوا الجمهور فى مدة الإحداد على الزوج، وعلى غيره من الأوقات. قال ابن حزم: لو التزمت المرأة ثلاثة أيام على أب أو أخ او ابن أو أم أو قريب أو قرينة، كان ذلك مباحا واستدل بنحو الرواية التى سقناها قريبا. ؟ أما إن كانت المتوفى عنها حاملا فقد ذكر بشأنها أنه إن كانت عدة المتوفى عنها وضع حملها فلا بد من الإحداد أربعة أشهر وعشر فأقل - إن وضعت قبل مضيها - ولا نوجبه عليها بعد ذلك، لأن النصوص كلها إنما جاءت بأربعة أشهر وعشر فقط.

стр. 845

وقد صح أن رسول الله ﷺ أمر سبيعة الأسلمية بأن تنكح من شاءت اذ وضعت حملها أثر موت زوجها بليال. وقد تشوفت للخطاب فلم ينكر ذلك عليها. فصح أنه لا إحداد عليها بعد إنقضاء حملها قبل الأربعة الأشهر وعشر. ثم قال: ولم نجد نصابا يجابه عليها أن تمادى الحمل أكثر من أربعة أشهر وعشر. فإن وجد فالقول به واجب وإلا فلا. ثم استدركنا إذ تدبرنا قول رسول الله ﷺ ، فى بعض طرق خبر أم عطية أنها تجتذب ما ذكر اجتنابه دون ذكر أربعة أشهر وعشر، فكان العموم أولى أن تضع حملها (١). مذهب الزيدية: قالوا: والحامل بآخر الأجلين لقوله تعالى: «أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ» وقوله: «أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً». وقيل: بالوضع فقط لقوله تعالى: «أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ» ولم يفصل. مذهب الإمامية: قالوا: بأبعد الأجلين إذا كانت حاملا. وسواء قيل بالوضع أو بأبعد الأجلين، فمحصل آراء الحنفية والزيدية والإمامية والحنابلة أنه إذا استمر حملها أكثر من أربعة أشهر وعشرا لا تحل حتى تضع. وحيث أن الإحداد يكون فى مدة العدة فإنه فى هذه الحالة يستمر وجوبه حتى تضع كذلك (٢). إحداد الكتابية مذهبا الحنفية والزيدية: يرون إن الإحداد لا يجب على الكتابية لأن الإيمان شرط لوجوب الإحداد، عملا بظاهر الحديث، ولأن الإحداد عبادة، والكتابية غير مخاطبة بها خطاب تكليف إذ ليست من أهل العبادة (٣). مذهب المالكية: اختلف قول مالك فى ذلك حسبما روى عنه، فروى عنه أشهب: لا إحداد عليها لما ذكرنا من التعليل عند الأحناف. وروى عنه ابن القاسم وغيره أن عليها الإحداد كالمسلمة، ووجهه أن هذا حكم من أحكام العدة، وحق من حقوق الزوجية فلزوم الكتابية للمسلم كلزوم المسكن والعدة والنفقة. وعلى هذا فلا يكون المراد من وصف الإيمان هنا ما يفهم تخصيص الحكم بالمؤمنات بل يكون ذكره على سبيل

стр. 846

الترغيب فى الفعل والترهيب من الترك، والتأكيد فى الزجر بمعنى أن هذا أمر لا يتركه من يؤمن بالله واليوم الأخر كما قال ﷺ «من كان يؤمن بالله واليوم الأخر فليكرم ضيفه (١)». مذهب الحنابلة والشافعية والظاهرية: يرون الإحداد واجبا على الكتابية كالمسلمة، ويعلل الظاهرية ذلك بقولهم قال تعالى: «وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ» وقال : «وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ»، والدين الحكم (٢). فواجب عليهم أن يحكم عليهم بحكم الإسلام وهو لازم لهم، وبتركهم إياه استحقوا الخلود «فى النار». ومن قال أنه لا يلزمهم دين الإسلام فقد فارق الإسلام. وقال الشافعى: من وجبت عليه عدة الوفاة، وجب عليه الإحداد، لا يختلفن. مذهب الإمامية: قال صاحب الروضة البهية: والذمية كالحرة فى الطلاق والوفاة على الأشهر بل لا نعلم القائل بخلافه (٣). إحداد الصغيرة يرى الحنفية والزيدية: أنه لا إحداد عليها لرفع القلم عنها (٤). أما الشافعية والمالكية والحنابلة والظاهرية والإمامية، فيرون أن عليها الإحداد كالكبيرة والمخاطب بذلك هو وليها فيجب عليه أن يجنبها ما تتجنبه الكبيرة (٥). والأصل فى ذلك، على ما ذكره المالكية، ما روى عن أم سلمة أن امرأة سألت النبى ﷺ عن ابنة لها توفى زوجها الحديث، وقد أجابها ﷺ ولم يسأل عن سنها، استدل بهذا القاضى أبو محمد، والدليل على ذلك من جهة المعنى أن كل من لزمتها العدة بالوفاة لزمها الإحداد كالكبيرة (٦). إحداد الأمة اتفق الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة والظاهرية والزيدية على أن الأمة المنكوحة يلزمها الإحداد لأن قوله ﷺ : «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً» محمول على التعميم.

стр. 847

ولأنها مخاطبة بحقوقه تعالى فميا ليس فيه إبطال حق السيد، إذ ليس فى الإحداد إبطال لحق سيدها وليس لسيدها منعها من الإحداد لأنه حكم من أحكام الزوجية فلم يكن لهم منعها منه كملك الزوج حق الاستمتاع بها (١). مذهب الإمامية: اختلف النقل عنهم فروى عن الباقر أنها لا تحد لأنه قال: إن الحرة والأمة كلتيهما إذا مات عنهما زوجهما سواء فى العدة، إلا أن الحرة تحد والأمة لا تحد، وهذا هو الأقوى. وذهب الشيخ الطوسى فى أحد قوليه وجماعة إلى وجوب الإحداد عليها لعموم قول النبى ﷺ «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا، وفيه مع سلامة السند أنه عام وذاك خاص، فيجب التوفيق بينهما (٢) أما الأمة الموطوءة بملك اليمين يموت عنها السيد فلا إحداد عليها. الإحداد فى ذات النكاح الفاسد اتفق الحنفية والحنابلة والظاهرية والمالكية (٣)، على أنه لا إحداد عليها لأنها ليست زوجة على الحقيقة وليس لها زوج كانت تحل له ويحل لها فتحزن على فقده. وخالف فى ذلك القاضى أبو الوليد الباجى المالكى ففصل فقال: وهذا عندى فى التى يفسخ نكاحها ولم يثبت بينهما شئ من أحكام النكاح من توارث ولا غيره، وأما التى يثبت بينهما أحكام التوارث فإنها تعتد عدة الوفاة ويلزمها الإحداد .. انظر فى مصطلح «نكاح. النكاح الفاسد». وذكر ابن حزم فى تعليل ذلك «أنها ليست مطلقة ولا متوفى عنها، ولم يأت بايجاب عدة عليها قرآن ولا سنة، ولا حجة فيما سواهما». مذهب الزيدية: فى المسألة رأيان أصحهما أن الإحداد يلزم فى النكاح الفاسد ما لم يفسخ (٤). إحداد المطلقة لا يخلو حال المطلقة من أن تكون رجعية أو مبتوتة (مطلقة ثلاثا) أى بائنة بينونة كبرى .. فأما الرجعية فلا خلاف بين الفقهاء أنه لا إحداد عليها، وأما المبتوتة فالمالكية والظاهرية والإمامية يرون أن لا

стр. 848

إحداد عليها، ويعلل المالكية ذلك بأن المتوفى فارق زوجته وهو على نهاية الإشفاق عليها والرغبة فيها، ولم تكن المفارقة من قبله فلزمها الإحداد لذلك ولإظهار الحزن كذلك .. أما المطلقة فقد فارقها مختاراً لفراقها، مقابحا لها، فلا يتعلق بها حكم الإحداد كالملاعنة (١) وعلى من تحد والزوج باق؟ مذهب الحنفية والزيدية: يرون الإحداد، ويعلل الحنفية ذلك بأن النبى ﷺ نهى المعتدة أن تختضب بالحناء وقال: الحناء طيب، ولأنه يجب إظهارا للتأسف على فوت نعمة النكاح الذى هو سبب لصونها وكفاية مؤنها، والإبانة أقطع لها من الموت، سواء فى ذلك الطلاق البائن: الواحد أو الثلاث أو المختلعة، ويروى ذلك عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار. أخرج عبد الرزاق عن معمر، عن الزهرى وعطاء الخراسانى عن ابن المسيب قال تحد المبتوتة كما تحد المتوفى عنها ولا تمس طيبا .. الخ، أخبرنا الثورى عن عبد العزيز، عن ابن المسيب قال: المطلقة والمتوفى عنها حالهما واحد فى الزينة (٢). مذهب الحنابلة والشافعية: أثر عن الحنابلة روايتان فى ذلك (٣)، واختلف قول الشافعى فى هذه المسألة، فقال فى القديم يجب عليها الإحداد لأنها معتدة بائن فلزمها الإحداد كالمتوفى عنها زوجها. وقال فى الجديد: لا يجب عليها الإحداد لأنها معتدة من طلاق فلم يلزمها الإحداد كالرجعية، ثم وجه الشافعية هذا بما وجهه به المالكية (٤). وقال فى الأم: وأحب إلى للمطلقة طلاقا لا يملك زوجها فيه عليها الرجعة تحد الإحداد لأنها معتدة من طلاق فلم يلزمها من الطلاق. وقد قاله بعض التابعين، ولا يبين لى أن أوجبه عليها لأنهما قد يختلفان فى حال وإن اجتمعا فى غيره (٥). ما تجتنبه المحدة مذهب الحنفية: وافقوا الشافعية والحنابلة فى وجوب ترك الطيب والزينة والكحل والدهن المطيب، كما اتفقوا مع الشافعية فى منع الدهن غير المطيب كالزيت والشيرج إلا لضرورة، فيجوز وقد صح أن النبى ﷺ لم يأذن للمعتدة فى الاكتحال والدهن لا يعرى عن كونه نوع طيب وفيه زينة للشعر. لكن لو كانت عادتها الإدهان فخافت بتركه وجعا، فإن كان ذلك أمراً ظاهراً يباح لها، لأن الغالب كالواقع، وكذا لبس الحرير اذ احتاجت اليه لعذر فلا بأس (٦).

стр. 849

مذهب المالكية: يجب على المحدة عندهم أن تجتنب ما يتزين به من الحلى والطيب. ونصوا على وجوب تجنب عمله والتبخر به وعلى وجوب ترك الثوب المصبوغ مطلقا، لما فيه من التزين إلا الأسود ما لم يكن زينة قوم كأهل مصر والقاهرة وسائر من يتزين فى خروجهن بالأسود. وبذلك رجعوا هذه المسألة إلى العرف كالإمامية. قال القاضى أبو محمد: كل ما كان من الألوان يتزين به النساء لأزواجهن فلتمتنع منه المحدة (١) ويجب عند المالكية ترك الامتشاط بالحناء والكتم (٢). بخلاف نحو الزيت من كل ما لا طيب فيه والسدر والإستحداد فلا يطلب ترك ذلك. قالوا: ولا تدخل حماما، أى عاما. ولا تطلى جسدها ولا تكتحل إلا من ضرورة ولو بطيب وتمسحه نهارا وجوبا. وحكى ابن ناجى قال: اختلف فى دخولها الحمام فقيل: لا تدخل أصلا، ظاهره ولو من ضرورة، وقال أشهب لا تدخله إلا من ضرورة (٣). مذهب الحنابلة: تجتنب المحدة ما يدعو إلى الرغبة فيها وذلك فى الأمور الأربعة التالية. ١ - الطيب، ولا خلاف فى تحريمه عند من أوجب الإحداد، لقول النبى ﷺ : «لا تمس طيبا إلا عند أدنى طهرها إذا طهرت من حيضها بنبذة من قسط أو أظفار (٤)» ٢ - الزينة، وهى ثلاثة أقسام: (أ) الزينة فى نفسها، فيحرم عليها أن تختصب، وأن تحمر وجهها، وأن تبيضه وأن تحسن وجهها عموما بنقش أو تحفيف، وما أشبهه، وأن تكتحل بالإثمد من غير ضرورة. لما روت أم سلمة أن النبى ﷺ قال: «المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب، ولا الممشق (٥)، ولا الحلى ولا تختضب ولا تكتحل». رواه النسائى وأبو داود. روت أم عطية أن رسول الله ﷺ قال: لا تحد المرأة فوق ثلاثة أيام إلا على زوج، فإنها تحد أربعة أشهر وعشرا. ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب (وهو ما صبغ غزله قبل نسجه) ولا تكتحل ولا تمس طيبا إلا عند أدنى طهرها إذا طهرت من حيضها بنبذة من قسط أو أظفار .. متفق عليه. روت أم سلمة قالت: دخل على رسول الله ﷺ ، حين توفى أبو سلمة، وقد جعلت

стр. 850

على عينى صبرا فقال: «ما هذا يا أم سلمة؟» قلت: إنما هو صبر ليس فيه طيب. فقال: «إنه يشب (١) الوجه لا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار» ولأن الكحل من أبلغ الزينة فهو كالطيب وأبلغ منه. أما إن اضطرت إلى الكحل بالاثمد للتداوى فلها أن تكتحل ليلا وتمسحه نهاراً. وذلك لما روت أم حكيم بنت أسيد عن أمها أن زوجها توفى وكانت تشتكى عينيها فتكتحل بالجلاء. فأرسلت مولاة لها إلى أم سلمه تسألها عن كحل الجلاء. فقالت: لا تكتحلى الا لما لا بد منه يشتد عليك فتكتحلين بالليل وتغسلينه بالنهار .. رواه أبو داود والنسائى. وإنما منع الكحل بالإثمد، لأنه الذى تحصل به الزينة، فأما الكحل بالتوتيا ونحوها فلا بأس به لأنه لا زينة فيه. ولا تمنع من جعل الصبر على غير وجها من بدنها، لأنه إنما منع منه فى الوجه لأنه يصفره فيشبه الخضاب، ولهذا قال ﷺ «إنه يشب الوجه»، ولا تمنع من التنظيف بتقليم الأظفار ونتف الابط، وحلق الشعر المندوب الى حلقه، ولا بد من الاغتسال بالسدر والامتشاط به لحديث أم سلمة، ولأنه يراد للتنظيف لا للطيب. (ب) زينة الثياب: يحرم عليها من الثياب ما يتخذ عادة للزينة. (ج) لبس الحلى: فيحرم عليها لبس الحلى كله حتى الخاتم فى قول عامة أهل العلم، لقول النبى ﷺ : «ولا الحلى». وقال عطاء يباح حلى الفضة دون الذهب، وليس بصحيح لأن النهى عام. ولأن الحلى يزيد حسنها. ٣ - النقاب: وهو الأمر الثالث مما تجتنبه المحدة ومثله البرقع ونحوه لأن المعتدة مشبهة بالمحرمة، والمحرمة تمنع من ذلك وإذا احتاجت إلى ستر وجهها أسدلت عليه كما تفعل المحرمة. ٤ - المبيت فى غير منزلها (٢)، وانظر فى هذا مصطلح «عدة». مذهب الشافعية: وذهب الشافعية فى كل هذا إلى ما ذهب إليه الحنابلة وحرم عندهم ترجيل الشعر ولذا خالفوا الحنابلة فى استعمال الزيت والشيرج فى الرأس فمنعوه لأنه يرجل الشعر (٣). مذهب الظاهرية: إن الذى تمنع منه المحدة خمسة أشياء فقط. الأول: الكحل كله لضرورة أو غير ضرورة. الثانى: الثوب المصبوغ مطلقا لزينة أو لغيرها إلا العصب وحده فهو مباح لها. الثالث: الخصاب كله.

стр. 851

الرابع: الامتشاط حاشا التسريح بالمشط فقط، فهو مباح لها. الخامس: الطيب كله حاشا شيئا من قسط أو أظفار عند طهرها فقط، ويباح لها بعد ذلك أن تلبس ما شاءت من حرير أبيض أو أصفر .. الخ. ومباح لها أن تلبس المنسوج بالذهب والحلى كله من الذهب والفضة والجوهر والياقوت والزمرد وغير ذلك. ولم يأخذ بالأحاديث التى استدل بها غيره لمقال فى سندها (١). مذهب الزيدية: قريب من مذاهب من ذكرنا من الفقهاء عدا الظاهرية، فيحرم عندهم استعمال المحدة للطيب والحلى والثوب المصبوغ والكحل إلا لضرورة، والخضاب لحديث أم سلمة. وأما عن اكتحال المحدة فقد ذكر أنهم اختلفوا فى شأنه فذهب فريق إلى تحريمه على المحدة لغير حاجة وهو ظاهر ما فى حديث أم عطية السابق، وقال فريق يجوز مع كراهة جمعا بين أدلة التحريم والحل وهو قوله ﷺ لأم سلمة: «اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار»، وأجاب بأنه لا دلالة فيه على مطلق الحل بل عند الحاجة ففى بعض طرقه أنه ﷺ قال لأم سلمة وقد جعلت على وجهها صبرا إنه يشب الوجه فلا تجعليه إلا بالليل .. الحديث، فاستعمالها الصبر ظاهر فى الحاجة إليه (٢). مذهب الإمامية: كجمهور الفقهاء فى تحريم الزينة من الثياب والأدهان والطيب والكحل الأسود والحناء وخضب الحاجبين بالسواد، واستعمال ما يحسن الوجه وغير ذلك مما يعد زينة عرفا إلا أنهم لم يخصوا المنع فى الثياب بلون دون آخر، بل أرجعوا ذلك إلى العرف وقالوا: إن ذلك يختلف باختلاف البلاد والأزمان والعادات فكل لون يعد زينة عرفا يحرم لبس الثياب المصبوغ به. ووافقوا الجمهور أيضا فى جواز الاكتحال بالسواد لعلة ثم قالوا: إن تأدت الضرورة باستعماله ليلا ومسحه نهارا وجب وإلا اقتصرت على ما تتأدى به الضرورة ولا يحرم عليها التنظيف ولا دخول الحمام ولا تسريح الشعر ولا السواك ولا قلم الأظفار (٣) ولا استعمال الفرش الفاخرة ولا تزيين أولادها وخدمها (٤). إحْرَاز معنى الإحراز فى اللغة: جاء فى لسان العرب: «أحرزت الشئ أحرزه إحرازا، إذا حفظته وضممته إليك وصنته عن الأخذ (٥).

стр. 852

معنى الإحراز عند الفقهاء الإحراز فى عرف الشرع هو وضع المال فى حرز مثله. ولقد تكلم الفقهاء على الإحراز فى باب السرقة والوديعة، فعرفوا الحرز وبينوا أنواعه والضابط الذى يرجع إليه فى تحديده .. راجع كلمة «حَرَزَ». العلاقة بين الإحراز والحيازة يؤخذ من كتب اللغة أن الإحراز والحيازة بمعنى واحد، يقول صاحب لسان العرب (١): «وأحرز الشئ حازه». وجاء فى موضع آخر منه فى مادة «حاز» «حزت الشئ إذا أحرزته». وأما العلاقة بين الإحراز والحيازة فى عرف الفقهاء فهى العموم والخصوص، ذلك أنهم يستعملون الاحراز بمعنى وضع الشئ فى حرز مثله، وبمعنى ملاحظته وحراسته، ويستعملون الحيازة فى باب تملك المال المباح، ويقصدون بها الاستيلاء عليه. وليس كل ما يعد حيازة للمال يعد إحرازا له فى باب السرقة والوديعة، فقد يكون محوزا ولكنه فى غير حرز مثله (٢). الإحراز والقبض الإحراز والقبض بمعنى واحد فى اللغة، فقد جاء فى لسان العرب (٣) «حازه يحوزه إذا قبضه، وحرزت الشئ أحرزته». أما الفقهاء فقد استعملوا القبض فى أعم من معنى الإحراز. وعرفوه عند الكلام على قبض المبيع والمرهون، وحكم بيع الطعام قبل قبضه، بأنه التخلية، أو النقل فيما ينقل، والتخلية فى العقار، وهذا المعنى أعم من الإحراز، بمعنى وضع المال فى الحرز .. انظر مادة «قبض». الإحراز والاستيلاء جاء فى المنجد (٤): «استولى استيلاء على الشئ صار الشئ فى يده». وعلى هذا فالاستيلاء فيه معنى الإحراز والقبض والحيازة فى عرف أهل اللغة، ذلك أن الشئ إذا صار فى يده فقد قبضه وأحرزه. وأما الفقهاء فإنهم يستعملون الاستيلاء فى حيازة المال المباح ويعدونه من أسباب كسب الملك وتعريفهم للاستيلاء وتحديدهم للضابط الذى يرجع إليه فيه يفيد أن الاستيلاء أعم من الإحراز، ذلك أن بعض صور الاستيلاء قد يعد، إحرازا فى حين أن البعض الآخر لا يعد كذلك، ومن ناحية أخرى فإن بعض صور الإحراز قد يكون بالحراسة، وهذه قد لا تعد استيلاء تثبت به ملكية على المال المباح .. أنظر «استيلاء».

стр. 853

اشتراط الإحراز فى السرقة تكلم الفقهاء على الإحراز كشرط من شروط القطع فى السرقة، وإليك مذاهبهم فى ذلك: مذهب الحنفية: جاء فى الهداية والفتح (١): ثم الإخراج من الحرز شرط عند عامة أهل العلم، وعن داود لا يعتبر الحرز أصلا. مذهب المالكية: جاء فى الشرح الكبير للدردير (٢): تقطع يد السارق اليمنى بسرقة طفل أو ربع دينار مخرج من حرز. مذهب الشافعية: جاء فى شرح الجلال المحلى على منهاج الطالبين (٣): يشترط لوجوب القطع فى المسروق أمور .. الرابع كونه محرزا بملاحظة أو حصانة موضعه. مذهب الحنابلة: يقول ابن قدامة فى المغنى (٤): القطع لا يجب إلا بشروط سبعة .. الشرط الرابع أن يسرق من حرزه ويخرجه منه وهذا قول أكثر أهل العلم لما روى أن رجلا من مزينة سأل النبى ﷺ عن الثمار فقال «ما أخذ فى غير أكمامه فاحتمل ففيه قيمته ومثله معه، وما كان فى الخزائن ففيه القطع إذا بلغ ثمن المجن». مذهب الظاهرية: يقول ابن حزم فى المحلى (٥): «قضى رسول الله ﷺ بقطع السارق جملة ولم يخص ﵇ حرزا من حرز، ولو أراد الله ألا يقطع السارق حتى يسرق من حرز ويخرجه من الدار لما أغفل ذلك ولا أهمله .. فنحن نشهد ونبت ونقطع، أن الله تعالى لم يرد قط اشتراط الحرز فى السرقة. مذهب الزيدية: يقول ابن المرتضى فى البحر الزخار (٦): وشرط القطع عند العترة الأخذ من الحرز، وجاء فى شرح المنتزع المختار (٧): إنما يقطع بالسرقة من جمع شروطا .. السابع أن يكون السارق أخرجه - النصاب - من حرز وكان ذلك الإخراج بفعله. مذهب الإمامية: جاء فى المختصر النافع (٨): يشترط فيه - السارق - التكليف … وأن يهتك الحرز ويخرج المتاع بنفسه، ويأخذه سراً. وجاء فيه أيضا: لا بد من كونه - المسروق - محرزا بقفل أو غلق أو دفن. مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل فى الفقه الإباضى (٩): وتقطع يمنى سارق … ان خرج من حرز.

стр. 854

إحراز المال المباح إحراز المال المباح سبب منشئ للملكية، ولقد عبر الفقهاء عن هذا السبب «بحيازة المال المباح» والاستيلاء على المال المباح، وإحياء الموات، ثم تكلموا على شروط الحيازة وأثرها بالنسبة لكل نوع من أنواع المال المباح … راجع مصطلحات «حيازة - استيلاء - إحياء». الإحراز فى الوديعة تكلم الفقهاء علي التزام المودع بإحراز الوديعة فى حرز مثلها. وهاك مذاهبهم فى ذلك. مذهب المالكية: جاء فى شرح الخرشى (١): لا ضمان على المودع إذا أمره صاحب الوديعة أن يجعلها فى كمه فجعلها فيه ونسيها فوقعت فضاعت، وقيد بأن تكون غير منثورة فى كمه وإلا ضمن لأنه ليس بحرز حينئذ. مذهب الشافعية: يذهب الشافعية إلى أن المُوِدع إذا أحرزَ الوديعةَ فى غير حرز مثلها دون إذن المالك مضيعا لها، والتزم بضمانها، ولو قصد بذلك إخفاءها لأن الودائع مأمور بحفظها فى حرز مثلها (٢). مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى لابن قدامة (٣): وإذا لم يحفظها كما يحفظ ماله، وهو أن يحرزها بحرز مثلها، فإنه يضمنها، وحرز مثلها يذكر فى باب القطع فى السرقة وهذا إذا لم يعين له المودع ما يحفظها فيه، فإن عين له لزمه حفظها فيما أمره به سواء كان حرز مثلها أو لم يكن، وإن أحرزها بمثله أو أعلى منه لم يضمنها ويتخرج أن يضمنها إذا فعل ذلك من غير حاجة. مذهب الزيدية: جاء فى البحر الزخار (٤): إذا لم يعين المالك حرزها فعليه أن يحفظها حيث يحفظ مثلها فى مثله. مذهب الإمامية: جاء فى المختصر النافع (٥): وتحتفظ كل وديعة بما جرت به العادة، ولو عين المالك حرزا اقتصر عليه .. ولو نقلها إلى أدون أو أحرز ضمن الا مع الخوف. إحْرَاق مقدمة: للإحراق أحكام فى الشريعة الإسلامية تبدو فى المواضع الآتية: أولها: أثر الإحراق فى طهارة الأعيان النجسة، وطهارة الأعيان المحروقة واستعمالها. ثانيها: ما يجوز للإمام وولى الأمر من الإحراق، وذلك فى أمور شتى، كإحراق

стр. 855

آلات اللهو والفسق، وإحراق الكتب التى تتضمن الكفر، والصلبان، وما يجوز من إحراق المصاحف وإحراق بيوت المتخلفين عن الصلاة، والمنافقين والفساق، ورحال الغالِّ للغنيمة ومتاعه. وأخيرا: ما يجوز عند القتل والقصاص وامتناع المْثلَة والتعذيب. ثالثها: بحث ما يجوز من الإحراق فى القتال، برمى النار على المشركين عند محاربتهم، والحكم لو تترسوا بمن لا يجوز قتله، وان كان المحاربون من البغاة أو المرتدين. رابعها الجناية على النفس أو المال بالإحراق وما يكون من مُثْلَة السيد بعبده بالإحراق. إحراق النجاسات واستعمال الأشياء المحروقة اختلف الرأى فى أثر الإحراق فى طهارة الأعيان النجسة، وهل يؤدى الإحراق إلى طهارتها، أم تظل نجسة بعد الإحراق، وحكم رمادها ودخانها. فذهبت بعض المذاهب إلى أن الإحراق يطهر الأعيان النجسة مع تفصيل فى دخانها وما تخلف من رمادها. وذهب البعض الآخر إلى أن الأعيان النجسة لا تطهر بالاحراق وان رمادها ودخانها نجسان. مذهب الحنفية: للحنفية (١) رأيان: أحدهما رأى الإمام أبى يوسف (٢)، وعنده أن الأشياء النجسة لا تطهر بالاحراق. فاذا احترقت خشبة أصابها بول أو عذرة، ووقع رمادها فى بئر. فسد ماؤها عنده. ذلك لأن الرماد عنده أجزاء لتلك النجاسة، فتبقى على نجاستها بعد الإحراق. والثانى: هو رأى الإمام محمد (٣)، وعليه الفتيا، وهو أن احراق النجاسات يطهرها. ذلك لأن الشرع رتب وصف النجاسة على تلك الحقيقة، وتنتفى الحقيقة بانتفاء بعض أجزاء مفهومها، فمن باب أولى بانتفائها كلها. وانما قيل (٤) ان الاحراق الذى تطهر به النجاسة هو ما استحالت به النجاسة، أى تغيرت به مادتها وتحولت عن طبيعتها. فليس كل ما يدخل النار يطهر بدخوله فيها وإنما تطهر الأعيان النجسة بالإحراق. وقيل (٥) أيضا أنه لا فرق بين الجفاف بالنار أو الشمس أو الريح، فكل ذلك يطهر النجاسة. فإذا احترقت الأرض بالنار وذهب أثر ما عليها من النجاسة جازت الصلاة مكانها من باب أولى.

стр. 856

وعلى القول بأن النجاسات تطهر بالإحراق إذا استحالت مادتها قالوا إن السرقين (الزبل أو العذرة، فضلة الإنسان) إذا أحرقت حتى صارت رمادا طهرت. واذا أحرق رأس الشاة الملطخ بالدم وزال عنه الدم يحكم بطهارته. واذا لبن اللبن (عجن اللبن: وهو الطوب المضروب من الطين) بالماء النجس واحرق صار طاهرا. وكذلك الكوز أو القدر إذا طبخ من طين نجس يطهر بالإحراق. والإناء من الحديد أو الخزف أو الحجر إذا دخلت النجاسة فى أجزائه فإنه يطهر بالإحراق. مذهب المالكية: وذكر المالكية فى ذلك رأيين: أحدهما: أن النجاسات تطهر بالإحراق … قاله الدردير فى شرح بلغة السالك على الشرح الصغير (١)، وقاله ابن رشد كذلك (٢). والثانى: أن النجاسات لا تطهر بالإحراق (٣) وذلك مفهوم من قال بنجاسة دخان النجاسات المحترقة ورمادها. مذهب الشافعية: وقال الشافعية (٤) بالتفرقة بين ما هو نجس لعينه، وما هو نجس لمعنى فيه. فأما الأشياء النجسة لعينها كالعذرة والسرجين وعظام الميتة ونحوها فقالوا لا تطهر بالإحراق، وأما إذا كانت نجاستها لمعنى كالخمر - فإنها بإحراقها يزول هذا المعنى، فتطهر بالإحراق. فاذا طبخ اللبن (الطوب النئ) الذى خلط بطينة السرجين لم يطهر لأن النار لا تطهر النجاسة. مذهب الحنابلة: وقال الحنابلة (٥): لا تطهر النجاسة بالإحراق ولا بالاستحالة ولو أحرق السرجين النجس فصار رمادا لم تطهر لأنها نجاسة لم تحصل بالاستحالة. فلم تطهر بها كالدم إذا صار قيحاً أو صديداً. وعلى هذا الأساس اعتبر الخمر كأن تتحول إلى خل فإنها نجسة بالاستحالة، فجاز أن تطهر بها. وقالوا لا تطهر الأرض بشمس ولا ريح ولا جفاف، وقالوا لا تطهر نجاسة بنار فرمادها ودخانها وبخارها وغبارها نجس. مذهب الظاهرية: وقال الظاهرية (٦): تطهر الأعيان النجسة بإحراقها، فإذا أحرقت العذرة أو الميتة أو تغيرت فصارت رمادا أو ترابا فكل ذلك طاهر. ويتيمم به.

стр. 857

مذهب الزيدية: وقال الزيدية (١): إن النار تطهر النجاسات وذلك بالاستحالة التامة وهى تغير اللون والريح والطعم إلى غير ما كانت عليه. مذهب الإمامية: وقال الإمامية (٢): إذا أحالت النار النجاسة رماداً أو دخانا طهرت، أما إذا أحالتها خزفاً أو آجُرَّا فلا تطهر. مذهب الإباضية: وللإباضية (٣) فى النجس إذا صار جمرا أو رمادا قولان: أحدهما: أنه يطهر بالإحراق. والثانى: أنه لا يصير طاهراً به، فهو ذات واحدة تغير لونها. أما ما تنجس (أى أصابته نجاسة من غيره) فإنه يطهر بالاحتراق، فيكون جمره ورماده ولهبه طاهرا، لأن ما تنجس بغيره تزول نجاسته بمزيل كالنار، ونصوا على أن النجاسة تزال بالنار، وقالوا: إنها أقوى من الشمس والريح فى إزالة عين النجاسة فيما يتحملها كالأرض والفخار بأن يحمى عليه حتى تطيقُه اليد سواء جعلت النار على موضع النجاسة أو تحته أو وصلته الحرارة التى لا تطيقها اليد حتى ولو لم تترك أثرا. دخان النجاسات ورمادها الرأى فى دخان النجاسات ورمادها على وجهين. أحدهما: مبنى على القول بأن الإحراق يطهر النجاسات فيكون دخانها ورمادها طاهرين. والآخر: مبنى على أنه لا يطهرها، والدخان هو أجزاء من النجاسات فلا يكون طاهرا ولا رمادها. مذهب الحنفية: قال الأحناف (٤) تبعا لرأيهم الراجح إن دخان النجاسة ورمادها طاهران، فإذا (٥) أصاب الثوب أو البدن دخان نجاسة لا ينجسه. وإذا أحرقت العذرة فى بيت فعلا دخانها وبخارها إلى السقف، وانعقد وذاب أو عرق السقف فأصاب ماؤه ثوبا، لا ينجس استحسانا. قيل ما لم يظهر أثر النجاسة. مذهب المالكية: قال المالكية (٦) ممن رأوا نجاسة الأشياء النجسة المحروقة، أن دخان النجاسات عند حرقها نجس. وقيل إن دخانها أشد نجاسة من رمادها، وأن رمادها نجس كذلك. وكذلك عرق الحمام من الرطوبات التى به من بول، وعرق، ونجاسات. فإذا كان الدخان ينعكس على طعام يطهى على نجاسات يوقد بها، فإن كان دخانها ينعكس فى الطعام، فيصل إليه فإن الطعام يكون نجسا فلا يؤكل. وان كان

стр. 858

لا ينعكس فلا بأس به. ولذلك فلا يؤكل الخبز الذى يوقد عليه بأرواث الحمير. ولا يوقد بعظام الميتة على طعام أو شراب. وقيل (١) ينبغى أن يرخص فى مصر فى الخبز بالزبل (ومثله الجلة) لعموم البلوى ومراعاة لمن يرى أن النار تطهر النجاسات وإن رماد النجاسة طاهر، وللقول بطهارة زبل الخيل. وقيل لا ينجس بالملاقاة أو العلوق، وهو أن يظهر أثر الدخان فيما أصابه، لا مجرد رائحته. مذهب الشافعية: وقال الشافعية (٢) فى رماد النجاسات لعينها أنه نجس، فلا يطهر السرجين والعذرة وعظام الميتة بالإحراق ورمادها المتخلف عنها نجس. أما دخانها ففيه وجهان: أحدهما أنه نجس لأنه أجزاء متحللة من النجاسة فهو كالرماد. والثانى: أنه ليس بنجس لأنه بخار نجاسة كالبخار الذى يخرج من الجوف وقالوا (٣): إن النار المتصاعدة من الوقود بأعيان نجسة ليست نجسة لأنها ليست من نفس الوقود، وإنما هى تأكل الوقود، فالنار المتصاعدة طاهرة ما لم تختلط بالدخان. وقيل يعفى عن القليل من دخان النجاسة. وقيل لا يعفى عنه، فإذا قيل ذلك، فإذا مسح التنور مما علق به من دخان بخرقة يابسة طهر. وإذا مسح بخرقة رطبة لم يطهر الا بالغسل بالماء. وقالوا فيما علق بالثوب من دخان النجاسات إن كان قليلا عفى عنه، وإن كان كثيرا لم يعف عنه ولم يطهر إلا بالغسل وإذا اسود الرغيف مما لصق به من دخان وقود نجس، كان أسفله نجسا. مذهب الحنابلة: وقال الحنابلة (٤): لا تطهر نجاسة بنار. فرمادها ودخانها وبخارها وغبارها نجس. مذهب الظاهرية: وقال الظاهرية (٥): إن تراب النجاسات المحروقة طاهر، وذلك تبعا لقولهم بطهارة المحروقات النجسة. مذهب الزيدية: وقال الزيدية (٦): إن العذرة والروث والميتة ونحوها إذا صارت رماداً، فالمذهب أن الاستحالة توجب الطهارة، وفى الدخان وجهان. مذهب الإمامية: وقال الإمامية (٧): إذا أحالت النار النجاسة رمادا أو دخانا طهرت.

стр. 859

مذهب الإباضية: وللإباضية (١) قولان فى غبار النجس ورماده. أحدهما: أنه يطهر بالإحراق. والراجح عندهم أنه لا يطهر بالاحراق لأن غبرة الشئ جزء لطيف منه. أما دخانه فقد قالوا بطهارته لأنه لا توجد فيه ذات النجس ولا طعمه ولا لونه ولا رائحة يحكم على النجاسة بها. أما المتنجس بغيره فلا خلاف عندهم فى طهارة غباره ورماده وجمره ودخانه. استعمال المحروقات لا خلاف بين فقهاء المذاهب فى جواز استعمال الرماد المتخلف من محروق طاهر غير أن التيمم بالرماد أو بما خالطه الرماد من تراب الأرض أو بمدفون المحروق فموضعه الكلام على التيمم، انظر «تيمم». وفيما يحرق من أجل التجمير «تبخير»، فموضعه مصطلح «تجمير». الإحراق بأمر الإمام أو ولى الأمر هناك أحوال شتى يكون فيها للإمام أو ولى الأمر استعمال النار فى الإحراق كما أن ثمة قيودا على استعمال النار فى نواح أخرى. نتكلم فيما يلى على الفروض التى قيل بجواز الإحراق فيها، وما لا يجوز من المثلة والتعذيب بالنار. إحراق رحال الغالَّ للغنيمة ومتاعه نص الحنابلة (٢): على إحراق رحال الغالَّ للغنيمة ومتاعه، واكتفى الحنفية (٣) والمالكية (٤) والشافعية (٥) بالقول بأنه يؤدب، وقال الإمام الشافعى لا يرجل الغال عن دابته فيحرق سرجه ومتاعه، لأن الرجل لا يعاقب فى ماله، وإنما يعاقب فى بدنه. وإنما جعل الله الحدود على الأبدان، وكذلك العقوبات. وأما المال فلا توقع العقوبة عليه. وقال الحنابلة: إن حكم الغال - وهو الذى يكتم ما يأخذه من الغنيمة فلا يطلع الإمام عليه ولا يضعه فى الغنيمة - أن يحرق رحله كله. وقال ابن قدامة: وبهذا قال الحسن وفقهاء الشام، ومنهم مكحول والأوزاعى وأن سعيد بن عبد الملك أتى بغال فجمع ماله وأحرقه وعمر بن عبد العزيز حاضر ذلك فلم يعبه. وقال يزيد بن يزيد بن جابر: إن السنة فى الذى يغل أن يحرق رحله. وقد رواه سعيد فى سننه. والدليل ما روى صالح

стр. 860

ابن محمد بن زرارة قال: دخلت مع مسلمة أرض الروم فأتى برجل قد غل فسأل سالما عنه فقال سمعت أبى يحدث عن عمر ابن الخطاب رضى الله عنه. عن النبى ﷺ قال: «إذا وجدتم الرجل قد غل فأحرقوا متاعه واضربوه» … قال فوجدنا فى متاعه مصحفا فسأل سالما عنه فقال: بعه وتصدق بثمنه. فالمصحف لا يحرق إذا غل، وكذلك لا ينبغى أن تحرق كتب العلم والحديث. ولا يحرق الحيوان لنهى النبى ﷺ أن يعذب بالنار إلا ربها، ولحرمة الحيوان فى نفسه ولأنه لا يدخل فى اسم المتاع المأمور بإحراقه. قال ابن قدامة: وهذا لا خلاف فيه. ولا تحرق كذلك آلة الدابة أى سرج الدابة ونحوه أيضا، نص عليه أحمد، لأنه يحتاج إليها للانتفاع بها ولأنها تابعة لما لا يحرق، فأشبه جلد المصحف وكيسه قال ابن قدامة: قال الأوزاعى ويحرق سرجه وأكافه (البرذعة). ولا تحرق ثياب الغال التى عليه لأنه لا يجوز تركه عريانا، ولا ما غل من غنيمة المسلمين ويرفع إلى المغنم كما قال الإمام أحمد بن حنبل. ولا يحرق سلاحه لأنه يحتاج إليه فى القتال، ولا تحرق نفقته لأن ذلك مما لا يحرق عادة، وجميع ذلك أو ما أبقت عليه النار من حديد أو غيره فهو لصاحبه لأن ملكه ثابت عليه ولم يوجد ما يزيله عنه، وإنما عوقب بإحراق متاعه. فما لم يحترق يبقى على ما كان. قال الإمام أحمد: وإذا استحدث الغال متاعا غير ما كان معه عند الغلول بعد أن رجع إلى بلده، أحرق ما كان معه حال الغلول فقط. كما قال وإن مات قبل إحراق رحله لم يحرق لأنها عقوبة فتسقط بالموت كالحدود ولأنه بالموت انتقل إلى ورثته فإحراقه عقوبة لغير الجانى وإن باع رحله أو وهبه احتمل ألا يحرق لأنه صار لغيره. فأشبه ما لو انتقل عنه بالموت، واحتمل أن ينقض البيع والهبة ويحرق لأنه تعلق به حق سابق على البيع أو الهبة فوجب تقديمه. وإن كان الغال صبيا لم يحرق متاعه لأن الإحراق عقوبة وهو ليس أهلا للعقوبة. وإن كان عبدا لم يحرق متاعه أيضا لأن المتاع لسيده فلا يعاقب سيده بجناية عبده وإن غلت امرأة أو ذمى أحرق متاعهما لأنهما من أهل العقوبة، وإن أنكر الغلول وذكر أنه ابتاع ما بيده لم يحرق متاعه حتى يثبت غلوله ببينة أو إقرار. الإحراق فى القتال إحراق حصون الكفار وإرسال النار عليهم بالمجانيق وغيرها مذهب الحنفية: قال الحنفية (١): لا بأس بأن يحرق المسلمون حصون الكافرين وأن ينصبوا

стр. 861

المجانيق عليهم لقول الله تعالى «يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ» (١)، ولأن كل ذلك من باب القتال لما فيه من قهر العدو والنكاية فيه وغيظه، ولأن حرمة الأموال لحرمة أربابها، فكذلك لا تكون ثمة حرمة لأموالهم. وكذلك لما ذكره الزهرى من أن النبى ﷺ أمر بقطع نخيل بنى النضير وتحريقها فأنزل الله قوله: «ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللهِ» (٢) أى أن القطع جائز بإذن الله، ففى هذا بيان أنه كان فيه غيظ لهم وقد أمرنا به لقوله تعالى «وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ» (٣). وكذلك فقد أمر بحرق قصر عوف بن مالك النضرى بأوطاس. وكره بعض الحنفية ذلك لما ذكره أبو بكر فى وصيته ليزيد بن أبى سفيان ألا يقطعوا شجرة ولا يخربوا ولا يفسدوا، لقوله تعالى: «وَإِذا تَوَلّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها» (٤). وقال ابن عابدين أن الإحراق فى الأصل ممنوع لأنه لا يعذب بالنار إلا ربها. ولكن تحرق الدابة اذا شق نقلها وكانوا ينتفعون بها لو عقرت أو ذبحت، كما تحرق الأسلحة والأمتعة إن تعذر حملها، ويدفن ما لا يحرق بموضع خفى. مذهب المالكية: وقال المالكية (٥) بجواز التخريب وقطع النخل والحرق إن أنكأ العدو. وأنه لا بأس أن ترمى حصونهم بالمجانيق وأن تحرق قراهم وحصونهم بالنار، وذلك إذا لم يكن غير النار وسيلة، وكنا إذا تركناهم خفنا على المسلمين، وأما إذا لم نخف، فقد اختلف الرأى فى جواز إحراق المحاربين بالنار إذا انفردوا ولم يمكن قتلهم إلا بالنار. فقال رأى بجواز ذلك. وقال رأى بعدم جوازه، ما دام لا خوف عليهم من المسلمين. وقال ابن رشد أنه يجوز أن يرمى من فى الحصون بالنار إذا لم يكن فيها إلا المقاتلة. والرأى الظاهر أن ذلك مندوب لما فيه من غيظ العدو، فقد روى أن النبى ﷺ أمر بقطع نخل بنى النضير فأنزل الله «ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ.﴾. الآية»، فهى دالة على إباحة القطع، ولا حرج فى الترك.

стр. 862

وقال مالك: الظاهر الأفضل أن القطع أولى من الترك لما فيه من إذلال العدو وصغارهم ونكايتهم لقوله تعالى «وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً.﴾. الآية». مذهب الشافعية: وقال الشافعية (١): فى ذلك أنه يجوز حصار الكفار فى البلاد والقلاع ورميهم بنار أو منجنيق أو غيرهما. وقالوا إنه يجوز إحراق ما لا روح له. أما ما له روح من حيوان فإن قتله محرم لأنه يألم مما أصابه، إلا أن يذبح فيؤكل ولا يحل قتله لمغايظة العدو لقوله ﷺ : «من قتل عصفورا فما فوقها بغير حقها، سأله الله عنها»، ولا تحرق حشرة النحل لأنها ذات روح. وإذا تحصن أهل الحرب بحرم مكة امتنع قتالهم بما يعمهم وغيرهم، وكذا حصارهم تعظيما للحرم، فإذا قامت ضرورة لذلك جاز. وإذا رموا بالمنجنيق فارتد الرمى ورجع وأصاب أحد رجال جيش المسلمين ممن يرمون به، أو غيرهم، فقتله فديته على عواقل الذين رموا بالمنجنيق. فإن كان المصاب أحد الرماة الذين رموا به رفعت حصته من الدية. مذهب الحنابلة: وقال الحنابلة (٢): إذا قدر على العدو فلا يجوز تحريقه بالنار بغير خلاف، وإن أمكن أخذ العدو بدون رميهم بالنار لم يجز رميهم، لأنهم فى معنى المقدور عليهم، وأما عند العجز عنهم بغيرها فجائز فى قول أكثر أهل العلم، ويجوز نصب المنجنيق عليهم، لأن النبى ﷺ فعل ذلك بالطائف. مذهب الظاهرية: وقال الظاهرية (٣): يجوز تحريق أشجار المشركين وأطعمتهم وزروعهم ودورهم وهدمها وقال الله تعالى «ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللهِ﴾ .. الآية»، وقد أحرق رسول الله ﷺ نخل بنى النضير. مذهب الزيدية: وقال الزيدية (٤): يجوز للإمام ومن يوليه من قبله أن يحرق من حاربه، وأن يرميه بالمنجنيق بشرطين: أحدهما: أن يتعذر إيقاع السيف فيهم لتحصنهم فى قلاع أو بيوت مانعة أو فى سفينة فى البحر. الثانى: أن يكونوا فى تلك الحال قد خلوا مما لا يجوز أن يقتل من الصبيان أو النسوة ونحوهم. فإذا اجتمع هذان الشرطان جاز قتلهم بما أمكن، فلا يجوز الإحراق إلا لضرورة ملجئة وهى تعذر دفعهم عن المسلمين أو تعذر قتلهم.

стр. 863

ويجوز تخريب بيوت المشركين وقطع شجرهم إن لم يمكن إحراقها لقوله تعالى «ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ.﴾. الآية». وقد أحرق النبى ﷺ شجر الطائف وبنى النضير. وقالوا إن ما تعذر حمله إلى دار الإسلام، حيث يكون جمادا، كالثياب والطعام ونحوهما يجوز إحراقه. أما الحيوان فلا يحرق إلا بعد الذبح فإن كان مما يستبيحون أكله، أو ينتفعون به بعد الذبح يحرق وأما ما لا يأكلونه ولا ينتفعون به وهو ميتة فلا وجه لإحراقه. مذهب الإمامية: وقال الإمامية (١): يجوز محاربة العدو بكل ما يرجى به الفتح كهدم الحصون والرمى بالمجانيق، ويكره رميهم بالنار إلا لضرورة، فإن أدى ذلك إلى قتل نفس محترمة فيحرم الرمى بالنار إن أمكن بدونه، وأما إذا توقف الفتح عليه فوجب. الإحراق فى القتال إذا وجد فى العدو مسلم أو من لا يقتل مذهب الحنفية: قال الحنفية (٢): إذا كان فى الحصن ونحوه نساء أو صبيان أو أسرى من المسلمين أو تجار مسلمون، فلو قدر على التمييز فعلا بين المحاربين وبين هؤلاء لزمنا ذلك فلا يحل إذن رمى النساء والصبيان والأسارى، فإذا كانوا يقصدون المشركين ولا يمكنهم التمييز جاز الرمى بالنار والإحراق. قالوا: وذلك حتى لا ينسد باب الجهاد بأن يعمد العدو إلى الاحتفاظ معه بمن لا يجوز قتلهم ليعرقل الحرب، وكذلك إذا تترسوا بأطفال المسلمين فلا بأس بالرمى إليهم بضرورة إقامة الفرض، فإن أصابوا مسلما فلا دية ولا كفارة. وقال الحسن بن زياد: تجب الدية والكفارة، لأن دم المسلم معصوم، والضرورة فى رفع المؤاخذة لا لنفى الضمان كتناول مال الغير فى مخمصة رخص فيه، ولكن مع الضمان. مذهب المالكية: وقال المالكية (٣): إذا كان فى الحصن مع المقاتلين أسرى مسلمون فلا يرمون بالنار، وإذا كان فى الحصن نساء وصبية من المشركين فقد قيل فى المدونة أنه يجوز أن يرموا بالمجانيق ولا يجوز أن يحرقوا. وقال ابن رشد فى السفن فيها الأسارى المسلمون أو النساء أو الصبيان قولان: قول أنه يجوز رميهم بالنار وقول أنه لا يجوز ذلك. وإن تترسوا بمسلم لم يقصد الترس إذ لا يستباح دم المسلم، إلا اذا خيف أن

стр. 864

يؤدى تركهم إلى انهزام المسلمين واستئصال قاعدة الإسلام، فإنه يجب الدفع وتسقط حرمة الترس. وقد قال المالكية أنه إذا اضطر الجيش إلى التخلى عن الخيل أو الحيوان فى أرض العدو، فانها تعرقب (أى تقطع عراقييها) فإن خيف أكلها فإنها تحرق، وذلك إذا كانوا يأكلون الميتة. مذهب الشافعية: وقال الشافعية (١): إذا كان فى المشركين الذين يجرى قتالهم مسلم أو أسير أو تاجر مسلم جاز حصارهم وقتلهم بما يعم، فإن الأمر محمول على ما فيه مصلحة المسلمين لئلا يعطلوا الجهاد علينا بحبسهم مسلما عندهم. ولكن يجب توقى ذلك ما أمكن ويكره عند عدم الاضطرار إليه تحرزا من إيذاء المسلم ما أمكن، ومثله فى ذلك الذمى. ولا ضمان عندهم فى قتل المسلم أو الذمى فى ذلك، لأن الفرض أنه لم تعلم عينه، أى أن المسلمين رموا أو أحرقوا ولا يعلمون بخصوص ذات من فيهم من المسلمين، ويجوز رميهم بالنار والمنجنيق ولو كان فيهم النساء والصبيان لقوله تعالى «وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ»، ولأنه ﷺ حاصر أهل الطائف ورماهم بالمنجنيق. وقال الإمام الشافعى: لا بأس أن ينصب المنجنيق على الحصون دون البيوت التى بها الساكن. إلا أن يلتحم المسلمون قريبا من الحصون فلا بأس أن ترمى البيوت. وإذا كان فى الحصون والبيوت مقاتلة محصنون رميت الحصون والبيوت ولو التحموا فى حرب فتترسوا بنساء وخناثى وصبيان ومجانين منهم، جاز رميهم إذا دعت الضرورة لذلك، فإذا دفعوا بهم عن أنفسهم ولم تدع الضرورة إلى رميهم فالأظهر تركهم، لئلا يؤدى الرمى إلى قتلهم بغير ضرورة. قالوا: ولكن المعتمد جوازه مع الكراهية وهو قياس على ما مر من قتلهم بما يعم. وقيل يشترط لذلك أن يكون القصد هو التوصل إلى رجالهم. وإن تترسوا بمسلمين أو ذميين فإن لم تدع ضرورة إلى رميهم تركناهم وجوبا صيانة لهم، وهم يختلفون فى ذلك عن الذرية والنساء المشركات لأن حرمة المسلم أو الذمى لأجل الدين، واما حرمة الذرية والنساء فلحفظ حق الغانمين خاصة. وإلا فإذا تترسوا بمسلمين أو ذميين حال الالتحام فى الحرب واضطررنا لرميهم بأن كنا لو كففنا عنهم ظفروا بنا أو عظمت مكانتهم فينا، جاز رميهم على الأصح على قصد قتال المشركين، وفى سبيله ويتوقى المسلمون بحسب الإمكان، لأن مفسدة الكف عنهم أعظم ولا يكون ذلك

стр. 865

عند الخوف، لأن دم المسلم أو الذمى لا يباح بالخوف. مذهب الحنابلة: وقال الحنابلة (١): وإذا تضمن رمى الكفار إتلاف النساء والذرية الذين يحرم إتلافهم قصدا، وكان لا يقدر عليهم إلا بذلك، جاز الرمى بالنار والإحراق. وإن تترس الأعداء أثناء الحرب بنسائهم وصبيانهم جاز رميهم بقصد المقاتلة، لأن النبى ﷺ رماهم بالمنجنيق ومنهم النساء والصبيان، ولأنهم متى علموا ذلك تترسوا بهم عند حرقهم فينقطع الجهاد .. وذلك سواء كانت الحرب ملتحمة أو غير ملتحمة، لأن النبى ﷺ لم يكن يتحين بالرمى حال التحام الحرب. وقالوا: إن تترسوا بمسلم ولم تدع الحاجة إلى رميهم، لكون الحرب غير قائمة أو لإمكان القدرة عليهم بدونه، أو للأمن من شرهم، لم يجز رميهم، فإن رماهم فأصاب مسلما فعليه الضمان، فان دعت الحاجة إلى رميهم للخوف على المسلمين جاز رميهم لأنها حالة ضرورة، وذلك إذا لم يقدر عليهم إلا بالرمى وكانت الحرب قائمة، لأن ترك ذلك يفضى إلى تعطيل الجهاد … فعلى هذا، فإن قتل الرامى مسلما فعليه الكفارة، وفى الدية رأيان: أحدهما أنها تجب لأنه قتل مؤمنا خطأ فيدخل فى عموم الآية .. ومن قتل مؤمنا خطأ، والثانى أنه لا دية عليه لأنه قتل فى دار الحرب برمى مباح فيدخل فى عموم قوله تعالى «فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ» ولم يذكر الدية. مذهب الزيدية: واشترط الزيدية (٢): لرمى المشركين بالنار وحرقهم ألا يكون معهم صبية أو نساء، وإلا فلا يجوز الإحراق إلا لضرورة ملجئة، وهى تعذر دفعهم عن المسلمين أو تعذر قتلهم دون الترس. مذهب الإمامية: وقال الإمامية (٣): لو تترس الأعداء بالنساء أو الصبيان منهم كف عنهم إلا فى حال التحام الحرب، وكذا لو تترسوا بالأسارى من المسلمين. فإذا قتل الأسير المسلم ولم يكن من الممكن جهادهم إلا كذلك، فلا يلزم القاتل بالدية. وفى الكفارة خلاف، فقال بعضهم تلزمه «الكفارة»، وقال البعض الآخر لا تلزمه. الإحراق فى قتال البغاة مذهب الحنفية: قال الحنفية (٤): يقاتل أهل البغى بالمنجنيق والحرق وغير ذلك مما يقاتل به أهل الحرب، لأن قتالهم لدفع شرهم

стр. 866

وكسر شوكتهم، فيقاتلون بكل ما يحصل به ذلك. مذهب المالكية: قال المالكية (١): إن قتال البغاة يقصد به ردعهم فقط وليس قتلهم، فهو يختلف عن قتال الكفار فى ذلك، ولذلك تنصب عليهم الدراعات ولا تحرق مساكنهم ولا يقطع شجرهم. مذهب الشافعية: وقال الشافعية (٢): لا يقاتل البغاة بعظيم يعم كنار أو منجنيق. مذهب الحنابلة: وقال الحنابلة (٣): لا يقاتل البغاة بما يعم إتلافه كالنار من غير ضرورة، فإن دعت الضرورة لذلك كما لو حاصر البغاة أهل العدل فلم يمكنهم التخلص إلا برميهم بما يعم، جاز ذلك. وأما المرتدون فقد قالوا أن أبا بكر كان يأمر بتحريقهم بالنار. وفعل خالد بن الوليد ذلك بأمره. وقال فى منتهى الارادات غير ذلك. انه إذا أصر المرتد على ردته قتل بالسيف ولا يحرق بالنار لحديث «إن الله كتب الاحسان على كل شئ فإذا قتلتم فأحسنوا القتل» وحديث «من بدل دينه فاقتلوه ولا تعذبوا بعذاب الله» (يعنى النار). قال: رواه البخارى. مذهب الظاهرية: وقال الظاهرية (٤): لا يحل قتال أهل البغى بنار تحرق من فى الحصن من غير أهل البغى لقوله تعالى «وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاّ عَلَيْها، وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى» أما إذا لم يكن فيه إلا البغاة فقط، فيقاتلون حتى ينزلوا إلى الحق. ويجوز أن توقد النيران حولهم ويترك لهم مكان يتخلصون منه إلى عسكر أهل الحق (أى المسلمين)، ولا يحل حصارهم بالنار دون أن يجعل لهم منفذا، لأن الله تعالى لم يأمر بذلك ولا رسوله ﷺ ، وإنما أمر بالمقاتلة فقط. مذهب الزيدية: وقال الزيدية (٥): يحرق الباغى ويغرق ويخنق إن تعذر قتلهم بالسيف وخلوا عمن لا يقتل كالنساء والصبيان، ويجوز للحاكم تعزير أهل البغى بإحراق دورهم وهدمها. مذهب الإمامية: وقال الإمامية (٦): إن القصد من محاربة البغاة تفريق كلمتهم، فقتالهم أقل من جهاد المشركين.

стр. 867

مذهب الإباضية: وقال الإباضية (١): ويمنع فى القتال بين الفئة الباغية وغيرها من إشعال النار فيما بينهم وقت اصطفافهم لقتال لا بقصد إحراق أو موت. ولكن لا ضمان ان أصيبوا ولو قصدوهم بالحريق. إحراق آلات اللهو والخمر ودور الفسق والكتب الباطلة والصلبان مذهب الحنفية: قال الحنفية (٢): يجوز احراق بيت الخمار، فقد روى عن عمر رضى الله عنه أنه أحرق بيت الخمار، وعن الإمام الزاهد الصفار أنه أمر بتخريب دار الفاسق بسبب الفسق. وقال أبو يوسف: يحرق الزق أو يخرق إذا كان فيه خمر لمسلم أو لنصرانى. مذهب المالكية: وقال المالكية (٣): إن من قال بأن العقوبة المالية منسوخة فقد غلط على مذاهب الأئمة نقلا واستدلالا. أورد القرافى أمثلة عديدة للإحراق وغيره من طرق التعزير تساوى فيه القليل والكثير ومن ذلك تحريق عمر للمكان الذى يباع فيه الخمر وتحريق قصر سعد ابن أبى وقاص لما احتجب عن الناس فيه وصار يحكم فى داره. وأن أبا بكر رضى الله عنه استشار الصحابة فى رجل ينكح كما تنكح المرأة فأشاروا بحرقه بالنار، فكتب أبو بكر رضى الله عنه بذلك إلى خالد بن الوليد ثم حرقهم عبد الله بن الزبير فى خلافته، ثم حرقهم هشام بن عبد الملك. وهو رأى ابن حبيب من الحنابلة، وذكره فى مختصر الواضحة. وأن أبا بكر حرق جماعة من أهل الردة .. قال وغير ذلك من القضايا مما يكثر تعداده وهى شائعة فى مذهب مالك وابن حنبل. مذهب الشافعية: وقال الشافعية (٤): لا يجوز توقيع العقوبة على المال وأن العقوبة توقع على البدن، وقد أجاب الإمام الشافعى بذلك كما تقدم فى سؤاله عن حرق متاع الغال وإنما إذا أصابوا فى القتال كتبا فيها كفر لم يجز تركها على حالها لأن النظر فيها معصية وإن أصابوا التوراة والإنجيل لم يجز تركها على حالها لأنها مبدلة فإن أمكن الانتفاع بما كتب عليه كالجلود غسل، وإن لم يمكن حرق. مذهب الحنابلة: وقال الحنابلة (٥): إن إتلاف المال على وجه التعزير والعقوبة ليس بمنسوخ وقالوا

стр. 868

يجوز إتلاف المنكرات من الأعيان والصور وإتلاف محلها تبعا لها مثل الأصنام المعبودة من دون الله. ولما كانت صورها منكرة فإنه يجوز إتلاف مادتها فإذا كانت حجرا أو خشبا أو نحو ذلك جاز تكسيرها وتحريقها وكذلك آلات الملاهى كالطنبور يجوز إتلافها عند أكثر الفقهاء ومن الإتلاف إحراقها وقال أبو الحصين: كسر رجل طنبورا فخاصمه إلى شريح فلم يضمنه شيئا وقد رجحه ابن القيم لأن الله اخبر موسى ﵇ أن يحرق العجل وكان من ذهب وفضة، وذلك محق بالكلية. وأن النبى ﷺ رأى بيد عمر كتابا اكتتبه من التوراة وأعجبه موافقته للقرآن فتمعر (أى ظهر الغضب على وجهه ﷺ حتى ذهب عمر إلى التنور فألقاه فيه. وأنه يجوز إحراق آلات السحر والتنجيم ومخازن الخمر وحرق الصحابة جميع المصاحف المخالفة لمصحف عثمان لما خافوا على الأمة من الاختلاف. وكذلك الكتب المشتملة على بدعة تتلف ولا ضمان على اتلافها واحراقها. وقالوا: يحرق بيت الخمار وأماكن المعاصى وأنه يستحب أن يحرق بيت المسلم الخمار الذى يبيع الخمر وكذلك النصرانى يبيع الخمر للمسلمين فإن لم ينته فإنه يحرق بيته عليه بالنار. وحرق عمر بن الخطاب بيت روشن الثقفى لأنه كان يبيع الخمر. وقال ابن قدامة: إن أبا بكر أمر بتحريق أهل الردة بالنار وفعل خالد بن الوليد ذلك. وإنما روى حمزة الأسلمى أن النبى ﷺ قال: إن أخذتم فلانا فأحرقوه بالنار. ثم رجع فقال إن أخذتم فلانا فاقتلوه ولا تحرقوه فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار. مذهب الظاهرية: وعند الظاهرية (١): قال أبو محمد بن حزم إنه يجوز إحراق بيت الخمار كفعل عمر بن الخطاب رضى الله عنه. ويكون ذلك حدا مفترضا، لأن عمر فعله. وروى أن من فعل فعل قوم لوط يحرق عند البعض بالنار إلا أنه ضعف الأحاديث التي استدل بها فى ذلك، لأنه قد صح أنه لا قتل عليه، وحكمه حكم من أتى منكرا فالواجب بأمر النبى ﷺ تغييره باليد أو الفعل أو القول. مذهب الزيدية: وقال الزيدية (٢): تحرق دفاتر الكفر وكتب الزنادقة والمشبهة وأوراقهم، وذلك إن تعذر تسويدها وردها إلى المالك. وإذا وجدت فى الغنيمة دفاتر كفر فتحرق إن لم يمكن محوها. أما التوراة والإنجيل فتمحى ولا تحرق، وكذلك سائر الصحف النبوية

стр. 869

فأما جلد الميتة وعصبها فيحرق لتحريم استعماله. وقالوا كذلك بإحراق آلات اللهو والطرب. إحراق المصاحف مذهب الحنفية: قال الحنفية (١): لا تحرق المصاحف إذا صار المصحف خلقا (أى باليا) أو تعذرت قراءته فلا يحرق بالنار بل يجعل فى خرقة طاهرة ويدفن. مذهب المالكية: وقال المالكية (٢): إذا احرق شخص المصحف استخفافا لا صونا، كان ذلك فعلا يتضمن الردة، وعليه فيكون مرتدا. وقالوا إن المراد بالمصحف ما فيه قرآن ولو كلمة ومثل ذلك أسماء الله الحسنى وأسماء الأنبياء والحديث وكتب الفقه، فإن حرق كل ذلك على وجه الاستخفاف لا يجوز، فإن كان على وجه الصيانة فلا ضرر. مذهب الزيدية: وقال الزيدية (٣): إن حرق المصاحف من أسباب الردة والعياذ بالله. تحريم المثلة والتعذيب بالنار والقتل بها وردت الأحاديث علي عدم جواز المثلة والتعذيب بالنار والقتل بها لقوله صلي الله عليه وسلم «لا يعذب بالنار إلا رب النار» رواه أبو داود (٤). فلا يجوز إقامة الحد أو التعزير بالنار انظر «آلة». إلا أنه إذا كان الجانى قد أحرق من جنى عليه، كأن يكون قد طرحه فى النار، فإنه يعاقب بمثل ما جنى، انظر: «الجناية على النفس بالإحراق». مذهب المالكية: قال المالكية (٥) فى تعزير شاهد الزور: لا يجوز تسخيمه بسواد كالفحم، كما يفعل فى بعض البلاد لأنه حرام وتغيير لخلق الله. مذهب الزيدية: وقال الزيدية (٦): يجوز تعزير أهل البغى بإحراق دورهم وهدمها، وكذلك يجوز إحراق مال المحتكر مع حاجة المسلمين إليه. مذهب الإباضية: وقال الإباضية (٧) يجوز القتل بالنار إذا امتنع من يراد القصاص منه عند التنفيذ

стр. 870

وقد بينا من قبل خلاف الحنابلة فى جواز حرق المرتد. وأن ابن قدامة أجاز ذلك ولم يجزه صاحب منتهى الإرادات، وكذلك نصت بعض المذاهب على أن المثلة بعد النصر فى القتال غير جائزة (١). وأنه إذا قدر على العدو فلا يجوز تحريقه بالنار (٢). ونصت بعض المذاهب (٣) أيضا على عدم جواز إحراق العبد بالنار أو التمثيل به أو وسم أى عضو منه بما يحرق وأنه إذا تعرض لذلك يعتق. الجناية على الأموال بالإحراق وضمان ما يحرق من المال من يتسبب فى الجناية على مال بإحراقه ضمن، وفى ذلك: مذهب الحنفية: قال الحنفية (٤): انه لو وضع فى الطريق جمرا فاحترق به شئ كان ضامنا، لأنه كان متعديا بوضع النار فى الطريق وإن حركته الريح فذهبت به الى موضع آخر ثم احترق به شئ لا يكون ضامنا. وقالوا هذا إذا لم يكن اليوم ريحا، فإن كان ريحا كان ضامنا لأنه علم حين ألقاه فى الطريق أن الريح تذهب به إلى موضع آخر، فيضاف التلف إليه فيكون ضامنا، ولو أن رجلا مر فى ملكه وهو يحمل نارا فوقعت شرارة منها على ثوب إنسان فاحترق .. ذكر فى النوادر أنه يكون ضامنا ولو طارت الريح بشرر ناره وألقته على ثوب إنسان لا يضمنه لأن الاحتراق حصل من الريح هاهنا. هذا إذا كان فى موضع له حق المرور فيه، فإن لم يكن له حق المرور فى ذلك الموضع يكون ضامنا. ولو أحرق كلأ أو حصائد فى أرضه فذهبت النار يمينا وشمالا وأحرقت شيئا لغيره لم يضمنه لأنه غير متعد. مذهب المالكية: ويذهب المالكية (٥) إلى مثل ما ذهب إليه الحنفية فقالوا: من أجج نارا (أى أشعلها) فى يوم عاصف (أى شديد الريح) فأحرقت شيئا فإنه يضمنه إلا أن يكون ذلك فى مكان بعيد لا يظن وصول النار الى الشئ الذى حرق فإنه لا ضمان عليه حينئذ، كذلك لا ضمان على من أجج نارا فى وقت لا ريح فيه، ثم أن الريح عصفت عليها فنقلتها إلى متاع شخص فأتلفته. مذهب الشافعية: وقال الشافعية (٦) بمثل هذا المذهب أيضا، فنصوا على أنه إن سقط الشرر على مال بعارض ريح ونحوها لم يضمن، لأن التلف لم يحصل بفعله، ولو أوقد نارا فى أرضه فحملتها الريح إلى أرض غيره

стр. 871

فأتلفت شيئا أو أجج على سطحه نارا فطارت شرارة إلى دار الجار فأحرقتها فان كان الذى فعله قد جرت به العادة لم يضمن لأنه غير متعد، وإن فعل ما لم تجر به العادة بأن أجج من النار ما لا يقف على حد داره ضمن لأنه متعد. مذهب الحنابلة: وقال الحنابلة (١) كذلك بهذا الرأى، فقالوا: إذا أوقد بملكه نارا أو فى موات فطارت شرارة إلى دار جاره فأحرقتها لم يضمن إذا فعل ما جرت به العادة من غير تفريط لأنه غير متعد. ولأنها سراية فعل مباح، وإن كان ذلك بتفريط منه بأن أجج نارا تسرى فى العادة لكثرتها أو فى ريح شديدة تحملها أو أوقد فى دار غيره ضمن ما تلف به، وإن سرى إلى غير الدار التى أوقد فيها لأنها سراية عدوان وإن أوقد نارا فأيبست أغصان شجر غيره ضمنه، لأن ذلك لا يكون إلا من نار كثيرة إلا أن تكون الأغصان فى هوائه (أى داخلة فى ملكه) فلا يضمنها، لأن دخولها عليه غير مستحق. وجاء فى كشاف القناع: وإن أجج نارا فى موات أو فى ملكه بأن أوقد النار حتى صارت تلتهب فى داره أو علي سطحه فتعدى إلى ملك غيره فأتلفه لم يضمن الفاعل، لأن ذلك ليس من فعله ولا تعديه ولا تفريطه وذلك إذا كان التأجج ما جرت به العادة بلا إفراط ولا تفريط، فإن فرط بأن ترك النار مؤججة ونام فحصل التلف بذلك وهو نائم ضمن لتفريطه، أو فرط بأن أجج نارا تسرى فى العادة لكثرتها أو أججها فى ريح شديدة تحملها إلى ملك غيره ضمن لتعديه، وكذا لو أججها قرب زرب (أى حظيرة المواشى) أو حميد، ولا يضمن إن تعدت النار لطيران الريح بعد أن لم تكن لعدم تفريطه قال فى عيون المسائل: لو أججها على سطح دار فهبت الريح فأطارت الشرر لم يضمن لأنه فى ملكه ولم يفرط، وهبوب الريح ليس من فعله. مذهب الظاهرية: وعند الظاهرية (٢): جاء فى المحلى: من أوقد نارا ليصطلى أو ليطبخ شيئا وأوقد سراجا ثم نام فاشتعلت تلك النار فأتلفت أمتعة وناسا فلا شئ عليه فى ذلك أصلا لأنه غير متعد. أما إذا تعدى فعليه الضمان لقول الرسول ﷺ «النار جبار»، وهو خبر صحيح تقوم به الحجة فوجب بهذا أن كل ما تلف بالنار فهو هدر إلا نار اتفق الجميع على تضمين طارحها، وليس ذلك إلا ما تعمد الإنسان طرحه للإفساد والإتلاف، فهذا مباشر متعد. مذهب الزيدية: وعند الزيدية (٣) من أجج ناراً فى ملكه فحملتها الريح إلى موضع فأهلكت مالا فيه، فانه لا يضمن. لأنها انتقلت عن

стр. 872

وضعه، إلا أن يكون الموضع متصلا أو فى حكم المتصل كأن يصله لهب النار أو كما لو كان بين الملكين شجر ونحوه فتسرى فيه النار إلى ملك الآخر فإنه يضمن، وإذا كان متعديا بوضعها ضمن ما تولد منها ولو بهبوب الريح. مذهب الإمامية: وعند الإمامية (١): لو أجج نارا فى ملكه ولو للمنفعة فى ريح معتدلة أو ساكنة لم يزد النار عن قدر الحاجة التى أضرمها لأجله فلا ضمان، لأن له التصرف فى ملكه كيف شاء، وان عصفت الريح بعد إضرامها بغتة لعدم التفريط، وألا يفعل كذلك بأن كانت الريح عاصفة حالة الإضرام على وجه يوجب ظن التعدى إلى ملك الغير أو زاد عن قدر الحاجة، وإن كانت ساكنة ضمن سرايتها إلى ملك غيره ولو أججها فى موضع ليس له ذلك فيه ضمن، ولو أججها فى المباح، فالظاهر أنه كالملك لجواز التصرف فيه. الجناية على النفس بالإحراق مذهب الحنفية: قال الحنفية (٢): إذا أحرق رجل رجلا بالنار قتل به (أى بالإحراق) لأن النار تفرق الأجزاء أو تبعضها. مذهب المالكية: وعند المالكية (٣): يقتل القاتل بما قتل به ولو نارا، لقوله تعالى «وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ»، وقوله تعالى «فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ»، والمعنى أن الحق فى القتل للولى بمثل ما قتل به الجانى، ومن خاف من النار على زرعه أو على نفسه أو على داره فقام ليطفئها فاحترق فيها فإن دمه يكون هدرا، وظاهره أن الحكم فيه هو هذا سواء كان فاعلها يضمن ما أتلفته كما إذا هيجها فى يوم عاصف، أم لا وهو ظاهر حل البساطى. مذهب الشافعية: وعند الشافعية (٤): يقتل بإلقاء النار من فعل ذلك بغيره ويخرج منها قبل أن يشوى جلده ليتمكن من تجهيزه وإن أكلت النار جسد الأول، ولو ألقى فى النار مثل مدته فلم يمت، زيد من ذلك الجنس حتى يموت ليقتل بما قتل به، ولو ألقاه فى نار يمكن الخلاص منها فمكث ففى وجوب الدية قولان أظهرهما: لا دية ولا قصاص فى ذلك، أما إذا لم يمكنه الخلاص من النار لعظمها أو نحو زمانه فيه (مرض وعجز) فيجب القود. مذهب الحنابلة: وعند الحنابلة (٥): لا يجوز استيفاء القصاص فى النفس إلا بالسيف فى العنق

стр. 873

سواء كان القتل به أو بمحرم لعينه كتحريق وذلك للنهى عن المثلة. ومن ألقى شخصا فى نار لا يمكنه التخلص منها إما لكثرة النار أو لعجزه عن التخلص لمرض أو صغر، وكان مربوطا أو منعه من الخروج فهو قتل عمد لأنه يقتل غالبا. وان تركه فى نار يمكنه التخلص منها لقلتها أو كونه فى طرف منها يمكنه الخروج بأدنى حركة فلم يخرج حتى مات فلا قود لأن هذا لا يقتل غالبا، وهل يضمنه .. وجهان: أحدهما: لا يضمنه لأنه مهلك لنفسه بإقامته فلم يضمنه لكن يضمن ما أصابت النار منه. والثانى: يضمنه لأنه جان بالإلقاء المفضى إلى الهلاك وترك التخلص لا يسقط الضمان والنار يسيرها مهلك. مذهب الظاهرية: وقال الظاهرية (١): إن من عمد إلى إحراق قوم فعليه القود وإن لم يعمد ذلك فهو قاتل خطأ، والديات على عاقلته والكفارة عليه لكل نفس كفارة، انظر «كفارة». مذهب الزيدية: ويذهب الزيدية (٢) إلى أن من أحرق فالقصاص بالسيف لقوله ﷺ : «لا قود إلا بالسيف»، أما قوله ﷺ «من غرق غرقناه، ومن حرق حرقناه» ورضخه ﷺ رأس اليهودى فلعله لمصلحة كتحريق على ﵇ الغلاة، وأبى بكر الفجاءة ونحوه مما يجوز للإمام، وقد قال ﷺ «لا يعذب بالنار إلا رب النار». مذهب الإمامية: وعند الإمامية (٣) لو طرحه فى النار فمات قتل به ولو كان قادرا على الخروج، ولأن النار قد تشنج الأعصاب بالملاقاة فلا يتيسر الفرار أما لو علم أنه ترك الخروج تخاذلا فلا قود، لأنه أعان على نفسه وينقدح أنه لا دية له أيضا لأنه مستقل بإتلاف نفسه، أما لو خرج فترك المداواة فمات فإن له الدية لأن السراية مع ترك المداواة ناشئة من الجرح المضمون والتلف من النار ليس بمجرد الإلقاء بل بالإحراق المتجدد الذى لولا المكث لما حصل ولو قصد بتأجيج النار الإتلاف فهو عامد يقاد فى النفس مع ضمان المال .. انظر «آلة، قصاص».

стр. 874

إحرام التعريف اللغوى الإحرام لغة مصدر أحرم وأحرم دخل فى الحرم أو فى حرمة لا تهتك أو فى الشهر الحرام، وأحرم الحاج أو المعتمر دخل فى عمل حرم عليه به ما كان حلالا. والأصل فيه المنع. ويقال أحرمت الشئ بمعنى حرمته. والمحرم المسالم، ومنه حديث: الصلاة تحريمها التكبير كأن المصلي بالتكبير والدخول فى الصلاة صار ممنوعا من الكلام والأفعال الخارجة عن كلام الصلاة وأفعالها (١). التعريف الاصطلاحى مذهب الحنفية: عرفه فقهاء الحنفية بالنسبة للحج بأنه تحريم المباحات على النفس لأداء هذه العبادة (التى هى الحج والعمرة) وقال صاحب فتح القدير «حقيقته الدخول فى الحرمة»، والمراد الدخول فى حرمات مخصوصة أى التزامها غير أنه لا يتحقق ثبوته شرعا إلا بالنية مع الذكر (٢). مذهب المالكية: هو عند المالكية نية أحد النسكين «الحج والعمرة أو هما معا» والعبرة بالقصد لا باللفظ، والأولى ترك اللفظ ولا يضر مخالفة اللفظ لما نواه، ولا يضر رفض أحد النسكين بل هو باق علي إحرامه وإن رفضه أى ألغاه (٣). مذهب الشافعية: عند الشافعية هو الدخول في حج أو عمرة أو فيهما أو فيما يصلح لهما أو لأحدهما ويطلق أيضا على نية الدخول فى النسك (٤). مذهب الحنابلة: هو عند الحنابلة نية النسك أى الدخول فيه لا نيته ليحج أو يعتمر سمى الدخول فى النسك إحراما لأن المحرم بإحرامه حرم على نفسه أشياء كانت مباحة له من النكاح والطيب وغيرها (٥). مذهب الظاهرية: يفهم من كلام ابن حزم الظاهرى أن الإحرام هو الدخول فى الحج أو العمرة فقد جاء فى المحلى: إذا جاء من يريد الحج أو العمرة إلى أحد المواقيت فإن كان يريد العمرة فليتجرد من ثيابه إن كان رجلا

стр. 875

ويلتحف فيما شاء من كساء أو ملحفة أو رداء، فإن كان امرأة فلتلبس ما شاءت ثم يقولون: لبيك بعمرة أو ينويان ذلك فى أنفسهما، والأمر كذلك عنده بالنسبة للحاج على تفصيل فيمن ساق الهدى ومن لم يسقه (١). مذهب الزيدية: والزيدية يذهبون إلى أن الإحرام هو نية الحج أو العمرة أو هما معا عند الميقات، فقد قالوا إنما ينعقد بالنية، ولا بد معها من تلبية، ويصح نية الإحرام من غير تعيين ما أحرم له (٢). مذهب الإمامية: يقول الإمامية هو فى الحقيقة عبارة عن النية لأن توطين النفس على ترك المحرمات المذكورة لا يخرج عنها، ويمكن أن يريد به نية الحج جملة (٣). مذهب الإباضية: قال الإباضية: يعقد نية الإحرام بحج ويقول لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة والملك لك لا شريك لك لبيك بحج تمامه وبلاغه عليك يا الله. ومن لم يلب لم يدخل فى حج ولم يصح إحرامه، والتلبية مع نية الإحرام بحج أو بعمرة أو بهما قيل كافيتان عن ذكر حج أو عمرة أو ذكرهما فى التلبية، والأول الذى هو ذكر أحدهما أو ذكرهما فى التلبية أصح (٤). حكم الإحرام فى الحج مذهب الحنفية: عند الحنفية هو شرط ابتداء فصح تقديمه على أشهر الحج، وان كره، وله حكم الركن انتهاء فلا يجوز لفائت الحج استدامة الإحرام ليقضى به من قابل بل عليه التحلل بعمرة ثم القضاء من قابل (٥). مذهب المالكية: قال المالكية هو ركن من أركان الحج، والركن فى هذا الباب هو ما لا بد من فعله ولا يجزى عنه دم ولا غيره (٦). مذهب الشافعية: عند الشافعية الإحرام ركن من أركان الحج على أنه نية الدخول فى النسك (٧). مذهب الحنابلة: اختلفت الرواية فى الإحرام فروى أن الإحرام ركن لأنه عبارة عن نية الدخول فى الحج، فلم يتم بدونها، لقوله ﷺ : «انما الأعمال بالنيات»

стр. 876

وكسائر العبادات، وروى أنه ليس بركن لحديث الثورى الذى يقول فيه الرسول ﷺ «الحج عرفة»، فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه، والرأى الأول هو مشهور المذهب (١). مذهب الزيدية: أركان الحج عند الزيدية هى الإحرام والوقوف وطواف الزيارة وفروضه الأركان وطواف القدوم .. إلخ. فعدوه ركنا وفرضا (٢). مذهب الإمامية: يشترط فى حج الأفراد النية، والمراد بها نية الإحرام بالنسك المخصوص ووجه تخصيصه (أى الإحرام) أنه الركن الأعظم باستمراره ومصاحبته لأكثر الأفعال وكثره أحكامه. وقالوا: أفعال العمرة المطلقة وهى الإحرام والطواف والسعى والتقصير .. والثلاثة الأول منها أركان (٣). مذهب الإباضية: الإحرام ركن من أركان الحج (٤). حكم الإحرام فى الصلاة مذهب الحنفية: قال الحنفية: التحريمة، وهى تكبيرة الافتتاح شرط صحة الشروع فى الصلاة لقول النبى ﷺ : «لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه، ويستقبل القبلة، ويقول الله اكبر». نفى قبول الصلاة بدون التكبير فدل على كونه شرطا لكن إنما يؤخذ (أى يلزم) هذا الشرط على القادر دون العاجز. والإحرام فى الصلاة عند الحنفية يكون بلفظ الله اكبر وما اشتق منه كقوله الله الأكبر والله الكبير، واقتصر أبو يوسف على ذلك. وقال أبو حنيفة ومحمد يجوز الشروع بكل ذكر هو ثناء خالص لله تعالى يراد به تعظيمه لا غير، كأن يقول الله أجل، الله أعظم، أو الحمد لله أو سبحان الله، وكذلك كل اسم ذكر مع الصفة نحو الرحمن أعظم أو الرحيم أجل. ويجوز الشروع فى الصلاة بلفظ من هذه الألفاظ على الخلاف المذكور بغير اللغة العربية لمن كان عاجزا عن النطق بها، أما من كان قادرا على النطق بها فيجوز له النطق بغيرها عند أبى حنيفة ولا يجوز عند الصاحبين (٥). مذهب المالكية: قال المالكية: الصلاة مركبة من أقوال وأفعال فجميع أقوالها ليست بفرائض إلا ثلاثة، منها تكبيرة الاحرام (٦).

стр. 877

مذهب الشافعية: قال الشافعية من أركان الصلاة تكبيرة الإحرام، لما روى الشيخان «إذا قمت إلى الصلاة فكبر ويتعين فيها علي القادر بالنطق بها «الله أكبر» لأنه المأثور من فعله ﷺ (١). مذهب الحنابلة: قال الحنابلة: التكبير ركن فى الصلاة، لا تنعقد الصلاة إلا به سواء تركه عمدا أم سهوا، لقول النبى ﷺ : «تحريمها التكبير»، فدل على أنه لا يدخل الصلاة بدونه، فان كان أخرس أو عاجزا عن التكبير بكل لسان سقط عنه (٢). مذهب الظاهرية: قال ابن حزم الظاهرى: الإحرام بالتكبير فرض لا تجزئ الصلاة إلا به لما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ دخل المسجد فدخل رجل فصلى .. وفيه أن الرسول ﷺ قال «أرجع فصل، فإنك لم تصل» (ثلاث مرات)، فقال والذى بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمنى. قال رسول الله ﷺ «إذا قمت إلى الصلاة فكبر»، فقد أمر بتكبير الإحرام (٣). مذهب الزيدية: قال الزيدية: الفرض الثانى من فرائض الصلاة هو التكبير، ومن شرطه أن يكون المكبر قائما، والتكبير من الصلاة فى الأصح (٤). مذهب الإمامية: قال صاحب المختصر النافع: أفعال الصلاة واجبة ومندوبة، فالواجبات ثمانية وعد من بينها التكبير. قال: وهو ركن فى الصلاة وصورته الله أكبر مرتبا ولا ينعقد بمعناه، ومع التعذر تكفى الترجمة والأخرس ينطق بالممكن، ويعقد قلبه بها مع الإشارة، ويشترط فيها القيام (٥). مذهب الإباضية: وفرضت تكبيرة الإحرام والافتتاح وزعم بعضهم أنها سنة كسائر التكبير وقيل ان سائره فرض، ومن تعمد فيها لحنا أعاد الصلاة وإن لم يتعمد فقولان، وصح بالعربية وفسد بغيرها على المختار، وبوجوب ترتيب اللفظين وموالالتهما وجوز عند البعض البناء على اللفظ الأولى لقطع كسعلة أو عطسة أو نحوها (٦).

стр. 878

كيفية الإحرام بالحج مذهب الحنفية: قال الحنفية: إذا أراد الإحرام اغتسل أو توضأ، والغسل أفضل، لما روى أنه ﷺ أغتسل لإحرامه، إلا أن الاغتسال للتنظيف حتى تؤمر به الحائض، وإن لم يقع فرضا عنها فيقوم الوضوء مقامه، ولبس ثوبين جديدين أو غسيلين: إزار، ورداء، لأن المحرم ممنوع عن لبس المخيط. وينبغى لولى من أحرم من الصبيان العقلاء أن يجرده ويلبسه ثوبين إزارا ورداء لأن الصبى فى مراعاة السنن كالبالغ ويتطيب بأى طيب شاء، ويستحب عند الإحرام للمحرم تقليم أظافره وقص شاربه وحلق عانته ونتف إبطه وتسريح رأسه عقيب الغسل، لأن رسول الله صلي الله عليه وسلم أئتزر وارتدى عند احرامه، ولا بد من ستر العورة. والجديد فى الثياب افضل، لأنه أقرب إلى الطهارة، والأولى أن يكونا أبيضين ومس الطيب، وعن محمد أنه يكره إذا تطيب بما تبقى عينه بعد الإحرام. ووجه المشهور حديث عائشة رضى الله عنها قالت: كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم، والإزار من الحقو والرداء من الكتف ويدخل الرداء تحت يمينه ويلقيه على كتفه الأيسر فيبقى كتفه الأيمن مكشوفا ولا يزره ولا يعقده ولا يخلله، فإن فعل ذلك كره ولا شئ عليه. والثوب الواحد الساتر جائز، وصلى ركعتين، لما روى جابر رضى الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ صلى بذى الحليفة ركعتين عند إحرامه، ويقول بعد الصلاة، إن أراد أن يحرم بالحج: «اللهم إنى أريد الحج فيسره لى وتقبله منى، وإذا أراد أن يحرم بالعمرة يقول اللهم إنى أريد العمرة فيسرها لى وتقبلها منى، وإذا أراد القرآن يقول اللهم إنى أريد العمرة والحج فيسرهما لى وتقبلهما مني، لأنه فى عبادة عظيمة فيها كلفة ومشقة شديدة، فيستحب الدعاء بالتيسير وبالتسهيل وبالقبول ثم يلبى عقب صلاته، لما روى أن النبى صلي الله عليه وسلم لبى فى دبر صلاته وإن لبى بعد ما استوت به راحلته جاز ولكن الأول أفضل ولا ينبغى أن يحل بشئ من كلمات التلبية ولو زاد فيها جاز، وإذا لبى فقد أحرم (يعنى مع النية)، لأن العبادة لا تتأتى إلا بالنية ولا يصير شارعا فى الإحرام بمجرد النية ما لم يأت بالتلبية وعن أبى يوسف يصير شارعا بالنية وحدها من غير تلبية. ودليل من ذهب إلى اشتراط التلبية قول الله تعالى «فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ، وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ، وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى، وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ» (١). قال ابن عباس رضى الله عنه: فرض الحج الإهلال. وقال ابن عمر رضى الله عنه: التلبية.

стр. 879

وقالت عائشة رضى الله عنها: لا إحرام إلا لمن أهل أو لبى، والإهلال رفع الصوت بالتلبية، ولأن الحج يشتمل علي أركان موجب أن يشترط فى تحريمه ذكر يراد به التعظيم كالصلاة (١). مذهب المالكية: قال المالكية عن كيفية الإحرام: تجرد ذكر من محيط سواء كان الذكر مكلفا أم لا، والخطاب يتعلق بولى الصغير والمجنون، وسواء كان المحيط بخياطة كالقميص والسراويل أم لا، كنسج أو صياغة، أو بنفسه، كجلد سلخ بلا شق والأنثى لا يجب عليها التجرد إلا فى نحو أساور، ووجب علي المحرم المكلف ذكرا أو أنثى تلبية، ووجب وصلها به (أى بالإحرام) ويسن للإحرام غسل متصل به متقدم عليه، فإن تأخر إحرامه كثيرا أعاد الغسل، ولا يضر فصل بشد رحاله وإصلاح حاله وسن لبس إزار بوسطه ورداء على كتفيه ونعلين فى رجليه (٢). وقال الخرشى: ظاهر كلام خليل أن السنة الإحرام عقب نفل، ولذا قال والفرض مجز، والمستحب أن يكون أثر نافلة ليكون للإحرام صلاة تخصه (٣). ويندب للمحرم إزالة شعثه قبل الُغسل بأن يقص أظافره وشاربه ويحلق عانته وينتف شعر إبطه ويرجل شعر رأسه أو يحلقه إن كان من أهل الحلاق ليستريح من ضررها وهو محرم (٤). مذهب الشافعية: قال الشافعية: ويستحب للمحرم أن يغتسل، لما روى زيد بن ثابت رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله علية وسلم اغتسل لإحرامه، وان كانت امرأة حائضا أو نفساء اغتسلت للإحرام، لما روى القاسم بن محمد أن أسماء بنت عميس ولدت محمد بن أبى بكر رضى الله عنهما بالبيداء، فذكر ذلك أبو بكر رضى الله تعالى عنه لرسول الله ﷺ فقال «مروها فلتغتسل، ثم لتهل»، ولأنه غسل يراد للنسك فاستوى فيه الحائض والطاهر، ومن لم يجد الماء تيمم لأنه غسل مشروع، فانتقل منه إلى التيمم عند عدم الماء كغسل الجنابة. قال فى الأم: ويغتسل لسبعة مواطن وعد منها الإحرام (٥). ويسن أن يطيب مريد الإحرام بدنه ذكرا أم غيره، شابه أم عجوزا، خلية أم لا، للاتباع، ولا بأس باستدامته (أى الطيب) بعد الإحرام. ويسن أن تخضب المرأة غير المحدة للإحرام يدها (٦). ويتجرد الرجل عن المخيط فى إزار ورداء أبيضين ونعلين، لما روى ابن

стр. 880

عمر رضى الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: ليحرم أحدكم فى أزار ورداء ونعلين، والمستحب أن يكون ذلك بياضا لما روى ابن عباس رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: إلبسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خيار ثيابكم. والمستحب أن يتطيب فى بدنه لما روت عائشة رضى الله تعالى عنها قالت: كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم، ويصلى المحرم ركعتين لما روى ابن عباس رضى الله تعالى عنه وجابر رضى الله عنه أن النبى ﷺ صلى فى ذى الحليفة ركعتين ثم أحرم. قال الشافعى فى مذهبه القديم: الأفضل أن يحرم عقيب الركعتين (١) فينوى بقلبه وجوبا دخوله فى حج أو عمرة أو كليهما أو ما يصلح لشئ منهما، وهو الإحرام المطلق، ويلبى مع النية فينوى بقلبه ويقول بلسانه: نويت الحج مثلا، وأحرمت به لله تعالى، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، أن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. ولا يجهر بهذه التلبية. ويندب أن يذكر فى هذه التلبية لا غيرها ما أحرم به، وهو الأوجه، وتبعه فى الأذكار ونقله فى الإيضاح عن الجوينى وأقره، والعبرة بما نواه لا بما ذكره فى تلبيته. ويُسَن أن يتلفظ بما يريده وأن يستقبل القبلة عند إحرامه وأن يقول: اللهم أحرم لك شعرى وبشرى ولحمى ودمى، فإن لبى بلا نية لم ينعقد إحرامه لخبر «إنما الأعمال بالنيات»، وإن نوى ولم يلب انعقد على الصحيح كسائر العبادات. ويندب لمريد الإحرام التنظيف بإزالة نحو شعر إبط وعانة وظفر ووسخ وغسل رأسه بسدر ونحوه، والقياس كما قاله الإسنوى تقديم هذه الأمور على الغسل (٢). مذهب الحنابلة: قال الحنابلة: ويسن لمن يريد الإحرام تجرد من مخيط لأنه ﷺ تجرد لإهلاله، وأن يحرم فى أزار ورداء أبيضين نظيفين ونعلين لقوله ﷺ «وليحرم أحدكم فى ازأر ورداء ونعلين»، هذا إذا كان المحرم رجلا، أما المرأة فلها لبس المخيط فى الإحرام إلا القفازين، وأن يكون إحرامه عقب صلاة مكتوبة أو صلاة ركعتين نفلا (٣). ويسن له أن يغتسل ذكرا كان أو أنثى، ولو حائضا أو نفساء، لأن النبى ﷺ أمر أسماء بنت عميس، وهى نفساء، أن تغتسل، وأمر عائشة أن تغتسل لإهلال الحج وهى حائض، ويستحب لهما تأخير الغسل أن توقعتا الطهر قبل الخروج
следующие страницы →