الله يوم القيامة لا حجة له" ..
"من مات وليست في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية" (١).
وهذا الحديث إن لم يرد فيه ذكر الإمام ولا الخليفة وأن الأحاديث السابقة تفسره.
ومنها ما ورد في وصف خيار الأئمة وشرارهم كحديث: "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم. وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنوكم".
ومنها ما ذكر فيه الخليفة بجانب النبي وأخبر فيه بما يكون له من بطانتى الخير والشر كحديث: "ما بعث الله من نبى ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه .. وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، فالمعصوم من عصمة الله" (٢).
ومنها ما جاء لبيان منزلة الإمام العادل وفضله كحديث: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" وصدرها بالإِمام العادل فقال: "إمام عادل" الموطأ بشرح الزرقانى (٣). وحديث: "إنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به فإن أمر بتقوى الله وعدل كان له بذلك أجر، وأن يأمر بغيره كان عليه منه" (٤). فهذه الأحاديث الواردة في أغراض شتى وبأسانيد مختلفة وكلها تدور حول الإمام فتبين مسئوليته وتأمر بالوفاء ببيعته وإطاعته وملازمته وقتل من يحاول الخروج عليه وتصف الأئمة وتفرق بين خيارهم وشرارهم. هذه الأحاديث إذا وقعت في يد مجتهد يتبصر في حكمة أمرها ونهيها ووصفها لا يتردد في ان نصب الإمام أمر حتم وشرع قائم ولا يصح أن يكون هذا الحق إلا من قبيل الواجب.
تلك هي أدلة أهل السنة على وجوب الإمامة ونصب الإمام العام وأن هذا الوجوب على الأمة لا على الله تعالى وقد أشرنا في الحديث عن آراء الفرق الأخرى من غير أهل السنة إلى استدلالهم على ما ذهبوا إليه ومناقشة تلك الأدلة والرد عليها. ولم يبق إلا الشيعة .. وسنبدأ فيما يلى الكلام عن مذاهبهم وفرقهم وأدلتهم والرد عليها ..
الشيعة:
والشيعة كما عرفهم ابن خلدون سلفة الصحب والأتباع ويطلق في عرف الفقهاء والمتكلمين من الخلف والسلف. على من تشبهوا لعلى بن أبى طالب وبنيه رضى الله عنهم وقالوا بانحصارا الإِمامة بعد رسول الله ﷺ فيه وفى بنيه من بعده على ترتيب يختلف باختلاف فرقهم ويكاد يكون موضوع الشيعة ورأيهم في الإمامة وفرقهم ومذهب كل فرقة في ترتيب أشخاص الأئمة وتسلسل الإِمامة في الأشخاص واختلافهم في هذا التسلسل.
ووقوف بعضهم بالإمامة عند بعض الأشخاص ولا يردن نقلها من بعده إلى غيره مع قول بعض منهم إن هذا الشخص الذي وقفوا بالإمامة عليه قد مات ولكنه سيعود. وحول بعض آخر إنه لم يمت ولكنه غائب وسيرجع من غيبته ويستمر في الإمامة، ومنهم من يقول بانتقال الإِمامة من هذا الشخص إلى غيره يختلفون اختلافا كبيرا فيمن تنقل إليه الإِمامة ..
стр. 8157
وينقسمون في ذلك فرقا وطوائف وهكذا .. ولهم في مذاهبهم وآرائهم واعتقاداتهم خلط كثير وخبط لا حد له - يكاد يكون هذا الموضوع أهم ما عرض له العلماء والمتكلمون .. وقد عرض له الشهرستانى في الملل والنحل، وابن حزم في الفصل والأهواء والنحل، وابن خلدون في مقدمته، والعلامة السعد التفتازانى في شرح المقاصد ..
وقد اختلفت مناهج هؤلاء العلماء في تناول هذا الموضوع وأساليبهم في عرضه. فمن من اقتصر على بيان فرقهم ومذهب كل فرقة في أشخاص الأئمة وتسلسل الإمامة بينهم والتوفف وتعدية الإمامة على نحو ما أشرنا إليه دون عناية بذكر الأدلة إلا في القليل ودون منافشة ولا رد لما ذكر منها كالشهرستانى ..
ويقرب منه في ذلك ابن خلدون .. ومنهم من أشار في قصد إلى بيان بعض الفرق ومذاهبهم في أشخاص الأئمة والتسلسل بينهم - وحتى بذكر أدلة الإمامية والرافضة ومناقشتها والرد عليها بتوسع وبسط كابن حزم، ومنهم من اقتصر على ذكر مذهب الشيعة الإمامية وتوسع في ذكر أدلتهم ومناقشتها والرد عليها وهو السعد التفتازانى.
سننقل فيما يلى عن هذه المراجع ما يكفى لبيان الموضوع وإيضاحه وإلقاء الضوء على جوانبه:
قال الشهرستانى في كتابه المذكور (١): والشيعة هم الذين شايعوا عليًّا ﵇ على الخصوص وقالوا بإمامته نصا ووصاية. إما جليا وإما خفيا. وأعتقد أن الإمامة لا تخرج من أولاده. وإن خرجت فبظلم يكون من غيره أو يتقيه من عنده هو .. قالوا: وليست الإمامة قضية مصلحية تناط باختيار العامة وينتصب الإمام بتنصيبهم بل هي قضية أصولية وهى ركن في الدين لا يجوز للرسول ﷺ إغفاله وإهماله وتفويضه إلى العامة وإرساله .. ويجمعهم القول بوجوب تعيين الإمام والتنصيص عليه وثبوت عصمة الأئمة وجوبا عن الكبائر والصغائر والقول بالتولى والتبرى قولا وفعلا وعقدا إلا في حال التقية .. ويخالفهم بعض الزيدية في ذلك ولهم في تعدية الإمامة كلام وخلاف كثير وعند كل تعدية وتوقف مغالة ومذاهب وخبط ..
والشيعة خمس فرق:
كيسانية، وزيدية، وإمامية، وغلاة، وإسماعيلية. وبعضهم يميل في الأصول إلى الاعتزال. وبعضهم يميل إلى السنة، وبعضهم يميل إلى التشبيه.
الكيسانية:
فهم أصحاب كيسان - مولى أمير المؤمنين علي رضى الله عنه، وقيل هو تلميذ أو مولى محمد بن الحنفية أحد أولاد علي من غير السيدة فاطمة الزهراء .. وهؤلاء قالوا بإمامة محمد بن الحنفية بعد أبيه على بن أبى طالب رضى الله عنهما، وقيل لا بل بعد الحسن والحسين .. ومن أصحاب محمد بن الحنفية المختار بن أبى عبيد كان خارجيا ثم صار زيديا ثم صار شيعيا وكيسانيا ..
قال بإمامة محمد بن الحنفية بعد أبيه على أو بعد أخويه الحسن والحسين .. وكان يدعو الناس إليه ويظهر أنه من رجاله .. ولكنه كان يتغالى فيه مغالاة شديدة. ويذكر علوما مزخرفة ينوطها به ..
стр. 8158
ولما علم محمد بن الحنفية عنه ذلك تبرأ منه وأعلن للناس براءته منه ومن الضلالات والتأويلات الفاسدة التي ابتدعها. وإنما حمله على الانتساب إلى محمد بن الحنفية حسن اعتقاد الناس فيه، وامتلاء قلوبهم بمحبته إذ كان كثير العلم غزير المعرفة وقاد الفكر .. مصيب النظر في العواقب .. وقد أخبره أبوه أمير المؤمنين على ﵇ من أحوال الملامح وأطلعه على مدارج المعالم.
وقد قيل أنه كان مستودع علم الإمامة حتى سلم الأمانة إلى أهلها، وما فارق الدنيا حتى أقرها في مستودعها وكان من شيعته السيد الحميرى وكثير عزة، الشاعران المعروفان، وكانا يعتقدان أنه لم يمت بل هو في جبل رضوى بين أسد ونمر يحفظانه وعنده عينان نضاختان تجريان بماء وعسل ويعود بعد الغيبة فيملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا. وقد قال كثير عزة في ذلك شعرًا يروى .. وهذا أول حكم بغيبة الإمام ورجوعه بعد الغيبة حكم به الشيعة .. وجرى في بعض جماعاتهم حتى اعتقدوه دينا وركنا من أركان التشيع ..
وبعد انتقال محمد بن الحنفية. اختلف الكيسانية، فمنهم من ساق الإمامة إلى ابنه أبى هاشم الذي أفضى إليه أبوه بأسرار العلوم والمعارف ومن تجتمع له العلوم فهو الإمام حقا ويسمى هؤلاء بالهاشمية .. ثم اختلف الهاشمية بعد أبى هاشم إلى خمس فرق أو أكثر ذكرها الشهرستانى وذكر مذاهبها ومعتقداتها.
قالت فرقة أن أبا هاشم مات منصرفا من الشام بأرض الشراة، وأوصى بالإمامة إلى محمد بن على بن عبد الله بن عباس وأنجزت الوصية في أولاده حتى صارت الخلافة إلى بنى العباس .. ولهم في الخلافة حق لإتصال النسب، وقد توفى رسول الله ﷺ وعمه العباس حى وهو أولى بالخلافة ..
وقالت فرقة أخرى أن الإمامة بعد موت أبى هاشم لابن أخيه الحسن بن على بن محمد بن الحنفية.
وقالت فرقة ثالثة: إن أبا هاشم أوصى إلى أخيه علي بن محمد بن الحنفية وعليّ أوصى إلى ابنه الحسن .. فالإِمامة عندهم في بنى الحنفية لا تخرج إلى غيرهم ..
وقالت طائفة: إن أبا هاشم أوصى إلى عبد الله بن عمرو بن حرب. الكندى وإن الإمامة خرجت بذلك من بنى هاشم إلى عبد الله الكندى وتحولت إليه روح بنى هاشم .. وعبد الله هذا ما كان على شئ من العلم ولا من الديانة.
واطلع بعض القوم على حقيقته وخيانته وكذبه، فأعرضوا وقالوا بأمانة عبد الله بن معاوية بن جعفر بن أبى طالب .. وكان من مذهب عبد الله أن الأرواح تتناسخ من شخص إلى شخص، وأن روح الله تناسخت حتى وصلت إليه وحلت فيه، وأدعى الألوهية والنبوة "وأنه يعلم الغيب، فعبده شيعته الحمقى وكفروا بالقيامة لاعتقادهم أن التناسخ يكون في الدنيا .. ولما مات افترق أصحابه فمنهم من قال: إنه ما يزال حيا لم يمت وسيرجع .. ومنهم من قال: إنه مات وتحولت روحه إلى إسحاق بن زيد بن الحارث الأنصارى. وهم الحارثية الذين "يبيحون المحرمات ويعيشون عيش من لا تكليف عليه ..
стр. 8159
وهناك خلاف شديد على الإِمامة بين أصحاب عبد الله بن معاوية هذا وبين محمد بن على بن عبد الله بن عباس الذي قالت الطائفة الأولى من الهاشمية: أوصى إليه بالإمامة - كل منهما يدعى أن أبا هاشم أوصى إليه بالإمامة، وليس هنا له ما يثبت هذا أو ذاك، ولا ما يعتمد عليه في الأمر ..
وهناك طائفة من الهاشمية تسمى البنانية أتباع بنان بن سمعان النهدى قالوا بانتقال الإمامة من أبى هاشم إليه وهو من غلاة الشيعة القائلين بإلهية أمير المؤمنين على ﵇. قال: حل جزء إلهى في على دائمة بجسده. فبه كان يعلم الغيب إذا أخبر عن الملاحم وصح الخبر ..
وبه كان يحارب الكفار وتتم له النصرة والظفر، وبه قلع باب خيبر .. وعن هذا روى عنه قوله: والله ما قلعت باب خيبر بقوة حسدانية ولا بحركة غذائية ولكن قلعته بقوة ملكوتية بنور ربها مضيئة فالقوة الملكوتية كالمصباح في المشكاة والنور الإلهى كالنور في المصباح .. وربما يظهر على في بعض الأزمان ويأتى في ظلل من الغمام كما تشير الآية "وهل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام" حيث أراد به عليا .. والرعد صوته والغمام تبسمه .. وادعى بنان هذا أنه قد انتقل إليه الجزء الإلهى بنوع من التناسخ فاستحق أن يكون إماما وخليفة ..
وهناك فرقة من الهاشمية تسمى الرزنية اتباع رزام ساقوا الإِمامة من على أمير المؤمنين إلى ابنه محمد بن الحنفية ثم منه إلى ابنه أبى هاشم ثم منه إلى على بن عبد الله بن عباس بالوصية ثم إلى محمد بن على وأوصى محمد إلى ابنه إبراهيم الإمام صاحب أبى مسلم الخراسانى الذي قيل أنه كان من الكيسانية وعرض خدماته على جعفر الصادق فلم يقبل منه، وكان من أكبر الدعاة ضد بنى أمية ولصالح العباسيين ..
الزيدية:
فهم أتباع زيد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب أمير المؤمنين - ساقوا الإمامة بعد على بن أبى طالب في أولاده من السيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ ولم يجوزوا ثبوت الإمامة في غيرهم. إلا أنهم جوزوا أن يكون كل فاطمى عالم زاهد شجاع سخى خرج ينادى بالإِمامة ويسعى لها يكون إماما واجب الطاعة سواء كان من أولاد الحسن أو من أولاد الحسين ..
وجوزوا خروج إمامين في قطرين يستجمعان هذه الخصال، ويكون كل واحد مبهما إماما واجب الطاعة .. وعن هذا قالت طائفة منهم بإمامة محمد وإبراهيم الإمامين ابنى عبد الله بن الحسن بن الحسين الذي خرجا في أيام المنصور العباسى يدعوان للإمامة وقتلا على ذلك وكان الإمام جعفر الصادق بن محمد الباقر قد أخبرهما بما جرى عليهما قبل أن يجرى أخذًا عن أبائه.
وزيد بن على بن الحسين إمام الزيدية والمنسوبون إليه مذهبه هذا المذهب. ولما أراد أن يحصل العلم في الأصول والفروع حتى يتحلى بالعلم - تتلمذ في الأصول على واصل بن عطاء رأس المعتزلة مع اعتقاد واصل بأن جده على بن أبى طالب في حروبه التي جرت بينه وبين أصحاب الجمل وأصحاب الشام ما كان على يقين من الصواب فيها وأن أحد الفريقين منهما كان على الخطأ لا بعينه ..
стр. 8160
فاقتبس زيد الاعتزال من واصل وصارت أصحابه كلها معتزلة وكان من مذهبه جواز إمامة المفضول مع قيام الأفضل فقال: كان على بن أبى طالت أفضل الصحابة إلا أن الخلافة فوضت لأبى بكر لمصلحة رأوها، وقاعدة دينية راعوها من تسكين ثائرة الفتنة، وتطييب قلوب العامة، فإن عهد الحروب التي جرت في أيام النبوة كان قريبا وسيف أمير المؤمنين عليّ ﵇ من دماء المشركين من قريش لم يجف بعد، والضغائن في صدور القوم من طلب الثأر كما هي. فما كانت القلوب تميل إليه كل الميل ولا تنقاد إليه الرقاب كل الانقياد وكانت المصلحة أن يقوم بهذا الشأن من عرفوه باللين والتودد والتقدم بالسن والسبق في الإسلام والقرب من رسول الله ﷺ وهو أبو بكر، ألا ترى أنه لما أراد في مرضه الذي مات فيه تقليدا لأمر عمر بن الخطاب رضى الله عنه. زعق الناس وقالوا: لقد وليت علينا فظا غليظا، فما كان يرضون بأمير المؤمنين عمر لشدة وصلابة وغلظ له في الدين وفظاظة على الأعداء حتى سكتهم أبو بكر رضى الله عنه .. وكذلك يجوز أن يكون المفضول إماما .. والأفضل قائم فيرجع إليه في الأحكام ويحكم بحكمه في القضايا …
ولما سمعت شيعة الكوفة هذه المقالة عن زيد وعرفوا أنه لا يتبرأ من الشيخين أبى بكر وعمر رفضوه حتى أتى عليه قدره فسمت رافضة .. وجرت بينه وبين أخيه محمد الباقر مناظرة لا من هذا الوجه بل من حيث كان يتتلمذ لواصل بن عطاء ويقتبس العلم ممن يجوز الخطأ. على جده في قتال الناكثين والقاسطين ومن يتكلم في القدر على غير ما ذهب إليه أهل البيت.
ومن حيث إنه كان يشترط الخروج شرطا في كون الإِمام إماما حتى قال له يوما: على قضية مذهبك والدك ليس بإمام فإنه لم يخرج قط ولا تعرض للخروج ..
ولما قتل زيد بن على هذا وصلب بكناسة الكوفة بيد هشام بن عبد الملك قام بالإمامة بعده ابنه يحيى بن زيد ومضى إلى خراسان واجتمعت عليه جماعات كثيرة، حتى قتل بجوزجان خراسان بيد أميرها وصلب، وكان قد وصل إليه الخبر من جعفر الصادق بن محمد البادر بن على زين العابدين بن الحسين أنه سيقتل ويصلب كما قتل أبوه زيد وصلب فجرى عليه الأمر كما أخبر، وذكر جعفر أن أباءه أخبروه بذلك كله وأن بنى أمية يتطاولون على الناس حتى لو طاولتهم الجبال لطالوا عليها وأنهم يستشعرون بغض أهل البيت.
ولم ينتظم أمر الزيدية بعد ذلك حتى ظهر بخراسان ناصر الأطروش وأريد قتله فاختفى واعتزل إلى بلاد الديلم والجبل وكان أهلها لم يتحلوا بدين الإسلام بعد، فدعى فيهم بدعوة الإِسلام على مذهب زيد بن على إمام الزيدية فدانوا بذلك ونشأوا عليه، وبقى الزيدية في تلك البلاد وظاهرين، وكان يخرج منهم واحد بعد واحد من الأئمة ويلى أمرهم وخالفوا بنى أعمامهم في مسائل الأصول .. وما أكثر الزيدية بعد ذلك عن القول بإمامة المفضول، مع وجود الأفضل، وطعنوا في الصحابة طعن الإمامية ..
ثم انقسم الزيدية بعد ذلك إلى ثلاث فرق:
الجارودية:
أصحاب أبى الجارود وقد زعموا أن النبي ﷺ قص على عليٍّ رضى الله عنه وعينه إماما من بعده بالوصف لا بالاسم إلا أن الناس قصروا
стр. 8161
حيث لم يتعرفوا الوصف ولم يطلبوا الموصوف وإنما نصبوا أبو بكر باختيارهم فكفروا بذلك .. والجارودية يخالفون في هذا إمام الزيدية زيد بن على فإنه لم يعتقد ذلك ولم يقل به ..
وقد اختلفوا في التوقف في الإمامة وفى سوقها .. فمنهم من ساق الإمامة بعد أمير المؤمنين على إلى ابنه الحسن ثم إلى ابنه الحسين ثم إلى أولاد الحسين على ترتيب رأوه، ومنهم آخرون قالوا بغير ذلك ..
والفرقة الثانية من الزيدية، والسليمانية - أصحاب سليمان بن جرير وكان يقول إن الإمامة شورى فيما بين المسلمين ويصح أن تنعقد بعقد رجلين من خيار المسلمين وأنها تصح في المفضول مع وجود الأفضل ..
وأثبت إمامة أبى بكر وعمر حقا باختيار الأمة حقا اجتهاديا .. وربما كان يقول: أن الأمة أخطأت في البيعة لهما مع وجود على ولكنه لا يبلغ درجة الفسق لأنه اجتهادى .. غير أنه طعن في عثمان بالأحداث التي أحدثها وكفره لذلك .. وكفر عائشة والزبير وطلحة لإقدامهم على قتال علي في واقعة الجمل .. ثم أنه طعن في الرافضة بأنهم وضعوا لشيعتهم مقالتين لا يظهر عليهما أحد.
الأولى القول بالبداء: فإذا أظهروا قولا ثم لم يتحقق. قالوا: بدا لله تعالى في ذلك بداء.
الثانية التقية: فإذا تكلوا بشئ ثم ظهر فساده، قالوا إنما قلناه تقية ..
وتابع سليمان بن جرير هذا في القول بإمامة المفضول مع وجود الأفضل قوم من المعتزلة وبعض أصحاب الحديث .. قالوا إن الإمامة من مصالح الدين لا يحتاج إليها لمعرفة الله وتوحيده فذلك حاصل بالعقل. بل لإقامة الحدود وتنفيذ الأحكام، وليكون للمسلمين جماعة ولا يكون الأمر فوضى، ومالت جماعة من أهل السنة إلى ذلك حتى جوزوا أن يكون الإمام غير مجتهد ولكن يجب أن يكون معه من أَهل الاجتهاد من يرجع إليه ويعتمد عليه ..
الصالحية: وقمم الفرقة الثالثة من الزيدية أصحاب الحسن بن صالح. وهم يقولون في الإمامة بما قال به السليمانية إلا أنهم توقفوا في أمر عثمان ولم يحكموا عليه بشئ ووكلوه إلى أحكم الحاكمين .. وأما على فهو أفضل الصحابة وأحقهم بالإمامة ولكنه سلم الأمر راضيا، وفوضه إليهم طائعا فنحن راضون بما رضى، وسلمون لما سلم، وإذا خرج اثنان وطلبا الإمامة فلهم في الترجيع بينهما خبط وخلط كثير، ويجوزون إمامة المفضول، وهم في الأصول كالمعتزلة تماما، ويعظمون أئمة المعتزلة أكثر من تعظيمهم أئمة أهل البيت وفى الفروع على مذهب أبى حنيفة إلا في مسائل قليلة يوافقون فيها الشافعي ﵀.
الإمامية:
وهم الفرفة الثالثة من فرق الشيعة - فهم القائلون بإمامة على ﵇ بعد النبي ﷺ نصًا ظاهرًا ويقينا صادقا من غير تعويض بالوصف بل إشارة إليه بالعين .. قالوا وما كان في الدين والإِسلام أمر أهم من تعيين الإمام حتى تكون مفارقته الدنيا على فراغ قلب من أمر الأمة .. فإنه إذا بعث لرفع الخلاف.، وتقرير الوفاق فلا يجوز أن يفارق الأمة ويتركهم هملا يرى كل واحد رأيا، ويسلك كل واحد طريقا لا يوافقه في ذلك غيره. بل يجب أن يعين شخصا هو الرجوع إليه، وينص على أحد هو
стр. 8162
الموثوق به، والمعول عليه ..
وقد عين عليا ﵇ في مواضع تعريضا، وفي مواضع تصريحا، أما تعريضاته فمثل أن بعث أبا بكر ليقرأ سورة البراءة على الناس في المشهد ثم بعث بعده عليا ليكون هو القارئ عليهم والمبلغ عنه إليهم، وقال ﵊: نزل على جبريل، فقال: يبلغه رجل منك، أو قال: من قومك .. وهو يدل على تقديمه عليا ﵇ على غيره .. ومثل ما كان يؤمر على أبو بكر وعمر وغيرهما من الصحابة في البعوث فقد أمر عليهما عمرو بن العاص في بعث وأسامة بن زيد في بعث، وما أمَّر عليّ على أحدًا قط.
وأما تصريحاته فمثل ما جرى في نأنأة الإسلام حين قال: من الذي يبايعني على ماله؟ فبايعته جماعة .. ثم قال: من الذي يبايعنى على روحه؟ وهو وصى وولى هذا الأمر من بعدى، فلم يبايعه أحد حتى مدّ أمير المؤمنين على ﵇ يده إليه فبايعه على روحه ووفى بذلك وحتى كانت قريش تعير أبا طالب بأنه أمر عليك ابنك ..
ومثل ما جرى فى كمال الإِسلام وانتظام الحال حين نزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ فلما وصل إلى غدير خم (موقع بين مكة والمدينة بالجحفة) كما جاء في شرح المقاصد ..
وذلك بعد حجة الوداع جمع الرجال ونادوا الصلاة جامعة .. ثم جمعت الرجال وصعد النبي ﷺ عليها .. وقال مخاطبا المسلمين: من كنت مولاه فعلى مولاة .. اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله، وأدر الحق معه حديث دار، ألا هل بلغت ثلاثا، فادعت الإمامية أن هذا نص صريح فإنا ننظر من كان النبي ﷺ مولى له وبأى معنى، فذكره ذلك في حق علي ..
وقد فهمت الصحابة من التولية ما فهمناه حتى قال عمر حين استقبل عليا: طوبى لك يا علي، أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة. قالوا: وقول النبي ﷺ : أقضاكم علي .. نص في الإِمامة، فإن الإِمامة لا معنى لها إلا أن يكون أقضى القضاة في كل حادثة والحاكم على المتخاصمين في كل واقعة .. وهو معنى قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ فأولوا الأمر معه إليه القضاء والحكم حتى في مسألة الخلافة لما تخاصمت المهاجرون والأنصار وكان القاضي في ذلك هو أمير المؤمنين على دون غيره .. فإن النبي ﷺ كما حكم لكل واحد من الصحابة بأخص وصف له فقال: أفوضكم زيد، أقرأكم أبيّ، أعرفكم بالحلال والحرام معاذ، كذلك حكم لعلي بأخص وصف له وهو قوله: أقضاكم علي ..
والقضاء يستدعى كل علم وليس كل علم يستدعي القضاء … ثم إن الإمامية تخطت عن هذه الدرجة إلى الوقيعة في كبار الصحابة .. طعنا وتكفيرا وأقله ظلما وعدوانا .. وقد شهدت نصوص القرآن الكريم على عدالتهم والرضا عن جملتهم .. قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ وكانوا إذ ذاك ألفا وأربعمائة.
وقال تعالى ثناء على المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ وقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
стр. 8163
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ وفى ذلك دليل على عظم قدرهم عند الله وكرامتهم ودرجتهم عند الرسول .. فكيف يستجيز ذو دين الطعن فيهم ونسبة الكفر إليهم وقد قال النبى ﷺ : "عشرة في الجنة" أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلى، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبى وقاص، وسعيد بن زيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح .. إلى غير ذلك من الأخبار الواردة في كل واحد منهم على الانفراد .. وإن تفلت هنات عن بعضهم فليتدبر النقل فإن أكاذيب الروافض كثيرة ..
ثم إن الإمامية لم يثبتوا في تعيين الأئمة بعد الحسن والحسين وعلي بن الحسين على رأى واحد .. بل اختلافاتهم أكثر من اختلافات الفرق كلها حتى قال بعضهم: إن نيفا وسبعين فرقة من الفرق المذكورة في الخبر هو في الشيعة خاصة ومن عداهم فهم خارجون عن الأمة وهم متفقون في سوق الإِمامة إلى جعفر الصادق بن محمد الباقر ومختلفون في المنصوص عليه بعده من أولاده .. إذ كان له خمسة أولاد وقيل ستة .. محمد وإسحاق وعبد الله وموسى وإسماعيل وعلى ومن ادعى منهم النص عليه والتعيين محمد وعبد الله وموسى وإسماعيل وعلى ومنهم من مات وأعقب ومنهم من لم يعقب .. ومن الإمامية من قال بالتوقف والانتظار والرجعة عند بعض الأشخاص .. ومنهم من قال بالسوق والتعدية كما سيأتي.
وكانوا في الأول على مذهب أئمتهم في الأصول ثم لما اختلفت الروايات عن أئمتهم وتمادى الزمان اختارت كل فرقة منهم طريقة .. وصارت الإمامية بعضها معتزلة، إما وعيدية وإما تفضيلية .. وبعضها إخبارية .. إما شبهة وإما سلفية .. وهناك منهم طائفة الباقرية والجعفرية أصحاب محمد الباقر وابنه جعفر الصادق .. قالوا بإمامتهما وإمامة والدهما على زين العابدين لأن منهم من توقف على الباقر وقال برجعته، ولم يعد الإمامة بعده ..
ومنهم من توقف على جعفر الصادق وهو ذو علم غزير في الدين، وأدب كامل في الحكمة، وزهد بالغ في الدنيا، وورع تام عن الشهوات .. وقد أقام بالمدينة مدة بغير الشيعة المنتمين إليه ويفيض على الموالين له أسرار العلوم ثم دخل العراق وأقام بها مدة ما تعوض للإمامة قط .. ولا نازع أحدًا في الخلافة .. وهو من جانب الأب ينتسب إلى شجرة النبوة المباركة .. ومن جانب الأم ينتسب إلى أبى بكر الصديق رضى الله تعالى عنه وقد تبرأ عما ينسبه إليه بعض الغلاة ولعنهم وتبرأ من خصائص الرافضة وحماقاتهم من القول بالغيبة والرجعة، والبدء والتناسخ، والحلول والتشبيه ..
وهو برئ من ذلك ومن الاعتزال والقدر أيضا .. ولكن الشيعة اختلفوا بعده وتفرقوا وانتحل كل واحد منهم مذهبا وأراد أن يروجه على أصحابه ونسبه إليه وربطه به، وهو برئ من ذلك كله، وممن ظهر بعده طائفة الأفطحية نسبة إلى ابنه عبد الله الأفطح .. قالوا: إن الإمامة بعد جعفر الصادق انتقلت إلى ابنه عبد الله الأفطح وكان أسن أولاده زعموا أنه قال: الإِمامة في أكبر أولاد الإمام ولم يعش عبد الله هذا بعد أبيه إلا سبعين يوما ثم مات ولم يعقب ..
وقالت طائفة: إن الإمامة يعد الصادق انتقلت إلى ابنه موسى نصا عليه بالاسم حيث قال: صاحبكم قائمكم ألا وهو سمى صاحب التوارة
стр. 8164
سموا بالموسوية أو المفضلية ..
ولما رأت الشيعة أن أولاد الصادق على تفرق فمن ميت حال حياة أبيه لم يعقب، ومن مختلف في موته ومن باق بعد موته مدَّة يسيرة .. رجعوا إلى موسى الذي تولى الأمر بعد أبيه واجتمعوا عليه، وقالوا: إن أباه قال: هذا سابعكم قائمكم وأشار إليه .. ثم إن موسى هذا لما خرج وأظهر الإمامة حمله الرشيد من المدينة فحبسه عند عيسى بن جعفر ثم أشخصه إلى بغداد فحبسه عند السندى بن شاهل، وقيل إن يحيى بن خالد بن برمك سمه في رطب فقتله وهو في الحبس، ودفن في مقابر قريش ببغداد .. واختلفت الشيعة بعده فمنهم من توقف في موته، ومنهم من قطع بموته ويسمون القطعية .. ومنهم من توقف عليه وقال: إنه غائب وسيرجع ويقال لهم الواقفية ..
ومن الطوائف المعروفة عند الإمامية - الاثنا عشرية - قالوا أن الأئمة من علي وبنيه اثنى عشر إماما أولهم على أمير المؤمنين وآخرهم المهدى المنتظر الذي يعود فيملأ الأرض عدلا .. وأن الإمامة انتقلت بعد جعفر الصادق إلى ابنه موسى الملقب بالكاظم، وقد قطعوا بموته، فقيل لهم القطعية، وآلت الإمامة بعده إلى ابنه على الرضى .. ثم من بعده إلى ابنه محمد التقى ومن بعده إلى ابنه على النقى ومن بعده إلى ابنه الحسن العسكري ومن بعده إلى ابنه القائم المنتظر ويسمى بالمهدى وهو الذي غاب في سرداب في بيته حين هرب مع أمه من القتل وهو المهدى المنتظر الذي سيعود ويملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا ..
ويقول الشهرستانى إن هذا هو طريق الاثنى عشرية في زماننا .. وذكروا أسماء الأئمة الاثنى عشر فقالوا هم: المرتضى والمحتبى والشهيد والسجاب والباقر والصادق والكاظم والرضى والتقى والنقى والعسكرى والقائم المنتظر. إلا أن الاختلافات التي وقعت في حال كلا واحد منهم والمنازعات التي جرت بينهم وبين إخوتهم وبنى أعمامهم كثيرة جدًّا، ومن العجيب أن القائلين بإمامة المهدى المنتظر يدعون فيه أحكام الإلهية ويتناولون قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ على أن عالم الغيب والشهادة هو الإمام المنتظر الذي يرد إليه علم الساعة. ويدعون فيه أنه لا يغيب عنهم ويخبرهم بأهوالهم وما يكون من أمورهم إلى غير ذلك من الخلط والخبط والتحكمات الباردة الحمقاء ..
الغلاة:
وأما الغلاة من الشيعة فهم الذين غلوا في حق أئمتهم غلوا كبيرًا حتى أخرجوهم من حدود الخلقية، وحكموا فيهم بأحكام الإلهية فربما شبهوا واحدًا من الأئمة بالإله .. وربما شبهوا الإله بالخلق .. وهم على طرفى الغلو والتقصير وإنما نشأت شبهاتهم من مذاهب الملولية ومذاهب التناسخية ومذاهب اليهود والنصارى … إذ اليهود شبهت الخالق بالخلق، والنصارى شبهت الخلق بالخالق؛ فسرت هذه الشبهات في أذهان الشيعة الغلاة حتى حكمت بأحكام إلهية في حق بعض الأئمة .. وكان التشبيه بالأصل والموضع في الشيعة .. وإنما عادت إلى بعض أهل السنة بعد ذلك .. وتمكن الاعتزال فيهم لما رأوا أن ذلك أقرب إلى المعقول من التشبيه والحلول وبدع الغلاة محصورة في أربع: التشبيه والبدء والرجعة والتناسخ .. ولهم ألقاب بكل بلد لقب .. يقال لهم بأصفهان الحزمية
стр. 8165
والكودية وبالرى المزوكية والسنباوية وبأذربيجان الذقولية وبما وراء النهر المبيضة ..
ومنشأ الغلو طائفة السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ الذي قال لعلي ﵇: أنت أنت .. يعنى الإِله .. فنفاه إلى المدائن .. وزعموا أنه كان يهوديا فأسلم .. وكان في اليهودية يقول في يوشع بن نون وصى موسى مثل ما قال في على ﵇ وهو أول من أظهر القول بالفرض بإمامة على ومنه انشعبت أصناف الغلاة وزعموا أن عليا حيّ لم يقتل وفيه الجزء الإلهى ولا يجوز أن يستولى عليه .. وهو الذي يجئ في السحاب والرعد صوته والبرق صوته .. وأنه سينزل بعد ذلك إلى الأرض فيملؤها عدلا كما ملئت جورًا وإنما ظهر ابن سبأ هذه المقالة بعد انتقال علي .. واجتمعت عليه جماعة وهم أول فرقة قالت بالتوقف والغيبة والرجعة وقالت بتناسخ الجزء الإِلهى في الأئمة بعد على.
وقد انقسم الغلاة إلى طوائف:
منها الكاملية: أصحاب أبى كامل .. كفر جميع الصحابة بتركهم بيعة علي وطعن في علي بتركه طلب حقه ولم يقدره في التعود بل كان عليه أن يخرج ويظهر الحق على أنه غلا فيه .. وكان يقول: الإمامة نور يتناسخ من شخص إلى شخص، وهو في شخص نبوة وفى شخص إمامة - وربما تتناسخ الإِمامة فتصير نبوة، وقال: تتناسخ الأرواح وقت الموت والغلاة يتفقون على التناسخ والحدود ومذهبهم أن الله تعالى قائم بكل مكان، ناطق بكل لسان، ظاهر بشخص من البشر .. وهذا هو معنى الحلول وهو قد يكون بكل كظهور ملك يشخص أو يجزء كإشراق الشمس في كوة ..
ومنها العليائية أصحاب العليا ابن ذراع الودسى .. كان يفضل عليا على النبي ﷺ .
وزعم أنه هو الذي بعث محمدًا وسماه إلها وكان يذم محمدًا لزعمه أنه بعث ليدعو لعلي فدعا لنفسه .. ومنهم من قال بإلهية محمد وعلي ويقدمون عليا ويسمونهم .. العينية .. ومنهم من يقدم محمدًا ويسمونهم الميمية .. ومنهم من قال بألهية محمد وعلى وفاطمة والحسن والحسين أصحاب الكساء ..
ومنهم المغيرية:
أصحاب المغيرة بن سعيد العجلى .. ادعى أن الإمامة بعد محمد بن على بن الحسين آلت لمحمد بن عبد الله بن الحسن الخارج بالمدينة وأنه حى لم يمت ثم ادعى الإمامة لنفسه ثم ادعى النبوة وغلا في حق علي غلوا لا يعتقده عاقل وقال بالتشبيه .. وأن الله صوره وجسمه ذو أعضاء على حروف الهجاء وصوره صورة رجل من نور ..
ومنها المنصورية، والحطابية وطوائف أخرى غالت غلوًا لا يتصور، وذهبت مذاهب غير معقولة .. وقد تكفل أئمة السنية بالرد على هؤلاء الغلاة ونفى مزاعمهم الناس فلا نطيل بذكرها ..
الاسماعيلية:
وأما الاسماعيلية فهم الفرقة الخامسة من فرق الشيعة أثبتوا الإمامة بعد جعفر الصادق لابنه إسماعيل وهو أكبر أبنائه نصا من أبيه جعفر عليه .. ثم اختلفوا في موته حال حياة أبيه، وإنما فاته النص عليه من أبيه عندهم انتقال الإِمامة في هذه الحالة إلى أولاده خاصة كما نص موسى ﵇ إلى أخيه هارون عليه السلام
стр. 8166
وتوفى هارون في حياة موسى وكانت فائدة انتقال الأمر إلى أولاده لأن النص لا يرجع القهقرى والقول بالبدء محال ..
ومنهم من قال أنه لم يمت في حياة أبيه ولكنه أظهر الموت تقية عليه حتى لا يقصد بالقتل .. قالوا وبعد إسماعيل انتقلت الإِمامة إلى ابنه محمد.
ثم ابتدئ بنيه الأئمة المشعورين .. إذ قالوا ولن تخلوا الأرض من إمام قاهر إما ظاهر مكشوف وإما باطن مستور ..
فإذا كان الإمام ظاهرا يجوز أن تكون حجته مستورة .. وإذا كان الإِمام مستورا فلابد أن تكون حجته ودعاته ظاهرين .. ومذهبهم أن من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية .. وكذلك من مات ولم يكن في عنقه بيعة لإِمام مات ميتة جاهلية ..
وكانت لهم دعوة في كل زمان .. ومقالة جديدة بكل لسان، وأشهر ألقابهم الباطنية لحكمهم بأن لكل ظاهر باطنا، ولكل تنزيل تأويلا.
ثم إن الباطنية خلطوا كلامهم ببعض كلام الفلاسفة، وصنفوا كتبهم على هذا النهج فقالوا في الله تعالى: إنا لا نقول أنه موجود أو غير موجود .. ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز وهكذا في سائر الصفات فإن الإِثبات الحقيقى يقتضى شركة بينه وبين سائر الموجودات في الجهة التي أطلقناها عليه وذلك تشبيه فلم يكن الحكم بالإثبات المطلق والنفى المطلق بل هو إله المتقابلين، خالق الخصمين والحاكم بين المتضادين وهكذا حتى قيل أنهم ثقاة الصفات حقيقة ومعطلة الذات عن جميع الصفات.
وتفرعت من طائفة الاسماعيلية طائفة قيل لها الاسماعيلية الواقفية.
قالوا: إن الإِمام بعد جعفر الصادق ابنه إسماعيل نصا عليه باتفاق من أولاده إلا أنهم اختلفوا في موته في حال حياة أبيه.
فمنهم من قال أنه لم يمت حقيقة وإنما أظهر موته تقية من خلفاء بنى العباس وعقد محضرًا وأشهد عليه عامل المنصور بالمدينة.
ومنهم من قال: إن الموت صحيح وحقيقى والفائدة في النص على إمامة من يموت في حياة أبيه الذي نص عليه بقاء الإِمامة في أولاد المنصوص عليه الذي مات دون غيره. فالإِمام بعد إسماعيل ابنه محمد بمقتضى النص وهؤلاء يقال لهم المباركية ..
ثم منهم من وقف على محمد بن إسماعيل وقال برجعته بعد غيبته ومنهم من قال: الإِمامة بعده في المستورين منهم في القائمين الظاهرين القائمين من بعدهم .. وهذه فرقة الوقف على إسماعيل بن جعفر الصادق ومحمد بن إسماعيل ..
وقال ابن حزم الظاهرى في كتابه المشار إليه: اتفق جميع أهل السنة وجميع المرجئة وجميع الشيعة وجميع الخوارج على وجوب الإِمامة وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام يقيم فيهم أحكام الله ويسوسهم بأحكام الشريعة التي أتى بها رسول الله ﷺ . حاشا النجدات من الخوارج فإنهم قالوا: لا يلزم الأمة فرض الإِمامة وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم وهذه فرقة ما نرى بقى منهم أحد وهم المتسربون إلى نجدة بن عامر الحنيفى القائم باليمامة .. وقول هذه الفرقة ساقط يكفى في الرد عليه وإبطاله إجماع كل من ذكرنا على بطلانه والقرآن والسنة
стр. 8167
قد وردا بإيجاب الإمامة .. ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ مع أحاديث كثيرة صحاح في طاعة الأئمة وإيجاب الإِمامة ثم ذكر الدليل النظرى المبنى على القواعد الشرعية، وأشار بعد ذلك إلى الخلاف في وحدة الإِمام ونقدها مما سنذكره بعد وناقش القول بالتعدد ورد على حجج القائلين به ..
ثم عرض لمن تكون فيهم الخلافة شرعا بعد النبي ﷺ .. هل تكون في قريش خاصة أو في جميع المسلمين من قريش وغيرهم ومن عرب وغيرهم .. وإذا كانت في قريش خاصة فهل تكون في ولد فهر بن مالك أو تكون في ولد العباس بن عبد المطلب أو في ولد على بن أبى طالب خاصة. ذكر الخلاف والآراء في ذلك وأورد الاستدلال وناقش ورد حجج من رآه مخالفا لرأيه. وأما القائلون بأن الإمامة لا تكون إلا في ولد على بن أبى طالب رضى الله عنه فإنهم انقسموا قسمين ..
فطائفة قالت: إن رسول الله ﷺ نص على عليِّ بن أبى طالب أنه الخليفة بعده وأن الصحابة بعد النبي ﷺ اتفقوا على ظلمه وعلى كتمان نص النبي ﷺ .. وهؤلاء المسلمون الروافض.
وطائفة قالت: لم ينص النبي ﷺ على عليّ .. ولكنه كان أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ وأحقهم بالأمر. وهؤلاء هم الزيدية .. نسبوا إلى زيد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب .. ثم اختلف الزيدية فرقا .. فقالت طائفة: إن الصحابة ظلموه وكفروا من خالفه من الصحابة .. وهم الجارودية .. وقالت طائفة أخرى أن الصحابة رضى الله عنهم لم يظلموه ولكنه طربت نفسه بتسليم حقه إلى أبى بكر وعمر رضى الله عنهما وإنهما إماما هدى ووقف بعضهم في عثمان رضى الله عنه .. وتولاه بعضهم … وجميع الزيدية لا يختلفون في أن الإِمامة في جميع ولد على بن أبى طالب من خرج منهم يدعوا إلى الكتاب والسنة وجب سل السيف معه.
وقالت الروافض:
الإمامة في علي وحده بالنص عليه .. ثم في الحسن … ثم في الحسين .. وادعوا نصا آخر من النبي ﷺ عليهما بعد أبيهما - ثم على بن الحسين لقول الله : ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ قالوا: فولد الحسين أحق من أخيه ثم محمد بن على بن الحسين المعروف بالباقر ثم جعفر بن محمد الباقر المعروف بالصادق .. وهذا مذهب جميع متكلميهم …
ثم افترقت الرافضة بعد موت هؤلاء المذكورين وموت جعفر الصادق بن محمد الباقر .. فقالت طائفة بإمامة ابنه إسماعيل بن جعفر. وقالت طائفة بإمامة ابنه محمد بن جعفر وهم قليل .. وقالت طائفة إن جعفر الصادق لم يمت .. وقال جمهور الرافضة إن الإِمامة بعد جعفر الصادق آلت إلى ابنه موسى (الكاظم) بن جعفر ثم من بعد موسى إلى ابنه على (الرضا) ابن موسى ثم من بعد على (الرضا) ابنه محمد (التقى) بن على ثم من بعد محمد بن على ابنه على (النقى) ثم من بعد على ابنه الحسن (العسكرى) ثم مات الحسن عن غير عقب فافترقوا فرقا.
وأثبت جمهورهم على أنه ولد للحسن ولد فأخفاه، وقيل بل ولد له ولد بعد موته من جارية اسمها صقيل وقيل اسمها سوسن وقيل اسمها نرجس والأظهر أن اسمها صقيل ادعت الحمل
стр. 8168
ثم ظهر أن لا حمل بها، وكانت لها قصة طويلة أشار إليها ..
وكانت طائفة قديمة قد بادت كان رئيسهم المختار بن أبى عبيد وكيسان أبا عمرة وغيرهما يذهبون إلى أن الإمام بعد الحسين بن علي بن أبي طالب أخوه محمد المعروف بابن الحنفية .. ومن هذه الطائفة كان السيد الحميدى .. وكثير عزة الشاعران ..
وكانا يقولان إن محمد بن الحنفية حيّ بجبل رضوى .. ولهم من التخليط ما تضيق عنه الصحف ..
وعمدة هذه الطوائف كلها في الاحتجاج أحاديث موضوعة مكذوبة لا يعجز عن توليد مثلها من لا دين له ولا حياء .. ولا معنى لاحتجاجنا عليهم برواياتنا فهم لا يصدقوننا .. ولا معنى لاحتجاجهم علينا .. برواياتهم، فنحن لا نصدقها وإنما يجب أن يحتج الخصوم بعضهم على بعض بما يصدقه الذي تقوم الحجة به سواء صدقه المحتج أو لم يصدقه لأن من صدقه بشئ لزمه القول به أو بما يوجبه العلم الضرورى فيصير الخصم يومئذ مكابرا منقطعا إن ثبت على ما كان عليه.
إلا أن بعض ما يشنبون به أحاديث صحاح نوافقهم على صحتها منها قول رسول الله ﷺ لعلى رضى الله عنه: "أنت منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبى بعدى". وهذا لا يوجب له فضلا على من سواه ولا استحقاق الإمامة بعد النبي ﷺ لأن هارون لم يل أمر بنى إسرائيل بعد موسى ﵉ وإنما الذي ولى الأمر بعد موسى ﵇ يوشع بن نون فتى موسى وصاحبه الذي سافر معه في طلب الخضر ﵉ كما ولى الأمر بعد رسول الله ﷺ صاحبه في الغار الذي سافر معه إلى المدينة، وإذ لم يكن عليّ نبيا كما كان هارون نبيا ولا كان هارون خليفة بعد موت موسى على بنى إسرائيل .. فقد صح أن كونه رضى الله عنه من رسول الله ﷺ بمنزلة هارون من موسى إنما هو في القرابة فقط .. وأيضا فإنما قال رسول الله ﷺ هذا القول إذ استخلفه على المدينة في غزوة تبوك فقال المنافقون: استقله فخلفه فلحق علي برسول الله ﷺ فشكى ذلك إليه فقال رسول الله ﷺ حينئذ: أنت منى بمنزلة هارون من موسى، يريد ﵊ أنه استخلفه على المدينة مختارًا استخلافه كما استخلف موسى ﵇ هارون ﵇ أيضا مختارا لاستخلافه ثم قد استخلف ﵊ قبل تبوك وبعد تبوك على المدينة في أسفاره رجالا سوى على رضى الله عنه فصح أن هذا الاستخلاف لا يوجب لعلى فضلا على غيره ولا ولاية الأمر بعد النبي ﷺ كما لم يوجب ذلك لغيره من المستخلفين.
وعمدة ما احتجت به الإِمامية أن قالوا: لابد من أن يكون إمام معصوم عنده جميع علم الشريعة ترجع الناس إليه في أحكام الدين ليكونوا مما تعبدوا به على يقين وهذا لا شك فيه .. وذلك معروف ببراهينه الواضحة وأعلامه المعجزة .. وآياته الباهرة .. وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب رسول الله ﷺ إلينا لبيان دينه الذي لزمنا إياه ﷺ فكان كلامه وعهوده وما بلغ من كلام الله حجة نافذة معصومه من كل آفة إلى من بحضرته وإلى من كان في حياته غائبا عن حضرته وإلى كل من يأتى بعد موته صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم القيامة من جن وإنس ..
قال الله : ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ فهذا نص ما قلنا وإبطال اتباع أحد دون رسول الله ﷺ ..
стр. 8169
وإنما الحاجة إلى فرض الإمامة لتنفيذ الإِمام عهود الله تعالى الواردة إلينا على من عنده فقط لا لأن يأتى الناس بما لا يشاؤونه في معرفته من الدين الذي أتاهم به رسول الله ﷺ ..
ووجدنا عليّا رضى الله عنه إذ دعى إلى التحاكم إلى القرآن .. أجاب وأخبر أن التحاكم إلى القرآن حق .. فإن كان على أصاب في ذلك فهو قولنا .. وإن كان أجاب إلى الباطل فهذه غير صفته رضى الله عنه .. ولو كان التحاكم إلى القرآن لا يجوز بحضرة الإِمام لقال عليّ حينئذ: كيف تطلبون تحكيم القرآن وأنا الإمام المبلغ عن رسول الله ﷺ ..
فإن قالوا إذا مات رسول ﷺ فلابد من إمام يبلغ الدين .. قلنا هذا باطل ودعوى بلا برهان، وقول لا دليل على صحته ..
وإنما الذي يحتاج إلية أهل الأرض من رسول الله ﷺ بيانه وتبليغه فقط سواء في ذلك من كان بحضرته ومن غاب عنه ومن جاء بعده .. إذ ليس في شخصه ﷺ إذا لم يتكلم بيان عن شئ فالمراد منه ﵊ كلام باق أبدًا مبلغ إلى كل من في الأرض .. وأيضا فلو كان ما قالوا من الحاجة إلى إمام موجود أبدًا يبلغ ويعلم لانتفض ذلك بمن كان غائبًا عن حضرة الإمام في أقطار الأرض إذ لا سبيل إلى أن يشاهد الإمام جميع أهل الأرض الذين في المشرق والمغرب من فقير وضعيف وامرأة ومريض ومشغول بمعاشه الذي يضيع إن أغفله فلابد من التبليغ عن الإمام فالتبليغ عن رسول الله ﷺ أولى بالإتباع من التبليغ عمن هو دونه .. وهذا ما لا إنفكاك لهم منه ..
وأيضًا فإن الإِمام المعصوم لا يعرف أنه معصوم إلا بمعجزة ظاهرة عليه أو بنص تنقله العلماء عن النبي ﷺ على كل إمام بعينه واسمه ونسبه وإلا فهى دعوى لا يعجز عن مثلها أحد لنفسه أو لمن شاء ..
وبرهان آخر هو أن رسول الله ﷺ مات وجمهور الصحابة رضى الله عنهم موجودون من حوله حاشا من كان منهم في الجهات يعلم الناس الدين فما منهم أحد أشار إلى عليّ بكلمة يذكر فيها أن رسول الله ﷺ نص عليه ولا ادعى ذلك عليّ قط لا في ذلك الموقف ولا بعده ولا ادعاه له أحد في ذلك الوقت ولا بعده … ومن المحال الممتنع الذي لا يمكن البته أن يتفق أكثر من عشرين ألف إنسان مختلفين على طى عهد عاهده رسول الله ﷺ ..
ووجدنا عليا رضى الله عنه تأخر عن بيعة أبى بكر ستة أشهر فما أكرهه أبا بكر ولا غيره على البيعة حتى بايع طائعا غير مكره .. فكيف حل لعلى رضى الله عنه عند هؤلاء القوم أن يبايع طائعا رجلا إن كان كافرا وإما فاسقا جاحدًا لنص رسول الله ﷺ ويعينه على أمره ويجالسه ويواليه إلى أن مات ثم يبايع بعده عمر بن الخطاب مبادرًا غير متردد ساعة فما فوقها غير مكره، بل طائعًا مختارًا وصحبه وأعانه على أمره وأنكحه من ابنته فاطمة رضى الله عنها ثم قيل إدخاله في الشورى أحد ستة رجال فكيف حل لعلى عند هؤلاء الجهال أن يشارك بنفسه في شورى ضلال وكفر وتغر الأمة هذا الغرور .. وهذا في منطقهم يؤدى إلى تكفير على رضى الله عنه لأنه في زعمهم أعان الكفار على كفرهم وأيدهم في كتمان الديانة وفى ما لا يتم الدين إلا به ..
ولا يجوز أن يظن بعلى أنه أمسك عن ذكر النص عليه خوف الموت وهو الأسد شجاعة قد عرض نفسه للموت بين يدى رسول الله ﷺ -
стр. 8170
مرات ثم يوم الجمل وصفين فما الذي أجبته بين هاتين الحالتين .. وما الذي ألف بين بصائر الناس على كتمان حق علي ومنعه ما هو أحق به مذ مات رسول الله ﷺ الى أن قتل عثمان رضى الله تعالى عنه .. ثم ما الذي جلى بصائرهم في عونه إذا دعا إلى نفسه فقامت معه طوائف من المسلمين عظيمة ..
وبذلوا دماءهم دونه ورأوه حينئذ صاحب الأمر والأولى بالحق ممن نازعه .. ثم ولى علي فما غير حكمًا من أحكام أبى بكر وعمر وعثمان ولا أبطل عهدًا من عهودهم .. ولو كان ذلك عنده باطلا لأنهم كتموا النص واغتصبوا حقه لما كان في سعة من أن يمضى الباطل وينفذه .. وقد ارتفعت التقية .. وأيضًا فإن كان جميع أصحاب رسول الله ﷺ قد اتفقوا على جحد ذلك النص وكتمانه ..
واتفقت طبائعهم كلهم على نسيانه فمن أين وقع للروافض أمره .. ومن بلغه إليهم ورواه لهم .. وكل هذا محال فبطل أمر النص على عليّ رضى الله عنه بيقين لا إشكال فيه ..
فإن قيل أن عليا رضى الله عنه كان قد قتل الأقارب بين يدى رسول الله ﷺ فى الحروب التي جرت في عهده ﵊ فقوله له بذلك حقد في قلوب جماعة من الصحابة هم الذين قتل أقاربهم ولذلك انحرفوا عنه وكتموا النص عليه. قيل أن هذا تمويه كاذب. لأنه إن كان قد قتل أشخاصا من بعض القبائل فأغرى ذلك من كان من هذه القبائل بالحقد عليه ..
فإنه بالقطع لم يقتل أحدًا من القبائل الأخرى .. وهؤلاء قد وقفوا منه نفس الموقف الذي وقفه أولئك ولم يذكروا نصا عليه كما لم يذكر أولئك .. فما الذي أغرى هؤلاء الذين لم يقتل من قبائلهم أحدًا بالحقد عليه وعدم ذكر النص عليه ثم هؤلاء الأنصار من المقطوع به أنه لم يقتل أحدًا منهم .. بل لم يؤذ أحدًا منهم وقد وقفوا منه نفس الموقف ولم يذكروا نصا عليه. وكانوا مع زعيمهم سعد بن عبادة أولا ثم لما تبين لهم الحق انحازوا جميعا إلى أبى بكر وعمر وعثمان .. فهل أغراهم حقد على عليّ، أو وقف غيظ منه دون معاونتهم له؟ ولا شئ إلا الحق الأبلج … ولقد كان لأبى بكر رضى الله عنه في مضادة قريش في الدعاء إلى الإِسلام ما لم يكن لعلى فما منع ذلك من بيعته، وهو أسوأ أثرا عنه كفارهم .. ولقد كان لعمر بن الخطاب رضى الله عنه في مغالبة كفار قريش وإعلانه الإِسلام على رغمهم ما لم يكن لعلى رضى الله عنه ولم يحقد عليه أحد ولم يمتنع من بيعته .. فما الذي أوجب أن ينسى هؤلاء ذلك كله ولا يبقى للحقد أثر في نفوسهم إلا بالنسبة لعلى فقط لا لشئ إلا جهل الرافضة الذي جعلهم يعدون بعض أسماء لكبار الصحابة ويقولون إنهم لم يبايعوا عليا إذ ولى الخلافة ثم بايعوا معاوية ويزيدًا ابنه من أدركه منهم .. وما ذلك إلا لحقدهم وكراهيتهم له … ولم يكن هناك شئ مطلقا مما تخيلوه وتخبطوا فيه ..
وإنما كان هؤلاء الصحابة الذين ذكروا أسماءهم لا يردن بيعة في فرقة وكانت فرقة واختلاف في خلافة علي وبيعته فلما اتفق المسلمون على ما اتفقوا عليه كائنا من كان دخلوا في الجماعة …
وهكذا كان شأنهم مع ابن الزبير رضى الله عنه مروان .. فإنهم قعدوا عن مبايعتهما من أدركهما منهم ولما انفرد عبد الملك بن مروان بايعه منهم من أدركه لا رضا عنه ولا عداوة
стр. 8171
لابن الزبير ولا تفضيلا لعبد الملك على ابن الزبير، ولكن لما ذكر من مذهبهم أنه لا بيعة في فرقة.
إن اتفاق جميع الأمة أولها عن آخرها من برقة إلى أول خراسان ومن الجزيرة إلى أقصى اليمن على السكوت عن حق علي بعد أن بلغهم النص عليه، واجتماعهم على ظلمه، ومنعه من حقه، وليس هناك شئ يخافونه لأحدى عجائب المحال الممتنع ..
ثم العجب إذا كان غيظهم عليه هذا الغيظ، واتفاقهم على جحد حقه هذا الاتفاق كيف تورعوا عن قتله ليستريحوا منه، أم كيف أكرموه وبروه وادخلوه في الشورى.
فإن قالوا: قد أقررتم أنه لابد من إمام .. فبأى شئ يعرف الإمام وأنتم خاصة معاشر أهل الظاهر لا تأخذون إلا بنص من قرآن أو خبر صحيح، وهذا أيضا مما سألنا عنه أصحاب الرأى والقياس .. فالجواب أن رسول الله ﷺ نص على وجوب الإمامة، وأنه لا يحل بقاء ليلة دون بيعة وافترض علينا بنص قوله الطاعة للقرشى إماما واحدًا لا ينازع إذا قادنا بكتاب الله . فصح من هذه النصوص النص على صفة الإمام الواجب طاعته لما صح النص على صفة الشهود في الأحكام وصفة المساكين والفقراء الواجبة لهم الزكاة وصفة من يؤم في الصلاة وصفة من يجوز نكاحها من النساء وكذلك سائر الشريعة كلها ولا يحتاج إلى ذكر الأسماء إذ لم يكلفنا الله ذلك .. فكل قرشى بالغ عاقل بادر إثر موت الإمام القائم الذي لم يعهد إلى أحد فبايعه واحد فصاعدا فهو الإِمام الواجب طاعته ما قادنا بكتاب الله تعالى وبسنة رسول الله ﷺ التي أمر الكتاب بإتباعها. فإن زاغ عن شئ منهما منع من ذلك .. وأقيم عليه الحد فيما يرتكب من موجباته. فإن لم يكف أذاه ألا يخلعه خلع وولى غيره ..
فإن قالوا: قد اختلف الناس في تأويل القرآن والسنة ومنع من تأديتهما بغير نص آخر .. قلنا إن التأويل الذي لم يقم عليه برهان .. تحريف للكلم عن مواضعه، وقد جاء النص بالمنع من ذلك وليس الاختلاف حجة .. إنما الحجة في نص القرآن والسنة، وما اقتضاه لفظهما العربى الذي خوطبنا به وألزمتنا الشريعة بإتباعه ..
ثم نسألهم فنقول لهم إن عمدة احتجاجكم في إيجاب إمامتكم التي تدعيها جميع فرقكم وجهان ..
أحدهما النص عليه باسمه ..
والثانى شدة الحاجة في بيان الشريعة إذ علمها عنده لا عند غيره .. ولا مزيد على ذلك فأخبرونى بأى شئ صار محمد الباقر بن على بن الحسين أولى بالإمامة من إخوته زيد وعمرو وعبد الله وعلى والحسين ..
فإن ادعوا نصا من أبيه عليه أو من النبي ﷺ أن الإمام هو الباقر لم يكن ذلك ببدع من كذبهم .. ولم يكونوا أولى بتلك الدعوى من الكيسانية في دعواهم النص على محمد بن الحنفية .. وإن ادعوا أن الباقر كان أفضل من إخوته كانت أيضا دعوى بلا برهان .. والفضل لا يقطع على ما عند الله فيه بما يبدو من الإنسان فقد يكون باطنه خلاف ظاهره وكذلك يسألون ما الذي جعل موسى الكاظم بن جعفر الصادق أولى بالإمامة من أخيه محمد أو إسحاق أو على .. فلا يجدون إلى غير الدعوى سبيلا ..
وهكذا يتردد السؤال بالنسبة لمن ادعوا إمامتهم من الأشخاص - ليس لديهم سوى الدعوة التي لو ادعى مثلها مدع لأى واحد من أي قوم
стр. 8172
من الناس لساواهم في الحماقة وانعدام الدليل .. فبطل إذن ادعاء النص بالاسم على أئمتهم ..
وأما الوجه الثاني وهو الحاجة إليه في بيان الشريعة التي علمها عنده لا عند غيره فنقول لهم فيه: إنه ما ظهر قط من أكثر من أئمتهم بيان لشئ مما اختلف فيه الناس من الأحكام والمسائل في الأصول أو في الفروع .. وما بأيديهم من ذلك شئ إلا دعاوى مفتعلة قد اختلفوا أيضا فيها كما اختلف غيرهم من الفرق سواء بسواء ..
إلا أنهم أسوأ حالا من غيرهم لأن كل من قلد إنسانا كأصحاب أبى حنيفة لأبى حنيفة، وأصحاب مالك لمالك، وأصحاب الشافعي للشافعى، وأصحاب أحمد لأحمد .. فإن لهؤلاء المذكورين أصحابا مشاهير نقلت عنهم أقوال صاحبهم ونقلوها هم عنه وهى محفوظة تدرس وتنشر ويعمل الناس بها.
ولا سبيل إلى اتصال خبر عند هؤلاء ظاهر مكشوف يضطر الخصم إلى الإعتراف والتسليم بأن هذا قول موسى بن جعفر، ولا أنه قول علي بن موسى وهكذا في أئمتهم إلى الحسن بن علي .. أما من بعد الحسن بن علي فعدم بالكلية وحماقة ظاهرة، وأما من قبل الحسن بن علي بن الحسين فلو جمع كل ما روى في الفقه عن الحسن والحسين رضى الله عنهما لما بلغ أوراقا ..
فما نرى المصلحة التي يدعونها في أئمتهم ظهرت ولا نفع الله بها قط في علم ولا في عمل لا عندهم ولا عند غيرهم. ولا ظهر بعد الحسين رضى الله عنه من هؤلاء الذين سموهم أحد ولا أمر منهم أحد قط بمعروف معلن …
وقد قرأنا صفة هؤلاء المنتمين إلى الإمامية القائلين بأن الدين عند أئمتهم فما رأيت إلا دعاوى باردة وآراء فاسدة كأسخف ما يكون من الأقوال … ولا يخلو هؤلاء الأئمة الذين يذكرون من أن يكونوا مأمورين بالسكوت أو مأمورين بالكلام ..
فإن يكونوا مأمورين بالسكوت فقد أبيح للناس البقاء في الظلال وسقطت الحجة في الديانة على جميع الناس على منطقهم وبطل الدين ولم يلزم فرض الإسلام .. وهذا كفر مجرد وهم لا يقولون بهذا .. وأن يكونوا مأمورين بالكلام فقد عصوا الله إذ سكتوا وبطلت إمامتهم وقد لجأ بعضهم إذ سئلوا عن صحة دعواهم في الأئمة إلى أن ادعوا الإِلهام في ذلك .. فإذ قد صاروا إلى هذا الشغب فإنه لا يضيق عن أحد ولا يعجز خصومهم عن أن يدعوا أنهم ألهموا بطلان دعواهم.
ثم إن بعض أئمتهم الذين يذكرونهم مات أبوه وهو ابن ثلاث سنين وقالوا بإمامة هذا الصغير .. فإذا كان الإمام عندهم واجبا ليعلم الناس دينهم إذ عنده جميع علم الشريعة لا عند غيره، فمن أين علم هذا الصغير جميع علم الشريعة، وقد عدم توقيف أبيه له على ذلك لصغره.
فلم يبق إلا أن يدعوا له الوحى بهذا العلم .. وهذه نبوة وكفر صريح، وهم لا يبلغون إلى حد إدعاء النبوة .. أو أن يدعوا له معجزة تصحح قوله وهى دعوى باطلة ما ظهر منها من شئ أو أن يدعوا له الإلهام .. وهى دعوى فاسدة لا يعجز عن مثلها أحد ..
ثم لو كان الأمر على ما يقولون من أن هناك نصا بالاسم على الإمام لما كان الحسن بن علي بن أبى طالب رضى الله عنهما في سعة من أن
стр. 8173
يسلم الإِمامة لمعاوية رضى الله عنه ويتنازل له عنها فيعينه على الضلال وعلى إبطال الحق وهدم الدين فيكون شريكه في كل مظلمة ..
ويبطل عهد رسول الله ﷺ ويوافقه على ذلك أخوه الحسين رضى الله عنه فإنه سكت على ذلك ولم ينقض قط بيعة معاوية إلى أن مات ..
فكيف استحل الحسن والحسين رضى الله عنهما إبطال نص رسول الله ﷺ وعهد إليهما طائعين غير مكرهين …
فلما مات معاوية قام الحسن يطلب حقه إذ رأى أن بيعة يزيد بيعة ضلالة فلولا أنه رأى أن بيعة معاوية حق لما سلمها له ولفعل معه كما فعل بيزيد حين ولى الإِمامة ..
وهذا ما لا يمترى فيه ذو إنصاف .. هذا مع الحسن أزيد من مائة ألف عنان يموتون دونه، فتا الله لولا أن الحسن رضى الله عنه علم أنه في سعة من إسلامها إلى معاوية وفى سعة من أن لا يسلمها وليس هناك نص ولا عهد يبطله بإسلامها ..
لما جمع بين الأمرين فأمسكها ستة أشهر لنفسه وهى حقه وسلمها بعد ذلك لغيره ضرورة وذلك له مباح.
بل هو الأفضل بلا شك قطعا للنزاع وعملا للإصلاح. فإن جده رسول الله ﷺ قد خطب بذلك على المنبر بحضرة المسلمين وأراهم الحسن معه على المنبر .. وقال: إن ابنى هذا لسيد ولعل الله أن يصلح به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين رويناه من طريق البخارى .. وهذا من أعلامه ﷺ وإنذاره بالغيوب التي لا تعلم البتة إلا بالوحى ..
فإن ادعوا أنه قد كان في ذلك عند الحسن عهد فقد كفروا لأن رسول الله ﷺ لا يأمر أحدًا بالعون على إطفاء نور الإسلام بالكفر وعلى نقض عهود الله بالباطل من غير ضرورة ولا إكراه .. وهذه صفة الحسن والحسين رضى الله عنهما عند الروافض ..
واحتج بعض الإمامية وجميع الزيدية بأن عليا كان أحق الناس بالإمامة بعد رسول الله ﷺ لبينونة فضله على جميعهم. ولكثرة فضائله دونهم ..
وهذا يفتح الكلام فيه إن شاء الله تعالى في الكلام في المفاضلة بين أصحاب رسول الله ﷺ ..
أما الكلام هنا ففى الإمامة فقط .. فنقول لهم: هبكم أنكم وجدتم لعلى رضى الله عنه فضائل معلومة كالسبق إلى الإسلام والجهاد مع رسول الله ﷺ وسعة العلم والزهد .. فهل وجدتم مثل ذلك للحسن والحسين رضى الله عنهما حتى أوجبتم لهما بذلك فضلا في شئ مما ذكرنا على سعد بن أبى وقاص وسعيد بن زيد وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن عباس؟.
هذا ما لم يقدر أحد على أن يدعى لهما فيه كلمة فما فوقها مما يكونان به فوق من ذكرنا في شئ من هذه الفضائل .. فلم يبق إلا دعوى النص .. فقد بينا فيما سبق أنها دعوى غير صحيحة، ولا برهان لهم عليها .. ولا يعجز عن مثلها أحد .. ولو استجازت الخوارج التوقح بالكذب في دعوى النص على عبد الله بن وهب الراسى لما كانوا إلا مثل الرافضة سواء بسواء ..
ولو استحل بنو أمية أن يجاهروا بالكذب في دعوى النص على معاوية لكان أمرهم في ذلك أقوى من أمر الرافضة لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾.
стр. 8174
ولكن كل أمة ما عدا الرافضة والنصارى فإنها تستحى وتصون أنفسها عما لا تصون النصارى والروافض أنفسهم عنه من الكذب الفاضح وقلة الحياء فيما تأتون به ..
وكذلك لا يجد الروافض لعلي بن الحسن مسبوقا في علم ولا في عمل على سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، وعودة بن الزبير ولا على أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ولا على ابن عمه الحسن بن الحسن، وكذلك لا يجدون لمحمد بن علي بن الحسين مسبوقا في علم ولا في عمل ولا ورع على عبد الرحمن بن القاسم بن محمد ولا على محمد بن عمرو بن أبى بكر بن المنكدر، ولا على أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ولا على أخيه زيد بن علي، ولا على عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي ولا على عمر بن عبد العزيز.
وكذلك لا يجدون لجعفر بن محمد مسبوقا في علم ولا في دين ولا في عمل على محمد بن مسلم الزهيرى .. ولا على ابن أبي ذؤيب ولا على عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر .. ولا على عبيد الله بن عمرو بن حفص بن عاصم بن عمر ولا على ابنى عمه محمد عبد الله بن الحسن بن الحسن .. وعلى بن الحسن بن الحسن بن الحسن ..
بل كل من ذكرنا فوقه في العلم والزهد وكلهم أرفع محلا في الفتيا والحديث لا يمنع أحد منهم من شئ من ذلك ..
وهذا ابن عباس رضى الله عنهما قد جمع فقهه في عشرين كتابا ويبلغ حديثه وفتياه جزءًا صغيرًا .. وكذلك جعفر بن محمد .. وهم يقولون إن الإِمام عنده جميع علم الشريعة .. فما بال من ذكرنا أظهروا بعض ذلك وهو الأقل الأنقص وكتموا سائره وهو أكثر الأعظم .. فإن كان فرضهم الكتمان فقد خالفوا الحق إذا علنوا ما أعلنوا .. وإن كان فرضهم البيان فقد خالفوا الحق إذ كتموا ما كتموا ..
وأما من بعد جعفر بن محمد فما عرفنا لهم علمًا أصلا لا من رؤية ولا من فتيا على قرب عهدهم منا .. ولو كان عندهم من ذلك شئ لعرف كما عرف عن محمد بن علي وابنه جعفر .. وكما عرف عن غيرهم منهم ممن حدث الناس عنه ..
فبطلت دعواهم الظاهرة الكاذبة ..
فإن رحبوا إلى إدعاء المعجزات لهم قلنا لهم إن المعجزات لا تثبت إلا بنقل التواتر لا بنقل الآحاد والثقات فكيف يولد الكذابين الذين لا يدرى عهدهم .. وقد وجدنا من يروى لبشر الحافى وشيبان الراعى ورابعة العدوية أضعاف ما يدعونه من الكذب لأئمتهم وأظهر وأفشى .. وكل ذلك حماقة لا يشتغل ذو دين ولا ذو عقل بها ..
ثم انتقل ابن حزم إلى الكلام على وجوه الفضل بين الصحابة ليبين أن عليا رضى الله عنه ليس أفضلهم جميعا وبالتالى لا يكون أحقهم بالإِمامة بعد رسول الله ﷺ فقال: اختلف المسلمون فيمن هو أفضل الناس بعد الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه ..
فذهب بعض أهل السنة وبعض المعتزلة وبعض المرجئة وجميع الشيعة إلى أن أفضل الأمة بعد رسول الله ﷺ على بن أبى طالب رضى الله عنه .. وقد روينا هذا القول نصا عن بعض الصحابة رضى الله عنهم وعن جماعة من التابعين والفقهاء ..
стр. 8175
وذهبت الخوارج كلها وبعض أهل السنة وبعض المعتزلة وبعض المرجئة إلى أن أفضل الصحابة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر وعمر ..
وروينا عن أبى هريرة رضى الله عنه أن أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ جعفر بن أبى طالب .. وبهذا قال عاصم النبيل وهو الضحاك بن مخلد، وعيسى بن حاضر .. قال عيسى: وبعد جعفر حمزة رضى الله عنه ..
وروينا على نحو عشرين من الصحابة أن أكرم الناس على رسول الله ﷺ على بن أبى طالب والزبير بن العوام .. وروينا عن أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها، مات رسول الله ﷺ وثلاث رجال لا يعد أحد عليهم بفضل: سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير .. وعياد بن بشر ..
وروينا عن أم سلمة أم المؤمنين رضى الله عنها أنها تذكرت الفضل ومن هو خير فقالت: ومن هو خير من أبى سلمة أول بيت هاجر إلى رسول الله ﷺ ..
وروينا عن مسروق بن الأجدع وتميم بن هشام وإبراهيم النخعى وغيرهم أن أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ عبيد الله بن مسعود ..
قال تميم وهو من كبار التابعين: رأيت أبا بكر وعمر .. فما رأيت مثل عبد الله بن مسعود ..
وروينا عن بعض من أدرك النبي ﷺ أن أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب وأنه أفضل من أبى بكر رضى الله عنهما .. بلغنى عن محمد بن عبد الله الحاكم النيسابورى أنه كان يذهب إلى هذا القول ..
قال داود بن علي الفقيه رضى الله عنه: أفضل الناس بعد الأنبياء أصحاب رسول الله ﷺ وأفضل الصحابة الأولون من المهاجرين ثم الأولون من الأنصار ثم من بعدهم لا نقطع على إنسان منهم بعينه أنه أفضل من آخر من طبقته ولقد رأينا من متقدمى أهل العلم من يذهب إلى هذا القول.
قال أبو محمد: والذي نقول به وندين الله تعالى عليه ونقطع على أنه الحق عند الله أن أفضل الناس بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام نساء رسول الله ﷺ ثم أبو بكر .. ولا خلاف بين أحد من المسلمين في أن أمة محمد ﷺ أفضل الأمم .. لقول الله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وأن هذه قاضية على قوله تعالى لبنى إسرائيل: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ وأنها مبينة أن مراد الله تعالى عالم الأمم حاشا هذه الأمة.
ثم نقول: أن الكلام المهمل دون تحقيق المعنى المراد بذلك الكلام طمس للمعانى وصد عن إدراك الصواب ..
فلنبدأ بتقسيم وجوه الفضل التي بها يستحق التفاضل، فإذا استبان معنى الفضل .. نعلم حينئذ أن من وجدت فيه صفات الفضل أكثر .. فهذا أفضل بلا شك .. ثم أفاض وأسهب في بيان وجوه الفضل وما به يكون التفاضل .. بعد أن قال: إن الفضل قسمان:
فضل اختصاص من الله بلا عمل وفضل مجازاة من الله بعمل ويشترك في الأول جميع المخلوقين من حيوان ناطق وغير ناطق وجماد كفضل الملائكة في ابتداء خلقهم على سائر الخلق .. وكفضل الأنبياء في ابتداء خلقهم على سائر الجن والإِنس ..
ثم قال: فإذ قد صح ما ذكرنا قيل يقينا بلا خلاف من أحد في شئ منه، فبيقين ندرى أنه لا تعظيم يستحقه أحد من الناس في الدنيا
стр. 8176
بإيجاب الله تعالى ذلك علينا بعد التعظيم الواجب علينا للأنبياء ﵈ .. أوجب ولا أوكد مما ألزمنا الله تعالى به من التعظيم الواجب علينا لنساء النبي ﷺ يقول الله تعالى: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم ..
فأوجب الله لهن حكم الأمومة على كل مسلم.
هذا سوى حق إعظامهن بالصحبة مع رسول الله ﷺ كسائر الصحابة إلا أن لهن من الاختصاص في الصحبة ووكيد الملازمة له ﵇ ولطيف المنزلة عنده، والقرب منه والحظوة لديه ﵇ ما ليس لأحد من الصحابة .. فهن أعلى درجة في الصحبة من جميع الصحابة .. ثم فضلن سائر الصحابة بحق زائد وهو حق الأمومة الواجب لهن بنص القرآن ثم وجدناهن.
لا عمل من الصلاة والصدقة والصيام والحج والجهاد إلا كان فيهن ..
وقد خيرهن الله بنص القرآن بين الدنيا وبين الدار الآخرة والله ورسوله .. فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة .. فهن أزواجه في الآخرة بيقين ومعه في الجنة في درجة واحدة وفى قصوره وعلى سرره .. وأنه لا شك في ذلك ..
فقد علمنا أنهن لم يؤتين ذلك اختصاصا من الله مجردًا دون عمل. ومارية أم إبراهيم معهن .. وقد روى عن أنس بن مالك قال: قيل يا رسول الله: من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة .. قال من الرجال: قال: أبوها .. وفى رواية عن عمرو بن العاص .. قلت: ثم من؟ قال: عمر. فعد رجالا .. وفى القرآن الكريم: وما ينطق عن الهوى ..
فكلامه أن عائشة أحب الناس إليه وحى أوحاه الله إليه ليخبر به لاستحقاقها لذلك الفضل .. فهى أفضل نسائه ثم تليها خديجة رضى الله عنها .. لقول النبي ﷺ : أفضل نسائها مريم ابنة عمران .. وأفضل نسائها خديجة بنت خويلد مع سابقتها في الإِسلام وثباتها ومؤازرتها النبي ﷺ ولأم سلمة وسودة وزينب بنت جحش وزينب بنت خزيمة وحفصة سوابق في الإِسلام عظيمة، وأحمال للمشتقات في الله ورسوله ﷺ . والهجرة والغربة عن الوطن .. والدعاء إلى الإِسلام .. والبلاء في الله ورسوله ﷺ ولكلهن بعد ذلك الفضل المبين رضوان الله عليهن أجمعين ..
وأما فضلهن على بنات النبي ﷺ فيقول الله : ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ .. وقول النبي ﷺ في ابنته فاطمة: سيدة نساء المؤمنين أو نساء هذه الأمة .. وارد في السيادة لا في الفضل .. والسيادة غير الفضل ..
ثم انتقل إلى الكلام على أفضلية أبى بكر رضى الله عنه على سائر الصحابة بعد نساء النبي ﷺ فقال: ثم وجب القول فيمن هو أفضل الصحابة بعد نساء النبي ﷺ .. فلم نجد لمن فضل ابن مسعود أو عمرًا أو جعفر بن أبى طالب أو أبا سلمة .. والثلاثة الأسهليين على جميع الصحابة حجة يعتمد عليها .. ولم يزد من ذهب إلى ذلك على أنه لم يلح له البرهان على ذلك ولو لاح لقال به ..
وأما القائلون بأن عليا أفضل الصحابة بعد رسول الله ﷺ فقد قالوا: أولا: إن عليا كان أكثر الصحابة جهادًا وطعنا في الكفار وضربا .. والجهاد أفضل الأعمال .. وقد رد عليهم بأن الجهاد ثلاثة أقسام ..
стр. 8177
الأول: الدعاء إلى الله باللسان ..
الثاني: الجهاد عند الحرب بالرأى والتدبير ..
الثالث: الجهاد في الطعن والضرب ..
أما الجهاد باللسان فلم يلحق فيه أحد بعد رسول الله ﷺ أبا بكر وعمر ..
أما أبو بكر فقد أسلم على يديه أكابر الصحابة .. وهذا أفضل عمل وليس لعلى مثل ذلك ..
وأما عمر فإنه من يوم أسلم عز الإسلام بإسلامه. وعبد الله بمكة جهرًا .. وجاهد المشركين بمكة وضَرَب وضُرِبَ حتى ملوه فتركوه .. وليس لعلى مثل ذلك ..
وأما القسم الثاني وهو الرأى والتدبير والمشورة .. فقد وجدناه خالصا لأبى بكر ثم لعمر ..
أما القسم الثالث: وهو الجهاد بالطعن والضرب .. فهو أقل مراتب الجهاد بدليل أن رسول الله ﷺ وهو المخصوص بكل فضيلة والشجاع الذي لا يبارى كان في أكثر أعماله وأحواله في الجهاد بالقسمين الأولين وأقل عمله الطعن والضرب والمبارزة إذ كان ﵇ يؤثر الأفضل فالأفضل من الأعمال ..
ثم أن عليا لم ينفرد بهذا القسم الثالث من الجهاد .. فهناك من الصحابة من شاركه في ذلك كطلحة والزبير وسعد وحمزة وسعد بن معاذ وغيرهم .. وأبو بكر وعمر مشاركا في هذا النوع وإن كان بنصيب أقل لإنشغالهما بملازمة النبي وقد بعثهما على البعوث أكثر مما بعث عليا ..
وقالوا ثانيا: إن عليا كان أكثر الصحابة علمًا وناقش ذلك ورد عليه بأن العلم إنما يعرف بكثرة الرواية والفتوى .. ثم بكثرة استعمال النبي للصحابى .. وقد استخلف النبي أبا بكر على الصلاة مدة مرضه واستعمله على الصدقات والحج .. وقلة روايته لقصر مدته بعد النبي ﷺ وهو أكثر الصحابة ملازمة ومشاهدة ومعرفة برسول الله ﷺ وبعلمه وآثاره ..
وقالوا ثالثا: إن عليا كان أقرأهم ورد هذا بأن استخلاف النبي لأبى بكر على الصلاة يدل على أن أبا بكر كان أقرأهم لقوله ﷺ يؤم القوم أقرأهم.
وقالوا رابعًا وخامسا: إن عليا كان أتقاهم وكان أزهدهم .. وقد رد بأن أبا بكر لم يشى قط في كلمة ولا خالف إرادة رسول الله ﷺ إلا حينما كان يصلى بالناس وحضر رسول الله ﷺ وأراد أن يتأخر فأشار إليه الرسول أن أقم مكانك ولكنه تأخر .. ولما كلمه النبي ﷺ في ذلك أجابه ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدى رسول الله .. فعذره النبي بينما كان على يريد أن يتزوج ابنة أبى جهل .. ولم يمتثل إلا بعد أن تكلم الرسول في ذلك على المنبر .. وأما الزهد فلم يعرف لأبى بكر فيه مثيل .. فقد بذل ماله في سبيل الله وعاش عيش الكفاف قبل الخلافة وبعدها .. وتلاه في هذا الزهد عمر .. وأما على فقد ترك عدة زوجات وأربعة وعشرين ولدًا .. وعددًا من العبيد والإماء وأموالا صار بها أولاده أغنياء ..
وقالوا كان على أسوسهم .. ورد بأن أبا بكر وثبت بعد رسول الله وواجه تفرق العرب وارتدادهم عن الإسلام وساسهم وجاهدهم حتى دخلوا في دين الله أفواجًا كما خرجوا منه
стр. 8178
أفواجًا .. ثم ناطح كسرى وقيصر وانتصر عليهم .. على خلاف ما كان في عهد على ..
ثم قال: فإذ قد بطل كل ما ادعاه هؤلاء القائلون بأفضلية عَلِيّ على سائر الصحابة ولم تبق لهم إلا مجرد الدعاوى التي لا دليل عليها.
وصح بالبرهان أن أبا بكر هو الذي فاز بالقدح المعلى والحظ الأسنى في العلم بالقرآن والجهاد والزهد والتقوى والخشية والصدقة والعتق والمشاركة والطاعة والسياسة .. وهذه هي وجوه الفضل كلها .. فهو بلا شك أفضل من جميع الصحابة كلهم بعد نساء النبي ﷺ ..
ولم نحتج على شيعة على رضى الله عنه بالأحاديث لأنهم لا يصدقون أحاديثنا ولا تصدق أحاديثهم ..
وإنما اقتصرنا على البراهين الضرورية بنقل ما فيه الكفاية فإن كانت الإِمامة تستحق بالتقدم في الفضل .. فأبو بكر أحق الناس بها بعد موت النبى ﷺ يقينا .. وإذ قد صحت إمامة أبى بكر رضى الله عنه .. فطاعته فرض في استخلافة عمر رضى الله عنه .. فوجبت إمامة عمر فرضا بما ذكرنا وبإجماع أهل الإسلام عليها دون خلاف من أحد قطعًا .. ثم أجمعت الأمة كلها أيضًا بلا خلاف من أحد منهم على صحة إمامة عثمان والدينونة بها ..
وأما خلافة على فحق لا بنص ولا بإجماع ولكن ببرهان سنذكره إن شاء الله في الكلام في حروبه .. وقد نقلنا عنه فيما سبق ما قاله في صراحة وقطع .. من أن إمامة على كانت حقا وصحيحة، وأنها تمت بالبيعة الصحيحة في هدوء وأن الجميع كانوا متفقين على أحقيته بالإِمامة كما سبق ..
وقال ابن خلدون في مقدمته في الفصل السابع والعشرين في مذاهب الشيعة في حكم الإِمامة: اعلم أن الشيعة لغة هم الصحبة والاتباع ويطلق في عرف الفقهاء ومن المتكلمين من الخلف والسلف على اتباع على وبنيه رضى الله عنهم .. ومذهبهم الذي اتفقوا عليه جميعا أن الإمامة ليست من المصالح العامة التي تفوض إلى نظر الأمة، ويتعين القائم بها تعيينهم بل هي ركن الدين وقاعدة الإسلام ولا يجوز للنبى إغفاله ولا تفويضه إلى الأمة .. بل يجب عليه تعيين الإِمام لهم ويكون معصوما من الكبائر والصغائر ..
وأن عليا رضى الله عنه هو الذي عينه النبي صلوات الله وسلامه عليه بنصوص ينقلونها ويؤولونها على مقتضى مذهبهم لا يعرفها جهابذة السنة ولا نقلة الشريعة .. بل أكثرها موضوع أو مطعون في طريقه أو بعيد عن تأويلاتهم الفاسدة ..
وتنقسم هذه النصوص عندهم إلى جلى وخفى ..
فالجلى مثل قوله: من كنت مولاه فعلى مولاه .. وقالوا: ولم تطرد هذه الولاية إلا في على .. ولهذا قال عمر حين لقيه بعد ذلك: "أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة" ومنها قوله: "أقضاكم على" ولا معنى للإمامة إلا القضاء بأحكام الله .. وهو المراد بأولى الأمر الواجبة طاعتهم بقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ولهذا كان حكما في قضية الإمام يوم السقيفة دون غيره.
ومنه قوله: "من يبايعنى على روحه وهو وصى وولى هذا الأمر من بعدى فلم يبايعه إلا على …
стр. 8179
ومن الخفى عندهم بعث النبي ﷺ عليا كقراءة سورة براءة في الموسم حين أنزلت وأنه بعث بها أولا أبا بكر ثم أوحى إليه ليبلغه رجل منك أو قال من قومك .. فبعث عليا ليكون القارئ المبلغ .. قالوا: وهذا يدل على تقديم على وأيضا فلم يعرف أنه قدم على عليّ أحد .. وأما أبو بكر وعمر فقدم عليهما في غزوتين .. أسامة بن زيد مرة وعمرو بن العاص مرة أخرى .. وهذه كلها أدلة شاهدة بتعيين على للخلافة دون غيره .. فمنها ما هو غير معروف ومنها ما هو بعيد من تأويلاتهم ..
ثم منهم من يرى أن هذه النصوص تدل على تعيين على وتشخيصه .. وكذلك تنتقل منه إلى من بعده ..
وهؤلاء هم الإمامية ويتبرؤون من الشيخين أبى بكر وعمر حيث لم يقدموا عليا ويبايعوه بمقتضى هذه النصوص ويغمصون ويطعنون في إمامتهما .. ولا يُلْتَفَتْ إلى نقل القدح فيهما من غلاتهم فهو مردود عندنا وعندهم …
ومنهم من يقول أن هذه الأدلة اقتضت تعيين على بالوصف لا بالشخص والناس مقصرون حيث لم يضعوا الوصف موضعه .. وهؤلاء هم الزيدية، ولا يتبرأون من الشيخين ولا يغمصون في إمامتهما مع قولهم أن عليا أفضل منهما لكنهم يجوزون العامة المفضول مع وجود الأفضل .. ثم اختلفت .. تقول هؤلاء الشيعة في مساق الخلافة بعد على فمنهم من ساقها في ولد فاطمة بالنص عليهم واحدًا بعد واحد على ما يذكر بعد .. وهؤلاء يسمون الإمامية نسبة إلى مقالتهم باشتراط معرفة الإمام وتعيينه في الإيمان .. وهى أصل عندهم ..
ومنهم من ساقها في ولد فاطمة لكن بالاختيار مع الشيوخ .. ويشترط أن يكون الإمام منهم عالما زاهدًا جوادًا شجاعا ويخرج داعيا إلى إمامته .. وهؤلاء هم الزيدية نسبة إلى صاحب المذهب وهو زيد بن علي بن الحسين السبط ..
وقد كان يناظر أخاه محمد الباقر على اشتراط الخروج في الإمام فيلزمه الباقر أن لا يكون أبوهما على زين العابدين إماما لأنه لم يخرج ولا تعرض للخروج وكان مع ذلك ينص عليه مذاهب المعتزلة وأخذه إياها عن واصل بن عطاء رأس المعتزلة ..
ولما ناظر الإمامية زيدًا هذا في إمامة الشيخين ورأوه يقول بإمامتهما لا يتبرأ منهما رفضوه .. ولم يجعلوه من الأئمة وبذلك سموا رافضة .. ومنهم من ساقها بعد على وابنيه السبطين على اختلافهم في ذلك إلى أخيهما محمد بن الحنفية ثم إلى ولده وهم الكيسانية نسبة إلى كيسان مولاه.
وبين هذه الطوائف اختلافات كثيرة تركناها اختصارًا .. ومنهم طوائف يسمون الغلاة تجاوزوا حد العقل والإيمان في القول بألوهية هؤلاء الأئمة .. إما على أنهم بشرًا اتصفوا بصفات الألوهية أو أن الإله حل في ذاته البشرية ..
وهو قول بالحلول يوافق مذهب النصارى في عيسى صلوات الله وسلامه عليه .. ولقد حرق على رضى الله عنه بالنار من ذهب فيه إلى ذلك منهم .. وسخط محمد بين الحنفية المختار بن أبى عبيد لما بلغه مثل ذلك عنه فصرح بلعنته والبراءة منه .. وكذلك فعل جعفر الصادق رضى الله عنه بمن بلغه مثل هذا عنه …
ومنهم من يقول إن كمال الإمام لا يكون لغيره فإذا مات انتقلت روحه إلى إمام آخر ليكون فيه ذلك الكمال .. وهو قول بالتناسخ ..
стр. 8180
ومن هؤلاء الغلاة من يقف عن واحد من الأئمة لا يتجاوزه إلى غيره بحسب من يعين لذلك عندهم .. وهؤلاء هم الواقفية .. فبعضهم يقول هو حيّ لم يمت إلا أنه غائب عن أعين الناس ويستشهدون لذلك بقصة الخضر في القرآن ..
قيل مثل ذلك في علي رضى الله عنه وأنه في السحاب والرعد صوته والبرق في سوطه .. وقالوا مثله في محمد بن الحنفية وأنه في جبل رضوى من أرض الحجاز .. وقال مثل غلاة الإمامية وخصوصا الاثنا عشرية منهم يزعمون أن الثاني عشر من أئمتهم وهو محمد بن الحسن العسكرى ويلقبونه المهدى .. ودخل في سرداب بدارهم في الحلَّة (بلد قرب بغداد) وتغيب حين اعتقل مع أمه وغاب هنالك .. وهو يخرج آخر الزمان فيملأ الأرض عدلا يشيرون بذلك إلى الحديث الواقع في كتاب الترمذى في "المهدى المنتظر .. وهم إلى الآن ينتظرونه ويسمونه المنتظر لذلك ..
وبعض هؤلاء الواقفية يقول: إن الإمام الذي مات يرجع إلى حياته الدنيا ويستشهدون لذلك بما وقع في القرآن الكريم من قصة أهل الكهف والذي مر على قرية وقتيل بنى إسرائيل حين ضرب بنظام البقرة التي أمروا بذبحها ..
ومثل ذلك من الخوارق التي وقعت على طريق العجزة ولا يصح الاستشهاد بها في غير مواضعها .. وقد كفانا مؤونة هؤلاء الغلاة أئمة الشيعة فإنهم لا يقولون بها ويبطلون احتجاجاتهم عليها ..
وأما الكيسانية فساقوا الإِمامة بعد محمد بن الحنفية إلى ابنه أبى هاشم وهؤلاء هم الهاشمية ثم افترقوا: فمنهم من ساقها بعده إلى أخيه على ثم إلى ابنه الحسن بن علي .. وآخرون يقولون إن أبا هاشم أوصى إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وأوصى محمد إلى ابنه إبراهيم المعروف بالإِمام .. وأوصى إبراهيم إلى أخيه عبد الله السفاح رأس الدولة العباسية .. وأوصى السفاح إلى أخيه أبى جعفر المنصور وبقي في العباسيين إلى آخرهم ..
وهذا مذهب الهاشمية القائمين بدولة بنى العباس ومنهم أبو مسلم الخراسانى من أصحاب الفضل الأكبر في قيام دولة بنى العباس .. وأبو سلمة الخلال وغيرهم من شمعة العباسية .. وهم يقولون أنهم أحفي بالإِمامة لأنهم من أولاد العباس عم النبي ﷺ وأولى الوارثين عنه بالعصبية ..
وأما الزيدية فساقوا الإِمامة على مذهبهم فيها وأنها باختيار أهل الحل والعقد لا بالنص فقالوا بإمامة على ثم ابنه الحسن ثم أخيه الحسين ثم ابنه على زين العابدين ثم ابنه زيد صاحب هذا المذهب .. خرج بالكوفة داعيا إلى الإِمامة فقيل وصلب بكناسة الكوفة .. وأن الأمر بعده إلى ابنه يحيى .. فمضى إلى خراسان وقتل بالجوزجان بعد أن أوصى إلى محمد بن عبد الله بن حسن بن الحسن السبط المعروف بالنفس الزكية ..
وبعض الزيدية ذهب إلى أن الإمام بعد النفس الزكية هو محمد بن القاسم وذهب آخرون إلى أن الإمام بعده هو أخوه إدريس الذي فر إلى المغرب ومات هناك …
ثم قام بدعوة الزيدية في الديلم الناصر الأطروش وتابعوه وأسلموا على يديه، وظهر شأن الزيدية وتوصل الديلم من نسبهم إلى الملك والاستبداد على الخلفاء ببغداد ..
وأما الإمامية فساقوا الإمامة من على
стр. 8181
ابن أبي طالب إلى ابنه الحسن بالوصية ثم إلى أخيه الحسين ثم إلى ابنه على زين العابدين ثم إلى ابنه محمد الباقر ثم إلى ابنه جعفر الصادق ..
ومن هنا افترقوا فرقتين: فرقة ساقوها من بعده إلى ابنه إسماعيل وهم الاسماعيلية ..
وفرقة ساقوها إلى ابنه موسى الكاظم وهم الاثنا عشرية لوقوفهم عند الثاني عشر وقولهم بغيبته وانتظار عودته وهو المهدى المنتظر ..
وأما الاسماعيلية فقالوا: إن جعفر الصادق نص على ابنه إسماعيل من بعده وإن كان قد مات في حياته ويقتضى النص بقاءها في عنبة .. قالت بعد إسماعيل إلى ابنه محمد المكتوم وهو أول الأئمة المستورين لأن الإِمام قد لا تكون له شوكة فيستتر .. ويكون دعاته ظاهرين إقامة للحجة على الخلق .. وإن كانت له شوكة ظهر وأظهر دعوته ..
ويسمى هؤلاء بالباطنية أيضا نسبة إلى قولهم بالإِمام الباطن أي المستور .. ويسمون بالملحدة لما في مقالاتهم من إلحاد ولهم مقالات قديمة ومقالات جديدة دعا إليها محمد بن الحسن الصباح في آخر المائة الخامسة وملك حصونا بالشام والعراق ولم تزل دعوته هناك إلى أن توزعها الهلاك بين ملوك الترك بمصر وملوك التتر بالعراق فانقرضت.
وأما الاثنا عشرية فربما خصوا باسم الإمامية عند المتأخرين منهم فقالوا بإمامة موسى الكاظم بن جعفر الصادق لوفاة أخيه الأكبر إسماعيل في حياة أبيهما جعفر فقضى على إمامة موسى ثم من بعده إلى ابنه على الرضا الذي عهد إليه المأمون العباسى بن هارون الرشيد الذي اتهم بالتشيع ولكنه مات قبله فلم يتم له أمر .. ثم من بعده إلى ابنه محمد التقى ثم ابنه على الهادى ثم ابنه محمد العسكرى ثم ابنه محمد المهدى المنتظر .. وفى كل واحدة من هذه المقالات للشيعة اختلاف كثير إلا أن هذه أشهر مذاهبهم ومن أراد استيعابها فعليه بكتاب الملل والنحل لابن حزم ثم للشهرستانى وغيرهما ففيها بيان ذلك .. والله يضل من يشاء ويهدى من يشاء إلى صراط مستقيم وهو العلى الكبير …
وأما العلامة الكبير السعد التفتازانى فإنه لم يعن ببيان طوائف الشيعة ومذاهبهم واختلافاتهم التي لا حد لها في سوق الإِمامة في أولاد على رضى الله عنه بعده وتسلسلها في الأشخاص والقول بالتوقف والغيبة والرحبة وغير ذلك من الخبط والخلط على نحو ما رأينا فيما سقناه عن الشهرستانى في ابن حزم وابن خلدون وإنما عنى بمناقشة هؤلاء الشيعة في آرائهم في ثلاث نقط: الأولى: في إدعائهم أن نصيب الإمام واجب على الله تعالى …
والثانية: في شروطهم في الإِمام ..
والثالثة: في إدعائهم النص على على ..
وسنبدأ بالكلام في النقطة الأولى ..
قال رحمه الله تعالى: في شرح المقاصد (١):
واحتج القائلون بوجوب نصب الإمام على الله تعالى بأنه لطف من الله في حق العباد أما عند الملاحدة فليتمكنوا به من المعرفة الواجبة إذ نظر العقل غير كاف في معرفة الله .. وأما عند الإِمامية فلأن الرئيس القاهر يمنع من المحظورات ويحث على الواجبات فيكونوا معه أقرب إلى الطاعات وأبعد عن المعاصى. واللطف واجب على الله تعالى لما سبق ..
стр. 8182
والجواب أنه إنما يكون لطفا إذا خلا عن جميع جهات القبح. وهو ممنوع .. وأداء الواجب وترك القبيح مع عدم الإِمام أكثر ثوابا لكونهما أشق ما قرب إلى الإخلاص لاحتمال الخوف من الإمام .. وأيضا .. فإن اللطف بالإِمام يكون واجبا لو لم يقم مقامه لطف آخر كالعصمة مثلا فلم لا يجوز أن يكون زمان يكون الناس فيه معصومين لا حاجة بهم إلى الإمام .. والقول بأنا نعلم أن اللطف الحاصل بالإمام لا يحصل لغيره. مجرد دعوى .. تعارض بأنا نعلم جواز حصوله لغيره وهذا كدعوى القطع بانتفاذ المفاسد في نصب الإمام وكونه مصلحة خالصة وأيضا إنما يكون لطفا واجبا إذا كان ظاهرًا زاجرًا عن القبائح قادرًا على تنفيذ الأحكام وإعلاء لواء الإسلام وهذا ليس بلازم عندكم فالإمام الواجب عندكم ليس بلطف والذي هو لطف ليس بواجب.
ورد الشيعة على ذلك بأن وجود الإمام لطف سواء تصرف أو لم يتصرف على ما نقل عن على رضى الله عنه .. لا تخلو الأرض من إمام قائم لله بحجة إما ظاهرًا مشهورًا أو خافيًا مضمورا لئلا يبطل حجج الله وبيناته .. وتصرفه الظاهر لطف آخر .. وإنما عدم من جهة العباد وسوء اختيارهم حيث أخافوه وتركوا تصرفه ففوتوا اللطف على أنفسهم .. ورد على الشيعة ..
أولا: بأنا لا نسلم أن وجوده بدون التصرف لطف .. فإن قيل أن المكلف إذا اعتقد وجوده كان دائما يخاف ظهوره وتصرفه فيمتنع من القبائح - قلنا مجرد الحكم بخلقه وإيجاده في وقت ما كاف في هذا المعنى .. فإن ساكن القرية إذا انزجر عن القبيح خوفا من حاكم من قبل السلطان مختف فيها بحيث لا أثر له كذلك ينزجر خوفا من حاكم علم أن السلطان يرسله إليها البتة حتى شاء وليس في خوفا من المعدوم .. بل من وجود مترقب .. كما أن خوف الأول من ظهور مترقب …
ثانيًا: بأنه ينبغى أن يظهر لأوليائه الذين يبذلون الأرواح والأموال على محبته وليس عندهم منه إلا مجرد الاسم .. فإن لجل لعله ظهر لهم وأنتم عنه غافلون .. قلنا عدم ظهوره لهم من العاديات التي لا ارتياب فيها العاقل كعدم بحر من المسك .. وجبل من الياقوت .. ولو سلم فألأولياء إذا عرفوا من أنفسهم أنه لم يظهر لهم توجه الإشكال عليهم ..
ثالثا: فقد قال فيها (١): واشترطت الشيعة أمورًا:
منها أن يكون هاشميا. من أولاد هاشم بن عبد مناف أبى عبد المطلب جد النبي ﷺ .. وليس لهم في ذلك شبهة فضلا عن حجة وإنما قصدهم نفى إمامة أبى بكر وعمر وعثمان رضى الله عنهم ..
ومنهم من اشترط كونه علويا نفيا لخلافة بنى العباس .. وكفى بإجماع المسلمين على إمامة الأثمة الثلاثة حجة عليهم …
ومنها .. أن يكون عالما بكل الأمور وأن يكون مطلعا على المغيبات .. وهذه جهالة تفرد بها بعضهم ..
ومنها أن يكون أفضل أهل زمانه لأن قبح تقديم المفضول على الأفضل في إقامة قوانين الشريعة وحفظ حوزة الإسلام معلوم للعقلاء، ولا ترجيح في تقديم المساوى ونقل مثل ذلك عن الأشعرى حتى لا تنعقد إمامة المفضول مع وجود
стр. 8183
الأفضل لأن الأفضل أقرب إلى انقياد الناس له واجتماع الآراء إلى متابعته ولأن الإمامة خلافة عن النبي ﷺ فيجب أن يطلب من له رتبة أعلى قياسًا على النبوة ..
وأجيب بأن القبح بمعنى استحقاق تاركه الخزم والعقاب عند الله ممنوع .. وبمعنى عدم ملاءمته بمجارى العقول والعادات غير مفيد .. مع أنه أيضا في حيز المنع إذ ربما يكون المفضول أقدر على القيام بمصالح الدين والملك ونصبه أوفق لانتظام حال الرعية وأوفق في اندفاع الفتنة ..
وهذا بخلاف النبي ﷺ فإنه مبعوث من العليم الحكيم الذي يختار من يشاء من عباده لنبوته ويوحى إليه مصالح الملك والملة ويراه أهلا لتبليغ ما أوحى إليه بمشيئته فبدل ذلك قطعا على أفضليته. وإليه الإِشارة بقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ..
وقد يحتج بجواز تقديم المفضول بوجوه:
الأول: إجماع العلماء بعد الخلفاء الراشدين على انعقاد الإِمامة لبعض القرشيين مع أن فيهم من هو أفضل منه.
الثاني: أن عمر رضى الله عنه جعل الإمامة شورى بين ستة من غير تكبر عليها مع أن فيهم عثمان وعليا وهما أفضل من غيرهما إجماعًا. ولو وجب تعيين الأفضل لعينهما.
الثالث: أن الأفضلية أمر خفى قلما يطلع علمه أهل الحل والعقد وربما يقع فيه النزاع ويتشوش الأمر .. وإذا انصفت فتعيين الأفضل متعسر في أقل فرقة من فرق الفاضلين فكيف في قريش مع كثرتهم وتفرقهم في الأطراف، وأنت خبير بأن هذا وأمثاله على تقدير تمامه إنما يصلح للاحتجاج على أهل الحق دون الروافض فإن الإِمام عندهم منصوب من قبل الحق لا من قبل الخلق.
ومنها أن يكون معصومًا من معظم الخلافيات مع الشيعة اشتراطهم أن يكون الإِمام معصوما .. وقد عرفت معنى العصمة وأنها لا تنافى القدرة على المعصية بل ربما يستلزمها .. وقد احتجوا بوجوه:
الأول: القياس على النبوة بجامع إقامة الشريعة وتنفيذ الأحكام وحماية حوزة الإسلام ورد بأن النبي مبعوثا من الله مقرونة دعواه بالمعجزات الباهرة الدالة على عصمته من الكذب وسائر الأمور المخلة بمرتبة النبوة ومنصب الرسالة وكذلك الإِمام فإن نصبه مفوض إلى العباد الذين لا سبيل لهم إلى معرفة عصمته - واستقامة سريرته فلا وجه لاشتراطها .. وأيضا النبي يأتى بالشريعة التي لا علم للعباد بها إلا من جهته فلو لم يكن معصوما عن الكذب في تبليغها والفسق في تعاطيها وقد لزمنا إمتثاله فيما أمر ونهى واعتقاد إباحة ما جرى عليه ومضى لكانت المعجزة التي أقامها الله تعالى لصحة الرسالة والهدى وانتظام أمر الدين والدنيا مفضية إلى الضلالة والردى واختلال حال العاجلة والعقبى ..
الثاني: أن الإمام واجب الطاعة بالنص والإِجماع .. قال الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ وكل واجب الطاعة واجب العصمة .. وإلا لجاز أن يكذب في تقرير الأوامر والنواهى وينهى عن الطاعات ويأمر بالمعاصى فيلزم وجوب اجتناب الطاعة وارتكاب العصيان والازم ظاهر البطلان ..
стр. 8184
والجواب .. أن وجوب طاعته إنما هو فيما لا يخالف الشرع بشهادة قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ويكفى في عدم كذبه في بيان الأحكام العلم والعدالة والإسلام .. وهذا ما يقال: إنما تجب عصمته لو كان وجوب طاعته بمجرد قوله ..
وأما إذا كان لكونه حكم الله ورسوله فيكفى العلم والعدالة كالقاضى والموالى بالنسبة إلى الخلق. والشاهد بالنسبة إلى الحاكم والمفتى بالنسبة إلى المقلد وأمثال ذلك .. على أن الإِجماع عند الشيعة إنما يكون حجة لاشتماله على قول المعصوم فإثبات العصمة به دونه.
الثالث: أن غير المعصوم ظالم لأن المعصية ظلم على النفس أو على الغير ولا شئ من الظالم بأهل للإمامة لقوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ والمراد عهد الإِمامة بقرينة السياق وهو قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾.
والجواب: أن غير المعصوم أي من ليس له ملكة العصمة لا يلزم أن يكون عاصيا بالفعل فضلا عن أن يكون ظالما فإن المعصية أعم من الظلم وليس كل عاص ظالما على الإِطلاق .. ولو سلم فدلالة الآية على صدق الكبرى لا يتم لجواز أن يكون المراد عهد النبوة والرسالة على ما هو رأى أكثر المفسرين .. نعم يمكن إثباته بالإِجماع وفيه ما مر …
الرابع: أن الأمة إنما يحتاجون إلى الإِمام لجواز الخطأ عليهم في العلم والعمل ولذلك يكون الإِمام لطفا لهم … فلو جاز الخطأ على الإمام لوجب له إمام آخر ويتسلسل …
والجواب: أن وجوب الإِمام شرعى بمعنى أنه أوجب علينا نصبه لا عقلى مبنى على جواز الخطأ على الأمة كما زعمتم لأن في الشريعة القائمة غنى غنيته لولا إيجاب الشارع والضرر المظنون من عدم وجوده يندفع بعلمه واجتهاده وظاهر عدالته وحسن اعتقاده وإن لم يكن معصوما. لا يرى أن الخطأ جائز على المعصوم أيضا لما عرفت من أن العصمة لا تزيل المحنة .. وإن لم يندفع بذلك فكفى بخبر الأمم وعلماء الشرع مانعا دافعا ..
الخامس: أنه حافظ للشريعة فلو جاز عليه الخطأ لكان ناقضا لها لا حافظا فيعود على موضوعه بالنقض …
والجواب: أنه ليس حافظا لها بذاته بل بالكتاب والسنة وإجماع الأمة واجتهاده الصحيح. فإن أخطأ في اجتهاده وارتكب معصية فالمجتهدون يروون .. والآمرون بالمعروف يصدون وإن لم يفعلوا فلا نقض للشريعة القويمة.
السادس: أنه لو أقدم على المعصية فإما أن يجب الإِنكار عليه وهو مضاد لوجوب طاعته فيلزم اجتماع الضدين .. وأما أن لا يجب وهو خلاف النص والإِجماع ..
والجواب: أن وجوب الطاعة إنما هو فيما لا يخالف الشرع وأما فيما يخالفه فالرد والإنكار واجب والسكوت يكون عن اضطرار.
السابع: أنه لابد للشريعة من ناقل ولا يوجد في كل حكم أهل تواتر فلا بد أن يكون إمام معصوم عن الخطأ والجواب بأن الظن كاف في البعض فينقل بطريق الآحاد من الثقات وأما القطعى فإلى أهل التواتر وجميع الأمة وهم أهل عصمة عن الخطأ فلا حاجة إلى معصوم بالمعنى الذي قصدتم وليت شعرى بأى طريق نقلت الشريعة إلى الشيعة من الإِمام الذي لا يوجد
стр. 8185
منه إلا الاسم ..
واشتراط الغلاة من الروافض أن يكون الإِمام صاحب معجزة عالما بالغيوب وبجميع اللغات وبجميع الحرف والصناعات وبطبائع الأغذية والأدوية وبعجائب البر والبحر والسماء والأرض .. وهذه خرافات مفضية إلى نفى الإِمام ورفض الشريعة والإِحكام ..
بقيت النقطة الثالثة وهى إدعاء الشيعة النص على عليّ وأنه الإِمام بعد النبي ﷺ وقد تكلم السعد في ذلك في موضعين ..
الموضع الأول في الكلام على ما إذا كان هناك نص من النبي على الإِمامة والإِمام بقطع النظر عن شخص الإِمام وهل هو أبو بكر أو على أو لم ينص أصلا ..
والموضع الثاني في كلامه في مناقشة الشيعة في أدلتهم على النص على عليّ رضى الله عنه ففى الموضع الأول تكلم على الخلافة (١) وقال إن جمهور أهل السنة والمعتزلة والخوارج قالوا إنه لا نص أصلا على إمام بعد النبي ﷺ وأن البعض قال إنه نص على أبى بكر إماما بعده وإن الشيعة قالوا إنه نص على عليّ نصا خفيا وهو الذي لا يعلم المراد منه بالضرورة وهذا باتفاقهم جميعًا ..
وأما النص الجلي فهو عند الإِمامية دون الزيدية وهو قول النبي ﷺ : "سلموا عليه بأمرة المؤمنين" وقوله مشيرًا إلى على وآخذا بيده: هذا خليفتى فيكم من بعدى فاسمعوا له وأطيعوا له" وقوله: "أنت الخليفة من بعدى" وقوله وقد جمع بنى عبد المطلب: "أيكم يبايعنى ويوآزرنى يكن أخى ووصى وخليفتى من بعدى" فبايعه على رضى الله عنه ثم ساق استدلال الجمهور على عدم النص أصلا وفيه رد على الشيعة الإمامية ولذلك سنذكره ..
قال: إنه لو كان نص جلى ظاهر المراد في مثل هذا الأمر الخطير المتعلق بمصالح الدين والدنيا لعامة الخلق - لتواتر ..
واشتهر فيما بين الصحابة وظهر على أجلتهم الذين لهم زيادة قرب بالنبى ﷺ واختصاص بهذا الأمى بحكم العادة واللازم منتف وإلا لم يتوقفوا عن الإِنقياد له والعمل بموجبه ولم يترددوا حين اجتمعوا في سقيفة بنى ساعدة لتعيين الإِمام ولم يقل الأنصار:
منا أمير ومنكم أمير - ولم تَمِلْ طائفة إلى أبى بكر رضى الله عنه وأخرى إلى على رضى الله عنه، وأخرى إلى العباس رضى الله عنه ولم يقل عمر رضى الله عنه لأبى عبيدة رضى الله عنه أمدد يدك أبايعك - ولم يترك المنصوص عليه محاجة القوم ومخاصمتهم وإدعاء الأمر له والتمسك بالنص عليه.
فإن قيل: علموا ذلك وكتموه لأغراض لهم في ذلك كحب الرياسة والحقد على على رضى الله عنه لقتله أقرباءهم وعشائرهم في حربه مع رسول الله ﷺ وحسدهم إياه على ما له من المناقب والكمالات وشدة الاختصاص بالنبى ﷺ وظنهم أن النص قد لحقه النسخ لما رأوا من ترك كبار الصحابة العمل به إلى غير ذلك من الاحتمالات وترك على رضى الله عنه المجاعة به تقية وخوفا من الأعداء وقلة وثوق بقبول الجماعة.
قوله: من كان له حظ من الديانة والإِنصاف علم قطعا براءة أصحاب رسول الله ﷺ وجلالة أقدارهم عن مخالفة أمره في مثل هذا الخطب الجليل ومتابعة الهوى وترك الدليل .. وإن مثل على رضى الله عنه مع صلابته في الدين وبسالته
стр. 8186
وشدة شكيمته وقوة عزيمته وعلو شأنه وكثرة أعوانه وكون أكثر المهاجرين والأنصار والرؤساء الكبار معه، قد ترك حقه ولم يطلبه كما قام به حين آل الأمر إليه أخيرًا وقاتل من نازعه وأثر على التقية الحمية في الدين والعصبية للإسلام .. ومن ادعى النص الجلى فقد طعن في كبار المهاجرين والأنصار عامة بمخالفة الحق وكتمانه وفى على رضى الله عنه خاصة بإتباعه الباطل وإذعانه .. بل طعن في النبي ﷺ حيث اتخذ هؤلاء أحبابا وأصحابا وأعوانا وأصهارًا مع علمه بحالهم في ابتدائهم ومآلهم .. بل وفى كتاب الله تعالى حيث اثنى عليهم وجعلهم خير أمة ووصفهم بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ..
ومن مكابرات الروافض إدعاؤهم تواتر هذا النص قرنا بعد قرن مع أنه لم يشتهر فيما بين الصحابة والتابعين ولم يثبت ممن يوثق به من المحدثين مع شدة ميلهم إلى على ونقلهم الأحاديث الكثيرة في مناقبه وكمالاته في أمر الدنيا والدين ولم ينقل عنه رضى الله عنه في خطبه ورسائله ومفاخرة إشارة إلى ذلك.
وابن جرير الطبرى مع إتهامه بالتشيع لم يذكر في روايته قصة هذه الزيادة التي يدعيها الشيعة من قوله ﷺ : "إنه خليفتى فيكم من بعدى" .. ونعم ما قال المأمون: وجدت أربعة في أربعة: الزهد في المعتزلة، والكذب في الرافضة، والمروءة في أصحاب الحديث، وحب الرياسة في أصحاب الرأى .. والظاهر ما ذكره المتكلمون من أن هذا المذهب أعنى دعوى النص الجلى مما وضعه هشام بن الحكم ونصره ابن الراوتدى وأبو عيسى الوراق وإضرابهم ثم رواه أسلافه الروافض شغفا بتقرير مذهبهم. قال الإمام الرازى: ومن العجائب أن الكاملين من علماء الشيعة لم يبلغوا في كل عصر حد الكثرة فضلا عن التواتر وأن عوامهم وأوساطهم لا يقدرون أن يفهموا كيفية هذه الدعوى على الوجه المحقق وأن غلاتهم زعموا أن المسلمين ارتدوا بعد النبي ﷺ ولم يبق على الإسلام إلا عدد يسير أقل من العشرة فكيف يدعون التواتر في ذلك.
ثم انتقل الإمام السعد إلى الموضوع الثاني وقال (١): للشيعة في إثبات إمامة على رضى الله عنه بعد النبي ﷺ وجوه من العقل والنقل والقدح فيمن عداه من أصحاب رسول الله الذين قاموا بالأمر ويدعون في كثير من الأخبار الواردة في هذا الباب التواتر بناء على شهرته فيما بينهم وكثرة دوراته على ألسنتهم وجريانه في أنديتهم وموافقته لطباعهم، ولا يتأملون أنه كيف خفى على الكبار من الأنصار والمهاجرين والثقات من الرواة والمحدثين ولم يحتج به البعض على البعض ولم يظهر إلا بعد انقضاء دور الإمامة وطول العهد بأمر الرسالة وظهور التعصبات الباردة وإفضاء أمر الدين إلى علماء السوء ومن العجيب أن بعض المتأخرين من المتشيعين الذين لم يروا أحدًا من المحدثين ولا رووا حديثا في أمر الدين - ملأوا كتبهم من أمثال هذه الأخبار والمطاعن في الصحابة .. وإن شئت فانظر في كتاب التجريد المنسوب إلى الحكيم نصير الطوسى كيف نصر الأباطيل وقرر الأكاذيب ..
والعظماء من عترة النبي ﷺ وأولاد على المعروفون بالدراية المحفوظون في الرواية ..
стр. 8187
لم يكن بينهم هذه الأحقاد ولم ينكروا عن الصحابة إلا الكمالات ..
الوجه الأول: من وجوه استدلال الشيعة على إمامة على رضى الله عنه الدليل العقلى. وتقريره: أنه لا نزاع في أحد بعد الرسول ﷺ إماما وليس هذا الإِمام غير على لأن الإمام يجب أن يكون معصوما ومنصوصا عليه وأفضل أهل زمانه.
ولا يوجد شئ من ذلك في باقى الصحابة. أما العصمة والنص فبالاتفاق .. وأما الأفضلية قلما سيأتي. وهذا يمكن أن يجعل أدلة ثلاثة بحسب الشروط .. والجواب:
أولا: منع الاشتراط.
ثانيا: منع انتفاء الشرائط في أبى بكر رضى الله عنه.
الوجه الثاني: الدليل النقلى من الكتاب الكريم وتقريره أن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ نزلت بإتفاق المفسرين في علي بن أبي طالب رضى الله عنه حين أعطى السائل خاتمه وهو راكع في صلاته ..
وكلمة إنما للحصر بشهادة النقل والاستعمال والولى كما جاء بمعنى الناصر فقد جاء بمعنى المتصرف والأولى والأحق بذلك.
يقال: أخو المرأة وليها .. والسلطان ولى من لا ولى له، وفلان ولى الدم، وهذا هو المراد ههنا لأن الولاية بمعنى النصرة تعم جميع المؤمنين لقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ فلا يصح حصرها في المؤمنين الموصوفين بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة حال الركوع.
والمتصرف من المؤمنين في أمر الأمة يكون هو الإمام فتعين على رضى الله عنه لذلك .. إذا لم توجد هذه الصفات في غيره ..
والجواب: منع كوني الولى بمعنى المتصرف في أمر الدين والدنيا والأحق بذلك على ما هو خاصة للإمام بل الولى بمعنى الناصر والموالى المحب على ما يناسب ما قبل الآية وما بعدها .. وهو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾.
فإنما الحصر إنما يكون بإثبات ما نفى عن الغير .. وولاية اليهود والنصارى المنهى بحق اتخاذها ليست هي التعرف والإمامة بل النصرة المحبة .. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ لظهور أن ذلك تولى محبة ونصرة لا إمامة ..
وبالجملة لا يخفى على من تأمل في سياق الآية وكان له معرفة بأساليب الكلام - أن ليس المراد بالولى ههنا ما يقتضى الإمامة - بل الموالاة والنصرة والمحبة .. ثم وصف المؤمنين بما ذكر يجوز أن يكون للمدح والتعظيم دون التقييد والتخصيص وأن يكون لزيادة شرف الموصوفين واستحقاقهم أن يتخذوا أولياء وأولويتهم بذلك وقربهم ونظرتهم وشغفتهم الحاملة على النصرة وقوله وهم راكعون كما يحتمل الحال يحتمل العطف بمعنى أنهم يركعون في صلاتهم لا كصلاة اليهود خالية من الركوع ..
стр. 8188
أو بمعنى أنهم خاضعون .. على أن ههنا وجوها أخرى من الاعتراض .. منها أن النصرة وإن كانت عامة لكن إذا أضيفت إلى جماعة مخصوصة من المؤمنين فبالضرورة تختص بمن عداهم لأن الإِنسان لا يكون ناصرًا لنفسه .. وكأنه قيل لبعض المؤمنين .. إنما ناصركم البعض الآخر فالخطاب خاص ببعض المؤمنين - والمؤمنون الموصوفون هم من عداهم ومنها أن الذين آمنوا صيغة جمع فلا يصرف إلى الواحد إلا بدليل ..
وقول المفسرين أن الآية نزلت في حق على لا يقتضى اختصاصها به واقتصارها عليه .. ودعوى انحصار الأوصاف فيه مبنى على جعل ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ حالا من ضمير يؤمنون وليس بلازم. ومنها أنه لو كانت في الآية دلالة على إمامة على رضى الله عنه لما خفيت على الصحابة عامة وعلى على خاصة .. ولما تركوا الانقياد لها والاحتجاج بها ..
الوجه الثالث: ما يدعون فيه التواتر من الأخبار .. أما حديث العذير فهو أن النبي ﷺ قد جمع الناس يوم غذير ضم (موضع بين مكة والمدينة بالجحفة) وذلك بعد رجوعه من حجة الوداع وكان يوما صائفا حتى إن الرجل ليضع رداءه تحت قدميه من شدة الحر. وجمع الرحالة وصعد عليها ﵇ وقال مخاطبًا:
"معاشر المسلمين: ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: اللهم بلى .. قال: فمن كنت مولاه فعلى مولاه .. اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره وأخذل من خذله" .. وهذا حديث متفق على صحته أورده على يوم الشورى عندما حاول ذكر فضائله ولم ينكره أحد ..
ولفظ المولى قد يراد به المعتِق والمعتَق والحليف والجار وابن العم والناصر والأولى بالتصرف .. قال الله تعالى: ﴿مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ﴾ أي أولى بكم .. ذكره أبو عبيدة. وقال النبي ﷺ : أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن مولاها .. أي الأولى بها والمالك لتدبير أمرها .. ومثله في الشعر كثير وبالجملة استعمال الولى بمعنى المتولى والمالك للأمر والأولى بالتصرف شائع في كلام العرب منقول عن كثير من أئمة اللغة والمراد أنه اسم لهذا المعنى لا صفة بمنزلة الأولى ليعترض بأنه ليس من صيغة التفضيل وأنه لا يستعمل استعماله، وينبغى أن يكون المراد به في الحديث هو هذا المعنى ليطابق صور الحديث ولأنه لا وجه للمعانى الخمسة الأول وهو ظاهر ولا للسادس لظهوره وعدم احتياجه إلى البيان وجمع الناس لأجله سيما وقد قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾. ولا خفاء في أن الولاية بالناس والتولى والمالكية لتدبير أمرهم والتصرف فيهم بمنزلة النبي ﷺ هو معنى الإِمامة فتثبت الإِمامة لعلى بذلك.
والجواب: منع تواتر الخبر فإن ذلك من مكابرات الشيعة - كيف وقد قدح في صحته كثير من أهل الحديث. ولم ينقله المحققون منهم كالبخارى ومسلم والواقدى وأكثر من رواه لم يروا المقدمة التي جعلت دليلا على أن المراد بالولى الأولى بالتصرف وبعد صحة الرواية. فمؤخر الخبر. أعنى قوله .. اللهم وال من والاه يشعر بأن المراد بالمولى هو الناصر والمحب بل مجرد احتمال ذلك كاف في دفع الاستدلال .. وما ذكروه من أن ذلك معلوم كظاهر من قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ لا يدفع الاحتمال لجواز أن يكون
стр. 8189
الغرض التنصيص على موالاته ونصرته ليكون أبعد عن التخصيص الذي تحتمله أكثر العمومات وليكون أقوى دلاله وأوفى بإفادة زيادة الشرف حيث قرن بموالاة النبي ﷺ وهذا القدر من المحبة والنصرة لا يقتضى ثبوت الإِمامة .. وبعد تسليم الدلالة على الإِمامة فلا عبرة بخبر الواحد في مقابلة الإجماع .. ولو سلم فغايته الدلالة على استحقاق الإمامة وثبوتها في المآل لكن من أين يلزم نفى إمامة الأئمة قبله .. وهذا قول بالموجب .. وهو جواب ظاهر لم يذكره القوم ..
وإذا تأولت فيما يدعون من توتر الخبر وجدت أنه حجة عليهم لا لهم لأنه لو كان سوقا لثبوت الإِمامة دالًا عليه لما خفى على عظماء الصحابة فلم يتركوا الاستدلال به ولم يتوقفوا في أمر الإمامة والقول بأن القوم تركوا الانقياد عنادًا وأن عليًا رضى الله عنه ترك الاحتجاج تقية (آية الغواية وغاية الوقاحة).
وأما حديث المعتزلة فهو قول النبي ﷺ لعلى رضى الله عنه: أنت منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبى بعدى وتقريره أن المنزلة اسم جنس أضيف فعم كما إذا عرف باللام بدليل صحة الاستثناء .. وإذا استثنى منها مرتبة النبوة بقيت عامة في بقية المنازل الله من جملتها كونه خليفة له ومتوليا في تدبير الأمر ومتصرف في مصالح العامة ورئيسا مفترض الطاعة لو عاش بعد النبي ﷺ إذ لا يليق بمرتبة النبوة زوال هذه المرتبة الرفيعة الثابتة في حياة موسى ﵇ بوفاته.
وإذ قد صرح بنفى النبوة لم يكن ذلك إلا بطريق الإِمامة .. والجواب: منع التواتر - بل هو خبر واحد في مقابلة الإِجماع .. ومنع عموم المنازل بل غاية الاسم المفرد المضاف إلى العلم .. الإطلاق .. وربما يدعى كونه معهودا معينا كغلام زيد .. وليس الإِستثناء المذكور إخراجًا لبعض أفراد المنزلة بمنزلة ذلك إلا النبوة ..
بل منقطع بمعنى لكن على ما لا يخفى على أهل العربية فلا يدل على العموم .. كيف ومن المنازل الإِخوة في النسب ولم تثبت لعلى .. اللهم إلا أن يقال أنها بمنزلة المستثنى لظهور انتفائها ..
ولو سلم العموم فليس من منازل هارون الخلافة والتصرف بطريق النيابة على ما هو مقتضى الإِمامة لأنه شريك لموسى في النبوة. وقوله: أخلفنى في قومى - ليس استخلافا بل مبالغة وتأكيدًا في القيام بأمر القوم .. ولو سلم فلا دلالة على بقائها بعد الموت - وليس انتفاؤها نموت المستخلف عزلا ولا نقصا - بل ربما يكون عودًا إلى حالة أكمل هي الاستقلال بالنبوة والتبليغ عن الله تعالى ولو سلم فتصرف هارون ﵇ ونفاذ أمره لو بقى بعد موسى إنما يكون لنبوته .. وقد انتفت النبوة في حق على رضى الله عنه فينتفى ما يبنى عليها ويتسبب عنها ..
وأما الجواب بأن النبي ﷺ لما خرج إلى غزوة تبوك استخلف علما على المدينة فأكثر أهل النفاق في ذلك. فقال على: يا رسول الله: أتتركنى مع الاختلاف؟ فقال ﷺ : أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبى بعدى ..
وهذا لا يدل على خلافته بعده كابن أم مكتوم رضى الله عنه استخلفه على المدينة في كثير من غزواته .. أما الجواب بذلك فربما يدفع بأن العبرة بعموم اللفظ لا لخصوص السبب. بل ربما يحتج بأن استخلافه على المدينة وعدم
стр. 8190
عزله عنها مع أنه لا قائل بالفصل وأن الاحتياج إلى الخليفة بعد الوفاة أشد وأوكد منه حال الغيبة يدل على كونه خليفة ..
الوجه الرابع: من أوجه استدلال الإِمامية على ثبوت إمامة على بعد النبي ﷺ بالنص - أخبار يدعون أنها نصوص جلية من النبي ﷺ على خلافته وهى قوله ﷺ مخاطبا أصحابه: "سلموا عليه بأمرة المؤمنين" الضمير لعلى والإمرة بالكسر: الإمارة من أمر الرجل صار أميرًا وقوله ﷺ لعلى رضى الله عنه: "أنت الحليفة من بعدى". وقوله ﵊: "إنه إمام المتقين وقائد الغر المحجلين". وقوله: وقد أخذ بيد على: "هذا خليفتى عليكم" .. وقوله ﷺ لعلى رضى الله عنه: "أنت أخى ووصى وخليفتى من بعدى وقاضى دينى بالكسر" ..
والجواب: ما مر من أنها أخبار آحاد في مقابلة الإجماع وأنها لو صحت لما خفيت على الصحابة والتابعين والمهرة المتقين من المحدثين سيما على أولاده الطاهرين ولو سلم فغايته إثبات خلافته لا نفى خلافة الآخرين ..
الوجه الخامس: الاستدلال على إمامة على رضى الله عنه بالقدح في إمامة الأئمة الآخرين، وتقريره أنه لا نزاع في وجود إمام بعد النبي ﷺ وغير على من الجماعة الموسومين بذلك لا يصلح لذلك .. إما إجمالا فلظلمهم لسبق كفرهم قبل الإِسلام والكافر ظالم لقوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ والظالم لا يكون إماما لقوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
والجواب: منع المقدمتين. ومنع دلالة الآية على كون من كان كافرا وأسلم ظالمًا - ومنع كون المراد بالعهد هو الإمامة ..
وأما تفصيلا فيقدح في إمامة أبى بكر بوجوه منها:
إنه خالف كتاب الله تعالى في منع إرث النبي ﷺ بخبر رواه وهو "نحن معاشر الأنبياء لا نورث - ما تركناه صدقة".
وتخصيص الكتاب إنما يجوز بالخبر المتواتر دون الآحاد .. والجواب: إن خبر الواحد وإن كان ظنى المتن (الثبوت) قد يكون قطعى الدلالة فيخصص به عام الكتاب لكونه ظنى الدلالة وإن كان قطعى المتن جمعا بين الدليلين وتمام تحقيق ذلك في أصول الفقه على أن الخبر المسموع من فم النبي ﷺ إن لم يكن فوق المتواتر فلا خفاء في كونه بمنزلته - فيجوز للسامع المجتهد أن يخصص به عام الكتاب ..
ومنها أنه منع فاطمة بنت رسول الله ﷺ رضى الله تعالى عنها فدك وهى قرية بخيبر .. مع أنها أدعت أن النبي ﷺ قد نحلها إياها ووهبها منها وشهد بذلك على رضى الله عنه وأم أيمن فلم يصدقهم وصدق أزواج النبي ﷺ في إدعاء الحجرة لهن من غير شاهد .. ومثل هذا الجور والميل لا يليق بالإمام .. ولهذا رد عمر بن عبد العزيز من المرواتية فدك إلى أولاد فاطمة رضى الله تعالى عنها ..
والجواب: أنه لو سلم صحة ما ذكر فليس على الحاكم أن يحكم بشهادة رجل وامرأة وإن فرض عصمة المدعى والشاهد وله الحكم بما علمه يقينا وإن لم يشهد به شاهد ولعمرى إن قصة فدك على ما يرويه الروافض من أبين الشواهد على انهماكهم في الضلالة وافترائهم على الصحابة وكونهم الغاية في الغواية، والنهاية في الوقاحة حيث ظنوا بمثل أبى بكر
стр. 8191
وعمر أنهما أخذا حق سلالة النبوة ظلما لينتفع به الآخرون لا هما أنفسهما ولا من يتصل بهما ..
"وبمثل على رضى الله عنه أنه مع علمه بحقيقه الحال لم يدفع تلك الظلامة أيام خلافته وبسائر الصحابة أنهم سكتوا على ذلك من غير تعرض ولا اعتراض ..
والمذكور في كتب التواريخ أن فدك كانت على ما قرره أبو بكر رضى الله عنه إلى زمن معاوية ثم أقطعها مروان بن الحكم من ابنيه عبد العزيز وعبد الملك ثم لما ولى الوليد بن عبد الملك وهب عمر بن عبد العزيز نصيبه للوليد وكذلك سليمان بن عبد الملك فصارت كلها للوليد ثم ردها عمر بن عبد العزيز أيام خلافته إلى ما كانت عليه ..
ثم لما كانت سنة عشرين ومائتين كتب المأمون إلى عامله على المدينة قثم بن جعضم أن يرد فدك إلى أولاد فاطمة رضى الله عنها فدفعها إلى محمد بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبى طالب ومحمد بن عبد الله بن زيد بن الحسين ليقوما بها لأهلهما - وعد ذلك من تشيع المأمون - فلما استخلف المتوكل ردها إلى ما كانت عليه ..
ومنها أنه خالف رسول الله ﷺ فى الاستخلاف حيث جعل عمر خليفة له والرسول ﷺ مع أنه أعرف بالمصالح والمفاسد وأوفر شفقة على الأمة لم يستخلص أحدًا؟ بل عزل عمر بعد أن ولاه أمر الصدقات فاستخلافه وتوليته جميع أمور المسلمين مخالفة للرسول وترك ما وجب من اتباعه ..
والجواب: أنا لا نسلم أن النبي ﵊ لم يستخلف أحدًا بل استخلف إجماعًا أما عندنا فأبا بكر وأما عندكم فعليا ولا نسلم أنه عزل عمر بل انقضت توليته بانقضاء عمله كما إذا وليت أحدًا عملا فأتمه فلم يبق عاملا فإنه ليس من القول في شئ ولا نسلم أن مجرد فعل ما لم يفعله الرسول ﷺ مخالفة له وترك لاتباعه .. وإنما يكون ذلك إذا فعل ما نهى عنه أو ترك ما أمر به، ولا نسلم أن هذا قادح في استحقاق الإمامة ..
ومنها أنه لم يكن عارفا بالأحكام حتى قطع يسار سارق من الكوع لا يمينه .. وقال لجدة سألته ميراثها ما أجد لك شيئا في كتاب الله ولا سنة نبيه - فأخبره المغيرة ومحمد بن مسلمة أن الرسول ﵊ أعطاها السدس وقال: أعطوا الجدات السدس ولم يعرف الكلالة - وهى من لا والد له ولا ولد - وكل وارث ليس بوالد ولا ولد .. والجواب بعد التسليم أن هذا لا يقدح في الاجتهاد فكم مثله للمجتهدين ..
ومنها أنه شك عند موته في استحقاقه الإمامة حيث قال: وددت أنى سألت رسول الله ﷺ عن هذا الأمر فيمن هو وكنا لا ننازعه أهله .. والجواب أن هذا على تقدير صحته لا يدل على الشك بل على عدم النص وأن إمامته كانت بالبيعة والاختيار وأنه في طلب الحق بحيث يحاول أن لا يكتفى بذلك بل يريد اتباع النص خاصة ..
ومنها أن عمر مع كونه وليه وناصره قال: كانت بيعة أبى بكر فلتة وقى الله تعالى المسلمين شرها فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه يعنى أنها كانت فجأة لا عن تدبر وابتناء على أصل .. والجواب أن المعنى كانت فجأة وبغتة وقى الله المسلمين شر الخلاف الذي يكاد يظهر عندها .. فمن عاد إلى مثل تلك المخالفة الموجبة لتبديد الكلمة فاقتلوه وكيف يتصور منه القدح في إمامة أبى
стр. 8192
بكر مع ما علم من مبالغته في تنظيمه وفى انعقاد البيعة له ومن صيرورته خليفة باستخلافه ..
ولهم حكايات تجرى مجرى ذلك أكثرها افتراءات .. وما أقبح بناء المذاهب على الترهات والأحاديث المفتريات ..
وقدحوا في إمامة عمر بوجوه:
منها: أنه لم يكن عارفا بالأحكام حتى أمر برجم امرأة حامل أقرت بالزنا ورجم امرأة مجنونة فنهاه على رضى الله تعالى عنه عن ذلك. فقال: لولا عليّ لهلك عمر .. ونهى عن المغالاة في الصداق فقامت إليه امرأة فقالت: ألم يقل الله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ فقال: كل الناس أفقه من عمر حتى المخدرات ..
والجواب بعد تسليم القصة وعلمه بالحمل والجنون ونهيه عن المغالاة في المهور على وجه التحريم .. فإن الخطأ في مسألة أو أكثر لا ينافى الاجتهاد ولا يقدح في الإِمامة .. والاعتراف بالنقصان هضم للنفس ودليل على الكمال ..
ومنها: أنه لم يكن عالما بالقرآن حتى شك في موت النبي ﷺ ولم يسكن إليه حتى تلا عليه أبو بكر قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ فقال: كأنى لم أسمع هذه الآية ..
والجواب: أن ذلك كان لتشويش البال واضطراب الحال والذهول عن جليات الأحوال .. أو لأنه فهم من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ وقوله: ﴿ليستخلفهم في الأرض﴾ أنه يبقى إلى تمام هذه الأمور وظهورها .. وفى قوله: كأنى لم أسمع هذه الآية دلالة على أنه سمعها وعلمها لكن ذهل عنها أو حملها على معنى آخر - أي كأنى لم أسمعها سماع إطلاع على هذا المعنى - بل أنه يموت بعد تمام الأمور المذكورة.
ومنها: أنه تصرف في بيت المال بغير الحق فأعطي أزواج النبي ﷺ منه مالا كثيرًا حتى روى أنه أعطى عائشة وحفصة كل سنة عشرة آلاف درهم. واقترض لنفسه منه ثمانين ألف درهم ..
وكذلك في أموال الغنائم حيث فضل المهاجرين على الأنصار والعرب على العجم ومنع أهل البيت خمسهم الذي هو سهم ذوى القربى بحكم الكتاب - والجواب: أن من تتبع ما تواتر من أحواله علم قطعا أن حديث التصرف في الأموال محض افتراء ..
وأما التفضيل فله ذلك بحسب ما يرى من المصلحة .. فإنه من الاجتهاديات التي لا قاطع فيها ..
وأما الخمس فقد كان لذوى القربى وهم بنو هاشم وبنو عبد المطلب من أولاد عبد مناف بالنص والإجماع إلا أنه اجتهد فذهب إلى أن مناط الاستحقاق هو الفقر فخصه بالفقراء منهم أو إلى أنها من قبيل الأوساخ المحرمة على بنى هاشم.
وبالجملة فهذه مسألة اجتهادية معروفة في كتب الفقه لا تقدح في استحقاق الإِمامة.
ومنها أنه منع متعة النكاح وهى أن يقول الرجل لامرأة أتمتع بك كذا مدة بكذا درهمًا .. أو متعينى نفسك أياما بكذا ..
أو ما يؤدى هذا المعنى وجوزها مالك والشيعة وفى معناها النكاح إلى أجل معلوم. وجوزه زفر لازما .. أي يجوز العقد عنده ولكن لا يقع مؤقتا بل يقع لازما ومتعة الحج وهى أن يأتى مكة من على مسافة القصر منها محرمًا
стр. 8193
فيعتمر في أشهر الحج ويقيم حلالا بمكة وينشئ منها الحج عامة ذلك وقد كان معترفًا بشرعية المتعتين في عهد الرسول ﷺ على ما روى عنه أنه قال: ثلاث كن على عهد رسول الله ﷺ أنا أنهى عنهن وأحرمهن .. وهى متعة النساء ومتعة الحج وصى على خير العمل ..
والجواب: أن هذه مسائل اجتهادية وقد ثبت نسخ إباحة متعة النساء بالآثار المشهورة إجماعًا من الصحابة على ما روى محمد بن الحنفية عن على رضى الله عنه أن منادى رسول الله ﷺ نادى يوم خيبر: ألا أن الله ورسوله ينهيانكم عن المتعة .. وقال جابر بن زيد: ما خرج ابن عباس من الدنيا حتى رجع عن قوله في الصرف والمتعة، وبعضهم على أنه إنما ثبتت إباحتها مؤقتة بثلاثة أيام ..
ومعنى أحرمهن: أحكم بحرمتهن وأعتقد ذلك لقيام الدليل كما يقال: حرم المثلث الشافعي وأباحه أبو حنيفة رحمهما الله تعالى.
ومنها: أنه جعل الخلافة شورى بين ستة مع الإِجماع على أنه لا يجوز نصب خليفتين لما فيه من إثارة الفتنة ..
والجواب: أن ذلك حيث يكون كلا منهما مستقلا بالخلافة .. فأما بطريق المشاورة وعدم انفراد البعض بالرأى فلا .. لأن ذلك بمنزلة نصب إمام واحد كامل الرأى .. وقد يقال: إن معنى جعل الإِمامة شورى أن يتشاوروا فينصبوا واحدًا منهم ولا تتجاوزهم الإمامة. ولا يعبأ بتعيين غيرهم وحينئذ لا إشكال ومن نظر بعين الإنصاف وسمع ما اشتهر عن عمر في الأطراف علم جلاله محله عما تدعيه، الأعداء وبراءة ساحته عما يفتريه أهل البدع والأهواء وجزم بأنه كان الغاية في العدل والسداد والاستقامة على سبيل الرشاد وأنه لو كان بعد رسول الله ﷺ نبى لكان عمر، ولو يبعث فينا نبى لبعث عمر، ولكن لا دواء لداء العناء ومن يضلل فما له من هاد ..
وقدحوا في إمامة عثمان: بأنه:
وَلّى أمور المسلمين من ظهر منهم الفسق والفساد كالوليد بن عقبة وعبد الله بن أبى سرح ومروان بن الحكم ومعاوية بن أبى سفيان ومن يجرى مجراهم .. وأنه صرف أموال بيت المال إلى أقاربه حتى نقل أنه صرف إلى أربعة نفر منهم أربعمائة ألف درهم وأنه حمى لنفسه.
وقد قال النبى ﷺ : "إنه لا حمى إلا لله ولرسوله .. " وعمر إنما حمى لأجل المسلمين العاجزين ولنحو تعم الصدقة والجزية والضوال لا لنفسه .. وأنه أحرق مصحف عبد الله بن مسعود وضربه حتى كسر ضلعين من أضلاعه .. وضرب عمارًا حتى أصابه فتق وضرب أبا ذر ونفاه إلى الربذة وأنه رد الحكم بن العاص وكان قد سيره النبي ﷺ ..
وأنه أسقط القود عن عبد الله بن عمر وقد قتل الهرمزان .. والحد عن الوليد بن عقبة وقد شرب الخمر، وأن الصحابة خذلوه حتى قتل ولم يدفن إلا بعد ثلاثة أيام ..
والجواب: أن بعض هذه الأمور مما لا يقدح في إمامته كظهور الفسق والفساد من ولاة بعض البلاد إذ لا إطلاع على السرائر .. وإنما عليه الأخذ بالظاهر .. والعزل عن تحقيق الفسق ..
ومعاوية كان على الشام في زمن عمر أيضًا .. والمذهب أن الباغى ليس بفاسق ولو سلم فإنما ظهر ذلك في زمان إمامة على رضى الله عنه وبعض هذه الأمور افتراء محض كصرف ذلك القدر من بيت المال إلى أقاربه وأخذ الحمى لنفسه وضرب الصحابة إلى الحد المذكور ..
стр. 8194
وبعضها اجتهاديات مفوضة إلى رأى الإمام حسب ما يراه من المصلحة كالتأديب والتعزير ودرء الحدود والقصاص بالشبهات والتأويلات ..
وبعضها كان بإذن النبي ﷺ كرد الحكم وبن العاص على ما روى أنه ذكر ذلك لأبى بكر وعمر رضى الله عنهما فقالا: إنك شاهد واحد ..
فلما آل الأمر إليه حكم بعلمه ..
وأما حديث خذلان الصحابة إياه وتركهم دفنه من غير عذر فلو صح كان قدحا فيهم لا فيه .. ونحن لا نظن بالمهاجرين والأنصار رضى الله عنهم عمومًا وبعلى بن أبى طالب رضى الله عنه خصوصًا أن يرضوا بقتل مظلوم في دارهم وترك دفن ميت في جوارهم سيما من هو قانت آناء الليل ساجدًا وقائما .. وعاكف طول النهار ذاكرا وصائما شرفه رسول الله بتزويجه ابنته وبشره بالجنة وأثنى عليه.
فكيف يخذلونه وقد كان من زمرتهم وطول العمر في نصرتهم وعلموا سابقتهم في الإِسلام وخاتمته إلى دار السلام .. لكنه لم يأذن لهم في المحاربة ولم يرض بما حاولوا من المدافعة تجاميا عن إراقة الدماء ورضا بسابق القضاء .. ومع ذلك لم يدع الحسن والحسين رضى الله عنهما في الدفع عنه مقدورًا وكان أمر قدرًا مقدورًا ..
ثم قال السعد (١): إن الشيعة يزعمون أن الإِمام الحق بعد رسول الله ﷺ على ثم ابنه الحسن ثم أخوه الحسين ثم ابنه على زين العابدين ثم ابنه محمد الباقر ثم ابنه جعفر الصادق ثم ابنه موسى الكاظم ثم ابنه على الرضا .. ثم ابنه محمد الجواد ثم ابنه على الزكى .. ثم ابنه الحسن العسكرى ثم ابنه محمد القائم المهدى المنتظر ..
ويدعون أنه ثبت بالتواتر نص كل من السابقين على من بعده .. ويروون عن النبي أنه قال للحسن رضى الله عنه ابنى هذا إمام ابن إمام أخو إمام أبو أئمة تسعة تاسعهم قائمهم ويتمسكون تارة بأنه يجب في الإمام العصمة والأفضلية ..
ولا يوجدان فيمن سواهم .. والعاقل يتعجب من هذه الروايات والمتواترات التي لا أثر لها في القرون السابقة من أسلافهم ولا رواية عن العترة الطاهرة ومن يوثق بهم من المحدثين والرواة وأنه كيف يأتى من زيد بن علي رضى الله عنه مع جلالة قدره دعوى الخلافة ..
وكيف لم تبلغه هذه المتواترات بعد مائة سنة .. وقد بلغت آحاد الروافض بعد سبعمائة سنة ثم لسائر فرق الشيعة في باب الإمامة اختلافات لا تحصى ذكر الإمام في المحصل نبذا منها ..
ثم قال السعد: لما ذهب معظم أهل السنة وكثير من الفرق إلى أنه يتعين للإمامة أفضل أهل العصر إلا إذا كان في نصبه هرج وهيجان فتن احتاجوا إلى بحث الأفضلية ..
فقال أهل السنة: الأفضل أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم على ..
وقد مال البعض منهم إلى تفضيل على رضى الله عنه على عثمان والبعض إلى التوقف فيما بينهما - قال إمام الحرمين ..
مسألة امتناع امامة المفضول ليست بقطعية ثم لا قاطع مشاهد من العقل على تفضيل بعض الأئمة على البعض .. والأخبار الواردة على فضائلهم متعارضة لكن الغالب على الظن أن أبا بكر أفضل ثم عمر .. ثم يتعارض الظنون في عثمان وعلى رضى الله عنهما ..
стр. 8195
وذهب الشيعة وجمهور المعتزلة إلى أن الأفضل بعد رسول الله ﷺ على رضى الله - عنه ..
لنا إجمالًا أن جمهور عظماء الملة وعلماء الأمة أطبقوا على ذلك .. وحسن الظن بهم يقتضى أنهم لو لم يعرفوا بدلائل وأمارات لما أطبقوا عليه .. وتفصيلا الكتاب والسنة والأثر والإمارات ..
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ فالجمهور على أنها نزلت في أبى بكر رضى الله تعالى عنه .. والأتقى: الأكرم لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ولا يعنى بالأفضل إلا الأكرم وليس المراد به عليا لأن النبي ﷺ له عنده نعمة تجزى وهى نعمة التربية ..
وأما السنة فقوله ﷺ : "اقتدوا باللذين من بعدى أبى بكر وعمر" دخل في الخطاب على رضى الله عنه فيكون مأمورًا بالافتداء ولا يؤمر الأفضل ولا المساوى بالاقتداء سيما عند الشيعة .. وقوله ﷺ لأبى بكر وعمر هما سيِّدا كهول أهل الجنة ما خلا النبيين والمرسلين ..
وقوله: خير أمتى أبو بكر ثم عمر .. وقوله: ما ينبغى لقوم فيهم أبى بكر أن يتقدم عليه عنده .. وقوله: لو كنت متخذا خليلا دون ربى لاتخذت أبا بكر خليلا .. ولكن هو شريك في دينى وصاحبى الذي أوجبت له صحبته في الغار وخليفتى في أمتى …
وعن عمرو بن العاص: قلت يا رسول الله: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. قلت: من الرجال؟ قال: أبوها. قلت: ثم من؟ قال: عمر .. وقال ﷺ : لو كان في بعدى نبى لكان عمر.
وأما الأرثر: فعن ابن عمر .. كنا نقول ورسول الله حى: أفضل أمة النبي ﷺ بعده: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان. وعن محمد بن الحنفية: قلت لأبى: أي الناس خير بعد النبي ﷺ .. قال أبو بكر - قلت: ثم من؟ قال: عمر .. وخشيت أن أقول ثم من؟ فيقول عثمان .. فقلت: ثم أنت. قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين .. وعن علي رضى الله عنه: خير الناس بعد النبيين: أبا بكر ثم عمر ثم الله أعلم.
وأما الأمارات: فما تواتر في أيام أبى بكر من اجتماع الكلمة وتآلف القلوب وتتابع الفتوح وقهر أهل الردة .. وتطهير جزيزة العرب من الشرك وإجلاء الروم عن الشام وأطرافها وطرد فارس عند حدود السواد وأطراف العراق مع قوتهم وشوكتهم ووفر أموالهم وانتظام أحوالهم ..
وفى أيام عمر من فتح جانب المشرق إلى أقصى خراسان وقطع دولة العجم وثل عرشهم الراسى البنيان الثابت الأركان ومن ترتيب الأمور وسياسة الجمهور وإفاضة العدل وتقوية الضعفاء ومن إعراضه عن متاع الدنيا وطيباتها وملاذها وشهواتها ..
وفى أيام عثمان من فتح البلاد وإعلاء لواء الإسلام وجمع الناس على مصحف واحد مع ما كان من الورع والتقوى وتجهيز جيوش المسلمين والإنفاق في نصرة الدين والمهاجرة هجرتين وكونه خَتَنًا للنبى ﷺ على ابنتين .. والاستحياء من أدنى شين … وتشرفه بقول النبي ﷺ : عثمان أخى ورفيقى في الجنة .. وقوله: ألا استحى ممن تستحى منه ملائكة السماء ..