وعمر أنهما أخذا حق سلالة النبوة ظلما لينتفع به الآخرون لا هما أنفسهما ولا من يتصل بهما ..
"وبمثل على رضى الله عنه أنه مع علمه بحقيقه الحال لم يدفع تلك الظلامة أيام خلافته وبسائر الصحابة أنهم سكتوا على ذلك من غير تعرض ولا اعتراض ..
والمذكور في كتب التواريخ أن فدك كانت على ما قرره أبو بكر رضى الله عنه إلى زمن معاوية ثم أقطعها مروان بن الحكم من ابنيه عبد العزيز وعبد الملك ثم لما ولى الوليد بن عبد الملك وهب عمر بن عبد العزيز نصيبه للوليد وكذلك سليمان بن عبد الملك فصارت كلها للوليد ثم ردها عمر بن عبد العزيز أيام خلافته إلى ما كانت عليه ..
ثم لما كانت سنة عشرين ومائتين كتب المأمون إلى عامله على المدينة قثم بن جعضم أن يرد فدك إلى أولاد فاطمة رضى الله عنها فدفعها إلى محمد بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبى طالب ومحمد بن عبد الله بن زيد بن الحسين ليقوما بها لأهلهما - وعد ذلك من تشيع المأمون - فلما استخلف المتوكل ردها إلى ما كانت عليه ..
ومنها أنه خالف رسول الله ﷺ فى الاستخلاف حيث جعل عمر خليفة له والرسول ﷺ مع أنه أعرف بالمصالح والمفاسد وأوفر شفقة على الأمة لم يستخلص أحدًا؟ بل عزل عمر بعد أن ولاه أمر الصدقات فاستخلافه وتوليته جميع أمور المسلمين مخالفة للرسول وترك ما وجب من اتباعه ..
والجواب: أنا لا نسلم أن النبي ﵊ لم يستخلف أحدًا بل استخلف إجماعًا أما عندنا فأبا بكر وأما عندكم فعليا ولا نسلم أنه عزل عمر بل انقضت توليته بانقضاء عمله كما إذا وليت أحدًا عملا فأتمه فلم يبق عاملا فإنه ليس من القول في شئ ولا نسلم أن مجرد فعل ما لم يفعله الرسول ﷺ مخالفة له وترك لاتباعه .. وإنما يكون ذلك إذا فعل ما نهى عنه أو ترك ما أمر به، ولا نسلم أن هذا قادح في استحقاق الإمامة ..
ومنها أنه لم يكن عارفا بالأحكام حتى قطع يسار سارق من الكوع لا يمينه .. وقال لجدة سألته ميراثها ما أجد لك شيئا في كتاب الله ولا سنة نبيه - فأخبره المغيرة ومحمد بن مسلمة أن الرسول ﵊ أعطاها السدس وقال: أعطوا الجدات السدس ولم يعرف الكلالة - وهى من لا والد له ولا ولد - وكل وارث ليس بوالد ولا ولد .. والجواب بعد التسليم أن هذا لا يقدح في الاجتهاد فكم مثله للمجتهدين ..
ومنها أنه شك عند موته في استحقاقه الإمامة حيث قال: وددت أنى سألت رسول الله ﷺ عن هذا الأمر فيمن هو وكنا لا ننازعه أهله .. والجواب أن هذا على تقدير صحته لا يدل على الشك بل على عدم النص وأن إمامته كانت بالبيعة والاختيار وأنه في طلب الحق بحيث يحاول أن لا يكتفى بذلك بل يريد اتباع النص خاصة ..
ومنها أن عمر مع كونه وليه وناصره قال: كانت بيعة أبى بكر فلتة وقى الله تعالى المسلمين شرها فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه يعنى أنها كانت فجأة لا عن تدبر وابتناء على أصل .. والجواب أن المعنى كانت فجأة وبغتة وقى الله المسلمين شر الخلاف الذي يكاد يظهر عندها .. فمن عاد إلى مثل تلك المخالفة الموجبة لتبديد الكلمة فاقتلوه وكيف يتصور منه القدح في إمامة أبى
стр. 8192
بكر مع ما علم من مبالغته في تنظيمه وفى انعقاد البيعة له ومن صيرورته خليفة باستخلافه ..
ولهم حكايات تجرى مجرى ذلك أكثرها افتراءات .. وما أقبح بناء المذاهب على الترهات والأحاديث المفتريات ..
وقدحوا في إمامة عمر بوجوه:
منها: أنه لم يكن عارفا بالأحكام حتى أمر برجم امرأة حامل أقرت بالزنا ورجم امرأة مجنونة فنهاه على رضى الله تعالى عنه عن ذلك. فقال: لولا عليّ لهلك عمر .. ونهى عن المغالاة في الصداق فقامت إليه امرأة فقالت: ألم يقل الله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ فقال: كل الناس أفقه من عمر حتى المخدرات ..
والجواب بعد تسليم القصة وعلمه بالحمل والجنون ونهيه عن المغالاة في المهور على وجه التحريم .. فإن الخطأ في مسألة أو أكثر لا ينافى الاجتهاد ولا يقدح في الإِمامة .. والاعتراف بالنقصان هضم للنفس ودليل على الكمال ..
ومنها: أنه لم يكن عالما بالقرآن حتى شك في موت النبي ﷺ ولم يسكن إليه حتى تلا عليه أبو بكر قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ فقال: كأنى لم أسمع هذه الآية ..
والجواب: أن ذلك كان لتشويش البال واضطراب الحال والذهول عن جليات الأحوال .. أو لأنه فهم من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ وقوله: ﴿ليستخلفهم في الأرض﴾ أنه يبقى إلى تمام هذه الأمور وظهورها .. وفى قوله: كأنى لم أسمع هذه الآية دلالة على أنه سمعها وعلمها لكن ذهل عنها أو حملها على معنى آخر - أي كأنى لم أسمعها سماع إطلاع على هذا المعنى - بل أنه يموت بعد تمام الأمور المذكورة.
ومنها: أنه تصرف في بيت المال بغير الحق فأعطي أزواج النبي ﷺ منه مالا كثيرًا حتى روى أنه أعطى عائشة وحفصة كل سنة عشرة آلاف درهم. واقترض لنفسه منه ثمانين ألف درهم ..
وكذلك في أموال الغنائم حيث فضل المهاجرين على الأنصار والعرب على العجم ومنع أهل البيت خمسهم الذي هو سهم ذوى القربى بحكم الكتاب - والجواب: أن من تتبع ما تواتر من أحواله علم قطعا أن حديث التصرف في الأموال محض افتراء ..
وأما التفضيل فله ذلك بحسب ما يرى من المصلحة .. فإنه من الاجتهاديات التي لا قاطع فيها ..
وأما الخمس فقد كان لذوى القربى وهم بنو هاشم وبنو عبد المطلب من أولاد عبد مناف بالنص والإجماع إلا أنه اجتهد فذهب إلى أن مناط الاستحقاق هو الفقر فخصه بالفقراء منهم أو إلى أنها من قبيل الأوساخ المحرمة على بنى هاشم.
وبالجملة فهذه مسألة اجتهادية معروفة في كتب الفقه لا تقدح في استحقاق الإِمامة.
ومنها أنه منع متعة النكاح وهى أن يقول الرجل لامرأة أتمتع بك كذا مدة بكذا درهمًا .. أو متعينى نفسك أياما بكذا ..
أو ما يؤدى هذا المعنى وجوزها مالك والشيعة وفى معناها النكاح إلى أجل معلوم. وجوزه زفر لازما .. أي يجوز العقد عنده ولكن لا يقع مؤقتا بل يقع لازما ومتعة الحج وهى أن يأتى مكة من على مسافة القصر منها محرمًا
стр. 8193
فيعتمر في أشهر الحج ويقيم حلالا بمكة وينشئ منها الحج عامة ذلك وقد كان معترفًا بشرعية المتعتين في عهد الرسول ﷺ على ما روى عنه أنه قال: ثلاث كن على عهد رسول الله ﷺ أنا أنهى عنهن وأحرمهن .. وهى متعة النساء ومتعة الحج وصى على خير العمل ..
والجواب: أن هذه مسائل اجتهادية وقد ثبت نسخ إباحة متعة النساء بالآثار المشهورة إجماعًا من الصحابة على ما روى محمد بن الحنفية عن على رضى الله عنه أن منادى رسول الله ﷺ نادى يوم خيبر: ألا أن الله ورسوله ينهيانكم عن المتعة .. وقال جابر بن زيد: ما خرج ابن عباس من الدنيا حتى رجع عن قوله في الصرف والمتعة، وبعضهم على أنه إنما ثبتت إباحتها مؤقتة بثلاثة أيام ..
ومعنى أحرمهن: أحكم بحرمتهن وأعتقد ذلك لقيام الدليل كما يقال: حرم المثلث الشافعي وأباحه أبو حنيفة رحمهما الله تعالى.
ومنها: أنه جعل الخلافة شورى بين ستة مع الإِجماع على أنه لا يجوز نصب خليفتين لما فيه من إثارة الفتنة ..
والجواب: أن ذلك حيث يكون كلا منهما مستقلا بالخلافة .. فأما بطريق المشاورة وعدم انفراد البعض بالرأى فلا .. لأن ذلك بمنزلة نصب إمام واحد كامل الرأى .. وقد يقال: إن معنى جعل الإِمامة شورى أن يتشاوروا فينصبوا واحدًا منهم ولا تتجاوزهم الإمامة. ولا يعبأ بتعيين غيرهم وحينئذ لا إشكال ومن نظر بعين الإنصاف وسمع ما اشتهر عن عمر في الأطراف علم جلاله محله عما تدعيه، الأعداء وبراءة ساحته عما يفتريه أهل البدع والأهواء وجزم بأنه كان الغاية في العدل والسداد والاستقامة على سبيل الرشاد وأنه لو كان بعد رسول الله ﷺ نبى لكان عمر، ولو يبعث فينا نبى لبعث عمر، ولكن لا دواء لداء العناء ومن يضلل فما له من هاد ..
وقدحوا في إمامة عثمان: بأنه:
وَلّى أمور المسلمين من ظهر منهم الفسق والفساد كالوليد بن عقبة وعبد الله بن أبى سرح ومروان بن الحكم ومعاوية بن أبى سفيان ومن يجرى مجراهم .. وأنه صرف أموال بيت المال إلى أقاربه حتى نقل أنه صرف إلى أربعة نفر منهم أربعمائة ألف درهم وأنه حمى لنفسه.
وقد قال النبى ﷺ : "إنه لا حمى إلا لله ولرسوله .. " وعمر إنما حمى لأجل المسلمين العاجزين ولنحو تعم الصدقة والجزية والضوال لا لنفسه .. وأنه أحرق مصحف عبد الله بن مسعود وضربه حتى كسر ضلعين من أضلاعه .. وضرب عمارًا حتى أصابه فتق وضرب أبا ذر ونفاه إلى الربذة وأنه رد الحكم بن العاص وكان قد سيره النبي ﷺ ..
وأنه أسقط القود عن عبد الله بن عمر وقد قتل الهرمزان .. والحد عن الوليد بن عقبة وقد شرب الخمر، وأن الصحابة خذلوه حتى قتل ولم يدفن إلا بعد ثلاثة أيام ..
والجواب: أن بعض هذه الأمور مما لا يقدح في إمامته كظهور الفسق والفساد من ولاة بعض البلاد إذ لا إطلاع على السرائر .. وإنما عليه الأخذ بالظاهر .. والعزل عن تحقيق الفسق ..
ومعاوية كان على الشام في زمن عمر أيضًا .. والمذهب أن الباغى ليس بفاسق ولو سلم فإنما ظهر ذلك في زمان إمامة على رضى الله عنه وبعض هذه الأمور افتراء محض كصرف ذلك القدر من بيت المال إلى أقاربه وأخذ الحمى لنفسه وضرب الصحابة إلى الحد المذكور ..
стр. 8194
وبعضها اجتهاديات مفوضة إلى رأى الإمام حسب ما يراه من المصلحة كالتأديب والتعزير ودرء الحدود والقصاص بالشبهات والتأويلات ..
وبعضها كان بإذن النبي ﷺ كرد الحكم وبن العاص على ما روى أنه ذكر ذلك لأبى بكر وعمر رضى الله عنهما فقالا: إنك شاهد واحد ..
فلما آل الأمر إليه حكم بعلمه ..
وأما حديث خذلان الصحابة إياه وتركهم دفنه من غير عذر فلو صح كان قدحا فيهم لا فيه .. ونحن لا نظن بالمهاجرين والأنصار رضى الله عنهم عمومًا وبعلى بن أبى طالب رضى الله عنه خصوصًا أن يرضوا بقتل مظلوم في دارهم وترك دفن ميت في جوارهم سيما من هو قانت آناء الليل ساجدًا وقائما .. وعاكف طول النهار ذاكرا وصائما شرفه رسول الله بتزويجه ابنته وبشره بالجنة وأثنى عليه.
فكيف يخذلونه وقد كان من زمرتهم وطول العمر في نصرتهم وعلموا سابقتهم في الإِسلام وخاتمته إلى دار السلام .. لكنه لم يأذن لهم في المحاربة ولم يرض بما حاولوا من المدافعة تجاميا عن إراقة الدماء ورضا بسابق القضاء .. ومع ذلك لم يدع الحسن والحسين رضى الله عنهما في الدفع عنه مقدورًا وكان أمر قدرًا مقدورًا ..
ثم قال السعد (١): إن الشيعة يزعمون أن الإِمام الحق بعد رسول الله ﷺ على ثم ابنه الحسن ثم أخوه الحسين ثم ابنه على زين العابدين ثم ابنه محمد الباقر ثم ابنه جعفر الصادق ثم ابنه موسى الكاظم ثم ابنه على الرضا .. ثم ابنه محمد الجواد ثم ابنه على الزكى .. ثم ابنه الحسن العسكرى ثم ابنه محمد القائم المهدى المنتظر ..
ويدعون أنه ثبت بالتواتر نص كل من السابقين على من بعده .. ويروون عن النبي أنه قال للحسن رضى الله عنه ابنى هذا إمام ابن إمام أخو إمام أبو أئمة تسعة تاسعهم قائمهم ويتمسكون تارة بأنه يجب في الإمام العصمة والأفضلية ..
ولا يوجدان فيمن سواهم .. والعاقل يتعجب من هذه الروايات والمتواترات التي لا أثر لها في القرون السابقة من أسلافهم ولا رواية عن العترة الطاهرة ومن يوثق بهم من المحدثين والرواة وأنه كيف يأتى من زيد بن علي رضى الله عنه مع جلالة قدره دعوى الخلافة ..
وكيف لم تبلغه هذه المتواترات بعد مائة سنة .. وقد بلغت آحاد الروافض بعد سبعمائة سنة ثم لسائر فرق الشيعة في باب الإمامة اختلافات لا تحصى ذكر الإمام في المحصل نبذا منها ..
ثم قال السعد: لما ذهب معظم أهل السنة وكثير من الفرق إلى أنه يتعين للإمامة أفضل أهل العصر إلا إذا كان في نصبه هرج وهيجان فتن احتاجوا إلى بحث الأفضلية ..
فقال أهل السنة: الأفضل أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم على ..
وقد مال البعض منهم إلى تفضيل على رضى الله عنه على عثمان والبعض إلى التوقف فيما بينهما - قال إمام الحرمين ..
مسألة امتناع امامة المفضول ليست بقطعية ثم لا قاطع مشاهد من العقل على تفضيل بعض الأئمة على البعض .. والأخبار الواردة على فضائلهم متعارضة لكن الغالب على الظن أن أبا بكر أفضل ثم عمر .. ثم يتعارض الظنون في عثمان وعلى رضى الله عنهما ..
стр. 8195
وذهب الشيعة وجمهور المعتزلة إلى أن الأفضل بعد رسول الله ﷺ على رضى الله - عنه ..
لنا إجمالًا أن جمهور عظماء الملة وعلماء الأمة أطبقوا على ذلك .. وحسن الظن بهم يقتضى أنهم لو لم يعرفوا بدلائل وأمارات لما أطبقوا عليه .. وتفصيلا الكتاب والسنة والأثر والإمارات ..
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ فالجمهور على أنها نزلت في أبى بكر رضى الله تعالى عنه .. والأتقى: الأكرم لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ولا يعنى بالأفضل إلا الأكرم وليس المراد به عليا لأن النبي ﷺ له عنده نعمة تجزى وهى نعمة التربية ..
وأما السنة فقوله ﷺ : "اقتدوا باللذين من بعدى أبى بكر وعمر" دخل في الخطاب على رضى الله عنه فيكون مأمورًا بالافتداء ولا يؤمر الأفضل ولا المساوى بالاقتداء سيما عند الشيعة .. وقوله ﷺ لأبى بكر وعمر هما سيِّدا كهول أهل الجنة ما خلا النبيين والمرسلين ..
وقوله: خير أمتى أبو بكر ثم عمر .. وقوله: ما ينبغى لقوم فيهم أبى بكر أن يتقدم عليه عنده .. وقوله: لو كنت متخذا خليلا دون ربى لاتخذت أبا بكر خليلا .. ولكن هو شريك في دينى وصاحبى الذي أوجبت له صحبته في الغار وخليفتى في أمتى …
وعن عمرو بن العاص: قلت يا رسول الله: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. قلت: من الرجال؟ قال: أبوها. قلت: ثم من؟ قال: عمر .. وقال ﷺ : لو كان في بعدى نبى لكان عمر.
وأما الأرثر: فعن ابن عمر .. كنا نقول ورسول الله حى: أفضل أمة النبي ﷺ بعده: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان. وعن محمد بن الحنفية: قلت لأبى: أي الناس خير بعد النبي ﷺ .. قال أبو بكر - قلت: ثم من؟ قال: عمر .. وخشيت أن أقول ثم من؟ فيقول عثمان .. فقلت: ثم أنت. قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين .. وعن علي رضى الله عنه: خير الناس بعد النبيين: أبا بكر ثم عمر ثم الله أعلم.
وأما الأمارات: فما تواتر في أيام أبى بكر من اجتماع الكلمة وتآلف القلوب وتتابع الفتوح وقهر أهل الردة .. وتطهير جزيزة العرب من الشرك وإجلاء الروم عن الشام وأطرافها وطرد فارس عند حدود السواد وأطراف العراق مع قوتهم وشوكتهم ووفر أموالهم وانتظام أحوالهم ..
وفى أيام عمر من فتح جانب المشرق إلى أقصى خراسان وقطع دولة العجم وثل عرشهم الراسى البنيان الثابت الأركان ومن ترتيب الأمور وسياسة الجمهور وإفاضة العدل وتقوية الضعفاء ومن إعراضه عن متاع الدنيا وطيباتها وملاذها وشهواتها ..
وفى أيام عثمان من فتح البلاد وإعلاء لواء الإسلام وجمع الناس على مصحف واحد مع ما كان من الورع والتقوى وتجهيز جيوش المسلمين والإنفاق في نصرة الدين والمهاجرة هجرتين وكونه خَتَنًا للنبى ﷺ على ابنتين .. والاستحياء من أدنى شين … وتشرفه بقول النبي ﷺ : عثمان أخى ورفيقى في الجنة .. وقوله: ألا استحى ممن تستحى منه ملائكة السماء ..
стр. 8196
وقوله: إنه رجل يدخل الجنة بغير حساب ..
وتمسكت الشيعة القائلون بأفضلية على على سائر الصحابة بعد رسول الله ﷺ بالكتاب والسنة والمعقول.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ عنى (بأنفسنا) عليا رضى الله عنه .. وإن كان صيغة جمع لأنه ﷺ حين دعا وفد نجران إلى المباهلة وهو الدعاء على الظالم من الفريقين خرج ومعه الحسن والحسين وفاطمة وعلى وهو يقول لهم: إذا أنا دعوت فأمنوا .. ولم يخرج معه من بنى عمه غير على رضى الله عنه .. ولا شك أن من كان بمنزلة نفس النبي ﷺ كان أفضل .. وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ قال سعيد بن جبير: لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله: من هؤلاء الذين تودهم؟ قال: على وفاطمة وولداها .. ولا يخفى من وجبت محبته بحكم نص الكتاب كان أفضل. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عن ابن عباس أن المراد به على ومن ثبتت له القربة للرسول بالكتاب كان أفضل ..
أما السنة: فقوله ﷺ : "من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه وإلى نوح في تقواه وإلى إبراهيم في حلمه وإلى موسى في هيبته وإلى عيسى في عبادته فلينظر إلى على بن أبى طالب". ولا شك أن من ساوى هؤلاء الأنبياء في هذه الكمالات كان أفضل.
وقوله: أقضاكم على .. وقوله: أنت منى بمنزلة هارون من موسى .. ولم يكن عند موسى أفضل من هارون .. وقوله: من كنت مولاه فعلى مولاه، وساقوا أحاديث وآثار لا تحصى.
ثم قال السعد بعد أن ساق الكثير الطويل من ذلك .. والجواب: أنه لا كلام في عموم مناقب على رضى الله عنه ووفور فضائله واتصافه بالكمالات واختصاصه بالكرامات إلا أنه لا يدل على الأفضلية بمعنى زيادة الثواب والكرامة عند الله بعدما ثبت من الاتفاق الجارى مجرى الإجماع على أفضلية أبى بكر ثم عمر والاعتراف من على بذلك ..
على أن فيما ذكر مواضع بحث لا تخفى على المحصل .. مثل أن المراد بأنفسنا في آية المباهلة نفس النبي ﷺ كما يقال: دعوت نفسى إلى كذا ..
فإن وجوب المحبة وثبوت النصرة على تقدير تحققه في حق على رضى الله عنه فلا إختصاص به .. وكذا الكمالات الثابتة للمذكورين من الأنبياء - وقول النبي ﷺ : "اللهم ائتنى بأحب خلقك إليك يأكل معى من هذا الطير وأنه جاءه على" وقولهم: إن الأحب إلى الله أكثر ثوابا وهو معنى الأفضلية - فإن أحب خلقك إليك يحتمل تخصيص أبى بكر وعمر عملا بأدلة أفضليتهما.
ويحتمل أن يراد أحب الخلق إليك في أن يأكل معى لا على الإِطلاق .. وحكم الإخوة ثابت في حق أبى بكر وعثمان رضى الله عنهما أيضا حيث قال ﵇ في حق أبى بكر لكنه أخى وصاحبى ووزيرى .. وقال في حق عثمان: أخى ورفيقى في الجنة ..
وأما حديث العلم والشجاعة فلم تقع حادثة إلا ولأبى بكر وعمر - فيه رأى وعند الاختلاف لم
стр. 8197
يكن يرجع إلى قول على حتما بل قدوته .. ولم لَكن رباطة الجأش وشجاعة القلب وعدم الاكتراث بالمهالك في أبى بكر أقل من غيره سيما فيما وقع بعد النبي ﷺ من حوادث تكاد تصيب وهنا في الإسلام .. وأما السبق إلى الإسلام ففيه خلاف - وقيل في التوفيق: أول من آمن من النساء خديجة رضى الله عنها ومن الصبيان على رضى الله عنه ومن الموالى زيد بن حارثة ومن الرجال الأحرار أبو بكر. وقد سجل حسان بن ثابت في شعره سبق أبى بكر إلى الإِسلام ولم ينكر عليه أحد …
والإنصاف أن مساعى أبى بكر وعمر في الإِسلام أمر على الشأن جلى البرهان غنى عن البيان ..
وما ذكر من أفضلية بعض الأفراد بحسب التعيين أمر ذهب إليه الأئمة وقامت عليه الأدلة ..
قال الإمام الغزالى رحمه الله تعالى: حقيقة الفضل ما هو عند الله وذلك مما لا يطلع عليه رسول الله وقد ورد في الثناء عليهم أخبار كثيرة ولا يدرك دقائق الفضل والترتيب إلا المشاهدون للوحى والتنزيل بقرائن الأحوال فلولا فهموا ذلك لما رتبوا الأمر كذلك إذ كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم ولا يصرفهم عن الحق صارف ..
وأما فيمن عداهم فقد ورد النص بأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة وأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة .. فإن أهل بيعة الرضوان الذين بايعوه تحت الشجرة ومن شهد بدرًا وأحدًا والحديبية من أهل الجنة وحديث بشارة العترة بالجنة مشهور يكاد يلحق بالمتواترات وهم: "أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبى وقاص وسعيد بن زيد وأبو عبيدة بن الجراح ..
وبالإِجمال: قد تطابق الكتاب والسنة والإِجماع على أن الفضل للعلم والتقوى وما ورد من اهتمام النبي ﷺ بعترته وأهل بيته وأنه أوصى باتقاء الله فيهم فذلك لإِنصافهم بالعلم والتقوى شرف النسب بدليل أنه قرنهم بكتاب الله في كون التمسك بها منقذا من الضلال فقال: إنى تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا .. كتاب الله وعترتى أهل بيتى.
ولقد أمر النبي ﷺ بتعظيم الصحابة وكف اللسان عن الطعن فيهم حيث قال: أكرموا أصحابى فإنهم خياركم .. وقال: لا تسبوا أصحابى فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه .. وقال: الله. الله في أصحابى .. الله. الله في أصحابى، لا تتخذوهم غرضا من بعدى .. من أحبهم فبحبى أحبهم ومن أبغضهم فببغضى أبغضهم ..
وللروافض سيما الغلاة منهم مبالغات في بغض البعض منهم رضى الله عنهم والطعن فيهم بناء على حكايات وافتراءات لم تكن في القرن الثاني والثالث ..
فإياك والإِصغاء إليها فإنها ضالة مضلة وإن كانت لا تؤثر على من استقام على الطريق السوى ومن اهتدى وأما ما وقع بين الصحابة من المحاربات والمتاجرات على الوجه المسطور في كتب التاريخ والمذكور على السنة الثقات فإنه يدل بظاهره على أن بعضهم قد حاد عن طريق الحق وبلغ حد الظلم والفسق .. وكان الباعث له على ما فعل الحقد والعناد والحسد وطلب الرياسة والملك إذ ليس كل صحابى معصوما ولا كل من لقى النبي ﷺ بالخير موسوما .. إلا أن العلماء لحسن ظنهم بأصحاب رسول الله ﷺ ذكروا
стр. 8198
لهذه الأعمال والأقوال مجامل وتأويلات تليق بها وبهم ..
وذهبوا إلى أنهم محفوظون عما يوجب التضليل والتفسيق صونا لعقائد المسلمين من الزيغ والضلالة في حق كبار الصحابة سيما المهاجرين منهم والأنصار والمبشرين بالثواب في الجنة ومن عاهدوا النبي ﷺ وبايعوه وحضروا معه المواقع والغزوات ..
وأما ما جرى بعدهم من الظلم على أهل بيت رسول الله ﷺ فمن الظهور بحيث لا مجال لإخفائه ومن الشفاعة بحيث لا اشتباه فيه، فلعنة الله على من باشر أو رضى أو سعى في ذلك ولعذاب الآخرة أشد وأبقى.
فإن قيل إن من العلماء من لم يجوز اللعن علي يزيد مع علمهم بأنه يستحق ما يربو على ذلك ويزيد ..
قلنا إنما ذهبوا إلى ذلك تحاميا عن أن يرتقى بهم السب إلى الأعلى فالأعلى كما هو شعار الروافض على ما يروى عنهم ويتبعونه في أدعيتهم ..
فرأى هؤلاء العلماء المعتنون بأمر الدين منع العوام من ذلك بالكلية طريقا إلى الاقتصاد في الإعتقاد حتى لا تزل الأقدام ولا تضل الأفهام ..
وهذا هو السر فيما نقل عن السلف من المبالغة في مجانبة أهل الضلال وسد طريق لا يؤمن أن يجر إلى الغواية مع علمهم بحقائق الأحواك والمشتكى إلى عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال ..
.. وإلى هنا انتهى كلام الشيعة وفرقهم ومذاهبهم وآرائهم في الإمامة والإمام وما يستندون إليه ويستدلون به ومناقشة هذه الأسانيد والرد على تلك الأدلة ..
ولكن يهمس البعض بأن الشيعة الإمامية في هذه العصور لهم اتجاهات وآراء قد لا تتفق في بعض النقط مع ما نقله العلماء والمتكلمون من أهل السنة عن آرائهم ومذاهبهم ..
ومن ثم فقد رأيت أن أنقل فقرات من كتاب حديث ألفه أحد فقهاء الإمامية المعاصرين ليلقى ضوءًا على آرائهم ومعتقداتهم في هذه المسألة.
قال السيد محمد رضا المظفر من كبار فقهاء الشيعة الإمامية وعلمائهم في هذا العصر في كتابه (عقائد الإِمامية) (١) قال: نعتقد أن الإمامة أصل من أصول الدين لا يتم الإيمان إلا بالاعتقاد بها ولا يجوز فيها تقليد الآباء والأهل والمربين مهما عظموا أو كبروا .. بل يجب النظر فيها كما يجب النظر في التوحيد والنبوة كما نعتقد أنها كالنبوة لطف من الله تعالى ..
فلابد أن يكون في كل عصر إمام هادٍ يخلف النبي ﷺ في وظائفه من هدايه البشر وإرشادهم إلى ما فيه الصلاح والسعاة في المنشأتين ..
وللإمام ما للنبى من العصمة والولاية التامة على الناس لتدبير شئونهم ومصالحهم وإقامة العدل بينهم ورفع الظلم والعدوان من بينهم ..
وعلى هذا فالإمامة استمرار للنبوة والدليل الذي يوجب إرسال الرسل وبعث الأنبياء هو نفسه الذي يوجب أيضا تعيين الإمام بعد الرسول ..
فلذلك نقول: إن الإمامة لا تكون إلا بالنص من الله تعالى على لسان النبي أو على لسان الإمام الذي قبله. أي قبل الإمام المراد تعيينه. وليست هي الاختيار والانتخاب من الناس ..
стр. 8199
فليس لهم إذا شاءوا أن ينصبوا أحدًا وإذا شاءوا أن يعينوا إماما عينوه ومتى شاء وأن يتركوا تعيينه تركوه فيصح لهم البقاء بلا إمام. لابد من تعيين الإمام والنص عليه .. من بات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية على ما ثبت ذلك عن الرسول الأعظم ﷺ بالحديث المستفيض ..
ثم نقول: وعليه .. لا يجوز أن يخلو عصر من العصور عن إمام مفروض الطاعة منصوب من الله تعالى سواء أبى البشر أم لم يأبوا وسواء ناصروه أم لم ينصروه، وسواء أكان حاضرًا أم غائبا عن أعين الناس إذ كما يصح أن يغيب النبي كغيبته في الغار والشعب - صح أن يغيب الإمام، ولا فرق في الفصل بين طول الغيبة وقصرها - قال الله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَاد﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾.
ثم يقول: نعتقد أن الإمامة كالنبوة لا تكون إلا بالنص من الله تعالى على لسان رسوله أو لسان الإمام المنصوب بالنص إذا أراد أن ينص على الإمام من بعده ..
وحكمه في ذلك حكم النبوة بلا فرق .. فليس للناس أن يتحكموا فيمن يعينه الله هاديا ومرشدًا لعامه البشر ..
كما ليس لهم حق تعيينه أو ترشيحه أو انتخابه لأن الشخص الذي له من نفسه القدسية استعداد لتحمل أعباء الإمامة وهداية البشر قاطبة يجب ألا يعرف إلا بتعريف الله .. ولا يعين إلا بتعيينه.
ثم يقول: ونعتقد أن النبي ﷺ نص على خليفته أو الإِمام بعده في البرية فعيَّن ابن عمه عليَّ بن أبى طالب أميرًا للمؤمنين وأمينا للوحى وإماما للخلق في عدة مواطن .. ونصبه وأخذ البيعة له بأمرة المؤمنين يوم العذير (عند يرخم).
فقال: ألا من كنت مولاه فهذا - وأشار إلى على - مولاه .. اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحق معه كيف دار".
ومن أول مواطن النص على إمامته قوله ﷺ حينما دعا أقرباءه الأدنين وعشيرته الأقربين .. فقال: هذا أخى ووصى وخليفتى .. فاسمعوا له وأطيعوا .. وهو يومئذ صبى لم يبلغ الحلم .. وكرر قوله في عدة مرات ..
وقوله: أنت منى بمنزلة هارون من موسى .. إلا أنه لا نبى بعدى .. إلى غير ذلك من رويات وآيات كريمة دلت على ثبوت الولاية العامة له: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (١) نزلت في على عندما تصدق بالخاتم وهو راكع ..
ثم يعود فيقول: "ونعتقد أن الإمام كالنبى يجب أن يكون معصوما من جميع الرذائل والفواحش ما ظهر منها وما بطن من الطفولة إلى الموت عمدًا وسهوًا. كما يجب أن يكون معصوما من السهو والخطأ والنسيان لأن الأئمة حفظة الشرع والقوامون عليه حالهم في ذلك حال النبي ..
والدليل الذي اقتضانا أن نعتقد بعصمة الأنبياء هو نفسه الذي يقتضينا أن نعتقد بعصمة الأئمة بلا فرق .. ثم يستشهد المؤلف بقول أبى نواس:
وليس على الله بمستنكر … أن يجمع العالم في واحد
стр. 8200
ثم يقول: نعتقد أن الأئمة هم أولو الأمر الذين أمر الله بطاعتهم في قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ وأنهم الشهداء على الناس وأنهم أبواب الله والسبيل إليه والأولاه عليه وأنهم عيبة (حقيبة) علم الله وتراجمة وحيه وأركان توحيده، وخزانة معرفته، ولهذا كانوا أمانًا لأهل الأرض، كما أن النجوم أمان لأهل السماء .. وأن مقامهم في هذه الأمة كسفينة نوح ﵇ من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى وأنهم حسب ما جاء في القرآن المجيد عباد الله المكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ..
بل نعتقد أن أمرهم أمر الله ونهيهم نهيه وطاعتهم طاعته ومعصيتهم معصيته ووليهم وليه وعدوهم عدوه .. ولا يجوز الرد عليهم، والراد عليهم كالراد على الرسول والراد على الرسول كالراد على الله تعالى .. فيجب الانقياد لأمرهم والأخذ بقولهم ..
ولهذا نعتقد أن الأحكام الشرعية الإِلهية لا تستقى إلا من غير مائهم .. ولا يصح أخذها إلا منهم .. ولا تفرغ ذمة المكلف بالرجوع إلى غيرهم ولا يطئمن بينه وبين الله تعالى إلى أنه قد أدى ما عليه من التكاليف المفروضة إلا من طريقهم - أنهم كما قلنا - كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق في هذا البحر المائج الزاخر بأمواج الشبه والضلالات والإِدعاءات والمنازعات.
ونعتقد أن الإمام كالنبى يجب أن يكون أفضل الناس في صفات الكمال من شجاعة وكرم وعفة وصدق وعدل .. ومن تدبير وعقل وحكمة وخلق ..
والدليل في النبي هو نفسه الدليل في الإمام .. أما علمه فهو يتلقى المعارف والأحكام الإِلهية وجميع المعلومات عن طريق النبي أو الإِمام قبله ..
وإذا استجد شئ لابد أن يعلمة عن طريق الإلهام بالقوة القدسية التي أودعها الله فيه .. فإن توجه إلى شئ وأراد أن يعلمه على وجهه الحقيقى لا يحتاج إلى المذاهب العقلية ولا تلقينات المعلمين ..
ويبدو واضحا هذا الأمر - من التجلى والحدس - في تاريخ الأئمة ﵈ كالنبى محمد ﷺ .. فإنهم لم يتربوا على أحد ولم يتعلموا على يد معلم من مبدأ طفولتهم إلى سن الرشد حتى القراءة والكتابة .. وما سئلوا عن شئ إلا أجابوا عليه في وقته .. ولم تمر عليهم كلمه - لا أدرى - ولا تأجل الجواب إلى المراحبة والتأمل …
تلك مقتطفات من كتاب عقائد الإِمامية للسيد محمد رضا المظفر نلمس فيها إلى أي مدى ذهب الإِمامية في عقائدهم - في الإِمامة والإِمام .. وإلى أي مستوى رفعوا مكان الإِمامة في الدين .. ومقام الإمام عند الله وعند الناس حتى لا يكاد القارئ يفرق بين الإِمام والنبى. بل أنهم لم يجوزوا على الإمام السهو والخطأ والنسيان بينما وقع ذلك للنبى ﷺ إذ نسى في الصلاة كما في حديث ذى اليدين وأخطأ في الاجتهاد ونبهه الوحى ..
ولعل فيما نقلناه سابقا عن العلماء والمتكلمين خاصا بمناقشة آراء الشريعة والرد على أدلتهم ومزاعمهم وما يكفى للرد على ما جاء بهذا الكتاب خصوصا ما نقلناه عن ابن حزم والسعد المفتازانى في رد أدلتهم على النص على على رضى الله عنه.
وليت الشيعة وقد بلغوا النهاية وتسنموا الذروة في إدعاءاتهم، وسلكوا كل طريق لدعم هذه
стр. 8201
الإدعاءات وإقامة الأدلة عليها حتى بلغ بهم الأمر أن استباحوا الكذب على رسول الله ﷺ وأخذوا بأحاديث مكذوبة ظنوها تعينهم وتخدع العلماء عن وجه الحق وأولوا بعضا آخر على غير الوجه الصحيح وليتهم إذ فعلوا ذلك وقفوا عند هذا الحد، ولكنهم عمدوا إلى التاريخ فدسوا في بعض صفحاته رسائل زعموا أنها بقلم أمير المؤمنين على وإملائه وصور لهم الوهم أن يجروا على لسانه من الكلمات ما يفيض بالألم ويطفح بالأنين ويشكو الغلبة والقهر والاستكانة والخضوع ..
وما ذلك والله مكانه من أصحاب رسول الله ﷺ ولا هو مسلكه مع من ناوروه وحاربوه وصوروا أمر الخلافة وما جرى بشأنها بين المسلمين بعد وفاة رسول الله ﷺ .. بأنه عصبيات ثائرة تقذف بالحمم وترمى بالشرر دون مراعاة للدين ولا نظر إلى الحق .. مما جرف عليا - رضى الله عنه - وقذف به بعيدا وسلبه حقه وميراثه كما يزعمون ..
يقول السيد مرتضى العسكرى في كتابه عبد الله بن سبأ (١): "وبرزت العصبية الجاهلية سافرة بعد وفاة الرسول .. فالأنصار بعدما اجتمعوا في سفينة بنى ساعدة ليبايعوا سعد بن عبادة زعيمهم إنما لبُّوا داعى العصبية وحدها، فإنهم كانوا يعلمون أن في المهاجرين من هو أفضل من سعد وأتقى ..
وكذلك الأوس اندفعت بداعى العصبية إلى المبادرة لبيعة أبى بكر لتدفع الإمارة عن الخزرج .. غير أن عليا قد شذ عن هذه الفكرة ولم يرض أن يستولى على الحكم بالنعرة العصبية، وهو الذي اتبع الرسول في حربه للعصبية اتباع الفضيل أثر أمه .. فهو يريدها دينية قرآنية لا قبلية جاهلية وتطلب أنصارًا من قبيل سليمان الفارسى وأبى ذر وعمار بن ياسر ونظرائهم ممن يحدوا بهم المبدأ والعقيدة إلى نصرته .. ويأبى قبول نصرة أبى سفيان بداعى العصبية فإن فيه إحياء أمر الجاهلية ..
وفى تاريخ اليعقوبى (٢) نقلا عن كتاب عبد اللّه بن سبأ لقد تعصبت قريش على بنى هاشم حتى لا يجتمع لهم شرف النبوة وسلطان الخلافة .. ويروى عن أبى ذر - رضى اللّه عنه - أنه كان يقول في أيام عثمان - رضى الله عنه -: على بن أبى طالب وحى محمد ووارث علمه .. أيتها الأمة المتحيرة بعد نبيها .. أما لو قدمتم من قدم الله .. وأخرتم من أخر الله ..
وأقررتم الولاية والوارثة في أهل بيت نبيكم لأكلتم من فوق رءوسكم ومن تحت أقدامكم، ولما عال ولى الله ولا طاش سهم من فرائض الله ولا اختلف اثنان في حكم الله إلا وجدتم علم ذلك عندهم من كتاب الله وسنة نبيه .. فأما إذ فعلتم ما فعلتم فذوقوا وبال أمركم .. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ..
وفى الإِمامة والسياسة لابن قتيبة (٣) أن عليا - رضى الله عنه - كان بالمدينة ينتظر رد معاوية على كتاب له بعث به إليه يطلب منه البيعة له، فتلقى من أخيه عقيل بن أبى طالب كتابا يقول فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم - أما بعد -
يا أخى: كلأك الله. والله مجيرك من كل سوء، وعاصمك من كل مكروه على كل حال .. وإنى خرجت معتمرا فلقيت عائشة معها طلحة والزبير وذووهما وهم متوجهون إلى البصرة قد
стр. 8202
أظهروا الخلافة ونكثوا البيعة وركبوا عليك قتل عثمان وتبعهم على ذلك كثير من الناس من طغامهم وأوباشهم .. ثم مر عبد الله بن أبى السرج في أربعين راكبا من أولاد الطلقاء من بنى أمية نقلت لهم وعرفت الفكر في وجوههم ..
أبمعاوية تلحقون؟.
عداوة والله منكم ظاهرة غير مستنكرة تريدون بها إطفاء نور الله وتغيير أمر الله .. فأسمعنى القوم وأسمعتهم ثم قدمت مكة فسمعت أهلها يتحدثون أن الضحاك بن قيس أغار على الحيرة واليمامة فأصاب ما شاء من أموالهما ثم انكفأ راجعا إلى الشام ..
فأف لحياة في زمن جرأ عليك الضحاك .. وما الضحاك إلا نقع يفر مرة (مثل في الحقارة) فظننت حين بلغنى ذلك "أن أنصارك خذلوك فاكتب إلى يا ابن أمى برأيك وأمرك .. فإن كنت الموت تريد حملت إليك بنى أخيك وولد أبيك فعشنا ما عشت ومتنا معك إذا مت فوالله ما أحب أن أبقى بعدك ..
فكتب إلينا أمير المؤمنين على - رضى الله عنه - يقول له:
"أما بعد يا أخى:
فكلأك الله كلاءة من يخشاه .. إنه حميد مجيد .. قم عليّ عبد الرحمن الأزدى بكتابك أنك لقيت ابن أبي سرح في أربعين من أبناء الطلقاء من بنى أمية متوجهين إلى المغرب. وابن أبي سرح - يا أخى - طالما كاد لرسول الله ﷺ وصد عن كتابه وسنته وبناها عوجًا .. فدع ابن أبي سرح وقريشا وتراكضهم في الضلال .. فإن قريشا اجتمعت على حرب أخيك اجتماعها على رسول الله ﷺ قبل اليوم وجهلوا حقى وجحدوا فضلى ونصبوا لى الحرب، وجدوا في إطفاء نور اللّه .. اللهم فاجز قريشا عنى بفعالها فقد قطعت رحمى وظاهرت على وسلبتنى سلطان ابن عمى وسلمت ذلك لمن ليس في قرابتى وحقى في الإِسلام وسابقتى التي لا يدعى مثلها مدع إلا أن يدعى ما لا أعرف .. والحمد لله على ذلك كثيرًا .. وأما ما سألت أن أكتب إليك فيه برأيى .. فإن رأيى جهاد المحققين حتى ألقى الله .. لا يزيدنى كثرة الناس حول عزة .. ولا تفرقهم عنى وحشة .. لأنى محق .. والله مع المحق .. وما أكره الموت على الحق لأن الخير كله بعد الموت لمن عقل ودعا إلى الحق ..
وفى نفس الكتاب (١): من كتاب بعث به أمير المؤمنين على - رضى الله عنه - إلى أهل العراق يقول فيه:
أما بعد: فإن الله بعث محمدًا ﷺ نذيرا للعالمين وأمينا على التنزيل وشهيدا على هذه الأمة .. وأنتم يا معشر العرب على غير دين .. وفى شر دار تسفكون دماءكم .. وتقتلون أولادكم وتقطعون أرحامكم وتأكلون أموالكم بينكم بالباطل .. فمن الله عليكم فبعث محمدًا إليكم بلسانكم فكنتم أنتم المؤمنين وكان الرسول فيكم ومنكم تعرفون وجهه ونسبه فعلمكم الكتاب والحكمة والسنة والفرائض ..
وأمركم بصلة الأرحام وحقن الدماء وإصلاح ذات بينكم .. وأن تؤدوا الأمانات إلى أهلها .. فلما استكمل رسول الله ﷺ مدته من الدنيا توفاه الله وهو مشكور سعيه مرضى عمله، مغفور له ذنبه .. شريف عند الله نَزْلُه .. فيالموته مصيبة خصت الأقربين وعمت المؤمنين ..
فلما تنازع المسلمون الأمر بعده .. فوالله ما كاد يُلْقَى في روعى ولا يخطر على بالى أن العرب تعدل هذا الأمر عنى .. فما راعنى
стр. 8203
إلا إقبال الناس على أبى بكر وإجفالهم عليه .. فأمسكت يدى ورأيت أنى أحق بمقام محمد في الناس ممن تولى الأمور على فلبثت بذلك ما شاء الله .. ثم رأيت راجفة من الناس راجعة عن الإسلام يدعون إلى مجودين محمد وملة إبراهيم ﵉ فخشيت لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى في الإسلام ثلما وهَدْمًا تكون به المصيبة عليَّ أعظم من فوت ولاية أمركم التي إنما هي متاع أيام قلائل ثم يزول ما كان منها كما يزول السراب ..
فمشيت عند ذلك إلى أبى بكر فبايعته، ونهضت معه في تلك الأحداث حتى زهق الباطل وكانت كلمة الله هي العليا، وأن يرغم الكافرين .. فتولى أبو بكر - رضى الله عنه - تلك الأمور فيسر وسدَّد وقارب واقتصد فصحبته مناصحًا وأطعته فيما أطاع الله فيه جاهدًا ..
فلما احتضر بعث إلى عمر فولاه فسمعنا وأطعنا وبايعنا ونصحنا فتولى تلك الأمور فكان مرضى السيرة ميمون النقيبة أيام حياته فلما احتضر قلت في نفسى ليس يصرف هذا الأمر عنى فجعلها شورى وجعلنى سادس ستة فما كانوا لولاية أحد منهم بأكره منهم لولايتى لأنهم كانوا يسمعونى وأنا أحاج أبو بكر فأقول:
يا معشر قريش أنا أحق بهذا الأمر منكم ما كان منا من يقرأ القرآن ويعرف السنة فخشوا. إن وليت عليهم ألا يكون لهم في هذا الأمر نصيب .. فبايعوا إجماع رجل واحد حتى صرفوا الأمر عنى لعثمان فأخرجونى منها رجاء أن يتداولوها حين يئسوا أن ينالوها …
ثم قالوا لى: هلمّ فبايع وإلا جاهدناك فبايعت مستكرها وصبرت محتسبًا وقال قائلهم: إنك يا ابن أبي طالب على الأمر لحريص .. قلت لهم: أنتم أحرص ..
أما أنا إذا طلبت ميراث ابن أبي وحقه .. وأنتم إذا دخلتم بينى وبينه وتضربون وجهى دونه .. اللهم إنى أستعين بك على قريش فإنهم قطعوا رحمى وصغروا عظيم منزلتى وفضائلى واجتمعوا على منازعتى حقا كنت أولى به منهم فسلبونيه، ثم قالوا: أصبر كمدًا وعش متأسِّفا فنظرت فإذا ليس معى رفاقه ولا مساعدًا إلا أهل بيتى وضمخت بهم على الهلاك .. فأغضيت عينى على القذى .. وتجرعت ريقى على الشجى .. وصبرت من كظم الغيظ على أمر من العلقم طعمًا وألم للقلب من حز الحديد … "
إن من قرأ السيرة والتاريخ وعرف روح أمير المؤمنين على - رضى الله عنه - وقوته وشجاعته .. وتذوق أسلوبه البالغ أقصى درجات البلاغة لا يمكن أن يصدق نسبة هذه الكتب إليه فضلًا عما فيها من مجافاة للحق ووقائع التاريخ الصحيح ..
وإلى هنا انتهى الكلام في أمر الشيعة وفرقهم ومذاهبهم وعقائدهم وأدلتهم ومناقشة الأدلة والرد عليها في حدود ما أطلعت عليه من ذلك.
الإمامة خطة دينية ونظام شرعى:
لكى نحكم على الخلافة هل هي من الدين وخطة من خططه التي جاء بها وقرر إحكامها ورسم مناهجها .. أو ليست من اللين ولا هي من خططه وإنما هي ملك سياسى هوت إليه العقول وأوحت به التجارب والسلاسات - ولكى نصل إلى الحكم الصحيح في ذلك يجب أن ينظر إلى الخلافة في ذاتها كنظام له مناهجه وأحكامه ..
بقطع من شغلوها والأشخاص الذين قاموا عليها من بعد رسول الله ﷺ الى أن توقف أمرها ونفض المسلمون أيديهم منها ثم نبحث من خلال
стр. 8204
هذه النظرة - هل للدين حكم في الخلافة وإقامتها ورسم لمناهجها وتوجيه لسياستها .. أو لم يأت فيها بشئ وليس له بها شأن ولا صلة ..
ومن الخطأ الفاحش أن ننظر إلى خلافة أبى بكر - رضى الله عنه - أحب الناس إلى رسول الله ﷺ من الرجال ورفيقه في الغار وصاحب هجرته والذي ذكره الله تعالى في القرآن الكريم أكثر من مرة. إذ ألقى على الخلافة لونا زاهيا واضحا من الدين وحسن السياسة والتدبير.
وتجاوبت مشاعر المجتمع الإسلامي مع هذه المظاهر الكريمة ونرى في منهج أبى بكر في الخلافة نفس السياسة التي أقام عليها النبي ﷺ والمجتمع الإسلامي في حياته في الدين والدنيا معا ..
وننظر إلى خلافة عمر وعثمان وعلى - رضى الله عنهم - فنراها دينا قام الخليفة في ظله وعمل بوحيه وقام على المسلمين بكتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ وجاءت الدنيا ومصالح المسلمين تبعا لما يأخذ به الخليفة ويدع من الأمور حسب ما يرشده إليه ويحمله عليه دستور الإِسلام وشريعة الإِسلام ..
ثم ننظر إلى خليفة يزيد بن معاوية أو غيره من الخلفاء الذين انحرفوا عن الدين وجانبوا طريقه في العصور المختلفة فنجد الخلافة وقد شاق وجهها وأسود لونها وبعد عن الدين حتى لم يبق له بها شأن أو كاد ..
وأصبحت سياسة وسلطانا يحكم به الخليفة في الناس ويتحكم في شئونهم ويسوسهم بسياسته هو سواء استقامت على الدين أو تنكبت طريقه وليس من الدين في حياتهم إلا ما يسمح به ويرضاه وقد لا يسمح ولا يرضى بشئ منه.
ثم نقول في النهاية من هذه النظرات:
إن الخلافة من الدين ومن خططه ومناهجه التي قررها ووضع أحكامها .. أو أن الخلافة ليست من الدين ولا صلة له بها .. بل هي ليست خلافة عن النبي أصلا وإنما هي ملك وسلطان انتهجه المسلمون عن النبي بوحى من عقولهم وأخذ من تجارب آخرين ..
وهذا خطأ كبير فإن الخلافة في الحالين واحدة لا تغير فيها .. نظام وخطة ومنهج .. والذي تغير هو شخص الخليفة وسيره وأسلوب حكمه وخضوعه لحكم الدين - سار بها أولا في ظلال الدين وعلى النهج الذي رسمه فكان اللون الزاهى المشرق وانحرف بها ثانيا إلى وهج الصحراء والمحرق فكان اللون الأسود القاتم ..
ولا يصلح هذا ولا ذاك للقول بأن الخلافة كنظام من الدين أو ليست من الدين .. ولكن يصلح للقول بأن فلانا كان صالحًا عظيمًا فأشرق وجه الخلافة في عصره .. وأن فلانا كان فاسدًا تافهًا .. فاكفهر وجه الخلافة في عهده ..
وأول ما يطالعنا من حكم الدين في الخلافة ونصب الخليفة هو ما كان من موقف الصحابة رضوان الله عنهم عندما لحق الرسول الكريم ﷺ بالرفيق الأعلى واختار الله له ما عنده من خير.
وقبل أن يوضع جسده الشريف في قبره الكريم … حيث اجتمعوا عند منزله وقام فيهم أبو بكر - رضى الله عنه - خطيبا فقال:
أيها الناس! من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات .. ومن كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت ..
ولابد لهذا الأمر ممن يقوم به أمرها فانظروا وهاتوا أراءكم رحمكم الله ..
فتبادروا من جانب وقالوا:
стр. 8205
صدقت .. ولكن ننظر في الأمر ولم يقل أحد منهم أنه لا حاجة إلى إمام يقوم بهذا الأمر وهو الدين - بل صدقوه وقبلوه .. واشتغلوا باختيار الإمام عن أهم وأقدس الواجبات وهو موراء جثمان رسول الله ﷺ فى قبره ..
وانتهى الأمر باختيار أبى بكر ومبايعته بالخلافة .. فكان ذلك إجماعًا من الصحابة رضوان الله عليهم على أنه لابد للمسلمين من إمام يقوم بأمر الدين ..
وكأنهم قالوا: إن نصب الإِمام واجب شرعا وتابعهم على الإِجماع التابعون ومن بعدهم .. ولم يزل الناس على ذلك في كل عصر … وأقام الفقهاء والمتكلمون بالدليل على وجوب الإِمامة ونصب الإِمام وتعيينه من الإِجماع والكتاب والسنة والقواعد الشرعية المقررة ..
ثم فصل الفقهاء أحكام الإِمامة في التعدد والإِنفراد وطرق الاختيار والتعيين والتغلب والقهر والقول والاستقالة والشروط المتغيرة والحقوق والواجبات ومناهج السير والاختصاص وغير ذلك وبينوا أحكام ذلك كله في الدين والشريعة وأقاموا الأدلة على هذه الأحكام، وهذا من بين الدلائل على أن الخلافة نظام دينى أتى به الدين وبين أوضاعه ..
وقد أجمعوا على تعريف الإِمامة أنها نيابة عن الرسول ﷺ صاحب الشريعة في حفظ الدين وإقامة أحكامه وشعائره وتنفيذ أحكامه وحدوده وسياسة أمور المسلمين وشئونهم بمقتضى مبادئه .. وهو كما ترى ينطق بأن الخلافة من أمور الدين متلبسة به قائمة على أساسه ..
وقد نقلنا أن أهل السنة والمعتزلة والخوارج يرون أن الخلافة نظام دينى أتى به الدين ورسم مناهجه وأوضاعه وأن الشيعة بجميع فرقهم ومذاهبهم يرون أن الخلافة أركن في الدين وأصل فيه لا يتم الإِيمان إلا بالاعتقاد بها ولا يجوز تقليد الغير من الآباء والمعلمين والمقيد فيها.
بل يجب النظر فيها كما ينظر في التوحيد والنبوة، ولا تثبت باختيار البشر وتعيينهم بل بالنص من الله تعالى على الخليفة وأنها امتداد للنبوة واستدامة لها ..
وفى هذا يقول الإمام ابن تيمية في كتابه السياسة الشرعية (١):
يجب أن يعرف أن ولاية الناس من أعظم واجبات الدين .. بل لا يقام الدين إلا بهذه الولاية فإن بنى آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع في مجتمع يضمهم لحاجة بعضهم إلى بعض .. ولابد عند الاجتماع من رأس يقوم عليهم ويلى أمرهم حتى قال النبي ﷺ :
إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم - وروى الإِمام أحمد في المسند عن عبد الله بن عمر - رضى الله عنهما - أن النبى ﷺ قال: لا يحل لثلاثة أن يكونوا بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم - فأوجب ﷺ تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر تنبيها بذلك على سائر أنواع الاجتماع ..
ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة وكذلك سائر ما أوجبه الله تعالى من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصرة المظلوم وإقامة الحدود كلها لا تتم إلا بالقوة والإِمارة ..
стр. 8206
فالواجب اتخاذ الإمارة دينا وقربة يتقرب بها إلى الله .. فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات ..
فالمقصود بالولايات إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسرانًا مبينا ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا .. وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر الدنيا ..
يقول ابن خلدون في مقدمته (١): لما كانت حقيقة الملك أنه الاجتماع الضرورى للبشر ومقتضاه التغلب والقهر اللذان هما آثار النصب والحيوانية كانت أحكام صاحبه في الغالب جائرة عن الحق مجحفة بمن تحت يده من الخلق في دنياهم لحمله إياهم ما ليس في طوقهم من أغراضه وشهواته .. ويختلف ذلك باختلاف المقاصد .. فتعسر طاعته لذلك وتجئ العصبية المفضية إلى الهرج والقتل .. فوجب أن يرجع في ذلك إلى قوانين سياسية مفروضة يسلمها الكافة وينقادون إلى أحكامها ..
وإذا خلت الدولة من مثل هذه السياسة لم يستتب أمرها. سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرًا مقدورًا ..
فإذا كانت هذه القوانين مفروضة من العقلاء وأكابر الدولة وبصرائها كانت سلاسة عقلية ..
وإذا كانت سياسة مفروضة من الله يشارع ويشرعها كانت سياسة دينية نافعة في الحياة الدنيا والآخرة ..
وذلك أن الخلق ليس المقصود بهم دنياهم فقط .. بل المقصود بهم إنما هو دينهم المفضى بهم إلى السعادة في آخرتهم فجاءت الشرائع بحملهم على ذلك في جميع أحوالهم من عبادة ومعاملة حتى في الملك الذي هو طبيعى لاجتماع الإنسانى فأجرته على منهاج الدين ليكون الكل محوطا بنظر الشارع ..
فما كان منه بمقتضى القهر والغلبة وإهمال القوة العصبية فجور وعدوان وهو مذموم كما هو مقتضى الحكمة السياسية وما كان منه بمقتضى السياسة وأحكامها فمذموم أيضًا لأنه نظر بغير نور الله.
ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور - لأن الشارع أعلم بمصالح الكافة فيما هو مغيب عنهم من أمور الآخرة .. وأعمال البشر كلها عائدة عليهم في معادهم وآخرتهم ..
قال ﷺ : إنما هي أعمالكم ترد عليكم - وأحكام السياسة إنما تقتصر على مصالح الدنيا فقط.
ومقصود الشارع بالناس صلاح آخرتهم. فوجب بمقتضى الشرائع حمل الكافة على الأحكام الشرعية في أحوال دنياهم وآخرتهم. وكان هذا الحكم لأهل الشريعة وهم الأنبياء ومن قام فيه مقامهم وهم الخلفاء ..
فقد تبين لك من ذلك معنى الخلافة وأنها هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعى في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة .. فهى في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسلاسة الدنيا به .. فابن خلدون .. يرى كما يرى الفقهاء والمتكلمون أن الخلافة نيابة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا ومصالح الناس فيها بالدين لأن أحوال الدنيا - كما يقول:
ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة - فإذا قامت في الناس خلافة فهى خلافة
стр. 8207
عن الرسول وأنها تستظل بشريعة الإسلام وتجرى على أحكامه .. وإلا فإنها تخرج عن معنى الخلافة ونظامها الذي قرره الدين وفصل أحكامه صارت ملكا طبيعيا أو سياسيا ومن ثم فإن ابن خلدون يرى أن انقلاب إلى الملك أمر طبيعى قد جرى ووقع في التاريخ.
ولعلى الأمر قد أصبح من الثبوت والوضوح بحيث لا يحتاج إلى مزيد .. وما كان الظن أن يقوم في هذا العصر من المسلمين من يقرر في مؤلفات ومقالات تنشر على الناس ..
أن الخلافة ليست من الدين في شئ ولا صلة للدين بها .. وإنما هي تجربة سياسية جريئة ومغامرة أجراها العرب بعد وفاة رسول الله ﷺ لم يسبقوا إليها ولم يقلدوا فيها قادهم إليها أبو بكر وعمر - وألفوا حكومة عربية سياسية ليست لها صبغة دينية ولم تقم على أساس من الدين رأسها أبو بكر فكان أول ملك في الإسلام وفتحوا الأمصار والبلاد واستعمروها استعمارًا لخير العرب ومصالحهم ..
وأقام هؤلاء الكتاب رأيهم هذا على أساس أن الدين الإسلامي لم يعرض فيما جاء به لشئ من نظم الحكم وقواعد الدولة ومبادئها وأوضاعها إلا في القرآن ولا في السنة لا إجمالا ولا تفصيلا ..
وزاد بعضهم أن هذا الدين لم يعرض لشئون الحياة الدنيا ومطالبها وشئون الناس فيها وتعاملهم معها بل كانت رسالته أساسًا وعنايته أولا وآخرًا .. إصلاح الناس وتهذيبهم وتنظيم علاقاتهم بربهم وإعدادهم إعدادًا صالحًا للفوز بالسعادةالأخروية والفوز بالنعيم المقيم في الجنة ..
وأن النبي محمدًا ﷺ لم يشتغل بإرساء قواعد الدولة ولا بإقامة بنائها لأن ذلك من شأن الملوك والزعماء السياسيين وهو لم يكن ملكا ولا زعيما سياسيا، وإنما كان مبلغا عن الله ما أنزل إليه ومنذرًا للناس وداعيًا إلى الله بإذنه. ولم يزد فيما عمل على أن شرع شرعا وجمع الناس على دين ..
يقول الدكتور طه حسين في كتابه الفتنة الكبرى (١): وأكاد أعتقد أن الخلافة كما فهمها أبو بكر وعمر كانت تجربة جريئة توشك أن تكون مغامرة. ولكنها لم تنته إلى غايتها لأنها أجريت في غير العصر الذي كان يمكن أن تجرى فيه والذي سبق هذا العصر سبقا عظيما!!! وما رأيك في أن الإنسانية لم تستطع على ما جربت من تجارب وبلغت من رقى .. وعلى ما بلغت من فنون الحكم وصور الحكومات أن تنشئ نظاما سياسيا يتحقق فيه العدل السياسى والاجتماعى بين الناس على النحو الذي كان أبو بكر وعمر يريدان أن يحققاه ..
ويقول: فهل كانت السيرة التي سارها النبي ﷺ ملائمة لما فطر عليه الناس من الأثرة والطمع والحرص على المنافع العاجلة؟
وهل كانت هذه السيرة قادرة على أن تبقى حتى تغير من طباع الناس فترقى بهم إلى المثل العليا التي دعا إليها النبي وصاحباه؟
كان الإسلام وما زال دينا قبل كل شئ وبعد كل شئ .. وجه الناس إلى مصالحهم في الدنيا وفى الآخرة بما بين لهم من الحدود والأحكام التي تتصل بالتوحيد أولا .. وبتصديق النبي ﷺ ثانيا .. وبتوخى الخير في السيرة بعد ذلك ..
ولكن الدين لم يسلب الناس حريتهم ولم يلغ إرادتهم ولم يملك أمرهم ..
وإنما ترك لهم حريتهم في الحدود التي رسمها
стр. 8208
لهم، ولم يحصل عليهم كل ما ينبغى أن يفعلوا وكل ما ينبغى أن يتركوا .. وإنما ترك لهم عقولا تستبصر وقلوبا تستذكر وأذن في أن يتوخوا الخير والصواب والمصلحة العامة والمصلحة الخاصة ما وجدوا إلى ذلك سبيلا ..
ويريد الدكتور بعد ذلك أنه بعد فترة الصاحبين أبى بكر وعمر التي سارا فيها سيرة النبي ﷺ ما استطاعا والتي لم تكن هذه السيرة قادرة على البقاء حتى تعتبر من طباع الناس. بعد هذه الفترة دخل العنصر الإِنسانى مع الخلافة وتصرف بمقتضى العقل والحرية التي منحها الدين لأتباعه وترك لهم عقولا تنظر وقلوبا تفقه واستجابت الخلافة لهذا العنصر فتحولت عما كانت عليه في تلك الفترة وصارت إلى حياة الناس وما فيها من خير وشر ..
ويقول الدكتور طه حسين (١): ربما كان من أصدق الأدلة على أنه ليس في الإسلام نظام سياسى أن القرآن لم ينظم أمور السياسة تنظيما مجملا مفصلا، وإنما أمر بالعدل والإِحسان وإيتاء ذى القربى .. ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغى ورسم للمسلمين حدودا عامة وترك لهم تدبير أمورهم كما يحبون على أن لا يتعدوا هذه الحدود.
والنبى ﷺ لم يرسم بسنته نظاما معينا للحكم ولا للسياسة ولم يستخلف على المسلمين أحدًا من أصحابه بعهد مكتوب أو غير مكتوب حين ثقل عليه المرضى ..
وإنما أمر أبو بكر أن يصلى بالناس فقال المسلمون: رضيه رسول اللّه لأمور ديننا .. فما يمنعنا أن نرضاه لأمور دنيانا .. ولو كان للمسلمين نظام سياسى منزل من السماء لرسمه القرآن ولبين رسول الله ﷺ أصوله، ولفرض على المسلمين الإِيمان والإذعان له ..
وليس أقل من هذا نظرا أن أمر الخلافة قام على البيعة فأصبحت الخلافة عقدا بين الحاكمين والمحكومين يعطى الخلفاء من أنفسهم أن يسوسوا المسلمين بالحق والعدل وأن يراعوا مصالحهم وأن يسيروا فيهم سيرة النبي ﷺ ما وسعهم ذلك .. ويعطى المسلمون من أنفسهم العهد أن يسمعوا ويطيعوا وأن ينصحوا ويعينوا ..
ويقول (٢): أن الخلافة نظام عربى إسلامى خالص لم تسبق إليه العرب ثم لم يقلدوا فيه بعد ذلك ..
والحكم الإِسلامى إن لم يكن دنيويا أو دينيا .. إلا أن الخلافة قامت على عنصر إضافى تأثر بالدين إلى حد بعيد جدا .. ثم على عنصر الارستقراطية القرشية .. وواضح جدًّا أن هذين العنصرين لم يكن من شأنهما أن يطاولا مرَّ الدهر وتقلب الخطوب، وتتابع الأحداث ..
ولو قد كان للمسلمين هذا اللنظام المكتوب لعرف المسلمون في أيام عثمان ما يأتون من ذلك وما يدعون دون أن تكون بينهم فرقة أو خلافة .. والقرآن لم يعرض لشئ من هذا ..
ولو قد وضع هذا اللنظام لما تفرق المسلمون بعد مقتل عثمان على النحو الذي عرفه التاريخ ..
ولما ذهب فريق من المسلمين مذهب المحافظة الهوجاء على سنة النبي والشيخين وهم الخوارج ..
وفريق آخر مذهب المحافظة على أن تكون
стр. 8209
الخلافة في آل البيت ..
وفريق ثالث على أن تستحيل الخلافة ملكا قيصريا أو كرديا ..
وفريق رابع إلى أن يكون الأمر شورى بين المسلمين دون أن يعرفوا لهذه الشورى نظاما ولا حدودًا ..
ويقول الأستاذ / على عبد الرازق في كتابه "الإسلام وأصول الحكم" (١): التمس بين دفتى المصحف الكريم أثرا ظاهرا أو خفيا لما يريدون أن يعتقدوا من صفة سياسية للدين الإسلامي ..
ثم التمس ذلك الأثر مبلغ جهدك بين أحاديث
النبي ﷺ : تلك منابع الدين الصافية متناول يدك وعلى كتب منك فالتمس منها دليلا أو شبه دليل .. فإنك لن تجد عليها برهانا إلا ظنا ..
وأن الظن لا يغنى من الحق شيئا .. الإسلام دعوة دينية إلى الله تعالى .. ومذهب من مذاهب الإِصلاح لهذا النوع البشرى وهدايته إلى ما يدينه من اللّه جل شأنه ويفتح له سبيل السعادة الأبدية التي أعدها اللّه لعباده الصالحين هو وحدة دينيه أراد اللّه جل شأنه أن يربط بها البشر أجمعين ..
تلك دعوة قدسية طاهرة لهذا العالم كله أن يعتصموا بحبل اللّه الواحد وأن يكونوا أمة واحدة يعبدون إلهًا واحدًا .. تلك دعوة إلى المثل الأعلى لسلام هذا العالم .. دعوة العالم كله إلى التآخى في الدين دعوة معقولة وفى طبيعة البشر استعداد لتحقيقها .. معقول أن يأخذ العالم بدين واحد ..
وأن تنتظم البشرية كلها وحدة دينية ..
فأما أخذ العالم كله بحكومة واحدة وجمعه تحت وحدة سياسية مشتركة فذلك مما يوشك أن يكون خارجا عن الطبيعة البشرية ولا تتعلق به إرادة اللّه .. على أن ذلك من الأغراض الدنيوية التي خلَّى الله بينه وبين عقولنا وترك الناس أحرارا في تدبيرها على ما تهديهم إليه عقولهم وعلومهم ومصالحهم ونزعاتهم …
ولا يريبنك هذا الذي ترى أحيانا في سيرة النبي ﷺ فيبدو كل كأنه عمل حكومى ومظهر للملك والدولة. فإنك إذا تأملت لم تجده كذلك .. بل هو لم يكن إلا وسيلة من الوسائل التي كان عليه أن يلجأ إليها تثبيتا للدين وتأييدا للدعوة ..
وليس عجيبا أن يكون الجهاد وسيلة من تلكم الوسائل هو وسيلة عنيفة وقاسية .. ولكن لعل الشر ضرورى للخير .. وربما وجب التخريب ليعم العمران ..
ترى من هذا أنه ليس القرآن وحده الذي يمنعنا من اعتقاد أن النبى ﷺ كان يدعو مع رسالته الدينية إلى دولة سياسية وليست السنة وحدها التي تمنعنا من ذلك ولكن مع الكتاب والسنة حكم العقل وما يقضى به معنى الرسالة وطبيعتها ..
إنما كانت ولاية محمد ﷺ على المؤمنين ولاية الرسالة غير مشوبة بشئ من الحكم .. هيهات .. لم لكن ثمت حكومة ولا دولة ولا شئ من نزعات السياسة ولا أغرض الملوك والأمراء ..
ويقول (٢): تلك الوحدة العربية التي وجدت زمن النبي ﷺ لم تكن وحدة سياسية بأى وجه من الوجوه ولا كان فيها معنى من معاني الدولة والحكومة .. بل لم تَعْدُ أن تكون وحدة دينية خالصة من شوائب السياسة .. وحدة الإيمان والمذهب لا وحدة الدولة ومذاهب الملك .. يدلك على هذا سيرة النبي ﷺ فما عرفنا أنه عرض
стр. 8210
لشئ من سياسة تلك الأمم الشتيتة .. ولا غير شيئا من أساليب الحكم عندهم ولا مما كان لكل قبيلة من نظام إدارى أو قضائى .. ولا حاول أن يمس ما كان بين تلك الأمم بعضها مع بعض ولا ما كان بينها وبين غيرها من صلات اجتماعية أو اقتصادية ..
ولا سمعنا أنه عزل واليا ولا عين قاضيا .. ولا نظم عسسًا ولا وضع قواعد لتجاراتهم وزراعاتهم وصناعاتهم .. بل ترك لهم كل هذه الشئون وقال لهم أنتم أعلم بها ..
وربما يقال إن تلك القواعد والآداب والشرائع التي جاء بها النبي ﷺ للأمم العربية وغيرها كانت كثيرة .. وكان فيها ما يمس إلى حد كبير أكثر مظاهر الحياة في الأمم فكان فيها بعض أنظمة للعقوبات وللجيش والجهاد وللبيع والمداينة والرهن .. ولآداب الجلوس والمشى والحديث وكثير غير ذلك .. فمن جمع العرب على تلك القواعد الكثيرة ووفق بين مواقفهم وآدابهم وشرائعهم إلى ذلك الحد الواسع الذي جاء به الإسلام فقد وجد أنظمتهم المدنية وجعلهم وحدة سياسية ..
فقد كانوا إذن دولة واحدة وكان النبي ﵇ زعيمها وحاكمها .. ولكنك إذا تأملت وجدت أن كل ما شرعه الإسلام وأخذ به النبي المسلمين من أنظمة وقواعد وآداب لم يكن في شئ كثير ولا قليل من أساليب الحكم السياسى ولا من أنظمة الدولة المدنية ..
وهو بعد إذا جمعته لم يبلغ أن يكون جزءًا يسيرًا مما يلزم لدولة مدنية من أصول سياسية وقوانين … وكل ما جاء به الإسلام من عقائد ومعاملات وآداب وعقوبات فإنما هو شرع دينى خالص للّه ولمصلحة البشر الدينية لا غير .. وسيان أن يكون منها للبشر مصلحة مدنية أم لا ..
كانت وحدة العرب وحدة إسلامية لا سياسية … وكانت زعامة الرسول فيهم زعامة دينية لا مدنية .. وقد لحق ﷺ بالرفيق الأعلى من غير أن يسمى أحدًا يخلفه من بعده ..
ولا أن يسير إلى من يقوم في أمته مقامه .. بل لم يشر طول حياته إلى شئ يسمى دولة إسلامية أو دولة عربية خلافا للشيعة الذين قالوا: إنه نص على خلافة على بعده ولابن حزم الذي قال إنه استخلف أبا بكر بعده بالنص ..
طبيعي ومعقول أن لا توجد بعد النبي زعامة دينية والذي يمكن أن يوجد هو نوع من الزعامة جدير هو الزعامة المدنية أو السياسية لم يكن خافيا على العرب أن اللّه تعالى قد هيأ لهم أسباب الدولة ومهد لهم مقدماتها.
بل ربما أحسوا بذلك قبل أن يفارقهم الرسول فأخذوا حين قبض يتشاورون في أمر تلك الدولة السياسية التي لابد أن يبنوها على أساس وحدتهم الدينية فكانوا إنما يتشاورون في أمر مملكة تقام ودولة تشاد وحكومة تنشأ إنشاء، ولذلك جرى على لسانهم يومئذ ذكر الإمارة والإشارة وتذاكروا القوة والسيف والعز والثروة والعدد والمنعة والبأس والنجدة حتى تمت البيعة لأبى بكر فكان أول ملك في الإسلام ..
وإذا أنت رأيت كيف تمت البيعة لأبى بكر تبين لك أنها كانت بيعة سياسية ملكية عليها كل طوابع الدولة المحدثة، وأنها إنما قامت كما تقوم الحكومات على أساس القوة والسيف - كانت هذه الدولة دولة عربية قامت على أساس دعوة دينية ولعلها كانت ذات أثر في تلك الدعوة وفى تحول الإسلام وتطوره ولكنها لم تخرج عن أن تكون
стр. 8211
دولة عربية أيدت سلطان العرب وروجت مصالحهم ومكنت لهم في أقطار الأرض فاستعمروها استعمارًا واستغلوا خيرها استغلالا شأن الأمم القوية التي تتمكن من الفتح والاستعمار ..
ولذلك استحل العرب الخروج على هذه الحكومة والخلاف لها .. وحسب من يقر أن خلافة أبى بكر خلافة حقيقية خلف فيها النبي وكان ذلك من أسباب الخطأ الذي تسرب إلى عامة المسلمين فخيل إليهم أن الخلافة مركز دينى ..
وكذلك نشأ بين المسلمين الزعم بأن الخلافة مقام دينى ونيابة عن صاحب الشريعة ﵇ ..
والحق أن الدين الإسلامي برئ من تلك الخلافة .. والخلافة ليست في شئ من الخطط الدينية كلا ولا القضاء ولا من غيرهما من وظائف الحكم ومراكز الدولة.
وإنما تلك كلها خطط سياسية صرفة لا شأن للدين بها فهو لم يعرفها ولم ينكرها ولا أمر بها، ولا نهى عنها .. وإنما تركها لنا لنرجع فيها إلى أحكام العقل، وتجارب الأمم ولقواعد السياسة ..
ويقول رفيق بك العظم الزعيم السورى المعروف في مقال له منشور بمجلة المنار - المجلد السابع (١): إن وظيفة الرسول ﷺ هي تبليغ الرسالة التي بعث بها إلى الناس وبيان الشريعة التي أخذهم بها .. ووضع أصول الدعوة والإِرشاد إلى ما جاء به من عند الله على وجه يتكفل بسعادة الناس وفوزهم في الآخرة بجنة الخلد ونعيمها المقيم .. وليس من وظيفته ولا من شأن رسالته أن يعرض لشئون الدنيا ومطالب الحياة الأولى لأن ذلك من شأن الملوك والزعماء السياسيين .. وهو لم يكن ملكا ولا زعيما سياسيا .. ولم يزد فيما عمل على أن شرع شرعا وجمع الناس على دين ..
هذه هي أقوال هؤلاء الكتاب المسلمين وتلك هي آراؤهم في الإسلام وفى الرسالة المحمدية التي بعثه اللّه بها رحمه للعالمين .. يرى الأستاذان على عبد الرازق ورفيق العظم أن الإسلام دين مجرد ..
دين يخاطب في الناس الجانب الروحى فقط وينظم علاقاتهم بربهم ويعمل على جمع الناس جميعا على عقيدة واحدة وتحت راية دين واحد ولا علاقة له بشئون الدنيا ومطالب الحياة الأولى ولا يعرض بحكم أو تنظيم أو توجيه فيما يأتى الناس أو يذرون من أعمال وأمور تتصل بهذه الحياة الدنيا .. والأمر فيها أمر العقول وما تفكر به، وتجارب الأمم وما توحى به، والظروف المحيطة وما تقتضيه، ويريان أن الرسالة المحمدية رسالة قدسية طاهرة فجاءت للإصلاح والتهذيب والاتجاه بالناس إلى الملأ الأعلى والحظيرة القدسية والفوز بالسعادة الأبدية لا صلة لها بحياة الناس في دنياهم وما يتعاملون به ويتقلبون فيه من شئون هذه الحياة ..
ويجمع هؤلاء الكتاب على أن الشريعة الإسلامية قد خلت تمامًا من قواعد مبادئ التنظيم السياسى وأن القرآن الكريم والسنة المطهرة لم يعرضا لهذا التنظيم ولا لشئ من مبادئه وأحكامه إجمالا ولا تفصيلا ولو قد أتيا بشئ من ذلك لوجب على المسلمين أن يؤمنوا به وأن يسيروا على نهجه ولما أصابهم ما أصابهم في محنة الخلافة وفتنتها والانقسام وما بلغ من أمره .. وأن النبي ﷺ لم يعن في قليل ولا كثير بشئون السياسة ومبادئ تنظيم
стр. 8212
الدولة وإقامة بنائها ولم يشر إلى من يخلفه على أمور المسلمين وشئونهم بعده وإنما استخلف أبا بكر على الصلاة .. فقال المسلمون: رضيه النبي لديننا فما يمنعنا أن نرضاه لدنيانا ..
وأن شئون السياسة وإرساء قواعد الدولة ونظام الحكم - هو من وظائف شئون الملوك والزعماء السياسيين والنبى لم يكن في شئ من ذلك وما كان في عهده أو في عهود المسلمين من بعده من تلك الشئون ومنها الخلافة فإنه لم يؤخذ من الدين ولا صلة له بالدين وإنما خضعوا فيه لوحى الظروف وتجارب الأمم من حولهم ..
وقد قدمنا أن المسلمين بمختلف طوائفهم قد أجمعوا من عهد الصحابة والتابعين ومن بعدهم على أن الخلافة في حكمها وخصائصها ومقوماتها وشروطها وأوضاعها من الدين وقائمة به وعلى أساس عريض واضح من أحكامه ومبادئه ..
وأن ذلك ثابت بالكتاب والسنة والإجماع والدليل النظرى الشرعى القاطع .. وقد كان يكفى في الرد على موقف هؤلاء الكتاب من الخلافة وتفنيد آرائهم في ذلك والرد عليها أن نحيل بالرد على هذا الذي قدمناه .. ولكن خلافهم ليس قاصرًا على أن الخلافة من الدين أو ليست من الدين حتى يقنعهم في الرد ما قدمنا .. وإنما رأيهم في الخلافة نتيجة لخلافهم في أصل الدين ومفهومه. هل هو رسالة إصلاح وتهذيب فقط ولا شأن له بالدنيا ومطالب الحياة الأولى .. أو أنه عقيدة تسمو بالناس وشريعة ترسم لهم مناهج التعمل في الحياة وتقيم المجتمع الصالح على أساس من أحكامها ومبادئها التي يتعامل بها، وهل عرض لشئون السياسة، وتضمن مبادئ تنظيم كامل ومارس النبي ﷺ هذه الشئون ورسم نظام الدولة وقواعدها، وأقامها على أساس من تلك القواعد أو أنه خلا من ذلك ولم يعرض لشئ منه، ولم يعمل النبي في ذلك شيئًا .. ؟
هذا أساس الخلاف. والخلافة فرع علمه ونتيجة له .. فليست إلا بعدا في النظام السياسى باعتبارها رئاسة الدولة العليا وقيادتها المتقدمة ..
إن الإسلام لو كان مجرد دعوة للإصلاح والتهذيب تصل الإنسان بخالقه وتدعوه إلى ملكوت السموات والأرض ليس له مظهر من مظاهر الحياة في المجتمع الإنسانى ولا يلتقى الناس في هذا المجتمع على حكم من أحكامه أو مبدأ من مبادئه كما يقول هؤلاء الناس لو كان الإسلام كذلك لكان من طبيعة هذه الدعوة أن تدع الناس وشأنهم بهذا الدين لأنه يكون دينا شخصيا يخص الإِنسان وحده، ويدر في كيانه الداخلى دون أن يمس مسًّا مباشرًا صلته بالناس أو بالحياة، ولكن دعوة الإسلام ليست على هذا الوجه، بل هي في حقيقتها دعوة تتجه إلى الإنسان بجانبيه المادى والروحى الفردى والاجتماعى ..
مجال المجتمع هو المسرح الحقيقى الذي يتجلى فيه الدين وتظهر حقائقه وتتكشف أحكامه ومبادئه وما يكون له من آثار كبيرة واضحة في تكوين الجماعة وتوجيه حياتها .. فإن الإِسلام إنما اتجه بحقائقه وأحكامه ومبادئه إلى إقامة مجتمع إسلامى فاضل ورفع بنائه شامخًا قويا على أساس منها وإحاطته بسياج قوى منيع ضد عوامل التخريب وتيارات الهدم وبواعث الفساد ..
وكان هؤلاء الذين يرون في الإسلام مجرد دعوة عقائدية لا صلة له بالحياة العملية
стр. 8213
لا يؤمنون بقيام هذه الصلة إلا أن يفصل في وقائع الحياة ويحصر جزئياتها ويستوعب أحداثها حدثا حدثا ويضع لكل واقعة ولكل جزئية ولكل حدث حكما خاصا ..
ودون ذلك يبقى بعيدا عن الحياة ولا يكون قد التقى بها، وهيهات هيهات أن يقوم في الناس تشريع سماوى أو وضعى على هذا النحو .. بل إن ذلك لمن المحال.
فإن الوقائع والجزئيات والأحداث متجددة في حلاة الناس ما دامت الحياة ومتوالية مع الزمان ما دام الزمان لا يمكن أن تنقطع ولا أن تقف عند حد إلا أن ينتهى العالم وتنتهى معه الحياة بأحداثها، وإذا وقع في خيال أن يقوم في الناس تشريع على هذا النحو فإنه يكون عبثا لا غناء فيه ويقف جامدًا لا يستطيع مسايرة الحياة ..
إن القرآن الكريم قد نزل في نحو عشرين سنة، وكان معظم ما نزل منه بمكة - كليات الشريعة من تقويم العقائد وإصلاح الأخلاق والعادات إذ نجد السور المكية مليئة بالدعوة إلى الله ورسوله وملائكته وكتبه واليوم الآخر وإقامة الحجج والبراهين على ذلك، ودفع شبه الجاحدين والأمر بالنظر في ملكوت السموات والأرض والاعتبار بقصص الأمر الخالية، وإيفاء الكيل والميزان، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ومحاربة المزاعم الباطلة والعادات المرذولة والنهى عن العدوان، وقتل النفس والزنا .. وهناك وضعت القاعدة الاجتماعية السياسية وهى قاعدة الشورى والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ..
وبذلك اجتمع حول الرسول ﷺ وحول مقام الرسالة الكريم قوم مؤمنون يخالفون سائر القبائل العربية بعقائدهم وأخلاقهم وعاداتهم وآدابهم ..
وبعد هجرة النبي ﷺ إلى المدينة جعل الوحى السماوى يشرع أحكاما عملية، وأصولا اجتماعية، ومبادئ سياسية وأنظمة للحكم وقواعد لإقامة الدولة لا يسنها إلا من قصد إلى بناء دولة تسلك في قضائها وسياستها وأنظمتها شرعة خاصة ذات صبغة دينية تسير في هدى من نور الدين وعلى طريق من مبادئه وتعاليمه - فنرى في السور المدنية عقوبة السارق والزانى والقاذف والساعى في الأرض بالفساد وآيات الجهاد ونظام الحرب والأسرى، وآيات القضاء العادل وما يقوم عليه ويستند إليه من حجج وبينات ..
ثم الإرشاد إلى أصول المعاملات المدنية والتجارية مثل البيع والقرض والرهن والإجارة والوصية والتوكيل والحجر على القاصرين من سفيه أو يتيم والولاية والأهلية ..
ثم أحكام النكاح والطلاق والخلع والنفقات والمواريث والإصلاح بين الأفراد والجماعات ..
ثم المعاهدات والاتفاقات بين المسلمين وغير المسلمين في السلم والحرب، وشرعة الزكاة والجزية وموارد أخرى لأموال تصرف في حاجات ومصالح المسلمين .. يجب على الرئيس الأعلى تنظيمها والنظر في شأنها .. وشرع الحج …
ومن حكمه التلاقى والتعارف بين المسلمين والنظر والتشاور في مصالح الأمم الإسلامية قاطبة ..
ونجد مع هذا في السنة النبوية الصحيحة أصول الشركات ونظمها وأحكامها والشفعة والقسمة والمزارعة والمساقاة وإحياء الموات والهبة والعكس وغير ذلك مما جاء بيانا لما أجمله
стр. 8214
الكتاب العزيز في تلك الأبواب وغيرها مما يوجه مصالح الناس ويعالج مشاكلهم ويرتب حياتهم ..
ومن بعد نصوص الكتاب والسنة التي أجمع الفقهاء على اعتبارها أسسًا عامة لاستنباط الأحكام الشرعية العملية كما سنشير إليها ..
وكل هذا من صميم شئون الحياة الدنيا ومطالبها ومصالح المسلمين فيها ومعاملاتهم معها في مختلف المجالات - جاء الشارع بقوانين تنظمها وتبين أحكامها ..
وأن الناظر في كتاب الله العزيز يجده مليئا بما يدل على أن إرشاده وتشريعه لا يقتصر على شئون العقائد والعبادات وما يتصل بحياة الروح والحياة الأخروية .. بل يجد فيه نصوصا فيما يحل أكله أو شربه، وما لا يحل فيه ذلك ..
قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
ويجد كذلك نصوصا في بيان من يحل نكاحهن من النساء ومن لا يحل ..
قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾.
وفى تحريم مباشرة الزوجة في بعض الأحوال كما قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾.
ويجد نصوصا في قسمة تركات المتوفين على ورثتهم كما قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ إلى آخر آيات المواريث ..
وفى الوصية والطلاق والرجعة والإيلاء والإِيمان والكفارات وغير ذلك ..
وهذا كله من أعراض الحياة الدنيا ومطالبها ..
وكذلك الناظر في سنة النبي ﷺ يجدها تفيض بالنصوص المنظمة والمبينة للأحكام في تلك الأغراض وغيرها من شئون مطالب الحياة الدنيا مما يقطع بخطئ القول بأن الإسلام يعرض لشئون الدنيا ومطالب الحياة الأولى ..
وأما حديث أنتم أعلم بأمور دنياكم فإنه قد ورد في واقعة تأبير النخل فحمل على ذلك وما شاكله من شئون الزراعة والصناعة وغيرها من الأمور التي لم تأت الشريعة الإسلامية بتعليمها وكيفية السير بها وما يصلح لها وما لا يصلح ..
وإنما جاءت أحكام التصرفات والأعمال المتصلة بها من حل وحرمة وصحة وفساد كالزراعة والمساقاة مثلا تعرضت الشريعة للعقد فيهما وما يشترط لصحته وما يطرأ عليه فيوجب فساده وهكذا .. أما عملية الزرع والسقاء والحصاد فلا علاقة للشريعة به كعمل ..
.. وأما تعرض الإسلام لشئون السياسة وتنظيم قواعد الدولة وإقامة بنائها .. فقد أشرنا إلى أن التشريع الإسلامي قد توالى بعد هجرة
стр. 8215
النبي ﷺ إلى المدينة في الكتاب والسنة فشرع أحكاما عملية وأصولا اجتماعية ومبادئ سياسية وأنظمة للحكم وقواعد لإقامة الدولة لا بسنها إلا من قصد إلى بناء دولة تسلك في قضائها وسياستها وأنظمتها شرعة ذات صبغة دينية ..
ولقد أجمع المسلمون على أن من مقاصد الإسلام وأهدافه الأساسية إصلاح السياسة وإقامة دولة للمسلمين على أسس متينة وأن شارع الإسلام قد أتى بالمبادئ العامة في ذلك ووضع للدولة أصولا وأركانا يقوم عليها بناؤها ..
هذا قدر لم يخالف فيه أحد من السابقين .. ولكن لم يزعم أحد أن الإسلام قد رسم للسياسة خطة معينة محددة أو أنه وضع لكل واقعة حكما مفصلا …
وإنما الذي تفيض به كتب الفقهاء وأبحاث العلماء في جوانب التشريع والأصول ويهدى إليه كتاب الله تعالى وسنة رسول الله ﷺ أن الشريعة فصلت بعض أحكام لا تختلف فيها أحوال البشر، ولا يؤثر فيها تغير أحوال الشعوب والأمم وعاداتها ولا اختلاف الأزمنة والأمكنة ثم وضعت الشريعة في جانب آخر أصولا عامة ومبادئ كلية ليسير الناس في تعرف الأحكام على هداها ..
ويراعى في تطبيق تلك الأحكام الأحوال والظروف وما تقتضيه مصالح الناس ويتمشى مع أعرافهم وعاداتهم ..
ومن تلك الأصول العامة القواعد الشرعية مثل قاعدة: "رعاية المصالح المرسلة" وقاعدة: "سد الذرائع" وقاعدة: "المشقة تجلب التيسير" وقاعدة: "دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة" وقاعدة: "العادة محكمة" وقاعدة: "ارتكاب أخف الضررين" وقاعدة: "الضرر يزال" وقاعدة: "ما لا يتم الواجب المطلق إلا به وكان مقدورًا فهو واجب وغير ذلك من القواعد التي يتعرف عليها المجتهدون الراسخون في العلم من آيات القرآن الكريم كما انتزعوا قاعدة: "ارتكاب أخف الضررين" من مثل قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ وانتزعوا قاعدة سد الذرائع من مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ وقد تكون القواعد نتيجة لاستقرار جانب من القرآن الكريم مع جانب من السنة الشريفة ..
أقوال النبي ﷺ وأفعاله ..
والمقدار الذي يجب استقراؤه وتتبعه ليفيد القطع لدى المجتهد بأن هذا المعنى مقصود للشارع فيجعل قاعدة: موكول إلى أنظار المجتهدين والراسخين في العلم بروح التشريع لكثرة تدبرهم في النصوص وبحثهم فيما فصل الشارع من أحكام ..
فالشريعة عنيت في الأكثر بتفصيل ما لا تختلف فيه مصالح الأمم ولا يتغير الحكم فيه بتغير الزمان والمكان .. وذلك ما يرجع إلى العقائد والأخلاق والعبادات وما يتصل برسومها وآدابها وأوضاعها .. ثم جاءت إلى قسم المعاملات بأوسع معانيها والسياسات في جوانبها المختلفة فأتت فيها على شئ قليل من التفصيل وطوت سائره في أصول عامة وقواعد كلية لحكم ثلاث:
إحداها: أن أحكام هذا القسم تختلف بحسب ما يقتضيه حال الزمان وتطور الشعوب .. فإذا وقعت الواقعة أو عرضت الحاجة نظر العالم في منشئها وما يترتب عليها من أثر واستنبط لها حكمًا بقدر ما تسعه مقاصد الشريعة ومبادئها العليا ..
стр. 8216
ثانيها: أن وقائع المعاملات والسياسات تتجدد في كل حين والنص على كل جزئية غير متيسر كما قلنا. علاوة على أن تدوين الجزئيات وأحكامها يستدعى جهدًا كبيرًا وأسفارًا لا نهاية لها ولا فائدة للناس في حملها ..
ثالثها: أن الشريعة لا تريد الحجر على العقول ودستورها كتاب الله تعالى دعا العقول إلى النظر والبحث .. ونعى على التقليد والجمود .. ومن ثم فتح لها باب التمتع بالنظر في الأحداث والتسابق في الاجتهاد والبحث عن أحكامها ..
فإذا كان هذا هو مسلك الشارع الإسلامي في التشريع وكانت هذه الودائع هي التي حملته على هذا المسلك ..
فهل من الصواب أن يوجه إلى الشريعة أنها لم تعرض لكذا وكذا .. إن الشريعة ترشد إلى المصالح وتأمر بالعمل على تحقيقها ثم تترك وسائل تحقيق المصالح وإقامتها على الوجه المطلوب إلى اجتهادات العقول ..
ففى قاعدة الشورى وهى من قواعد النظام السياسى في الإسلام أرشد الإسلام إلى الشورى بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ .. ﴾ وقصد الشارع إلى إقامة هذه الشورى على وجه ينتفى الاستبداد بأمور الدولة ويجعل الحكام لا يقطعون أمرًا حتى تتناوله آراء أهل الحل والعقد ولكنه ترك النظر في وسائل وكيفية استطلاع الآراء إلى اجتهاد أولى الأمر وتقديرهم حسب الظروف فهم الذين يدبرون النظم التي يرونها أقرب وأكمل في استطلاع الرأى باقتراع سرى أو علنى بالكتابة أو بغيرها ولهم النظر في تعيين من يؤخذ رأيهم وكيفية تعيينهم وانتخابهم.
فالشريعة تحدثت في نظام السياسة وقواعد الحكم ونظمه ولكن بأسلوب أوتى جوامع الكلم وخطاب يفهمه ذوى العقول المفكرة والقلوب الباصرة والنظر النافذ ..
قال أبو إسحاق الشاطبى في الموافقات (١): "وكل دليل شرعى ثبت في الكتاب مطلقا غير مقيد ولم يجعل له قانون ولا ضابط مخصوص فهو راجع إلى معنى معقول وُكِل إلى نظر المكلف ..
وهذا القسم أكثر ما تجده في الأمور العادية التي هي معقولة المعنى .. وكل دليل ثبت في الكتاب مفيدًا غير مطلق وجعل له قانون وضابط فهو راجع إلى معنى تعبدى لا يهتدى إليه نظر المكلف لو وُكِلَ إلى نظره .. إذ العبادات لا مجال للعقول في أصلها فضلا عن كيفياتها ..
وقال (٢): "واعلم أن ما جرى ذكره هنا من اختلاف الأحكام عند اختلاف العوائد ليس في الحقيقة باختلاف في أصل الخطاب لأن الشرع موضوع على أنه دائم ..
وإنما معنى الاختلاف أن العوائد إذا اختلفت رجعت كل عادة إلى أصل شرعى يحكم به عليها ..
وقال شهاب الدين القرافى في قواعده: "إن الأحكام تجرى مع العرف والعادة .. وينتقل القضية بانتقالها ..
ومن جهل المفتى جموده على النصوص في الكتب غير ملتفت إلى تغير العرف ..
فإن القاعدة المجمع عليها أن كل حكم مبنى على عادة .. فإذا تغيرت العادة تغير الحكم
стр. 8217
والقول باختلاف الحكم عند تبدل الأحوال والعادات لا يستلزم القول بتغييره في أصل وضعه والخطاب، به وإنما الأمر تدعو إليه الحاجة عند قوم أو في عصر فيكون مصلحة وتتناوله دلائل الطلب .. فإن لم تقتضه عادتهم ولا تعلقت به مصلحتهم دخل تحت أصل من أصول الإِباحة أو التحريم".
وقال أيضا (١): إن التوسعة على الحكام في الأحكام السياسية ليس مخالفا للشرع بل تشهد به القواعد ومن جملتها أن الفساد قد كثر وانتشر بخلاف حاله في العصر الأول .. ومقتضى ذلك اختلاف الأحكام بحيث لا تخرج عن الشرع.
ومما يؤيد أن أحكام الشريعة تجرى بحسب اختلاف الزمان والمكان قول عز الدين بن عبد السلام في قواعده: "تحدث للناس أحكام بقدر ما يحدثون من السياسات والمعاملات والاحتياطات".
ولأجل ما بينته الشريعة من بناء الأحكام على رعاية المصالح اشترط جمهور الفقهاء والمتكلمون في الإمام أن يكون عالما بالغا رتبة الاجتهاد ..
وذلك يتحقق بمعرفة جملة القواعد التي نصبتها الشريعة والمتفقة في قسم عظيم من الأبواب التي فصلت الأحكام .. بالقدرة على استنباط الأحكام من أدلتها المبثوثة في الكتاب والسنة ..
وذلك يستدعى معرفة هذه الدلائل وطرق إثباتها وأنواع دلالتها وتفاوت مراتبها وأوجه الترجيح بينها عند التعارض.
وفى النظام السياسى ومبادئ الحكم قرر الإِسلام المبادئ الأساسية العامة لنظام حكم شامل يستهدف صالح الأمة ويكفل إقامة أوضاع الحكم فيها على خير مثال فقرر مبدأ العدل بين الناس جميعا أمام القانون في الحكم والقضاء وفى المعاملة والتكاليف العامة دون نظر إلى جنس أو لون أو دين أو نسب. وأمر به القرآن أمرًا عاما بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ حتى مع الخصوم والأعداء .. ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
وجعل إقرار العدالة بين الناس غرضًا مقصودا من بعث الرسل وإنزال الشرائع ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾.
وقرر مبدأ المساواة المطلقة بين المواطنين جميعا في الحقوق والواجبات وفى التطبيق والتنفيذ .. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ وقال النبي ﷺ : "الناس سواسية كأسنان المشط لا فضل لعربى على أعجمى ولا لأبيض على على أسود إلا بالتقوى".
وقرر مبدأ الشورى وأمر نبيه المعصوم بمشاورة أصحابه في غير ما يأتى به الوحى من شئون الأمة وأمورها المتصلة بالمصلحة العامة ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ .. ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ فقرر بذلك مبدأ سيادة الأمة وسلطتها ومشاركتها في تحمل مسئولية الحكم ..
وقرر مبدأ المسئولية العامة مسئولية الحكام عن أعمالهم وتصرفاتهم في شئون الأمة ومصالحها أمام الأمة في الدنيا وأمام الله في
стр. 8218
الآخرة مسئولية مزدوجة تتلاءم في ازدواجها مع جانبى التشريع الإسلامي الروحى المادى أي الدنيوى والأخروى فإن الإسلام قد وضع الأحكام ورسم الحدود في الأداء والتنفيذ في العقائد والعبادات والأخلاق والتربية وفى المعاملات العامة الاقتصادية والاجتماعية وفى كل ما يتعلق بنظام الحكم وتدبير مصالح المسلمين وهذا كله دين يثاب فاعله ومنفذه والقائم به ويعاقب مخالفه ومنكره ومحاده والخارج عليه.
وللإسلام في كل هذه الجوانب سياسة مرسومة وأنظمة محددة تبرز وتظهر في توجيه المجتمع وسياسة أموره ..
وبذلك كله تقوم الدولة .. فالدين والدولة في الإِسلام مرتبطان لا انفصام لهما .. فلا يمكن تصور دولة إسلامية بلا دين ..
كما لا يمكن تصور الدين فارغا من التعامل مع المجتمع وتوجيه شئونه ومصالحه في الحياة الدنيا فكان من ذلك المسئولية المزدوجة في الحديث الصحيح فيما رواه البخارى: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته" ..
فالإمام الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته ويقوم إلى جانب هذه المبادئ ويكملها ما قررته الأصول الإسلامية العامة خاصًّا بنظرية حقوق الأفراد وحرياتهم العامة .. فقد قررت هذه الأصول الحرية الشخصية أي حرية الذات ..
كما قررت من حرمة القتل والاعتداء على الإنسان في نفسه وماله وعرضه ..
وحرية العقيدة في حدود النظام العام إذ لا يقبل الارتداد ولا الخروج على الإسلام ..
وحرية الرأي والإعراب عنه والنقد بهدف الإِصلاح والتوجيه ..
وحرية الاستيطان والإقامة وحرية التنقل وحرية التملك .. يتمتع بهذه الحريات وبغيرها من الحريات في حدود عدم الإِضرار بحريات ومصالح الآخرين أو بمصالح الدين والدولة.
وقررت الحقوق بسائر أنواعها السياسية كحق الانتخاب والتمثيل والعامة كحق تولى الوظائف والخاصة كحق التعليم .. والانتفاع بخدمات الدولة وأباحت الملكية الفردية في العقار والمنقول وسائر أنواع الأموال دون حدود إلا الالتزام في كسبها بالطرق المشروعة وعدم اكتناز الثروة وتجميع المال والاستغلال والاحتكار ..
ووضعت على هذه الملكية أعباء وتكاليف بشروط وأوضاع لمصلحة الطبقات المحتاجة حقا مقررًا وعلاج مشكلة الفقر ..
وقيدت المالك في تصرفاته في أمواله بمراعاة مصالح الآخرين كالورثة أو الدائنين وعدم الإِضرار بهم ..
وأوجبت على الأمة نبذ المنكر ومقاومة الظلم والاستبداد ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ - "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان".
ثم فرج الشارع هذا النظام بإقامة رئاسة الدولة وهما الإمامة والخلافة فأوجب إقامة الإِمام وبين طريقة إدامته وحدود صفاته والشروط التي ينبغى أن تتوافر فيه كما حدد اختصاصاته وبين ما له من حقوق على الأمة وما عليه لها من واجبات، وجعل الأمة بمثابة موكله ومصدر سلطة ومالكة حق محاسبته وتقويمه وعزله.
تلك إشارات لبيان ما احتواه الإسلام في
стр. 8219
الجوانب التي يزعم الكاتبون المسلمون أنه ابتعد عنها ولم يأت فيها بشئ ..
وبقى أن نشير إلى ما عمله النبي ﷺ وهل اقتصر على تبليغ الرسالة وتنظيم شئون الدعوة إلى الله، ولم يكن له في شئون الأمة ومصالحها وسياسة أمورها حكم أو تدبير، أو أنه أسس دولة المسلمين وأقام حكومة فيها وقام على رأس المسلمين يبلغ إليهم الرسالة ويطبق عليهم أحكام الشريعة ويقيم فيهم حدود الله وينظم أجهزة العمل في الدولة ..
أشرنا إلى أن التشريع الإسلامي العملى بدأ في المدينة بعد هجرة النبي ﷺ وتوالى مع الأيام ..
كما أن المجتمع الإِسلامى بدأ يتكون على صورد بارزة المعالم في المدينة ..
وقد قلنا أن الإسلام وهو دين ودنيا، ودين ودولة لا يعمل تشريعه ولا يبرز عمليا إلا في مجال المجتمع وهو المجال الخصب الذي تعمل فيه القوانين وتظهر آثارها ومدى ما تنتهى إليه نتائج أحكامها ولابد للمجتمع الجديد أن ينمو ويبقى ويتعامل مع الحياة التي يعيش فيها ..
ولابد أن تبرز في حياته مشاكل في كل جوانب الحياة ولابد من حلول لهذه المشاكل ولابد لمصالح المجتمع من سياسة تديرها وتصل إلى تحقيقها ..
والرسول ﷺ في هذا المجتمع هو سيده الأعلى ورئيسه الذي يدين له بالولاء والطاعة ويلقى الله بالقيادة في شئون الدين والدنيا على السواء .. الدين الذي جاءهم به من عند الله ..
والدنيا التي يعيشون فيها ويتعاملون معها، وسلطان الرسول على هذا المجتمع سلطان روحى ومادى ودينى ومعنوى يرعى النفوس ويهذب الأخلاق ويسمو بالأرواح إلى آفاق قدسية طاهرة ويطهر المجتمع من دنس الشرك ورجس الوثنية ويدبر شئون المسلمين ومصالحهم ويطبق أحكام الشريعة وينفذها فيهم ويقيم حدود الله عليهم ويأخذ على أيدى العصاة والخارجين على تلك الأحكام والحدود ويقيمهم على النهج الواضح والطريق السوى ..
وهو مع ذلك كله وقبل ذلك كله يبلغ الناس ما أنزل إليهم من ربهم شاهدهم وغائبهم ويبين ما في التنزيل ..
هذا المجتمع وقد تحددت فيه من سمات الدولة وعناصر قيامها - الشعبى والاقليمى - لابد لإكتمال عناصر الدولة وبروز شخصيتها في المجتمع الدولى أن تقوم فيه سلطة حاكمة وهى بالنسبة له حكوة دينية تدبر شئونه وتنظم أموره وتقيم العدل فيه وتستغل موارده وتنفق حصيلتها في وجوه النفع والصالح العام وتدافع عنه وتحمى حدوده ضد خطر الغزو والاعتداء وتنظم علاقاته بالدول والمجتمعات الأخرى ..
وتبرم الاتفاقات والمعاهدات وتنظم شئون الحرب وتتولى في الداخل تنظيم شئون الإدارة والتنفيذ وأداة الحكم والقضاء ..
كل ذلك على هدى من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وبمقتضى أحكام الشريعة ومبادئ الدين ..
وقد قامت هذه الحكومة فعلا وعلى رأسها رسول الله ﷺ وإلى جانبه وزيراه أبو بكر وعمر ومستشاروه من أهل الرأى من أصحابه ونظم أجهزة الدولة والحكومة فأرسل الولاة والعمال إلى الأمصار والأقاليم يعلمون الناس الدين وأحكام الشريعة ويؤمونهم في الصلاة ويجمعون أموال الزكاة وغيرها مما قرره الشارع وما يتصدقون به ويوزعون ما أمروا
стр. 8220
بتوزيعه في مصارفه، ويقضون بين الناس ويفصلون في خصوماتهم ويقيمون ما وُكل إليهم إقامته من حدود وينفذون الأحكام ..
وكان من عماله أبو دجانة الساعدى وسباع بن عرقطة عاملاه على المدينة وأبو سفيان بن حرب على نجران ومعاذ بن جبل على الجند ولما ولاه سأله: بم تقضى إذا عرض لك قضاء حديث مشهور ..
وعتاب بن أسيد على مكة وعلى بن أبى طالب على اليمن وقال له: إذا حضر الخصمان فلا تقض بينهما حتى تسمع منهما ودعا له بالتوفيق والسداد في القضاء .. واستعمل العلاء بن الحضرمى على البحرين وعزله لما شكاه وفد عبد القيس وولى بدله أسامة بن سعيد وقال له: استوصى بعبد القيس خيرا وأكرم سراتهم ..
وكان يحاسب العمال ويسألهم .. حاسب أحد عمال الصدقات فقال: هذا لكم وهذا أهدى إليّ .. فقال النبي: ما بال الرجل نستعمله على العمل بما ولانا الله فيقول: هذا لكم وهذا أهدى إليّ .. أفلا قعد في بيت أبيه وأمه .. فنظر .. أيهدى إليه أم لا؟ .. من استعملناه على عمل ورزقناه رزقا فما أخذ بعد ذلك فهو غلول ..
ونظم ﷺ الموارد المالية وحدد مصارفها طبقًا لما بينه الله تعالى في الكتاب: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ .. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾.
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ .. ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
وفى شئون الحرب والدفاع نزل قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ .. ﴾ وكان الرسول هو الذي يعلن الحرب ويدير شئونها ويرسم لها الخطط بالتشاور مع أولى الرأى من أصحابه ويعين رؤساء البعثات والقواد ..
وكان المسلمون كلهم جندا لله يقاتلون في سبيل الله ويدافعون عن دين الله وأول لواء عقد في الإِسلام لواء عبد الله بن جحش وأول مغنم كان مغنمه. وقد سمع النبي باستخدام النساء في الحروب يقمن من الأعمال بما يقدرن عليه يخدمن الجرحى ويتولين الطعام والإسقاء ويحمسن المقاتلين بالأناشيد والضرب على الدفوف ويأخذن من العطاء ..
وفى شئون القضاء: قضى الرسول ﷺ بين الناس وفصل في كثير من خصوماتهم بنفسه وولى غيره من أصحابه القضاء ومن هؤلاء عبد الله بن نوفل أول قاض على المدينة ونظرًا لضيق رقعة الإِسلام وقلة الأعمال إذ ذاك جعل القضاء والفصل في الخصومات من أعمال الولاة كما أشرنا في تولية معاذ بن جبل وعلي بن أبى طالب حتى إذا ما اتسعت رقعة الإسلام وعظم شأن المسلمين في عهد عمر بن الخطاب فصل القضاء عن الولاية وجعله ولاية مستقلة ..
أما شئون التشريع فلم تكن لأحد في عهد النبي سواه يتولاها عن طريق الوحى بالكتاب والسنة.
وكما تثبت السيرة النبوية الكريمة وكتب
стр. 8221
التاريخ الصحيح .. فإن النبي ﷺ كان على رأس المسلمين أسس دولتهم وأقام الحكومة الدينية وتولى الزعامة السياسية فيهم يحكم فيما شجر بين الناس ويقيم الحدود والزواجر على من يعتدى أو يجنى على نفس أو مال أو عرض أو عقل وينظم الموارد المالية كما أمر الله والمصارف في وجوه المصالح وإسعاد ذوى الحاجة ويتولى عند التحالف والمعاهدات وإعلان الحرب ورسم خططها مع المشاورة والأخذ بأحسن الآراء وأكفلها بالنجاح. ويسوس المسلمين ويدبر أمورهم الدينية والدنيوية. يتولى كل ذلك بنفسه أو بمن ينيبه ويندبه ممن يرى فيه الكفاية والمقدرة والصححية وأن القول بأن النبي لم يكن من طبيعته إلا تبليغ الرسالة وتنظيم شئون الدعوة إلى الله تعالى قول لا تساعده وقائع التاريخ ولا يتفق مع نصوص الشريعة ..
هذا هو منطق أئمة الشريعة وحملتها وحفاظها. وننقل معه وبجانبه ما فكره مؤرخ مسيحى كان دقيقا وأمينا في ذكر وقائع التاريخ ونقلها وهو جورجى زيدان .. قال في كتابه: "تاريخ التمدن الإسلامي" (١): "ولما ظهر الإِسلام كان النبي ﷺ هو رئيس المسلمين ومدبر أمورهم في شئون الدنيا والدين .. وهو حاكمهم وقاضيهم وصاحب شريعتهم وإمامهم وقائدهم .. وكان إذا ولى أحد أصحابه بعض الأطراف خوله السلطتين السياسية والدينية وأوصاه أن يحكم بالعدل ويعلم الناس القرآن".
وقد ألف أحد الغربيين من غير المسلمين كتاب أسماه "روح الشرق" وعرض فيه للتشريع الإسلامي في الجوانب التي تناولها هؤلاء الكتاب المسلمون فكان أصفى خاطرًا وأقرب إلى إنصاف الإسلام منهم - هذا المؤلف: هو: "أرغو هارت" وكتابه هذا منقول في كتاب روح الإسلام لأمير على (٢) ..
قال أرغو هارت في كتابه (٣): "إن الإِسلام منح الناس قانونا فطريا بسيطا غير أنه قابل لأعظم الترقيات الموافقة لرقى المدنية المادية ..
إنه منح الحكومة دستورًا يلائم الحقوق والواجبات أشد الملاءمة. فقد حدد الضرائب وساوى بين الخلق في نظر القانون وقدس مبادئ الحكم الذاتى وأوجد الرقابة على الحاكم بأن جعل الهيئة التنفيذية منقادة للقانون المقتبس من الدين والواجبات الأخلاقية. إن حسن كل واحد من هذه المبادئ التي يكفى كل واحد منها لتخليد ذكرى واضعه قد ضاعف في أهمية مجموعها وأصبح للنظام المكون منها قوة تفوق أي نظام سياسى آخر ..
إن هذا النظام مع أنه وضع في أيدى قوم أميين استطاع أن ينتشر في ممالك أكثر مما فتحته روما في عهد لا يتجاوز عمر الفرد ..
ولقد استمر منتصرًا لا يمكن إيقافه مدة محافظته على شكله الفطرى ..
أرأيت كيف يقرر البعيدون عن الإِسلام أن الإسلام قد عرف النظام السياسى وقرر فيه مبادئ يكفى كل واحد منها لتخليد ذكرى واضعه وأن هذه المبادئ تفوق أي نظام سياسى آخر .. في حين أن بعض مفكرى المسلمين ينكرون على الإسلام صلاحيته للحياة الدنيا ومعرفته للنظام السياسى وأن نبى الإسلام لم يكن له في شئون الأمة ولا في النظام السياسى وأمور الدولة عمل
стр. 8222
ألم يفكر هؤلاء العباقرة أنهم بنشر هذه الأفكار المسمومة وإذاعة هذه الآراء الخطيرة يقدمون لأسرى الثقافة الغربية والمفتونين بآراء وأفكار خصوم الدين حجة يستندون إليها في المطالبة الصريحة بتنحية الدين عن شئون الحياة ومجال الحكم والفصل بين الدين والدولة كما فعل المسيحيون في عهد الدولة الرومانية حينما سيطرت الكنيسة على شئون الدولة وسارت في سياستها سيرًا لا يتفق مع ما وصلت إليه النظريات العلمية الحديثة وقام رجال الدولة ينازعونها وانتهى الأمر بفصل الدين عن الدولة - وكما حاولت بعض الأحزاب السياسية في تركيا في أواخر عهد الخلافة وإنحطاط شأنها ..
بم تنعقد الإِمامة ؟!
جاء في شرح المقاصد للعلامة سعد الدين التفتازانى (١) في كلامه على ثبوت الإمامة: "اتفقت الأمة على أن الرجل لا يصير إماما بمجرد صلاحيته للإمامة واجتماع الشرائط المعتبرة شرعا فيه .. بل لابد من أمر آخر به تنعقد الإِمامة .. وهى طرق:
منها متفق عليه ومنها مختلف فيه .. فالمختلف فيه المردود ..
والدعوة بأن يقوم من الناس من هو أهل للإمامة ومستجمع لشروطها ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويدعو إلى اتباعه والانقياد لإِمامته ..
قال به غير طائفة الصالحية من الزيدية ذاهبين إلى أن كل فاطمى نسل فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ ﵂ خرج شاهرا لسيفه داعيا إلى ربه - فهو إمام ولم يوافقهم على ذلك إلا الجبائى ..
والمختلف فيه المقبول عندنا وعند المعتزلة والخوارج والصالحية من الزيدية خلافا للشيعة هو اختيار أهل الحل والعقد وبيعتهم من غير أن يشترط إجماعهم واتفاق جميعهم في البلاد الإسلامية على ذلك. ولا عدد محدود منهم بل تتم البيعة وتنعقد الإمامة ولو بعقد واحد منهم ..
ولهذا لم يتوقف أبو بكر - رضى الله عنه - بعد أن بايعه من في السقيفة من المهاجرين والأنصار إلى انتشار أخبار البيعة في الأقطار الإِسلامية ليجتمع عليها أهل الحل والعقد. بل اعتبر البيعة قد تمت والإمامة قد انعقدت وباشر الأعمال لم ينكر عليه أحد.
وقال عمر لأبى عبيدة - رضى الله عنهما -: أبسط يدك أبايعك .. فقال أبو عبيدة: القول هذا وأبو بكر حاضر؟ فبايع أبا بكر.
وهذا مذهب الأشعرى إلا أنه يشترط أن يكون العقد بمشهد من الشهود لئلا يدعى آخر أنه عقد عقدًا آخر سرًا متقدما على هذا العقد.
وذهب أكثر المعتزلة إلى اشتراط عدد خمسة ممن يصلحون لإِمامة أخذا من حادثة الشورى التي وقعت في عهد عمر إذ عهد إلى ستة لاختيار واحد منهم بحضور الخمسة الباقين.
لنا على كون الاختيار والبيعة طريقا لإنعقاد الإِمامة .. أن الطريق .. إما النص وإما الاختيار ..
والنص منتف في حق أبى بكر - رضى الله عنه - مع كونه إمامًا بالإِجماع فكانت إمامته بالاختيار ..
стр. 8223
وكذلك النص منتف في حق علي عند التحقيق ..
وأيضا اشتغل الصحابة - رضى الله تعالى عنهم - بعد وفاة النبي ﷺ وبعد مقتل عثمان - رضى اللّه عنه - باختيار الإمام وعقد البيعة له من غير نكير من أحد فكان إجماعًا منهم على كون الاختيار طريقا لإنعقاد الإِمامة .. ولا عبرة بمخالفة الشيعة الحادثة بعد الإِجماع ..
وقالت الشيعة إن طريق تعيين الإِمام وثبوت الإِمامة للشخص هو النص .. واحتجوا على ذلك بوجوه ..
الأول: أن الإمام يجب أن يكون معصوما وأفضل رعيته وعالما بأمر الدين كله ولا سبيل لأهل الاختيار إلى معرفة ذلك واجتماعه فيمن يختارونه ..
ورد بمنع المقدمتين فقد سبق عدم اشتراط هذه الأمور في الإِمام .. وعلم بالضرورة حصول الظن لأهل الحل والعقد بالصفات المذكورة ..
الثاني: أن أهل البيعة لا يقدرون على تولية مثل القضاء والاحتساب ولا على التصرف في فرد من آحاد الأمة فكيف يقدرون على تولية الرياسة الكبرى وعلى إقدار الغير على التصرف في أمر الدين والدنيا لكافة الأمة ..
ورد بمنع الصغرى. فإن التحكيم جائز عندنا .. والشاهد يجعل القاضي قادرا على التصرف في الغير ولو سلم فذلك لوجود من إليه التولية وهو الإمام ولا كذلك إذا مات ولا إمام غيره.
الثالث: أن الإمامة لإزالة الفتن وإثباتها البيعة مظنة إثارة الفتن لاختلاف الآراء كما في زمن على ومعاوية - رضى الله عنهما - فتعوض على موضوعها بالنقض .. ورد بأنه لا فتنة عند الانقياد للحق فإن جهات الترجيح من السبق وغيره معلومة من الشريعة ..
ونزاع معاوية لم يكن في إمامة على بل أنه هل تجب عليه بيعته قبل الاقتصاص من قتلة عثمان .. وأما عند الترفع والاستقلال فالفتنة قائمة ولو مع قيام النص ..
ولو سلم فالكلام فيما إذا لم يوجد النص إذ لا غيره بالبيعة والاختيار على خلاف ما ورد به النص ..
ولا خفاء في أن الفتنة عند عدم الإِمام أضعاف الفتنة عند النزاع في تعيينه ..
الرابع: أن الإِمامة خلافة عن الله ورسوله فيتوفف على استخلافهما بوسيط أو بدونه والثابت بالاختيار لا يكون خلافة منهما بل من الأمة.
ورد بأنه لما قام الدليل من قبل الشارع وهو الإِجماع على أن من اختارته الأمة خليفة لله ورسوله كان خليفة فسقط ما ذكرتم ..
ألا ترى أن الوجوب بشهادة الشاهد وقضاء القاضي وفتوى المفتى حكم الله لا حكمهم على أن الإمام ثابت لأمة أيضا ..
الخامس: أن القول بالاختيار يؤدى إلى خلو الزمان عن الإمام وهو باطل بالاتفاق وذلك فيما إذا عقد أهل بلدين لشخصين ولم يعلم السابق منهما فإنه لا يمكن الحكم بصحتهما لإحتمال المقارنة ولا بفسادها لإحتمال السبق ولا يتعين الصحيح لعدم الوقوف على السابق ..
وحينئذ لا يمكن نصب إمام آخر لاحتمال كونه ثانيا ..
ورد بأنه ينصب إمام بعدم العلم بوجود الإِمام على أنه يمكن الترجيح بجهاته ..
стр. 8224
السادس: أن سيرة النبي ﷺ وطريقته على أنه كان لا يترك الاستخلاف على المدينة وغيرها من البلاد في غيبة مدة قليلة ولا البيان في أدنى ما يحتاج من الفرائض والسنن والآداب حتى في أمر قضاء الحاجة ومسح الخف ونحو ذلك.
فكيف يترك الاستخلاف في غيبة الوفاة والبيان فيما هو من أساس المهمات ..
والجواب: أن ذلك مجرد استبعاد على أن التفويض لاختيار أهل الحل والعقد واجتهاد أولى الألباب نوع استخلاف وبيان كما في كثير من فروع الإيمان ..
السابع: أن النبى ﷺ كان لأمته بمنزلة الأب الشفيق لأولاده الصغار. وهو لا يترك الوصية في الأولاد إلى واحد يصلح لذلك .. فكذا النبي ﷺ في حق الأمة ..
الثامن: قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ ولا خفاء في أن الإمامة من معظمات أمر الدين فيكون قد بينها وأكملها أما في كتابه أو على لسان نبيه .. والجواب عنهما بمثل ما سبق ..
وجاء في كتاب الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم الظاهرى ما يأتى (١): "ذهب قوم إلى أن الإِمامة لا تصح إلا بإجماع فضلاء الأمة في أقطار البلاد ..
وذهب آخرون إلى أن الإمامة إنما تصح بعقد أهل حضرة الإِمام والموضع الذي فيه قرار الأئمة.
وذهب أبو على الجبائى إلى أن الإمامة لا تصح بأقل من عقد خمسة رجال ..
ولم يختلفوا في أن عقد الإِمامة يصح بعهد من الإمام الميت إذا قصد فيه حسن الاختيار للأمة عند موته ولم يقصد بذلك هوى ..
ثم قال: أما من قال أن الإمامة لا تصح إلا بعقد فضلاء الأمة في أقطار البلاد فباطل لأنه تكليف ما لا يطاق وما ليس في الوسع وما هو أعظم الجرح وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ولا حرج ولا تعجيز أكثر من تعرف إجماع فضلاء الأمة في أقطار البلاد الإسلامية كلها من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب ..
ولابد من ضياع أمور المسلمين قبل أن يجمع جزء من مائة جزء من فضلاء أهل هذه البلاد فبطل هذا القول ..
وأما قول من قال: إن عقد الإمامة لا يصح إلا بعقد أهل حضرة الإمام وأهل الموضع الذي فيه قرار الأئمة ..
فإن أهل الشام كانوا قد ادعوا ذلك لأنفسهم حتى حملهم ذلك على بيعة مروان وابنه عبد الملك واستحلوا بذلك دماء أهل الإسلام وهو قول فاسد لا حجة لأهله وكل قول في الدين عرى عن حجة من القرآن أو من سنة رسول الله ﷺ أو من إجماع الأمة المتيقن فهو باطل بيقين .. قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فصح أن من لا برهان له على صحة قوله فليس صادقا فيه فسقط هذا القول أيضا ..
وأما قول الجبائى فإنه تعلق بفعل عمر - رضى الله تعالى - عنه في الشورى إذ قلدها ستة رجال وأمرهم أن يختاروا واحدًا منهم .. فصار الاختيار منهم بخمسة فقط .. وهذا ليس بشئ لوجوه:
стр. 8225
أولها: أن عمر لم يقل إن تقليد الاختيار أقل من خمسة لا يجوز بل قد جاء عنه أنه قال: إن مال ثلاثة منهم إلى واحد وثلاثة إلى واحد فاتبعوا الثلاثة الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف فقد أجاز عقد ثلاثة.
وثانيها: أن فعل عمر - رضى الله عنه - لا يلزم الأمة حتى يوافق نص قرآن أو سنة .. وعمر كسائر الصحابة - رضى الله عنهم - لا يجوز أن يخصه الله بوجوب اتباعه دون غيره من الصحابة - رضى الله عنهم - ..
وثالثها: أن أولئك الخمسة - رضى الله عنهم - قد تبرءوا من الاختيار وجعلوه إلى واحد منهم يختار لهم وللمسلمين من رأوه أهلا للإمامة وهو عبد الرحمن بن عوف .. وما أذكر ذلك أحد من الصحابة الحاضرين ولا الغائبين إذ بلغهم ذلك فقد صح إجماعهم على أن الإمامة تنعقد بواحد ..
فإن قال قائل: إنما جاز ذلك لأن خمسة من فضلاء المسلمين قلدوه. قيل له: إن كان هذا عندك اعتراضا فالتزم مثله سواء بسواء ممن قال لك: إنما صح عند أولئك الخمسة لأن الإمام الميت قلدهم ذلك ولولا ذلك لم يجز عندهم ..
وبرهان ذلك أنه إنما عقد لهم الاختيار منهم لا من غيرهم فلو اختاروا من غيرهم لما لزم الانقياد لهم. فلا يجوز عقد خمسة أو أكثر إلا إذا قلدهم الإمام ذلك أو ممن قال لك، إنما صح عقد أولئك الخمسة لإِجماع فضلاء أهل ذلك العصر على الرضا بمن اختاروه .. ولو لم يجمعوا على الرضا به لما جاز عندهم .. وهذا مما لا مخلص منه أبدًا فبطل هذا القول بيقين ..
فإذا قد بطلت هذه الأقوال فالواجب النظر في ذلك على ما أوجبه اللّه تعالى في القرآن والسنة وإجماع المسلمين كما افترض علينا إذ يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فوجدنا عقد الإمامة يصح بوجوه ..
أولها وأفضلها وأصحها:
أن يعهد الإِمام الميت إلى إنسان يختاره إمامًا بعد موته وسواء فعل ذلك في صحته أو في مرضه وعند موته إذ لا نص ولا إجماع على المنع من أحد هذه الوجوه كما فعل رسول الله ﷺ بأبى بكر وكما فعل أبو بكر بعمر وكما فعل سليمان بن عبد الملك بعمر بن عبد العزيز.
وهذا هو الوجه الذي نختاره ونكره غيره كما في هذا الوجه من اتصال الإمامة وانتظام أمر الإسلام وأهله ودفع ما يتجذف من الاختلاف والشغب مما يتوقع في غيره من بقاء الأمة فوضى ومن انتشار الأمر وارتفاع النفوس وحدوث الأطماع.
وإنما أنكر من أنكر من الصحابة - رضى الله عنهم - من التابعين بيعة يزيد بن معاوية والوليد وسليمان لأنهم كانوا غير مرضيين لا لأن الإمام عهد إليهم في حياته ..
وثانيها: إن مات الإمام ولم يعهد إلى أحد أن يبادر رجل مستحق للإِمامة فيدعو إلى نفسه ولا منازع له ففرض اتباعه والانقياد لبيعته والتزام إمامته وطاعته كما فعل على إذ قتل عثمان رضى الله عنهما وكما فعل ابن الزبير - رضى الله عنهما - .. وقد فعل ذلك خالد بن الوليد إذ قتل الأمراء زيد بن حارثة وجعفر بن أبى طالب وعبد الله بن رواحة فأخذ خالدًا لرأيه من غير إمرة
стр. 8226
وصوب ذلك رسول الله ﷺ إذ بلغه فعله ..
وساعد خالدًا جميع المسلمين رضى الله عنهم .. أو أن يقوم كذلك عند ظهور منكر يراه فتلزم معاونته على البر والتقوى ولا يجوز التأخر عنه لأن ذلك معاونة على الإِثم والعدوان .. وقد قال ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ وقد قال ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ كما فعل يزيد بن الوليد ومحمد بن هارون المهدى رحمهما الله ..
وثالثها: أن يصير الإمام عند وفاته اختيار خليفة المسلمين إلى رجل ثقة أو إلى أكثر من واحد كما فعل عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - عند موته وليس عندنا في هذا الوجه إلا التسليم لما أجمع عليه المسلمون حينئذ ..
ولا يجوز التردد في الاختيار أكثر من ثلاث ليال للثابت عن رسول الله ﷺ من قوله: من بات ليلة وليس في عنقه بيعة ولأن المسلمين لم يجتمعوا على ذلك أكثر من ذلك .. والزيادة على ذلك باطل ولا يحل ..
على أن المسلمين يومئذ من حين موت عمر - رضى الله عنه - قد اعتقدوا بيعة لازمة في أعناقهم لازمة لأحد أولئك الستة بلا شك .. فهم وإن لم يعرفوه بعينه فهو بلا شك واحد من أولئك الستة فبأخذ هذه الوجوه تصح الإِمامة .. ولا تصح بغير هذه الوجوه البتة ..
فإن مات الإِمام ولم يعهد إلى إنسان بعينه فوثب رجل يصلح للإمامة فبايعه واحد فأكثر .. ثم قام آخر ينازعه ولو بطرفة عين بعده فألحق حق الأول وسواء كان الثاني أفضل منه أو مثله أو دونه لقول رسول الله ﷺ : فوا ببيعة الأول فالأول من جاء ينازعه فأضربوا عنقه كائنا من كان ..
فلو قام اثنان فصاعدا معا في وقت واحد ويئس من معرفة أيهما سبقت بيعته نظر أفضلهما أو أسوسهما فالحق له ووجب نزع الآخر لقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ومن البر تقليد الأسوس ..
وليس هذا بيعة متقدمة يجب الوفاء بها ومحاربة من نازع صاحبها فإن استويا في الفضل قدم الأسوس .. نعم وإن كان أقل فضلا إذا كان مؤديا للفرائض والسنن مجتنبا للكبائر مستترا بالصغائر لأن الفرض من الإِمامة حسن السياسة والقوة على القيام بالأمور ..
فإن استويا في الفضل والسياسة أفرغ بينهما أو نظر في غيرهما .. والله لا يضيق على عباده هذا الضيق ولايوقفهم على هذا الحرج لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وهذا أعظم الحرج ..
وفى المسايرة في علم الكلام للكمال بن الهمام الحنفى: إن الإمامة تنعقد بأحد طريقين .. إما باستخلاف الخليفة القائم من تتوفر فيه الصفات والشروط للقيام بأمر المسلمين بعد موته كما فعل أبو بكر - رضى اللّه عنه - إذ استخلف عمر - رضى الله عنه - فرضى المسلمون بخلافته فكان إجماعًا على صحة الاستخلاف طريقا لانتفاء الإِمامة ..
وأما ببيعة من أهل الحل والعقد دون اشتراط جميعهم أو عدد معين منهم .. بل يكتفى بجماعة من العلماء أو من أهل الرأى والتدبير وفى الدر المختار شرح تنوير الأبصار وحاشية ابن عابدين عليه:
стр. 8227
أن من تولى بالقهر والغلبة بلا مبايعة من أهل الحل والعقد أن استوفى الشروط المقررة تصح سلطنته للضرورة .. والأصل فيها أن تكون بالتقليد ..
وفى الأحكام السلطانية للقاضى أبى الحسن الماوردى: والإمامة تنعقد من وجهين (١):
الأول: باختيار أهل الحل والعقد.
والثانى: بعهد الإمام من قبل ..
فأما انعقادها باختيار أهل الحل والعقد فقد اختلف العلماء في عدد من تنعقد به الإمامة منهم على مذاهب شتى:
فقالت طائفة: لا تنعقد إلا بجمهور أهل الحل والعقد من كل بلد ليكون الرضاء به عاما والتسليم لإمامته إجماعًا، وهذا مذهب مدفوع ببيعة أبى بكر - رضى اللّه عنه - على الخلافة باختيار من حضرها ولم ينتظر ببيعته قدوم غائب عنها ..
وقالت طائفة: أقل من تنعقد به الإمامة منهم خمسة يجتمعون على عقدها أو بعقدها أحدهم برضاء الأربعة استدلالا بأمرين:
الأول: أن بيعة أبى بكر - رضى الله عنه -: انعقدت بخمسة اجتمعوا عليها ثم تابعهم الناس فيها وهم: عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح وأسيد بن حضير وبشير بن سعد وسالم مولى أبى حذيفة - رضى الله عنهم - ..
والثاني: أن عمر - رضى اللّه عنه - جعل الشورى في ستة ليعقد لأحدهم برضا الخمسة وهذا قول أكثر الفقهاء والمتكلمين من أهل البصرة ..
وقال آخرون من علماء الكوفة: تنعقد بثلاثة يتولاها أحدهم برضا الاثنين ليكونوا حاكما وشاهدين كما يصح عقد النكاح بولى وشاهدين ..
وقالت طائفة أخرى: تنعقد بواحد لأن العباس بن عبد المطلب - رضى اللّه عنه - قال لعلى بن أبى طالب - رضى اللّه عنه -: أمدد يدك أبايعك .. فيقول الناس عم رسول الله ﷺ بايع ابن عمه فلا يختلف عليك اثنان .. ولأنه حكم وحكم واحد نافذ ..
فإذا اجتمع أهل الحل والعقد للاختيار تصفحوا أحوال أهل الإِمامة الموجودة فيهم شروطها فقدموا للبيعة منهم أكثرهم فضلا وأكملهم شروطا ومن يسرع الناس إلى طاعته ولا يتوقفون عن بيعته ..
فإذا تعين لهم من بين الجماعة من أداهم الاجتهاد إلى اختياره وعرضوها عليه ..
فإن أجاب إليها بايعوه عليها .. وانعقدت ببيعتهم له الإمامة فلزم كافة الأمة الدخول في بيعته والانقياد لطاعته ..
وإن امتنع من الإِمامة ولم يجب إليها لم يجبر عليها لأنها عقد مراضاة واختيار لا يدخله إكراه ولا إجبار .. وعدل عنه إلى من سواه من مستحقيها ..
فلو تكافأ في شروط الإِمامة اثنان قدم لها اختيار أسنهما وإن لم تكن زيادة السن مع كمال البلوغ شرطا .. فإن بويع أصغرهما سنا جاز ..
ولو كان أحدهما أعلم والآخر أشجع روعى في الاختيار ما يوجبه حكم الوفت ..
فإن كانت الحاجة إلى فضل الشجاعة أدعى لانتشار الثغور وظهور البغاة كان الأشجع أحق ..
стр. 8228
وإن كانت الحاجة إلى فضل العلم أدعى لسكون الدهماء وظهور أهل البدع كان الأعلم أحق ..
فإن وقف الاختيار على واحد من الاثنين فتننازعاها فقد قال بعض العلماء يكون ذلك قدحًا فيهما لمنعهما معا ويعدل عنهما إلى غيرهما .. والذي عليه جمهور العلماء والفقهاء أن التنازع فيها لا يكون قدحًا مانعًا، فليس طلب الإِمامة مكروها .. فقد تنازع فيها أهل الشورى فما رد عنها طالب ولا منع منها راغب ..
واختلف العلماء فيما يقطع به تنازعهما مع نكافؤ أحوالهما ..
فقالت طائفة يقرع بينهما ويقدم من خرجت قرعته منهما ..
وقال آخرون: بل يكون أهل الاختيار بالخيار في بيعته أيهما شاءوا من غير فرعة ..
فلو تعين لأهل الاختيار واحد هو أفضل الجماعة فبايعوه على الإِمارة وحدث بعده من هو أفضل منه انعقدت ببيعتهم إمارة الأول ولم يجز العدول إلى غيره مما ليس بأولى كالاجتهاد في الأحكام الشرعية .. وقال الأكثرون من الفقهاء والمتكلمين تجوز إمامته وتصح بيعته ولا يكون وجود الأفضل مانعا من إمامة المفضول إذا لم يكن مقصرا عن شروط الإمامة كما يجوز في ولاية القضاء تقليد المفضول مع وجود الأفضل لأن زيادة الفضل مبالغة في الاختيار ..
وليست معتبرة شرطا في الاستحقاق فلو تفرد في الوقت بشروط الإِمامة واحد لم يشرك فيها غيره تعينت فيه الإمامة ولا يجوز أن يعدل بها عنه إلى غيره ..
واختلف أهل العلم في ثبوت إمامته وافتقاد ولايته بغير عقد ولا اختيار .. فذهب بعض فقهاء العراق إلى ثبوت ولايته وانعقاد إمامته وحمل الأمة على طاعته وإن لم يعقدها أهل الاختيار لأن مقصود الاختيار تمييز المولَّى .. وقد تميز هذا بصفته ..
وذهب جمهور الفقهاء والمتكلمين إلى أن إمامته لا تنعقد إلا برضاء الاختيار ..
لكن يلزم أهل الاختيار عقد الإمامة له فإن اتفقوا أتموا لأن الإِمامة عقد لا يتم إلا بعاقد .. وكالقضاء إذا لم يكن من يصلح له إلا واحد لم يصر قاضيا حتى يولاه - فركب بعض من قال بذلك المذهب هذا الباب ..
وقال: يصير قاضيا إذا انفرد بصفته كما يصير المنفرد بصفات الإمامة إمامًا .. وفرق بعضهم فقال: لا يصير المنفرد بصفات القضاء قاضيا وإن صار المنفرد بصفات الإمامة إمامًا وفرق بينهما بأن القضاء نيابة خاصة يجوز صرفه عن الشخص مع بقائه على صفته فلم تنعقد ولايته إلا بتقليد مستنيب له .. والإمامة من الحقوق العامة المشتركة بين حق الله تعالى وحقوق الآدميين ولا يجوز صرف من استقرت فيه إذا كان على صفته فلم يفتقر تقليد مستحقيها مع تميزه إلى عقد مستنيب له ..
وإذا عقدت الإمامة لإمامين في بلدين لم تنعقد إمامتهما لأنه لا يجوز أن يكون للأمة إمامان في وقت واحد وإن شذ قوم فجوزوه .. واختلف في الإِمام منهما ..
فقالت طائفة: هو الذي عقدت له الإمامة في البلد الذي مات فيه من تقدمه لأنهم بعقدها أخص وبالقيام أنها أحق .. وعلى كافة الأمة في الأمصار كلها أن يفوضوا عقدها إليهم ويسلموها
стр. 8229
لمن بايعوه لئلا ينتشر الأمر باختلاف الآراء وتباين الأهواء ..
وقال آخرون: بل على كل واحد منهما أن يدفع الإِمامة عن نفسه ويسلمها إلى صاحبه طلبا للسلامة وحسما للفتنة ليختار أهل الحل والعقد أحدهما أو غيرهما.
وقال آخرون: بل يقرع بينهما دفعا للتنازع وقطعا للتخاصم فأيهما قرع كان بالإمامة أحق ..
والصحيح في ذلك وما عليه الفقهاء المحققون أن الإِمامة لأسبقهما عقدًا كالوليين في نكاح المرأة إذا زوجاها باثنين كان النكاح لأسبقهما عقدًا فإذا تعين السابق منهما استقرت له الإمامة وعلى المسبوق تسليم الأمر إليه والدخول في بيعته ..
وإن عقدت الإِمامة لهما في حال واحد لم يسبق بها أحدهما فسد العقدان واستؤنف العقد لأحدهما أو لغيرهما وإن تقدمت بيعة أحدهما وأشكل المتقدم منهما وقف أمرهما على الكشف .. فإن تنازعاها وادعى كل منهما أنه الأسبق لم تسمع دعواه ولم يحلف عليها لأنه لا يختص بالحق فيها وإنما هو حق المسلمين جميعا فلا حكم ليمينه ولا لنكوله عنه ..
وهكذا لو قطع التنازع فيها وسلمها أحدهما إلى الآخر لم تستقر إمامته إلا ببينة تشهد بتقدمه ..
ولو أقر له بالتقدم خرج منها المقر ولم تستقر للآخر لأنه مقر في حق المسلمين .. فإن شهد له المقر بتقدمه فيها مع شاهد آخر سمعت شهادته إن ذكر اشتباه الأمر عليه عند التنازع ولم يسمع منه إن لم يذكر الاشتباه لما في القولين من التكاذب ..
وإذا دام الاشتباه بينهما بعد الكشف ولم تقم بينة لأحدهما بالتقدم لم يقرع بينهما لأمرين:
أحدهما: أن الإمامة عقد والقرعة لا مدخل لها في العقود ..
والثانى: أن الإمامة لا يجوز فيها .. والقرعة لا مدخل لها فيما لا يصح الاشتراك فيه كالنكاح وتدخل فيما يصح فيه الاشتراك كالأموال. ويكون دوام هذا الاشتباه مبطلا لعقدى الإِمامة فيهما .. ويستأنف أهل الاختيار عقدها لأحدهما .. فلو أرادوا العدول بها عنهما إلى غيرهما .. فقد قيل بجوازه لخروجهما عنها ..
وقيل: لا يجوز لأن البيعة لهما قد صرفت الإمامة عمن عداهما، ولأن الاشتباه لا يمنع ثبوتها في أحدهما ..
وأما انعقاد الإمامة بعهد من قبله فهو مما انعقد الإِجماع على جوازه ووقع الاتفاق على صحته لأمرين عمل المسلمون بهما ولم يتناكروهما:
الأول: أن أبا بكر - رضى الله عنه - عهد بها إلى عمر - رضى الله عنه - فأثبت المسلمون إمامته بعهده ..
الثاني: أن عمر - رضى اللّه عنه - عهد بها إلى أهل الشورى فقبلت الجماعة دخولهم فيها وهم أعيان العصر اعتقادا لصحة العهد بها وخرج باقى الصحابة منها .. وقال على للعباس - رضى الله عنهما - حين عاتبه على الدخول في الشورى كان أمرًا عظيما من أمور الإِسلام لم أر لنفسى الخروج منه فصار العهد بها إجماعًا في انعقاد الإِمامة فإذا أراد الإمام أن يعهد بها فعليه أن يجتهد رأيه في الأحق بها والأقوم بشروطها فإذا
стр. 8230
تعين الاجتهاد في واحد نظر فيه .. فإن ثم يكن ولدا ولا والدًا جاز أن ينفرد بعقد البيعة له وبتفويض العهد إليه وإن لم يستشر فيه أحدا من أهل الاختيار .. لكن اختلفوا .. هل يكون ظهور الرضا منهم شرطا في انعقاد بيعته أولا ..
فذهب بعض علماء أهل البصرة إلى أن رضا أهل الاختيار ببيعته شرط في لزومها للأمة لأنها حق يتعلق بهم فلم تلزمهم إلا برضا أهل الاختيار منهم .. والصحيح أن بيعته منعقدة وأن الرضا بها غير معتبر لأن بيعة عمر - رضى اللّه عنه - لم تتوقف على رضا الصحابة .. ولأن الإِمام القائم أحق بها فكان اختياره فيها أمضى وقوله فيها أنفذ .. وإن كان ولى العهد ولدًا أو والدًا فقد اختلف في جواز انفراده بعقد البيعة له على ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: لا يجوز أن ينفرد بعقد البيعة لولد ولا لوالد حتى يشاور فيه أهل الاختيار فيرونه أهلا لها فيصح منه حينئذ عقد البيعة له لأن ذلك منه تزكية له يجرى مجرى الشهادة .. وتقليده على الأمة يجرى مجرى الحكم وهو لا يجوز أن يشهد لوالد ولا لولد ولا يحكم لواحد منهما للتهمة العائدة إليه بما جبل من الميل إليه ..
الثاني: يجوز أن ينفرد بعقدها لولد ووالد لأنه أمير الأمة، نافذ الأمر لهم وعليهم فغلب حكم المنصب على حكم النسب ولم يجعل للتهمة طريقا على أمانته ولا سبيلا إلى معارضته .. وصار فيها كعهده بها إلى غير ولده ووالده ..
وهل يكون رضا أهل الاختيار بعد صحة العهد معتبرا في لزومه للأمة أولا .. على ما قدمناه من الوجهين ..
الثالث: أنه يجوز أن بنفرد بعقد البيعة لوالده ولا يجوز أن ينفرد بها لولده لأن الطبع يبعث على ممايلة الولد أكثر مما يبعث على ممايلة الوالد ..
ولذلك كان كل ما يقتضيه في الأغلب مذخورًا لولده دون والده .. فأما عقدها لأخيه ومن قاربه من عصبته ومناسبيه فكعقدها للبعداء الأجانب في جواز تفرده بها ..
وإذا عهد الإِمام بالخلافة إلى من يصح العهد إليه على الشروط المعتبرة فيه كان العهد موقوفا على قبول المولى .. واختلف في زمان قبوله ..
فقيل بعد موت المولي في الوقت الذي يصح فيه نظر المولي ..
وقيل: وهو الأصح - إنه ما بين عهد المولى وموته لتنتقل عنه الإِمامة إلى المولى مستقرة بالقبول المتقدم وليس للإمام المولى عزل من عهد إليه ما لم يتغير حاله.
وإن جاز له عزل من استنابه من سائر خلفائه لأنه مستخلف لهم في حق نفسه فجاز له عزلهم وهو مستخلف لولى عهده في حق المسلمين فلم يكن له عزله كما لم يكن لأهل الاختيار عزل من بايعوه إذا لم يتغير حاله.
فلو عهد الإِمام بعد عزل الأول إلى ثان كان عهد الثاني باطلا والأول على بيعته .. فإن خلع الأول نفسه لم يصح بيعة الثاني حتى يبتدئ وإذا استعفى ولى العهد لم يبطل عهده بالاستعفاء حتى يعنى للزومه من جهة المولى ..
ثم نظر فإن وجد غيره جاز استعفاؤه وخرج من العهد بإجماعهما على الاستعفاء والإعفاء .. وإن لم يوجد غيره لم يجز استعفاؤه