← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 8226–8265 · переход к 8231.

стр. 8226

وصوب ذلك رسول الله ﷺ إذ بلغه فعله .. وساعد خالدًا جميع المسلمين رضى الله عنهم .. أو أن يقوم كذلك عند ظهور منكر يراه فتلزم معاونته على البر والتقوى ولا يجوز التأخر عنه لأن ذلك معاونة على الإِثم والعدوان .. وقد قال ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ وقد قال ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ كما فعل يزيد بن الوليد ومحمد بن هارون المهدى رحمهما الله .. وثالثها: أن يصير الإمام عند وفاته اختيار خليفة المسلمين إلى رجل ثقة أو إلى أكثر من واحد كما فعل عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - عند موته وليس عندنا في هذا الوجه إلا التسليم لما أجمع عليه المسلمون حينئذ .. ولا يجوز التردد في الاختيار أكثر من ثلاث ليال للثابت عن رسول الله ﷺ من قوله: من بات ليلة وليس في عنقه بيعة ولأن المسلمين لم يجتمعوا على ذلك أكثر من ذلك .. والزيادة على ذلك باطل ولا يحل .. على أن المسلمين يومئذ من حين موت عمر - رضى الله عنه - قد اعتقدوا بيعة لازمة في أعناقهم لازمة لأحد أولئك الستة بلا شك .. فهم وإن لم يعرفوه بعينه فهو بلا شك واحد من أولئك الستة فبأخذ هذه الوجوه تصح الإِمامة .. ولا تصح بغير هذه الوجوه البتة .. فإن مات الإِمام ولم يعهد إلى إنسان بعينه فوثب رجل يصلح للإمامة فبايعه واحد فأكثر .. ثم قام آخر ينازعه ولو بطرفة عين بعده فألحق حق الأول وسواء كان الثاني أفضل منه أو مثله أو دونه لقول رسول الله ﷺ : فوا ببيعة الأول فالأول من جاء ينازعه فأضربوا عنقه كائنا من كان .. فلو قام اثنان فصاعدا معا في وقت واحد ويئس من معرفة أيهما سبقت بيعته نظر أفضلهما أو أسوسهما فالحق له ووجب نزع الآخر لقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ومن البر تقليد الأسوس .. وليس هذا بيعة متقدمة يجب الوفاء بها ومحاربة من نازع صاحبها فإن استويا في الفضل قدم الأسوس .. نعم وإن كان أقل فضلا إذا كان مؤديا للفرائض والسنن مجتنبا للكبائر مستترا بالصغائر لأن الفرض من الإِمامة حسن السياسة والقوة على القيام بالأمور .. فإن استويا في الفضل والسياسة أفرغ بينهما أو نظر في غيرهما .. والله لا يضيق على عباده هذا الضيق ولايوقفهم على هذا الحرج لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وهذا أعظم الحرج .. وفى المسايرة في علم الكلام للكمال بن الهمام الحنفى: إن الإمامة تنعقد بأحد طريقين .. إما باستخلاف الخليفة القائم من تتوفر فيه الصفات والشروط للقيام بأمر المسلمين بعد موته كما فعل أبو بكر - رضى اللّه عنه - إذ استخلف عمر - رضى الله عنه - فرضى المسلمون بخلافته فكان إجماعًا على صحة الاستخلاف طريقا لانتفاء الإِمامة .. وأما ببيعة من أهل الحل والعقد دون اشتراط جميعهم أو عدد معين منهم .. بل يكتفى بجماعة من العلماء أو من أهل الرأى والتدبير وفى الدر المختار شرح تنوير الأبصار وحاشية ابن عابدين عليه:

стр. 8227

أن من تولى بالقهر والغلبة بلا مبايعة من أهل الحل والعقد أن استوفى الشروط المقررة تصح سلطنته للضرورة .. والأصل فيها أن تكون بالتقليد .. وفى الأحكام السلطانية للقاضى أبى الحسن الماوردى: والإمامة تنعقد من وجهين (١): الأول: باختيار أهل الحل والعقد. والثانى: بعهد الإمام من قبل .. فأما انعقادها باختيار أهل الحل والعقد فقد اختلف العلماء في عدد من تنعقد به الإمامة منهم على مذاهب شتى: فقالت طائفة: لا تنعقد إلا بجمهور أهل الحل والعقد من كل بلد ليكون الرضاء به عاما والتسليم لإمامته إجماعًا، وهذا مذهب مدفوع ببيعة أبى بكر - رضى اللّه عنه - على الخلافة باختيار من حضرها ولم ينتظر ببيعته قدوم غائب عنها .. وقالت طائفة: أقل من تنعقد به الإمامة منهم خمسة يجتمعون على عقدها أو بعقدها أحدهم برضاء الأربعة استدلالا بأمرين: الأول: أن بيعة أبى بكر - رضى الله عنه -: انعقدت بخمسة اجتمعوا عليها ثم تابعهم الناس فيها وهم: عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح وأسيد بن حضير وبشير بن سعد وسالم مولى أبى حذيفة - رضى الله عنهم - .. والثاني: أن عمر - رضى اللّه عنه - جعل الشورى في ستة ليعقد لأحدهم برضا الخمسة وهذا قول أكثر الفقهاء والمتكلمين من أهل البصرة .. وقال آخرون من علماء الكوفة: تنعقد بثلاثة يتولاها أحدهم برضا الاثنين ليكونوا حاكما وشاهدين كما يصح عقد النكاح بولى وشاهدين .. وقالت طائفة أخرى: تنعقد بواحد لأن العباس بن عبد المطلب - رضى اللّه عنه - قال لعلى بن أبى طالب - رضى اللّه عنه -: أمدد يدك أبايعك .. فيقول الناس عم رسول الله ﷺ بايع ابن عمه فلا يختلف عليك اثنان .. ولأنه حكم وحكم واحد نافذ .. فإذا اجتمع أهل الحل والعقد للاختيار تصفحوا أحوال أهل الإِمامة الموجودة فيهم شروطها فقدموا للبيعة منهم أكثرهم فضلا وأكملهم شروطا ومن يسرع الناس إلى طاعته ولا يتوقفون عن بيعته .. فإذا تعين لهم من بين الجماعة من أداهم الاجتهاد إلى اختياره وعرضوها عليه .. فإن أجاب إليها بايعوه عليها .. وانعقدت ببيعتهم له الإمامة فلزم كافة الأمة الدخول في بيعته والانقياد لطاعته .. وإن امتنع من الإِمامة ولم يجب إليها لم يجبر عليها لأنها عقد مراضاة واختيار لا يدخله إكراه ولا إجبار .. وعدل عنه إلى من سواه من مستحقيها .. فلو تكافأ في شروط الإِمامة اثنان قدم لها اختيار أسنهما وإن لم تكن زيادة السن مع كمال البلوغ شرطا .. فإن بويع أصغرهما سنا جاز .. ولو كان أحدهما أعلم والآخر أشجع روعى في الاختيار ما يوجبه حكم الوفت .. فإن كانت الحاجة إلى فضل الشجاعة أدعى لانتشار الثغور وظهور البغاة كان الأشجع أحق ..

стр. 8228

وإن كانت الحاجة إلى فضل العلم أدعى لسكون الدهماء وظهور أهل البدع كان الأعلم أحق .. فإن وقف الاختيار على واحد من الاثنين فتننازعاها فقد قال بعض العلماء يكون ذلك قدحًا فيهما لمنعهما معا ويعدل عنهما إلى غيرهما .. والذي عليه جمهور العلماء والفقهاء أن التنازع فيها لا يكون قدحًا مانعًا، فليس طلب الإِمامة مكروها .. فقد تنازع فيها أهل الشورى فما رد عنها طالب ولا منع منها راغب .. واختلف العلماء فيما يقطع به تنازعهما مع نكافؤ أحوالهما .. فقالت طائفة يقرع بينهما ويقدم من خرجت قرعته منهما .. وقال آخرون: بل يكون أهل الاختيار بالخيار في بيعته أيهما شاءوا من غير فرعة .. فلو تعين لأهل الاختيار واحد هو أفضل الجماعة فبايعوه على الإِمارة وحدث بعده من هو أفضل منه انعقدت ببيعتهم إمارة الأول ولم يجز العدول إلى غيره مما ليس بأولى كالاجتهاد في الأحكام الشرعية .. وقال الأكثرون من الفقهاء والمتكلمين تجوز إمامته وتصح بيعته ولا يكون وجود الأفضل مانعا من إمامة المفضول إذا لم يكن مقصرا عن شروط الإمامة كما يجوز في ولاية القضاء تقليد المفضول مع وجود الأفضل لأن زيادة الفضل مبالغة في الاختيار .. وليست معتبرة شرطا في الاستحقاق فلو تفرد في الوقت بشروط الإِمامة واحد لم يشرك فيها غيره تعينت فيه الإمامة ولا يجوز أن يعدل بها عنه إلى غيره .. واختلف أهل العلم في ثبوت إمامته وافتقاد ولايته بغير عقد ولا اختيار .. فذهب بعض فقهاء العراق إلى ثبوت ولايته وانعقاد إمامته وحمل الأمة على طاعته وإن لم يعقدها أهل الاختيار لأن مقصود الاختيار تمييز المولَّى .. وقد تميز هذا بصفته .. وذهب جمهور الفقهاء والمتكلمين إلى أن إمامته لا تنعقد إلا برضاء الاختيار .. لكن يلزم أهل الاختيار عقد الإمامة له فإن اتفقوا أتموا لأن الإِمامة عقد لا يتم إلا بعاقد .. وكالقضاء إذا لم يكن من يصلح له إلا واحد لم يصر قاضيا حتى يولاه - فركب بعض من قال بذلك المذهب هذا الباب .. وقال: يصير قاضيا إذا انفرد بصفته كما يصير المنفرد بصفات الإمامة إمامًا .. وفرق بعضهم فقال: لا يصير المنفرد بصفات القضاء قاضيا وإن صار المنفرد بصفات الإمامة إمامًا وفرق بينهما بأن القضاء نيابة خاصة يجوز صرفه عن الشخص مع بقائه على صفته فلم تنعقد ولايته إلا بتقليد مستنيب له .. والإمامة من الحقوق العامة المشتركة بين حق الله تعالى وحقوق الآدميين ولا يجوز صرف من استقرت فيه إذا كان على صفته فلم يفتقر تقليد مستحقيها مع تميزه إلى عقد مستنيب له .. وإذا عقدت الإمامة لإمامين في بلدين لم تنعقد إمامتهما لأنه لا يجوز أن يكون للأمة إمامان في وقت واحد وإن شذ قوم فجوزوه .. واختلف في الإِمام منهما .. فقالت طائفة: هو الذي عقدت له الإمامة في البلد الذي مات فيه من تقدمه لأنهم بعقدها أخص وبالقيام أنها أحق .. وعلى كافة الأمة في الأمصار كلها أن يفوضوا عقدها إليهم ويسلموها

стр. 8229

لمن بايعوه لئلا ينتشر الأمر باختلاف الآراء وتباين الأهواء .. وقال آخرون: بل على كل واحد منهما أن يدفع الإِمامة عن نفسه ويسلمها إلى صاحبه طلبا للسلامة وحسما للفتنة ليختار أهل الحل والعقد أحدهما أو غيرهما. وقال آخرون: بل يقرع بينهما دفعا للتنازع وقطعا للتخاصم فأيهما قرع كان بالإمامة أحق .. والصحيح في ذلك وما عليه الفقهاء المحققون أن الإِمامة لأسبقهما عقدًا كالوليين في نكاح المرأة إذا زوجاها باثنين كان النكاح لأسبقهما عقدًا فإذا تعين السابق منهما استقرت له الإمامة وعلى المسبوق تسليم الأمر إليه والدخول في بيعته .. وإن عقدت الإِمامة لهما في حال واحد لم يسبق بها أحدهما فسد العقدان واستؤنف العقد لأحدهما أو لغيرهما وإن تقدمت بيعة أحدهما وأشكل المتقدم منهما وقف أمرهما على الكشف .. فإن تنازعاها وادعى كل منهما أنه الأسبق لم تسمع دعواه ولم يحلف عليها لأنه لا يختص بالحق فيها وإنما هو حق المسلمين جميعا فلا حكم ليمينه ولا لنكوله عنه .. وهكذا لو قطع التنازع فيها وسلمها أحدهما إلى الآخر لم تستقر إمامته إلا ببينة تشهد بتقدمه .. ولو أقر له بالتقدم خرج منها المقر ولم تستقر للآخر لأنه مقر في حق المسلمين .. فإن شهد له المقر بتقدمه فيها مع شاهد آخر سمعت شهادته إن ذكر اشتباه الأمر عليه عند التنازع ولم يسمع منه إن لم يذكر الاشتباه لما في القولين من التكاذب .. وإذا دام الاشتباه بينهما بعد الكشف ولم تقم بينة لأحدهما بالتقدم لم يقرع بينهما لأمرين: أحدهما: أن الإمامة عقد والقرعة لا مدخل لها في العقود .. والثانى: أن الإمامة لا يجوز فيها .. والقرعة لا مدخل لها فيما لا يصح الاشتراك فيه كالنكاح وتدخل فيما يصح فيه الاشتراك كالأموال. ويكون دوام هذا الاشتباه مبطلا لعقدى الإِمامة فيهما .. ويستأنف أهل الاختيار عقدها لأحدهما .. فلو أرادوا العدول بها عنهما إلى غيرهما .. فقد قيل بجوازه لخروجهما عنها .. وقيل: لا يجوز لأن البيعة لهما قد صرفت الإمامة عمن عداهما، ولأن الاشتباه لا يمنع ثبوتها في أحدهما .. وأما انعقاد الإمامة بعهد من قبله فهو مما انعقد الإِجماع على جوازه ووقع الاتفاق على صحته لأمرين عمل المسلمون بهما ولم يتناكروهما: الأول: أن أبا بكر - رضى الله عنه - عهد بها إلى عمر - رضى الله عنه - فأثبت المسلمون إمامته بعهده .. الثاني: أن عمر - رضى اللّه عنه - عهد بها إلى أهل الشورى فقبلت الجماعة دخولهم فيها وهم أعيان العصر اعتقادا لصحة العهد بها وخرج باقى الصحابة منها .. وقال على للعباس - رضى الله عنهما - حين عاتبه على الدخول في الشورى كان أمرًا عظيما من أمور الإِسلام لم أر لنفسى الخروج منه فصار العهد بها إجماعًا في انعقاد الإِمامة فإذا أراد الإمام أن يعهد بها فعليه أن يجتهد رأيه في الأحق بها والأقوم بشروطها فإذا

стр. 8230

تعين الاجتهاد في واحد نظر فيه .. فإن ثم يكن ولدا ولا والدًا جاز أن ينفرد بعقد البيعة له وبتفويض العهد إليه وإن لم يستشر فيه أحدا من أهل الاختيار .. لكن اختلفوا .. هل يكون ظهور الرضا منهم شرطا في انعقاد بيعته أولا .. فذهب بعض علماء أهل البصرة إلى أن رضا أهل الاختيار ببيعته شرط في لزومها للأمة لأنها حق يتعلق بهم فلم تلزمهم إلا برضا أهل الاختيار منهم .. والصحيح أن بيعته منعقدة وأن الرضا بها غير معتبر لأن بيعة عمر - رضى اللّه عنه - لم تتوقف على رضا الصحابة .. ولأن الإِمام القائم أحق بها فكان اختياره فيها أمضى وقوله فيها أنفذ .. وإن كان ولى العهد ولدًا أو والدًا فقد اختلف في جواز انفراده بعقد البيعة له على ثلاثة مذاهب: المذهب الأول: لا يجوز أن ينفرد بعقد البيعة لولد ولا لوالد حتى يشاور فيه أهل الاختيار فيرونه أهلا لها فيصح منه حينئذ عقد البيعة له لأن ذلك منه تزكية له يجرى مجرى الشهادة .. وتقليده على الأمة يجرى مجرى الحكم وهو لا يجوز أن يشهد لوالد ولا لولد ولا يحكم لواحد منهما للتهمة العائدة إليه بما جبل من الميل إليه .. الثاني: يجوز أن ينفرد بعقدها لولد ووالد لأنه أمير الأمة، نافذ الأمر لهم وعليهم فغلب حكم المنصب على حكم النسب ولم يجعل للتهمة طريقا على أمانته ولا سبيلا إلى معارضته .. وصار فيها كعهده بها إلى غير ولده ووالده .. وهل يكون رضا أهل الاختيار بعد صحة العهد معتبرا في لزومه للأمة أولا .. على ما قدمناه من الوجهين .. الثالث: أنه يجوز أن بنفرد بعقد البيعة لوالده ولا يجوز أن ينفرد بها لولده لأن الطبع يبعث على ممايلة الولد أكثر مما يبعث على ممايلة الوالد .. ولذلك كان كل ما يقتضيه في الأغلب مذخورًا لولده دون والده .. فأما عقدها لأخيه ومن قاربه من عصبته ومناسبيه فكعقدها للبعداء الأجانب في جواز تفرده بها .. وإذا عهد الإِمام بالخلافة إلى من يصح العهد إليه على الشروط المعتبرة فيه كان العهد موقوفا على قبول المولى .. واختلف في زمان قبوله .. فقيل بعد موت المولي في الوقت الذي يصح فيه نظر المولي .. وقيل: وهو الأصح - إنه ما بين عهد المولى وموته لتنتقل عنه الإِمامة إلى المولى مستقرة بالقبول المتقدم وليس للإمام المولى عزل من عهد إليه ما لم يتغير حاله. وإن جاز له عزل من استنابه من سائر خلفائه لأنه مستخلف لهم في حق نفسه فجاز له عزلهم وهو مستخلف لولى عهده في حق المسلمين فلم يكن له عزله كما لم يكن لأهل الاختيار عزل من بايعوه إذا لم يتغير حاله. فلو عهد الإِمام بعد عزل الأول إلى ثان كان عهد الثاني باطلا والأول على بيعته .. فإن خلع الأول نفسه لم يصح بيعة الثاني حتى يبتدئ وإذا استعفى ولى العهد لم يبطل عهده بالاستعفاء حتى يعنى للزومه من جهة المولى .. ثم نظر فإن وجد غيره جاز استعفاؤه وخرج من العهد بإجماعهما على الاستعفاء والإعفاء .. وإن لم يوجد غيره لم يجز استعفاؤه

стр. 8231

ولا إغفاؤه .. وكان العهد عنى لزومه من جهتى المولى والمولّى .. ويعتبر شروط الإمامة في المولى من وقت العهد إليه .. فإن كان صغيرا أو فاسقًا وقت العهد وبالغا عدلا عند موت المولى لم تصح خلافته حتى يستأنف أهل الاختيار بيعته .. وإذا عهد الإمام إلى غائب هو مجهول الحياة فلم يصح عهده .. وإن كان معلوم الحياة كان موقوفا على قدومه .. فإن مات الإِمام المستخلف وولى العهد على غيبته استقدمه أهل الاختيار .. فإن بعدت غيبته، واستضر المسلمون بتأخير النظر في أمورهم استناب أهل الاختيار نائبا عنه يبايعونه بالنيابة دون الخلافة. فإذا قدم الخليفة الغائب انعزل المستخلف النائب .. وكان نظره قبل قدوم الخليفة ماضيا .. وبعد قدومه مردودًا .. ولو أراد ولى العهد قبل موت الخليفة أن يرد ما عهد به الله من ولاية العهد إلى غيره لم يجز لأن الخلافة لا تستقر له إلا بعد موت المستخلف .. وهكذا لو قال: جعلته ولى عهدى إذا أفضت الخلافة إلى لم يجز لأنه في الحال ليس خليفة فلم يصح عهده بالخلافة .. وإذا خلع الخليفة نفسه انتقلت الخلافة إلى ولى عهده وقام خلعه مقام موته .. ولو عهد الخليفة إلى اثنين لم يقدم أحدهما على الآخر جاز واختار أهل الاختيار أحدهما بعد موته كأهل الشورى فإن عمر - رضى الله عنه - جعلها في سنة .. حكى ابن إسحاق عن الزهرى عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: وجدت عمر ذات يوم مكروبا .. فقال: ما أدرى ما أصنع في هذا الأمر أقوم فيه وأقعد .. فقلت: هل لك في على؟. فقال: إنه لها لأهل ولكنه رجل فيه دعابة. وإنى لأراه تولى أمركم لجعلكم على طريقة من الحق تعرفونها .. قال: فقلت: فأين أنت من عثمان؟ فقال: لو فعلت لحمل ابن أبي معيط على رقاب الناس ثم لم تلتفت إليه العرب حتى تضرب عنقه .. والله لو فعلت لفعل .. ولو فعل لفعلوا .. قال: قلت لطلحة .. قال: إنه لزهو ما كان الله ليوليه امرأته محمد ﷺ مع ما يعلم من زهوه .. قال: فقلت: فالزبير؟. فقال: إنه لبطل .. ولكنه يسأل عن الصاع والمد بالبقيع بالسوق .. أنذاك يلى أمور المسلمين؟ قال: فقلت: سعد بن أبى وقاص .. قال: ليس هناك: إنه لصاحب مقتد يقاتل عليه .. فأما ولى أمر فلا .. قال: فقلت: فعبد الرحمن بن عوف؟ قال: نعم الرجل ذكرت .. لكنه ضعيف .. إنه والله لا يصلح لهذا الأمر يا ابن عباس إلّا القوى في غير عنف .. اللين من غير ضعف. والممسك من غير بخل .. والجواد في غير إسراف .. قال ابن عباس: فلما جرحه أبو لؤلؤة وآيس الطبيب من نفسه وقالوا له: أعهد جعلها شورى في ستة .. وقال: هذا الأمر إلى على وبإزائه الزير. وإلى عثمان وبإزائه عبد الرحمن بن عوف .. وإلى طلحة وبإزائه سعد بن أبى وقاص. فلما جاز الشورى بعد موت عمر - رضى الله عنه - .. قال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم .. فقال الزبير: جعلت أمرى إلى على .. وقال طلحة: جعلت أمرى إلى عثمان .. وقال

стр. 8232

سعد: جعلت أمرى إلى عبد الرحمن .. فصارت الشورى بعد الستة في هؤلاء الثلاثة وخرج منها أولئك الثلاثة .. فقال عبد الرحمن: أيكم يبرأ من هذا الأمر ونجعله إليه والله عليه شهيد ليحرص على صلاح الأمة .. فلم يجبه أحد. فقال عبد الرحمن: أتجعلونه إلى وأخرج نفسى منه .. والله على شهيد على أنى لا آلوكم نصحا .. فقالا: نعم .. فقال: قد فعلت .. فصارت الشورى بعد الستة في ثلاثة .. ثم بعد الثلاثة في اثنين على وعثمان .. ثم مضى عبد الرحمن يستعلم من الناس ما عندهم .. فلما أجنهم الليل استدعى المسور بن مخرمة وأشركه معه .. ثم حضر فأخذ على كل واحد منهما العهود أيهما بويع ليعلمن بكتاب الله وسنة نبيه .. ولئن بويع لغيره ليسمعن وليطيعن .... ثم بايع عثمان بن عفان .. فكانت الشورى التي دخل أهل الإمامة فيها وانعقد الإجماع عليها أصلا في انعقاد الإِمامة وفى انعقاد البيعة بعدد يتعين فيه الإِمامة لأحدهم باختيار أهل الحل والعقد .. فلا فرق بين أن نجعل شورى في اثنين أو أكثر إذا كانوا عددًا محصورًا .. ويستفاد منها أن لا نجعل الإِمامة بعده في غيرهم .. فإذا تعينت بالاختيار في أحدهم جاز لمن أفضت إليه الإِمامة أن يعهد بها إلى غيرهم .. وليس لأهل الاختيار إذا جعلها الإمام شورى في عدد أن يختار أحدهم في حياة المستخلف العاهد إلا أن يأذن لهم في تقديم الاختار في حياته لأنه بالإِمامة أحق .. فلم يجز أن يشارك فيها .. فإن خافوا انتشار الأمر بعد موته استأذنوه واختاروا إن أذن لهم .. فإن صار إلى حال إياس نظر .. فإن زال عنه أمره وغرب عنه رأيه فهى كحاله بعد الموت في جواز الاختيار .. وإن كان على تمييزه وصحة رأيه لم يكن لهم الاختيار إلا عن إذنه. حكى ابن إسحاق أن عمر - رضى الله عنه - لما دخل منزله مجروحًا سمع هذه فقال: ما شأن الناس؟ قالوا: يريدون الدخول عليك .. فأذن لهم .. فقالوا: أعهد يا أمير المؤمنين .. استخلف علينا عثمان. فقال: كيف بحب المال والجنة .. فخرجوا من عنده ثم سمع لهم هذه .. فقال: ما شأن الناس؟ .. قالوا: يريدون الدخول عليك .. فأذن لهم .. فقالوا: استخلف علينا على بن أبى طالب .. قال: إذن يحملكم على طريقة هي الحق .. قال عبد الله بن عمر: فاتكأت عليه عند ذلك، وقلت: يا أمير المؤمنين .. وما يمنعك منه؟ قال: يا بنى: أتحملها حيا وميتًا .. ويجوز للخليفة أن ينص على أهل الاختيار كما يجوز أن ينص على أهل العهد .. فلا يصح إلا اختيار من نص عليه كما لا يصح تقليدا إلا من عهد إليه لأنهما من حقوق خلافته. ولو عهد الخليفة إلى اثنين أو أكثر ورتب الخلافة فيهم .. فقال: الخليفة بعدى فلان .. فإن مات فالخليفة بعد موته فلان .. فإن مات .. فالخليفة بعده فلان جاز وكانت الخلافة متنقلة بين الثلاثة على ما رتبها .. فقد استخلف رسول الله ﷺ على جيش مؤته زيد بن حارثة .. وقال: فإن أصيب فجعفر بن أبى طالب .. فإن

стр. 8233

أصيب .. فعبد الله بن رواحة .. فإن أصيب .. فليرتض المسلمون رجلا .. فتقدم زيد .. فقتل .. فأخذ الراية جعفر وتقدم فقتل .. فأخذ الراية عبد الله بن رواحة فتقدم .. فقتل .. فاختار المسلمون بعده خالد بن الوليد .. وإذا فعل رسول الله ﷺ ذلك في الإِمارة جاز مثله في الخلافة .. فإن قيل هي عقد ولاية على صفة وشرط .. والولايات لا يقف عقدها على الشروط والصفات .. قيل هذا من المصالح العامة التي يتسع حكمها على أحكام العقود الخاصة .. فقد عمل بذلك في الدولتين من لم ينكر عليه أحد من علماء العصر .. هذا سليمان بن عبد الملك عهد إلى عمر بن عبد العزيز ثم بعده إلى يزيد بن عبد الملك .. ولئن لم يكن سليمان حجة فإقرار من عاصره من علماء التابعين ومن لا يخافون في الحق لومة لائم هو الحجة .. وقد رتبها الرشيد - رضى الله عنه - في ثلاثة من بنيه .. في الأمين ثم المأمون .. ثم المؤتمن عن مشورة من عاصروه من فضلاء العلماء .. فإذا عهد الخليفة إلى ثلاثة رتب الخلافة فيهم ومات والثلاثة أحياء كانت الخلافة بعد موته للأول ولو مات الأول في حياة الخليفة كانت الخلافة بعده للتالى .. ولو مات الأول والثانى في حياة الخليفة فالخلافة بعده للثالث لأنه قد استقر لكل واحد من الثلاثة بالعهد إليه حكم الخلافة بعده .. ولو مات الخليفة والثلاثة من أولياء عهده أحياء وأفضت الخلافة إلى الأول منهم فأراد أن يعهد بها إلى غير الاثنين مما يختاره لها .. فمن الفقهاء من منعه من ذلك حملا على مقتضى الترتيب إلا أن يستنزل عنها مستحقها طوعًا .. فقد عهد السفاح إلى المنصور - رضى اللّه عنهما - وجعل العهد بعده لعيسى بن موسى فأراد المنصور تقديم المهدى على عيسى فاستنزله عن العهد عفوًا لحقه فيه .. وفقهاء الوقت على توافر وتكاثر لم يروا له فسحة في صرفه عن ولاية العهد قسرا حتى استنزل واستطيب .. والظاهر من مذهب الشافعي ﵀ وما عليه جمهور الفقهاء أنه يجوز لمن أفضت إليه الخلافة من أولياء العهد أن يعهد بها إلى من شاء ويصرفها عمن كان مرتبا معه .. ويكون هذا الترتيب مقصورا على من يستحق الخلافة منهم بعد موت المستخلف. فإذا أفضت الخلافة منهم إلى أحدهم على مقتضى الترتيب صار أملك بها بعده في العهد بها إلى من شاء لأنه قد صار بإفضاء الخلافة إليه عام الولاية نافذ الأمر فكان حقه فيها أقوى وعهده بها أمضى .. وخالف هذا ما فعله رسول الله ﷺ من ترتيب أمرائه على جيش مؤته لأنه كان ورسول اللّه ﷺ في الحياة حتى تنتقل أمورهم إلى غيره وهذا يكون بعد انتقال الأمر بموته إلى غيره فافترق حكم العهد به. وأما استطابة المتضرر نفس عيسى بن موسى فإنما أراد به تألف أهله لأنه كان في صدر الدولة والعهد قريب والتكافؤ بينهم منتشر .. وفى أحشائهم نفور موهن ففعله سياسة وإن كان في الحكم سائغا ..

стр. 8234

فعلى هذا لو مات الأول من أولياء العهد الثلاثة بعد إفضاء الخلافة إليه ولم يعهد إلى غيرهما كان الثاني هو الخليفة بعده بالعهد الأول .. وقدم على الثالث اعتبارًا بحكم الترتيب فيه … ولو مات هذا الثاني قبل عهده صار الثالث هو الخليفة بعده لأن صحة عهد العاهد تقضى بثبوت حكمه في الثلاثة ما لم يجدد بعده عهدًا يخالفه فيصير العهد في الأول من الثلاثة حتما وفى الثاني والثالث موقوفًا لأنه لا يجوز أن يعدل عن الأول فاتحتم ويجوز أن يعدل على هذا المذهب عن الثاني والثالث فوقف .. ولو مات الأول من الثلاثة بعد إفضاء الخلافة إليه من غير أن يعهد إلى أحد .. فأراد أهل الاختيار أن يختاروا للخلافة غير الثاني لم يجز .. وكذلك لو مات الثاني بعد إفضاء الخلافة إليه لم يجز أن يختاروا لها غير الثالث وإن جاز أن يعهد بها الثاني إلى غير الثالث لأن العهد نص لا يستعمل الاختيار إلا مع عدمه .. ولكن لو قال الخليفة: العاهد: قد عهدت إلى فلان فإن مات بعد إفضاء الخلافة إليه .. فالخليفة بعده فلان لم تصح خلافة الثاني ولم ينعقد عهده بها لأنه لم يعهد إليه في الحال وإنما جعله ولى عهده بعد إفضاء الخلافة إلى الأول .. وقد يجوز أن يموت قبل إفضائها إليه فلا يكون عهد الثاني بها مبرما فلذلك بطل .. وجاز الأول بعد إفضاء الخلافة إليه أن يعهد بها إلى غيره .. وإن مات من غير عهد جاز لأهل الاختيار اختيار غيره .. ويرى ابن خلدون أن الأصل في انعقاد الإِمامة أن يكون باختيار أهل الحل والعقد .. إذ يقول في الفصل السادس والعشرين من مقدمته (١): "وإذا تقرر أن نصب الإمام واجب بإجماع الصحابة والتابعين .. فهو من فروض الكفاية وراجع إلى اختيار أهل الحل والعقد .. فيتعين عليهم نصبه .. ويجب على الخلق جميعا طاعته لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. وكذلك يرى ابن خلدون أن الإمامة تنعقد بالعهد والاستخلاف من الإمام القائم لشخص صالح لإمامية وتتوفر فيه الشروط المعتبرة شرعا إذ يقول في الكلام على ولاية العهد في الفصل الثلاثين من المقدمة (٢): "اعلم أنا قدمنا فالكلام في الإمامة ومشروعيتها لما فيه من المصلحة وأن حقيقتها للنظر في مصالح الأمة لدينهم ودنياهم فهو وليهم والأمين عليهم ينظر لهم ذلك في حياته ويتبع ذلك أن ينظر لهم بعد مماته .. ويقيم لهم من يتولى أمورهم كما كان هو يتولاها ويتقون بنظره لهم في ذلك كما وثقوا به فيما قبل. وقد عرف ذلك بإجماع الأمة على جوازه وانعقاده إذ وقع بعهد أبى بكر لعمر بن الخطاب - رضى الله عنهما - وبعهد عمر في الشورى إلى السنة وجعل لهم أن يختاروا للمسلمين .. هذه هي أقوال العلماء والمتكلمين فيما تنعقد به الإِمامة ويثبت حكمها للشخص .. وبالنظر في هذه الأقوال يتضح منها ما يأتى:

стр. 8235

أولًا: أن صاحب المقاصد العلامة السعد التفتازانى لم يعد من طرق انعقاد الإمامة طريق العهد والاستخلاف مع أنه طريق ثابت بإجماع الصحابة رضوان الله عليهم على صحة عهد أبى بكر لعمر - رضى الله عنهما - وإثبات إمامته بذلك والتزام طاعته .. ولم ينكر أحد ذلك ولا خرج عليه .. ويمكن الجواب بأنه لم يعبر في كلامه بما يفيد انحصار طرق انعقاد الإِمامة فيما ذكره بل عبر بما يدل على أنه ذكر بعض الطرق فقط إذ قال: بل لابد من أمر آخر به تنعقد الإمامة .. وهى طرق .. منها متفق عليه ومنها مختلف فيه .. وساق البيان في الأمرين .. على أن السعد لا يخالف اعتبار العهد طريقا لإنعقاد الإمامة .. فقد تحدث في أكثر من موضع عن عهد أَبى بكر - رضى الله عنهما - وإجماع الصحابة على صحته واعتباره شرعا .. وقد جعل ابن حزم طريق العهد على رأس الطرق وقال أنه أدلها وأفضلها وأصحها وهو في هذا يتسق مع رأيه في أن خلافة أبى بكر - رضى الله عنه - ثبتت بالاستخلاف من النبي ﷺ وأن النبي قد عهد إليه بالخلافة بعده بنص صريح على ما سيأتي بيانه .. ولم يشر ابن حزم فيما عده طرقا لانعقاد الإمامة إلى طريق البيعة والاختيار مع أنه متفق عليه ممن عدا الشيعة من الطوائف أهل السنة والمعتزلة والخوارج وبعض الزيدية ولم يحك أحد فيه خلافا إلا للشيعة القائلين بالنص بل أن السعد التفتازانى قال إن الإجماع قد انعقد على أن الاختيار والبيعة طريق لإِنعقاد الإمامة - لما اشتغل الصحابة بعد موت رسول الله ﷺ وبعد مقتل عثمان باختيار الإمام وعند البيعة له من غير نكير من أحد .. ومما يلفت النظر أن ابن حزم قال في ختام بيانه للطرق الثلاثة التي تنعقد بها الإمامة - وليس منها البيعة والاختيار (فبأحد هذه الوجوه تصح الإِمامة ولا تصح بغير هذه الوجوه البتة .. ثانيًا: قال القاضي أبو الحسن الماوردى في حديثه عن طرق انعقاد الإمامة (١) من الأحكام السلطانية: "فلو تفرد في الوقت بشروط الإمامة واحد ولم يشرك فيها غيره تعينت فيه الإِمامة ولم يجز أن يعدل بها عنه إلى غيره .. واختلف أهل العلم في ثبوت إمامته وانعقاد ولايته بغير عقد ولا اختيار .. فذهب فقهاء العراق إلى ثبوت ولايته وانعقاد إمامته وحمل الأمة على طاعته وإن لم يعقدها أهل الاختيار لأن مقصود الاختيار تمييز المولى وقد تميز هذا بصفته .. وذهب جمهور الفقهاء والمتكلمين إلى أن إمامته لا تنعقد إلا بالرضا والاختيار .. لكن يلزم أهل الاختيار عند الإمامة له. فإن اتفقوا أتموا لأن الإمامة عقد لا يتم إلا بعاقد .. وكالقضاء إذا لم يكن من يصلح له إلا واحد لم يصر قاضيا حتى يولاه .. ويقول السعد التفتازانى في شرح المقاصد في هذا الشأن: "اتفقت الأمة على أن الرجل لا يصير إماما بمجرد صلاحيته للإمامة واجتماع الشرائط المعتبرة شرعًا فيه، بل لابد من أمر آخر به تنعقد الإِمامة .. وهى طرق: منها متفق عليه. ومنها مختلف فيه". وعبارة السعد عامة تشمل ما إذا تفرد الشخص بالصلاحية دون غيره .. بل أنها

стр. 8236

لا تحمل إلا على ذلك لأنه لا يجيز تعدد الإِمام .. وهو كما ترى يحكى اتفاق الأمة على ضرورة العقد، ومما يلفت النظر ويستدعى الوقوف عنده عدد من تنعقد بهم البيعة من أهل الحل والعقد .. وقد رأينا من أقوال العلماء أنهم اختلفوا في ذلك اختلافا كبيرا إلى حد أن بعضهم قد ذهب إلى أنه يجب لإنعقاد الإمامة للشخص أن يبايعه جميع أهل الحل والعقد من المسلمين في جميع البلاد الإِسلامية والجهات التي يقيمون فيها مهما تباعدت أو تناءت .. واكتفى بعضهم بجمهور أهل الحل والعقد .. وعلق ابن حزم على ذلك بأنه تكليف ما لا يطاق .. وإيقاع للمسلمين في الحرج .. ويؤدى إلى تعطيل مصالح المسلمين بما يستدعيه من طول الزمن .. وذهب بعضهم إلى الاكتفاء بواحد من أهل الحل والعقد .. قيل بثلاثة وقيل بخمسة .. وهى أقوال بالرغم من أن أصحابها قد التمسوا عليها الأدلة من واقع التاريخ أو القياس على بعض العقود .. فإنه يكفى لعدم التعويل عليها أنها لا تغنى في مقام تمثيل الأمة والتعبير عن رأيها في اختيار حاكمها ووكيلها في إدارة شئونها شيئًا بل أن هذه الأعداد لا تمثل إلا رأى أصحابها .. وقد حاول ابن حزم أن يقيم دليلا من الإجماع في عهد الصحابة على أن الإِمامة تنعقد بواحد .. فقال أن أهل الشورى الذين عهد إليهم عمر باختيار الإِمام من بينهم قد تبرءوا من الاختيار وجعلوه إلى واحد منهم يختار لهم وللمسلمين من رآه أهلا للإمامة وهو عبد الرحمن بن عوف وما أنكر ذلك أحد من الصحابة الحاضرين ولا الغائبين إذ بلغهم ذلك فقد صح إجماعهم على أن الإِمامة تنعقد بواحد .. ولا يقال إن الجميع متفقون على اعتبار العهد والاستخلاف طريقا لإِنعقاد الإمامة وقام إجماع الصحابة على صحته .. وهو من شخص واحد وهو الإمام القائم، فكيف لا يعتبر رأى واحد أو ثلاثة أو خمسة في الاختيار والبيعة. لا يقال ذلك لأن الإمام القائم لا يعتبر وكيلا عن الأمة في التصرف في شئونها كما سيأتي: يعين الولاة والقضاة بولاية الأمة .. والأمة واثقة به ومفوضة إليه .. فهو حين يعهد يستحلف باسم الأمة وبولاية منها بخلاف من يختار ويبايع فليست لديه هذه الصفة .. .. وقد علق بعض الكاتبين على البيعة التي جرت في سقيفة بنى ساعدة لأبى بكر الصديق - رضى الله عنه - بأنها لم تكن ممثلة لرأى الأمة الإِسلامية كلها إذ لم يشارك فيها إلا أعداد قليلة من المسلمين لم يتجاوز أهل المدينة .. وربما كان بعض أهل مكة .. أما المسلمون جميعا في الجزيرة العربية كلها فلم يشاركوا في هذه البيعة ولم يشهدوها ولم يروا رأيهم فيها .. وإنما ورد عليهم الخبر بموت النبي ﷺ مع الخبر باستخلاف أبى بكر - رضى الله عنه - .. وهذا الأسلوب في اختيار الحاكم لا يعتبر معبرا عن إرادة الأمة حقا ولا يرتفع إلى أنظمة الأساليب الديمقراطية في اختيار الحكام .. لقد فتح هذا الأسلوب في اختيار الحاكم أبوابا للجدل فيه والخلاف عليه .. وهذه النظرة إلى البيعة نظرة من يرى أن الأسلوب الأمثل في أساليب النظم الديمقراطية هو الانتخاب المباشر الذي يكون الحق فيه مقررًا كحق لكل فرد متمتع بالحقوق السياسية والعامة

стр. 8237

من أفراد الأمة متساويًا فيه مع سائر أفراد الأمة .. ولم يفكر في أمر من الأساليب المعروفة والمقررة في النظم الديمقراطية تعيين رئيس الدولة وحاكمها بواسطة البرلمان المنتخب أو مجلس الشيوخ .. وأن هذا نوع من تمثيل الأمة والتعبير عن رأيها في اختيار الحاكم .. إذ أن أعضاء البرلمان هم ممثلو الأمة والمعبرون عن إرادتها .. في النظام الديمقراطى الآخذ بهذا الأسلوب .. والنظرة الإِسلامية تجعل اختيار الإِمام وبيعته لأهل الحل والعقد في الأمة وهم في نظرة هذا النظام ممثلوا الأمة والمعبرون عن إرادتها .. وسيأتى بيان من هم أهل الحل والعقد .. ويبقى الكلام في عدد من يلزم اشتراكهم في البيعة من أهل الحل والعقد لتكون البيعة صادرة منهم ومعبرة عن إرادتهم وبالتالى تكون معبرة عن إرادة الأمة، وتنعقد بها الإِمامة شرعا .. ولعل عبارة المحقق الكمال بن الهمام المتقى في المسايرة تلقى ضوء على هذا الموضوع وترشد إلى وجه الرأى فيه فقد قال: ويثبت عقد الإِمامة باستخلاف الخليفة إياه كما فعل أبو بكر - رضى الله عنه - باستخلاف عمر .. وأما ببيعة جماعة من العلماء أو جماعة من أهل الرأى والتدبر. وعند الأشعرى يكفى الواحد من العلماء المشهورين من أولى الرأى بشرط كونه بمشهد شهود لدفع الإِنكار إن وقع .. وشرط المعتزلة خمسة .. "وذكر بعض الحنفية اشتراط جماعة دون عدد مخصوص". هذه هي عبارة المسايرة .. وهى كما ترى تجعل الاختلاف والبيعة لأهل الحل والعقد الذين عبرت عنهم بالعلماء أو بأهل الرأى والتدبير على الخلاف في ذلك كما سيأتي: وقالت ببيعة جماعة من هؤلاء أو من أولئك دون تحديد عدد معين .. أي جماعة تمثلهم وتعبر عن إرادتهم .. والذي وقع في سقيفة بنى ساعدة في بيعة أبى بكر الصديق - رضى اللّه عنه - كان تطبيقا لهذا الرأى ونموذجا لهذا الاتجاه .. إذ كان في المجتمعين المهاجرون والأنصار من الصحابة رضوان الله عليهم جميعًا .. والمهاجرون والأنصار هم أكابر الصحابة والذين قال الله فيهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. أهل الحل والعقد: ولكن من هم أهل الحل والعقد؟ يعطى التعبير في وضوح أنهم هم الذين بيدهم الحل والعقد والإِبرام والنقد في شئون الأمة وأمورها ويمكن الاعتماد عليهم في تدبير مصالحها العامة المتعلقة بمصيرها في شئون السياسة والاقتصاد والاجتماع والمال والحرب والسلم ويميل كثيرون إلى أن أهل الحل والعقد هم أهل الشورى الذين أقر الشارع بمشاورتهم في أمور الأمة الهامة أو أولو الأمر الذين أشار اللّه تعالى إليهم وأوجب طاعتهم في قوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. وقد اختلف العلماء والمفسرون في تحديد المراد بأولى الأمر في الآية .. فقيل أنهم العلماء المجتهدون يستنبطون الأحكام ويفتون الناس ويقضون في خصوماتهم ويعالجون مشاكلهم الدينية فتجب طاعتهم فيما يقررون في ذلك .. وقيل هم الأمراء والأئمة يقومون بحفظ الدين وإقامة حدود الله وينفذون أحكام الشريعة ويسوسون الأمة بأحكام الدين

стр. 8238

ويلتزمون حدوده ومناهجه فتجب طاعتهم .. وقيل هم أولو الرأى والتدبير والنظر في الشئون المختلفة كل في تخصصه واتجاهه يبحثون ويرسمون المناهج والخطط في مجالات الإصلاح وميادين العمل .. فيجب طاعتهم .. وقيل هم هؤلاء جميعا .. أقوال وآراء .. وقد روى عن المغفور له الإِمام الشيخ محمد عبده أنه قال في تفسير هذه الآية كما جاء في تفسير المنار: "أن المراد بأولى الأمر هم جماعة أهل الحل والعقد من المسلمين وهم الأمراء والحكام والعلماء ورؤساء الجند وسائر الرؤساء والزعماء الذين يرجع إليهم الناس في الحاجات والمصالح العامة فهؤلاء إذا اتفقوا على أمر أو حكم يجب أن يطاعوا فيه بشرط أن يكونوا منا (من المسلمين). وأن لا يخالفوا كتاب الله ولا سنة رسول الله ﷺ عرفت بالتواتر. وأن يكونوا مختارين في بحثهم الأمر واتفاقهم عليه .. وأن يكون ما يتفقون عليه من المصالح العامة .. وهو ما لأولى الأمر سلطة فيه ووقوف عليه .. أما العبادات وما كان من قبيل الاعتقاد الدينى فلا يتعلق به أمر أهل الحل والعقد .. بل هو مما يؤخذ عن الله ورسوله فقط .. وليس لأحد رأى فيه إلا ما يكون في فهمه". .. ويقول المغفور له الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت في كتابه "من توجيهات الإسلام" (١) في بيان أهل الحل والعقد: "وليضمن الإِسلام تنفيذ أوامره - أمر أن تكون في الأمة جماعة دائمة تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر .. وهذه الجماعة غالبا ما تكون من أهل العلم والبصر بأمور الدين والدنيا ومن كل ذى رأى وخبرة في ناحية من نواحى الحياة .. وكل فرد من المسلمين يرى نفسه أهلا للقيام بذلك فحق عليه كالصلاة والزكاة والصيام والحج .. أن يدعو إلى الخير ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر .. والغرض من ذلك ضمان صلاح المسلمين في دينهم ودنياهم وتقويم المعوج من أمر هم .. وبهذا يتضامن أفراد الأمة جميعا في كفالة مصالحها ودفع الشر عنها، وكل فرد هذا شأنه مسئول عن صالح الأمة مسئولية تامة لا يخلصه منها إلا أداؤها واحتمال تبعاتها بصبر وأمانة .. ومن هذه المسئولية ينشأ التضامن الجماعى بين الأمة وتنشأ مسئولية الجماعة عن أمورها كافة وتحمل من تبعة فساد أمرها مثل ما يحمله الحاكم الذي جرى الفساد على يديه إن لم تكن مسئولياتها أكبر وأخطر. والاتجاه في الحديث عن أهل الشورى أو أهل الحل والعقد لا يختلف كثيرًا ويتلاقى في أن هذه أو تلك جماعة من أهل الرأى والتدبير والبصر بشئون الدين والدنيا تقوم إلى جانب الإِمام ويعتمد عليها في التوجيه ورسم مناهج الإِصلاح وخطط السير في مختلف نواحى الحياة بما تضمه من تخصصات ويتمثل فيها من اتجاهات .. وقد رأينا أن العلماء قد اشترطوا في الإِمام أن يكون من العلم والإطلاع في مرتبة الاجتهاد ليكون على رأس هذه الجماعة يتابع نشاطها ويوجه أعمالها وأبحاثها .. البيعة: ثم ما هي البيعة التي عبر عنها عمر بن الخطاب - رضى الله تعالى عنه - بقوله لأبى بكر الصديق - رضى الله تعالى عنه -: "أمدد يدك

стр. 8239

أبايعك" ووضع يده في يده ثم تابعه في ذلك بقية الصحابة الحاضرين في السقيفة والتي جرت على ألسنة العلماء والمؤلفين في هذا الباب واعتبروها طريقا لإِنعقاد الإمامة للشخص .. يقول العلامة ابن خلدون في الفصل التاسع والعشرين من مقدمته (١): "اعلم أن البيعة هي العهد على الطاعة كأن المبايع يعاهد أميره على أنه يسلم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين لا ينازعه في شئ من ذلك .. ويطيعه فيما يكلف به من الأمر على المنشط والمكره (أي فيما يحبه من الأمر وينشط إليه وفيما يكرهه من ذلك وبتكليف فيه) وكانوا إذا بايعوا الأمير وعقدوا عهده جعلوا أيديهم في يده تأكيدًا للعهد فاشتبه ذلك فعل البائع والمشترى فسمى بيعة مصدر باع .. وصارت البيعة مصافحة بالأيدى - وهذا مدلولها في عرف اللغة ومعهود الشرع .. وهو المراد في الحديث في بيعة النبي ﷺ ليلة العقبة وعند الشجرة وحيثما ورد هذا اللفظ. ومنه بيعة الخلفاء ومنه إيمان البيعة - كان الخلفاء يستحلفون على العهد ويستوعبون الأيمان كلها لذلك فسمى هذا الاستيعاب أيمان البيعة .. وكان الإِكراه فيها أكثر وأغلب .. ولهذا لما أفتى مالك - رضى الله عنه - بسقوط يمين الإكراه أنكرها الولاة عليه ورأوها قادحة في إيمان البيعة ووقع ما وقع من محنة الإِمام - رضى الله عنه - … وأمَّا البيعة المشهورة لهذا العهد فهى تحية الملوك الكسروية من تقبيل الأرض أو اليد أو الرجل أو الذيل .. أطلق عليها اسم البيعة التي هي العهد على الطاعة مجازًا لما كان هذا الخضوع في التحية والتزام الآداب من لوازم الطاعة وتوابعها وغلب فيه حتى صارت حقيقة عرفية واستغنى بها عن مصافحة أيدى الناس التي هي الحقيقة في الأصل لما في المصافحة لكل أحد من التنزل والابتذال المنافسين للرياسة وصون المنصب الملوكى إلا في الأقل ممن يقصد التواضع من الملوك فيأخذ به نفسه مع خواصه ومشاهير أهل الدين من رعيته فافهم معنى البيعة في العرف فإنه أكيد على الإنسان معرفته لما يلزمه من حق سلطانه وإمامه ولا تكون أفعاله عبثا ومجانا .. واعتبر ذلك من أفعالك مع الملوك .. والله القوى العزيز .. ويشير ابن خلدون بقوله: وهو المراد في الحديث في بيعة النبي ﷺ في ليلة العقبة وعند الشجرة - إلى بيعة العقبة وبيعة الشجرة .. أما بيعة العقبة فكانت ثلاثا .. الأولى وكانت مع نفر من الخزرج من أهل المدينة وفدوا إلى مكة في موسم الحج ولقيهم الرسول ﷺ وهو يعرض نفسه على القبائل وعرض عليهم الإسلام فأسلموا .. والثانية: كانت في العام التالى مع اثنى عشر رجلا من الخزرج والأوس قبل أن يشرع الحرب والقتال فبايعهم بيعة النساء الواردة في سورة الممتحنة .. والثالثة: وكانت في العام الذي يليه مع سبعين من الخزرج والأوس بايعوا النبي ﷺ على أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وأبناءهم ولهم الجنة .. ثم هاجر إليهم فيما بعد .. وقال المحب الطبرى: إن الظاهر أن العقبة التي تضاف إليها الجمرة بمنى والتي جعل رميها مع بقية الجمار من شعائر الحج وهى على يسار

стр. 8240

الطريق لقاصد منى (١). وأما بيعة الشجرة فهى بيعة الرضوان الذي نزل فيها قوله تعالى في سورة الفتح ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾. وكانت هذه البيعة في الحديبية على مقربة من مكة لما نزل بها المسلمون وجرت مفاوضات الصلح مع مشركى مكة وأشيع أنهم قتلوا عثمان بن عفان رسول النبي إليهم .. فعاهد النبي المسلمين على قتالهم .. وأناب عن عثمان في البيعة بوضع يده في اليد الأخرى .. والشجرة شجرة الطلح أمر عمر - رضى الله عنه - بقطعها لما رأى الناس يقصدون إليها ويصلون عندها وخاف عليهم الفتنة لقرب العهد بعبادة الأوثان .. وتشير الآية الكريمة وفعل الرسول ﵇ في تمثيل بيعة عثمان - رضى الله عنه - إلى التصافح بالأيدى عند البيعة وإنهاء العهد على الطاعة كما قال ابن خلدون: هذا مدلولها في عرف اللغة ومعهود الشرع. فالبيعة عهد وميثاق بين طرفين أشبه بما يكون بين البائع والمشترى - الخليفة فيها طرف .. والمسلمون الطرف الآخر والتصافح فيها بالأيدى - تأكيد للعهد وشد للميثاق - يعطى كل من الطرفين من نفسه لصاحبه ويأخذ منه لنفسه كما يعطى المشترى الثمن ويسلم البائع المبيع .. يعطى المسلمين من أنفسهم السمع والطاعة وإخلاص النصح والتقويم والمعاونة والتأييد .. ويعطى الإمام التزام السير في سياسة المسلمين على طريق الدين ونهجه وعلى مقتضى كتاب اللّه وسنة رسوله ﷺ والمحافظة على الدين وإقامة حدوده وتنفيذ أحكامه والنظر في المصالح العامة .. وتصبح البيعة بعد إتمامها قيدًا وثيقا في أعناق الطرفين لا يملكون الفكاك منه أو الرجوع فيه إلا لسبب طارئ يقتضيه .. ومن ثم اختلف الفقهاء فيما إذا عزل الإِمام نفسه بدون سبب هل ينعزل أو لا؟ والأظهر أنه لا ينعزل (٢). وقد روى أن أبا أبكر ﵁ لما ساءه أن تخالفه الزهراء بنت رسول الله ﷺ بعد تمام البيعة له قالت: لأدعون عليك عقب كل صلاة .. كان يطوف على الناس يطلب إليهم أن يقيلوه من بيعتهم في عنقه وأن يقيلهم من بيعته في عنقهم .. فلم يقبلوا ولم يعزل نفسه ولو جاز لفعل .. أما الصورة التي تحولت إليها البيعة في عهد الملوك المكسروية واستمرت حتى صارت البيعة حقيقة عرفية كما يقول ابن خلدون: فهى صورة تتنافى مع أوضاع الدين وأحكامه ولا تتلاءم مع الكرامة الإِسلامية والإنسانية .. ولاية العهد: أما ولاية العهد فيقول فيها ابن خلدون: اعلم إنا قدمنا الكلام في الإِمامة ومشروعيتها لما فيها من المصلحة وأن حقيقتها للنظر في مصالح الأمة لدينهم ودنياهم. فهو وليهم والأمين عليهم ينظر لهم ذلك في حياته ويتبع ذلك أن ينظره لهم بعد مماته ويقيم

стр. 8241

لهم من يتولى أمورهم كما كان هو يتولاها ويثقون بنظره لهم في ذلك كما وثقوا به فيما قبل .. وقد عرف ذلك من الشرع بإجماع الأمة على جوازه وانعقاده إذ وقع بعهد أبى بكر - رضى الله عنه - لعمر - رضى الله عنه - بمحضر من الصحابة وأجازوه .. وأوجبوا على أنفسهم به طاعة عمر - رضى الله عنه - وعنهم أجمعين .. وكذلك عهد عمر في الشورى إلى الستة بقية العشرة المبشرين بالجنة .. وجعل لهم أن يختاروا للمسلمين .. ففوض بعضهم إلى بعض حتى أفضى ذلك إلى عبد الرحمن بن عوف فاجتهد وناظر المسلمين فوجدهم متفقين على عثمان - رضى الله عنهما - فآثر عثمان بالبيعة على ذلك لموافقته إياه على لزوم الاقتداء بالشيخين في كل ما يعن دون اجتهاده .. فانعقد أمر عثمان لذلك .. وأوجبوا طاعته .. والملأ من الصحابة حاضرون للأولى والثانية ولم ينكره أحد منهم .. فدل على أنهم متفقون على صحة هذا العهد عارفون بمشروعيته .. والإِجماع حجة كما عرف .. ولا يُتَّهمْ الإمام في هذا الأمر وإن عهد إلى أبيه أو ابنه لأنه مأمون على النظر لهم في حياته فأولى أن لا يحتمل فيها تبعة بعد مماته خلافا لمن قال باتهامه في الولد والوالد أو لمن خصص التهمة بالولد دون الوالد - فإنه بعيد عن الظنة في ذلك كله لا سيما إذا كانت هناك داعية تدعو إليه من إيثار مصلحة أو توقى مفسدة فتنتفى الظنة في ذلك رأسًا .. كما وقع في عهد معاوية لابنه يزيد .. وإن كان فعل معاوية مع وفاق الناس له حجة في الباب .. والذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون من سواه إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع الناس واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل والعقد عليه حينئذ من بنى أمية يومئذ لا يرضون سواهم .. وهم عصابة قريش وأهل الملة أجمع وأهل القلب منهم فآثره بذلك دون غيره ممن يظن أنه أولى بها وعدل عن الفاضل إلى المفضول حرصًا على الاتفاق واجتماع الأهواء الذي شأنه أهم عند الشارع .. وإن كان لا يظن بمعاوية غير هذا .. فعدالته وصحبته مانعة من سوى ذلك .. وحضور أكابر الصحابة ذلك وسكوتهم عنه دليل على انتفاء الريب فيه فليسوا ممن يأخذهم في الحق هوادة وليس معاوية ممن تأخذه العزة في قبول الحق فإنهم كلهم أجل من ذلك وعدالتهم مانعة منه، وفرار عبد الله بن عمر من ذلك إنما هو محمول على تورعه من الدخول في شئ من الأمور مباحًا كان أو محظورًا كما هو معروف عنه .. ولم يبق في المخالفة لهذا العهد الذي اتفق عليه الجمهور إلا ابن الزبير .. وتدور المخالف معروف .. ثم أنه وقع مثل ذلك من بعد معاوية من الخلفاء الذين كانوا يتحرون الحق ويعملون به مثل عبد الملك وسليمان من بنى أمية. والسفاح والمنصور والمهدى والرشيد من بنى العباس وأمثالهم ممن عرفت عدالتهم وحسن رأيهم للمسلمين والنظر إليهم، ولا يعاب عليهم إيثار أبنائهم وأخواتهم وخروجهم عن سنن الخلفاء الأربعة في ذلك .. فشأنهم غير شأن أولئك الخلفاء فإنهم كانوا على حين لم تحدث طبيعة الملك وكان الوازع دينيا .. فعند كل أحد وازع من نفسه فعهدوا إلى من يرتضيه الدين فقط وآثره على غيره، ووكلوا كل من يسموا ذلك إلى وازعه ..

стр. 8242

وأما من بعدهم من لدن معاوية فكانت العصبية قد أشرفت على غايتها من الملك والوازع الدينى قد ضعف واحتيج إلى الوازع السلطانى والعُصْبَانى .. فلو عهد إلى غير من ترتضيه العصبية لردت ذلك العهد وانتقض أمره سريعا وصارت الجماعة إلى الفرقة والاختلاف … سأل رجل عليا ﵁: ما بال المسلمين اختلفوا عليك ولم يختلفوا على أبى بكر وعمر .. فقال على: لأن أبا بكر وعمر كانا واليين على مثلى وأنا اليوم وال على مثلك .. ويشير بذلك إلى وازع الدين .. أفلا ترى إلى المأمون لما عهد إلى على بن موسى بن جعفر الصادق وسماه الرضا .. وكيف أنكرت العباسية ذلك ونقضوا بيعته وبايعوا لعمه إبراهيم بن المصرى وظهر من الهرج والخلاف وانقطاع السبل وتعدد الثوار والخوارج ما كاد أن يصطلم الأمر (يقضى عليه) حتى بادر المأمون من خراسان إلى بغداد ورد أمرهم لمعاهده .. فلابد من اعتبار ذلك في العهد، فالعصور تختلف باختلاف ما يحدث فيها من الأمور والقبائل والعصبيات وتختلف باختلاف المصالح ولكل واحد منها حكم يخصه لطفا من الله لعباده .. وأما أن يكون العهد بالعهد حفظ التراث على الأبناء فليس من المقاصد الدينية إذ هو أمر من اللّه يخص به من يشاء من عباده وينبغى أن تحسَّن فيه النية ما أمكن خوفا من العبث بالمقاصد الدينية، والملك لله يؤتيه من يشاء .. وقد عرضت هنا أمور تدعو الضرورة إلى بيان الحق فيها. منها: ما حدث في يزيد بن معاوية من الفسق أيام خلافته .. فإياك أن تظن بمعاوية - رضى الله عنه - أنه علم ذلك من يزيد قبل العهد إليه فإنه أعدل من ذلك وأفضل. بل كان يعذله (يلومه) أيام حياته في سماع الغناء وينهاه عنه وهو أقل من ذلك وكانت مذاهبهم فيه مختلفة، ولما حدث في يزيد ما حدث من الفسق اختلف الصحابة حينئذ في شأنه. فمنهم من رأى الخروج عليه، ونقض بيعته من أجل ذلك كما فعل الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير - رضى الله عنهما - ومن اتبعهما في ذلك .. ومنهم من أباه لما فيه من إثارة الفتنة وكثرة القتل مع العجز عن الوفاء به لأن شوكة يزيد حينئذ هي عصابة بنى أمية وجمهور أهل الحل والعقد من قريش وتستتبع عصبية مضر أجمع وهى أعظم من كل شوكة ولا تطاق مقاومتهم فاقتصروا عن يزيد بسبب ذلك وأقاموا على الوفاء بهدايته والراحة منه .. وهذا كان شأن جمهور المسلمين والكل مجتهدون ولا ينكر على أحد من الفريقين فمقاصدهم في البر وتحرى الحق معروفة .. ونكتفى بهذا القدر مما ذكره ابن خلدون في ولاية العهد .. هل تنعقد الخلافة بالغلبة والقهر ؟ جاء في شرح المقاصد لسعد الدين التفتازانى (١) وتنعقد الإِمامة بطرق: الأول: بيعة أهل الحل والعقد. الثاني: استخلاف الإمام وعهده لشخص بالإمامة بعده. وإذا جعل الإِمام الأمر في شأن الإمامة شورى بين جماعة فهو بمنزلة

стр. 8243

الاستخلاف إلا أن الشخص المستخلف في هذه الحالة غير معين - فيتشاور أهل الشورى فيما بينهم ويتفقون على أحدههم - وإذا خلع الإمام نفسه لسبب يقتضيه كان كموته فينتقل الأمر إلى ولى العهد بعده. الثالث: القهر والاستيلاء .. فإذا مات الإمام وتصدى للإمامة من يستجمع شرائطها من غير بيعة ولا استخلاف وقهر الناس بشوكته .. انعقدت الخلافة له - وكذا إذا كان فاسقا أو جاهلا على الأظهر .. إلا أنه يكون عاصيا بما فعل .. ولا يعتبر الشخص إماما بنفرده بشروط الإمامة .. وتجب طاعة الإمام ما لم يخالف حكم الشرع سواء كان عادلًا أو جائرًا .. ولا يجوز نصب إمامين في وقت واحد على الأظهر .. وإذا ثبت الإمام بالقهر والغلبة .. ثم جاء آخر فقهره - انعزل وصار القاهر الثاني إمامًا .. وقال في موضع آخر عند حديثه عما ينعزل به الإمام: "ومن صار إماما بالقهر والغلبة ينعزل بأن يقهره آخر ويغلبه". وجاء في شرح الدر المختار على تنوير الأبصار .. وحاشية ابن عابدين على هذا الشرح: "وتصح سلطنة متغلب للضرورة" .. أي من تولى بالقهر والغلبة بلا مبايعة أهل الحل والعقد وإن استوفى الشروط المارة تصح إمامته للضرورة وتجب طاعته دفعا للفتنة ولقوله ﷺ : "اسمعوا وأطيعوا ولو أمر عليكم عبد حبشى أجدع" وأفاد هذا الكلام أن الأصل في الإمامة أن تكون بالتقليد قال في المسايرة للكمال بن الهمام: ويثبت عند الإمامة إما باستخلاف الخليفة القائم إياه كما فعل أبو بكر - رضى اللّه عنه - لما استخلف عمر - رضى الله عنه - .. وإما ببيعة جماعة من العلماء أو جماعة من أهل الرأى والتدبير .. وعند الأشعرى: يكفى الواحد من العلماء المشهورين من أولى الرأى بشرط كونه بمشهد شهود لدفع الإنكار إن وقع .. وشرط المعتزلة خمسة - وذكر بعض الحنفية اشتراط جماعة دون عدد مخصوص .. ويروى عن الإمام أحمد - رضى الله عنه - قوله: "وعن غلبهم - أي المسلمين - بالسيف صار خليفة. وسمى أمير المؤمنين. ولا يحل لأحد يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماما عليه - برًّا كان أو فاجرًا". ونقل عن القاضي ابن جماعة الدمشقى المتوفى سنة ١٣٣٣ م قوله: "وتنعقد الإمامة بطرق": الطريق الأول: البيعة من أهل الحل والعقد دون اشتراط عدد معين على الأظهر .. الطريق الثالث: استخلاف الإمام القائم وعهده لشخص بالإمامة بعده ومنه جعل الأمر في تعيين الإِمام شورى بين جماعة يتشاورون فيما بينهم ويتفقون على تعيين أحدهم. الطريق الثالث: الذي تنعقد به الإمامة فهو قهر صاحب الشوكة وغلبته. فإذا خلا الوقت من إمام فتصدى للإمامة من هو من أهلها وقهر الناس بشوكته وجنوده بغير بيعة أو استخلاف انعقدت إمامته ولزمت طاعته لينتظم شمل المسلمين وتجتمع كلمتهم .. ولا يقدح في ذلك كونه جاهلًا أو فاسقًا .. وإذا انعقدت الإمامة بالشوكة والغلبة لواحد .. ثم قام آخر فقهر الأول بشوكته وجنوده انعزل الأول وصار الثاني إمامًا لما قدمناه من مصلحة المسلمين وجمع كلمتهم .. ولذلك قال ابن عمر

стр. 8244

رضى اللّه عنه في أيام الحرة: "نحن مع من غلب". ويرى الفيلسوف ابن خلدون أن الإِمامة تنعقد لمن غلب بالشوكة والعصبية ومن ثم فإنه يرى أن انتقال الخلافة إلى الملك أمر طبيعى إذا كان الملك يستند دائما إلى العصبية التي هي القوة الغالبة في الحياة .. وأن خلافة الأمويين في الأعم الأغلب والعباسيين قامت على العصبية والتغلب والقهر بها. وانعقد الأمر لهم وقيل لهم الخلفاء وأمراء المؤمنين .. وقد عقد لذلك فصلا طويلا هو الفصل الثامن والعشرون في انقلاب الخلافة إلى الملك (١) بعد أن تحدث عن الخلافة بعد رسول الله ﷺ وسماتها وطابعها إلى نهاية عهد الخلفاء الراشدين: "ولما جاءت طبيعة الملك التي هي مقتضى العصبية كما قلنا وحصل التغلب والقهر كان حكم ذلك الملك عندهم حكم ذلك الرفه والاستكثار من الأموال فلم يصرفوا ذلك التغلب في باطل .. ولا خرجوا به عن مقاصد الديانة ومذاهب الحق .. ولما وقعت الفتنة بين على ومعاوية - رضى الله عنهما - وهى مقتضى العصبية كان طريقهم فيها الحق والاجتهاد .. ولم يكونوا في محاربتهم لغرض دنيوى أو لإيثار باطل أو لاستشعار حقد كما قد يتوهمه متوهم أو ينزع إليه ملحد .. وإنما اختلف اجتهادهم في الحق وسفه كل واحد منهما نظر صاحبه باجتهاده في الحق فاقتتلوا عليه وإن كان المصيب عليا فلم يكن معاوية قائما فيها بقصد الباطل .. إنما قصد الحق وأخطأ .. والكل كانوا في مقاصدهم على حق .. ثم اقتضت طبيعة الملك الانفراد بالمجد واستئثار الواحد به .. ولم يكن لمعاوية أن يدفع ذلك عن نفسه وقومه فهو أمر طبيعي ساقته العصبية بطبيعتها واستشعرته ومن لم يكن على طريقة معاوية في اقتضاء الحق بين أتباعهم فاعصوصبوا عليه واستماتوا دونه .. ولو حملهم معاوية على غير تلك الطريقة وخالفهم في الانفراد بالإِثم لوقع في افتراق الكلمة التي كان جمعها وتأليفها أهم عليه من أمر ليس وراءه كبير مخالفة. وقد كان عمر بن عبد العزيز ﵁ يقول: إذا رأى القاسم بن محمد بن أبى بكر: لو كان لى من الأمر شئ لوليته الخلافة. ولو أراد أن يعهد إليه لفعل .. ولكنه كان يخشى من بنى أمية أهل الحل والعقد فلا يقدر أن يحول الأمر عنهم لئلا تقع الفرقة وهذا كلمه إنما حمل عليه منازع الملك التي هي مقتضى العصبية .. وكذلك كان مروان بن الحكم وابنه وإن كانوا ملوكًا لم يكن مذهبهم في الملك مذهب أهل البطالة والبغى إنما كانوا متحرين لمقاصد الحق جهدهم .. ثم جاء خلفهم واستعملوا طبيعة الملك في أغراضهم الدنيوية ومقاصدهم. فكان ذلك مما دعا الناس إلى أن نعوا عليهم أفعالهم وأدالوا بالدعوة العباسية منهم وولى العباسيون الأمر فكانوا من العدالة بمكان وصرفوا الملك في دعوة الحق ومذاهبه ما استطاعوا حتى جاء بنو الرشيد فكان منهم الصالح والطالح .. ثم أفضى الأمر إلى بنيهم فأعطوا الملك والترف حقه .. فتأذن الله بحربهم وانتزاع الأمر من يد العرب جملة .. وأمكن سواهم .. والله لا يظلم مثقال ذرة ..

стр. 8245

فقد تبين أن الخلافة قد وجدت بدون الملك أولا .. ثم التبست معانيهما واختلطت ثم انفرد الملك حيث افترقت عصبيته من عصبية الخلافة والله مقدرًا الليل والنهار .. وهو الواحد القهار .. يقول ابن حزم في كتابه: الفصل في الملل والأهواء والنحل (١): فالواجب النظر في ذلك (فيما تنعقد به الإِمامة) على ما أوجبه الله تعالى في القرآن والسنة وإجماع المسلمين كما افترض علينا إذ يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. فوجدنا عقد الإمامة يصح بوجوه: الأول: وأفضلها وأصحها أن يعهد الإِمام الميت إلى إنسان يختاره إماما بعد موته وسواء فعل ذلك في صحته أو في مرضه وعند موته إذ لا نص ولا إجماع على المنع من أحد هذه الوجوه كما فعل رسول الله ﷺ بأبى بكر - رضى الله عنه - وكما فعل أبو بكر بعمر، وكما فعل سليمان بن عبد الملك بعمر بن عبد العزيز وهذا هو الوجه الذي نختاره ونكره غيره لما في هذا الوجه من اتصال الإِمامة وانتظام أمر الإِسلام وأهله ورفع ما يتخوف من الاختلاف والشغب مما يتوقع في غيره من بقاء الأمة فوضى ومن انتشار الأمر وارتفاع النفوس، وحدوث الأطماع. الثاني: إن مات الإمام ولم يعهد إلى أحد أن يبادر رجل مستحق للإمامة فيدعو إلى نفسه ولا منازع له ففرض أتباعه والانقياد لبيعته والتزام طاعته وإمامته كما فعل على إذ قتل عثمان - رضى اللّه عنهما -. الثالث: أن يصير الإمام عند اختيار خليفة المسلمين إلى رجل ثقة أَو إلى أكثر من واحد كما فعل عمر - رضى اللّه عنه - عند موته وليس عندنا في هذا الوجه إلا التسليم لما أجمع عليه المسلمون حينئذ - وليس في كلام ابن حزم ما يشير إلى اعتباره الغلبة والقهر طريقا لانعقاد الإِمامة .. ويتساءل البعض هنا .. إذا كان الفقهاء يعتبرون السيف والقوة والغلبة طريقا لانعقاد الخلافة ويرجعون على المسلمين التسليم والخضوع والطاعة لهذا المتغلب - فأين الدين إذن وأين سلطانه ومقرراته وأحكامه إذا كانت الخلافة تخضع لحكم القوة ولا تجد من الدين الذي قررها وقرر أحكامها معتصما تعتصم به وركنا تأوى إليه يحاذره ويرتد عنه كل ذى قوة وذى بطش يريد العبث .. وكيف يراد من مثل هذا المتغلب أن يخضع لحكم الدين في سيره وأحكامه؟ أنه لن ينزل إلا على حكم السيف والقوة والعصبية .. ويجاب بأن الفقهاء الذين اعتبروا الغلبة والقهر طريقا إنما أرادوا بذلك البعد عن وقوع المسلمين في فتنة قد تؤدى إلى فرقة وانقسام واختلاف وقد تؤدى إلى وقوع قتال وحرب بين المسلمين مما لا يعلم نتائجه إلا الله تعالى .. وقد صرح صاحب الدر المختار وابن عابدين بأن ذلك للضرورة وخوف الفتنة .. وساق حديث النبي ﷺ : "اسمعوا وأطيعوا ولو ولى عليكم عبد حبشى أجدع" وأشار إلى أن هذا طريق استثنائى أجيز انعقاد الخلافة به دفعا للفتنة والشر

стр. 8246

عن المسلمين وأن الأصل في انعقادها التقليد بالبيعة من أهل الحل والعقد أو الاستخلاف والعهد من الإمام القائم. وافترضوا في هذا المتغلب أنه أهل للخلافه ومستوف لشروطها. وإن كانوا اغتفروا أن يكون فاسقا أو جاهلا لأن البعض لا يرى اشتراط ذلك في الخليفة .. وقد أشار العلامة السعد التفتازانى في عبارته في المقاصد إلى ما ينعزل به الخليفة وقال: إن المتغلب بالقهر ينعزل إذا تغلب عليه متغلب آخر ويصير هذا المتغلب الآخر هو الخليقة - ولا شك أنه لو تغلبت عليه الأمة وقهرته ينعزل كذلك وتولى إماما بالطريق المقرر - وكلام السعد هذا يشير إلى أن للخليفة المتغلب بالقهر وضعا آخر .. وفى عبارة القاضي ابن جماعة التي نقلناها سابقا يعلل انعقاد إمامة المتغلب بالقهر والشوكة بقوله: "لينتظم شمل المسلمين وتجتمع كلمتهم" وقوله: "لما قدمناه من مصلحة المسلمين وجمع كلمتهم" أي أن العلة في ذلك اتقاء فتنة تفرق كلمة المسلمين وتمزق شملهم". ومن القواعد الشرعية التي استنبطها الفقهاء وأصبحت كالخبر المتواتر واتفق على اعتبارها أساسًا شرعيًا لبقاء الأحكام عليها قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات" وقاعدة "الضرر الأشد يدفع بالضرر الأخف". والمفروض أن الوضع في إمامة المتغلب بالقهر والشوكة .. أن لهذا المتغلب شوكة وقوة وعصبية تقف وراءه وتقاتل دونه فليس فيما ذهب إليه الفقهاء من اعتبار خلافة المتغلب والتزامها خروج بالخلافة عن طبيعتها ومكانها في الدين إلى مجال الأوضاع المدنية والنظم السياسية التي أخذت بها الأمم في رياسات الدولة بعيدًا عن مجال الدين وجانب الشرعية .. وليس فيه ما يصلح عذرًا للفرار بالخلافة عن وضعها الشرعى الحقيقى .. هل نص رسول الله ﷺ على إمام بعده ؟ جاء في شرح المقاصد لسعد الدين التفتازانى (١): ذهب جمهور أصحابنا والمعتزلة والخوارج إلى أن النبى ﷺ لم ينص على إمام بعده مطلقا .. وقيل نص على أبى بكر - رضى اللّه عنه - .. فقال الحسن البصرى نصا خفيا وهو تقديمه إياه في الصلاة .. وقال بعض أصحاب الحديث نصا جليًا وهو ما روى أنه ﷺ قال: ائتونى بدواة وقرطاس أكتب لأبى بكر كتابا لا يختلف فيه اثنان .. ثم قال: يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر .. وقيل: نص على عليّ ﵁ وهو مذهب الشيعة .. أما النص الخفى وهو الذي لا يعلم المراد منه بالضرورة فباتفاق الشيعة الإمامية والزيدية .. وأما النص الجلى عند الإمامية دون الزيدية وهو قوله ﷺ : سلموا عليه بأمرة المؤمنين .. وقوله ﷺ مشيرا إلى على وآخذا بيده: هذا خليفتى فيكم من بعدى فاسمعوا له وأطيعوا له .. وقوله: أنت الخليفة من بعدى .. وقوله وقد جمع بنى عبد المطلب: أيكم يبايعنى ويوازرنى يكن أخى ووصى وخليفتى من بعدى فبايعه على ﵁ ثم استدل أهل الحق بطريقين:

стр. 8247

الطريق الأول: أنه لو كان نص جلى ظاهر المراد في مثل هذا الأمر الخطير المتعلق بمصالح الدين والدنيا لعامة الخلق لتواتر واشتهر فيما بين الصحابة وظهر لدى أجلتهم الذين لهم زيادة قرب النبي ﷺ واختصاص بهذا الأمر بحكم العادة واللازم منتف .. وإلا لم يتوقفوا عن الانقياد لهذا النص والعمل بموجبه ولم يترددوا حين اجتمعوا في سقيفة بنى ساعدة لتعيين الإمام ولم يقل الأنصار منا أمير ومنكم أمير .. ولم تمل طائفة إلى أبى بكر ﵁ وأخرى إلى على ﵁ .. وأخرى إلي العباس ﵁ .. ولم يقل عمر - رضى الله عنه - لأبى عبيدة ﵁ أمدد يدك أبايعك .. ولما ترك المنصوص عليه محاجة القوم ومخاصتهم وإدعاء الأمر له والتمسك بالنص عليه … فإن قيل: علموا ذلك وكتموه لأغراض لهم في ذلك كحب الرياسة والحقد على عليٍّ - رضى اللّه عنه - لقتله أقرباءهم وعشائرهم في حرب المسلمين مع الكفار وحسدهم إياه على ما له من المناقب ولكمالات وشدة الاختصاص بالنبى ﷺ وأظنهم أن النص قد لحقه النسخ لما رأوا ترك كبار الصحابة العمل به إلى غير ذلك وترك على - رضى اللّه عنه - المحاجة به تقية وخوفا من الأعداء وقلة وثوق بقبول الجماعة .. قلنا: من كان له حظ من الديانة والإِنصاف علم قطعا براءة أصحاب رسول الله ﷺ وجلالة أقدارهم عن مخالفة أمره في مثل هذا الخطب الجليل ومتابعة الهوى وترك الدليل واتباع خطوات الشيطان والضلال عن سواء السبيل .. وكيف يظن بجماعة - رضى اللّه عنهم - وآثرهم الله لصحبة رسوله ﷺ ونصرة دينه ووصفهم بكونهم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر .. وقد تواتر منهم الإعراض عن متاع الدنيا وطيباتها وزخارفها ومستلزماتها والإقبال على بذل مهجهم وذخائرهم ونقل أقاربهم وعشائرهم في نصرة رسول اللّه ﷺ وإقامة شريعته وإنقياد أمل واتباع طريقته .. كيف يظن بهؤلاء أنهم خالفوه قبل أن يدفنوه وتركوا هداهم واتبعوا هواهم وعدلوا عن الحق الصحيح إلى الباطن الصريح وخذلوا مستحقا من بنى هاشم، وخاص ذوى القربى، إلى غاصب من بنى تميم أو عدى بن كعب .. وأن مثل على - رضى اللّه عنه - مع صلابته في الدين وبساطته وشدة شكيمته وقوة عزيمته وعلو شأنه وكثرة أعوانه وكون أكثر المهاجرين والأنصار والرؤساء الكبار معه قد ترك حقه وسلم الأمر لمن لا يستحقه من شيخ من بنى تميم ضعيف الحال عديم المال قليل الأتباع والأشياع .. ولم يقم بأمره وطلب حقه كما قام به حين أفضت النوبة إليه وقاتل من نازعه بكلتا يديه حتى فنى الخلق الكثير والجم الغفير .. وآثر على التقية الحمية في الدين والعصبية للإسلام والمسلمين مع أن الخطب إذ ذاك أشد .. والخصم ألد .. وفى أول الأمر قلوب القوم أرق وجانبهم أسهل وآراؤهم إلى اتباع الحق واجتناب الباطل أميل .. وعهدهم بالنبى ﷺ أقوى وهممهم في تنفيذ أحكامه أرغب .. ومن ادعى النص الجلى فقد طعن في كبار المهاجرين والأنصار عامة بمخالفة الحق وكتمانه وفى على - رضى الله عنه - خاصة بإتباع الباطل وإذعانه .. بل في النبي ﷺ حيث اتخذ القوم

стр. 8248

أحبابا وأصحابا وأعوانا وأنصارا وأختانا وأصهارا مع علمه بحالهم في ابتدائهم ومآلهم .. بل في كتاب الله تعالى حيث أثنى عليهم وجعلهم خير أمة ووصفهم بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر .. ومن مكابرات الروافض ادعاؤهم تواتر هذا النص قرنا بعد قرن مع أنه لم يشتهر فيما بين الصحابة والتابعين .. ولم يثبت ممن يوثق به من المحدثين مع شدة ميلهم إلى أمير المؤمنين ونقلهم الأحاديث الكثيرة في مناقبه وكمالاته في أمر الدنيا والدين .. ولم ينقل عنه ﵁ في خطبه ورسائله ومفاخره إشارة إلى ذلك وابن جرير الطبرى مع اتهامه بالتشيع لم يذكر في روايته قصة الدار الزيادة التي يدعيها الشيعة .. وهى قوله ﷺ أنه خليفتى فيكم من بعدى .. الطريق الثاني: روايات وأمارات ربما تفيد باجتماعها القطع بعدم النص من الرسول على إمام بعده .. وهى كثيرة لقول العباس لعلى - رضى الله عنهما -: أمدد يدك أبايعك .. فيقول الناس: هذا عم رسول الله ﷺ بايع ابن عمه فلا يختلف عليك اثنان .. وقول عمر - رضى الله عنه - لأبى عبيدة - رضى الله عنه -: أمدد يدك أبايعك .. وقول أبى بكر ﵁ في السقيفة: بايعوا عمر أو أبا عبيدة .. وقوله: وددت أنى سألت النبى ﷺ عن هذا الأمر فيمن هو ركنا لا ننازعه .. وكدخول على - رضى الله عنه - في الشورى .. فإنه رضاء منه بإمامة أيهم كان .. وقد احتج المخالف بأنه يستحيل عادة من النبي ﷺ أن يهمل مثل هذا الأمر الجليل وقد بين ما هو بالنسبة إليه أقل من القليل .. والجواب أن ترك النص الجلى على واحد بالتعيين ليس إهمالا .. بل تفويض معرفة الأحق الأليق إلى آراء أولى الألباب واختيار أهل الحل والعقد من الأصحاب وأنظار ذوى البصيرة بمصالح الأمور وتدبير سياسة الجمهور مع التنبيه على ذلك بخفيف الإِشارة ولطيف العبارة - نوع بيان لا يخفى حسنة على أهل العرفان .. وجاء في الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم الظاهرى (١): قد اختلف الناس في الإِمامة بعد رسول الله ﷺ : هل استخلف إماما بعده أو لا؟ .. فقالت طائفة: أن النبى ﷺ لم يستخلف أحدًا ثم اختلفوا فقال بعضهم: لكن لما استخلف أبا بكر ﵁ في الصلاة في مرضه كان ذلك دليلا على أنه أولاهم بالإِمامة والخلافة على الأمور .. وقال بعضهم: لا. ولكن كان أبينهم فضلا فقدموه لذلك .. وقالت طائفة: بل نص رسول الله ﷺ على استخلاف أبى بكر بعده على أمور الناس نصا جليا .. قال أبو محمد: وبهذا نقول البراهين: أحدها: أطباق الناس كلهم وهم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ فقد أطبق هؤلاء الذين شهد اللّه لهم بالصدق وجميع إخوانهم من الأنصار - رضى اللّه عنهم - على أن سموه خليفة رسول الله ﷺ . ومعنى الخليفة في اللغة هو الذي يستخلفه لا الذي يخلفه دون أن يستخلفه هؤلاء يجوز غير هذا البتة في اللغة بلا خلاف: نقول: استخلف

стр. 8249

فلان فلانا يستخلفه فهو خليفته ومستخلفه .. فإن قام مكانه دون أن يستخلفه هولم يقل إلا خلف فلان فلانا يخلفه فهو خالف .. ولا يقال: احتمل أن يتصدوا بذلك الاستخلاف على الصلاة لوجهين ضرورين: الأول: أنه لا يستحق أبو بكر هذا الاسم على الإِطلاق في حياة الرسول ﷺ وهو حينئذ خليفته على الصلاة فصح يقينا أن خلافته المسمى بها هي غير خلافته على الصلاة .. الثاني: أن كل من استخلفه رسول الله ﷺ فى حياته كعلى في غزوة تبوك وابن مكتوم في غزوة الخندق، وعثمان بن عفان في غزوة ذات الرقاع وسائر من استخلفهم على البلاد باليمن والبحرين والطائف وغيرها - لم يستحق أحد منهم قط بلا خلاف من أحد من الأمة أن يسمى خليفة رسول الله ﷺ على الإِطلاق .. فصح يقينا بالضرورة التي لا محيد عنها أنها للخلافة بعده على أمته ومن الممتنع أن يجتمعوا على ذلك وهو ﵊ لم يستخلفه نصا .. ولو لم يكن هاهنا إلا استخلافه إياه على الصلاة ما كان أبو بكر أولى بهذه التسمية من غيره ممن ذكرنا .. وهذا برهان ضرورى نعارض به جميع الخصوم .. وأيضا فإن الرواية قد صحت بأن امرأة قالت: يا رسول الله! أرأيت إن رجعت ولم أجدك كأنها تريد الموت .. فقال لها: إئتِ أبا بكر .. وهذا نص جلى على استخلاف أبى بكر وأيضًا فإن الخبر قد جاء من الطرق الثابتة أن رسول الله ﷺ قال لعائشة - رضى الله عنها - في مرضه الذي توفى فيه ﵇: لقد هممت أن أبعث إلى أبيك وأخيك فأكتب كتابا وأعهد عهدا كليلا .. يقول قائل: أنا أحق .. أو يتمن متمن .. وبأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر .. وروى أيضا: ويأبى الله والنبيون إلا أبا بكر .. فهذا نص جلى على استخلافه ﷺ أبا بكر ﵁ على ولاية الأمة بعده. قال أبو محمد: ولو أننا نستجيز التدليس والأمر الذي لو ظفر به خصومنا لطاروا به فرحا أو أبلسوا أسفا لاحتججنا بما روى .. اقتدوا بالذين من بعدى أبى بكر وعمر لكنه لم يصح ويعيذنا الله من الاحتجاج بما لا يصح .. قال أبو محمد: واحتج من قال: لم يستخلف رسول الله ﷺ أحدًا بعده على الإمامة بالخبر المأثور عن عبد اللّه بن عمر عن أبيه أنه قال عندما طعنه أبو لؤلؤة وطلب منه المسلمون أن يستخلف عليهم: أن استخلف فقد استخلف من هو خير منى يعنى أبا بكر .. وإن لا استخلف فلم يستخلف من هو خير مني .. يعنى: رسول اللّه ﷺ .. وبما روى عن عائشة: أمن كان رسول الله ﷺ مستخلفا لو استخلف .. فمن المحال أن يعارض الإِجماع الذي ذكرنا والأثران الصحيحان المسندان إلى رسول الله ﷺ من لفظه يمثل هذين الأثرين الموقوفين على عمر وعائشة - رضى الله عنهما - مما لا يقوم به حجة وما ليس له وجه ظاهر من أن هذا الأثر خفى على عمر - رضى الله عنه - كما خفى عليه كثير من أمر رسول الله ﷺ كالاستئذان وغيره .. أو أنه أراد استخلافا مكتوبا .. ونحن نقر أن استخلاف أبى بكر لم يكن بكتاب مكتوب .. وأما الخبر في ذلك عن عائشة. فكذلك نصا .. وقد يخرج كلامها على سؤال سائل .. وإنما الحجة في روايتها لا في قولها .. وأما من ادعى أنه إنما قدم أبو بكر قياسًا على

стр. 8250

تقديمه في الصلاة فباطل بيقين لأنه ليس كل من استحق الإمامة في الصلاة يستحق الإمامة في الخلافة .. إذ يستحق الإمامة في الصلاة أقرأ القوم وإن كان أعجميا أو عربيا ولا يستحق الخلافة إلا قرشى فكيف والقياس كله باطل .. وقد ناقش شيخ الإسلام ابن تيمية استدلال ابن حزم على استخلاف النبي ﷺ أبا بكر بعده بأن الخليفة من يستخلفه غيره لا من يخلف غيره وإن لم يستخلفه .. فقال في منهاج السنة (١): أن الخليفة إما أن يكون معناه أن يخلف غيره وإن كان لم يستخلفه كما هو المعروف في اللغة وهو قول الجمهور. وإما أن يكون معناه من استخلفه غيره كما قاله طائفة من أهل الظاهر والشيعة ونحوهم .. قالوا: والخليفة إنما يقال لمن استخلفه غيره فاعتقدوا أن الفعيل بمعنى المفعول فدل ذلك على أن النبي ﷺ استخلف على أمته والذين نازعوهم في هذه الحجة قالوا: الخليفة يقال لمن استخلفه غيره ولمن خلف غيره فهو فعيل بمعنى فاعل .. وأما ما استدل به ابن حزم من الأثرين اللذين ذكرهما .. فإن ما ذكره السعد التفتازانى في شرح المقاصد فيه الرد الواضح على ذلك .. وجاء في مقدمة ابن خلدون من الفصل الثامن والعشرين (٢): وهكذا كان شأن الصحابة رضى اللّه عنهم في رفض الملك وأحواله ونسيان عوائده حذرا من القياس بالباطل .. فلما كان رسول الله ﷺ في المرض الذي توفى فيه استخلف أبا بكر ﵁ على الصلاة إذ هي أهم أمور الذين .. وارتضاه الناس للخلافة .. وهى حمل الكافة على أحكام الشريعة ولم يجر للملك ذكر طائفة مظنة للباطل وتحله يومئذ لأهل الكفر وأعداء الدين … فقام بذلك أبو بكر ما شاء الله متبعا سنن النبي ﷺ وقاتل أهل الردة حتى اجتمع العرب على الإسلام .. ثم عهد إلى عمر بن الخطاب ﵁ فاقتفى أثره .. ثم صارت إلى عثمان بن عفان ثم على ﵄ والكل متبرءون من الملك متنكبون طريقه". وجاء فيها من الفصل الثلاثين (٣): "وأما شأن العهد مع النبي ﷺ وما تدعيه الشيعة من وصيته لعلى ﵁ فإنه أمر لم يصح .. ولا نقله أحد من أئمة النقل .. والذي وقع في الصحيح من طلب النبي ﷺ الدواة والقرطاس ليكتب الوصية وأن عمر منع من ذلك - دليل واضح على أنه لم يقع .. وكذا قول عمر ﵁ حين طُعن وسُئل في الدين فقال: إن أعهد فقد عهدت من هو خير منى يعنى أبا بكر ﵁ .. وإن أترك فقد ترك من هو خير منى يعنى النبي ﷺ وأنه لم يعهد .. وكذلك قول على للعباس - رضى اللّه عنهما - حين دعاه للدخول إلى النبي ﷺ يسألانه عن شأنهما في العهد .. فأبى على من ذلك وقال: إنه إن شئت منها فلا تطمع فيها آخر الدهر .. وهذا دليل على أن عليا علم أنه لم يوصى ولا عهد إلى أحد .. وشبهة الإمامة في ذلك إنما هي كون الإمامة عندهم من أركان الدين كما يزعمون وليس كذلك .. وإنما هي من المصالح العامة المفوضة إلى نظر الخلق .. ولو كانت من أركان الدين

стр. 8251

لكان شأنها شأن الصلاة ولكان يستخلف فيها كما استخلف أبو بكر في الصلاة ولكان يشتهر ذلك كما أشتهر أمر الصلاة .. واحتجاج الصحابه على خلافة أبى بكر بقياسها على الصلاة في قولهم: ارتضاه رسول الله ﷺ لديننا أفلا نرضاه لدنيانا؟ دليل على أن الوصية لم تقع ويدل على ذلك أيضا على أن أمر الإمامة والعهد بها لم يكن مهما كما هو اليوم .. وشأن العصبية المراعاة في الاجتماع والافتراق في مجارى العادة لم يكن يؤمئذ بذلك الاعتبار لأن أمر الدين الإسلامي كان كله بخوارق العادة من تأليف القلوب عليه واستماتة الناس دونه .. وذلك من أجل الأحوال التي كانوا يشاهدونها في حضور الملائكة لنصرهم وتردد خبر السماء بينهم وتجدد خطاب الله في كل حادثة تتلى عليهم فلم يُحتَج إلى مراعاه العصبية لما شمل الناس من صبغة الانقياد والإذعان وما يستفزهم من تتابع المعجزات الخارقة والأحوال الإلهية الواقعة والملائكة المترددة التي وجموا منها ودهشوا من تتابعها فكان أمر الخلافة والملك والعهد والعصبية وسائر هذه الأنواع مندرجا في ذلك القبيل كما وقع .. فلما انحسر ذلك المدد بذهاب تلك المعجزات ثم بفناء القرون الذين شاهدوها فاستحالت تلك الصبغة قليلا قليلا وذهبت الخوارق وصار الحكم للعادة كما كان فاعتبروا العصبية ومجارى العوائد فيما ينشأ عنها من المصالح والمفاسد وأصبح الملك والخلافة والعهد بهما مهمًا من المهمات الأكيدة كما زعموا ولم يكن ذلك من قبل .. فانظر كيف كانت الخلافة لعهد النبي ﷺ غير مهمة فلم يعهد فيها لأحد من بعده، ثم تدرجت الأهمية زمان الخلافة بعض الشئ بما دعت الضرورة إليه في الحماية والجهاد وشأن الردة والفتوحات فكانوا بالخيار في الفعل والترك كما ذكرناه عن - عمر رضى الله عنه - .. ثم صارت اليوم "عهد ابن خلدون" من أهم الأمور للألفة على الحماية والقيام بالمصالح فاعتبرت فيها العصبية التي هي سر الوازع عن الفرقة والتخاذل ومنشأ الاجتماع والتوافق الكفيل بمقاصد الشريعة وأحكامها. إمامة المفضول مع وجود الأفضل: جاء في شرح المقاصد للسعد التفتنازانى (١) في الكلام على شروط الشيعة الإمامية في الإمام .. ومنها أن يكون أفضل أهل زمانه لأن قبح تقديم المفضول على الأفضل في إقامة قوانين الشريعة وحفظ حوزة الإسلام معلوم للعقلاء .. ولا ترجيح في تقديم المساوى .. ونقل مثل ذلك عن الأشعرى حتى لا تنعقد إمامة المفضول مع وجود الأفضل لأن الأفضل أقرب إلى انقياد الناس له واجتماع الآراء على متابعته .. ولأن الإمامة خلافة عن النبي ﷺ فيجب أن يطلب لها من له رتبة أعلى قياسا على النبوة .. وأجيب بأن القبح بمعنى استحقاق تاركه الذم والعقاب عند الله ممنوع .. وبمعنى عدم ملاءمته بمجارى العقول والعادات غير مفيد مع أنه أيضا في حيز المنع إذ ربما يكون المفضول أقدر على القيام بمصالح الدين والملك .. ونصبه أوفق لانتظام حال الرعية .. وأوفق في اندفاع الفتنة .. وهذا بخلاف النبي ﷺ فإنه مبعوث من العليم الحكيم الذي يختار من يختار من عباده

стр. 8252

لنبوته ويوحى إليه مصالح الملك والملة. ويراه أهلا لتبليغ ما أوحى إليه بمشيئته فيدل ذلك قطعا على أفضليته وإليه الإِشارة بقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ .. وقد يحتج لجواز تقديم المفضول بوجوه: الأول: إجماع العلماء بعد الخلفاء الراشدين على انعقاد الإِمامة لبعض القرشيين مع أن فيهم من هو أفضل منه. الثاني: أن عمر - رضى الله عنه - جعل الإمامة شورى بين ستة من غير تكبر عليه مع أن فيهم عثمان وعليا وهما أفضل من غيرهما إجماعًا .. ولو وجب تعيين الأفضل بينهما. الثالث: أن الأفضلية أمر خفى قلما يطلع عليه أهل الحل والعقد .. وربما يقع فيه النزاع ويتشوش الأمر .. وإذا أنصفت فيتعين الأفضل متعسر في أقل فرقة من فرق الفاضلين فكيف في قريش مع كثرتهم وتفرقهم في الأطراف .. وأنت خبير بأن هذا وأمثاله على تقدير تمامه إنما يصلح لاحتجاج به على أهل الحق دون الروافض فإن الإِمام عندهم منصوب من قبل الحق لا من قبل الخلق .. وجاء في الفصل بين الملل والأهواء والنحل (١) الكلام في إمامة المفضول: قال أبو محمد: ذهبت طوائف من الخوارج وطوائف من المعتزلة، وطوائف من المرجئة منهم محمد بن الطيب الباقلانى ومن اتبعه وجميع الرافضة من الشيعة إلى أنه لا تجوز إمامة من يوجد في الناس من أفضل منه .. وذهبت طائفة من الخوارج وطائفة من المعتزلة وطائفة من المرجئة وجميع الزيدية من الشيعة وجميع أهل السنة إلى أن الإِمامة جائزة لمن غيره أفضل منه .. قال أبو محمد: وأما الرافضة فقالوا: إن الإِمامة لواحد معروف في العالم على ما ذكرنا من أقوالهم التي قد تقدم أفادنا لها والحمد لله رب العالمين .. وربما نعلم لمن قال: إن الإمامة لا تجوز إلا لأفضل من يوجد - حجة أصلا لا من قرآن ولا من سنة ولا من إجماع ولا من صحة عقل ولا من قياس ولا قول صاحب .. وما كان هكذا فهو أحق قول بالإِجماع .. وقد قال أبو بكر - رضى اللّه عنه - يوم السقيفة: قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين يعنى أبا عبيدة وعمر .. وأبو بكر خير منهما بلا شك .. فما قال أحد من المسلمين إنه قال من ذلك بما لا يحل في الدين .. ودعت الأنصار إلى بيعة سعد بن عبادة وفى المسلمين عدد كبير كلهم أفضل منه بلا شك. نصح بما ذكرنا إجماع جميع الصحابة رضوان الله عليهم على جواز إمامة المفضول .. ثم عهد عمر - رضى الله عنه - إلى ستة رجال ولابد أن بعضهم على بعض فضلا .. وقد أجمع أهل الإِسلام حينئذ على أنه إن بويع أحدهم فهو الإِمام الواجبة طاعته .. وفى هذا إطباق منهم على جواز إمامة المفضول ثم مات على - رضى اللّه عنه - فبويع ابنه الحسن ثم سلم الأمر إلى معاوية وفى بقايا الصحابة من هو أفضل منهما بلا خلاف ممن انفق من قبل الفتح وقاتل فكلهم أولهم عن آخرهم بايع معاوية ورأى إمامته .. وهذا إجماع متيقن بعد إجماع على جواز إمامة من غير أفضل بيقين

стр. 8253

لا شك فيه إلى أن حدث من لا وزن له عند الله تعالى فخرقوا الإِجماع بآرائهم الغابرة ونعوذ بالله من الخذلان .. قال أبو محمد: والعجب كله يجتمع قول الباقلانى: إنه لا تجوز الإِمامة من غيره من الناس أفضل منه .. وهو قد جوز النبوة والرسالة لمن غيره من الناس أفضل منه فإنه صرح فيما ذكره عنه صاحبه أبو جعفر السمنانى الأعمى قاضى الموصل بأنه جائز أن يكون في الأمة من هو أفضل من رسول الله ﷺ من حيث بعث إلى أن مات .. قال أبو محمد: ما في خذلان الله أحق من هاتين القضيتين لا سيما إذا اقترنتا .. فإن قال قائل: كيف يحتجون هنا بقول الأنصار - رضى الله عنهم - في دعائهم إلى سعد بن عبادة وهو عندكم خطأ وخلاف للنص من رسول الله ﷺ (على أبى بكر) وكيف تحتجون في هذا أيضا بقول أبى بكر - رضى الله عنه - .. رضيت لكم أحد هذين الرجلين وخلافة أبى بكر عندكم نص من رسول الله ﷺ فمن أين له أن يترك ما نص عليه رسول الله ﷺ ؟ قلنا إن فعل الأنصار - رضى الله عنهم - انتظم حكمين تقديم من ليس قرشيا وهذا خطأ وقد خالفهم فيه المهاجرون فسقطت هذه القضية .. والثانى جواز تقديم من غيره أفضل منه .. وهذا صواب وافقهم عليه أبو بكر وغيره فصار إجماعًا وليس خطأ من أخطأ في قول وخالفه فيه من أصاب الحق بموجب أن لا يحتج بصوابه الذي وافقه فيه أهل الحق وهذا ما لا خلاف فيه .. وأما ما أمر أبى بكر فإن الحق كان له بالنص وللمرء أن يترك حقه إذا رأى في تركه إصلاح ذات بين المسلمين .. ولا فرق بين عطية أعطاها رسول الله ﷺ وبين منزلة صيرها رسول الله ﷺ لإِنسان فكان له أن يتجافى عنها لغيره إذ لم يمنعه من ذلك نص ولا إجماع .. قال أبو محمد: برهان صحة قول من قال: إن الإمامة جائرة لمن غيره أفضل منه وبطلان قول من خالف ذلك أنه لا سبيل إلى أن يعرف الأفضل إلا بنص أو إجماع أو معجزة تظهر .. فالمعجزة ممتنعة ههنا بلا خلاف وكذلك الإِجماع وكذلك النص .. وبرهان آخر .. وهو أن الذي كلفوا به من معرفة الأفضل ممتنع في هذا الوقت لأن قريشا مفترقون في البلاد الإسلامية كلها من أقصى السند إلى أقصى الأندلسى إلى أقصى اليمين وصحارى البربر إلى أقصى أرمينية وأذربيجان وخراسان فيما بمن ذلك من البلاد .. فمعرفة أسمائهم ممتنعة فكيف معرفة أحوالهم فكيف معرفة أفضلهم .. وبرهان آخر .. وهو أن بالحس والمشاهدة ندرى أنه لا يدرى أحد فضل إنسان على غيره ممن بعد الصحابة - رضى الله عنهم - إلا بالظن .. والحكم بالظن لا يحل .. قال الله تعالى ذما لقوم: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣) أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى﴾ وقال تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ وقال رسول الله ﷺ : "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث" وأيضًا فإننا وجدنا الناس يتباينون في الفضائل فيكون الواحد أزهد .. ويكون الواحد أورع ويكون الآخر

стр. 8254

أسوس ويكون الرابع أشجع ويكون الخامس أعلم وقد يكونون متقاربين في التفاضل لا يبين التفاوت بينهم فبطل معرفة الأفضل وصح أن هذا القول فاسد وتكليف ما لا يطاق وإلزام ما لا يستطاع .. وهذا باطل لا يحل والحمد لله رب العالمين .. ثم قد وجدنا رسول الله ﷺ قد قلد النواحى وصرف التنفيذ لجميع الأحكام التي تنفذها الأئمة إلى قوم كان غيرهم بلا شك أفضل منهم .. فاستعمل على أعمال اليمن معاذ بن جبل وأما موسى وخالد بن الوليد .. وعلى عمان عمرو بن العاص وعلى نجران أبا سيفان وعلى مكة عتاب بن أسيد وعلى الطائف عثمان بن أبى العاص .. وعلى البحرين العلاء بن الحضرمى .. ولا خلاف في أن أبا بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير وعمار بن ياسر وسعد بن أبى وقاص وعبد الرحمن بن عوف وأبا عبيدة بن الجراح وعبد الله بن مسعود وبلالًا وأبا ذر أفضل ممن ذكرنا .. فصح يقينا أن الصفات التي يستحق بها الإمامة والخلافة ليس منها التقدم في الفضل. وأيضا فإن الفضائل كثيرة جدا .. منها الورع والزهد والعلم والشجاعة والسخاء والحلم والعفة والصبر والصرامة وغير ذلك .. ولا يوجد أحد يبين في جميعها. بل يكون بائنا في بعضها ومتأخرا في بعضها .. ففى أيها يراعى الفضل من لا يجيز إمامه المفضول .. فإن اقتصر على بعضها كان مدعيا بلا دليل .. وإن عم جميعها كلف من لا سبيل إلى وجوده أبدًا في أحد بعد رسول الله ﷺ .. فإذا لا شك فقد صح القول في إمامة المفضول .. وبطل قول من قال غير ذلك .. وجاء في كتاب الأحكام السلطانية للقاضى أبى الحسن الماوردى (١): فإن وقف الاختيار على واحد من اثنين فتنازعاها فقد قال بعض الفقهاء يكون تنازعهما قد حال منعهما ويعدل إلى غيرهما .. والذي عليه جمهور العلماء والفقهاء أن التنازع فيها لا يكون قدحًا مانعا .. وليس طلب الإمامة مكروها .. فقد تنازع فيها أهل الشورى فما رد عنها طالب ولا منع منها راغب .. واختلف العلماء فيما يقطع به تنازعهما مع تكافئ أحوالهما .. فقالت طائفة: يقرع بينهما .. وقال آخرون بل يكون أهل الاختيار بالخيار في بيعة أيهما شاءوا من غير قرعة فلو تعين لأهل الاختيار واحد هو أفضل الجماعة فبايعوه على الإمامة وحدث بعده من هو أفضل منه انعقدت ببيعتهم إمامة الأول ولم يجز العدول عنه إلى من هو أفضل منه .. ولو ابتدءوا بيعة المفضول مع وجود الأفضل نظر.، فإن كان ذلك لعذر دعى إليه من كون الأفضل غانيا أو مريضًا أو كون المفضول أطوع في الناس وأقرب في القلوب انعقدت بيعة المفضول وصحت إمامته .. "وإن بويع لغير عذر فقد اختلف في انعقاد بيعته وصحة إمامته" فذهبت طائفة منهم الجاحظ إلى أن بيعته لا تنعقد لأن الاختيار إذا دعى إلى أولى الأمرين لم يجز العدول عنه إلى غيره مما ليس بأولى كالاجتهاد في الأحكام الشرعية ..

стр. 8255

وقال الأكثرون من الفقهاء والمتكلمين تجوز إمامته وصحت بيعته ولا يكون وجود الأفضل مانعا من إمامة المفضول إذا لم يكن مقصرا عن شروط الإِمامة كما يجوز في ولاية القضاء تقليد المفضول مع وجود الأفضل لأن زيادة الفضل مبالغة في الاختيار وليست معتبرة في شروط الاستحقاق .. فلو تفرد في الوقت بشروط الإمامة واحد لم يشرك فيها غيره تعينت فيه الإِمامة ولم يجز أن يعدل بها عنه إلى غيره. وجاء في الملل والنحل للشهرستانى المطبوع على هامش الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم (١) الزيدية - اتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبى طالب ﵇ ساقوا الإِمامة في أولاد فاطمة بنت الرسول ﷺ ولم يجوزوا ثبوت إمامة في غيرهم إلا أنهم جوزوا أن يكون كل فاطمى عالم زاهد شجاع شجى خرج يدعو للإمامة يكون إمامًا واجب الطاعة سواء كان من أولاد الحسن أو من أولاد الحسين .. وزيد بن علي إمام الزيدية أخذ الفروع والأصول عن واصل بن عطاء رأس المعتزلة فاقتبس منه الاعتزال وصار أصحابه كلهم معتزلة .. وكان من مذهبه جواز إمامة المفضول مع قيام الأفضل فقال: كان على بن أبى طالب أفضل الصحابة .. إلا أن الخلافة فوضت إلى أبى بكر لمصلحة رأوها وقاعدة دينية راعوها من تسكين ثائرة الفتنة وتطبيب قلوب العامة فإن عهد الحروب التي جرت في أيام النبوة كان قريبا وسيف أمير المؤمنين على عليه السير من دماء المشركين من قريش لم يجف بعد والضغائن في صدور القوم من طلب الثأر كما هي فما كانت القلوب تميل إليه كل الميل ولا تنقاد له الرقاب كل الانقياد وكانت المصلحة أن يقوم بهذا الشأن من عرفوه باللين والتؤدة والسبق في الإسلام والقرب من رسول الله ﷺ .. وكذلك يجوز أن يكون المفضول إماما والأفضل قائم فيرجع إليه في الأحكام وبحكم محكمة في القضايا .. ولما سمعت سنية الكوفة هذه المقالة منه وعرفوا أنه لا يتبرأ عن الشيخين رفضوه حتى آتى عليه قدره فسميت رافضة لذلك .. وثم ينتظم أمر الزيدية بعد ذلك حتى ظهر بخراسان ناصر الأطروش ولما أريد قتله اختفى واعتزل إلى بلاد الديلم فدعى الناس هناك إلى الإِسلام على مذهب زيد إمام الزيدية فتابعوه وبقيت الزيدية ظاهرين هناك غير أنهم خالفوا إمامهم في مسائل الأصول ومال أكثرهم عن القول بإمامة الفضول مع وجود الأفضل .. وتفرعت منهم طائفة السليمانية إتباع سليمان بن جرير وكان يقول: إن الإمامة شورى بين الخلق ويضح أن تنعقد بعقد رجلين من خيار المسلمين وأنها تصح في المفضول مع وجود الأفضل .. وأثبت إمامة أبى بكر وعمر حقا اجتهاديا باختيار الأمة .. وتابعه على القول بجواز إمامة المفضول مع قيام الأفضل قوم من المعتزلة منهم صقر بن مبشر وجعفر بن حرب وكثير النوى وهو من أصحاب الحديث .. قالوا: الإمامة من مصالح الدين ليس يحتاج إليها لمعرفة أن الله تعالى وتوحيده فإن ذلك حاصل بالفعل لكن يحتاج إليها لإقامة الحدود والقضاء بين المتحاكمين وولاية اليتامى والأيامى وحفظ البيضة وإعلاء الكلمة ونصب القتال مع

стр. 8256

أعداء الدين وحتى يكون للمسلمين جماعة ولا يكون الأمر فوضى بين العامة فلا يشترط فيها أن يكون الإِمام أفضل الأمة علما وأقومهم رأيا وحكمة إذ الحاجة تنسد بقيام المفضول مع وجود الفاضل والأفضل .. ومالك جماعة من أهل السنة إلى ذلك حتى جوزوا أن يكون الإِمام غير مجتهد ولا خبير بمواقع الاجتهاد ولكن يجب أن يكون معه من يكون من أهل الاجتهاد ويراجعه في الأحكام ويستفتى منه في الحلال والحرام .. ذا رأى وبصر في الحوادث نافذ .. كما تنزع منهم طائفة الصالحية أصحاب الحسن بن صالح وقولهم في الإمامة كقول السليمانية .. قالوا: إن عليا أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ وأولاهم بالإمامة لكنه سلم الأمر لهم راضيا وفوض الأمر إليهم طائعا وترك حقه راغبا فنحن راضون بما رضى مسلمون لما سلم لا يحل لنا غير ذلك .. وهم الذين جوزوا إمامة المفضول وتأخير الفاضل والأفضل إذا كان الأفضل راضيا بعد ذلك وقالوا: من شهر سيفه من أولاد الحسن والحسين .. وكان عالما زاهدًا شجاعا فهو الإِمام وشرط بعضهم صباحة الوجه .. وفى أمامين وجد فيهما هذه الشرائط وشهرا سيفيهما بنظر إلى الأفضل .. فيم يخلف الخليفة رسول الله ؟! أشرنا فيما سبق إلى أن الإسلام دين وعقيدة يدعو الناس إلى ملكوت السموات والأرض ويجمعهم على عقيدة واحدة هي عقيدة التوحيد التي يهدف الإِسلام إلى أن يرتبط بها البشر أجمعين .. ويحيط بها أقطار الأرض كلها .. وأن يكونوا أمة واحدة تعبد إلها واحدًا لا شريك له وتعتصم بحبل الله المتين دون تفرق أو انقسام .. وهو أيضا شريعة تهدف إلى إقامة مجتمع إنسانى فاضل وترسم للناس في هذا المجتمع مناهج العمل في الحياة التي يعيشون فيها ويتعاملون معها .. وتضع لهم معالم واضحة على طريق سلوكهم وتعاملهم في هذه الحياة .. وتبين لهم ما يأتون وما يذرون في التعامل سواء مع الله تعالى في العقائد والعبادات المختلفة بأنواعها وأساليبها وأحكامها وطرق أدائها .. أو مع بعضهم البعض بما تضع من قيود على تصرفات الأفراد وما ترسم من حدود وأوضاع لا يجوز لهم أن يتجاوزوها ولا أن يخرجوا عنها في البيع والشراء والإِجارة والرهن والوصية والاستثمار والتجارة وسائر المعاملات والعقود والشئون المدنية وفى الزواج والطلاق وشئون الأسرة في إقامتها وصيانة بنائها وتنظيم علاقات أفرادها .. وفى مجال الاجتماع والأخلاق والتعاون واحترام حقوق الآخرين وأداء ما لهم من حقوق .. والامتناع عما يخدش شعورهن وشعور المجتمع والتزام السلوك الذي لا يؤذى الآخرين أو يصيب مصالحهم بضرر .. وفى تنظيم علاقات المجتمع الإِسلامى بغيره من المجتمعات في أوقات الحرب والسلم وإقامة الصلات معهم على أسس تكفل تحقيق المصالح وتوفير الثقة والأمان للجميع .. والمجتمع كما أشرنا - هو المجال الحقيقى والعملى الذي يتحرك فيه الإسلام بعقيدته وشريعته فيهذب ويصلح ويبنى وينظم وتظهر آثاره وتتكشف تعاليمه وتتحقق ثماره وأهدافه .. وكلما كبر هذا المجتمع وعظم كيانه المادى والمعنوى واتسعت دائرته كلما كانت حركة الإسلام فيه وعمله معه أكفل بتحقيق أهدافه

стр. 8257

وأثاره لخير المجتمع وصالحه .. وإذا كان من أهداف الإِسلام أن يقيم المجتمع الإسلامي الفاضل المتكامل القوى البناء .. فإنه لابد أن يضع لهذا المجتمع السياسة الحكيمة التي تنظمه وتكفل له أن يبقى في الحياة سليما معافى من دواعى التفكك والإِنحلال .. ولقد كان النبي ﷺ سيد هذا المجتمع وقائده ومدبر أموره وصانع سياسته في شئون الدين والدنيا وفي الجانبين المادى والروحى بتوجيه من العناية الإِلهية التي صنعته واختارته للرسالة .. وفى فيض من نور السماء .. وعلى هدى من أحكام الدستور الخالد المنزل عليه من عند الله العزيز الحكيم .. يقيم لهم دينهم الذي جاء به ورضيه الله لهم .. ويدبر لهم شئون دنياهم التي يتغلبون فيها ويتعاملون معها .. يبلغهم ما أنزل إليه من ربه ويبين ما في هذا التنزيل ويفصله تفصيلا بقوله وفعله … ويقيم الدعوة إلى الله .. ويرسم مناهجها ويحميها ويؤمن طريقها ويقوم على التنفيذ والتدبير يأمر بالجهاد ويقيم الجيش ويعد له العدة ويقود المجاهدين بنفسه وبمن يختاره ويرسم الخطط الكفيلة بتحقيق النصر .. يأخذ الزكاة ومقررات الأموال كما أمر الله ويصرف ما جمع في مصارفه ووجوهه كما بين الله يقضى بين الناس ويعالج مشاكلهم وأحداثهم ويقيم عليهم الحدود والتعازير فيما ارتكبوا من مآثم واجترحوا من سيئات، ويرسل الولاة والعمال لتدبير شئون المسلمين وتعليمهم أحكام الدين وإمامتهم والقضاء بينهم والتنفيذ عليهم .. فكانت لهم عامة السلطة الدينية والدنيوية بالتبليغ والبيان والتشريع والإِلزام والتنفيذ وتدبير الأمور وعلاج شئون الحياة في جوانبها وأحوالها المختلفة .. وكانت له الولاية العامة على المسلمين ولاية منشئوها إيمان القلب إيمانا عميقًا وخضوعه خضوعا كاملا وفيضان الروح بالإخلاص لله ورسوله ومحبة الله ورسوله والتعلق بهما وإيثارهما على الحياة كلها بما فيها ومن فيها .. قال الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ وقال: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ والسلطتان ممتزجتان مستمدتان من الله تعالى الذي صنعه على عينه واختاره للرسالة وأمره بالتبليغ والبيان وجعل له وعليه التطبيق والتنفيذ واجب على المسلمين الإيمان به والعمل بما جاءهم به والطاعة والخضوع له .. فكان بهذا كله إلى جانب أنه نبى مرسل - شرعا وملزما ومنفذا وواجب الطاعة والخضوع .. وكان زعيما وحاكما وقائدا وسياسيًا يسوس الناس بأحكام الله ويدبر شئونهم ومصالحهم على مقتضى شريعة الله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾. ففى أي جانب مما ذكرنا يخلف الخليفة رسول الله ﷺ ومن أين يستمد الخليفة سلطته فيما يخلفه فيه؟.

стр. 8258

لا يمكن أن يكون أبو بكر الصديق ﵁ وهو أول خليفة لرسول الله ﷺ على المسلمين بعد وفاته - قد خلف النبي ﷺ فيما كان له من سلطان روحى وولاية خالصة على المسلمين أمده الله بهما وفرض على المسلمين الخضوع والتسليم والإذعان بملئ القلب في ذلك وأشار إليه سبحانه بقوله: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ .. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ .. ولا يمكن أن يخلف خليفة رسول الله في شئون التشريع وتقرير أحكام الدين والشريعة عن طريق الوحى .. فقد انتهت الرسالة وانقطع الوحى بوفاة الرسول ﷺ .. ولم يبق لأحد كائنا من كان أن يدعى الاتصال بالسماء أو يتعرف حكم الدين من الوحى أو الإلهام أو عن طريق غيبى مهما كان نوعه أو تصوره أو أنه يعالج شئون الحكم في مجتمع المسملين بقوة روحية أيا كان مصدرها وإنما خلف أبو بكر وخلف الخلفاء رسول الله ﷺ فى سلطانه المادى الذي كان له على المسلمين - وبمقتضاه يسوس أمور المسلمين .. ويدبر شئونهم ومصالحهم الدينية والدنيوبة في ظل من أحكام الدين وعلى هدى من أحكام الشريعة وما رسمه كتاب الله وبنيته سنة رسول الله لا يحب عن ذلك ولا يخرج عنه قيد أنملة. وهم في هذا وبهذا يحافظون على الدين وينفذون أحكامه ويقيمون حدوده ويدافعون عن حوزة الإِسلام ويصدون أطماع أعداء المسلمين .. انظر إلى تعريف الخلافة الذي أسلفنا الاسشارة إليه ونقلنا أقوال العلماء تجده يحدد مفهوم الخلافة ويبين الإطار الذي يعمل فيه الخليفة والنهج الذي يسير عليه .. ومن ثم كان اتفاقهم على التعريف بأن الخلافة نيابة عن النبي ﷺ في حفظ الدين وسياسة المسلمين بأحكامه ومبادئه .. يقول المستشرق "جرونيبام" (١) في كتابه: "لقد أقام محمد بمعونة أتباعه حكومة دينية وذلك أن تكليفه بأداء الرسالة ناط به السلطة السياسية" ولم تكن الجماعة الإسلامية أي فارق بين ما هو زمنى - أي مادى - وما هو روحى إذا ما أريد تعريف تلك السلطة وتحديدها. وكان ما حدث من المسيحية من شقاق بين الكنيسة والدولة أمرًا لا محل له في الإِسلام إذا كانت السلطة الزمنية في الإِسلام مندمجة في السلطة الروحية. وما أن توفى النبي ﷺ ولم تعد العناية الربانية تبعث بوحيها على لسان رسول الله وصفيه حتى اقتصر أمر الدولة على الأعمال التنفيذية. وبذلك أصبح الدين والسياسة والإِدارة مرتبطان ارتباطا لا تنفصم عراه في واجبات موظفى الدولة .. فهو يرى أن الأمر بعد وفاة النبي ﷺ غير ما كان في عهده وحال حياته من حيث السلطة الروحية والتشريع في الأحكام غير أنه يؤخذ عليه أنه جعل مهمة القادة والقائمين على الأمر في المسلمين بعد النبي ﷺ قاصرة على مجرد التنفيذ مع أن الشارع قد طلب إلى المسلمين

стр. 8259

التفكير واستعمال العقل والبحث والاجتهاد في استنباط أحكام الحوادث المتجددة التي لا يوجد لها حكم في النصوص القائمة من نصوص الكتاب والسنة بعد النهم والتمحيص وعلى مقتضى الأدلة والقواعد التي قررتها الأصول .. وليس الأمر كما فهم هذا المستشرق وقرر أنهم كانوا أداة تنفيذ فحسب. من أين يستمد الخليفة سلطته: سبق القول بأن الشيعة يرون أن الإمامة ركن من أركان الدين وأصل من أصوله لا يقوم ولا يصح إلا بها .. وأن تعيين الإمام وإقامته واجب على الله تعالى بالنص عليه نصا جليا أو خفيا من النبي ﷺ أو من الإمام قبله أو بوصية منه وأن للإمام ولاية وسلطانا على الأمة يستمدها من الله تعالى بحكم تعيينه كولاية النبي وسلطانه على الأمة يستمدها بحكم النبوة والرسالة من الله بلا شك ولا نزاع عندهم في أن الإمام يستمد سلطته من الله تعالى والإِمامة عندهم كما سبق امتداد للنبوة .. أما أهل السنة وجمهور المعتزلة والخوارج وبعض الزيدية فإنهم يقولون أن نصب الإِمام وإقامته واجب على الأمة بالإجماع والأدلة التي ذكروها وأشرنا إليها فيما سبق. والأصل في تعيينه الاختيار والبيعة من أهل الحل والعقد من المسلمين وحتى من أقيم في الإمامة بطريق العهد من الإمام قبله .. مرجعه إلى الاختيار والبيعة لأن الإمام قبله أقيم بهذا الطريق على ما تقدم من أن الراجح عند أهل السنة أن النبى ﷺ لم ينص على أحد بعده ولم يستخلف شخصا ما ليكون إمامًا وخليفة بعده .. فالمعين بطريق الاختيار حين يعهد بالإِمامة إنما ينيب عن الأمة شخصا يثق به فيما هو نائب عنها فيكون تعيننه في الحقيقة مستندا إلى عقد الأول وبيعته .. والذي ينوب عن الغير ويتصرف في شئونه بمقتضى هذه النيابة وبحكم السلطة التي يستمدها منها. أما أن يكون بإنابة نفس الشخص كالوكيل ينوب عن الموكل بإنابته ويستمد سلطته وصفته في التصريف في شئون الموكل من نفس الموكل وفى حدود التوكيل .. وكوصى الميت .. فإن الميت غائب ووصيه قائم مقامه بإنابته .. وأما أن يكون بإنابة الشارع كولى الصغير أبيه أو جده في أمور المال أو في غيرها. فإن الشارع هو الذي أعطاهما حق وصف الولاية وخولهما التصرف في شئون الصغير في الحدود التي رسمها .. وكالوصى على اليتيم الذي يعينه القاضي .. وقد قلنا إن الإِمام يعين بالاختيار والبيعة، وقلنا إن البيعة عقد يجرى بين الطرفين .. المسلمين والمرشح للخلافة يعطى كل منهما من نفسه لصاحبه .. ويأخذ من صاحبه لنفسه وبتمام البيعة يصبح كل من الطرفين وفى عنقه لصاحبه قيد وثيق لا يستطيع له نزعا .. وبمقتضى هذه البيعة تثبت صفة الإمامة والخلافة ويتوجه على شخصه خطاب التكليف ويصبح مسئولا أمام المسلمين وأمام الله عن كل ما يناط بالخليفة من واجبات وأعباء ويثبت له من حقوق .. فعقد البيعة في حقيقته بمثابة عقد وكالة من الأمة للخليفة بأن يتصرف في أمورها وشئونها الدينية والدنيوية في داخل المجتمع وخارجه في الحدود التي رسمها الشارع الإسلامي والنطاق الذي حدده ..

стр. 8260

قال العلامة أبو بكر الكاسانى الحنفى ملك العلماء في كتابه (١): "وكل ما يخرج به الوكيل عن الوكالة يخرج به القاضي عن القضاء لا يختلفان إلا في شئ واحد وهو أن الموكل إذا مات أو خلع وزال عنه الوصف الذي وكل بمقتضاه ينعزل الوكيل .. والخليفة إذا مات أو خلع لا تنعزل قضاته ولا ولاته .. ووجه الفرق أن الوكيل يعمل بولاية الموكل وفى خالص حقه أيضا وقد بطلت أهلية الولاية ولم يبق الحق فينعزل الوكيل .. والقاضى لا يعمل بولاية الخليفة ولا في حقه .. بل بولاية المسلمين وفى حقوقهم .. وإنما الخليفة بمنزلة الرسول عنهم في تعيين القضاة والولاة .. لهذا لم تلحقه العهدة كالرسول في سائر العقود والوكيل في النكاح .. وإذا كان رسولا كان فعله بمنزلة فعل عامة المسلمين .. وولاية المسلمين بعد موت الخليفة باقية فسيبقى القاضي على ولايته بعد موت الخليفة .. وهذا بخلاف العزل .. فإن الخليفة إذا عزل القاضي أو الوالى ينعزل بعزله ولا ينعزل بموته لأنه في الحقيقة لا ينعزل بعزل الخليفة أيضا بل ينعزل بعزل عامة المسلمين أصحاب الولاية لما ذكرنا أن توليته بتولية العامة .. والعامة حين ولوه الخلافة ولوه الاستبدال والتغير دلالة وضمنا لتعلق مصلحتهم بذلك .. فكانت ولايته منهم معنى في العزل أيضا .. فهو الفرق بين العزل والموت". فالكاسانى يقرر في دقة وصراحة أن الخليفة في تصرفاته في شئون المسلمين بمنزلة الرسول عنهم لا يرجع إليه شئ من حقوق التصرف وآثاره ما دام لم يسئ التصرف ولم يتجاوز حدوده .. بل ترجع هذه الآثار والحقوق إلى الأصيل وهو عامة المسلمين .. كالوكيل في عقد النكاح يعتبره فقهاء الحنفية مجرد سفير ومعبر عن الموكل لا يرجع الله بشئ من حقوق العقد .. فإذا كان قاضيا أو أقام واليا ثم مات لا ينعزل القاضي ولا الوالى على خلاف الحكم في موت الموكل يترتب عليه عزل الوكيل وإنما ينعزل القاضي أو الوالى إذا عزله الخليفة مع هذا الوضع لأن العزل في واقع الأمر ليس من الخليفة وإنما هو من عامة المسلمين .. لأن المسلمين حين ولوا الخليفة وبايعوه وجعلوا له حق استبدال القضاة والولاة ومن في حكمهم لتعلق مصالحهم بذلك فهو يعزلهم بولاية من الأمة فهى التي تعزلهم حقيقة ممثلة فيه .. وظاهر أن من مقتضى هذا التصوير أن تملك الأمة عزل الخليفة إذا هو خرج على مقتضى التوكيل وصدر منه ما يستوجب العزل .. وهو أيضا من مقتضى المسئولية التي قررها شارع الإِسلام كما أشرنا سابقا لأن من يملك المساءلة يملك العزل وسيأتى بيان ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى. ويقول المرحوم محمود فياض (٢): وإذن فالبيعة هي عقد وكالة بين الأمة وحاكمها المنتخب من أفرادها المسئولة عنها .. وظاهر جدًّا أن عقد الوكالة ليس عند تمليك للوكيل ولا يقتضى تمليكا .. وإنما هو عقد إذن

стр. 8261

بالتصرف باسم الموكل في حدود ما رسم للوكيل وإذنه بالتصرف فيه .. وهو عقد مؤقت مشروط فهو خاضع لرقابة الأصيل فإن رأى الوكيل ملتزما للشروط المحددة ورأى استمرار العقد في صالحه أبقى الوكيل إن شاء الله .. وإن رأى الوكيل قد جانب الشرط وخرج من العهدة عزله إن شاء الله إذا لم ينعزل هو من نفسه .. لهذا اتفق فقهاء الإسلام على أن الحاكم وكيل عن الأمة خاضع لرقابتها .. ولها عليه سلطان التولية والعزل والتوجيه .. ولكل فرد من أفرادها حق أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر .. وهى السلطة الكبرى التي جعلها الله لأدنى المسلمين يقرع بها أنف أعلاهم كما يقول الأستاذ محمد عبده في كتابه "الإِسلام والنصرانية". ومما يقطع بصحة فكرة وكالة الحاكم عن الأمة وخضوعه لرقابتها وسلطانها أن جميع الفقهاء اعتبروه واحدًا من أفراد الأمة في كل تصرفاته وألزموه بمتالفه وجناياته. فهو يؤخذ بالقصاص إذا قتل عامدًا أو ظالمًا .. ويلزم بالأموال التي يتلفها .. وتقطع يده إذا سرق .. ويجلد ويرجم إذا زنى .. يقول الإمام القفال من الشافعية .. إذا زنى الخليفة يقيم عليه الحد من ولى الحكم عنه وهو الأمة .. ويقول الأستاذ الشيخ محمد عبده في كتابه "الإسلام والنصرانية" الذي أشار إليه الأستاذ محمود فياض: "الخليفة عن المسلمين ليس بالمعصوم ولا هو مهبط الوحى ولا من حقه الاستئثار بتفسير كتاب الله تعالى وسنة الرسول ﷺ وهو على هذا لا يخصه الدين في فهم الكتاب والسنة والعلم بالأحكام بمزية ولا يرتفع به إلى منزلة بل هو وسائر طلاب الفهم سواء … وإنما يتفاضلون بصفاء العقل وكثرة الإصابة في الحكم .. ثم هو مطاع ما دام على المححجة ونهج الكتاب والسنة .. والمسلمون له بالمرصاد فإذا انحرف عن النهج أقاموه عليه .. وإذا أعوج قوموه بالنصيحة والأعذار إليه .. فالأمة ونائب الأمة هو الذي ينصبه .. والأمة هي صاحبة الحق في السيطرة عليه .. وهى التي تخلعه متى رأت ذلك من مصلحتها فهو حاكم .. وليس في الإِسلام سلطة دينية سوى سلطة الموعظة الحسنة والدعوة إلى الخير والتنفير من الشر .. وهى سلطة خولها الله لأدنى المسلمين يقرع بها أنف أعلاهم كما خولها لأعلاهم بتناول بها من هو أدناهم". فالخليفة في الواقع ليس إلا فردًا من أفراد المسلمين لا يرتفع عن أحد منهم درجة ولا يخصه الدين بمزية .. ولكنه انفرد من بينهم بحمل أمورهم والنظر في مصالحهم .. فكان أثقلهم حملا وأعظمهم مسئولية أمام الله .. والفقهاء يعتبرون المحليفة واحدًا من أفراد الأمة في كل تصرفاته التي تمس حقوق الغير أو تمتد إليه بسوء وفى كل أفعاله واعتداءاته .. فيلزم بالأموال التي يتلفها ويقام عليه الحد إذا ارتكب ما يوجبه .. ويخاصم ويحكم عليه عند الإثبات .. وفى الرسول الكريم ﷺ الأسوة الحسنة والتشريع القائم الملزم .. وفى تاريخ الكامل لابن الأثير: أن النبي ﷺ خرج في مرضه الأخير من حجرة عائشة رضى الله عنها إلى المسجد بين الفضل بن العباس وعلي بن أبي طالب رضى الله عنهما حتى جلس على المنبر فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم صلى على أصحاب أحد فاستغفر لهم ثم قال: "أيها الناس: من كنت جلدت له ظهرًا فهذا ظهرى فليستعذ منه .. ومن كنت

стр. 8262

شتمت له عرضا .. فهذا عرضى فليستعذ منه .. ومن أخذت له مالا فهذا مالى فليأخذ منه ولا يخشى الشحناء من قلى .. فإنها ليست من شأنى .. ألا وأن أحبكم إليّ من أخذ منى حقا إن كان له أو حللنى فلقيت ربى وأنا طيب النفس .. وفى سيرة عمر بن الخطاب رضى الله عنه لابن الجوزى أن رجلا قال لعمر .. اتق الله يا أمير المؤمنين .. فقيل له: أتقول لأمير المؤمنين اتق الله؟ فقال عمر: دعه فليقلها لى .. نعم ما قال - لا خير فيكم إن لم تقولوها .. ولا خير فينا إن لم نقبلها منكم. ومما يروى عنه رضى الله عنه أيضًا: إنى لم أستعمل عليكم عمالى ليضربوا أبشاركم ويشتموا أعراضكم ويأخذوا أموالكم .. ولكنى استعمللهم ليعلموكم كتاب الله وسنة نبيكم فمن ظلمه عامله بمظلمته فليرفعها إلى حتى أقصه منه. فقال عمرو بن العاص - وكان والى مصر إذ ذاك - يا أمير المؤمنين! أرأيت إن أدب أمير المؤمنين رجلا من رعيته أتقصه منه؟ فقال عمر: ومالى لا أقصه منه وقد رأيت رسول الله ﷺ يقص من نفسه .. ويثير كثير من الناس أسئلة واستنكارات في هذا الصدد استنادًا منهم إلى ما جرى عليه العمل في واقع الحياة في شأن الخلافة والخلفاء .. وهل عقد البيعة ما جرى عليه العمل في واقع الحياة في شأن الخلافة والخلفاء .. وهل عقد البيعة بمثابة عقد الوكالة .. أو هو يقتضى تمليكا من الأمة للخليفة يصبح به وقد ملك الخلافة وجلس على عرشها ولا يملك أحلى أن يعزله عنه .. بل ولا أن يعترض عليه .. ويسوقون في هذا المجال ما يروى أو يعزى إلى الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضى الله عنه حين طلب منه الثوار الآثمون أن يعزل نفسه - من أنه قال لهم - كيف أنزع قيمصا قمصنيه الله .. والمقرر أنه لا حجة في عمل أحد من المسلمين إلا في عمل الرسول ﷺ وما جرت به سنة الخلفاء الراشدين .. وما يروى عن عثمان رضى الله عنه إن صح .. فإنه أخذ فيه بحكم الله فيما يرى .. فقد قال الفقهاء .. إن عزل الخليفة نفسه من غير سبب فيه خلاف هل ينحل به عقد الإِمامة أو لا؟. قال السعد التفتازانى في شرح المقاصد: "وينحل عقد الإِمامة بما يزول به مقصود الإِمامة كالردة والجنون المطبق … وكذا بخلعه نفسه لعجزه عن القيام بمصالح المسلمين وإن لم يكن ظاهرًا بل استشعره في نفسه وعليه يحمل خلع الحسن رضى الله عنه نفسه .. وأما خلعه لنفسه بلا سبب ففيه خلاف … ". فمن مذهب عثمان ﵁ أن عزل الخليفة نفسه بدون سبب لا ينحل به عقد الإِمامة كما تشير إليه عبارته إن صحت .. هذا .. وقد جاء في كتاب "الإِسلام وأصول الحكم" (١): "قد يظهر من تعريفهم للخلافة ومن سياحتهم فيها أنهم يعتبرون الخليفة مقيدا في سلطانه بحدود الشرع لا يتخطاها .. وأنه مطالب حتما بأن يسلك بالمسلمين سبيلا واحدة معينة من بين شتى السبل .. هي سبيل واضحة من غير لبس قد كشف الشرع الشريف عن مبادئها وغاياتها وأقام فيها إماراتها ووضع فيها منازل للسالكين فما كان لأحد أن يضل فيها ولا يشقى ..

стр. 8263

وما كان خليفة أن يفرط فيها ولا أن يطغى .. هي سبيل الدين الإِسلامي التي قام محمد ﷺ يوضحها للناس حقبة من الدهر .. والتي حددها كتاب الله الكريم وسنة محمد وإجماع المسلمين .. نعم هم يعتبرون الخليفة مقيدا بقيود الشرع .. ويرون ذلك كافيا في ضبطه يوما إن أراد أن يجمح، وفى تقويم ميله إذا أخيف أن يجنح .. وقد ذهب قوم منهم إلى أن الخليفة إذا جار أو فجر العزل من الخلافة .. وقد فرقوا لذلك بين الخلافة والملك على ما بينه ابن خلدون في مقدمتهم في فصل انقلاب الخلافة إلى الملك .. وقد كان واجبا عليهم إذ أفاضوا على الخليفة كل تلك القوة ورفعوه إلى ذلك المقام أن يذكروا لنا مصدر تلف القوة التي زعموها للخليفة أنى جاءته ومن الذي حياه بها وأفاضها عليه؟ لكنهم أهملوا ذلك البحث على أن الذي يستقرئ عبارات القوم المتصلة يهذا الموضوع يستطيع أن يأخذ منها بطريق الاستنتاج أن للمسلمين في ذلك مذهبين: المذهب الأول: أن الخليفة يستمد سلطانه من سلطان الله تعالى وقوته من قوته .. رأى نجد روحه سارية بين عامة العلماء وعامة المسلمين أيضا. وكل كلماتهم عن الخلافة ومباحثهم فيها تنحو ذلك النحو وتشير إلى هذه العقيدة وقد ذكرنا فيما سبق أنهم جعلوا الخليفة ظل الله تعالى .. وأن أبا جعفر المنصور الخليفة العباسى زعم في خطبة له بمكة أنه إنما هو سلطان الله في أرضه. كذلك شاع هذا الرأى وتحدث به العلماء والشعراء منذ القرون الأولى فتراهم يذهبون إلى أن الله جل شأنه هو الذي يختار الخليفة ويسوق إليه الخلافة كما ترى في قول الشاعر: جاء الخلافة أو كانت له نورا … كما أتى ربه موسى على نور وفي قول الآخر: ولقد أراد الله إذ ولاكها … من أمة إصلاحها ورشادها وقول الفرذق يمدح هشام بن عبد الملك الخليفة الأموى: هشام خيار الله للناس والذي … به ينجلى عن كل أرض ظلامها وأنت لهذا الناس بعد نبيهم … سماء يرجى للمحمول غمامها ولقد كان شيوع هذا الرأى وجريانه على الألسنة مما سهل على الشعراء أن يصلوا في مبالغتهم إلى وضع الخلفاء في مواضع العزة القدسية أو قريبا منها .. وأنت إذا رجعت إلى كثير مما ألف العلماء خصوصا بعد القرن الخامس الهجرى وجدتهم إذا ذكروا في أول كتبهم أحد الملوك أو السلاطين رفعوه فوق صف البشر .. ووضعوه غير بعيد عن مقام العزة الإِلهية .. ودونك مثالا لذلك .. ما جاء في خطبة نجم الدين القزوينى في أول الرسالة الشمسية في القواعد المنطقية حيث قال: "فأشار إلى من سعد بلطف الحق وامتاز بتأييده من كافة الخلق .. ومال إلى جنابه الدانى والقاصى .. وأفلح بمتابعته المطيع والعاصى" .. وقال شارح تلك الرسالة قطب الدين الرازى في خطبة شرحه: "وخدمت به عالى حضرة من خصه الله تعالى بالنفس القدسية والرياسة الأنسية اللائح من غرته الغراء لوائح السعادة الأبدية والفائح من همته العلياء روائح العناية السرمدية - شرف الحق والدولة والدين رشيد الإِسلام ومرشد المسلمين ..

стр. 8264

وقال عبد الحكيم السيالكوتى في حاشيته على الشرح المذكور: جعلته عراضة لحضرة من خصه الله تعالى بالسلطة الأبدية وأيده بالدولة السرمدية .. فروج الملة الحنيفية البيضاء ومؤسس قواعد الشريعة الغراء .. ظل الله في الأرضين .. غياث الإِسلام والمسلمين .. عامر بلاد الله .. خليفة رسول الله .. المؤيد بالتأييد والنصر الربانى". وجملة القول أن استمداد الخليفة لسلطانه من الله تعالى مذهب جار على الألسنة فأسن بين المسلمين .. المذهب الثاني: وهناك مذهب ثان قد نزع إليه بعض العلماء وتحدثوا به .. ذلك هو أن الخليفة يستمد سلطانه من الأمة فهى مصدر قوته وهى التي تختاره لهذا المقام .. وقد وجدنا ذلك المذهب في كلام العلامة الكاسانى في كتابه البدائع وساق المؤلف عبارة الكاسانى التي نقلناها فيما سبق. ومن أوفى ما وجدنا في بيان هذا المذهب والانتصار له .. رسالة الخلافة وسلطة الأمة التي نشرتها حكومة المجلس الكبير الوطنى بأنقرة ونقلها من التركية إلى العربية عبد الغنى سنى بك وطبعها بمطبعة الهلال بمصر سنة ١٣٤٢ هـ - ١٩٢٤ م. ومثل هذا الخلاف بين المسلمين في مصدر سلطان الخليفة قد ظهر بين الأوربيين وكان له - أثر فعلى كبير في تطور التاريخ الأوربى ويكاد المذهب الأول يكون موافقا لما اشتهر به الفيلسوف (هُبْز) من أن سلطان الملوك مقدس وحقهم سماوى. وأما المذهب الثاني فهو يشبه أن يكون نفس المذهب الذي اشتهر به الفليسوف (لُكْ) .. هذا كلام صاحب الإِسلام وأصول الحكم .. ويتضح من هذا أن الأستاذ على عبد الرازق يقرر أن للمسليمن مذهبين في استمداد الخليفة سلطته .. هل يستمدها من الله تعالى .. وهذا رأى .. يقول الأستاذ: نجد روحه سارية بمن عامة - العلماء وعامة المسلمين أيضا .. وكل كلماتهم عن الخلافة ومباحثهم فيها تنحو ذلك النحو وتشير إلى هذه العقيدة .. وهذا صريح في أن مؤلفات العلماء من الفقهاء والمتكلمين ومباحثهم في أمر الخلافة وموضوعها تتضمن هذا الرأى وتشير إلى تلك العقيدة .. والمطلع على المؤلفات والمباحث التي عملت في موضوع الخلافة .. والباحث في ذلك لا يجد فيها مطلقا كلمة تنبئ ولو بطريق التلويح أو الإشارة بأن سلطان الخليفة مستمد من سلطان الله وأن قوته من قوته .. وقصارى ما يؤخذ ويستنتج من كلامهم عنها وبحثهم فيها .. إن الله تعالى أوجب على الناس إقامة إمام وأن ولاية هذا الإِمام تنعقد إما بمبايعة أهل الحل والعقد .. وإما بعهد من الخليفة قبله وأن الخليفة مقيد في تصرفاته في شئون المسلمين وتدبير أمورهم ومصالحهم بأحكام الدين ومبادئ الشريعة .. وأنه إن حاد عن طريق الدين وسعى في سياسته بالفساد كان للأمة انتزاع زمام الأمر من يده ووضعه في يد من هو أشد حزما وأقوم سبيلا .. وأما ما ورد على ألسنة بعض المؤلفين والباحثين من أن الخليفة ظل الله في الأرض وحمى الله في البلاد .. فقد روى في هذا المعنى وبهذه الألفاظ حديث نبوى:" السلطان ظل الله في الأرض" وينسب إلى الإِمام العظيم عمر بن الخطاب أنه علا سعد بن أبى وقاص بالدرة .. وقال له:" لم تهب سلطان الله في

стр. 8265

الأرض فأردت أن أعلمك أن سلطان الله لا يهابك، وذلك لما كان عمر يقسِّم مالًا وازدحم الناس من حوله فأقبل سعد رضى الله عنه وهو من السابقين الأولين وزاحم الناس حتى خلص إلى عمر .. هذه العبارات ليست بمستنكرة بعد ما روى عن النبى ﷺ : "السلطان ظل الله في الأرض" وهى تخرج مخرج التشبيه حيث أن الخليفة يدفع الأذى عن الناس ويحميهم كما يدفع الظل أذى حر الشمس عمن يأوى إليه ويحميه منه .. وإضافته إلى الله تعالى لأنه أمر بإقامة الخليفة وطاعته .. وأين هذا من استمداد الخليفة سلطانه من سلطان الله .. ؟. وأما أبيات الشعر التي سيقت للاستدلال على حكم دينى .. فهى أهون من أن تستهوى باحثا في هذا المجال وما كان الشعر ولا الشعراء يوما بحجة في ذلك .. وأقوال العلماء المؤلفين في مفتتح كتبهم ومؤلفاتهم من مديح للملوك والخلفاء المعاصرين لم تصدر عن اعتقاد بأن سلطان الخليفة مستمد من سلطان الله وإنما هو إسراف في المديح وإغراق في القول لا صلة له بحكم من أحكام الدين ولا ينبئ عنه حكم .. وقد علمنا إن مثل هذا الاعزاب في مديح الملوك والسلاطين والخلفاء وذوى الجاه والثراء من الشعراء والكتاب يصدر عن أحوال نفسية كالرغبة في إحراز جاه أو الحرص على متاع هذه الحياة .. وكثيرا ما تصدر مثل هذه الكلمات على الألسنة والقلوب تتبرأ منها على أنه إذا قيل أن المعنى المقصود أن الخليفة يستقيم على الجادة ويلزم طاعة الله وإقامة العدل بين الناس ثم يطلب من الله التوفيق والسداد والرشاد والتمكين له في طريق الحق فيمده الله بتوفيقه وعونه ويقوى من سلطانه وهذا هو استمداد السلطان من الله - فأجيب بهذا المعنى وحبذا هو من توجيه. والله تعالى يقول: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ويقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾. أما إذا قيل أن للخليفة سلطة غيبية دينية أمده الله بها وخوله إياها بمقتضى إمامته صلى الناس بتسلطه بها عليهم ويبسط نفوذه ويوزع نفحات الرضا ونظرات الإحسان مستندا في ذلك إلى القوة الغيبية - فهذا منكر من القول وزور لا يقبله الدين ولا تقره الشريعة فليس في الإسلام سلطة روحية لأحد بعد رسول الله ﷺ .. تعدد الخليفة: جاء في كتاب الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم الظاهرى (١): "فوجب اليقين بأن الله تعالى لا يكلف الناس ما ليس في وسعهم واحتمالهم وقد علمنا بضرورة العقل وبديهته أن قيام الناس بما أوجبه الله تعالى من الأحكام عليهم في الأموال والجنايات والدماء والنكاح والطلاق وسائر الأحكام كلها .. ومنع الظالم وإنصاف المظلوم وأخذ القصاص على تباعد أقطارهم وشواغلهم واختلاف آرائهم ومصالحهم .. دون أمير حازم حكيم يزعهم - ممتنع غير ممكن - إذ قد يريد واحد أو جماعة أن يحكم إنسان ويريد آخر أو جماعة أخرى ألا يحكم عليهم إما لأنها ترى في اجتهادها خلاف ما رأى هؤلاء وإما خلافا مجردًا عليهم .. وهذا الذي لابد منه ضرورة .. وهذا مشاهد في البلاد التي لا رئيس لها .. فإنه لا يقام هناك
следующие страницы →