← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 8261–8300 · переход к 8266.

стр. 8261

بالتصرف باسم الموكل في حدود ما رسم للوكيل وإذنه بالتصرف فيه .. وهو عقد مؤقت مشروط فهو خاضع لرقابة الأصيل فإن رأى الوكيل ملتزما للشروط المحددة ورأى استمرار العقد في صالحه أبقى الوكيل إن شاء الله .. وإن رأى الوكيل قد جانب الشرط وخرج من العهدة عزله إن شاء الله إذا لم ينعزل هو من نفسه .. لهذا اتفق فقهاء الإسلام على أن الحاكم وكيل عن الأمة خاضع لرقابتها .. ولها عليه سلطان التولية والعزل والتوجيه .. ولكل فرد من أفرادها حق أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر .. وهى السلطة الكبرى التي جعلها الله لأدنى المسلمين يقرع بها أنف أعلاهم كما يقول الأستاذ محمد عبده في كتابه "الإِسلام والنصرانية". ومما يقطع بصحة فكرة وكالة الحاكم عن الأمة وخضوعه لرقابتها وسلطانها أن جميع الفقهاء اعتبروه واحدًا من أفراد الأمة في كل تصرفاته وألزموه بمتالفه وجناياته. فهو يؤخذ بالقصاص إذا قتل عامدًا أو ظالمًا .. ويلزم بالأموال التي يتلفها .. وتقطع يده إذا سرق .. ويجلد ويرجم إذا زنى .. يقول الإمام القفال من الشافعية .. إذا زنى الخليفة يقيم عليه الحد من ولى الحكم عنه وهو الأمة .. ويقول الأستاذ الشيخ محمد عبده في كتابه "الإسلام والنصرانية" الذي أشار إليه الأستاذ محمود فياض: "الخليفة عن المسلمين ليس بالمعصوم ولا هو مهبط الوحى ولا من حقه الاستئثار بتفسير كتاب الله تعالى وسنة الرسول ﷺ وهو على هذا لا يخصه الدين في فهم الكتاب والسنة والعلم بالأحكام بمزية ولا يرتفع به إلى منزلة بل هو وسائر طلاب الفهم سواء … وإنما يتفاضلون بصفاء العقل وكثرة الإصابة في الحكم .. ثم هو مطاع ما دام على المححجة ونهج الكتاب والسنة .. والمسلمون له بالمرصاد فإذا انحرف عن النهج أقاموه عليه .. وإذا أعوج قوموه بالنصيحة والأعذار إليه .. فالأمة ونائب الأمة هو الذي ينصبه .. والأمة هي صاحبة الحق في السيطرة عليه .. وهى التي تخلعه متى رأت ذلك من مصلحتها فهو حاكم .. وليس في الإِسلام سلطة دينية سوى سلطة الموعظة الحسنة والدعوة إلى الخير والتنفير من الشر .. وهى سلطة خولها الله لأدنى المسلمين يقرع بها أنف أعلاهم كما خولها لأعلاهم بتناول بها من هو أدناهم". فالخليفة في الواقع ليس إلا فردًا من أفراد المسلمين لا يرتفع عن أحد منهم درجة ولا يخصه الدين بمزية .. ولكنه انفرد من بينهم بحمل أمورهم والنظر في مصالحهم .. فكان أثقلهم حملا وأعظمهم مسئولية أمام الله .. والفقهاء يعتبرون المحليفة واحدًا من أفراد الأمة في كل تصرفاته التي تمس حقوق الغير أو تمتد إليه بسوء وفى كل أفعاله واعتداءاته .. فيلزم بالأموال التي يتلفها ويقام عليه الحد إذا ارتكب ما يوجبه .. ويخاصم ويحكم عليه عند الإثبات .. وفى الرسول الكريم ﷺ الأسوة الحسنة والتشريع القائم الملزم .. وفى تاريخ الكامل لابن الأثير: أن النبي ﷺ خرج في مرضه الأخير من حجرة عائشة رضى الله عنها إلى المسجد بين الفضل بن العباس وعلي بن أبي طالب رضى الله عنهما حتى جلس على المنبر فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم صلى على أصحاب أحد فاستغفر لهم ثم قال: "أيها الناس: من كنت جلدت له ظهرًا فهذا ظهرى فليستعذ منه .. ومن كنت

стр. 8262

شتمت له عرضا .. فهذا عرضى فليستعذ منه .. ومن أخذت له مالا فهذا مالى فليأخذ منه ولا يخشى الشحناء من قلى .. فإنها ليست من شأنى .. ألا وأن أحبكم إليّ من أخذ منى حقا إن كان له أو حللنى فلقيت ربى وأنا طيب النفس .. وفى سيرة عمر بن الخطاب رضى الله عنه لابن الجوزى أن رجلا قال لعمر .. اتق الله يا أمير المؤمنين .. فقيل له: أتقول لأمير المؤمنين اتق الله؟ فقال عمر: دعه فليقلها لى .. نعم ما قال - لا خير فيكم إن لم تقولوها .. ولا خير فينا إن لم نقبلها منكم. ومما يروى عنه رضى الله عنه أيضًا: إنى لم أستعمل عليكم عمالى ليضربوا أبشاركم ويشتموا أعراضكم ويأخذوا أموالكم .. ولكنى استعمللهم ليعلموكم كتاب الله وسنة نبيكم فمن ظلمه عامله بمظلمته فليرفعها إلى حتى أقصه منه. فقال عمرو بن العاص - وكان والى مصر إذ ذاك - يا أمير المؤمنين! أرأيت إن أدب أمير المؤمنين رجلا من رعيته أتقصه منه؟ فقال عمر: ومالى لا أقصه منه وقد رأيت رسول الله ﷺ يقص من نفسه .. ويثير كثير من الناس أسئلة واستنكارات في هذا الصدد استنادًا منهم إلى ما جرى عليه العمل في واقع الحياة في شأن الخلافة والخلفاء .. وهل عقد البيعة ما جرى عليه العمل في واقع الحياة في شأن الخلافة والخلفاء .. وهل عقد البيعة بمثابة عقد الوكالة .. أو هو يقتضى تمليكا من الأمة للخليفة يصبح به وقد ملك الخلافة وجلس على عرشها ولا يملك أحلى أن يعزله عنه .. بل ولا أن يعترض عليه .. ويسوقون في هذا المجال ما يروى أو يعزى إلى الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضى الله عنه حين طلب منه الثوار الآثمون أن يعزل نفسه - من أنه قال لهم - كيف أنزع قيمصا قمصنيه الله .. والمقرر أنه لا حجة في عمل أحد من المسلمين إلا في عمل الرسول ﷺ وما جرت به سنة الخلفاء الراشدين .. وما يروى عن عثمان رضى الله عنه إن صح .. فإنه أخذ فيه بحكم الله فيما يرى .. فقد قال الفقهاء .. إن عزل الخليفة نفسه من غير سبب فيه خلاف هل ينحل به عقد الإِمامة أو لا؟. قال السعد التفتازانى في شرح المقاصد: "وينحل عقد الإِمامة بما يزول به مقصود الإِمامة كالردة والجنون المطبق … وكذا بخلعه نفسه لعجزه عن القيام بمصالح المسلمين وإن لم يكن ظاهرًا بل استشعره في نفسه وعليه يحمل خلع الحسن رضى الله عنه نفسه .. وأما خلعه لنفسه بلا سبب ففيه خلاف … ". فمن مذهب عثمان ﵁ أن عزل الخليفة نفسه بدون سبب لا ينحل به عقد الإِمامة كما تشير إليه عبارته إن صحت .. هذا .. وقد جاء في كتاب "الإِسلام وأصول الحكم" (١): "قد يظهر من تعريفهم للخلافة ومن سياحتهم فيها أنهم يعتبرون الخليفة مقيدا في سلطانه بحدود الشرع لا يتخطاها .. وأنه مطالب حتما بأن يسلك بالمسلمين سبيلا واحدة معينة من بين شتى السبل .. هي سبيل واضحة من غير لبس قد كشف الشرع الشريف عن مبادئها وغاياتها وأقام فيها إماراتها ووضع فيها منازل للسالكين فما كان لأحد أن يضل فيها ولا يشقى ..

стр. 8263

وما كان خليفة أن يفرط فيها ولا أن يطغى .. هي سبيل الدين الإِسلامي التي قام محمد ﷺ يوضحها للناس حقبة من الدهر .. والتي حددها كتاب الله الكريم وسنة محمد وإجماع المسلمين .. نعم هم يعتبرون الخليفة مقيدا بقيود الشرع .. ويرون ذلك كافيا في ضبطه يوما إن أراد أن يجمح، وفى تقويم ميله إذا أخيف أن يجنح .. وقد ذهب قوم منهم إلى أن الخليفة إذا جار أو فجر العزل من الخلافة .. وقد فرقوا لذلك بين الخلافة والملك على ما بينه ابن خلدون في مقدمتهم في فصل انقلاب الخلافة إلى الملك .. وقد كان واجبا عليهم إذ أفاضوا على الخليفة كل تلك القوة ورفعوه إلى ذلك المقام أن يذكروا لنا مصدر تلف القوة التي زعموها للخليفة أنى جاءته ومن الذي حياه بها وأفاضها عليه؟ لكنهم أهملوا ذلك البحث على أن الذي يستقرئ عبارات القوم المتصلة يهذا الموضوع يستطيع أن يأخذ منها بطريق الاستنتاج أن للمسلمين في ذلك مذهبين: المذهب الأول: أن الخليفة يستمد سلطانه من سلطان الله تعالى وقوته من قوته .. رأى نجد روحه سارية بين عامة العلماء وعامة المسلمين أيضا. وكل كلماتهم عن الخلافة ومباحثهم فيها تنحو ذلك النحو وتشير إلى هذه العقيدة وقد ذكرنا فيما سبق أنهم جعلوا الخليفة ظل الله تعالى .. وأن أبا جعفر المنصور الخليفة العباسى زعم في خطبة له بمكة أنه إنما هو سلطان الله في أرضه. كذلك شاع هذا الرأى وتحدث به العلماء والشعراء منذ القرون الأولى فتراهم يذهبون إلى أن الله جل شأنه هو الذي يختار الخليفة ويسوق إليه الخلافة كما ترى في قول الشاعر: جاء الخلافة أو كانت له نورا … كما أتى ربه موسى على نور وفي قول الآخر: ولقد أراد الله إذ ولاكها … من أمة إصلاحها ورشادها وقول الفرذق يمدح هشام بن عبد الملك الخليفة الأموى: هشام خيار الله للناس والذي … به ينجلى عن كل أرض ظلامها وأنت لهذا الناس بعد نبيهم … سماء يرجى للمحمول غمامها ولقد كان شيوع هذا الرأى وجريانه على الألسنة مما سهل على الشعراء أن يصلوا في مبالغتهم إلى وضع الخلفاء في مواضع العزة القدسية أو قريبا منها .. وأنت إذا رجعت إلى كثير مما ألف العلماء خصوصا بعد القرن الخامس الهجرى وجدتهم إذا ذكروا في أول كتبهم أحد الملوك أو السلاطين رفعوه فوق صف البشر .. ووضعوه غير بعيد عن مقام العزة الإِلهية .. ودونك مثالا لذلك .. ما جاء في خطبة نجم الدين القزوينى في أول الرسالة الشمسية في القواعد المنطقية حيث قال: "فأشار إلى من سعد بلطف الحق وامتاز بتأييده من كافة الخلق .. ومال إلى جنابه الدانى والقاصى .. وأفلح بمتابعته المطيع والعاصى" .. وقال شارح تلك الرسالة قطب الدين الرازى في خطبة شرحه: "وخدمت به عالى حضرة من خصه الله تعالى بالنفس القدسية والرياسة الأنسية اللائح من غرته الغراء لوائح السعادة الأبدية والفائح من همته العلياء روائح العناية السرمدية - شرف الحق والدولة والدين رشيد الإِسلام ومرشد المسلمين ..

стр. 8264

وقال عبد الحكيم السيالكوتى في حاشيته على الشرح المذكور: جعلته عراضة لحضرة من خصه الله تعالى بالسلطة الأبدية وأيده بالدولة السرمدية .. فروج الملة الحنيفية البيضاء ومؤسس قواعد الشريعة الغراء .. ظل الله في الأرضين .. غياث الإِسلام والمسلمين .. عامر بلاد الله .. خليفة رسول الله .. المؤيد بالتأييد والنصر الربانى". وجملة القول أن استمداد الخليفة لسلطانه من الله تعالى مذهب جار على الألسنة فأسن بين المسلمين .. المذهب الثاني: وهناك مذهب ثان قد نزع إليه بعض العلماء وتحدثوا به .. ذلك هو أن الخليفة يستمد سلطانه من الأمة فهى مصدر قوته وهى التي تختاره لهذا المقام .. وقد وجدنا ذلك المذهب في كلام العلامة الكاسانى في كتابه البدائع وساق المؤلف عبارة الكاسانى التي نقلناها فيما سبق. ومن أوفى ما وجدنا في بيان هذا المذهب والانتصار له .. رسالة الخلافة وسلطة الأمة التي نشرتها حكومة المجلس الكبير الوطنى بأنقرة ونقلها من التركية إلى العربية عبد الغنى سنى بك وطبعها بمطبعة الهلال بمصر سنة ١٣٤٢ هـ - ١٩٢٤ م. ومثل هذا الخلاف بين المسلمين في مصدر سلطان الخليفة قد ظهر بين الأوربيين وكان له - أثر فعلى كبير في تطور التاريخ الأوربى ويكاد المذهب الأول يكون موافقا لما اشتهر به الفيلسوف (هُبْز) من أن سلطان الملوك مقدس وحقهم سماوى. وأما المذهب الثاني فهو يشبه أن يكون نفس المذهب الذي اشتهر به الفليسوف (لُكْ) .. هذا كلام صاحب الإِسلام وأصول الحكم .. ويتضح من هذا أن الأستاذ على عبد الرازق يقرر أن للمسليمن مذهبين في استمداد الخليفة سلطته .. هل يستمدها من الله تعالى .. وهذا رأى .. يقول الأستاذ: نجد روحه سارية بمن عامة - العلماء وعامة المسلمين أيضا .. وكل كلماتهم عن الخلافة ومباحثهم فيها تنحو ذلك النحو وتشير إلى هذه العقيدة .. وهذا صريح في أن مؤلفات العلماء من الفقهاء والمتكلمين ومباحثهم في أمر الخلافة وموضوعها تتضمن هذا الرأى وتشير إلى تلك العقيدة .. والمطلع على المؤلفات والمباحث التي عملت في موضوع الخلافة .. والباحث في ذلك لا يجد فيها مطلقا كلمة تنبئ ولو بطريق التلويح أو الإشارة بأن سلطان الخليفة مستمد من سلطان الله وأن قوته من قوته .. وقصارى ما يؤخذ ويستنتج من كلامهم عنها وبحثهم فيها .. إن الله تعالى أوجب على الناس إقامة إمام وأن ولاية هذا الإِمام تنعقد إما بمبايعة أهل الحل والعقد .. وإما بعهد من الخليفة قبله وأن الخليفة مقيد في تصرفاته في شئون المسلمين وتدبير أمورهم ومصالحهم بأحكام الدين ومبادئ الشريعة .. وأنه إن حاد عن طريق الدين وسعى في سياسته بالفساد كان للأمة انتزاع زمام الأمر من يده ووضعه في يد من هو أشد حزما وأقوم سبيلا .. وأما ما ورد على ألسنة بعض المؤلفين والباحثين من أن الخليفة ظل الله في الأرض وحمى الله في البلاد .. فقد روى في هذا المعنى وبهذه الألفاظ حديث نبوى:" السلطان ظل الله في الأرض" وينسب إلى الإِمام العظيم عمر بن الخطاب أنه علا سعد بن أبى وقاص بالدرة .. وقال له:" لم تهب سلطان الله في

стр. 8265

الأرض فأردت أن أعلمك أن سلطان الله لا يهابك، وذلك لما كان عمر يقسِّم مالًا وازدحم الناس من حوله فأقبل سعد رضى الله عنه وهو من السابقين الأولين وزاحم الناس حتى خلص إلى عمر .. هذه العبارات ليست بمستنكرة بعد ما روى عن النبى ﷺ : "السلطان ظل الله في الأرض" وهى تخرج مخرج التشبيه حيث أن الخليفة يدفع الأذى عن الناس ويحميهم كما يدفع الظل أذى حر الشمس عمن يأوى إليه ويحميه منه .. وإضافته إلى الله تعالى لأنه أمر بإقامة الخليفة وطاعته .. وأين هذا من استمداد الخليفة سلطانه من سلطان الله .. ؟. وأما أبيات الشعر التي سيقت للاستدلال على حكم دينى .. فهى أهون من أن تستهوى باحثا في هذا المجال وما كان الشعر ولا الشعراء يوما بحجة في ذلك .. وأقوال العلماء المؤلفين في مفتتح كتبهم ومؤلفاتهم من مديح للملوك والخلفاء المعاصرين لم تصدر عن اعتقاد بأن سلطان الخليفة مستمد من سلطان الله وإنما هو إسراف في المديح وإغراق في القول لا صلة له بحكم من أحكام الدين ولا ينبئ عنه حكم .. وقد علمنا إن مثل هذا الاعزاب في مديح الملوك والسلاطين والخلفاء وذوى الجاه والثراء من الشعراء والكتاب يصدر عن أحوال نفسية كالرغبة في إحراز جاه أو الحرص على متاع هذه الحياة .. وكثيرا ما تصدر مثل هذه الكلمات على الألسنة والقلوب تتبرأ منها على أنه إذا قيل أن المعنى المقصود أن الخليفة يستقيم على الجادة ويلزم طاعة الله وإقامة العدل بين الناس ثم يطلب من الله التوفيق والسداد والرشاد والتمكين له في طريق الحق فيمده الله بتوفيقه وعونه ويقوى من سلطانه وهذا هو استمداد السلطان من الله - فأجيب بهذا المعنى وحبذا هو من توجيه. والله تعالى يقول: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ويقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾. أما إذا قيل أن للخليفة سلطة غيبية دينية أمده الله بها وخوله إياها بمقتضى إمامته صلى الناس بتسلطه بها عليهم ويبسط نفوذه ويوزع نفحات الرضا ونظرات الإحسان مستندا في ذلك إلى القوة الغيبية - فهذا منكر من القول وزور لا يقبله الدين ولا تقره الشريعة فليس في الإسلام سلطة روحية لأحد بعد رسول الله ﷺ .. تعدد الخليفة: جاء في كتاب الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم الظاهرى (١): "فوجب اليقين بأن الله تعالى لا يكلف الناس ما ليس في وسعهم واحتمالهم وقد علمنا بضرورة العقل وبديهته أن قيام الناس بما أوجبه الله تعالى من الأحكام عليهم في الأموال والجنايات والدماء والنكاح والطلاق وسائر الأحكام كلها .. ومنع الظالم وإنصاف المظلوم وأخذ القصاص على تباعد أقطارهم وشواغلهم واختلاف آرائهم ومصالحهم .. دون أمير حازم حكيم يزعهم - ممتنع غير ممكن - إذ قد يريد واحد أو جماعة أن يحكم إنسان ويريد آخر أو جماعة أخرى ألا يحكم عليهم إما لأنها ترى في اجتهادها خلاف ما رأى هؤلاء وإما خلافا مجردًا عليهم .. وهذا الذي لابد منه ضرورة .. وهذا مشاهد في البلاد التي لا رئيس لها .. فإنه لا يقام هناك

стр. 8266

حكم حق ولا حد حتى لقد ذهب الدين في أكثرها .. فلا تصح إقامة الدين إلا بالإسناد إلى واحد أو إلى أكثر من واحد .. فإذ لابد من أحد هذين الوجهين .. فإن الاثنين فصاعدا بينهما أو بينهم ما ذكر من الاختلاف والتنافس فلا يتم أمر البتة .. فلم يبق وجه تتم به الأمور إلَّا الإِسناد إلى واحد فاضل عالم حسن السياسة قوى على الإنفاذ إلا أنه إن كان بخلاف ما ذكرنا فالظلم والإهمال معه أقل منه مع الاثنين فصاعدا .. وإذ ذلك كذلك ففرض لازم لكل الناس أن يكفوا عن الظلم ما أمكنهم إن قدروا على كف كله لزمهم ذلك .. وإلا فكف ما قدروا على كفه منه .. ولو قضية واحدة لا يجوز غير ذلك .. ثم اتفق من ذكرنا من جميع أهل السنة وجميع المرجئة وجميع الشيعة وجميع الخوارج من يرى منهم فرض الإمامة على أنه لا يجوز كون إمامين في وقت واحد في العالم .. ولا يجوز إلا إمام واحد .. إلا أن محمد بن كرام السجستانى وأبا الصباح السمرقندى وأصحابهما فإنهم أجازوا كون إمامين وأكثر في وقت واحد .. واحتج هؤلاء بقول الأنصار أو من قال منهم يوم السقيفة للمهاجرين: "منا أمير ومنكم أمير، فلولا أن التعدد جائز لما قال ذلك قائلهم وهو من الصحابة وسكت الأنصار على قوله .. واحتجوا أيضا بأمر الإِمام على بن أبى طالب وابنه الحسن رضى الله عنهما مع معاوية رضى الله عنه إذا قام أكثر من إمام في وقت واحد .. قال أبو محمد: وكل هذا لا حجة لهم فيه لأن قول الأنصار رضى الله عنهم "منا أمير ومنكم أمير" لم يكن صوابا بل كان خطأ أداهم إليه الاجتهاد وخالفهم فيه المهاجرون .. ولأن إذا اختلف القائلان على قولين متنافيين من أن يكون أحدهما حقا والآخر خطأ .. وإذ ذلك كذلك فواجب رد ما تنازعوا فيه إلى ما افترض الله الرد إليه عند التنازع إذ يقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ فنظرنا في ذلك فوجدنا رسول الله ﷺ قد قال -:"إذا بويع لإِمامين فاقتلوا الآخر منهما - وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ فحرم الله التفرق والتنازع .. وإذا كان إمامان فقد حصل التفرق المحرم فوجد التنازع ووقعت المعصية لله تعالى وقلنا ما لا يحل لنا .. وأما من طريق النظر والمصلحة .. فلو جاز أن يكون في العالم إمامان لجاز أن يكون فيه ثلاثة وأربعة أو أكثر فإن منع ذلك مانع كان متحكما بلا برهان ومدعيا بلا دليل .. وهذا هو الباطل الذي لا يعجز عنه أحد. وإن جاز ذلك زاد الأمر حتى يكون في العالم إمام أو في كل مدينة إمام أو في كل قرية أو يكون كل أحد إمامًا وخليفة في منزله .. وهذا هو الفساد والمحض وهلاك الدين والدنيا فصح أن قول الأنصار رضى الله عنهم رهالة وخطأ رجعوا عنه إلى الحق وعصمهم الله تعالى من التمادى عليه فلا محل للتمسك والاحتجاج بقول تركه صاحبه ورجع عنه لما تبين له أنه خطأ …

стр. 8267

وأما أمر على والحسين مع معاوية رضى الله عنه فقد صح عن النبى ﷺ أنه أنذر بخارجة تخرج من طائفتين من الأمة بقتلها أولى الطائفتين بالحق - فكان قاتل تلك الطائفة الخارجة عليًّا رضى الله عنه فهو صاحب الحق بلا شك وكذلك أنذر ﵊ بأن عمارًا تقتله الفئة الباغية - وقد قتل رضى الله عنه بصفين من أهل الشام بعسكر معاوية رضى الله عنه وقاتله أبو العادية يسار بن سبع السلمى قتله متأولا. فصح أن عليا هو صاحب الحق وكان السلمى هو السابق إلى الإمامة فصح أنه صاحبها وأن من نازعه فيها فهو مخطئ .. فمعاوية ﵀ مخطئ مأجور مرة لأنه مجتهد ولا حجة في خطأ المجتهد المخطئ فبطل قول هذه الطائفة .. وأيضا فإن قول الأنصار رضى الله عنهم "منا أمير ومنكم أمير" يخرج على أنهم أرادوا أن يلى الخلافة وال منهم .. فإذا مات أو عزل .. ولى من المهاجرين وال بدله وهكذا أبدا .. لا على أن يكون إمامان في وقت واحد .. وهذا هو الأظهر من كلامهم .. وأما على ومعاوية رضى الله عنهما فما سلم قط أحدهما للآخر .. بل كل واحد منهما يرى أنه المحق .. وكذلك كان الحسن رضى الله عنه إلى أن أسلم الأمر إلى معاوية .. فإذ هذا كذلك .. فقد صح الإجماع على بطلان قول ابن كرام وأبى الصباح وبطل أن يكون لهم تعلق في شيء أصلا .. وجاء في كتاب الأحكام السلطانية للقاضى أبى الحسن الماورى (١): "وإذا عقدت الإِمامة لإمامين في بلدين لم تنعقد إمامتهما لأنه لا يجوز أن يكون للأمة إمامان في وقت واحد .. وإن شذ قوم فجوزوه .. واختلف الفقهاء في الإِمام منهما .. فقالت طائفة: هو الذي عقت له الإمامة في البلد الذي مات فيه من تقدمه لأنهم بعقدها أخص وبالقيام بها أحق .. وعلى كافة الأمة في الأمصار كلها أن يفوضوا عقدها إليهم ويسلموها لمن بايعوه لئلا ينتشر الأمر باختلاف الآراء وتباين الأهواء .. وقال آخرون: بل على كل واحد منهما أن يدفع الإمامة عن نفسه ويسلمها إلى صاحبه طلبا للسلامة وحسما للفتنة ليختار أهل الحل والعقد أحدهما أو غيرهما .. وقال آخرون: بل يقرع بينهما دفعا للتنازع وقطعا للتخاصم فأيهما قرع كان بالإمامة أحق .. والصحيح في ذلك وما عليه الفقهاء المحققون أن الإمامة لأسبقهما عقدا وبيعة كالوليين في نكاح المرأة إذا زوجاها باثنين كل واحد منهما في عقد كان النكاح لأسبقهما عقدا .. فإذا تعين السابق منهما استقرت له الإِمامة وعلى المسبوق تسليم الأمر إليه والدخول في بيعته .. وإن عقدت الإمامة لهما في حال واحد لم يسبق بها أحدهما فسد العقدان واستؤنف العقد لأحدهما أو لغيرهما .. وإن تقدمت بيعة أحدهما وأشكل المتقدم منهما وقف أمرهما على الكشف .. فإن تنازعاها وادعى كل واحد أنه الأسبق لم تشمع دعواه ولم يحلف عليها لأنه لا يختص بالحق فيها وإنما هو حق المسلمين جميعا فلا حكم ليمينه فيه ولا لنكوله عنه .. وهكذا لو قطع التنازع فيها وسلمها أحدهما

стр. 8268

إلى الآخر لم تستقر إمامته إلا ببينة تشهد بتقدمه .. ولو أقر أحدهما للآخر بالتقدم في العقد خرج منها المقر ولم تستقر للآخر لأن المقر مقر في حق المسلمين .. فإن شهد له المقر بتقدمه فيها مع شاهد آخر سمعت شهادته إن ذكر اشتباه الأمر عليه عند التنازع .. ولم يسمع منه إن لم يذكر الاشتباه لما في القولين من التكاذب .. وإذا دام الاشتباه بينهما بعد الكشف ولم تقم بينة لأحدهما بالتقدم لم يقرع بينهما لأمرين: الأول: أن الإمامة عقد والقرعة لا مدخل لها في العقود. الثاني: أن الإِمامة لا يجوز فيها الاشتراك .. والقرعة لا مدخل لها فيما لا يصح الاشتراك فيه كالمناكحات .. وتدخل فيما يصح فيه الاشتراك كالأموال .. ويكون دوام هذا الاشتباه مبطلا لعقدى الإِمامة فيهما .. ويستأنف أهل الاختيار عقدها لأحدهما .. فلو أرادوا العدول بها عنهما إلى غيرهما .. فقد قيل بجوازه لخروجهما عنها .. وقيل لا يجوز لأن البيعة لهما قد صرفت الإمامة عمن عداها .. ولأن الاشتباه لا يمنع ثبوتها في أحدهما .. وجاء في شرح المقاصد للسعد التفتازانى أثناء حكايته ما جاء في كتب الفقه والفروع خاصا بالإِمامة لبيان أن الإمامة من مسائل الفروع أصلا لأن حكمها أنها من فروض الكفاية فذكرها في الكتب الفقهية أليق .. وبيان السبب في العدول عن ذلك وذكرها في علم الكلام .. جاء بالمقاصد (١): "ولا يجوز نصب إمامين في وقت واحد على الأظهر". وجاء في المسايرة للكمال بن الهمام وشرحها لتلميذه الكمال بن أبى شريف:"ولا يولى الإمامه أكثر من إمام واحد لقوله ﷺ :"إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما، رواه مسلم من حديث أبى سعيد .. والأمر بقتله محمود على ما إذا لم يندفع إلا بالقتل". وقال الغزالى بعد ذكر الصفات التي يجب توافرها في الإمام: "فإن ولى عدد موصوف بهذه الصفات .. فالإمام من انعقدت له البيعة من الأكثر والمخالف يجب رده إلى الانقياد للحق .. ". وجاء في المواقف للعضد: ولا يجوز العقد لإِمامين في وضع واحد متضايق الأقطار .. أما في مسمعها بحيث لا يسع الواحد تدبيره .. فهو محل الاجتهاد .. وقال شارحه السيد الجرجانى تعليقا على ذلك:"لوقوع الخلاف". تلك هي عبارات المؤلفين في موضوع تعدد الإمام أشار أكثرها إلى أن هناك خلافا في جواز تعدد الإمام ولكنه كما يبدو خلاف ضعيف ليس بذى أثر .. فقد ذكر ابن حزم أسماء المخالفين ورد أدلتهم ووصف القاضي الماوردى المخالفين بأنهم شذرا ولم يشر البعض إلى هذا الخلاف مطلقا كأنهم على ما يظهر لم يعتبروا به .. غير أن من أشار إلى الخلاف قد أطلقه ولم يقيده بحالة ولا موضع فيما عدا العضد في المواقف فإنه فرق بين حالتين .. حالة الصقع المتضايق الأقطار .. وهذه جعل عدم جواز التعدد فيها محل اتفاق. وحالة الصقع المتسع الأقطار بحيث لا يسع الإمام الواحد تدبيره والقيام بشئونه .. وهذه جعل إباحة التعدد فيها محل اجتهاد ..

стр. 8269

وصرح شارح المواقف السيد الجرجانى بأن الأمر في ذلك محل خلاف .. وهذا مسلك لم نجده إلا في المواقف وشرحها .. فيحمل الخلاف على حالة اتساع الأقطار وعدم إمكان التدبير فيها من الواحد وقد تأثر بهذا الاجتهاد السيد صديق حسن خان أحمد علماء الهند .. فذهب في كتابه الروضة الندية إلى جواز تعدد الإمام في عصرنا الحاضر بناء على تحقيق ضرورة تقتضى هذا الجواز نظرًا لتعدد الأقطار الإسلامية وتباعد ما بين أطرافها وعدم قيام روابط أو صلات بينها تسهل على أهل كل قطر معرفة ما يجرى في القطر الآخر والأقطار الأخرى والوقوف على الأحوال ومجريات الأمور هناك .. ذكر ذلك الأستاذ الشيخ محمد رضا في رسالته "الخلافة أو الإمامة العظمى" (١) ولكنه أبدى تردده في تحقيق الضرورة المقتضية لإجازة تعدد الخليفة الآن بعد أن ظهرت المخترعات الحديثة وانتشرت وسهلت طرق المواصلات السريعة في كل نواحى العالم، حتى ربطت أجزاءه ببعضها وصار يشعر من في أقصى الشرق أو الشمال بما يجرى في أقصى الغرب أو الجنوب بعد لحظات من وقوعه وأصبح من الممكن أن ينتقل الإنسان بين أطراف العالم في ساعات .. وماذا عسى أن يكون الرأى إذا قال قائل: إن الخلافة قد عاشت واحدة قوية فياضة بالحياة يمتد ظلها الوارف على وطن إسلامى لا يقل في اتساع أرجائه ووفرة نشاطه عما عليه حال الأمم الإسلامية الآن .. ولم تكن المخترعات الحديثة والمواصلات السريعة قد ربطت بين أجزاء العالم كما هو الحال الآن .. ولكن هل الإسلام والمسلمون الآن كما كان الإسلام والمسلمون في العصر الذي يشار إليه؟! إن وجه الخلافة يتغير بتغير الناس .. سأل رجل أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه: ما بال الناس قد اختلفوا عليك ولم يختلفوا على أبى بكر وعمر .. فقال على: لأن أبا بكر وعمر كانا واليين على مثلى وأنا وال على مثلك .. هل يجوز للإمام أن ينيب عنه غيره ؟ انتهينا في الفصل السابق إلى أنه لا يجوز في رأى جمهور العلماء وهو الراجح - تعدد الإمام على التفصيل المشار إليه .. ولكن هل يجوز للإمام أن ينيب عنه غيره في تدبير شئون الأمة وتنفيذ ما يحتاج إلى التنفيذ من أمورها. أو لا يجوز؟. وليس في الشريعة ما يمنع الإمام أن يفوض جانبا من شئون الأمة إلى شخص ذى علم ورأى وشجاعة وعدل يثق به ويطمئن إليه فيمنحه ما كان له من تدبير وتنفيذ .. وقد جرى الاصطلاح على تسمية من ينيبه الإمام عنه ويفوض إليه جانبا من الشئون وبعضا من الأمور فيقوم معه بالتدبير والتنفيذ أو بأحدهما - بالوزير - وأطلق في كثير من الروايات والكتب على أبى بكر رضى الله عنه أنه كان وزير النبي ﷺ كما أطلق على عمر رضى الله عنه أنه كان وزير أبى بكر وعلى وعثمان رضى الله عنهما أنهما كانا وزيرى عمر. ولأهل الحل والعقد أن يطالبوا الخليفة بهذه

стр. 8270

الاستنابة متى رأوا المصلحة قاضية بها ولا فرق بين أن يكون المستناب واحدًا أو أكثر حسبما يقتضيه صالح العمل .. وقد تحدث الفيلسوف ابن خلدون عن الوزارة في مقدمته في الفصل الرابع والثلاثين في مراتب الملك والسلطان واتعابها (١) فقال: "واعلم أن الوظائف السلطانية في هذه الملة الإسلامية مندرجة تحت الخلافة لاشتمال منصب الخلافة على الدين والدنيا كما قدمناه .. فالأحكام الشرعية متعلقة بجميعها .. وموجودة لكل واحدة منها في سائر وجوهها لعموم تعلق الحكم الشرعى بجميع أفعال العباد .. والفقيه ينظر في مرتبة الملك والسلطان وشروط تقليدها استبدادًا على الخلافة وهو معنى السلطان .. أو تعويضها منها وهو معنى الوزارة عندهم وفى نظره في الأحكام والأموال وسائر السياسات مطلقا أو مقيدًا وفى موجبات العزل إن عرضت وغير ذلك من معاني الملك والسلطان .. وكذا في سائر الوظائف التي دخلت الملك والسلطان من وزارة أو جباية أو ولاية .. لابد للفقيه من النظر في جميع ذلك لما قدمناه من انسحاب حكم الخلافة الشرعية في الملة الإِسلامية على رتبة الملك والسلطان .. إلا أن كلامنا في وظائف الملك والسلطان ورتبته إنما هو بمقتضي طبيعة العمران .. ووجود البشر بما لا يخصها من أحكام الشرع فإن هذا ليس من غرض كلامنا فلا نحتاج إلى تفصيل أحكامها الشرعية مع أنها مستوفاة في كتب الأحكام السلطانية مثل كتاب القاضي أبى الحسن الماوردى وغيره من أعلام الفقهاء .. فإن أردت استيفائها فعليك بمطالعتها هنالك. وإنما تكلمنا في الوظائف الخلافية وأفردناها لتميز بينها وبين الوظائف السلطانية لا لتحقيق أحكامها الشرعية .. وإنما نتكلم في ذلك بما تقتضيه طبيعة العمران في الوجود الإنسانى .. وبعد أن أشار إلى فروع الخطط السلطانية ووجوه حاجة السلطان فيها قال: "وما زال الأمر في الدول قبل الإسلام هكذا حتى جاء الإسلام وصار الأمر خلافة فذهبت تلك الخطط كلها بذهاب رسم الملك إلا ما هو طبيعى من المعاونة بالرأى والمفاوضة فيه فلم يمكن زواله إذ هو أمر لابد منه .. فكان ﷺ يشاور أصحابه ويفاوضهم في مهماته العامة والخاصة .. ويخص مع ذلك أبا بكر بخصوصيات أخرى .. حتى كان العرب الذين عرفوا الدول وأحوالها في كسرى وقيصر والنجاشى يسمون أبا بكر وزيره ولم يكن لفظ الوزير يعرف بين المسلمين لذهاب رتبة الملك بسذاجة الإسلام .. وكذا عمر مع أبى بكر .. وعلى وعثمان مع عمر .. ". وقال القاضي أبو الحسن الماوردى في كتابه الأحكام السلطانية (٢): "والوزارة على ضربين: وزارة تفويض .. ووزارة تنفيذ .. فأما وزارة التفويض فهو أن يستوزر الإمام من يفوض إليه تدبير الأمور برأيه .. وإمضائها على اجتهاده .. وليس يمتنع جواز هذه الوزارة". وقال الله تعالى حكاية عن نبيه موسى ﵊: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي

стр. 8271

هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ فإذا جاز ذلك في النبوة كان في الإمامة أجوز .. ولأن ما وكل إلى الإمام من تدبير الأمة لا يقدر على مباشرة جميعه إلا باستتابة ونيابة الوزير المشارك له في التدبير وذلك أصح في تنفيذ الأمور من تفرده بها ليستظهر بها على نفسه .. وبها يكون أبعد من الزلل وأمنع من الخلل .. ويعتبر في تقليد هذه الوزارة شروط الإمامة إلا النسب وحده .. لأنه محضى الآراء منفذ الاجتهاد فاقتضى أن يكون على صفات المجتهدين .. ويحتاج فيها إلى شرط زائد على شروط الإمامة .. وهو أن يكون من أهل الكفاية فيما وكل إليه من أمر الحرب والخراج خبرة بهما ومعرفة بتفصيلهما فإنه مباسر لهما تارة ومستنيت فيهما أخرى .. فلا يصل إلى استنابة الكفاة إلا أن يكون منهم كما لا يقدر على المباشرة إذا قصد عنهم .. وعلى هذا الشرط مدار الوزارة وبه تنتظم السياسة .. وقد كتب المأمون رضى الله عنه في اختيار وزير فقال: "إنى التمست لأمورى رجلا جامعا لخصال الخير ذا عفة في خلائقه واستقامة في طرائقه قد هذبته الآداب .. وأحكمته التجارب .. إن أؤتمن على الأسرار قام بها .. وإن قلد مهمات الأمور نهض فيها .. يسكته الحلم .. وينطقه العلم .. وتكفيه اللحظة .. وتغنيه اللمحة .. له صولة الأمراء .. وأناة الحكماء .. وتواضع العلماء .. وفهم الفقهاء .. إن أحسن إليه شكر وإن ابتلى بالإساءة صبر .. لا يبيع نصيب يومه بحرمان غده .. ويسترق قلوب الرجال بخلابة لسانه .. وحسن بيانه .. ". فهذه الأوصاف إذا كملت في الزعيم المدبر .. وقل ما تكمل .. فالصلاح بنظره عام .. وما يناط برأيه وتدبيره تام .. وإن اختلت فالصلاح بحسبها يختل .. والتدبير على قدرها يعتلى .. ولئن لم يكن هذا من الشروط الدينية المحضة فهو من الشروط السياسية الممازحة لشروط الدين لما يتعلق بها من مصالح الأمة .. واستقامة الملة .. فإذا كملت شروط هذه الوزارة فيمن هو أهل لها فصحة التقليد فيها معتبرة بلفظ الخليفة المستوزر بأن يجمع في لفظه بين تفويض عموم النظر له والنيابة عنه كأن يقول: "قلدتك ما إليّ نيابة عنى" وبالاقتصار على أحدهما لا تنعقد الوزارة .. ألم تر أن الله تعالى يقول حكاية عن نبيه موسى صلوات الله عليه: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ فلم يقتصر على مجرد الوزارة حتى قرنها بشد أزره وأشركه في أمره .. والنظر في وزارة التفويض معتبر بشرطين يقع بهما الفرق بين الإمامة والوزارة: الأول: يختص بالوزير وهو مطالعة الإمام لما أمضاه من تدبير وأنفذه من ولاية وتقليد لئلا يصير بالاستبداد بالأمور كالإمام وهو غير مفوض بالإِمامة من قبل من له حق إقامته .. الثاني: مختص بالإمام وهو أن يتصفح أعمال الوزير وتدبيره الأمور ليقر منها ما وافق الصواب ويستدرك ما خالفه لأن تدبير الأمة إليه موكول .. وعلى اجتهاده محمول .. ويجوز لهذا الوزير أن يحتكم بنفسه وأن يقلد الحكام كما يجوز ذلك للإمام لأن شروط الإمامة فيه معتبرة .. وكل ما صح من الإمام صح من الوزير إلا ثلاثة أشياء:

стр. 8272

الأول: ولاية العهد فإن للإمام أن يعهد بالإمامة إلى من يراه أهلا لها .. وليس ذلك للوزير .. الثاني: أن للامام أن يستفتى الأمة من الإمامة؟ وليس ذلك للوزير. الثالث: أن للإمام أن يعزل من قلده الوزير .. وليس للوزير أن يعزل من قلده الإمام .. وأما وزارة التنفيذ فحكمها أضعف وشروطها أقل لأن النظر فيها مقصور على رأى الإمام وتنفيذه .. وهذا الوزير وسط بينه وبين الرعايا والولاة يؤدى عنه ما أمر به .. وينفذ عنه ما ذكر .. ويمضى ما حكم .. ويخبر بتقليد الولاية وتجهيز الجيوش .. ويعرض عليه ما ورد من المهام وحدت من الأمور ليعمل فيه ما يؤمر به .. فهو معين في تنفيذ الأمور وليس بدال عليها ولا متقلد لها .. ولا يجوز لوزير التنفيذ أن يستخلف نائبا عنه إلا إذا أذن له الإمام في الاستخلاف على غير الأمر في وزير التفويض فإن له أن يستنيب عنه ولو لم يؤذن في ذلك إلا أن ينهاه الإمام عن الاستخلاف فلا يجوز له وذلك لأن الاستخلاف تقايد نصح من وزير التفويض ولم يصح من وزير التنفيذ على الوجه المذكور. شروط الخليفة: جاء في شرح المقاصد للسعد التفتازانى (١): يشترط في الإمام أن يكون مطلقا حرًا ذكرًا عدلا .. لأن غير العادل من الصبى والمعتوه قاصر عن القيام بالأمور على ما ينبغى .. والعبد مشغول بخدمة ألسيد لا يفرغ للأمر مستحقر في أعين الناس لا يهاب ولا يمتثل أمره .. والنساء ناقصات عقل ودين ممنوعات من الخروج إلى مشاهد الحكم .. ومعارك الحرب .. والفاسق لا يصلح لأمر الدين ولا يوثق بأوامره ونواهيه .. والظالم يختل به أمر الدين والدنيا .. وكيف يصلح للولاية .. وما الوالى إلا لدفع شره .. أليس بعجيب استرعاء الذئب .. وأما الكافر فأمره ظاهر .. وزاد الجمهور أن يكون شجاعا لئلا يجبن عن إقامة الحدود ومقاومة الخصوم .. مجتهدا في الأصول والفروع ليتمكن من القيام بأمر الدين - ذا رأى في تدبير الأمور لئلا يخبط في سياسة الجمهور ولم يشترطها بعضهم لندرة اجتماعها في الشخص وجواز الاكتفاء فيها بالاستعانة بالغير بأن يفوض أمر الحروب ومباشرة الخطوب إلى الشجعان .. ويستفتى المجتهدين في أمور الدين - ويستشير أصحاب الآراء الصائبة في أمور الملك .. واتفقت الأمة على أن يكون قرشيا من أولاد النضر بن كنانة خلافا للخوارج وأكثر المعتزلة .. لنا - السنة والإجماع: أما السنة فقول النبي ﷺ : "الأئمة من قريش" - وليس المراد إمامة الصلاة اتفاقا .. فتعينت الإمامة الكبرى .. وقوله ﷺ : "الولاة من قريش ما أطاعوا الله واستقاموا لأمره" .. وقوله ﷺ : "قدموا قريشا ولا تقدموها" .. وأما الإجماع فهو أنه لما قال الأنصار يوم السقيفة: "منا أمير ومنكم أمير" منعهم أبو بكر رضى الله عنه بعدم كونهم من قريش .. ولم ينكره عليه أحد من الصحاية فكان إجماعًا ..

стр. 8273

احتج المخالف بالمنقول والمعقول .. أما المنقول: فقول النبي ﷺ : "اسمعوا وأطيعوا ولو أمر عليكم عبد حبشى أجدع" وأجيب بأن ذلك في غير الإمام من الحكام جمعا بين الأدلة .. وأما المعقول فهو أنه لا عبرة بالنسب في القيام بمصالح الملك والدين .. بل العبرة للعلم والتقوى والبصيرة في الأمور والخبرة بالمصالح والقوة على الأهوال وما أشبه ذلك .. وأجيب بالمنع .. بل إن لشرف الأنساب وعظيم قدرها في النفوس أثرا تاما في اجتماع الآراء وتآلف الأهواء وبذل الطاعة والانقياد وإظهار آثار الاعتقاد .. ولهذا شاع في الأعصار أن يكون الملك والسياسة في قبيلة مخصوصة وأهل بيت معين حتى أنه ليرى الانتقال عنه من الخطوب العظيمة والاتفاقات العجيبة .. ولا أليق بذلك من قريش الذين هم أشرف الناس سيما وقد اقتصر عليهم ختم الرسالة وانتشرت منهم الشريعة الباقية إلى يوم القيامة. وأما إذا لم يوجد من قريش من يصلح لذلك أو لم يقتدر على نصبه لإستيلاء أهل الباطل وشوكة الظلمة وأرباب الضلالة .. فلا كلام في جواز تقلد القضاء وتنفيذ الأحكام وإقامة الحدود وجميع ما يتعلق بالإمام من كل ذى شوكة .. كما إذا كان الإمام القرشى فاسقا أو جائرا أو جاهلا فضلا عن أن يكون مجتهدا .. وبالجملة معنى ما ذكر في باب الإمامة على الاختيار والاقتدار .. وأما عند العجز والاضطرار واستيلاء الظلة والكفار والفجار وتسلط الجبابرة الأشرار فقد صارت الرياسة الدنيوية تقلبية .. وبنيت عليها الأحكام الدينية المنوطة بالإمام ضرورة ولم يعبأ بعدم العلم والعدالة وسائر الشروط .. والضرورات تبيح المحظورات .. وإلى أن المشتكى في النائبات وهو المرتجى لكشف الملمات. وقال السعد في أول فصل الإمامة (١) أثناء حديثه عن أن الإمامة من مسائل الفروع وأن ذكرها في كتب الفقه أليق .. وبيان السبب في نقل الكلام عنها إلى علم الكلام .. قال: وقد ذكر في كتبنا الفقهية أنه لابد للأمة من إمام يحيى الدين ويقيم السنة وينتصف للمظلومين ويستوفى الحقوق ويضعها مواضعها .. ويشترط أن يكون مكلفا مسلمًا عدلا حرًّا ذكرًا مجتهدًا شجاعًا ذا رأى وكفاية سميعا وبصيرا ناطقا قرشيا .. فإن لم يوجد من قريش من يستجمع الصفات المعتبرة ولى كنعانى .. فإن لم يوجد فرجل من ولد إسماعيل .. فإن لم يوجد فرجل من العجم .. ولا يشترط أن يكون هاشميا ولا معصوما ولا أفضل من يولى عليهم .. فإذا مات الإمام وتصدى للإمامة من يستجمع شرائطها من غير بيعة واستخلاف وقهر الناس بشوكته انعقدت الخلافة له .. وكذا إذا كان فاسقا أو جاهلا على الأظهر إلا أنه يعصى بما فعل .. ولا يعتبر الشخص إماما بتفرده بشروط الإمامة .. ويجب طاعة الإمام ما لم يخالف حكم الشرع سواء كان عادلا أو جائرا .. وجاء في كتاب الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم الظاهرى (٢): قال أبو محمد: وذكر الباقلانى في شروط

стр. 8274

الإمامة أنها أحد عشر شرطا: وهذا أيضا دعوى بلا برهان .. وما كان هكذا فهو باطل فوجب أن ينظر في شروط الإمامة التي لا تجوز الإمامة لغير من هن فيه فوجدناها: أن يكون صليبة قريش لإخبار رسول الله ﷺ أن الإمامة فيهم .. وأن يكون بالغا مميزا لقول رسول الله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة فذكر الصبى حتى يحتلم والمجنون حتى يفيق .. وأن يكون رجلا لقول رسول الله ﷺ : "لا يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة، وأن يكون مسلما لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ والخلافة أعظم السبيل ولأمره تعالى بإصفاء أهل الكتاب وأخذهم بأداء الجزية وقتل من لم يكن من أهل الكتاب حتى يسلموا .. وأن يكون متقدما لأمره عالما بما يلزمه من فرائض الدين متقيا لله تعالى بالجملة غير معاين بالفساد في الأرض لقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ لأن من قدم من لا يتقى الله ولا في شيء من الأشياء أو قدم معلنا يالفساد في الأرض أو غير مأمون أو من لا ينفذ أمرًا أو من لا يدرى شيئا من دينه فقد أعان على الإِثم والعدوان ولم يعن علي البر والتقوى .. وقد قال رسول الله ﷺ : "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" وقال ﵇: "يا أبا ذر! إنك ضعيف .. لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم" وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ فصح أن السفيه والضعيف ومن لا يقدر على شيء فلابد له من ولى .. ومن لابد له من ولى فلا يجوز أن يكون وليًا للمسلمين .. فصح أن ولاية من لم يستكمل هذه الشروظ الثمانية باطلة لا يجوز ولا ينعقد أصلا .. ثم يستحب بأن يكون عالما يخصه من أمور الدين من العبادات والسياسة والأحكام مؤديا للفرائض كلها لا يخل بشئ منها مجتنبًا لجميع الكبائر سرًّا وجهرًا .. مستترا بالصغائر إن كانت منه .. فهذه أربع صفات يكره أن يلى الأمة من لم ينتظمها فإن ولى فولايته صحيحة ونكرهها .. وطاعته فيما أطاع الله فيه واجبة وسننه معًا لم يطع الله فيه واجب .. والغاية المأمولة فيه أن يكون رفيقا بالناس في غير ضعف شديدا في إنكار المنكر في غير ضعف ولا تجاوز للواجب مستيقظا غير غافل شجاع النفس غير مانع للمال في حقه ولامبذرا له في غير حقه .. ويجمع هذا كله أن يكون الإمام قائما بأحكام القرآن وسنن رسول الله ﷺ . . فهذا يجمع كل فضيلة … قال أبو محمد: ولا يضر الإمام أن يكون في خَلْقِهِ عيب كالأعمى والأصم والأجدع والأجذم والأحدب والذي لا يَدَان له ولا رجلان .. ومن بلغ الهرم ما دام يعقل ولو أنه ابن مائة عام .. ومن يعرض له الصرع ثم يفيق .. ومن بويع إثر بلوغه الحلم وهو مستوف لشروط الإمامة .. فكل هؤلاء إمامتهم جائزة إذ لم يمنع منها نص قرآنى ولا سنة ولا إجماع ولا نظر ولا دليل أصلا .. بل قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾. فمن قام بالقسط والعدل فقد أدى ما أمر الله به .. ولا خلاف بين أحد من أهل الإسلام في أنه لا يجوز التوارث في الإمامة ولا في أنها

стр. 8275

لا يجوز لمن لم يبلغ .. حاشا الروافض فإنهم أجازوا كلا الأمرين .. ولا خلاف لأحد في أنها لا تجوز لامرأة للحديث النبوى المتقدم .. وقد قال بن حزم (١): اتفق جميع أهل السنة وجميع المرجئة وجميع الشيعة وجميع الخوارج على وجوب الإمامة وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل يقيم فيهم أحكام الله تعالى ويسوسهم بأحكام الشريعة التي أتى بها رسول الله ﷺ … ثم اختلف هؤلاء القائلون بوجوب الإمامة على قريش .. فذهب أهل السنة وجميع الشيعة وبعض المعتزلة وجمهور المرجئة إلى أن الإمامة لا تجوز إلا في قريس خاصة من كان من ولد فهر بن مالك وأنها لا تجوز فيمن كان أبوه من غير بنى فهر بن مالك وإن كانت أمه من قريش ولا في حليف قريش ولا في مولاها .. وذهبت الخوارج كلها وجمهور المعتزلة وبعض المرجئة إلى أنها جائزة في كل من قام بالكتاب والسنة قرشيا كان أو عربيا أو ابن عبد .. وقال ضرار بن عمرو النطفانى:" إذا اجتمع حبشى وقرشى كلاهما قائم بالكتاب والسنة فالواجب أن يقدم الحبشى لأنه أسهل لخلعه إذا حاد عن الطريقة .. قال أبو محمد: وبوجوب الإمامة في ولد فهر بن مالك خاصة نقول: لنص رسول الله ﷺ على أن الأئمة من قريش .. وهذه رواية جاءت مجئ التواتر ورواها أنس بن مالك وعبد الله بن عمر بن الخطاب ومعاوية .. وروى جابر بن عبد الله وجابر بن سمرة وعبادة بن الصامت معناها .. ومما يدك على صحة ذلك إذعان الأنصار رضى الله عنهم يوم السقيفة وهم أهل الدار والمنعة والعدد والسابقة في الإسلام رضى الله عنهم … ومن المحال أن يتركوا اجتهادهم لإجتهاد غيرهم لولا قيام الحجة عليهم بنص رسول الله ﷺ على أن الحق لغيرهم في ذلك .. فإن قال قائل: إن قول رسول الله ﷺ : الأئمة من قريش .. يدخل في ذلك الحليف والمولى وابن الأخت لقوله ﷺ : مولى القوم منهم ومن أنفسهم وابن أخت القوم منهم .. فالجواب وبالله التوفيق .. أن الإجماع قد يتقن وصح على أن حكم الحليف والمولى وابن الأخت كحكم من ليس له حليف ولا مولى ولا ابن أخت فمن أجاز الإمامة في غير هؤلاء - جوزها في هؤلاء ومن منعها من غير قريش منعها من الحليف والمولى وابن الأخت .. فإذا صح البرهان بأن لا يكون إلا في قريش لا في من ليس قرشيا صح بالإِجماع أن حليف قريش ومولاهم وابن أختهم كحكم من ليس قرشيا .. واختلف القائلون بأن الإمامة لا تكون إلا صلبة قريش .. فقالت طائفة: هي جائزة في جميع ولد فهر بن مالك فقط .. وهذا قول أهل السنة وجمهور المرجئة وبعض المعتزلة .. وقالت طائفة: لا تجوز الخلافة إلا في ولد العباس بن عبد المطلب .. وهو قول الراوندية .. وقالت طائفة: لا تجوز الخلافة إلا في ولد على بن أبى طالب ثم قصروها على عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبى

стр. 8276

طالب .. وبلغنا عن بعض بنى الحارث بن عبد المطلب أنه كان يقول: لا تجوز الخلافة إلا في بنى عبد المطلب خاصة .. ويراها في جميع ولد عبد المطلب وهم أبو طالب وأبو لهب والحارث والعباس .. وبلغنا عن رجل كان بالأردن يقول: لا تجوز الخلافة إلا في بنى أمية بن عبد شمس .. وكان له في ذلك تأليف مجموع .. وألف رجل من ولد عمر بن الخطاب كتابا يمنح فيه بأن الخلافة لا تجوز إلا لولد أبى بكر وعمر رضى الله عنهما .. قال أبو محمد: فأما هذه الفرق فما وجدنا لهم شبهة يستحق أن يشتغل بها إلا دعاوى كاذبة لا وجه لها .. وإنما الكلام مع الذين يرون الأمر لولد العباس أو لولد على بن أبى طالب فقط لكثرة عددهم .. احتج من ذهب إلى أن الخلافة لا تجوز إلا في ولد العباس فقط بأن العباس عصب رسول الله ﷺ ووارثه .. فإذا كان ذلك كذلك .. فقد ورث مكانه .. وهذا ليس بشئ لأن ميراث العباس رضى الله عنه لو وجب لكان ذلك في المال خاصة .. وأما المرتبة فما جاء قط في الديانات أنها تورث .. فبطل هذا التمويه جملة .. ولو جاز أن تورث المراتب لكان من ولاة رسول الله ﷺ : مكانا ما إذا مات وجب أن يرث تلك الولاية عاصبة ووارثه وهذا ما لا يقولون به .. فكيف وقد صح بإجماع جميع أهل القبلة حاشا الروافض أن رسول الله ﷺ قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة .. فإن اعترض معترض بقول الله : ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ وبقوله حاكيا عن زكريا ﵇ أنه قال: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ .. فكأن الآيتين تدلان على ميراث الأنبياء في المال .. والجواب عن الأذلي أن سليمان قد صار نبيا كأبيه وليس أنه ورثه في المال إذا الثابت تاريخيا أنه كان لأبيه أولاد كثيرون غيره .. وعن الثانية بأن زكريا إنما دعى ربه وطلب ولدًا نبيًا لا ولدًا يرثه في المال .. بدليل قوله بعد ويرث من آل يعقوب .. وأيضًا فإن العباس رضى الله عنه لم يكن محيطا بميراث النبي ﷺ .. وإنما كان يرث ثلاثة أثمان .. أما ميراث المرتبة فقد كان العباس حيا وقت موت النبي ﷺ فما أدعى لنفسه حقا ولا إرثا في المرتبة أو في غيرها لا حينئذ ولا بعد ذلك وجاءت الشورى في عهد عمر ولم يذكر فيها ولم ينكر هو ولا غيره ترك ذكره فيها. فصح أن هذا رأى محدث فاسد لا يصح الاشتغال به .. ولم يثر الخلفاء من أولاده والأفاضل منهم في خلافة العباسيين هذه الدعوة ترفعا واعتقادًا بوهنها وسقوطها .. وجاء في كتاب الأحكام السلطانية للقاضى أبى الحسن الماوردى (١) فإذا ثبت وجوب الإِمامة ففرضها على الكفاية كالجهاد وطلب العلم .. فإذا قام بها من هو من أهلها سقط فرضها عن الكافة .. وإذا لم يقم بها أحد خرج من الناس فريقان: الأول: أهل الاختيار حتى يختاروا إماما للأمة. والثانى: أهل الإمامة حتى ينتصب أحدهم للإمامة ..

стр. 8277

وليس على من عدا هذين الفريقين من الأمة في تأخير الإمامة حرج ولا مأثم .. وإذا تميز هذان الفريقان من الأمة في فرض الإمامة وجب أن يعتبر كل فريق منهما بالشروط المعتبرة فيه .. فأما أهل الاختيار فالشروط المعتبرة فيهم ثلاثة: الأول: العدالة الجامعة لشروطها .. الثاني: العلم الذي يتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة على الشروط المعتبرة فيها .. الثالث: الرأى والحكمة المؤديان إلى اختيار من هو للإمامة أصلح .. وبتدبير المصالح أقوم وأعرف .. وليس لمن كان في بلد الإمام على غيره من أهل البلاد فضل مزية يتقدم بها عليه .. وإنما صار من يحضر ببلد الإمام متوليا لعقد الإمامة عرفا لا شرعا لسبق علمهم بموته .. ولأن من يصلح للخلافة في الأغلب موجودون في بلده .. وأما أهل الإمامة .. فالشروط المعتبرة فيهم سبعة: الأول: العدالة على شروطهما الجامعة. وقد قال في ولاية القضاء (١) في شروط ولاية القاضي: والعدالة .. وهى معتبرة في كل ولاية بأن يكون صادق اللهجة .. ظاهر الأمانة. عفيفا عن المحارم .. متوقيا المآثم .. بعيدا عن الريب .. مأمونا في الرضا. والغضب .. مستعملا لمروءة مثله في دينه ودنياه .. فإذا تكاملت في الشخص فهى العدالة التي تجوز بها شهادته .. وتصح بها ولايته .. وإن انخرم منها وصف منع من الشهادة والولاية .. فلم يسمع له قول .. ولم ينفذ له حكم .. وهذه هي شروط العدالة الجامعة .. الثاني: العلم المؤدى إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام. الثالث: سلامة الحواس من السمع والبصر واللسان ليصح معها مباشرة ما يدرك بها .. الرابع: سلامة الأعضاء من نقص يمنع عن استبطاء الحركة وسرعة النهوض. الخامس: الرأى المفضى إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح. السادس: الشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة وجهاد العدو. السابع: النسب .. وهو أن يكون من قريش لورود النص فيه .. وانعقاد الإجماع عليه .. ولا اعتبار بضرار حين شذ فجوزها في جميع الناس لأن أبا بكر الصديق رضى الله عنه احتج يوم السقيفة على الأنصار في دفعهم عن الخلافة لما بايعوا سعد بن عبادة عليها يقول النبي ﷺ : "الأئمة من قريش، فأقلعوا عن التفرد بها ورجعوا عن المشاركة فيها حين قالوا:"منا" أمير ومنكم أمير" - تسليما لروايته وتصديقا لخبره ورضوا بقوله: نحن الأمراء وأنتم الوزراء وقال النبي ﷺ : "قدموا قرشًا ولا تقدموها، وليس مع هذا النص المسلم شبهة النازع فيه ولا قول لمخالف له. وجاء في مقدمة ابن خلدون المعروفة (٢) في الفصل السادس والعشرين في اختلاف الأمة في حكم منصب الخلافة وشروطه: "وإذا تقرر أن نصب الخليفة واجب بإجماع فهو من فروض

стр. 8278

الكفاية وراجع إلى اختيار أهل الحل والعقد فيتعين عليهم نصبه .. ويجب على الخلق جميعا طاعته لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. وأما شروط هذا المنصب فهى أربعة: العلم والعدالة والكفاية وسلامة الحواس والأعضاء مما يؤثر في الرأى والعمل .. واختلف في شرط خامس وهو النسب القرشى .. فأما اشتراط العلم فظاهر لأنه إنما يكون منفذا لأحكام الله تعالى إذا كان عالما بها .. وما لم يعلمها لا يصح تقديمه لها .. ولا يكفى من العلم إلا أن يكون مجتهدا لأن التقليد نقص .. وأما شرط العدالة فلأنه منصب ديني ينظر في سائر المناصب التي هي شرط فيها فكان أولى باشتراطها فيه .. ولا خلاف في انتفاء العدالة بفسق الجوإرح بارتكاب المحظورات وأمثالها .. أما انتفاؤها بالبدع الاعتقادية فهو محل خلاف .. وأما الكفاية: فهو أن يكون جريئا على إقامة الحدود واقتحام الحروب بصيرا بها كفيلا بحمل الناس عليها عارفا بالعصبية وأحوال الدهاء .. قويا على معاناة السياسة ليصح له بذلك ما جعل إليه من حماية الدين وجهاد العدو وإقامة الأحكام وتدبير المصالح .. وأما سلامة الحواس والأعضاء من النقص والعطلة كالجنون والعمى والصمم والخرس وما يؤثر فقده من الأعضاء في العمل كنقد اليدين والرجلين والانثيين فنشترط السلامة منها كلها لتأثير ذلك في تمام عمله وقيامه بما جعل إليه .. وإن كان إنما يشين في النظر فقط كفقد إحدى هذه الأعضاء فشرط السلامة منها شرط كمال .. ويلحق بفقدان الأعضاء المنع من التصرف .. وهو ضربان: ضرب يلحق بهذه في كون اشتراط السلامة ومنه شرط وجوب وهو القهر والعجز عن التصرف جملة بالأسر وشبهه .. وضرب لا يلحق بهذه وهو الحجر باستيلاء بعض أعوانه عليه من غير عصيان ولا مشاقَّة .. فينتقل النظر في حال هذا المتولى .. فإن جرى على حكم الدين والعدل وحميد السياسة جاز قراره وإلا استنصر المسلمون بمن يقبض يده عن ذلك ويدفع علته حتى ينفَّد فعل الخليفة .. وأما النسب القرشى فلإجماع الصحابة يوم السقيفة على ذلك .. فقد احتجت قريش على الأنصار - لما همَّوا يومئذ ببيعة سعد بن عبادة .. وقالوا: منا أمير ومنكم أمير - يقول النبي ﷺ : "الأئمة من قريش" وبأن النبي ﷺ أوصانا بأن نحسن إلى محسنكم ونتجاوز عن مسيئكم .. ولو كانت الإمارة فيكم لم تكن الوصية بكم فحجوا الأنصار بذلك ورجع الأنصار عن قولهم: "منا أمير ومنكم أمير" وعدلوا عما كانوا همّوا به من بيعة سعد بن عبادة لما ذكره المهاجرون من الحجج .. وثبت أيضا في الصحيح، لا يزال هذا الأمر في هذا الحى من قريش" وأمثال هذه الأدلة كثيرة .. إلا أنه لما ضعف أمر قريش وتلاشت عصبيتهم بما نالهم من الترف والنعيم وبما فرقتم الدولة في سائر أقطار الأرض عجزوا بذلك عن حمل الخلافة. وتغلب عليهم الأعاجم .. وصار الحل والعقد

стр. 8279

لهم فاشتبه ذلك على كثير من المحققين حتى ذهبوا إلى نفى اشتراط القرشية .. وعوّلوا على ظواهر في ذلك مثل قول النبي ﷺ : "اسمعوا وأطيعوا وإن ولى عليكم عبد حبشى ذو زبيبة" وهذا لا تقوم به حجة في ذلك فإنه خرج مخرج التمثيل والفرض للمبالغة في إيجاب السمع والطاعة .. ومثل قول عمر رضى الله عنه: "لو كان سالم مولى أبى حذيفة حيا لوليته أولما دخلتنى فيه الظنة" وهو أيضا لا يفيد ذلك لما علمت أن مذهب الصحابي ليس بحجة .. وأيضا فإن مولى القوم منهم .. وعصبية الولاء حاصلة السالم في قريش .. وهى الفائدة في اشتراط النسب القرشى .. ولما استعظم أمر الخلافة ورأى شروطها كأنها مفقودة في ظنه عدل إلى سالم لتوفر شروط الخلافة عنده فيه حتى من النسب المفيد للعصبية كما نذكر .. ولم يبق إلا صراحة النسب فرآه غير محتاج إليه .. إذ الفائدة في النسب إنما هي العصبية .. وهى حاصلة من الولاء فكان ذلك حرصا من عمر رضى الله عنه على النظر للمسلمين وتقليد أمرهم لمن لا تلحقه فيه لائمة ولا عليه فيه عهدة .. ومن القائلين بنفى اشتراط النسب القرشى القاضي أبو بكر الباقلانى لما أدرك ما عليه عصبية قريش من التلاشي والاضمحلال واستبداد ملوك العجم على الخلفاء .. فأسقط شرط القرشية وإن كان موافقا لرأى الخوارج لما رأى عليه حال الخلفاء لعهده .. وبقى الجمهور على القول باشتراط القرشية وصحة الإمامة للقرشى ولو كان عاجزًا عن القيام بأمور المسلمين .. وردَّ عليهم بأن هذا يستلزم سقوط شرط الكفاية في الخليفة وهى التي يقوى بها أمره لأنه إذا ذهبت الشوكة بذهاب العصبية فقد ذهبت الكفاية وإذا وقع الإخلال بشرط الكفاية تطرق ذلك أيضا إلى العلم والدين وسقط اعتبار شرط هذا المنصب .. وهو خلاف الإجماع ولنتكلم الآن في حكمة اشتراط النسب القرشى ليتحقق به الصواب في هذه المذاهب فنقول: إن الأحكام الشرعية كلها لابد لها من مقاصد وحكم تشتمل عليها وتشرع لأجلها .. ونحن إذا بحثنا عن الحكمة في اشتراط النسب القرشى ومقصد الشارع منه لم يقتصر فيه على التبرك بوصْلَة النبي ﷺ كما هو في المشهور .. وإن كانت تلك الوصْلة موجودة والتبرك بها حاصلا .. لكن التبرك ليس من المقاصد الشرعية كما علمت فلابد إذن من المصلحة في اشتراط النسب وهى المقصودة من مشروعية هذا الاشتراط .. وإذا سيرنا وقسمنا لم نجدها إلا اعتبار العصبية التي تكون بها الجماعة والمطالبة .. ويرتفع الخلاف والفرقة بوجودها لصاحب المنصب فتسكن إليه الملة وأهلها وينتظم حبل الألفة فيها .. وذلك أن قريشا كانوا عصبة مضر وأصلهم وأهل الغلب منهم .. وكان لهم على سائر مضر العزة بالكثرة والعصبية والشرف فكان سائر العرب يعترف لهم تنلك ويستكيفون لغلبهم .. فلو جعل الأمر في سواهم لكان من المتوقع افتراق الكلمة بمخالفتهم وعدم انقيادهم .. ولا يقدر خيرهم من قبائل مضر أن يردهم عن الخلاف ولا يحملهم على الملَّة .. فتتفرق الجماعة وتختلف الكلمة ..

стр. 8280

والشارع محذر من ذلك حريص على اتفاقهم ورفع التنازع والشقاق بينهم لتحصل اللحمة والعصبية وتحسن الحماية بخلاف ما إذا كان الأمر في قريش لأنهم قادرون على سوق الناس بعصا الغلب إلى ما يراد منهم فلا يخشى من أحد من خلاف علمهم ولا فرقة لأنهم كفيلون حينئذ بدفعها ومنع الناس منها فاشترط نسبهم القرشي في هذا المنصب وهم أهل العصبية القوية ليكون أبلغ في انتظام الملة واتفاق الكلمة .. وإذا انتظم كلمتهم بانتظامها كلمة مضر أجمع فأذعن لهم سائر العرب .. وانقادت الأمم سواهم إلى أحكام الملة ووطئت جنودهم قاصية البلاد كما وقع في أيام الفتوحات واستمر بعدها في الدولتين إلى أن اضمحل أمر الخلافة وتلاشت عصبية العرب .. ويعلم من كان لقريش من الكثرة والتغلب على بطون مضر من مارسى أخبار العرب وسيرهم وتفطن لذلك في أحوالهم .. وقد ذكر ذلك ابن إسحاق في كتاب السير وغيره .. فإذا ثبت أن اشتراط القرشية إنما هو لدفع التنازع بما كان لهم من العصبية والغلب وعلمنا أن الشارع لا يخص الأحكام بجيل ولا عصر ولا أمة علمنا أن ذلك إنما هو من الكفاية فرددناه إلمها وطردنا العلة المشتملة على المقصود من القرشية وهى وجود العصبية .. فاشترطنا في القائم بأمور المسلمين أن يكون من قوم أولى عصبية قوية غالبة على من معها لعصرها ليستتبعوا من سواهم وتجتمع الكلمة على حسن الحماية .. ولا يعلم ذلك في الأقطار والآفاق كما كان في القرشية .. إذ الدعوة الإسلامية التي كانت لهم كانت عامة .. ، وعصبية العرب كانت وافية بها فغلبوا سائر الأمم وإنما يخص لهذا العهد كل قطر بمن تكون له فيه العصبية الغالبة .. وإذا نظرت إلى سر الله في الخلافة لم تعْدُ هذا لأنه سبحانه إنما جعل الخليفة نائبا عنه في القيام بأمور عباده وليحملهم على مصالحهم ويردهم عن مضارهم والخليفة مخاطب بذلك، ولا يخاطب بالأمر إلا من له قدرة عليه .. ألا ترى ما ذكره الإمام ابن الخطيب (قيل هو الفخر الرازى) في شأن النساء وأنهن في كثير من الأحكام الشرعية جعلن تبعا للرجال ولم يدخلن في الخطاب بالوضع وإنما دخلن عنده بالقياس وذلك لما لم يكن لهن من الأمر شيء وكان الرجال قوامين عليهن .. اللهم إلا في العبادات التي كل أحد فيها قائم على نفسه فخطابهن فيها بالوضع لا بالقياس .. ثم إن الوجود شاهد بذلك فإنه لا يقوم بأمر أمة أو جيل إلا من غلب عليهم .. وقل أن يكون الأمر الشرعى مخالفا للأمر الوجودى .. والله تعالى أعلم .. وجاء في شرح الدر المختار على تنوير الأبصار وحاشية ابن عابدين على هذا الشرح: "ويشترط في الإمام أن يكون مسلما حرًّا ذكرا عاقلا بالغا قادرًا قرشيا .. لأن الكافر لا يلى على المسلم .. قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ .. وولاية الإمام العام من أعظم السبيل .. ولأن العبد لا ولاية له على نفسه .. فكيف تكون له الولاية على غيره .. ولأن الولاية المتعدية فرع الولاية القائمة وليس للعبد ولاية قائمة .. وهو مستحقر في نظر العامة فلا يستطيع إنفاذ الأحكام ولا إقامة

стр. 8281

الحدود .. ومثله الصبى والمجنون لا ولاية لأحدهما على نفسه فلا تكون له ولاية على غيره ولو خاصة فكيف بالولاية العامة .. ولأن النساء أمرن بالقرار في البيوت فكان مبنى حالهن على الستر وخروجهن إلى المجتمعات يعرضهن للانكشاف والاختلاط والوقوع في المحرم وهو حرام .. وحديث النبي ﷺ لما بلغه أن أهل فارس ولوا عليهم بنت كسرى فقال: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة، ففى الفلاح عمن ولوا أمرهم امرأة فهو بمنزلة النهى عن ذلك والأمر عام فيشمل كل أمر عام الإمارة وغيرها .. وقوله: قادرًا .. أي على تنفيذ الأحكام وإنصاف المظلوم من الظالم وسد الثغور وحماية البيضة وحفظ حدود الإسلام وتجهيز الجيش وجر العساكر .. وقوله: قرشيا .. لقوله ﷺ : "الأئمة من قريش، وقد سلمت الأنصار الخلافة لقريش بهذا الحديث .. وبه يبطل قول الضرارية - إن الإمامة تصلح في غير قريش .. وقول الكعبية: إن القرشي أولى بها .. ولا يشترط أن يكون الإمام هاشميا .. أي من أولاد هاشم ولا علويا .. أي من أولاد على بن أبى طالب كما قال بعض الشيعة نفيا لخلافة بنى العباس ولا معصوما .. كما قالت الاسماعيلية والاثنى عشرية أو الإِمامية كما في شرح المقاصد .. ويكره تقليد الفاسق .. أشار إلى أنه لا تشترط عدالته .. وعدها في المسايرة للكمال ابن الهمام من الشروط وعبر عنها تبعا للإمام الغزالى بالورع .. وزاد في الشروط العلم والكفاءة وقال: والظاهر أن الكفاءة أعم من الشجاعة تنتظم كونه ذا رأى وشجاعة كى لا يجبن عن الاقتصاص وإقامة الحدود والحروب الواجبة وتجهيز الجيوش. وهذا الشرط يعنى الشجاعة مما شرطه الجمهور .. ثم قال: وزاد كثيرون الاجتهاد في الأصول والفروع .. وقيل لا يشترط الاجتهاد ولا الشجاعة لندرة اجتماع هذه الأمور في واحد .. ويمكن تفويض مقتضيات الشجاعة والحكم إلى غيره وأن يستفتى العلماء .. وعند الحنفية: العدالة ليست شرطا للصحة .. فيصح تقليد الفاسق الإمامة مع الكراهة .. وإذا قلد عدلا ثم جاز أو فسق لا ينعزل ولكن يستحق العزل إن لم يستلزم عزله فتنه .. وإلا ترك .. ويجب أن يدعو له بالصلاح والاستقامة .. ولا يجب الخروج عليه في هذه الحالة كذا عن أبى حنيفة .. وكلمتهم في توجيه ذلك أن الصحابة رضوان الله عليهم صلوا خلف، بعض بنى أمية وقبلوا الولاية منهم .. وفى هذا نظر .. إذ لا يخفى أن أولئك كانوا ملوكا تغلبوا .. والمتغلب تصح منه. هذه الأمور للضرورة .. وليس من شرط صحة الصلاة خلف إمام أن يكون عدلا .. وصار الحال عند المتغلب كما لم يوجد أو وجد ولم يقدر على توليته لغلبة الجورة .. انتهى كلام المسايرة للمحقق ابن الهمام .. هذه هي أقوال المؤلفين في موضوع الخلافة من الفقهاء والمتكلمين في بيان الشروط التي يجب أن تتوافر في الشخص ليصح شرعا أن يكون خليفة رسول الله ﷺ على المسلمين يدير شئونهم ويرعى مصالحهم في ظل من كتاب الله وسنة رسوله وأحكام شريعته .. وبالنظر في هذه الأقوال نجد أنهم اختلفوا في كثير من الشروط هل يجب اعتبارها شروطا لا يصلح للخلافة إلا من تتوافر فيه وتجتمع له أو لا تعتبر كذلك

стр. 8282

فيرتفع إلى منصب الخلافة من فقدها أو فقد بعضها حتى سلامة الحواس والأعضاء وحتى بلوغ الخليفة في العلم مرتبة الاجتهاد وتوفر الشجاعة والإقدام فيه شملها هذا الخلاف .. ولكنهم اتفقوا على اشتراط النسب القرشي فيه استنادًا إلى نص حديث رسول الله ﷺ : "الأئمة من قريش"، وحديثه الآخر:" قدموا قريشا ولا تقدموها" وإلى إجماع الصحابة رضوان الله عليهم لما اجمعوا في سقيفة بنى ساعدة وقامت بينهم مناقشة وهمَّ الأنصار بمبايعة سعد بن عبادة ثم قالوا: منا أمير ومنكم أمير. واحتج عليهم أبو بكر رضى الله عنه بأن هذا الأمر لا يصلح إلا لهذا الحى من قريش وأشار إلى الحديث: وأذعن الأنصار لهذا الاحتجاج فكان إجماعا على اعتباره شرطا .. وقد انفرد ابن خلدون بعد أن أشار إلى نص حديث الرسول ﷺ : "الأئمة من قريش" وجريانه على لسان أبى بكر رضى الله عنه في احتجاجه على الأنصار .. وإلى الإجماع لما أذعن الأنصار لاحتجاج المهاجرين بذلك. انفرد ابن خلدون بالحديث عن غاية المشرع من اشتراط النسب القرشي وهى العصبية التي بتوافرها يكتسب الخليفة قوة وإقداما .. وتتوفر له الطاعة والتقدير مما يكفل تحقيق غاية الشارع من إيجاب نصب الخليفة .. وإذا كانت هذه هي الغاية فحيث تتوفر ينبغى الوقوف هناك - سواء أكانت في قرشى أم في غير قرشى .. بل إن تعبيره قد جرى بما قد يفهم منه إجازة تعدد الإمام إذا توفرت العصبيات لأكثر من شخص كل في قطره ومحيطه فقط إذ يقول في ذلك: "وطردنا العلة المشتملة على المقصود من القرشية وهى وجود العصبية فاشترطنا في القائم بأمور المسلمين أن يكون من قوم أولى عصبية قوية غالبة على من معها لعصرها ليستتبعوا مَنْ هم سواهم وتجمع الكلمة على حسن الحماية .. ولا يعلم ذلك في الأقطار والآفاق كما كان في القرشية إذ الدعوة الإِسلامية التي كانت لقريش إذ ذاك كانت عامة .. وعصبية العرب كانت وافية بها فغلبوا سائر الأمم .. وإنما يخص لهذا العهد كل قطر بمن تكون له فيه العصبية الغالبة .. " فهذه العبارة تشير إلى التعدد تبعا لوجود العصبيات المحلية ومن يرجع إلى المناقشة التي جرت بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بنى ساعدة بشأن من يكون الإمام على المسلمين وخليفة رسول الله ﷺ فيهم والأشخاص الذين رشحوا للخلافة من الجانبين والصفات والمزايا التي لوحظت وجرت المفاضلة على أساسها بين الطرفين أولا ثم بين المرشحين ثانيا - يجد أن الدين والتفاضل فيه والسبق إليه والتضحية في سبيل نصرته وتأييده ورفعة شأنه وشد أركانه .. ثم المقدرة والشجاعة - ونلمح مع هذا الاعتبار العصبية التي هي أساس القوة والقدرة على التنفيذ وكفالة الطاعة والانقياد من الناس. فقد قال قائل الأنصار: أما بعد: فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا .. استمر يقيم أحقيتهم بالخلافة على ما كان لهم في نصرة الإسلام من بلاء وما بذلوا في سبيل إعلاء كلمة الدين والتمكين له من أموالهم وأنفسهم. وأن هذا الدين قد أدى إليهم .. وانتصر بسيوفهم .. فهم لهذا أولى الناس بالإسلام والمسلمين بعد رسول الله ﷺ .. ورشحوا للإمامة سعد بن عبادة السيد والمطاع فيهم والذي

стр. 8283

حكم في اليهود بعد الخندق بحكم الله تعالى من فوق سبع سماوات كما قال رسول الله ﷺ .. فنظروا إلى جانب الدين والفضل فيه ورشحوا شخصًا ذا رأى سديد وعصبية في قومه .. قال أبو بكر: لقد أرسل الله ورسوله بالهدى ودين الحق فدعا للإسلام فأخذ الله بقلوبنا ونواصينا إلى ما دعا إليه .. فكنا معشر المهاجرين أول الناس إسلامًا .. ونحن عشيرة رسول الله وأقاربه وذو رحمة .. ونحن أوسط الناس أنسابا في العرب ولدتنا العرب كلها فليس في العرب قبيلة إلا لقريش فيها ولادة .. "ولن يصلح هذا الأمر إلا لرجل من قريش هم أصبح الناس وجوها. وأسلطهم ألسنة وأفضلهم قولًا .. فالناس لهم تبع .. ". فهو يذكر السبق إلى الإسلام والخروج من الديار والأموال .. ويشرح الفضل في الدين ثم يذكر أن الخلافة لا تصلح إلا لرجل من قريش لمكانتها في العرب وصلتها بقبائلهم .. وأن الناس لهم تبع .. وتلك هي العصبية في مظهرها الواضح وبقية الصفات التي أشرنا إليها .. أعباء الخليفة: أن الخليفة هو الحارس الأمين على جماعة المسلمين والقائم على تدبير شئونهم وحفظ نظامهم وحمايتهم من الاعتداء وحراسة دينهم والمحافظة عليه .. وحملهم على مقتضى مبادئه وتعاليمه وأحكامه يقيم الحدود وينفذ الأحكام .. ويقيم شعائر الدين ويؤمن طريق الدعوة إليه وهو في ولايته عليهم يأخذهم بالسياسة العادلة الرحيمة .. ويرعى مصالحهم .. ويتفقد أحوالهم كما يرعى الأب الصالح شئون أولاده ويتفقد مصالحهم .. كان هذا شعور الخليفة في عهد الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم .. وكانت تلك سياسته ورعايته في المسلمين .. يعتبر نفسه مسئولا عن جميع المسلمين في دينهم وأنفسهم وأموالهم وأعراضهم وأمنهم واستقرارهم .. وكان المسلمون كذلك يعرفون موقفهم من الخليفة وصلتهم به وحقهم عليه وواجبهم نحوه .. والكل يعرفون حق الله وحكمه .. ويقفون عند حدوده .. يؤثر عن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضى الله عنه قوله: "لو أن بعيرا ند بأقصى العراق لخشيت أن يسألنى الله عنه .. " وتروى في تاريخه قصة تجواله في المدينة ليلا لتعرف أحوال الناس وما هم عليه ومروره بأعرابية تعلل صغارًا لها بقدر وضعتها على النار وفيها ماء خالص لا شيء فيه .. ولما دنا منها سألها ماذا تصنع؟ وما بال الصغار يتضاعزن .. أجابته بأنهم يتضورون جوعًا وهى تعللهم حتى يناموا .. فقال: لم لا تذهبين إلى عمر ليعينك على أطعامهم؟ فقالت: الله بيننا وبينه .. فجزع عمر جزعًا شديدًا .. وقال في لهفة وحزن: وما يدرى عمر بكم؟ فقالت: يتولى أمرنا ويغفل عنا .. فأسرع عمر يحمل إليها من بيت مال المسلمين عدلا من دقيق وكبة من شحم .. وجهز بنفسه الطعام للصغار ولم ينصرف حتى أكلوا وشبعوا وأخذوا يصطرعون ثم ناموا هادئين .. لست تجد أروع من هذا التصوير لمشاعر الخليفة ومدى فهم الناس لحقوقهم عليه .. والإسلام يعتبر الحكم أمانة في يد الحاكم سواء أقلد الحكم برضى الناس واختيارهم بالبيعة أو بالعهد والاستخلاف أم اجتمع له الحكم بقوة وسلطان وهو مطالب أمام الله تعالى وأمام جماعة المسلمين وأمام ضميره برعاية هذه الأمامة

стр. 8284

ومسئول عما استرعاه الله من مصالح المسلمين وعليه أن يقوم عليها بالحق والعدل ويسير فيها في هدى من مبادئ الدين وأحكامه .. فإذا جار أو انحرف فقد خان الأمانة وخان الله ورسوله وجماعة المسلمين .. يقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ … ﴾ ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾. وليس من غاية الإسلام أن يخلق مجتمعا على أي وضع ويقيم في هذا المجتمع حكمًا على أية صورة وإنما غايته أن يقيم مجتمعا سليما معافى من الأدواء والأمراض الاجتماعية التي تنتاب المجتمعات فتصيبها بالتفكك والانحلال والدمار - أمراض الظلم والطغيان والفساد الخلقى والشهوة الجامحة المدمرة .. مجتمعا مترابطا بمشاعر الأخوة والتراحم والتضامن والتكافل .. وأن يقيم في هذا المجتمع حكمًا صالحا رشيدا رحمما يتجاوب فيه الحاكم مع أفراد المجتمع في المشاعر الكريمة نحو الدين وتقديسه والاعتزاز به ويأخذ أيديهم إلى العمل الجاد المثمر في سبيل إسعادهم والنهوض بمصالحهم .. ومن مبادئ الإسلام في نظامه السياسى مسئولية الحاكم كما يقررها الحديث الوارد في الصحيحين: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته .. والمرأة راعية فى قال زوجها وهى مسئولة عن رعيتها والولد راع فى مال أبيه وهو مسئول عن رعيته، والعبد راع فى مال سيده وهو مسئول عن رعيته .. ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته .. هذا موقف الإسلام من الحاكم والحكام .. أما موقفه من المحكومين والأمة بصفة عامة فهو نفس الوضع .. طالب كل فرد مكلف في جماعة المسلمين بأن يخشى الله تعالى ويتقيه في كل أعماله وأحواله في السر وفى العلن فيما بينه وبين نفسه وفيما بينه وبين الله تعالى وفيما بينه وبين الناس حاكمين أو محكومين .. في الحديث: "الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبها" .. ألا وأن لكل ملك حمى .. ألا وإن حمى الله في أرضه محارمه .. فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه .. ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه .. ". وجعل الفرد مسئولا ومحاسبا عن كل انحراف أو خروج عن حادة الطريق .. فيلزم أن يكون في حياته الخاصة والعامة مستقيما على الجادة وعليه أن يدين نفسه قبل أن يدينه الغير حاكما أو محكومًا .. وأوجب عليه التعاون والتكافل في البر والتقوى والصالح العام .. والإِخلاص والنصح والإرشاد والتقويم والتزام حدود الدين والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر .. قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ وقال النبي ﷺ : "الدين النصيحة .. قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم". وهذا النهج من شأنه أن يخفص كثيرا من أعباء الحاكم ويجعل مهمله في خدمة المجتمع والمحافظة على الدين وتطبيق أحكامه سهلة وميسرة إذ يكون على رأس مجتمع فاضل يعرف الحق والواجب ويلتزم بهما .. تحدثنا كتب السيرة النبوية عن المجتمع الإسلامي الأول وتبين ما كان علمه من مثالية

стр. 8285

وكمال في الدين والخلق والإنسانية وخوف الله تعالى في التعامل والسلوك العام حتى إن القضاء في مشاكلهم كان أشبه بالقتوى تنير الطريق وتحدد الحكم فيلتزمه الجميع ويقفون عند حدوده وينفذونه طواعية واختيارا. وفى السيرة أن بعضا من الأنواء قد قارف إثما دون أن يطلع أو يعلم أحد بما اقترف وكان في عافية وأمن من أن تمتد إليه يد الحاكم بالعقاب والحد .. ولكنه يخشى الله ويتقيه ويعلم أنه محاسبه غدا .. فيذهب إلى الرسول ﷺ ويعترف أمامه بذنبه ويطلب تطهيره وإقامة حد الله عليه .. وهو يعلم يقينا أن الحد في ذنبه موته - رجما بالحجارة - أنظر في السيرة قصص: (ماعز الأسلمى) - (والغامدية) (وامرأة العسيف). هذا شأن الإسلام في الحكم وموقفه من الحاكم والمحكوم .. واضح لا خفاء فيه ومحدد لا اشتباه فيه. ولعل هذا ما حدا بكثير من العلماء والمتكلمين إلى عدم تحديد أعباء وواجبات الخليفة نحو الأمة .. وتحديد حقوقه على الأمة لأن الطريق في ذلك واضح مستقيم. وقد حددته وأوضحته النصوص العامة والأحكام المنظمة لسياسة الحكم في الإسلام .. وأيضا فهم قد عرفوا الخلافة تعريفا دقيقا كاد ما أن يتفقوا على ألفاظه فقالوا: إن الخلافة - نيابة عن النبي ﷺ في حراسة الدين والمحافظة عليه وسياسة المسلمين في شئون الدين والدنيا بأحكام الدين ومبادئه .. وهذا قول عام جامع لما ذكرنا .. وفى الكلام على البيعة ومعناها في مفهوم الشرع واصطلاحه وما تنطوى عليه أنها عهد وميثاق بين الخليفة وجماعة المسلمين يعطى كل من الطرفين لصاحبه ما عنده له - في هذا الكلام إشارة إلى حقوق كل منهما وواجباته .. ويبين القاضي أبو الحسن الماوردى واجبات وأعباء الخليفة ويحصرها في عشرة أمور على الترتيب الآتي: أولا: حفظ الدين على أصوله المستقرة وما أجمع عليه سلف الأمة - فإن نجم مبتدع أو زاغ ذو شبهة عنه أوضح له الحجة وبين له الصواب .. وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود ليكون الدين محروسا من خلل وتكون الأمة ممنوعة من زلل. ثانيا: تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين وقطع الخصام بين المتنازعين حتى تعم النصفة فلا يتعدى ظالم ولا يضعف مظلوم .. ثالثا: حماية البيضة والذب عن الحريم ليتصرف الناس في المعايش وينتشروا في الأسفار آمنين من تغرير بنفس أو مال. رابعا: إقامة الحدود لتصان محارم الله تعالى عن الانتهاك .. وتحفظ حقوق عباده من إتلاف واستهلاك .. خامسا: تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة حتى لا تظهر الأعداء بقوة ينتهكون فيها محرما أو يسفكون فيها المسلم أو معاهد دما .. سادسا: جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمة ليقام بحق الله تعالى في إظهاره على الدين كله .. سابعا: جباية الفئ والصدقات على ما أوجبه الشرع نصا واجتهادًا من غير خوف ولا عسف. ثامنا: تقدير العطايا وما يستحق في بيت

стр. 8286

المال من غير سرف ولا تقتير .. ودفعه في وقت لا تقديم فيه ولا تأخير .. تاسعا: استكفاء الأمناء وتقليد النصحاء فيما يفوضه إليه من الأعمال ويكله إليهم من الأموال لتكون الأعمال بالكفاءات مضبوطة .. والأموال بالأمناء محفوظة .. عاشرًا: أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور وتصفح الأحوال لينهض بسياسة الأمة وحراسة الملة ولا يعول على التفويض تشاغلا بلذة أو عبادة فقد يخون الأمين ويغش الناصح .. وقد قال الله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فلم يقتصر الله على التفويض دون المباشرة .. ولا عذر في الاتباع حتى وصفه بالضلال وهذا إن كان مستحقا عليه بحكم الدين ومنصب الخلافة فهو من حقوق السياسة لكل مسترعى. قال النبى ﷺ : "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته". حقوق الخليفة على الأمة: نقلنا عن القاضي أبى الحسن الماوردى في الكلام على وجوب معرفة الخليفة قوله: إذا استقرت الخلافة لمن تقلدها بعهد أو اختيار لزم كافة الأمة أن يعرفوا إفضاء الخلافة إلى مستحقها بصفاته .. ولا يلزم أن يعرفوه بعينه واسمه إلا أهل الاختيار .. وقال سليمان بن جرير من الزيدية: واجب على الناس كلهم معرفة الإمام بعينه واسمه كما عليهم معرفة الله ومعرفة رسوله .. والذي عليه حمهور الناس أن معرفة الإِمام تلزم الكافة على الجملة دون التفصيل .. ثم قال الماوردى: وإذا لزمت معرفته على التفصيل الذي ذكرناه .. فعلى كافة الأمة تفويض الأمور العامة إليه من غير افتيات عليه ولا معارضة له ليقوم بما وكل إليه من وجوه المصالح وتدبير الأعمال (١) .. ثم قال (٢) عقب الكلام على أعباء الخليفة: وإذا قام الإمام بما ذكرناه من حقوق الأمة عليه (أعباء الخليفة) فقد ادعى حق الله تعالى فيما لهم وعليهم .. ووجب عليهم حقان: الطاعة والنصرة .. ما لم يتغير حاله .. هاتان هما العبارتان اللتان تحدث فيهما الماوردى عن حقوق الإمام على الأمة والعبارة الأولى تجعل من حقه: أولا: التفويض إليه والتسليم له بالنظر في شئون المسلمين العامة في الداخل والخارج في أمور الدين والدنيا ليمكنه تدبير المصالح والقيام بالأعمال الكفيلة بحفظ الدين وسياسة الأمة وفقا لأحكامه .. ثانيا: عدم الافتيات عليه .. وذلك بعدم التدخل في أعماله واختصاصاته وعدم مجاوزة الحد في النقد بقصد إثارة الفننة والشغب وبعث الشك والريبة في سياسته العامة .. ثالثا: عدم المعارضة بقصد تعطيل الأعمال وإقامة العراقيل في سبيل الإصلاح والبناء … أما العبارة الثانية فهى قاطعة في تحديد حقين: رابعا: الطاعة .. وهو حق أوجبه كتاب الله الكريم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ وأوجبته سنة

стр. 8287

رسول الله ﷺ : "اسمعوا وأطيعوا وإن ولى عليكم عبد حبشى أجدع" "من خلع يدا من طاعة لقى الله يوم القيامة ولا حجة له، والمراد طاعة الإمام بدليل سياق الحديث والأحاديث الواردة في شأن الإمام والأئمة غير أن الطاعة الواجبة هي فيما يوافق حكم الدين ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وعلى المرء المسلم السمع والطاعة في عسره ويسره ومنشطه ومكرهه وأثرةٍ عليه ما لم تؤمر بمعصية .. فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة .. طاعة ولى الأمر: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. وقد روى مسلم سبب نزول هذه الآية من عدة طرق في بعضها إجمال وفى بعضها تفصيل .. وقال النووى في شرح مسلم: "قال العلماء: المراد بأولى الأمر من أوجب الله طاعته من الأمراء والولاة" .. هذا قول جماهير السلف والخلف من المفسرين والفقهاء وغيرهم .. وقيل: هم العلماء .. وقيل الأمراء والعلماء .. أما من قال أنهم الصحابة خاصة فقد أخطأ .. ثم قال النووى: إنه قد أجمع العلماء على وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وعلى تحريمها في المعصية .. وقد نقل الإِجماع على ذلك القاضي عياض وآخرون .. وقال القرطبي في تفسيره (١): عن تفسير هذه الآية: "لما تقدم إلى الولاة في الآية المتقدمة ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ وبدأ بهم فأمرهم بأداء الأمانات إلى أهلها وأن يحكموا بين الناس بالعدل - تقدم في هذه الآية إلى الرعية فأمر بطاعته أولا .. وهى امتثال أوامره واجتناب نواهيه .. ثم بطاعة رسوله ثانيا فيما أمر به ونهى عنه .. ثم بطاعة الأمراء ثالثا على قول الجمهور وأبى هريرة وابن عباس وغيرهم .. قال سهل بن عبد الله التُّستَرِيّ: أطيعوا السلطان في سبعة: ضرب الدراهم والدنانير والمكاييل والأوزان والأحكام والحج والجمعة والعيدين والجهاد .. قال سهل: وإذا نهى السلطان العالِمَ أن يُفتِى فليس له أن يُفْتِى فإن أفتى فهو عاصٍ - وإن كان أميرًا جائرًا .. وقال ابن خُوَيزِ مَنْدَاد: وأما طاعة السلطان فتجب فيما كان لله فيه طاعة ولا تجب فيما كان لله فيه معصية .. ولذلك قلنا: إن ولاة زماننا لا تجوز طاعتهم ولا معاونتهم ولا تعظيمهم .. ويجب الغَزْو معهم متى غزَوْا .. والحكم من قِبَلِهِم وتولية الإمامة والحسبة .. وإقامة ذلك على وجه الشريعة .. وإن صلوا بنا وكانوا فسقة من جهة العاصى جازت الصلاة معهم .. وإن كانوا مبتدعة لم تجز الصلاة معهم .. إلا أن يُخَافُوا فَيُصَلَّى معهم تُقْيَةً وتعاد الصلاة .. قلت: روى عن علي بن أبى طالب رضى الله عنه أنه قال: حق على الإمام أن يحكم بالعدل ويؤدى الأمانة .. فإذا فعل ذلك وجب على المسلمين أن يطيعوه لأن الله تعالى أمرنا بأداء الأمانة العدل ثم أمر بطاعته .. وقال جابر بن عبد الله ومجاهد: - أولوا

стр. 8288

الأمر - أهل القرآن والعلم وهو اختيار مالك ﵀ .. ونحوه قال الضحاك .. قال: يعنى الفقهاء والعلماء في الدين .. وحكى عن مجاهد أنهم أصحاب محمد ﷺ خاصة .. وحكى عن عكرمة أنها إشارة إلى أبى بكر وعمر رضى الله عنهما خاصة .. وقال ابن كيسان: هم أولوا العقل والرأى الذين يدبرون أمر الناس … قلت: وأصح هذه الأقوال الأول (الأمراء) .. والثانى (أهل القرآن والعلم والفقهاء والعلماء في الدين). أما الأول .. فلأن أصل الأمر منهم والحكم إليهم .. وروى الصحيحان عن ابن عباس قال: نزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدى السهمى إذ بعثه النبي ﷺ في سرية .. قال ابن عمر .. وكان في عبد الله بن حذافة دعابةٌ معروفة ومن دعابته أن رسول الله ﷺ أمَّرَهُ على سَرِيَّةٍ فأمرهم أن يجمعوا حطبًا ويوقدوا نارًا فلما أوقدوها أمرهم بالتَّعَمُّمِ فيها (الوقوع فيها) فقال لهم: "ألم يأمركم رسول الله ﷺ بطاعتى"؟ وقال: "من أطاع أميرى فقد أطاعنى" فقالوا: ما آمنا بالله واتبعنا رسوله إلا لننجو من النار .. فصوب رسول الله ﷺ فعلهم وقال: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ وهو حديث صحيح الإسناد مشهور .. وقال ميمون بن مهران ومقاتل والكلبى: "أولوا الأمر" أصحاب السرايا .. أما القول الثاني .. فيدل على صحته قوله تعالى في الآية: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ فأمر برد المتنازع فيه إلى كتاب الله وسنه نبيه ﷺ .. وليس لغير العلماء معرفة بكيفية الرد إلى الكتاب والسنة .. قال سهيل بن عبد الله: لا يزال الناس بخير ما عظموا السلطان والعلماء .. فإذا عظموا هذين أصلح الله دنياهم وأخراهم وإذا استخفوا بهذين أفسدوا دنياهم وأخراهم .. وأما القول الثالث (أصحاب محمد ﷺ ) فخاص - وأخص منه - القول الرابع (أبو بكر وعمر) وأما الخامس: (أولوا العقل والرأى) فيأباه ظاهر اللفظ وإن كان المعنى صحيحا فإن العقل أسٌّ لكل فضيلة وينبوع لكل أدب .. وقال الإمام محمد بن جرير الطبرى في تفسيره (١) عند تفسير هذه الآية: "واختلف أهل التأويل في أولى الأمر الذين أمر الله عباده بطاعتهم في هذه الآية .. فقال بعضهم: هم الأمراء .. ذكر من قال ذلك .. حدثنى أبو السائب مسلم بن جناده قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة في قوله ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قال: هم الأمراء .. وذكر رواية ثانية بسند آخر إلى ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس السهمى إذ بعثه النبي ﷺ في السرية .. وذكر رواية عن ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قال أبيّ: هم السلاطين .. وفى رواية بسندها عن السدى:

стр. 8289

﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قال: بعث رسول الله ﷺ سرية عليها خالد بن الوليد .. وفيها عمار بن ياسر .. فساروا قِبَل القوم الذين يريدون فلما بلغوا قريبا منهم عرَّسُوا وأتاهم ذو العينتين (الجاسوس) فأخبرهم فأصبحوا وقد هربوا غير رجل أمر أهله فجمعوا متاعهم ثم أقبل يمشى في ظلمة الليل حتى أتى عسكر خالد فسأل عن عمار بن ياسر فأتاه فقال: يا أبا اليقظان إنى قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله .. وأن قومى لما سمعوا بكم هربوا وإنى بقيت - فهل إسلامى نافعى غدًا وإلا هربت؟ قال عمار: بل هو ينفعك. فأقم .. فأقام .. فلما أصبحوا أغار خالد فلم يجد أحدًا غير الرجل فأخذه وأخذ ماله .. فبلغ عمار الخبر فأتى خالدًا فقال: خلِّ عن الرجل فإنه قد أسلم وهو في أمان منى - فقال خالد: وفيم أنت تجير؟ فاستبَّا وارتفعا إلى النبي ﷺ فأجاز أمان عمار ونهاه أن يجير الثانية على أميره .. فاستبَّا عند رسول الله ﷺ .. فقال خالد: يا رسول الله! أتترك هذا العبد الأجدع يسبنى؟ فقال رسول الله ﷺ : يا خالد لا تسب عمارًا فإنه من سبَّ عمارًا سبَّه الله ومن أبغض عمارًا أبغضه الله ومن لهن عمارًا لعنه الله .. فغضب عمار فقام فتبعه خالد حتى أخذ بثوبه فاعتذر إليه فرضى عنه فأنزل الله تعالى قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. وقال آخرون: إن أولى الأمر هم أهل العلم والفقه - ذكر من قال ذلك - وساق الطبرى روايات عديدة كل بسندها على نحو ما أشرنا عن مجاهد أن الأمر في قوله تعالى ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ هم أولوا الفقه والعلم .. وعن ابن أبي نجيح أن أولى الأمر منكم هم أولوا الفقه في الدين والعقل .. وعن ابن عباس قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ يعني: أهل الفقه والدين .. وعن أبى العالية: هم أهل العلم .. ألا ترى أنه يقول: ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم - لعلمه الذين يستنبطونه منهم .. وقال آخرون: هم أصحاب محمد ﷺ ذكر من قال ذلك .. وساق الطبرى (١) رواية بالسند عن ابن أبي نجيح في قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قال: كان مجاهد يقول: أصحاب محمد - قال: وربما قال: أولى الفضل والفقه ودين الله. وقال آخرون: هم أبو بكر وعمر رضى الله عنهما - ذكر من قال ذلك .. وساق الطبري رواية بالسند عن عكرمة - أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم - قال: أبو بكر وعمر .. ثم قال الطبرى: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: هم الأمراء والولاة لصحة الإخبار عن رسول الله ﷺ بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان فيه لله طاعة وللمسلمين مصلحة كالذى يروى عن أبى هريرة رضى الله. عنه: حدثنى علي بن مسلم الطوسى قال: حدثنى ابن أبي فديك قال: حدثنى عبد الله بن محمد عروة عن هشام بن عروة عن أبى صالح السمان عن أبى هريرة، أن النبى ﷺ قال: "سيليكم بعدى ولاة - فيليكم البِرَّ بِبِرِّه والفاجر بفجوره .. فاسمعوا له وأطيعوا في كل ما وافق الحق وصلوا وراءهم .. فإن أحسنوا فلكم ولهم، وإن أساءوا فلكم وعليهم". وكالذى يروى عن ابن عمر: حدثنا ابن

стр. 8290

المثنى قال حدثنى خالد بن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن النبى ﷺ قال: على المرء الطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فلا طاعة … فإن أمر بمعصية فلا طاعة. فإذا كان معلومًا أنه لا طاعة واجبة لأحد غير الله أو رسوله أو إمام عادل .. وكان الله قد أمر بقوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ بطاعة ذوى أمرنا - كان معلومًا أن الذين أمر بطاعتهم تعالى ذكره من ذوى أمرناهم الأئمة ومن ولاة المسلمون دون غيرهم من الناس وإن كان فرضا القبول من كل مَنْ أمر بترك معصية الله ودعا إلى طاعة الله وأنه لا طاعة تجب لأحد فيما أمر ونهى فيما لم تَقُم حجة وجوبه إلا للأئمة الذين ألزم الله عباده بطاعتهم فيما أمورا به رعيتهم مما هو مصلحة العامة الرعية .. فإن على من أمروه بذلك طاعتهم .. وكذلك فيما لم يكن لله معصية .. وإذا كان ذلك كذلك كان معلوما بذلك صحة ما اخترنا من التأويل دون غيره. وقال أبو الفضل شهاب الدين السيد محمود الألوسى في تفسيره (١) عند تفسير هذه الآية: "بعدما أمر سبحانه ولاة الأمور بالعموم أو بالخصوص بأداء الأمانة والعدل في الحكومة أمر الناس بإطاعتهم في ضمن إطاعته وإطاعة رسوله ﷺ حيث قال عز من قائل: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ أي ألزموا طاعته فيما أمركم به ونهاكم عنه ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ المبعوث لتبليغ أحكامه إليكم في كل ما يأمركم به وينهاكم عنه أيضا .. وعن الكلبى: أطيعوا الله في الفرائض وأطيعوا الرسول في السنن .. والأول أولى وأعاد الفعل .. وإن كانت طاعة الرسول مقترنة بطاعة الله تعالى اعتناء بشأنه ﵊ وقطعا لتوهم أنه لا يجب امتثال ما ليس في القرآن وإيذانا بأن له ﷺ استقلالا بالطاعة لم يثبت لغيره .. ومن ثم لم يعد في قوله سبحانه ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ إيذانا بأنهم لا استقلال لهم فيها استقلال الرسول ﷺ .. واختلف في المراد بهم: فقيل: أمراء المسلمين في عهد الرسول ﷺ وبعده .. ويندرج فيهم الخلفاء الراشدون والقضاة وغيرهم .. وقيل المراد بهم أمراء السرايا .. وروى ذلك عن أبى هريرة وميمون بن مهران وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدى وأخرجه ابن عساكر عن أبى صالح عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: بعت رسول الله ﷺ خالد بن الوليد في سرية وفيها عمار بن ياسر .. وساق القصة التي نقلناها سابقا عن تفسير ابن جرير الطبرى .. وقال: فأنزل الله تعالى هذه الآية. ووجه التخصيص على هذا أن في عدم إطاعتهم ولا سلطان ولا حاضرة مفسدة عظيمة .. وقيل المراد بهم أهل العلم: وروى ذلك غير واحد عن ابن عباس وجابر بن عبد الله ومجاهد - والحسن وعطاء وجماعة .. واستدل عليه أبو العالية بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ فإن العلماء هم المستنبطون المستخرجون للأحكام .. وحمله كثير - وليس ببعيد - على ما يعم الجميع لتناول الاسم لهم لأن للأمراء تدبير أمر الجيش والقتال .. وللعلماء حفظ الشريعة وما يجوز مما لا يجوز .. واستشكل إرادة العلماء لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾

стр. 8291

فإن الخطاب فيه عام للمؤمنين مطلقا .. والشئ خاص بأمر الدين بدليل ما بعده - والمعنى - فإن تنازعتم أيها المؤمنون أنتم وأولوا الأمر منكم في أمر من أمور الدين فردوه إلى "الله" أي إلى كتابه (والرسول) أي إلى سنته .. ولا شك أن هذا إنما يلائم حمل أولى الأمر على الأمراء دون العلماء لأن الناس والعامة منازعة الأمراء في بعض الأمور وليس لهم منازعة العلماء فيما يصلون إليه من الأحكام باجتهادهم .. ثم قال الألوسى: ثم إن وجوب الطاعة لهم ما داموا على الحق فلا تجب طاعتهم فيما خالف الشرع فقد أخرج ابن أبي شيبة عن علي كرم الله وجهه قال: قال رسول الله ﷺ : "ولا طاعة لبشر في معصية الله تعالى" ثم ساق قصة أمير السرية الذي أمر رجاله بجمع الحطب وإيقاد النار .. وقال لهم: إنكم مأمورون بطاعتى من رسول الله فادخلوها فتوقفوا وأقرهم النبي ﷺ على ذلك .. وقال: "إنما الطاعة في المعروف" ثم قال الألوسى: وهل يشمل المباح أولا؟ فيه خلاف .. فقيل أنه لا تجب طاعتهم فيه لأنه لا يجوز لأحد ان يحرم ما حلله الله ولا أن يحلل ما حرمه الله تعالى .. وقيل تجب طاعتهم فيه أيضًا كما نص عليه الحصكفى وغيره .. وقال بعض محققى الشافعية: تجب طاعة الإِمام في أمره ونهيه ما لم يأمر بمحرم .. وقال بعضهم: الذي يظهر أن ما أمر به مما ليس فيه مصلحة عامة لا يجب امتثاله إلا ظاهرًا فقط بخلاف ما فيه ذلك .. فإنه يجب باطنًا أيضًا .. وكذا يقال في المباح الذي فيه ضرر للمأمور به .. ثم هل العبرة بالمباح والمندوب المأمور به باعتقاد الأمر .. فإذا أمر بمباح عنده وهو سنة عند المأمور يجب امتثاله ظاهرًا فقط أو باعتقاد المأمور فيجب امتثاله باطنا أيضًا أو بالعكس فينعكس ذلك؟ كل محتمل .. وظاهر إطلاقهم في مسألة أمر الإمام الناس بالصوم للاستسقاء - الثاني (أي أن العبرة باعتقاد المأموم) لأنهم لم يفصلوا بين كون الصوم المأمور به هناك مندوبا عند الآمر أو لا .. وأيد بما قرروه في باب الاقتداء من أن العبرة باعتقاد المأموم لا الإمام .. ولم أقف على ما قاله: أصحابنا في هذه المسألة فليراجع .. وقال أبو بكر الحصاص الحنفى في تفسيره أحكام القرآن (١) عند تفسير هذه الآية: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قال أبو بكر: اختلف في تأويل أولى الأمر .. فروى عن جابر بن عبد الله وابن عباس في رواية والحسن وعطاء ومجاهد أنهم أولوا الفقه والعلم .. وعن ابن عباس في رواية وأبى هريرة أنهم أمراء السرايا ويجوز أن يكونوا جميعا مرادين بالآية لأن الاسم يتناولهم جميعا لأن الأمراء يلون أمر تدبير الجيوش والسرايا وقتال العدو .. والعلماء يلون حفظ الشريعة وما يجوز مما لا يجوز. فأمر الناس بطاعتهم والقبول منهم ما عدل الأمراء والحكام وكان العلماء عدولا مرضيين موثوقا بدينهم وأمانتهم فيما يؤدون .. ومن الناس من يقول: إن الأظهر من أولى الأمر ههنا أنهم الأمراء لأنه قدم ذكر الأمر

стр. 8292

بالعدل وهذا خطاب لمن يملك تنفيذ الأحكام وهم الأمراء والقضاة .. ثم عطف عليه الأمر بطاعة أولى الأمر وهم ولاة الأمر الذين يحكمون عليهم ما داموا عدولا مرضيين .. وليس يمتنع أن يكون ذلك أمرًا بطاعة الفريقين من أولى الأمر وهم أمراء السرايا والعلماء إذ ليس في تقدم الأمر بالحكم بالعدل ما يوجب الاقتصار بالأمر بطاعة أولى الأمر على الأمراء دون غيرهم .. وقد روى عن النبى ﷺ أنه قال: "من أطاع أميرى فقد أطاعنى" وروى الزهرى عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: قام رسول الله ﷺ بالخيف من منى فقال: "نضر الله عبدًا سمع مقالتى فوعاها ثم أداها إلى من لم يسمعها فرب حامل فقه لا فقه له .. ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه .. ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن (في هامش الصفحة أن قوله ﵇ "لا يغل" فيه روايتان بفتح الياء وكسر الغين .. وبضم الياء وكسر الغين .. ومعنى الأول لا يدخل قليه حقد يزيله عن الحق .. ومعنى الثاني لا يكون في قلبه غش ولكن يكون مخلصًا في هذه الأشياء لله تعالى) إخلاص العمل لله تعالى .. وقال بعضهم: وطاعة أولى الأمر - وقال بعضهم: والنصيحة لأولى الأمر .. ولزوم جماعة المسلمين .. فإن دعوتهم تحيط من وراءهم - والأظهر من هذا الحديث أنه أراد بأولى الأمر الأمراء .. ثم ناقش ورد قول الروافض أن المراد بأولى الأمر في الآية الإمام المعصوم أو على بن أبى طالب. هذا ما ورد في القرآن الكريم في شأن طاعة أولى الأمر وتلك هي آراء الفقهاء والمفسرين في تأويل المراد بأولى الأمر في الآية الكريمة وما تجب أو تحرم طاعتهم فيه .. وحذو ذلك وما يراعى فيه .. أما ما ورد في السنة النبوية الشريفة في هذا الشأن فمنه ما رواه مسلم بسنده إلى أبو هريرة رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال: "من أطاعنى فقد أطاع الله ومن عصانى فقد عصى الله .. ومن أطاع أميرى فقد أطاعنى ومن عصى أميرى فقد عصانى". وما رواه بسنده إلى نافع عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه ﵊ قال: على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" وما رواه بسنده إلى على رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "لا طاعة في معصية الله .. إنما الطاعة في المعروف". وما رواه بسنده إلى عبادة بن الصامت رضى الله عنه أنه قال: دعانا رسول الله ﷺ فبايعناه فكان فيما أخذ علينا أن بايعناه على السمع والطاعة في منشطنا ومكروهنا وعسرنا ويسرنا وأثره علينا ولا ننازع الأمر أهله .. وقال: "إلا أن تروا كفرًا بواحا عندكم من الله فيه برهان". ومنه: "من خلع يدا من طاعة لقى الله يوم القيامة لا حجة له .. ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية" وماروى هشام بن عروة عن أبى صالح عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "سيليكم بعدى ولاة فيليكم البر ببرِّه ويليكم الفاجر بفجوره فاسمعوا لهم وأطيعوا في كل ما وافق الحق فإن أحسنوا فلكم ولهم وإن أساءوا فلكم وعليهم .. ". وقال النووى في شرح مسلم: إن أحاديث هذا الباب التي أطلقت في وجوب طاعة أولى الأمر يجب أن تحمل على ما يوافق الأحاديث

стр. 8293

المصرحة بأنه لا سمع ولا طاعة في المعصية وقال في حديث عبادة بن الصامت .. إن معنى الكفر البواح بفتح الباء - الكفر الظاهر. والمراد بالكفر هنا المعصية .. ومعنى عندكم من الله فيه برهان أنكم تعلمون أنه معصية محققة من قواعد الإسلام. وجاء في كتاب الأحكام السلطانية للقاضى أبى الحسن الماوردى (١): ولو شرط المُوَليَّ وهو حنفى أو شافعى على من ولاه القضاء ألا يحكم إلا بمذهب الشافعي أو أبى حنيفة .. فهذا على ضربين: الضرب الأول: أن يشترط ذلك عموما في جميع الأحكام فهذا شرط باطل سواء كان موافقا لمذهب المُوَلَّى أو مخالفا له .. وأما صحة الولاية فإن لم يحيله شرطا فيها وأخرجه مخرج الأمر أو مخرج النهى وقال: قد قلدتك القضاء فاحكم بمذهب الشافعي ﵀ على وجه الأمر .. أو لا تحكم بمذهب أبى حنيفة على وجه النهى كانت الولاية صحيحة والشرط فاسدا سواء تضمن أمرًا أو نهيا ويجوز أن يحكم بما أداه اجتهاده إليه سواء وافق شرطه أو خالفه .. ويكون اشتراط الولى لذلك قدحا فيه إن علم أنه اشترط ما لا يجوز .. ولا يكون قدحا إن جهل لكن لا يصح مع الجهل أن يكون موليا ولا واليًا .. فإن أخرج ذلك مخرج الشرط في عقد الولاية فقال: قد قلدتك القضاء على أن لا تحكم فيه إلا بمذهب الشافعي أو بقول أبى حنيفة .. كانت الولاية باطلة لأنه عقدها وعلقها على شرط فاسد .. وقال أهل العراق: تصح الولاية ويبطل الشرط .. الضرب الثاني: أن يكون الشرط خاصا بحكم بعينه .. فلا يخلو الشرط من أن يكون أمرًا أو نهيًا .. فإن كان أمرًا بأن قال له: أقد من العبد بالحر .. ومن المسلم بالكافر واقتص في القتل بغير المحدد كان أمره بهذا الشرط فاسدا .. ثم إن جعله شرطا في عقد الولاية فسدت .. وإن لم يجعله شرطا فيها صحت وحكم في ذلك بما يؤديه اجتهاده إليه … وإن كان نهبًا فهو على ضربين: الضرب الأول: أن ينهاه عن الحكم في قتل المسلم بالكافر والحر بالعبد .. ولا يقضى فيه بوجوب قود ولا بإسقاطه فهذا جائز لأنه اقتصر بولايته على ما عداه فصار ذلك خارجا عن نظره. الضرب الثاني: ألا ينهاه عن الحكم وينهاه عن القضاء بالقصاص .. فقد اختلف أصحابنا في هذا النهى هل يوجب صرفه عن النظر فيه على وجهين: الأول: أن يكون صرفا عن الحكم فيه وخارجا عن ولايته فلا يحكم فيه بإثبات فرد ولا بإسقاطه .. الثاني: أنه لا يقتضى الصرف عنه ويجرى عليه حكم الأمر به ويثبت صحة النظر إن لم يجعله شرطا في التقليد ويحكم فيه بما يؤديه اجتهاده إليه .. ويجوز (٢) أن يكون القاضي عام النظر خاص العمل فيقلد النظر في جميع الأحكام في أحد جانبى البلد أو في محلة منه .. فينفذ جميع أحكامه في الجانب الذي قلده والمحلة التي عينت له وينظر فيه بين ساكنيه والطارئين إليه لأن

стр. 8294

الطارئ كالساكن إلا أن يقتصر به على ساكنيه دون الطارئين إليه .. ولو قلد الحكم فيمن يرد إليه في داره أو في مسجده صح ولم يجز أن يحكم في غير داره ولا في غير مسجده لأنه جعل ولايته مقصورة على من يرد إلى داره أو مسجده وهم لا يتعينون إلا بالورود إليهما فصار حكمه فيهما شرطا .. قال أبو عبد الله الزبيرى: لم تزل الأمراء عندنا بالبصرة برهة من الدهر يستقضون قاضيا على المسجد الجامع يسمونه قاضى المسجد يحكم في مائتى درهم وعشرين دينارًا فما دونها ويفرض النفقات ولا يتعدى موضعه ولا ما قدر له .. ويجوز أن تكون ولاية القاضي مقصورة على حكومة معينة بين خصمين وتكون ولايته في النظر بينهما باقية ما دامت الخصومة قائمة .. فأذابت الحكم بينهما. فيها زالت ولايته .. وإن تحددت بينهما خصومة أخرى لم ينظر فيها إلا بإذن مستجد .. فلو لم يعين الخصوم وجعل النظر مقصورا على الأيام وقال: قلدتك النظر بين الخصوم في يوم السبت وحده جاز نظره فيه بين الخصوم في جميع الدعاوى وتزول ولايته بغروب الشمس منه .. ولو قال: قلدتك النظر في كل يوم سبت جاز أيضًا وكان مقصورا على النظر فيه .. فإن خرج يوم السبت لم تزل ولايته لبقائها على أمثاله من الأيام وإن كان ممنوعا من النظر فيما عداه من الأيام .. وفى المغنى لابن قدامة الحنبلى: أنه لا يجوز أن يقلد القضاء الواحد على أن يحكم بمذهب بعينه عند أحمد والشافعى .. ولا أعلم لأحد خلافا فيه لأن الحق لا يتعين في مذهب .. فإن قلده على هذا الشرط بطل الشرط وفى فساد التولية وجهان بناء على الشرط الفاسد في البيع .. وفى تبصرة الحكام لابن فرحون المالكى: إن جميع تلك التعبيرات لا يجوز للإمام اشتراطها في تقليد القضاء لأنه اشتراط ما لا يجوز .. ومن كان لا يقضى إلا بما أمن به من ولاه فليس بقاض على الحقيقة .. ويلاحظ أن المذاهب الثلاثة (المالكية والشافعية والحنابلة) يشترطون في القاضي أن يكون مجتهدًا ولا يجيزون تعيين المقلد في القضاء فحديثهم فيما ذكر مقصور على القاضي المجتهد .. في تنوير الأبصار وشرحه الدر المختار في فقه الحنفية - قضى القاضي في مُجْتَهدٍ فيه بخلاف رأيه لا ينفذ مطلقا ناسيا كان أو عامدًا عند الصاحبين أو الأئمة الثلاثة (مالك والشافعى وأحمد) وبه يفتى. وفى شرح الرهبانية للشرنبلالى - قضى من ليس مجتهد الحنفية زماننا بخلاف مذهبه عامدا لا ينفذ اتفاقا وكذا ناسيا عند الصاحبين .. ولو قيده السلطان بصحيح مذهبه كزماننا تقيد به بلا خوف لكونه معزولا عن غيره .. وجاء في حاشية رد المختار لابن عابدين على الشرح المذكور: وحاصل هذه المسألة أنه يشترط لصحة القضاء أن يكون موافقا لرأى القاضي أي مذهبه مجتهدا كان أو مقلدا .. فلو قضى بخلاف رأيه لا ينفذ .. لكن جاء في البدائع أنه إذا كان مجتهدا وقضى بخلاف رأيه ينبغى أن يصح ويحمل على أنه اجتهد فأداه اجتهاده إلى رأى الغير الذي قضى به .. وهذا في القاضي المجتهد .. أما المقلد فلو ولاه ليحكم مذهب أبى حنيفة فلا يملك المخالفة

стр. 8295

لأنه يكون معزولا بالنسبة للحكم بغيره من المذاهب .. وفى الدر المختار أيضًا - لو أمر السلطان بعدم سماع الدعوى بعد خمس عشرة سنة لا تسمع ولو سمعها قاض لا ينفذ حكمه .. وعلق ابن عابدين فى الحاشية على ذلك بقوله: وذلك في الدعاوى التي مضى عليها خمس عشرة سنة دون أن يطالب صاحب الحق بحقه أمام القضاء مع تمكنه من الدعوى به وعدم العذر والشرع المانع من إقامة الدعوى وإنكار من عليه الحق للحق في تلك المدة .. وسبب هذا النهى قطع الحيل والتزوير ودرء الشر والفساد وإذ أن سكوت الشخص عن طلب حقه طول هذه المدة مع توفر ما ذكر يدل على عدم الحق ظاهرًا .. وهذا إسقاط لحق المطالبة والإدعاء .. أما الحق نفسه فلا يسقط مطلقا مهما طال الزمن .. ولهذا أوجبوا على السلطان أن يسمع هذه الدعوى التي نهى القضاة عن سماعها بنفسه أو يأمر قاضيا بسماعها لكيلا يضيع الحق على صاحبه .. ويقول ابن عابدين: إن هذا إذا لم يظهر من المدعى أمارة التزوير فلو ظهرت منه أمارة التزوير فلا يسمعها السلطان ولا غيره وليس عليه من إثم في هذه الحالة .. أما ما قرره الفقهاء من عدم سماع دعوى الوقف والإِرث بعد مضى ثلاث وثلاثين سنة في الأظهر فهو بمقتضى الحكم الفقهى لا بمقتضى النهى السلطانى .. هذه هي النصوص والأحكام والآراء التي أمكن جمعها في موضوع "طاعة ولى الأمر" وبالنظر والتأمل فيها يمكن القول بما يأتى: أن الجمهور كما عبر القرطبي في التفسير أو جماهير السلف والخلف من المفسرين والفقهاء وغيرهم على أن المراد بأولى الأمر في قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (الأمراء والولاة) وأن الله تعالى قد أوجب طاعتهم وامتثال أوامرهم في المعروف وما لا معصية لله فيه .. وكانت الغاية والقصد منه تحقيق مصلحة الأمة وتوفير الخير لها .. وأن العلماء قد أجمعوا على وجوب طاعة أولى الأمر في غير معصية على التفصيل والبيان الذي قرروه في ذلك وعلى تحريم طاعتهم في المعصية عملا بالحديث الشريف: "لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف". صرح بذلك النووى في شرح مسلم ونقل الإجماع على ذلك القاضي عياض وآخرون وأن ولاة الأمور إذا أمروا بما أوجبه الله تعالى كالأمر بأداء الزكاة أو نهوا عما حرمه الله تعالى كالنهى عن الزنا والسرقة والقذف .. لم يكن أمرهم ولا نهيهم إلا حملا على القيام بما أوجبه الله على اجتناب ما نهى عنه وأنهم لم يأتوا في ذلك بإيجاب ولا تحريم وأن الطاعة في ذلك لله رب العالمين .. وإذا كان أمرهم - أمرًا أو نهيًا - فيما اختلف الفقهاء المجتهدون في حكمه بأن قال بعضهم أنه واجب أو معصية .. وقال البعض الآخر إنه ليس بواجب أو ليس بمعصية كالوصية من الشخص لفرع من مات من أولاده حال حياته إذا لم يكن هؤلاء الفروع وارثين في تركة أصلهم الموصى .. يرى بعض الفقهاء المجتهدين أن هذه الوصية واجبة وأن حكم الوجوب ما يزال قائما على شروط وقيود وتفصيلات ليس مجال الحديث

стр. 8296

عنها .. ويرى البعض الآخر أنها ليست واجبة وأن الوجوب الذي كان قد نسخ بآيات المواريث .. وكصوم يوم النيروز أو يوم المهرجان منفردا تطوعا وهما عيدان عند غير المسلمين يحتفل بهما .. يرى بعض الفقهاء أن هذا الصوم مكروه .. ويرى البعض الآخر أنه غير مكروه .. إذا كان أمر ولى الأمر فيما اختلف فيه الفقهاء المجتهدون .. فأمر بالوصية على نحو ما أشير إليه كما فعل ولى الأمر في مصر إذا أصدر القانون رقم ٧١ لسنة ١٩٤٦ في ٢٤ يونية سنة ١٩٤٦ متضمنا إيجاب هذه الوصية على الوضع وبالتفصيلات والأحكام التي تضمنها .. أو نهى عن صوم يوم النيروز أو يوم المهرجان لم يكن أمره أو نهيه في ذلك إلا تخير الحكم من الأحكام الاجتهادية وأمرًا بما ليس فيه معصية متيقنة فتجب طاعته في ذلك وتنفيذ أمره أو نهيه على وفق الأحاديث التي رويت وذكرها العلماء فيما نقلناه عنهم وأشرنا إلى بعض منها .. بل إن بعض العلماء ذهب إلى أن أمر ولى الأمر في المسألة الاجتهادية المختلف في حكمها يرفع الخلاف كما يرفع قضاء القاضي في المجتهد فيه الخلاف في الحكم .. ومن المقرر والمتفق عليه أن أمر ولى الأمر أو نهيه في ذلك لا ينشئ في الموضوع حكما شرعيا وأن الحكم الشرعى فيه هو ما أدى إليه الاجتهاد .. وإذا كان أمر ولى الأمر أو نهيه في مباح كما إذا أمر بنظام معين للسير في المشى أو النقل أو الركوب علاجا للزحام والحوادث .. أو نهى عن فتح المحلات العامة أو المقاهى بعد وقت معين من الليل علاجا لمشكلة الأمن وتوفيرًا للراحة .. لم يكن بذلك الأمر أو النهى منشئًا لحكم شرعى في المباح هو الوجوب أو الحرية .. وإنما حكمه وهو الإباحة باق على ما هو عليه .. وكل ما للأمر أو النهى الصادر من أثر أنه يجب على الرعية أن يطيعوه ويمتثلوا له حيث لا معصية فيه لله .. وتنفيذه يحقق القصد منه وهو تحصيل مصلحة الرعية ودفع الضرر عنهم .. وهذا هو المناط في امتثال أوامر ولى الأمر وعدم امتثالها في ذلك حتى إذا ما كان الأمر أو النهى لمجرد الهوى والتسلط وليس فيه مصلحة ولا خير لا تجب طاعته شرعًا كما إذا أمر بالعمل في الليل دون النهار أو نهى عن أكل نوع من الأطعمة المباحة كما يحكى عن الحاكم بأمره وأنه منع أكل الملوخية ونحو ذلك مما يظهر فيه العبث ولا يظهر فيه وجه للمصلحة .. وقول بعض الناس إن أمر ولى الأمر في المباح لا يطاع لأنه ليس لأحد من الناس أميرا أو غيره أن يوجب ما لم يوجبه الله ولا أن يحرم ما لم يحرمه الله .. لا محل له بعد أن ذكرنا أن المتفق عليه أن الأمر أو النهى لا ينشئ إيجابا أو تحريما وأن حكم الإباحة باق والجديد هو إيجاب الشارع طاعة هذه الأوامر والنواهى .. ما دامت لا تؤدى إلى معصية وتحقيق مصلحة الناس .. وما أثاره البعض من تساؤل .. هل العبرة بكون المأمور به المباح مباحًا في اعتقاد الآمر دون المأمور فيجب الامتثال ظاهرًا فقط .. أو في اعتقاد المأمور كذلك فيجب الامتثال ظاهرًا وباطنًا أو بالعكس فينعكس الحكم .. هذا الذي أثير من شأن الأخذ به عدم استقرار الأوضاع في العمل والتفاوت وعدم التساوى بين

стр. 8297

الناس في التطبيق وفتح باب للتنصل من وجوب الطاعة والمفروض أن الأمر أو النهى فيما هو مباح في ذاته شرعا .. والقاعدة الأساسية في الشريعة والتي لا خلاف فيها لأحد مطلقا أن الحكم لله رب العالمين وأن الله لم يجعل لأحد من ولاة الأمر ولا من غيرهم أن يصنع شيئا من الأحكام للناس .. وأن الغاية من تكليف الأمة بإقامة الإمام وتنصيب ولاة الأمر .. هي سياسة الناس بأحكام الدين وتحقيق مصالحهم في ظل مبادئه وقوانينه. وأنهم أعطوا حق إصدار الأوامر والنواهى في هذا النطاق لتحقيق هذه الغاية وأنهم إن تجاوزوا هذه الحدود أو خرجوا عنها فقدوا ولايتهم وصفاتهم ولم تكن لأوامرهم ونواهيهم قيمة ولا يجب على أحد امتثالها .. وفى ظل ما ذكر من تفصيلات وأحكام وقيود وشروط في أوامر ولى الأمر وحدود طاعته .. وقال الفقهاء إن لولى الأمر تخصيص القضاء بالزمان والمكان والحادثة وأن طاعته في ذلك واجبة تحقيقا للمصلحة .. وإنه إذا أمر قضاته بعدم سماع الدعوى إذا مضت عليها مدة معينة وتوفر من الظروف القائمة والقرائن المحيطة ما يوصى بعدم الأحقية فيها .. وجبت عليهم طاعته بعدم سماعها وإذا سمعها فأمن لا ينفذ حكمه دفعا للضرر ودرءًا لخطر التزوير .. وإذا أمر قضاته المقلدين بالقضاء بمذهب آخر في مسألة أو مسائل كقتل المسلم بالكافر والحر بالعبد والقصاص في القتل بغير المحدد وصحة النكاح بغير ولى آو عدم صحته .. أو أمر المفتين بالإفتاء بما ذكر .. وجبت طاعته وامتثال أمره ولزم القضاء والإفتاء بما أمر به حيث لا معصية فيه ولا مخالفة لحكم الشرع بيقين .. وقد ذكرنا أن طاعة ولى الأمر في هذه الحالة واجبة .. وفى ضوء ما ذكر يتضح أن ما ينادى به بعض الناس من النساء اللاتى اتخذن شعار حقوق المرأة والرجال الذين تأثروا بالثقافات الغربية ووقفوا وراء هؤلاء النسوة .. من أن الطلاق وتعدد الزوجات من المباح .. ويصح لولى الأمر أن يأمر بتغيير الأحكام وذلك بما يصدر من تشريعات .. هذا الذي ينادى به هذا البعض من المسلمين لا يتفق مع ما تقرر من أحكام في هذا الشأن .. إذ أن مدار أحكام الشرع في الأسرة على المصلحة والاستقرار .. وما ينادون به لا يحقق مصلحة عامة بل يؤدى إلى الاضطراب وزعزعة كيان الأسرة وهز بنائها من الأساس .. النصرة: وذلك بالنصح المخلص والمتابعة والتأييد والتسديد والجهاد معه في سبيل الله ونصرة الدين وتأمين الدعوة إلى الله .. وكما قلنا في الكلام على البيعة أنها ترتب للإمام على الأمة النصح والإخلاص والسمع والطاعة فيما يطلب في المقسط والمكره وفى العسر واليسر. ومن حق الإمام على الأمة أن توفر له ولأهله حياة طيبة وعيشا كريما مناسبًا بتحديد راتب شهرى أو سنوى من المالية العامة للدولة ببيت مال المسلمين يكفل له حياة تليق به وبمكانته في الأمة ويفى بالتزامات منصبه ومظاهر مركزه دون إسراف ولا تقتير متى كان في حاجة .. مما يرويه ابن سعد في الطبقات في هذا الشأن

стр. 8298

أنه لما ولى أبو بكر رضى الله عنه الخلافة .. قال بعض أصحاب رسول الله ﷺ : أقرضوا لخليفة رسول الله ما يغنيه - قالوا: نعم - يردان إذا أخلقهما وضعهما وأخذ مثلهما - وظهر إذا سافر - ونفقة له ولأهله مثل ما كان ينفق قبل أن يستخلف .. قال أبو بكر: رضيت .. وفى رواية: جعلوا له ألفين من الدراهم .. فقال: زيدون فإن لى عملا .. وقد شغلتمونى عن التجارة فزادوه خمسمائة .. ويقول الراوى: إما أن تكون ألفين فزادوه خمسمائة أو كانت ألفين وخمسمائة فزادوه خمسمائة .. ومما يرويه ابن الجوزى في سيرة عمر ويرويه ابن سعد في الطبقات أيضا عن عبد الله بن عمر رضى الله عنه قال: جمع عمر الناس حين انتهى إليه فتح القادسية ودمشق فقال: إنى كنت امرأ تاجرًا وقد شغلتمونى بأمركم فما ترون أنه يحل لى من هذا المال - يقصد مال بيت مال المسلمين؟ فأكثر الناس وعلى ساكت .. فقال عمر: يا على! ما تقول؟ قال على: ما يصلحك ويصلح عيالك بالمعروف .. ليس لك من هذا المال غيره .. فقال عمر: القول ما قال على .. هذا هو أساس الحكم في راتب الخليفة من مال الدولة في النظام الإِسلامى .. إذًا المقرر أن عمل الخليفة والراشدين وسنتهم يؤخذ بها كما قال النبي ﷺ : "عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى عضوا عليها بالنواجز". عزل الخليفة: يقع الكلام في عزل الخليفة في موقعين .. في حق الأمة في عزل الخليفة .. وفى موجبات عزل الخليفة .. الأول: بينا فيما مضى أن الخليفة يعتبر وكيلا عن الأمة فيما يقوم به من أعمال وأنه يعمل بولايتها وسلطانها .. ونقلنا في هذا عبارة الكاسانى الحنفى في كتابه بدائع الصنائع التي يقول فيها: وكل ما يخرج الوكيل عن الوكالة يخرج به القاضي من القضاء لا يفترقان إلا في شئ واحد .. وهو أن الموكل إذا مات أو خلع ينعزل الوكيل .. والخليفة إذا مات أو خلع لا تنعزل قضاته .. ووجه الفرق أن الوكيل يعمل بولاية الموكل وفى خالص حقه وقد بطلت أهلية الولاية بالموت أو الخلع فينعزل الوكيل .. والقاضى لا يعمل بولاية الخليفة وفى حقه بل بولاية المسلمين وفى حقوقهم .. وإنما الخليفة بمنزلة الرسول عن المسلمين .. لهذا لم تلحقه العهدة كالرسول في سائر العقود وكالوكيل في النكاح مجرد سفير ومعبر .. وإذا كان الخليفة رسولا عن المسلمين كان فعله بمنزلة فعل عامة المسلمين .. وولاية المسلمين باقية فيبقى القاضي على ولايته وهذا بخلاف العزل .. فإن الخليفة إذا عزل القاضي أو الوالى ينعزل بعزله ولا ينعزل بموته لأنه لا ينعزل بعزل الخليفة حقيقة بل ينعزل بعزل عامة المسلمين لما ذكرنا أن توليته بتولية العامة .. والعامة عمين ولو الخليفة ولوه الاستبداد دلالة لتعلق مصلحتهم بذلك فكانت ولايته منهم معنى في العزل أيضًا .. فهو الفرق بين العزل والموت. ا. هـ. وإذا كان الخليفة وكيلا عن الأمة ويعمل بولايتها .. فلا شك أن يكون للأمة حق عزله لأن من حق الموكل أن يعزل الوكيل وهذا هو حكم

стр. 8299

الشرع غير أن حق الأمة في عزل الخليفة مقيدا بارتكابه ما يقتضى العزل فإن عزلته بدون سبب لا ينفذ كما سنذكره في الموقع الثاني. وعبارة المرحوم محمود فياض (١) في كتابه الفقه السياسى صريحة وقاطعة في أن الخليفة وكيل عن الأمة وأن لها حق عزله إن وقع منه ما يقتضى العزل. والبيعة عقد وكالة بين الأمة وحاكمها المنتخب من أفرادها .. وهو ليس عقد تمليك ولا يقتضى تمليكا وإنما هو عقد إذن بالتصرف باسم الموكل في حدود ما رسم الدين وأذنه الموكل بالتصرف فيه … وهو عقد مؤقت مشروط فهو خاضع لرقابة الأصيل .. فإن رأى الوكيل ملتزما للشروط المحددة ورأى استمرار العقد في صالحه أبقى الوكيل … وإن رأى الوكيل قد جانب الشرط وخرج من العهدة عزله إن شاء إذا لم ينعزل هو من نفسه .. لهذا اتفق الفقهاء على أن الحاكم وكيل عن الأمة خاضع لرقابتها ولها عليه سلطان التولية والعزل والتوجيه .. ولكل فرد من أفرادها حق أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر وهى السلطة الكبرى التي جعلها الله لأدنى المسلمين يقرع بها أنف أعلاهم. وكما يقول الأستاذ/ محمود عبده في كتابه: الإسلام والنصرانية .. ومما يقطع بصحة فكرة وكالة الحاكم عن الأمة وخضوعه لرقابتها وسلطانها وأن جميع الفقهاء اعتبروه واحدا من أفراد الأمة في كل تصرفاته وألزموه بمتالفه وجناياته فهو يؤخذ بالقصاص إذا قتل عامدًا أو ظالمًا ويلزم بالأموال التي يتلفها بغير حق .. ويقطع يده إذا سرق ويحد أو يرجم إذا زنى .. ". ويقول الأستاذ الإمام الشيخ محمد عَبده في كتابه: (الإسلام والنصرانية): "الخليفة عن المسلمين ليس بالمعصوم ولا هو مهبط الوحى ولا من حقه الاستئثار بتفسير الكتاب والسنة .. وهو على هذا لا يخصه الدين في فهم الكتاب والعلم بالأحكام بمزية ولا يرتفع به إلى منزلة .. بل هو وسائر طلاب الفهم سواء .. وإنما يتفاضلون بصفاء العقل وكثرة الإصابة في الحكم .. ثم هو مطاع ما دام على الحجة ونهج الكتاب والسنة والمسلمون له بالمرصاد .. فإذا انحرف عن المنهج أقاموه عليه وإذا اعوج قوموه بالنصيحة والإعذار إليه .. فالأمة أو نائب الأمة (في حالة الاستخلاف) هو الذي ينصبه .. والأمة صاحبة الحق في السيطرة عليه وهى التي تخليه متى رأت ذلك من مصلحتها .. وليس في الإسلام سلطة دينية لأحد على أحد سوى سلطة الموعظة الحسنة والدعوة إلى الخير والتنفير عن الشر .. وهى سلطة خولها الله لأدنى المسلمين يقرع بها أنف أعلاهم كما خولها لأعلاهم يتناول بها من هو أدناهم .. ". ومن جهة أخرى فإن نظام الحكم في الإسلام قد جعل الحاكم مسئولا أمام الأمة عن أعماله وتصرفاته في شئونها ومصالحها: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته" فالإمام الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته .. ". والمقرر أن من ملك المسئولية والمساءلة ليقيم الأمر على النهج الصالح والطريق السوى يملك العزل عند الانحراف والميل وتعرض مصالح

стр. 8300

المسلمين للضرر أو الخطر .. وقد أقر الخلفاء الراشدون هذا المبدأ وأعلنوه .. فها هو ذا الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضى الله تعالى عنه يخطب في المسلمين غداة توليه الخلافة ويقول: "أيها الناس: قد وليت عليكم ولست بخيركم .. فإن أحسنت فأعينونى وإن صدفت فقومونى .. أطيعونى ما أطعت الله ورسوله .. فإذا عصيت فلا طاعة لى عليكم .. ". وكذا الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضى الله عنه خطب بعد توليه الخلافة وقال: "أطيعونى ما أطعت الله فيكم .. فإن عصيت فلا طاعة لى عليكم .. " وهكذا بقية الخلفاء (عثمان وعلى) يتتابعون على هذا المبدأ ويعلنونه في المسلمين .. وأيضًا فإن منصب الخلافة أعلى منصب في الدولة ومركز شاغله أعظم مركز من جهة النظام وقواعد الحكم .. فإذا ارتكب الخليفة ما يوجب العزل أو انحرف عن النهج القويم الواجب اتباعه والإقامة عليه .. فأية سلطة في الدولة يمكن أن تخلع هذا الخليفة وتعزله .. ليست هناك إلا سلطة الأمة التي ولته بنفسها أو بنائبها هي صاحبة الحق في ذلك تمارسه وتباشره بواسطة أهل الحل والعقد وهيئة الشورى والأمة وإن كانت صاحبة الحق في عزل الخليفة إلا أنه لا يعزل إلا لسبب تقتضيه .. فإن عزلته الأمة بدون سبب لا ينعزل .. وفى الثاني: قال السعد التفتازانى في شرح المقاصد (١): "لا يجوز خلع الإمام بلا سبب .. ولو خلعوه لم ينفذ .. وإن عزل نفسه .. فإن كان يعجز عن القيام بالأمر انعزل وإلا فلا .. ولا ينعزل الإمام بالفسق والإغماء وينعزل بالجنون وبالعمى والصمم والخرس وبالمرض الذي ينسيه العلوم. ثم قال في موضع آخر: "ينحل عقد الإمامة بما يزول به مقصود الإمامة كالردة والجنون المطبق والأسر الذي لا يرجى منه الخلاص والمرض الذي ينسيه العلوم والعمى والصمم والخرس وكذا بخلعه نفسه لعجزه عن القيام بمصالح المسلمين وإن لم يكن العجز ظاهرًا بل استشعره في نفسه ويحمل عليه خلع الحسن بن على رضى الله عنهما نفسه من الخلافة .. وأما خلعه لنفسه من غير سبب ففيه خلاف، وكذلك في انعزاله بالفسق خلاف .. والأكثرون على أنه لا ينعزل به .. وهو المختار من مذهب الشافعي وأبى حنيفة رضى الله عنهما وعن محمد رضى الله عنه روايتان .. ويستحق العزل بالفسق بالاتفاق .. وأما القاضي فينعزل بالفسق على الأظهر .. ومن صار إماما بالقهر والغلبة ينعزل بأن يقهره آخر ويغلبه .. وقال أبو الحسن الماوردى (٢): "والذي لا يتغير به حال الإمام فيخرج به عن الإمامة شيئان: أحدهما: جرح في عدالته .. والثاني: نقص في بدنه .. فأما الجرح في عدالته وهو الفسق فهو على ضربين: أحدهما: ما تابع فيه الشهوة .. والثاني: ما تعلق فيه بشبهة .. الأول: منهما فمتعلق بافتعال الجوارح
следующие страницы →