عنها .. ويرى البعض الآخر أنها ليست واجبة وأن الوجوب الذي كان قد نسخ بآيات المواريث ..
وكصوم يوم النيروز أو يوم المهرجان منفردا تطوعا وهما عيدان عند غير المسلمين يحتفل بهما .. يرى بعض الفقهاء أن هذا الصوم مكروه .. ويرى البعض الآخر أنه غير مكروه .. إذا كان أمر ولى الأمر فيما اختلف فيه الفقهاء المجتهدون .. فأمر بالوصية على نحو ما أشير إليه كما فعل ولى الأمر في مصر إذا أصدر القانون رقم ٧١ لسنة ١٩٤٦ في ٢٤ يونية سنة ١٩٤٦ متضمنا إيجاب هذه الوصية على الوضع وبالتفصيلات والأحكام التي تضمنها .. أو نهى عن صوم يوم النيروز أو يوم المهرجان لم يكن أمره أو نهيه في ذلك إلا تخير الحكم من الأحكام الاجتهادية وأمرًا بما ليس فيه معصية متيقنة فتجب طاعته في ذلك وتنفيذ أمره أو نهيه على وفق الأحاديث التي رويت وذكرها العلماء فيما نقلناه عنهم وأشرنا إلى بعض منها .. بل إن بعض العلماء ذهب إلى أن أمر ولى الأمر في المسألة الاجتهادية المختلف في حكمها يرفع الخلاف كما يرفع قضاء القاضي في المجتهد فيه الخلاف في الحكم .. ومن المقرر والمتفق عليه أن أمر ولى الأمر أو نهيه في ذلك لا ينشئ في الموضوع حكما شرعيا وأن الحكم الشرعى فيه هو ما أدى إليه الاجتهاد ..
وإذا كان أمر ولى الأمر أو نهيه في مباح كما إذا أمر بنظام معين للسير في المشى أو النقل أو الركوب علاجا للزحام والحوادث .. أو نهى عن فتح المحلات العامة أو المقاهى بعد وقت معين من الليل علاجا لمشكلة الأمن وتوفيرًا للراحة .. لم يكن بذلك الأمر أو النهى منشئًا لحكم شرعى في المباح هو الوجوب أو الحرية ..
وإنما حكمه وهو الإباحة باق على ما هو عليه .. وكل ما للأمر أو النهى الصادر من أثر أنه يجب على الرعية أن يطيعوه ويمتثلوا له حيث لا معصية فيه لله .. وتنفيذه يحقق القصد منه وهو تحصيل مصلحة الرعية ودفع الضرر عنهم .. وهذا هو المناط في امتثال أوامر ولى الأمر وعدم امتثالها في ذلك حتى إذا ما كان الأمر أو النهى لمجرد الهوى والتسلط وليس فيه مصلحة ولا خير لا تجب طاعته شرعًا كما إذا أمر بالعمل في الليل دون النهار أو نهى عن أكل نوع من الأطعمة المباحة كما يحكى عن الحاكم بأمره وأنه منع أكل الملوخية ونحو ذلك مما يظهر فيه العبث ولا يظهر فيه وجه للمصلحة ..
وقول بعض الناس إن أمر ولى الأمر في المباح لا يطاع لأنه ليس لأحد من الناس أميرا أو غيره أن يوجب ما لم يوجبه الله ولا أن يحرم ما لم يحرمه الله .. لا محل له بعد أن ذكرنا أن المتفق عليه أن الأمر أو النهى لا ينشئ إيجابا أو تحريما وأن حكم الإباحة باق والجديد هو إيجاب الشارع طاعة هذه الأوامر والنواهى .. ما دامت لا تؤدى إلى معصية وتحقيق مصلحة الناس ..
وما أثاره البعض من تساؤل .. هل العبرة بكون المأمور به المباح مباحًا في اعتقاد الآمر دون المأمور فيجب الامتثال ظاهرًا فقط .. أو في اعتقاد المأمور كذلك فيجب الامتثال ظاهرًا وباطنًا أو بالعكس فينعكس الحكم .. هذا الذي أثير من شأن الأخذ به عدم استقرار الأوضاع في العمل والتفاوت وعدم التساوى بين
стр. 8297
الناس في التطبيق وفتح باب للتنصل من وجوب الطاعة والمفروض أن الأمر أو النهى فيما هو مباح في ذاته شرعا ..
والقاعدة الأساسية في الشريعة والتي لا خلاف فيها لأحد مطلقا أن الحكم لله رب العالمين وأن الله لم يجعل لأحد من ولاة الأمر ولا من غيرهم أن يصنع شيئا من الأحكام للناس ..
وأن الغاية من تكليف الأمة بإقامة الإمام وتنصيب ولاة الأمر .. هي سياسة الناس بأحكام الدين وتحقيق مصالحهم في ظل مبادئه وقوانينه.
وأنهم أعطوا حق إصدار الأوامر والنواهى في هذا النطاق لتحقيق هذه الغاية وأنهم إن تجاوزوا هذه الحدود أو خرجوا عنها فقدوا ولايتهم وصفاتهم ولم تكن لأوامرهم ونواهيهم قيمة ولا يجب على أحد امتثالها ..
وفى ظل ما ذكر من تفصيلات وأحكام وقيود وشروط في أوامر ولى الأمر وحدود طاعته .. وقال الفقهاء إن لولى الأمر تخصيص القضاء بالزمان والمكان والحادثة وأن طاعته في ذلك واجبة تحقيقا للمصلحة .. وإنه إذا أمر قضاته بعدم سماع الدعوى إذا مضت عليها مدة معينة وتوفر من الظروف القائمة والقرائن المحيطة ما يوصى بعدم الأحقية فيها ..
وجبت عليهم طاعته بعدم سماعها وإذا سمعها فأمن لا ينفذ حكمه دفعا للضرر ودرءًا لخطر التزوير ..
وإذا أمر قضاته المقلدين بالقضاء بمذهب آخر في مسألة أو مسائل كقتل المسلم بالكافر والحر بالعبد والقصاص في القتل بغير المحدد وصحة النكاح بغير ولى آو عدم صحته .. أو أمر المفتين بالإفتاء بما ذكر ..
وجبت طاعته وامتثال أمره ولزم القضاء والإفتاء بما أمر به حيث لا معصية فيه ولا مخالفة لحكم الشرع بيقين .. وقد ذكرنا أن طاعة ولى الأمر في هذه الحالة واجبة ..
وفى ضوء ما ذكر يتضح أن ما ينادى به بعض الناس من النساء اللاتى اتخذن شعار حقوق المرأة والرجال الذين تأثروا بالثقافات الغربية ووقفوا وراء هؤلاء النسوة .. من أن الطلاق وتعدد الزوجات من المباح ..
ويصح لولى الأمر أن يأمر بتغيير الأحكام وذلك بما يصدر من تشريعات ..
هذا الذي ينادى به هذا البعض من المسلمين لا يتفق مع ما تقرر من أحكام في هذا الشأن ..
إذ أن مدار أحكام الشرع في الأسرة على المصلحة والاستقرار .. وما ينادون به لا يحقق مصلحة عامة بل يؤدى إلى الاضطراب وزعزعة كيان الأسرة وهز بنائها من الأساس ..
النصرة: وذلك بالنصح المخلص والمتابعة والتأييد والتسديد والجهاد معه في سبيل الله ونصرة الدين وتأمين الدعوة إلى الله .. وكما قلنا في الكلام على البيعة أنها ترتب للإمام على الأمة النصح والإخلاص والسمع والطاعة فيما يطلب في المقسط والمكره وفى العسر واليسر.
ومن حق الإمام على الأمة أن توفر له ولأهله حياة طيبة وعيشا كريما مناسبًا بتحديد راتب شهرى أو سنوى من المالية العامة للدولة ببيت مال المسلمين يكفل له حياة تليق به وبمكانته في الأمة ويفى بالتزامات منصبه ومظاهر مركزه دون إسراف ولا تقتير متى كان في حاجة ..
مما يرويه ابن سعد في الطبقات في هذا الشأن
стр. 8298
أنه لما ولى أبو بكر رضى الله عنه الخلافة .. قال بعض أصحاب رسول الله ﷺ : أقرضوا لخليفة رسول الله ما يغنيه - قالوا: نعم - يردان إذا أخلقهما وضعهما وأخذ مثلهما - وظهر إذا سافر - ونفقة له ولأهله مثل ما كان ينفق قبل أن يستخلف ..
قال أبو بكر: رضيت .. وفى رواية: جعلوا له ألفين من الدراهم .. فقال: زيدون فإن لى عملا .. وقد شغلتمونى عن التجارة فزادوه خمسمائة .. ويقول الراوى: إما أن تكون ألفين فزادوه خمسمائة أو كانت ألفين وخمسمائة فزادوه خمسمائة ..
ومما يرويه ابن الجوزى في سيرة عمر ويرويه ابن سعد في الطبقات أيضا عن عبد الله بن عمر رضى الله عنه قال: جمع عمر الناس حين انتهى إليه فتح القادسية ودمشق فقال: إنى كنت امرأ تاجرًا وقد شغلتمونى بأمركم فما ترون أنه يحل لى من هذا المال - يقصد مال بيت مال المسلمين؟ فأكثر الناس وعلى ساكت .. فقال عمر: يا على! ما تقول؟ قال على: ما يصلحك ويصلح عيالك بالمعروف .. ليس لك من هذا المال غيره .. فقال عمر: القول ما قال على ..
هذا هو أساس الحكم في راتب الخليفة من مال الدولة في النظام الإِسلامى .. إذًا المقرر أن عمل الخليفة والراشدين وسنتهم يؤخذ بها كما قال النبي ﷺ : "عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى عضوا عليها بالنواجز".
عزل الخليفة:
يقع الكلام في عزل الخليفة في موقعين .. في حق الأمة في عزل الخليفة .. وفى موجبات عزل الخليفة ..
الأول: بينا فيما مضى أن الخليفة يعتبر وكيلا عن الأمة فيما يقوم به من أعمال وأنه يعمل بولايتها وسلطانها ..
ونقلنا في هذا عبارة الكاسانى الحنفى في كتابه بدائع الصنائع التي يقول فيها: وكل ما يخرج الوكيل عن الوكالة يخرج به القاضي من القضاء لا يفترقان إلا في شئ واحد .. وهو أن الموكل إذا مات أو خلع ينعزل الوكيل .. والخليفة إذا مات أو خلع لا تنعزل قضاته ..
ووجه الفرق أن الوكيل يعمل بولاية الموكل وفى خالص حقه وقد بطلت أهلية الولاية بالموت أو الخلع فينعزل الوكيل ..
والقاضى لا يعمل بولاية الخليفة وفى حقه بل بولاية المسلمين وفى حقوقهم .. وإنما الخليفة بمنزلة الرسول عن المسلمين .. لهذا لم تلحقه العهدة كالرسول في سائر العقود وكالوكيل في النكاح مجرد سفير ومعبر ..
وإذا كان الخليفة رسولا عن المسلمين كان فعله بمنزلة فعل عامة المسلمين .. وولاية المسلمين باقية فيبقى القاضي على ولايته وهذا بخلاف العزل ..
فإن الخليفة إذا عزل القاضي أو الوالى ينعزل بعزله ولا ينعزل بموته لأنه لا ينعزل بعزل الخليفة حقيقة بل ينعزل بعزل عامة المسلمين لما ذكرنا أن توليته بتولية العامة ..
والعامة عمين ولو الخليفة ولوه الاستبداد دلالة لتعلق مصلحتهم بذلك فكانت ولايته منهم معنى في العزل أيضًا .. فهو الفرق بين العزل والموت. ا. هـ.
وإذا كان الخليفة وكيلا عن الأمة ويعمل بولايتها .. فلا شك أن يكون للأمة حق عزله لأن من حق الموكل أن يعزل الوكيل وهذا هو حكم
стр. 8299
الشرع غير أن حق الأمة في عزل الخليفة مقيدا بارتكابه ما يقتضى العزل فإن عزلته بدون سبب لا ينفذ كما سنذكره في الموقع الثاني.
وعبارة المرحوم محمود فياض (١) في كتابه الفقه السياسى صريحة وقاطعة في أن الخليفة وكيل عن الأمة وأن لها حق عزله إن وقع منه ما يقتضى العزل. والبيعة عقد وكالة بين الأمة وحاكمها المنتخب من أفرادها ..
وهو ليس عقد تمليك ولا يقتضى تمليكا وإنما هو عقد إذن بالتصرف باسم الموكل في حدود ما رسم الدين وأذنه الموكل بالتصرف فيه …
وهو عقد مؤقت مشروط فهو خاضع لرقابة الأصيل .. فإن رأى الوكيل ملتزما للشروط المحددة ورأى استمرار العقد في صالحه أبقى الوكيل …
وإن رأى الوكيل قد جانب الشرط وخرج من العهدة عزله إن شاء إذا لم ينعزل هو من نفسه ..
لهذا اتفق الفقهاء على أن الحاكم وكيل عن الأمة خاضع لرقابتها ولها عليه سلطان التولية والعزل والتوجيه ..
ولكل فرد من أفرادها حق أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر وهى السلطة الكبرى التي جعلها الله لأدنى المسلمين يقرع بها أنف أعلاهم.
وكما يقول الأستاذ/ محمود عبده في كتابه: الإسلام والنصرانية ..
ومما يقطع بصحة فكرة وكالة الحاكم عن الأمة وخضوعه لرقابتها وسلطانها وأن جميع الفقهاء اعتبروه واحدا من أفراد الأمة في كل تصرفاته وألزموه بمتالفه وجناياته فهو يؤخذ بالقصاص إذا قتل عامدًا أو ظالمًا ويلزم بالأموال التي يتلفها بغير حق .. ويقطع يده إذا سرق ويحد أو يرجم إذا زنى .. ".
ويقول الأستاذ الإمام الشيخ محمد عَبده في كتابه: (الإسلام والنصرانية): "الخليفة عن المسلمين ليس بالمعصوم ولا هو مهبط الوحى ولا من حقه الاستئثار بتفسير الكتاب والسنة ..
وهو على هذا لا يخصه الدين في فهم الكتاب والعلم بالأحكام بمزية ولا يرتفع به إلى منزلة .. بل هو وسائر طلاب الفهم سواء .. وإنما يتفاضلون بصفاء العقل وكثرة الإصابة في الحكم .. ثم هو مطاع ما دام على الحجة ونهج الكتاب والسنة والمسلمون له بالمرصاد .. فإذا انحرف عن المنهج أقاموه عليه وإذا اعوج قوموه بالنصيحة والإعذار إليه ..
فالأمة أو نائب الأمة (في حالة الاستخلاف) هو الذي ينصبه .. والأمة صاحبة الحق في السيطرة عليه وهى التي تخليه متى رأت ذلك من مصلحتها .. وليس في الإسلام سلطة دينية لأحد على أحد سوى سلطة الموعظة الحسنة والدعوة إلى الخير والتنفير عن الشر .. وهى سلطة خولها الله لأدنى المسلمين يقرع بها أنف أعلاهم كما خولها لأعلاهم يتناول بها من هو أدناهم .. ".
ومن جهة أخرى فإن نظام الحكم في الإسلام قد جعل الحاكم مسئولا أمام الأمة عن أعماله وتصرفاته في شئونها ومصالحها: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته" فالإمام الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته .. ".
والمقرر أن من ملك المسئولية والمساءلة ليقيم الأمر على النهج الصالح والطريق السوى يملك العزل عند الانحراف والميل وتعرض مصالح
стр. 8300
المسلمين للضرر أو الخطر ..
وقد أقر الخلفاء الراشدون هذا المبدأ وأعلنوه .. فها هو ذا الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضى الله تعالى عنه يخطب في المسلمين غداة توليه الخلافة ويقول: "أيها الناس: قد وليت عليكم ولست بخيركم .. فإن أحسنت فأعينونى وإن صدفت فقومونى .. أطيعونى ما أطعت الله ورسوله .. فإذا عصيت فلا طاعة لى عليكم .. ".
وكذا الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضى الله عنه خطب بعد توليه الخلافة وقال: "أطيعونى ما أطعت الله فيكم .. فإن عصيت فلا طاعة لى عليكم .. " وهكذا بقية الخلفاء (عثمان وعلى) يتتابعون على هذا المبدأ ويعلنونه في المسلمين ..
وأيضًا فإن منصب الخلافة أعلى منصب في الدولة ومركز شاغله أعظم مركز من جهة النظام وقواعد الحكم ..
فإذا ارتكب الخليفة ما يوجب العزل أو انحرف عن النهج القويم الواجب اتباعه والإقامة عليه .. فأية سلطة في الدولة يمكن أن تخلع هذا الخليفة وتعزله .. ليست هناك إلا سلطة الأمة التي ولته بنفسها أو بنائبها هي صاحبة الحق في ذلك تمارسه وتباشره بواسطة أهل الحل والعقد وهيئة الشورى والأمة وإن كانت صاحبة الحق في عزل الخليفة إلا أنه لا يعزل إلا لسبب تقتضيه .. فإن عزلته الأمة بدون سبب لا ينعزل ..
وفى الثاني: قال السعد التفتازانى في شرح المقاصد (١): "لا يجوز خلع الإمام بلا سبب .. ولو خلعوه لم ينفذ .. وإن عزل نفسه .. فإن كان يعجز عن القيام بالأمر انعزل وإلا فلا .. ولا ينعزل الإمام بالفسق والإغماء وينعزل بالجنون وبالعمى والصمم والخرس وبالمرض الذي ينسيه العلوم.
ثم قال في موضع آخر: "ينحل عقد الإمامة بما يزول به مقصود الإمامة كالردة والجنون المطبق والأسر الذي لا يرجى منه الخلاص والمرض الذي ينسيه العلوم والعمى والصمم والخرس وكذا بخلعه نفسه لعجزه عن القيام بمصالح المسلمين وإن لم يكن العجز ظاهرًا بل استشعره في نفسه ويحمل عليه خلع الحسن بن على رضى الله عنهما نفسه من الخلافة ..
وأما خلعه لنفسه من غير سبب ففيه خلاف، وكذلك في انعزاله بالفسق خلاف .. والأكثرون على أنه لا ينعزل به .. وهو المختار من مذهب الشافعي وأبى حنيفة رضى الله عنهما وعن محمد رضى الله عنه روايتان .. ويستحق العزل بالفسق بالاتفاق .. وأما القاضي فينعزل بالفسق على الأظهر .. ومن صار إماما بالقهر والغلبة ينعزل بأن يقهره آخر ويغلبه ..
وقال أبو الحسن الماوردى (٢): "والذي لا يتغير به حال الإمام فيخرج به عن الإمامة شيئان:
أحدهما: جرح في عدالته ..
والثاني: نقص في بدنه ..
فأما الجرح في عدالته وهو الفسق فهو على ضربين:
أحدهما: ما تابع فيه الشهوة ..
والثاني: ما تعلق فيه بشبهة ..
الأول: منهما فمتعلق بافتعال الجوارح
стр. 8301
وهو ارتكابه للمحظورات .. وإقدامه على المنكرات تحكيما للشهوة وانقيادًا للهوى .. فهذا فسق يمنع من انعقاد الإمامة ومن استدامتها .. فإذا طرأ على من انعقدت إمامته خرج منها .. فإن عاد إلى العدالة لم يعد إلى الإمامة إلا بعقد جديد ..
قال بعض المتكلمين: يعود إلى الإمامة بعوده إلى العدالة من غير أن يستأنف له عقد ولا بيعة لعموم ولايته ولحقوق المشقة في استئناف بيعته ..
الثاني: منهما فمتعلق بالاعتقاد المتأول بشبهة تعترض فيتأول لها خلاف الحق - فقد اختلف العلماء فيها .. فذهب فريق منهم إلى أنها تمنع من انعقاد الإمامة ومن استدامتها ويخرج بحدوثه منها لأنه لما استوى حكم الكفر بتأويل وغير تأويل وجب أن يستوى حكم الفسق بتأويل وغير تأويل وقال كثير من علماء البصرة: إنه لا يمنع من انعقاد الإمامة ولا يخرج به منها كما لا يمنع من ولاية القضاء وجواز الشهادة ..
وأما ما طرأ على بدنه من نقص فينقسم ثلاثة أقسام:
الأول: نقص الحواس.
الثاني: نقص الأعضاء.
الثالث: نقص التصرف.
فأما نقص الحواس - فينقسم إلى ثلاثة أقسام:
قسم يمنع من الإمامة .. وقسم لا يمنع منها .. وقسم مختلف فيه.
فأما القسم المانع منها فشيئان:
أحدهما: زوال العقل.
الثاني: ذهاب البصر.
فأما زوال العقل فضربان:
أحدهما: ما كان عارضا مرجو الزوال كالإغماء فهذا لا يمنع من انعقاد الإمامة ولا يخرج منها لأنه مرض قليل اللبث سريع الزوال .. وقد أغمى على رسول الله ﷺ في مرضه ..
الثاني: ما كان لازما لا يرجى زواله كالجنون والخبل .. فهو على ضربين:
الأول: أن يكون مطبقا دائما لا تتخلله إفاقة .. فهذا يمنع من عقد الإمامة واستدامتها .. فإذا طرأ هذا بطلت به الإمامة بعد تحققه والقطع به ..
الثاني: أن تتخلله إفاقة يعود بها إلى حال السلامة فينظر فيه .. فإن كان زمان الخبل أكثر من زمان الإفاقة فهو كالمستديم يمنع من عقد الإمامة واستدامتها ويخرج بحدوثه منها .. وإن كان زمان الإفاقة أكثر من زمان الخبل منع من عقد الإمامة ابتداء .. واختلف في منعه من استدامتها .. فقيل يمنع من استدامتها كما يمنع من ابتدائها .. فإذا طرأ بعد عقد الإمامة بطلت به لأن في استدامتها اختلالا بالنظر المستحق فيه .. وقيل لا يمنع من استدامة الإمامة وإن منع من عقدها في الابتداء لأنه يراعى في ابتداء عقدها سلامة كاملة ويراعى في الخروج منها نقص كامل ..
وأما ذهاب البصر فيمنع من عقد الإمامة واستدامتها .. فإذا طرأ بعد عقد الإمامة بطلت به لأنه لما أبطل ولاية القضاء ومنع من جواز الشهادة .. فأولى أن يمنع من صحة الإمامة ..
وأما غشاء العين وهو ألا يبصر عند دخول الليل فلا يمنع من الإمامة في عقد ولا في استدامة لأنه مرض في زمان الدعة يرجى
стр. 8302
زواله .. وأما ضعف البصر .. فإن كان يعرف منه الأشخاص إذا رآها لم يمنع من الإمامة .. وإن كان يدرك الأشخاص ولكن لا يعرفها منع من الإمامة عقدا واستدامة ..
أما القسم الثاني: من الحواس التي يمكن فقدها في الإِمامة فشيئان:
الأول: الخشم في الأنف الذي لا يدرك منه شم الروائح.
الثاني: فقد الذوق الذي يفرق به بين الطعوم .. فلا يؤثر هذا في عقد الإمامة لأنهما يؤثران في اللذة ولا يؤثران في الرأى والعمل ..
الثالث: من الحواس المختلف فيها فشيئان: (الصم والخرس) فيمنعان من ابتداء عقد الإمامة لأن كمال الأوصاف مع وجودهما مفقود ..
واختلف في الخروج بهما من الإِمامة إذا طرأ بعد انعقادها.
فقالت طائفة: يخرج بهما منها كما يخرج بذهاب البصر لتأثيرها في التدبير والعمل ..
وقال آخرون: لا يخرج بهما من الإِمامة لقيام الإشارة مقامهما فلا يخرج منها إلا بنقص كامل ..
وقال آخرون: إن كان يحسن الكتابة لم يخرج بهما من الإِمامة .. وإن كان لا يحسنها خرج من الإِمامة بهما .. لأن الكتابة مفهومة والإِشارة موهوبة.
والأول من المذاهب الثلاثة أصح .. وأما تمتمة اللسان وثقل السمع مع إدراك الصوت إذا كان عاليا فلا يخرج بهما من الإمامة إذا حدثا واختلف في ابتداء عقدها معهما .. فقيل يمنع ذلك من ابتداء عقدها لأنهما نقص يخرج بهما عن حال الكمال .. وقيل لا يمنع لأن نبى الله موسى ﵇ لم تمنعه عقدة لسانه عن النبوة فأولى أن لا يمنع ذلك من الإِمامة ..
وأما فقد الأعضاء فينقسم إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: ما لا يمنع من صحة الإمامة في عقد ولا استدامة وهو ما لا يؤثر فقده في رأى ولا عمل ولا نهوض ولا يشين في المنظر ..
وذلك مثل قطع الذكر والأنثيين فلا يمنع من عقد الإمامة ولا من استدامتها بعد العقد إذا طرأ بعده لأن فقد هذين العضوين يؤثر في التناسل دون الرأى والحكمة فيجرى مجرى العنة وهى لا تمنع ..
وكذلك قطع الأذنين لأنهما لا يؤثران في رأى ولا عمل .. ولهما شين خفى يمكن أن يستتر فلا يظهر ..
القسم الثاني: ما يمنع من عقد الإِمامة ابتداء من استدامتها إن طرأ بعد عقدها .. وهو ما يمنع من العمل كذهاب اليدين .. أو من النهوض كذهاب الرجلين فلا تصح معه الإمامة في عقد ولا استدامة لعجزه عما يلزمه من حقوق الأمة في عمل أو نهضة ..
القسم الثالث: ما يمنع من عقد الإِمامة اتفاقا - واختلف في منعه من استدامتها إذا طرأ بعد العقد وهو ما يذهب به بعض العمل أو يفقد به بعض النهوض كذهاب إحدى اليدين أو إحدى الرجلين فلا يصح معه عقد الإِمامة ابتداء لعجزه عن كمال التصرف .. فإن طرأ بعد عقد الإِمامة ففى خروجهما منها مذهبان للفقهاء:
المذهب الأول: يخرج به من الإمامة لأنه عجز يمنع من ابتداء عقد الإِمامة فيمنع من استدامتها كذلك ..
стр. 8303
المذهب الثاني: أنه لا يخرج من الإِمامة بعد عقدها وإن منع من العقد ابتداء لأن المعتبر في عقدها كمال السلامة وفى الخروج منها كمال النقص ..
القسم الرابع: ما لا يمنع من استدامة الإمامة واختلف في منعه من ابتداء عقدها وهو ما شان وقبح ولم يؤثر في عمل ولا في نهضة كجدع الأنف وسمل إحدى العينين .. فلا يخرج به من الإِمامة بعد عقدها لعدم تأثيره في شئ من حقوقها. وفى منعه من ابتداء عقدها مذهبان للفقهاء:
أحدهما: أنه لا يمنع من عقدها .. إذ ليس ذلك من الشروط المعتبرة فيها لعدم تأثيره في حقوقها ..
المذهب الثاني: أنه يمنع من عقد الإمامة وتكون السلامة منه شرطا معتبرا في عقدها ليسلم ولاة الملة من شين يعاب ونقص يزدرى .. فتقل به الهيبة وفى فلتها نفور عن الطاعة وما أدى إلى هذا فهو نقص في حقوق الأمة ..
وأما نقص التصرف فضربان: حجر وقهر ..
فأما الحجر: فهو أن يستولى عليه من أعوانه من يستبد بتنفيذ الأمور من غير تظاهر بمعصية ولا مجاهرة بمشاقة .. فلا يمنع ذلك من إمامته .. ولا يقدح في صحة ولايته .. ولكن ينظر في أفعال من استولى على أموره .. فإن كانت جارية على أحكام الدين ومقتضى العدل جاز إقراره عليها تنفيذا لها وإمضاء لأحكامها لئلا يقف من الأمور الدينية ما يعود بفساد على الأمة .. وإن كانت أفعاله خارجة عن حكم الدين ومقتضى العقل لم يجز إقراره عليها ولزمه أن يستنصر من يقبض يد هذا المستولى ويزيل تغلبه عليه ..
وأما القهر: فهو أن يصير مأسورا في يد عدو قاهر ولا يقدر على الخلاص منه فمنع ذلك من عقد الإمامة له ابتداء لعجزه عن النظر في أمور المسلمين .. وسواء كان العدو الذي أسره مشركا أو مسلمًا باغيا .. وللأمة أن تختار غيره من ذوى القدرة على تدبير أمور المسلمين .. وإن أسر بعد أن عقدت له الإمامة، فعلى كافة الأمة استنقاذه من الأسر لما أوجبته الإِمامة عليها. وهو على إمامته ما كان مرجو الخلاص مأمول الفكاك إما بقتال أو فداء .. فإن وقع اليأس من خلاصة لم يخل حال من أسره من أن يكونوا مشركين أو بغاة من المسلمين .. فإن كان في أسر المشركين خرج من الإمامة لليأس من خلاصه .. واستأنف أهل الاختيار بيعة غيره على الإِمامة .. فإن عهد بالإمامة في حال أسره إلى شخص نظر في عهده .. فإن كان بعد اليأس من خلاصه كان عهده باطلا لأنه عهد صادر بعد خروجه من الإِمامة بوقوع اليأس من خلاصه فلم يصح منه عهد ..
وإن كان قد عهد بالإمامة قبل اليأس من خلاصه في وقت فيه مرجو الخلاص صح عهده لبقاء إمامته حينئذ .. واستقرت إمامة ولى العهد وإن خلص قبل اليأس فهو على إمامته .. ويكون العهد في ولى العهد ثابتا وإن لم يصر إمامًا بالفعل لوجود الإمام الأصلى .. وإن كان مأسورا مع بغاة المسلمين فإن كان مرجو الخلاص فهو على إمامته .. وإن وقع اليأس من خلاصه لم يخل حال البغاة من أحد أمرين:
إما أن يكونوا نصبوا لأنفسهم إمامًا أولم ينصبوا .. فإن كانوا فوضى لا إمام لهم، فالإِمام المأسور في أيديهم على إمامته لأن البيعة له لازمة وطاعتهم له واجبة فصار معهم كمصيره مع أهل العدل إذا صار تحت الحجر ..
стр. 8304
وعلى أهل الاختيار أن يستنيبوا عنه ناظرًا يخلفه إن لم يقدر هو على الاستنابة، فإن قدر عليها كان أحق باختيار من يستنيبه منهم .. فإن خلع المأسور نفسه أو مات لم يصر المستناب إمامًا لأنها نيابة عن موجود فزالت بعقده أو بزوال صفته ..
وإن كان أهل البغى قد نصبوا لأنفسهم إمامًا وخلوا في بيعته وانقادوا لطاعته. فالإمام المأسور في أيديهم يعتبر خارجا من الإمامة باليأس من خلاصة لأنهم قد انحازوا بدار تفرد حكمها عن الجماعة وخرجوا بها عن الطاعة فلم يبق لأهل العدل بهم نصره ولا للمأمور معهم قدرة ..
وعلى أهل الاختيار في دار العدل أن يعقدوا الإمامة لمن ارتضوه لها .. فإن خلص المأسور بعد ذلك لم يعد إلى الإمامة لخروجه منها ..
وقال ابن حزم (١): "لا يضر الإمام أن يكون في خَلْقِه عيب كالأعمى والأصم والأجدع والأجذم والأحدب والذي لا يدان له ولا رجلان .. ومن بلغ الهرم ما دام يعقل ولو أنه ابن مائة عام ومن يعرض له الصرع ثم يفيق .. ومن بويع بالخلافة إثر بلوغه الحلم وهو مستوف لشروط الإمامة .. فكل هؤلاء إمامتهم جائزة إذ لم يمنع منها نص قرآنى ولا سنة ولا إجماع ولا نظر ولا دليل أصلًا .. بل قال تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ فمن قام بالقسط فقد أدى ما أمر به .. ولا خلاف بين أحد من أهل الإسلام في أنه لا يجوز التوارث فيها ولا في أنها لا تجوز لمن لم يبلغ حاشا الروافض فإنهم أجازوا كلا الأمرين .. ولا خلاف بين أحد في أنها تجوز لامرأة ..
وظاهر من كلام ابن حزم وإطلاقه الحكم بجواز الإمامة مع ما ذكر أن العمى والصمم وفقد اليدين والرجلين لا يمنع من عقد الإمامة ابتداء ولا يمنع طروء ما ذكر على الإمام من استدامتها ..
وهو يخالف ما ذكره السعد التفتازانى والقاضى أبو الحسن الماوردى في ذلك إذ قال السعد: "ولا ينعزل الإمام بالإغماء ولا بالفسق على رأى الأكثرين من الفقهاء ويستحق العزل بالفسق بالاتفاق .. وينعزل بالجنون وبالعمى والصمم والخرص .. " وقال أبو الحسن الماوردى في فقد الحواس: "وأما ذهاب البصر فيمنع من عقد الإمامة واستدامتها فإذا طرأ بعد عقد الإمامة بطلت به لأنه لما أبطل ولاية القضاء ومنع من جواز الشهادة فأولى أن يمنع من صحة الإمامة ..
وقال في فقد الأعضاء: والقسم الثاني ما يمنع من عقد الإمامة ابتداء من استدامتها طرأ بعد عقدها وهو ما يمنع من العمل كذهاب اليدين. أو من النهوض كذهاب الرجلين .. فلا تصح معه الإمامة في عقد ابتداء ولا في استدامة بعد العقد لعجزه عما يلزمه من حقوق الأمة في العمل أو النهوض له.
الخروج على الإمام:
المقرر شرعا أن طاعة الإمام واجبة شرعا على الأمة ما دام قائما على الحق مقيما للعدل مطبقا لأحكام الدين ومبادئ الشريعة لا يظلم ولا ينحرف .. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ. فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ وقد ذكرنا فيما مضى أن
стр. 8305
الروايات وأسباب النزول وارتباط الآية بما قبلها .. يرجح أن المراد بأولى الأمر .. الأمراء والولاة .. وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ .. وطاعة الإمام العادل ومناصرته من مظاهر التعاون على البر والتقوى ..
قال إمام الحرمين: وإذا ظهر غشمه ولم يرعو لزواجر عن سوء صنيعه بالقول فلأهل الحل والعقد التواطؤ على ردعه ولو بشهر السلاح ونصب الحروب .. وإذا ثبت الإمام بالقهر والغلبة ثم جاء آخر فقهره انعزل وصار القاهر إمامًا ..
وقال النبي ﷺ فيما يرويه البخارى: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم" وقال فيما يرويه مسلم: "من بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع .. فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر" .. وقال فيما يرويه مسلم: "من خلع يدا من طاعة لقى الله يوم القيامة ولا حجة له .. ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية" .. وقد ورد هذا الحديث ضمن أحاديث أخرى ذكر فيها الإمام والإمامة مما يفسر أنه في هذا السياق ..
ولكن إذا ظلم الإمام أو انحرف عن طريق القرآن الكريم وسنة النبي ﷺ الطاهرة .. ولم يرع في مصالح المسلمين وشئونهم إلا ولا ذمة.
فماذا يكون الحكم؟. هل يجب على جماعة المسلمين أن يخرجوا عليه ويقوموا اعوجاجه أو يخلعوه من الإمامة ولو بقوة السلاح وحد السيف .. أو يقوموه بالنصح والإرشاد بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر .. فإن استقام وإلا صبروا عليه ودعوا له بالهداية؟ اختلف العلماء في ذلك ..
يقول السعد التفتازانى (١): "قال إمام الحرمين: "وإذا جاوز الإمام مع الوقت فظهر ظلمه وغشمه .. ولم يرعو لزاجر عن سوء صنيعه بالقول .. فلأهل الحل والعقد التواطؤ على ردعه ولو بشهر السلاح ونصب الحروب".
ويقول الإمام أبو الحسن الأشعرى (٢): "واختلف الناس في السيف - أي الخروج على الإمام بقوة السلاح ..
فقالت المعتزلة والزيدية والخوارج وكثير من المرجئة: ذلك واجب إذا أمكننا أن نزيل بالسيف أهل البغى ونقيم الحق واحتجوا بقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ وقوله سبحانه: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ ....
وقال قائلون: السيف باطل ولو قتلت الرجال وسبيت الذرية وأن الإمام قد يكون عادلا وقد يكون غير عادل وليس لنا إزالته وإن كان فاسقا .. وهذا قول أصحاب الحديث.
يقول ابن خلدون (٣): وأما الحسين رضى الله عنه فإنه لما ظهر فسق يزيد بن معاوية بعد أن تولى الخلافة - عند الكافة من أهل عصره بعثت شيعة أهل البيت بالكوفة للحسين أن يأتيهم فيقوموا بأمره .. فرأى الحسين أن الخروج على يزيد متعين من أجل فسقه لا سيما ممن له القدرة على ذلك وظنها من نفسه بأهليته للإمامة وشوكته وقدرته على إخراج يزيد.
فأما الأهلية فكانت كما ظن وزيادة ..
стр. 8306
وأما الشوكة والقدرة فغلط يرحمه الله فيها .. لأن عصبية مضر كانت في قريش .. وعصبية عبد مناف إنما كانت في بنى أمية .. تعرف ذلك لهم قريش وسائر الناس ولا ينكرونه .. وإنما نُسِىَ ذلك أول الإسلام لما شغل الناس من الذهول بالخوارق وأمر الوحى وتردد الملائكة لنصرة المسلمين فأغفلوا أمور عوائدهم وذهبت عصبية الجاهلية ومنازعها ونسيت ولم يبق إلا العصبية الطبيعية في الحماية والدفاع ينتفع بها في إقامة الدين وجهاد المشركين .. والدين فيها محكم والعادة معزولة .. حتى إذا انقطع أمر النبوة والخوارق المهولة ..
تراجع الحكم بعض الشئ للعوائد فعادت العصبية كما كانت ولمن كانت .. وأصبحت مضر أطوع لبنى أمية من سواهم بما كان لهم من ذلك من قبل .. لذلك غلط الحسين رضى الله عنه في ظنه الشوكة والقدرة لنفسه إلا أنه في أمر دنيوى لا يضره الغلط فيه ..
وأما الحكم الشرعى فلم يغلط فيه لأنه منوط بظنه .. وكان ظنه القدرة على ذلك .. وقد عزله (لامه) ابن العباس وابن الزبير وابن عمر وابن الحنفية أخوه في مسيره إلى الكوفة وعلموا غلطه في ذلك ولكنه لم يرجع عما هو بسبيله لما أراده الله ..
وأما الصحابة الذين كانوا بالحجاز ومع يزيد بالشام والعراق، والتابعون لهم فرأوا أن الخروج على يزيد وإن كان فاسقا لا يجوز لما ينشأ عنه من الهَرْج (الفتنة والاضطراب) والدماء، فاقصروا عن ذلك ولم يتابعوا الحسين رضى الله عنه ولا أنكروا عليه ولا أثَّمُوه لأنه مجتهد وهو أسوة المجتهدين ..
وخلاصة ذلك أن الخروج على الإمام الفاسق الجائر مشروع عند وجود الشوكة والقدرة عليه ومع أمن الفتنة والاضطراب والدماء بين المسلمين ..
ويقول العلامة ابن حزم (١): "اتفقت الأمة كلها على وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بلا خلاف من أحد منهم لقول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ" ثم اختلفوا في كيفيته ..
فذهب بعض أهل السنة من القدماء من الصحابة رضى الله عنهم فمن بعدهم وهو قول أحمد بن حنبل رضى الله عنه وغيره .. وهو قول سعد بن أبى وقاص وأسامة بن زيد وعبد الله بن عمر ومحمد بن سلمة رضى الله عنهم وغيرهم.
ذهب هؤلاء إلى أن الغرض من ذلك - أي من إنكار المنكر - إنما هو بالقلب فقط ولابد أو باللسان إن قدر على ذلك .. ولا يكون باليد ولا بسل السيوف ورفع السلاح أصلا .. وهو قول أبى بكر بن كيسان الأصم!!! وبه قالت الروافض كلهم .. ولو قتلوا كلهم إلا أنها لم تر ذلك إلا ما لم يخرج الناطق.
فإذا خرج وجب سل السيوف حينئذ معه وإلا فلا .. واقتدى أهل السنة في هذا بعثمان رضى الله عنه وبمن ذكرنا من الصحابة رضى الله عنهم وبمن رأى القعود منهم عن القتال .. إلا أن جميع القائلين بهذه المقالة من أهل السنة إنما رأوا ذلك ما لم يكن عدلا وقام عليه فاسق وجب عندهم بلا خلاف سل السيوف مع الإِمام العدل ..
стр. 8307
وقد روينا عن ابن عمر أنه قال: لا أدرى من هي الفئة الباغية .. ولو علمتها ما سبقتنى أنت ولا غيرك إلى قتالها ..
قال أبو حمد: وهذا الذي لا يظن بأولئك الصحابة رضى الله عنهم غيره .. وذهبت طوائف من أهل السنة وجميع المعتزلة وجميع الخوارج والزيدية إلى أن سل السيوف في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر واجب إذا لم يمكن دفع المنكر إلا بذلك ..
وقالوا: فإذا كان أهل الحق في عصابة يمكنهم الدفع ولا ييأسون من الظفر ففرض عليهم ذلك، وإن كانوا في عدد لا يرجون لقلتهم وضعفهم بظفر كانوا في سعة من ترك باليد ..
وهذا قول على بن أبى طالب رضى الله عنه وكل من كان معه من الصحابة .. وقول أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها وطلحة والزبير وكل ما كان معهم من الصحابة وقول معاوية بن أبى سفيان وعمرو بن العاص والنعمان بن بشير وغيرهم ممن كان معهم من الصحابة رضى الله عنهم أجمعين.
وهو قول عبد الله بن الزبير ومحمد والحسن بن على وبقية الصحابة من المهاجرين والأنصار القائمين يوم الحرَّة رضى الله عنهم أجمعين ..
وقول كل من أقام على الفاسق الحجاج بن يوسف الثقفى ومن ولاه من الصحابة رضى الله عنهم أجمعين كأنس بن مالك وكل من كان ممن ذكرنا من أفاضل كعبد الرحمن بن أبى ليلى وسعيد بن جبير وابن البحترى الطائى وعطاء السلمى الأزدى والحسن البصرى ومالك بن دينار ومسلم بن بشار وأبى الحوراء والشعبى وعبد الله بن غالب وعقبة بن عبد الغافر وعقبة بن صهبان وماهان والمطرف بن المغيرة بن شعبة وحنظلة بن عبد الله وطلق بن حبيب وعطاء بن السائب وإبراهيم بن يزيد التيمى وغيرهم ..
ثم من بعد هؤلاء من تابعى التابعين ومن بعدهم كعبد الله بن عبد العزيز بن عمر ومحمد بن عجلان ومن خرج مع محمد بن عبد الله بن الحسن وهاشم بن بشر ومطر الوراق ومن خرج مع إبراهيم بن عبد الله .. وهو الذي تدل عليه أقوال الفقهاء .. كأبى حنيفة والحسن بن حيى وشريك ومالك والشافعى وداود وأصحابهم .. فإن كل من ذكرنا من قديم وحديث إما ناطق بذلك في فتواه .. وإما فاعل لذلك بسل سيفه في إنكار ما رآه منكر ..
قال أبو محمد: احتجت الطائفة المذكورة أولا بأحاديث فيها - أنقاتلهم يا رسول الله؟ قال: لا .. ما صلوا - وفى بعضها .. إلا أن تروا كفرا بواحًا عندكم فيه من الله برهان .. وفى بعضها وجوب الصبر وإن ضرب ظهر أحدنا أو أخذ ماله!! وفى بعضها .. فإن خشيت أن يبهرك السيف فاطرح ثوبك على وجهك وقل: إن أريد أن تبوء بإثمى وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين - وفى بعضها - كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل - وبقوله تعالى:
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ. قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾.
قال أبو محمد: كل هذا لا حجة لهم فيه لما قد تقصيناه غاية التقصى خبرًا خبرًا بأسانيدها ومعانيها في كتابنا (الاتصال إلى فهم معرفة الخصال) ونذكر هنا جملا كافية:
أما أمره ﷺ بالصبر على أخذ المال وضرب
стр. 8308
الظهر فإنما ذلك بلا شك إذا تولى الإِمام ذلك بحق .. وهذا ما لا شك فيه أنه فرض علينا الصبر له ..
وإن امتنع الإِمام من ذلك بل من ضرب رقبته إن وجب عليه فإنه يكون فاسقا عاصيا لله تعالى بتعطيل حكمه ..
وأما إن كان ذلك بباطل فمعاذ الله أن يأمر رسول الله ﷺ بالصبر على ذلك .. برهان ذلك قول الله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ وقد علمنا أن كلام رسول الله ﷺ لا يخالف كلام ربه تعالى. قال الله : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ فصح أن كل ما قاله رسول الله ﷺ فهو وحى من عند الله لا اختلاف فيه ولا تعارض ولا تناقض …
فإذا كان هذا كذلك فيقين لا شك فيه يدرى كل مسلم أن أخذ مال مسلم أو ذمى بغير حق وضرب ظهره بغير حق إثم وعدوان وحرام .. قال رسول الله ﷺ : "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم" فإذا لا شك في هذا ولا اختلاف من أحد من المسلمين .. فالمسلم ماله للأخذ ظلمًا وظهره للضرب ظلما وهو يقدر على الامتناع من ذلك بأى وجه أمكنه - معاون لظالمه على الإثم والعدوان .. وهذا حرام بنص القرآن ..
وأما سائر الأحاديث التي ذكرنا وقصة ابنى آدم فلا حجة في شئ منها .. أما قصة ابنى آدم فتلك شريعة أخرى غير شريعتنا .. قال الله : ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا .. " وأما الأحاديث فقد صح عن رسول الله ﷺ قوله: "ومن رأى منكم منكرًا فليغيره بيده إن استطاع فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإِيمان" ليس وراء ذلك من الإيمان شئ .. وصح عن رسول الله ﷺ قال: "لا طاعة في معصية .. إنما الطاعة في الطاعة .. وعلى أحدكم السمع والطاعة ما لم يؤمر بمعصية .. فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" وأنه ﵊ قال: "من قتل دون ماله فهو شهيد .. والمقتول دون دينه شهيد والمقتول دون مظلمة شهيد .. " وقال ﵊: "لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليعمنكم الله بعذاب من عنده" فكان ظاهر هذه الأخبار معارضا لظاهر الأخبار الأخرى .. فصح أن إحدى هاتين الجملتين ناسخة للأخرى ولا يمكن غير ذلك .. فوجب النظر في أيهما هو الناسخ فوجدنا تلك الأحاديث التي منها النهى عن القتال موافقة لمعهود الأصل ..
ولما كانت عليه الحال في أول الإِسلام بلا شك .. وكانت هذه الأحاديث الأخرى التي فيها الأمر بالقتال واردة بشريعة زائدة وهى القتال .. وهذا ما لا شك فيه .. فقد صح نسخ معنى تلك الأحاديث ورفع حكمها حين نطق ﷺ بهذه الأحاديث الأخرى بلا شك.
فمن المحال المحرم أن يؤخذ بالمنسوخ ويترك الناسخ وأن يؤخذ الشك ويترك اليقين .. ومن ادعى أن هذه الأخبار بعد أن كانت هي الناسخة فعادت منسوخة - فقد ادعى الباطل وقفا ما ليس له به علم فقال على الله ما لم يعلم .. وهذا لا يحل.
ولو كان هذا لما أخلا الله هذا الحكم عن دليل وبرهان يبين به رجوع المنسوخ ناسخا لقوله تعالى: ﴿الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾
стр. 8309
وبرهان آخر وهو أن الله قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ لم يختلف مسلمان في أن هذه الآية التي فيها فرض قتال الفئة الباغية محكمة غير منسوخة فصح أنها الحاكمة في تلك الأحاديث فما كان موافقا لهذه الآية فهو الناسخ الثابت .. وما كان مخالفا فهو المنسوخ المرفوع ..
وقد ادعى قوم أن هذه الآية وهذه الأحاديث في اللصوص دون السلطان .. قال أبو محمد: هذا باطل بيقين لأنه قول بلا برهان .. وما يعجز مدع أن يدَعى في تلك الأحاديث أنها في قوم دون قوم .. وفى زمان دون زمان .. والدعوى دون برهان لا تصح ..
وتخصيص النصوص بالدعوى لا يجوز لأنه قول على الله تعالى بلا علم ..
وقد جاء عن رسول الله ﷺ أن سائلا سأله عمن طلب ماله بغير حق .. فقال ﵊: لا تعطه .. قال: فإن قاتلنى؟ قال: قاتله .. قال: فإن قتلته؟ قال: إلى النار .. قال: فإن قتلنى؟ قال: فأنت في الجنة .. أو كلاما هذه معناه ..
وصح عنه ﷺ أنه قال: المسلم أخو المسلم لا يسلبه ولا يظلمه .. وقد صح أنه ﵊ قال في الزكاة: من سألها على وجهها فلا يعطها ومن سألها على غير وجهها فلا يعطيها.
وهذا خبر ثابت رويناه من طريق الثقات عن أنس بن مالك عن أبى بكر الصديق عن رسول الله ﷺ .. وهذا يبطل تأويل مَنْ تأول أحاديث القتال عن المال على أنه وارد في اللصوص دون السلطان .. لأن اللصوص لا يطلبون الزكاة وإنما يطلبها السلطان .. فاقتصر ﵇ معها على ما إذا سألها على غير ما أمر به النبي ﷺ .. ولو اجتمع أهل الحق ما قاومهم أهل الباطل ..
قال أبو محمد: وما اعترضوا به من فعل عثمان رضى الله عنه يرد بأن عثمان ما علم قط أنه يقتل .. وإنما كان يراهم يحاصرون فقط .. وهم لا يرون هذا اليوم للإمام العدل .. بل يرون القتال معه ودونه فرضا فلا حجة لهم في أمر عثمان رضى الله عنه ..
وقال بعضهم: إن في القيام إباحة الحريم وسفك الدماء وأخذ الأموال وهتك الأستار وانتشار الأمر .. فقال لهم الآخرون كلا: إنه لا يحل لمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر أن يهتك حريما ولا أن يأخذ مالا بغير حق ولا أن يتعرض لمن لا يقاتله ..
فإن فعل شيئا من هذا فهو الذي فعل من المنكر ما ينبغى أن يغير عليه .. وأما قتله أهل المنكر قلوا أو كثروا فهذا فرض عليه .. وأما قتل أهل المنكر الناس وأخذهم أموالهم وهتكهم حريمهم ..
فهذا كله من المنكر الذي يلزم الناس تغييره .. وأيضا فلو كان خوف ما ذكروا مانعا من تغيير المنكر من الأمر بالمعروف لكان هذا مانعا من جهاد أهل الحرب وهذا ما لا يقوله مسلم وإن أدى ذلك إلى سبى النصارى نساء المسلمين وأولادهم وأخذ أموالهم وسفك دمائهم وهتك حريمهم ..
стр. 8310
ولا خلاف بين المسلمين في أن الجهاد واجب مع وجود ذلك كله .. ولا فرق بين الأمرين .. وكل ذلك جهاد ودعاء إلى القرآن والسنة ..
قال أبو محمد: ويقال لهم: ما تقولون في سلطان جعل اليهود أصحاب أمره والنصارى جنده وألزم المسلمين الجزية وحمل السيف على أطفال المسلمين وأباح المسلمات للزنا وحمل السيف على كل من وجد من المسلمين وملك نساءهم وأطفالهم وأعلن العبث بهم وهو مع ذلك كله مقر بالإسلام مؤمن به لا يدع الصلاة .. فإن قالوا: لا يجوز القيام عليه .. قيل لهم: إنه لا يدع مسلمًا إلا قتله .. جملة ( .. )
وهذا إن ترك أوجب ضرورة أن لا يبقى من المسلمين إلا هو وحده وأهل الكفر معه .. فإن أجازوا الصبر على هذا خالفوا الإِسلام وانسلخوا منه ..
وإن قالوا: بل يقام عليه ويقاتل وهو قولهم .. قلنا لهم: فإن قتل تسعة أعشار المسلمين أو جميعهم إلا واحدًا منهم وسبى من نسائهم كذلك وأخذ من أموالهم كذلك .. فإن منعوا من القيام عليه تناقضوا .. وإن أوجبوا القيام عليه سألناهم عن أقل من ذلك ولا نزال نحيطهم إلى أن نقف بهم على قتل مسلم واحد أو على امرأة واحدة أو على أخذ مال رجل واحد أو على انتهاك بشرة واحدة بظلم ..
فإن فرقوا بين شئ من ذلك تناقضوا وتحكموا بلا دليل وهذا ما لا يجوز فتسقط حجتهم ويغلبون .. وإن أوجبوا إنكار كل ذلك رجعوا إلى الحق ..
ونسألهم عمن نصب سلطانه الجائر الفاجر زوجته وابنته وابنه ليفسق بهم أو ليفسق به هو بنفسه .. أهو في سعة من أن يسلم نفسه وامرأته وابنته وابنه للفاحشة أم فرض عليه أن يدفع من أراد ذلك من السلاطين؟.
فإن قالوا عليه أن يسلم نفسه وأهله للفاحشة أتوا بعظيمة لا يقولها مسلم.
وإن قالوا بل فرض عليه أن يمتنع عن ذلك ويقاتل رجعوا إلى الحق ولزم ذلك كل مسلم وفى المال كذلك ..
قال أبو محمد: والواجب إن وقع شئ من الجور وإن قل أن يُكَلَّم الإمام في ذلك ويُمْنَع منه ..
فإن امتنع وراجع الحق وأذعن للقود من البشرة أو من الأعضاء .. ولإِقامة حد الزنا والقذف والخمر عليه إن وقع منه ما يوجب ذلك فلا سبيل إلى خلعه وهو إمام كما كان لا يحل خلعه ..
فإن امتنع من إنفاذ شئ من هذه الواجبات عليه وجب خلعه وإقامة غيره في منصب الخلافة ممن يقوم بالحق لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ولا يجوز تضييع شئ من واجبات الشرائع وأحكامها ..
وقد ألحق ابن حزم بموضوع الخروج على الإمام الفاسق المنحرف والآراء والأدلة فيه على الوجه الذي نقلناه عنه .. موضوع الصلاة خلف هذا الإِمام والجهاد والحج معه ودفع الزكاة إليه ونفاذ أحكامه من الأقضية والحدود وغير ذلك .. وهو نوع من المقاطعة وعدم التعاون مع هذا الإمام عند من يجيزه وإعلاء السخط عليه وعدم الرضى بإمامته ..
• قال أبو محمد: ذهبت طائفة إلى أنه لا تجوز الصلاة إلا خلف الفاضل وهو قول الخوارج والزيدية والروافض وجمهور المعتزلة وبعض أهل السنة.
стр. 8311
وقال آخرون: إلا الجمعة والعيدين وهو قول بعض أهل السنَّة ..
وذهب الصحابة كلهم دون خلاف من أحد منهم وجميع فقهاء التابعين كلهم دون خلاف من أحد منهم وأكثر من بعدهم وجمهور أصحاب الحديث وهو قول أحمد والشافعى وأبى حنيفة وداود وغيرهم إلى جواز الصلاة خلف الفاسق الجمعة والعيدين وغيرها .. وبهذا نقول.
وخلاف هذا القول بدعة محدثة فما تأخر قط أحد من الصحابة الذين أدركوا المختار بن عبيد والحجاج الثقفى، وعبيد الله بن زياد وحبيش بن دلجة وغيرهم عن الصلاة خلفهم وهؤلاء أفسق الفساق .. وأما المختار فكان منهما متهما في دينه مظنونا به الكفر ..
قال أبو محمد: احتج من يقول بمنع الصلاة خلفهم .. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ ويقال لهم في الرد: كل فاسق إذا نوى بصلاته وجه الله تعالى فهو في ذلك من المتقين فصلاته متقبلة بمقتضى النص ..
ولو قيل: إنه لا يكون من المتقين إلا من لا ذنب له أصلا ما استحق أحد هذا الاسم بعد رسول الله ﷺ .. قال الله : ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ ولا يجوز القطع على الفاسق بأنه لم يرد بصلاته وجه الله تعالى .. ومن قطع بهذا فقد قفا ما ليس به علم .. وقال ما لا يعلم وهذا حرام .. قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ وقال : ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ وقال بعضهم: إن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإِمام.
قال أبو محمد: هذا غاية الفساد لأنه قول بلا دليل بل البرهان يبطله لقول الله تعالى:
﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ وقول سبحانه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، دعوى الارتباط هاهنا قول بلا برهان لا من قرآن ولا من سنة ولا من إجماع ولا من معقول .. وهم قد أجمعوا على أن طهارة الإمام لا تنوب عن طهارة المأموم ولا قيامه عن قيامه ولا قعوده عن قعوده ولا سجوده عن سجوده ولا ركوعه عن ركوعه ولا نيته عن نيته .. فما معنى هذا الارتباط الذي تدعونه إذن؟ وأيضا فإن القطع عن سريرة الذي ظاهره الفضل لا يجوز وإنما هو ظن تبنى عليه الأحكام في مثل هذا فاستوى الأمر في ذلك بالنسبة للفاضل والفاسق وصح أنه لا يصلى أحد عن أحد وإنما يصلى كل أحد عن نفسه .. وقال الله تعالى: ﴿أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ فوجب بذلك ضرورة أن كل داع دعى إلى خير من صلاة أو حج أو جهاد أو تعاون على بر وتقوى .. ففرض على المسلم إجابته وعمل ذلك الخير معه لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ وأن كل داع دعى إلى شر فلا تجوز إجابته بل فرض على المسلمين دفاعه ومنعه ..
قال أبو محمد: وأيضا فإن الفسق منزلة نقص عمن هو أفضل منه .. والذي لا شك فيه أن النسبة بين أفجر فاجر من المسلمين وبين أفضل الصحابة رضى الله عنهم أقرب من النسبة بين أفضل الصحابة رضى الله عنهم وبين رسول الله ﷺ ..
стр. 8312
وما عرى أحد من تعمد ذنب وتقصير بعد رسول الله ﷺ ..
وإنما تفاضل المسلمون في كثرة الذنوب وقلتها وفى اجتناب الكبائر ومواقعتها ..
وأما الصغائر فما نجا أحد بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام منها .. وقد صلى رسول الله ﷺ خلف أبى بكر وعبد الرحمن بن عوف .. وبهذا صح أن أمر رسول الله ﷺ أن يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن استووا فأفقههم - ندب لا فرض - فليس لفاضل بعد هذا أن يمتنع من الصلاة خلف من هو دونه في القصوى من الغايات.
قال أبو محمد: وأما دفع الزكاة إلى الإِمام .. فإن كان الإِمام القرشى الفاضل أو الفاسق لم ينازعه فاضل فهى جارية والدفع جائز لقول رسول الله ﷺ : "أرضو مصدقيكم" ولا يكون مصدقا كل من سمى نفسه مصدقا وإنما المصدق هو من قام البرهان على أنه مصدق بإرسال الإمام الواجبة طاعته لَه لجباية الزكاة .. وأما إذا سأَلها وطلب أداءها من هو غير الإِمام المذكور أو غير مصدقه فهو عابر سبيل لا حق له في قبضها فلا يجزئ دفعها إليه لأنه دفعها إلى غير من أمر بالدفع إليه .. وقد قال رسول الله ﷺ : "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" ..
وهكذا القول في الأحكام كلها من الحدود وغيرها .. إن أقامها الإِمام الواجبة طاعته والذي لابد منه .. فإن وافقت القرآن والسنة نفذت وإلا فهى مردودة لما ذكرنا ..
وإن أقامها غير الإمام المذكور أو واليه فهى كلها مردودة ولا يحتسب بها لأنه أقامها من لم يؤمر بإقامتها .. فإن لم يقدر عليها الإمام فكل من قام بشئ من الحق حينئذ نفذ - لأمر الله تعالى لنا بأن نكون قوامين بالقسط ولا خلاف بين أحد من الأمة أنه إذا كان الإمام حاضرا متمكنا أو أميره أو واليه فإن من بادر إلى تنفيذ حكم هو إلى الإمام .. فإن هذا الحكم أما مظلمة وإما ترد وإما عزل لا ينفذ .. على هذا جرى عمل رسول الله ﷺ وجميع عماله في البلاد بنقل جميع المسلمين عصرا بعد عصر ثم عمل الصحابة رضى الله عنهم أجمعين ..
وأما الجهاد فهو واجب مع كل أمام وكل متغلب وكل باغ وكل محارب من المسلمين لأنه تعاون على البر والتقوى وفرض على كل أحد أن يدعو إلى الله تعالى وإلى دين الإسلام ومنع المسلمين ممن أرادهم بسوء قال تعالى: "فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ" فهذا عموم لكل مسلم بنص الآية في كل مكان وكل زمان ..
هذا ما قاله ابن حزم وظاهر منه - كما ترى أنه يذهب إلى القول بأن الأحاديث التي تدعو إلى الخروج على الإمام الفاسق المنحرف ومقاومته بالسلاح والتي احتج يها الفريق الثاني ..
هذه الأحاديث قد نسخت الأحاديث التي تدعو إلى الصبر على مثل هذا الإِمام والنصح له بالقول والدعاء له بالصلاح والإِستقامة على الطريق السوى وعدم اللجوء إلى المقاومة بالقوة والتي احتج بها الفريق الأول.
بناء على أن الأحاديث الناسخة قد أثبتت حكمًا جديدًا زائدًا على ما أثبتته وقررته الأحاديث المنسوخة وهو مشروعية قتال الإمام الفاسق الفَاجر فيجب العمل بها دون الأخرى ..
стр. 8313
وقد ناقش البعض القول بالنسخ ورأى أنه ليس هناك ما يدعو إليه فإن من المقرر أنه لا يلجأ إلى النسخ إلا عند عدم إمكان الجمع بين المتعارضين وهنا الجمع ممكن بحمل الأحاديث الداعية إلى الصبر والمسالمة على حالة ما إذا كان اللجوء إلى القوة واستعمال السلاح سيؤدى إلى ضرر كبير بالمسلمين بأن كانوا غير قادرين على المقاومة .. أو كانت المقاومة ستؤدى إلى فتنة وانقسام بين المسلمين وينشأ عنها تفرق كلمتهم بحيث يؤدى إلى ضرر شامل لا يحتمل .. وحمل الأحاديث الداعية إلى المقاومة واستعمال القوة على حالة ما إذا كان ذلك مقدورا لجماعة المسلمين في استطاعتهم الوصول إلى غايتهم دون أن يترتب على ذلك ضرر عام ..
وقد تقدم في أقوال العلماء وآرائهم التي نقلناها ما يشير إلى ذلك ويؤيده …
وفى حديث الرسول ﷺ : "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده إن استطاع .. فإن لم يستطع فليغيره بلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" أي ليس وراء ذلك من الإيمان شئ كما يقول ابن حزم … فالنبى ﷺ حين أمر في الحديث بتغيير المنكر باليد قيد ذلك بالاستطاعة أي القدرة على التغيير كذلك في أمره بالتغيير في باللسان قيده بالاستطاعة .. ولا شك أن من أحوال عدم الاستطاعة ما إذا كان قادرًا ولكن سيترتب على استعمال القوة فتنة وفرقة يكون من ورائها ضرر عام بما يصيب المسلمين من ضعف نتيجة الانقسام والتفرق.
وهذا في مثل حالة الإِنكار على الإِمام إذا فسق أو انحرف وإلا فالمنكر في لفظ الحديث عام أي منكر كان من فرد أو من جماعة .. من حاكم أو محكوم .. والإِنكار بالقلب أن يدخل في قلب كل مسلم حين يرى المنكر فليس لمسلم عذر في عدم الإِنكار بقلبه لأن ذلك يكون معناه الرضا عن المنكر وهذا إثم إذ يكون قد اطمأن قلبه إلى المنكر ورضى به.
فالإنكار بالقلب فرض عين على كل مسلم يرى المنكر أما الإنكار باليد أو باللسان فذلك متروك لظروف الناس وأحوالهم.
والمراد باللسان الذي جعله الحديث أداة لمحاربة المنكر .. اللسان الذي يقدم النصح ويجادل عن الحق والمعروف بالتى هي أحسن ويتحرك بالحكمة والموعظة الحسنة.
وفى هذا يقول النبي ﷺ : "الدين النصيحة" قالوا لِمَنْ يا رسول الله؟ قال: "لله ولرسوله .. ولأئمة المسلمين وعامتهم .. " على خلاف اللسان الذي يتخذ السباب والبذاءة طريقا لمحاربة الباطل .. فإن ذلك باطل يراد به دفع الباطل .. وهو لا ينفع .. بل قد يضر ..
ثم إن الصبر الذي تدعو إليه أحاديث المسالمة ليس المراد به الاستكانة والدعوة إلى الخنوع والانعزال عن الحياة وإنما المراد تسكين النفوس وتطمين القلوب كيلا يستبد بالناس الجزع وتيأس نفوسهم من رحمة الله ..
فهو الصبر الذي يأخذ بقلوب المؤمنين حين تنزل بهم الشدائد فلا تنحل لها عزائمهم ولا تضيق بها طاقاتهم حتى تنجلى الغمة وتنقشع غيومها ..
ومن الحق أن نسوق هنا ما أثر عن الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم مما يعتبر أساسًا عريضا في هذا الباب:
روى أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه خطب بعد أن تولى الخلافة فقال: "اعلموا أيها
стр. 8314
الناس أنى لم أجعل لهذا المكان أن أكون خيركم .. ولوددت أن بعضكم كفانيه .. ولئن أخذتمونى بما كان الله يقيم به رسوله من الوحى ما كان ذلك عندى .. وما أنا إلا كأحدكم .. فإذا رأيتمونى قد استقمت فاتبعونى .. وإن زغت فقومونى .. أطيعونى ما أطعت الله ورسوله فيكم .. فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لى عليكم" فهو يدعو الناس إلى تقويمه إن مال عن النهج القويم نهج الله ورسوله .. وإلى خلع طاعته وإعلان العصيان إن عصى الله ورسوله ..
وكذلك يروى عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه خطب في المسلمين بعد توليه الخلافة فدعا الناس إلى تقويم اعوجاجه إن رأوا فيه اعوجاجا ويجيبه واحد من الناس بقوله: والله لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا ويقر عمر العظيم هذا القائل على شهر السلاح في وجه أمير المؤمنين لتقويم اعوجاجه ويحمد الله على أن جعل في المسلمين من يقوِّم اعوجاج عمر بالسيف. ودعاهم كذلك إلى خلع طاعته والخروج عليه بالعصيان إن عصى الله ورسوله فيهم ..
ويروى مثل هذا وذاك عن بقية الخلفاء الراشدين عثمان بن عفان وعلى بن أبى طالب رضى الله عنهم أجمعين ..
ويلحق بما قاله العلماء والمتكلمون في هذا الباب ما قاله الأستاذ الشيخ محمد عبده في كتابه الإِسلام والنصرانية: "ثم هو - الخليفة - مطاع ما دام على المحجة ونهج الكتاب والسنة والمسلمون له بالمرصاد ..
فإذا انحرف عن النهج أقاموه عليه وإذا اعوج قوموه بالنصيحة والإِعذار إليه ..
فالأمة أو نائب الأمة هو الذي ينصبه ..
والأمة هي صاحبة الحق في السيطرة عليه .. وهى التي تخلفه متى رأت ذلك من مصلحتها فهو حاكم مدنى من جميع الوجوه.
وليس في الإسلام سلطة دينية سوى سلطة الموعظة الحسنة والدعوة إلى الخير والتنفير من الشر وهى سلطة خولها الله لأدنى المسلمين يقرع بها أنف أعلاهم كما خولها لأعلاهم يتناول بها من هو أدناهم ..
هل للخلافة مدة محددة:
لم يحدد نظام الحكم في الإسلام مدة معينة لبقاء الخليفة في منصبه يعتزل بعد منصب الخلافة ليهيئ للأمة فرصة جديدة للإعراب عن رأيها فيمن تختاره لهذا المنصب على ضوء تجارب السنين الماضية وماجرى فيها من أحداث وتم فيها من خطوات وإنجازات في كل نواحى العمل ..
بل الأمر على العكس من ذلك .. تفيد النصوص والأقوال التي ذكرها العلماء والمتكلمون في هذا الباب أن الخليفة. يبقى في منصبه ما دام صالحا للعمل وقادرًا عليه وما دام سائرًا على نهج قويم في ظل كتاب الله الكريم وسنة نبيه الشريفة ﷺ .
وقد سبق أن نقلنا عن شرح المقاصد للسعد التفتازانى قوله: "ولا يجوز خلع الإِمام بلا سبب لو خلعوه لم ينفذ .. وإن عزل نفسه .. فإن كان لعجز عن القيام بالأمر إنعزل وإلا فلا. " وقوله: "ينحل عقد الإِمامة بما يزول به مقصود الإِمامة" كالردة والجنون المطبق والأسر الذي لايرجى منه الخلاص .. والمرض الذي ينسيه العلوم والعمى والصمم والخرس ..
стр. 8315
وكذ بخلعه نفسه لعجزه عن القيام بمصالح المسلمين وإن لم يكن العجز ظاهرا بل استشعره في نفسه ..
وهذا ظاهر في أن الإمام يبقى في منصبه ما دام صالحا وقادرًا ومستقيمًا .. ولاينعزل إلا بسبب يقتضى العزل ويوجبه حتى لو عزلته الأمة أو عزل هو نفسه بلا سبب .. لا ينعزل ..
ونقلنا عن القاضي أبى الحسن الماوردى كثيرا جاء فيه: "والذي يتغير به حال الإِمام فيخرج به عن الإِمامة شيئان:
الأول: جرح في عدالته.
والثانى: نقص في بدنه ..
ثم أفاض في بيان ما يصيبه في ناحية العدالة، ويؤثر فيها وبيان ما يصيبه من النقص في بدنه وتحديد مايستوجب العزل وما لا يستوجبه من هذا وذاك .. وهذا صريح في أنه ما لم يطرأ عليه ما يغيره في الناحيتين فإنه لا يستحق العزل ويبقى في منصبه ..
وعبارة الإمام الشيخ محمد عبده ظاهرة في أن الخليفة ما دام على المحجة ونهج الكتاب فهو خليفة وطاعته واجبة ..
وقد قال أحد العلماء: "ولا يصح أن تكون الخلافة في هيئة تؤلف لأجل مسمى ثم تنفرط .. فإن نصوص العلماء متضافرة علي أن يكون الخليفة فرد يستمر في رياسته ما دام حائزا على رضا الأمة بعيدًا عن الاستبداد في الحكم .. ".
والحمد لله رب العالمين
стр. 8316
أمَان
معناه اللغوى والإصطلاحى:
الأمان - لغة - وكذا الأمن والأمنة - ضد الخوف، مِنْ أمِنَ يأمَن، من باب فهم وسلم. وأمن الأسيرَ بالمد: أعطاه الأمان فأمِنَ هو بالكسر، وأمِنَ البلدُ: أطمأن به أهله فهو آمن وأمين واستأمن إليه: دخل في أمانة (١).
واستعمال الفقهاء لهذا اللفظ لا يخرج عن معناه اللغوى غالبا قال في كشاف القناع: الأمان هو ضد الخوف (٢) وحدد له البعض معنى اصطلاحيا، فقال العسوى عن ابن عرفة: الأمان هو رفع استباحة دم الحربى ورفع استبحاحه ورقه وماله حين قتاله أو العزم على قتاله مع استقراره تحت حكم الإسلام مدة ما. فلا يدخل فيه - حسب هذا التعريف - العفو عن القاتل، ولا الصلح والمهادنة (٣) وقد فرق ابن عرفة بين الأمان والاستئمان. فعرف الاستئمان بأنه إعطاء الأمان لحربى ينزل دار الإِسلام لقضاء أمر معين ثم ينصرف بانقضائه، فهو إعطاؤه الأمان الخاص لنزوله أرض الإِسلام لشراء ونحوه فإذا فرغ سببه انصرف الأمان (أي انتهى). والألف والسين في استئمان زائدتان وليسا للطلب (٤).
وقال الشيعة الأمامية: الأمان هو الكلام - ومافى حكمه - الدال على سلامة الكافر نفسا (٥).
أنواع الأمان
مذهب الحنفية: قال الإمام الكاسانى في بدائع الصنائع: الأمان نوعان: مؤقت ودائم. ومن أنواع الأمان المؤقت: أمان المحصورين، وهو أن يحاصر الغزاة مدينة أو حصنا من حصون الكفرة فستأمن الكفار فيؤمنهم المسلمون، وأمان التاجر والرسول ونحوهما. والأمان الدائم: وهو عقد الذمة (٦).
وقيل أن الموادعة أو الهدنة - من أنواع الأمان، وهى المعاهدة والصلح على ترك القتال. (٧).
مذهب المالكية:
عرفوا الأمان على ما زكرنا من إنه رفع استباحة دم الحربى ورقه وماله حين قتاله أو العزم عليه مع استقراره تحت حكم الإسلام مدة ما، قالوا لا يدخل فيه المهادنة والصلح (على الجزية) (٨) وقالوا أن المهادنة هي ترك القتال بالمصلحة مدة باجتهاد الإمام وندب إلا تجاوز أربعة أشهر إلا لمصلحة (٩).
ويدخل في ايمان عندهم أمان التاجر ونحوه والرسول والمحصورين.
стр. 8317
مذهب الشافعية:
قالوا إن العقود التي تفيد الأمن ثلاثة: أمان وجزية وهدنة. فإن تعلق العقد بمحصور أصالة فهو الأمان. وإن كان إلى غاية فهو الهدنة. إلا (إذا لم يتعلق بما سبق فهو عقد الجزية (١) وقالوا أن المهادنة هي الصلح مع الكفار على ترك القتال مدة معينة من غير عوض أو معه (٢). وإن عقد الجزية - هي عقد على مال يلتزمه الكفار على وجه معين بأركان خمسة هي عاقد ومعقود له ومال وصيفة ومكان (٣).
ويدخل في الأمان عندهم أمان التاجر ونحوه والرسول والمحصورين.
مذهب الحنابلة:
قالوا أن الأمان يحرم به القتل والرق والأسر والمال. وإما الهدنة فهى العقد على ترك القتال مدة معلومة بقدر الحاجة وإن عهد الذمة هو إقرار بعض الكفار على كفره بشرط بذل الجزية والتزام أحكام الملة (٤) ويدخل في الأمان عندهم أمان التاجر ونحوه والرسول والمحصورين.
مذهب الظاهرية:
ليس فيه أحكام للأمان.
مذهب الزيدية:
قالوا يكون الأمان لمن أرسل إلينا أو من أومن قبل نهى الإمام (بشروطه) وإن المهادنة هي عقد الصلح مع الكفار والبغاة لمصلحة مدة معلقة (٥).
مذهب الإِمامية الجعفرية:
يختلف الأمان عن الهدنة. فالأمان هو الكلام - وما في حكمه - الدال على سلامة الكافر نفسا وإما الهدنة فهى المعاقدة من الإمام أو من نصبه لذلك على ترك الحرب مدة معينة بعوض أو غيره بحسب ما يراه الرد إما لمدة لا تزيد على عشرة سنوات ولا تقل عن أربعة أشهر (٦) وإما عقد الذمة فهو بذل الحرية والتزام أحكامنا وترك التعرض للمسلمات بالنكاح وللمسلمين مطلقا بالفتنة في دينهم وقطع الطريق وإيواء عين المشركين والدلالة على عورات المسلمن وإظهار المنكرات في شريعة الإسلام (٧).
انعقاد الأمان
ما ينعقد به الأمان:
مذهب الحنفية:
ينعقد الأمان بأى لغة متى فهم الطرفان أن المقصود منها الأمان (٨) ويصح بالصريح، كأمنت، أو لا بأس عليكم، وبالكناية كتعال إذا ظنه أمانًا وينعقد بالإشارة بالأصبع إلى السماء لأن فيه بيان في اعطينك ذمة إله السماء أو أنت آمن بحقه (٩). ولو نادى المشرك
стр. 8318
بالأمان صح، لو كان ممتنعا أي في موضع يمنعه عن وصولنا إليه، وليس معناه أنه يصير آمنا بمجرد طلبه الأمان بل إذا ترك منعته وجاء الينا، وهذا إذا كان جاء إلينا وحده بلا سلاح أما إذا أقبل سالا سيفه مادًا برمحه فلما قرب استأمن فهو فئ لأن البناء على الظاهر فيما يتعذر الوقوف على حقيقته جائز ولو في إباحة الدم، إذ الحاصل أن من فارق المنعة عند الاستئمان يكون آمنا عادة، والعادة توجد الحكم إذا لم يوجد التصريح بخلافه. (١) ويشترط لذلك سماعهم ذلك من المسلمين.
قال ابن عابدين: ووجه لو قال: أمنونى على أهلى أو على ذرارى أو على متاعى أو قال: أمنونى على عشرة من أهل الحصن، دخل هو أيضًا لأنه ذكر نفسه بضمير الكناية وشَرطَ ما ذكره معه لأن "على" للشرط. ولو قال أمنونى على أولادى دخل فيه أولاده لصلبه وأولادهم من قِبَل الذكور لا من قبل البنات لأنهم ليسو أولاده، وذلك في رواية عن محمد. وفى رواية عنه للخصاف: إنهم يدخلون، لقوله ﷺ مخبرًا عن الحسن والحسين: أولادنا أكبادنا. ووجه الرواية الأولى أن هذا مجاز بدليل قوله تعالى: "ما كان محمد أبا أحد من رجالكم" أو هو خاص بأولاد فاطمة لما روى عنه ﵊: "كل الأولاد ينتمون إلى أبائهم إلا أولاد فاطمة فانهم ينسبون إليّ، أنا أبوهم. " ولكنه حديث شاذ. ولو قال: أمنونى على أولاد أولادى دخل أولاد البنات. وفى دخول أولاد البنات في الذرية روايتان لأن اسم ولد الولد حقيقة لمن ولده ولدك، وابنتك ولدك، فما ولدته ابنتك يكون ولد ولدك حقيقة بخلاف الأول.
مذهب المالكية:
يكون الأمان من امام أو غيره بلفظ دال عليه، عربيا كان اللفظ أو غير عربى، وذلك بنحو قوله: أمناك. لما يكون الأمان بإشارة برأس أو يد يفهم الحربى منها الأمان، وإن قصد بها المسلم ضده. وينعقد الأمان لو ظن الحربى أن ما قاله المسلم أو أشار به هو أمان، والحال أن المسلم لم يؤمنه وإنما خاطب غيره أو خاطبه بكلام لم يفهمه، فظن أنه أمنه، فجاء إلينا معتمدًا على ظنه. (٢) وقال في التوضيح: يشترط في ذلك قصد الأمان وقال المواق: لا يشترط هذا القصد. قال الدسوقى: فيحمل ما في التوضيح على أن الأمان الذي يشترط فيه القصد هو الأمان المنعقد الذي لا يرد، ويحمل في المواق على أن الأمان الذي لا يشترط فيه القصد هو الذي يكون فيه تخيير الإمام؛ فإذا فتحنا لهم المصحف وحلفنا أن نقتلهم فظنوا ذلك أمانا، فإن هذا الأمان يعصم دمه وماله ولكن يخير الامام بين أوضائه ورده لمأمنه وبهذا يجمع بين ما في التوضيح والمواق. (٣) ويجوز الاشتراط في الأمان. فإذا اشترط علينا شخص من العدو مثلا إنه إذا فتح لنا الحصن أو البلد أو القلعة على أن نؤمنه على نفسه أو على ماله أو على غير ذلك فإنه يجب علينا أن نوفيه بذلك. ولو قال: افتح لكم على أن تؤمنونى على فلان رأس الحصن فرضوا، فالرأس مع الرجل آمنان، وكذا لو قال مع أن تؤمنونى على فلان، لأنه لا يطلب الأمان لغيره إلا مع نفسه (الخرشى جـ ٣ جـ ١٢١ و ١٢٢)
стр. 8319
مذهب الشافعية:
يصح الأمان بكل لفظ يفيد مقصوده، صريح أو كناية. ومن الصريح: نحو أمنتك أو أجرتك أو أنت في أمانى. ومن الكناية نحو قوله: أنت على ما تحب، أو كن كيف شئت. كما يصح الأمان بكتابة ورسالة ولو كان الرسول كافرًا. ويشترط علم الكافر بالأمان بأن يبلغه فإن لم يبلغه فلا أمان؛ فلو بدر مسلم إلى الكافر فقتله قبل أن يبلغه الأمان جاز. وإذا علم الكافر بالأمان فإن رد بطل الأمان. وكذلك إن لم يقبله بأن سكت في الأصح. وفى الوجه الثاني: لا يبطل بالسكوت. وتكفى إشارة فهمه للقبول من قادر على النطق، وكذا في الإيجاب ما في هذه الاشارة ويصح بالعجمية أيضا. ولا يدخل في الأمان ماله وأهله بدار الحرب حِرما. أما ما معه من الأهل والمال فلا يدخل في الأمان في الأصح إلا بشرط، ومقابل الأصح يدخل ما معه من أهل ومال في الأمان بدون شرط ويصح للامام أن يعاقد المعلج - وهو الكافر الشديد الغليظ - على أن يدله على قلعة تفتح عنوة ليكون له منها جارية معينة كانت أو مبهمة، رقيقة كانت أو حرة لأنها تصير رقيقة بالأسر، والمبهمة يعينها الامام. فإن فتحت بدلالته وفيها الجارية أعطيت له إن كان في دلالته كلفة كما في الإجارة على المعتمد وإلا لم يجب، وإن فتحت صلحا أعطى بدلها. وإن فتحت بغير دلالته فلا شئ له في الأصح لأن القصد الدلالة الموصلة إلى الفتح. الوجه الثاني: يستحقها بالدلالة فإن لم تفتح فلا شئ له. وقيل: إن لم يعلق الجعل بالفتح فله أجر مثل دلالته فإن لم يكن فيها جارية أو ماتت قبل العقد أو سلمت ففى وجوب بدلها تفصيل (١).
مذهب الحنابلة:
يصح الأمان بكل ما يدل عليه من قول وإشارة مفهومة حتى مع القدرة على النطق لقول عمر: "والله لو أن أحدكم أشار بإصبعه إلى السماء إلى مشرك فنزل بأمانه فقتله لقتلته به"، بخلاف البيع والطلاق، تغليبا لحقن الدماء مع أن الحاجة داعية للإشارة لأن الغالب فيهم عدم فهم كلام المسلمين. ويصح برسالة بأن يراسله بالأمان، وكتاب بأن يكتب له بالأمان، كالإِشارة وإذا قال لكافر: أنت آمن فقد أمّنه، لقوله ﷺ يوم فتح مكة: "من دخل دار أبى سفيان فهو آمن". وقال لكافر: لا بأس عليك فقد أمنه. لأن عمر لما قال للهرمزان: تكلم ولا بأس عليك ثم أراد قتله قال له أنس والزبير: لقد أمنته لا سبيل لك عليه، أو قال له أجرتك فقد أمنه لقوله ﷺ : قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ، ولو قال له: قف أو قم أو لا تخف أو لا تخشى أو لا خوف عليك أو لا تذهل أو ألق سلاحك، فقد أمنه لدلالة ذلك عليه ويقع الأمان إذا أمن بعضه أو يده لأنه لا يتبعض ويقع الأمان بالبدل قال أحمد: إذا اشتراه ليقلته فلا يقتله لأنه إذا اشتراه فقد أمنه فإن أشار إليهم المسلم بما أعتقده الحربيون أمانا، وقال: أردت به الأمان، فهو أمان لصحته بالإِشارة لما تقدم وإن قال: لم أرد به الأمان فالقول قوله لأنه أعلم بمراده. وإن خرج الكفار من حصنهم بناء على هذه الإِشارة لم يجز قتلهم ويردون إلى مأمنهم. قال أحمد: إذا أشير إليه بشئ غير الأمان فظنه أمانًا فهو أمان. وكل شئ يراه العلج (الكافر الغليظ الشديد) إنه أمان فهو أمان. وإن مات المسلم الذي وقعت منه هذه الإشارة المتحملة أو غاب ردوا إلى مأمنهم لأن الأصل عدم الأمان. وإذا قال لكافر: أنت آمن، فردّ الكافر الأمان انتقض
стр. 8320
أمانه لأنه حق له يسقط بإسقاطه. وإن قبل الكافر الأمان ثم رده انتقض الأمان (١) ويصح الأمان منجزًا كقوله: أنت آمن ويصح معلقا بشرط كقوله من فعل كذا فهو آمن لقول النبي ﷺ من دخل دار أبى سفيان فهو آمن (٢).
مذهب الظاهرية:
(لم نقف فيه على أحكام الأمان).
مذهب الزيدية:
صيغ الأمان ثلاثة: صريح: كأنت آمن أو نحوه. وكناية: كانت جارى ونحوه، ولا بأس عليك ولا تخف والثالثة بالفعل كالإِشارة والكتابة. ولابد أن يفهمه المستأمن وإلا لم ينعقد. ولذا، لو لم يقبل الأمان بل سكت أو رده، لم ينعقد فلنا اغتياله (٣). وإذا انعقد الأمان كان له ولولده الصغير وأمواله المنقولة ونسائه (٤).
إلا إذا اقتضى اللفظ غير ذلك، كما قال: أمنتك على نفسك ولا يدخل مالة، (٥).
مذهب الأمامية:
ينعقد الذمام (أي الأمان) بأن يقول: أمنتك وأجرتك أو أنت في ذمة الإِسلام، وكذا كل لفظ دال على هذا المعنى صراحة. وكذا كل كناية عُلم بها ذلك من قصد العاقد. ولو قال: لا بأس عليك أو لا تخف لم يكن ذلك زماما (أمانا) ما لم ينضم إليه ما يدل على الأمان (٦).
شرط انعقاد الأمان:
اشترط جمهور المذاهب في الأمان إلا يكون فيه مفسدة أو ضرر (٧). فإذا كان فيه مفسدة أو ضرر، كما لو عقد لجاسوس أو طليعة أو لمن في عقده له مضرة للمسلمين لم يجز، ويكون للأمام أن ينبذه عند البعض ويحل قتالهم، (٨) ولا ينعقد عند البعض الآخر، (٩) ولا يستحق من يعقد له أن يبلغ مأمنه. (١٠).
وشرط البعض الآخر أن يكون فيه مصلحة راجحة، أو لا يكون فيه مصلحة ولا ضرر (١١) ومن المصلحة. كما بينها الشيعة الأمامية الجعفرية: استمالة الكافر ليرغب في الإِسلام وترفيه الجند وترتيب أمورهم وعند قلتهم ولينتقل الأمر فيه إلى دخولنا دارهم فنطلع على عورتهم.
стр. 8321
من له عقد الأمان
مذهب الحنفية:
يجوز الأمان من الرجل الحر والمرأة الحرة للكافر والجماعة وأهل الحصن أو المدينة وعندئذ لا يكون لأحد من المسلمين قتالهم (من فتح القدير جـ ٤ ص ٢٩٨) والأصل فيمن له عقد الأمان قوله ﷺ : "المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم" وأخرج أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (١) قال: قال رسول الله: "المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم يردّ عليهم أقصاهم وهم يد على من سواهم". ومعنى يرد علمهم أقصاهم: أي يرد الأبعد منهم التبعة عليهم. ولكن رواه ابن ماجه: " .. ويجبر علمهم أقصاهم وهم يد .. " الحديث، ففسر الرد في هذا الحديث بأنه الإِجارة (من أجار يجير أي أمّن) فالمعنى يرد الإجارة عليهم حتى يكون كلهم مجيرًا. وفى الصحيحين عن علي بن أبى طالب رضى الله عنه قال: ما كتبنا عن النبي ﷺ إلا القرآن وما في هذه الصحيفة: قال ﷺ المدينة حرم فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا" قيل: يسعى بذمتهم أي أمانهم وعهدهم أدناهم: أي أقلهم عددًا (٢) وقيل: أن الأدنى إما أن يكون من الدناءة وهى الخساسة وإما أن يكون من الدنو وهو القرب. والأول ليس بمراد لأن الحديث يتناول المسلمين بقوله ﷺ : تتكافأ دماؤهم، ولا خساسة مع الإِسلام (٣).
وتحصل من ذلك أنه يصح أمان الواحد لقوله ﵊ "ويسعى بذمتهم أدناهم" ولأن الوقوف على حالة الضعف والقوة لا يقف على رأى الجماعة فيصح من الواحد سواء أمن جماعة كثيرة أو قليلة أو أهل المصر أو القرية فذلك جائز (٤) ويجوز أمان الفاسق والذكورة ليست بشرط، فيصح أمان المرأة. وقد روى أن زينب بنت الرسول ﷺ أمنت زوجها أبا العاص (بن الربيع بن عبد شمس) رضى الله عنه (ولم يكن قد أسلم بعد) وأجاز النبي ﷺ أمانها (٥).
ويشترط فيمن يؤمن الحربيين أن يكون مسلما فالإسلام شرط في الأمان فلا يصح أمان الكافر ولو قاتل مع المسلمين لأنه منهم في حق المسلمين فلا تؤمن خيانته ولأنه إذا كان منهما فلا يدرى أنه بنى أمانه على مرعاة مصلحة المسلمين بالنسبة لمراعات حال القوة والضعف فيقع الشك في وجود شرط الصحة فلا يصح مع الشرك.
стр. 8322
والبلوغ شرط لصحة الأمان وقال محمد ﵀: البلوغ ليس بشرط، فالصبى المراهق الذي يعقل الإِسلام، لا يصح أمانه عند أبى حنيفة وأبى يوسف، وعند محمد يصح. وجه قوله: أن أهلية الأمان مبنية على أهلية الإيمان، والصبى الذي يعقل الإِسلام من أهل الإيمان، فيكون من أهل الأمان كالبالغ. ووجه قولهما: أن الصبى ليس مكلفا، فلا يكون من أهل الأمان؛ لأن حكم الأمان: حرمة القتال؛ وخطاب التحريم لا يتناول. ولأن من شرط صحة الأمان أن يكون بالمسلمين ضعف وبالكفرة قوة؛ وهذه حالة خفية لا يوقف عليها إلا بالتأمل والنظر؛ ولا يوجد ذلك من الصبى، لاشتغاله، باللهو واللعب (١).
والسلامة عن العمى والزمانة والمرض ليست بشرط للأمان، فيصع أمان الأعمى والزمن والمريض لأن الأصل في صحة الأمان صدوره عن رأى ونظر في الأحوال الخفية من الضعف والقوة؛ وهذه العوارض لا تقدح فيه (٢).
ولا يجوز أمان التاجر في دار الحرب، والأسير فيها، والحربى الذي أسلم هناك. لأن هؤلاء لا يقفون على حال الغزاة: من القوة والضعف؛ فلا يعرفون للأمان مصلحة. ولأنهم متهمون في حق الغزاة، لكونهم مقهورين في أيدى الكفرة. (٣).
وليست الحرية بشرط لصحة الأمان، فيصح أمان العبد المأذون في القتال بالإِجماع (٤). وإما العبد غير المأذون فيه فلا، يجوز أمانه عند أبى حنيفة وأبى يوسف وقال محمد يصح وجه قوله حنيفة وأبى يوسف وقال محمد يصح وجه قوله ما روى عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: "المسلمون تتكافؤ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم، والذمة العهد، والأمان نوع عهد، والعبد المسلم أدنى المسلمين فيتناوله الحديث، ولأن حجر المولى يعمل في التصرفات الضارة دون النافعة، بل هو في التصرفات النافعة غير محجور كقبول الهبة والصدقة، ولا مضرة للمولى في أمان العبد بتعطيل منافعه عليه؛ لأنه يتأدى في زمان قليل، بل له ولسائر المسلمين فيه منفعة فلا يظهر إنحجاره عنه، فأشبه المأذون بالقتال.
ووجه قولهما: أن الأصل في الأمان أن لا يجوز؛ لأن القتال فرض، والأمان يحرم القتال، إلا إذا وقع في حال يكون بالمسلمين ضعف وبالكفرة قوة، لوقوعه وسيلة إلى الاستعداد للقتال في هذه الحالة، فيكون قتالا معنى، إذ الوسيلة إلى الشئ حكمها حكم ذلك الشئ، وهذه حالة لا تعرف إلا بالتأمل، والنظر في حال المسلمين، في قوتهم وضعفهم والعبد المحجور لاشتغاله بخدمة المولى لا يقف عليهما، فكان أمانه تركا للقتال المفروض صورة ومعنى، فلا يجوز فبهذا فارق المأذون؛ لأن المأذون بالقتال يقف على هذه الحالة، فيقع أمانة وسيلة إلى القتال فكان إقامة للفرض معنى فهو الفرق، وأما الحديث فلا يتناول المحجور، لأن الأدنى إما أن يكون من الدناءة وهى الخساسة، وإما أن يكون من الدنو وهو القرب، والأول ليس بمراد، لأن الحديث يتناول المسلمين بقوله ﵊: تتكافأ
стр. 8323
دماؤهم، ولا خساسة مع الإِسلام، والثانى: لا يتناول المحجور، لأنه (١) لا يكون في صف القتال، فلا يكون أقرب إلى الكفرة.
مذهب المالكية:
تأمين الإِقليم من خصائص الإمام وحده (٢).
والمراد بالإقليم العدد الذي لا ينحصر الأسر وليس المراد الإِقليم المعروف هو أرض ذات بلدان، ويجب الوفاء بأمانه مطلقا بأى بلد كان، سواء كان ببلد الإمام أو ببلد من بلاد سلطان آخر من المسلمين وسواء أمنه على مال أو على غيره كنفسه وأهله، وسواء كان الأمان لإقليم أو كان لعدد محصور وسواء كان الأمان بعد الفتح أو قبله (٣) فأى إقليم حل فيه من أمنه الإِمام فماله ودمه معصوم، ولا يحل لأحد أن يستبيح من ذلك شيئا، وإذا أراد أن يرجع إلى بلده فلا يجوز لأحد أن يتعرض له، بل يخلى سبيله لأنه وجب الوفاء له في كل بلد من بلاد المسلمين، ومثل أمير المؤمنين في ذلك أمير الجيش (٤).
ويجوز لغير الإِمام إعطاء الأمان لمصلحة، وذلك أن كملت فيه تسعة شروط، وهى: الإِسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والذكورة، والطوع، ولم يكن خارجا على الإِمام، وأمن دون الإقليم، وكان تأمينه قبل الفتح. فإذا أعطى من توفرت فيه هذه الشروط أمانا كان أمانه كأمان الإِمام اتفاقا. وأما الصبى المميز والمرأة والرقيق والخارج عن الإِمام إذا أمن واحد منهم دون إقليم قبل الفتح ففيه خلاف فقيل يجوز ويمضى وقيل لا يجوز ابتداء. وللأمان أن يمضيه. وأما الكافر وغير المميز فلا يمضى أمانهما اتفاقا (٥) لأن الكفر بالنسبة للأمان الذي يحمله على سوء النظر بالمسلمين.
فإن أمن غير الإمام إقليما أي عددًا غير محصور أو أمن بعد فتح البلد عددًا محصورًا، نظر الإِمام في ذلك فإن كان صوابا أبقاه وإلا رده. (٦).
مذهب الشافعية:
يصح لكل مسلم مكلف مختار أمان حربى واحد أو عدد محصور فقط كعشرة ومائة بخلاف أهل الناحية والبلد ممن لم يعلم عددهم، فلا يصح أن أنسد باب الجهاد بهذا الأمان وإلا فيصح على المعتمد فالمعلم الواحد يؤمن الحربى الواحد - سواء كان كل منهما ذكرا أو أنثى - أو يؤمن عددًا محصورًا ويصح أمان العبد، والمرأة، والمحجور عليه لسفة، وغيرهم ممن يدخل في ضابط "المسلم المكلف المختار" فلا يصح أمان المكره والصبى، والكافر، ولا يصح أمان الأسير لمن هو معهم في الأصح والثانى يصح لأنه مسلم مكلف والوجه الأول نظر إلى أنه الأسير مقهور في أيديهم فليس مختارًا. ولا يصح أمان أسير منهم معنا إلا من الإِمام ونائبه، وكذا ممن أسره أن لم يتسلمه الإِمام منه، وإلا فلا على المعتمد.
стр. 8324
مذهب الحنابلة:
يصح الأمان من الإِمام لجميع المشركين لأن ولايته عامة، ويصح أمان أمير لأهل بلدة ولى قتالهم؛ لأن له الولاية عليهم فقط. وإما في حق غيرهم، فهو كالآحاد من الرعية المسلمين. لأن ولايته على قتال أولئك دون غيرهم. ويصح الأمان من إمام وأمير لأسير كافر بعد الإِستيلاء عليه، وليس ذلك لأحد من الرعية إلا أن يجيزه الإِمام، لأن أمر الأسير مفوض إلى الإِمام، فلم يجز الافتيات عليه. وقيل: يصح أمان غير الإِمام للأسير الكافر؛ نص عليه في رواية أبى طالب وقدّمه في المحرر وغيره لقصته زينب في أمان زوجها. وأجاب عنه في المغنى أنه إنما صح بإجازة النبي ﷺ . ويصح أمان أحد الرعية لواحد وعشرة وقافلة وحصن صغيرين عرفا، لأن عمر بن الخطاب أجاز أمان العبد لأهل الحصن. وقيل: يصح لمائة فأقل. فهناك قولان: أحدهما أن يكون الجمع صغيرا عرفا - وهو ظاهر كلام كثير من الأصحاب، قيل: وهو الصواب، والثانى: أن يكون مائة فأقل. فلا يصح أمان أحد الرعية لأهل بلدة كبيرة ولا رستاق ولا جمع كبير لأنه يفضى إلى تعطيل الجهاد والافتيات على حق الامام (١). ويشترط أن يكون الأمان من مسلم فلا يصح من كافر ولو كان ذميًا، لقوله ﷺ : "ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم"؛ ولأنه متهم على الإِسلام وأهله، فلم يصح منه كالحربى. كما يشترط أن يكون الأمان من عاقل، لا طفل ولا مجنون؛ لأن كلامه غير معتبر، فلم يثبت به حكم. وأن يكون مختارا فلا يصح من مكره عليه. ويصح من صبى مميز، لعموم الخبر، ولأنه عادل فصح منه كالبالغ. ويصح من العبد لقول عمر: "العبد المسلم رجل من المسلمين يجوز أمانه"، ولقول النبي ﷺ "يسعى بها أدناهم". ولأنه مسلم عاقل فأشبه الحر. ويصح من الأنثى لقوله ﷺ : "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ" ولأن زينب بنت رسول الله ﷺ أجارت أبا العاص بن الربيع، وأجاز النبي ﷺ أمانها. ويصح الأمان من هرم وسفيه، لعموم الحديث السابق (٢). ويصح أمان الأسير بدار الحرب: إذا عقده غير مكره؛ للعموم. وكذا أمان أجير وتاجر في دار الحرب، لعموم الحديث السابق ولا ينتقص الإمام أمان المسلم حيث وقع صحيحا، لوقوعه لازما. إلا أن يخاف خيانة من أعطى له، فينقضه لفوات شرطه، وهو: عدم الضرر (٣).
مذهب الزيدية:
يعقد الأمان مكلف، سواء كان ذكرًا أم أنثى، حرًا أم عبدًا، وذلك قبل نهى الامام أصحابه عن أن يؤمنوا أحدًا. وقيل: لا يصح أمان المرأة. والوجه عند من قال بصحة أمانها أن زينب بنت رسول الله ﷺ أجارت زوجها أبا العاص بن الربيع، وأن أم هانئ بنت عبد المطلب أجارت رجلين. وإما من أرسل الينا من جهة الكفار فإنه يكون آمنا وإن لم يصدر له أحد من المسلمين أمانا، ولكن لابد له من بينه على أنه رسول (٤) ولا يصح أمان الذمى لقوله ﷺ : "المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم" فشرط
стр. 8325
الإِسلام. ولا يصح أمان الصبى لأن قوله: يسعى بذمتهم أدناهم خطاب للبالغين لا للمجنون والمعتوه، وذلك كعقوده. ولا يصح أمان المكره اجماعا كعقده، ولا الأسير كالمكره، فهو ليس مختارًا لأجل الأسر (١).
مذهب الإِمامية:
يذم الإمام ويعطى الأمان لأهل الحرب عموما وخصوصا. وكذا من نصبه الإِمام للنظر في جهة يذم لأهلها ويعطيها الأمان ويجوز أن يذم الواحد من المسلمين لآحاد من أهل الحرب، فلا يذم ذماما عاجا، ولا لأهل الأقليم، وقيل يذم أهل القرية أو الحصن، كما أجاز على كرم الله وجهه ذمام الواحد لحصن من الحصون، وقيل: لا يُذم، وهو الأشبه، وفعل عليّ قضية في واقعة، فلا يتعدى. والعاقد للذمام (الأمان) لابد أن يكون بالغا عاقلا مختارًا، ويستوى في ذلك الحر والمملوك والذكر والأنثى. ولو أذم المراهق والمجنون لم ينعقد ذمامه لكن يعاد المؤمن إلى مأمنه. وكذلك يعاد إلى مأمنه كل حربى دخل في دار الإِسلام بشبهة الأمان، كأن يسمع لفظا فيعتقده أمانا، أو يصحب رفقة فيتوهمهم أمانا (٢).
مذهب الإباضية:
يعطى الأمان لمشرك غير معط للجزية إذا دخل أرض الإسلام متجرا، ولو استأمنه رجل واحد (٣). ومن لا قرار له - كأهل البادية والمتنقلين من بلد لآخر - لا يتصرف فيهم سوى الإِمام الظاهر، أو نائبه أو مأذونه. وقيل: ما جاز للإمام العدل جاز محمد له رياسة وأتباع (٤).
من ينعقد له الأمان وإثباته:
مذهب الحنفية:
يعقد الأمان للحربيين المحصورين في مدينة أو حصن من الحصون، قلوا أو كثروا. (٥). ويشترط فيمن يطلبه من المشركين أن يكون ممتنعا أي في موضع يمنعه عن وصولنا إليه، وإن كان في موضع ليس يمتنع به وهو ماد سيفه أو رمحه فهو فئ. فإذا ترك منعته وجاء الينا طالبا الأمان صح أمانه. قال ابن عابدين: لو كان في منعته بحيث لا يسمع المسلمون كلامه ولا يرونه فانحط الينا وحده بلا سلاح، فلما كان بحيث نسمعه نادى بالأمان فهو آمن، بخلاف ما إذا أقبل سالا سيفه مادًا رمحه نحونا، فلما اقترب استأمن فهو فئ لأن البناء على الظاهر فيما يتعذر الوقوف على حقيقته جائز ولو في إباحة الدم (٦).
وينعقد الأمان المؤقت لرسل الحربيين ولو وجدنا حربيا في دارنا فقال: أنا رسول الملك إلى الخليفة فإنه يكون آمنا (يعنى بدون أن يبذل له مسلم أمانا) إذا أخرج كتابا يشبه أن يكون كتاب ملكهم وإن احتمل أن يكون مفتعلا لأن الرسول آمن كما جرى به الرسم جاهلية وإسلاما، ولا يجد رسول الحربيين في دار الإِسلام مسلممن ليشهدوا له. فلو لم يصحبه دليل ولا كتاب معه وأخذه المسلمون فهو فئ لجماعة المسلمين عند أبى حنيفة، كمن وُجد في عسكرنا
стр. 8326
في دار الحرب فأخذه واحد. وهو عند محمد فئ لمن أخذه كالصيد والحشيش (١).
ويعقد الأمان المؤقت كذلك للتجار الحربيين، ويمكنون من الإقامة اليسيرة - وهى مدة أقل من سنة - لأن في منعها قطع المسيرة والجلب وسد باب التجارة، ففصلوا بينها بسنة، فإذا دخل الحربى مستأمنا لم يمكن أن يقيم في دار الإِسلام سنة، لأن الأصل أن الحربى لا يمكن من الإقامة الدائمة في دارنا إلا بالاسترقاق أو الجزية لأنه يصير عند ذلك عينا لهم وعونا علينا فتلتحق المضرة بالمسلمين (٢). ويشترط لذلك أن يدخل مستأمنا أي طالبا للأمان، فلو دخل دارنا بلا أمان كان وما معه فيئا. ولو قال مسلم: أنا أمنته، لم يصدق إلا أن يشهد رجلان غيره (٣).
ولا يجوز عقد الأمان لجاسوس ونحوه ممن يضر أمانهم بالمسلمين.
ويجوز للإمام أن يوادع المرتدين حتى ينظر في أمرهم لأن الإِسلام مرجو منهم، فجاز تأخير قتالهم طمعا في إسلامهم (٤) ولكن لا يترك المرتد على ردته بأمان مؤقت ولا أمان مؤبد (٥).
وأما البغاة فيجوز إعطاؤهم الأمان. فلو دخل باغ بأمان فقتله عادل عمدًا لزمته الدية كما في المستأمن (٦).
مذهب المالكية:
يُعقد الأمان للحربيين قبل الفتح وبعده وذلك إن لم يضر الأمان بالمسلمين بأن تكون فيه مصلحة أو استوت المصلحة وعدم الضرر (٧). وإذا أخذ الحربى وهو مقبل إلينا بأرضهم، فقال: جئت أطلب الأمان منكم، أو أخذ بأرضنا وقال: ظننت أنكم لا تعرضون لتاجر ومعه تجارة، أو أخذ بمن أرضنا وأرضهم وقال جئت أطلب الأمان فيرد إلى مأمنه ولا يجوز قتله ولا أسره ولا أخذ ماله إلا لقرينة كذب كوجود آلة الحرب معه فلا يرد ويرى الإِمام فيه ما يراه في الأسرى (٨) وإن رُدّ المؤمن إلينا بسبب ريح (مضاد للمركب) قبل الوصول لمأمنه فهو على أمانه السابق حتى يصل إلى مأمنه، فإذا أقام فليس للإِمام إلزامه الذهاب لأنه على الأمان. ومثل الرد بالريح رجوعه قبل وصوله ولو اختيارا على ظاهر كلام ابن يونس. وأما أن رجع بعد بلوغه مأمنه بريح أو غيرها، فقيل: الإمام مخير إن شاء أنزله، وإن شاء رده. وقيل هو حل. وقيل: إن رد غلبة فالإمام مخير، وإن رد اختيارا فهو حل (٩).
مذهب الشافعية:
يعطى الأمان للحربى والعدد المحصور (١٠) ولا يمكن الحربى من دخول دار الإِسلام من غير حاجة، لأنه لا يؤمن كيده، فلعله دخل للتجسس أو شراء السلاح، فإن استأذن في الدخول لأداء
стр. 8327
رسالة أو عقد ذمة أو هدنة أو حمل ميرة للمسلمين وهم في حاجة لها جاز الأذن له من غير عوض لأن في ذلك مصلحة للمسلمين، وإذا انقضت حاجته لم يمكن من المقام (١) وإن دخل لتجارة لا حاجة للمسلمين فيها، لم يؤذن له إلا بمال يؤخذ من تجارته لأن عمر أخذ العشر. وإن ادعى أنه دخل لرسالة قُبِلَ قوله، لأنه يتعذر إقامة البينة على الرسالة (٢) وإن عقد البغاة لأهل الحرب أمانا بشرط معاونتهم على أهل الحق، لم ينعقد لأن من شرط الأمان ألا يقاتلوا المسلمين، فلم ينعقد الأمان على شرط القتال، ولا يجوز لأهل البغى أسر من عاهدوهم من أهل الحرب أو قتلهم. أو استرقاقهم، لأنهم بذلوا الأمان، فلزمهم الوفاء به (٣).
مذهب الحنابلة:
الأصل في الأمان قوله تعالى: وإن أحد من المشركين استجار فأجره حتى يسمع كلام الله (٤) ويجوز عقده لرسول ومستأمن لقول ابن مسعود جاء ابن النواحة وابن أثال - رسولا مسيلمة إلى النبى ﷺ فقال لهما: لو كنت قاتلا رسولا لقتلتكما فمضت السنة: أن الرسل لا تقتل رواه أحمد ولأبى دواد نحوه ولأن الحاجة داعية إلى ذلك إذ لو قتل لفاتت مصلحة المراسلة قال في المبدع: فظاهره جواز عقد الأمان لكل منهما مطلقا ومقيدا بمدة قصيرة وطويلة. ومن وكل عنهم دار الإِسلام بغير أمان وادعى أنه رسول أو تاجر ومعه متاع يبيعه، قُبل منه إن صدّقته عادةٌ كدخول تجارتهم إلينا ونحوه لأن ما ادعاه ممكن فيكون شبهة في درء القتل، ولأنه يتعذر إقامة البينة على ذلك فلا يتعرض إليه ولجريان العادة مجرى الشرط؛ فإن انتفت العادة وجب بقاؤه على ما كان عليه من عدم العصمة وكذا إذا لم يكن معه تجارة لم يقبل منه إذا قال: جئت مستأمنا، لأنه غير صادق فيكون كأسير - يخير فيه الإِمام بين قتل ورق ومن وفداء ولا يعطى الأمان لجاسوس ويخير فيه الامام كأسير. وإن كان ممن ضل الطريق أو حملته ريح في مركبة إلينا أو شرد إلينا بعض دوابهم أو أبق لبعض رقيقهم فهو لمن أخذه غير مخموس، لأنه مباح ظهر عليه بغير قتال في دار الإِسلام فكان لآخذ ذلك كالصيد. ويصح الأمان لأسير كافر بعد الاستيلاء عليه معه الامام أو الأمير وليس ذلك لأحد من الرعية إلا أن يميزه الإمام لأن أم الأسير مفوض إليه فله يحبز الافتيات عليه (٥).
وقال أحمد: إذا لقى علجا (كافرا شديدا غليظا) فطلب منه الأمان يؤمنه لأنه يخاف شره وشرط الأمان أمن شره. وإن كما في المسلمون سرية فلمن أمانه لأمنهم شره.
وإن لقيت سرية أعلاجا فادعوا أنهم جاءوا مستأنسين قبل منهم إن لم يكن معهم سلاح لأن ظاهر الحال قرينة تدل على صدقهم (الكشاف جـ ٣ ص ١٠٧).
مذهب الزيدية:
من أرسل إلينا من جهة الكفار فهو آمن وإن لم يصدر له أمان من أحد المسلمين، لكن لابد من بينة على ذلك أو قرينة حال. ويجوز تأمين غير الرسل قبل نهى الإمام عن ذلك (٦) وللإمام
стр. 8328
أن يؤمن كل من دخل تاجرًا للآحاد. ولا ينعقد الأمان لمن يضر بالمسلمين كالجاسوس والمرجف ونأقل أسرارهم (١) وإذا أعدى بعض المشركين أنه دخل بأمان فأنكر المسلمون ذلك كانت البينة على المؤمن أي الحربى الذي أدعى الأمان مطلقا سواء كانت دعواه قبل الفتح أو بعده، فإن بين الأمان - إما بشهادة أو إقرار ممن أدعى أنه أمنه - عمل يقتضى ذلك وإلا جاز قتله وأما إذا ادعى بعض المسلمين إنه كان أمن بعض المشركين كانت البينة على المسلم المؤمِّن للمشرك إذا أدعى ذلك بعد قوله لابد له يؤمن من شاء قبل الفتح ما لم ينه الإِمام، إلا كان المدعى لأمان ببعض المشركين هو الامام فالمقوله له ولا بينة عليه لا قبل الفتح ولا بعده لأن الأمان إليه في أي وقت شاء. (٢).
مذهب الإِمامية:
يجوز الذمام من الإمام لأهل الحرب عموما، لأهل القرية أو الحصن أو الواحد منهم خصوصا (٣) ويكون ذلك قبل الأسر، ولو أشرف جيش الإِسلام على الظهور، فاستذم الخصم جاز مع نظر المصلحة، وأما طلبهم الأمان بعد حصولهم في الأسر، فلا يجابون إليه، ولا يصح إعطاؤهم إياه في هذه الحالة وقال في الروضة البهية يصح من الإِمام بعد الأسر، كما يجوز له المن عليهم. ولو أقر المسلم أنه أذم لمشرك، فإن كان في وقت يصح منه إنشاء الأمان جاز. ولو ادعى الحربى على المسلم الأمان، فأنكر المسلم، فالقول قوله (٤).
مذهب الإِباضية:
يعطى الأمان للمشرك غير معط للجزية، إذا دخل دار الإِسلام متجر (٥).
بطلان الأمان والدخول بغير أمان
مذهب الحنفية:
ينقض الإمام الأمان الذي يضر بقاؤه بالمسلمين ويؤدب من باشره بلا مصلحة. وبطل أمان الذمى - إلا إذا أمره به مسلم كما يبطل أمان الأسير والتاجر والصبى والعبد المحجور معه عن القتال وصحح محمد أمان العبد ويبطل أمان المجنون ومن أسلم ولم يهاجر إلينا. لأنهم لا يملكون القتال - وقال ابن عابدين نقلا عن شرح السير: لو أمنهم الأسير ثم جاء بهم ليلا إلى عسكرنا فهم فئ لكن لا نقتل رجالهم استحسانا لأنهم جاءوا للاستئمان لا للقتال كالمحصور إذا جاء تاركا القتال بأن القى السلاح ونادى بالأمان، فإنه يأمن القتل وإذا وجد في دار الإِسلام من إدعى أنه رسول وليس معه دليل ولا كتاب فهو فئ لجماعة المسلمين عند أبى حنيفة كمن وجد في عسكرنا في دار الحرب فأخذه واحد ففيه روايتان وهو عند محمد فئ،
стр. 8329
لمن أخذه كالصيد الخسيس وفى إيجاب الخمس فيه روايتان عن محمد (١).
مذهب المالكية:
لو ظن الحربى أن المسلم أمنه، والحال أنه لم يؤمنه وإنما خاطب غيره أو خاطبه بكلام لم يفهمه فظن أنه أمنه فجاء إلينا معتمدا على ظنه، أو نهى الإِمام الناس عن الأمان فعصوا وأمنوا واحدًا أو طائفة، أو نسوا أن الإمام نهى عن الأمان فأمنوا حربيا أو أكثر، أو ظن الحربى الذي إن أمنه مسلم، وهو ذمى، فجاء إلينا معتمدا على ذلك، أمضى الإِمام الأمان إن شاء، أو رد الحربى لمأمنه ولا يجوز قتله ولا أسره ولا سلب ماله. وكذلك يرد الحربى لمأمنه إن أُخِذَ وهو مقبل إلينا بأرضهم فقال: جئت لأطلب الأمان منكم، أو أخذ بأرضنا وقال: ظننت أنكم لا تتعرضون لتاجر، ومعه تجارة. أو أخذ بين أرضنا وأرضهم وقال، ما ذكر، فيرد لمأمنه. إلا لقرينة كذب فلا يرد (٢).
مذهب الشافعية:
لا يصح أمان المسلم للعدد غير المحصور أو الذين لم يعلم عددهم أن انسد به باب الجهاد. ولا يصح أمان الأسير لمن هو معهم في الأصح، والثانى: يصح. وإذا أمن مسلم كافرًا ولم يبلغه الأمان فلا أمان له فلو قتله أحد المسلمين جاز. ويبطل الأمان إذا رده من صدر إليه وكذا إن لم يقبله بأن سكت في الأصح.
والثانى: لا يبطل بالسكوت. ولا ينعقد أمان يضر بالمسلمين كجاسوس وطليعة وينبغى ألا يستحق تبليغ المأمن (٣) وإذا بطل أمان رجال لم يبطل أمان نسائهم وصبيانهم في الأصح. والثانى: يبطل تبعا لهم كما تبعوهم في الأمان. ودفع هذا القول بإنه لم يوجد منهم ناقض (٣) مكرر.
مذهب الحنابلة:
لا يصح الأمان من كافر ولو ذميا ولا من مجنون وسكران وطفل ونحوه ومغمى عليه لأنهم لا يعرفون المصلحة من غيرها. ولا يصح الأمان من غير الإِمام لأسير بعد أخذه، وقيل يصح. ولا يصح أمان أحد الرعية لأهل البلد الكبير ولا الجمع الكبير لأنه يفضى لتعطيل الجهاد والافتيات على الإِمام (٤) وإذا خرج الكفار من الحصن بما ظنوه أمانا، وقال المسلم: لم أرد به الأمان، لم ينعقد، ولم يجز قتلهم ويردون إلى مأمنهم. وإذا رد الكافر الأمان لم ينعقد أمانه وإن قبله ثم رده بصول على المسلم انتقض أمانه لفوت شرطه وهو عدم الضرر (٥). ومن دخل منهم دار الإِسلام بغير أمان وادعى أنه رسول أو تاجر وانتفى ما يصدق من أجله وجب بقاؤه على ما كان عليه من عدم العصمة، فيكون كأسير يخير فيه الإِمام (٦).
стр. 8330
مذهب الزيدية:
وإذا اختل قيد من القيود التي يعقد بها الأمان رد من صدر له الأمان إلى مأمنه فلا يجوز قتله ولا اتمام أمانه بل يرد إلى مأمنه قبل بلوغه مراده بالأمان. وإن قتل فلا شئ إذا كان مغرورًا أما إذا دخل الحربى جهلا فإنه يقتل لأنه غير مغرور. وإذا قال المسلم: ما قصدت الأمان وقال الكافر: فهمت الأمان وجب رده إلى مأمنه ولا يجوز قتله. ومن عقد له أمان بعد نهى الإِمام عنه فإنه لا يرد إلى مأمنه بل يجوز قتله. (١).
مذهب الإمامية:
لو أذم المراهق والمجنون حربيا لم ينعقد الأمان لكن يعاد إلى مأمنه. وكذا كل حربى دخل دار الإسلام بشبهة الأمان كأن يسمع لفظا فيعتقده أمانا أو يصحب رفقه فيتوهمهم أمانا. ولو أكره العاقد على الذمة لم تنعقد (٢) وحيث يختل شرط الصحة - وهو أن يكون قبل الأسر من غير الإمام وإن يخلو من مفسدة - يرد الكافر إلى مأمنه كما لو دخل بشهة أمان مثل أن يسمع لفظا فيعتقده أمانا أو يصحب رفقة فيظنها كافية أو يقال له: لا نذمك فتهوم الإثبات ومثله الداخل بسفارة أو ليسمع كلام الله (٣).
مذهب الإباضية:
إذا دخل المشرك التاجر أرض الإسلام بلا أمان، جاز للإمام أن يفعل معه ما يظهر له من السبى والغنم، وللإمام وللمسلمين بعد الإثخان بقتل المحاربين وتوهين شوكتهم أسر من دخل منهم دار الإِسلام بقصد الغذاء ولا يجوز قتلهم (٤).
أحكام الأمان المؤقت
الالتزام بالأمان ومدته:
مذهب الحنفية:
إذا صدر الأمان صحيحا على شرطه السابق ذكره، لم يجز لأحد من المسلمين قتال من صدر إليه الأمان (٥). ومن دخل من المسلمين دار الحرب بأمان حرم تعرضه لشئ من دم ومال وفرج منهم إذ المسلمون عند شروطهم (٦) وظاهر المتون: أن قول الامام له إن أقمت تمام السنة وضعت عليك الجزية شرط لكونه ذميا، فلو أقام سنة أو سنتين قبل القول فليس بذمى، وبه صرح العتابى وبه حزم في الدر. ولكن قال في المبسوط: وإن لم تقدر له مدة فالمعتبر
стр. 8331
الحول. وقال في الفتح لا يلزم من هذا أن قول الإمام له ذلك غير شرط. فإنه يصدُق بقوله له: إن أقمت طويلا منعتك من العودة، فإن أقام سنة منعه من العودة (١) ويجوز توقيت ما دون السنة كالشهر والشهرين، ولكن ينبغى ألا يلحقه ضرر بتقصير المدة جدا (٢).
ولا يمكن الحربيون من الإقامة في جزيرة العرب لخبر لا يجتمع دينان في جزيرة العرب (٣).
وإذا أراد الحربى المستأمن الذي أقام في دار الإِسلام فوق الحول الرجوع إلى دار الحرب بعد الحول - ولو لتجارة أو قضاء حاجة - منع لأنه قد صار ذميا، وعقد الذمة لا ينقض كما يمنع لو وضع عليه الخراج عند الحول ولو لم توضع عليه الجزية لأن خراج الأرض كخراج الرأس. كما تمنع المرأة المستأمنة الكتابية من الرجوع لو صار لها زوج مسلم أو ذمى في دار الإِسلام وإن لم يدخل بها، (٤) وإذا دخل الحربى دار الإِسلام مستأمنًا لا يمكن من الإقامة فيها سنة ويقول له الإِمام إن أقمت تمام السنة وضعت عليك الجزية لأن الحربى لا يمكن من إقامة دائمة في دار الإِسلام بالاسترقاق أو الجزية لأنه يصير عينا (جاسوسًا) لهم وعونا (ظهيرا) على مضرة بالمسلمين. ويمكن من الإِقامة اليسيرة لأن في منعها قطع الميرة والجلب وسد باب التجارة فحددت المدة بسنة لأنها مدة تجب فيها الجزية، فإن رجع إلى وطنه قبل تمام السنة فلا سبيل عليه وإذا مكث سنة فهو ذمى لأنه لما أقام سنة بعد قول الإمام له ما تقدم صار ملتزما للجزية فيصير ذميًا، وللإمام أن يوقف في ذلك ما دون السنة كالشهر أو الشهرين. (٥).
مذهب المالكية:
إذا وقع الأمان للحربيين من الامام أو من غيره بشروطه وجب على المسلمين جميعا الوفاء به، فلا يجوز أسرهم ولا أخذ شئ من مالهم إلا بوجه شرعى، ولا تجوز أذيتهم بغير وجه شرعى. وإذا وقع الأمان بعد الفتح من الإمام أو غيره فالأمان يسقط القتل وللإِمام أن ينظر في غير القتل من أسر أو من أو فداء أو ضرب جزية (٦).
ولا يجوز تأمين غير المسلمين على السكنى في جزيرة العرب - من الحجاز واليمن لقوله ﷺ : "لا يبقين دينان بجزيرة العرب" ولهم الاجتياز فيها في سفرهم لتجارة ونحوها وإقامة الأيام كالثلاثة لمصالحهم إذ دخلوا لمصلحة. كبيع طعام ونحو وليست الثلاثة قيدًا في أيام الإقامة - بل المدار على الإِقامة للمصالح. والممنوع الإِقامة لغير مصلحة. وظاهره: إن لهم المرور ولو لغير مصلحة. وهو كذلك (٧).
ولا يمكن مشرك من دخول الحرم لقوله "إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا" والمسجد الحرام عبارة عن الحرم، فإن جاء رسولا خرج إليه من يسمع رسالته، وإن جاء لحمل ميرة خرج إليه من يشترى منه ومن جاء ليسلم خرج إليه من يسمع كلامه وإن دخل ومرض فيه لم يترك فيه وإن مات لم يدفن فيه وإن دفن فيه نبش وأخرج
стр. 8332
منه .. وإن دخل بعد إذن فإن كان عالما بتحريمه عذر، وإن كان جاهلا أعلم، فإن عاد عذر وإن أذن له في الدخول بمال لم يجز فإن فعل استحق عليه المسمى لأنه حصل له المعوض، ولا يستحق عوض المثل وإن كان فاسدًا لأنه لا أجرة لمثله (١).
مذهب الشافعية:
لا يمكن الحربى من دخول دار الإِسلام من غير حاجة لأنه لا يؤمن كيده ولعله دخل للتجسس أو شراء سلاح. فإن استأذن في الدخول لآداء رسالة أو عقد ذمة أو هدنة أو حمل ميرة وللمسلمين إليها حاجة جاز الإِذن له من غير عوض لأن في ذلك مصلحة للمسلمين. وإذا انقضت حاجته لم يُمَكَّن من المقام، فإن دخل من غير ذمة ولا أمان فللإمام أن يختار ما يراه من القتل والاسترقاق والمن والفداء وإن أراد الدخول لتجارة ولا حاجة للمسلمين إليها لم يؤذن له إلا بمال يؤخذ من تجارته، لأن عمر رضى الله عنه أخذ العشر من أهل الحرب. (٢)
ولا يمكن مشرك من الإِقامة في الحجاز - وهى كما قال الشافعي ﵀: مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها. والنبى ﷺ لما قال في وجعه أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، أراد الحجاز. وإن عمر رضى الله عنه أجلى اليهود والنصارى من الحجاز، ولم ينقل أن أحدا من الخلفاء أجلى من كان باليمن من أهل الذمة وإن كانت من جزيرة العرب فإن جزيرة العرب في قول الأصمعى من أقصى عدن إلى ريف العراق في الطول ومن جدة وما والها من ساحل البحر إلى أطراف الشام في العرض. ويجوز تمكينهم من دخول الحجاز لغير الإقامة ولا يقيم أكثر من ثلاثة أيام فإن أقام في موضع آخر وأقام ثلاثة أيام ثم انتقل إلى غيره فأقام ثلاثة وهكذا جاز لأنه لم يصر مقيما في موضع.
مذهب الحنابلة:
إذا أعطى الأمان أهل الحرب حرم قتلهم وحرم مالهم والتعرض لهم (٣).
ويجوز عقد الأمان للرسول والمستأمن مطلقا أي بدون قيد من مدة، كما يجوز عقده له مقيدًا بمدة سواء كانت طويلة أو قصيرة بخلاف الهدنة فلا تجوز إلا مقيدة بمدة لأن في جوازها مطلقا تركا للجهاد وهذا بخلافه. وقال أبو الخطاب: لا يجوز أن يقيم الرسول والمستأمن سنة بغير جزية. ووجه الأول أن هذا كافر أبيح له الإِقامة في دار الإِسلام من غير التزام جزية فلم تلزمه مدة السنة لأنه لا يؤدى جزية كالنساء والصبيان، ولأن الرسول لو كان ممن لا يجوز أخذ الجزية منه يستوى في حقه السنة في دونها
стр. 8333
ووجه قول أبى خطاب (١) هو قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ الآية (٢).
ويمنع غير المسلمين من دخول حرم مكة، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ الآية من سورة التوبة رقم ٢٨. والمراد حرم مكة لا خصوص المسجد. وإنما منع غير المسلمين من الحرم دون سائر الحجاز لأن الحرم أفضل أماكن العبادات للمسلمين وأعظمها ولأنه محل النسك فوجب أن يمنع منه من لا يؤمن به. وظاهر هذا المنع أنه مطلق، أي سواء أذن له أو لم يؤذن. ولا يمنعون دخول حرم المدينة لأن الآية نزلت واليهود بالمدينة ولم يمنعوا من الإِقامة بها. فإن قدم رسول من الكفار لابد له من لقاء الإِمام، والإِمام بالحرم المكى، خرج إليه الإِمام ولم يأذن له في الدخول لعموم الآية. فإن دخل الكافر الحرم - رسولًا كان أو غيره - عالما بالمنع، عزر لإِتيانه محرما وأخرج من الحرم. وينهى الجاهل عن العود لمثل ذلك ويهدد ويخرج ولا يعذر لأنه معذور بالجهل. فإن مرض بالحرم أو مات به أخرج منه، لأنه إذا وجب إخراجه حيا فإخراج جيفته أولى، وإنما جاز دفنه بالحجاز سوى حرم مكة لأن خروجه من حرم مكة سهل ممكن لقرب الحِلِّ منه، وخروجه من أرض الحجاز وهو مريض أو ميت صعب شاق لبعد المسافة. وإن دفن بالحرم نبش وأخرج، إلا أن يكون قد بلى فيترك، وكذا لو تصعب إخراجه لنتنه وتقطعه للمشقة في إخراجه. وإن صالحهم الإِمام على دخول الحرم بعوض فالصلح باطل لأنه صلح يحل حراما، فإذا دخلوا إلى الموضع الذي صالحهم عليه لم يرد إليهم العوض لئلا يجمعوا بين العوض والمعوض، وإن دخلوا إلى بعض الموضع الذي صالحهم عليه أخذ من العوض بقدره ويمنعون من الإقامة بالحجاز، والأصل في ذلك ما روى أبو عبيدة بن الجراح: أن آخر ما تكلم به النبي ﷺ قال: "اخرجوا اليهود من أرض الحجاز، رواه أحمد. وقال عمر: سمعت النبي ﷺ يقول: لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب فلا أترك فيها إلا مسلما. رواه الترمذى وقال حسن صحيح. والمراد الحجاز؛ بدليل أن الخلفاء لم يخرجوا أحدًا من اليمن وتيماء، قال أحمد: جزيرة العرب: المدينة وما والاها، يعنى أن الممنوع من سكنى الكفار: مكة والمدينة وخيبر والينبع وفدك ومخاليفها. وليس لهم دخول الحجاز إلا بإذن الإمام، وفى المستوعب: وقد وردت السنة بمنعهم من جزير العرب. كما تقدم في الخبر. وحد الجزيرة على ما ذكره أبو عبيد القاسم بن سلام: من عدن إلى ريف العراق طولا ومن تهامة إلى ما وراء أطراف الشام عرضا. فإن دخلوا الحجاز لتجارة أو غيرها لم يقيموا في موضع واحد أكثر من ثلاثة أيام لأن عمر أذن لمن دخل تاجرا في إقامة ثلاثة أيام، فدل على المنع في الرائد. وله أن يقيم مثل ذلك أي ثلاثة أيام فأقل - في موضع آخر من أراضى الحجاز، وكذا له أن يقيم ثلاثة أيام في دونها في موضع ثالث وموضوع رابع وهكذا، فإن أقام أكثر منها في موضع واحد من الحجاز عزر إن لم يكن له عذر لها فإن كان في الداخلين من له
стр. 8334
دين حالّ أجبر غريمه على وفائه ليخرج، فإن تعذر جازت الإِقامة لإِستيفائه لأن العذر من غيره (أي من المدين) وفى إخراجهم قبل استيفاء ديونهم ذهاب أموالهم، وسواء كان التعذر لمطل أو تغيب أو غيرهما. وإن كان الدين مؤجلا لم يمكن من الإِقامة حتى يحل، لئلا يتخذ ذلك ذريعة للإقامة. ويو كل من يستوفيه له إذا حلّ. وإن مرض من دخل الحجاز منهم جازت إقامته به حتى يبرأ من مرضه، لأن الإنتقال يشق على المريض، وتجوز الإِقامة أيضا لمن يُمرِّضه لضرورة إقامته، وإن مات دفن للضرورة ولا يمنعون من تيماء فَيد (بفتح الفاء) وهى من بلاد طى ونحوهما من باقى الجزيرة غير الحجاز لما مر من أن أحد الخلفاء لم يخرج واحدًا منهم من ذلك. وليس لهم دخول مساجد الحل ولو بإذن مسلم لأن على بن أبى طالب بصر بمجوسى وهو على المنبر فنزل وضربه وأخرجه، وهو قول عمير، ولأن حدث الجنابة والحيض يمنع من دخول المسجد فالشرك أولى. وقيل يجوز بإذن مسلم، لأنه ﷺ قدم عليه وفد أهل الطائف فأنزلهم في المسجد قبل إسلامهم وأجاب أصحاب القول الأول عن ذلك: بإنه كان بالمسلمين حاجة، وبانهم كانوا يخاطبونه ﷺ ويحملون إليه الرسائل والأجوبة وقد يسمعون منه الدعوة، ولم يكن ﷺ ليخرج لكل من قصده من الكفار (١).
مذهب الزيدية:
من أُمِّن أمانا صحيحا فهو آمن لا يجوز لأحد من المسلمين حرّم أمانة وليس لواحد من المسلمين أن يعقد لأحد من المشركين أمانا إلا لمدة يسيرة وهى دون السنة وليس له أن يعقده سنة فصاعدا. وفى الأمانة دون السنة وفوق الأربعة أشهر قولان (٢).
مذهب الإِمامية:
لو دخل المسلم دار الحرب مستأمنا فسرق وجب إعادة ما سرق سواء كان صاحبه في دار الإِسلام أو دار الحرب (٣) ومن أعطيناه ذماما وجب علينا الوفاء له بالذمام ما لم يكن متضمنا ما يخالف الشرع (٤).
مذهب الإباضية:
إذا دخل مشرك غير معط للجزية أرض الإِسلام بتجر، وكان دخوله بأمان، فإنه يترك ويؤخذ منه ما يؤخذ من تجار المسلمين وهو الزكاة فقط، قيل: وما ينوب في إصلاح الطرق وغيرها بحسب المصالح فإنه يؤخذ من تجار المشركين مثل ما يؤخذ من تجار المسلمين ويجوز للإمام بنظر أهل المشورة من المسلمين أن يأخذ ما ظهر له. ويأخذ المسلمون ذلك إن لم يكن لهم إمام. ولهم أن يأخذوه ولو لم يأخذوا من تجار المسلمين لعدم دوران الحول للزكاة ويؤخذ ذلك من المشركين ولو كان أهل الإسلام لا يدخلون أرض الشرك ولو بسبب بعدها، وإن شاء المسلمون تركوا التاجر المشرك فلا يأخذون منه شيئا (٥).
стр. 8335
مال المستأمن
مذهب الحنفية:
إذا دخل المسلم دار الحرب بأمان حرم عليه تعرضه لشئ من أموالهم ودمائهم وفروجهم، فلو أخرج إلينا شيئا ملكه ملكا حراما للغدر فيتصدف به وجوبا. ولو اغتصب منهم شيئا ولم يخرجه وجب رده عليهم. إلا إذا وجد امرأته أو أم ولده أو مدبرته مأسورة، جاز له إخراجهن لأنهم لم يملكونهن، بخلاف الأمة ولو وطئهن إهل الحرب تجب العدة للشبهة. وإن أدانه حربى دينا ببيع أو قرض أو أدان هو حربيا أو غصب إحدهما صاحبه وخرجا إلينا لم نقض لأحد بشئ، لأن القضاء يستدعى الولاية ويعتمدها، ولا ولاية وقت الإِدانة أصلا إذ لا قدرة للقاضى فيه على من هو في دار الحرب ولا وقت القضاء على المستأمن لأنه ما التزم حكم الإسلام فيما مضى من أفعال، وإنما التزمه فيما يستقبل في حق أحكام يباشرها في دار الإسلام والغصب في دار الحرب سبب يفيد الملك؛ لأنه استيلاء على مال مباح غير معصوم فصار كالإِدانة فإذا ملكه فليس للحاكم أن يتعرض له بالحكم ولكن يفتى المسلم برد المغصوب ويأمره به، لأنه التزم بالأمان أن لا يغدرهم وهذا غدر وقال أبو يوسف: يقضى بالدين على المسلم دون الغضب لأنه التزم أحكام الإسلام حيث كان ألا ترى أنهما لو خرجا مسلمين يحكم عليهما بالدين، فكذا هذا. وأجيب: بإنه إذا امتنع في حق المستأمن امتنع في حق المسلم أيضا تحقيقا للتسوية بينهما. وكذلك لا يقضى بين اثنين من أهل الحرب إذ دان أحدهما الآخر أو غضب منه ثم استأمنا إلينا. وإذا قتل أحد المسلمين المستأمنين صاحبه عمدا أو خطأ (في دار الحرب)، تجب الدية في ماله ولا تجب على العاقلة لتعذر الصيانة مع تباين الدارين وإنما وجبت الدية في القتل العمد هنا لسقوط القود في دار الحرب، كما تجب الكفارة في القتل الخطأ، لإِطلاق النص، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ … ﴾ بلا تقييد بدار الإِسلام أو الحرب (١).
وإذا استأمن إلينا كافر فلا جزية عليه في حول المكث إلا إذا شرط عليه أخذها منه فيه. ولا يحل أخذ ماله بعقد فاسد بخلاف المسلم المستأمن في دار الحرب فإن له أخذ مالهم برضاهم ولو بربا أو قمار لأن مالهم مباح لنا إلا أن الغدر حرام، وما أخذ برضاهم فعند أبى يوسف: هو للمرتهن بدينه، وعند محمد يباع الرهن ويستوفى دينه، والزيادة فئ للمسلمين.
ليس غدرًا من المستأمن بخلاف المستأمن منهم في دارنا لأن دارنا محل إجراء الأحكام الشرعية فلا يحل لمسلم في دارنا أن يعقد مع المستأمن إلا ما يحل من العقود مع المسلمين، ولا يجوز أن يؤخذ منه شئ لا يلزمه شرعا وإن جرت به العاده كالذى يؤخذ من زوار بيت المقدس. وإذا استأجر مسلم من حربى مركبا ودفع عليه سوكرة (تأمينا) على أنه مهما هلك من المال الذي في الركب بحرق أو غرق أو نهب أو غيره أخذ من المؤمن (الذي يأخذ السوكرة) قيمته، فإنه - كما يظهر لابن عابدين - لا يحل للتاجر المسلم أن يأخذ بذل