← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 8331–8370 · переход к 8336.

стр. 8331

الحول. وقال في الفتح لا يلزم من هذا أن قول الإمام له ذلك غير شرط. فإنه يصدُق بقوله له: إن أقمت طويلا منعتك من العودة، فإن أقام سنة منعه من العودة (١) ويجوز توقيت ما دون السنة كالشهر والشهرين، ولكن ينبغى ألا يلحقه ضرر بتقصير المدة جدا (٢). ولا يمكن الحربيون من الإقامة في جزيرة العرب لخبر لا يجتمع دينان في جزيرة العرب (٣). وإذا أراد الحربى المستأمن الذي أقام في دار الإِسلام فوق الحول الرجوع إلى دار الحرب بعد الحول - ولو لتجارة أو قضاء حاجة - منع لأنه قد صار ذميا، وعقد الذمة لا ينقض كما يمنع لو وضع عليه الخراج عند الحول ولو لم توضع عليه الجزية لأن خراج الأرض كخراج الرأس. كما تمنع المرأة المستأمنة الكتابية من الرجوع لو صار لها زوج مسلم أو ذمى في دار الإِسلام وإن لم يدخل بها، (٤) وإذا دخل الحربى دار الإِسلام مستأمنًا لا يمكن من الإقامة فيها سنة ويقول له الإِمام إن أقمت تمام السنة وضعت عليك الجزية لأن الحربى لا يمكن من إقامة دائمة في دار الإِسلام بالاسترقاق أو الجزية لأنه يصير عينا (جاسوسًا) لهم وعونا (ظهيرا) على مضرة بالمسلمين. ويمكن من الإِقامة اليسيرة لأن في منعها قطع الميرة والجلب وسد باب التجارة فحددت المدة بسنة لأنها مدة تجب فيها الجزية، فإن رجع إلى وطنه قبل تمام السنة فلا سبيل عليه وإذا مكث سنة فهو ذمى لأنه لما أقام سنة بعد قول الإمام له ما تقدم صار ملتزما للجزية فيصير ذميًا، وللإمام أن يوقف في ذلك ما دون السنة كالشهر أو الشهرين. (٥). مذهب المالكية: إذا وقع الأمان للحربيين من الامام أو من غيره بشروطه وجب على المسلمين جميعا الوفاء به، فلا يجوز أسرهم ولا أخذ شئ من مالهم إلا بوجه شرعى، ولا تجوز أذيتهم بغير وجه شرعى. وإذا وقع الأمان بعد الفتح من الإمام أو غيره فالأمان يسقط القتل وللإِمام أن ينظر في غير القتل من أسر أو من أو فداء أو ضرب جزية (٦). ولا يجوز تأمين غير المسلمين على السكنى في جزيرة العرب - من الحجاز واليمن لقوله ﷺ : "لا يبقين دينان بجزيرة العرب" ولهم الاجتياز فيها في سفرهم لتجارة ونحوها وإقامة الأيام كالثلاثة لمصالحهم إذ دخلوا لمصلحة. كبيع طعام ونحو وليست الثلاثة قيدًا في أيام الإقامة - بل المدار على الإِقامة للمصالح. والممنوع الإِقامة لغير مصلحة. وظاهره: إن لهم المرور ولو لغير مصلحة. وهو كذلك (٧). ولا يمكن مشرك من دخول الحرم لقوله "إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا" والمسجد الحرام عبارة عن الحرم، فإن جاء رسولا خرج إليه من يسمع رسالته، وإن جاء لحمل ميرة خرج إليه من يشترى منه ومن جاء ليسلم خرج إليه من يسمع كلامه وإن دخل ومرض فيه لم يترك فيه وإن مات لم يدفن فيه وإن دفن فيه نبش وأخرج

стр. 8332

منه .. وإن دخل بعد إذن فإن كان عالما بتحريمه عذر، وإن كان جاهلا أعلم، فإن عاد عذر وإن أذن له في الدخول بمال لم يجز فإن فعل استحق عليه المسمى لأنه حصل له المعوض، ولا يستحق عوض المثل وإن كان فاسدًا لأنه لا أجرة لمثله (١). مذهب الشافعية: لا يمكن الحربى من دخول دار الإِسلام من غير حاجة لأنه لا يؤمن كيده ولعله دخل للتجسس أو شراء سلاح. فإن استأذن في الدخول لآداء رسالة أو عقد ذمة أو هدنة أو حمل ميرة وللمسلمين إليها حاجة جاز الإِذن له من غير عوض لأن في ذلك مصلحة للمسلمين. وإذا انقضت حاجته لم يُمَكَّن من المقام، فإن دخل من غير ذمة ولا أمان فللإمام أن يختار ما يراه من القتل والاسترقاق والمن والفداء وإن أراد الدخول لتجارة ولا حاجة للمسلمين إليها لم يؤذن له إلا بمال يؤخذ من تجارته، لأن عمر رضى الله عنه أخذ العشر من أهل الحرب. (٢) ولا يمكن مشرك من الإِقامة في الحجاز - وهى كما قال الشافعي ﵀: مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها. والنبى ﷺ لما قال في وجعه أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، أراد الحجاز. وإن عمر رضى الله عنه أجلى اليهود والنصارى من الحجاز، ولم ينقل أن أحدا من الخلفاء أجلى من كان باليمن من أهل الذمة وإن كانت من جزيرة العرب فإن جزيرة العرب في قول الأصمعى من أقصى عدن إلى ريف العراق في الطول ومن جدة وما والها من ساحل البحر إلى أطراف الشام في العرض. ويجوز تمكينهم من دخول الحجاز لغير الإقامة ولا يقيم أكثر من ثلاثة أيام فإن أقام في موضع آخر وأقام ثلاثة أيام ثم انتقل إلى غيره فأقام ثلاثة وهكذا جاز لأنه لم يصر مقيما في موضع. مذهب الحنابلة: إذا أعطى الأمان أهل الحرب حرم قتلهم وحرم مالهم والتعرض لهم (٣). ويجوز عقد الأمان للرسول والمستأمن مطلقا أي بدون قيد من مدة، كما يجوز عقده له مقيدًا بمدة سواء كانت طويلة أو قصيرة بخلاف الهدنة فلا تجوز إلا مقيدة بمدة لأن في جوازها مطلقا تركا للجهاد وهذا بخلافه. وقال أبو الخطاب: لا يجوز أن يقيم الرسول والمستأمن سنة بغير جزية. ووجه الأول أن هذا كافر أبيح له الإِقامة في دار الإِسلام من غير التزام جزية فلم تلزمه مدة السنة لأنه لا يؤدى جزية كالنساء والصبيان، ولأن الرسول لو كان ممن لا يجوز أخذ الجزية منه يستوى في حقه السنة في دونها

стр. 8333

ووجه قول أبى خطاب (١) هو قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ الآية (٢). ويمنع غير المسلمين من دخول حرم مكة، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ الآية من سورة التوبة رقم ٢٨. والمراد حرم مكة لا خصوص المسجد. وإنما منع غير المسلمين من الحرم دون سائر الحجاز لأن الحرم أفضل أماكن العبادات للمسلمين وأعظمها ولأنه محل النسك فوجب أن يمنع منه من لا يؤمن به. وظاهر هذا المنع أنه مطلق، أي سواء أذن له أو لم يؤذن. ولا يمنعون دخول حرم المدينة لأن الآية نزلت واليهود بالمدينة ولم يمنعوا من الإِقامة بها. فإن قدم رسول من الكفار لابد له من لقاء الإِمام، والإِمام بالحرم المكى، خرج إليه الإِمام ولم يأذن له في الدخول لعموم الآية. فإن دخل الكافر الحرم - رسولًا كان أو غيره - عالما بالمنع، عزر لإِتيانه محرما وأخرج من الحرم. وينهى الجاهل عن العود لمثل ذلك ويهدد ويخرج ولا يعذر لأنه معذور بالجهل. فإن مرض بالحرم أو مات به أخرج منه، لأنه إذا وجب إخراجه حيا فإخراج جيفته أولى، وإنما جاز دفنه بالحجاز سوى حرم مكة لأن خروجه من حرم مكة سهل ممكن لقرب الحِلِّ منه، وخروجه من أرض الحجاز وهو مريض أو ميت صعب شاق لبعد المسافة. وإن دفن بالحرم نبش وأخرج، إلا أن يكون قد بلى فيترك، وكذا لو تصعب إخراجه لنتنه وتقطعه للمشقة في إخراجه. وإن صالحهم الإِمام على دخول الحرم بعوض فالصلح باطل لأنه صلح يحل حراما، فإذا دخلوا إلى الموضع الذي صالحهم عليه لم يرد إليهم العوض لئلا يجمعوا بين العوض والمعوض، وإن دخلوا إلى بعض الموضع الذي صالحهم عليه أخذ من العوض بقدره ويمنعون من الإقامة بالحجاز، والأصل في ذلك ما روى أبو عبيدة بن الجراح: أن آخر ما تكلم به النبي ﷺ قال: "اخرجوا اليهود من أرض الحجاز، رواه أحمد. وقال عمر: سمعت النبي ﷺ يقول: لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب فلا أترك فيها إلا مسلما. رواه الترمذى وقال حسن صحيح. والمراد الحجاز؛ بدليل أن الخلفاء لم يخرجوا أحدًا من اليمن وتيماء، قال أحمد: جزيرة العرب: المدينة وما والاها، يعنى أن الممنوع من سكنى الكفار: مكة والمدينة وخيبر والينبع وفدك ومخاليفها. وليس لهم دخول الحجاز إلا بإذن الإمام، وفى المستوعب: وقد وردت السنة بمنعهم من جزير العرب. كما تقدم في الخبر. وحد الجزيرة على ما ذكره أبو عبيد القاسم بن سلام: من عدن إلى ريف العراق طولا ومن تهامة إلى ما وراء أطراف الشام عرضا. فإن دخلوا الحجاز لتجارة أو غيرها لم يقيموا في موضع واحد أكثر من ثلاثة أيام لأن عمر أذن لمن دخل تاجرا في إقامة ثلاثة أيام، فدل على المنع في الرائد. وله أن يقيم مثل ذلك أي ثلاثة أيام فأقل - في موضع آخر من أراضى الحجاز، وكذا له أن يقيم ثلاثة أيام في دونها في موضع ثالث وموضوع رابع وهكذا، فإن أقام أكثر منها في موضع واحد من الحجاز عزر إن لم يكن له عذر لها فإن كان في الداخلين من له

стр. 8334

دين حالّ أجبر غريمه على وفائه ليخرج، فإن تعذر جازت الإِقامة لإِستيفائه لأن العذر من غيره (أي من المدين) وفى إخراجهم قبل استيفاء ديونهم ذهاب أموالهم، وسواء كان التعذر لمطل أو تغيب أو غيرهما. وإن كان الدين مؤجلا لم يمكن من الإِقامة حتى يحل، لئلا يتخذ ذلك ذريعة للإقامة. ويو كل من يستوفيه له إذا حلّ. وإن مرض من دخل الحجاز منهم جازت إقامته به حتى يبرأ من مرضه، لأن الإنتقال يشق على المريض، وتجوز الإِقامة أيضا لمن يُمرِّضه لضرورة إقامته، وإن مات دفن للضرورة ولا يمنعون من تيماء فَيد (بفتح الفاء) وهى من بلاد طى ونحوهما من باقى الجزيرة غير الحجاز لما مر من أن أحد الخلفاء لم يخرج واحدًا منهم من ذلك. وليس لهم دخول مساجد الحل ولو بإذن مسلم لأن على بن أبى طالب بصر بمجوسى وهو على المنبر فنزل وضربه وأخرجه، وهو قول عمير، ولأن حدث الجنابة والحيض يمنع من دخول المسجد فالشرك أولى. وقيل يجوز بإذن مسلم، لأنه ﷺ قدم عليه وفد أهل الطائف فأنزلهم في المسجد قبل إسلامهم وأجاب أصحاب القول الأول عن ذلك: بإنه كان بالمسلمين حاجة، وبانهم كانوا يخاطبونه ﷺ ويحملون إليه الرسائل والأجوبة وقد يسمعون منه الدعوة، ولم يكن ﷺ ليخرج لكل من قصده من الكفار (١). مذهب الزيدية: من أُمِّن أمانا صحيحا فهو آمن لا يجوز لأحد من المسلمين حرّم أمانة وليس لواحد من المسلمين أن يعقد لأحد من المشركين أمانا إلا لمدة يسيرة وهى دون السنة وليس له أن يعقده سنة فصاعدا. وفى الأمانة دون السنة وفوق الأربعة أشهر قولان (٢). مذهب الإِمامية: لو دخل المسلم دار الحرب مستأمنا فسرق وجب إعادة ما سرق سواء كان صاحبه في دار الإِسلام أو دار الحرب (٣) ومن أعطيناه ذماما وجب علينا الوفاء له بالذمام ما لم يكن متضمنا ما يخالف الشرع (٤). مذهب الإباضية: إذا دخل مشرك غير معط للجزية أرض الإِسلام بتجر، وكان دخوله بأمان، فإنه يترك ويؤخذ منه ما يؤخذ من تجار المسلمين وهو الزكاة فقط، قيل: وما ينوب في إصلاح الطرق وغيرها بحسب المصالح فإنه يؤخذ من تجار المشركين مثل ما يؤخذ من تجار المسلمين ويجوز للإمام بنظر أهل المشورة من المسلمين أن يأخذ ما ظهر له. ويأخذ المسلمون ذلك إن لم يكن لهم إمام. ولهم أن يأخذوه ولو لم يأخذوا من تجار المسلمين لعدم دوران الحول للزكاة ويؤخذ ذلك من المشركين ولو كان أهل الإسلام لا يدخلون أرض الشرك ولو بسبب بعدها، وإن شاء المسلمون تركوا التاجر المشرك فلا يأخذون منه شيئا (٥).

стр. 8335

مال المستأمن مذهب الحنفية: إذا دخل المسلم دار الحرب بأمان حرم عليه تعرضه لشئ من أموالهم ودمائهم وفروجهم، فلو أخرج إلينا شيئا ملكه ملكا حراما للغدر فيتصدف به وجوبا. ولو اغتصب منهم شيئا ولم يخرجه وجب رده عليهم. إلا إذا وجد امرأته أو أم ولده أو مدبرته مأسورة، جاز له إخراجهن لأنهم لم يملكونهن، بخلاف الأمة ولو وطئهن إهل الحرب تجب العدة للشبهة. وإن أدانه حربى دينا ببيع أو قرض أو أدان هو حربيا أو غصب إحدهما صاحبه وخرجا إلينا لم نقض لأحد بشئ، لأن القضاء يستدعى الولاية ويعتمدها، ولا ولاية وقت الإِدانة أصلا إذ لا قدرة للقاضى فيه على من هو في دار الحرب ولا وقت القضاء على المستأمن لأنه ما التزم حكم الإسلام فيما مضى من أفعال، وإنما التزمه فيما يستقبل في حق أحكام يباشرها في دار الإسلام والغصب في دار الحرب سبب يفيد الملك؛ لأنه استيلاء على مال مباح غير معصوم فصار كالإِدانة فإذا ملكه فليس للحاكم أن يتعرض له بالحكم ولكن يفتى المسلم برد المغصوب ويأمره به، لأنه التزم بالأمان أن لا يغدرهم وهذا غدر وقال أبو يوسف: يقضى بالدين على المسلم دون الغضب لأنه التزم أحكام الإسلام حيث كان ألا ترى أنهما لو خرجا مسلمين يحكم عليهما بالدين، فكذا هذا. وأجيب: بإنه إذا امتنع في حق المستأمن امتنع في حق المسلم أيضا تحقيقا للتسوية بينهما. وكذلك لا يقضى بين اثنين من أهل الحرب إذ دان أحدهما الآخر أو غضب منه ثم استأمنا إلينا. وإذا قتل أحد المسلمين المستأمنين صاحبه عمدا أو خطأ (في دار الحرب)، تجب الدية في ماله ولا تجب على العاقلة لتعذر الصيانة مع تباين الدارين وإنما وجبت الدية في القتل العمد هنا لسقوط القود في دار الحرب، كما تجب الكفارة في القتل الخطأ، لإِطلاق النص، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ … ﴾ بلا تقييد بدار الإِسلام أو الحرب (١). وإذا استأمن إلينا كافر فلا جزية عليه في حول المكث إلا إذا شرط عليه أخذها منه فيه. ولا يحل أخذ ماله بعقد فاسد بخلاف المسلم المستأمن في دار الحرب فإن له أخذ مالهم برضاهم ولو بربا أو قمار لأن مالهم مباح لنا إلا أن الغدر حرام، وما أخذ برضاهم فعند أبى يوسف: هو للمرتهن بدينه، وعند محمد يباع الرهن ويستوفى دينه، والزيادة فئ للمسلمين. ليس غدرًا من المستأمن بخلاف المستأمن منهم في دارنا لأن دارنا محل إجراء الأحكام الشرعية فلا يحل لمسلم في دارنا أن يعقد مع المستأمن إلا ما يحل من العقود مع المسلمين، ولا يجوز أن يؤخذ منه شئ لا يلزمه شرعا وإن جرت به العاده كالذى يؤخذ من زوار بيت المقدس. وإذا استأجر مسلم من حربى مركبا ودفع عليه سوكرة (تأمينا) على أنه مهما هلك من المال الذي في الركب بحرق أو غرق أو نهب أو غيره أخذ من المؤمن (الذي يأخذ السوكرة) قيمته، فإنه - كما يظهر لابن عابدين - لا يحل للتاجر المسلم أن يأخذ بذل

стр. 8336

الهالك من ماله لأن ذلك التزام ما لا يلزم. وليس كذلك إذا أخذ المودع أجرة على وديعة يضمنها إذا هلكت لأن المال ليس في يد صاحب السوكرة (المؤمن) ولكن في يد صاحب المركب (١) (المؤمر غير المسلم) ويضمن المسلم قيمة خمره وخنزيره إذا أتلفه وتجب الدية إذا قتله خطأ. ولو دخل الحربى إلينا وله في دار الحرب وديعة مع معصوم أو غيره فأسلم الحربى عندنا أو صار ذميا ثم ظهرنا علمهم فوديعته التي في دار الحرب فئ لعدم يده وولايته وإن أسلم فجاء إلينا فظهرنا عليهم فطفله حر مسلم ووديعته مع معصوم تكون له؛ لان يده كيده محترمة ووديعته مع غير معصوم فئ ولو كانت عينا غصبها مسلم لعدم النيابة. وللإِمام حق أخذ دية مسلم لا ولى له أصلًا أو ديةً مستأمن أسلم هنا من عاقلة قاتله خطأ لقتله نفسا معصومة. وفى العمد: له القتل قصاصا أو الدية صلحًا، لا العفو نظرًا لحق العامة (٢). ولو رجع المستأمن إليهم ولو لغير داره، فإن ترك وديعة عند معصوم - مسلم أو ذمى - أو دينا عليهما فأسر أو ظُهير عليه فأخذوه سقط دينه سَلَمه وما غصب منه وأجرة عن أجرها، وصار له كود يعنه وما عند شريكه ومضاربه وما في بيته في دارنا فينا. واختلف في الرهن وإن مات المؤمن عندنا فحاله لوارثة إن كان معه وارثة وإن لم يكن معه وارثه أرسل المال لوارثه بأرضهم إن دخل دار الإِسلام على التجهيز (أي لقضاء مصالحة من تجارة أو غيرها) ولم تطل إقامته بدار الإِسلام فإن طالت إقامته في دار الإِسلام فماله في محله بيت مين. وإن مات في بلدة وكان له مال عندنا نحو وديعة فانها ترسل لوارثه (٣) وإن قتل أو مات فقط بلا غلبة عليه فديته ووديعته لورثته لأن نفسه لم تصر مغنومة فكذا ماله، كما لو ظهر عليه فهرب فماله له (٣). ولو مات المستأمن في دارنا وورثته في دار الحرب، وقف ماله لهم. ويأخذ وده ببينة ولو من أهل الذمة. فإن أقاموا بينه من أهل الذمة قلبت استحسانا لأنهم لا يمكنهم إقامتها من المسلمين وإذا أخذوا البينة من أهل الذمة بتكفيل، ولا يقبل كتاب ملكهم (٤). مذهب المالكية: إذا دخل المستأمن دار الإسلام بمال كان قد سرقة من دار الإسلام فعاهد برمن عهده، سواء كان هو أو غيره فإنه ينزع منه ويقطع إن كان هو السارق وإن شرط عند الأمان أنه لا يقطع إن سرق، ولا يوفى له بشرطه، بخلاف ما أغاروا عليه وسلبوه منا من الأموال أو سرقوه في غير زمن عهدهم فلا ينزع منهم أن دخلوا به عندنا بأمان ولا يتعرض لهم فيه، غاية ما فيه يكره لغير مالكه اشراؤه منهم لأنه به تسليطا لهم على أموال المسلمين وشراؤها يفوتها على المالك (٥). وأما لو قدم الحربى دار الإسلام قهرًا فإذا نهبوا أمتعة المسلمين وأرادوا بيعها فلا يجوز الشراء منها وهى باقية على ملك أربابها فلهم أخذها ممن اشتراها بقصد التملك مجانا بخلاف

стр. 8337

من دخل بلادنا بأمان وبيده شئ من أموال المسلمين أخذها منهم وهو بدار الحرب فإنه يملكها (١). ويؤخذ من التجار الحربيين النازلين عندنا بأمان عشر ثمن ما قدموا به للتجارة باعوا أولم يبيعوا، ولا يؤخذ إلا بشرط، فيؤخذ منهم ما وقع الاشتراط عليه (٢). مذهب الشافعية: إذا دخل الحربى دار الإِسلام بأمان فإن ماله وأهله بدار الحرب لا يدخل فيه وكذا ما معه منهما إلا بشرط في الأصع ومقابل الأصح. يدخلان في أمانه بدون شرط، فلا يحتاج لشرط لذلك قال القليوبى: إن لمال الحربى ثمانية أحوال: لأنه إما أن يكون بدارنا أو بدارهم، وفى كل من الحالين: إما إن يكون ماله معه أو لا يكون ماله معه. وفى كل: إما أن يؤمنه الإمام أو نائبه، أو يؤمنه غيره. وحاصل الحكم في هذه الأحوال أنه إن أمنه الإِمام أو نائبه دخل في الأمان وما معه من ماله وأهله وكذا زوجته هنا ولو بلا شرط سواء أمنه بدارنا أو بدارهم. ويدخل ما ليس معه منها إن شرط دخوله، وإلا فلا يدخل. وإن أمنه غير الإمام لم يدخل ما ليس معه مطلقا ويدخل ما معه أن شرط دخوله، وإلا فلا يدخل (٣). وإن استأذن الحربى في دخول دار الإِسلام لأداء رسالة أو عقد ذمة أو هدنة أو حمل ميرة وللمسلمين إليها حاجة، جاز الأذن له من غير عوض لأن في ذلك مصلحة للمسلمين. وإذا انقضت حاجته لم يمكن من المقام وإن أراد الدخول لتجارة ولا حاجة للمسلمين إليها لم يؤذن له إلا بمال يؤخذ من تجارته لأن عمر رضى الله عنه أخذ العشر من أهل الحرب ويستحب أن لا ينقص عن ذلك اقتداء بعمر رضى الله عنه فإن نقص باجتهاد الامام جاز. لأنه أخذ باجتهاده فكان تقديره إليه. وما يؤخذ من الحربى في دخول دار الإِسلام فيه وجهان؛ أحدهما: أنه يؤخذ منه كل في سنة مر كأهل الذمة في الحجاز، والثانى: إنه يؤخذ منه في كل مرة يدخل لأن الحربى يرجع إلى دار الحرب فإذا لم يؤخذ منه فات ما شرط عليه بخلاف الذمى فإنه تحت يد الإِمام فلا يفوت ما شرط عليه بالتأخير وإن شرط أن يؤخذ من تجارته أخذ منه ما شرط سواء باع أولم يبع وإن شرط أن يؤخذ من ثمن تجارته فكسد المتاع ولم يبع لم يؤخذ منه لأنه لم يحصل الثمن. وإن دخل الحربى دار الإِسلام ولم يشرط عليه في دخوله مال لم يؤخذ منه شئ ومن الأصحاب عند الشافعي من قال يؤخذ من تجارة الحربى العشر لأنه قد تقرر هذا في الشرع بفعل عمر رضى الله عنه فحمل مطلق العقد عليه. والمذهب الأول لأنه أمان من غير شرط المال فلم يستحق به مال كالهدنة (٤). مذهب الحنابلة: من دخل من المسلمين دار الكفار بأمان حرمت عليه خيانتهم وحرم عليه معاملتهم بالربا

стр. 8338

فإن خانهم أو سرق منهم أو اقترض منهم شيئا وجب رده إلى أربابه فإن جازوا إلى دار الإسلام إعطاه لهم وإلا بعثه إليهم لأنه مال معصوم بالنسبة إليه (١). ومن جاءنا منهم بأمان فخاننا كان ناقضا لأمانه. وإن أو دع المستأمن ماله مسلما أو ذميا أو أقرضه المستأمن إياه - أي ماله - ثم عاد المستأمن إلى دار الحرب لتجارة أو حاجة على عزم عوده إلينا فهو على أمانه لأنه لم يخرج عن نية الإقامة بدار الإِسلام. وإن دخل إلى دار الحرب مستوطنا أو محاربا انتقض عهده في نفسه وبقى العهد في ماله لأنه لما دخل دار الإِسلام بأمان ثبت الأمان لماله فإذا بطل في نفسه بدخوله إلى دار الحرب بقى في ماله الذي لم يدخل دار الحرب. فإن تصرف المستأمن بعد نقضه عهده ببيع أو هبة أو نحوهما كشركة أو إجارة صح تصرفه لبقاء ملكه عليه وإن مات فلوارثه كسائر أملاكه واختلاف الدارين ليس بمانع من الإِرث بالنسبة له وإن لم يكن له وارث فهو فئ لأنه مال كافر لا يستحق له كما لو مات بدارنا ولا دار له وإن كان الذي لحق بدار الحرب مستوطنا فيها أو محاربا معه ماله انتقض الأمان في المال كما ينتقض في نفسه لوجود المبطل فيهما وإن أخذ مسلم من حربى في دار الحرب مالا مضاربة أو وديعة ودخل به دار الإِسلام فالمال في أمان بمقتضى العقد المذكور وإن أخذ المسلم مال حربى في دار الحرب ببيع في الذمة أو قرض فالثمن في ذمته بمقتضى العقد عليه أداؤه إليه لعموم حديث: "أد الأمانة إلى من ائتمنك" إن اقترض الحربى من حربى ما لا ثم دخل إلينا فأسلم فعليه البدل لاستقراره في ذمته. وإذا سرق المستأمن في دارنا أو قتل أو غصب أو لزمه مال بأى وجه كان ثم عاد إلى دار الحرب ثم خرج مستأمنا مرة ثانية استوفى منه ما لزمه في أمانة الأول لاستقراره عليه وعدم ما يسقطه. وإن اشترى المستأمن عبدا مسلما فخرج به إلى دار الحرب ثم قُدِر على العبد لم يغنم لأنه له يثبت ملكه عليه لكون الشراء باطلا فلا يترتب عليه أثره من انتقال الملك ويُرَد العبد إلى بائعة ويَرُد بائعة الثمن إلى الحربى إن كان باقيا وعد له أن كان تالفا لأنه مقبوض بعقد فاسد (٢) وحكم المستأمن إذا اتجر في بلد الإِسلام كحكم الذمى في أخذ العشر (٣) ولو كان معه جارية فادعى أنفا زوجته أو ابنته صدق (٤). مذهب الزيدية: إذا أمن أهل الحرب مسلما كان أمانهم له أمانا لهم منه، فلا يجوز أن يغنم عليهم شيئا من أموالهم ولا أنفسهم، وعليه أن يرد لهم ما اشتراه من غنائم أخذت منهم: إذا اشتراه ممن غنمه بعد الامان الذي عقد بينه وبينهم ويستحب الوفاء لهم بالمال ما لم يكن سلاحا (٥) وكراعا ولا يجوز أن يمكن المستأمن من أهل الحرب في دار الإِسلام - من شراء آلة الحرب سيف أو قوس أو مغفر أو نحو ذلك إلا بأفضل منه من آلة الحرب لا من غيرها (٦).

стр. 8339

مذهب الشيعة الجعفرية الأمامية: إذا عقد حربى لنفسه الأمان ليسكن في دار الإِسلام دخل ماله تبعا ولو التحق بدار الحرب للإستيطان انتقض أمانه لنفسه دون ماله ولو مات انتقض الأمان في المال أيضا إن لم يكن له وارث مسلم، وصار فيئا، ويختص به الامام، لأنه لم يوصف عليه، وكذا الحكم لو مات في دار الإِسلام. ولو أسره المسلمون فاسترق - ملك ماله تبعا لرقبته، ولو دخل المسلم مستأمنا دار الحرب مسلما فسرق وجب إعادة المسروق سواء كان صاحبه في دار الإِسلام أو دار الحرب (١). ولد المستأمن وزوجه مذهب الحنفية: يصح للمستأمن طلب الأمان لزراريه، (٢) ولو قال أمنونى على أولادى دخل فيه أولاده لصلبه وأولادهم من قبل الذكور دون أولاد البنات لأنهم ليسو بأولاده هكذا ذكر محمد وذكر الخصبان عن محمد أنهم يدخلون لقوله ﵇ حين أخذ الحسن والحسين (أولادنا أكبادنا) ووجه الرواية الأولى أن هذا مجاز بدليل قوله تعالى ما كان محمد أبا أحد من رجالكم أو هو خاص بأولاد فاطمة. ولو قال أمنونى على أولاد أولادى دخل أولاد البنات لأن اسم ولد الولد حقيقة لمن ولده ولده وابنتك ولدك فما ولدته ابنتك يكون ولد ولدك حقيقة بخلاف الأول. لأن ولدك من حيث الحكم من ينسب إليك وذلك أولاد الإِبن دون أولاد البنات. والصبى يتبع أحد أبويه في الإِسلام وإن كان لا يعقل ما لم يبلغ: فلو دخل الصغير الذي يعبر عن نفسه دارنا لزيارة أبوية، فإن كانا ذميين فله الرجوع إلى دار الحرب بخلاف ما إذا كانا مسلممن أو أحدهما، فإنه يصير مسلما تبعا للمسلم منهما (٣). مذهب الشافعية: إذا أمن الإِمام حربيا، أو أمنه نائبه، دخل، ما معه من ماله وأهله وكذا زوجته ولو بلا شرط سواء أمنه بدارنا أو بدارهم. ويدخل ما ليس معه منهما إن شرط دخوله في الأمان وأن لم يشرط دخوله فلا يدخل في الأمان. وإن أمنه غير الإمام لم يدخل ما ليس معه مطلقا، ويدخل ما معه إن شرط دخوله وإلا فلا. ولا تدخل الزوجة هنا ولو شرط دخولها (٤). مذهب الحنابلة: إذا أعطى الأمان للحربى ممن يصح منه إعطاء الأمان سرى الأمان إلى من مع المؤمن من أهل ومال، إلا أن يقول مؤفَئه امنتك وحدك ونحوه مما يقتضى تخصيصه وحده بالأمان فمختص به (٥). ولا ينتقض بنقض عهده عهد نسائه وأولاده الصغار الموجودين، لحقوا بدار الحرب أو لا، لأن النقض وجد منه دونهم

стр. 8340

فاختص حكمه به ولو لم ينكروا عليه النقض. وأما من حملت به أمه وولدته بعد النقض فإنه يسترق ويسبى لعدم ثبوت الأمان له (١). مذهب الزيدية: من أسلم في دارهم ثم هاجر إلينا وترك ماله وولده حصن بإسلامه طفله إذ الطفل تابع لأبيه في الإِسلام لقوله تعالى: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ وقوله ﷺ الولد يولد على الفطره ولم يفصل وأما البالغون فلهم حكم أنفسهم كفرا واسلاما. وإذا أسلم الحربى فى دارنا لم يحصن فى دارهم إلا طفله لا ماله المنقول وغيره لغلبة دار الحرب عليهم فكان فيئا لا أطفاله (٢). انتهاء الأمان المؤقت مذهب الحنفية: ينقض الامام الأمان لو بقاؤه شرًا ويعلمهم بذلك (٣) وذلك تحرزًا من الغدر المحرم، وينتقض عهد الحربى بقوله: نقضت العهد بخلاف الذمى فلا ينتقض قوله بالقول بل بالفعل. ووجه الغرق إن أمان الحربى على شرف الزوال لتمكنه من العودة متى أراد فهو غير لازم بخلاف عهد الذمى فهو لازم لا يصح الرجوع عنه ولذا لا يمكن من العودة إلى دار الحرب (٤). مذهب المالكية: إذا نزل الحربى دار الإِسلام لأمر فأنه ينصرف بانقضائه، فإن هذا أمان خاص لأنه يؤمن لنزوله دار الإِسلام لشراء أو نحوه فإذا فرغ سببه انصرف الأمان وهذا القيد أقمع به المهادنة وغيرها (٥) وإن دخل إلينا على الإِقامة، وكانت عادتهم ذلك أو جهل ما دخل عليه، ولا عادة يعرف منها ما يدخلون عليه أو مدة اقامتهم أو دخل على التجهيز لأمر والإِنصراف بمجرد قضائه وطالت إقامته بالعرف، فإنه لا يمكن في هذه الوجوه من الرجوع إذا أراده (٦) وإن استشعر خيانتهم نبذ أمانهم وانذرهم، وإلا فليزمنا الوفاء بما اشترطوا علينا (٧). مذهب الشافعية: ليس للامام نبذ الأمان إن لم يخف خيانة وليس لغيره ذلك من باب أولى. فإن خافها نبذه، كالهدنة (٨). مذهب الحنابلة: إذا دخل المستأمن إلى دار الحرب مستوطنا أو محاربا أنتقض عهده في نفسه ويقى في ماله لأنه لما دخل دار الإِسلام بأمان ثبت لماله فإذا بطل في نفسه بدخوله إلى دار الحرب بقى الأمان بالنسبة لماله الذي لم يدخل دار الحرب. ولا يعتبر المال تابعا له في الأمان حتى يقال إذا أبطل الأمان في المتبوع فالتابع كذلك لأن الأمان لم يثبت في المال تبعا وإنما ثبت الأمان في النفس والمال معا. فإذا بطل في أحدهما بطل في الآخر. (٩).

стр. 8341

مذهب الزيدية: أن تعدى المستأمن السنة عالما بأنه لا أمان له بعد المدة خير الامام بين قتله واسترقاقه وأن تعداها جاهلا خير الإمام بين أن يزعجه عن دار الإِسلام وبين أن يقرره سنة أخرى فإن تعداها ضرب عليه الجزية (١). الأمان الدائم انظر: أهل الذمة. روجعت هذه الكلمة وصارت صالحة للنشر على هذا الوجه بعد اعتمادها من اللجنة العامة. أمانَة تعريف الأمانة في اللغة: الأمانة ضد الخيانة؛ لأنه يؤمن أذاه، والأَمَنَة جمع أَمِن وهو الحافظ، والأمين: المؤتَمِن ويقال أمنته على كذا وأئتمنته بمعنى، والأمانة تقع على الطاعة، والعبادة: والوديعة، والثقة، والأمان. قال تعالى: "إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا .. وروى عن ابن عباس وسعيد بن جبير أنهما قالا: الأمانة ههنا الفرائض التي افترضها الله تعالى على عباده، والأمين القوى؛ لأنه يُوثَق بقَوته. تعريف الأمانة في الاصطلاح والأمانة في الاصطلاح: هي كل مموّل في حوزة إنسان بمسوّغ شرعى ولم يقم دليل على تضمين صاحبها، وهى علم لما هو غير مضمون فتشمل جميع الصور التي لا ضمان فيها سواء أكانت بعقد كالوديعة والعارية عند بعض الفقهاء والرهن عند بعض الفقهاء أم كانت بغير عقد كاللقطه إذا التقطها الملتقط بقصد ردها لمالكا وكالمال يلقيه الريح في حجر إنسان أو في داره وهذه يطلق عليها الأمانة الشرعية. والحكم في كل واحد كما سيأتي في حجر إنسان كالذى تلقيه ريح في حجرة (٢) وهذه هي التي يطلق عليها الفقهاء الأمانة الشرعية والفرق بينها وبين الوديعة: أن الوديعة استحفاظ مع القصد، والأمانة أعم من ذلك. ٢ - حكم الأمانة مذهب الحنفية: (٣) الوديعة أمانة في يد المودع إذا هلكتا لم يضمنها؛ لقوله ﵇: "ليس على المستعير غير المغل ضمان، ولا على المستودع غير المغل ضمان". ولأن بالناس حاجة إلى الاستيداع فلو ضمناه يمتنع الناس عن قبول الودائع فتتعطل مصالحهم، وللمودع أن

стр. 8342

يحفظها بنفسه، وبمن في عياله؛ لأن الظاهر أنه يلتزم حفظ مال غيره على الوجه الذي يحفظ مال نفسه، ولأنه لا يجد بدا من الدفع إلى عياله لأنه لا يمكنه ملازمة بيته ولا استصحاب الوديعة في خروجه فكان المالك راضيا به، فإن حفظها بغيرهم أو أودعها غيرهم ضمن لأن المالك رضى بيده لا بيد غيره، والأيدى تختلف في الأمانة، ولأن الشئ لا يتضمن مثله كالوكيل لا يوكل غيره، والوضع في حرز غيره إبداع إلا إذا استأجر الحرز فيكون حافظا بحرز نفسه، إلا أن يقع في داره حريق فيسلمها إلى جاره أو يكون في سفينة فخاف الغرق فيلقيها إلى سفينة أخرى لأنه تعين طريقا للحفظ في هذه الحالة فيرتضيه المالك ولا يصدق على ذلك إلا ببينه، لأنه يدعى ضرورة مسقطه للضمان بعد تحقق السبب فصار كما إذا ادعى الأذن في الإبداع، فإن طلبها صاحبها فمنعها وهو يقدر على تسليمها ضمنها، لأنه متعد بالمنع وهذا لأنه لما طالبه لم يكن راضيا بإمساكه بعده فيضمنه بحبسه عنه، وإن خلطها المودع بما له حتى لا تتميز ضمنها ولا سبيل للمودع عليها عند أبى حنيفة ﵀. مثالا إذا خلطها بجنسها شركه أن شاء وإن اختلطت بماله من غير فعله فهو شريك لصاحبها اتفاقا (١) والإِيداع عقد جائز؛ لأنه تصرف من المالك في ملكه، وقد يحتاج إليه عند إرادة السفر، والمودع ينب له القبول شرعا لما فيه من الإِعانة على البر قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ وقال ﷺ : "إن الله تعالى في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه" وبالقبول عليه أداء ما التزم وهو الحفظ حتى يؤديها إلى صاحبها؛ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾. قال ﷺ : "أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك" وقال: "علامة المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان" فعلى الموحد أن يحترز عما هو من علامة المنافق، وذلك بأن يحفظ الوديعة على الوجه الذي يحفظ به مال نفسه فيضعها في بيته أو صندوقه، لأنه وعد لصاحبها ذلك وخلف الوعد مذموم، وإذا ترك الحفظ بعد غيبة صاحبها ففيه ترك الوفاء بما التزم والغرور في حق صاحبها، وذلك حرام. فإن وضعها في بيته أو صندوقه فهلكت لم يضمنه لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبى ﷺ قال: "من أودع وديعة فهلكت فلا ضمان عليه"، والعارية أيضا تعتبر أمانه فلا ضمان إذ اهلكت قال عمر رضى الله تعالى عنه: العارية كالوديعة لا يضمنها صاحبها إلا بالتعدى. وقال على رضى الله تعالى عنه: لا ضمان على راع ولا على مؤتمن والمعنى أن المودع متبرع في حفظها لمالكها والتبرع لا يوجب ضمانا على المتبرع للمتبرع عليه فكان هلاكها في يده كهلاكها في يد مالكها وهو معنى قول الفقهاء رحمهم الله تعالى: يد المودع كيد المودع ويستوى إن هلك بما يمكن التحرز عنه أو بما لا يمكن لأن الهلاك بما يمكن التحرز عنه بمعنى العيب في الحفظ ولكن صفة السلامة عن العيب إنما يقر مستحقا في المعاوضة دون التبرع، والمودع متبرع. فإن دفعها إلى بعض من في عياله من زوجته أو ولده أو والديه أو أجيره فلا ضمان عليه إذا هلكت.

стр. 8343

والمستودع أمين فإذا طلب المودع الوديعة فقال المستودع قد رددتها عليك فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه أمين، والقول قول الأمين مع اليمين لإنكاره السبب الموجب للضمان وإخباره بما هو مسلط عليه وهو رد الوديعة على صاحبها والمودع هو الذي سلطه على ذلك فيجعل قوله كقول المسلّط إلا أنه يستحلف لنفى التهمة عنه وكذلك لو سرقت أو ضاعت أو ذهبت وقال: لا أدرى كيف ذهبت لأنه أمين أخبر بما هو محتمل، ولأنه ينكر وجوب الضمان عليه، والمالك يدعى عليه سبب الضمان وهو المنع فلا يصدق إلا بحجة وكذلك العارية في جميع ذلك، لأنها أمانة كالوديعة (١). ولو وكل رجل رجلا بقبض أمانة له في يد رجل فقال ذو اليد: قد دفعتها إلى الموكل، فالقول قوله مع يمينه لأن مطالبة الوكيل إياه بالرد كمطالبة الموكل ودعوى الأمين الرد على الموكل أو على الوكيل مقبولة، لأنه سلط على ذلك، ولأنه مجبر بأداء الأمانة إلا أنه يقبل قوله في إبرائه عن الضمان إلا في إيجاب الضمان عن الغير حتى إذا ادعى الرد على الوكيل وحلف لم يضمن شيئا، وكذلك لا يضمن إذا جحد وحلف وإن وكل رجلين بقبض عبد له وديعة فقبضه أحدهما بغير أمر الآخر لم يجز وهو ضامن لأنه رضى برأيهما وأمانتهما فلا يكون راضيا بأمانة أحدهما، ولو قبضه ثم أودعه أحدهما من الآخر جاز لأنهما امتثلا أمره في القبض ثم لا يقدران على الاجتماع على حفظه آناء الليل والنهار وهو لا يحتمل التبعيض ليحفظ كل واحد منهما نصفه ولما استحفظهما على علمه بذلك فقد صار راضيا بترك أحدهما عند صاحبه ولكن إنما يعتبر هذا فيما يطول وهو استدامة الحفظ، فأما في ابتداء القبض فيتحقق اجتماعهما عليه من غير ضرر فلهذا لا ينفرد به أحدهما (٢). والمقبوض بحكم الرهن يكون أمانة فيما زاد على الدين. وما في يد الأجير الخاص يعتبر أمانة فلا يضمن ما هلك في يده بغير صفة أو بعمله المأذون فيه راجع باب ضمان الأجير الدر المختار وحاشيته ابن عابدين. مذهب المالكية: (٣) الوديعة أمانة والأمين لا ضمان عليه ما لم يفرط، وتُضمن بسقوط شئ من يد المودَع عليها فتتلف ولو خطأ لأنه كالعمد في الأموال لا يضمن إن انكسرت الوديعة من المودع بلا تفريط في نقل مثلها المحتاج إليه من مكان إلى آخر ونقل مثلها هو الذي يرى الناس فيه أنه غير متعد به فإن لم يحتج له أو احتاج ولكن نقلها نقل غير مثلها ضمن، وضمن بخلطها بغيرها وإن لم يحصل فيها تلف إذا تعذر التمييز أو تعسر إلا كقمع خلط بمثله جنسا وصفة فلا يضمن فإن خلط سمراء بغيرها ضمن ولو خلط دراهم بدنانير لا يضمن لتيسر التمييز وأولى إذا خلط دراهم بمثلها أو دنانير بمثلها وعدم الضمان في هذه الصور إذا كان القصد من الخلط الأحراز والحفظ وإن لم يكن الخلط لذلك ضمن لأنه يمكن إذا بقى كل على حدته أن يضيع أحدهما دون الآخر، ثم إن تلف بعضه بعد الخلط للإحراز فهو على حسب الأنصباء فإذا تلف واحد من

стр. 8344

ثلاثة لأحدهما واحد ولصاحبه اثنان فعلى صاحب الواحد ثلثه وعلى صاحب الاثنين ثلثاه إلا أن يتميز التالف كما في الدنانير والدراهم فالتالف من ربه خاصة وتضمن الوديعة بانتفاع المودع بها بلا إذن ربها فتلفت أو تعيبت كركوبه الدابة فعطبت ولو بسماوى إن كانت تعطب بمثله بأن كانت المسافة شأن الدواب أن تعطب بمثلها وإلا فلا ضمان في السماوى وكذا لبسه الثوب فضاع أو أبلاه وكذا لو سافر بالوديعة بغير أذن ربها إن قدر على إيداعها عند أمين وإلا فلا ضمان أن خاف عليها أن تركت بعد الانتفاع بها أو السفر بها سالمة لموضع إيداعها ثم تلفت بعد بلا تفريط فلا ضمان (١). والوكيل أمين (٢) فإذا وكل الوكيل غير المفوض على قبض حق فقال: قبضته وتلف منى فإنه يبرأ لموكله من ذلك لأنه أمين، وأما الغريم الذي عليه الدين فإنه لا يبرأ من الدين إلا إذا أقام بينه تشهد له أنه دفع الدين إلى الوكيل المذكور، ولا تنفعه شهادة الوكيل لأنها شهادة على فعل نفسه وإذا غرم الغريم فإنه يرجع بذلك على الوكيل إلا أن يتحقق تلفه من غير تفريط منه، وأما الوكيل المفوض إليه ومثله الوصى إذا أقر كل منهما بأنه قبض الحق لموكله أو ليتيمه ثم قال بعد ذلك: تلف منى أو رددته فإنه يبرأ من ذلك وكذلك الغريم يبرأ من الدين ولا يحتاج إلى إقامة بينة لأن المفوض جعل له الإقرار والوصى مثله، وللغريم تحليف الموكل على عدم العلم بدفعه إلى الوكيل وعدم وصول المال إليه (٣). والأجير تحت يد الصانع أمين لا يضمن ما تلف منه، وظاهره سواء غاب عليه أم لا وعن أشهب في الغسال تكثر عنده الثياب فيؤاجر آخر يبعثه البحر بشئ منها يغسله فيدعى تلفه أنه ضامن، وقال ابن ميسر: هذا إذا أجره على عمل أثواب مقاطعة كل ثوب بكذا وإما إن كان أجره يوما أو شهرا أو سنة فدفع إليه شيئا يعمله في داره أو غاب عليه فلا ضمان عليه (٤). مذهب الشافعية: (٥) يستحب لمن قدر على حفظ الوديعة وأداء الأمانة فيها أن يقبلها لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ ولما روى أبو هريرة رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال: من يصلح لذلك، غيره وخاف إن لم يقبل أن تهلك تعين عليه قبولها لأن حرمة المال كحرمة النفس والدليل عليه ما روى ابن مسعود أن النبى ﷺ قال: "حرمة مال المؤمن كحرمة دمه" ولو خاف على دمه لوجب عليه حفظه فكذلك إذا خاف على ماله، وإن كان عاجزا عن حفظها أو لا يأمن أن يخون فيها لم يجز له قبولها لأنه يغرر بها ويعرضها للهلاك فلم يجز له أخذها. (٦) ولا يصح الإِيداع إلا من جائز التصرف في المال فإن أودعه صبى أو سفيه لم يقبل لأنه تصرف في المال فلم يصح من الصبى والسفيه كالبيع فإن أخذها المودع منه ضمنها لأنه أخذ مال من غير إذن من له الاذن فضمنه كما لو غصبه

стр. 8345

الناظر في ماله كما نقول فيما غصبه من مال غيره وإن خاف المودع أنه أن لم يأخذه من الصبى استهلكه فأخذه ففيه وجهان بناء على القولين في المحرم إذا خلص طائرا من جارحة وأمسكه ليحفظه: أحدهما لا يضمن لأنه قصد حفظه، والثانى: يضمن لأنه وضع يده عليه من غير ائتمان. ولا يصح إلا عند جائز التصرف فإن أودع صبيا أو سفيها لم يصح الإِيداع لأن القصد من الإِيداع الحفظ والصبى والسفيه ليسا من أهل الحفظ، فإن أودع واحدا منهما فتلف عنده لم يضمن لأنه لم يلزمه حفظه فلا يضمنه كما لو تركه عند بالغ من غير إيداع فتلف، وإن أودعه فأتلفه ففيه وجهان، أحدهما: يضمن لأنه لم يسلطه على إتلافه فضمنه بالاتلاف كما لو أدخله داره فأتلفه، والثانى: لا يضمن لأنه مكنه من إتلافه فلم يضمنه كما لو باع منه شيئا وسلمه إليه فأتلفه. (١) والوديعة أمانة في يد المودع فإن تلفت من غير تفريط لم تضمن لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "من أودع وديعة فلا ضمان عليه" وروى ذلك عن أبى بكر وعمرو على وابن مسعود وجابر رضى الله عنهم وعليه إجماع فقهاء الأنصار ولأنه يحفظها للمالك فكانت يده كيده ولأن حفظ الوديعة معروف وإحسان فلو ضمنت من غير عدوان زهد الناس في قبولها فيؤدى إلى قطع المعروف فإن أودعه وشرط عليه الضمان لم يصر مضمونا لأنه أمانة فلا يصير مضمونا بالشرط كالمضمون بالعقد لا يصير أمانة بالشرط، وإن ولدت الوديعة، ولدا كان الولد أمانة لأنه لم يوجد فيه سبب يوجب الضمان لا بنفسه ولا بأمه وهل يجوز له إمساكه؟ فيه وجهان، أحدهما: لا يجوز بل يجب أن يعلم صاحبه كما لو ألقت الريح ثوبا في داره والثانى: يجوز لأن إيداع الأم إيداع لما يحدث منها. والوكيل أمين (٢) فيما في يده من مال الموكل فإن تلف في يده من غير تفريط لم يضمن لأنه نائب عن الموكل في اليد والتصرف فكان الهلاك في يده كالهلاك في يد الموكل فلم يضمن، وإن وكله في بيع سلعة وقبض ثمنها فباعها وقبض ثمنها وتلف الثمن واستحق المبيع رجع المشترى بالثمن على الموكل لأن البيع له فكان الرجوع بالعهدة عليه كما لو باع نفسه. (٣) وإذا رهن الرجل رهنا فقبضه لمرتهن أو قبضه عدل رضيا به فهلك الرهن في يده. أو في يد العدل فالرهن أمانة والدين كما هو لا ينقص منه شئ. واختلف في رد المستأجر بعد انقضاء الإِجارة: فمنهم من قال لا يلزمه قبل المطالبة لأنه أمانة فلا يلزمه ردها قبل الطلب كالوديعة، ومنهم من قال يلزمه لأنه بعد انقضاء الإِجارة غير مأذون له في إمساكها فلزمه الرد كالعارية المؤقتة بعد انقضاء وقتها فإن قلنا لا يلزمه الرد لم يلزمه مؤنة الرد كالوديعة وإن قلنا يلزمه لزمه مؤنه الرد كالعارية (٤). مذهب الحنابلة: (٥) والوديعة أمانة فإذا تلفت بغير تفريط من

стр. 8346

المودع فليس عليه ضمان سواء، ذهب معها شئ من مال المودع أو لم يذهب هذا قول أكثر أهل العلم وعن أحمد رواية أخرى إن ذهبت الوديعة من بين ماله غرمها لما روى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه ضمن أنس بن مالك وديعة ذهبت من بين ماله، قال القاضي أبو يعلى: والأولى أصح لأن الله تعالى سماها أمانة والضمان ينافى الأمانة ويروى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبى ﷺ قال: "ليس على المستودع ضمان" ويروى عن الصحابة ولأن المستودع مؤتمن فلا يضمن ما تلف من غير تعديه وتفريطه كالذى ذهب مع ماله ولأن المستودع إنما يحفظها لصاحبها متبرعا من غير نفع يرجع عليه فلو لزمه الضمان لامتنع الناس من قبول الودائع وذلك مضر وما روى عن عمر محمول على التفريط من ليس في حفظها فلا ينافى ما ذكر فأما إن تعدى المستودع فيها أو فرط في حفظها فتلقت ضمن بغير خلاف لأنه متلف لمال غيره فضمنه كما لو أتلفه من غير استيداع (١). (٢) والمودع أمين والقول قوله فيما يدعيه من تلف الوديعة بغير خلاف قال ابن المنذر أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن المودع إذا أحرز الوديعة ثم ذكر أنها ضاعت أن القول قوله وقال أكثرهم مع يمينه وأن ادعى ردها على صاحبها فالقول قوله مع يمينه أيضا. (٣) وإذا قبض الوكيل ثمن المبيع فهو أمانة في يده لا يلزمه تسليمه قبل طلبه ولا يضمنه بتأخيره لأنه رضى بكونه في يده ولم يرجع عن ذلك فإن طلبه فأخر رده مع إمكانه فتلف ضمنه وأن وعد برده ثم ادعى أننى كنت رددته قبل طلبه أو أنه كان تلف لم يقبل قوله لأنه مكذب لنفسه بوعده برده فإن صدقه الموكل برئ وأن كذبه فالقول قول الموكل فإن أقام الوكيل بينه بذلك فهل يقبل؟ على وجهين أحدهما يقبل لأنه لو صدقه الموكل برئ فكذلك إذا قامت له بينه ولأن البينه إحدى الحجتين فبرئ بها كالإقرار أو الثاني: لا يقبل لأنه كذبه بوعده بالدفع أما إذا صدقه فقد أقر ببراءته فلم يبق له منازع وأن لم يعده برده لكن منعه أو مطله برده مع إمكانه ثم ادعى التلف أو الرد لم يقبل قوله لأنه ضامن بالمنع خارج عن حال الأمانة وأن أقام بما ادعاه من الرد أو التلف بينه سمعت لأنه لم يكذبها. (٤) وإذا باع العدل الرهن بإذنهما وقبض الثمن فتلف في يده من غير تعد فلا ضمان عليه لأنه أمين فهو كالوكيل ويكون من ضمان الراهن وإن ادعى التلف فالقول قوله مع يمينه لأنه أمين ويتعذر عليه إقامة البينة على ذلك وإن كلفناه البينة شق عليه وربما أدى إلى أن لا يدخل الناس في الأمانات فإن خالفاه في قبض الثمن فقالا ما قبضه من المشترى وادعى ذلك ففيه وجهان: أحدهما: القول قوله لأنه أمين والآخر لا يقبل لأن هذا براء للمشترى من الثمن فإن يقبل قوله فيه كما لو أبرأه من غير الثمن فإن علم المشترى بعد تلف الثمن في يد العدل رجع على الراهن ولا شئ على العدل (٥). وإن تلفت السلعة في مدة الخيار فلا يخلو إما أن تكون قبل القبض أو بعده فإن كان قبل القبض وكان مكيلا أو موزونا انفسخ البيع. وكان من مال البائع إلا أن يتلفه المشترى فيكون من

стр. 8347

ضمانه ويبطل خياره، وفى خيار البائع روايتان، وإن كان المبيع غير المكيل والموزون ولم يمنع البائع المشترى من قبضه فظاهر المذهب: أنه من ضمان المشترى ويكون كتلفه بعد القبض، وأما إن تلف المبيع بعد القبض في مدة الخيار فهو من ضمان المشترى ويبطل خياره وفى خيار البائع روايتان: أحدهما يبطل والثانية لا يبطل (١). مذهب الزيدية: (٢) والوديعة أمانة فلا تضمن إلا بتعد من الوديع كأن يتصرف فيها لنفسه باستعمال نحو أن يلبس الثوب أو يركب الدابة ونحو إعارة أو تأجير أو رهن فإنه يصير ضامنا بذلك لأجل التعدى ومن التعدى وقوع تحفظ لها فيما لا يحفظ مثلها في مثله فلو وضع الوديعة في موضع ليس مثله حرزا لمثلها فإنه يضمنها بذلك. ولكل مال حرز يليق به فللدراهم والجواهر ونحوهما المنزل والصندوق ونحو ذلك وللأخشاب ما داخل باب الدار فلو وضع الدراهم وكان الأخشاب ضمن وهذا إذا لم يعيد المالك لإِحرازها موضعا وأما إذا عين فإن عين غير حرز نحو أن يقول ضعها في الطريق فلا يضمن عند المؤيد بالله وكأنه وكله بإباحته كما لو سيب العارية بإذن مالكها وأن عين لها حرزا فإن امتثل فلا ضمان وإن خالف ففى الواقى أنه إن كان من دار إلى دار ضمن ولو هي حرز وإن كان من بيت إلى بيت لم يضمن مطلقا وأشار في مجمع البحرين أنه لا يضمن إن كان مساويا وإن نقل إلى ما هو دون كان ضامنا من غير فرق بين الدارين والبيتين وأن نقله إلى أعلى وقد نهاه عنه فلا يضمن وهو الظاهر من قول المؤيد بالله وهو الذي يقتضيه عموم كلام الأزهار. والثانى: يضمن وهو الذي اختاره في الانتصار وإذا وضع الوديعة مع من لا يستحفظ مثلها معه ضمنها فلو وضعها من يثق به من أهله وولده وسائر من يثق به في أمواله ليحفظها في منزله الذي يسكنه فتلفت لم يضمنها وإن دفعها إلى هؤلاء ليحفظوها في غير منزله الذي يسكنه ضمنها وهذا قول زيد بن على إلا أن يكون من دفعها إليه ممن تلزمه نفقته. (٣) والرهن مع المرتهن كالوديعة في أنه لا يجوز له الانتفاع به إلا بإذن الراهن ولا تأجيره ولا رهنه ولا شئ من التصرفات إلا أنه يخالف الوديعة في أمرين: أحدهما: جواز الحبس ولو كره المالك والثانى أن المرهون في العقد الصحيح ولو كان المرهون مستأجر أو مستعار للرهن ولم يخالف المالك فيما عين فهو هنا مضمون كله ضمان الرهن عند تلفه بأوفر قيمة من القبض إلى التلف وضمان الجناية أن تلف بالتعدى وأما في الرهن الفاسد لأجل شياع أو نحوه فليس بمضمون وقال الناصر أن الرهن أمانة في يد المرتهن وأما إذا خالف المستأجر أو المستعير المالك فيما إذن لهما أن يرهنا فيه أما في القدر أو في الشخص أو في المكان أو في الزمان أو في تنجيم أو في سلعة أو مع واحدا واثنين أومعجل أو مؤجل فسد الرهن وصارا ضامنين ضمان الغصب لا ضمان الرهن فإن أطلق ولم يقيد انصرف إلى المعتاد إذا

стр. 8348

كان في قيمته زيادة على الدين ضمنها المرتهن وقال القاسم أن المرتهن لا يضمن زيادة الرهن وهو ضار من له ضمان الرهن أن تلف وضمان الجناية أن اتلف. مذهب الظاهرية: (١) وعلى من أُودعت عنده وديعة حفظُها وردها إلى صاحبها إذا طلبها منه لقوله تعالى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ ولقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ ومن البر حفظ مال المسلم أو الذمى وقد صح نهى رسول الله ﷺ عن إضاعة المال وهذا عموم لمال المرء ومال غيره فإن تلفت من غير تعد منه ولا تضييع لها فلا ضمان عليه فيها لأنه إذا حفظها ولم يتعد ولا ضيع فقد أحسن والله تعالى يقول ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ ولقول رسول الله ﷺ "أن دماءكم وأموالكم عليكم حرام" فمال هذا المودع حرام على غيره ما لم يوجب أخذه منه نص وقد صح عن عمر بن الخطاب تضمين الوديعة رُوى عنه وعن غيره أن لا تضمن فإن تعدى المودع في الوديعة أو أضاعها فتلفت لزمه ضمانها ولو تعد على بعضها دون بعض لزمه ضمان ذلك البعض الذي تعدى فيه فقط لأنه في الإِضاعة أيضا متعد لما أمر به والقول في هلاك الوديعة أو في ردها إلى صاحبها أو في دفعها إلى من أمره صاحبها بدفعها إليه قول الذي أودعت عنده مع يمينه سواء دفعت إليه ببينه أو بغير بينه لأن ماله محرم فهو مدعى علمه وجوب غرامة قد حكم رسول الله ﷺ بأن اليمين على من ادعى عليه. مذهب الإِمامية: (٢) عقد الوديعة: استنابة في الحفظ ويفتقر إلى إيجاب وقبول ويقع بكل عبارة دلت على معناه ويكفى الفعل الدال على القبول فلو طرح الوديعة عنده لم يلزمه حفظها إذا لم يقبلها، وكذا لو أكره على قبضها لم تصر وديعة ولا يضمنها لو أهمل. وإذا استودع وجب عليه الحفظ ولا يلزمه ضمانها لو تلقت من غير تفريط وأخذت منه قهرا، نعم لو تمكن من الدفع وجب، ولو لم يفعل ضمن ولا يجب تحمل الضرر الكثير بالدفع كالجرح وأخذ المال ولو أنكرها فطولب باليمين ظلما جاز الحلف موريا بما يخرج به عن الكذب وهى عقد جائز من طرفيه يبطل بموت واحد منهما وبجنونه وتكون الوديعة به أمانه وتحفظ الوديعة بما جرت العادة بحفظها كالثوب والكتب في الصندوق والدابة في الاصطبل والشاة في المراح أو ما يجرى مجرى ذلك، ويلزمه سقى الدابة وعلفها أمره بذلك أو لم يأمره، ويجوز أن يسقيها بنفسه وبغلامه اتباعا للعادة ولا يجوز إخراجها من منزله لذلك إلا مع الضرورة كعدم التمكن من سقيها أو علفها في منزله أو شبه ذلك من الاعذار ولو قال المالك لا تعلفا ولا تسقها لم يجب القبول بل يجب عليه سقيها وعلفها نعم لو أخل بذلك والحال هذه اثم ولم يضمن لأن المالك اسقط الضمان بنهيه كما أمره بالقاء ما له في البحر - ولو عين له موضع الاحتفاظ اقتصر عليه ولو نقلها ضمن إلا إلى حرز أو مثله على قول ولا يجوز نقلها إلى ما دونه ولو كان حرزا إلا مع الخوف من ابقائها فيه لو قال لا تنقلها من هذا الحرز ضمن بالنقل

стр. 8349

كيف كان إلا أن يخاف تلفها فيه ولو قال وإن تلفت. ولا تصح وديعه الطفل والمجنون ويضمن القابض ولا يبرأ بردها إليهما وكذا لا يصح أن يستودعا ولو اودعا لم يضمنا بالإهمال لأن المودع لهما متلفا ماله. وتجب إعادة الوديعه على المودع مع المطالبة ولو كان كافرا إلا أن يكون المودع غاصبا لها فيمنع منها ولو مات فطلبها وارثة وجب الإنكار ويجب إعادتها على المغصوب منه أن عرف وأن جهل عرفت سنه ثم جاز التصدق بها عن المالك ويضمن المتصدق أن كره صاحبها ولو كان الغاصب مزجها بما له ثم اودع الجميع فإن أمكن المستودع توزيع المالين رد عليه ما له ومنع الآخر وأن لم يمكن تمييزهما وجب إعادتهما على الغاصب. وموجبات الضمان: التفريط والتعدى، أما التفريط فكأن يطرحها فيما ليس يحرز أو يترك سقى الدابة أو علفها أو نشر الثوب الذي يفتقر إلى النشر أو يودعها من غير ضرورة ولا إذن أو يسافر بها كذلك مع خوف الطريق ومع أمنه وطرح الأقمشة في المواضيع التي تعفنها وكذا لو ترك سقى الدابه أو علفها مدة لا تصبر عليها في العادة فماتت به. وأما التعدى: فمثل أن يلبس الثوب أو يركب الدابة أو يخرجها من حرزها لينتفع بها نعم لو نوى الانتفاع لم يضمن بمجرد النيه، ولو طلبت منه فامتنع من الرد مع القدرة ضمن وكذا لو جحدها ثم قامت عليه بينه أو اعترف بها ويضمن لو خلطها بماله بحيث لا يتميز وكذا لو أودعه مالا في كيس مختوم ففتع ختمه وكذا لو أودعه كيسين فمزجهما ولو جعلها المالك في حرز مقفل ثم أودعها ففتحه المودع أخذ بعضها ضمن ما أخذ ولو أعاد بدله لم يبرأ. ويجب على الوكيل تسليم ما فى يده إلى الموكل مع المطالبة وعدم العذر فإن امتنع من غير عذر ضمن وإن كان هناك عذر لم يضمن ولو زال العذر فأخر التسليم ضمن ولو ادعى بعد ذلك إن تلف المال قبل الامتناع أو ادعى الرد قبل المطالبة قيل: لا يقبل دعواه ولو أقام ببينه والوجه أنها تقبل. (٢) والرهن أمانة في يد المرتهن لا يضمنه لو تلف ولا تسقط به شئ من حقه ما لم يتلف بتفريطه، ولو تصرف فيه بركوب أو سكن أو إجاره ضمن ولزمته الأجرة ولو كان للرهن مؤنة كالدابة أنفق عليها وتقاصا، وقيل: إذا أنفق عليها كان له ركوبها أو يرجع على الراهن بما أنفى ويجوز للمرتهن أن يتستوفى دينه مما في يده إن خاف جحود الوارث مع اعترافه وأما لو اعترف بالرهن وادعى دينا لم يحكم له وكلف البينة وله احلاف الوارث وإن ادعى علمه وإذا وضعا الرهن على يد عدل فللعدل. رده عليهما أو تسليمه إلى من يرتضيانه ولا يجوز له تسليمه مع وجودهما إلى الحاكم ولا إلى أمين غيرهما من غير اذنهما ولو سلمه ضمن ولو كانا غائبين وأراد تسليمه إلى الحاكم أو عدل آخر من غير ضرورة لم يجز. ويضمن لو سلم. وكذا لو كان أحدهما غائبا. وإن كان هناك عذر سلمه إلى الحاكم ولو دفعه إلى غيره من غير إذن الحاكم ضمن. (٣)

стр. 8350

٣ - يد الأمانة ويد الضمان يد الأمانة هي التي وضعت على المال بمسوغ شرعى ولم يقم دليل على تضمينها عند الهلاك ويد الضمان ما عدا ذلك. مذهب الحنفية: (١) يد المتفاوضين وشريكى العنان يد أمانة لأنه قبض المال بإذن المالك لا على وجه البدل والوثيقة فصار كالوديعة، وكذلك شركة الصنائع كالخياطين والصباغين يشتركان على أن يتقبلا الأعمال ويكون الكسب بينهما فيد الشريكين فيها يد أمانة بالنسبة للكسب. (٢) ومن باع لرجل ثوبا وضمن له الثمن أو مضارب ضمن ثمن متاع رب المال فالضمان باطل لأن الكفاله التزام المطالبة وهى إليهما فيصير كل واحد منهما ضامنا لنفسه ولأن المال أمانة في أيديهما والأمانة لا تضمن لأن ضمانها تغيير لحكم الشرع فيرد عليه كاشتراط الضمان على المودع والمستعير. (٣) المدفوع إلى المضارب أمانة في يده لأنه قبضه بأمر مالكه لا على وجه البدل والوثيقة وهو وكيل فيه لأنه يتصرف فيه بأمر مالكه وإذا ربح فهو شريك فيه لتملكه جزءا من المال بعمله فإذا فسدت ظهرت الاجاره حتى استوجب العامل أجر مثله وإذا خالف كان غاصبا لوجود المعدى منه على مال غيره والمضاربة عقد على الشركة في الربح بمال من أحد الجانبين والعمل من الجانب الآخر ولا مضاربه بدونها إلا ترى أن الربح لو شرط كله لرب المال كان بضاعة ولو شرط جميعه للمضارب كان فرضا. مذهب المالكية: (٤) الشريك أمين في مال الشركة فإن كان بيد أحدهما شيء من مال الشركة فقال تلف ما بيدى كلا أو بعضا أو خسرت فيه فإنه يصدق بيمنه إن اتهم ولو كان غير متهم في نفس الأمر ما لم تقم عليه تهمة كدعوى التلف وهو في رفقه لا يخفى ذلك عنها فيسأل أهل الرفقة فلم يعلم ذلك أحد منهم أو يدعى الخسارة في سلعة لم يعلم ذلك فيها لشهرة سعرها ونحو ذلك وكذلك يقبل قول أحد الشريكين إذا اشترى شيئا يناسبه من المأكل والمشرب والملبس أنه اشتراه لنفسه وأما إذا اشترى عروضا أو عقارا حيوانا وقال اشتريته لنفسى فإنه لا يصدق في ذلك ولشريكه الدخول فيه معه وإذا مات أحد الشريكين فأرادت الورثة المفاصلة من شريكة، وقال لمورثنا الثلثان وقال الشريك بل المال بينى وبين مورثهم على التنصيف فالقول في ذلك قول مدعى النصف، وإذا ادعى أحدهما أن المال بيننا على التنصيف وادعى الآخر أنه على التفاوت ركانا حيين فإن القول قول مدعى النصف ويحملان عليه عند التنازع أي بعد ايمانهما. (٥) وإذا وقع أن الضامن تسلم الدين من المدين ليدفعه إلى ربه فضاع منه أو تلف فإنه بضمنه إن تسلمه على وجه الاقتضاد ولو بغير تفريط منه لا إن تسلمه على وجه الرسالة بأن دفعه له المضمون ابتداء ولم يشترط براءته منه فتلف وضاع بغير تفريط فإنه لا ضمان عليه.

стр. 8351

مذهب الشافعية: (١) والشريك أمين فيما يده من مال شريكه فإن هلك المال في يده من غير تفريط لم يضمن لأنه نائب عنه في الحفظ والتصرف فكان الهالك في يده كالهالك في يده فإن ادعى الهلاك فإن كان بسبب ظاهر لم يقبل حتى يقيم البينه عليه فإذا أقام البينه على السبب فالقول قوله في الهلاك مع يمينه وأن كان بسبب غير ظاهر فالقول قوله مع يمينه من غير بينه لأنه يتعذر اقامه البينه على الهلاك فكان القول قوله مع يمينه وأن ادعى علمه الشريك خيانة وأنكر فالقول قوله لأن الأصل عدم الخيانة وأن كان في يده عين وادعى شريكه أن ذلك من مال الشركة وادعى هوانه له فالقول قوله مع يمينه لأن الظاهر مما في يده أنه ملكه فإن اشترى شيئا فيه ربح فادعى الشريك أنه اشتراه للشركة وادعى هوانه اشتراه لنفسه أو اشترى شيئا فيه خسارة وادعى الشريك أنه اشتراه لنفسه وادعى هوانه اشتراه للشركة فالقول قوله لأنه اعرف بعقده ونيته ويصح (٢) ضمان كل دين لازم كالثمن والأجره وعوض الفرض ودين المسلم وأرش الجناية وغرامه المتلف لأنه وثيقة يستوفى منها الحق فصح في كل دين لازم كالرهن وأما مالا يلزم بحال وهو دين الكتابة فلا يصح ضمانه لأنه لا يلزم المكاتب أداؤه فلم يلزم ضمانه ولأن الضمان يراد لتوثيق الدين ودين الكتابة لا يمكن توثيقه لأنه يملك اسقاطه إذا شاء فلا معنى لضمانه وفى مال الجعاله والثمن في مدة الخيار ثلاثة أوجه أحدهما لا يصح ضمانه لأنه دين غير لازم فلم يصح ضمانه كدين الكتابة والثاني يصح لأنه يؤول إلى اللزوم فصح ضمانه والثالث يصح ضمان الثمن في مدة الخيار ولا يصح ضمان مال الجعاله لأن عقد البيع يؤول إلى اللزوم وعد الجعاله لا يلزم بحال فأما المال المشروط في السنن والرمى ففيه قولان أحدهما أنه كالاجاره فيصح ضمانه والثانى أنه كالجعاله فيكون في ضمانه وجهان. (٣) وأن تكفل بعين فإن كان أمانة كالوديعة لم يصح لأنه إذا لم يجب ضمانها على من هي عنده فلأن لا يجب على من يضمن عنه أولى وأن كان عينا مضمونه كالمغصوب والعاريه والمبيع قبل القبض ففيه وجهان بناء على القولين في كفالة البدن فإن قلنا أنها تصح فهلكت العين فقد قال أبو العباس فيه وجهان أحدهما يجب عليه ضمانها والثانى لا يجب وقال الشيخ أبو حامد لا يجوز بناء ذلك على كفاله البدن فإن البدن لو تلف لم يضمن بدله ولو هلكت العين ضمنها. (٤) والعامل أمين فيما في يده فإن تلف المال في يده من غير تفريط لم يضمن لأنه نائب عن رب المال في التصرف فلم يضمن من غير تفريط كالمودع فإن دفع إليه ألفا فاشترى عبدا في الذمة ثم تلف الألف قبل أن ينقده في ثمن العبد انفسخ القراض لأنه تلف رأس المال بعينه وفى الثمن وجهان أحدهما أنه على رب المال لأنه اشتراه له فكان الثمن عليه كما لو اشترى الوكيل في الذمة ما وكل في شرائه فتلف الثمن في يده قبل أن ينقده والثاني أن الثمن على العامل لأن رب المال لم يأذن له في التجارة إلا في رأس المال فلم يلزمه ما زاد وإن دفع إليه ألفين فاشترى

стр. 8352

بهما عبدين ثم تلف أحدهما ففيه وجهان أحدهما يتلف من رأس المال وينفسخ فيه القراض لأنه بدل عن رأس المال فكان هلاكه كهلاكه والثانى أنه يتلف من الربح لأنه تصرف في المال فكان في القراض وأن قارضه رجلان على مالين فاشترى لكل واحد منهما جاريه ثم اشكلتا عليه ففيه قولان أحدهما تباعان فإن لم يكن فيهما ريح قسم بين ربى المال وأن كان فيهما ربح شاركهما العامل في الربح وأن كان فيهما خسران ضمن العامل ذلك لأنه حصل بتفريطه والقول الثاني أن الجاريتين للعامل ويلزمه قيمتهما لأنه تعذر ردهما بتفريطه فلزمه ضمانهما كما لو اتلفهما. مذهب الحنابلة: (١) وشركة العنان مبنية على الوكالة والأمانة لأن كل واحد منهما يدفع المال إلى صاحبه أمنه وبإذنه له في التصرف وكله، ومن شرط صحتها أن يأذن كل واحد منهما لصاحبه في التصرف فإن أذن له مطلقا في جميع التجارات تصرف فيها وأن عين له جنسا أو نوعا أو بلدا تصرف فيه دون غيره لأنه متصرف بالأذن فوقف عليه كالوكيل، ويجوز لكل واحد منهما أن يبيع ويشترى مساومة ومرابحة وتولية ومواضعة وكيف رأى المصلحة لأن هذا عادة التجارة وله أن يقبض المبيع والثمن ويقبضهما ويخاصم في الدين ويطالب به ويحيل ويحتال ويرد بالعيب فيما وليه وهو هو وفيما ولى صاحبه وله أن يستأجر من رأس مال الشركة ويؤجر لأن المنافع أجريت مجرى الإعيان قصار كالشراء والبيع والمطالبة بالأجر لهما وعليهما لأن حقوق العقد لا يختص بالعاقد. (٢) والعامل أمين في ماله المضاربة لأنه متصرف في مال غيره بإذنه لا يختص ينفعه فكان أمينا كالوكيل وفارق المستعير فإنه قبضه لمنفعته خاصة فكانت يده يد ضمان وههنا المنفعة بينهما فعلى هذا القول قوله في قدر رأس المال قال ابن المنذر اجمع كل من تحفظ عنهم من أهل العلم أن القول قول العامل في قدر رأس المال كذا قال الثورى وإسحاق وأصحاب الرأى وبه نقول ولأنه يدعى عليه قبض شيء وهو ينكره والقول قول المنكر وكذلك القول قوله فيما يدعيه من تلف المال أو خسارة فيه وما يدعى عليه من خيانة وتفريط وفيما يدعى أنه اشتراه لنفسه أو للمضاربة لأن الاختلاف ها هنا في نيته وهو أعلم بما نواه لا يطلع على ذلك أحد سواه فكان القول قوله فيما نواه كما لو اختلف الزوجان في نية الزوج بكناية الطلاق ولأنه أمين في الشراء فكان القول قوله كالوكيل ولو اشترى عبدا فقال رب المال كنت نهتيك عن شرائه فأنكر العامل فالقول قوله لأن الأصل عدم النهى. مذهب الزيدية: (٣) وإذا اختلف الوديع والمودع فقال الوديع قد رددتها وأنكر المالك أو قال هذه وديعتك فأنكرها أو قال قد تلفت فأنكر المالك كان القول للوديع في ذلك كله أي في ردها وعينها وتلفها لأنه أمين ويقبل قوله بتلفها وإن لم يبين سبب التلف ولو أعطى رجل رجلا شيئا ثم تلف ذلك

стр. 8353

الشئ فادعى المالك أنه كان قرضا مع الذي تلف عنده فيطلبه العوض ويقول الذي تلف عنده بل كان وديعة فلا ضمان على فالقول قول الوديع في أن المالف وديعة لا قرض لأن الأصل براءة الذمة سواء قال تركته معى وديعة أو أخذته منك وديعة فلا فرق بينهما بخلاف المسئلة التي تأتي بعد هذه فإن بين اللفظين فرقا وقال المؤيد بالله وأحد قولى أبى طائل بفرق بين اللفظين هنا أيضا فإن قال تركتها معى وديعة فالقول قوله وأن قال أخذتها منك وديعة فالقول قول المالك ولا يقبل قول المالك أن ذلك الشئ الذي تلف في يد الغير غصب عليه إذا قال الذي تلف في يده بل كان وديعة إلا أن يدعى المالك أنه غصب بعد قول الوديع أخذته وديعة ولم يقل تركته معى وديعة فإن القول قول المالك أنه غصب لا قرار خصمه بأنه أخذه والمالك منكر للتسليم (١). مذهب الظاهرية: (٢) ولا ضمان على العامل فيما تلف من المال ولو تلف كله ولا فيما خسر فيه ولا شيء له على رب المال إلا أن يتعدى أو يضيع فيضمن لقول رسول الله ﷺ : "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام". وإن تعدى العامل فربح فإن كان اشترى في ذمته ووزن من مال القراض فحكمه حكم الغاصب وقد صار ضامنا للمال أن تلف أو لما تلف منه بالتعدى ويكون الربع له لأن الشرى له. مذهب الإمامية: (٣) ولو أذن كل واحد من الشريكين لصاحبه جاز لهما التصرف وإن انفردا ولو شرطا الاجتماع لم يجز الانفراد ولو تعدى المتصرف ما حد له ضمن وليس لأحدهما المطالبة بإقامة رأس المال بل يقتسمان العين الموجودة ما لم يتفقا على البيع ولو شرطا التأجيل في الشركة لم يصح ولكل منهما أن يرجع متى شاء، ولا يضمن الشريك ما تلف في يده لأنه أمانة إلا مع التعدى أو التفريط في الاحتفاظ ويقبل قوله مع يمينه في دعوى التلف سواء ادعى سببا ظاهرا كالحرق والغرق أو خفيا كالسرقة وكذا القول قوله مع يمينه لو ادعى عليه الخيانة أو التفريط ويبطل الأذن بالجنون والموت. والحق (٤) المضمون هو كل مال ثابت في الذمة سواء كان مستقرا كالبيع بعد القبض وانقضاء الخيار لعل المراد وقبل انقضاء الخيار أو معرضا للبطلان كالثمن في مدة الخيار بعد قبض الثمن، وكذا ما ليس بلازم لكن يؤول إلى اللزوم كمال الجعالة قبل فعل ما شرط وكمال السبق والرماية، على تردد، ولو ضمن ما هو أمانة كالمضاربة والوديعة لم يصح لأنها ليست مضمونة في الأصل (٥). (٦) والعامل أمين لا يضمن ما يتلف إلا عن تفريط أو خيانة وقوله مقبول في التلف وهل يقبل في الرد فيه تردد اظهره أنه لا يقبل.

стр. 8354

مذهب الإباضية: (١) ولا تجوز معاملة أحد الشركاء فيما اشتركوا دون مرضاة شركائه إذ لا تحل الأموال - إلا برضا ملاكها وهذا في شركة المخصوص وكذلك أيضا محاللة أحد الشركاء لا تجرى دون شركائه إلا أن كان أمينا ويكون الضمان عليه لأن الأمين حجة في نزوع التباعات وكذلك أيضا من كان في يده مال غيره بالوديعة أو العارية أو المضاربة ومال اليتيم والغائب في يد خلائقهم تجزى محالله هؤلاء من أفسد في ذلك المال شيئا إذا كانوا أمناء لأنهم أخصاء في ذلك الشئ الذي في أيديهم وذهب بعض إلى أن محاللة أحد الشركاء فيما دون سهمه تجزى. (٢) وأن كان المضارب يعمل بيده في المال فيكره له أن يأخذ أجر ذلك وأما كراء المنزل والدابه إذا كانت له فلا بأس أن يأخذ ذلك كما يكون لغيره وأن منعه صاحب المال على التصرف في ماله فإنه أن لم يكن الربح في المال فلا يجوز له فيه المصرف بعد منع صاحبه وأن كان الربح فجائز له التصرف ويبيع ويوصل لصاحب المال ماله وما نابه من الربح وكذلك أن لم يتبين له أكان الربح في المال أو لم يكن يجوز له التصرف وكذلك ورثة المقارض أن مات لا يجوز لهم في التصرف لأنهم ليسوا بمقارضين لصاحب المال إلا أن يبيعوا ما يحتاج إلى البيع ويجمعوا المال ويأخذوا سهم وارثهم من الربح أن كان ويوصلوا المال إلى صاحبه وما نابه من الربح ويدرك صاحب المال عليهم ذلك لأن عليهم ما لزم وارثهم قد اتجروا أن اتجروا بالمال بعدما مات وارثهم فإنه أن اتجروا وارثهم بالمال أول مرة فلهم نصيبهم من الربح كان الربح أول مرة أو لم يكن لأن وارثهم قد اتجر به فإن تلف المال فعليهم الضمان أن علموا بموت وارثهم فلا ضمان عليهم وأن لم يتجر وارثهم أول مرة فاتجروا هم به بعد موته فلهم أجر عناهم أن لم يعلموا بموت وارثهم ولا ضمان عليهم إن تلف المال وإن علموا فعليهم الضمان وليس لهم شيء في الحكم ولهم عناؤهم فيما بينهم وبين الله لأنهم اتجروا بمال بغير إذن مالكه. " التصرف في الأمانة " (أ) جواز نقلها وعدمه مذهب الحنفية: (٣) للمودع أن يسافر بالوديعة وإن كان لها حمل ومؤنة عند أبى حنيفة ﵀ إذا كان الطريق مأمونا لأن المودع (باكسر) أطلق له الأمر بالحفظ فله السفر بها ولو في المغازه متى كان الطريق أمنا ولهذا يملك الأب والوصى ذلك في مال الصبى وقالا: ليس المودع (بالفتح) إذا كان لها حمل ومؤنة لأن في ذلك تحميل المودع (بالكسر). وإذا نهى المودع (بالكسر) المودع عن الخروج بالوديعة فخرج بها؛ ضمن لأن التقييد بالحفظ في المصر مفيد إذ الحفظ فيه أبلغ.

стр. 8355

مذهب المالكية: (١) لو بعث الوديعة لربها بغير إذنه فضاعت أو تلفتا من الرسول ضمن وكذا لو ذهب بها لربها بلا إذن فضاعت. مذهب الشافعية: (٢) إن أراد المودع السفر ووجد صاحبها أو وكيله سلمها إليه فإن لم يجد سلمها إلى الحاكم لأنه لا يمكن منعه من السفر ولا قدرة على المالك ولا وكيله فوجب الدفع إلى الحاكم كما لو حضر من يخطب المرأة والولى غائب فإن الحاكم ينوب عنه في التزويج فإن سلم إلى الحاكم مع وجود المالك أو وكيله ضمن لأن الحاكم لا ولاية له مع وجود المالك أو وكيله كما لا ولاية له في تزويج المرأة مع حضور الولي أو وكيله فإن لم يكن حاكم سلمها إلى أمين لأن النبي ﷺ كانت عنده ودائع فلما أراد الهجرة سلمها إلى أم أيمن واستخلف عليا كرم الله وجهه في ردها وأن سلم إلى أمين مع وجود الحاكم ففيه وجهان أحدهما: لا يضمن وهو ظاهر النص وهو قول أبى إسحاق لأنه أمين فأشبه الحاكم، والثانى: يضمن وهو ظاهر قوله في الرهن وهو قول أبى سعيد الاصطخرى لأنَّ أمانة الحاكم مقطوع بها وأمانة الأمين غير مقطوع بها فلا يجوز ترك ما يقطع به بما لا يقطع به كما لا يترك النص للاجتهاد فإن لم يكن أمين لزمه أن يسافر بها لأن السفر في هذه الحال أحوط فإن وجد المالك أو الحاكم أو الأمين فسافر بها ضمن لأن الإيداع يقتضى الحفظ في الحرز وليس السفر من مواضع الحفظ لأنه إما أن يكون مخوفا أو آمنا لا يوثق بأمنه فلا يجوز مع عدم الضرورة وإن دفنها ثم سافر فإن كان في موضع لا يد فيه لأحد ضمن لأن ما تتناوله الأيدى معرض للأخذ فإن كان في موضع مسكون فإن لم يعلم بها أحدا ضمن لأنه ربما أدركته المنية في السفر فلا تصل إلى صاحبها فإن أعلم بها من لا يسكن في الموضع ضمن لأن ما في البيت إنما يكون محفوظا يحافظ فإن أعلم بها من يسكن في الموضع فإن كان غير ثقة ضمن لأنه عوضة للأخذ وإن حضره الموت فهو بمنزله من حضره السفر لأنه لا يمكنه الحفض مع الموت بنفسه كما لا يمكنه الحفظ مع السفر وإن قال في مرضه عندى وديعة ووصفها ولم يوجد ذلك في تركته فقد اختلف أصحابنا فيه فقال أبو إسحاق لا بضرب المقر له مع الغرماء بقيمتها لأن الوديعة أمانة فلا يضمن بالشك ومن أصحابنا من قال: يضرب المقر له بقيمتها مع الغرماء وهو ظاهر النص لأن الأصل وجوب ردها فلا يسقط ذلك بالشك. (٣) وإذا أخرج الوديعة من الحرز لمصلحة لها كإخراج الثياب لمصلحة لها لم يضمن لأن ذلك من مصلحة الوديعة ومقتضى الإيداع فلم يضمن به وإن أخرجها لينتفع بها ضمنها لأنه تصرف في الوديعة بما ينافى مقتضاها فضمن به كما لو أحرزها في غير حرزها فإن كان دابة فأخرجها للسقى والعلف إلى خارج الحرز فإن كان المنزل ضيقا لم يضمن لأنه مضطر إلى الاخراج وإن كان المنزل واسعا ففيه وجهان أحدهما يضمن وهو المنصوص وهو قول أبى

стр. 8356

سعيد الاصطخرى لأنه أخرج الوديعة من حرزها من غير حاجة فضمنها كما لو أخرجها ليركبها، والثاني: أنه لا يضمن وهو قول أبى إسحاق لأن العادة قد جرت بالسقى والعلف خارج المنزل وإن نوى إخراجها للانتفاع كاللبس والركوب أو نوى أن لا يردها على صاحبها ففيه ثلاثة أوجه أحدها وهو قول أبي العباس أنه يضمن كما يضمن اللقطة إذا نوى تملكها والثانى وهو قول القاضي أبي حامد المروروزى أنه إن نوى إخراجها للانتفاع بها لم يضمن وأن نوى أن لا يردها ضمن لأن بهذه النية صار ممسكا لها على نفسه وبالنية الأولى لا يصير ممسكا لها على نفسه والثالث وهو قول أكثر أصحابنا أنه لا يضمن لأن الضمان إنما يكون بفعل يقع في العين وذلك لم يوجد. مذهب الحنابلة: (١) وإذا أخرج الوديعة المنهى عن إخراجها فتلفت وادعى أنه أخرجها لغشيان نارا أو سيل أو شئ ظاهر فأنكر صاحبها وجوده فعلى المستودع البينة أنه كان في ذلك الموضع ما ادعاه لأن هذا مما لا تتعذر إقامة البينة عليه لأنه أمر ظاهر فإذا ثبت ذلك كان القول قوله في التلف مع يمينه ولا يحتاج إلى بينه لأنه يتعذر إقامة البينة فلم يطالب بها كما لو ادعى التلف بأمر خفى إذا شرط المتراهنان كون الرهن على عدل رضيا به واتفقا عليه جاز (٢). (٣) وما دام العدل بحاله لم يتغير عن الأمانة ولا حدثت بينه وبين أحدهما عداوة فليس لأحدهما ولا للحاكم نقل الرهن عن يده لأنهما رضيا به في الابتداء وأن اتفقا على نقله جاز لأن الحق لهما لم بعدهما وكذلك لو كان الرهن في يد المرتهن فلم يتغير حاله لم يكن للراهن ولا للحاكم نقله عن يده وأن تغيرت حال العدل بفسق أو ضعف عن الحفظ أو حدثت عداوة بينه وبينهما أو بين أحدهما فلمن طلب نقله عن يده ذلك ويضعانه في يد من يتفقان عليه فإن اختلفا ومنعه الحاكم على يد عدل وأن اختلفا في تغير حاله بحث الحاكم وعمل بما يظهر له وهكذا لو كان في يد المرتهن فتغيرت حالة من الثقة والحفظ فللراهن رفعه عن يده إلى الحاكم ليضعه في يد عدل وإذا ادعى الراهن تغير الحال لمرتهن فأنكر بحث الحاكم عن ذلك وعمل بما بان له وأن مات العدل أو المرتهن لم يكن لورثتهما إمساكه إلا بتراضيهما فإن اتفقا على ذلك جاز وأن اتفقا على عدل يضعانه على يده فلهما ذلك لأن الحق لهما فيفوض أمره إليهما فإن اختلف الراهن والمرتهن عند موت العدل أو اختلف الراهن وورثة المرتهن رفعا الأمر إلى الحاكم ليضعه على يد عدل وأن كان الرهن في يد اثنين فمات أحدهما أو تغيرت حاله بفسق أو ضعف عن الحفظ أو عداوة بين أحد المتراهنين أقيم مقامه عدل ينضم إلى العدل الآخر فيحفظان معًا. مذهب الزيدية: (٤) الوديعة أمانة فلا تضمن إلا لتعد من

стр. 8357

المودع وهو أن يتصرف فيها لنفسه كاستعمال نحو أن يلبس أو يركب الدابه ونحو إعارة أو تأجير أو رهن فإنه يصير ضامنا بذلك لأجل التعدى. ومتى زال التعدى في الحفظ صارت أمانة وذلك نحو أن يسافر بها أو يتركها في موضع غير حريز ثم زال التعدى فإنها تعود أمانة وأما إذا تعدى في التصرف ثم زال وذلك نحو أن يركبها أو يعيرها أو غير ذلك فإنها لا تعود أمانة. (١) ومن التعدى إيداع لها وسفر بها بلا عذر موجب فيهما فأما إذا فعل ذلك لعذر من خوف حريق أو سرقه أو لص جاز له إيداعها مع ثقة أو مع حاكم وكذلك السفر بها فإن كان العذر غير موجب لم يكن له ذلك إلا بإذن المودع. مذهب الظاهرية: (٢) إن لقى المودع من أودعه في غير الموضع الذي أودعه فيه فليس له مطالبته بالوديعة ونقل الوديعة بالحمل والرد على المودع لا على الوديع وإنما عليه أن لا يمنعها من صاحبها فقط وهذا بخلاف الغاصب والمتعدى في الوديعة أو غيرها وأخذ المال بغير حق فرده على المتعدى والغاصب وأخذه بغير حق إلى صاحبه حيث لقيه في أي مكانه لأن فرضا عليه الخروج من الظلم والمطل في كل أوان ومكان. مذهب الإمامية: (٣) لا يجوز إخراج الوديعة أن كانت دابة من منزله لسقمها أو علفها لذلك إلا مع الضرورة كعدم التمكن من سقيها أو علفها في منزله أو شبه ذلك من الاعذار ولو قال المالك: لا تعلفها ولا تسقها لحم يجز القبول بل يجب عليه سقيها وعلفها. نعم لو أخل بذلك والحال هذه أثم ولم يضمن لأن المالك أسقط الضمان بنهيه كما لو أمره. بإلقاء ماله في البحر ولو عين له موضع الاحتفاظ اقتصر عليه، ولو نقلها ضمن إلا إلى الاحرز أو مثله على قول ولا يجوز نقلها إلى ما دونه ولو كان حرز إلا مع الخوف من إبقائها فيه ولو قال: لا تنقلها من هذا الحرز ضمن بالنقل كيف كان إلا أن يخاف تلفها فيه ولو قال وإن تلفت. ويجوز السفر بالوديعة إذا خاف تلفها مع الإقامة ثم لا يضمن ولا يجوز السفر بها مع ظهور إمارة الخوف وإن سافر والحال هذه ضمن. مذهب الإباضية: (٤) وحكم العارية الضمان على قول إذا تلفت في يد المستعير بآفه سماويه أو أتلفها هو ولو بلا تقصير الضمان لحديث: العارية مضمونة رواه أبو داود وغيره، ولأنها مال يجب رده لمالكه فيضمن عند تلفه كالمأخوذ بجهة السوم، فإن تلفت باستعمال مأذون فيه كاللبس والركوب المعتادين لم يضمن لحصول التلف بسبب مأذون فيه. والصحيح أن لا ضمان على المستعير بآفة سماوية وبما لا طاقه عليه منه ولا تضييع فيه.

стр. 8358

(ب) جواز إيداعه وعدمه الحنفية: (١) من أودع رجلا وديعة فأودعها آخر فهلكت فله أن يضمن الأول وليس له أن يضمن الآخر فهذا عند أبى حنيفة ﵀ وقالا: له أن يضمن أيهما شاء فإن ضمن الأول لا يرجع على الآخر وإن ضمن الآخر رجع على الأول لهما؛ إنه قيض المال من يد ضمين فيضمنه كمودع الغاصب وهذا لأن المالك لم يرض بأمانة غيره فيكون الأول متعديا بالتسليم والثانى بالقبض فيخير بينهما غير أنه إن ضمن الأول لم يرجع على الثاني لأنه ملكه بالضمان فظهر أنه أودع ملك نفسه وإن ضمن الثاني رجع على الأول لأنه عامل له فيرجع عليه بما لحقه من العهدة وله أنه قبض المال من يد أمين لأنه بالدفع لا يضمن ما لم يفارقه لحضور رأيه فلا تعدى منهما فإذا فارقه فقد ترك الحفظ الملتزم فيضمنه بذلك وأما الثاني فمستمر على الحالة الأولى ولم يوجد منه منع فلا يضمنه كالريح إذا ألقت في حجره ثوب غيره. مذهب المالكية: (٢) ويضمن بإيداعها عند أمين لأن ربها لم يأتمن غيره بخلاف الملتقط فله الإيداع ولا ضمان عليه ويضمن بإيداعها ولو في حال سفره وقد أخذها في السفر قال فيها إن أودعت لمسافر مالا فأودعه في سفره ضمن وإنما بالغ على السفر لئلا يتوهم أنه لما قبلها فيه كان مظنة الإذن في الإيداع ومحل الضمان إذا أودعها لغير زوجه وأمة اعتيدا بذلك ومثلهما العبد والأجير في عياله والابن المعتاد ومن في ذلك بالتجربة مع طول الزمان وإلا ضمن ولا يضمن بإيداعها إذا كان الإيداع لعذر حدث للمودع كهدم الدار وجار السوء أو لإرادة سفر طرأ عليه عند عجز الرد لربها إلا إذا كان غائبا أو مسجونا فيجوز له إيداعها ولا ضمان عليه إن تلفت أو ضاعت وإذا كان العزر موجودا قبل الإِيداع وعلم ربها به فليس للمودع بالفتح الإيداع وإلا ضمن فإن لم يعلم ربها به فليس للمودع قبولها فإن قبلها وضاعت ضمن مطلقا أودع أم لا (٣). مذهب الشافعية: (٤) وإن أودع الوديعة غيره من غير ضرورة ضمنها لأن المودع لم يرض بأمانة غيره فإن هلكت عند الثاني جاز لصاحبها أن يضمن الأول لأنه سلم ما لم يكن له تسليمه وله أن يضمن الثاني لأنه أخذ ما لم يكن له أخذه فإن ضمن الثاني فإن كان قد علم بالحال لم يرجع بما ضمنه على الأول لأنه دخل على أنه يضمن فلم يرجع فإن لم يعلم ففيه وجهان أحدهما أنه يرجع لأنه دخل على أنه أمانه فإذا ضمن رجع على من غيره والثاني أنه لا يرجع لأنه هلك في يده فاستقر الضمان عليه فإن ضمن الأول فإن قلنا أن الثاني إذا ضمن يرجع على الأول لم يرجع الأول عليه وإن قلنا أنه لا يرجع رجع الأول عليه فأما إذا استعان بغيره في حملها ووضعها في الحرز أو سقيها أو علفها فإنه لا يضمن لأن العادة قد جرت بالاستعانة ولأنه ما أخرجها عن يده ولا فوض حفظها إلى غيره. مذهب الحنابلة: لا يجوز للوديع أن يودع الوديعة عند غيره وإلا ضمن وذلك عدم العذر أما إذا كان فيحوز

стр. 8359

فإذا هلكت لم يضمن ومن الأعذار سفر الوديع أو خوفه من هلاكها عنده من حرق أو غرق أو نحوه (١). مذهب الزيدية: (٢) ومن التعدى إيداع الوديع للوديعة وسفره بها بلا عذر موجب فيهما، فأما إذا فعل ذلك لعذر من خوف حريق أو سرقة أو لص جاز له إيداعها عند ثقة أو عند حاكم وكذلك السفر بها فإن كان العذر غير موجب كالتشويش والاضطراب لم يكن له ذلك إلا بإذن المودع وقال الناصر له أن يسافر بها ولا ضمان عليه. تطبيقات مذهب الحنفية: (٣) لو قال: عندى أو معى أو في بيتى أو في صندوقي مال لفلان فهو إقرار بأمانة في يده لأن كل ذلك إقرار بكون الشئ في يده وذلك يتنوع إلى مضمون وأمانة فيثبت أقلهما وهو الأمانة. مذهب المالكية: سواء تقدم الأكثر أو تأخر، وقيل إن قدم الأكثر فقط وهو المائتان سواء تقدم الأكثر أو تأخر وقيل إن قدم الأكثر لزمه الجميع وإن قدم الأقل لزمه الأكثر لدخول الأقل فيه وقيل يلزمه الجميع مطلقا وأنكر ابن عرفة القول الذي مشى عليه المصنف ورد بأنه قول ابن القاسم، وفى قوله: له على حل المائة أو قر بها أو نحوها. (٤) وأن أبرأه مما معه بأن قال له أبرأتك مما معك برئ من الأمانة كوديعة وقراض وابضاع لا الدين فلا يبرأ منه لأنه عليه لا معه وهذا محمول على ما إذا كان العرف عدم تناول مع لما في الذمة وأما لو كان العرف تساوى مع العند. وعلي برئ مطلقا وكذلك يبرأ من الدين إذا أبرأه مما معه ولم يكن له عنده أمانة بل مجرد دين ولو أبرأه مما عليه برئ من الدين لا الأمانة إلا أن يكون له عنده أمانة فقط فيبرأ منها وإن أبرأه مما عنده برئ منهما عند المازرى ومن الأمانة فقط عند ابن رشد. مذهب الحنابلة: (٥) لو قال لآخر عندى عشرة دراهم ثم فسر إقراره بأنها وديعة قبل تفسيره سواء فسره بكلام متصل أو منفصل لأنه فسر لفظه بما يقتضيه فقبل فعند ذلك تثبت فيها أحكام الوديعة بحيث لو ادعى تلفها بعد ذلك أوردها كان القول قوله وأن فسرها بدين عليه قبل أيضا لأنه يقر على نفسه بما هو أغلظ وأن قال له عندى وديعة رددتها إليه أو تلفت لزمه ضمانها ولم يقبل قوله لما فيه من مناقضه الإقرار والرجوع عما أدر به فإن الألف المردود والتالف ليست عنده أصلا ولا هي وديعة وكل كلام يناقض الإقرار ويحيله يجب أن يكون مردودا وقال القاضي أبو على؟؟ يقبل قوله لأن أحمد قال في رواية ابن منصور إذا قال لك عندى وديعة دفعتها إليك صدق لأنه ادعى تلف الوديعة أوردها فقبل كما لو ادعى ذلك بكلام منفصل وأن قال كانت عندى وظننت أنها باقية ثم عرفت أنها كانت قد هلكت فالحكم فيها كالتى قبلها.

стр. 8360

أمَة التعريف بها: الأمة لغة: هي الأنثى من الرقيق، وهى غير الحرة. ولم تخرج فى استعمال الفقهاء عن هذا المعنى. وتجمع على إماء وأموَات. وهى تشمل المدبرة (التدبير هو تعليق العتق على مطلق موته)، والمكاتبة (الكتابة هي تحرير المملوك يدًا حالًا ورقبته مآلا عنه أداء البدل)، والمستسعاة (يكون الاستسعاء: إذا اعتق بعض عبد العبد فيسعى فيما بقى بلا رد إلى الرحق لو عجز) والمعتق بعضها وأم الولد (الاستيلاد هو طلب الولد من الأمة، وأم الولد هي الأم التي تلد من سيدها ولو سقطا)؛ ونحن نقتصر على الكلام على الأمة غير المدبرة والمكاتبة والمستسعاة وأم الولد. الأمة - أحكامها في العبادة ستر الأمة عورتها في الصلاة وخارجها: مذهب الحنفية: عورة الأمة - ولو خنثى أو مدبرة أو مكاتبة أو أم ولد - ما تحت السرة إلى ما تحت الركبة مع ظهرها وبطنها. والبطن ما لان من المقدم. والظهر ما قابل البطن من تحت الصدر إلى السرة. فالصدر وما قابله من الخلف ليسا بعورة. والثدى أيضا غير عورة. والجنب مما يلى البطن تبع له ومما يلى الظهر تبع له فهو عورة تبع لهما. وأعضاء عورة الأمة ثمانية - ١، ٢ - الفخدان مع الركبتين - ٣، ٤ - والأليتان - ٥ - والقبل وما حوله - ٦ - والدبر وما حوله - ٧ - والبطن وما يليه من الجنب - ٨ - والظهر وما يليه من الجنب. ويجب على الأمة ستر عورتها في الصلاة عن غيرها ولو كانت في مكان مظلم أو مكان ليس فيه أحد لأن رؤية العورة في أحد هذين المكانين ممكنة حكما. وستر العورة يجب أن يكون بساتر لا يصف ما تحته بأن لا يرى منه لون البشرة فإن كان الساتر يرى منه لون البشرة كالثوب الرقيق والزجاج فلا يعتبر ساترا. ولا يجب على الأمه ستر العورة عن نفسها. حتى لو رأت عورتها من زيق قميصها لا يضر ذلك بالصلاة وأن كان ذلك مكروها لما روى عن سلمة بن الأكوع قال قلت يا رسول الله أصلى في قميص واحد قال زره عليك ولو بشوكة - زيق القميص - بالكسر - ما أحاط بالعنق منه - وانكشاف ربع عضو من أعضاء العورة انكشافا مقارنا لابتداء الصلاة يمنع من انعقادها. والانكشاف في أثناء أداء الصلاة بصنعه مبطل للصلاة. وإذا كان انكشاف ربع العضو أثناء الصلاة بدون صنعه فإن كان أقل من قدر أداء الركن لا يفسد الصلاة وأن كان قدر أداء الركن يفسد الصلاة. ومقدار أداء الركن هو ثلاث تسبيحات. وهذا هو قول أبى يوسف رضى الله عنه وهو المختار للاحتياط واعتبر محمد رضى الله عنه أداء الركن حقيقة. ولا فرق في ذلك بين العورة الغليظة وهى القبل والدبر وما حولهما. والخفيفة وهى عدا ذلك. وإذا حصل انكشاف في مواضع متفرقة فإن كان ذلك في عضو واحد جمعت الأجزاء المتفرقة فإن بلغت ربع هذا العضو اعتبر ذلك كشفا لربع عضو من أعضاء العورة كثمن فخذ في موضع ثمن هذا الفخد في

стр. 8361

موضع أخر. وأن كان المكشوف من عضوين فإن بلغت الأجزاء المكشوفة قدر ربع أدنى العضوين المنكشفين اعتبر ذلك كشفا لربع عضو فإن كانت الأجزاء المكشوفة من الفخد والقبل وما حولها وكانت الأجزاء المكشوفة قدر ربع القبل وما حوله اعتبر ذلك كشفا لربع عضو (١). وكذلك يجب على الأمة ستر عورتها خارج الصلاة بالنسبة للرجال الأعلى زوجا وسيدها أن كانت تحل له. لأن لكل منهما أن ينظر إليها من المفرق إلى القدم والنظر دون الوطء الحلال. فإن كانت لا تحل لسيدها كالمجوسية والمكاتبة وزوجة الغير والمحرمة برضاع أو مصاهرة كانت كأنه الغير فيجب عليها ستر عورتها بالنسبة له. وبالنسبة للنساء المسلمات يجب على الأمة أن تستر ما تحت سرتها إلى ما تحت ركبتها. وبالنسبة للنساء الذميات يجب على الأمة المسلمة أن تستر عورتها لأنه لا يحل للمسلمة أن تنكشف بين يدى يهودية أو نصرانية أو مشركة إلا أن تكون أمة لها (٢). مذهب المالكية: عورة الأمة نوعان: مغلظة وغير مغلظة فالمغلظة هما السوأتان مع الألينين فيجب سترها في الصلاة وخارجها فإذا انكشف منها شيء من ذلك في الصلاة إعادت أبدًا (٣). وغير المغلظة ما بين السرة والركبة وهذه - تجب سترها بالنسبة للرؤية والصلاة أيضًا وأن كانت بالنسبة للصلاة واجبة غير شرط فإذا صلت بادية الفخد أعادت في الودت استحبابا. ولا يلزم من جواز الرؤية جواز الجس (٤). ويكره لمن يريد شراء أمَه أن يكشف صدرها أو ساقها أو معصمها، بل ينظر إلى الوجه والكف ونحوهما كما في زواج الحرة، وأما الجس باليد فحرام (٥). مذهب الشافعية: عورة الأمة في الصلاة ما بين السرة والركبة في الأصح إلحاقا لها بالرجل. وقيل: عورتها جميع بدنها إلا الرأس والذراع لأن ذلك تدعو الحاجة إلى الكشفة (٦). وستر عورة الأمة في الصلاة وفى خارجها واجب (٧). مذهب الحنابلة: عورة الأمة ما بين السرة والركبة، وقد كان عمر ينهى عن التقنع وقل: إنما القناع للحرائر، واشتهر ذلك ولم ينكر فكان كالإجماع (٨). وكذا أم الولد ومعتق بعضها ومدبرة ومكاتبة ومعلق عتقها على صفة فعورتهن ما بين السرة والركبة لبقاء الرق فيهن. والمقتضى للستر بالإجماع هو الحرية الكاملة. وقل في المبدع في الأمة: يسن ستر رأسها في الصلاة (٩) ويجوز للأمة المباحة لسيدها كشف عورتها له ونظرها لعورته لقوله علمه الصلاة والسلام: احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك. وخرج بالمباحة

стр. 8362

المجوسية ونحوها والأمة المزوجة والمعتدة والمستبرأة من غيره (١). مذهب الظاهرية: تستر المرأة في الصلاة جميع جسمها عدا الوجه والكفين فقط. والحرة والأمة في ذلك سواء. ومن أراد شراء أمة فلا يجوز له أن ينظر منها إلا وجهها والكفين فقط، لكن يأمر امرأة تنظر إلى جميع جسمها وتخبره (٢). مذهب الزيدية: عورة الأمة في الصلاة كعورة الرجل من الركبة إلى ما تحت السرة بمقدار الشفة، فإذا بدا شعرة من هذا القدر فسدت الصلاة (٣) ويجب سحرها في الصلاة، كما يجب ستر ما لا تم ستر العورة إلا بستره كبعض الساق ليكمل ستر الركبة. ويندب سحر ظهرها وصدرها في الصلاة ولا ينظر الرجل من أمته المزوجة ولا أمة غيره ما بين الركبة والسرة ولا يمس ذلك ولا غيره مع الشهوة (٤). مذهب الأمامية: قالوا: تصلى الأمة بغير خمار كالصبية (٥) وفى غير ذلك فهى كالمرأة الحرة في صلاتها (٦). مذهب الإباضية: الأمة كالحرة في عورة الصلاة بل كالرجل. فعورتها من السرة إلى الركبة، ويجب سترها في الصلاة (٧). صوم الأمة واعتكافها: مذهب الحنفية: لو صام العبد ومن في حكمه - كالأمة والمدبرة وأم الولد - صوم تطوع بلا إذن المولى كره صومه هذا. إلا إذا كان المولى غائب ولا ضرر له في ذلك. وقيل: بل وأن لم يضره لأن منافعهم مملوكة للمولى، ولأن العبد لم يبق على أصل الحرية في العبادات إلا في الفرائض، وأما في النوافل فلا. وإن أفطرها المولى قضت بإذنه أو تقضى بعد عتقها (٨) وقال في البحر الرائق: الصوم والصلاة والحج في ذلك سواء (٩). ولا تعتكف الأمة إلا بإذن سيدها. وإذا أذن لها كان له أن يأتيها بعد الإذن وأن يمنعها مع الكراهة والمؤثمة (١٠). مذهب المالكية: ليس لامرأة يحتاج زوجها أو سيدها لجماعها أن تتطوع بصوم أو حج أو عمرة أو نذر شيء من ذلك بلا إذن (١١). زوجها أو سيدها. فإذا تطوعت بلا إذنه كان له إفساد المطوع أو النذر بالجماع. ويجب عليها القضاء لأنها متعدية، فكأنها اأفطرت عمدا حراما. ولا يفطرها سيدها بأكل أو شرب لأن احتياجه لها. الموجب لتفطيرها دون وجه الوطء فلا وجه لإفساده عليها

стр. 8363

بالأكل والشرب. فإن أرادت تعجيل قضاء رمضان فقد قال العدوى: ليس له المنع وقال الشيخ الأمير قد يقال له منها بالأولى من فرض اتسع وإما أن اذتها بالصوم فليس له افساد صومها (١). مذهب الشافعية: لا يجوز (أي يحرم) للأمة التي تحل لسيدها صوم تطوع وسيدها حاضر إلا بإذنه، وقال جماعة من الأصحاب يكره بنديها هذا: والصحيح الأول. فلو صامت بغير إذن سيدها صح صومها بالاتفاق وأن كان الصوم حراما لأن تحريمه لمعنى آخر، لا لمعنى يعود إلى نفس الصوم. فهو كالصلاة في دار مغصوبة أما الأمة التي لا تحمل لسيدها كالمجوسية فأن كان صوم التطوع بضعف أو غيره، لم يجز بغير إذن السيد. وإلا جاز (٢). ولا يجوز للأمة أن تعتكف بغير إذن مولاها. فأن اعتكفت بأذن مولاها، فأن كان تطوعًا جاز له أن يخرجها منه. وأن كان في فرض (نذر) غير متعلق بزمان نفيه وجهان (٣). مذهب الحنابلة: لا يجوز للأمة أن تتطوع بصلاة ولا بصوم ولا تعتكف بغير إذن السيد لأن منافعها مملوكة له والاعتكاف يفوتها ويمنع استيفاءها وليس بواجب الشرع فلم يجز إلا بإذن مالك المنفعة وهو السيد. فإن شرعت فيه بغير إذن السيد فله تحليلها منه ولو كان الاعتكاف نذرًا، وذلك لحديث أبى هريرة: "لا تصوم المرأة وزوجها شاهد يوما من غير رمضان إلا بإذنه، رواه الخمسة وحسنه الترمذي، وضرر الاعتكاف أعظم ولأن إقامتها على ذلك تتضمن تفويت حق غيرها بغير إذنه، فكان لصاحب الحق المنع منه، كرب الحق مع غاصبه. فإن لم يحللها من الاعتكاف صح وأجزأ عنها. وإن كان الاعتكاف بإذن من السيد فله تحليلها أن كان تطوعًا، لأن حق السيد واجب والتطوع لا يلزم بالشروع ولأن له المنع منه ابتداء فكان له المنع دوامًا كالعارية. ويخالف الحج لأنه يلزم بالشروع ويجب المضى في فاسده. وإن كان الاعتكاف الذي شرعت فيه الأمة بإذن السيد نذرًا - ولو غير معين - فلا يحللها لأنه يتعين بالشروع فيه ويجب اتمامه كالحج. ولو رجع السيد بعد الأذن للأمة في الاعتكاف قبل الشروع فيه جاز. والأذن في عقد النذر إذن في فعله إن نذرت زمنا معينًا بالإِذن وإلا فلا (٤). مذهب الظاهرية: لا يحل للأمة أن تصوم تطوعًا بغير إذن سيدها أن كان حاضرًا، وأما الفروض فتصومها كلها أحب أو كره (٥) وإن أحرمت الأمة من الميقات بغير إذن سيدها - وكان الحج تطوعا - فله منعها وإحلالها. وإن كان الحج فرضًا وكان لا غنى له عنها لمرضه أو لضيعته دونها فله إحلالها (٦). مذهب الزيدية: يجوز للسيد أن يمنع الأمة من الاعتكاف ونحوه مما يشغلها عن منافعه أو يضعفها

стр. 8364

كالصوم ما لم يأذن لها. فإن إذن لها ودخلت فيه لم يجز له منعها بعد ذلك. وأما إذا أوجبته من غير إذن السيد فله أن يمنعها ويبقى ما أوجبت في ذمتها حتى تعتق أو يحصل لها الإِذن ويجوز للسيد أن يرجع في إذنه بعد أن بإذن وقبل أن يقع الإيجاب منها. وأما بعد وقوع الإيجاب فلا رجوع. فأن إذن لها بإيجاب وقت معين فلا إشكال أنه لا تأثير لرجوعه بعد أن أوجبته. وأن كان غير معين فليس له أن يمنعها من فعله بعد أن أوجبته عنه من جعل الواجبات على الفور (١). مذهب الأمامية: لا يجوز للأمة أن تعتكف دون إذن مولاها. فإذن مولاها شرط لصحة اعتكافها (٢). التسرّى بالإماء التسرى بالأمة من السرور (٣) لأنه يحصل السرور به. ويتخذها سُرِّية بضم السين وكسر الراء المشددة. وديل: نسبة إلى السر وهو النكاح (٤). مذهب الحنفية: للرجل أن يتسرى بما شاء من الإماء المملوكة له اللاتى يحل له وطؤهن، ولا يلام في ذلك (٥). ولا يصح للرجل أن يطأ بملك عابدة عابدة كوكب لا كتاب لها ولا المجوسية ولا الوثينة (¬٥ م). ومن ملك استمتاعا بأمة بنوع من أنواع الملك - كشراء أو أرث - ولو بكرًا أو مشتراة من امرأة أو محرمها أو كانت مملوكة لصبى، حرم عليه وطؤها ودواعيه - في الأصح - حتى يستبرتها بحيضة فيمن تحيض وبشهر في ذات الأشهر وبوضع الحمل في الحامل. واستبراء الجارية طلب براءة رحمها من الحمل وهو واجب لقوله ﷺ في سبايا أوطاس: لا "لا توطأ الحبالى حتى يضعن حملهن ولا الحبالى حتى يستبرأن بحيضة". أخرجه أبو داود والحاكم. والحبالى جمع حبلى والحبالى جمع حائل وهى غير الحامل (٦). والاستبراء يجب على المشترى لا على البائع، لأن العلة الحقيقية هي أرادة الوطء، والمشترى هو الذي يريده دون البائع (٧) وحرم الجمع في وطء بملك يمين بين امرأتين ايتهما فرضت ذكرا لم تحل للأخرى (٨). مذهب المالكية: يحل التمتع بالأنثى بملكها، بغير وطء في الدبر (٩) ويحل به حتى النظر للفرج. وذلك إذا كان مستقلا بملكها وليس بها مانع من محرمية وغيرها، ويجوز لكل منهما أن يتمتع بصاحبه بجميع أوجه الاستمتاع (١٠). ويحرم وطء اثنيين بالملك لو قدرت كل منهما ذكرًا حرم على الأخرى أما إذا جمعهما بالملك بلا وطء ولا تلذذ بهما فلا يحرم وكذا لو وطئ

стр. 8365

إحداهما وترك الأخرى للخدمة مثلا فلا يحرم (١). مكرر ويجب استبراء الأمة بحيضة أن كانت من ذوات الحيض أو بثلاثة أشهر أن كانت من غيرهن بتملكه لها بشراء أو غيره أن أراد وطأها ويجب الاستبراء على الجارية أن اعتقها سيدها بعد الوطء لها وارادت الزواج بغيره ولم تر الحيض بعد الوطء ولم تعلم براءتها. ويجب الاستبراء على المالك أن أراد بيع موطوءته - التي وطأها بالفعل - أو تزويجها أو كانت وطئت بشية أو رجعت له من غصب وذلك بالامتناع عن وطئها (٢) إلا إذا كان لا يحل له وطوءها (٣). وتجب مواضعة العلية - أي الرائعة الجيدة التي شأنها أن تراد للفراش لحسنها - سواء أقر البائع بوطئها أم لا ألا في أحوال كما تجب مواضعة من أقر البائع بوطئها ولو كانت وخشا. والمواضعة هي أن يجعلها مدة الاستبراء عند من تؤمن من النساء أو رجل له أهل (٤). ويحرم المالك الاستمتاع بالوطء ومقدماته في زمن الاستبراء (٥). مذهب الشافعية: من ملك جارية يملك وطأها فله أن ينظر إلى غير فرجها. وفى نظر فرجها وجهان، الصحيح منهما أنه يملك ذلك؛ لأنه يملك الاستمتاع بها فجاز له النظر إليه (٦) ولا تصير امته أمة فراش - أي سرية - إلا بالوطء، ويعلم الوطء بإقرار منه وبالبينة عليه (٧). ويجب استبراء الأمة لسببين الأول: التملك بالشراء أو الارث أو الهبة أو السبي أو غيره، سواء كانت الأمة بكرًا أو استبرأها البائع قبل البيع أو انتقلت ملكيتها من صبي أو امرأة، أو كانت صغيرة أو آيسة. والأصل فى ذلك قوله ﷺ في سبايا أوطاس: "لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة" والتي لا تحيض يكون استبراؤها بشهر. ويجب الاستبراء كذلك إذا عاد ملك الاستمتاع للسيد، كما في مكاتبة عجزها السيد أو فسخ عد كتابتها أو مرتدة عادت إلى الإسلام في الأصح (٨). ويحرم الاستمتاع بالمستبرأة، قبل انقضاء مدة الاستبراء، بوطء أو غيره كالمس والقبل والنظر بشهوة، إلا المسبية فيحل غير الوطء وقيل لا يحل كغيرها (٩). والسبب الثاني الذي يجب به الاستبراء: هو زوال الفراش عن أمة موطوءة، فيجب عليها الاستبراء كما تجب العدة على المفارقة من نكاح (١٠). ومن حرم جمعهما بنكاح حرم وطؤهما بملك، لا ملكهما، فيجوز شراء أختين مثلا ويحرم وطؤهما، فأن وطئ أحداهما حرمت الأخرى حتى تحرم الأولى بمحرِّم كبيع أو نكاح (١١). ويحرم على المسلم التسرى بأمة لا يحل له زواجها كمن لا كتاب لها كوئنية ومجوسية (١٢). ولا يحرم عزله عن مملوكته بدون توقف على ملكها (١٣).

стр. 8366

مذهب الحنابلة: يجوز التسرى بالإماء إجماعا لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ سورة المؤمنون الآية ٥. واشتهر أنه ﷺ أولد مارية القبطية وعملت الصحابة على ذلك، ومنهم عمر وعلى (١). وليس للعبد أن يتسرى ولو إذنه سيده لأنه لا يملك (١ مكرر). وقال في المغنى: للعبد أن يتسرى بإذن سيده وكرهه البعض (٢) ويحرم على الرجل الجمع بين الأختين والمحارم في التسرى، فإذا وطئ إحداهما لم تبح له الأخرى حتى يُحرِّم الموطوءة على نفسه بتزويج أو إزالة ملك (٣) ولا يطأ الرجل أمته إذا علم منها فجورًا - أي زنا - حتى تتوب، ويستبرئها خشية أن تلحق به ولدًا (٣ مكرر) وأمته الكتابية حلال له لا المجوسية، وعليه أكثر أهل العلم. ومن قال بتحليل المجوسية احتج بحديث سبي أوطاس وأن الصحابة كانوا يطئون السبايا وهن كفار في ذلك الوقت (٤). ومن حَرُم نكاحها حرم وطؤها بملك اليمين كالمجوسية، لأن النكاح إذا حرم لكونه طريقا إلى الوطء فتحريم الوطء بالملك أولى. إلا الأماء الكتابيات فيحرم نكاحهن ولا يحرم وطأهن بملك اليمين، وكل من حرّمها النكاح حرّمها الوطء بملك اليمين (٤ مكرر) (٥). ويجب استبراء الأمة في ثلاثة مواضع: أولها: إذا ملكها - ولو كان طفلا - ببيع أو هبة أو إرث أو بأى سبب من أسباب الملك، فلا يحل له وطؤها ولا الاستمتاع بها بقبلة أو بنظر بشهوة ولا بما دون الفرج، سواء كانت بكرًا أو ثيبا صغيرًا يوطأ مثلها أو كبيرة ممن تحمل أو لا تحمل، حتى يستبرئها للحديث السابق ذكره. ولحديث رويفع بن ثابت: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقى ماءه ولد غيره" رواه أحمد والترمذى وأبو داود بإسناد حسن، وسواء ملكها من صغير أو كبير أو رجل أو أمرأة أو مجبوب أو ممن استبرأها ثم لم يطأها. وأن أسلمت أمته المجوسية أو المرتدة التي حاضت عنده أو كان هو مرتدًا وأسلم حلف بغير استبراء. ويحرم وطء المستبرأة من غيره في زمن استبرائها فإن وطئها لم ينقطع الاستبراء به وتبنى على ما مضى من الاستبراء فإن حاضت بعده فقد تم الاستبراء وأن حملت قبل الحيض استبرأت بوضع الحمل لأنها ذات حمل والموضع الثاني الذي يجب الاستبراء به: إن وطئ أمته ثم أراد تزويجها أو بيعها، فلا يجوز ذلك حتى يستبرئها. والموضع الثالث من مواضع الاستبراء: إذا اعتق أم ولده أو أمته التي كان يصبلها قبل الاستبراء أو مات عنها لزمها استبراء نفسها (٦). ويحصل استبراء الحامل بوضع الحمل كله، وغير الحامل بحيضة لمن تحيض وبمضى شهر لآيسة وصغيرة وبالغ لم تحض (٧).

стр. 8367

مذهب الظاهرية: من كانت له جارية يطؤها فأراد بيعها أو إنكاحها أو هبتها؛ فإن كانت ممن تحيض فالواجب عليه ألا يبيعها حتى تحيض حيضه، وإن كانت ممن لا تحيض فلا يبيعها حتى يوقن أنه لا حمل بها وعلى الذي انتقل ملكها إليه إلا يطأها حتى يستبرءها بحيضة إن كانت ممن تحيض أو حتى يوقن أنه لا حمل بها إلا أن يصح عنده أنها قد حاضت عند الذي انتقل ملكها عنه حيضا متيقنا أو أنه لم يخرجها عن ملكه حتى أيقن أنه لا حمل بها؛ فليس عليه أن يستبرءها حينئذ. ولا يجبر على مواضعتها على يدى ثقة ولا أن يمنع منها ولا يجب في البكر استبراء أصلا (١). مذهب الزيدية: يجوز للرجل وطء الأمة التي في ملكه وبه يثبت الفراش بأربعة شروط: أولها: بالوطء في ملكه ولو كانت مشتركة أو بشبهة ملكٍ كأمة الأبن - ولا يكفى إمكان الوطء كالزوجة بل لابد من وقوع الوطء. وثانيها: أن يقع الوطء بعد بلوغها. والثالث: أن تمضى أقل مدة الحمل. والرابع: الدعوة، فلو جاءت بولد ولم يدَّعِه لنفسه لم يثبت لها الفراش ولو أقر بالوطء، وقيل: يكفى ادعاؤها للوطء (٢). ومن وطء أمته فلا يستنكح أختها ونحوها أي لا يتزوجها. ويجوز له أن يتملك اختها بشراء وغيره ولكن لا يطأها بعد أن وطئ الأولى حتى يخرج الأولى من ملكه. ومن جمع بين أختين أو نحوهما مملوكتين له في وطء جاهلا أو عالمًا اعتزلهما جميعًا حتى يزيل إحداهما عن ملكه (٣) وعلى واهب الأمة وبائعها استبراء الأمة قبل البيع والهبة مطلقا سواء كان الواهب والبائع رجلا أو امرأة وسواء كانت المبيعة بكرًا أو ثيبا موطوءة أو لا تصلح للجماع. واستبراء الحائض بحيضة غير الحيضة التي تكون بها حين عزم على بيعها أو هبتها - وأن كانت منقطعة الحيض لعارض - لا لأجل اليأس - فبأربعة أشهر وعشر ويستبرأ غيرهما - وهى الصغيرة والكبيرة الآيسة - بشهر (٤). وليس على من تجددت له يد على الأمة أن يستبرأها إن أراد وطأها، بأن تكون مرهونة أو مؤجرة للغير أو نحو ذلك. وإذا كانت حاملا استبرأها بالوضع والخروج من النفاس وأن كانت مطلّقة أو توفى عنها زوجها استبرأها بمضى العدة. ولهم الاستمتاع من الأمة مدة الاستبراء في غير الفرج قيل: ما لم تكن حاملا، فإن كانت ممن يجوز أن تحمل، فلا يجوز للمشترى ونحوه أن يستمتع بها مدة الاستبراء أي مطلقا (٥). مذهب الإمامية: يجوز للرجل التسرى بأمته ولا بأس أن يطأ الأمة وفى البيت غيره، وأن ينام بين أمتين، ويكره ذلك في الحرة (٦) ويجوز له - في الأشبه - تحليل أمته لمملوكه ليتسرى بها لأن المملوك أهل للإباحة (٧). وكل من ملك أمة بوجه من الوجوه حرم عليه وطؤها حتى

стр. 8368

يستبرأها بحيضة فإن تأخرت الحيضة وكانت في سن من تحيض اعتدت بخمسة وأربعين يوما. ويسقط ذلك إذا ملكها حائضا إلا من حيضتها، وكذا أن كانت لعدل وأخبر باستبرائها، وكذلك إذا كانت لامرأة أو كانت آيسًا أو حاملًا، على كراهية (١). مذهب الإباضية: لا يتسرى الرجل إلا بأمة ملكها، فلو كانت معاوة لم يجز له التسرى بها. وأن كانت مقرضة له فقيل بجواز التسرى بها لأن الإقراض يدخل الشئ المقترض في الملك. وقيل لا يجوز القرض في الجوارى (٢). وللرجل - عاقل أو مجنون أو طفل - أن يتسرى ما شاء من الجوارى بلا عدد مقيد. ولا تلزمه عدالة بينهن في التسوى ولا بين زوجة - حرة أو أمة - وبين سُرّية (٣). ويشهد على التسرى عدلان عند الدخول بها لا قبله أو بعده بلا وجوب؛ فلو تسرى بلا إشهاد أو بإشهاد قبله أو بعده لم تحرم، ولكن بكراهة لأنه قد يؤدى إلى استعباد الولد، كأن يموت الوالد فيحكم بأن ولدها عبد (٤). ولا تباع سُرية ولا تخرج من ملكه بوجه ما قبل الاستبراء. وجاز البيع أن علم المشترى أنه لم يستبرئها وأثم. وينبغي لمن اشترى من بائع سريته أن يجعلها عند أمين حتى تنقضى مدة الاستبراء (٥) ولزم استبراء الأمة قبل أن يتسرى بها بحيضتين أو بخمسة وأربعين يومًا لغير من تحيض إن كانت ببيع أو نحوه. وإن ورثها بموت سيدها أو اشتراها من ورثته فتستبرأ بشهرين وخمسة أيام إن لم تخلف معها ولد. فإن خلّف معها ولد استبرئت كالحرة بأربعة أشهر وعشرة (٦). نكاح الإِماء مذهب الحنفية: للسيد الولاية على الأمة التي يملكها. وهى ولاية إجبار (٧). فله إجبار أمته - ولو أم ولده - على تزويجها ويندب له الاستبراء. فلو ولدت لا قل من نصف حول فهو من المولى والنكاح فاسد (٤ مكرر أولا). وإذن المولى شرط لصحة نكاح الرقيق (٤ مكرر ثانيا) فأن تزوجت الأمة بلا إذن فعتقت نفذ عقد الزواج لزوال المانع ولا خيار لها. وكذلك إذا بيعت بعد الزواج فأجاز المشترى العقد نفذ الزواج (٤ مكرر ثالثا). لا يجوز للمولى أن يتزوج أمته ولو كان مالكا لبعضها لأن المملوكية تنافى المالكية. فالنكاح يؤدى إلى ثمرات مشتركة في الملك بين المتناكحين - منها ما تختص هي بملكه كالنفقه والسكنى والقسم والمنع من العزل إلا بإذن - ومنها ما يكون الملك في كل منها

стр. 8369

مشتركا كالاستمتاع بالمجامعة والمباشرة والولد - والمملوكية تنافى المالكمة فهى منافية لأمر لازم لعقد النكاح ومنافى اللازم مناف للملزوم. فإذا تزوجها السيد احتياطا أي متنزها عن وطئها حراما على سبيل الاحتمال - كما إذا كان هناك احتمال أن تكون حرة أو كان هناك احتمال في عدم صحة الملك - فهو حسن (١). وصح تزوج الأمة ولو كانت كتابية أو مع طول الحرة أي مع القدرة على مهرها ونفقتها لأن الأصل عندهم أن ما يحل بملك يمين يحل بنكاح وما لا يحل بملك يمين لا يحل بنكاح وإن كره تنزيها في الأمة. وصح زواج حرة على أمة لا عكسه ولو أم ولد، ولا يصح جمعهما في عقد واحد. وحرمة أدخال الأمة على الحرة إذا كان نكاح الحرة صحيحا. ولا يصح أدخال الأمة على الحرة ولو في عدة الحرة ولو بائنًا وصح لو راجع الأمة على الحرة (٢) وإذا ملك السيد زوجته أو بعضها فسد النكاح وأما المأذون والمدبر والمكاتب إذا أشتروا زوجاتهم لم يفسد النكاح لأنهم لا يملكونها بالعقد وإنما ثبت لهم فيها حق الملك. وكذا إذا اشترى زوجته بالخيار: قال أبو حنيفة لم يفسد نكاحها على أصله أن خيار المشترى لا يدخل المبيع في ملكه (٣) وإن تزوج الرجل بنكاح صحح أخت أمته التي قد وطئها جاز، لكن لا يطأ واحدة منهما حتى يحرم حل استمتاع أحداهما عليه بسبب ما (٤) وتوقف نكاح الأمة على أجازة المولى فإن أجاز نفذ وأن رد بطل فلا مهر للأمة. والمراد بالمولى من له ولاية تزويج الأمة كأب وجدٍ لمالك الأمة إذا كان عديم الأهلية (٥). ولو زوج المولى أمته من عبده لا يجب المهر في الأصح وقيل: بل يسقط. مذهب المالكية: لمالك الأمة أن يجبرها على النكاح ولو كان المالك أنثى. وله أن يزوج الأمة مع وجود أبيها فهو مقدم لقوة تصرفه. وله جبر الثيب والبكر والكبيرة والصغيرة والذكر والأنثى لأنهم مال من أمواله وله أن يصلح ماله بأى وجه. ويشترط في المالك المجبر الإسلام والحرية والرشد فأن كان المالك عبدًا فالجبر لمالكه ما لم يكن العبد المالك مأذونًا له في التجارة أو مكاتبا. وليس للأمة جبر سيدها على تزويجها ولو حصل لها ضرر بعدمه، بل ولو قصد أضرارها بعدمه ولي بؤمر بالبيع ولا بالتزويج لأن الضرر إنما يجب رفعه إذا كان فيه منع حق واجب ولاحق لها في النكاح وما في التوضيح - من أنه إذا قصد بمنعهما الضرر أمر بالبيع أو الترويج - ضعيف كما نص عليه الحطاب فإن كان النكاح يلحق ضررًا بالمملوك - كالتزويج من ذى عاهة - فلا جبر للمالك ويفسخ النكاح ولو طال. وللسيد أن يضع صداقها عن الزوج قبل الدخول الأربع دينار فلا يصح إسقاطه لأنه حق لله لا تحل الفروج إلا به وأما بعد الدخول فله إسقاط الجميع وله أخذ صداق أمته لنفسه ولو قبل الدخول وأن باعها لشخص بمكان بعيد يشق على زوجها الوصول إليه فلسيدها صداقها إلا أن يبيعها قبل الدخول لظالم لا يتمكن زوجها معه من الوصول لها فليس له أخذ الصداق ولا يلزم الزوج ورده السيد

стр. 8370

إن أخذه. وسقط الصداق عن زوج الأمة لزوجها قبل البناء (١). ولا يصح العقد على أمة كتابية ولو خشى على نفسه العنت، لما يلزم من استرقاق ولدها لسيدها الكافر، وإنما يجوز وطؤها بالملك - لا غير ولا يصح عقد على مجوسية حرة أو أمة (٢). ولا يجوز للمالك الذكر أن يتزوج أمته، ولا الأنثى عبدها للإجماع على أن الزوجية والملك لا يجتمعان لتنافى الحقوق، ولو أشترى الزوج زوجته انفسخ بلا طلاق، لأنه من المجمع على فساده. وفى وطئها بالملك بعد الفسخ قبل الاستبراء أو بشرط الاستبراء وبعده قولان (٣) ويحرم على الذكر أن يتزوج بأمة غير مملوكة لأصله؛ أي لآبائه ولا أمهاته، خشية رقية الولد، فأن كانت أمة أبيه أو أمه أو جده أو جدته لم يحرم لتخلق ولده على الحرية، وإنما يحرم على الذكر تزوج أمة غير أصله بشروط: هي إن كان حرا بولد له منها وأما العبد فيحل له التزوج من الأمة مطلقًا كانت لسيده أو لغيره، خشى العنت على نفسه أم لا، كانت مملوكة لأبيه أو أمه أم لا. فالخطاب في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ للاحرار، أما الحر الذي لا يولد له - كخصى ومجبوب وعقيم فلا يحرم عليه نكاح الأمة لانتفاء علة استرقاق ولده، وإذا كانت عقيمًا لا يولد منها فيجوز أيضًا. وإن يخشى على نفسه العنت أي الزنا فيها أو فى غيرها، وإلا يجد لحرة ولا كتابية طولا: أي ما ينكحها به من عين أو عرض. لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾. وقال أصبغ: الطول هو المال الذي يقدر به على نكاح الحرة والنفقه عليها، وهو خلاف رواية محمد من أن القدرة على النفقة لا تعتبر. ويشترط أن تكون الأمة مسلمة لقوله تعالى: ﴿فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ احترازًا من الكافرة فلا يجوز نكاحها والمعتمد أنه لو تزوج الأمة بشرطها ثم زال المبيح لم ينفسخ نكاحها وكذا إذا طلقها ووجد مهر الحرة فله رجعتها. وقيل أنها شروط في الابتداء والدوام وعليه: إذا تزوج الأمة بشروطها ثم زال المبيح انفسخ النكاح ولا تصح الرجعة (٤) ومنع نكاح المريض الأمة على الأصح لجواز إسلام الكتابية وعتق الأمة فيصيران من أهل الإرث ويفسخ قبل البناء وبعده ما لم يصح (٥). مذهب الشافعية: للسيد إجبار أمته على النكاح، بأى صفة كانت، من صغر وكبر وبكارة وثيوبة وعقل وجنون ما لم يتعلق بها حق؛ كالأمة المرهونة لا يزوجها إلا للمرتهن أو بإذنه، وأمة المفلس لا يزوجها بغير إذن الغرماء، لأن النكاح يرد على منافع البضع وهى مملوكة له، وبهذا تفارق العبد. لكن لا يزوجها بغير كفء بعيب أو غيره إلا برضاها، فأن خالف بطل النكاح، وفى قول: يصح ولها الخيار. وله تزويجها برقيق دنئ النسب، لأنها لا نسب لها لأن الرق تضمحل معه الخصال. فأن طلبت الزواج لم يلزمه تزويجها لأنه ينقص قيمتها ويفوت الاستمتاع عليه فيمن تحل له. وقيل: أن حرمت عليه مؤبدًا - كأن تكون أخته - لزمه؛ إذ لا يتوقع منه قضاء شهوه ولابد من إعفافها، بخلاف
следующие страницы →