مذهب الحنابلة:
يجوز التسرى بالإماء إجماعا لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ سورة المؤمنون الآية ٥. واشتهر أنه ﷺ أولد مارية القبطية وعملت الصحابة على ذلك، ومنهم عمر وعلى (١). وليس للعبد أن يتسرى ولو إذنه سيده لأنه لا يملك (١ مكرر). وقال في المغنى: للعبد أن يتسرى بإذن سيده وكرهه البعض (٢) ويحرم على الرجل الجمع بين الأختين والمحارم في التسرى، فإذا وطئ إحداهما لم تبح له الأخرى حتى يُحرِّم الموطوءة على نفسه بتزويج أو إزالة ملك (٣) ولا يطأ الرجل أمته إذا علم منها فجورًا - أي زنا - حتى تتوب، ويستبرئها خشية أن تلحق به ولدًا (٣ مكرر) وأمته الكتابية حلال له لا المجوسية، وعليه أكثر أهل العلم. ومن قال بتحليل المجوسية احتج بحديث سبي أوطاس وأن الصحابة كانوا يطئون السبايا وهن كفار في ذلك الوقت (٤). ومن حَرُم نكاحها حرم وطؤها بملك اليمين كالمجوسية، لأن النكاح إذا حرم لكونه طريقا إلى الوطء فتحريم الوطء بالملك أولى. إلا الأماء الكتابيات فيحرم نكاحهن ولا يحرم وطأهن بملك اليمين، وكل من حرّمها النكاح حرّمها الوطء بملك اليمين (٤ مكرر) (٥). ويجب استبراء الأمة في ثلاثة مواضع: أولها: إذا ملكها - ولو كان طفلا - ببيع أو هبة أو إرث أو بأى سبب من أسباب الملك، فلا يحل له وطؤها ولا الاستمتاع بها بقبلة أو بنظر بشهوة ولا بما دون الفرج، سواء كانت بكرًا أو ثيبا صغيرًا يوطأ مثلها أو كبيرة ممن تحمل أو لا تحمل، حتى يستبرئها للحديث السابق ذكره. ولحديث رويفع بن ثابت: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقى ماءه ولد غيره" رواه أحمد والترمذى وأبو داود بإسناد حسن، وسواء ملكها من صغير أو كبير أو رجل أو أمرأة أو مجبوب أو ممن استبرأها ثم لم يطأها. وأن أسلمت أمته المجوسية أو المرتدة التي حاضت عنده أو كان هو مرتدًا وأسلم حلف بغير استبراء. ويحرم وطء المستبرأة من غيره في زمن استبرائها فإن وطئها لم ينقطع الاستبراء به وتبنى على ما مضى من الاستبراء فإن حاضت بعده فقد تم الاستبراء وأن حملت قبل الحيض استبرأت بوضع الحمل لأنها ذات حمل والموضع الثاني الذي يجب الاستبراء به: إن وطئ أمته ثم أراد تزويجها أو بيعها، فلا يجوز ذلك حتى يستبرئها. والموضع الثالث من مواضع الاستبراء: إذا اعتق أم ولده أو أمته التي كان يصبلها قبل الاستبراء أو مات عنها لزمها استبراء نفسها (٦). ويحصل استبراء الحامل بوضع الحمل كله، وغير الحامل بحيضة لمن تحيض وبمضى شهر لآيسة وصغيرة وبالغ لم تحض (٧).
стр. 8367
مذهب الظاهرية:
من كانت له جارية يطؤها فأراد بيعها أو إنكاحها أو هبتها؛ فإن كانت ممن تحيض فالواجب عليه ألا يبيعها حتى تحيض حيضه، وإن كانت ممن لا تحيض فلا يبيعها حتى يوقن أنه لا حمل بها وعلى الذي انتقل ملكها إليه إلا يطأها حتى يستبرءها بحيضة إن كانت ممن تحيض أو حتى يوقن أنه لا حمل بها إلا أن يصح عنده أنها قد حاضت عند الذي انتقل ملكها عنه حيضا متيقنا أو أنه لم يخرجها عن ملكه حتى أيقن أنه لا حمل بها؛ فليس عليه أن يستبرءها حينئذ. ولا يجبر على مواضعتها على يدى ثقة ولا أن يمنع منها ولا يجب في البكر استبراء أصلا (١).
مذهب الزيدية:
يجوز للرجل وطء الأمة التي في ملكه وبه يثبت الفراش بأربعة شروط: أولها: بالوطء في ملكه ولو كانت مشتركة أو بشبهة ملكٍ كأمة الأبن - ولا يكفى إمكان الوطء كالزوجة بل لابد من وقوع الوطء. وثانيها: أن يقع الوطء بعد بلوغها. والثالث: أن تمضى أقل مدة الحمل. والرابع: الدعوة، فلو جاءت بولد ولم يدَّعِه لنفسه لم يثبت لها الفراش ولو أقر بالوطء، وقيل: يكفى ادعاؤها للوطء (٢). ومن وطء أمته فلا يستنكح أختها ونحوها أي لا يتزوجها. ويجوز له أن يتملك اختها بشراء وغيره ولكن لا يطأها بعد أن وطئ الأولى حتى يخرج الأولى من ملكه. ومن جمع بين أختين أو نحوهما مملوكتين له في وطء جاهلا أو عالمًا اعتزلهما جميعًا حتى يزيل إحداهما عن ملكه (٣) وعلى واهب الأمة وبائعها استبراء الأمة قبل البيع والهبة مطلقا سواء كان الواهب والبائع رجلا أو امرأة وسواء كانت المبيعة بكرًا أو ثيبا موطوءة أو لا تصلح للجماع. واستبراء الحائض بحيضة غير الحيضة التي تكون بها حين عزم على بيعها أو هبتها - وأن كانت منقطعة الحيض لعارض - لا لأجل اليأس - فبأربعة أشهر وعشر ويستبرأ غيرهما - وهى الصغيرة والكبيرة الآيسة - بشهر (٤). وليس على من تجددت له يد على الأمة أن يستبرأها إن أراد وطأها، بأن تكون مرهونة أو مؤجرة للغير أو نحو ذلك. وإذا كانت حاملا استبرأها بالوضع والخروج من النفاس وأن كانت مطلّقة أو توفى عنها زوجها استبرأها بمضى العدة. ولهم الاستمتاع من الأمة مدة الاستبراء في غير الفرج قيل: ما لم تكن حاملا، فإن كانت ممن يجوز أن تحمل، فلا يجوز للمشترى ونحوه أن يستمتع بها مدة الاستبراء أي مطلقا (٥).
مذهب الإمامية:
يجوز للرجل التسرى بأمته ولا بأس أن يطأ الأمة وفى البيت غيره، وأن ينام بين أمتين، ويكره ذلك في الحرة (٦) ويجوز له - في الأشبه - تحليل أمته لمملوكه ليتسرى بها لأن المملوك أهل للإباحة (٧). وكل من ملك أمة بوجه من الوجوه حرم عليه وطؤها حتى
стр. 8368
يستبرأها بحيضة فإن تأخرت الحيضة وكانت في سن من تحيض اعتدت بخمسة وأربعين يوما. ويسقط ذلك إذا ملكها حائضا إلا من حيضتها، وكذا أن كانت لعدل وأخبر باستبرائها، وكذلك إذا كانت لامرأة أو كانت آيسًا أو حاملًا، على كراهية (١).
مذهب الإباضية:
لا يتسرى الرجل إلا بأمة ملكها، فلو كانت معاوة لم يجز له التسرى بها. وأن كانت مقرضة له فقيل بجواز التسرى بها لأن الإقراض يدخل الشئ المقترض في الملك. وقيل لا يجوز القرض في الجوارى (٢). وللرجل - عاقل أو مجنون أو طفل - أن يتسرى ما شاء من الجوارى بلا عدد مقيد. ولا تلزمه عدالة بينهن في التسوى ولا بين زوجة - حرة أو أمة - وبين سُرّية (٣). ويشهد على التسرى عدلان عند الدخول بها لا قبله أو بعده بلا وجوب؛ فلو تسرى بلا إشهاد أو بإشهاد قبله أو بعده لم تحرم، ولكن بكراهة لأنه قد يؤدى إلى استعباد الولد، كأن يموت الوالد فيحكم بأن ولدها عبد (٤). ولا تباع سُرية ولا تخرج من ملكه بوجه ما قبل الاستبراء. وجاز البيع أن علم المشترى أنه لم يستبرئها وأثم. وينبغي لمن اشترى من بائع سريته أن يجعلها عند أمين حتى تنقضى مدة الاستبراء (٥) ولزم استبراء الأمة قبل أن يتسرى بها بحيضتين أو بخمسة وأربعين يومًا لغير من تحيض إن كانت ببيع أو نحوه. وإن ورثها بموت سيدها أو اشتراها من ورثته فتستبرأ بشهرين وخمسة أيام إن لم تخلف معها ولد. فإن خلّف معها ولد استبرئت كالحرة بأربعة أشهر وعشرة (٦).
نكاح الإِماء
مذهب الحنفية:
للسيد الولاية على الأمة التي يملكها. وهى ولاية إجبار (٧). فله إجبار أمته - ولو أم ولده - على تزويجها ويندب له الاستبراء. فلو ولدت لا قل من نصف حول فهو من المولى والنكاح فاسد (٤ مكرر أولا). وإذن المولى شرط لصحة نكاح الرقيق (٤ مكرر ثانيا) فأن تزوجت الأمة بلا إذن فعتقت نفذ عقد الزواج لزوال المانع ولا خيار لها. وكذلك إذا بيعت بعد الزواج فأجاز المشترى العقد نفذ الزواج (٤ مكرر ثالثا). لا يجوز للمولى أن يتزوج أمته ولو كان مالكا لبعضها لأن المملوكية تنافى المالكية. فالنكاح يؤدى إلى ثمرات مشتركة في الملك بين المتناكحين - منها ما تختص هي بملكه كالنفقه والسكنى والقسم والمنع من العزل إلا بإذن - ومنها ما يكون الملك في كل منها
стр. 8369
مشتركا كالاستمتاع بالمجامعة والمباشرة والولد - والمملوكية تنافى المالكمة فهى منافية لأمر لازم لعقد النكاح ومنافى اللازم مناف للملزوم. فإذا تزوجها السيد احتياطا أي متنزها عن وطئها حراما على سبيل الاحتمال - كما إذا كان هناك احتمال أن تكون حرة أو كان هناك احتمال في عدم صحة الملك - فهو حسن (١). وصح تزوج الأمة ولو كانت كتابية أو مع طول الحرة أي مع القدرة على مهرها ونفقتها لأن الأصل عندهم أن ما يحل بملك يمين يحل بنكاح وما لا يحل بملك يمين لا يحل بنكاح وإن كره تنزيها في الأمة. وصح زواج حرة على أمة لا عكسه ولو أم ولد، ولا يصح جمعهما في عقد واحد. وحرمة أدخال الأمة على الحرة إذا كان نكاح الحرة صحيحا. ولا يصح أدخال الأمة على الحرة ولو في عدة الحرة ولو بائنًا وصح لو راجع الأمة على الحرة (٢) وإذا ملك السيد زوجته أو بعضها فسد النكاح وأما المأذون والمدبر والمكاتب إذا أشتروا زوجاتهم لم يفسد النكاح لأنهم لا يملكونها بالعقد وإنما ثبت لهم فيها حق الملك. وكذا إذا اشترى زوجته بالخيار: قال أبو حنيفة لم يفسد نكاحها على أصله أن خيار المشترى لا يدخل المبيع في ملكه (٣) وإن تزوج الرجل بنكاح صحح أخت أمته التي قد وطئها جاز، لكن لا يطأ واحدة منهما حتى يحرم حل استمتاع أحداهما عليه بسبب ما (٤) وتوقف نكاح الأمة على أجازة المولى فإن أجاز نفذ وأن رد بطل فلا مهر للأمة. والمراد بالمولى من له ولاية تزويج الأمة كأب وجدٍ لمالك الأمة إذا كان عديم الأهلية (٥). ولو زوج المولى أمته من عبده لا يجب المهر في الأصح وقيل: بل يسقط.
مذهب المالكية:
لمالك الأمة أن يجبرها على النكاح ولو كان المالك أنثى. وله أن يزوج الأمة مع وجود أبيها فهو مقدم لقوة تصرفه. وله جبر الثيب والبكر والكبيرة والصغيرة والذكر والأنثى لأنهم مال من أمواله وله أن يصلح ماله بأى وجه. ويشترط في المالك المجبر الإسلام والحرية والرشد فأن كان المالك عبدًا فالجبر لمالكه ما لم يكن العبد المالك مأذونًا له في التجارة أو مكاتبا. وليس للأمة جبر سيدها على تزويجها ولو حصل لها ضرر بعدمه، بل ولو قصد أضرارها بعدمه ولي بؤمر بالبيع ولا بالتزويج لأن الضرر إنما يجب رفعه إذا كان فيه منع حق واجب ولاحق لها في النكاح وما في التوضيح - من أنه إذا قصد بمنعهما الضرر أمر بالبيع أو الترويج - ضعيف كما نص عليه الحطاب فإن كان النكاح يلحق ضررًا بالمملوك - كالتزويج من ذى عاهة - فلا جبر للمالك ويفسخ النكاح ولو طال. وللسيد أن يضع صداقها عن الزوج قبل الدخول الأربع دينار فلا يصح إسقاطه لأنه حق لله لا تحل الفروج إلا به وأما بعد الدخول فله إسقاط الجميع وله أخذ صداق أمته لنفسه ولو قبل الدخول وأن باعها لشخص بمكان بعيد يشق على زوجها الوصول إليه فلسيدها صداقها إلا أن يبيعها قبل الدخول لظالم لا يتمكن زوجها معه من الوصول لها فليس له أخذ الصداق ولا يلزم الزوج ورده السيد
стр. 8370
إن أخذه. وسقط الصداق عن زوج الأمة لزوجها قبل البناء (١).
ولا يصح العقد على أمة كتابية ولو خشى على نفسه العنت، لما يلزم من استرقاق ولدها لسيدها الكافر، وإنما يجوز وطؤها بالملك - لا غير ولا يصح عقد على مجوسية حرة أو أمة (٢). ولا يجوز للمالك الذكر أن يتزوج أمته، ولا الأنثى عبدها للإجماع على أن الزوجية والملك لا يجتمعان لتنافى الحقوق، ولو أشترى الزوج زوجته انفسخ بلا طلاق، لأنه من المجمع على فساده. وفى وطئها بالملك بعد الفسخ قبل الاستبراء أو بشرط الاستبراء وبعده قولان (٣) ويحرم على الذكر أن يتزوج بأمة غير مملوكة لأصله؛ أي لآبائه ولا أمهاته، خشية رقية الولد، فأن كانت أمة أبيه أو أمه أو جده أو جدته لم يحرم لتخلق ولده على الحرية، وإنما يحرم على الذكر تزوج أمة غير أصله بشروط: هي إن كان حرا بولد له منها وأما العبد فيحل له التزوج من الأمة مطلقًا كانت لسيده أو لغيره، خشى العنت على نفسه أم لا، كانت مملوكة لأبيه أو أمه أم لا. فالخطاب في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ للاحرار، أما الحر الذي لا يولد له - كخصى ومجبوب وعقيم فلا يحرم عليه نكاح الأمة لانتفاء علة استرقاق ولده، وإذا كانت عقيمًا لا يولد منها فيجوز أيضًا. وإن يخشى على نفسه العنت أي الزنا فيها أو فى غيرها، وإلا يجد لحرة ولا كتابية طولا: أي ما ينكحها به من عين أو عرض. لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾. وقال أصبغ: الطول هو المال الذي يقدر به على نكاح الحرة والنفقه عليها، وهو خلاف رواية محمد من أن القدرة على النفقة لا تعتبر. ويشترط أن تكون الأمة مسلمة لقوله تعالى: ﴿فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ احترازًا من الكافرة فلا يجوز نكاحها والمعتمد أنه لو تزوج الأمة بشرطها ثم زال المبيح لم ينفسخ نكاحها وكذا إذا طلقها ووجد مهر الحرة فله رجعتها. وقيل أنها شروط في الابتداء والدوام وعليه: إذا تزوج الأمة بشروطها ثم زال المبيح انفسخ النكاح ولا تصح الرجعة (٤) ومنع نكاح المريض الأمة على الأصح لجواز إسلام الكتابية وعتق الأمة فيصيران من أهل الإرث ويفسخ قبل البناء وبعده ما لم يصح (٥).
مذهب الشافعية:
للسيد إجبار أمته على النكاح، بأى صفة كانت، من صغر وكبر وبكارة وثيوبة وعقل وجنون ما لم يتعلق بها حق؛ كالأمة المرهونة لا يزوجها إلا للمرتهن أو بإذنه، وأمة المفلس لا يزوجها بغير إذن الغرماء، لأن النكاح يرد على منافع البضع وهى مملوكة له، وبهذا تفارق العبد. لكن لا يزوجها بغير كفء بعيب أو غيره إلا برضاها، فأن خالف بطل النكاح، وفى قول: يصح ولها الخيار. وله تزويجها برقيق دنئ النسب، لأنها لا نسب لها لأن الرق تضمحل معه الخصال. فأن طلبت الزواج لم يلزمه تزويجها لأنه ينقص قيمتها ويفوت الاستمتاع عليه فيمن تحل له. وقيل: أن حرمت عليه مؤبدًا - كأن تكون أخته - لزمه؛ إذ لا يتوقع منه قضاء شهوه ولابد من إعفافها، بخلاف
стр. 8371
ما لو وطئ إحدى أختين ملكهما فإنه لا يلزمه تزويج الأخرى قطعًا لأنه تحريمها عليه قد يزول فتتوقع منه قضاء الشهوة. وإذا زوجها فالأصح أنه بالملك لا بالولاية لأنه يملك الاستمتاع بها.
والثاني: أنه بالولاية لما عليه من رعاية الحظ (أي رعاية مصلحتها) حتى أنه لا يزوجها بغير كفء. وتفريعا على القول الأصح: يزوج مسلم أمته الكتابية، ويزوج فاسق ومكاتب أمته. وعلى القول الثاني: لا يزوج واحد من الثلاثة، من ذكرت لأن المسلم لا يلى الكافرة (أي لا يكون وليا عليها) والفسق يسلف الولاية والرق يمنعها (١).
ولا يتزوج السيد مملوكته ملكا تاما أو بعضها؛ ولو ملك زوجته أو بعضها بطل الزواج أي انفسخ، وذلك إن كان ملكا تام بأن لا يكون لواحد منهما خيار مجلس أو غيره، لأن ملك اليمين أقوى من النكاح لأنه يملك به الرقبة والمنفعة والنكاح لا يملك به إلا ضربًا من المنفعة فسقط الأضعف بالأقوى (٢) ولا ينكح الحر أمة غيره إلا بشروط: أن لا تكون تحته حرة - مسلمة أو كتابية - تصلح للاستمتاع عرفا ولو مآلا كصغيرة أمن الزنا إلى صلاحها. وقيل. ولا يشترط أن تكون صالحة للاستمتاع كأن تكون صغيرة ولا مجنونة ولا مجذومة أو برصاء أو رتقاء لا طلاق النهى في حديث نهى عن أن تنكع الأمة على الحرة (رواه البيهقي عن الحسن مرسلا) وصاحب الرأى الأول يرى أن هذا الحديث مقيد بالحرة الصالحة للاستمتاع بالنظر إلى معناه. والشرط الثاني: أن يعجز عن حرة مسلمة أو كتابيه تصلح للاستمتاع بأن لا يجدها أو لا يقدر على صداقها، لقوله تعالى، ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ أي الحرائر. وقوله: "المؤمنات" جرى على الغالب وقيل: لا يشترط أن تكون صالحة الاستمتاع بل يجوز أن تكون غير صالحة الاستمتاع كالقرناء والرتقاء فلو قدر على غائبة حلت له نكاح الأمة أن لحقه مشقة ظاهرة في قصدها والوصول إليها الاجتماع بها. أو خاف زنا مدة قصده فأن لم تلحقه مشقة ظاهرة في قصدها ولم يخف نفسه الزنا فلا تحل له الأمة وضبط الإمام المشقة المعتبره أن ينسب إليه في طلب الزوجة الغائبة الإسراف ومجاوزة الحد ولو وجد حرة بمهر مؤجل أو بدون مهر مثل وهو قادر علمه، فالأصح حل الأمة إذا كان يجد مهر الحرة بمؤجل، دون ما إذا وجدها بدون مهر المثل، لأنه قد لا يقدر على مهر الحرة عند حلول الأجل، وفى الثانية هو قادر على نكاح الحرة. وقيل: لا تحل له الأمة إذا وجد مهر الحرة بمؤجل وتحل له أن وجد الحرة بدون مهر ووجهة أن ذلك يمكنه من نكاح الحرة في الحالة الأولى، ووجه في الثانية إن وجدها بدون مهر يعرضه للمنة والنقص. وأجيب بأن المنة فيه قليلة لجريان العادة بالمسامحة في المهور. والشرط الثالث: أن يخاف الزنا بأن تغلب شهوته ويضعف تقواه، بخلاف من ضعفت شهوته أو قوى على مغالبة الشهوة، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ أي الزنا. وعلم من هذا الشرط أن من تحته أمة لا ينكح أخرى، فلو أمكنه التسرى بشراء أمة فلا خوف في الأصح، فلا يحل له نكاح الأمة. والوجه الثاني: يحل له لأنه لا يستطيع طول الحرة. الشرط الرابع: إسلامها، فلا لحل الكتابية للحر لقوله تعالى:
стр. 8372
﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (١) وتحل أمة كتابية لكتابى حرًا أو عبدًا على الصحيح لاستوائهما في الدين، وقابل الصحيح: أن كفرها مانع من زواجها. ولا تحل الأمة الكتابية لعبد مسلم في المشهور لأن كفرها مانع من نكاحها والقول المقابل له: أن الأمة الكافرة تحل للعبد المسلم لاستوائهما في الرق.
ولو نكح حر أمة بشرطه ثم أيسر، أو نكح حرة لم ينفسخ زواج الأمة لقوة الدوام.
ومن لا يحل له زواج الأمة إذا تزوج حرة وأمة بعقد واحد بطل العقد بالنسبة للأمة قطعًا لانتفاء شروطها، لا الحرة في الأظهر. والقول المقابل له: يبطل العقد بالنسبة للحرة أيضًا فرارًا من تبعيض العقد فلو قال له: زوجتك بنتى وأمتى فقال: قبلت نكاحها فعلى الأول يبطل العقد بالنسبة للأمة فقط وعلى القول الثاني يبطل العقد بالنسبة لهما معا. ولو جمعهما من تحل له الأمة بعقد واحد كأن رضيت الحرة بتأجيل المهر بطل عقد الأمة قطعا لأنها لا تقارن الحرة كما لا تدخل عليها لاستغنائه عنها. وفى الحرة طريقان أرجحهما: ما في الشرح الصغير للرافعى على الوجيز أنه على القولين، والثانى: القطع بالبطلان لأنه جمع بين امرأتين يجوز أفراد كل منهما فيمتنع الجمع بينهما كالأختين (٢). ومن حرم جمعهما بنكاح حرم جمعهما في الوطء بملك لا يحرم ملكهما معا، فيجوز شراء أختين مثلا ويحرم وطؤهما وله وطء أيتهما يشاء فإن وطئ واحدة منهما حرمت الأخرى حتى يحرّم الأولى بمحرِّم كبيع أو تزويج أو كتابه أما الحيض أو الإحرام فلا يحلان وطء الثانية لأنه لا يزيل الملك ولا الاستحقاق، وكذا على الأصح. ولو ملكها ثم نكح أختها الحرة أو العكس حلت المنكوحة دون المملوكة (٣).
مذهب الحنابلة:
ولى الأمة - ولو كانت آبقة - هو سيدها المكلف الرشيد لأنه عقد على منافعها فكان إليه كالإجارة، ولو كان سيدها فاسقًا أو مكاتبًا لأن تزويجه إياها تصرف في ماله فصح ذلك منه كالبيع ولكن لا يزوجها المكاتب إلا بإذن سيده فإن كان لها سيدان اشتركا في الولاية وليس لواحد منهما الاستقلال بها بغير إذن صاحبه (٤). ويزوّج الأمة المملوكة لامرأة مات من يزوج سيدتها من أب وجد وأخ وعم ونحوهم وذلك بإذنها وبشرط نطقها بالإذن. ولو كانت المالكة بكرًا فلابد من نطقها بالإذن وإن كانت المالكة محجورا عليها فيزوج أمتها وليها في مالها من أب أو وصى أو حاكم أو قيم على سيدتها وكذلك الحكم في أمة أبنه الصغير أو المجنون أو السفيه (٥) ولو زوجت السيدة أمتها أو وكلت غير وليها في تزويج أمتها لم يصح نكاحها لعدم وجود شرط النكاح (٦).
وإن وطئ أمته ثم تزوج أختها أو عمتها أو خالتها ونحوها لم يصح النكاح لأن عقد النكاح تصير به المرأة فراشا فلم يجز أن يرد على فراش الأخت كالوطء. ولأن وطء مملوكته معنى يحرم
стр. 8373
أختها لعلة الجمع، فمنع صحة النكاح كالزوجية. فإن حرمت عليه سُرِّيته بإخراجها من ملكه ثم تزوج الأخت ونحوها بعد استبرائها صح النكاح لزوال كونها فراشا له، فإن رجعت إليه الأمة فالزوجية بحالها لأنها أقوى، ولا يطأ واحدة منهما حتى تحرُم عليه الأخرى. وأن اعتق سُرّيته ثم تزوج أختها قبل فراغ مدة استبرائها لم يصح النكاح (١). والأمة الكتابية لا تحل لمسلم ولو عبدًا نكاحها لقوله تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ ولئلا يؤدى إلى استرقاق الكافرة ولدها المسلم (٢). ولا تحل أمة مسلمة لحر مسلم، إلا أن يخاف الحر عنت العزوبة إما لحاجة متعة وإما لحاجة خدمة لكبر أو سقم أو نحوهما، ولا يجد طولا لنكاح حرة ولو كانت كتابية، بألا يكون معه مال حاضر يكفى لنكاحها ولا يقدر على ثمن الأمة ولو كتابية فتحل له الأمة إذن لقوله تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى قوله ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ هذا إن لم تجب نفقته على غيره. فإن وجبت لم يجز له أن يتزوج أمة لأن المنفق يتحمل ذلك عنه فيعفه بحرة، وإن قدر على ثمن أمة لم يتزوج الأمة قاله كثير من الأصحاب وهو الأظهر. والصبر عن نكاح الأمة مع حله له خير وأفضل لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. وللحر تزوج الأمة بالشرطين المذكورين مع صغر زوجته الحرة أو غيبتها أو مرضها بحيث تعجز بالمرض عن الخدمة لأن الحرة التي لا تعفه كالعدم. أو كان له مال ولكن لم يستطع زواج حرة لقصور نسبة فله نكاح الآمة لأنه غدر مستطلِع الطول إلى نكاح حرة، أو كان له مال غائب فله أن يتزوج الأمة بشرطه وهو خوف العنت فإن وجد من يقرضه ما يتزوج حرة أو رضيت الحرة بتأخير صداقها أو بدون مهر مثلها أو بذله له باذل لم يلزمه أن يتزوج الحرة وجاز له أن يتزوج الأمة حيث خاف العنت لأنه لم يستطع طولا لنكاح الحرة بلا ضرر عليه لما فيه من المنة أو التعرض للمطالبة. والقول قوله في خشية العنت وعدم الطول حتى لو كان في يده مال فادعى أنه وديعة أو مضاربة قبل قوله. ومتى تزوج أمة ثم ذكر أنه كان موسرًا حال النكاح أو لم يكن يخشى العنت فرق بينهما، فإن كان إقراره قبل الدخول وصدقه السيد فلا مهر، لاتفاقهما على بطلان النكاح وأن كذبه السيد فللسيد نصف المهر، وإن كان إقراره بعد الدخول فعليه المسمى جميعه. وإذا تزوج الأمة وفيه الشرطان ثم أيسر أو نكح حرة أو زال خوف العنت أو نحوه كما لو تزوجها لغيبة زوجته فحضرت أو لصغرها فكبرت أو لمرضها فعوفيت لم يبطل نكاحها وحكم الأمة الكتابية في زواجها الكتابى الحر كحكم الأمة المسلمة في زواجها بالحر المسلم، فلا يحل للكتابى أن يتزوج الأمة الكتابية إلا بالشرطين (٣) والأمة تتزوج الرقيق كله أو بعضه ولو فقد فيه الشرطان ولو كان معه حرة.
ولا يصح لحر أن يتزوج أمته لأن النكاح يوجب للمرأة حقوقا من القسم والمبيت وغيرهما وذلك يمنعه ملك اليمين، فلا يصح مع وجود ما ينافيه ولأن ملك الرقبة يفيد ملك المنفعة وإباحة
стр. 8374
البضع فلا يجتمع معه عقد أضعف منه، ولا يصح للحر أن يتزوج أمة مكاتبه ولا أمة ولده من النسب دون الرضاع، وأن ملك حر زوجته كلها أو بعضها أنفسخ النكاح لأن ملك اليمين أقوى من النكاح فيزيله وكذلك ينفسخ نكاحها إذا ملكها أبيه الحر لأن ملك الولد كملك أصله في إسقاط الحد فكان كملكه في إزالة النكاح (١)، والوطء في ملك اليمين وأن يحرم من حرّمها النكاح من أمهات النساء وبنهاتهن وحلائل الآباء وحلائل الأبناء لأن الوطء آكد في التحريم من العقد (٢).
مذهب الظاهرية:
لا يحل لأحد أن يتزوج مملوكته قبل أن يعتقها. وله أن يتزوج أمة والده التي لا تحل لوالده وأمة ولده التي لا تحل لولده وأمة أمه وأمة ابنته (٣)، ولا يحل للأمة أن تتزوج إلا بإذن سيدها، فإن تزوجت بغير إذنه عالمة بالنهى فعليها حد الزنا. ولا يحل للسيد إجبار أمته على النكاح، فإن أجبره السيد فليس نكاحا (٤). ويحل للحر نكاح الأمة والصبر عن تزوج الحر للأمة أفضل (٥) ولا يجوز للرجل وطء الأمة التي وطأها أبوه أو ابنه بملك يمين أو زواج. والجد في كل ما ذكرنا وأن علا من قبل الأب أو الأم كالأب لا فرق، وابن الابن وابن الأبنة وأن سفلا كالأبن في كل ما ذكرنا ولا فرق (٦) ولا يحل نكاح أم الأمة التي وطأها وإن علت (٧) ومن أعتق أمته على أن يتزوجها وجعل عتقها صداقها لا صداق لها غيره فهو صداق صحيح ونكاح صحيح وسنة فاضلة فلو أبت أن تتزوجه بطل عتقها وهى مملوكة كما كانت؛ فإن عِتقْها لم يتم إذا لم تتزوجه، ولا صداق لنكاح لم يتم فهو باطل. وأما أن تزوجته فقد تم النكاح وصح العتق لصحة النكاح الذي علق عليه، فإن طلقها قبل الدخول فهى حرة ولا يرجع عليها بشئ (٨).
مذهب الزيدية:
ينفذ النكاح في حق الأمة بأحد أمور ثلاثة: الأول عقد المالك المرشد الموافق في الملة إذا كان رجلا، فله تزويج أمته سواء رضيت أم كرهت. وإذا كانت مملوكة لامرأة مكلفة لم يكن لها أن تزوجها بنفسها لقوله ﷺ : "لا تنكح المرأة المرأة ولا المرأة نفسها" وإنما يزوجها وكيل تلك المالكة. وإذا كانت الأمة مملوكة لصغير فولى ماله هو ولى زواج أمته، فإن كان الولى على المال امرأة من جهة الوصاية فوكيلها هو الذي يزوج الأمة. والثانى جازه هؤلاء.
الثالث: عتق المالك لها قبل إجازته عقد نكاحها الموقوف على إجازته وذلك بأن عقد عقدها أبوها الحر أو أحد أوليائه برضاها فإن هذا العقد موقوف، على أجازة المالك فإن أعتقها قبل الإجازة نفذ العقد لأن هذا العقد صدر من يصح منه لولا ملك المالك فلما عتقها خرجت عن ملكته فينفذ العقد (٩) وللسيد أن يجبر الأمة على تمكين نفسها لزوجها لأنه نهى عن المنكر إلا أن يكون
стр. 8375
الزوج مجذوما أو نحوه (١) ولا يلزم السيد إذا اضطرت الأمة إلى النكاح أن يعفها إلا أن تتضرر بذلك فإنه يجب على السيد كالدواء، وقيل: لا يجب (٢).
ويحرم تزوج الأمة في موضعين: أحدهما حيث تُنكح على الحرة، فإنها لا تحل حينئذ. وأن رضيت الحرة بذلك، سواء كان الزوج حرًا أم مملوكا. والثانى: حيث يكون نكاحها لحر فأنها تحرم عليه إلا أن يكون نكاحها لشخص عَنِت (بكسر النون) وهو الخائف من الوقوع في المحظور، ولم يتمكن من نكاح حرة لفقره أو غيره؛ فعند هذين الشرطين يجوز للحر نكاح الأمة (٣).
ومن وطئ أمته فلا يستنكح أختها سواء كانت الأخت حرة أو أمة فلو عقد بالأخت كان العقد غير صحيح (أي لم ينعقد) حتى يخرج الأولى من ملكه ببيع أو عتق أو هبة لا رجوع فيها. وله تملك الأخت ولكن لا يطأها بعد أن وطئ الأولى حتى تخرج الأولى من ملكه ولا يجمع بينها وبين خالتها أو عمتها أو نحوهما في وطء وأن اختلف سببه. فإذا جمع بين الأختين ونحوهما جاهلا أو عالما اعتزلهما جميعا فلا يطأ بعد ذلك واحدة منهما حتى يزيل أحداهما (٤).
مذهب الإمامية:
لا يجوز نكاح الأمة نكاحا دائما أو منقطعا (متعة) إلا بإذن مالكها ولو كانت لامرأة (٥). وقيل يجوز لها أن تتزوج متعة إذا كانت مملوكة لامرأة من غير إذنها والأول أشبه (٦) وإذا تزوج الحر أمة من غير إذن مالكها ثم وطئها قبل الرضا عالما بالتحريم كان زانيا وعليه الحد ولا مهران كانت عالمة مطاوعة، ولو أتت بولد كان رقا لمولاه. وإن كان الزوج جاهلا أو كانت هناك شبهة فلا حد ووجب المهر وكان الولد حرًا لكن يلزمه قيمته للمولى يوم ولادته وكذا لو عقد عليها لدعواها الحرية لزمه المهر (٧). ولا يجوز للحر أن يعقد على الأمة إلا بشرطين: عدم الطول، أي عدم المهر والنفقة، وخوف العنت أي المشقة الناشئة عن الترك، وقيل: يكره ذلك من دونهما (أي إذا لم يتحقق الشرطان) وهو الأشهر. ومن قال بالأول قال لا ينكح إلا أمة واحدة لزوال العنت بها. ومن قال بالثانى أباح أمتين (٨). ولا يجوز نكاح الأمة على الحرة إلا بإذنها، فإن بادر في ذلك كان العقد باطلا، وقيل: كان للحرة الخيار. في الفسخ والإمضاء ولها فسخ عقدها والأول أشبه. وأما لو تزوج الحرة على الأمة كان العقد ماضيا ولها الخيار في نفسها إن لم تعلم. وإن جمع بينهما في عقد واحد صح عقد الحرة دون الأمة (٩). ولو وطئ أمة بالملك ثم تزوج أختها فقد قيل: يصح وحرمت الموطوءة بالملك أولا ما دامت الثانية في حباله ولو كانت له أمتان أختان فواطئهما قيل حرمت الأولى حتى تخرج الثانية من ملكة،
стр. 8376
وقيل: إن كان بجهالة لم تحرم الأولى وإن كان مع العلم حرمت حتى تخرج الثانية، لا للعود إلى الأولى، ولو أخرجها للعود والحالى هذه لم تحل الأولى، والوجه: أن الثانية تحرم مع التقديرين دون الأولى (١)، ولو كانت له أمة يطؤها فارضعت زوجته الصغيرة حرمتا عليه جميعا ولا تحرم مملوكة الأب على الابن بمجرد الملك ولا مملوكة الأبن علي الأب، ولو وطئ أحدهما مملوكته حرمت على الآخر ولا يجوز لأحدهما أن يطأ مملوكة الأخر إلا بعقد أو ملك أو إباحة (٢). وإذ زوج أمته ملك المهر لثبوته في ملكه فإن باعها قيل الدخول سقط المهر لانفساخ العقد الذي ثبت المهر باعتباره فإن أجاز المشترى كان المهر له لأن إجازته كالعقد المستأنف ولو باعها بعد الدخول كان المهر للأول سواء أجاز الثاني أو فسخ لاستقراره في ملك الأول (٣).
مذهب الإباضية:
يصح نكاح الأمة بإذن سيدها أو اجازته بعد العقد وقبل أن يمسها، وجوزه البعض بعد المس ترخيصا (٤) فإذا تزوج الأمة بإذن من ظنه سيدها ووطئها فخرجت لغيره، فإنه يمتنع عليه نكاحها بعد الزواج، ويثبت نسب الأولاد، يأخذهم أبوهم بالقيمة (٥) وإيما عبد أو أمة تزوج بغير إذن سيده فهو زان لقوله ﷺ : "ايما عبد أو أمة تزوج بغير إذن سيده فهو زان" فإن تزوج من ظنها حرة ومسها فإذا هي أمة فلا يتزوجها أو يتسراها لأن ذلك المس حرام، وقيل لا تحرم لأنه لم يمسها بنية الزنا، وأما هي فقد قيل أنه يحرم علمها إن علم أنها أمة وقيل غير ذلك (٦). ولا يجوز أن يزوج عبده من أمته لأنه تزويج ماله من ماله والصداق عليه لنفسه وهو ما لا يتصور، وقيل: يجوز لأنهما نفسان لا نفس واحدة، وتملك صداقها إذا أعطاه لها سيدها (٧). وإذا أعتق أمته على أن يتزوجها ثم امتنعت فلا يجبرها ولا يردها في الرق لصحة العتق وبطلان الشرط، واستحسن لمن أعتق أمة لوجه الله أن لا يتزوجها ولا يستخدمها (٨). ولا تنكح حرة على أمة، وجوّزه البعض أن رضيت. ومن تزوج حرة على أمة بلا علمها فللحرة أن تنكر بعد علمها بالأمة ولها أن ترضى والإنكار فرقة بلا طلاق ولابد من العدة علمها أن مست وهى فرقة بائنة وقيل: نكاح الحرة طلاق للأمة ونكاح الأمة طلاق للأمة الأخرى وقيل نكاح الحرة طلاق للأمة وعكسه (٩).
حقوق كل من الزوج والمولى على الأمة ونفقتها
مذهب الحنفية:
إذا زوج أمته أو أم ولده فلا تجب عليه تبوئتها وإن شرطها في العقد. والتبوئة هي: أن يخلى بينها وبين زوجها، ويدفعها إليه ولا يستخدمها (قاله الخصاف في شرح النفقات). وأما إذا كانت تذهب وتجئ وتخدم مولاها فلا تكون تبوئة. فإن استوفى صداقها أُمِرَ المولى أن
стр. 8377
كانت تذهب وتجئ وتخدم مولاها فلا تكون تبوئة. فإن استوفى صداقها أُمِرَ المولى أن يُدخِلها على زوجها وأن لم يلزمه أن يبوئها. والتسليم الواجب على السيد بعد قبض المهر يكتفى فيه بالقول بأن يقول له المولى: متى ظفرت بها وطئتها (١). ولا نفقة ولا سكنى للأمة المزوجة على زوجها إلا بالتبوئة: بأن يدفعها سيدُها إليه ولا يستخدمها، لأن النفقة جزاء الاحتباس. وتخدم المولى ويطؤها الزوج أن ظفر بها فارغة عن خدمة المولى. ولو خدمت السيد بعد التبوئة أو استخدمها نهارًا وإعادها ليلا لبيت زوجها، لا تسقط النفقة لبقاء التبوئة. وللمولى السفر بها وإن أبى الزوج (٢).
والإذن في العزل - وهو الإنزال خارج الفرج - لمولى الأمة لا لها، لأن الولد حقه. ويعزل عن الحرة والمكاتبة بإذنها (٣).
وللأمة والمكاتبة وأم الولد والمدبرة والمبعضة نصف ما للحرة في القسم أي من البيتوتة والسكنى معها، أما النفقة فبحالها. فإذا كان له زوجتان أمة وحرة فللأمة نصف، ما للحرة إن بوّأها سيدها السيد منزلا (٤).
مذهب المالكية:
لا تبوأ الأمة منزلًا، أي ليس لها ولا لزوجها أفرادها عن سيدها بمنزل لما فيه من أبطال حق سيدها في الخدمة أو غالبها، بل يأتيها زوجها ببيت سيدها لقضاء وطره بلا شرط أو عرف، وإلا فيقضى به ولا كلام لسيدها. وللسيد السفر والبيع لمن يسافر بمن لم تبوأ وإن طال السفر، ويقال لزوجها: سافر معها إن شئت، إلا لشرط أو عرف كما أن المبوأة ليس لسيدها السفر بها إلا لشرط أو عرف فيعمل به (٥). ولزوج الأمة العزل عنها أن أذنت هي وسيدها له في العزل أي رضيا به وهذا أن تودع حملها وأن لم يتوقع حملها لصغرها أو إياسها أو عقمها فالعبرة بإذنها فقط فإن أذنت جاز وإلا فلا يجوز كالحرة العبرة بأذنها فقط دون وليها (٦). وتجب نفقة الزوجة الأمة المدخول بها سواء كانت مطبقة للوطء أم لا وسواء كان الزوج بالغا أم لا، أما قبل الدخول فلا تجب لها النفقة إلا إذا كانت مطبقة للوطء وكان الزوج بالغا (انظر مصطلح نفقة).
ولا يجب القسم على الزوج بين الزوجة
والأمة ولا بين الإِماء في المبيت ولا في غيره كالوطء والكسوة والنفقة. وإن كانت الزوجات إماء كلهن أو بعضهن فلا يجب القسم إلا للضرر أي إلا أن يقصد بتركه ضررًا فيمتنع ويجب عليه ترك الضرر ككفه عن وطء واحدة مع قدرته عليه لتتوفر لذته للأخرى (٧).
مذهب الشافعية:
إذا زوج السيد أمته استخدمها نهارًا وسلمها للزوج ليلا، لأنه يملك منفعتى استخدامها والاستمتاع بها، وقد نقل الثانية للزوج فتبقى له الأخرى ويستوفيها في النهار دون الليل لأنه محل الاستراحة والاستمتاع، ولا نفقة على الزوج أي حين استخدامها في الأصح لانتفاء التسليم، والتمكين التام، والثاني: يجب،
стр. 8378
لوجود التسليم الواجب، والثالث: يجب شطرها توزيعا لها على الزمان، فلو سلمها ليلا ونهارًا وجبت قطعًا (١). ولو أخلى السيد في داره بيتا وقال للزوج: تخلو بها فيه لم يلزمه ذلك على الأصح، لأن الحياء والمروءة يمنعانه من دخول داره، ولو فعل ذلك فلا نفقة عليه، والثانى: يلزمة ذلك لتدوم يد السيد على ملكه مع تمكن الزوج من الوصول إلى حقه وعلى هذا تلزمه النفقة (٢). وللسيد السفر بالأمة الزوجة وإن لم يرض الزوج لأنه مالك رقبتها فيقدم على مالك الاستمتاع وللزوج صحبتها في سفرها ليستمتع بها ليلا وليس للسيد منعه من السفر ولا إلزامه به لينفق عليها وإذا لم يسافر الزوج فلا نفقة عليه وكذلك أن سافر ولم تسلم له ليلا ولا نهارًا فلا نفقة عليه أيضًا وليس له أن يسافر بها بدون إذن سيدها (٣). ولو زوج أمته بعبده لم يجب مهر لأن السيد لا يثبت له على عبده دين فلا حاجة إلى تسميته، وقيل: يجب ثم يسقط فيسمى ندبا على هذا القول حتى لا يعرى النكاح عن مهر (٤). ويختص القسم بالزوجات ولو كن إماء أو كتابيات. أما الأمة المملوكة فلا حق لها في القسم (٥) ويكون للحرة ضعف. للزوجة الأمة في القسم (٦).
مذهب الحنابلة:
إن كانت الزوجة أمة فلا يجب على السيد تسليمها لزوجها إلا ليلا (٧). وللسيد استخدامها نهارًا لأنها مملوكة عُقِدَ على إحدى منفعتيها فلم يجب تسليمها في غير وقتها، كما لو أجرها لخدمة نهارًا، فلو شرط الزوج تسليمها نهارًا أو بَذَله السيد وجب تسليمها ليلا ونهارًا لأن الزوجية تقتضى وجوب التسليم مع البذل ليلا ونهارًا، وإنما منع منه في الأمة في زمان النهار لحق السيد، فإذا بذله فقد ترك حقه فعاد إلى الأصل في الزوجية ولأن عقد الزوجية اقتضى لزوم نفقتها ليلا ونهارًا ما لم يمنع منه مانع. فإذا امتنع المانع ببذل السيد تسليمها وجب على الزوج قبوله (٨). فليس للزوج السفر بزوجته الأمة بلا إذن السيد، ولا لسيدها ولو بصحبة الزوج السفر بها بغير إذن الآخر لما في ذلك من تفويت حقه عليه. ولو بوأها السيد - أي بذل لها مسكنا ليأتيها الزوج فيه - لم يلزم الزوج آيتانها فيه. وللسيد بيع الأمة الزوجة لأنه ﷺ إذن لعائشة في شراء بريرة وهى ذات زوج (٩) ومن تحته حرة وأمة يقسم لزوجته الأمة ليلة وللحرة ليلتين لأنها على النصف من الحرة وإن كانت الحرة كتابية، لقول على: إذا تزوج الحرة على الأمه قسم للأمة ليلة وللحرة ليلتين (رواه الدارقطني واحتج به أحمد) ولأن الحرة حقها في الإيواء أكثر والحق في القسم اللأمة لا لسيدها، فللأمة أن تهب ليلتها لزوجها أو لبعض ضرائرها بإذن زوجها كالحرة وليس لسيدها الاعتراض ولا أن يهبه دونها وإذا تزوج بكرا ولو أمة ومعه غيرها أو حرائر أقام عندها سبعا ثم دار، وإذا تزوج ثيبا ولو أمة أقام عندها ثلاثًا لأنه يراد للأنس وإزالة الاحتشام والأمة والحرة
стр. 8379
سواء في الاحتياج إلى ذلك فاستويا فيه كالنفقة (١).
مذهب الظاهرية:
على الزوج نفقة زوجتة الأمة وكسوتها بوئت بيتا أو لم تبوأ - مذ يعقد النكاح، ونفقتها وما تتوطأه. وتتغطاه وتفترشه وإسكانها كذلك (٢)، ولا يجوز أن يفضل في قسمة الليالى حرة على أمة متزوجة، ولا يجوز للرجل أن يقسم لأم ولده ولا لأمته مع زوجته إن كانت، فلو طابت نفس الزوجة بذلك فله أن يقسم لأمته لكن له أن يطأ أمته متى شاء (٣) وعلى الرجل القسم بينهن على أن يكون للأمة نصف الحرة والأمة المملوكة لاحق لها في القسم مع الزوجات. وإذا تزوج الرجل بكرًا - حرة أو أمة - وله زوجة أخرى حرة أو أمة فعليه أن يخص البكر بمبيت سبع ليال عندها ثم يقسم فيعود ولا يحاسبها بتلك السبع ولا بشئ منها. فإن تزوج ثيبا فله أن يخصها بمبيت ثلاث ليال ثم يقسم ويعدل ولا يحاسبها بتلك الثلاث (٤). ولا يحل العزل عن حرة أو أمة (٥).
مذهب الزيدية:
يجوز لمالك الأمة المزوجة أن يتصرف فيها بالبيع أو الهبة والعتق والكتابة والإجارة واستخدام واستصحابها في سفره لتخدمه، ولا يجوز له أن يطأها وهى مزوجة أو في العدة ولا يجوز له أن يمنع زوجها من وطئها في الأوقات المعتادة ويخير السيد بين تسليم الأمة المزوجة للوطء فقط إلى دار الزوج أو تخلية الزوج يطأها في دار السيد حيث كان العرف الحاجه إليها للخدمة في الليل وإلا وجب تسليمها للمبيت في دار الزوج، وقيل: يجب على السيد تسليمها للوطء في داره فقط (٦). وإذا سلم السيد الأمة المزوجة تسليما مستداما - وأقل المستدام يوم وليلة متصلة - وجبت للسيد على زوج أمته لنفقتها فإن كان حرًا فعليه وإن كان عبدا فعلى سيده. وإذا شرط السيد على الزوج نفقة الزوجة الأمة مع عدم التسليم المستدام صح الشرط فيلزم الزوج ذلك ويصح العكس أيضا وهو أن يشرط الزوج أنه لا نفقة عليه ولو كانت مسلمة تسليما مستداما (٧). وليس للزوجة الأمة اخدام إلا أن تحتاج إلى الخدمة لزمانة أو مرض، فإن الزوج يلزم بإقامة من يخدمها ويمرضها والحرة والأمة هنا سواء (٨).
مذهب الإمامية الجعفرية:
تثبت النفقة للزوجة الأمة (٩) وإذا زوج المولى عبده أمته هل يجب أن يعطيها المولى شيئا من ماله؟ قيل نعم والاستحباب أشبه (١٠) وإذا كانت الأمة مع حرة أو الحرائر فللحرة ليلتان وللأمة ليلة (١١).
مذهب الإباضية:
تجب نفقة الأمة وكسوتها وسكناها على
стр. 8380
زوجها ولو عبدًا على الصحيح وتدرك (تفرض) على مولى الزوج وذلك أن جلبها الزوج وإلا فعلى سيدها. وإن كانت الأمة عند الزوج ليلا فقط لزمه الإنفاق عليها ليلا وعلى سيدها الإنفاق عليها نهارًا ولا يأتيها زوجها إلا بأوقات لا يشغلها فيها عن خدمة السيد وأن خلاها للزوج ليلا ونهارًا فعلى زوجها نفقتها وكسوتها وفراش نومها وسكناها فيهما، ولو كانت تخدم للسيد. وأن حبسها فيهما السيد فذلك كله عليه. وقيل: لا نفقة للأمة على زوجها مطلقا بل على سيدها (١).
ولا يعزل الزوج عن الأمة أي لا يترك جماعها أو لا ينزل خارج فرجها إلا بإذنها أو بإذن سيدها، وإن إذن أحدهما ومنع الآخر فالحجة لها (أي الأمر لها) وعلى الزوج أن يعدل بين نسائه جميعا ولو اختلفن في حرية وعبودية وذلك إن جلبهن أو طلب جلبهن أو طلبه هو ومنع حتى يؤدى عماجلهن. قيل: تلزمه حقوقهن والعدل بينهن ولو لم يجلبهن أو طلب إليه ذلك، وذلك في المسكن والنفقة واللباس والجماع والمبيت وما دون ذلك عند الأكثر، وقيل: لا يجب في الجماع (٢) وإذا اجتمع عنده أمه وحرة - عند من يبيح ذلك - فللحرة يومان وللأمة يوم واحد (٣).
ولد الأمة
مذهب الحنفية:
الولد يتبع أمه في الحرية والرق (٤) وولد الأمة إن كان من سيدها فهو حر وهى أم ولد (انظر استيلاد).
وإذا شرط الحر حرية أولاده من زوجته الأمة على مولاها صح الشرط وعتق كل من ولدته في هذا النكاح لأن قبول المولى الشرط والتزويج على اعتباره هو معنى تعليق الحرية بالولادة فيصح. ويشترط في ذلك أن يكون الزوج حرًا فإن كان عبدًا كان أولاده عبيدًا عند أبو حنيفة وأبو يوسف خلافا لمحمد. وكذلك في العبد المغرور إذا تزوج امرأة على أنها حرة فظهرت أمة. فإن أولاده عبيد. بخلاف الحر المغرور فإن أولاده أحرار بالقيمة اتفاقا. والظاهر أن اشتراط الحرية بعد العقد يصح. ويحرر الأولاد. ويكون الشرط قاصرًا على هذا النكاح فإن طلقها ثم نكحها بعد ذلك فهم أرقاء إلا إذا شرط كالأول (٥).
مذهب المالكية:
الولد يتبع أمه في الرق والحرية ويستثنى من ذلك ولد الزوج الحر المغرور بحريتها فهو حر. بإجماع الصحابة وهذا الاستثناء قاصر فقط على ولد الحر المغرور بحريتها دون ولد العبد المغرور، والحر غير المغرور. وعلى الحر
стр. 8381
المغرور أن ردها بالغرر منها أو من سيدها قيمة الولد مطلقا ردها أو امسكها، كان الغرور منها أو من سيدها أو من أجنبى لأنه حر وتعتبر قيمة الولد يوم الحكم بالقيمة لا يوم الولادة ولا يكون مال الولد لسيد أمه ولا ولاء عليه لتخلقه على الحرية. فإذا أعدم الأب بعسر أو موت أخذت القيمة من نفس الولد إن ايسر ولا يرجع بها على أبيه كما لا يرجع بها أبوه عليه ان غرمها (١).
مذهب الشافعية:
ولد الأمة المنكوحة رقيق لمالكها تبعا لها وأن كان زوجها حرًا عربيا، وفى قول قديم: أن ولد العربى حر (٢). ولو غُرّ الزوج بحرية أمة في نكاحه اياها سواء وقع التغرير في العقد أو قبله أو بعده فالولد الحاصل قبل الكل لم بأنها أمة حر لظن الزوج حريتها حين حصوله، سواء كان الزوج حرًا أم عبدا وسواء فسخ العقد أم اجازه إذا ثبت له الخيار. وعلى المغرور قيمته لسيدها لأنه فوت عليه رقه التابع لرقها بظنه حريتها فتستقر في ذمته حرًا كان أو عبدًا وتعتبر قيمته يوم الولادة، ويرجع بها على الغار لأنه أوقعه في غرامتها وهو لم يدخل في العقد. وأما الولد الحاصل بعد العلم بأنها أمة والمراد بالحصول العلوق - فهو رقيق والتغرير بالحرية لا يتصور من سيدها لأنه لو قال: زوجتك هذه الحرة أو نحوه عتقت وإنما يتصور من وكيله في نكاحها (٣). ولو كان ولد الأمة من سيدها فهو حر (انظر استيلاد).
مذهب الحنابلة:
ولد المسلم أو الكتابى من الزوجة الأمة رقيق للسيد تبعا لأمه إلا أن يشترط الزوج على مالكها حرية الولد فيكون حرًا لقوله ﷺ : "المسلمون على شروطهم إلا شرطًا أحل حراما أو حرم حلالا" ولأن هذا لا يمنع المقصود من النكاح فكان شرط لازما وليس للزوج أن يشترط حرية الولد على غير مالكها كناظر الوقف وولى المتيم (٤).
وأن تزوج الحر أمرأة يظنها حرة الأصل فبانت أمه أو شرطها حرة فبانت أمة فولده منها حر لأنه اعتقد حريتها فكان ولده حرًا لاعتقاده ما يقتضى حريته ويفديه الزوج بقيمته يوم ولادته؛ قضى بذلك عمر وعلى وابن عباس، لأنه محكوم بحريته عند الوضع فوجب أن يضمنه حينئذ لأنه وقت فوات رقه ولأن الزيادة بعد الوضع لم تكن مملوكة لمالك الأمة فلم يضمنها، وذلك إن ولد حيا لوقت يعيش لمثله، سواء عاش أو مات بعد ذلك. ويرجع الزوج بذلك الفداء على من غره سواء كان الغار واحدًا أو أكثر (٥).
مذهب الظاهرية:
ومن زوج مملوكة لغيره بإذن السيد أو بغير إذن السيد سواء أدعت أنها حرة أو لم تدع، فكل ما ولدت منه فهم عبيد لسيدها لا يجبر على قبول فداء فيهم إلا أن ما كان من ذلك بغير إذن سيدها
стр. 8382
فعليها حد الزنا وليس نكاحا والولد لا حقوق بالرجل إن كان جاهلا (١).
مذهب الزيدية:
قالوا يلحق الولد بأمه فإن كانت حرة كان الولد حرا ولو كان أبوه عبدا وإن كانت مملوكة كان الولد مملوكا لمالكها ولو كان أبوه حرا فلا حق لولد العبد على أبيه الحر ولا على سيد أبيه إلا أن تكون أمه مملوكة له ويصح شرط حرية ذلك الولد فيكون حرًا (٢).
مذهبة الإمامية:
إذا تزوج الحر أمة من غير إذن مالكها ثم وطئها قبل الرضا عالما بالتحريم كان زانيا وعليه الحد ولا مهر إن كانت عالمة مطاوعة وإن أتت بولد كان رقيقا لمولاها. وإذا كان الزوج جاهلا بالحرمة أو كان هناك شبهة فلا حد ووجب المهر والولد حر ويلزم أباه قيمته يوم ولد لمولاة، وكذا لو عقد عليها لدعواها الحرية ولزمه المهر وكان ولدها منه رقيقا وعلى الزوج أن يفكه بالقيمة ويلزم المولى دفعه إليه، ولو لم يكن له مال. سعى في قيمته (٣) وإذا تزوج عبد من أمه لغير مولاه فإن إذن الموليان فالولد لهما وكذا أن لم يأذنا. ولو أذن أحدهما كان الولد لمن لم يأذن (٤).
تفريق النكاح وآثاره
مذهب الحنفية:
إذا عتقت الأمة تحت حر أو عبد فانها تخير في نفسها وهو ما يسمى خيار العتق، ولو كان النكاح برضاها. فإن اختارت نفسها فلا مهر لها وإن اختارت زوجها فالمهر لسيدها. وإذا كانت صغيرة أخرت لبلوغها وليس لها خيار البلوغ على الأصح. والجهل بخيار العتق عذر. ولا يتوقف هذا الخيار على القضاء ولايبطل بالسكوت (٥).
والعدة لأمة تحيض لطلاق أو فسخ حيضتان لعدم التجزى ولأمة لم تحض - لطلاق أو فسخ - أو مات عنها زوجها نصف الحرة لقبول التنصيف، وفى حق الحامل مطلقا - أمة أو حرة أو كتابية أو من زنا - وضع جميع حملها (٦). وفى أم الولد تفصيل (انظر. استيلاد). وفى التسرى استيراء كما سلف.
مذهب المالكية:
لمن كمل عتقها من الإيماء وهى تحت عبد ولو بشائبة فراقه فيحال بينها وبينه حتى تختار فإذا اختارت الفراق أوقعت بنفسها طلقة واحدة بائنة وأن أوقعت طلقتين فله رد الثانية على قول الأكثر ولا شئ لها من الصداق إن اختارت نفسها قبل البناء ولها بعده المسمى لأنه تقرر لها بالوطء إلا إن تعتق قبل البناء ولم تعلم بعتقها فيطؤها غير عالمة فلها الأكثر من المسمى ومن
стр. 8383
صداق المثل (١). وعدة الأمة الحامل - وضع حملها، ولذات الحيض قرآن. وإن كانت من ذوات المدة، كالأيس ومن لم تر الحيض - فعدتها ثلاثة أشهر. وأن تأخر حيضها لغير عذر أو استحاضت ولم تميز تربصت سنة كاملة (٢).
مذهب الشافعية:
من عتقت تحت رقيق أو من فيه رق تخيرت في فسخ النكاح قبل الدخول وبعده لأنها تتغير بمن فيه رق وهذا إذا كانت كاملة الأهلية فإن كانت ناقصة الأهلية كصغيرة ومجنونة حتى تكمل وللزوج وطؤها قبل الفسخ والأصل في ذلك أن بريرة عتقت فخيرها رسول الله ﷺ وكان زوجها عبدًا فاختارت نفسها رواه مسلم أما من عتقت تحت حر فلا خيار لها لأن ما حدث لها من الكمال متصف به الزوج ولو عتقا معا أو مات أو عتق بعد عتمها وقبل فسخها فلا خيار والأظهر أن الخيار على الفور كخيار البيع والثانى يمتد مدة التروى ثلاثة أيام ومبدؤها من حين علمت بالعتق وثبوت الخيار والثالث يمتد إلى أن تصرح بإسقاط أو تمكن من الوطء طائعة فإن قالت - بعد تأخيرها الفسخ - جهلت العتق صدقت بيمينها ان أمكن حملها، وكذا ان قالت جهلت الخيار به في الأظهر، والثانى: يمنع ذلك ويبطل خيارها بأن كان المعتق غائبا عنها حين العتق فإن كانت معه في بيته ويبعد خفاء العتق عليها فالمصدق الزوج. والفسخ بالعتق لا يحتاج إلى مرافعة إلى الحاكم لأنه ثابت بالنص والإجماع. ولو عتق بعضها أو كوتبت أو عتق عبد تحته أمة فلا خيار لها ولا له (٣). ولو نكح امرأة وشرط فيها الحرية فاخلف المشروط - بأن ظهرت أمة - فالأظهر صحة النكاح لأن المعقود عليه معين لا يتبدل بخلف الصفة المشروطة. والثانى: بطلانه لأن النكاح يعتمد الصفات والأسماء دون التعيين والمشاهدة فيكون اختلاف الصفة فيه كاختلاف العين. ثم على القول بالصحة - أن بان الموصوف خيرا مما شرط فيه، كأن شرطها أمة فبانت حرة فلا خيار (٤).
وعدة الأمة ومن فيها رق وأم الولد والمكاتبة بقرأين وإن عتقت في العدة أقوال ثلاثة؛ أحدها: تكمل عدة حرة مطلقا لوجود العتق في العدة، والثانى: عدة أمة مطلقا وطروّ العتق لا يغير ما وجب والثالث: وهو الأظهر: يكمل الرجعية عدة حرة لأنها كالزوجة فكأنها عتقت قبل الطلاق، والبائن عدة أمة لأنها كالأجنبية فكأنها عتقت بعد انقضاء العدة. إذا كانت الامة لم تحصن أو يئست من المحيض فعدتها شهر ونصف على النصف من الحرة وفى قول شهران لأنهما بدل قرأين وقيل ثلاثة لأن الماء لم يظهر أثره إلا بعدها (٥).
مذهب الحنابلة:
إن عتقت الأمة كلها وزوجها حر فلا خيار لها، أو عتقت كلها وبعضه حر فلا خيار لها؛ لأنها كافأت زوجها في الكمال فلم يثبت لها خيار. ورواية عائشة وابن عباس أن زوج بريرة كان عبدًا مقدمة عندهم على رواية أنه كان حرًا. وعمل أهل المدينة على الأول. وإن كان زوج الأمة التي عتقت كلها عبدًا فلها فسخ النكاح
стр. 8384
بنفسها بلا حاكم لأنه فسخ مجمع عليه غير مجتهد فيه فلم يفتقر إلى حكم حاكم. فإذا قالت: اخترت نفسى، أو قالت: فسخت النكاح، انفسخ. وكذا لو قالت اخترت فراقه أو طلقت نفسى ونوت المفارقة. وخيار الفسخ منها على التراضى فإن عتق زوجها قبل فسخها بطل خيارها، لأن الخيار لدفع الضرر بالرق وقد زال بالعتق فسقط الخيار. ولو رضيت العتيقة بالمقام معه بعد العتق فلا خيار لها، وكذا لو أمكنته من وطئها أو من مباشرتها أو من تقبيلها طائعة أو قبلته هي ونحوه مما يدل على الرضا لقول النبي ﷺ لبريرة: "إن قربك فلا خيار لك" رواه أبو داود. فإن ادعت الجهل بالعتق وكان ممكنا أو أدعت الجهل بملك الفسخ لم تسمع دعواها وبطل خيارها. ويجوز للزوج الأقدام على وطئها إذا كانت غير عالمة بالعتق لأنه حقه ولم يوجد ما يسقطه. ولو بذل الزوج لها عوضا على أن تختاره جاز. ولو شرط معتقها عليها دوام النكاح تحت حر أو عبد فرضيت بالشرط لزمها ذلك وليس لها الفسخ. وإن كانت صغيرة أو مجنونة فلا خيار لها في الحال ولها الخيار إذا بلغت تسعًا وعقلت ما لم يطأ الزوج قبل اختيارها الفسخ فيسقط كالكبيرة. وليس لولى الصغيرة أو المجنونة الاختيار عنها. فإن طلقت قبل الخيار وقع الطلاق أن كان بائنا وإن كان رجعيا فلها الخيار. وأن عتقت المعتدة الرجعية فلها الخيار. ومتى اختارت العتيقة الفرقة بعد الدخول فالمهر للسيد وإن كان الفسخ قبله فلا مهر وإن أعتق العبد وتحته أمه فلا خيار له. ولو تزوج رجل امرأة عن غير شرط الحرية أو الرق فبانت أمة فلا خيار له (١).
مذهب الظاهرية:
إذا عتقت المملوكة المزوجة بعبد أو حر فإنها تخير، فإن اختارت فراقه فلها ذلك، وإن اختارت أن تقر عنده فلها ذلك، وقد بطل خيارها وعليها العدة فاختيارها فراقه كعدة الطلاق (٢) وعدة الأمة المزوجة من الطلاق أو الوفاة كالحرة سواء بسواء (٣).
مذهب الزيدية:
متى عتقت الأمة المزوجة خيرت بين فسخ النكاح أو البقاء سواء كان الزوج حرًا أو عبدا، وقيل: لا خيار لها أن كان الزوج حرًا (٤) وعدة الأمة عن الوفاة أربعة أشهر وعشرا كيف كان الزوجان سواء كانا طفلين أو أحدهما أو كانت مدخولة أو غير مدخولة لا فرق بين الحرة والأمة (٥).
مذهب الإمامية الجعفرية:
إذا طلقت الأمة مرتين حرمت حتى تنكح زوجا غيره سواء كانت تحت حر أو عبد فلا تحل للأول بوطء المولى. وكذلك لا تحل لو ملكها المطلق لسبق التحريم على الملك (٦)، وإذا تزوج امرأة على أنها حرة فبانت أمة كان له الفسخ ولو دخل بها. وقيل: العقد باطل والأول أظهر ولا مهر لها مع الفسخ قبل الدخول ولها المهر بعده (٧).
стр. 8385
مذهب الإباضية:
لا طلاق من عبد أو أمة إلا بإذن سيدها. ولا مراجعة ولا ظهار ولا إيلاء أو فداء إلا بإذن السيد، فلو راجعها زوجها عن فداء لم يجز إلا بإذن السيد وإن فعل عبد أو أمة شيئا من ذلك بلا إذن السيد ثم أجازه السيد جاز (١) وإذا أعتقت الأمة المزوجة كان لها التخيير ولو كان زوجها حرًا، ولو سها. وقيل خيارهما طلاق (٢).
حكم الأمة في الحدود والجنايات:
مذهب الحنفية:
إذا وطأ جارية أبيه أو أمه أو زوجته وقال ظننت أنها تحل لى فلا حد عليه ولا على قاذفه، وإن قال علمت أنها على حرام حُدّ، وكذا العبد إذا وطء جارية مولاه، لأن بين هؤلاء انبساطا في الانتفاع فظنه في حل الاستمتاع محتمل فكان شبهة اشتباه، إلا أنه زنا حقيقة فلا يحد قاذفه. وكذا إذا قالت الجارية: ظننت أنه يحل لى والفحل لم يدع في الظاهر لأن الفعل واحد وأن وطء جارية أخيه أو عمه وكذا سائر المحارم سوى الولاد، وقال: ظننت أنها تحل لى حُدّ لأنه لا انبساط في المال فيما بينهم. ولا حد على من وطئ جاريه ولده وولد ولده وأن قال علمت أنها على حرام لأن الشبهة حكمية لأنها نشأت عن دليل وهو قوله ﷺ : "أنت ومالك لأبيك" والأبوة قائمة في حق الجد (٣). وتضرب الأمة في الحد خمسين جلدة لقوله تعالى فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب نزلت في الإماء انظر مصطلح جد وأما حكمها في الجناية من وعليها - انظر مصطلح جنايات.
مذهب المالكية:
إذا وطئ جارية ابنه أو بنته فلا حد عليه وتقوم عليه حملت أم لم تحمل لأنها قد حرمت على ابنه فاستهلكها بذلك. وجاز للسيد إقامة حد الزنا على تعينه الذكر أو الأنثى (٤) انظر.
مذهب الشافعية:
لا حد على الرجل أن وطء أمته المزوجة والمعتدة قطعا وقيل في الأظهر لشبهة الملك وكذا مملوكته المحرم برضاع أو نسب كموطوءة أبيه أو ابنه (٥). ويحرم على الأب وطء أمة ولده والمذهب وجوب مهر لأحد لأن له في مال ولده شبهة فإن احبلها فالولد حر ويحرم عليه نكاحها (٦). انظر مصطلح حد أما حكمها في الجناية منها وعلمها فانظر مصطلح جناية.
مذهب الحنابلة:
إذا زنت الأمة جلدت خمسين جلدة ولم تغرب بكرًا كانت أم ثيبا انظر مصطلح حد أما الجناية منها وعليها فانظر مصطلح جناية.
مذهب الظاهرية:
حد المماليك ذكورهم وإناثهم في الجلد والنفى المؤقت والقطع على النصف من حد الأحرار في كل ما يمكن أن يكون له نصف. وما لا يمكن أن يكون له نصف له من القتل بالسيف أو الصلب والنفى الذي لا وقت له
стр. 8386
فالمماليك والأحرار فيه سواء (١). انظر مصطلح حد وأما منها أو عليها فانظر مصطلح جناية.
مذهب الزيدية:
ينصف الحد على العبد فيجلد نصف الحر ويستوى في ذلك الأمة والمدبرة وأم الولد (٢) والمملوك لا يحصن فالأمة تحصن الحر وهو لا يحصنها (٣). ويحد السيد عبده وأمته عند عدم الإمام في الزمان، فلا يحده غير السيد فإن مات السيد أو انتقل الملك سقط الحد (٤). وللرجل قتل من وجده مع أمته حال الفعل (٥). وإذا وطئ الأب أمة أبنه فعلقت فقد استهلكها ويلزمه قيمتها يوم العلوق ولا يجب لها عقر وقيل غير ذلك (٦) انظر مصطلح حد وأما الجناية منها أو عليها فانظر مصطلح جناية.
مذهب الإمامية الجعفرية:
يجوز للأب أن يقوم مملوكة ابنه إذا كان صغيرا ثم يطأها بالملك. ولو بادر أحدهما فوطئ مملوكة الآخر من غير شبهة كان زانيا لكن لا حد على الأب، وعلى الابن الحد. ولو كان هناك شبهة سقط الحد. انظر مصطلح حد - أما الجناية منها وعليها فانظر مصطلح جناية.
مذهب الإباضية:
العبد والأمة على نصف الحر في الحد ولا يرجمان في الزنا بل يجلدان نصف الحر مطلقا وهو خمسون جلدة وفى القذف أربعين جلدة. وقيل إن أحصنا جلدا في الزنا خمسين جلدة وإلا نكلا وهو الأصح (٧). انظر مصطلح حد وأما الجناية منها وعليها فانظر مصطلح جناية.
стр. 8387
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
امتناع
التعريف في اللغة:
امتناع مصدر فعله امتنع المزيد على أصله الهمزة والتاء، فأصل مادته منع بالتخفيف؛ جاء في لسان العرب (١): منع الشئ يمنعه منعًا ومنعه بالنون المشددة فامتنع منه وتمنع، والمنع أن تحول بين الرجل وبين الشئ الذي يريده، وهو خلاف الإعطاء، ويقال هو تحجير الشئ؛ يقال رجل منوع ومانع ومناع ضنين ممسك. ومن ذلك ما جاء في التنزيل "مناع للخير" (٢)، وقوله تعالى: "إذا مسه الخير منوعا" (٣)، ومنيع: لا يخلص إليه في قوم منعاء، والاسم المنعة. بقتع الميم وفتح النون وسكونها - والمنعة بكسر الميم وسكون النون. قال ابن الأعرابى: رجل منوع يمنع غيره، ورجل منيع يمنع نفسه، قال: والمنيع أيضا الممتنع: والمنوع الذي يمنع غيره، قال عمرو بن معد يكرب:
بَرانى حُب من لا أستطيعُ … ومن هو للذى أهوى منوع
والمانع من صفات الله تعالى له معنيان:
أحدهما: ما روى عنه النبى ﷺ أنه قال: "اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطى لما منعت" فكان يعطى من استحق العطاء ويمنع من لم يستحق إلا المنع، ويعطى من يشاء ويمنع من يشاء، وهو العادل في جميع ذلك. والمعنى الثاني من تفسير المانع: أنه ﵎ يمنع أهل دينه أي يحوطهم وينصرهم. وقيل: يمنع من يريد من خلقه ما يريد ويعطيه ما يريد، ومن هذا يقال فلان في منعة أي في قوم يحمونه ويمنعونه، وهذا المعنى في صفة الله ﷻ بالغ؛ إذ لا منعة لمن لم يمنعه الله، ولا يمتنع من لم يكن الله له مانعا، وفى الحديث الشريف: "اللهم من منعت ممنوع" أي من حرمته فهو محروم لا يعطيه أحد غيرك، وفى الحديث أنه ﷺ كان ينهى عن عقوق الأمهات، ومنع وهات، أي عن منع ما عليه إعطاؤه وطلب ما ليس له. وجاء في المعجم الوسيط (٤): منع فلانا الشئ، ومنعه منعا: حرمه اياه، ويقال: منعه من حقه ومنع حقه منه. ومنع الجار: أجاره وحماه. ويقال: امتنع الشئ: تعذر حصوله، وامتنع عن الشئ: كف عنه، ويقال امتنع من الأمر وامتنع به: تقوى واحتمى به، ويقال تمانعا بمعنى امتنعا، وتمانعا على أنفسهما: تحاميا، وتمنَّع الشئ: امتنع وتمنع به: احتمى، وتمنع عنه: انكف. وقال صاحب القاموس المحيط (٥): المنعى - على وزن
стр. 8388
سكرى - الامتناع، والامتناع الكف عن الشئ، والممتنع الأسد القوى العزيز في نفسه. قال صاحب اللسان: وحكى ابن برى عن النجيرمى: منعة جمع مانع، وفى الحديث الشريف: سيعوذ بهذا البيت قوم ليست لهم منْعة أي قوة تمنع من يريدهم بسوء. ويقال امرأة منيعة أي ممتنعة لا تؤاتى على فاحشة (١).
التعريف في اصطلاح الأصوليين والفقهاء: الأصوليون والفقهاء يكادون لا يخرجون في استعمالاتهم لكلمة امتناع على المعنى اللغوى، فهو بمعنى العصمة والتحجير، وبمعنى تعذر الحصول، وبمعنى الكف عن الشئ، وبمعنى التقوى والاحتماء. ولكل من هذه الاستعمالات مجاله على ما سيأتي مفصلا إن شاء الله تعالى.
أولا: الامتناع في استعمال الأصوليين التكليف بالممتنع
أصول الحنفية: جاء في فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت أنه لا يجوز التكليف بالممتنع بالذات مطلقا في ذاته، لا بالنسبة إلى قدرة دون قدرة، كالجمع بين الضدين، أو الممتنع بالذات صدوره من المكلف وإن كان ممكنا بالنسبة إلى قدرة الله تعالى كخلق الجوهر من القدرة الحادثة. وجوز الأشعرية التكليف بالممتنع بالذات بالنحوين المذكورين، واختلفوا في وقوعه، فمنهم من قال إنه واقع، ومنه من قال لا. وأما الممتنع عادة - وهو الممكن في ذاته - وبالنظر إلى قدرة المكلف لكن في العادة لا يصدر من المكلف كحمل الجبل فيجوز التكليف به عندنا عقلا خلافا للمعتزلة فإنهم لا يجوزونه عقلا، ولا يجوز عندنا شرعا لقول الله : "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها" (٢)، والإِجماع منعقد على صحة التكليف بما علم الله تعالى أنه لا يقع، وإن كان هذا الذي لا يقع محالا بالغير وفى شرح الشرح بل على وقوعه أيضا. ويدل لنا: أنه لو صح التكليف بالممتنع لكان مطلوبا لأنه معنى التكليف، والطلب موقوف على تصور وقوعه كما طلب. وإن لم يتصور ذلك المطلوب لما طلب ذلك بل لشئ آخر، وهذا ضرورى، فقد خرج لو جاز التكليف بالممتنع لكان مقصورا كما طلب أي من جهة الوقوع، وتصور وقوع المحال من حيث إنه محال، ومعلوم الاستحالة في الخارج باطل بالضرورة، فجواز التكليف بالمحال باطل، فإن قلت هذا استدلال في مقابلة الضرورة إذ لا استحالة فيما إذا قال للمكلف أوجد اجتماع النقيضين أو المحال، قال: وهذا الذي ذكرنا في التكليف الحقيقى والطلب حقيقة، وأما التكليف الصورى الذي من غير طلب حقيقى بأن يتلفظ بصيغة الأمر ويقول أوجد المحال أو ائت باجتماع النقيضين فما هو إلا كقولك اجتماع النقيضين واقع، فإن الإِخبار به حقيقة غير
стр. 8389
صحيح وإن كان التلفظ به صحيحا كذا هاهنا الطلب حقيقة غير صحيح وإن كان التلفظ بصيغة الأمر صحيحا ولا نقول باستحالة هذا التلفظ بهذا الدليل. وإنما قيل في كلام أهل الحق بامتناعه لمدرك آخر دال عليه لو تم المدرك لتم امتناع هذا التلفظ والمدرك الآخر هو أن التلفظ بما لا يقصد معناه سفه أو هزل وهو مستحيل على الله تعالى.
وإن التكليف بالمحال نقص مستحيل عليه تعالى، وهذا المدرك شامل للصورى والحقيقى، إلا أنه مختص بتكليف الله تعالى (١).
أصول غير الحنفية: جاء في الأحكام أنه اختلف قول أبى الحسن الأشعرى رضى الله تعالى عنه في جواز التكليف بما لا يطاق نفيا وإثباتا، وذلك كالجمع بين الضدين وقلب الأجناس وإيجاد القديم وإعدامه ونحو ذلك، وميله في أكثر أقواله إلى الجواز وهو لازم على أصله في اعتقاد وجوب مقارنة القدرة الحادثة للمقدور بها، مع تقدم التكليف بالفعل على الفعل، وأن القدرة الحادثة غير مؤثرة في مقدورها، بل مقدورها مخلوق لله تعالى ولا يخفى أن التكليف بفعل الغير حالة عدم القدرة عليه تكليف بما لا يطاق وهذا هو مذهب أكثر أصحابه وبعض معتزلة بغداد حيث قالوا بجواز تكليف العبد بفعل في وقت علم الله تعالى أن يكون ممنوعا عنه، والبكرية حيث زعموا أن الختم والطبع على الأفئدة مانعان من الإِيمان مع التكليف به، غير أن من قال بجواز ذلك من أصحابه اختلفوا في وقوعه نفيا وإثباتا، ووافقه على القول بالنفى بعض الأصحاب، وهو مذهب البصريين من المعتزلة وأكثر البغداديين، وأجمع الكل على جواز التكليف بما علم الله تعالى أنه لا يكون عقلا وعلى وقوعه شرعا كالتكليف بالإِيمان لمن علم الله تعالى أنه لا يؤمن كأبى جهل، خلافا لبعض الثنوية. والمختار إنما هو امتناع التكليف بالمستحيل لذاته، كالجمع بين الضدين ونحوه، وجوازه في المستحيل باعتبار غيره، وإليه ميل الغزالى رضى الله تعالى عنه. ولنفرض الكلام في الطرفين؛ أما الطرف الأول: وهو امتناع التكليف بالمستحيل لذاته فيدل عليه أن التكليف طلب ما فيه كلفة، والطلب يستدعى مطلوبا متصورا في نفس الطالب، فإن طلب ما تصور له في النفس محال، والمستحيل لذاته كالجمع بين الضدين، والنفى والإِثبات معا في شئ واحد ونحوه لا تصور له في النفس، ولو تصور في النفس لما كان وقوعه في الخارج ممتنعا لذاته، وكما يمتنع التكليف بالجمع بين الضدين في طرف الوجود، فكذلك يمتنع التكليف بالجمع بين الضدين في طرف السلب إذا لم يكن بينهما واسطة كالتكليف بسلب الحركة والسكون معا في شئ واحد لاستحالة ذلك لذاتيهما، وعلى هذا فمن توسط مزرعة مغصوبة فلا يقال له لا تمكث ولا تخرج كما ذهب الله أبو هاشم، وإن كان في كل واحد من المكث والخروج إفساد زرع الغير، بل يتعين التكليف بالخروج لما فيه من تقليل الضرر، وتكثيره في المكث، كما يكلف المولج في الفرج الحرام بالنزع وإن كان به مماسا للفرج المحرم لأن ارتكاب أدنى
стр. 8390
الضررين يصير واجبا نظرا إلى رفع أعلاهما، كإيجاب شرب الخمر على من غص بلقمة ونحو، ووجوب الضمان عليه بما يفسده عند الخروج لا يدل على حرمة الخروج، كما يجب على المضطر في المخمصة بما يتلفه بالأكل وإن كان الأكل واجبا وإن قدر انتفاء الترجيح بين الطرفين وذلك كما إذا سقط إنسان من شاهق على صدر صبى محفوفا بصبيان، وهو يعلم أنه إن استمر قتل من تحته وإن انتقل قتل من يليه، فيمكن أن يقال بالتخيير بينهما أو يخلو مثل هذه الواقعة عن حكم الشارع وهو أولى من تكليفه ما لا تصور له في نفس الطالب على ما حققناه، وهذا بخلاف ما إذا كان محالا باعتبار غيره فإنه يكون ممكنا باعتبار ذاته، فكان متصورا في نفس الطالب وهو واضح لا غبار عليه. فإن قيل: ما ذكرتموه من إحالة طلب الجمع بين الضدين بناء على عدم تصوره في نفس الطالب غير صحيح، وذلك لأنه لو لم يكن متصورا في نفس الطالب لما علم إحالته، فإن العلم بصفة الشئ فرع تصور ذلك الشئ، واللازم ممتنع؛ وإن سلم دلالة ما ذكرتموه إلا أنه معارض بما يدل على جواز التكليف بالجمع بين الضدين ووقوعه شرعا وبيانه قوله تعالى لنوح ﵇: "إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن " (١) أخبر أنه لا يؤمن غير من آمن مع أنهم كانوا مكلفين بتصديق فيما يخبر به، ومن ضرورة ذلك تكليفهم بألا يصدقوه تصديقا له في خبره أنهم لا يؤمنون. وأيضا فإن الله تعالى كلف أبا لهب بتصديق النبي ﷺ في إخباره، ومن إخبار النبي ﷺ أن أبا لهب لا يصدقه لإخبار الله تعالى لنبيه بذلك، فقد كلفه بتصديقه في إخباره بعدم تصديقه له، وفى ذلك تكليفه بتصديقه وعدم تصديقه، وهو تكليف بالجمع بين الضدين. قلنا: أما الإِشكال الأول فمندفع، وذلك لأن الجمع المعلوم المقصور المحكوم بنفيه عن الضدين إنما هو الجمع المعلوم بين المختلفات التي ليست متضادة، ولا يلزم من تصوره منفيا عن الضدين تصوره ثابتا لهما، وهو دقيق فليتأمل، وما ذكروه من المعارضة، فلا نسلم وجود الأخبار بعدم الإِيمان في الآيتين مطلقا. أما في قصة أبى لهب فغاية ما ورد فيه قول الله : "سيصلى نارا ذات لهب" (٢) وليس في ذلك ما يدل على الإِخبار بعدم تصديقه للنبى مطلقا، فإنه لا يمتنع تعذيب المؤمن، وبتقدير امتناع ذلك أمكن حمل قوله تعالى "سيصلى نارا ذات لهب" على تقدير عدم إيمانه، وكذلك التأويل في قوله تعالى: "إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن" أي بتقدير عدم هداية الله تعالى لهم إلى ذلك. وذلك لا يدل على الإِخبار بعدم الإِيمان مطلقا، وإن سلمنا ذلك ولكن لا نسلم أنهم كلفوا بتصديق النبي ﷺ فيما أخبر من عدم تصديقهم بتكذيبه، وهذا مما اتفق عليه نفاة التكليف بالجمع بين الضدين. وأما الطرف الثاني وهو بيان جواز التكليف بالمستحيل لغيره فقد احتج الأصحاب عليه بالنص والمعقول، أما النص فقوله تعالى: "ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به (٣) فقد سألوا دفع التكليف بما لا يطاق، ولو كان ذلك ممتنعا لكان مندفعا بنفسه ولم يكن إلى سؤال دفعه عنهم حاجة. فإن قيل إنما يمكن حمل الآية على سؤال رفع ما لا يطاق أن لو كان ذلك ممكنا وإلا
стр. 8391
لتعذر السؤال بدفع ما لا إمكان لوقوعه كما ذكرتموه، وإمكانه متوقف على كون الآية ظاهرة فيه فيكون دورا، سلمنا كونها ظاهرة فيما ذكرتموه، ولكن أمكن تأويلها بالحمل على سؤال دفع ما فيه مشقة على النفس، وإن كان مما يطاق ويجب الحمل عليه لموافقته منا سنذكره من الدليل بعد هذا، سلمنا إرادة دفع ما لا يطاق، لكنه حكاية حال الداعين، ولا حجة فيه، سلمنا صحة الاحتجاج بقول الداعين، لكن لا يخلو إما أن يقال بأن جميع التكاليف غير مطاقة أو البعض دون البعض. الأول يوجب إبطال فائدة تخصيصهم بذكر ما لا يطاق. بل كان الواجب أن يقال لا يكلفنا، وإن كان الثاني فهو خلاف أصلكم، سلمنا دلالة ما ذكرتموه، لكنه معارض بقوله تعالى "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها" (١) وهو صريح في الداب، وقوله تعالى: "وما جعل عليكم في الدين حرج" (٢) ولا حرج أشد من التكليف بما لا يطاق، والجواب عن السؤال الأول إن الآية بوصفها ظاهرة فيما لا يطاق فيجب تقدير إمكان التكليف به ضرورة حمل الآية على ما هى ظاهرة فيه حذرا من التأويل من غير دليل، وعن الثاني أنه ترك الظاهر من غير دليل. وعن الثالث أن الآية إنما وردت في معرض التقرير لهم والحث على مثل هذه الدعوات، فكان الاحتجاج بذلك لا بقولهم. وعن الرابع أنه وإن كان كل تكليف عندنا تكليفا بما لا يطاق غير أنه يجب تنزيل السؤال على ما لا يطاق وهو ما يتعذر الإِتيان به مطلقا في عرفهم دون ما لا يتعذر لما فيه من إجراء اللفظ على حقيقته وموافقة أهل العرف في عرفهم غايته إخراج ما لا يطاق مما هو مستحيل في نفسه لذاته من عموم الآية لما ذكرنا من استحالة التكليف به وامتناع سؤال الدفع للتكليف بما لا تكليف به. ولا يخفى أنه تخصيص، والتخصيص أولى من التأويل، وعن المعارضة بالآيتين أن غايتهما الدلالة على نفس وقوع التكليف بما لا يطاق. ولا يلزم من ذلك ففى الجواز المدلول عليه من جانبنا، كيف وإن الترجيح لما ذكرناه من الآية لاعتضادها بالدليل العقلى على ما يأتى، ومع ذلك فلا خروج لها عن الظن والتخمين، وربما احتج بعض الأصحاب بقوله تعالى: "يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون" (٣) وهو تكليف بالسجود مع عدم الاستطاعة، وإنما يصح الاحتجاج به إن أمكن أن يكون الدعاء في الآخرة بمعنى التكليف. وليس كذلك بالإجماع على أن الدار الآخرة إنما هي دار مجازاة لا دار تكليف. وأما من جهة المعقول فقد احتج فيه بعضهم بحجج واهية؛ الأولى منها: هو أن الفعل المكلف به إن كان مع استواء داعى العبد إلى الفعل والترك كان الفعل ممتنعا لامتناع حصول الرحجان معه، وإن كان مع الترجيح لأحد الطرفين كان الراجح واجبا والمرجوح ممتنعا، والتكليف بهما يكون محالا. الثانية: أن الفعل الصادر من العبد إما أن يكون العبد متمكنا من فعله وتركه أو لا يكون، فإن لم يكن متمكنا منه فالتكليف له بالفعل يكون تكليفا بما لا يطاق، وإن كان متمكنا منه فإما أن لا يتوقف ترجح فعله على تركه على مرجح أو يتوقف؛ الأول محال وإلا كان كل موجود حادثا هكذا، ويلزم منه سد باب إثبات
стр. 8392
واجب الوجود، وإن توقف فذلك المرجح إن كان من فعل العبد عاد التقسيم وهو تسلسل ممتنع وإن كان من فعل غيره فإما أن يجب وقوع الفعل أو لا يجب، وإذا لم يجب كان ممتنعا أو جائزا، والأول محال وإلا كان المرجح مانعا، وإن كان الثاني عاد التقسيم بعينه وهو متنع. فلم يبق سوى الوجوب. والعبد إذ ذاك يكون مجبورا لا مخيرا وهو عين التكليف بما لا يطاق. الثالثة: أن قدرة العبد غير مؤثرة في فعله، وإلا كانت مؤثرة فيه حال وجوده، وفيه إيجاد الموجود أو قبل وجوده، ويلزم من ذلك أن يكون تأثير القدرة في المقدور مغايرا له لتحقق التأثير في الزمن الأول دونه. والكلام في ذلك التأثير وتأثير مؤثره فيه كالأول. وهو تسلسل ممتنع. والقدرة غير مؤثرة في الفعل وهو المطلوب. الرابعة: أن العبد مكلف بالفعل قبل وجود الفعل، والقدرة غير موجودة قبل الفعل؛ لأنها لو وجدت لكان لها متعلق ومتعلقها لا يكون عدما لأنه نفى محض، فلا يكون أثرا لها. فكان وجودا، ولزم من ذلك أن تكون موجودة مع الفعل لا قبله. الخامسة: أن العبد مأمور بالنظر في قوله تعالى: "قل انظروا" (١) والنظر متوقف على القضايا الضرورية قطعا للتسلسل، وهى متوقفة على تصور مفرداتها، وهى غير مقدورة التحصيل، لأنه إن كان عالما بها، فتحصيل الحاصل محال، وإن لم يكن عالما بما بها فطلبها محال، فالنظر يكون ممتنع التحصيل. وهذه الحجج ضعيفة جدا. أما الحجة الأولى فلقائل أن يقول: المانع أن يكون وجود الفعل مع رجحان الداعى إلى الفعل. وقوله لأنه صار الفعل واجبا، يجاب عليه بأنه صار واجبا بالداعى إليه والاختيار له أو لذاته، الأول مسلم، والثانى ممنوع، وعلى هذا خرج العبد عن كونه مكلفا بما لا يطاق ثم يلزم عليه أن تكون أفعال الرب تعالى غير مقدورة بعين ما ذكروه وهو ممتنع، فما هو الجواب عن أفعال الله يكون مشتركا. وأما الثانية فهى بعينها أيضا لازمة على أفعال الله إذ أمكن أن يقال فعل الله إما ألا يكون متمكنا منه أو يكون. وهو إما أن يفتقر إلى مرجح أو لا، وإن افتقر إلى مرجح. فإن كان من فعله عاد التقسيم، وإن لم يكن من فعله فإما أن يجب وقوع الفعل معه أو لا يجب وهلم جرا إلى آخره، والجواب يكون مشتركا. وكذلك الثالثة أيضا لازمة على أفعال الله مع أنها مقدرة له إجماعا. وأما الرابعة؛ فيلزم منها أن تكون قدرة الرب تعالى حادثة موجودة مع فعله لا قبله، وهو مع إحالته فقائل هذه الطريقة غير قائل به. وبيان ذلك أنه أمكن أن يقال: لو وجدت قدرة الرب قبل وجود فعله لكان لها متعلق وليس متعلقها العدم، فلم يبق غير الوجود ويلزم ألا يكون قبل الفعل بعين ما ذكروه. وأما الخامسة فأشد ضعفا مما قبلها إذ هي مبنية على امتناع اكتساب التصورات. وبتقدير ألا تكون التصورات مكتسبة، فالعلم بها يكون حاصلا بالضرورة والتكليف بالنظر المستند إلى ما ينقطع التسلسل عنده من المعلومات الضرورية، لا يكون تكليفا بما لا يطاق وهو معلوم بالضرورة. والمعتمد في ذلك مسلكان؛ المسلك الأول: أن العبد غير خالق لفعله، فكان مكلفا بفعل غيره وهو تكليف بما لا يطاق، وبيان أنه غير خالق لفعله أنه لو كان خالقا لفعله، فليس خالقا له بالذات والطبع إجماعا، بل بالاختيار، والخالق بالاختيار لا بد وأن يكون مخصصا
стр. 8393
لمخلوقه بالإِرادة. ويلزم من كونه مريدا له أن يكون عالما به ضرورة، والعبد غير عالم بجميع أجزاء حركاته في جميع حالاته ولا سيما في حالة إسراعه، فلا يكون خالقا لها. المسلك الثانى: أن إجماع السلف منعقد قبل وجود المخالفة من التنويه على أن الله تعالى مكلف بالإِيمان لمن علم أنه لا يؤمن، كمن مات على كفره، وهو تكليف بما يستحيل وقوعه؛ لأنه لو وقع لزم أن يكون علم البارى تعالى جهلا وهو محال فإن قيل: أما المسلك الأول وإن سلمنا أن العبد لا بد من أن يكون عالما بما يخلقه من أفعاله لكن من جهة الجملة أو من جهة التفصيل، الأول سبيل إلى نفيه، والثانى ممنوع، وإن سلمنا دلالة ما ذكرتموه على أن العبد غير خالق لفعله لكنه معارض بما يدل على خلقه له، ودليله المعقول والمنقول؛ أما المعقول فهو أن قدرة العبد ثابتة بالإِجماع منا ومنكم على فعله؛ فلو لم تكن هي المؤثرة فيه لانتفى الفرق بين المقدور وغيره وكان المؤثر فيه غير العبد ويلزم منه وجود مقدور بين قادرين، ولما وقع الاختلاف بين القوى والضعيف، ولجاز أن يكون متعلقه بالجواهر والألوان، كما في العلم، ولكان العبد مضطرا بما خلق فيه من الفعل لا مختارا، ولجاز أن يصدر عن العبد أفعال محكمة بديعة وهو لا يشعر بها، ولما انقسم فعله إلى طاعة ومعصية لأنه ليس من فعله ولكان الرب تعالى أضر على العبد من إبليس، حيث إنه خلق فيه الكفر وعاقبه عليه، وإبليس داع لا غيره، ولما حسن شكر العبد ولازمه على أفعاله ولا أمره ولا نهيه ولا عقابه ولا ثوابه، ولكان الرب تعالى آمرا للعبد بفعل نفسه وهو قبيح معدود عند العقلاء من الجهل والحمق، ولكان الكفر والإيمان من قضاء اللّه تعالى وقدره وهو إما أن يكون حقا أو باطلا فإن كان حقا فالكفر حق وإن كان باطلا فالإيمان باطل، ولكان الرب تعالى إما راضيا به أو غير راض والأول يلزم منه الرضى بالكفر، والثانى يلزم منه عدحم الرضى بالإيمان، والكل محال مخالف للإجماع، وأما النقل، فقوله تعالى: "وإنى لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا" (١)، وقوله تعالى: "أم حسب الذين اجترحوا السيئات" (٢) وقول النبي ﷺ : "اعملوا وقاربوا وسددوا"، وقوله ﷺ : "نية المؤمن خير من عمله" إلى غير ذلك من النصوص الدالة على نسبة العمل إلى العبد، والعقلاء متوافقون على إطلاق إضافة الفعل إلى العبد بقولهم: فلان فعل كذا وكذا والأصل في الإطلاق الحقيقة، وأما المسلك الثاني، فهو أن تعلق علم البارى تعالى بالفعل أو بعدمه، إما أن يكون موجبا لوجود ما علم وجوده، وامتناع وجود ما علم عدمه، أو لا يكون كذلك، فإن كان الأول فيلزمه محالات وهو أن يكون العلم هو القدرة أو أن يستغنى به عن القدرة ولا يكون الرب قادرا على إيجاد شئ أو عدمه، وألا يكون للرب اختيار ولا للعبد في وجود فعل من الأفعال لكونه واجبا بالعلم أو ممتنعا. وإن لم يكن موجبا للوجود ولا للعدم فقد بطل الاستدلال وإن سلم ذلك. لكنه معارض بما سبق من الأدلة العقلية والنقلية. والجواب عما ذكروه أولا على المسلك الأول بأن الفعل المخلوق للعبد بتقدير خلقه له مخلوق له بجميع أجزائه، وكل جزء منه مخلوق له بانفراده فيجب أن يكون عالما به لما سبق. وهذا هو العلم بالتفصيل وهو غير عالم لما حققناه. والجواب عما ذكروه من الإلزام الأول
стр. 8394
بمنع عدم الفرق بين القدور وغيره. وعن الثاني أنه إنما يمتنع وجود مقدور بين قادرين خالقين أو مكتسبين، أما بين خالق ومكتسب فهو غير مسلم. وعن الثالث بأن الاختلاف بمن القوى والضعيف إنما هو واقع في كثرة ما يخلقه الله تعالى من القُدَر على المقدورات في أحد الشخصين دون الآخر، لا في التأثير. وعن الرابع أنه إنما يلزم أن لو كان تعلق العلم بالجواهر والأعراض من جهة كونه غير مؤثر فيها وهو غير مسلم. وعن الخامس أنه إنما يلزم أن يكون العبد مضطرا أن لو لم يكن فعله مكتسبا له ومقدورا، ولا يلزم من عدم التأثير عدم الاكتساب. وعن السادس أنه لا مانع من تلازم القدرة على الشئ والعلم به. وعن السابع أنه لا معنى لانقسام فعل العبد إلى الطاعة والمعصية غير كونه مأمورا بهذا ومنهيا عن هذا لكسبه وهو كذلك. وعن الثامن أنه لازم على أصلهم أيضا، فإن التمكن من الكفر بخلق القدرة عليه أضر من الدعاء إليه، وقد فعل الله تعالى ذلك بالعبد، فما هو جواب لهم هو جوابنا. وعما ذكروه من الأمر والنهى، والشكر والذم، والثواب والعقاب، والأمر للعبد بما هو من فعل الله تعالى بالمنع من تقبيح ذلك بتقدير أن يكون قادرا غير مؤثر. كيف وأنه مبنى على التحسين والتقبيح العقلى وقد أبطلناه. وعن الإِلزام بالقضاء قد يطلق بمعنى الإِعلام والأمر والاختراع وانقضاء الأجل وإلزام الحكم وتوفية الحقوق والإِرادة لغة، وعلى هذا فالإِيمان من قضائه بجميع هذه الاعتبارات وهو حق، وأما الكفر فليس من قضائه بمعنى كونه مأمورا، بل بمعنى خلقه وإرادة وقوعه، وهو حق من هذا الوجه أيضا. وعن الإِلزام بالرضى: أنه راض بالإيمان وغير راض بالكفر. وعن المنقول: بأن ما ذكروه غايته إضافة الفعل إلى العبد حقيقة. ونحن نقول به فإن الفاعل عندنا على الحقيقة هو من وقع الفعل مقدورا له، وهو أعم من الموجد. والجواب عما ذكروه في المسلك الثاني بأن تعلق العلم بوجود الفعل بملازمة الوجود المقدور، فإنه إنما يعلم وجوده مقدورا لا غير مقدور، وكذا في العدم وعلى هذا، فلا يلزم منه عدم القدرة في حق الله تعالى ولا سلب اختياره في فعله، وكذلك العبيد فإنه إنما علم وقوع فعل العبد مقدورا للعبد والمعارضات فقد سبق الجواب عنها (١).
وجاء في المستصفى أن من شروط الفعل الداخل تحت التكليف جواز كونه مكتسبا للعبد حاصلا باختياره إذ لا يجوز تكليف زيد كتابة عمود وخياطته وإن كان ممكنا فليكن مع كونه ممكنا مقدورا للمخاطب. وذهب قوم إلى أن كون المكلف به ممكن الحدوث ليس بشرط، بل يجوز تكليف ما لا يطاق والأمر بالجمع بين الضدين وقلب الأجناس وإعدام القديم وإيجاد الموجود وهو المنسوب إلى الشيخ أبى الحسن الأشعرى رضى الله تعالى عنه وهو لازم على مذهبه من وجهين أحدهما أن القاعد عنده غير قادر على القيام إلى الصلاة لأن الاستطاعة عنده مع الفعل لا قبله وإنما يكون مأمورا قبله. والآخر: أن القدرة الحادثة لا تأثير لها في إيجاد المقدور بل أفعالنا حادثة بقدرة الله تعالى
стр. 8395
واختراعه، فكل عبد هو عنده مأمور بفعل الغير، واستدل على هذا بثلاثة أشياء؛ أحدها: قوله تعالى: "ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به" (١) والمحال لا يسأل دفعه فإنه مندفع بذاته، وهو ضعيف لأن المراد به ما يشق ويثقل علينا إذ من أتعب بالتكليف بأعمال تكاد تفضى إلى هلاكه لشدتها كقوله تعالى: "اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم" (٢) فقد يقال حمل ما لا طاقة له به، فالظاهر المؤول ضعيف الدلالة في القطعيات. الثاني: قولهم إن الله تعالى أخبر أن أبا جهل لا يصدق وقد كلفه الإِيمان، ومعناه أن يصدق محمدا فيما جاء به، ومما جاء به أنه لا يصدقه فكأنه أمره أن يصدقه في أن لا يصدقه وهو محال، وهذا ضعيف أيضا لأن أبا جهل أمر بالإِيمان بالتوحيد والرسالة والأدلة منصوبة، والفعل حاضر إذ لم يكن هو مجنونا فكان الإِمكان حاصلا، لكن الله تعالى علم أنه يترك ما يقدر عليه حسدا وعنادا، فالعلم يتبع المعلوم ولا يغيره، فإذا علم كون الشئ مقدورا لشخص وممكنا منه ومتروكا من جهته مع القدرة عليه، فلو انقلب محالا لانقلب العلم جهلا ويخرج عن كونه ممكنا مقدورا، وكذلك نقول القيامة مقدور عليها من جهة الله تعالى في وقتنا هذا وإن أخبر أنه لا يقيمها ويتركها مع القدرة عليها وخلاف خبره محال إذ يصير وعيده كذبا ولكن هذه الاستحالة لا ترجع إلى نفس الشئ فلا ثؤثر فيه. الثالث: قولهم لو استحال تكليف المحال لاستحال إما لصيغته أو لمعناه أو لمفسدة تتعلق به أو لأنه يناقض الحكمة ولا يستحيل لصيغته إذ لا يستحيل أن يقول "كونوا قردة خاسئين" (٣)، وأن يقول السيد لعبده الأعمى: أبصر، وللزمن: امش. وأما قيام معناه بنفسه فلا يستحيل أيضا إذ يمكن أن يطلب من عبده كونه في حالة واحدة في مكاننين ليحفظ ماله في بلدين، ومحال أن يقال إنه ممتنع للمفسدة أو مناقضته الحكمة، فإن بناء الأمور على ذلك في حق الله تعالى محال، إذ لا يقبح منه شئ، ولا يجب عليه الأصلح، ثم الخلاف فيه وفى العباد واحد، والفساد والسفه من المخلوق ممكن فلم يمتنع ذلك مطلقا. والمختار استحالة التكليف بالمحال، ولا لقبحه ولا لمفسدة تنشأ عنه ولا لصيغته؛ إذ يجوز أن ترد صيغته ولكن للتعجيز لا للطلب، كقوله تعالى "كونوا حجارة أو حديدا" (٤)، وكقوله تعالى "كونوا قردة خاسئين"، أو لإظهار القدرة كقوله تعالى: "كن فيكون" (٥)، لا بمعنى أنه طلب من المعدوم أن يكون بنفسه، ولكن يمتنع لمعناه إذ معنى التكليف طلب ما فيه كلفة، والطلب يستدعى مطلوبا وذلك المطلوب ينبغى أن يكون مفهوما للمكلف بالاتفاق فيجوز أن يقول تحرك إذ التحرك مفهوم، فلو قال له تحرك فليس بتكليف إذ معناه ليس بمعقول ولا مفهوم ولا له معنى في نفسه فإنه لفظ مهمل، فلو كان له معنى في بعض اللغات يعرفه الآمر دون المأمور، فلا يكون ذلك تكليفا أيضا لأن التكليف هو الخطاب بما فيه كلفة وما لا يفهمه المخاطب لا يكون خطابا معه، وإنما يشترط كونه مفهوما ليتصور منه الطاعة لأن التكليف اقتضاء طاعة فإذا لم يكن في العقل طاعة لم يكن اقتضاء الطاعة متصورا معقولا إذ يستحيل أن يقوم بذات العاقل طلب
стр. 8396
الخياطة من الشجر لأن الطلب يستدعى مطلوبا معقولا أولا وهذا غير معقول أي لا وجود له في العقل فإن الشئ قبل أن يوجد في نفسه فله وجوده في العقل، وإنما يتوجه إليه الطلب بعد حصوله في العقل وإحداث القديم غير داخل في العقل فكيف يقوم بذاته طلب إحداث القديم، وكذلك سواد الأبيض لا وجود له في العقل، وكذلك قيام القاعد فكيف يقول له قم وأنت قاعد فهذا الطلب يمتنع قيامه بالقلب لعدم المطلوب، فإنه كما يشترط في المطلوب أن يكون معدوما في الأعيان يشترط أن يكون موجودا في الأذهان أي في العقل حتى يكون إيجاده في الأعيان على وفقه في الأذهان فيكون طاعة وامتثالا له احتذاء لمثال ما في نفس الطالب فما لا مثال له في النفس لا مثال له في الوجود. فإن قيل فإذا لم يعلم عجز المأمور عن القيام تصور أن يقوم بذاته طلب القيام. قلنا ذلك طلب مبنى على الجهل، ربما يظن الجاهل أن ذلك تكليف فإذا انكشف تبين أنه لم يكن طلبا وهذا لا يتصور من الله تعالى. فإن قيل: فإذا لم تؤثر القدرة الحادثة في الإِيجاد وكانت مع الفعل كان كل تكليف تكليفًا بما لا يطاق. فلنا: نحن ندرك بالضرورة تفرقة بين أن يقال للقاعد الذي ليس بزمن: ادخل البيت، وبين أن يقال له اطلع السماء، أو يقال له قم مع استدامة القعود أو اقلب السواد حركة والشجرة فرسا إلا أن النظر في أن هذه التفرقة إلى ماذا ترجع ويعلم أنها ترجع إلى تمكن وقدرة بالإضافة إلى أحد هذه الأوامر دون البقية ثم النظر في تفصيل تأثير القدرة ووقت حدوث القدرة كيفما استقر أمره لا يشككنا في هذا ولذلك جاز أن نقول: "لا تحملنا ما لا طاقة لنا به"، فإن استوت الأمور كلها فأى معنى لهذا الدعاء، وأى معنى لهذه التفرقة الضرورية فغرضنا من هذه المسألة غير موقوف على البحث عن وجه تأثير القدرة ووقتها (١).
وجاء في روضة الناظر أن من الشروط المعتبرة للفعل المكلف فيه أن يكون ممكنا فإن كان محالا كالجمع بين الضدين ونحوه لم يجز الأمر به، قال صاحب نزهة الخاطر: أي أنه يشترط إمكان الفعل المكلف به لأن حصوله مطلوب الشرع، وكل ما كان مطلوب الحصول يجب أن يكون متصور الوقوع، فالمكلف به يجب أن يكون متصور الوقوع - وهو معنى كونه ممكنا - لكن المحال لا يتصور وقوعه، وما لا يتصور وقوعه لا يستدعى حصوله. دليل الأولى ظاهر، ودليل الثانية أن استدعاء الحصول لا يكون إلا لفائدة، وحصول الفائدة مما لا يتصور وقوعه لا يعقل، وإذا ثبت أن المحال لا يستدعى حصوله فلا يكلف به لعدم فائدة التكليف. واعلم أن المستحيل على أقسام؛ أحدها: أن يكون لذاته ويعبر عنه أيضا بالمستحيل عقلا، وهذا القسم هو الذي ذكره ابن قدامة ومثل له بالجمع بين الضدين والنقيضين، ومثله الحصول في حيزين في وقت واحد. الثاني: أن يكون للعادة كالطيران بلا آلة وبلا واسطة وكخلق الأجسام وكحمل الجبل العظيم. والثالث: أن يكون لطريان مانع كتكليف المقيد العدو وتكليف الزمن المشى. والرابع: أن يكون لانتفاء القدرة عليه حالة التكليف مع أنه مقدور عليه حال الامتثال كالتكاليف كلها لأنها غير
стр. 8397
مقدورة قبل الفعل عند من يقول القدرة لا تكون إلا مع الفعل وهو الأشعرى. والخامس: أن يكون لتعلق العلم به كالإِيمان من الكافر الذي علم الله تعالى أنه لا يؤمن فإن الإيمان منه مستحيل إذ لو آمن لانقلب علم الله تعالى جهلا وهو محال. وهذا التقسيم هو المسلوك به التحقيق. وبعض الأصوليين قد زاد فيه ما ليس منه وغاير بين أشياء هي متحدة في المعنى كما حكاه الأسنوى في شرح المنهاج الأصولى. ثم قال: إذا تقرر ذلك فالقسم الخامس جائز وواقع اتفاقا إذا لو لم يكونوا مأمورين بذلك لما عصوا باستمرارهم على الكفر. ونقل الآمدى عن بعض الثنوية أنه منع جوازه. والرابع أيضا واقع عند الأشعرى بمقتضى الأصل الذي أصله. وأما الثلاثة الأوائل فهى محل النزاع. قال وحاصل ما فيها من الخلاف ثلاثة مذاهب؛ الأول: القول بالجواز مطلقا وهو مختار الرازى وأتباعه. والثانى المنع مطلقا ونقله في المحصول عن المعتزلة واختاره ابن الحاجب رضى الله تعالى عنه. والثالث: إن كان ممتنعا لذاته فلا يجوز وإلا فيجوز واختاره الآمدى رضى الله تعالى عنه. وإذا قلنا بالجواز ففى وقوعه مذاهب أحدها: المنع مطلقا سواء كان ممتنعا لذاته أم لا، والثانى: الوقوع فيها واختاره في المحصول. والثالث: التفصيل وهذا الذي ذكرناه مبسوطا أكثر مما ذكره أكثر أصحابنا، والذي أشار إليه صاحب روضة الناظر وصرح به الطوفى أن المحال ضربان؛ محال لنفسه ومحال لغيره، ثم قال الطوفى رضى الله تعالى عنه: والإجماع على صحة التكليف بالمحال لغمره، والأكثرون على امتناعه بالمحال لذاته. قال ابن قدامة في روضة الناظر: وقال قوم يجوز التكليف بالمحال لذاته، ومن أولئك الطوفى رضى الله تعالى عنه من أصحابنا؛ بدليل قوله تعالى: "ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به" (١) والمحال لا يسأل دفعه، ولأن الله تعالى علم أن أبا جهل لا يؤمن وقد أمره بالإِيمان وكلفه اياه، ولأن تكليف المحال لا يستحيل لصيغته إذ ليس يستحيل أن يقول كونوا قردة. كونوا حجارة. وإن أحيل طلب المستحيل للمفسدة ومناقضة الحكمة فإن بناء الأمور على ذلك في حق الله تعالى محال إذ لا يقبح منه شئ ولا يجب عليه الأصلح ثم الخلاف فيه وفى العباد واحد، فالسفه من المخلوق ممكن. ووجه استحالة التكليف بالمحال قوله الله "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها" (٢)، وقوله تعالى: "لا نكلف نفسا إلا وسعها" (٣)، ولأن الأمر استدعاء وطلب، والطلب يستدعى مطلوبا، ولأن الأشياء لها وجود في الأذهان قبل وجودها في الأعيان وإنما يتوجه إليه الأمر بعد حصوله في العقل، والمستحيل لا وجود له في العقل، فيمتنع طلبه. وأما الاستدلال بقوله تعالى: "ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به" فقد قيل المراد به ما يثقل ويشق بحيث يكاد يفضى إلى إهلاكه كقوله: "اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم" (٤) وكذلك قال النبي ﷺ في المماليك: لا تكلفوهم ما لا يطيقون. وقوله تعالى: "كونوا قردة" (٥) تكون إظهارًا للمقدمة، وقوله: "كونوا حجارة" (٦) تعجيز، وليس
стр. 8398
شئ من ذلك آمرا وتكليف آبى جهل الإِيمان غير محال، فإن الأدلة منصوبة والعقل حاضر وآلته تامة، ولكن علم الله تعالى منه أنه يترك ما يقدر عليه حسدا وعنادا، والعلم يتبع المعلوم ولا يغيره، وكذلك نقول: الله قادر على أن يقيم القيامة في وقتنا وإن أخبر أنه لا يقيمها الآن، وخلاف خبره محال إذ يصير وعيده كذبا، لكن استحالته لا ترجع إلى نفس الشئ، فلا تؤثر فيه (١).
وجاء في إرشاد الفحول أن شرط الفعل الذي وقع التكليف به أن يكون ممكنا فلا يجوز التكليف بالمستحيل عند الجمهور وهو الحق، وسواء كان مستحيلا بالنظر إلى ذاته أو بالنظر إلى امتناع تعلق قدرة المكلف به وقال جمهور الأشاعرة بالجواز مطلقا، وقال جماعة منهم إنه ممتنع في الممتنع لذاته، جائز في الممتنع لامتناع تعلى قدرة المكلف به. واحتج الأولون بأنه لو صح التكليف بالمستحيل لكان مطلوبا حصوله، واللازم باطل لأن تصور ذات المستحيل مع عدم تصور ما يلزم ذاته لذاته من عدم الحصول يقتضى أن تكون ذاته غير ذاته فيلزم قلب الحقائق؛ وبيانه أن المستحيل لا يحصل له صورة في العقل فلا يمكن أن يتصور شئ هو اجتماع النقيضين، فتصوره إما على طريق التشبيه بأن يعقل بين السواد والحلاوة أمر هو الاجتماع ثم يعقل مثل هذا الأمر لا يمكن حصوله بين السواد والبياض، وإما على سبيل النفى بأن يعقل أنه لا يمكن أن يوجد مفهوم اجتماع السواد والبياض وبالجملة فلا يمكن تعقله بماهيته بل باعتبار من الاعتبارات. والحاصل أن قبح التكليف بما لا يطاق معلوم بالضرورة فلا يحتاج إلى استدلال، والمجوز لذلك لم يأت بما ينبغى الاشتغال بتحريره والتعرض لرده ولهذا وافق كثير من القائلين بالجواز على امتناع الوقوع فقالوا يجوز التكليف بما لا يطاق مع كونه ممتنع الوقوع، ومما يدل على هذه المسألة في الجملة قوله : "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها" (٢). وقوله "لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها (٣)، وقوله تعالى: "ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به" (٤)، وقد ثبت في الصحيحين أن الله قال عند هذه الدعوات المذكورة في القرآن: قد فعلت. وهذه الآيات ونحوها إنما تدل على عدم الوقوع لا على عدم الجواز، على أن الخلاف في مجرد الجواز لا يترتب عليه فائدة أصلا. قال المثبتون للتكليف بما لا يطاق: لو لم يصح التكليف به لم يقع، وقد وقع لأن العاصى مأمور بالإِيمان وممتنع منه الفعل لأن الله قد علم أنه لا يؤمن، ووقوع خلاف معلوم الله محال، وإلا لزم الجهل، واللازم باطل، فالملزوم مثله. وقالوا أيضا بأنه لو لم يجز لم يقع، وقد وقع فإنه سبحانه كلف أبا جهل بالإِيمان وهو تصديق رسوله ﷺ في جميع ما جاء به، ومن جملة ما جاء به أن أبا جهل لا يصدفه، فقد كلفه بأن يصدقه في أنه لا يصدقه، وهو محال. وأجيب عن الدليل الأول بأن ذلك لا يمنع تصور
стр. 8399
الوقوع لجواز وقوعه من المكلف في الجملة وإن امتنع لغيره من علم أو غيره فهو في غير محل النزاع، وعن الثاني بأنه لم يكلف إلا بتصديقه وهو ممكن في نفسه متصور وقوعه إلا أنه ممن علم الله تعالى أتهم لا يصدقونه كعلمه بالعاصين. هذا الكلام في التكليف بما لا يطاق، وأما التكليف بما علم الله تعالى أنه لا يقع فالإِجماع منعقد على صحته ووقوعه (١).
امتناع المنهى عنه أو المأمور به
أصول الحنفية: جاء في فواتح الرحموت أن المنهى عنه لا يكون ممتنعا مطلقا أو عن المكلف عندنا خلافا للأئمة الثلاثة مالك بن أنس ومحمد بن إدريس الشافعي وأحمد بن حنبل رحمهم الله تعالى. ودليلنا أن المنهى عنه مقدور لأن المنهى تكليف بالكف، والمكلف به مقدور، فالكف مقدور، والقدرة على أحد الضدين قدرة على الآخر، فالفعل المنهى عنه مقدور، وأيضا: النهى طلب الكف باختيار المكلف، فيكون المكفوف عنه مقدورا ولا شئ من الممتنع بمقدور، وهذا ضرورى، بالمنهى عنه ليس ممتنعا، وأورد أولا أنه ممتنع بهذا المنع، وطلب الكف عنه ليس بمحال، وإنما المحال طلب الكف عن الممتنع بغير هذا المنع كتحصيل الحاصل بهذا الحصول فإنه ليس ممتنعا، وإنما الممتنع تحصيل الحاصل بحصول مغاير لهذا الحصول، فالفعل كان مقدورا قبل ورود النهى، وإنما لم يبق مقدورا بالنهى فلا استحالة، كذا في شرع المختصر، ولا يخفى جوابه، فإن الكلام في الممتنع لذاته ولا يصح فيه أنه امتنع بهذا المنع كيف ولو امتنع بهذا المنع ففعله واجب أو ممكن، وعند ورود النهى صار ممتنعا وهذا انقلاب محال بل المحال محال دائما. أقول: يلزم أن يكون النهى سلبا للقدرة لأن الشئ قد استمال بالنهى وهو غير مقدور وفيه انقلاب حقيقة النهى؛ لأنه امتناع عنه بالاختيار بالضرورة، والآن يصير امتناعا بالضرورة، هذا خلف، وبعبارة أخرى: حقيقة النهى طلب الكف بالاختيار، والممتنع سواء كان ممتنعا بهذا المنع أو غيره لا يصح كفه بالاختيار، فلا يكون منهيا عنه. فإن قلت لعل مقصود المورد أن الحقيقة الصلاتية لها شروط وأركان أبانها الشرع الشريف بالأوامر والنواهى، فإذا نهى عن الصلاة قبل الوقت علم أن الوقت شرط، وكذا إذ نهى عنها من غير طهارة علم أن الطهارة شرط، فالشرطية إنما فهمت بهذا النهى، وجاء الامتناع به، فتعلق هذا النهى غير ممتنع. قلت لا شك في أن الشئ بدون الركن والمشروط بدون الشرط ممتنع لذاته البتة، فلا يمكن تعلق النهى لما بينا. وقد ظهر من هذا أنه لا يصح إبانة الشرائط بالنهى أصلا، بل النهى يقتضى أن يوجد المنهى عنه بدونها، والشرطية تنافيه. نعم يستبان بالأوامر الشرائط عند إرادة الفعل، فإن الفعل بعد تمام شرائطه لا يخرج عن إمكانه الذاتى. فإن قلت الأركان المحسوسة ممكنة بالضرورة وإنما امتنع في نظر الشارع بالنهى
стр. 8400
فيجوز أن ينهى عنها حال عدم الشروط المعتبرة للصحة شرعا. قلت الأركان المخصوصة ليست مشروطة في الوجود الحسى بالطهارة، فليست هي مشروطات من غير شروط، ولا يمتنع تعلق النهى بها، وإنما يمتنع تعلق النهى بالحقيقة الشرعية المشروطة بالطهارة حال عدم الطهارة فإنها مستحيلة بالذات وصيغ النهى الواردة المتعلقة بالشرعيات إن علم فقدان شرط أو ركن بدليل آخر لا بأس بحمله على الأركان الحسية، وإلا فلا يصح الحمل عليها لأن الحقيقة أصل فلا تترك. وبهذا يندفع أيضا ما لو قيل: سلمنا أن الحقيقة الشرعية بدون الشروط محالة، لكن لمَ لا يجوز أن يكون النهى المتعلق هاهنا عن الأركان الحسية وتكون باطلة في نظر الشارع فيتم مقصودهم بأن النهى مطلقا يوجب الفساد وذلك الاندفاع بأن الحمل على الأركان الحسية مجاز فلا يصار إليه بالضرورة، وقد يقرر مقصودهم بأن الحقائق الشرعية عبارة عن الأركان المخصوصة، وهى قد توجد بدون الشروط الشرعية وجعلت موجبة لثمرات مخصوصة لكن لا مطلقا بل إذا كانت مع شرائط مخصوصة، فالشرائط ليست لوجود تلك الحقيقة بل لترتب الثمرات المخصوصة فوجودها بدون تلك الشرائط ممكن لكنه لا يترتب عليها حينئذ تلك الثمرات. والنهى المتعلق بها عند عدم وجود الشراط نهى عن أمور ممكنة بالذات قد استحال ترتب الثمرات عليها وهو مرادهم بالممتنع وهو كاف لمقصودهم من إيجاب الفساد الذاتى للنهى مع أن الأئمة الثلاثة رضى الله عنهم صرحوا بأن الفاتحة ركن للصلاة وتركها موجب للبطلان، وجوزوا تعلق النهى بها، وهذا صريح في أنهم يجوزون كون الصلاة إن كانت متروكة منهيا عنها مع أن الشئ منفك عن الجزء ممتنع بالذات. وأورد ثانيًا النقض بنحو قوله ﷺ "دعى الصلاة أيام أقرائك" (١) وتدع الصلاة أيام أقرائها، وهذا في معنى النهى، وقد تعلق بالصلاة المقارنة عدم الشرط وحاصله النقض بالنهى المتعلق بالشئ المقارن عدم الشرط والركن فلا تنفع المنافشة في هذا المثال الخاص. قلنا مثله محمول على بيان الانتفاء أيام الأقراء، يعنى النهى مجاز عن النفى، فالمعنى ليس تتحقق صلاة في أيام الأقراء، وهذا تصرف في صيغة النهى. أو قلنا النهى راجع إلى الإِيقاع والعزم عليه لا إلى الفعل، فالمعنى دعى عزم الصلاة أيام أقرائك فإنه لا تتحقق الصلاة فيها، والعزم على المحال ممكن عند عدم الاعتقاد بالاستحالة، بل معها أيضا وإن كان من غير فائدة، وإنما حملنا على أحد هذين المجازين تقديما للعقل باستحالة تعلق النهى الحقيقى بالصلاة الحقيقية في تلك الأيام على النقل الوارد فيه النهى متعلقا في تلك الأيام فأول بأحد التأويلين. وقد يجاب بأن المراد بالصلاة الشبيه بها من القيام والقعود والسجود وغير ذلك، وهى أفعال حسية لا يقتضى النهى عنها الصحة وهى أمور ممكنة أيضا، لكن هذا إنما يتم لو كانت الحائضة الأمية والخرساء لو أتت بهذه الأركان من غير نية وعزم على الصلاة كانت آثمة، وما وجد رواية صريحة فيها، فبيع الحر والمضامين - وهى ما كان في صلب الآباء من النطفة - والملاقيح (٢) وما أشبه ذلك كبيع الميتة كلها منفيات، أي ليست بيوعا، والنهى الوارد
стр. 8401
بها ليس على الحقيقة بل مجاز عن النفى، وليس ركن البيع - وهو مبادلة المال بالمال - مفقودا، ووجود الشئ من غير وجود الركن من المستحيلات التي لا تصلح لتعلق النهى بها (١).
وجاء في المستصفى أن المعتزلة ذهبت إلى أن المأمور لا يعلم كونه مأمورا قبل التمكن من الامتثال، وذهب القاضي وجماهير أهل الحق إلى أنه يعلم ذلك، وفى تفهيم حقيقة المسألة غموض، وسبيل كشف الغطاء عنه أن نقول: إنما يعلم المأمور كونه مأمورا مهما كان مأمورا لأن العلم يتبع المعلوم، وإنما يكون مأمورا إذا توجه الأمر عليه، ولا خلاف في أنه يتصور أن يقول السيد لعبده صم غدا وإن هذا أمر محقق ناجز في الحال وإن كان مشروطا ببقاء العبد إلى غد، ولكن اتفقت المعتزلة على أن الأمر المقيد بالشرط أمر حاصل ناجز في الحال، لكن يشترط أن يكون تحقيق الشرط مجهولا عند الآمر والمأمور، أما إذا كان معلوما فلا، فإنه لو قال صم إن صعدت إلى السماء أو إن عشت ألف سنة فليس هذا بأمر، أي هذه الصيغة ليست عبارة عن حقيقة المعنى الذي يقوم بالنفس ويسمى أمرا، ولو قال صم إن كان العالم مخلوقا أو كان الله موجودا فهذا أمر ولكن ليس بمقيد بشرط، وليس هذا الشرط في شئ فإن الشرط هو الذي يمكن أن يوجد ولا يوجد فلما كان العلم بوجود الشرط أو عدمه منافيا وجود الأمر المقيد بالشرط زعموا أن الله عالم بعواقب الأمر، فالشرط في أمره محال، ونحن نسلم أن جهل المأمور شرط، أما جهل الآمر فليس بشرط حتى لو علم السيد بقول نبى صادق أن عبده يموت قبل رمضان فيتصور أن يأمره بصوم رمضان مهما جهل العبد ذلك وربما كان له فيه لطف يدعوه إلى الطاعات ويزجره عن المعاصى، وربما كان لطفا لغير المأمور بحث أو زجر، وربما كان امتحانا له ليشتغل بالاستعداد فيثاب على العزم على الامتثال ويعاقب على العزم على الترك. والمعتزلة أحالوا ذلك وقالوا إذا شهد العبد هلال رمضان توجه عليه الأمر بحكم قوله تعالى "فمن شهد منكم الشهر فليصمه" (٢) لكن ذلك بناء على ظن البقاء ودوام القدرة، فإن الحياة والقدرة شرط في التكليف، فإذا مات في منتصف الشهر بينا أنه كان. مأمورا بالنصف الأول وأنه لم يكن مأمورا بالنصف الثانى. ويدلك على بطلان مذهبهم مسالك؛ المسلك الأول: أن الأمة مجمعة قبل ظهور المعتزلة على أن الصبى كما يبلغ يجب عليه أن يعلم ويعتقد كونه مأمورا بشرائع الإِسلام منهيا عن الزنا والسرقة والقتل في الحال وإن لم يحضره وقت صلاة ولا زكاة ولا حضر من يمكن قتله والزنا به ولا حضر مال تمكن سرقته، ولكن يعلم نفسه مأمورا منها بشرط التمكن لأنه جاهل بعواقب أمره وعلمه بأن الله تعالى عالم بها لا يدفع عنه وجوب هذا الاعتقاد. المسلك الثاني: أن الأمة مجمعة على أن من عزم على ترك ما ليس منهيا عنه فليس بمتقرب إلى الله تعالى، ومن عزم على ترك المنهيات والإِتيان بالمأمورات كان متقربا إلى الله تعالى وإن احتمل أن لا يكون مأمورا أو منهيا لعلم الله تعالى بأنه لا يساعده التمكن فينبغى أن نشك في كونه متقربا ونتوقف ونقول إن مت بعد هذا العزم وقبل التمكن فلا ثواب لك لأنه لا تقرب منك، وإن عشت وتمكنت تبينا عند ذلك
стр. 8402
كونك متقربا وهذا خلاف الإجماع. المسلك الثالث: إجماع الأمة على أن صلاة الفرض لا تصح إلا بنية الفرضية ولا يعقل تثبيت نية الفرضية إلا بعد معرفة الفرضية، والعبد ينوى في أول وقت الصلاة فرض الظهر، وربما يموت في أثناء وقت الصلاة فيتبين عند المعتزلة أنه لم يكن فرضا فليكن شاكا في الفرضية وعند ذلك تمتنع النية، فإن النية قصد لا يتوجه إلا إلى معلوم. فإن قيل إن نوى فرضية أربع ركعات فلو مات بعد ركعتين يعلم أنه لم تكن الأربع فريضة وهو مجوز للموت فكيف ينوى فرض ما هو شاك فيه؟ قلنا: ليس شاكا فيه بل هو قاطع بأن الأربع فرض بشرط البقاء فالأمر بالشرط أمر في الحال وليس بمعلق، والفرض بالشرط فرض أي أنه مأمور أمر إيجاب من عزم عليه يثاب ثواب من عزم على واجب، وإذا قال السيد لعبده: صم غدا فهو أمر في الحال بصوم في الغد، لا إنه أمر في الغد، وإذا قال أوجبت عليك بشرط بقائك فهو موجب في الحال لكن إيجابا بشرط فهكذا ينبغى أن تفهم حقيقة هذه المسألة، وكذلك إذا قال لوكيله بع دارى غدا فهو موكل وآمر في الحال، والوكيل مأمور ووكيل في الحال، حتى يعقل أن يعزل قبل مجئ الغد. فإذا قال الوكيل وكلنى ثم عزلنى وأمرنى ثم منعنى كان صادقا، فلو مات قبل مجئ الغد لا يتبين أنه كان كاذبا. المسلك الرابع: إجماع الأمة على لزوم الشروع في صوم رمضان أعنى أول يوم مثلا، ولو كان الموت في أثناء النهار يبين عدم الأمر فالموت مجوز، فيصير الأمر مشكوكا فيه، ولا يلزمه الشروع بالشك، فإن قيل لأنه إن بقى كان واجبا والظاهر بقاؤه والحاصل في الحال يستصحب، والاستصحاب أصل تبنى عليه الأمور، كما أن من أقبل عليه سبع يهرب. وإن كان يحتمل موت السبع قبل الانتهاء إليه، لكن الأصل بقاؤه فيستصحبه، ولأنه لو فتح هذا الباب لم يتصور امتثال الأوامر المضيقة أوقاتها كالصوم، فإنه إنما يعلم تمام التمكن بعد انقضاء اليوم ويكون قد فات. قلنا هذا يلزمكم في الصوم ومذهبكم هو الذي يفضى إلى المحال، وما يفضى إلى المحال فهو محال، وأما الهرب من السبع فحزم وأخذ بأسوأ الأحوال ويكفى فيه الاحتمال البعيد، فإن من شك في سبع على الطريق أو سارق فيحسن منه الحزم والاحتراز، أما الوجوب فلا يثبت بالشك والاحتمال، وينبغى أن يقال من أعرض عن الصوم ومات فبل الغروب لم يكن عاصيا لأنه أخذ بالاحتمال الآخر وهو احتمال الموت فليكن معذورا به. فإن زعموا أن ظن البقاء بالاستصحاب أورث ظن الوجوب اقتضى تحقق الوجوب من الشرع جزما قطعا، فهذا تعسف وتناقض. المسلك الخامس: إن الإجماع على أن من حبس المصلى في أول الوقت وقيده ومنعه من الصلاة متعد عاص بسبب منعه من الصلاة الواجبة، فإن كان التكليف يندفع به فقد أحسن إليه إذ منع التكليف عنه فلم عصى؟، وهذا فيه نظر لأن التصرف في الغير بضبطه ومنعه حرام، وإن منعه غير مباح أيضا، ولأن منعه صار سببا لوجوب القضاء في ذمته، وهو على خطر من فواته، أو يحرم لأنه أخرجه عن أن يكلفه وفى التكليف مصلحة وقد فوتها عليه بدليل أنه لو قيده قبل وقت الصلاة أو قبل البلوغ إلى أن بلغ ودخل الصلاة عصى، ولم يكن على الصبى أمر ناجز لا بشرط ولا بغير شرط. وللمعتزلة شبه على ذلك؛ الأولى منها: قولهم إثبات الأمر بشرط يؤدى إلى أن يكون وجود الشئ مشروطا بما يوجد بعده، والشرط ينبغى
стр. 8403
أن يقارن أو يتقدم أما تأخير الشرط عن المشروط فمحال. قلنا: ليس هذا شرطا لوجود ذات الأمر وقيامه بذات الآمر، بل الأمر موجود قائم بذات الآمر وجد الشرط أو لم يوجد، وإنما هو شرط لكون الأمر لازما واجب التنفيذ وليس ذلك من شرط كونه موجودا بسبيل، ولهذا قلنا: الأمر أمر للمعدوم بتقدير الوجود وإن لم يبلغه بشرط بلوغه فليس البلوغ شرطا لقيام نفس الأمر بذات الآمر بل للزوم تنفيذه. فإن قال قائل: اختلاف قول الشافعي رضى الله عنه في أن من جامع في نهار رمضان ثم مات أو جن قبل الغروب هل يلزمه الكفارة. هل يلتفت إلى هذا الأصل؛ قلنا: أما من ذهب إلى أنا نتبين عند زوال الحياة انتفاء الأمر من أصله فلا يمكن إيجاب الكفارة، وأما من ذهب إلى أنا لا نتبين عدم الأمر فيحتمل منه التردد إذ يحتمل أن يقول قد أفسد بالجماع الصوم الذي كان واجبا عليه وقطع الصوم الواجب بحكم الوقت وإفساده يوجب الكفارة. ويحتمل أن يقال وجوب الكفارة بإفساد الصوم لا يتعرض للفساد والانقطاع قبل الغروب، وهذا متعرض له فيكون مانعا من الإِلحاق بالصوم الذي يتعين الجماع لإِفساده، فإن قال قائل: فلو علمت المرأة بالعادة أنها تحيض في أثناء النهار أو علمت بقول نبى صادق حيضا أو جنونا وموتا فهل يلزمها الصوم حتى تصوم بعض اليوم؟ قلنا على مذهب المعتزلة لا ينبغى أن يلزم لأن بعض اليوم غير مأمور به، وهى غير مأمورة بالكل. أما عندنا فالأظهر وجوبه لأن المرخص في الإفطار لم يوجد، والأمر قائم في الحال، والميسور لا يسقط بالمعسور. الشبهة الثانية: قولهم إن الأمر طلب فلا يقوم بذات من يعلم امتناع وجود المأمور، فكيف يقوم بذات السيد طلب الخياطة إن صعد العبد إلى السماء وهو يعلم أنه لا يصعد. نعم يمكن أن يقول خط إن صعدت إلى السماء، لكنه صيغة أمر، ولا يقوم الطلب بذاته، كما لو قال له اصعد إلى السماء لم يكن أمرا لعجزه وعلم الآمر بامتناعه إلا على مذهب من يجوز تكليف ما لا يطاق وأنتم قد ملتم إلى منع تكليف المحال، وبه يفارق الآمر الجاهل، فإن من لا يعرف عجز عبده عن القيام يتصور أن يقول قم ويقوم بذاته الطلب أما إذا علم عجزه فلا يقوم بذاته طلب الممتنع. وهذا التحقيق وهو أن الجهل إذا كان شرطا لقيام هذا الأمر بذاته فالمؤثر في صفة ذاته لا جهل المأمور، فمهما علم الآمر عدم الشرط فكيف يكون طالبا، وإذا لم يكن طالبا فكيف يكون آمرا؛ والأمر هو الطلب وهذا واقع. والجواب أن هذا لا يصح من المعتزلة مع إنكارهم كلام النفس، أما عندنا فليس المراد بالطلب الذي هو معنى الأمر إرادة وتشوقا لأن المعاصى عندنا مرادة وهى غير مأمور بها، والطاعات مأمور بها وقد لا تكون مرادة، فإن ما أراد الله واقع، والتشوق على الله محال، وإنما معناه اقتضاه فعله لمصلحة العبد ولكنه يكون توطئة للنفس على عزم الامتثال أو الترك لما يخالفه لطفا به في الاستعداد والانحراف عن الفساد، وهذا لطف متصور من الله تعالى، ويتصور أيضا من السيد أن يستصلح عبده بأوامر ينجزها عليه مع عزمه على نسخ الأمر قبل الامتثال امتحانا للعبد واستصلاحا له، وكل أمر مقيد بشرط أن لا ينسخ وكل وكالة مقيدة بشرط أن لا يعزل الوكيل (١).
стр. 8404
وجاء في روضة الناظر أنه يجوز الأمر من الله لما في معلومه أن المكلف لا يتمكن من فعله، وعند المعتزلة: لا يجوز ذلك إلا أن يكون تعلقه بشرط تحققه مجهولا عند الآمر، أما إذا كان معلوما أنه لا يتحقق الشرط فلا يصح الأمر به لأن الأمر طلب، فكيف يطلب الحكيم ما يعلم امتناعه، وكيف يقول السيد لعبده خط ثوبى إن صعدت السماء وبهذا يفارق أمر الجاهل لأن من لا يعرف عجز غيره عن القيام يتصور أن يطلبه منه أما إذا علم امتناعه فلا يكون طالبا وإذا لم يكن آمرا، ولأن إثبات الأمر بشرط يفضى إلى أن يكون وجود الشئ مشروطا بما يوجد بعده، والشرط ينبغى أن يقارن أو يتقدم، أما أن يتأخر عن المشروط فمحال، وهذه المسألة تنبنى على النسخ قبل التمكن، وإن فيه فائدة على ما مضى. ويدل لنا الإجماع على أن الصبى إذا بلغ يجب عليه أن يعلم ويعتقد أنه مأمور بشرائع الإِسلام منهى عن الزنا والسرقة. ويثاب على العزم على امتثال المأمورات وترك المنهيات. ويكون متقربا بذلك وإن لم يحضر وقت عبادة ولا يمكن من زنا ولا سرقة، وعلم بأن الله تعالى عالم بعاقبة الأمر لا ينفى عنه ذلك وإن احتمل أن لا يكون مأمورا منهيا لعدم مساعدة التمكن يجب أن يشك في كونه مأمورا منهيا وفى كونه متقربا؛ إذ لا خلاف في أن العزم على امتثال ما ليس بمأمور وترك ما ليس بمنهى ليس بقربة، وهذا لا يتيقن أنه مأمور ولا متقرب، وهذا خلاف الإجماع. دليل ثان: الإِجماع على أن صلاة الفرض لا تصح إلا بنية الفرضية، ولا تقبل نية الفرضية إلا بعد معرفة الفرضية، والعبد ينوى في أول الوقت فرض الظهر، وربما مات في أثنائها، فتبين عندهم أنها لم تكن فرضا، فليكن شاكا في الفرضية، فتمتنع النية لأنها لا تتوجه إلا إلى معلوم. فإن قيل فإذا مات في أثنائها فكيف يقال إن الأربع كانت فريضة على الميت؟ قلنا: هو قاطع بأنها فرض عليه لكن بشرط البقاء، والأمر بشرط أمر في الحال وليس بمعلق .. هذا الأمر من عزم عليه يثاب ثواب العزم على الواجبات، فإن قول السيد لعبده صم غدا أمر في الحال بصوم الغد، لا إنه أمر في الغد، ولو قال فرضت عليك بشرط بقائك فهو فارض في الحال لكن بشرط، ولو قال لوكيله: بع دارى في رأس الشهر كان وكيلا في الحال يصح أن يقال وكله ويصح عزله، وإذا قال وكلنى وعزلنى كان صادقا، فإن مات قبل رأس الشهر لم يتبين كذبه، بخلاف ما إذا قال إذا جاء رأس الشهر فأنت وكيلى فإنه لا يكون وكيلا في الحال. الدليل الثالث: الإِجماع على لزوم الشروع في صوم رمضان، فإن كان الموت يتبين به عدم الأمر والموت مجوز فيصير مشكوكا فيه فكيف تلزمه العبادة بالشك؟ قالوا لأن الظاهر بقاؤه، والحاصل يستصحب، والاستصحاب أصل تنبنى عليه الأمور، كما أن من أقبل عليه سبع لا يقبح الهرب، وإن كان من المحتمل موت السبع دونه ولو فتح هذا الباب لم يتصور امتثال أمر. قلنا: هذا يلزمكم ومذهبكم يفضى إليه، وما أفضى إليه المحال محال، وأما الهرب فحزم وأخذ بالأسوأ من الأحوال، ويكفى فيه الاحتمال البعيد والشك، فإن من شك في سبع في الطريق أو لص حسن منه الاحتراز عنه. وأما الوجوب فلا يثبت بالشك والاحتمال بل ينبغى أن من أعرض عن الصوم لم يكن عاصيا لأنه أخذ بالاحتمال الآخر. وقولهم الأمر طلب وطلب المستحيل من الحكيم محال. قلنا الأمر إنما هو قول الأعلى لمن دونه افعل مع تجردها من القرائن، وهذا مقصور على علمه بالاستحالة، وعلى أنا لو سلمنا أن الأمر طلب
стр. 8405
فليس الطلب من الله تعالى كالطلب من الآدميين، وإنما هو استدعاء فعل لمصلحة العبد وهذا يحصل مع الاستحالة لكى يكون توطئة للنفس على عزم الامتثال أو الترك لطفا به في الاستعداد والانحراف عن الفساد، وهذا متصور، ويتصور من السيد أيضا أن يستصلح عبده بأوامر ينجزها عليه مع عزمه على فتح الأمر قبل الامتثال امتحانا للعبد واستصلاحا له، ولو وكل رجلا في عتق عبده غدا مع عزمه على عتق العبد صح، ويتحقق فيها المقصود من استمالة الوكيل وامتحانه في إظهار الاستبشار بأوامره والكراهية له وكل ذلك معقول الفائدة فكذا هاهنا. وقولهم يفضى إلى تقدم المشروط على الشرط. قلنا ليس هذا شرطا لذات الأمر، بل الأمر موجود وجد الشرط أم لم يوجد، وإنما هو شرط لوجوب التنفيذ فلا يفضى إلى ما ذكروه (١).
ثانيا: الامتناع في استعمال الفقهاء حكم امتناع الولى من تزويج موليته
مذهب الحنفية:
جاء في حاشية ابن عابدين نقلا عن المنتقى أنه إذا كان للصغيرة أب امتنع عن تزويجها لا تنتقل الولاية إلى الجد، بل يزوجها القاضي، ونقل مثله ابن الشحتة عن الغاية عن روضة الناطقى، وكذا المقدسى عن الغاية. وأشار إليه الزيلعى حيث قال في مسألة تزويج الأبعد بغيبة الأقرب: وقال الشافعي رحمه الله تعالى بل يزوجها الحاكم اعتبارا بعضله، وكذا قال في البدائع أن نقل الولاية إلى السلطان أي حال غيبة الأقرب باطل؛ لأنه ولى من لا ولى له، وهاهنا لها ولى أو وليان، فلا تثبت الولاية للسلطان إلا عند العضل من الولى ولم يوجد. وكذا فرق في التسهيل بين الغيبة والعضل بأن العاضل ظالم بالامتناع فقام السلطان مقامه في دفع الظلم بخلاف الغائب خصوصا للحج، وبه أفتى العلامة ابن شلبى رحمه الله تعالى، فهذه المنقول تفيد الاتفاق عندنا على ثبوتها بعضل الأقرب للقاضى فقط. و أما ما في الخلاصة والبزازية من أنها تنتقل إلى الأبعد بعضل الأقرب إجماعا فالمراد بالأبعد القاضي لأنه آخر الأولياء، فالتفضيل على بابه. وحمله في البحر على الأبعد من الأولياء، ثم ناقض نفسه بعد