بها ليس على الحقيقة بل مجاز عن النفى، وليس ركن البيع - وهو مبادلة المال بالمال - مفقودا، ووجود الشئ من غير وجود الركن من المستحيلات التي لا تصلح لتعلق النهى بها (١).
وجاء في المستصفى أن المعتزلة ذهبت إلى أن المأمور لا يعلم كونه مأمورا قبل التمكن من الامتثال، وذهب القاضي وجماهير أهل الحق إلى أنه يعلم ذلك، وفى تفهيم حقيقة المسألة غموض، وسبيل كشف الغطاء عنه أن نقول: إنما يعلم المأمور كونه مأمورا مهما كان مأمورا لأن العلم يتبع المعلوم، وإنما يكون مأمورا إذا توجه الأمر عليه، ولا خلاف في أنه يتصور أن يقول السيد لعبده صم غدا وإن هذا أمر محقق ناجز في الحال وإن كان مشروطا ببقاء العبد إلى غد، ولكن اتفقت المعتزلة على أن الأمر المقيد بالشرط أمر حاصل ناجز في الحال، لكن يشترط أن يكون تحقيق الشرط مجهولا عند الآمر والمأمور، أما إذا كان معلوما فلا، فإنه لو قال صم إن صعدت إلى السماء أو إن عشت ألف سنة فليس هذا بأمر، أي هذه الصيغة ليست عبارة عن حقيقة المعنى الذي يقوم بالنفس ويسمى أمرا، ولو قال صم إن كان العالم مخلوقا أو كان الله موجودا فهذا أمر ولكن ليس بمقيد بشرط، وليس هذا الشرط في شئ فإن الشرط هو الذي يمكن أن يوجد ولا يوجد فلما كان العلم بوجود الشرط أو عدمه منافيا وجود الأمر المقيد بالشرط زعموا أن الله عالم بعواقب الأمر، فالشرط في أمره محال، ونحن نسلم أن جهل المأمور شرط، أما جهل الآمر فليس بشرط حتى لو علم السيد بقول نبى صادق أن عبده يموت قبل رمضان فيتصور أن يأمره بصوم رمضان مهما جهل العبد ذلك وربما كان له فيه لطف يدعوه إلى الطاعات ويزجره عن المعاصى، وربما كان لطفا لغير المأمور بحث أو زجر، وربما كان امتحانا له ليشتغل بالاستعداد فيثاب على العزم على الامتثال ويعاقب على العزم على الترك. والمعتزلة أحالوا ذلك وقالوا إذا شهد العبد هلال رمضان توجه عليه الأمر بحكم قوله تعالى "فمن شهد منكم الشهر فليصمه" (٢) لكن ذلك بناء على ظن البقاء ودوام القدرة، فإن الحياة والقدرة شرط في التكليف، فإذا مات في منتصف الشهر بينا أنه كان. مأمورا بالنصف الأول وأنه لم يكن مأمورا بالنصف الثانى. ويدلك على بطلان مذهبهم مسالك؛ المسلك الأول: أن الأمة مجمعة قبل ظهور المعتزلة على أن الصبى كما يبلغ يجب عليه أن يعلم ويعتقد كونه مأمورا بشرائع الإِسلام منهيا عن الزنا والسرقة والقتل في الحال وإن لم يحضره وقت صلاة ولا زكاة ولا حضر من يمكن قتله والزنا به ولا حضر مال تمكن سرقته، ولكن يعلم نفسه مأمورا منها بشرط التمكن لأنه جاهل بعواقب أمره وعلمه بأن الله تعالى عالم بها لا يدفع عنه وجوب هذا الاعتقاد. المسلك الثاني: أن الأمة مجمعة على أن من عزم على ترك ما ليس منهيا عنه فليس بمتقرب إلى الله تعالى، ومن عزم على ترك المنهيات والإِتيان بالمأمورات كان متقربا إلى الله تعالى وإن احتمل أن لا يكون مأمورا أو منهيا لعلم الله تعالى بأنه لا يساعده التمكن فينبغى أن نشك في كونه متقربا ونتوقف ونقول إن مت بعد هذا العزم وقبل التمكن فلا ثواب لك لأنه لا تقرب منك، وإن عشت وتمكنت تبينا عند ذلك
стр. 8402
كونك متقربا وهذا خلاف الإجماع. المسلك الثالث: إجماع الأمة على أن صلاة الفرض لا تصح إلا بنية الفرضية ولا يعقل تثبيت نية الفرضية إلا بعد معرفة الفرضية، والعبد ينوى في أول وقت الصلاة فرض الظهر، وربما يموت في أثناء وقت الصلاة فيتبين عند المعتزلة أنه لم يكن فرضا فليكن شاكا في الفرضية وعند ذلك تمتنع النية، فإن النية قصد لا يتوجه إلا إلى معلوم. فإن قيل إن نوى فرضية أربع ركعات فلو مات بعد ركعتين يعلم أنه لم تكن الأربع فريضة وهو مجوز للموت فكيف ينوى فرض ما هو شاك فيه؟ قلنا: ليس شاكا فيه بل هو قاطع بأن الأربع فرض بشرط البقاء فالأمر بالشرط أمر في الحال وليس بمعلق، والفرض بالشرط فرض أي أنه مأمور أمر إيجاب من عزم عليه يثاب ثواب من عزم على واجب، وإذا قال السيد لعبده: صم غدا فهو أمر في الحال بصوم في الغد، لا إنه أمر في الغد، وإذا قال أوجبت عليك بشرط بقائك فهو موجب في الحال لكن إيجابا بشرط فهكذا ينبغى أن تفهم حقيقة هذه المسألة، وكذلك إذا قال لوكيله بع دارى غدا فهو موكل وآمر في الحال، والوكيل مأمور ووكيل في الحال، حتى يعقل أن يعزل قبل مجئ الغد. فإذا قال الوكيل وكلنى ثم عزلنى وأمرنى ثم منعنى كان صادقا، فلو مات قبل مجئ الغد لا يتبين أنه كان كاذبا. المسلك الرابع: إجماع الأمة على لزوم الشروع في صوم رمضان أعنى أول يوم مثلا، ولو كان الموت في أثناء النهار يبين عدم الأمر فالموت مجوز، فيصير الأمر مشكوكا فيه، ولا يلزمه الشروع بالشك، فإن قيل لأنه إن بقى كان واجبا والظاهر بقاؤه والحاصل في الحال يستصحب، والاستصحاب أصل تبنى عليه الأمور، كما أن من أقبل عليه سبع يهرب. وإن كان يحتمل موت السبع قبل الانتهاء إليه، لكن الأصل بقاؤه فيستصحبه، ولأنه لو فتح هذا الباب لم يتصور امتثال الأوامر المضيقة أوقاتها كالصوم، فإنه إنما يعلم تمام التمكن بعد انقضاء اليوم ويكون قد فات. قلنا هذا يلزمكم في الصوم ومذهبكم هو الذي يفضى إلى المحال، وما يفضى إلى المحال فهو محال، وأما الهرب من السبع فحزم وأخذ بأسوأ الأحوال ويكفى فيه الاحتمال البعيد، فإن من شك في سبع على الطريق أو سارق فيحسن منه الحزم والاحتراز، أما الوجوب فلا يثبت بالشك والاحتمال، وينبغى أن يقال من أعرض عن الصوم ومات فبل الغروب لم يكن عاصيا لأنه أخذ بالاحتمال الآخر وهو احتمال الموت فليكن معذورا به. فإن زعموا أن ظن البقاء بالاستصحاب أورث ظن الوجوب اقتضى تحقق الوجوب من الشرع جزما قطعا، فهذا تعسف وتناقض. المسلك الخامس: إن الإجماع على أن من حبس المصلى في أول الوقت وقيده ومنعه من الصلاة متعد عاص بسبب منعه من الصلاة الواجبة، فإن كان التكليف يندفع به فقد أحسن إليه إذ منع التكليف عنه فلم عصى؟، وهذا فيه نظر لأن التصرف في الغير بضبطه ومنعه حرام، وإن منعه غير مباح أيضا، ولأن منعه صار سببا لوجوب القضاء في ذمته، وهو على خطر من فواته، أو يحرم لأنه أخرجه عن أن يكلفه وفى التكليف مصلحة وقد فوتها عليه بدليل أنه لو قيده قبل وقت الصلاة أو قبل البلوغ إلى أن بلغ ودخل الصلاة عصى، ولم يكن على الصبى أمر ناجز لا بشرط ولا بغير شرط. وللمعتزلة شبه على ذلك؛ الأولى منها: قولهم إثبات الأمر بشرط يؤدى إلى أن يكون وجود الشئ مشروطا بما يوجد بعده، والشرط ينبغى
стр. 8403
أن يقارن أو يتقدم أما تأخير الشرط عن المشروط فمحال. قلنا: ليس هذا شرطا لوجود ذات الأمر وقيامه بذات الآمر، بل الأمر موجود قائم بذات الآمر وجد الشرط أو لم يوجد، وإنما هو شرط لكون الأمر لازما واجب التنفيذ وليس ذلك من شرط كونه موجودا بسبيل، ولهذا قلنا: الأمر أمر للمعدوم بتقدير الوجود وإن لم يبلغه بشرط بلوغه فليس البلوغ شرطا لقيام نفس الأمر بذات الآمر بل للزوم تنفيذه. فإن قال قائل: اختلاف قول الشافعي رضى الله عنه في أن من جامع في نهار رمضان ثم مات أو جن قبل الغروب هل يلزمه الكفارة. هل يلتفت إلى هذا الأصل؛ قلنا: أما من ذهب إلى أنا نتبين عند زوال الحياة انتفاء الأمر من أصله فلا يمكن إيجاب الكفارة، وأما من ذهب إلى أنا لا نتبين عدم الأمر فيحتمل منه التردد إذ يحتمل أن يقول قد أفسد بالجماع الصوم الذي كان واجبا عليه وقطع الصوم الواجب بحكم الوقت وإفساده يوجب الكفارة. ويحتمل أن يقال وجوب الكفارة بإفساد الصوم لا يتعرض للفساد والانقطاع قبل الغروب، وهذا متعرض له فيكون مانعا من الإِلحاق بالصوم الذي يتعين الجماع لإِفساده، فإن قال قائل: فلو علمت المرأة بالعادة أنها تحيض في أثناء النهار أو علمت بقول نبى صادق حيضا أو جنونا وموتا فهل يلزمها الصوم حتى تصوم بعض اليوم؟ قلنا على مذهب المعتزلة لا ينبغى أن يلزم لأن بعض اليوم غير مأمور به، وهى غير مأمورة بالكل. أما عندنا فالأظهر وجوبه لأن المرخص في الإفطار لم يوجد، والأمر قائم في الحال، والميسور لا يسقط بالمعسور. الشبهة الثانية: قولهم إن الأمر طلب فلا يقوم بذات من يعلم امتناع وجود المأمور، فكيف يقوم بذات السيد طلب الخياطة إن صعد العبد إلى السماء وهو يعلم أنه لا يصعد. نعم يمكن أن يقول خط إن صعدت إلى السماء، لكنه صيغة أمر، ولا يقوم الطلب بذاته، كما لو قال له اصعد إلى السماء لم يكن أمرا لعجزه وعلم الآمر بامتناعه إلا على مذهب من يجوز تكليف ما لا يطاق وأنتم قد ملتم إلى منع تكليف المحال، وبه يفارق الآمر الجاهل، فإن من لا يعرف عجز عبده عن القيام يتصور أن يقول قم ويقوم بذاته الطلب أما إذا علم عجزه فلا يقوم بذاته طلب الممتنع. وهذا التحقيق وهو أن الجهل إذا كان شرطا لقيام هذا الأمر بذاته فالمؤثر في صفة ذاته لا جهل المأمور، فمهما علم الآمر عدم الشرط فكيف يكون طالبا، وإذا لم يكن طالبا فكيف يكون آمرا؛ والأمر هو الطلب وهذا واقع. والجواب أن هذا لا يصح من المعتزلة مع إنكارهم كلام النفس، أما عندنا فليس المراد بالطلب الذي هو معنى الأمر إرادة وتشوقا لأن المعاصى عندنا مرادة وهى غير مأمور بها، والطاعات مأمور بها وقد لا تكون مرادة، فإن ما أراد الله واقع، والتشوق على الله محال، وإنما معناه اقتضاه فعله لمصلحة العبد ولكنه يكون توطئة للنفس على عزم الامتثال أو الترك لما يخالفه لطفا به في الاستعداد والانحراف عن الفساد، وهذا لطف متصور من الله تعالى، ويتصور أيضا من السيد أن يستصلح عبده بأوامر ينجزها عليه مع عزمه على نسخ الأمر قبل الامتثال امتحانا للعبد واستصلاحا له، وكل أمر مقيد بشرط أن لا ينسخ وكل وكالة مقيدة بشرط أن لا يعزل الوكيل (١).
стр. 8404
وجاء في روضة الناظر أنه يجوز الأمر من الله لما في معلومه أن المكلف لا يتمكن من فعله، وعند المعتزلة: لا يجوز ذلك إلا أن يكون تعلقه بشرط تحققه مجهولا عند الآمر، أما إذا كان معلوما أنه لا يتحقق الشرط فلا يصح الأمر به لأن الأمر طلب، فكيف يطلب الحكيم ما يعلم امتناعه، وكيف يقول السيد لعبده خط ثوبى إن صعدت السماء وبهذا يفارق أمر الجاهل لأن من لا يعرف عجز غيره عن القيام يتصور أن يطلبه منه أما إذا علم امتناعه فلا يكون طالبا وإذا لم يكن آمرا، ولأن إثبات الأمر بشرط يفضى إلى أن يكون وجود الشئ مشروطا بما يوجد بعده، والشرط ينبغى أن يقارن أو يتقدم، أما أن يتأخر عن المشروط فمحال، وهذه المسألة تنبنى على النسخ قبل التمكن، وإن فيه فائدة على ما مضى. ويدل لنا الإجماع على أن الصبى إذا بلغ يجب عليه أن يعلم ويعتقد أنه مأمور بشرائع الإِسلام منهى عن الزنا والسرقة. ويثاب على العزم على امتثال المأمورات وترك المنهيات. ويكون متقربا بذلك وإن لم يحضر وقت عبادة ولا يمكن من زنا ولا سرقة، وعلم بأن الله تعالى عالم بعاقبة الأمر لا ينفى عنه ذلك وإن احتمل أن لا يكون مأمورا منهيا لعدم مساعدة التمكن يجب أن يشك في كونه مأمورا منهيا وفى كونه متقربا؛ إذ لا خلاف في أن العزم على امتثال ما ليس بمأمور وترك ما ليس بمنهى ليس بقربة، وهذا لا يتيقن أنه مأمور ولا متقرب، وهذا خلاف الإجماع. دليل ثان: الإِجماع على أن صلاة الفرض لا تصح إلا بنية الفرضية، ولا تقبل نية الفرضية إلا بعد معرفة الفرضية، والعبد ينوى في أول الوقت فرض الظهر، وربما مات في أثنائها، فتبين عندهم أنها لم تكن فرضا، فليكن شاكا في الفرضية، فتمتنع النية لأنها لا تتوجه إلا إلى معلوم. فإن قيل فإذا مات في أثنائها فكيف يقال إن الأربع كانت فريضة على الميت؟ قلنا: هو قاطع بأنها فرض عليه لكن بشرط البقاء، والأمر بشرط أمر في الحال وليس بمعلق .. هذا الأمر من عزم عليه يثاب ثواب العزم على الواجبات، فإن قول السيد لعبده صم غدا أمر في الحال بصوم الغد، لا إنه أمر في الغد، ولو قال فرضت عليك بشرط بقائك فهو فارض في الحال لكن بشرط، ولو قال لوكيله: بع دارى في رأس الشهر كان وكيلا في الحال يصح أن يقال وكله ويصح عزله، وإذا قال وكلنى وعزلنى كان صادقا، فإن مات قبل رأس الشهر لم يتبين كذبه، بخلاف ما إذا قال إذا جاء رأس الشهر فأنت وكيلى فإنه لا يكون وكيلا في الحال. الدليل الثالث: الإِجماع على لزوم الشروع في صوم رمضان، فإن كان الموت يتبين به عدم الأمر والموت مجوز فيصير مشكوكا فيه فكيف تلزمه العبادة بالشك؟ قالوا لأن الظاهر بقاؤه، والحاصل يستصحب، والاستصحاب أصل تنبنى عليه الأمور، كما أن من أقبل عليه سبع لا يقبح الهرب، وإن كان من المحتمل موت السبع دونه ولو فتح هذا الباب لم يتصور امتثال أمر. قلنا: هذا يلزمكم ومذهبكم يفضى إليه، وما أفضى إليه المحال محال، وأما الهرب فحزم وأخذ بالأسوأ من الأحوال، ويكفى فيه الاحتمال البعيد والشك، فإن من شك في سبع في الطريق أو لص حسن منه الاحتراز عنه. وأما الوجوب فلا يثبت بالشك والاحتمال بل ينبغى أن من أعرض عن الصوم لم يكن عاصيا لأنه أخذ بالاحتمال الآخر. وقولهم الأمر طلب وطلب المستحيل من الحكيم محال. قلنا الأمر إنما هو قول الأعلى لمن دونه افعل مع تجردها من القرائن، وهذا مقصور على علمه بالاستحالة، وعلى أنا لو سلمنا أن الأمر طلب
стр. 8405
فليس الطلب من الله تعالى كالطلب من الآدميين، وإنما هو استدعاء فعل لمصلحة العبد وهذا يحصل مع الاستحالة لكى يكون توطئة للنفس على عزم الامتثال أو الترك لطفا به في الاستعداد والانحراف عن الفساد، وهذا متصور، ويتصور من السيد أيضا أن يستصلح عبده بأوامر ينجزها عليه مع عزمه على فتح الأمر قبل الامتثال امتحانا للعبد واستصلاحا له، ولو وكل رجلا في عتق عبده غدا مع عزمه على عتق العبد صح، ويتحقق فيها المقصود من استمالة الوكيل وامتحانه في إظهار الاستبشار بأوامره والكراهية له وكل ذلك معقول الفائدة فكذا هاهنا. وقولهم يفضى إلى تقدم المشروط على الشرط. قلنا ليس هذا شرطا لذات الأمر، بل الأمر موجود وجد الشرط أم لم يوجد، وإنما هو شرط لوجوب التنفيذ فلا يفضى إلى ما ذكروه (١).
ثانيا: الامتناع في استعمال الفقهاء حكم امتناع الولى من تزويج موليته
مذهب الحنفية:
جاء في حاشية ابن عابدين نقلا عن المنتقى أنه إذا كان للصغيرة أب امتنع عن تزويجها لا تنتقل الولاية إلى الجد، بل يزوجها القاضي، ونقل مثله ابن الشحتة عن الغاية عن روضة الناطقى، وكذا المقدسى عن الغاية. وأشار إليه الزيلعى حيث قال في مسألة تزويج الأبعد بغيبة الأقرب: وقال الشافعي رحمه الله تعالى بل يزوجها الحاكم اعتبارا بعضله، وكذا قال في البدائع أن نقل الولاية إلى السلطان أي حال غيبة الأقرب باطل؛ لأنه ولى من لا ولى له، وهاهنا لها ولى أو وليان، فلا تثبت الولاية للسلطان إلا عند العضل من الولى ولم يوجد. وكذا فرق في التسهيل بين الغيبة والعضل بأن العاضل ظالم بالامتناع فقام السلطان مقامه في دفع الظلم بخلاف الغائب خصوصا للحج، وبه أفتى العلامة ابن شلبى رحمه الله تعالى، فهذه المنقول تفيد الاتفاق عندنا على ثبوتها بعضل الأقرب للقاضى فقط. و أما ما في الخلاصة والبزازية من أنها تنتقل إلى الأبعد بعضل الأقرب إجماعا فالمراد بالأبعد القاضي لأنه آخر الأولياء، فالتفضيل على بابه. وحمله في البحر على الأبعد من الأولياء، ثم ناقض نفسه بعد
стр. 8406
سطرين بقوله قالوا وإذا خطبها كفء وعضلها الولى تثبته الولاية للقاضى نيابة عن العاضل، فله التزويج وإن لم يكن في منشوره. هذا خلاصة ما في الرسالة، ثم ذكر فيها عن شرح المنظومة الوهبانية عن المنتفى ثبوت الخيار لها بالبلوغ إذا زوجها القاضي بعضل الأقرب، وعن المجرد عدم ثبوته، والأول على أن تزويجه بطريق الولاية، والثانى على أنه بطريق النيابة عن العاضل. هذا إذا امتنع عن التزويج من كفء وبمهر المثل، أما لو امتنع عن غير الكفء أو لكون المهر أقل من مهر المثل فليس بعاضل، وإذا امتنع عن تزويجها من هذا الخاطب الكفء ليزوجها من كفء غيره استظهر في البحر أنه يكون عاضلا، قال ولم أره، وتبعه المقدسى والشرنبلالى، واعترضه الرملى رحمه الله تعالى بأن الولاية بالعضل تنتقل إلى القاضي نيابة لدفع الإِضرار بها، ولا يوجد إضرار بها مع إرادة التزويج بكفء غيره. قلت: وفيه نظر؛ لأنه متى حضر الكفء الخاطب لا ينتظر غيره خوفا من فوته، ولذا تنتقل الولاية إلى الأبعد عند غيبة الأقرب كما مر. نعم لو كان الكفء الآخر حاضرا أيضا وامتنع الولى الأقرب من تزويجها من الكفء الأول لا يكون عاضلا لأن الظاهر من شفقته على الصغيرة أنه اختار لها الأنفع لتفاوت الأكفاء أخلاقا وأوصافا فيتعين العمل بهذا التفصيل (١). وجاء في بدائع الصنائع أن المرأة إذا زوجت نفسها من كفء وبلغ الولى فامتنع من الإجازة فرفعت أمرها إلى الحاكم قال محمد رضى الله تعالى عنه: يستأنف العقد لأن العقد كان موقوفا على إجازة الولى، فإذا امتنع من الإجازة فقد رده فيرتد ويبطل من الأصل فلا بد من الاستئناف وقال أبو يوسف رضى الله تعالى عنه يجيزه لأنه بالامتناع صار عاضلا؛ إذ لا يحل له الامتناع من الاجازة إذا زوجت نفسها من كفء، فإذا امتنع فقد عضلها فخرج من أن يكون وليا وانقلبت الولاية إلى الحاكم (٢).
مذهب المالكية:
جاء فى الشرح الكبير وحاشية الدسوقى عليه أنه يجب على الولى ولو أبا غير مجبر الإجابة لكفء رضيت به، سواء طلبته للتزوج به أو لم تطلبه بأن خطبها ورضيت به؛ لأنه لو لم يجب لذلك مع كونها مضطرة لعقده كان ذلك ضرارا بها، وأما الأب المجبر فلا يجب عليه الإجابة لكفئها لأنه يجبرها إلا لنحو خصى، إلا أن يتبين عضله، فإن تبين عضله وجب عليه أن يجيب لكفئها هذا إذا لم تكن كتابية وتدعو بمسلم، فإن كانت كذلك فلا تجاب له حيث امتنع أولياؤها لأن المسلم غير كفء لها عندهم فلا يجبرون على تزويجها به. ولو دعت لكفء ودعا وليها لكفء غيره كان كفؤها أولى لأنه أقرب إلى دوام العشرة، فيأمره الحاكم يتزويجها إن امتنع من تزويجها بالكفء الذي رضيت به في المسئلتين - الأولى ما إذا طلبها كفء ورضيت به سواء طلبت التزويج به أو لا، والثانية ما إذا دعت
стр. 8407
لكفء ودعا وليها لكفء آخر - بعد أن يسأله عن وجه امتناعه ولا يظهر له وجه صحيح، وأما إن سأله عن وجه امتناعه فأبدى له وجهه ورآه صوابا ردها إليه. ثم إن امتنع بعد أمر الحاكم زوجها الحاكم أو وكل من يعقد عليها ولو أجنبيا عنها لأن الولى يصير عاضلا برده أول كفء ولا ينتقل بسبب امتناعه من تزويجها لكفئها الحق إلى الأبعد، مثله في التوضيح، وخالف في ذلك ابن عبد السلام رضى الله تعالى عنه فقال: إنما يزوجها الحاكم عند عدم الولى غير العاضل، وأما عند وجوده فينتقل الحق للأبعد؛ لأن عضل الأقرب واستمراره على الامتناع صيره بمنزلة العدم فينتقل الحق للأبعد، وأما الحاكم فلا يظهر كونه وكيلا له إلا إذا لم يظهر منه امتناع كما لو كان غائبا مثلا، وما ذكره ابن عبد السلام استصوبه شيخنا. ولا يعد الأب المجبر عاضلا لمجبرته برده لكفئها ردا متكررًا، وذلك لما جبل عليه الأب من الحنان والشفقة على بنته ولجهلها بمصالح نفسها، فربما عَلِمَ الأب من حالها أو من حال الخاطب ما لا يوافق فلا يعد عاضلا بما ذكر حتى يتحقق عضله، وفى البدر القرافى عن ابن حبيب - رضى الله تعالى عنه: منع مالك رضى الله تعالى عنه بناته وقد رغب فيهم خيار الرجال، وفعله العلماء قبله وبعده وحاشاهم أن يقصدوا به الضرر. ومثل الأب المجبر وصيه المجبر، وقيل إن الوصى المجبر يعد عاضلا برد أول كفء وهو ظاهر خليل. هذا في المجبرة أما غير المجبرة سواء كان ثيبًا أو بكرًا مرشدة فيعد الأب عاضلا برد أول كفء كما أن غيره من الأولياء كذلك. فإذا تحقق عضله أمره الحاكم بالتزويج، فإذا امتنع منه بعد أمره به زوج الحاكم، ولا يسأله الحاكم عن وجه امتناعه إذ لا معنى للسؤال مع تحقق العضل (١)، وإذا رضى الولى بغير كفء وزوجها منه ثم طلقها طلاقًا بائنًا أو رجعيًا وانقضت العدة وأراد عودها فرضيت الزوجة وامتنع الولى منه فليس له الامتناع حيث لم يحدث ما يوجب الامتناع لأن رضاه أو لا أسقط حقه من الامتناع؛ ويعد عاضلا إن امتنع، فإن حدث عيب بأن زاد فسق فله الامتناع. أما إذا كان الطلاق رجعيا ولم تنفض العدة فهى زوجة فلا كلام لها ولا لوليها (٢) وإذا كلم السيد في إجازة نكاح عبده فامتنع ابتداء بأن قال لا أجيزه فقط أو لا أمضى مافعله من غير أن يقول فسخت أو رددت نكاحه فإن له أن يجيز إن قرب وقت الإِجازة من الامتناع كيومين فأقل. والأيام الثلاثة فما فوفها طول فلا تصح الإِجازة بعدها. وأما إذا لم يحصل منه امتناع - بأن كلم في اجازة النكاح فسكت - فله الاجازة ولو طال الزمن. هذا إذا لم يرد السيد بامتناعه الفسخ، فإن أراد به الفسخ فلا تصح اجازته بعد ذلك (٣).
стр. 8408
مذهب الشافعية:
جاء في مغنى المحتاج أن السلطان يزوج إذا عضل أي امتنع من تزويجها النسيب القريب ولو مجبرا، وكذا إذا امتنع المعتق وعصبته؛ لأنه حق عليهم، فإذا امتنعوا من وفائه وفاه الحاكم، ولا تنتقل الولاية للأبعد جزما وهذا محله إذا كان العضل دون ثلاث مرات، فإن كان ثلاث مرات زوج الأبعد بناء على منع ولاية الفاسق كما قاله الشيخان، وهذا فيمن لم تغلب طاعاته على معاصيه كما ذكروه في الشهادات، وإلا فلا يفسق بذلك، وهل المراد ما قالاه هنا بالمرات الثلاث الأنكحة أو بالنسبة إلى عرض الحاكم ولو في نكاح واحد؟ قال في المهمات فيه نظر. والأوجه الثاني، ووقع في فتاوى المصنف أن العضل كبيرة بإجماع المسلمين، واعترض بأن الذي اختاره الإمام في النهاية أنه لا يحرم إلا إذا لم يكن في الخطة حاكم. قيل وينبغى أنه لا يحرم مطلقا إذا جوزنا التحكيم. وإنما يحصل العضل من الولى إذا دعت بالغة عاقلة سواء كانت رشيدة أو سفيهة إلى كفء وامتنع الولى من تزويجه لأنه إنما يجب عليه تزويجها من كفء، فإن دعته إلى غير كفء كان له الامتناع لأن له حقا في الكفاءة. ويؤخذ من التعليل أنها لو دعت إلى تزويجها من عنين أو مجبوب لزمه إجابتها، فإن امتنع كان عاضلا إذ لا حق له في الامتناع، بخلاف ما إذا دعته إلى تزويجها من أجذم أو أبرص أو مجنون لأنه يعير بذلك. وليس له الامتناع لنقصان المهر أو لكونه من غير نقد البلد إذا رضيته بذلك لأن المهر محض حقها، ولو امتنع من نكاحها في تزويج التحليل فعن بعض المتأخرين أنه إن امتنع للخروج من الخلاف أو لقوة دليل التحريم عنده فلا إثم عليه، بل يثاب على قصده. قال ابن شهبة رحمه الله تعالى: وفى تزويج الحاكم حينئذ نظر لأنه بامتناعه لا يعد عاضلا، وهذا ظاهر وفى زوائد الروضة لو طلبت التزويج برجل وادعت كفاءته وأنكر الولى رفع للقاضى فإن ثبتت كفاءته ألزمه تزويجها، فإن امتنع زوجها به وإن لم تثبت فلا، ولا بد من ثبوت العضل عند الحاكم ليزوج بأن يحضر الولى والخاطب والمرأة فيأمر الحاكم الولى بالتزويج فيمتنع منه أو يسكت أو تقام البينة عليه لتوار أو تعزز أو غيبة لا يزوج فيها القاضي. وإذا ظهرت حاجة المجنونة إلى النكاح وامتنع الولى من تزويجها كان عضلا. ولو عينت مجبرة كفأ وأراد الأب أو الجد المجبر كفأ غيره فله ذلك في الأصح لأنه أكمل نظرا منها، والقول الثاني المقابل للأصح: يلزمه إجابتها إعفافا لها، واختاره السبكى، والمعتبر في غير المجبر من عينته جزما كما اقتضاه كلام الشيخين لأن أصل تزويجها يتوقف على إذنها (١). ويلزم المجبر - وهو الأب والجد - وغير المجبر إن تعين كأخ واحد وعم أن يجيب ملتمسة التزويج البالغة إن دعت إلى كفء تحصينا لها فإن امتنع أثم كالقاضى أو الشاهد إذا تعين عليه القضاء أو الشهادة وامتنع وقيل لا يلزمه الإِجابة ولا يأثم لأن الغرض يحصل بتزويج الحاكم فإن لم يتعين غير المجبر كأخوة أشقاء أو لأب فسألت بعضهم أن يزوجها لزمه الإِجابة إليه في الأصح لئلا يؤدى إلى التواكل فلا يعفوها، والقول الثاني المقابل للأصح: المنع لإِمكانه بغيره وهما
стр. 8409
كالوجهين في الشهود إذا طلب من بعضهم أداء الشهادة وقضية الأول أنه يصير بالامتناع عاضلا فيزوج السلطان، قال الزركشى رحمه الله تعالى: وهو مشكل إذ كيف يزوج مع وجود ولى آخر في درجة الممتنع والأقرب أنه يزوج هنا بإذنهم وينبغى ضبط مدة المراجعة بمسافة القصر. وما قاله مخالف للروضة وأصلها من أن السلطان إنما يزوج عند امتناع الجميع (١).
مذهب الحنابلة:
جاء في المغنى أن الولى الأقرب إذا عضل المرأة انتقلت الولاية إلى الأبعد، نص عليه أحمد رضى الله تعالى عنه، وعنه رواية أخرى تنتقل إلى السلطان وهو اختيار أبى بكر، وذكر ذلك عن عثمان بن عفان رضى الله تعالى عنه وشريح وبه قال الشافعي رضى الله تعالى عنه لقول النبي ﷺ : "فإن اشتجروا فالسلطان ولى من لا ولى له" ولأن ذلك حق علمه امتنع من أدائه فقام الحاكم مقامه كما لو كان علمه دين وامتنع من قضائه. ويدل لنا أنه تعذر التزويج من جهة الأقرب فملكه الأبعد كما لو جن ولأنه يفسق بالعضل فتنتقل الولاية عنه كما لو شرب الخمر، فإن عضل الأولياء كلهم زوج الحاكم، والحديث حجه لنا لقوله ﷺ "السلطان ولى من لا ولى له"، وهذه لها ولى ويمكن حمله على ما إذا عضل الكل لأن قوله "فإن اشتجروا" ضمير جمع يتناول الكل. والولاية تخالف الدين من وجوه ثلاثة أحدها أنها حق للولى والدين حق علمه. الثاني أن الدين لا ينتقل عنه والولاية تنتقل لعارض من جنون الولى وفسقه وموته. الثالث: أن الدين لا يعتبر في بقائه العدالة، والولاية يعتبر لها ذلك وقد زالت العدالة بما ذكرنا، فإن قيل فلو زالت ولايته لما صح منه التزويج إذا أجاب إليه، قلنا فسقه بامتناعه، فإذا أجاب فقد نزع عن المعصية وراجع الحق فزال فسقه فلذلك صح تزويجه. ومعنى العضل منع المرأة من التزويج بكفئها إذا طلبت ذلك، ورغب كل واحد منهما في صاحبه قال معقل بن يسار زوجت أختا لى من رجل فطلقها حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها فقلت له زوجتك وأفرشتك وأكرمتك فطلقتها ثحم جئت تخطبها، لا والله لا تعود إليك أبدا وكان رجلا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه فأنزل الله تعالى هذه الآية "ولا تعضلوهن" (٢) فقلت الآن أفعل يا رسول الله، قال فزوجها إياه (٣). وسواء طلبت التزويج بمهر مثلها أو دونه وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد رضى الله تعالى عنهم، وقال أبو حنيفة لهم منعها من التزويج بدون مهر مثلها لأن عليهم في ذلك عارا وفيه ضرر على نسائها لنقص مهر مثلهن. ويدل لنا أن المهر خالص حقها وعوض يختص بها فلم يكن لهم الاعتراض عليها فيه كثمن عبدها وأجرة دارها ولأنها لو أسقطته بعد وجوبه سقط كله فبعضه أولى، ولأن النبي ﷺ قال لرجل أراد أن يزوجه: التمس ولو خاتما من حديد. وقال لامرأة زوجت بنعلين: أرضيت بنعلين من نفسك؟ قالت نعم فأجازه النبي ﷺ ، وقولهم فيه عار عليهم ليس كذلك، فإن عمر رضى الله عنه قال: لو كان مكرمة في الدين أو تقوى عند الله
стр. 8410
كان أولاكم بها رسول الله ﷺ يعنى غلو الصداق. فإن رغبت في كفء بعينه وأراد تزويجها لغيره من أكفائها وامتنع من تزويجها من الذي أرادته كان عاضلا لها، فأما إن طلبت التزويج بغير كفئها فله منعها من ذلك ولا يكون عاضلا لها بهذا لأنها لو زوجت من غير كفئها كان أول فسخ النكاح، فلأن تمتنع منه ابتداء أولى (١). ولو طلبت الأمة من سيدها أن يزوجها فإن كان يطؤها لم يجبر على تزويجها لأن علمه ضررا في تزويجها، ووطؤه لها يدفع حاجتها فإن كان لا يطؤها لكونها محرمة عليه كالمجوسية وأخته من الرضاع، أو محللة له لكن لا يرغب وطئها أجبر على تزويجها أو وطئها إن كانت محللة له أو إزالة ملكه عنها لأنه وليها فأجبر على تزويجها كالحرة، ولأن حاجتها قد تشتد إلى ذلك فؤجبر على دفعها كالإِطعام والكسوة، وإذا امتنع أجبره الحاكم، وإن طلبت منه من نصفها حر أو المكاتبة أو أم الولد التزويج أجبر عليه لأنه وليهن فأجبر على تزويجهن كالحرائر (٢).
مذهب الظاهرية:
جاء في المحلى أنه لا يحل للمرأة نكاح ثيبا كانت أو بكرا إلا بإذن وليها الأب أو الأخوة أو الجد أو الأعمام أو بنى الأعمام وإن بعدوا، والأقرب فالأقرب أولى، ومعنى ذلك أن يأذن لها فى الزواج، فإن آبى أولياؤها من الإِذن لها زوجها السلطان. برهان ذلك قول الله "وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم" (٣) وقوله تعالى: "ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا" (٤)، وهذا خطاب للأولياء لا للنساء، وروينا من طريق ابن وهب عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها عن النبي ﷺ لا تنكح المرأة بغير وليها، فإن نكحت فنكاحها باطل ثلاث مرات، فإن أصابها فلها مهرها بما أصاب منها فإن اشتجروا فالسلطان ولى من لا ولى له" (٥).
مذهب الزيدية:
جاء في البحر الزخار أن العضل هو امتناع الولى من تزويج البالغة الراضية من الكفء من غير مانع، فتبطل ولايته لقول النبي ﷺ : "ثلاث لا ينبغى التأنى فيهن" فلو قال دعنى إلى وقت آخر كان عاضلا. قال الإِمام يحيى ﵇: لا يكون عاضلا لو قال حتى أصلى أو
стр. 8411
نحوه. قلت: فيه نظر إلا لتعرف حاله. وإذا بطلت ولاية الممتنع انتقلت ولايته إجماعا ولا يخير لقول النبي ﷺ : "فإن اشتجروا فالسلطان ولى من لا ولى له". ولا يقبل قولها فيه، إذ حق الولى ثابت في الظاهر، فإن لم يكن إمام وكلت، وعن قوم: ينتظر. ويدل لنا ما مر. فإن رجع عن العضل قبل الإِنكاح عادت الولاية. قلت: ومن عرف من حاله العضل عن تزويج نسائه فيما مضى، وخيف من مؤاذنته في الحال كسلاطين اليمن انتقلت ولايته، وإن لم يؤاذن عملا بالظاهر واستصحاب الحال (١) قال الإمام يحيى ﵇: والمجنون المطبق كالصغير، تعتبر المصلحة، قال: والسفيه والمعتوه يزوجه وليه حتما إن طلب كإنفاقه من ماله، وله أن يأذن له إذ هو ممن يصح عقده كطلاقه، فإن امتنع وليه فعقد لنفسه فوجهان: لا يصح كالصغير، ويصح كمن امتنع غريمه على دينه فأخذ من ماله. دلت الأقرب أن هذا لغير المذهب، فأما التخيير فحكمه فيه حكم الثيب (٢). ولا يصح نكاح عبد إلا بإذن سيده لقول النبي ﷺ : "أيما عبد تزوج بغير إذن سيده فهو عاهر" قال الإمام يحيى: أراد به أنه كالعاهر، وليس بزان حقيقة لاستناده إلى عقد. قلت: بل زان إن علم التحريم فيحد ولا مهر، قالت العترة: فإن عقد كان موقوفا ينفذ بالإجازة. قال الناصر ﵇: لا ينفذ بالإِجازة لقول النبى ﷺ : "إذا نكح العبد بغير إذن مواليه فنكاحه باطل" قلنا: يعنى غير نافذ جمعا بينه وبين خبر حكيم بن حزام في الموقوف (٣).
مذهب الإِمامية:
جاء في الروضة البهية أن الولى لو عضل موليته فلم يزوجها من الكفء مع وجوده ورغبتها فلا بحث في سقوط ولايته وجواز استقلالها به، ولا فرق حينئذ بمن كون النكاح بمهر المثل وغيره، ولو منع من غير الكفء لم يكن عضلا (٤). وجاء في الخلاف أن الولى إذا عضل المولية كان لها أن توكل من يزوجها، أو تزوج نفسها إذا كانت بالغة (٥).
مذهب الإباضية:
جاء في شرح النيل أن الولى يجبر على تزويج موليته إن امتنع من تزويجها بلا عذر، وهو ظلم لها وكبيرة يرضيها عليه أو تجعله في حل. ويجبر بلا ضرب إن لم يجد كفأها ووجد غيره وخاف عليها الزنا. وإن امتنع وكلت حينئذ من يزوجها أو زوجها الحاكم والإمام أو الجماعة. واختلف في كيفية إجبار الولى الممتنع، فقيل يجبر بحبس - وهو الصحيح - وقيل: يضرب بلا عدد محدود حتى يزوجها من كفؤها إن حضر الكفء، وقيل: يضرب تأديبا، ويزوجها الإمام أو نحوه، أو الجماعة، أو يوكلون لها، أو توكل هي، أو يزوجها ولى دون الولى الممتنع، كشقيق أبى أن يزوجها
стр. 8412
فيزوجها أخ الأب. وكذا السيد إن طلبه مملوكه - على الصحيح - يجبر بالضرب بلا عدد، وقيل: بالحبس، وقيل: لا، وكذا يجبر خليفة اليتيمم أو المجنون إذا طلبه عبيدهما أو إماؤهما كما قال أبو زكرياء رحمه الله تعالى. وحرم على الولى أن يأخذ مالا من وليته على تزويجها بلا طيب نفس منها إن امتنع من تزويجها إلا بالمال؛ لأن تزويجه إياها فرض، ولا يحل أخذ مال على فرض، وهل لها أن تعطي، قال الله تعالى: "وأنكحوا الأيامى منكم" (١) فأمر الأولياء بالإِنكاح، والأمر للموجوب والفرض، أي إن أردن ذلك. وقال الله تعالى: "ولا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن" (٢) أي أن يتخذن أزواجا فنهاهم أن يمسكوهن، والنهى للتحريم إلا بقرينة فلا يجوز له أن يفعل المنع ويتوصل به إلى الأجرة إلا إن كان يسافر إلى العقد فله الأجرة، ويحتمل أن يريد بأزواجهن من هن في عدة طلاقهم، نهاهم أن يمنعوهن عن الرجوع وقد تدل الآية على أنه يجوز منعهن عن غير أكفائهن إذا قلنا معنى ينكحن أزواجهن: أن يتخذن أزواجا، بأن يقال: المعنى أن ينكحن الأزواج الذين يتأهلن لهم، والإضافة لهذا المعنى، كأنه قيل: أن ينكحن أقرانهن، كما قال الله تعالى: "الطيبات للطيبين" (٣) الآية، يقال فلان زوج لفلانة بمعنى كفؤها، وفلان ليس زوجا لها أي ليس كفئا لها، فيفهم أن لهم أن يعضلوهن إذا أردن الزواج ممن ليس زوجا لهن، أعنى من لا يصلح لهن زوجا، أما إذا فسرنا الآية بالرجعة فلا تمنع عن زوجها ولو لم يكن كفئا لها، وليس النكاح إليها حينئذ بل يراجعها ولو كرهت، قال في الديوان: ينظر المسلمون في منعه فإن أراد به المال ومضرتها فلا يتركوه إلى ذلك وليخوفوه بالله تعالى لقول الله : "ولا تعضلوهن" وإن اعمل بعلة نظروا فإن وجدوا لها وجها رجعوا إلى المرأة وأمروها بطاعة وليها لأنه الناظر لها وإن أراد إضرارها أمروها أن تولى أمرها غيره وإن طلبت إليه واحدا فرده ثم آخر فرده أو أكثر فهل يكون ذلك تعطيلا أم لا؟ قولان، وإنما ينظر إلى إضرارها إذ لا حد لذلك لأنه ربما رد واحدا أو أكثر وله وجه، وربما رد واحدا وهو فيه أضر. وللإمام ومن أمره قاضيه والسلطان ومن أمره ولو جاء إن لم يكن الإِمام وقيل الجائر كواحد من الرعية، وللحاكم إن لم يكن قاض ولو للجائر، والجماعة أو ثلاثة منهم إن لم يكن الحاكم لهؤلاء جميعا تزويج امرأة إن امتنع وليها بما لا يقبل ولم يكن من دونه من الأولياء (٤).
стр. 8413
حكم امتناع المرأة من زوجها
مذهب الحنفية:
جاء في بدائع الصنائع أن المرأة إذا طالبت بالمهر وجب على الزوج تسليمه أولا لأن حق الزوج في المرأة متعين وحق المرأة في المهر لم يتعين بالعقد، وإنما يتعين بالقبض، فوجب على الزوج التسليم عند المطالبة ليتعين كما في البيع أن المشترى يسلم الثمن أولا ثم يسلم البائع المبيع إلا أن الثمن في باب البيع إذا كان دينا يقدم تسليمه على تسليم المبيع ليتعين، وإن كان عينا يسلمان معا، وههنا يقدم تسليم المهر على كل حال سواء كان دينا أو عينا لأن القبض والتسلم هاهنا معا متعذر ولا تعذر في البيع. وإذا ثبت هذا فنقول للمرأة قبل دخول الزوج بها أن تمنع الزوج عن الدخول حتى يعطيها جميع المهر ثم تسلم نفسها إلى زوجها وإن كانت قد انتقلت إلى بيت زوجها لما ذكرنا أن بذلك يتعين حقها فيكون تسليما بتسليم، ولأن المهر عوض عن بضعها كالثمن عوضا عن المبيع وللبائع حق حبس المبيع لاستيفاء الثمن فكان للمرأة حق حبس نفسها لاستيفاء المهر وليس للزوج منعها عن السفر والخروج من منزله وزيارة أهلها قبل إيفاء المهر لأن حق الحبس إنما يثبت لاستيفاء المستحق فإذا لم يجب عليها تسليم النفس قبل إيفاء المهر لم يثبت للزوج حق الاستيفاء فلا يثبت له حق الحبس، وإذا أوفاها المهر فله أن يمنعها من ذلك كله إلا من السفر للحج إذا كان عليها حجة الإِسلام ووجدت محرما، وله أن يدخل بها لأنه إذا أوفاها حقها يثبت له حق الحبس لاستيفاء المعقود عليه فإن أعطاها المهر إلا درهما واحدا فلها أن تمنع نفسها وأن تخرج من مصرها حتى تقبضه لأن حق الحبس لا يتجزأ، فلا يبطل إلا بتسليم كل البدل كما في البيع، ولو خرجت لم يكن للزوج أن يسترد منها ما قبضت لأنها قبضته بحق لكون المقبوض حقا لها والمقبوض بحق لا يحتمل النقص. هذا إذا كان المهر معجلا بأن تزوجها على صداق عاجل أو كان مسكوتا عن التعجيل والتأجيل لأن حكم المسكوت حكم المعجل، لأن هذا عقد معاوضة فيقتضى المساواة من الجانبين، والمرأة عينت حق الزوج فيجب أن يعين الزوج حقها وإنما يتعين بالتسلمم، فأما إذا كان مؤجلا بأن تزوجها على مهر آجل، فإن لم يذكر الوقت لشئ من المهر أصلا بأن قال تزوجتك على ألف مؤجلة، أو ذكر وقتا مجهولا جهالة متفاحشة بأن قال تزوجتك على ألف إلى وقت الميسرة أو هبوب الرياح أو إلى أن تمطر السماء فكذلك؛ لأن التأجيل لم يصح لتفاحش الجهالة فلم يثبت الأجل، ولو قال نصفه معجل ونصفه مؤجل كما جرت العادة في ديارنا ولم يذكر الموت للمؤجل، اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: لا يجوز الأجل ويجب حالا كما إذا قال تزوجتك على ألف مؤجلة، وقال بعضهم يجوز ويقع ذلك على وقت وقوع الفرقة بالطلاق أو الموت. وروى عن أبى يوسف رضى الله تعالى عنه ما يزيد هذا القول، وهو أن رجلا كفل لامرأة عن زوجها نفقة كل شهر ذكر في كتاب النكاح أنه يلزمه نفقة شهر واحد في الاستحسان، وذكر عن أبى يوسف رضى الله تعالى عنه أنه يلزمه نفقة كل شهر ما دام النكاح قائما بينهما، فكذلك هاهنا. وإن ذكر وقتا معلوما للمهر فليس لها أن لمنع نفسها في قول أبى حنيفة ومحمد رضى الله تعالى عنهما، وقال
стр. 8414
أبو يوسف رضى الله عنه: أخيرا لها أن تمنع نفسها سواء كانت المدة قصيرة أو طويلة بعد أن كانت معلومة أو مجهولة جهالة متقاربة كجهالة الحصاد والرياس. وجه قول أبى يوسف أن من حكم المهر أن يتقدم تسليمه على تسليم النفس بكل حال، ألا ترى أنه لو كان معينا أو غير معين وجب تقديمه، فلما قبل الزوج التأجيل كان ذلك رضا بتأخير حقه في القبض بخلاف البائع إذا أجل الثمن أنه ليس له أن يحبس المبيع ويبطل حقه في الحبس بتأجيل الثمن لأنه ليس من حكم الثمن تقديم تسليمه على تسليم المبيع لا محالة ألا ترى أن الثمن إذا كان عينا يسلمان معا فلم يكن قبول المشترى التأجيل رضا منه بإسقاط حقه في القبض. ووجه قول أبى حنيفة ومحمد: أن المرأة بالتأجيل رضيت بإسقاط حق نفسها فلا يسقط حق الزوج كالبائع إذا أجل الثمن فإنه يسقط حق حبس المبيع، بخلاف ما إذا كان التأجيل إلى مدة مجهولة جهالة متفاحشة لأن التأجيل ثمة لم يصح فلم يثبت الأجل فبقى المهر حالا. وأما قوله من شأن المهر أن يتقدم تسليمه على تسليم النفس فنقول نعم إذا كان معجلا أو مسكوتا عن الوقت، فأما إذا كان مؤجلا تأجيلا صحيحا فمن حكمه أن يتأخر تسليمه عن تسليم النفس لأن تقديم تسليمه ثبت حقا لها لأنه ثبت تحقيقا للمعاوضة المقتضية للمساواة حقا لها، فإذا أجلته فقد أسقطت حق نفسها فلا يسقط حق زوجها لانعدام الإسقاط منه والرضا بالسقوط، لهذا المعنى سقط حق البائع في الحبس بتأجيل الثمن. كذا هذا، ولو كان بعضه حالا وبعضه مؤجلا أجلا معلوما فله لين يدخل بها إذا أعطاها الحال بالإجماع؛ أما عندهما فلأن الكل لو كان مؤجلا لكان له أن يدخل بها فإذا كان البعض معجلا وأعطاها ذلك أولى، والفقه ما ذكرنا أن الزوج ما رضى بإسقاط حقه فلا يسقط حقه. وأما عند أبى يوسف فلأنه لما عجل البعض فلم يرض بتأخير حقه عن القبض لأنه لو رضى بذلك لم يكن لشرط التعجيل فائدة بخلاف ما إذا كان الكل مؤجلا، لأنه لما قبل التأجيل فقد رضى بتأخير حقه، ولو لم يدخل بها حتى حل أجل الباقى فله أن يدخل بها إذا أعطاها الحال لما قلنا. ولو كان الكل مؤجلا أجلا معلوما وشرط أن يدخل بها فبل أن يعطيها كله فله ذلك عن أبى يوسف أيضا لأنه لما شرط الدخول لم يرض بتأخير حقه في الاستمتاع، ولو كان المهر مؤجلا أجلا معلوما فحل الأجل فليس لها أن تمنع نفسها لتستوفى المهر على أصل أبى حنيفة ومحمد؛ لآن حق الحبس قد سقط بالتأجيل، والسادس لا يحتمل العود كالثمن في المبيع، وعلى أصل أبى يوسف لها أن تمنع نفسها لأن لها أن تمنع قبل حلول الأجل فبعده أولى. ولو كان المهر حالا فأخرته شهرا فليس لها أن تمنع نفسها عندهما، وعنده لها ذلك لأن هذا تأجيل طارئ فكان حكمه حكم التأجيل المقارن. ولو دخل الزوج بها برضاها وهى مكلفة فلها أن تمنع نفسها حتى تأخذ المهر ولها أن تمنعه أن يخرجها - من بلدها في قول أبى حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد ليس لها ذلك. وعلى هذا الخلاف: إذا خلا بها. وجه قولهما أنها بالوطء مرة واحدة أو بالخلوة الصحيحة سلمت جميع المعقود عليه برضاها وهى من أهل التسليم فبطل حقها في المنع كالبائع إذا سلم المبيع ولا شك في الرضا وأهلية التسليم. والدليل على أنها سلمت جميع المعقود عليه أن المعقود عليه في هذا الباب في حكم العين، ولهذا يتأكد جميع المهر بالوطء مرة
стр. 8415
واحدة، ومعلوم أن جميع البدل لا يتأكد بتسليم بعض المعقود عليه، وما يتكرر من الوطاءات ملتحق بالاستخدام فلا يقابله شئ من المهر. ويدل لأبى حنيفة رضى الله تعالى عنه أن المهر مقابل بجميع ما يستوفى من منافع البضع في جميع الوطاءات التي توجد في هذا الملك لا بالمستوفى بالوطأة الأولى خاصة لأنه لا يجوز إخلاء شئ من منافع البضع عن بدل يقابله احتراما للبضع وإبانة لخطره، فكانت هي بالمنع ممتنعة عن تسليم ما يقابله بدل فكان لها ذلك بالوطء في المرة الأولى، فكان لها أن تمنعه عن الأول حتى تأخذ مهرها، فكذا عن الثاني والثالث إلا أن المهر يتأكد بالوطء مرة واحدة لأنه موجود معلوم وما وراءه معدوم مجهول فلا يزاحمه في الانقسام ثم عند الوجود يتعين قطعا فيصير مزاحما، فيأخذ قسطا من البدل كالعبد إذا جنى جناية يجب دفعه بها، فإن جنى جناية أخرى فالثانية تزاحم الأولى عند وجودها في وجوب الدفع بها، وكذا الثالثة والرابعة إلى ما لا يتناهى، بخلاف البائع إذا سلم المبيع قبل قبض الثمن أو بعد ما قبض شيئا منه، ثم أراد أن يسترد أنه ليس له ذلك لأنه سلم كل المبيع، فلا يملك الرجوع فيما سلم، وهاهنا ما سلمت كل المعقود عليه بل البعض دون البعض لأن المعقود عليه منافع البضع وما سلمت كل المنافع بل بعضها دون البعض فهى بالمنع تمتنع عن تسليم ما لم يحصل مسلما بعد، فكان لها ذلك كالبائع إذا سلم بعض المبيع قبل استيفاء الثمن كان له حق حبس الباقى ليستوفى الثمن، كذا هذا، وكان أبو القاسم الصفار رضى الله تعالى عنه يفتى في منعها بقول أبى يوسف ومحمد رضى الله تعالى عنهما، وفى السفر بقول أبى حنيفة رضى الله تعالى عنه، وبعد إيفاء المهر كان له أن ينقلها حيث شاء، وحكى الفقيه أبو جعفر الهندوانى عن محمد بن سلمة أنه كان يفتى أن بعد تسليم المهر ليس لزوجها أن يسافر بها، قال أبو يوسف ولو وجدت المرأة المهر زيوفا أو ستوتا فردت، أو كان المقبوض عرضا اشترته من الزوج بالمهر فاستحق بعد القبض وقد كان دخل بها فليس لها أن تمنع نفسها في جميع ذلك، وهذا على أصلهما مستقيم لأن من أصلهما أن التسليم من غير قبض المهر يبطل حق المنع، وهذا تسليم من غير قبض لأن ذلك القبض بالرد والاستحقاق انتقض والتحق بالعدم فصار كأنها لم تقبضه، وقبل القبض الجواب هكذا عندهما، وأما عند أبى حنيفة رضى الله تعالى عنه فينبغى أن يكون لها أن تمنع نفسها، ثم فرق أبو يوسف بين هذا وبين المنع أنه إذا استحق الثمن من يد البائع أو وجده زيوفا أو ستوتا فرده فله أن يسترد المبيع فيحبسه لأن البائع بعد الاسترداد يمكنه الحبس على الوجه الذي كان قبل ذلك، وأما هاهنا فلا يمكنه لأنه استوفى بعض البضع، فلا يكون هذا الحبس مثل الأول فلا يعود حقها في الحبس وجاء في الفتاوى الهندية: أنه لا يجوز للرجل أن يجمع بين ضرتين أو بين الضرائر في مسكن واحد إلا برضاهن للزوم الوحشة، ولو اجتمعت الضرائر في مسكن واحد بالرضا يكره أن يطأ إحداهما بحضرة الأخرى حتى لو طلب وطأها لم تلزمها الإجابة ولا تصير في الامتناع ناشزة ولا خلاف في هذه المسائل، وله أن يجبرها على الغسل من الجنابة والحيض والنفاس إلا أن تكون ذمية وله جبرها على التطييب والاستحداد - كذا في البحر - وله أن يمنعها من
стр. 8416
أكل ما يتأذى من رائحته ومن الغزل، وعلى هذا له أن يمنعها من التزيين بما يتأذى بريحه كأن يتأذى برائحة الحناء الأخضر ونحوه، وله ضربها بترك الزينة إذا كان يريدها وترك الإِجابة وهى طاهرة والصلاة وشروطها كذا في فتح القدير. وإذا كان رجل له امرأة لا تصلى فله أن يطلقها وإن لم يقدر على إيفاء مهرها فإن أرادت أن تخرج إلى مجلس العلم بلا إذنه لم يكن لها ذلك، فإن وقعت لها نازلة وزوجها عالم بها أو جاهل لكنه يسأل عالما لا تخرج وإلا فلها أن تخرج وإن كان لها أب زمن وليس له من يقوم عليه وزوجها يمنعها من الخروج إليه لها أن تعصى زوجها وتطيع الوالد مؤمنا كان أو كافرا. ولو كان رجل له أم شابة تخرج إلى الوليمة المصيبة وليس لها زوج لا يمنعها ابنها ما لم يتحقق عنده أنها تخرج لفساد فحينئذ يرفع الأمر إلى القاضي فإذا أمره القاضي بالمنع فله أن يمنعها لقيامه مقامه كذا في الكافى (١). وجاء في فتاوى قاضيخان أنهم قالوا ليس للمرأة أن تخرج بغير إذن الزوج إلا بأسباب معدودة، منها إذا كانت في منزل يخاف السقوط عليها، ومنها الخروج إلى مجلس العلم إذا وقعت لها نازلة ولم يكن الزوج فقيها، ومنها الخروج إلى الحج الفرض إذا وجدت محرما ويجوز للزوج أن يأذن لها في الخروج ولا يصير عاصيا بالإِذن، ومنها الخروج إلى زيارة الو الدين وتعزيتهما وعيادتهما وزيارة المحارم. وكذا لو كانت المرأة قابلة فاستأذنت الزوج لرفع الولد، وكذا إذا كانت تغسل الموتى، وإذا كان عليها حق أولها حق على غيرها. وليس لها أن تعطى شيئا من بيته بغير إذنه، ولا تصوم لغير فرض، وليس عليها أن تعمل بيدها شيئا لزوجها قضاء من الخبز والطبخ وكنس البيت وغير ذلك. ولو كان الرجل فاسقا يتخذ الضيافة للفساق كان للمرأة أن تخبز وتطبخ إلا أنها تنوى عند الطبخ والخبز أنهم ما داموا مشغولين بأكل يمتنعون عن الشرب كمن جلس عند الفساق ينوى أنهم يمتنعون عن الفسق في تلك الساعة كان له ذلك ويؤجر عليه (٢). وجاء في بدائع الصنائع أن الزوجة إذا لم تطع زوجها فيما يلزم طاعته بأن كانت ناشزة فله أن يؤدبها لكن على الترتيب، فيعظها أولا على الرفق واللين بأن يقول لها كونى من الصالحات القانتات الحافظات للغيب ولا تكونى من كذا وكذا فلعلها تقبل الموعظة فتترك النشوز، فإن نجعت فيها الموعظة ورجعت إلى الفراش وإلا هجرها، وقيل يخوفها بالهجر أولا والاعتزال عنها وترك الجماع والمضاجعة فإن تركت وإلا هجرها لعل نفسها لا تحتمل الهجر، ثم اختلف في كيفية الهجر، قيل يهجرها بأن لا يجامعها ولا يضاجعها على فراشه، وقيل يهجرها بأن لا يكلمها في حال مضاجعته إياها لا أن يترك جماعها ومضاجعتها لأن ذلك حق مشترك بينهما فيكون في ذلك عليه من الضرر ما عليها فلا يؤدبها بما يضر بنفسه ويبطل حقه، وقيل يهجرها بأن يفارقها في
стр. 8417
المضجع ويضاجع أخرى في حقها وقسمها لأن حقها عليه في القسم في حال الموافقة وحفظ حدود الله تعالى إلا في حال التضييع وخوف النشوز والتنازع وقيل يهجرها بترك مضاجعتها وجماعها لوقت غلبة شهوتها وحاجتها لا في وقت حاجته إليها لأن هذا للتأديب والزجر فينبغى أن يؤدبها لا أن يؤدب نفسه بامتناعه عن المضاجعة في حال حاجته إليها فإذا هجرها فإن تركت النشوز وإلا ضربها عند ذلك ضربا غير مبرح ولا شائن. والأصل فيه قول الله : "واللاتى تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن (١) فظاهر الآية وإن كان بحرف الواو الموضوعة للجمع المطلق، لكن المراد منه الجمع على سبيل الترتيب، والواو تحتمل ذلك، فإن نفع الضرب، وإلا رفع الأمر إلى القاضي ليوجه إليهما حكمين حكما من أهله وحكما من أهلها كما قال الله تعالى: "وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما" (٢) وسبيل هذا سبيل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر في حق سائر الناس أن الآمر يبدأ بالموعظة على الرفق واللين دون التغليظ في القول، فإن قبلت وإلا غلظ القول به فإن قبلت وإلا بسط يده فيه، وكذلك إذا ارتكبت محظورا سوى النشوز ليس فيه حد مقدر فللزوج أن يؤدبها تعزيرا لها لأن للزوج أن يعزر زوجته كما للمولى أن يعزر مملوكه (٣).
مذهب المالكية:
جاء فى الشرح الكبير وحاشية الدسوقى عليه أن للزوجة الامتناع من الدخول والوطء بعد العقد إن تعذر أخذ المهر من الزوج أو المتحمل به لكونه معسرا، وأما لو كان لا يتعذر الأخذ منه لكونه مليا لم يكن لها الامتناع. وإنما يكون لها الامتناع حتى يقرر لها صداقا في نكاح التفويض ولأخذ الحال أصالة أو بعد أجله في نكاح التسمية، بأن كان مؤجلا فحل أجله وتسوية صاحب الشرع الكبير بمن الحال ابتداء وبين ما حل بعد التأجيل من أن لها الامتناع حتى تقبضه فيه نظر، بل إنما يكونان سواء لو كان الصداق على الزوج، وأما إذا كان على المتحمل به فليس لها المنع من التمكين إلا بالنسبة للحال أصالة دون ما حل بعد أجله كما قاله اللخمى ونقله ابن عرفة عنه. وإذا امتنعت الزوجة من الدخول لتعذر خلاص الصداق من الملتزم فإن الزوج يخير بين أن يدفع الصداق من عنده أو يطلقها، فإن دفعه من عنده رجع به على الملتزم إن كان التزامه به على وجه الحمل مطلقا أو على وجه الضمان، وكان قبل العقد أو فيه، وإن كان على وجه الحمالة أو الضمان بعد العقد فلا رجوع له عليه، وإن طلقها فلا شئ عليه إذا كان الملتزم التزمه على وجه الحمل أو على وجه الضمان وكان قبل العقد أو حينه، وأما إن كان التزامه على وجه الحمالة أو الضمان بعد العقد فإنه إن طلقها يغرم لها نصف الصداق وإن دخل غرم الجميع (٤). وإذا كان الصداق من العروض أو
стр. 8418
الرقيق أو الحيوان أو الأصول، فإن كان غائبا عن بلد العقد صح النكاح إن أجل قبضه بأجل قريب بحيث لا يتغير فيه غالبا، وإلا فسد النكاح، وإن كان حاضرا في البلد وجب تسليمه لها أو لوليها يوم العقد، ولا يجوز تأخيره ولو رضيت بذلك حيث اشترط التأخير في صلب العقد وإن لم يشترط كان تعجيله من حقها فإن رضيت بالتأخير جاز. وإن لم يكن معينا وتنازعا في التبدئة بأن طلب الزوج الدخول قبل دفع الصداق وطلبت هي دفعه قبل الدخول ندب لها منع نفسها من الدخول عليها وإن كانت معيبة بعيب لا قيام له به بأن رضى به أو حدث بعد العقد، وإن دخل بها فلها منع نفسها من الوطء بعد الدخول بمعنى الاختلاء بها لا بمعنى الوطء، ولها منع نفسها من السفر معه. وغاية منعها من الدخول، ومن الوطء بعده إذا مكنته من الدخول، ومن السفر معه، إلى أن يسلم ما حل من المهر أصالة أو بعد التأجيل، وإنما كان لها منع نفسها لأنها بائعة، والبائع له منع سلعته حتى يقبض الثمن. أما بعد الدخول بمعنى الوطء أو التمكين من الوطء وإن لم يطأ فليس لها منع نفسها منه معسرا كان أو موسرا، وكذا ليس لها منع نفسها من السفر معه. قال الدسوقى: هكذا في التوضيح عن ابن عبد السلام رضى الله تعالى عنه. والذي ارتضاه ابن عرفة رضى الله تعالى عنه أنه لا يسقط منعها إلا الوطء بالفعل. فإن استُحق الصداق من يدها بعد الوطء فلها الامتناع حتى تقبض عوضه من قيمة المقوم ومثل المثلى إن غرها بأن علم أنه لا يملكه، بل ولو لم يغرها على الأظهر هذا هو المعتمد، وقيل ليس لها بعد الوطء سواء استحق أولا، غرها أو لا. وقيل إن غرها فلها المنع، وإلا فلا، وهما ضعيفان ومن بادر من الزوجين بدفع ما في جهته - حصلت بينهما منازعة أم لا - أجبر له الآخر بتسليم ما عليه إن بلغ الزوج الحلم وأمكن وطؤها؛ فإن دفع الزوج ما حل من الصداق وطلب الدخول فامتنعت الزوجة وكانت مطيقة للوطء والزوج بالغ فإنها تجبر على أن تمكنه من نفسها وكذلك لو بادرت بالتمكين من نفسها وهى مطيقة للوطء وأبى الزوج أن يدخل عليها وهو بالغ وامتنع من دفع الصداق حتى يدخل بها فإنه يجبر على أن يدفع لها ما حل من صداقها، وهذا كله إذا كان الصداق غير معين بل كان موصوفا في الذمة، أما لو كان معينا فلا يشترط بلوغ ولا إطاقة، بل يجب تعجيله كما مر، ولا يجوز اشتراط تأخيره سواء كان الزوج بالغا أم لا، أمكن وطؤها أم لا. فإن لم يبلغ الزوج لم تجبر له الزوجة إن كانت مطلوبة ولا يجبر لها الزوج إن كان مطلوبا. وكذا لو كانت غير مطيقة، فلا تجبر له إن كانت مطلوبة ولا يجبر لها الزوج إن كان مطلوبا من وليها. فإن لم يمكن وطؤها لمرض فكالصحيحة تجبر إذا لم تبلغ حد السياق. وتمهل الزوجة عن الدخول أي تجاب للإمهال ولو دفع الزوج ما حل من الصداق سنة إن اشترطت عند العقد على الزوج لأجل تغربتها عنهم بأن يسافر بها فقصد والتمتع بها، أو لأجل صغر يمكن معه الوطء. وإن لم يشترط السنة بأن دفع ذكرها بعد العقد أو كانت لا لتغربة ولا لصغر بطل شرط الإِمهال والنكاح صحيح، لا إن شرط أكثر من سنة لصغر أو تغربة، فإنه يبطل جميع ما اشترط لا ما زاد عليها فقط، وتمهل الزوجة للمرض والصغر الحاصلين لها قبل البناء المانعين من الجماع لزوالهما وإن طال، وإن لم يشترط الإِمهال عند العقد، وما ذكره في المرض تبع فيه ابن الحاجب والذي في المدونة أنها لا تمهل في المرض إلا إذا بلغ
стр. 8419
المريض حد السياق، وإلا فلا تمهل لزواله. وتمهل قدر زمن يهيأ مثلها فيه أمرها، وكذا يمهل هو قدر ما يهيئ مثل أمره، وذلك يختلف باختلاف الناس والجهاز والزمان والمكان، ولا نفقة لها في مدة التهيئة. ولو حلف ليدخلن الليلة وحلفت على عدم الدخول حتى يهيئ لها أمرها فينبغى أن يحنث الزوج لأنها حلفت على حقها، وإن كان هو أيضا صاحب حق لكن حقها أصلى. ولا تمهل لحيض ولا نفاس لإِمكان الاستمتاع بها بغير الوطء (١). وإذا كان بالزوجة داء من أدواء الفرج من نحو رتق أو فرن أو عفل أو بخر، فهو إما أن يكون خلقة أو عارضا، وفى كل إما أن تطلب الزوجة التداوى منه ويأبى الزوج أو يطلبه الزوج وتأباه الزوجة، وفى كل إما أن يترتب على التداوى عيب في الإصابة أو لا يترتب؛ فإن كان خلقة وطلبت الزوجة التداوى وأباه الزوج أجيبت لما طلبته إن كان لا يترتب على التداوى عيب في الإصابة وإلا فلا تجاب، وإن طلبه الزوج وامتنعت فلا تجبر عليه سواء كان يترتب على التداوى عيب في الإصابة أولا، وإن كان الداء عارضا وطلبه أحدهما فكل من طلبه منهما أجيب له إن لم يترتب عليه عيب في الإِصابة، فإن ترتب عليه عيب أجبرت عليه إن طلبه الزوج وإن طلبته هي فلا يجبر عليه الزوج بل يخير (٢). وإذا نشزت الزوجة فإن بلغ نشوزها الإِمام ولم يرج صلاحها على يد زوجها وعظها الإِمام، فإن لم يبلغ الإِمام أو بلغه ورجى صلاحها على يد زوجها وعظها زوجها - والنشوز الخروج عن الطاعة الواجبة كأن منعته الاستمتاع بها، أو خرجت بلا إذن لمحل تعلم أنه لا يأذن فيه وعجز عن ردها لمحل طاعته فإن قدر على ردها بصلحها فلا تكون ناشزا، وتكون ناشزا لو تركت حقوق الله تعالى كالغسل أو الصلاة، وكذا لو أغلقت الباب دونه - ووعظها يكون بتذكيرها بما يلين القلب من الثواب والعقاب المترتبين على طاعته ومخالفته وذلك لقبول الطاعة واجتناب المنكر. ثم إذا لم يفد الوعظ هجرها أي تجنبها في المضجع فلا ينام معها في فرش لعلها أن ترجع عما هي عليه من المخالفة، قال الدسوقى رحمه الله تعالى: وغاية الأولى منه شهر ولا يبلغ به أربعة أشهر كما في القرطبي. ثم إذا لم يفد الهجر جاز له أن يضربها ضربا غير مبرح - وهو الذي لا يكسر عظما ولا يشين جارحة - ولا يجوز الضرب المبرح ولو علم أنها لا تترك النشوز إلا به، فإن وقع فلها التطليق عليه والقصاص. ولا ينتقل لحالهَ حتى يظن أن التي قبلها لا تفيد كما أفاده العطف بثم. أي أنه يعظها إن جزم بالإِفادة أو ظنها أو شك فيها، فإن جزم أو ظن عدمها هجرها إن جزم بالإِفادة أو ظنها أوشك فيها، فإن جزم أو ظن عدمها ضربها إن جزم بالإِفادة أو ظنها لا إن شك فيها. وإذا ثبت بالبينة أو الإِقرار تعدى الزوج عليها وعظه الحاكم أولا إن جزم بالإِفادة أو ظنها أوشك فيها فإن لم يفد ذلك ضربه إن جزم بالإِفادة أو ظنها، وهذه الطريقة ظاهر النفل، وهناك طريقة أخرى حاصلها أنه يعظه أولا فإن لم يفد أمر الزوجة بهجره، فإن لم يفد ضربه. والطريقتان على حد سواء، ولكن الظاهر الثانية لأن هجرها له فيه مشقة عليه بل ربما كان أضر عليه من الضرب.
стр. 8420
فإن لم يثبت تعدى الزوج وعظه الحاكم فقط دون ضرب، فإن ثبت تعدى كل منهما على صاحبه وعظهما الحاكم ثم ضربهما باجتهاده، فإن لم يثبت فالوعظ فقط. وإذا ادعت الزوجة الضرر وتكررت شكواها وعجزت عن إثبات دعواها أو ادعى كل منهما الضرر وتكرر منهما الشكوى وعجزا عن إثباته سكنها بين قوم صالحين - وهم من تقبل شهادتهم لا الأولياء أصحاب الكرامات - إن لم تكن بينهم، فإن كانت بينهم من أول الأمر فإنهم يوصون على النظر في حالهما ليعلم من عنده ظلم منهما. وإن استمر الإشكال بعد تسكينها بين قوم صالحين أو كانت بينهم ابتداء أو لم يمكن السكنى بينهم بعث الحاكم أو من يقوم مقامه حكمين من أهلهما أي حكما من أهله وحكما من أهلها إن أمكن، وإن لم يدخل الزوج بها فقد يكونان في بيت واحد أو جارين فيتنازعان. ولا يجوز بعث أجنبيين مع إمكان الأهلين لأن الأقارب أعرف ببواطن الأحوال وأطيب للصلاح ونفوس الزوجين أسكن إليهما فيبرزان لهما ما في ضمائرهما من الحب والبغض وإرادة الفرقة أو الصحبة. فإن بعث أجنبيين مع إمكان الأهلين ففى نقض حكمهما تردد، فإن لم يمكن كونهما معا من الأهل، بل واحد فقط من أهل أحدهما والثانى أجنبى قال اللخمى رحمه الله تعالى: ضم لأهل أحدهما أجنبى، وقال ابن الحاجب رحمه الله تعالى: يتعين كونهما أجنبيين ويترك قريب أحدهما لئلا يميل القريب إلى قريبه. وندب كونهما جارين في بعث الأهلين إن أمكن والأجنبيين إن لم يمكن، وبطل حكم غير العدل وحكم السفيه والمرأة وغير الفقيه بأحكام النشوز من طلاق أو إبقاء أو بحال ونفذ طلاق الحكمين ويقع بائنا ولو لم يكن خلعا بأن كان بلا عوض، وإن لم يرض الزوجان به بعد إيقاعه، وأما قبله فلهما الإقلاع، وكذا ينفذ إن لم يرض الحاكم به سواء كانا مقامين من جهة الحاكم أو من جهة الزوجين، فهو نافذ ولو لم يرض من ذكر به لأن طريقهما الحكم لا الوكالة ولا الشهادة. ولا ينفذ أكثر من طلقة واحدة لأن الزائد خارج عن معنى الإصلاح الذي بعثا إليه فللزوج رد الزائد. وللزوجة التطليق على الزوج بالضرر وهو ما لا يجوز شرعا كهجرها بلا موجب شرعى وضربها كذلك وسبها وسب أبيها كما يقع كثيرا من رعاع الناس ويؤدب على ذلك زيادة على التطليق، وكوطئها في دبرها، لها التطليق بالضرر المذكور لا بمنعها من حمام وفرجة ونزهات وتأديبها على ترك صلاة ولا بتسر وتزوج عليها. قال الدسوقي: وليس للزوج أن يمنع زوجته من التجر والبيع والشراء حيث كانت لا تخرج ولا تخلو بأجنبى ولا يخشى عليها الفساد بذلك، وليس له غلق الباب عليها. ومتى شهدت بينة بأصل الضرر فلها اختيار الفراق ولو لم تشهد البينة بتكرر الضرر، ولها اختيار البقاء معه ويزجره الحاكم ولو سفيهة أو صغيرة، ولا كلام لوليها في ذلك. وعلى الحكمين وجوبا الإصلاح بين الزوجين بكل وجه ممكن فإن تعذر الإِصلاح نظرا فإن أساء الزوج عليها طلقا عليه بلا مال يأخذانه منها له لظلمه، وبالعكس بأن كان الإِساءة منها فقط أئتمناه عليها وأمراه بالصبر وحسن المعاشرة أو خالعا بنظرهما في قدر المخالع به ولو زاد على الصداق إن أحب الزوج الفراق أو علما أنها لا تستقيم معه. وإن حصلت الإساءة من كل ولو غلبت من أحدهما على الآخر فهل يتعين عند العجز عن الإِصلاح الطلاق بلا خلع إن لم ترض
стр. 8421
بالمقام معه أولهما أن يخالعا بالنظر على شئ يسير منها له وعلمه الأكثر تأويلان. وأتيا الحاكم إن شاءا فأخبراه بما فعلا ونفذ حكمهما وجوبا، ولا يجوز له معارضته ونقضه ولو كان حكمهما مخالفا لمذهبه (١).
مذهب الشافعية:
جاء في مغنى المحتاج أن للمرأة أن تحبس نفسها عن الزوج ولو بلا عذر لتقبض المهر المعين والحال كله أو بعضه في العقد أو الفرض الصحيح؛ دفعا لضرر فوات البضع فيجب عليه تأديته، قال النبي ﷺ : أول ما يسأل عنه المؤمن من ديونه صداق زوجته". وقال ﷺ : "من ظلم زوجته في صداقها لقى الله تعالى يوم القيامة وهو زان". وفرض صاحب المنهاج ذلك في المالكة لأمرها، وأما غيرها لصغر أو جنون أو سفه فحبسها لوليها، فإن رأى المصلحة في الترك فعله، وأما الأمة فحبسها لسيدها أو وليه، هذا في غير المكاتبة كتابة صحيحة، أما هي فقال الأذرعى رضى الله تعالى عنه: يشبه أن يجرى في منع سيدها خلاف من الخلاف في تبرعاتها، ويحتمل أن يكون لها ذلك وإن أبى السيد قطعا. والأوجه أنه ليس له المنع. ويستثنى ضرور لا حبس فيها؛ الأولى: إذا عتق السيد الأمة وأوصى لها بصداقها، فليس لها حبس نفسها لأن الاستحقاق هنا بالوصية لا بالنكاح. الثانية: أم الولد إذا زوجها السيد ثم مات وعتقت وصار الصداق للوارث، فليس له حبسها؛ إذ لا ملك له فيها ولا لها لأن الصداق ليس لها. الثالثة: الأمة المزوجة إذا باعها السيد أو أعتقها بعد استحقاقه لصداقها فالمهر له ولا حبس لخروجها عن ملكه. هذا في المهر الحال، أما المؤجل فلا تحبس المرأة نفسها بسببه لرضاها بالتأجيل، فلو حل الأجل قبل تسليم نفسها للزوج فلا حبس في الأصح لوجوب تسليمها نفسها قبل الحلول فلا يرفع لحلول الحق، وهذا ما حكاه في الشرح الكبير عن أكثر الأئمة وهو المعتمد، والقول الثاني المقابل للأصح: لها الحبس كما لو كان حالا ابتداء، ورجحه القاضي أبو الطيب رضى الله تعالى عنه وقال إن الأول غلط، وصوبه في المهمات هنا وفى البيع اعتمادا على نص نقله عن المزنى رضى الله تعالى عنه، قال الأذرعى: وقد راجعت كلام المزنى فوجدته من تفقهه ولم ينقله عن الشافعي رضى الله تعالى عنه. ولو تنازع الزوجان في البداءة بالتسليم، كأن قال كل منهما للآخر لا أسلم حتى تسلم، أي قال الزوج لا أسلم المهر حتى تسلمى نفسك، وقالت هي لا أسلم نفسى حتى تسلم إلى المهر ففى قول يجبر هو على تسليم الصداق أولا؛ لأن استرداده ممكن بخلاف البضع. محل هذا إذا كانت مهيأة للاستمتاع كما في الروضة وأصلها، لا كمريضة ومحرمة، قال الأذرعى رضى الله تعالى عنه: ولا يختص هذا بهذا القول بل هو معتبر على كل قول حتى لو بذلت نفسها وبها مانع من إحرام أو غيره لم يجبر صرح به العراقى شارح المهذب. وفى قول لا إجبار على كل منهما لاستوائهما في ثبوت الحق لكل منهما على الآخر وحينئذ فمن بادر وسلم منهما أجبر صاحبه على التسليم والأظهر أنهما يجبران، فيؤمر الزوج بوضع المهر عند عول وتؤمر الزوجة بالتمكين، فإذا سلمت نفسها أعطاها
стр. 8422
العدل المهر؛ لما فيه من فصل الخصومة، قال الإمام رضى الله تعالى عنه: فلو هم بالوطء بعد أن تسلمت المهر فامتنعت فالوجه استرداده. واقتصار صاحب المنهاج على هذه الأقوال الثلاثة يشعر بأنه لا يجئ قول رابع بإجبار الزوجة، وهو كذلك كما صرح به الإِمام لفوات البضع عليها بالتسليم، واستشكل ابن الرفعه القول الأول المرجح بالوضع عند عدل بأنه إن كان نائبا عن الزوجة فالمجبر الزوج وهو القول الأول، وإن لم يكن نائبا عنها فقد أجبرت أولا ولا قائل به، وأجاب بأنه نائب عنها كما قال الأصحاب لكنه ممنوع من تسليم المهر إليها، وهى ممنوعة من التصرف فيه قبل التمكين بخلافه على القول الأول فإنها تتصرف فيه بمجرد قبضه، وأجاب آخر بأنه نائبهما واستشهد له بمقتضى كلام الأصحاب المذكور، وأجاب آخر بأنه نائبه، ولا محظور في إجباره لزوال العله المقتضية لعدم إجبارها، وأجاب آخر بأنه نائب الشرع لقطع الخصومة بينهما وهذا أولى. ولو بادرت الزوجة فمكنت الزوج طالبته بالمهر على كل قول لأنها بذلت ما في وسعها، ولها حينئذ أن تستقل بقبض الصداق بغير إذن الزوج كنظيره في البيع، فإن لم يطأ جاز لها الامتناع من تمكينه حتى يسلم المهر لأن القبض في النكاح بالوطء دون التسليم، فإن وطأها بتمكينها منه مختارة مكلفة ولو في الدبر فلا يجوز لها الامتناع كما لو تبرع البائع بتسليم المبيع فليس له استرداده ليحبسه، أما إذا وطئت مكرهه أو غير مكلفة لصغر أو جنون فلها الامتناع لعدم الاعتداد بتسليمها. نعم لو سلم الولى المجنونة أو الصغيرة لمصلحة فينبغى - كما في الكفاية - أنه لا رجوع لها وإن كما كما لو ترك الولى الشفعة لمصلحة ليس للمحجور عليه الأخذ بها بعد زوال الحجر على الأصح، بخلاف ما لو سلمها لغير مصلحة، بل المحجور عليها لسفه لو سلمت نفسها ورأى الولى خلافه فينبغى - كما قال شيخنا رضى الله تعالى عنه - أن يكون له الرجوع وإن وطئت. ولو بادر الزوج فسلم المهر فلتمكن زوجها وجوبا إذا طلبه لأنه فعل ما عليه، فإن امتنعت الزوجة من تمكين زوجها بلا عذر منها استرد المهر منها إن قلنا بالمرجوح أنه يجبر على التسليم أولا لأنه لم يتبرع، أما إذا قلنا بالراجح - وهو أنه لا يجبر أولا - لم يسترد لأنه تبرع بالمبادرة فكان كتعجيل الدين المؤجل. ولو استمهلت هي أو وليها لتنظيف ونحوه كإزالة وسخ وشعر عانه وشعر إبط أمهلت وجوبا على الأظهر ولو قبضت المهر وقيل قطعا ما يراه قاض كيوم أو يومين سواء كانت طاهرا أم حائضا أم نفساء، ولا يجاوز ثلاثة أيام بلياليها لأن الغرض من ذلك يحصل فيها ولأنها أقل الكثير وأكثر القليل لا لينقطع حيض أو نفاس فلا تمهل لذلك بل تسلم للزوج حائضا ونفساء لأنها محل للاستمتاع في الجملة وإنما تعذر نوع منه كالقرناء والرتقاء، قال الغزالى رضى الله تعالى عنه إلا إذا علمت من عادته أنه يغشاها في الحيض فلها الامتناع من مضاجعته، ولو كانت مدة الحيض لا تزيد على مدة الإِمهال للتنظيف ونحوه أمهلت كما قاله في التتمة. ولا تسلم صغيرة لا تحتمل الوطء، ولا مريضة ولا من بها هزال تتضرر بالوطء معه، حتى يزول مانع وطء لأنه يحمله فرط الشهوة على الجماع فتتضرر به. قال الخطيب: شمل إطلاق النووى ما لو قال الزوج سلموها لى ولا أطأها حتى تحتمله وهو الأصح المنصوص كما قاله
стр. 8423
الأذرعى وغيره وجزم به الإِمام والمتولى وإن كان ثقة إذ لا يؤمن من هيجان الشهوة وقال البغوي يجاب الثقة في المريضة دون الصغيرة وجرى عليه ابن المقرى والمراد كراهة التسليم كما صرح به في الروضة كأصلها في الصغيرة ومثلها المريضة ويحرم وطء من لا تحتمل الوطء لصغر أو جنون أو مرض أو هزال أو نحو ذلك لتضررها به وتمهل حتى تطيق فلو سلمت له صغيرة لا توطأ لم يلزمه تسلمها لأنه نكح للاستمتاع لا للحضانة وإذا تسلمها لم يلزمه تسليم المهر كالنفقة وإن سلمه عالما بحالها أو جاهلا ففى استرداده وجهان أوجههما عدم الاسترداد كما يؤخذ من كلام الشيخين رضى الله تعالى عنهما، ولو سلمت إليه المريضة أو النحيفة لم يجز له الامتناع كما ليس له أن يخرجها من داره إذا مرضت، ويجب عليه نفقتها، فإن خافت النحيفة الإفضاء بعد لو وطئت لعبالة الزوج لم يلزمها التمكين من الوطء فيتمتع بغيره أو يطلق ولا فسخ له بذلك بخلاف الرتق أو القرن فإنه يمنع الوطء مطلقا، والنحافة لا تمنع وطء نحيف مثلها، وليست بعيب أيضا، نعم إن أفضاها كل أحد فله الفسخ لأنه حينئذ كالرتق، ومن أفضى امرأة بوطء امتنع عليه العود حتى تبرأ، فإن ادعى الزوج البرء وأنكرت أو قال ولى الصغيرة لا تحتمل الوطء وأنكر الزوج عرضت على أربع نسوة ثقات فيهما أو رجلين محرمين للصغيرة أو ممسوحين، ولو ادعت النحيفة بقاء ألم بعد الاندمال وأنكر الزوج صدقت بيمينها لأنه لا يعرف إلا منها (١). وجاء في المهذب أن الرجل إذا تزوج امرأة فإن كانت ممن يجامع مثلها وجب تسليمها بالعقد إذا طلب ويجب عليه تسلمها إذا عرضت عليه، فإن طالب بها الزوج فسألت الإنظار أنظرت ثلاثة أيام لأنه قريب ولا تنظر أكثر من ذلك لأنه كثير، وإن كانت لا يجامع مثلها لصغر أو مرض يرجى زواله لم يجب التسليم إذا طلب الزوج، ولا التسلم إذا عرضت عليه لأنها لا تصلح للاستمتاع. وإن كانت لا يجامع مثلها لمعنى لا يرجى زواله بأن كانت نضوة (٢) الخلق أو بها مرض لا يرجى زواله وجب التسليم إذا طلب والتسلم إذا عرضت عليه لأن المقصود من مثلها الاستمتاع بها في غير الجماع. وإن كانت الزوجة حرة وجب تسليمها ليلا ونهارا لأنه لاحق لغيرها عليها وللزوج أن يسافر بها لأن النبي ﷺ كان يسافر بنسائه، ولا يجوز لها أن تسافر بغير إذن الزوج لأن الاستمتاع مستحق له فلا يجوز تفريته عليه، وإن كانت أمة وجب تسليمها بالليل دون النهار لأنها مملوكة عقد على إحدى منفعتيها فلم يجب التسليم في غير وقتها كما لو أجرها لخدمة النهار، وقال أبو إسحاق رضى الله تعالى عنه: إن كان بيدها صنعة كالغزل والنسج وجب تسليمها بالليل والنهار لأنه يمكنها العمل في بيت
стр. 8424
الزوج. والمذهب الأول؛ لأنه قد يحتاج إليها في خدمة غير الصنعة. ويجوز للزوج أن يجبر امرأته على الغسل من الحيض والنفاس لأن الوطء يقف عليه وفى غسل الجنابة قولان أحدهما له أن يجبرها عليه لأن كمال الاستمتاع يقف عليه لأن النفس تعاف من وطء الجنب. والثانى ليس له أن يجبرها لأن الوطء لا يقف عليه، وفى التنظيف والاستحداد وجهان أحدهما يملك إجبارها عليه لأن كمال الاستمتاع يقف عليه. والثانى لا يملك إجبارها عليه لأن الوطء لا يقف عليه. وهل له أن يمنعها من أكل ما يتأذى برائحته؟ فيه وجهان أحدهما له منعها لأنه يمنع كمال الاستمتاع، والثانى ليس له منعها لأنه لا يمنع الوطء، فإن كانت ذمية فله منعها من السكر لأنه يمنع الاستمتاع لأنها تصير كالزق المنفوخ ولأنه لا يأمن أن تجنى عليه. وهل له أن يمنعها من أكل لحم الخنزير وشرب القليل من الخمر؟ فيه ثلاثة أوجه أحدها: يجوز له منعها لأنه يمنع كمال الاستمتاع، والثانى: ليس له منعها لأنه لا يمنع الوطء. والثالث وهو قول أبى على بن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه: أنه ليس له منعها من لحم الخنزير لأنه لا يمنع الوطء. وله منعها من قليل الخمر لأن السكر يمنع الاستمتاع ولا يمكن التمييز بين ما يسكر وبين ما لا يسكر مع اختلاف الطباع فمنع من الجميع (١). وللزوج منع الزوجة من الخروج إلى المساجد وغيرها لما روى ابن عمر رضى الله تعالى عنهما قال رأيت امرأة أتت إلى النبي ﷺ وقالت يا رسول الله ما حق الزوج على زوجته؟ قال حقه عليها أن لا تخرج من بيتها إلا بإذنه فإن فعلت لعنها الله وملائكة الرحمة وملائكة الغضب حتى تتوب أو ترجع. قالت يا رسول الله وإن كان لها ظالما؟ قال: وإن كان لها ظالما. ولأن حق الزوج واجب فلا يجوز تركه بما ليس بواجب، ويكره منعها من عيادة أبيها إذا أثقل وحضور مواراته إذا مات لأن منعها من ذلك يؤدى إلى النفور ويغريها (٢) بالعقوق. ويجب على الزوج معاشرتها بالمعروف من كف الأذى لقول الله : "وعاشروهن بالمعروف" (٣) ويجب عليه بذل ما يجب من حقها من غير مطل لقول الله : "وعاشروهن بالمعروف" ومن العشرة بالمعروف بذل الحق من غير مطل. ولقول النبي ﷺ : مطل الغنى ظلم. ولا يجب عليه الاستمتاع لأن الداعى إلى الاستمتاع الشهوة والمحبة فلا يمكن إيجابه، والمستحب أن لا يعطلها لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله تعالى عنهما قال قال لي رسول الله ﷺ : أتصوم النهار؟ قلت نعم، قال: وتقوم الليل؟ قلت نعم، قال لكنى أصوم وأفطر وأصلى وأنام وأمس النساء فمن رغب عن سنتى فليس منى. ولأنه إذا عطلها لم يأمن الفساد ووقوع الشقاق (٤). ولا يجوز وطؤها في الدبر؛ لما روى خزيمة بن ثابت رضى الله تعالى عنه قال قال رسول الله ﷺ : ملعون من أتى امرأة في دبرها. ويكره العزل لما روت
стр. 8425
جذامة بنت وهب قالت حضرت رسول الله ﷺ فسألوه عن العزل فقال ذلك الوأد الخفى. فإن كان ذلك في وطء أمته لم يحرم لأن الاستمتاع بها حق له لا حق لها فيه، وإن كان في وطء زوجته فإن كانت مملوكة لم يحرم لأنه يلحقه العار باسترقاق ولده منها، وإن كانت حرة فإن كان بإذنها جاز لأن الحق لهما، وإن لم تأذن فقيه وجهان أحدهما: لا يحرم لأن حقها في الاستمتاع دون الإِنزال، والثانى يحرم لأنه يقطع النسل من غير ضرر يلحقه. وتجب على المرأة معاشرة الزوج بالمعروف من كف الأذى كما يجب عليه في معاشرتها ويجب عليها بذل ما يجب له من غير مطل؛ لما روى أبو هريرة رضى الله تعالى عنه: قال قال رسول الله ﷺ : إذا دعا أحدكم امرأته إلى فراشه فأبت فبات وهو عليها ساخط لعنتها الملائكة حتى تصبح. ولا يجب عليها خدمته في الخبز والطحن والطبخ والغسل وغيرها من الخدم لأن المعقود عليه من جهتها هو الاستمتاع، فلا يلزمها ما سواه (١). وإن سافرت المرأة بغير إذن الزوج سقط حقها من القسم والنفقة لأن القسم للأنس والنفقة للتمكين من الاستمتاع، وقد منعت ذلك بالسفر، وإن سافرت، بإذنه ففيه قولان أحدهما: لا يسقط حقها لأنها سافرت بإذنه فأشبه ما إذا سافرت معه، والثانى: يسقط لأن القسم للأنس والنفقة للتمكين من الاستمتاع، وقد عدم الجميع فسقط ما تعلق به كالثمن لما وجب في مقابلة البيع سقط بعدمه (٢). وإذا ظهرت من المرأة أمارات النشوز وعظها لقول الله : "واللاتى تخافون نشوزهن فعظوهن (٣)، ولا يضربها لأنه يجوز أن يكون ما ظهر منها لضيق صدر من غير جهة الزوج. وإن تكرر منها النشوز فله أن يضربها لقول الله : "واضربوهن" وإن نشزت مرة ففيه دولان أحدهما أنه يهجرها ولا يضربها لأن العقوبات تختلف باختلاف الجرائم ولهذا ما يستحق بالنشوز ولا يستحق بخوف النشوز، فكذلك ما يستحق بتكرر النشوز لا يستحق بنشوز مرة. والثانى وهو الصحيح: أنه يهجر ها ويضربها لأنه يجوز أن يهجرها للنشوز فجاز أن يضربها كما لو تكرر منها، فأما الوعظ فهو أن يخوفها بالله وبما يلحقها من الضرر بسقوط نفقتها، وأما الهجران فهو أن يهجرها في الفراش لما روى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أنه قال في قوله "واهجروهن في المضاجع" قال لا تضاجعها في فراشك، وأما الهجران بالكلام فلا يجوز أكثر من ثلاثة أيام لما روى أبو هريرة رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال: لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام. وأما الضرب فهو أن يضربها ضربا غير مبرح ويتجنب المواضع المخوفة والمواضع المستحسنة لما روى جابر رضى الله تعالى عنه أن النبى ﷺ قال: اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بكتاب الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله وإن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولأن القصد التأديب دون الإِتلاف والتشويه. وإن ظهرت من الرجل أمارات
стр. 8426
النشوز لمرض بها أو كبر سن ورأت أن تصالحه بترك بعض حقوقها من قسم وغيره جاز لقول الله : "وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا" (١) قالت عائشة رضى الله تعالى عنها أنزل الله هذه الآية في المرأة إذا دخلت في السن فتجعل يومها لامرأة أخرى. فإن ادعى كل واحد منهما النشوز على الآخر اسكنهما الحاكم إلى جنب ثقة ليعرف الظالم منهما فيمنع من الظلم، فإن بلغا إلى الشتم والضرب بعث الحاكم حكمين للإصلاح أو التفريق لقول الله : "وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بمنهما" (٢). واختلف قوله في الحكمين فقال في أحد القولين: هما وكيلان فلا يملكان التفريق إلا بإذنهما لأن الطلاق إلى الزوج وبذل المال إلى الزوجة فلا يجوز إلا بإذنهما، وقال في القول الآخر: هما حاكمان فلهما أن يفعلا ما يريان من الجمع والتفريق بعوض وغير عوض لقول الله : "فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها" فسماهما حكمين ولم يعتبر رضا الزوجين، وروى عبيدة أن عليا رضى الله تعالى عنه بعث رجلين فقال لهما أتريان ما عليكما؛ عليكما إن رأيتما أن تجمعا جمعتما وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما، فقال الرجل أما هذا فلا، فقال كذبت لا والله ولا تبرح حتى ترضى بكتاب الله لك وعليك، فقالت المرأة رضيت بكتاب الله لى وعلى. والمستحب أن يكون حكما من أهله وحكما من أهلها للآية، ولأنه روى أنه وقع بين عقيل بن أبي طالب وبين زوجته شقاق وكانت من بنى أمية فبعث عثمان رضى الله تعالى عنه حكما من أهله وهو ابن عباس رضى الله تعالى عنه وحكما من أهلها وهو معاوية رضى الله تعالى عنه، ولأن الحكمين من أهلهما أعرف بحالهما، وإن كانا من غير أهلهما جاز لأنهما في أحد القولين وكيلان وفى الآخر حاكمان، وفى الجميع يجوز أن يكونا من غير أهلهما (٣).
مذهب الحنابلة:
جاء في المغنى أن الزوجة إن منعت نفسها حتى تتسلم صداقها وكان حالا فلها ذلك، قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن للمرأة أن تمتنع من دخول الزوج عليها حتى يعطيها مهرها، وإن قال الزوج لا أسلم إليها الصداق حتى أتسلمها أجبر الزوج على تسليم الصداق أولا ثم تجبر هي على تسليم نفسها لأن في إجبارها على تسليم نفسها أولا خطر إتلاف البضع والامتناع من بذل الصداق فلا يمكن الرجوع في البضع بخلاف المبيع الذي يجبر على تسليمه قبل تسليم ثمنه، فإذا تقرر هذا فلها النفقة ما امتنعت لذلك، وإن كان معسرا بالصداق لأن امتناعها بحق، وإن كان الصداق مؤجلا فليس لها منع نفسها قبل قبضه لأن رضاها بالتأجيل رضى بتسليم نفسها قبل قبضه كالثمن المؤجل في البيع، فإن حل المؤجل قبل تسليم نفسها لم يكن لها منع نفسها أيضا لأن التسليم قد وجب عليها واستقر قبل قبضه فلم يكن لها أن تمتنع منه، وإن كان بعضه حالا وبعضه مؤجلا فلها منع نفسها قبل قبض
стр. 8427
العاجل دون الآجل. وإن كان الكل حالا فلها منع نفسها على ما ذكرنا، فإن سلمت نفسها قبل قبضه ثم أرادت منع نفسها حتى تقبضه فقد توقف أحمد رضى الله تعالى عنه عن الجواب فيها، وذهب أبو عبد الله بن بطة وأبو إسحاق بن شاقلا رضى الله تعالى عنهما إلى أنها ليس لها ذلك وهو قول مالك والشافعى وأبى يوسف ومحمد رضى الله تعالى عنهم لأن التسليم استقر به العوض برضى المسلم فلم يكن لها أن تمتنع منه بعد ذلك كما لو سلم البائع المبيع. وذهب أبو عبد الله بن حامد رضى الله تعالى عنه إلى أن لها ذلك - وهو مذهب أبى حنيفة رضى الله تعالى عنه - لأنه تسليم يوجهه عليها عقد النكاح فملكت أن تمتنع من قبل قبض صداقها كالأول، فأما إن وطأها مكرهة لم يسقط به حقها من الامتناع لأنه حصل بغير رضاها كالمبيع إذا أخذه المشترى من البائع كرها، وإن أخذت الصداق فوجدته معيبا فلها منع نفسها حتى يبدله أو يعطيها أرشه لأن صداقها صحيح، وإن لم تعلم عيبه حتى سلمت نفسها خرج على الوجه من فيما إذا سلمت نفسها قبل قبض صداقها ثم بدا لها أن تمتنع، وكل موضع قلنا لها الامتناع من تسليم نفسها فلها السفر بغير إذن الزوج لأنه لم يثبت للزوج عليها حق الحبس فصارت كمن لا زوج لها، ولو بقى منه درهم كان كبقاء جميعه لأن كل من ثبت له الحبس بجميع البدل ثبت له الحبس ببعضه كسائر الديون. وإن أعسر الزوج بالمهر الحال قبل الدخول فلها الفسخ لأنه تعذر الوصول إلى عوض العقد قبل تسليم المعوض فكان لها الفسخ كما لو أعسر المشترى بالثمن قبل تسليم المبيع، وإن أعسر بعد الدخول فعلى وجهين مبنيين على منع نفسها، فإن قلنا لها منع نفسها بعد الدخول فلها الفسخ كما قبل الدخول، وإن قلنا ليس لها منع نفسها فليس لها الفسخ كما لو أفلس بدين لها آخر، ولا يجوز الفسخ إلا بحكم حاكم لأنه مجتهد فيه (١) وإذا كانت المرأة لا يوطأ مثلها لصغرها فطلب وليها تسليمها والإِنفاق عليها لم يجب ذلك على الزوج لأن النفقة في مقابلة الاستمتاع ولهذا تسقط بالنشوز، وهذه لا يمكنه الاستمتاع بها، وإن كانت كبيرة فمنعته نفسها أو منعها أولياؤها فلا نفقة لها أيضا لأنها في معنى الناشز لكونها لم تسلم الواجب عليها، فلا يجب تسليم ما في مقابلته من الإِنفاق، وكل موضع لزمته النفقة فيه لزمه تسليم الصداق إذا طولب به، فأما الموضع الذي لا تلزمه نفقتها فيه كالصغيرة والمانعة نفسها فقال أبو عبد الله بن حامد رحمه الله تعالى يجب تسليم الصداق - وهو قول الشافعي رضى الله تعالى عنه - لأن المهر في مقابلة ملك البضع وقد ملكه بخلاف النفقة فإنها في مقابلة التمكين، ورد قوم هذا، وقالوا المهر قد ملكته في مقابلة ما ملكه من بضعها فليس لها المطالبة بالاستيفاء إلا عند إمكان الزوج استيفاء العوض (٢). وإمكان الوطء في الصغيرة معتبر بحالها واحتمالها لذلك، قاله القاضي، وذكر أنهن يختلفن فقد تكون صغيرة السن تصلح وكبيرة لا تصلح، وحده أحمد رضى الله تعالى
стр. 8428
عنه بتسع سنين فقال في رواية أبى الحارث رضى الله تعالى عنه في الصغيرة يطلبها زوجها: فإن أتى عليها تسع سنين دفعت إليه ليس لهم أن يحبسوها بعد التسع، وذهب في ذلك إلى أن النبي ﷺ بنى بعائشة رضى الله تعالى عنها وهى ابنة تسع، قال القاضي رضى الله تعالى عنه: وهذا ليس على طريق التحديد وإنما ذكره لأن الغالب أن ابنة تسع يتمكن من الاستمتاع بها، فمتى كانت لا تصلح للوطء لم يجب على أهلها تسليمها إليه وإن ذكر أنه يحضنها ويربيها وله من يخدمها لأنه لا يملك الاستمتاع بها وليست له بمحل ولا يؤمن شرة نفسه إلى مواقعتها فيفضيها أو يقتلها. وإن طلب أهلها دفعها إليه فامتنع فله ذلك، ولا تلزمه نفقتها لأنه لا يمكن من استيفاء حقه منها، وإن كانت كبيرة إلا أنها مريضة مرضا مرجو الزوال لم يلزمها تسليم نفسها قبل برئها لأنه مانع مرجو الزوال فهو كالصغر، ولأن العادة لم تجر بزف المريضة إلى زوجها والتسليم في العقد يجب على حسب العرف، فإن سلمت نفسها فتسلمها الزوج فعليه نفقتها لأن المرض عارض يعرض ويتكرر فيشق إسقاط النفقة به فجرى مجرى الحيض، ولهذا لو مرضت بعد تسليمها لم تسقط نفقتها، وإن امتنع من تسلمها فله ذلك ولا تلزمه نفقتها لأنه لما لم يجب تسليمها إليه لم يجب عليه تسلمها كالصغيرة، ولأن العادة لم تجر بتسليمها على هذه الصفة، وقال القاضي رضى الله تعالى عنه: يلزمه تسلمها، وإن امتنع فعليه نفقتها لما ذكرنا من أنه عارض لا يمكن التحرز منه ويتكرر، فأشبه الحيض، فأما إن كان المرض غير مرجو الزوال لزم تسليمها إلى الزوج إذا طلبها ولزمه تسلمها إذا عرضت عليه لأنها ليست لها حالة يرجى زوال ذلك فيها فلو لم تسلم نفسها لم يفد التزويج فائدة، وله أن يستمتع بها، فإن كانت نضوة الخلق وهو جسيم تخاف على نفسها الإِفضاء من عظم خلقه فلها منعه من جماعها وله الاستمتاع بها في ما دون الفرج وعليه نفقتها ولا يثبت له خيار الفسخ لأن هذه يمكن الاستمتاع بها لغيره وإنما امتناع الاستمتاع لمعنى فيه وهو عظم خلقه، بخلاف الرتقاء، وإن طلب تسليمها إليها وهى حائض احتمل أن لا يجب ذلك لأنه خلاف العادة فأشبه المرض المرجو الزوال واحتمل وجوب التسليم لأنه يزول قريبا ولا يمنع من الاستمتاع بما دون الفرج فإذا طلب ذلك لم يجز منعه منه كما لم يجز لها منعه منه بعد تسلمها، وإن عرضت عليه فأباها حتى تطهر فعلى قول القاضي رضى الله تعالى عنه يلزمه تسلمها ونفقتها إن امتنع منه. ويتزوج على الزوال (١). وإن طلب الزوج امرأته فسألت الأنظار أنظرت مدة جرت العادة إن تصلح أمرها فيها كاليومين والثلاثة لأن ذلك يسير جرت العادة بمثله، وقد قال النبى ﷺ : "لا تطرفوا النساء ليلا حتى تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة" فمنع ﷺ من الطروق وأمر بإمهاله لها لتصلح أمرها مع تقدم صحبته لها فهاهنا أولى. ثم أن كانت حرة وجب تسليمها ليلا ونهارا وله السفر بها لأن النبي ﷺ كان يسافر بنسائه إلا أن يكون سفرا مخوفا فلا يلزمها ذلك. وإن كانت أمة لم يلزمها تسليمها إلا بالليل لأنها مملوكة عد على إحدى منفعتها فلم يلزم تسليمها في غير وقتها. كما لو أجرها لخدمة النهار لم يلزمه تسليمها بالليل ويجوز للمولى بيعها لأن النبي ﷺ أذن لعائشة رضى
стр. 8429
الله تعالى عنها في شراء بريرة وهى ذات زوج ولا ينفسخ النكاح بذلك بدليل أن بيع بريرة لم يبطل نكاحها (١). وللزوج إجبار زوجته على الغسل من الحيض والنفاس مسلمة كانت أو ذمية. حرة كانت أو مملوكة لأنه يمنع الاستمتاع الذي هو حق له، فملك إجبارها على إزالة ما يمنع حقه، وإن احتاجت إلى شراء الماء فثمنه عليه لأنه لحقه، وله إجبار المسلمة البالغة على الغسل من الجنابة لأن الصلاة واجبة عليها ولا تتمكن منها إلا بالغسل، فأما الذمية ففيها - روايتان إحداهما: له إجبارها عليه لأن كمال الاستمتاع يقف عليه فإن النفس تعاف من لا يغتسل من جنابة. والثانية ليس له إجبارها عليه - وهو قول مالك والنورى رضى الله تعالى عنهما - لأن الوطء لا يقف عليه فإنه مباح بدونه. وفى إزالة الوسخ والدرن وتقليم الأظفار وجهان بناء على الروايتين في غسل الجنابة، وتستوى في هذه المسلمة والذمية لاستوائهما في حصول النفرة ممن ذلك حالها، وله إجبارها على إزالة شعر العانة إذا خرج عن العادة رواية واحدة. ذكره القاضي، وكذلك الأظفار وإن طالا قليلا بحيث تعافه النفس ففيه وجهان. وهل له منعها من أكل ماله رائحة كريهة كالبصل والثوم والكراث؟ على وجهين أحدهما: له منعها من ذلك لأنه يمنع القبلة وكمال الاستمتاع. والثانى: ليس له منعها منه لأنه لا يمنع الوطء، وله منعها من السكر وإن كانت ذمية لأنه يمنع الاستمتاع فإنه يزيل عقلها ويجعلها كالزق المنفوخ ولا يأمن أن تجنى عليه وإن أرادت شرب ما لا يسكرها فله منع المسلمة لأنهما تعتقدا تحريمه، وإن كانت ذمية لم يكن له منعها منه. نص عليه أحمد رضى الله تعالى عنه لأنها تعتقد إباحته في دينها، وله إجبارها على غسل فمها منه ومن سائر النجاسات ليتمكن من الاستمتاع بفيها ويتخرج أن يملك منعها منه لما فيه من الرائحة الكريهة وهو كالثوم، وهكذا الحكم لو تزوج مسلمة تعتقد إباحة يسير النبيذ فهل له منعها منه؟ على وجهين، ومذهب الشافعي على نحو من هذا الفصل كله. وللزوج منعها من الخروج من منزله إلى مالها منه بد سواء أرادت زيارة والديها أو عيادتهما أو حضور جنازة أحدهما، قال أحمد رضى الله تعالى عنه في امرأة لها زوج وأم مريضة: طاعة زوجها أوجب عليها من أمها إلا أن يأذن لها، وقد روى ابن بطة في أحكام النساء عن أنس رضى الله تعالى عنه أن رجلا سافر ومنع زوجته الخروج فمرض أبو ها فاستأذنت رسول الله ﷺ فى عيادة أبيها فقال لها رسول الله ﷺ : "اتقى الله ولا تخالفى زوجك" فمات أبوها فاستأذنت رسول الله ﷺ فى حضور جنازته فقال لها: "اتق الله ولا تخالفى زوجك" فأوحى الله إلى النبي ﷺ "إنى قد غفرت لها بطاعة زوجها"، ولأن طاعة الزوج واجبة والعيادة غير واجبة فلا يجوز ترك الواجب لما ليس بواجب، ولا يجوز لها الخروج إلا بإذنه، ولكن لا ينبغى للزوج منعها من عيادة والديها وزيارتهما لأن في ذلك قطيعة لهما وحملا لزوجته على مخالفته، وقد أمر الله تعالى بالمعاشرة بالمعروف وليس هذا من المعاشرة بالمعروف، وإن كانت زوجته ذمية فله منعها من الخروج إلى الكنيسة لأن ذلك ليس بطاعة ولا نفع، وان كانت مسلمة فقال القاضى له منعها من الخروج إلى المساجد وهو
стр. 8430
مذهب الشافعي رضى الله تعالى عنه، وظاهر الحديث يمنعه من منعها لقول النبى ﷺ : "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله"، وروى أن الزبير تزوج عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، وكانت تخرج إلى المساجد وكان غيورا فيقول لها لو صليت في بيتك فيقول: لا أزال أخرج أو تمنعنى فكره منعها لهذا الخبر، وقال أحمد رضى الله تعالى عنه في الرجل تكون له المرأة أو الأمة النصرانية يشترى لها زنارا؟ قال لا بل تخرج هي لتشترى لنفسها، فقيل له جاريته تعمل الزنانير؛ قال لا (١). وليس على المرأة خدمة زوجها من العجن والخبز والطبخ وأشباهه، نص عليه أحمد رضى الله تعالى عنه، وقال أبو بكر بن أبى شيبة وأبو إسحاق الجوزجانى: عليها ذلك واحتجا بقصة على وفاطمة، فإن النبي ﷺ قضى على ابنته فاطمة بخدمة البيت وعلى على ما كان خارجا من البيت من عمل رواه الجوزجانى من طرق، قال الجوزجانى: وقد قال النبى ﷺ : لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ولو أن رجلا أمر امرأته أن تنقل من جبل أسود إلى جبل أحمر أو جبل أحمر إلى جبل أسود كان عليها أن تفعل" ورواه بإسناده. قال فهذا طاعته فيما لا منفعة فيه فكيف بمؤنة معاشه؟ وقد كان النبي ﷺ يأمر نساءه بخدمته فقال يا عائشة اسقينا، يا عائشة أطعمينا، يا عائشة هلمى الشفرة واشحذيها بحجر"، وقد روى أن فاطمة رضى الله تعالى عنها أتت رسول الله ﷺ تشكو إليه ما تلقى من الرحى وسألته خادما يكفيها ذلك. ويدل لنا أن المعقود عليه من جهتها الاستمتاع فلا يلزمها غيره كسقى دوابه وحصاد زرعه، فأما قسم النبي ﷺ بين على وفاطمة فعلى ما تليق به الأخلاق المرضية ومجرى العادة لا على سبيل الإِيجاب كما قد روى عن أسماء بنت أبى بكر رضى الله تعالى عنهما أنها كانت تقوم بفرس الزبير وتلتقط له النوى وتحمله على رأسها، ولم يكن ذلك واجبا عليها ولهذا لا يجب على الزوجة القيام بمصالع خارج البيت ولا الزيادة على ما يجب لها من النفقة والكسوة ولكن الأولى لها فعل ما جرت العادة بقيامها به لأنه العادة ولا تصلح الحال إلا به ولا تنتظم المعيشة بدونه (٢). ومتى ظهر من المرأة أمارات النشوز مثل أن تتثاقل وتدافع إذا دعاها ولا تصير إليه إلا بتكره ودمدمة فإنه يعظها فمخوفها الله ويذكر ما أوجب الله له عليها من الحق والطاعة وما يلحقها من الإثم بالمخالفة والمعصية وما يسقط بذلك من حقوقها من النفقة والكسوة وما يباح له من ضربها وهجرها لقول الله "واللاتى تخافون نشوزهن فعظوهن" (٣)، فإن أظهرت النشوز وهى أن تعصيه وتمتنع من فراشه أو تخرج من منزله بغير إذنه فله أن يهجرها في المضجع لقول الله : "واهجروهن في المضاجع"، قال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما: لا تضاجعها في فراشك، فأما الهجران في الكلام فلا يجوز أكثر من ثلاثة أيام لما روى أبو هريرة رضى الله تعالى عنه أن النبى ﷺ قال: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام" وظاهر كلام الخرقى أنه ليس له ضربها
стр. 8431
في النشوز في أول مرة وقد روى عن أحمد رضى الله تعالى عنه إذا عصت المرأة زوجها فله ضربها ضربا غير مبرح، فظاهر هذا إباحة ضربها بأول مرة لقول الله "واضربوهن"، ولأنها صرحت بالمنع فكان له ضربها كما لو أصرت، ولأن عقوبات المعاصى لا تختلف بالتكرار وعدمه كالحدود، ووجه قول الخرقى المقصود زجرها عن المعصية في المستقبل وما هذا سبيله يبدأ فيه بالأسهل فالأسهل كمن هجم منزله فأراد إخراجه. وأما قول الله : "واللاتى تخافون نشوزهن" (١) الآية ففيها إضمار تقديمه: واللاتى تخافون نشوزهن فعظوهن، فإن نشزن فاهجروهن في المضاجع، فإن أصررن فاضربوهن كما قال : "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض" (٢) والذي يدل على هذا أنه رتب هذه العقوبات على خوف النشوز ولا خلاف في أنه لا يضربها لخوف النشوز قبل إظهاره - وللشافعى رضى الله تعالى عنه قولان كهذين - فإن لم ترتدع بالوعظ والهجر فله ضربها لقول الله "واضربوهن" وقال النبي ﷺ : "إن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح" (٣) معنى غير مبرح أي ليس بالشديد. قال الخلال رحمه الله تعالى: سألت أحمد بن يحيى عن قوله ضربا غير مبرح قال غير شديد. وعليه أن يجتنب الوجه والمواضع المخوفة؛ لأن المقصود التأديب لا الإتلاف، ودد روى أبو داود عن حكيم بن معاوية القشيرى عن أبيه رضى الله تعالى عنهم. قال قلت يا رسول الله ﷺ ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: أن يطعمها إذا طعمت، ويكسوها إذا اكتست، ولا يقبح ولا يهجر إلا في البيت"، وروى عبد الله بن زمعة عن النبى ﷺ قال: "لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم يضاجعها في آخر اليوم ولا يزيد في ضربها على عشرة أسواط لقول رسول الله ﷺ : "لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله" (٤) وله تأديبها على ترك فرائض الله، وسأل إسماعيل بن سعيد أحمد عما يجوز ضرب المرأة عليه قال على فرائض الله، وقال في الرجل له امرأة لا تصلى يضربها ضربا رفيقا غير مبرح. فإن لم تصل فقد قال أحمد أخشى أن لا يحل لرجل يقيم مع امرأة لا تصلى ولا تغتسل من جنابة ولا تتعلم القرآن" (٥). وإذا خافت المرأة نشوز زوجها وإعراضه عنها لرغبته عنها إما لمرض بها أو كبر أو دمامة فلا بأس أن تضع عنه بعض حقوقها تسترضيه بذلك لقول الله "وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا "جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا" (٦)، روى البخارى عن عائشة رضى الله تعالى
стр. 8432
عنها: "وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا" قالت هي المرأة تكون عند الرجل لا يستكثر منها فيريد طلاقها ويتزوج عليها تقول له امسكنى ولا تطلقنى ثم تزوج غيرى فأنت في حل من النفقة. على والقسمة لى. ومتى صالحته على ترك شئ من قسمها أو نفقتها أو على ذلك كله جاز، فإن رجعت فلها ذلك. قال أحمد رضى الله تعالى عنه في الرجل يغيب عن امرأته فتقول لها إن رضيت على هذا وإلا فأنت أعلم فتقول قد رضيت فهو جائز فإن شاءت رجعت (١).
مذهب الظاهرية:
جاء في المحلى أنه فرض على الأمة والحرة أن لا يمنعا السيد والزوج الجماع متى دعاهما ما لم تكن المدعوة حائضا أم مريضة تتأذى بالجماع أو صائمة فرض، فإن امتنعت لغير عذر فهى ملعونة لما روينا من طريق مسلم بإسناده عن يزيد بن كيسان عن أبى حازم عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنهم قال قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسى بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها" ولما حدثنا حمام بإسناده عن شعبة عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنهم عن النبى ﷺ قال: "إذا باتت المرأة هاجرة زوجها أو فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى ترجع"، ولما روى من طريق أحمد بن شعيب بإسناده عن طلحة بن علي رضى الله تعالى عنهم قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا دعى الرجل زوجته لحاجته فلتأته وإن كانت على التنور" (٢). ولا يلزم المرأة أن تخدم زوجها في شئ أصلا، لا في عجن ولا طبخ ولا فرش ولا كنس ولا غزل ولا نسج ولا غير ذلك أصلا، ولو أنها فعلت لكان أفضل لها، وعلى الزوج أن يأتيها بكسوتها مخيطه تامة وبالطعام مطبوخا تاما، وإنما عليها أن تحسن عشرته ولا تصوم تطوعا وهو حاضر إلا بإذنه ولا تدخل بيته من يكره، وأن لا تمنعه نفسها متى أراد، وأن تحفظ ما جعل عندها من ماله. وقال أبو ثور: على المرأة أن تخدم زوجها في كل شئ، ويمكن أن يحتج لذلك بالأثر الثابت عن علي بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه قال شكت فاطمة مجل يديها من الطحين، وأنه أعلم بذلك رسول الله ﷺ إذ سأله خادما. وبالخبر الثابت من طريق أسماء بنت أبى بكر رضى الله تعالى عنهما قالت: كنت أخدم الزبير خدمة البيت، وكان له فرس وكنت أسوسه؛ كنت أحتش له وأقوم عليه. قال: فإذا خدمت هاتان الفاضلتان هذه الخدمة الثقيلة فمن بعدهما يترفع عن ذلك من النساء، قال أبو محمد: لا حجة لأهل هذا القول في شئ من هذه الأخبار لأنه ليس في شئ منها ولا من غيرها أنه ﷺ أمرهما بذلك إنما كانتا متبرعتين بذلك وهما أهل الفضل والمبرة رضى الله تعالى عنهما، ونحن لا نمنع من ذلك إن تطوعت المرأة به، إنما نتكلم على سر الحق الذي تجب به الفتيا والقضاء بإلزامه. أما قوله تعالى: "فإن أطعنكم
стр. 8433
فلا تبغوا عليهن سبيلا" (١) فإن أول الآية بين فيما هي هذه الطاعة، قال الله : "واللاتى تخافون نشوزهن. فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا". فصح أنها الطاعة إذا دعاها للجماع فقط (٢). ولو أن الزوج يمنعها النفقة أو الكسوة أو الصداق ظلما أو لأنه فقير لا يقدر لم يجز لها منع نفسها منه من أجل ذلك لأنه وإن ظلم فلا يجوز لها أن تمنعه حقا له قبلها، إنما لها أن تنتصف من ماله إن وجدته له بمقدار حقها، كما أمر رسول الله ﷺ هند بنت عتبة إذ قالت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل ممسك لا يعطينى ما يكفينى أفآخذ من ماله بغير علمه؟ فقال لها رسول الله ﷺ : خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف" (٣).
مذهب الزيدية:
جاء في البحر الزخار أنه يصح التأجيل بالمهر إجماعا كثمن المبيع، قال المؤيد بالله وأبو طالب: ولا يصح الرجوع عنه كتأجيل الثمن. قال العباس وأبو طالب: ولا يحل بالدخول إذ لا مقتضى لذلك، وقال المؤيد بالله: بل يحل إذ هو مقرر له ويثبت حيث لم يسمه، فأولى أن يحل به الأجل، قلنا: لا، كتأجيل الثمن قبل قبض المبيع. وإذا كان المهر حالا فأعسر الزوج لم تجبر على تسليمه نفسها حتى يسلم كتسليمه المبيع، وإن كان موسرا وتشاجرا في التسليم، قال المسعودى: فالخلاف فيه كالخلاف في المبيع، قال الإِمام يحيى: ظاهر المذهب أنها تجبر على تسليم نفسها أولا؛ إذ المهر تابع لمنافع البضع فلا تسلمه حتى يستوفيها أو يتمكن. قلت: بل المذهب خلافه وهو أن لها الامتناع حتى يسلم، إذ النكاح بالقبض، بدليل صحة تصرفه بالطلاق والخلع. وأكثر العترة على أنها إن سلمت نفسها راضية أو ولى مال الصغيرة لم يكن لها الامتناع من بعد، كبائع سلم المبيع ثم طلب استرجاعه حتى يقبض الثمن. قال العباس: بل لها ذلك؛ إذ هي محسنة بالتسليم الأول وما على المحسنين من سبيل. قلت أسقطت حقها من الحبس فلا رجوع، كمن أبرأ ثم ندم، قال الصادق: فإن منعت نفسها مطالبة بما بطل من النفقة جاز، وفى قول لا يجوز لها ذلك إذ ليست كالثمن بخلاف المهر. فإن أجلت بالمهر فليس لها الامتناع كالتأجيل بالثمن، فإن تأخر التسليم حتى حل الأجل قال الإمام يحيى والمذهب أن لها الامتناع حينئذ كما لو لم تؤجل، وقال الاسفرايينى: ليس لها ذلك إذ قد أسقطت حق الحبس بالتأجيل، فلا يعود بالحلول. قلت: وهو أقرب، فإن أجلت ببعض دون بعض فلها الامتناع حتى يسلم البعض الحال. والمذهب والإِمام الشافعي على أنه إن وطأها كرها فلها الامتناع من بعد؛ إذ لم يسقط حقها، قال بعض أصحاب الشافعي: ليس لها الامتناع إذ قد بطل بالوطء كما لو قبض المشترى السلعة كرها. قلنا: لا نسلم الأصل، والقول لها إن ادعت الإِكراه حيث تقول سلمت نفسى مكرهة أو نحو ذلك. قال الإِمام يحيى والمذهب وبعض أصحاب الشافعي: لها الفسخ إن أعسر الزوج بالمهر قبل الدخول كإعسار المشترى قبل قبض المبيع، لا بعد الدخول إذ الوطء كتلف المبيع، قال المروزى: بل لها الفسخ بعده أيضا إذ وجوب
стр. 8434
استمرار التمكين بعد الوطء كبقاء بعض المبيع مع إعسار المشترى، فله ارتجاع الباقى، قلت: لازم لهم على مقتضى قياسهم. فإن تزوجته بعد العلم بإعساره فلا خيار لها، إذ قد رضيته، وكذا لو مكنته بعد الإِعسار، وقيل: بل تخير إذ دخلت وهى تجوز إيساره من بعد كالنفقة. قلنا: وجوب النفقة متجدد بخلاف الصداق فافترقا قلت: وقياس المذهب لا فسخ مطلقا كما في النفقة. ولها الامتناع إن لم يسمه حتى يسمى، وإذا سمى فحتى يعين لما مر، وما عينه ملكته كثمن المبيع المعين (١). ونشوز (٢) المرأة يسقط حقوقها غير المهر، إذ هو عوض الاستمتاع، ويجوز ضربها وهجرها للآية: والمذهب أنه لا ضرب إلا بعد الوعظ ثم الهجر، ولا يجمع بينهما كالنهى عن المنكر، قال الصيمرى: بل يجمع بينهما لظاهر الآية، قلنا القياس مقيد لها. والهجر إنما هو في المضجع للآية، لا في الكلام، فلا تحل فوق ثلاث للخبر، ولا يضربها ضربا مبرحا - وهو ما أدمى أو خشى منه تلف نفس أو عضو - ولا يزيد عدده على الحد، ويتوقى الوجه والمراق، وقوله ﷺ : "لا تضربوا إماء الله" منسوخ بإذنه بعد ذلك فيما روى عن عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه أنه قال: "كنا معشر قريش تغلب رجالنا نساءنا، فقدمنا المدينة فوجدنا نساءهم تغلب رجالهم، فخالطت نساؤنا نساءهم فذئرت (٣) على أزواجهن. فأتيت النبي ﷺ فقلت يا رسول الله؛ ذئرت النساء على أزواجهن، فأذن رسول االله ﷺ بضربهن" (٤).
مذهب الإمامية:
جاء في الروضة البهية أن للزوجة أن تمتنع قبل الدخول حتى تقبض المهر حالا، سواء كان الزوج موسرا أو معسرا، وسواء كان المهر عينا أو منفعة، وسواء كان متعينا أو في الذمة، لأن النكاح في معنى المعاوضة وإن لم تكن محضة، ومن حكمها أن لكل من المتعاوضين الامتناع من التسليم إلى أن يسلم إليه الآخر فيجبرهما الحاكم على التقابض معا لعدم الأولوية بوضع الصداق عند عدل إن لم يدفعه إليها ويأمرها بالتمكين. وهذا الحكم لا يختلف على تلك التقديرات. وربما قيل إنه إذا كان معسرا فليس لها الامتناع لمنع مطالبته، ويضعَّف بأن منع المطالبة لا يقتضى وجوب التسليم قبل قبض العوض، هذا إذا كان المهر حالا، فإن كان مؤجلا فإن تمكينها لا يتوقف على قبضه إذ لا يجب لها حينئذ شئ فيبقى وجوب حقه عليها بغير معارض، ولو أقدمت على فعل المحرم وامتنعت إلى أن حل الأجل ففيه قولان: جواز امتناعها حينئذ إلى أن تقبضه تنزيلا له منزلة الحال ابتداء، وعدم امتناعها بناء على وجوب
стр. 8435
تمكينها قبل حلوله فيستصحب، ولأنها لما رضيت بالتأجيل بنت أمرها على أن لا حق لها في الامتناع فلا يثبت بعد ذلك لانتفاء المقتضى. وأجود هذين الوجهين الثاني. ولو كان بعض المهر حالا وبعض مؤجلا كان لكل منهما حكم مماثلة فلها الامتناع قبل الدخول حتى تقبض البعض الحال وليس لها الامتناع بعد ذلك التأجيل، بل عليها التمكين. وإنما يجب تسليمه إذا كانت مهيأة للاستمتاع، فلو كانت ممنوعة بعذر وإن كان شرعيا كالإحرام لم يلزم لأن الواجب التسليم من الجانبين، فإذا تعذر من أحدهما لم يجب من الآخر. نعم لو كانت صغيرة يحرم وطؤها فالأقوى وجوب تسليم مهرها إذا طلبه الولى لأنه حق ثابت حال طلبه ممن له حق الطلب فيجب دفعه كغيره من الحقوق، وعدم قبض العوض الآخر جاء من قبل الزوج حيث عقد عليها كذلك موجبا على نفسه عوضا حالا ورضى بتأخير قبض المعوض إلى محله، وهذا بخلاف النفقة لأن سبب وجوبها التمكين التام دون العقد، ووجه عدم وجوب تسليم المهر إلى ولى الصغيرة الذي هو خلاف لأقوى قد علم مما سلف من أن الواجب التسليم من الجانبين فإذا تعذر من أن هما لم يجب على الآخر، كما علم جوابه من أن التسليم ليس بواجب من جانب الصغيرة حين صغرها فالعوض من جانبها المؤجل فلا يمنع من تسليم الجانب الآخر الذي هو الحال. وليس لها بعد الدخول الامتناع في أصح القولين لاستقرار المهر بالوطء الأول وهذا دليل على أنه لا تعلق للمهر بالوطء بعد الدخول حتى يصح إمساكه في مقابله بل إنما المتعلق به هو الوطء الأول. وقد حصل تسليمها نفسها برضاها فانحصر حقها في المطالبة دون الامتناع، ولأن النكاح معاوضة ومتى سلم أحد المتعاوضين العوض الذي من قبله باختياره لم يكن له بعد ذلك حبسه ليتسلم العوض الآخر، ولأن منعها قبل الدخول ثابت بالإِجماع ولا دليل علمه بعده فينتفى بالأصل، فإن التسليم حق عليها والمهر حق عليه والأصل عدم تعلق أحدهما بالآخر فيتمسك به إلى أن يثبت الناقل، وقيل لها الامتناع كما لو كانت قبل الدخول لأنه المقصود بعقد النكاح منافع البضع فيكون المهر في مقابلها ويكون تعلق الوطء الأول به كتعلق غيره، والأقوى الأول. هذا كله إذا سلمت نفسها اختيارا، فلو دخل بها كرها فحق الامتناع بحاله لأنه قبض فاسد فلا يترتب عليه أثر الصحيح، ولأصالة البقاء إلى أن يثبت المزيل مع احتمال عدمه لصدق القبض (١). وإذا ظهرت أمارة النشوز للزوج بتقطيب الزوجة في وجهه والضجر والسأم بحوائجه التي يجب عليها فعلها من مقدمات الاستمتاع بأن تمتنع أو تتثاقل إذا دعاها إليه، لا مطلق حوائجه إذ لا يجب عليها قضاء حاجته التي لا تتعلق بالاستمتاع، أو تغير عادتها في أدبها معه قولا كأن تجيبه بكلام خشن بعد أن كانت تجيبه بكلام لين، أو غير مقبلة عليه بوجهها بعد أن كانت تقبل عليه، أو فعلا كأن يجد منها إعراضا وعبوسا بعد لطف وطلاقة ونحو ذلك. إذا ظهرت تلك الأمارات وعظها أولا بلا هجر ولا ضرب فلعلها تبدى عذرا وتتوب عما جرى منها من غير عذر، والوعظ كأن يقول لها اتقى الله في الحق الواجب لى
стр. 8436
عليك، واحذرى العقوبة، ويبين لها ما يترتب على ذلك من عذاب الله تعالى في الآخرة، وسقوط النفقة والقسم في الدنيا، ثم حول ظهره إليها في المضجع - بكسر الجيم - إن لم ينجح الوعظ، ثم اعتزلها ناحية في غير فراشها، ولا يجوز ضربها إن رجا رجوعها بدونه، فإذا امتنعت من طاعته فيما يجب له ولم ينجح ذلك كله ضربها مقتصرا على ما يؤمل به رجوعها، فلا تجوز الزيادة عليه مع حصول الغرض به، وإلا تدرج إلى الأقوى فالأقوى ما لم يكن الضرب مدميا ولا مبرحا أي شديدا كثيرا لقول الله : "واللاتى تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن" (١) والمراد فعظوهن إذا وجدتم أمارات النشوز، واهجروهن إن نشزن، واضربوهن أن أصررن عليه، وأفهم قوله تعالى: "في المضاجع" أنه لا يهجرها في الكلام، وهذا فيما زاد عن ثلاثة أيام لقول النبى ﷺ : "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه في الكلام فوق ثلاث" وجوز في الثلاثة إن رجا به رجوعها، ولو حصل بالضرب تلف أو إدماء ضمن. ولو نشز الزوج بمنع حقوقها الواجبة عليه من قسم ونفقة فلها المطالبة بها وللحاكم إلزامه بها فإن أساء خلقه وأذاها بضرب وغيره بلا سبب صحيح نهاه عن ذلك، فإن عاد إليه عذره بما يراه، وإن قال كل منهما أن صاحبه متعد تعرف الحاكم الحال بثقة في جوارهما يختبرهما ومنع الظالم منهما، ولو تركت الزوجة بعض حقوقها الواجبة لها عليه من قسمة ونفقة استمالة له حل له قبوله، وليس له منع بعض حقوقها لتبذل له ما لا ليخلعها، فإن فعل فبذلت أثم وصح قبوله ولم يكن إكراها، نعم لو قهرها عليه بخصوصه لم يحل (٢). وجاء في شرائع الإِسلام أنه لو ظهر من الزوجة الامتناع عن طاعة الزوج فيما يجب له جاز ضربها ولو بأول مرة، ويقتصر على ما يؤمل معه رجوعها (٣).
مذهب الإباضية:
جاء في شرح النيل أن الزوجة تمنع الزوج من وطئها والاستمتاع بها ولو في غير الفرج أو باليد ولو أمة أو طفلة إلا إن أباح سيد الأمة. وذلك إذا أصدقها عاجلا وآجلا - سواء كان الأجل معينا مخصوصا وغير مخصوص أو كان غير معين - حتى يعطيها العاجل، وإن لم يمسها حتى حل الآجل جاز منعها له حتى يؤديهما لأن الأجل صار بحلوله كالعاجل، فلو لم يمسها حتى تزوج عليها أو تسرى أو راجع فلها منعه حتى يؤدى الاجل كما إذا أجل إلى مدة مخصوصة أو شئ مخصوص معين أو غير معين ولم يمس حتى حل الأجل فإن لها منعه حتى يؤديه، وإن مسها قهرا أو في نوم أو طفلة أو مجنونة أو أمة لم تمنعه بعد، وقيل تمنعه، وللولى منع طفلة أو مجنونة وللسيد منع أمة حتى يؤدى وللمرأة وولى الطفله والمجنونة وسيد الأمة منع الزوج الطفل والمجنون والعبد حتى يؤدى الولى والسيد. وأن أجل بوقت نحو عام أو شهر أو أطلق الأجل بحيث يحكم عليه به عند الفرقة أو النكاح أو التسرى فمسها فخرجت محرمته أو محرمة منه بوجه ما حل بذلك وانكشف الغيب أنها قد استحقته حين المس ولا يلزم الانتظار به
стр. 8437
إلى تمام الأجل لأن العقد غير صحيح فالأجل باطل غير منعقد لأنه أسند على غير صحيح، والصداق هنا إنما استحقته بالمس لا بالعقد (١).
حكم الامتناع عن اللعان
مذهب الحنفية:
جاء في بدائع الصنائع أن المرأة التي قذفها زوجها إذا طالبته باللعان أجبره الحاكم عليه، ولو امتنع يحبس لامتناعه عن الواجب عليه كالممتنع من قضاء الدين، فيحبس حتى يلاعن أو يكذب نفسه، وعند الشافعي رضى الله تعالى عنه ليس لها ولاية المطالبة باللعان ولا يجبر عليه ولا يحبس إذا امتنع، بل يقام عليه الحد. وكذا إذا التعن الرجل تجبر المرأة على اللعان، ولو امتنعت تحبس حتى تلاعن أو تقر بالزنا، وعند الشافعي لا تجبر ولا تحبس، بل يقام عليها الحد؛ لقول الله : "والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة" (٢) فقد أوجب الجلد على القاذف من غير فصل بين الزوج وغيره، إلا أن القاذف إذا كان زوجا فله أن يدفع الحد عن نفسه بالبينة إن كانت له بينة وإن لم تكن له بينة يدفعه باللعان فكان اللعان مخلصا له من الحد. وقوله تعالى: "ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله" (٣) جعل لعانها دفعا لحد الزنا عنها، إذ الدرء هو الدفع لغة؛ فدل على أن الحد وجب عليها بلعانه، ثم تدفعه بلعانها، ولأن بلعانه يظهر صدقه في القذف لأن الظاهر أنه لا يلاعن إلا وأن يكون صادقا في قذفه فيجب عليها الحد إلا أن لها أن تخلص نفسها عنه باللعان لأنها إذا لاعنت وقع التعارض فلا يظهر صدق الزوج في القذف فلا يقام عليها الحد. ويدل لنا قول الله : "والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله" (٤) أي فليشهد أحدهم أربع شهادات بالله، فقد جعل موجب قذف الزوجات اللعان، فمن أوجب الحد فقد خالف النص، ولأن الحد إنما يجب لظهور كذبه في القذف، وبالامتناع من اللعان لا يظهر كذبه إذ ليس كل من امتنع من الشهادة أو اليمين يظهر كذبه فيه، بل يحتمل أنه امتنع منه صونا لنفسه عن اللعن والغضب، والحد لا يجب مع الشبهة، فكيف يجب مع الاحتمال، ولأن الاحتمال من اليمين بدل وإباحة، والإِباحة لا تجرى في الحدود، فإن من أباح للحاكم أن يقيم عليه الحد لا يجوز له أن يقيم. وأما آية القذف فقد قيل إن موجب القذف في الابتداء كان هو الحد في الأجنبيات والزوجات جميعا، ثم نسخ في الزوجات وجعل موجب قذفهن اللعان بآية اللعان، والدليل عليه ما روى عن عبد الله بن مسعود رضى الله تعالى عنه أنه قال: كنا جلوسا في المسجد ليلة الجمعة فجاء رجل من الأنصار فقال يا رسول الله أرأيتم الرجل يجد مع امرأته رجلا فإن قتله قتلتموه، وإن تكلم به جلدتموه، وإن أمسك أمسك على
стр. 8438
غيظ، ثم جعل يقول: اللهم افتح، فنزلت آية اللعان. دل قوله: وإن تكلم به جلدتموه على أن موجب قذف الزوجة كان الحد قبل نزول آية اللعان، ثم نسخ في الزوجات بآية اللعان، فينسخ الخاص المتأخر العام المتقدم بقدره هكذا. هذا هو مذهب عامة مشايخنا رضى الله تعالى عنهم. وعند الشافعي رضى الله تعالى عنه يبنى العام على الخاص، ويتبين أن المراد من العام ما وراء قدر الخاص سواء كان الخاص سابقا أو لاحقا، وسواء علم التاريخ فبينهما زمان يصلح للنسخ أو لا يصلح، أو جهل التاريخ بينهما فلم تكن الزوجات داخلات تحت آية القذف على قوله، فكيف يصح احتجاجه بها. وأما قوله تعالى "ويدرأ عنها العذاب" فلا حجة له فيه؛ لأن دفع العذاب يقتضى توجه العذاب لا وجوبه لأنه حينئذ يكون رفعا لا دفعا، على أنه يحتمل أن يكون المراد من العذاب هو الحبس إذ الحبس يسمى عذابا، قال الله في قصة الهدهد: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ (١) قيل في تفسير ذلك: لأحبسنه، وهذا لأن العذاب ينبئ عن معنى المنع في اللغة، يقال: أعذب أي منع، وأعذب أي امتنع، يستعمل لازما ومتعديا، ومعنى المنع يوجد في الحبس، وهذا هو مذهبنا أنها إذا امتنعت من اللعان تحبس حتى تلاعن أو تقر بالزنا فيدرأ عنها العذاب وهو الحبس باللعان، فإذن قلنا بموجب الآية الكريمة (٢).
مذهب المالكية:
جاء فى الشرح الكبير وحاشية الدسوقى عليه أن الزوج إذا رمى زوجته بالزنى غصبا بأن قال زنت مغصوبة تلاعنا مطلقا صدقته أو كذبته، فإن نكلت رجمت. قال محمد بن المواز رحمه الله تعالى وقبله التونسى، وصوب اللخمى أنه إذا رماها بغصب أو شبهة فلا لعان عليها وإنما يلتعن الزوج لنفى الولد عنه ولا نعلم لرجمها وجها إذا لم تلتعن لأن الزوج لم يثبت عليها بلعانه زنا وإنما أثبت عليها غصبا فلا لعان عليها كما لو أثبتت البينة الغصب (٣). وإن ثبت الغصب أو ظهر بقرينة كمستغيثة عند النازلة التعن الزوج فقط دونها، فإن نكل لم يحد. وكذا يلتعن الزوج فقط إذا كانت الزوجة صغيرة عن سن من تحمل وهى مطيقة للوطء. قإن يلاعن دونها وتبقى زوجه ووقفت فإن ظهر بها حمل لم يلحق به ولا عنت وفرق بينهما، فإن نكلت حدث حد البكر. وإن شهد الزوج مع ثلاثة بزنا زوجته التعن الزوج ثم التعنت بعد وفرق بينهما وحد الثلاثة لعدم الاعتداد بشهادة الزوج، لا إن نكلت عن اللعان فلا حد علمهم لأنه قد حقق عليها ما شهدوا به بسبب نكولها، وتحد هي حد الزنا وتبقى زوجة إن جلدت وعلى حكم الزوجية إن رجمت، وأما إن نكلا أو نكل الزوج حد الأربعة لأن نكول الزوج كرجوع أحد شهود الزنا كبل الحكم فيوجب حد الأربعة وحدت الزوجة أيضا في الأولى (٤).
стр. 8439
مذهب الشافعية:
جاء في المهذب أن الزوج إذا قذف امرأته وامتنع من اللعان فضرب بعض الحد، ثم قال أنا ألا عن سمع اللعان وسقط ما بقى من الحد، وكذلك إذا نكلت المرأة عن اللعان فضربت بعض الحد ثم قالت أنا ألاعن سمع اللعان وسقط بقية الحد لأن ما أسقط جميع الحد أسقط بعضه كالبينة (١). وجاء في مغنى المحتاج أنه لو امتنع أحد الزوجين من اللعان ثم طلبه مكن منه (٢).
مذهب الحنابلة:
جاء في المغنى أن الزوج إذا قذف زوجته المحصنة وامتنع من اللعان لزمه الحد وحكم بفسقه ورد شهادته - وبهذا قال مالك والشافعى - وقال أبو حنيفة يجب اللعان دون الحد، فإن أبى حبس حتى يلاعن لأن الله تعالى قال: "والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات" الآيات، فلم يوجب بقذف الأزواج إلا اللعان. ويدل لنا قول الله : "والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون" (٣) وهذا عام في الزوج وغيره، وإنما خص الزوج بأن أقام لعانه، مقام الشهادة في نفس الحد والفسق ورد الشهادة عنه. وأيضا قول النبي ﷺ : "البينة أو حد في ظهرك" وقوله لما لاعن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، ولأنه قاذف يلزمه الحد لو أكذب نفسه فلزمه إذ لم يأت بالبينة المشروعة كالأجنبى (٤). وإذا لاعن الزوج وامتنعت هي من الملاعنة فلا حد عليها - وبه قال الحسن والأوزاعى وأصحاب الرأى رضى الله تعالى عنهم - وذهب مكحول والشعبى ومالك والشافعى وغيرهم رضى الله تعالى عنهم إلى أن عليها الحد لقول الله تعالى "ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله" (٥)، والعذاب الذي يدرؤه لعانها هو الحد المذكور في قوله : "وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين" (٦) ولأنه بلعانه حقق زناها فوجب عليها الحد كما لو شهد عليها أربعة. ويدل لنا أنه لم يتحقق زناها فلا يجب عليها الحد كما لو لم يلاعن. ودليل ذلك أن تحقيق زناها لا يخلو إما أن يكون بلعان الزوج أو بنكولها أو بهما لا يجوز أن يكون بلعان الزوج وحده لأنه لو ثبت زناها به لما سمع لعانها ولا وجب الحد على قاذفها ولأنه إما يمين وإما شهادة وكلاهما لا يثبت له الحق على غيره ولا يجوز أن يثبت بنكولها لأن الحد لا يثبت بالنكول فإنه يدرأ بالشبهات فلا يثبت بها وذلك
стр. 8440
لأن النكول يحتمل أن يكون لشدة خفرها أو لعقلة على لسانها أو غير ذلك فلا يجوز إثبات الحد الذي اعتبر في بينته من العدد ضعف ما اعتبر في سائر الحدود واعتبر في حقهم أن يصفوا صورة الفعل وإن يصرحوا بلفظه وغير ذلك مبالغة في نفى الشبهات عنه وتوسلا إلى إسقاطه ولا يجوز أن يقضى فيه بالنكول الذي هو في نفسه شبهة لا يقضى به في شئ من الحدود ولا العقوبات ولا ما عدا الأموال، مع أن الشافعي رضى الله تعالى عنه لا يرى القضاء بالنكول في شئ فكيف يقضى به في أعظم الأمور وأبعدها ثبوتا وأسرعها سقوطا، ولأنها لو أقرت بلسانها ثم رجعت لم يجب عليها الحد فلأن لا يجب بمجرد امتناعها من اليمين على براءتها أولى. ولا يجوز أن يقضى فيه بهما لأن ما لا يقضى فيه باليمين المفردة لا يقضى فيه باليمين مع النكول كسائر الحقوق، ولأن ما في كل واحد منهما من الشبهة لا ينتفى بضم أحدهما إلى الآخر، فإن احتمال نكولها لفرط حيائها وعجزها عن النطق باللعان في مجمع الناس لا يزول بلعان الزوج، والعذاب يجوز أن يكون الحبس أو غيره فلا يتعين في الحد، وإن احتمل أن يكون هو المراد فلا يثبت الحد بالاحتمال وقد يرجح ما ذكرناه بقول عمر رضى الله تعالى عنه: إن الحد على من زنا وقد أحصن إذا كانت بينة أو كان الحمل أو الاعتراف فذكر موجبات الحد ولم يذكر اللعان. واختلفت الرواية فيما يصنع بها؛ فردى أنها تحبس حى تلتعن أو تقر أربعا، قال أحمد رضى الله تعالى عنه: فإن أبت المرأة أن تلتعن بعد التعان الرجل أجبرتها عليه وهبت أن أحكم عليها بالرجم لأنها لو أقرت بلسانها لم أرجمها إذا رجعت فكيف إذا أبت اللعان؟ ولا يسقط النسب إلا بالتعانهما جميعا لأن الفراش قائم حتى تلتعن والولد للفراش. قال القاضي رحمه الله تعالى: هذه الرواية أصح، وهذا قول من وافقنا في أنه لا حد عليها وذلك لقول الله تعالى: "ويدرأ عنها أن تشهد أربع شهادات بالله" فيدل على أنها إذا لم تشهد لا يندرئ عنها العذاب. والرواية الثانية: يخلى سبيلها وهو قول أبى بكر رحمه الله تعالى لأنه لم يجب عليها الحد، فيجب تخلية سبيلها كما لو لم تكمل البينة، فأما الزوجية فلا تزول والولد لا ينتفى ما لم يتم اللعان بينهما في قول عامة أهل العلم إلا الشافعي رضى الله تعالى عنه، فإنه قضى بالفرقة ونفى الولد بمجرد لعان الرجل (١).
مذهب الظاهرية:
جاء في المحلى أن من قذف امرأته بالزنا - هكذا مطلقا أو بإنسان سماه - طولب بالبينة، فإن أتى ببينه عدول بذلك أقيم عليها الحد، وإن لم يأت بالبينة قيل له التعن، فإذا التعن سقط عنه الحد لها وللذى رماها به، فإن لم يلتعن حد حد القذف. وإذا التعن ديل لها إن التعنت وإلا حددت حد الزنا، فإذا التعنت برئت من الحد وانفسخ نكاحها منه وحرمت عليه أبد الآبد لا تحل له أصلا لا بعد الزواج ولا قبله. وأما ما لم يتم هو اللعان أو تتمه هي فهما على نكاحهما، فلو مات أحدهما قبل تمام اللعان توارثا. وذلك لقول رسول الله ﷺ في حديث اللعان: "البينة أو حد في ظهرك" (٢).