وكسائر العبادات، وروى أنه ليس بركن لحديث الثورى الذى يقول فيه الرسول ﷺ «الحج عرفة»، فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه، والرأى الأول هو مشهور المذهب (١).
مذهب الزيدية:
أركان الحج عند الزيدية هى الإحرام والوقوف وطواف الزيارة وفروضه الأركان وطواف القدوم .. إلخ. فعدوه ركنا وفرضا (٢).
مذهب الإمامية:
يشترط فى حج الأفراد النية، والمراد بها نية الإحرام بالنسك المخصوص ووجه تخصيصه (أى الإحرام) أنه الركن الأعظم باستمراره ومصاحبته لأكثر الأفعال وكثره أحكامه. وقالوا: أفعال العمرة المطلقة وهى الإحرام والطواف والسعى والتقصير .. والثلاثة الأول منها أركان (٣).
مذهب الإباضية:
الإحرام ركن من أركان الحج (٤).
حكم الإحرام فى الصلاة
مذهب الحنفية:
قال الحنفية: التحريمة، وهى تكبيرة الافتتاح شرط صحة الشروع فى الصلاة لقول النبى ﷺ : «لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه، ويستقبل القبلة، ويقول الله اكبر». نفى قبول الصلاة بدون التكبير فدل على كونه شرطا لكن إنما يؤخذ (أى يلزم) هذا الشرط على القادر دون العاجز.
والإحرام فى الصلاة عند الحنفية يكون بلفظ الله اكبر وما اشتق منه كقوله الله الأكبر والله الكبير، واقتصر أبو يوسف على ذلك. وقال أبو حنيفة ومحمد يجوز الشروع بكل ذكر هو ثناء خالص لله تعالى يراد به تعظيمه لا غير، كأن يقول الله أجل، الله أعظم، أو الحمد لله أو سبحان الله، وكذلك كل اسم ذكر مع الصفة نحو الرحمن أعظم أو الرحيم أجل. ويجوز الشروع فى الصلاة بلفظ من هذه الألفاظ على الخلاف المذكور بغير اللغة العربية لمن كان عاجزا عن النطق بها، أما من كان قادرا على النطق بها فيجوز له النطق بغيرها عند أبى حنيفة ولا يجوز عند الصاحبين (٥).
مذهب المالكية:
قال المالكية: الصلاة مركبة من أقوال وأفعال فجميع أقوالها ليست بفرائض إلا ثلاثة، منها تكبيرة الاحرام (٦).
стр. 877
مذهب الشافعية:
قال الشافعية من أركان الصلاة تكبيرة الإحرام، لما روى الشيخان «إذا قمت إلى الصلاة فكبر ويتعين فيها علي القادر بالنطق بها «الله أكبر» لأنه المأثور من فعله ﷺ (١).
مذهب الحنابلة:
قال الحنابلة: التكبير ركن فى الصلاة، لا تنعقد الصلاة إلا به سواء تركه عمدا أم سهوا، لقول النبى ﷺ : «تحريمها التكبير»، فدل على أنه لا يدخل الصلاة بدونه، فان كان أخرس أو عاجزا عن التكبير بكل لسان سقط عنه (٢).
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم الظاهرى: الإحرام بالتكبير فرض لا تجزئ الصلاة إلا به لما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ دخل المسجد فدخل رجل فصلى .. وفيه أن الرسول ﷺ قال «أرجع فصل، فإنك لم تصل» (ثلاث مرات)، فقال والذى بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمنى. قال رسول الله ﷺ «إذا قمت إلى الصلاة فكبر»، فقد أمر بتكبير الإحرام (٣).
مذهب الزيدية:
قال الزيدية: الفرض الثانى من فرائض الصلاة هو التكبير، ومن شرطه أن يكون المكبر قائما، والتكبير من الصلاة فى الأصح (٤).
مذهب الإمامية:
قال صاحب المختصر النافع: أفعال الصلاة واجبة ومندوبة، فالواجبات ثمانية وعد من بينها التكبير. قال: وهو ركن فى الصلاة وصورته الله أكبر مرتبا ولا ينعقد بمعناه، ومع التعذر تكفى الترجمة والأخرس ينطق بالممكن، ويعقد قلبه بها مع الإشارة، ويشترط فيها القيام (٥).
مذهب الإباضية:
وفرضت تكبيرة الإحرام والافتتاح وزعم بعضهم أنها سنة كسائر التكبير وقيل ان سائره فرض، ومن تعمد فيها لحنا أعاد الصلاة وإن لم يتعمد فقولان، وصح بالعربية وفسد بغيرها على المختار، وبوجوب ترتيب اللفظين وموالالتهما وجوز عند البعض البناء على اللفظ الأولى لقطع كسعلة أو عطسة أو نحوها (٦).
стр. 878
كيفية الإحرام بالحج
مذهب الحنفية:
قال الحنفية: إذا أراد الإحرام اغتسل أو توضأ، والغسل أفضل، لما روى أنه ﷺ أغتسل لإحرامه، إلا أن الاغتسال للتنظيف حتى تؤمر به الحائض، وإن لم يقع فرضا عنها فيقوم الوضوء مقامه، ولبس ثوبين جديدين أو غسيلين: إزار، ورداء، لأن المحرم ممنوع عن لبس المخيط.
وينبغى لولى من أحرم من الصبيان العقلاء أن يجرده ويلبسه ثوبين إزارا ورداء لأن الصبى فى مراعاة السنن كالبالغ ويتطيب بأى طيب شاء، ويستحب عند الإحرام للمحرم تقليم أظافره وقص شاربه وحلق عانته ونتف إبطه وتسريح رأسه عقيب الغسل، لأن رسول الله صلي الله عليه وسلم أئتزر وارتدى عند احرامه، ولا بد من ستر العورة.
والجديد فى الثياب افضل، لأنه أقرب إلى الطهارة، والأولى أن يكونا أبيضين ومس الطيب، وعن محمد أنه يكره إذا تطيب بما تبقى عينه بعد الإحرام.
ووجه المشهور حديث عائشة رضى الله عنها قالت: كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم، والإزار من الحقو والرداء من الكتف ويدخل الرداء تحت يمينه ويلقيه على كتفه الأيسر فيبقى كتفه الأيمن مكشوفا ولا يزره ولا يعقده ولا يخلله، فإن فعل ذلك كره ولا شئ عليه.
والثوب الواحد الساتر جائز، وصلى ركعتين، لما روى جابر رضى الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ صلى بذى الحليفة ركعتين عند إحرامه، ويقول بعد الصلاة، إن أراد أن يحرم بالحج: «اللهم إنى أريد الحج فيسره لى وتقبله منى، وإذا أراد أن يحرم بالعمرة يقول اللهم إنى أريد العمرة فيسرها لى وتقبلها منى، وإذا أراد القرآن يقول اللهم إنى أريد العمرة والحج فيسرهما لى وتقبلهما مني، لأنه فى عبادة عظيمة فيها كلفة ومشقة شديدة، فيستحب الدعاء بالتيسير وبالتسهيل وبالقبول ثم يلبى عقب صلاته، لما روى أن النبى صلي الله عليه وسلم لبى فى دبر صلاته وإن لبى بعد ما استوت به راحلته جاز ولكن الأول أفضل ولا ينبغى أن يحل بشئ من كلمات التلبية ولو زاد فيها جاز، وإذا لبى فقد أحرم (يعنى مع النية)، لأن العبادة لا تتأتى إلا بالنية ولا يصير شارعا فى الإحرام بمجرد النية ما لم يأت بالتلبية وعن أبى يوسف يصير شارعا بالنية وحدها من غير تلبية.
ودليل من ذهب إلى اشتراط التلبية قول الله تعالى «فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ، وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ، وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى، وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ» (١).
قال ابن عباس رضى الله عنه: فرض الحج الإهلال. وقال ابن عمر رضى الله عنه: التلبية.
стр. 879
وقالت عائشة رضى الله عنها: لا إحرام إلا لمن أهل أو لبى، والإهلال رفع الصوت بالتلبية، ولأن الحج يشتمل علي أركان موجب أن يشترط فى تحريمه ذكر يراد به التعظيم كالصلاة (١).
مذهب المالكية:
قال المالكية عن كيفية الإحرام: تجرد ذكر من محيط سواء كان الذكر مكلفا أم لا، والخطاب يتعلق بولى الصغير والمجنون، وسواء كان المحيط بخياطة كالقميص والسراويل أم لا، كنسج أو صياغة، أو بنفسه، كجلد سلخ بلا شق والأنثى لا يجب عليها التجرد إلا فى نحو أساور، ووجب علي المحرم المكلف ذكرا أو أنثى تلبية، ووجب وصلها به (أى بالإحرام) ويسن للإحرام غسل متصل به متقدم عليه، فإن تأخر إحرامه كثيرا أعاد الغسل، ولا يضر فصل بشد رحاله وإصلاح حاله وسن لبس إزار بوسطه ورداء على كتفيه ونعلين فى رجليه (٢).
وقال الخرشى: ظاهر كلام خليل أن السنة الإحرام عقب نفل، ولذا قال والفرض مجز، والمستحب أن يكون أثر نافلة ليكون للإحرام صلاة تخصه (٣).
ويندب للمحرم إزالة شعثه قبل الُغسل بأن يقص أظافره وشاربه ويحلق عانته وينتف شعر إبطه ويرجل شعر رأسه أو يحلقه إن كان من أهل الحلاق ليستريح من ضررها وهو محرم (٤).
مذهب الشافعية:
قال الشافعية: ويستحب للمحرم أن يغتسل، لما روى زيد بن ثابت رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله علية وسلم اغتسل لإحرامه، وان كانت امرأة حائضا أو نفساء اغتسلت للإحرام، لما روى القاسم بن محمد أن أسماء بنت عميس ولدت محمد بن أبى بكر رضى الله عنهما بالبيداء، فذكر ذلك أبو بكر رضى الله تعالى عنه لرسول الله ﷺ فقال «مروها فلتغتسل، ثم لتهل»، ولأنه غسل يراد للنسك فاستوى فيه الحائض والطاهر، ومن لم يجد الماء تيمم لأنه غسل مشروع، فانتقل منه إلى التيمم عند عدم الماء كغسل الجنابة.
قال فى الأم: ويغتسل لسبعة مواطن وعد منها الإحرام (٥). ويسن أن يطيب مريد الإحرام بدنه ذكرا أم غيره، شابه أم عجوزا، خلية أم لا، للاتباع، ولا بأس باستدامته (أى الطيب) بعد الإحرام.
ويسن أن تخضب المرأة غير المحدة للإحرام يدها (٦). ويتجرد الرجل عن المخيط فى إزار ورداء أبيضين ونعلين، لما روى ابن
стр. 880
عمر رضى الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: ليحرم أحدكم فى أزار ورداء ونعلين، والمستحب أن يكون ذلك بياضا لما روى ابن عباس رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: إلبسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خيار ثيابكم.
والمستحب أن يتطيب فى بدنه لما روت عائشة رضى الله تعالى عنها قالت: كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم، ويصلى المحرم ركعتين لما روى ابن عباس رضى الله تعالى عنه وجابر رضى الله عنه أن النبى ﷺ صلى فى ذى الحليفة ركعتين ثم أحرم.
قال الشافعى فى مذهبه القديم: الأفضل أن يحرم عقيب الركعتين (١) فينوى بقلبه وجوبا دخوله فى حج أو عمرة أو كليهما أو ما يصلح لشئ منهما، وهو الإحرام المطلق، ويلبى مع النية فينوى بقلبه ويقول بلسانه: نويت الحج مثلا، وأحرمت به لله تعالى، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، أن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. ولا يجهر بهذه التلبية.
ويندب أن يذكر فى هذه التلبية لا غيرها ما أحرم به، وهو الأوجه، وتبعه فى الأذكار ونقله فى الإيضاح عن الجوينى وأقره، والعبرة بما نواه لا بما ذكره فى تلبيته.
ويُسَن أن يتلفظ بما يريده وأن يستقبل القبلة عند إحرامه وأن يقول: اللهم أحرم لك شعرى وبشرى ولحمى ودمى، فإن لبى بلا نية لم ينعقد إحرامه لخبر «إنما الأعمال بالنيات»، وإن نوى ولم يلب انعقد على الصحيح كسائر العبادات.
ويندب لمريد الإحرام التنظيف بإزالة نحو شعر إبط وعانة وظفر ووسخ وغسل رأسه بسدر ونحوه، والقياس كما قاله الإسنوى تقديم هذه الأمور على الغسل (٢).
مذهب الحنابلة:
قال الحنابلة: ويسن لمن يريد الإحرام تجرد من مخيط لأنه ﷺ تجرد لإهلاله، وأن يحرم فى أزار ورداء أبيضين نظيفين ونعلين لقوله ﷺ «وليحرم أحدكم فى ازأر ورداء ونعلين»، هذا إذا كان المحرم رجلا، أما المرأة فلها لبس المخيط فى الإحرام إلا القفازين، وأن يكون إحرامه عقب صلاة مكتوبة أو صلاة ركعتين نفلا (٣).
ويسن له أن يغتسل ذكرا كان أو أنثى، ولو حائضا أو نفساء، لأن النبى ﷺ أمر أسماء بنت عميس، وهى نفساء، أن تغتسل، وأمر عائشة أن تغتسل لإهلال الحج وهى حائض، ويستحب لهما تأخير الغسل أن توقعتا الطهر قبل الخروج
стр. 881
من الميقات وإلا اغتسلتا. ويحل التيمم محل الغسل عند عدم الماء أو تعذر استعماله.
ويسن له أيضا أن يتنظف بإزالة الشعر كحلق العانة وقص الشارب ونتف الإبط وتقليم الأظافر وقطع الرائحة الكريهة. وان يطيب بدنه لا ثوبه بسمك أو بخور أو ماء ورد، ويستحب للمرأة الخضاب بالحناء.
ويسن للمحرم أن يلبس ثوبين أبيضين نظيفين، إزار فى وسطه ورداء على كتفه.
ويجوز إحرامه فى ثوب واحد، وعلى مريد الإحرام أن يتجرد عن المخيط ويلبس نعلين.
ويسن أن يحرم عقب صلاة مكتوبة أو صلاة نفل ركعتين ندبا (١). ويستقبل القبلة عند إحرامه.
ويسن أن يعين نسكا من حج أو عمرة أو قران، ويلفظ به، فيقول: اللهم أنى أريد النسك (الحج مثلا) فيسره لى وتقبله منى، ونية النسك كافية فلا يحتاج معها إلى تلبية ولا سوق هدى، فلو لبى أو ساق الهدى من غير نية لم ينعقد احرامه.
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم الظاهرى: يتجرد من يريد الحج أو العمرة إن كان رجلا من ثيابه فلا يلبس القميص ولا السراويل ولا العمامة ولا القلنسوة ولا جبة ولا برنسا ولا خفين ولا قفازين البتة. لكن يلتحف فيما شاء من كساء أو ملحفة أو رداء ويتزر ويكشف رأسه ويلبس نعليه ولا يحل له أن يتزر ولا أن يلتحف فى ثوب صبغ كله أو بعضه بورس أو زعفران أو عصفر، فإن كان امرأة فلتلبس ما شاءت من كل ما ذكرنا أنه لا يلبسه الرجل وتغطى رأسها، إلا إنها لا تنتقب أصلا، لكن إما أن تكشف وجهها وأما أن تسدل عليه ثوبا من فوق رأسها فذلك لها إن شاءت ولا يحل لها أن تلبس شيئا صبغ كله أو بعض الورس أو زعفران ولها أن تلبس الخفاف والمعصفر، فإن لم يجد الرجل إزارا فليلبس السراويل كما هى وأن لم يجد نعلين فليقطع خفيه تحت الكعبين ولا بد، ويلبسهما كذلك.
واستدل على هذأ كله بأحاديث، وقال ونستحب الغسل عند الإحرام للرجال والنساء، وليس فرضا إلا على النفساء وحدها لما روى عن أسماء بنت عميس أنها ولدت محمد بن أبى بكر الصديق رضى الله عنه بالبيداء فذكر أبو بكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال «مرها فلتغتسل ثم تهل».
ونستحب للمرأة والرجل أن يتطيبا عند الإحرام بأطيب ما يجدانه من الغالية والبخور بالعنبر وغيره، ثم لا يزيلانه عن أنفسهما ما بقى عليهما (٢).
стр. 882
ونستحب أن يكثر من التلبية من حين الاحرام فما بعده دائما فى حال الركوب والمشى والنزول، وعلى كل حال ويرفع الرجل والمرآة صوتهما بها وهو فرض ولو مرة (١).
مذهب الزيدية:
قال الزيدية: يندب قبل الإحرام ستة أمور: قلم الظفر، ونتف الإبط، وحلق الشعر والعانة، ثم بعد هذه الثلاثة:
الغسل، أو التيمم للعذر المانع من الغسل، والتيمم لغير الحائض، ويندب لها الغسل ولو كانت حائضا، لآن النبي ﷺ أمر أسماء بنت عميس لما وصلت إلى ذى الحليفة فولدت محمد بن أبى بكر، فسألت رسول الله صلى الله علية وسلم: كيف أصنع، فقال لها:
«اغتسلى واستثفرى بثوب وأحرمى».
وقال لعائشة رضى الله عنها حين حاضت وكانت مهله بعمرة «انقضى رأسك، أو مشطى واغتسلى»، ثم بعد الغسل لبس جديد إن وجده، أو غسيل إن لم يجد الجديد. ويكون ذلك ازارا ورداء أبيضين أو مصبوغين بغير زينة وأن يكون عقد احرامه عقيب صلاة فرض وإن لم يتفق الفرض فركعتان يصليهما بعد الغسل ولبس ثوبى إحرامه. ثم يقول بعد الصلاة:
اللهم إني أريد الحج أو القران أو العمرة متمتعا بها إلى الحج، فيسر ذلك لى وتقبله منى.
ثم قال فى شرح الأزهار: ولا بد مع النية من تلبية لفعله صلي الله عليه وسلم حين نوى وقوله لعائشة رضى الله عنها «امتشطى وأهلى» والإهلال التلبية، وأكثر العترة على أن التلبية لا تتعين، بل يغنى عنها أى ذكر وتعظيم، إذ القصد الذكر المقتضى للتعظيم، والأصل فى النية المقارنة لقول رسول الله ﷺ «وانما الأعمال بالنيات» والباء للمصاحبة والالصاق، وتجزئ المخالطة للتلبية والمقارنة أن يكون آخر جزء من النية مقارنا لأول التلبية إذ لا يتصور خلافه (٢).
مذهب الإمامية:
قال الإمامية: الكيفية تشتمل على الواجب والندب. والواجب ثلاثة: النية وهى أن يقصد بقلبه إلى الجنس من الحج أو العمرة، والنوع من التمتع أو غيره، والصفة من وأجب أو غيره.
الثانى: التلبيات الأربع، ولا ينعقد الإحرام للمفرد والمتمتع إلا بها، وأما القارن فله أن يعقد بها أو بالأشعار أو التقليد على الأظهر، وما زاد على الأربع مستحب.
الثالث: لبس ثوبى الإحرام وهما واجبان، والمعتبر ما يصح الصلاة فيه للرجل، ويجوز لبس القباء مع عدمها مقلوبا، وفى جواز لبس الحرير للمرأة روايتان أشهرهما المنع، ويجوز أن يلبس أكثر من ثوبين وأن يبدل ثياب إحرامه ولا يطوف الا فيهما استحبابا.
стр. 883
والندب رفع الصوت بالتلبية للرجل إذا علت راحلته البيداء، وإن كان راجلا فحيث يحرم، وتكرارها إلى يوم عرفة عند الزوال للحاج وللمعتمر بالمتعة حتى يشاهد بيوت مكة.
وللمفرد إذا دخل الحرم إن كان أحرم من خارجه، وحتى يشاهد الكعبة إن أحرم من الحرم، والتلفظ بما يعزم عليه والاشتراط أن يحله حيث حبسه وأن يحرم فى الثياب القطن، وأفضله البيض، وإذا أحرم الولى بالصبى فعل به ما يلزم المحرم (١).
مذهب الإباضية:
قال الإباضية: وسن اغتسال لاحرام بحج أو عمرة أو بهما وجوز الوضوء فقط ولبس ثوبين جديدين أو غسيلين لم يلبسا بعد غسلهما لا مخيطين ولا ضير بثياب لبست لا متنجسة إلا أن أحرم بلا صلاة عند مجيز ذلك، وركعتان إن لم يحضر وقت مكتوبة، وجاز أثرها ويعقد نية الإحرام، ويلبى ثلاثا فى مجلسه ثم يقوم، ومن لم يلب لم يدخل فى حج ولم يصح إحرامه، فالتلبية افتتاحه كالتكبير فى الصلاة وكيفية لبس الثوبين أن يبسطهما ثم يلتحف بهما جميعا ولا يلبس أحدهما ويلتحف عليه بالآخر لأن ذلك يشبه الاحتزام به وإن لبس إزارا وهو ما كان من الحقو لا أسفل، ورداء وهو ما عم البدن كله فوقه جاز، وتجوز المغالاة فى ثياب الإحرام، ويحظر الإعجاب والتكبر، وينبغى الإحرام فى ثوبين وأن يكون ذلك بثياب طاهرة لا مخيطين دخل فى خياطتهما، وإن لم يدخل فى خياطة الثوب فلا بأس مثل أن يكون وجها الجبة أو القميص من جهة واحدة أو يجعل عمة البرنوس خلف بلا إدخال رأسه ولو ضمهما بيده قدامه وجمعهما، ولا ضير بثياب لبست وان دنست وكانت على جسده حتي أحرم بها ويلبس نعلين (٢).
مواقيت الإحرام
وهى الأماكن التي تقال على مواقيت الإحرام التي لا يصح أن يتجاوزها الحاج أو المعتمر إلا محرما، وهى بهذا المعني متفق عليها بين المذاهب آلا فى بعض الفروع.
مذهب الحنفية:
قال الحنفية: الميقات المكانى يختلف باختلاف الناس فإنهم ثلاثة أصناف: آفاقى وحلى، وهو من كان داخل المواقيت، وحرمى، وهى خمسة مواقيت: ذو الحليفة، وذات عرق، وجحفة، وقرن، ويلملم. للمدنى والعراقى والشامى والنجدى واليمنى على نفس الترتيب، وكذا هى لمن مر بها من غير أهلها كالشامى يمر بميقات أهل المدينة فهو ميقاته لحديث النبى ﷺ على ما يرويه
стр. 884
ابن عباس رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل العراق ذات عرق. وقال ﷺ «هن لأهلهن ولمن مر بهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة».
وهذه المواقيت لأهل الأفاق وهم الذين منازلهم خارج المواقيت، وهم الصنف الأول، وأما الصنف الثانى فميقاتهم للحج أو العمرة دويرة أهلهم (والدويرة الدار) أو حيث شاءوا من الحل بين دويرة أهلهم وبين الحرم لقول الله :
«وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ» (١).
عن على وابن مسعود رضى الله عنهما أنهما قالا حين سئلا عن هذه الآية الكريمة إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك، فلا يجوز لهم أن يجاوزوا ميقاتهم للحج أو العمرة إلا محرمين.
والحل الذى بين دويرة أهلهم وبين الحرم كشئ واحد، فيجوز إحرامهم إلى آخر أجزاء الحل، كما يجوز إحرام الآفاقى من دويرة أهله إلى آخر أجزاء ميقاته، وأما الصنف الثالث فميقاتهم للحج الحرم وللعمرة الحل للإجماع، فيحرم المكى من دويرة أهله للحج، أو حيث شاء من الحرم ويحرم للعمرة من الحل وهو التنعيم أو غيره.
أما الحج فللآية وهى قول الله «وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ»، وما جاء فيها عن على وابن مسعود رضى الله عنهما وأما العمرة فلما روى أن رسول الله ﷺ لما أراد الإفاضة من مكة دخل على عائشة رضى الله عنها وهى تبكى فقالت أكل نسائك يرجعن بنسكين وأنا أرجع بنسك واحد، فأمر أخاها عبد الرحمن بن أبى بكر رضى الله عنهما إن يعتمر بها من التنعيم، ولأن من شأن الإحرام أن يجتمع فى أفعاله الحل والحرم فلو أحرم المكى بالعمرة من مكة وأفعال العمرة تؤدى بمكة لم يجتمع فى أفعالها الحل والحرم، بل يجتمع كل أفعالها فى الحرم، وهذا خلاف عمل الإحرام فى الشرع والأفضل أن يحرم من التنعيم لأن رسول الله ﷺ أحرم منه، وكذا أصحابه رضى الله عنهم كانوا يحرمون بعمرتهم منه، وكذلك من حصل فى الحرم من غير أهله فأراد الحج أو العمرة فحكمه حكم أهل الحرم، لأنه صار منهم، ولو مر صاحب ميقات من المواقيت بميقاتين فإحرامه من الأبعد أفضل ولو أخره الى الثانى لا شئ عليه فى المذهب، ومن سلك بين ميقاتين فى البر أو البحر اجتهد وأحرم إذا حاذى ميقاتا منهما ومن كان خارج الميقات وأراد أن يدخل مكة فعليه أن يحرم وإن لم يقصد الحج أو العمرة لما رواه ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى ﷺ قال «لا يدخل أحد مكة إلا بإحرام» لتعظيم هذه البقعة الشريفة، فيستوى فيه التاجر والمعتمر وغيرهما ومن
стр. 885
كان داخل الميقات ولا يريد الحج أو العمرة فله أن يدخل مكة بغير إحرام لحاجته لأنه يكثر دخوله مكة، وفى إيجاب الإحرام فى كل مرة حرج بين فألحقوا بأهل مكة حيث يباح لهم الدخول بغير احرام بعدما خرجوا منها لحاجة، لأنهم حاضرو المسجد الحرام، وجاز تقديم الإحرام على المواقيت، بل هو الأفضل، ولا يجوز عكسه وهو تأخيره عن هذه المواقيت على ما يجئ فى موضعه (١).
وما روى عن جابر رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام، لا يستدل به علي إسقاط الإحرام عمن كان خارج الميقات، ولم يقصد الحج أو العمرة لأن ما رواه جابر كان مختصا بتلك الساعة بدليل قوله ﷺ فى ذلك اليوم «مكة حرام لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدى، وإنما أحلت لى ساعة من نهار ثم عادت حراما» يعنى الدخول بغير إحرام، لإجماع المسلمين على حل الدخول بعد النبى صلي الله عليه وسلم للقتال.
مذهب المالكية:
قال المالكية: ومكانه (أى الإحرام للحج غير القرآن) يختلف باختلاف الحاجين، فهو بالنسبة لمن بمكة سواء كان من أهلها ام لا، وأقام بها إقامة لا تقطع حكم السفر، مكة، أى الأولى له أن يحرم من مكة فى أى مكان منها ومثله من فى منزله فى الحرم خارجها، وندب إحرامه بالمسجد الحرام أى فيه موضع صلاته، وندب خروج الأفاقى المقيم بها ذى النفس أى الذى معه نفس، أى سعة زمن يمكن الخروج فيه لميقاته وادراك الحج لميقاته ليحرم منه، فإن لم يخرج فلا شئ عليه، ومكانه للعمرة لمن بمكة وللقران أى الاحرام للعمرة والحج معا الحل ليجمع فى إحرامه لها بين الحل والحرم إذ هو شرط فى كل إحرام، ويصح الإحرام لها وللقرآن بالحرم وإن لم يجز ابتداء وخرج وجوبا للحل للجمع فى إحرامه بين الحل والحرم ومكانه لغير من بمكة من أهل الأفاق للحج والعمرة ذو الحليفة (تصغير حلفة) بالنسبة لمدنى ومن وراءه ممن يأتى علي أهل المدينة، والجحفة للمصرى ومثله أهل المغرب والسودان والروم والشام، ويلملم لليمن والهند، وقرن (بسكون الراء المهملة) لنجد، وذات عرق (بكسر العين وسكون الراء) للعراق وخراسان ونحوهما كفارس والمشرق ومن وراءهم ومكانه لهما مسكن من أى جهة بالنسبة لمن يسكن بين هذه المواقيت وبين مكة، وكان خارج الحرم أو فى الحرم وافرد، فإن قرن أو اعتمر خرج منه الى الحل لأن كل احرام لا بد فيه من الجمع بين الحل والحرم.
والمفرد يقف بعرفة وهى من الحل ومكانه لهما أيضا حيث حاذى المار وأحدا من هذه المواقيت كرابغ، فإنها تحاذى الجحفة على المعتمد، أو مر به وان لم يكن من أهله ولو كان المحاذى ببحر كالمسافر من جهة مصر ببحر السويس فإنه يحاذى الجحفة
стр. 886
قبل وصوله جدة فيحرم بالبحر حين المحاذاة إلا كمصرى من كل من ميقاته الجحفة يمر ابتداء بالحليفة ميقات أهل المدينة فيندب له الإحرام منها، ولا يجب، لأنه يمر على ميقات الجحفة بخلاف غيره، ولذا لو أراد المصرى أن يمر من طريق أخرى غير طريق الجحفة لوجب عليه الإحرام من ذى الحليفة كغيره.
ثم قال: وواجب على كل مكلف حر أراد دخول مكة ألا يدخلها إلا بإحرام لأحد النسكين.
ثم قال الخرشى: يندب لمريد الإحرام من أى ميقات أن يحرم من أوله ولا يؤخره لأخره، لأن المبادرة بالطاعة أولى (١).
مذهب الشافعية:
قال الشافعية: الميقات المكانى للحج ولو بقران فى حق من بمكة وان لم يكن نفس مكة وقيل كل الحرم لأن مكة وسائر الحرم فى الحرمة سواء (٢).
وأما غيره وهو من لم يكن بمكة عند إرادته الحج فميقاته مختلف بحسب النواحى، فميقات المتوجه من المدينة ذو الحليفة، وهو المعروف الآن بأبيار على، وهو على نحو ثلاثة أميال من المدينة، وقيل إنها علي ستة أميال والمتوجه من الشام ومصر والمغرب «الجحفة»، قرية كبيرة بين مكة والمدينة، وهى على ستة مراحل من مكة. ومن تهامة اليمن، وهى كل ما نزل عن نجد من بلاد الحجاز «يلملم»، وهى على مرحلتين من مكة ومن نجد اليمن ونجد الحجاز «قرن.» وهو جبل على مرحلتين من مكة ومن المشرق العراق وغيره «ذات عرق» وهى قرية على مرحلتين من مكة.
والأصل فى المواقيت خبر الصحيحين أن رسول الله ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم.
وقال: هن لهن ولمن أتى عليهن ممن أراد الحج والعمرة ومن كان دون ذلك، فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة، وتوقيت عمر رضى الله عنه ذات عرق لأهل العراق اجتهاد منه وأفق النص (٣).
والأفضل أن يحرم من أول الميقات وهو طرفه الأبعد عن مكة لا من وسطه ولا أخره ليقطع الباقى محرما.
قال السبكى: إلا ذا الحليفة فينبغى أن يكون إحرامه من المسجد الذى أحرم منه النبى ﷺ أفضل.
قال الأذرعى: وهذا حق، إن علم أن ذلك المسجد هو الموجود آثاره اليوم،
стр. 887
والظاهر أنه هو، ويجوز من آخره لوقوع الاسم عليه، ومن سلك طريقا لا ينتهى إلى ميقات مما ذكر فإن حاذى ميقاتا منها يمنة أو يسرة سواء أكان فى البر أم فى البحر لا من ظهره أو وجهه لأن الأول وراءه، والثانى إمامه أحرم من محاذاته لما صح أن عمر رضى الله عنه حد لأهل العراق ذات عرق لما قالوا له إن قرنا المؤقت لأهل نجد جور أى مائل عن طريقنا وان أردناه شق علينا ولم ينكره عليه أحد فإن أشكل عليه الميقات أو موضع محاذاته تحرى إن لم يجد من يخبره عن علم ولا يقلد غيره فى التحرى إلا أن يعجز عنه كالأعمى.
والأفضل لمن فوق الميقات أن يحرم من دويرة أهله لأنه أكثر عملا، إلا الحائض ونحوها، فالأفضل لها الإحرام من الميقات وفى قول الأفضل أن يحرم من الميقات تأسيا به ﷺ فى الإحرام منه (١).
ومن حاذى ميقاتين على الترتيب أحرم من الأول أو معا أحرم من أقربهما إليه، وإن كان الآخر أبعد إلى مكة إذ لو كان أمامه ميقات فإنه ميقاته وأن حاذى ميقاتا أبعد فكذا ما هو بقربه، فإن استويا فى القرب إليه فالأصح أنه يحرم من محاذاة أبعدهما من مكة، وإن حاذى الأقرب إليها أولا كأن كان الأبعد منحرفا أو وعرا، فإن استويا فى القرب إليها وإليه أحرم من محاذاتهما أن لم يحاذ أحدهما قبل الآخر وإلا فمن محاذاة الأول ولا ينتظر محاذاة الآخر كما أنه ليس للمار علي ذى الحليفة أن يؤخر إحرامه إلى الجحفة ومقابل الأصح فى كلام المصنف انه يتخير، فإن شاء احرم من الموضع المحاذى لأبعدهما، وإن شاء لأقربهما (٢).
ولما صح أنه ﷺ أحرم بحجته وبعمرة الحديبية من الحليفة، وإنما جاز قبل الميقات المكانى دون الزمانى لأن تعلق العبادة بالوقت أشد منه بالمكان ولأن المكانى يختلف باختلاف البلاد بخلاف الزمانى، والأفضل للمكى الإحرام منها، وألا يحرم من خارجها من جهة اليمن، وينبغى ألا يكون إحرام المصريين من رابغ مفضولا، وأن كانت قبل الميقات لأنه لعذر وهو إبهام الجحفة على أكثرهم وعدم وجود ماء فيها وخشية من قصدها علي ماله ونحوه.
وميقات العمرة المكانى لمن هو خارج الحرم ميقات الحج للخبر المار فيمن أراد الحج والعمرة. ومن هو بالحرم مكيا أو غيره يلزمه الخروج إلى أدنى الحل ولو بخطوة (أى بقليل) من أى جانب شاء للجمع فيها بين الحل والحرم، لما صح من أمره ﷺ عائشة بالخروج إليه للإحرام بالعمرة مع ضيق الوقت برحيل الحاج فإن لم يخرج إلى أدنى الحل وأتى بأفعال العمرة بعد إحرامه بها فى الحرم انعقدت عمرته جزما وأجزأته
стр. 888
هذه العمرة عن عمرته فى الأظهر لانعقاد إحرامه وإتيانه بالواجبات (١).
مذهب الحنابلة:
قال الحنابلة الميقات المكانى، ميقات أهل المدينة من ذى الحليفة وأهل الشام ومصر والمغرب من الجحفة وأهل اليمن من يلملم وأهل الطائف ونجد من قرن وأهل المشرق والعراق وخراسان ذات عرق وميقات أهل نجد اليمن ونجد الحجاز والطائف من قرن، وهذه المواقيت كلها ثابتة بنص حديث ابن عباس السابق ذكره وهى لأهلها المذكورين ولمن مر عليها من غير أهلها ومن كان منزله دون الميقات فميقاته من موضعه، يعني إذا كان مسكنه اقرب إلى مكة من الميقات كان ميقاته مسكنه، وإذا كان الميقات قرية فانتقلت إلى مكان آخر فموضع الإحرام من الأولى وإن انتقل الاسم إلى الثانية لأن الحكم تعلق بذلك الموضع فلا يزول بخرابه.
وقد رأى سعيد بن جبير رضى الله عنه رجلا يريد أن يحرم من ذات عرق فأخذ بيده حتى خرج من البيوت وقطع الوادى فأتى به المقابر، فقال: هذه ذات عرق الأولى. وميقات أهل مكة أو من كان بها إذا أرادوا الإحرام بالحج هو مكة فإذا أرادوا العمرة فمن الحل لا نعلم فى هذا خلافا.
ولذلك أمر النبى صلي الله عليه وسلم عبد الرحمن بن أبى بكر رضى الله عنهما أن يعمر عائشة من التنعيم (متفق عليه) فإن أحرم أهل مكة، وحرمها من مكة أو من الحرم انعقد إحرامهم بالعمرة لأهليتهم له، ومخالفة الميقات لا تمنع الانعقاد. ثم إن خرج إلى الحل قبل إتمام العمرة ولو بعد الطواف أجزأته عمرته عن عمرة الإسلام، فإن أحرم من مكة أو الحرم قارنا فلا دم عليه لأجل إحرامه بالعمرة من مكة تغليبا للحج على العمرة، ومن لم يمر بميقات أحرم إذا علم أنه حاذى أقربها منه لقول عمر رضى الله عنه: انظروا إلى خدرها من قديد (واد وموضع).
والأفضل الاحرام من الميقات، فإن أحرم قبله فلا خلاف فى أنه يصير محرما تثبت فى حقه أحكام الإحرام.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم علي أن من أحرم قبل الميقات أنه محرم، ولكن يكره له ذلك.
أما من أراد دخول الحرم إلى مكة أو غيرها، فإن كان يدخلها لقتال مباح أو خوف أو حاجة متكررة كالحشاش والحطاب وناقل الميرة فلا إحرام عليه. أما المكلف الذى يدخل لغير قتال ولا حاجة متكررة فلا يجوز له تجاوز الميقات غير محرم إلا أن من لا حج عليه كالعبد والصبى والكافر إذا اسلم الكافر أو عتق العبد أو بلغ الصبى بعد مجاوزته الميقات وأرادوا الإحرام فإنهم يحرمون من موضعهم لأنهم أحرموا من الموضع الذى
стр. 889
وجب عليهم الإحرام منه، فأشبهوا المكى (١).
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم الظاهرى: للحج والعمرة مواضع تسمى المواقيت، لا يحل لأحد أن يحرم بالحج ولا بالعمرة قبلها، وهى لمن جاء من جميع البلاد على طريق المدينة أو كان من أهل المدينة ذو الحليفة، ولمن جاء من جميع البلاد أو من الشام أو من مصر على طريق مصر أو على طريق الشام الجحفة، ولمن جاء من طريق العراق منها ومن جميع البلاد ذات عرق، ولمن جاء على طريق نجد من جميع البلاد كلها قرن، ولمن جاء عن طريق اليمن منها أو من جميع البلاد يلملم.
برهان ذلك ما روى عن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام ومصر الجحفة، ولأهل العراق ذات عرق، ولأهل اليمن يلملم.
وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله ﷺ «ثم ذكر المواقيت ومنها، ولأهل نجد قرن المنازل، أما من جاوزه وهو لا يريد حجا ولا عمرة، فليس عليه أن يحرم، فإن تجاوزه بقليل أو بكثير ثم بدا له الحج أو فى العمرة فليحرم من حيث بدا له فى الحج أو العمرة وليس عليه أن يرجع إلى الميقات، ولا يجوز الرجوع إليه وميقاته حينئذ الموضع الذى بدا له فى الحج أو العمرة فلا يحل له أن يتجاوزه إلا محرما، أما من كان منزله بين الميقات ومكة فميقاته من منزله أو من الموضع الذى بدا له أن يحج منه أو يعتمر ومن كان طريقه لا تمر بشئ من هذه المواقيت فليحرم من حيث شاء.
ودخول مكة بلا إحرام جائز، لأن النبى ﷺ إنما جعل المواقيت لمن مر بهن يريد حجا أو عمرة ولم يجعلها لمن لم يرد حجا ولا عمرة، فلم يأمر الله تعالى قط ولا رسوله ﷺ بألا يدخل مكة إلا بإحرام، فهو إلزام ما لم يأت فى الشرع إلزامه.
والدليل ما روى أن ابن عمر رضى الله عنه أنه رجع من بعض الطريق فدخل مكة غير محرم.
وعن ابن شهاب: لا بأس بدخول مكة بغير إحرام، ومن أراد العمرة وهو بمكة إما من أهلها أو من غير أهلها ففرض عليه أن يخرج للإحرام بها الى الحل ولا بد، فيخرج إلى أى حل شاء ويهل بها لأن رسول الله ﷺ أمر عبد الرحمن بن أبى بكر رضى الله عنهما بالخروج من مكة إلى التنعيم ليعتمر منه واعتمر رسول الله ﷺ من الجعرانة فوجب ذلك فى العمرة خاصة (٢).
стр. 890
مذهب الزيدية:
قال الزيدية: الميقات المكانى هو ذو الحليفة لمن جاء من ناحية المدينة، والجحفة للشامى، وقرن للنجدى، ويلملم لليمنى، وذات عرق للعراقى، والحرم للحرمى المكى، ولمن كان مسكنه خلف هذه المواقيت (أى بينها وبين مكة) أن يجعل ميقاته داره.
وهذه المواقيت هى لأهل هذه البلاد التى ضربت لهم ولمن ورد عليها من غير أهلها فهى ميقات له كذلك.
وميقات المكى مكة يهلون منها، لقوله ﷺ «أهل مكة يهلون من مكة». والأفضل من باب داره أو قرب الكعبة.
وميقات المعتمر الحل، والأفضل من الجعرانة لإحرام النبى ﷺ منها سنة هوازن، ثم التنعيم، ثم الحديبية، إذا أراد أن يعتمر منها ثم مساجد عائشة أو مسجد الشجرة، وقيل الحديبية أفضلها لبعده.
وإن أحرم لها من مكة فوجهان، ومن لزمه الحج بعد ترك هذه المواقيت كصبى يبلغ أو كافر يسلم فإن ميقاته موضعه، فإن كان بمكة أحرم منها، وأن كان بمنى استحب له الرجوع إلى مكة ليحرم منها إذا كان لا يخشى فوات الوقوف بذلك وإلا أحرم منها. ويجوز تقديم الإحرام على مكانه إلا لمانع، وهو أن يخشى أن يقع فى شئ من المحظورات لطول المدة فإنه لا يجوز له التقديم، والدائم على الخروج والدخول آلي مكة كالحطاب وجالب اللبن ونحوهم.
واختلف فى الدائم فقال فى الانتصار هو من يدخل فى الشهر مرة، وعن المهدى من يدخلها فى العشر مرة، فهذا لا إحرام عليه، كما أنه لا إحرام على الإمام إذا دخل لحرب الكفار وقد التجئوا إلى مكة ومن كان عليه طواف الزيارة وأراد الدخول لقضائه فإنه لا يلزمه الإحرام (١).
مذهب الإمامية:
قال الإمامية: المواقيت التى وقتها رسول الله ﷺ لأهل الآفاق ستة: ذو الحليفة، وهو الحلفة، والمراد الموضع الذى فيه الماء وبه مسجد الشجرة والإحرام منه أفضل وأحوط للتأسى، وقيل بل يتعين منه لتفسير ذى الحليفة به فى بعض الأخبار، والجحفة وهى الآن لأهل مصر، ويلملم لليمن، وقرن المنازل للطائف، والعقيق، وهو واد طويل يزيد على بريدين للعراق، وأفضله المالخ، وهو أوله من جهة العراق، ثم يليه فى الفضل غمرة، وهو فى وسط الوادى، ثم ذات عرق وهى آخره إلى جهة المغرب، وميقات حج التمتع مكة وحج الأفراد منزله لأنه أقرب إلى عرفات من الميقات مطلقا، وكل من حج على ميقات كالشامى يمر بذى الحليفة فهو له وان لم يكن من أهله.
стр. 891
ولو تعددت المواقيت فى الطريق الواحد كذى الحليفة والجحفة والعقيق بطريق المدنى أحرم من أولها مع الاختيار، ومن ثانيها مع الاضطرار كمرض يشق معه التجريد وكشف الرأس أو ضعف أو حر أو برد بحيث لا يتحمل ذلك عادة، ولو حج على غير ميقات كفته المحاذاة للميقات وهى مسامتته إلى قاصد مكة عرفا إن اتفقت ولو لم يحاذ ميقاته أحرم من قدر تشترك فيه المواقيت، ولا يصح الإحرام قبل الميقات ألا بالنذر وشبهه من العهد واليمين (١).
مذهب الإباضية:
قال الإباضية: المواقيت لأهل المدينة ومن سلك طريقهم ذو الحليفة، ولأهل الشام ومصر والمغرب الجحفة، ولأهل نجد قرن، ولأهل اليمن ومن سلك طريقهم يلملم، ولأهل العراق ذات عرق عند الجمهور، وقيل ميقاتهم العقيق، ولا خلاف فى لزوم الإحرام منها، أى من المواقيت، أى من إحداها، لمار بها إذا أراد حجا أو عمرة. وإلا فقيل يلزمه إن لم يكثر ترددا كحطاب، وقيل مطلقا.
ومن حاذى ميقاتا فى بر أو بحر فميقاته المحاذاة، فالجحفة مثلا ميقات من سلك من أهل المغرب طريق الساحل، فمن مر بها أو عن يمينها أو عن يسارها أو فى البر أو فى البحر فليحرم من مقابلها أو قبله.
وهذه المواقيت المذكورة لغير مكى يقيم بها، ولو أقام اقل من سنة. أما من كان مكيا أو مقيما بها فيحرم بحج من مكة، ويحرم للعمرة إلى الحل من التنعيم أو من الجعرانة أو من الحديبية وهو الأفضل.
ومن قصدها لتجر أو لغيره كقراءة بغير إحرام أساء ولا دم، وقيل أساء وعليه دم، وهو قول الربيع. وعلى الحطاب ومن كثر تردده طواف بعد أن يدخل مكة بلا إحرام، وقيل لا إساءة ولا دم، وجاز لأهل كل ناحية أن يحرم وإن كان إحرامه من ميقات غيره سواء جاء من ناحية ميقات غيره بدون أن يجاوز ميقات نفسه أو جاوز ميقاته ثم أحرم من ميقات غيره (٢).
الميقات الزمانى للإحرام
مذهب الحنفية:
قال الحنفية: أشهر الإحرام بالحج هى أشهر الحج وهى شوال وذو القعدة وعشرة أيام من ذى الحجة عند الإمام ومحمد رضى الله عنهما، لما روى عن العبادلة الثلاثة وهم: عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، كذلك عن عبد الله بن الزبير.
وروى عن النبى ﷺ أنه قال: «يوم الحج الأكبر هو يوم النحر»، فكيف يكون يوم الحج الأكبر ولا يكون من شهره، ولأن وقت الركن
стр. 892
وهو طواف الزيارة يدخل وقته بطلوع الفجر من يوم النحر، فكيف يدخل وقت ركن الحج بعدما خرج الوقت.
وعن أبى يوسف ﵀ قال: شوال وذو القعدة وعشر ليال وتسعة أيام من ذى الحجة، لأن من لم يدرك بعرفة حتى طلع الفجر من يوم النحر فحجه فائت، ولو كان وقته باقيا لما فات، وعشرة من ذى الحجة التي رويت، ولم يذكر فيها المعدود يحتمل أن يراد بها الأيام، ويحتمل أن يراد بها الليإلى كما هى القاعدة اللازمة فى تذكير العدد وتأنيثه.
أما الإحرام بالعمرة فليس له أشهر معينة لما روى عن عطاء ﵀ أنه قال من أحرم بالحج قبل أشهر الحج فليجعلها عمرة (١).
وندبت فى رمضان لما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما «عمرة فى رمضان تعدل حجة».
وكرهت تحريما يوم عرفة قبل الزوال وبعده وهو المذهب، خلافا لما روى عن أبى يوسف ﵀ أنها لا تكره فيه قبل الزوال، ويكره أيضا انشاؤها بالإحرام أربعة أيام بعدها، أى بعد عرفة، ويزاد على الأيام الخمسة كراهة فعلها فى أشهر الحج لأهل مكة ومن بمعناهم، أى من المقيمين ومن فى داخل الميقات، لأن الغالب عليهم أن يحجوا فى سنتهم فيكونوا متمتعين وهم عن التمتع ممنوعون، وبالنسبة للمكى لا منع له عن العمرة المفردة فى أشهر للحج إذا لم يحج فى تلك السنة (٢).
مذهب المالكية:
ووقت الإحرام المأذون فيه شرعا للحج أى ابتداء وقته شوال من أول ليلة عيد الفطر ويمتد لفجر يوم النحر، فمن احرم قبل فجره بلحظة وهو بعرفة فقد أدرك الحج وبقى عليه الإفاضة والسعى بعدها ووقت الإحرام للعمرة أبدا، أى فى أى وقت من العام إلا المحرم بحج فلا يصح إحرامه بعمرة إلا إذا فرغ من جميع أفعاله من طواف وسعى ورمى لجميع الجمرات، إن لم يتعجل وبقدر رميها من اليوم الرابع بعد الزوال إن تعجل، وكره الإحرام بها بعده، أى بعد رميه اليوم الرابع للغروب منه فإن أحرم بها بعده وقبل الغروب صح إحرامه وأخر وجوبا طوافها وسعيها بعده، أى الغروب، وإلا لم يعتد بفعله على المذهب وأعادهما بعده، وإلا فهو باق علي إحرامه أبدا.
وقد جاء فى الشرح الكبير وحاشية الدسوقى عليه تعليقا علي قول خليل ووقته للحج شوال لآخر الحجة أى أن وقته بالنسبة للحج شوال لفجر يوم النحر ويمتد زمن الإحلال منه لأخر الحجة، وليس المراد أن جميع الزمن الذى ذكر وقت لجواز الإحرام لأنه يكره بعد فجر يوم
стр. 893
النحر لأنه حينئذ إحرام للعام القابل قبل وقته (١).
مذهب الشافعية:
قال الشافعية: وقت إحرام الحج لمكى أو غيره شوال وذو القعدة وعشر ليال بالأيام بينها وهى تسعة. فقد قال الشافعى فى مختصر المزنى: أشهر الحج شوال وذو القعدة وتسع من ذى الحجة، وهو يوم عرفة، فمن لم يدركه إلى الفجر من يوم النحر فقد فاته الحج.
وجميع السنة وقت لإحرام العمرة، وجميع أفعالها لخبر الصحيحين أن رسول الله ﷺ اعتمر ثلاث مرات متفرقات فى ذى القعدة، أى فى ثلاثة أعوام، وأنه اعتمر عمرة فى رجب كما رواه ابن عمر، وأنه قال «عمرة فى رمضان تعدل حجة»، وروى أن النبى ﷺ اعتمر فى رمضان وفى شوال فدلت السنة على عدم التأقيت (٢).
مذهب الحنابلة:
قال الحنابلة: وأشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذى الحجة، فيوم النحر منها، وهو يوم الحج الأكبر.
وقال صاحب كشاف القناع: من طلع عليه فجر يوم النحر ولم يقف بعرفة ولو لعذر فاته الحج (٣).
وميقات العمرة الزمانى جميع العام لعدم المخصص لها بوقت دون آخر، ولا يلزمه الإحرام بالعمرة يوم النحر ولا يوم عرفة ولا أيام التشريق (٤).
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم الظاهرى: وأشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة. قال الله تعالى «الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ ٥»، ولا يطلق على شهرين وبعض آخر أشهر، وأيضا فإن رمى الجمار - وهو من أعمال الحج - يعمل اليوم الثالث عشر من ذى الحجة، وطواف الإفاضة - وهو من فرائض الحج - يعمل فى ذى الحجة كله بلا خلاف منهم، فصح أنها ثلاثة أشهر، وظاهر من أن الحج عرفة أن وقت الإحرام يمتد آلي ما قبل وقت الوقوف بعرفة كما سيأتى بعد فى كلامه عن الإحرام قبل أشهر الحج، أما العمرة فهى جائزة فى كل وقّتّ من أوقات السنة، وفى كل يوم من أيام السنة وفى كل ليلة من لياليها لا تحاش شيئا. برهان ذلك ما روى عن عائشة رضى الله عنها أنها اعتمرت ثلاث مرات فى عام واحد (٦).
مذهب الزيدية:
قال الزيديه: الميقات الزمانى، قال فى البحر: ووقته شوال والقعدة وكل العشر الأولى من ذى الحجة، وأما ميقات العمرة
стр. 894
الزمانى. فقال فى البحر: ولا تكره فى وقت من الأوقات إلا فى أشهر الحج وأيام التشريق، وذلك لغير المتمتع والقارن، فلا تكره إلا فى أشهر الحج (١).
مذهب الإمامية:
قال الإمامية: أشهر الحج هى شوال وذو القعدة وذو الحجة، وقيل وعشر من ذى الحجة، وقيل تسع، وحاصل الخلاف إنشاء الحج فى الزمان الذى يعلم إدراك المناسك فيه، وما زاد يصح أن يقع فيه بعض أفعال الحج كالطواف والسعى والذبح وأن يأتى بالحج والعمرة فى عام واحد (٢).
مذهب الإباضية:
قال الإباضية: الميقات الزمانى أصله قول الله تعالى «الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ، فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ، وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ، وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى، وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ».
فقيل شوال وذو القعدة وذو الحجة، وقيل شهران وعشرة أيام، أى ليال من ذى الحجة، أو غلب الأيام، والمقصود الليإلى بدخول ليلة العاشر وأما العمرة فيصح الإحرام بها فى كل شهر من شهور السنة (٣).
الإحرام قبل أشهر الحج
مذهب الحنفية:
قال الحنفية: ويكره الإحرام للحج قبل أشهره، وإن أمن على نفسه من المحظور، وإطلاق الكراهة يفيد التحريم وبه قيدها القهستانى ونقل عن التحفة الإجماع على الكراهة، وبه صرح فى البحر من غير تفصيل بين خوف الوقوع فى محظور أولا.
قال: ومن فصل كصاحب الظهيرية قياسا على الميقات المكانى فقد أخطأ، لكن نقل القهستانى أيضا عن المحيط التفصيل ثم قال: وفى النظم عنه أنه يكره ألا عند أبى يوسف ﵀ (٤).
مذهب المالكية:
قال المالكية: كره الإحرام له (أى للحج) قبل شوال، وانعقد كمكانه كما يكره الإحرام قبل مكانه (٥).
مذهب الشافعية:
قال الشافعية: لو أحرم بالحج فى غير وقته كرمضان أو أحرم مطلقا انعقد إحرامه بذلك عمرة مجزئة عن عمرة الإسلام على الصحيح سواء أكان عالما أم جاهلا لشدة تعلق الإحرام ولزومه، فإذا لم يقبل الوقت ما أحرم به انصرف لما يقبله وهو العمرة، ولأنه إذا بطل قصد الحج فيما إذا نواه
стр. 895
بقى مطلق الإحرام، والعمرة تنعقد بمجرد الإحرام، والثانى لا ينعقد عمرة (١).
مذهب الحنابلة:
قال الحنابلة: يكره أن يحرم بالحج قبل أشهره لقول ابن عباس رضى الله عنه من السنة ألا يحرم بالحج إلا فى أشهر الحج، ولأنه أحرم بالعبادة قبل وقتها فأشبه ما لو أحرم قبل الميقات المكانى. فإن فعل بأن أحرم قبل الميقات المكانى أو الزمانى فهو محرم ولا ينعقد، أى ينقلب إحرامه بالحج قبل ميقاته المكانى أو الزمانى عمرة (٢).
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم الظاهرى: الحج لا يجوز شئ من عمله إلا فى أوقاته المنصوصة، ولا يحل الإحرام به ألا فى اشهر الحج قبل وقت الوقوف بعرفة لقول الله تعالى «الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ .. الآية». فنص على أنه أشهر معلومات، ولما روى عن عطاء وطاووس ومجاهد قالوا: لا ينبغى لأحد أن يحرم بالحج فى غير أشهر الحج (٣).
مذهب الزيدية:
قال الزيدية: يكره الاحرام بالحج قبل أشهره ولكنه ينعقد إجماعا.
وقال فى شرح الأزهار: ويجوز تقديم الإحرام على وقته إلا لمانع، وهو أن يخشى أن يقع فى شئ من المحظورات لطول المدة فلا يجوز له التقدم، فإن فعل أثم وأجزأ (٤).
مذهب الإمامية:
قال الشيعة الإمامية: لا يصح الإحرام بالحج بجميع أنواعه أو عمرة التمتع إلا فى أشهر الحج (٥).
مذهب الإباضية:
قال الإباضية: لا يصح الإحرام بالحج إلا فى أشهره، فإن قدم الإحرام علي وقته الزمانى كان عمرة لصحتها فى كل شهر (٦).
مجاوزة الميقات بغير إحرام
مذهب الحنفية:
قسم الحنفية المحرمين إلى ثلاثة أصناف كما سبق:
أما الصنف الأول فميقاتهم ما وقت لهم رسول الله ﷺ ، لا يجوز لأحد منهم أن يجاوز ميقاته إذا أراد الحج أو العمرة إلا محرما، فلو جاوز ميقاتا من المواقيت الخمسة يريد الحج أو العمرة فجاوزه بغير إحرام، ثم عاد قبل أن يحرم وأحرم من الميقات وجاوزه محرما لا يجب عليه دم بالإجماع، لأنه لما عاد إلى الميقات
стр. 896
قبل أن يحرم وأحرم التحقت تلك المجاوزة بالعدم، وصار ابتداء إحرام منه، ولو أحرم بعد ما جاوز الميقات قبل أن يعمل شيئا من أفعال الحج ثم عاد إلى الميقات ولبى سقط عنه الدم، وإن لم يلب لا يسقط وهذا قول أبى حنيفة ﵀.
وقال أبو يوسف ومحمد: يسقط لبى أو لم يلب. وقال زفر: لا يسقط لبى أو لم يلب، وجه قول زفر أن وجوب الدم بجنايته علي الميقات بمجاوزته إياه من غير إحرام، وجنايته لا تنعدم بعوده، فلا يسقط الدم الذى وجب.
ووجه قولهما أن حق الميقات فى مجاوزته إياه محرما لا فى إنشاء الإحرام منه، بدليل أنه لو أحرم من دويرة أهله وجاوز الميقات ولم يلب لا شئ عليه، فدل أن حق الميقات فى مجاوزته إياه محرما لا فى إنشاء الإحرام منه، وبعد ما عاد اليه محرما فقد جاوزه محرما فلا يلزمه الدم.
ولأبى حنيفة ﵀ ما روينا عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال للذى أحرم بعد الميقات: أرجع إلى الميقات فلب، وإلا فلا حج لك، أوجب التلبية من الميقات فلزم اعتبارها، ولأن الفائت بالمجاوزة هو التلبية فلا يقع تدارك الفائت إلا بالتلبية بخلاف ما إذا أحرم من دويرة أهله ثم جاوز الميقات من غير إنشاء الإحرام لأنه إذا أحرم من دويرة أهله صار ذلك ميقاتا له، وقد لبى منه، فلا يلزمه تلبية.
وإذا لم يحرم من دويرة أهله كان ميقاته المكان الذي تجب التلبية منه وهو الميقات المعهود، وما قاله زفر أن الدم إنما وجب عليه بجنايته على الميقات مسلم، لكن لما عاد قبل دخوله فى أفعال الحج فما جنى عليه، بل ترك حقه فى الحال، فيحتاج إلى التدارك، وقد تداركه بالعود إلى التلبية.
ولو جاوز الميقات بغير إحرام فأحرم ولم يعد إلى الميقات حتى طاف شوطا أو شوطين، أو وقف بعرفة أو كان إحرامه بالحج ثم عاد إلى الميقات لا يسقط عنه الدم، لأنه لما اتصل الإحرام بأفعال الحج تأكد عليه الدم فلا يسقط بالعود. ولو عاد إلى ميقات آخر غير الذى جاوزه قبل أن يفعل شيئا من أفعال الحج سقط عنه الدم وعوده إلى هذا الميقات وإلى ميقات آخر سواء وعلى قول زفر لا يسقط على ما ذكرنا.
وروى عن أبى يوسف ﵀ أنه فصل فى ذلك تفصيلا، فقال إن كان الميقات الذى عاد إليه يحاذى الميقات الأول أو أبعد من الحرم يسقط عنه الدم وإلا فلا، والصحيح جواب ظاهر الرواية لما ذكرنا أن كل واحد من هذه المواقيت الخمسة ميقات لأهله ولغير أهله بالنص مطلقا عن اعتبار المحاذاة ولو لم يعد إلى الميقات لكنه افسد إحرامه بالجماع قبل طواف العمرة إن كان إحرامه بالعمرة أو قبل الوقوف بعرفة إن كان إحرامه بالحج سقط عنه ذلك الدم لأنه يجب عليه القضاء وانجبر ذلك كله بالقضاء.
وكذلك إذا فاته الحج فإنه يتحلل بالعمرة وعليه قضاء الحج وسقط عنه ذلك الدم عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر لا يسقط، ولو جاوز الميقات يريد دخول مكة أو الحرم من غير إحرام يلزمه إما حجة
стр. 897
وإما عمرة لأن مجاوزة الميقات على قصد دخول مكة أو الحرم بدون الإحرام لما كان حراما كانت المجاوزة التزاما للإحرام دلالة كأنه قال: لله على إحرام، ولو قال ذلك يلزمه حجة أو عمرة.
وكذا إذا فعل ما يدل على الالتزام كمن شرع فى صلاة التطوع فإن أحرم بالحج أو بالعمرة قضاء لما عليه من ذلك لمجاوزته الميقات ولم يرجع إلى الميقات فعليه دم، لأنه جنى على الميقات لمجاوزته إياه من غير احرام ولم يتداركه فيلزمه الدم جبرا.
فإن أقام بمكة حتى تحولت السنة ثم احرم يريد قضاء ما وجب عليه بدخول مكة بغير إحرام أجزأه فى ذلك ميقات أهل مكة فى الحج بالحرم وفى العمرة الحل، لأنه لما أقام بمكة صار فى حكم أهل مكة فيجزئه إحرامه من ميقاتهم، فإن كان حين دخل مكة عاد فى تلك السنة إلى الميقات فأحرم بحجة عليه من حجة الإسلام أو حجة نذر أو عمرة نذر سقط ما وجب عليه لدخول مكة بغير إحرام استحسانا، والقياس ألا يسقط ألا أن ينوى ما وجب علية لدخول مكة وهو قول زفر ولا خلاف فى أنه اذا تحولت السنة ثم عاد إلى الميقات ثم أحرم بحجة الإسلام أنه لا يجزئه عما لزمه إلا بتعيين النية.
هذا إذا جاوز أحد هذه المواقيت الخمسة يريد الحج أو العمرة أو دخول مكة أو الحرم بغير إحرام.
فأما إذا لم يرد ذلك وإنما أراد أن يأتى بستان بنى عامر أو غيره مما هو داخل الميقات لحاجة فلا شئ عليه، لأن لزوم الحج أو العمرة بالمجاوزة من غير إحرام لحرمة الميقات تعظيما للبقعة وتمييزا لها من بين سائر البقاع فى الشرف والفضيلة فيصير ملتزما للإحرام منه، فإذا لم يرد البيت لم يصر ملتزما للاحرام فلا يلزمه شئ، فإن حصل فى البستان أو فيما وراءه من الحل، ثم بدا له أن يدخل مكة لحاجة من غير إحرام فله ذلك لأنه بوصوله إلى أهل البستان صار كواحد من أهل البستان ولأهل البستان إن يدخلوا مكة لحاجة من غير إحرام، فكذا له.
وقيل أن هذا هو الحيلة فى إسقاط الإحرام عن نفسه.
وروى عن أبى يوسف ﵀ انه لا يسقط عنه الإحرام ولا يجوز له أن يدخل مكة بغير إحرام ما لم يجاوز الميقات بنية أن يقيم بالبستان خمسة عشر يوما فصاعدا لأنه لا يثبت للبستان حكم الوطن فى حقه ألا بنية مدة الإقامة.
وإما الصنف الثانى: فميقاتهم للحج والعمرة دويرة أهلهم فلا يجوز لهم أن يجاوزوا ميقاتهم للحج أو العمرة إلا محرمين، والحل الذى بين دويرة أهلهم وبين الحرم كشئ واحد، فيجوز إحرامهم إلى آخر أجزاء الحل، كما يجوز إحرام الآفاقى من دويرة أهله إلى آخر أجزاء ميقاته، فلو جاوز أحد منهم ميقاته يريد الحج أو العمرة فدخل الحرم من غير إحرام فعليه دم، ولو عاد إلى الميقات قبل أن يحرم أو بعد ما أحرم فهو على التفصيل
стр. 898
والاتفاق، والاختلاف الذى ذكرنا فى الأفاقى إذا جاوز الميقات بغير إحرام، وكذلك الأفاقى إذا حصل فى البستان أو المكى إذا خرج إليه فأراد أن يحج أو يعتمر فحكمه حكم أهل البستان. وكذلك البستاني أو المكي إذا خرج إلى الأفاق لا تجوز مجاوزته ميقات أهل الآفاق وهو يريد الحج أو العمرة إلا محرما لما روينا من الحديث، ويجوز لمن كان من أهل الميقات وما بعده دخول مكة لغير الحج أو العمرة بغير إحرام عندنا لما روى عن النبى ﷺ انه رخص للحطابين أن يدخلوا مكة بغير إحرام وعادة الحطابين انهم لا يتجاوزون الميقات.
وروى عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه خرج من مكة إلى قديد فبلغه خبر فتنة بالمدينة فرجع ودخل مكة بغير إحرام.
وأما الصنف الثالث: فميقاتهم للحج الحرم وللعمرة الحل. وان شاء أحرم من دويرة أهله للحج أو حيث شاء من الحرم، ويحرم للعمرة من الحل وهو التنعيم أو غيره.
أما الحج فلقول الله تعالى: «وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ» (١). وان شاء أحرم من الأبطح أو حيث شاء من الحرم، لكن من المسجد أولى لأن الإحرام عبادة وإتيان العبادة فى المسجد أولى كالصلاة.
وأما العمرة فلما روى أن رسول الله ﷺ لما أراد الإفاضة من مكة دخل على عائشة رضى الله عنها وهى تبكى، فقالت: أكل نسائك يرجعن بنسكين وأنا أرجع بنسك واحد.
فأمر أخاها عبد الرحمن بن أبى بكر رضى الله عنه أن يعتمر بها من التنعيم.
ولو ترك المكى ميقاته فأحرم للحج من الحل وللعمرة من الحرم يجب عليه الدم إلا إذا عاد وجدد التلبية أو لم يجدد على التفصيل والاختلاف الذى ذكرنا فى الأفاقى. ولو خرج من الحرم إلى الحل ولم يجاوز الميقات ثم أراد أن يعود إلى مكة له أن يعود إليها من غير إحرام لأن أهل مكة يحتاجون إلى الخروج إلى الحل للاحتطاب والاحتشاش والعود إليها، فلو ألزمناهم الإحرام عند كل خروج لوقعوا فى الحرج (٢).
مذهب المالكية:
قال المالكية: وجب على المحرم المكلف الحر إذا أراد دخول مكة فلا يدخلها إلا بإحرام بأحد النسكين وجوبا ولا يجوز له تعدى الميقات بلا إحرام إلا أن يكون من المترددين أو يعود لها بعد خروجه منها من مكان قريب لم يمكث فيه كثيرا فلا يجب عليه كالعبد وغير المكلف كصبى ومجنون ومتي تعدى الميقات بلا إحرام وجب عليه الرجوع إلى الميقات ليحرم منه كما يجب عليه أيضا الرجوع أن دخل مكة ما لم
стр. 899
يحرم بعد تعدى الميقات، فإن أحرم لم يلزمه الرجوع وعليه الدم لتعدية الميقات حلالا ولا يسقط عنه الدم برجوعه له بعد الإحرام ولا دم عليه إذا رجع للميقات فأحرم منه إذا لم يحرم بعد تعدية.
ويستثنى من وجوب الرجوع أن يمنعه من الرجوع عذر كخوف فوات لحجه أو فوات رفقة أو خاف على نفس أو مال أو عدم قدرة علي الرجوع فلا يجب عليه الرجوع، ويلزمه الدم لتعدية الميقات حلالا وكراجع له بعد إحرامه عليه الدم ولا ينفعه الرجوع بعده، فأولى إذا لم يرجع فمتعدى الميقات حلالا إذا لم يرجع له قبل إحرامه يلزمه الدم فى جميع الحالات ولو فسد حجه أو كان عدم الرجوع لعذر إلا أن يفوته الحج بطلوع فجر يوم النحر قبل وصوله عرفه فتحلل منه بعمرة بأن نوى التحلل منه بفعل عمرة وطاف وسعى وحلق بنيتها (أى بنية العمرة فلا دم عليه للتعدى فإن لم يتحلل بالعمرة وبقى على احرام لقابل لم يسقط عنه (١).
مذهب الشافعية:
قال الشافعية: من جاوز ميقاتا من المواقيت المنصوص عليها أو موضعا جعل ميقاتا، وإن لم يكن ميقاتا اصليا غير مريد نسكا ثم أراده فميقاته موضعه، ولا يكلف العود إلى الميقات، ومن وصل إليه مريدا نسكا لم تجز مجاوزته إلى جهة الحرم بغير إحرام إجماعا، ويجوز مجاوزته بلا إحرام آلي جهة اليمنة أو اليسرة عندئذ ويحرم إذا أراد الاتجاه إلى الحرم من مثل ميقات بلده أو ابعد كما ذكره الماوردى فان خالف وفعل ما منع منه بأن جاوزه إلي جهة الحرم لزمه العود ليحرم منه، لأن الإحرام منه كان واجبا عليه فتركه، وقد أمكنه تداركه فيأتى به فلو عاد إلى مثل مسافته من ميقات آخر جاز .. قاله الماوردى وغيره.
ولا يجب تأخير الإحرام إلى العود بل يجوز له أن يحرم حيث هو قبل العودة ويعود إلى الميقات محرما ويسقط عنه الدم عملا بالأصح كما تقدم ولا فرق فى المجاوزة بين العمد والسهو والعلم والجهل إذ المأمورات لا يفترق فيها الحال بين العمد وغيره كنية الصلاة لكن لا آثم علي الجاهل والناسى ولا يقدح فيما ذكر فى الساهى أنه بسهوه عن الإحرام يستحيل كونه فى تلك الحالة مريدا للنسك إذ يمكن تصويره بمن أنشأ سفره من محله قاصدا له وقصده مستمر فسها عنه حين المجاوزة، واستثنى من لزوم العود ما إذا كان هناك عذر كضيق الوقت أو خوف الطريق أو وجود مرض شاق أو خوف انقطاع عن رفقته، فلا يلزمه العود حينئذ، بل يريق دما.
والأوجه ما قاله الأذرعى من تحريم العود عليه لو علم أنه لو عاد لفاته الحج ولو كان ماشيا ولم يتضرر بالمشى، فهل يلزمه العود أم لا. قضية كلامهم لزومه ونظر فيه الإسنوى وقال المتجه أنه أن كان على دون مسافة القصر لزمه وإلا فلا كما قلنا فى الحج ماشيا فإن لم يعد لعذر أو غيره لزمه بتركه الاحرام من الميقات
стр. 900
دم لقول ابن عباس رضى الله عنه من نسى من نسكه شيئا أو تركه فليهرق دما رواه مالك وغيره بإسناد صحيح.
ولو مر صبى أو عبد بالميقات غير محرم مريدا للنسك ثم بلغ أو عتق قبل الوقوف فلا دم عليه على الصحيح، أفاده البدر ابن شهبة فى العبد، وابن قاسم فيهما فى شرحيهما الكتاب وإن أحرم من جاوز الميقات غير محرم ثم عاد له، فالأصح أنه ان عاد إليه قبل تلبسه بنسك سقط الدم عنه، وإلا بأن عاد بعد تلبسه بنسك ولو طواف قدوم فلا يسقط الدم عنه لتأدى النسك باحرام ناقص، وحيث لم يجب بعوده لم تكن مجاوزته محرمة كما جزم به المحاملي والرويانى (١).
مذهب الحنابلة:
قال الحنابلة: من جاوز الميقات مريدا للنسك غير محرم فعليه أن يرجع إليه ليحرم منه أن أمكنه سواء تجاوزه عالما به أو جاهلا علم تحريم ذلك أو جهله، فإن رجع إليه فأحرم منه فلا شئ عليه لا نعلم فى ذلك خلافا وبه يقول جابر بن يزيد والحسن وسعيد بن جبير لأنه أحرم من الميقات الذى أمر بالاحرام منه فلم يلزمه شئ كأنه لم يتجاوزه، وإن أحرم بعد الميقات فعليه دم سواء رجع إلى الميقات أو لم يرجع لما روى ابن عباس عن رسول الله ﷺ أنه قال «من ترك نسكا فعليه دم» ولأنه أحرم دون ميقاته فاستقر عليه الدم كما لو لم يرجع وفارق ما إذا رجع قبل إحرامه فأحرم منه فإنه لم يترك الإحرام منه ولم يهتكه ولو أفسد من أحرم من دون الميقات حجه لم يسقط عنه الدم لأنه واجب عليه بموجب هذا الإحرام فلم يسقط بوجوب القضاء كبقية المناسك، وإما المجاوز للميقات ممن لا يريد النسك فعلى قسمين:
أحدهما: لا يريد دخول الحرم بل يريد حاجة فيما سواه، فهذا لا يلزمه الإحرام بغير خلاف، ولا شئ عليه فى ترك الإحرام، وقد أتى النبى ﷺ بدرا مرتين، وكانوا يسافرون للجهاد وغيره فيمرون بذى الحليفة فلا يحرمون ولا يرون بذلك بأسا. ثم متى بدا له الإحرام وتجدد له العزم عليه أحرم من موضعه ولا شئ عليه، هذا ظاهر كلام الخرقى. وحكى ابن المنذر عن أحمد فى الرجل يخرج لحاجته وهو لا يريد الحج فجاوز ذا الحليفة، ثم أراد الحج يرجع إلى ذى الحليفة فيحرم، وبه قال إسحاق.
ولأنه أحرم بعد الميقات فلزمه الدم كالذى يريد دخول الحرم. قال فى المغنى: والأول أصح.
والقسم الثانى: من يريد دخول الحرم إما إلى مكة أو غيرها فهم علي ثلاثة أضرب.
أحدها: من يدخلها لقتال مباح أو من خوف أو لحاجة متكررة فهؤلاء لا إحرام عليهم، لأن رسول الله ﷺ دخل يوم فتح مكة حلالا وعلى رأسه
стр. 901
المغفر، وكذلك أصحابه، ولم نعلم أحدا منهم أحرم يومئذ.
والنوع الثانى: من لا يكلف الحج كالعبد والصبى والكافر إذا أسلم بعد مجاوزة الميقات أو عتق العبد .. وبلغ الصبى وأرادوا الإحرام فإنهم يحرمون من موضعهم ولا دم عليهم.
والنوع الثالث: المكلف الذى يدخل لغير قتال ولا حاجة، فلا يجوز له تجاوز الميقات غير محرم منه، ومن دخل الحرم بغير إحرام ممن يجب عليه الإحرام فلا قضاء عليه، ومن كان منزله دون الميقات خارجا من الحرم فحكمه فى مجاوزة قريته إلى ما يلى الحرم حكم المجاوز للميقات فى هذه الأحوال الثلاثة: لأن موضعه ميقاته ومن جاوز الميقات غير محرم فخشى أن رجع آلي الميقات فاته الحج أحرم من مكانه وعليه دم، وإنما أبحنا له الإحرام من موضعه مراعاة لأدراك الحج (١).
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم الظاهرى: كل من مر على أحد هذه المواضع (أى المواقيت) وهو يريد الحج أو العمرة فلا يحل له أن يتجاوزه إلا محرما، فإن لم يحرم منه فلا إحرام له ولا حج له ولا عمرة له، ألا أن يرجع آلي الميقات الذى مر عليه فينوى الإحرام منه فيصح حينئذ إحرامه وحجه وعمرته.
ومن كان من أهل الشام أو مصر فما خلفهما، فأخذ على طريق المدينة، وهو يريد حجا أو عمرة، فلا يحل له تأخير الإحرام من ذى الحليفة ليحرم من الجحفة فإن فعل فلا حج له ولا إحرام له ولا عمرة له إلا أن يرجع إلى ذى الحليفة فيجدد منها إحراما فيصح حينئذ إحرامه وحجه وعمرته فمن مر على أحد هذه المواقيت وهو لا يريد حجا ولا عمرة فليس عليه أن يحرم فإن تجاوزه بقليل أو بكثير، ثم بدا له فى الحج أو فى العمرة فليحرم من حيث بدا له فى الحج أو العمرة، وليس عليه أن يرجع آلي الميقات، ولا يجوز له الرجوع إليه وميقاته حينئذ الموضع الذى بدا له فى الحج أو العمرة، فلا يحل له أن يتجاوزه إلا محرما، فإن فعل ذلك فلا إحرام له ولا حج له ولا عمرة له إلا أن يرجع إلى ذلك الموضع فيجدد منه إحراما (٢).
أما من أراد دخول مكة بلا إحرام فذلك جائز، لأن النبى ﷺ إنما جعل المواقيت لمن مر بهن يريد حجا أو عمرة ولم يجعلها لمن لم يرد حجا ولا عمرة فلم يأمر الله تعالى قط ولا رسوله ﵊ بألا يدخل مكة إلا بإحرام فهو إلزام ما لم يأت فى الشرع إلزامه.
والدليل ما روى عن ابن عمر أنه رجع من بعض الطريق فدخل مكة غير محرم.
وعن ابن شهاب: لا بأس بدخول مكة بغير احرام (٣).
стр. 902
مذهب الزيدية:
قال الزيدية: لا يجوز للآفاقى الحر المسلم مجاوزة الميقات إلى الحرم إلا بإحرام، أما غير الأفاقى، وهو من كانت داره بعد الميقات، فإنه يجوز له دخول مكة من غير إحرام إذا لم يدخل لأحد النسكين إلا أن يأتى من خارج الميقات يريد دخول مكة، وأما العبد فإنه يجوز له دخول مكة لو كان آفاقيا من غير إحرام إذا منعه سيده.
وأما الكافر فإنه لا يحرم لدخول مكة لأنه لا ينعقد إحرامه مع الكفر ولا يلزمه دم عندنا، ومن جاوز الميقات غير قاصد لدخول الحرم المحرم بل قصده أن يصل دونه ويرجع، فإن هذا لا يلزمه الإحرام لمجاوزة الميقات، فلو عزم على دخول مكة بعد أن جاوز الميقات فلا يلزمه أن يحرم للدخول عند بعضهم، وهو المختار فى الأزهار، لأن الشرط أن يكون مريدا عند مجاوزته الميقات أن يقصد مجاوزته إلى الحرم، وهذا غير قاصد، ومن لزمه الإحرام وجاوز الميقات من غير إحرام، فقد عصى، ولزمه دم، لأجل المجاوزة، ولو عاد آلي الميقات بعد المجاوزة لم يسقط عنه الدم إن كان قد أحرم بعد مجاوزة الميقات، أما لو عاد آلي الميقات قبل أن يحرم ثم أحرم من الميقات سقط وجوب الدم وإن فاته عامه الذى جاوز الميقات فيه من غير إحرام ثم بقى علي ترك الإحرام حتى خرج ذلك العام فإنه يلزمه قضاؤه فى المستقبل بأن يحرم ناويا قضاء ما فاته من الإحرام الذى وجب عليه بمجاوزة الميقات (١).
مذهب الإمامية:
قال الإمامية: لا يجوز لمكلف أن يتجاوز الميقات بغير إحرام عدا من يتكرر دخوله ومن دخلها بقتال، ومن ليس بقاصد مكة عند مروره على الميقات ومتى تجاوزه غير هؤلاء بغير إحرام فيجب الرجوع إليه مع الإمكان، فلو تعذر بطل نسكه إن تعمد مجاوزته بغير إحرام عالما بوجوبه، ووجب عليه قضاؤه وإن لم يكن مستطيعا بل كان سببه إرادة الدخول فإن ذلك موجب له كالمنذور.
نعم، لو رجع قبل دخول الحرم فلا قضاء عليه وان أثم بتأخير الإحرام وألا يكن متعمدا بل نسى أو جهل ولم يكن قاصدا مكة، ثم بدا له قصدها أحرم من حيث أمكن ولو دخل مكة معذورا ثم زال عذره بذكره وعلمه ونحوهما، خرج إلى أدنى الحل وهو ما خرج عن منتهى الحرم إن لم يمكنه الوصول إلى أحد المواقيت فإن تعذر الخروج إلى أدنى الحل فمن موضعه بمكة ولو أمكن الرجوع إلى الميقات وجب لأنه الواجب بالأصالة وإنما قام غيره مقامه للضرورة، ومع إمكان الرجوع إليه لا ضرورة، ومن اكتملت أهليته بالبلوغ والعتق بعد تجاوز الميقات فكمن لا يريد النسك (٢).
стр. 903
مذهب الإباضية:
قال الإباضية: من جاوز الميقات ولم يحرم لزمه الرجوع والإحرام منه، ذاكرا أو ناسيا، عالما أو جاهلا، وإذا رجع وأحرم منها فلا دم عليه، وقيل عليه دم، وان خاف لفوت الحج أو منعه مانع عن الرجوع فليحرم حيث ذكر من نسيان أو علم من جهل أو تاب من عمد فى الحرم، ولو فى مكة أو قبله ولزمه دم، هذا مذهبنا.
ومن ترك الإحرام أصلا لزمه دم، وقيل أن كان لحج فسد حجه وهو الصحيح، وهو مذهبنا.
وفى التاج من جاوز ميقاتا يريد حجاً أو عمرة لم يجز له، ولزمه دم، ويرجع إليه ويحرم منه وقيل لا دم عليه، إن رجع قبل أن يدخل الحرم، وقيل ولو دخله ما لم يدخل بيوت مكة لا دم عليه إن رجع قبل الطواف بالبيت، وقيل ومن عتق داخل الميقات أو بلغ وقد احرم منه أجزأه وألا بأن لم يكن كذلك وأراد الإحرام بحج أو عمرة رجع إليه، وأجيز أن يحرم من محله.
ثم قال فى التاج أيضا: من جاوز ميقاتا غير مريد الحج أو العمرة ثم أراد أحدهما فليحرم من حيث أراد أحدهما، وهو الأصح. وقيل عليه الرجوع ومن قصد مكة لتجارة أو غيرها كقراءة ولم يحرم أساء ولا دم عليه وقيل أساء وعليه دم، ثم قال: وجاز لأهل كل ناحية أن يحرموا ولو من ميقات غيرهم سواء جاءوا من ناحية ميقات غيرهم بدون أن يجاوزوا ميقات أنفسهم أو جاوزوا ميقاتهم، ثم أحرموا من ميقات غيرهم مثل أن يترك المدنى ذا الحليفة ويحرم من الجحفة وأما إذا كان يجاوز ميقاته ويمر بعد ذلك فى طريقه على ميقات آخر لحاجة دعته للمرور عليه فله أن يؤخر الإحرام إلى الثانى (١).
ما يحظر وما لا يحظر فى الاحرام
مذهب الحنفية:
قال فى البدائع: إن محظورات الإحرام «فى الأصل» نوعان:
نوع لا يوجب فساد الحج، ونوع يوجب فساده، أما الذى لا يوجب فساد الحج فأنواع، بعضها يرجع إلى اللباس وبعضها يرجع إلى الطيب وما يجرى مجراه من إزالة الشعث وقضاء التفث، وبعضها يرجع إلى توابع الجماع، وبعضها يرجع إلى الصيد.
أما الأول: فالمحرم لا يلبس المخيط جملة ولا قميصا ولا قباء ولا جبة ولا سراويل ولا عمامة ولا قلنسوة، ولا يلبس خفين إلا ألا يجد نعلين فلا بأس أن يقطعهما أسفل الكعبين فيلبسهما، ولا يلبس من الثياب شيئا مسه الزعفران ولا الورس، وإنما يمنع المحرم من لبس المخيط إذا لبسه على الوجه المعتاد، فإما إذا لبسه لا على الوجه المعتاد فلا يمنع منه بأن أتشح بالقميص أو أتزر بالسراويل لأن معنى الارتفاق بمرافق المقيمين والترفه فى اللبس لا يحصل به، ولأن لبس
стр. 904
القميص والسراويل على هذا الوجه فى معنى الارتداء والانزار لأنه يحتاج فى حفظه إلى تكلف كما يحتاج إلى التكلف فى حفظ الرداء والإزار، وهذا غير ممنوع عنه، ولو أدخل منكبيه فى القباء ولم يدخل يديه فى كميه جاز له ذلك فى قول أصحابنا الثلاثة.
وقال زفر: لا يجوز، ولا يلبس الجوربين لأنهما فى معنى الخفين ولا يغطى رأسه بالعمامة ولا غيرها مما يقصد به التغطية لأن المحرم ممنوع عن تغطية رأسه بما يقصد به التغطية ولو حمل على رأسه شيئا، فإن كان مما يقصد به التغطية من لباس الناس لا يجوز له ذلك لأنه كاللبس وأن كان مما لا يقصد به التغطية فلا بأس بذلك لأنه لا يعد ذلك لبسا ولا تغطية، وكذا لا يغطى الرجل وجهه عندنا، وإما المرآة فلا تغطى وجهها، وكذا لا بأس أن تسدل على وجهها بثوب وتجافيه عن وجهها ولا يلبس ثوبا صبغ بورس أو زعفران وأن لم يكن مخيطا، ولأن الورس والزعفران طيب، والمحرم ممنوع من استعمال الطيب فى بدنه، ولا يلبس المعصفر وهو المصبوغ بالعصفر عندنا هذا إذا لم يكن مغسولا، فإما إذا كان قد غسل حتى صار لا ينفض فلا بأس به لما روى عن ابن عباس رضى الله عنه عن النبى ﷺ أنه قال لا بأس أن يحرم الرجل فى ثوب مصبوغ بورس أو زعفران قد غسل وليس له نفض ولا ردغ.
وقال أبو يوسف ﵀ فى الإملاء:
لا ينبغى للمحرم أن يتوسد ثوبا مصبوغا بالزعفران ولا الورس ولا ينام عليه لأنه يصير مستعملا للطيب فكان كاللبس ولا بأس بلبس الخز (وهو ما نسج من حرير وصوف) والصوف والقصب والبردى وان كان ملونا كالعدنى وغيره لأنه ليس فيه اكثر من الزينة، والمحرم غير ممنوع من ذلك، ولا بأس أن يلبس الطيلسان لأن الطيلسان ليس بمخيط، ولا يزره، ويكره أن يخلل الازار بالخلال، وأن يعقد الإزار، لما روى أن رسول الله ﷺ رأى محرما قد عقد ثوبه بحبل فقال له «انزع الحبل».
ولا بأس أن يتحزم بعمامة يشتمل بها ولا يعقدها، لأن اشتمال العمامة عليه اشتمال غير المخيط، فأشبه الاتشاح بقميص، فإن عقدها كره له ذلك لأنه يشبه المخيط كعقد الإزار، ولا بأس بالهميان (وهو وعاء للدراهم) والمنطقة للمحرم سواء كان فى الهميان نفقته أو نفقة غيره وسواء كان شد المنطقة بالأبزيم أو بالسيور.
وعن أبى يوسف ﵀ فى المنطقة إن شده بالأبزيم يكره وإن شده بالسيور لا يكره، وجه رواية أبى يوسف إن الأبزيم مخيط فالشد به يكون كزر الإزار بخلاف السير، ولا بأس أن يستظل المحرم بالفسطاط عند عامة العلماء، ولنا ما روى عن عمر رضى الله عنه انه كان يلقى على شجرة ثوبا أو نطعا فيستظل به. وروى
стр. 905
أنه ضرب لعثمان رضى الله عنه فسطاط بمنى فكان يستظل به.
ولأن الاستظلال بما لا يماسه بمنزلة الاستظلال بالسقف وذا غير ممنوع عنه، فإن دخل تحت ستر الكعبة حتى غطاه فإن كان الستر يصيب وجهه ورأسه يكره له ذلك لأنه يشبه ستر وجهه ورأسه بثوب، وإن كان متجافيا فلا يكره لأنه بمنزلة الدخول تحت ظله، ولا بأس أن تفطى المرأة سائر جسدها وهى محرمة بما شاءت من الثياب المخيطة وغيرها، وأن تلبس الخفين غير أنها لا تغطى وجهها ولا بأس لها أن تلبس الحرير والذهب وتتحلى بأى حلية شاءت عند عامة العلماء.
وعن عطاء رضى الله عنه أنه كره ذلك.
والصحيح قول عامة العلماء لما روى أن ابن عمر رضى الله عنه كان يلبس نساءه الذهب والحرير فى الاحرام، والمرأة تساوى الرجل فى الطيب، أما لبس القفازين فلا يكره عندنا وهو قول على وعائشة رضى الله عنهما.
ولنا ما روى أن سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه كان يلبس بناته وهن محرمات القفازين، ولأن لبس القفازين ليس إلا تغطية يديها بالمخيط، وأنها غير ممنوعة عن ذلك فإن لها أن تغطيهما بقميصها وأن كان مخيطا فكذا بمخيط آخر بخلاف وجهها فإنها لا تنتقب.
وأما الذى يرجع إلى الطيب، وما يجرى مجراه، من ازالة الشعث وقضاء التفث، أما الطيب منقول: لا يتطيب المحرم لقول النبى صلي الله عليه وسلم: «المحرم الأشعث الأغبر» والطيب ينافى الشعث.
وروى أن رجلا جاء إلى النبى ﷺ وعليه مقطعان مضمخان بالخلوق فقال: ما اصنع فى حجتى يا رسول الله.
فسكت النبى ﷺ حتي أوحى الله تعالى إليه، فلما سرى عنه قال النبى ﷺ : «أين السائل» فقال الرجل: أنا.
فقال: «اغسل هذا الطيب عنك واصنع فى حجتك ما كنت صانعا فى عمرتك».
وروينا أن محرما وقصت به ناقته فقال النبى صلي الله عليه وسلم: «لا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيبا، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا»، جعل كونه محرما علة حرمة تخمير الرأس والتطيب فى حقه ولا بأس أن يحتجم المحرم ويفتصد ويبط القرحة ويعصب عليه الخرقة ويجبر الكسر وينزع الضرس إذا اشتكى منه، ويدخل الحمام ويغتسل، لما روى أن رسول الله ﷺ احتجم وهو صائم محرم بالقاحة والفصد وبط القرحة والجرح فى معنى الحجامة، ولأنه ليس فى هذه الأشياء إلا شق الجلدة والمحرم غير ممنوع عن ذلك ولأنها من باب التداوى والإحرام لا يمنع من التداوى، وكذا جبر الكسر من باب العلاج والمحرم لا يمنع منه، وكذا قلع الضرس وهو أيضا من باب إزالة الضرر، فيشبه قطع اليد من الأكلة وذا لا يمنع منه المحرم، كذا هذا.
وأما الاغتسال، فلما روى أن رسول الله ﷺ أغتسل وهو محرم وللمحرم أن يكتحل بكحل ليس فيه طيب
стр. 906
وقال ابن أبى ليلى هو طيب وليس لمحرم أن يكتحل به. وهذا غير سديد لأنه ليس له رائحة طيبة فلا يكون طيبا.
وأما ما يجرى مجرى الطيب من إزالة الشعث وقضاء التفث فحلق الشعر وقلم الظفر، أما الحلق فنقول لا يجوز للمحرم أن يحلق رأسه قبل يوم النحر لقول الله تعالى: «وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ … الآية (١)».
وقول النبى صلي الله عليه وسلم:
«المحرم الأشعث الأغبر»، وسئل رسول الله صلي الله عليه وسلم: من الحاج.
فقال: «الشعث التفث» وحلق الرأس يزيل الشعث والتفث، ولأنه من باب الارتفاق بمرافق المقيمين، والمحرم ممنوع عن ذلك، ولأنه نوع نبات استفاد الأمن يسبب الإحرام فيحرم التعرض له كالنبات الذى استفاد الأمن بسبب الحرم، وكذا لا يطلى رأسه بنورة لأنه فى معنى الحلق، وكذا لا يزيل شعرة من شعر رأسه ولا يطليها بالنورة.
والمحرم كما هو ممنوع من حلق رأس نفسه، ممنوع من حلق رأس غيره ألا أنه لما حرم علية حلق رأس غيره يحرم عليه حلق رأس نفسه من طريق الأولى، وسواء كان المحلوق حلالا أم حراما، أما قلم الظفر فنقول لا يجوز للمحرم قلم أظفاره لقول الله تعالى: «ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ، وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ .. ﴾.
الآية (٢)».
وقلم الأظفار من قضاء التفث، رتب الله تعالى قضاء التفث على الذبح لأنه ذكره بكلمة موضوعة للترتيب مع التراخى يقول الله «وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ. ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ.﴾. الآية».
فلا يجوز الذبح، ولأنه ارتفاق بمرافق المقيمين والمحرم ممنوع من ذلك.
وأما الذى يرجع آلي توابع الجماع فيجب علي المحرم أن يجتنب الدواعى من التقبيل واللمس بشهوة والمباشرة والجماع فيما دون الفرج، لقول الله «فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ، وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ .. ﴾. الآية (٣)».
قيل فى بعض وجوه التأويل أن الرفث جميع حاجات الرجال إلي النساء.
وسئلت عائشة رضى الله تعالى عنها عما يحل المحرم من امرأته. فقالت: يحرم عليه كل شئ الا الكلام.
стр. 907
وأما الذى يرجع إلى الصيد فنقول لا يجوز للمحرم أن يتعرض لصيد البر المأكول وغير المأكول عندنا الا المؤذى المبتدئ بالأذى غالبا.
والكلام فى هذا الفصل يقع فى مواضع فى تفسير الصيد أنه ما هو وفى بيان أنواعه وفى بيان ما يحل اصطياده للمحرم وما يحرم عليه وفى بيان حكم ما يحرم عليه اصطياده إذا اصطاده.
أما الأول فالصيد هو الممتنع المتوحش من الناس فى أصل الخلقة، أما بقوائمه أو بجناحه فلا يحرم على المحرم ذبح الإبل والبقر والغنم لأنها ليست بصيد لعدم الامتناع والتوحش من الناس، وكذا الدجاج والبط الذى يكون فى المنازل وهو المسمى بالبط الكسكرى لانعدام معنى الصيد فيهما، وهو الامتناع والتوحش.
فأما البط الذى يكون عند الناس ويطير فهو صيد لوجود معنى الصيد فيه، فالعبرة بالتوحش والاستئناس فى أصل الخلقة.
والكلب ليس بصيد ولا بأس بقتل البرغوث والذباب والحلم والقراد والزنبور لأنها ليست بصيد لانعدام التوحش والامتناع. إلا ترى أنها تطلب الإنسان مع امتناعه منها، وينظر تفصيل ذلك فى مصطلح «صيد».
وأما الذى يوجب فساد الحج، فالجماع لقول الله «فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ، وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ .. ﴾. الآية (١)». عن ابن عباس وابن عمر رضى الله عنهما أن الرفث الجماع وأنه مفسد للحج (٢).
مذهب المالكية:
قال المالكية: يحرم على الأنثى لبس (بضم اللام) محيط، حرة أو أمة، كبيرة أو صغيرة.
ويتعلق الخطاب بولى الصغيرة بسبب تلبثها بالإحرام بحج أو عمرة بكف لا بدن ورجل كقفاز وكيس تدخله فى كفها أو أصبع من أصابع يدها إلا الخاتم فيغتفر لها دون الرجل.
وحرم عليها ستر وجهها أو بعضه ولو بخمار أو منديل، وهذا معنى قولهم «إحرام المرأة فى وجهها وكفيها فقط» وحرمة ستر وجهها إلا لفتنة أى تعلق قلوب الرجال بها فلا يحرم، بل يجب عليها ستره أن ظنت الفتنة بها بلا غرز للساتر بإبرة ونحوها، وبلا ربط له برأسها كالبرقع تربط أطرافه بعقده بل المطلوب سدله على رأسها ووجهها أو تجعله كاللثام وتلقى طرفيه على رأسها بلا غرز ولا ربط.
ثم قال: ويحرم على الذكر ولو غير مكلف ويتعلق الخطاب بوليه لبس محيط (بضم الميم وبالمهملة) أى بأى عضو من أعضائه كيد ورجل وإصبع مطلقا، ورأس وأولى جميع البدن إذا كان محيطا بنسج أو خياطة أو صياغة ونحو ذلك.
стр. 908
بل وان كان محيطا بعقد أو زر كأن يعقد طرفى إزاره أو يجعل له أزرارا أو يربطه بحزام أو خلال بعود ونحوه كخاتم وان بإصبع رجل وحزام بحبل أو غيره وقباء بفتح القاف ممدودا. وقد يقصر وهو الفرجية من جوخ أو غيره وإن لم يدخل يده بكمه بل ألقاه على كتفيه مخرجا يديه من تحته.
وهذا إن جعل أعلاه على منكبيه علي العادة وحرم أيضا على الذكر ستر وجهه ورأسه بأى شئ، وان بنوع خاص وهو المحيط.
ثم استثنى من حرمة المحيط أمرين، الأول مقيد بقصدين، وثانيهما بواحد.
فقال إلا الخف ونحوه مما يلبس فى الرجل كالجرموق والجورب فانه محيط. ولا يحرم على الذكر لبسه لفقد نعل أو غلوه فاحشا إن زاد ثمنه على قيمته عادة أكثر من الثلث وهذا إشارة إلى القيد الأول فإن لم يجد نعلا أو وجده غاليا غلوا فاحشا جاز له لبس الخف ولا فدية.
وأشار للقيد الثانى بقوله إن قطع أسفل من كعب، كما ورد فى السنة سواء كان القاطع له هو أو غيره أو كان من أصل صنعته والا الاحتزام بثوب أو غيره لعمل أى لأجله فلا يحرم ولا فدية عليه، فإن فرغ عمله وجب نزعه وحرم عليهما (أى على الذكر والأنثى) بالإحرام دهن شعر لرأس أو لحية أو دهن جسد لغير علة، وإلا جاز، لأن الضرورات تبيح المحظورات
وان كان الدهان بغير مطيب فأولى بالمطيب، وحرم عليهما إبانة (أى ازالة) ظفر من يد أو رجل لغير عذر، أو إبانة شعر من سائر جسده بحلق أو قص أو نتف أو إبانة وسخ من سائر بدنه إلا ما تحت أظفاره أو الا غسل يديه بمزيله (أى الوسخ) كالأشنان فلا يحرم عليهما أو إلا تساقط شعر من لحية أو رأس أو غيرهما لوضوء أو غسل أو لأجل ركوب الدابة فلا شئ عليه.
وحرم عليهما مس طيب كورس أو دهن مطيب بأى عضو من أعضائه، وإن ذهب ريحه (أى الطيب) فذهاب ريحه لا يسقط حرمة مسه، وإن سقطت الفدية أو كان فى طعام أو فى كحل أو مسه ولم يعلق به ألا إذا طبخ بطعام وأستهلك فى الطبخ بذهاب عينه فيه، ولم يبق سوى ريحه أو لونه كزعفران وورس فلا حرمة ولا فدية ولو صبغ الفم أو كان الطيب بقارورة سدت سدا محكما فلا شئ فيه أن حملها لأنه من الاستصحاب لا المس أو أصابه الطيب من إلقاء ريح أو غيره عليه فلا شئ عليه.
كما يحرم على المحرم قطع أو قلع ما ينبت من الأرض بنفسه كشجر الطرفاء والسلم والبقل البرى إلا الأذخر والسنا والسواك والعصا، وما قصد السكنى بموضعه للضرورة أو إصلاح الحوائط (أى ما قطع لاصلاحها) فإنه جائز.
وحرم بالإحرام تعرض لحيوان برى وكذا
стр. 909
التعرض لبيضه ما دام وحشيا بل وأن استأنس.
ثم استثنى من حرمة التعرض البرى الفأرة، ويلحق بها ابن عرس وكل ما يقرض الثياب من الدواب وإلا الحية والعقرب، ويلحق بها الزنبور، ولا فرق بين صغيرها وكبيرها والحدأة والغراب، فلا يحرم التعرض لما ذكر.
وحرم عليهما الجماع والإنزال ومقدماته ولو علم السلامة من منى ومذى.
وجاز للمحرم تظلل ببناء كحائط وسقيفة وخباء خيمة وشجر ومحارة (أى محمل) ومحفه ولو مكث فيها سائرا أو نازلا، لأن ما عليها من الساتر مسمر أو مشدود عليها بحبال فهى كالقباء.
وجاز له اتقاء شمس أو اتقاء ريح عن وجهه أو رأسه بيد بلا لصوق لليد علي ما ذكر لأنه لا يعد ساترا عرفا بخلاف لصوق اليد فإنه يعد ساترا.
وجاز اتقاء مطر أو برد عن رأسه بمرتفع عنه بلا لصوق من ثوب أو غيره وأولى اليد.
أما الدخول فى الخيمة ونحوها فجائز ولو لغير عذر. أما التظلل بالمرتفع غير اليد فلا يجوز كثوب يرفع على عصا ولو نازلا عند مالك.
ومن ذلك المسطح يجعل فيه أعوادا ويسدل عليها ثوب ونحوه للتظلل.
كما يجوز للمحرم حمل لشئ كحشيش وقفة وغرارة على رأسه لحاجة تتعلق به أو بدوابه كالعلف أو فقر، فيحمل شيئا لغيره بأجره لمعاشه بلا تجارة، والا منع وافتدى.
كما يجوز له شد منطقة بوسطه، والمراد بها حزام يجعل كالكيس يوضع فيه الدراهم وجواز شدها بوسطه مقيد بقيدين أشار للأول بقوله: أن كان لنفقته التى ينفقها على نفسه وعياله ودوابه لا لنفقة غيره ولا لتجارة وأشار إلى الثانى بقوله: وكان الشد على جلده لا على إزاره أو ثوبه وجاز حينئذ إضافة نفقة غيره لها تبعا، كما يجوز للمحرم إبدال ثوبه الذى أحرم به بثوب آخر ولو لقمل فى الأول.
وجاز له بيعه، وجاز له غسله لنجاسته بالماء الطهور فقط دون صابون ونحوه ولا شئ عليه حينئذ لو قتل شيئا من الهوام كالبرغوث، وألا بأن غسله لا لنجاسة أو لنجاسة ولكن بنحو صابون فلا يجوز فإن قتل شيئا أخرج ما فيه إلا أن يتحقق عدم دوابه فلا يحرم غسله بل يجوز مطلقا ولو ترفها أو لوسخ.
وجاز له بط جرح ودمل لإخراج ما فيه من قيح.
وجاز له حك ما خفى من بدنه كرأسه وظهره برفق حتى لا يقع فى محظور. أما ما ظهر له من بدنه فيجوز حكه مطلقا ما لم يكن يوقعه ذلك فى محظور.
وجاز فصد لحاجة ان لم يعصبه وألا بأن عصبه بعصابة ولو لضرورة أفتدى.
стр. 910
وكره وضع وجهه على وسادة ونحوها لا وضع خده عليها وكره شم طيب مذكر وهو ما خفى أثره ويبقى ريحه كريحان وياسمين وورد وسائر أنواع الرياحين لا مجرد مسه فلا يكره، ولا مكث بمكان فيه ذلك ولا استصحابه.
وكره مكث بمكان فيه طيب مؤنث كمسك وعطر وزعفران.
وكره استصحابه فى خرجه أو صندوقه، وكره شمه بلا مس له والا حرم، وكره حجامة بلا عذر ان لم يزل شعرا، والا حرم لغير عذر.
وكره غمس رأس فى ماء خيفة قتل الدواب لغير غسل طلب وجوبا أو ندبا أو استنانا.
وكره تجفيف الرأس بقوة خوف قتل الدواب لا بخفة، فيجوز.
وكره نظر فى مرآه مخافة أن يرى شيئا فيزيله، وفعل شئ من هذه لا فدية فيها وجاز للمحرم أكل صيد صاده حل لحل لنفسه أو لغيره بخلاف ما صاده لمحرم (١).
مذهب الشافعية:
قال الشافعية: إذا احرم الرجل حرم عليه حلق الرأس لقول الله تعالى: «وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ .. ﴾.
الآية (٢)».
ويحرم عليه حلق شعر سائر البدن لأنه حلق ينتظف به وينزفه به، فلم يجز كحلق الرأس.
ويجوز له إن يحلق شعر غير المحرم، لأن نفعه يعود إلى الحلال فلم يمنع منه، كما لو أراد أن يعممه أو يطيبه.
ويحرم عليه أن يقلم أظفاره لأنة جزء ينمى، وفى قطعه ترفيه وتنظيف فمنع الإحرام منه كحلق الشعر.
ويحرم عليه ان يستر رأسه، لما روى ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال فى المحرم الذى خر من بعيره (أى سقط من فوقه):
«لا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا».
ويجوز إن يحمل على رأسه مكتلا (قفة أو نحوها) لأنه لا يقصد به الستر فلم يمنع منه.
ويجوز أن يترك يده على رأسه لأنه يحتاج آلي وضع اليد على الرأس فى المسح فعفى عنه.
ويحرم عليه لبس القميص، لما روى ابن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال فى المحرم «لا يلبس القميص ولا السراويل ولا البرنس ولا العمامة ولا الخف، إلا ألا يجد نعلين فيقطعهما أسفل من الكعبين، ولا يلبس من الثياب ما مسه ورس أو زعفران»، وتجب به الفدية لأنه فعل محظور فى الاحرام
стр. 911
فتعلقت به الفدية كالحلق، ولا فرق بين أن يكون ما يلبسه من الخرق أو الجلود أو اللبود أو الورق، ولا فرق بين أن يكون مخيطا بالإبرة أو ملصقا بعضه إلى بعض لأنه فى معنى المخيط والعباءة والدراعة كالقميص فيما ذكرناه لأنه فى معنى القميص.
ويحرم عليه لبس السراويل لحديث ابن عمر رضى الله عنه وإن شق الإزار وجعل له ذيلين وشدهما على ساقيه لم يجز، لأنهما كالسراويل.
ويجوز أن يعقد عليه إزاره لأن فيه مصلحه له وهو أن يثبت عليه، ولا يعقد الرداء عليه لأنه لا حاجة به إليه، وله أن يغرز طرفيه فى إزاره وان جعل لإزاره حجزة وأدخل فيها التكة واتزر بها جاز، وإن اتزر وشد فوقه تكة جاز.
قال فى الإملاء: وإن زره أو خاطه أو شوكه لم يجز، لأنه يصير كالمخيط وإن لم يجد إزارا جاز أن يلبس السراويل، لما روى ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: «من لم يجد إزارا فليلبس السراويل، ومن لم يجد نعلين فليلبس الخفين، فإن لم يجد رداء لم يلبس القميص لأنه يمكنه أن يرتدى به ولا يمكنه أن يتزر بالسراويل، فإن لبس السراويل ثم وجد الإزار لزمه خلعه ويحرم عليه لبس الخفين للخبر فإن لم يجد نعلين لبس الخفين بعد أن يقطعهما من أسفل الكعبين للخبر فإن لبس الخف مقطوعا من اسفل الكعب مع وجود النعل لم يجز على المنصوص.
ومن أصحابنا من قال يجوز لأنه قد صار كالنعل بدليل انه لا يجوز المسح عليه، وهذا خلاف المنصوص وخلاف السنة.
وما ذكره من المسح لا يصح لأنه وأن لم يجز المسح ألا أنه يترفه به فى دفع الحر والبرد والأذى، ولأنه يبطل بالخف المخرق فإنه لا يجوز المسح عليه ثم يمنع من لبسه ويحرم عليه لبس القفازين ولا يحرم عليه ستر الوجه، لقول النبى ﷺ فى الذى سقط عن بعيره «لا تخمروا رأسه» فخص الرأس بالنهى.
ويحرم على المرأة ستر الوجه، لما روى ابن عمر رضى الله عنهما أن النبى ﷺ نهى النساء فى إحرامهن عن القفازين والنقاب وما مسه الورس والزعفران من الثياب، وليلبسن بعد ذلك ما اختير من ألوان الثياب من معصفر أو خز أو حلى أو سراويل أو قميص أو خف.
ويجوز أن تستر من وجهها ما لا يمكن ستر الرأس الا بستره لأنه لا يمكن ستر الرأس ألا بسترة فعفى عن ستره، فإن أرادت ستر وجهها عن الناس سدلت علي وجهها شيئا لا يباشر الوجه، لما روت عائشة رضى الله عنها قالت كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حاذونا سدلت
стр. 912
إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفنا.
ولأن الوجه من المرآة كالرأس من الرجل ثم يجوز للرجل ستر الرأس من الشمس بما لا يقع عليه، فكذلك المرآة فى الوجه
ولا يحرم عليها لبس القميص والسراويل والخف، لحديث ابن عمر رضى الله عنهما ولأن جميع بدنها عورة إلا الوجه والكفين فجاز لها ستره لما ذكرناه، وهل يجوز لها لبس القفازين .. فيه قولان:
أحدهما: انه يجوز، لأنه عضو يجوز لها ستره بغير المخيط فجاز لها ستره بالمخيط كالرجل.
والثانى: لا يجوز للخبر، وهو حديث أبن عمر السابق، ولأنه عضو ليس بعورة منها فتعلق به حرمة الإحرام فى اللبس كالوحه.
ويحرم عليه استعمال الطيب فى ثيابه وبدنه لحديث ابن عمر رضى الله عنهما أن النبى ﷺ قال ولا تلبس من الثياب ما مسه ورس أو زعفران، ولا يلبس ثوبا مبخرا بالطيب ولا ثوبا مصبوغا بالطيب وإن علق بخفه طيب لأنه ملبوس فهو كالثوب.
ويحرم عليه استعمال الطيب فى بدنه، ولا يجوز أن يأكله ولا أن يكتحل به ولا يستعطيه ولا يحتقن به، فإن استعمله فى شئ من ذلك لزمته الفدية لأنه إذا وجب ذلك فيما يستعمله بالثياب فلأن يجب فيما يستعمله ببدنه أولى، وان كان الطيب فى طعام نظرت فإن ظهر ذلك فى طعمه أو رائحته لم يجز أكله، أما غير المطيب كالزيت والشيرج فإنه يجوز استعماله فى غير الرأس واللحية لأنه ليس فيه طيب ولا تزين.
ويحرم استعماله فى شعر الرأس واللحية لأنه يرجل الشعر ويربيه فإن استعمله فى رأسه وهو أصلع جاز له لأنه ليس فيه تزين وإن استعمله فى رأسه وهو محلوق لم يجز لأنه يحسن الشعر إذا نبت.
ويجوز أن يجلس عند العطار وفى موضع يبخر لأن فى المنع من ذلك مشقة ولأن ذلك ليس بطيب مقصود.
والمستحب أن يتوقى ذلك إلا أن يكون فى موضع قربة كالجلوس عند الكعبة وهى تجمر فلا يكره ذلك لأن الجلوس عندها قربة فلا يستحب تركها لأمر مباح.
وله أن يحمل الطيب فى خرقة أو قارورة والمسك فى نافجة (وهو وعاء المسك) وان مس طيبا فغبقت به رائحته ففيه قولان:
أحدهما: لا فدية عليه لأنه رائحة عن مجارورة فلم يكن لها حكم كالماء إذا تغيرت رائحته بجيفة بقربه.
والثانى: يجب، لأن المقصود من الطيب هو الرائحة وقد حصل ذلك وأن احتاج المحرم إلى اللبس لحر شديد أو برد شديد أو احتاج إلى الطيب لمرض أو إلى حلق الرأس للأذى أو إلى شعر رأسه بعصابة لجراحة عليه أو الى ذبح الصيد للمجاعة لم يحرم عليه.
وإن نبت فى عينه شعرة فقلعها أو نزل شعر الرأس إلي عينه فغطاها فقطع ما غطى
стр. 913
العين أو انكسر شئ من ظفهره فقطع ما لنكسر منه أو صال عليه صيد فقتله دفعا عن نفسه جاز.
ويحرم عليه أن يتزوج وان يزوج غيره بالوكالة والولاية الخاصة، فإن تزوج أو زوج فالنكاح باطل، لما روى عثمان رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لا ينكح المحرم ولا يخطب ولا ينكح». ولأنه عبادة تحرم الطيب فحرمت النكاح كالعدة.
ويحرم عليه الوط ء فى الفرج لقول الله تعالى: «فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ.﴾. الآية»
قال ابن عباس: الرفث الجماع.
ويحرم عليه المباشرة فيما دون الفرج، لأنه اذا حرم عليه النكاح فلأن تحرم المباشرة وهى أدعى الى الوط ء أولى.
ويحرم عليه الصيد المأكول من الوحش الطير، ولا يجوز له أخذه لقول الله تعالى «وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً.﴾.
الآية». فان أخذه لم يملكه بالأخذ لأن لما منع آخذه لحق الغير لم يملكه بالأخذ لن غير أذنه كما لو غصب مال غيره.
ويحرم عليه قتله. ويحرم عليه أن يعين الى قتله، بدلالة أو إعارة آلة، لأن ما حرم قتله حرمت الإعانة علي قتله كالآدمى، ان أعلن على قتله بدلالة أو أعاره آلة فقتل لم يلزمه الجزاء، ولأن ما لا يلزمه حفظه لا يضمنه بالدلالة على إتلافه كمال الغير.
ويحرم عليه أكل صيده، لما روى جابر رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال: «الصيد حلال لكم ما لم تصيدوا أو يصد لكم».
ويحرم عليه آكل ما أعان على قتله بدلالة أو إعارة آلة، لما روى عبد الله بن أبى قتادة رضى الله عنه، قال: كان أبو قتادة فى قوم محرمين، وهو حلال فأبصر حمار وحش فاختلس من بعضهم سوطا فضربه حتي صرعه، ثم ذبحه وأكل هو وأصحابه فسألوا رسول الله ﷺ فقال: «هل أشار إليه أحد منكم».
قالوا: لا. فلم ير بأكله بأسا.
وإن كان الصيد غير مأكول نظرت فإن كان متولدا مما يؤكل كالسبع المتولد بين الذئب والضبع، والحمار المتولد بين حمار الوحش وحمار الأهل، فحكمه حكم ما يؤكل فى تحريم صيده، لأنه اجتمع فيه جهة التجليل والتحريم فغلب التحريم كما غلب جهة التحريم فى أكله، وان كان حيوانا لا يؤكل ولا هو متولد مما يؤكل فالحلال والحرام فيه واحد لقول الله تعالى: «وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً.﴾. الآية» فحرم من الصيد ما يحرم بالإحرام، وهذا لا يكون الا فيما يؤكل، وهل يكره قتله أو لا يكره ينظر فيه فإن كان مما - يضر ولا ينفع كالذئب والأسد والحية والعقرب والفأرة والحدأة والغراب والكلب العقور والبق والبرغوث والقمل والزنبور، فالمستحب أن يقتله لأنه يدفع ضرره عن نفسه وعن غيره، وإن كان مما ينتفع به ويستضر به كالفهد والبازى، فلا يستحب
стр. 914
قتله لما فيه من المنفعة، ولا يكره لما فيه من المضرة.
وإن كان مما لا يضر ولا ينفع كالخنافس والجعلان فإنه يكره قتله ولا يحرم.
وما حرم على المحرم من الصيد حرم عليه بيضه، ويكره للمحرم أن يحك شعره بأظفاره حتى لا ينتثر شعره ويكره أن يفلى رأسه ولحيته.
ويكره أن يكتحل بما لا طيب فيه لأنه زينه، والحج أشعث أغير، فإن احتاج إليه لم يكره لأنه إذا لم يكره ما يحرم من الحلق والطيب للحاجة فلأن لا يكره ما لا يحرم أولى.
ويجوز أن يدخل الحمام ويغتسل بالماء لما روى أبو أيوب رضى الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ يغتسل وهو محرم.
ويجوز أن يغسل شعره بالماء والسدر، لما روى ابن عباس رضى عنه أن رسول الله ﷺ قال فى المحرم الذى سقط عن بعيره «اغسلوه بماء وسدر».
ويجوز أن يحتجم ما لم يقطع شعرا، لما روى ابن عباس رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ احتجم وهو محرم.
ويجوز أن يفتصد أيضا، كما يجوز أن يحتجم.
ويجوز أن يستظل سائرا ونازلا، لما روى جابر رضى الله عنه أن النبى ﷺ أمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة فإذا ثبت جواز ذلك بالحرم نازلا، وجب أن يجوز سائرا قياسا عليه.
ويكره أن يلبس الثياب المصبغة، لما روى أن عمر رضى الله عنه رأى على طلحة رضى الله عنه ثوبين مصبوغين وهو حرام، فقال أيها الرهط أنتم أئمة يقتدى بكم ولو أن جاهلا رأى عليك ثوبيك لقال قد كان طلحة يلبس الثياب المصبغة وهو محرم فلا يلبس أحدكم من هذه الثياب المصبغة فى الإحرام شيئا.
ويكره أن يحمل بازا أو كلبا معلما لأنه ينفر به الصيد، وربما انفلت فقتل صيداً وينبغى أن ينزه إحرامه عن الخصومة والشتم والكلام القبيح لقول الله تعالى:
«فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ، وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ .. ﴾. الآية».
قال ابن عباس الفسوق المنابذة بالألقاب وتقول لأخيك: يا ظالم يا فاسق والجدال أن تمارى صاحبك حتى تغضبه.
وروى أبو هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال «من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كهيئته يوم ولدته أمه» (١).
стр. 915
مذهب الحنابلة:
قال الحنابلة: المحظورات هى ما يحرم على المحرم فعلها بسبب الإحرام، وهى تسعة، أحدها: إزالة الشعر من جميع بدنه ولو من أنفه بحلق أو قلع أو نتف بلا عذر لقول الله تعالى «وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ .. ﴾. الآية» (١). ودخل فى الآية سائر شعر البدن لأنه فى معناه.
الثانى: تقليم الأظافر إلا من عذر، لأنه يحصل به الرفاهية فأشبه إزالة الشعر إلا من عذر، فيباح عند العذر، ويجوز له قص ظفره الذى انكسر لأنه يؤذيه بقاؤه أو وقع بظفره مرض فيجوز له قصه، ويجوز له حك بدنه ورأسه برفق ما لم يقطع شعرا وله غسل رأسه وبدنه، وقد فعل ذلك عمر رضى الله عنه وابنه وأرخص فيه على وجابر رضى الله عنهما. وللمحرم أيضا غسل رأسه بسدر وصابون وأشنان لقوله ﵊ فى المحرم الذى وقصته راحلته «اغسلوه بماء وسدر».
الثالث: تغطية الرأس إجماعاً لنهيه ﷺ المحرم عن لبس العمائم، وقوله فى المحرم الذى وقصته راحلته «لا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا» والأذنان من الرأس، فما كان من الرأس حرام على الرجل تغطيته.
ويجوز تلبيد رأسه بعسل وصمغ ونحوه لئلا يدخله غبار أو دبيب لحديث ابن عمر رضى الله عنه: رأيت رسول الله ﷺ يهل ملبدا، متفق عليه ولا شئ عليه لأنه لم يفعل محظورا ولو كان فى رأسه طيب مما فعله قبل الإحرام لحديث ابن عباس رضى الله عنه كأنى أنظر إلى وبيص المسك فى رأس رسول الله ﷺ ، وهو محرم، وكذلك إن حمل على رأسه شيئا أو وضع يده عليه لأن ذلك لا يدوم أو نصب حياله ثوبا لحر أو برد وسواء أمسكه انسان أو رفعه بعود لما روت أم الحصين، قالت حججت مع رسول الله ﷺ حجة الوداع فرأيت بلالا وأسامة رضى الله عنهما وأحدهما آخذ بخطام ناقته والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة، رواه مسلم وعليه اعتمد القاضى وغيره لأنه يسير لايراد للاستدامة بخلاف الاستظلال بالمحمل وإن استظل بخيمة أو شجرة ولو طرح عليها شيئا يستظل به أو استظل بسقف وجدار ولو قصد به الستر فلا شئ عليه لحديث جابر رضى الله عنه أن النبى ﷺ ضربت له قبة بنمرة فنزلها، رواه مسلم. ولأنه لا يقصد به الترفه فى البدن عادة، وكذا لو غطى الرجل وجهه فيجوز.
الرابع لبس الرجل المخيط قل أو كثر فى بدنه، أو بعضه من قميص وعمامة وسراويل ونحوها، وكالخفين أو أحدهما للرجلين، وكالقفازين لليدين، فإن لم يجد إزارا لبس السراويل، وإن عدم نعلين لبس