← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 8611–8650 · переход к 8616.

стр. 8611

مصطلح "أمر " معنى الأمر في اللغة: الأمر: نقيض النهى. أمره به وأمره وأمره إياه على حذف الحرف يأمره أمرًا وإمارًا فاتمر أي قبل أمره وقوله: وربرب خماص … يأمرن باقتناص إنما أراد أنهن يشوقن من رآهن إلى تصيدهن واقتناصهن وإلا فليس لهن أمر وقوله ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١). العرب تقول: أمرتك أن تفعل ولتفعل وبأن تفعل. فمن قال: أمرتك بأن تفعل فالباء للإلصاق والمعنى وقع الأمر بهذا الفعل. ومن قال: أمرتك أن تفعل فعلى حذف الباء ومن قال: أمرتك لتفعل فقد أخبرنا بالعلة التي لها وقع الأمر والمعنى أمرنا للإسلام. وقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ (٢) قال: الزجاج: أمر الله ما وعدهم به من المجازاة على كفرهم من أصناف العذاب والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فإذا جاء أمرنا وفار التنور﴾ (٣) أي جاء ما وعدناهم به. وأمرته بكذا أمرًا والجمع الأوامر. وإذا أمرت من أمر قلت: مر وأصله أُومر فلما اجتمعت همزتان وكثر استعمال الكلمة حذفت الهمزة الأصلية فزال الساكن فاستغنى عن الهمزة الزائدة وقد جاء على الأصل وفى التنزيل: وأمر أهلك بالصلاة. وفيه خذ العفو وأمر بالعرف. والأمر واحد الأمور يقال أمر فلان مستقيم وأموره مستقيمة والأمر الحادثة والجمع الأمور ولا يفسر على غير ذلك وفى التنزيل: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ (٤). والآمرة: الأمر وهو أحد المصادر التي جاءت على فاعلة كالعافية. وقالوا في الأمر: أومر ومر ونظيره كل وخذ وقيل لا يقال أومر ولا أوخذ وإنما يقال مر وخذ في الابتداء بالأمر استثقالًا الضمتين فإذا تقدم الكلام واو أو فاء. في الأمر خاصة قلت وأمر فأمر. "يراجع اللسان" معنى الأمر في الاصطلاح تمهيد: موضوع علم الأصول عند الجمهور هو الأدلة السمعية الكلية من حيث يتوصل بمعرفتها إلى استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلية الجزئية. وأول مصدر لهذه الأدلة هو القرآن الكريم وهو ينقسم إلى خبر وإنشاء، لكن نظر الأصولى إنما هو الإنشاء لأنه الأصل في ثبوت الأحكام دون الخبر لعدم ثبوت الحكم به غالبًا. فلذلك قسم الأصوليون الكتاب العزيز باعتبار ذاته إلى أمر ونهى. وباعتبار شموله لجميع افراد متعلقه إلى عام وخاص، وباعتبار ظهور دلالته وخفائها إلى مبين ومجمل، وباعتبار كونه رافعًا لحكم آخر أو مرفوعًا به إلى ناسخ ومنسوخ. واكتفوا بهذه الأبحاث في موضوع الكتاب الكريم عن ذكرها في مباحث السنة استنادًا إلى أن ما ثبت للكتاب يثبت للسنة.

стр. 8612

ولما كان الأمر هو قسمان من الكتاب العزيز فقد عنى الأصوليون بالمباحث الخاصة به أيما عناية: والأمر يطلق على اللسانى مثل قوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ وعلى النفس قبل طلب الصلاة القائم بنفس الآمر سبحانه. والأمر الأول اللسانى هو المراد هنا لأنه من الأدلة السمعية التي يبحث عن أحوالها في علم أصول الفقه. والأمر الثاني النفسى نوع من الأحكام الشرعية التي هي عبارة عن الخطابات النفسية القائمة بذات الله سبحانه. والبحث عنه في علم التوحيد. وإنما تعرض بعض الأصوليين له هنا مع أنه ليس من موضوعهم لغلبة علم الكلام عليه وشدة اهتمامهم به واستكمالًا للبحث. وقد عرف الأصوليون الأمر بتعريفات عديدة نبينها فيما يأتى: أولًا: معنى الأمر عند المتكلمين: ١ - الغزالى: (١) الأمر قسم من أقسام الكلام، وحده أنه القول المقتضى طاعة المأمور بفعل المأمور به، وقيل إنه طلب الفعل واقتضاؤه على غير وجه المسألة ممن هو دون الآخر في الدرجة. والقيد الأخير "ذكره بعضهم" احترازًا عن قوله: "اللهم اغفر لى" وعن سؤال العبد من سيده والولد من والده ولا حاجة إلى هذا الاحتراز، بل يتصور من العبد والولد أمر السيد والوالد وإن لم تجب عليهما الطاعة فليس من ضرورة كل أمر أن يكون واجب الطاعة بل الطاعة لا تجب إلا لله تعالى. والعرب قد تقول فلان أمر أياه والعبد أمر سيده ونحوهما ممن يعلم أن طلب الطاعة لا يحسن منه فيرون ذلك أمرًا وإن لم يستحسنوه. وكذلك قوله "اغفر لي" فلا يستحيل أن يقوم بذاته اقتضاء الطاعة من الله تعالى أو من غيره فيكون آمرًا ويكون عاصيًا بأمره. (٢) فإن قيل: قولكم الأمر هو القول المقتضى طاعة المأمور أأردتم به القول اللسانى؟ أم كلام النفس؟ قلنا: الناس فيه فريقان: الفريق الأول هم المثبتون لكلام النفس. وهؤلاء يريدون بالقول ما يقوم بالنفس من اقتضاء الطاعة وهو الذي يكون النطق عبارة عنه ودليلًا عليه. وهو قائم بالنفس وهو أمر بذاته وجنسه ويتعلق بالمأمور به ويُدل عليه تارة بالإشارة والرمز والفعل، وتارة بالألفاظ، وهذه الألفاظ الدالة على معنى الأمر تسمى أمرًا وكأن الاسم مشترك بين المعنى القائم بالنفس وبين اللفظ الدال فيكون حقيقة فيهما. أو يكون حقيقة في المعنى القائم بالنفس وقوله "افعل" يسمى أمرًا مجازًا. الفريق الثاني هم المنكرون لكلام النفس وهؤلاء انقسموا إلى ثلاثة أصناف وتحزبوا على ثلاث مراتب: الحزب الأول: قالوا لا معنى للأمر إلا

стр. 8613

حرف وصوت وهو مثل قوله "افعل" أو ما يفيد معناء وإليه ذهب البلخى من المعتزلة وزعم أن قوله "افعل" أمر لذاته وجنسه وانه لا يتصور أن لا يكون أمرًا. وضعف الغزالى هذا القول. الحزب الثاني: وفيهم جماعة من الفقهاء يقولون: إن قوله "افعل" ليس أمرًا بمجرد صيغته ولذاته بل لصيغته وتجرده عن القرائن الصادقة له عن جهة الأمر إلى التهديد والإباحة وغيره. وضعفه الغزالى أيضًا. الحزب الثالث: من محققى المعتزلة أنه ليس أمرًا لصيغته وذاته ولا لكونه مجردًا عن القرائن مع الصيغة بل يصير أمرًا بثلاث إرادات: إرادة المأمور به، وإرادة إحداث الصيغة. وإرادة الدلالة بالصيغة على الأمر دون الإباحة والتهديد. وقال بعضهم: تكفى إرادة واحدة وهى إرادة المأمور به وأفسد الغزالى هذا القول بأمور أوضحها. ٢ - الآمدى: (١) قال: اتفق الأصوليون على أن اسم الأمر حقيقة في القول المخصوص وإنما وقع الخلاف بينهم في إطلاق اسم الأمر على الفعل: هل هو حقيقة أو لا؟ والأكثرون على أنه مجاز واختيار أبى الحسين البصرى أنه مشترك بين الشئ والصفة وبين جملة الشأن والطرائق ووافق على أنه ليس حقيقة في نفس الفعل من حيث هو فعل بل من حيث هو شئ. وحجة أبى الحسين أن الإنسان إذا قال: "هذا أمر" لم يدر السامع مراده من قوله إلا بقرينة. وهو غير صحيح لكونه مصادرًا بدعوى التردد في إطلاق اسم الأمرء ولا يخفى ظهور المنع من مدعى الحقيقة في القول المخصوص وأنه مهما أطلق اسم الأمر عنده كان المتبادر إلى فهمه القول المخصوص وأنه لا ينصرف إلى غيره إلا بقرينة. (٢) أما حجة القائلين بأنه مجاز في الفعل وحقيقة في القول فقد أوردها وناقشها ثم اختار أنه مشترك معنوى بين القول المخصوص والفعل. لا أنه مشترك لفظى ولا مجاز في أحدهما (٣) وبعد أن انتهى الآمدى من الكلام عن هذا الغلاف انتقل إلى الكلام عن حد الأمر فقال: (٤) وقد اختلف المعتزلة فيه بناء على إنكارهم لكلام النفس. فذهب البلخى وأكثر المعتزلة إلى أن الأمر هو قول القائل لمن دونه "افعل" أو ما يقوم مقامه في الدلالة على مدلوله. وقصد بذلك إدراج صيغة الأمر من غير العربى في الحد. وعقب عليه بأنه فاسد من ثلاثة أوجه: الأول: أن مثل ذلك قد يوجد فيما ليس بأمر بالاتفاق كالتهديد في قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ والإباحة في قوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ إلى غير ذلك من المحامل التي ترد في معاني الأمر.

стр. 8614

الثاني: أنه يلزم من ذلك أن تكون صيغة افعل الواردة من النبي ﷺ نحونا أمرًا حقيقة لتحقق ما ذكروه من شروط الأمر فيها، ويلزم من ذلك أن يكون هو الآمر لنا بها، ويخرج بذلك عن كونه رسولًا. لأنه لا معنى للرسول غيرُ المبلغ لكلام المرسل لا أن يكون هو الآمر والناهى كالسيد إذا أمر عبده وسواء كانت صيغته مخلوقة له أو لله تعالى. الثالث: أنه قد يرد مثل هذه الصيغة من الأعلى للأدنى ولا يكون أمرًا بأن يكون ذلك على سبيل التضرع والخضوع. وقد يرد من الأدنى للأعلى ويكون أمرًا إذا كان على سبيل الاستعلاء لا على سبيل الخضوع والتذلل. لذلك يوصف قائلها بالحمق والجهل بأمره لمن هو أعلى منه رتبة. (١) ونقل الآمدى تعريفين آخرين لبعض المعتزلة مؤداهما أن الأمر هو الصيغة وناقشهما وأبطل القول بهما ثم قال: وما انحسمت عليهم طرق التعريف قال قائلون منهم: الأمر هو إرادة الفعل. وقد أبطله أهل السنة بما لا داعى للإطالة به وموضعه علم الكلام. وانتقل الآمدى بعد ذلك إلى تعريفات أهل عن بعضهم تعريف الأمر بأنه عبارة عن الخبر على الثواب على الفعل تارة والعقاب على الترك تارة. كما نقل تعريف الغزالى السابق ونسبه إلى الأكثرين كالقاضى أبى بكر وإمام الحرمين وغيرهم ثم أبطله لما فيه من تعريف الأمر بالمأمور والمأمور به وهما مشتقان من الأمر. والمشتق من الشئ أخفى من ذلك الشيء. وتعريف الشيء بما لا يعرف إلا بعد معرفة ذلك الشئ محال. (٢) وعن جماعة آخرين أن الأمر هو طلب الفعل على وجه يعد فاعله مطيعًا. وأبطله لما فيه من تعريف الأمر بالطاعة المتعلقة بالفعل والطاعة المتعلقة بالفعل لا تعرف إلا بموافقة الأمر. وهو دور ممتنع. ثم قال: والأقرب في ذلك إنما هو القول الجارى على قاعدة الأصحاب أهل السنة. أن يقال: الأمر طلب الفعل على جهة الاستعلاء .. احترز بطلب الفعل عن النهى وغيره من أقسام الكلام وبقوله "على جهة الاستعلاء" عن الطلب بجهة الدعاء والالتماس. ٣ - البيضاوى والإسنوى قال البيضاوى: (٣) إن المراد هنا لفظ الأمر المكون من الحروف "أ. م. ر" لا مدلولها وهو "افعل" ولا نفس الطلب وعرفه بأنه "القول الطالب للفعل". وشرح الإسنوى ذلك بأن لفظ الأمر يطلق إطلاقًا مجازيًا على الفعل والشأن وغيرهما

стр. 8615

ويطلق حقيقة على "القول الطالب للفعل مطلقا" وإنما كان الإطلاق لأنه "هو المعنى الذي يتبادر الفهم إليه عند الإطلاق" ووضح أن كلمة "القول" جنس في التعريف يدخل فيه الأمر وغيره سواء كان بلغة العرب أم لا وسواء كان نفسانيًا أم لا كما صرح الأصفهانى شارح المحصول. وعنده أن كلمة "القول" أولى من كلمة "اللفظ" لأن اللفظ جنس يعبر لإطلاقه على المهمل والمستعمل بخلاف القول فهو خاص بالمستعمل، ثم إن الكلام أخص من القول. لإطلاق القول على المفرد والمركب وأما الكلام فإنه خاص بالمركب "فالصواب التعبير بالكلام لأن لفظ الأمر وإن كان مفردًا فمدلوله لفظ مركب مفيد فائدة خاصة، واستفدنا من التعبير بالقول أن الطلب بالإشارة والقرائن المفهمة لا يكون أمرًا حقيقة، وقوله "الطالب" احترز به عن الخبر وشبهه وعن الأمر النفسانى فإنه الطلب لا الطالب لكن الطالب حقيقة إنما هو المتكلم؛ وإطلاقه على الصيغة مجاز من باب تسمية المسبب باسم سببه. (١) وقوله "للفعل" احترز به عن النهى فإنه قول طالب للترك. ولقائل أن يقول: النهى قول طالب للفعل أيضا ولكن فعل الضد وسيأتي في كلام البيضاوى حيث قال: مقتضى النهى فعل الضد ولهذا قيده ابن الحاجب بقوله "طلب فعل غير كف" لأن الفعل المطلوب بالنهى هو الكف عن المنهى عنه والكف فعل على الصحيح. وأيضًا يرد على الحد قول القائل: أنا طالب منك كذا أو أوجبته عليك وإن تركته عاقبتك فإن الحد صادق عليه مع أنه خبر فلابد أن يضاف إليه قيد "بالوضع أو بالذات". وقد زاد في المحصول قيدًا آخر إذ قال في تعريفه: الحق في حده أنه اللفظ الدال على الطلب المانع من النقيض لما سيأتي أن الأمر حقيقة في الوجوب. وعقب على ذلك بقوله: الصواب ما قاله المصنف فإن الذي هو حقيقة في الوجوب إنما هو صيغة افعل وكلامنا الآن في لفظ الأمر فهما مسألتان. ثم ذكر البيضاوى (٢) أن المعتزلة تعتبر العلو قيدًا في تعريف الأمر وإن أبا الحسين اعتبر في تعريفه قيد الاستعلاء. ولم يوافقهما على ذلك فقال: ويفسرهما قوله تعالى ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ (٣). ووضح الإسنوى ذلك فقال: (٤) شرط المعتزلة في حد الأمر العلو دون الاستعلاء وتابعهم الشيخ أبو إسحق الشيرازى ونقله القاضي عبد الوهاب في الملخص عن أهل اللغة وجمهور أهل العلم واختاره ثم قال: وشرط أبو الحسين الاستعلاء دون العلو واشتراط الاستعلاء صححه الآمدى في الإحكام منتهى السول ثم ابن الحاجب ونقل عن المحصول أنه الصحيح وصححه أيضا في المنتخب وجزم به في المعالم.

стр. 8616

احتج أبو الحسين ومن تبعه بأن المتضرع لا يصدق عليه أنه آمر بخلاف المستعلى ولهذا يذمونه لكونه يأمر من هو أعلى منه. ولقائل أن يقول: الزم لمجرد الاستعلاء ثم إن الاستعلاء غير متحقق في أمر الله تعالى. فماذا يقولون فيه؟ وشرط القاضي عبد الوهاب العلو والاستعلاء معًا. وأضاف أن أبا الحسين قد نص في المعتمد على أن الشرط هو انتفاء التذلل. ثم أوضح الإسنوى معنى قول البيضاوى "ويفسرهما" إلخ فقال: إنه سبحانه أطلق الأمر على ما يقوله فرعون لقومه عند المشاورة. ومن المعلوم انتفاء العلو والاستعلاء. (١) كما فرق بين العلو والاستعلاء بأن العلو أن يكون الطالب أعلى مرتبة من المطلوب منه وأما الاستعلاء فهو الطلب لا على وجه التذلل بل بغلظة ورفع صوت. فالعلو هيئة في المتكلم والاستعلاء هيئة في الكلام. وبعد أن عرف البيضاوى الأمر بأنه "القول الطالب للفعل" قال: "إنه ليس حقيقة في غير ما ذكره" وأشار إلى أن بعضهم يرى أنه مشترك بين القول المذكور وبين الفعل لأنه يطلق عليه مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ (٢) أي فعلنا لأن الأمر القولى مختلف صيغة ومدلولًا وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ (٣) أي فعله والأصل في الإطلاق الحقيقة. ورد عليهم بأن المراد بالأمر في المثالين الشأن مجازًا. (٤) وبين الإسنوى فقال: لما ثبت أن لفظ الأمر حقيقة في القول المخصوص ذكر البيضاوى أنه لا يكون حقيقة في غيره أيضًا إذ لو كان في غيره لكان مشتركًا والأصل عدم الاشتراك. ونقل عن بعض الفقهاء أنه مشترك بين القول المخصوص والفعل. ونقل الأصفهانى في شرح المحصول عن ابن برهان أنه قول عامة العلماء مستدلين بأنه يطلق على الفعل كما يطلق على هذا القول. وذلك كما في قوله تعالى: أوما أمرنا إلا واحدة" أي فعلنا لأن الأمر القولى مختلف صيغة ومدلولًا ولقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ﴾ أي فعله والأصل في الإطلاق الحقيقة. وجوابه أن المراد بالأمر في الآيتين المذكورتين هو الشأن مجازًا. وهو أولى من الاشتراك. ووجه المجاز أن الشأن أعم من القول المخصوص والفعل فالتعبير عنه بالقول من باب إطلاق اسم الخاص وإرادة العام. وقال أبو الحسين البصرى (٥) إنه مشترك بين خمسة أشياء أحدها القول المخصوص والثانى الشئ كقولنا تحرك هذا الجسم لأمر أي لشئ الثالث الصفة ودليله قول الشاعر: عزمت على إقامة ذى صباح … لأمر ما يُسَوَّدُ من يسود أي لصفة عظيمة من الصفات. والرابع الشأن

стр. 8617

كقولنا: أمر فلان مستقيم أي شأنه. الخامس الفعل كما تقدم في الآيتين: فإذا تجرد عن القرائن كقول القائل أمر فلان أو هذا أمر ترددنا بين هذه الخمسة والتردد آية الاشتراك وعلامته. وجوابه أنا لا نسلم حصول التردد بل يتبادر القول الطالب للفعل. والتبادر أمارة الحقيقة ثم تكلم المصنف وشارحه عن مفهوم الطلب الوارد في تعريف الأمر فقالا: إن الطلب بديهى التصور أي أنه لا يحتاج في معرفته إلى تعريف بحد أو رسم كالجوع والعطش وسائر الوجدانيات فإن من لم يمارس العلوم ولم يعرف الحدود والرسوم يأمر وينهى ويدرك تفرقة ضرورية بينهما. وقالا: إن هناك فرقًا بين الطلب والإرادة كما أن الطلب غير العبارات المختلفة التي تدل عليه، أما مغايرته للعبارات فلأن الطلب معناه واحد لا يختلف باختلاف الأمم والعبارات مختلفة باختلاف اللغات وأما مغايرته للإرادة فقد خالف فيه المعتزلة. ثم قال: (١) "والحاصل أن الأمر اللسانى دال على الطلب بالاتفاق لكن الطلب عندنا غير الإرادة وعند المعتزلة عينها أي لا معنى لكونه طالبًا إلا كونه مريدًا". ثانيًا: طريقة الحنفية يتضح رأى الحنفية بثلاثة مذاهب نذكرها فيما يلى: ١ - البزدوى والبخارى: قال البخارى في تعليقه على كلام اليزدوى في هذا المقام: يلاحظ أن البزدوى لم يعرف الأمر الذي هو بمعنى القول وقد علل البخارى هذا "بأن القوم اختلفت عباراتهم في تعريفه (٢) وقد أورد عددًا من هذه التعريفات وذكر أن أقربها إلى الصواب هو: اللفظ الدال على طلب الفعل بطريق الاستعلاء. ثم قال: واختار بعض المتأخرين أن الأمر اقتضاء فعل غير كف على جهة الاستعلاء. فأراد بالاقتضاء ما يقوم بالنفس من الطلب لأن الأمر بالحقيقة هو ذلك الاقتضاء والصيغة سميت به مجازًا. ثم بين البخارى الفرق بين ما اختاره وبين غيره مما ذكره المخالفون فقال واعلم أن المخالفين وافقونا على أن الأمر اسم لما هو موجب وأن الإيجاب لا يستفاد إلا بالأمر فصارا متلازمين وأن الصيغة المخصوصة تسمى أمرًا فيحصل بها الإيجاب. ولكن الاختلاف في أن الفعل: هل يسمى أمرًا حقيقة حتى يحصل به الإيجاب؟ فعندنا لا يسمى أمرًا على الحقيقة فلا يستفاد منه الإيجاب، وعندهم يسمى أمرًا بطريق الحقيقة فيفيد الإيجاب، فهذا معنى قول الشيخ اليزدوى "وحاصل ذلك" أي حاصل هذا الاختلاف أن أفعال النبي ﵊ عندهم موجبة كالأمر المتفق عليه وهو صيغة "افعل".

стр. 8618

وصورة المسألة أنه إذا نقل إلينا فعل من أفعاله ﵊ التي ليست بسهو مثل الزلات ولا طبع مثل الأكل والشرب ولا هي من خصائصه مثل وجوب الضحى والسواك والتهجد والزيادة على الأربع ولا ببيان لمجمل مثل قطعه يد السارق من الكوع فإنه بيان لقوله تعالى ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (١). هل يسعنا أن نقول فيه: أمر النبي ﵊ بكذا. وهل يجب علينا اتباعه في ذلك أم لا؟ قال: عند عامة العلماء لا يصح إطلاقه عليه بطريق الحقيقة ولا يجب الاتباع وأما إذا كان بيانًا لمجمل فيجب الاتباع بالإجماع ولا يجب في الأقسام الأخر بالإجماع. ثم انتقل إلى بيان الاختلاف في لفظ الأمر فقال: بعضهم يرى أن لفظ الأمر مشترك بين الصيغة المخصوصة والفعل بالاشتراك اللفظى كاشتراك لفظ العين بين مسمياته وقال بعضهم: هو مشترك بالاشتراك المعنوى كاشتراك الحيوان بين الإنسان والفرس. والحاصل أن الإيجاب مع حقيقة الأمر متلازمان يثبت كل واحد بثبوت الآخر وينتفى بانتفائه فيلزم من انحصار الإيجاب على الصيغة انتفاء الإشتراك في لفظ الأمر ومن ثبوته بغير الصيغة ثبوت الاشتراك، فلهذا يتعرض في الدلائل تارة لنفى الاشتراك وإثباته وتارة لنفى الوجوب عن غير الصيغة وإثباته. ثم نقل حجج من قال بالاشتراك اللفظى ومنها: (٢). - من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ (٣) أي فعله وطريقته لأنه وصفه بالرشد. والفعل إنما يوصف به لا القول. وقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (٤) وقوله عز اسمه: ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٥) أي صنعه. فأطلق لفظ الأمر في هذه الآيات على الفعل والأصل في الإطلاق الحقيقة: - ومن السنة ما روى أنه ﵊ شغل عن أربع صلوات يوم الخندق فقضاها مرتبة وقال: "صلوا كما رأيتمونى أصلى" وما روي أنه ﵊ قال في حجة الوداع: "خذوا عنى مناسككم فإنى امرؤٌ مقبوض" فجعل" المتابعة لازمة فثبت بالتنصيص أنه فعل موجب وإن لم يكن موجبًا لذاته كما ثبت بالتنصيص وهو قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (٦) أن قوله موجب وإن لم يصلح أن يكون موجبًا لذاته لأنه بشر مثلنا. ومن اللغة أن اختلاف الجمع في لفظ واحد باعتبار معنيين مختلفين يدل على أنه حقيقة في كل واحد منهما. فإن العود بمعنى الخشب يجمع على عيدان وبمعنى اللهو على أعواد. وقد جمع الأمر بمعنى الفعل على أمور وبمعنى القول على أوامر فيكون الأمر حقيقة فيهما. (٧)

стр. 8619

ثم قال: واحتج الجمهور في نفى الاشتراك اللفظى بأن الأمر لو كان مشتركًا بين القول لمخصوص والفعل لما سبق أحدهما إلى الفهم دون الآخر لأن تناول المشترك للمعانى على السواء. والأمر بخلافه وبأنه حقيقة في القول المخصوص فوجب أن يكون حقيقة في غيره دفعًا للاشتراك. واحتج من قال بالاشتراك المعنوى: (١) بأن القول المخصوص والفعل مشتركان في عام كالشيئية والشأن فيجب جعل اللفظ المطلق عليهما وهو الأمر للمشترك بينهما دفعًا للاشتراك اللفظى والمجاز لأن كل واحد منهما خلاف الأصل. ورأى الجمهور في نفى الاشتراك المعنوى بأنه لو كان مشتركًا بالاشتراك المعنوى لما فهم منه أحدهما عينًا عند الإطلاق لأن مسماه حينئذ أعم من كل واحد منهما ولا دلالة للحيوان على الإنسان. ثم قال البزدوى: (٢) "إذا ثبت أصل الموضوع كان الأمر حقيقة" في صيغة أفعل دون الفعل "فتكون الصيغة لازمة إلا بدليل" يدل على استعمال الأمر في غير الصيغة. ألا ترى أن أسماء الحقائق لا يسقط عن مسمياتها أبدًا وأما المجاز فيصح نفيه؛ يقال للأب الأقرب أب لا ينفى عنه بحال ويسمى الجد أب ويصح نفيه. ثم هاهنا صح أن يقال: إن فلانًا لم يأمر اليوم بشئ مع كثرة أفعاله وإذا تكلم بعبارة الأمر لم يستقم نفيه. وقد قال النبي ﵊ حين خلع نعليه فخلع الناس نعالهم منكرًا عليهم: "ما لكم خلعتم نعالكم" وأنكر عليهم الموافقة في وصال الصوم فقال: "إنى أبيت يطعمنى ربى ويسقينى" فثبت بذلك أن صيغة الأمر لازمة. ولا ننكر تسميته مجازًا لأن الفعل يجب به فسمى به مجازًا والنبى ﵊ دعا إلى الموافقة بلفظ الأمر بقوله: "صلوا كما رأيتمونى أصلى" فدل على أن الصيغة لازمة. (٣) ووضح ذلك فقال: (٤) إذا ثبت أن لهذا المعنى عبارة موضوعة في أصل اللغة وهى صيغة "افعل" مثلًا كانت حقيقة في هذا المعنى لا محالة فتكون -الصيغة- لازمة له فيمتنع ثبوته بالفعل إلا بدليل يدل على الوجوب بدون الصيغة على خلاف الأصل. ثم قال المصنف في شرح التقويم: الفعل لا يصلح أن يكون موجبا لأن الأمر لطلب الوجود من الغير والفعل وتحقيق الوجود ليس فيه دليل طلب الوجود فلا يكون سببا لطلب الوجود وإن دام على ذلك لأن ما لا يدل على طلب الوجود أصلا لا يدل عليه وإن كثر. وعارض البزدوى ما احتج به المخالفون من السنة وهو ما روى عن عبد الله بن مسعود أنه قال: "خلع النبي ﵊ نعليه وهو يصلى فخلع من خلفه فقال: ما حملكم على خلع نعالكم؟ فقالوا رأيناك خلعت فخلعنا فقال: إن جبريل أخبرنى أن في إحداهما قذرا فخلعتهما لذلك فلا تخلعوا نعالكم".

стр. 8620

وفى رواية أبى سعيد الخدرى: "بينما النبي ﷺ يصلى بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى صلاته قال: ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك. قال: إن جبريل ﵇ أتانى فأخبرنى أن فيهما قذرا. إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذرا فليمسحه وليصل فيهما. وما روى أنه ﵊ واصل فواصل أصحابه فأنكر عليهم ونهاهم عن ذلك وقال: وأيكم مثلى؟ يطعمنى ربى ويسقينى. ففى إنكار النبي ﵊ عليهم دليل واضح على أن فعله ليس بموجب إذ لو كان موجبا كالأمر لم يكن لإنكاره معنى كما لو كان أمرهم بذلك وامتثلوا به. (١) قال الغزالى ﵀: إنهم لم يتبعوه في جميع أفعاله فكيف صار اتباعهم في البعض دليلا ولم يصر مخالفتهم في البعض دليلا. وقول البزدوى: "لا ننكر تسمية الفعل بالأمر مجازا" جواب عن تمسك المخالفين بقوله تعالى ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ (٢) فمعناه أننا لا ننكر تسمية الفعل بالأمر مجازًا لأن الفعل يجب بالأمر فيجوز أن يسمى بالأمر إطلاقًا لاسم السبب على المسبب. على أنه قيل إن المراد من الأمر في الآية يقصد به القول بدليل قوله ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ (٣) أي أطاعوه فيما أمرهم والرشد الصواب وقد وصف القول به. (٤) وقول البزدوى: والنبى ﵊ دعا إلى الموافقة بلفظ الأمر بقوله "صلوا كما رأيتمونى أصلى" هو جواب عن تمسكهم بأن الحديث يدل على المتابعة والمتابعة إنما وجبت بقوله "صلوا" لا بالفعل ولو كان الفعل موجبًا بنفسه لما احتيج إلى قوله "صلوا" بعد قوله تعالى ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (٥) كما لا يحتاج قوله افعلوا كذا إلى شئ آخر يوجب الامتثال به. وقد قال الغزالى في جوابه وجواب أمثاله: إن قوله ﵊: "صلوا كما رأيتمونى أصلى" وقوله: "خذوا عنى مناسككم" وقوله: "هذا وضوئى ووضوء الأنبياء من قبلى" بيان منه صلوات الله عليه أن شرعه وشرعهم فيه سواء ففهموا وجوب الاتباع بذلك لا بمجرد حكاية الفعل. ثم قال البخارى: أما قولهم: اختلاف الجمع يدل على اختلاف المسمى فلا تمسك لهم فيه لأن الأمور جمع الأمر بمعنى الشأن والصفة لا بمعنى الفعل والأعواد والعيدان كلاهما جمع عود مطلقًا كذا في الصحاح أم الأوامر فقد ذكر في المعتمد أنها جمع آمرة لا جمع أمر وهو حق لأن فواعل في الثلاثى جمع فاعل اسما كـ كواهل أو فاعلة اسمًا وصفة كـ كوائب وضوارب فأما فعل فلم يجمع على فواعل ألبتة لكنه قيل أوامر جمع أمر مجازًا كأن صيغة افعل جعلت آمرة وجمعت على أوامر كما جمع نهى على نواه بهذا التأويل. ولهذا يقال: ما له ناهية أي نهى.

стр. 8621

٢ - النسفى وابن الملك عرّف النسفى الأمر بأنه قول القائل لغيره على سبيل الاستعلاء "افعل". (١) وقال ابن الملك في شرحه: إنه احترز بالقيد الأول عن الفعل والإشارة وبالقيد الثاني عن الدعاء والالتماس فإن قوله "افعل" بهذين الوجهين لا يكون أمرًا وقيد "بالسبيل" إشارة إلى أن العلو في الواقع ليس بشرط حتى إن صدرت صيفة "افعل" ممن هو أدنى حالًا من المأمور على وجه الاستعلاء يكون أمرًا ولهذا ينسب إلى سوء الأدب. وقال الرهاوى في حاشيته على هذا الموضوع (٢): إن النسفى يحترز أيضًا بالقيد الأول عن حديث النفس والكلام النفسى فإنه لا يطلق عليه القول في هذا الاصطلاح. كما أن كلمة "السبيل" في تعريف النسفى تعطى معنى القصد والاعتبار فيخرج ما صدر عن غير قصد كما في حال الجنون والإغماء والنوم والسهو. وعلق الرهاوى أيضًا على قول ابن الملك إن عبارة "على سبيل الاستعلاء" تخرج الدعاء والالتماس فقال: إن الصيغة الدالة على طلب الفعل دلالة وضعية إن قارنت الاستعلاء فهو أمر وإن قارنت التساوى فهو التماس وإن قارنت الخضوع فهو سؤال ودعاء. وعلى قوله: "إن العلو الواقع ليس بشرط" فقال: بل الشرط أن يعد الآمر نفسه عاليًا سواء أكان عاليًا في نفس الأمر أم لا. (٣) ثم قال: إنه يترتب على اعتبار الاستعلاء في تعريف الأمر أن يكون قوله تعالى حكاية عن فرعون لقومه ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ مجازًا أي تشيرون لأن قولهم ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ﴾ لم يكن على سبيل الاستعلاء لأنهم ما كانوا مستعلين عليه فهو في قوة "نشير بكذا". ثم أورد اعتراضا على قيد الاستعلاء في تعريف الأمر بقوله: ولقائل أن يقول: بعد تسليم أن المعتبر فيه الاستعلاء كما اختاره أكثر الأصوليين. هو أن المعرف هو الأمر الذي يجب امتثاله فلا يجب ذلك إلا إذا كان الآمر أعلى رتبة من المأمور في نفس الأمر. ثم قال ابن الملك: (٤) إن الأمر يطلق على نفس صيغة "افعل" صادرة عن القائل على سبيل الاستعلاء وعلى نفس التكلم بالصيغة وكذلك القول يطلق بمعنى المقول وبمعنى المصدر ويمكن تطبيق التعريف المذكور على الاعتبارين لكن كونه بمعنى المقول أولى لأن الأمر والنهى من أقسام الإنشاء والإنشاء قسم من اللفظ. لكن ينقل الرهاوى عن بعض الشراح اختيار أن المراد بالقول المعنى المصدرى لا المقول كما خطر ذلك في بعض الأذهان لأن ذلك هو صيغة الأمر كما صرح به صاحب المفتاح وصاحب الكشاف والإمام الرازى.

стр. 8622

ولهذا قال ابن الحاجب: الأمر اقتضاء فعل غير كف على جهة الاستعلاء. وأريد بالاقتضاء ما يقوم بالنفس من الطلب لأن الأمر في الحقيقة هو ذلك الاقتضاء والصيغة سميت به مجازًا لدلالتها عليه وإذا كان القول بمعنى المقول يكون هذا التعريف مناسبًا لمذهب المعتزلة لأنهم لما أنكروا الكلام النفسى لزمهم أن يحدوه بالكلام اللفظى فقالوا الأمر عبارة عن قول القائل إلخ. وأما مذهب أهل السنة فالأمر في الحقيقة هو المعنى القائم في النفس فيكون قوله "افعل" عبارة عن الأمر لا حقيقة الأمر. ويمكن أن يجاب بأن بحث الأصولى ليس في الكلام النفسى وإنما يبحث عن المتكلم ولا يضر كونه مناسبًا لمذهب المعتزلة فإنه في الوقت نفسه مناسب لاعتبارنا للأمر من قبيل الخاص الذي هو من أقسام القرآن والقرآن الكريم عبارة عن النظم والمعنى وبحث الأصولى ليس إلا فيه من هذه الحيثية "الألفاظ ومعانيها" (١) ثم أورد ابن الملك اعتراضًا على تعريف النسفى للأمر فقال: (٢) ولقائل أن يورد عليه أنه إن أراد اصطلاح العربية فالتعريف غير جامع لأن صيغة "افعل" عندهم أمر سواء كان على طريق الاستعلاء أو غيره، وأن أراد اصطلاح أهل الأصول فغير مانع لأن صيغة افعل على طريق الاستعلاء قد تكون للتهديد والتعجيز ونحو ذلك وليست بأمر لأنه لم يستعمل الطلب. ثم ناقش ما استدلوا به بمثل ما سبق نقله عن اليزدوى والبخارى. ويستدرك عزمى زاده في حاشيته على المنار على القول "بأنه لا خلاف بيننا وبينهم في أن الأمر اسم لما هو موجب" إلخ. فقال: "وأيضًا لا خلاف في أن الصيغة المخصوصة تسمى أمرًا على الحقيقة فيحصل به الإيجاب". ثالثًا: طريقة المتأخرين وهم الذين جمعوا بين طريقة المتكلمين كالآمرى وابن الحاجب والبيضاوى والأسنوى وطريقة الحنفية كاليزدوى وعبد العزيز البخارى والنسفى وشراح كتبهم. من هؤلاء صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود صاحب التنقيح وشراحه والكمال بن الهمام في التحرير وشرحه والسبكى في جمع الجوامع وشرحه للمحلى. وغيرهم. ١ - صدر الشريعة قال: (٣) الأمر قول القائل استعلاء "افعل" وفسر التفتازانى الاستعلاء بأنه طلب العلو وعد نفسه عاليًا واحترز بقيد الاستعلاء عن الدعاء والالتماس مما هو بطريق الخضوع أو التساوى ولم يشترط العلو ليدخل فيه قول الأدنى للأعلى "افعل" على سبيل الاستعلاء. ولهذا ينسب إلى سوء الأدب. وعلى هذا يكون قول فرعون لقومه: "ماذا تأمرون" مجازًا أي تشيرون. والمراد بقوله "افعل" ما يكون مشتقًا من مصدر على طريقة اشتقاق افعل من الفعل.

стр. 8623

ثم بين صدر الشريعة ما يستعمل فيه لفظ الأمر حقيقة فقال: إنه حقيقة في القول اتفاقًا مجاز عن الفعل عند الجمهور وعند البعض حقيقة فيه. وأورد أدلة القائلين بالاشتراك بين القول والفعل وناقشها بما لا يختلف في جملته عما سبق إيراده عن كتب الحنفية. ثم أيد مذهب الجمهور فقال: (١) إننا إذا سلمنا -جدلًا- أنه حقيقة في الفعل فإن الدلائل تدل على أن القول للإيجاب لا الفعل وبين ذلك فقال: إن الدلائل التي تدل على أن الأمر للإيجاب تدل على أن الأمر القولى للإيجاب لا الفعلى فإن تلك الدلائل في غير قوله تعالى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ (٢) يراد بها الأمر القولى ولا يمكن حملها على الفعلى وأما في الآية الكريمة فالضمير في أمره إن كان راجعًا إلى الله تعالى لا يمكن حمله على الفعل وإن كان راجعًا إلى الرسول فالقول مراد إجماعًا فلا يحمل على الفعل لأن المشترك لا يراد به أكثر من معنى واحد. على أنا لا نحتاج إلى إقامة الدليل على أن الفعل غير مراد بل هو محتاج إلى إقامة الدليل على أن المراد الفعل. ونحن في صدد المنع. فصح ما قلنا إن الدلائل الدالة على أن الأمر للإيجاب لا تدل على أن الفعل للإيجاب. وقال الغزى تعليقا على قول صدر الشريعة "سلمنا". لما كان الأصل وهو كون الأمر حقيقة في الفعل بحثا لغويا ربما يمكن إثباته بالنقل عن أئمة اللغة أو الشيوع في الاستعمال سلمه واشتغل بما هو من مباحث الأصول وهو كون الفعل موجبا أو غير موجب فأبطل التشريع أولا والفرع ثانيا والدليل ثالثا. أما الأول: فلأن الدلائل المذكورة على كون الأمر للإيجاب إنما تدل على أن الأمر بمعنى القول المخصوص للإيجاب ولا تدل على أن الأمر بمعنى فعل النبي ﵊ للإيجاب. واستدل صدر الشريعة على أن الفعل غير مراد بأن القول مراد إجماعا فلا يراد الفعل لأن المشترك لا عموم له. وما كان من مذهب الخصم عموم المشترك أو أعرض عن الاستدلال إلى المنع لأن الخصم هو الذي يستدل على كون الأمر للإيجاب قولا كان أو فعل فيكفينا أن نقول: لا نسلم أن الأمر بمعنى الفعل مراد من الأدلة الدالة على كون الأمر للوجوب. أما في غير قوله تعالى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ فظاهر وأما في هذه الآية فلتوقفه على عموم المشترك. وهو ممنوع. وأما الثاني: وهو إبطال كون الفعل موجبًا فلأن تعدد الدال مع اتحاد المدلول خلاف الأصل لحصول المقصود بواحد اتفاقا وهاهنا اللفظ موضوع للإيجاب اتفاقا فالقول بكون الفعل أيضا للإيجاب مصير إلى ما هو خلاف الأصل فلا يرتكب إلا بدليل كما في تعدد المدلول مع اتحاد الدال أعنى الاشتراك. وإطلاق الترادف على توافق القول والفعل في الدلالة على الإيجاب خلاف الاصطلاح لأنه إنما يطلق على توافق اللفظين. ولكن المقصود واضح.

стр. 8624

وقد يقال: إن الموضوع للمعانى إنما هي المبارات لا غير وهى وافية بالمقاصد بل زائدة عليها فيكون الدال على الإيجاب هو القول لا الفعل. وأيضًا المقصود بالأمر من أعظم المقاصد لكونه مَبْنَى الأحكام ومناط الثواب والعقاب فيجب أن يختص بالصيغة ولا يحصل بغيرها كمقاصد الماضي والحال والاستقبال لا تحصل إلا بصيغتها. وكلاهما ضعيف لأن انحصار الموضوع في اللفظ ووفاء بالمقاصد في حيز المنع. وعلى تقدير التسليم لا ينافى كون الفعل للإيجاب لأن القائلين به لا يدعون كونه موضوعًا لذلك بل يدعون أنه يجب علينا اتباع النبي ﵊ في أفعاله التي ليست بسهو ولا طبع ولا مختصة به للدلائل الدالة على ذلك وعظم المقصود لا يقتضى اتحاد الدال عليه. بل تعدده لشدة الاهتمام به وكثرة الاحتياج إليه ولهذا كثرت الألفاظ المترادفة فيما لهم به اهتمام. وأما الثالث: وهو إبطال احتجاجهم على الفرع فلأن كون فعله موجبًا مستفاد من قوله ﵊ "صلوا كما رأيتمونى أصلى" وهو صيغة الأمر لا من نفس الفعل وإلا لما احتيج لهذا الأمر بعد قوله تعالى ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (١). والأقرب أن يقال: وجوب الاتباع في الصلاة ثبت بهذا الحديث لا بالفعل فالموجب هو القول لا غير. (٢) ٢ - الكمال بن الهمام قال: (٣) إن لفظ الأمر حقيقة في القول المخصوص اتفاقًا ثم قيل مجاز في الفعل وقيل مشترك لفظى فيهما وقيل مشترك معنوى وقيل موضوع للفعل الأعم من اللسانى وقيل موضوع لأحدهما الدائر بين القول الخاص والفعل. وبعد أن ذكر تعريف ابن الحاجب للأمر النفسى وناقشه قال: (٤) الأليق بالأصولى تعريف الصيغى لأنه بحث علم الأصول عن الأدلة اللفظية السمعية من يوصل العلم بأحوالها العارضة لها من عموم وخصوص وغيرها إلى قدرة إثبات الأحكام الشرعية للمكلفين. وإن كان مرجع الأدلة السمعية إلى الكلام النفسى. والأمر اللفظى اصطلاحًا صيغته المعلومة سواء كانت على سبيل الاستعلاء أو العلو أولًا. وهو لغة الصيغة المعلومة في الطلب الجازم أو اسمها كصه ونزال مع استعلاء بخلاف فعل الأمر فإنه لا يشترط فيه الطلب الجازم ولا الاستعلاء فيصدق الأمر بالمعنى اللغوى مع العلو وعدمه. وعليه الأكثر وأهدر الاستعلاء والعلو -أبو الحسن الأشعرى وبه قال أكثر الشافعية- وأما المعتزلة فإنهم يعتبرون في مفهومه العلو إلا أبا الحسين منهم ووافقهم أبو إسحق الشيرازى وابن الصباغ والسمعانى من الشافعية ونقله القاضي عبد الوهاب في الملخص عن أهل اللغة وجمهور أهل

стр. 8625

العلم واختاره مع الاستعلاء. غير أن المصنف قال: إنه لا أمر عند المعتزلة إلا الصيغة لإنكارهم الكلام النفسى وإن نفى الأشعرى العلو يرجح بكون العقلاء يلزمون الأدنى بأمر الأعلى. ونفيه الاستعلاء يترجح بقوله تعالى حكاية عن فرعون ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ (١) خطابًا لقومه فإنه أطلق الأمر على قولهم المقتضى له فعل غير كف ولم يكن لهم استعلاء عليه وكيف وهم كانوا يعبدونه والعبادة أقصى غاية الخضوع ثم قال: (٢) إن القاضي أبا بكر وإمام الحرمين والغزالى قد عرفوا الأمر بأنه "القول المقتضى بنفسه طاعة المأمور بفعل المأمور به" قالوا فالقول احتراز عما عدا الكلام و"المقتضى" احتراز عما عدا الأمر من أقسام الكلام وأن قولهم "بنفسه" لقطع وهم من يحمل الأمر على العبارة فإنها لا تقتضى بنفسها. وقال: إن هذا الحد يستلزم الدور من ثلاثة أوجه: هي ذكر الطاعة والمأمور والمأمور به في التعريف لأن الطاعة موافقة الأمر والمأمور مشتق من الأمر فيتوقف معرفة كل منهما على معرفة الأمر لأن المضاف من حيث هو مضاف لا يعلم إلا بمعرفة المضاف إليه. ومعنى المشتق منه موجود في المشتق وزيادة والفرض أن الأمر يتوقف معرفته على هذه الثلاثة. ودفع هذا الاعتراض نقلا عن القاضي عضد الدين بأنا إذا علمنا الأمر من حيث هو كلام علمنا المخاطب به وهو المأمور وما يتضمنه وهو المأمور وفعله وهو الطاعة من غير توقف على معرفة حقيقة الأمر المطلوب بالتعريف. ثم نقض الدفع بما لا تدعو الحاجة إلى إيراده وأورد تعريفين آخرين أحدهما أن الأمر هو الخبر عن استحقاق الثواب واعترض عليه والثانى تعريف المعتزلة أي جمهورهم وهو قول القائل لمن دونه افعل وناقشه بمثل ما سبق. (٣) رابعا: الزيدية قال الشوكانى: (٤) المختار أن لفظ الأمر حقيقة في القول المخصوص فقط. وبعد أن نقل مذاهب الأصوليين في هذا ومناقشاتهم أورد التعريفات التي سبق إيرادها وما اعترض به على كل تعريف منها وقال. (٥) إذا تقرر ما ذكرنا وعرف ما فيه فاعلم أن الأولى بالأصولى تعريف الأمر الصيغى لأن بحث هنذا العلم عن الأدلة السمعية وهى الألفاظ الموصلة من حيث المعلوم بأحوالها من عموم وخصوص وغيرهما إلى قدرة إثبات الأحكام. والأمر الصيغى في اصطلاح أهل العربية صيغته المعلومة سواء كانت على سبيل الاستعلاء أو لا، وعند أهل اللغة هي صيغته المعلومة المستعملة في الطلب الجازم مع الاستعلاء. هذا باعتبار لفظ الأمر الذي هو "أ. م. ر" بخلاف فعل الأمر نحو "اضرب" فإنه لا يشترط فيه ما ذكر بل يصدق مع العلو وعدمه. وعلى هذا أكثر أهل الأصول.

стр. 8626

خامسًا: الشيعة الجعفرية: قال في قوانين الأصول: (١) الأمر على ما ذكره أكثر الأصوليين: هو طلب فعل بالقول استعلاء. والأولى اعتبار العلو مع ذلك كما اختاره جماعة. والمراد بالتعالى من كان له تفوق يوجب إطاعته عقلا أو شرعًا. وقيل هو الطلب من العالى. وما قيل باشتراكه مع ذلك بين الفعل والشأن وغير ذلك بعيد لعدم تبادرها والمجاز خير من الاشتراك. والاستعمال أعم من الحقيقة. وظنى أن من يقول بأن الأمر. أعنى المركب من "أ. م. ر" حقيقة في الوجوب هو ممن يقول بالقول الأول. ولابد أن يقول به ليناسب تعريفه الاصطلاحى معناه العرفى إذ الاستعلاء ظاهر في الالزام إذ لا معنى لإظهار العلو في المندوب وادعائه كما لا يخفى. وهو الأظهر عندى للتبادر وللآيات والأخبار مثل ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ (٢) ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ (٣) "ولولا أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك" وقوله ﷺ لبريرة بعد قولها: "أتأمرنى يا رسول الله" حيث طلب مراجعتها إلى زوجها: "لا بل إنما أنا شافع". فكل ما ثبت كونه أمرًا أو صدق عليه هذا المفهوم يستفاد منه الوجوب لأن كون المشتقات من هذا المبدأ حقيقة في الوجوب وكون المبدأ أعم منه كما ترى. فالوجوب مأخوذ من مفهوم الأمر فالتعريف الأول مناسب لمعناه العرفى المتبادر منه، ومن يقول بعدم إفادته الوجوب ولا يأخذ الوجوب في مفهوم الأمر فهو إما ممن يقول بأن الأمر هو الطلب من العالى لا من حيث إنه مستعل وهو باطل أو يأخذ الاستعلاء في مفهوم الندب أيضا ويجعله أعم من الندب وهو باطل كذلك. سادسًا: الإباضية: قال صاحب طلعة الشمس: (٤) اتفق الكل على أن الأمر حقيقة في القول المخصوص. واختلفوا فيما عدا ذلك. وذكر الخلاف السابق بإيجاز. ثم عرف الأمر بأنه "طلب فعل غير كف لا على وجه الدعاء." يدخل في قوله "طلب فعل" النهى على مذهب من جعل الترك فعلًا لكن خرج النهى بقوله "غير كف" لأن النهى إنما هو طلب فهل هو كف. وبعضهم يرى الترك ليس بفعل فلم يؤكد هذا القيد لحصول التحرز عن النهى بقوله "طلب فعل" ودخل أيضا الدعاء وهو طلب العبد من ربه الهداية أو نحوها لكنه خرج بقوله "لا على وجه الدعاء" فإن الطلب الجارى على وجه الدعاء لا يسمى أمرًا. وزاد بعضهم قيدًا آخر وهو أن يكون على جهة الاستعلاء. وفسروا الاستعلاء بأنه إظهار العلو سواء أكان ذلك موجودا في الآمر في نفس الأمر أم غير موجود فيه واحترزوا بهذا القيد عن قول الرجل لمن يساويه مرتبة "افعل كذا" وهو غير مستعل عليه فإن هذا عندهم

стр. 8627

يخص باسم الالتماس. وقد أسقط المصنف هذا القيد لعدم احتياج الآمر إليه، فإن الطلب المخصوص يسمى أمرًا سواء حصل في الآمر صفة الاستعلاء أم لم تحصل وتخصيص الآمر للمساوى بالالتماس لا يمنع من تسميته أمرًا حقيقة. صيغة الأمر من تتبع كتب الأصول فإنه يجدها لا تعنى بالاهتمام بتحديد صيغة الأمر على مذهب كما سيتبين من عرض النقول في ذلك. قول الغزالى في هذا المقام: (١) حكى بعض الأصوليين خلافًا في أن الأمر هل له صيغة؟ وهذه الترجمة خطأ فإن قول الشارع أمرتكم بكذا، وأنتم مأمورون بكذا أو قول الصحابي أمرت بكذا. كل ذلك صيغ دالة على الأمر. وإذا قال: أوجبت عليكم أو فرضت عليكم أو أمرتكم بكذا، وأنتم معاقبون على تركه فكل ذلك يدل على الوجوب. ولو قال: أنتم مثابون على فعل كذا ولستم معاقبين على تركه فهو صيغة دالة على الندب فليس في هذا اختلاف. وإنما الخلاف في أن قوله افعل هل يدل على الأمر بمجرد صيغته إذا تجرد عن القرائن فإنه قد يطلق على أوجه. وذكر الأوجه التي سنوردها عند بيان معاني الصيغة. ويقول الآمدى: (٢) اختلف القائلون بكلام النفس: هل للأمر صيغة تخصه وتدل عليه دون غيره في اللغة أم لا؟ فذهب الشيخ أبو الحسن الأشعرى. ﵀. ومن تابعه إلى النفى وذهب من عداهم إلى الإثبات. قال إمام الحرمين والغزالى: والذي نراه أن هذه الترجمة عن الأشعرى خطأ. وذكر في إيجاز ما نقلناه عن الغزالى في وجه التخطئة وصور أن الخلاف في أن صيغة افعل: هل هي خاصة بالأمر أو لا لكونها مترددة بين محامل ومعان كثيرة يأتى ذكرها. ثم رد الآمدى هذه التخطئة فقال: واعلم أنه لا وجه لاستبعاد هذا الخلاف. وقول القائل أمرتك؛ وأنت مأمور لا يرفع الخلاف إذ الخلاف إنما هو في صيغة الأمر الموضوعة للإنشاء وما كان مثل هذه الصيغ أمكن أن يقال إنها إخبارات عن الأمر لا إنشاءات وإن كان الظاهر صحة استعمالها للإنشاء فإنه لا مانع من استعمال صيغة الخبر للإنشاء كما في قوله: طلقت، وبعت، واشتريت ونحوه. (٣) وبيانه أنه إذا قال لزوجته: طلقتك فإن الطلاق يقع عليه إجماعًا ولو كان إخبارًا لكان إخبارًا عن الماضي أو الحال لعدم صلاحية هذه الصيغة للاستقبال ولو كان كذلك لم يخل إما أن يكون قد وجد منه الطلاق أو لم يوجد فإن كان

стр. 8628

الأول امتنع تعليقه بالشرط في قوله: إن دخلت الدار" لأن تعليق وجود ما وجد على وجود ما لم يوجد محال. وإن كان الثاني وجب أن يعد كاذبا وأن لا يقع الطلاق عليه وهو خلاف الإجماع. وإن قدر أنه إخبار عن المستقبل مع الإحالة أيضا أن لا يقع به الطلاق كما لو صرح بذلك وقال لها ستصيرين طالقًا في المستقبل فإنه لا يقع به الطلاق مع أنه صريح إخبار عن وقوع الطلاق في المستقبل. فما ليس بصريح أولى. وإذا بطل كونه إخبارًا تعين أن يكون إنشاء إذ الإجماع منعقد على امتناع الخلو منها فإذا بطل أحدهما تعين الآخر. (١) ومهما يكن فإن معنى صيغة الشئ اللفظ الذي يستعمل للدلالة عليه. والألفاظ التي تستعمل للدلالة على الأمر لا تعدو خمسة أشياء: صيغة افعل؛ والمضارع المقترن بلام الأمر واسم فعل الأمر. والمصادر الدالة على الطلب. والجملة الخبرية. كما ورد في كتب الأصول والنحو والأصوليون لا يخرجون في استمداد ذلك عن كتب النحو واللغة. ويقول الإسنوى (٢) في شرح المنهاج: "إن البيضاوى شرع في ذكر صيغة الأمر وفى أفعل ويقوم مقامها اسم الفعل والمضارع المقترن باللام". وكذلك قال ابن السبكى في شرحه له: (٣) "إن المراد بقوله. افعل ما يكون مشتقا من مصدر على طريقة اشتقاق افعل من الفعل". ويقول الغزى في التعليق على ذلك: (٤) "إن أسماء الأفعال الدالة على الطلب ملحقة بالأمر عند الأصوليين وإن المراد بقوله "على طريقة اشتقاق افعل" نوع هذه الطريقة وهى اشتقاق الأمر من المصدر مطلقًا فيتناول أمر المزيدات وأمر الغائب .. ثم يقول: "إن الحق ما جاء في إيضاح المفصل من أن افعل علم جنس لكل ما يدل على الطلب من لغة العرب". (٥) وخير تعليق في هذا المقام ما ذكره مثلًا خسرو إذ يقول: "إنه لم يرد بالطريقة خصوص هذه الطريقة لفساده بل نوع هذه الطريقة وهو طريقة اشتقاق الفعل من المصدر مطلقًا". (٦) ويقول النحويون في كتبهم عند تقسيم الأفعال: إن علامة الأمر أن يقبل نون التوكيد مع دلالته على الأمر فإن دل على الأمر ولم يقبل النون فهو اسم فعل كنزال بمعنى انزل ودراك بمعنى أدرك. (٧) وأما المضارع المقترن بلام الأمر فقد ذكره النحويون في جوازم الفعل المضارع فقالوا: إن من جوازم الفعل المضارع اللام الطلبية سواء كانت آمرًا إيجابيًا نحو: "لينفق ذو سعة من سعته" أو دعاء نحو ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾. (٨)

стр. 8629

ولدينا في السنة كثير من ذلك كقوله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره" (١). ويقول ابن الملك استدراكًا على من أراد أن يجعل تعريف الأمر شاملًا لكل الصيغ التي على طريقة افعل فقط إن هذا يخرج أمر الغائب عن التعريف .. ثم قال: "والأصوب أن يقال إن مراده من افعل ما يدل على طلب فعل ساكن الآخر" (٢). ويقول الرهاوى: إن بعضهم يرى زيادة قيد آخر هو ما يقوم مقام افعل ليتدرج الأمر من غير العربية وسائر صيغ الأمر. (٣) وأما اسم الفعل فإن النحويين يعرضون اسم الفعل مطلقًا بأنه ما ناب عن الفعل معنى واستعمالًا ويقسمونه ثلاثة أقسام كالفعل ويقولون إن وروده بمعنى الأمر كثير مثل صه ونزال. (٤) ويقولون إن منه ما هو متقول من ظرف أو جار ومجرور نحو عليك بمعنى الزم ومنه قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٥) أي الزموا شأن أنفسكم ونحو دونك زيدًا بمعنى خذه ومكانك بمعنى اثبت وأمامك بمعنى تقدم ووراءك بمعنى تنح. ويكون منقولًا من مصدر سواء كان فعله مستعملًا نحو فضرب الرقاب أو كان فعله مهملًا نحو بل زيدًا فإنه في الأصل مصدر فعل مهمل مرادف لدع واترك. وفى الكتاب والسنة أمثلة عديدة لأسم الفعل لا مجال لذكرها هنا. ويقول الغزى في تعليقه على التوضيح: إن أسماء الأفعال الدالة على الطلب ملحقة بالأمر عند الأصوليين فلا يضر عدم دخولها في تعريف الأمر. (٦) وأما المصدر الدال على الطلب فقد نص عليه النحويون في باب المفعول المطلق فقالوا إن المصدر يقوم مقام الفعل. قال ابن هشام: قد يقام المصدر مقام فعله فيمتنع ذكره معه ثم قسمه قسمين منهما ماله فعل ومن هذا النوع ما هو واقع في الطلب سواء كان دعاء نحو سقيا ورعيا أو أمرًا أو نهيًا نحو قيامًا لا قعودًا (٧) ومنه قوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾. (٨) ويقول الألوسى في الآية الكريمة إن ضرب على الآية منصوب على المصدر لفعل محذوف والأصل اضربوا الرقاب ضربًا. (٩) وأما الخبر الدال على الأمر فقد نص عليه الأصوليون وعلماء البلاغة وهو مجاز في ذلك وقد تعرض له صدر الشريعة ابن مسعود وذكر نكتة التعبير به يدل صيغة افعل فقال: (١٠) "إن إخبار الشارع آكد من الإنشاء في مثل هذا لأنه أدل على الوجود وإنما عدل عن الأمر إلى الإخبار لأن المخبر به إذا لم يوجد يلزم كذب الشارع والمأمور به إذا لم يوجد لا يلزم ذلك فإذا

стр. 8630

أريد المبالغة في وجود المأمور به عدل إلى الإخبار مجازًا". وعلق التفتازانى على ذلك فقال: (١) "ولما كان مدلول الخبر هو الحكم بثبوت مفهوم لمفهوم أو نفيه عنه فالمحكوم به في خبر الشارع إن كان هو الحكم الشرعى مثل قوله سبحانه ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (٢) ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ فلا يخفى أنه يفيد ثبوت الحكم الشرعى من غير أن يجعل مجازًا عن الإنشاء وإن لم يكن المخبر به هو الحكم الشرعى فوجه إفادته للحكم الشرعى أن يجعل الإثبات مجازًا عن الأمر والنفى مجازًا عن النهى فيفيد ثبوت الحكم الشرعى بأبلغ وجه لأنه إذا لم يتحقق ذلك لزم كذب الشارع وأطال في رد شبهة ترد على ذلك". وقد تناوله السعد باختصار في شرحه على تلخيص المفتاح عند قوله "ثم الخبر قد يقع موقع الإنشاء" وذكر أسبابًا منها أن ذلك يكون لحمل المخاطب على المطلوب بأنه يكون ممن لا يجب أن يكذب الطالب ومثل له السعد بقولك لصاحبك الذي لا تحب تكذيبه؛ تأتينى غدًا. (٣) ما تدل عليه صيغة الأمر أولًا: مذهب الشافعية ومن وافقهم ١ - الغزالى قال الغزالى: (٤) الخلاف بين الأصوليين في قول الشارع "افعل" هل يدل على الأمر بمجرد صيغته إذا تجرد عن القرائن فإنه قد يطلق على أوجه منها: الوجوب كقوله ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ (٥) والندب كقوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (٦) والإرشاد كقوله ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (٧) والإباحة كقوله ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (٨) والتأديب كقوله ﷺ لابن عباس "كل مما يليك" (٩) والامتنان كقوله سبحانه ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ والإكرام كقوله ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ والتهديد كقوله ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ والتسخير كقوله ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (١٠) والإهانة كقوله ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ (١١) والتسوية ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ والإنذار كقوله ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا﴾ والدعاء كقول القائل "اللهم اغفر لى" والتمنى كقول امرئ القيس "ألا أيها الليل الطويل ألا انجلى" ولكمال القدرة كقوله تعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١٢). ثم قال: (١٣) فهذه خمسة عشر وجها في إطلاق صيغة الأمر فلابد من البحث عن الوضع الأصلى في جملة ذلك ما هو؟ والمتجوز به ما هو؟ وهذه الأوجه عدها الأصوليون شغفا منهم بالتكثير وبعضها كالمتداخل فإن قوله: "كل مما

стр. 8631

يليك" جعل للتأديب وهو داخل في الندب والآداب مندوب إليها. وقوله "تمتعوا" للإنذار قريب من قوله "اعملوا ما شئتم" (١) الذي هو للتهديد. ومضى في بحثه فقال: "لا تطول بتفصيل ذلك وتحصيله فالوجوب والندب والإرشاد والإباحة أربعة وجوه محصلة ولا فرق بين الإرشاد والندب إلا أن الندب لثواب الآخرة والإرشاد للتنبيه على المصلحة الدنيوية فلا ينقص ثواب بترك الإشهاد في المداينات ولا يزيد بفعله". "وقال قوم هو مشترك" وقال قوم يدل على أقل الدرجات وهو الإباحة. وقال قوم هو للندب ويحمل على الوجوب بزيادة قرينة وقال قوم هو للوجوب فلا يحمل على ما عداه إلا بقرينة". "وسبيل كشف الغطاء أن ترتيب النظر في مقامين: الأول: في بيان أن هذه الصيغة هل تدل على اقتضاء وطلب أم لا؟ الثاني: في بيان أنه إن اشتمل على اقتضاء فالاقتضاء موجود في الندب والوجوب على اختيارنا في أن الندب داخل تحت الأمر. فهل يتعين لأحدهما؟ أو هو مشترك؟ ثم قال: قد أبعد من قال إن قوله افعل مشترك بين الإباحة والتهديد الذي هو المنع وبين الاقتضاء. فإنا ندرك التفرقة في وضع اللغات كلها بين قولهم افعل ولا تفعل وإن شئت فافعل وإن شئت فلا تفعل حتى إذا قدرنا انتفاء القرائن كلها وقدرنا هذا منقولًا على سبيل الحكاية عن ميت أو غائب لا في فعل معين من قيام وقعود وصيام وصلاة بل في الفعل مجملًا سبق إلى فهمنا اختلاف معاني هذه الصيغ وعلمنا قطعًا أنها ليست أسامى مترادفة على معنى واحد كما أنا ندرك التفرقة بين قولهم في الأخبار قام زيد ويقوم زيد وزيد قائم في أن الأول للماضى والثانى للمستقبل والثالث للحال. هذا هو الوضع وإن كان قد يعبر بالماضى عن المستقبل وبالمستقبل عن الماضي لقرائن تدل عليه. وكما ميزوا الماضي عن المستقبل ميزوا الأمر عن النهى وقالوا في باب الأمر افعل وفى باب النهى لا تفعل وأنهما لا ينبئان عن معنى قوله إن شئت فافعل وإن شئت فلا تفعل فهذا أمر نعلمه بالضرورة من العربية والتركية والعجمية وسائر اللغات لا يشككنا فيه إطلاق مع قرينة التهديد ومع قرينة الإباحة في نوادر الأحوال". ٢ - رأى الآمدى قال الآمدى: (٢) "اتفق الأصوليون على اطلاق صيغة الأمر بإزاء خمسة عشر معنى وذكر الوجوب والندب والإرشاد والإباحة والتعجيز والإهانة والتسوية والدعاء والتمنى والتأديب والامتهان والإكرام والتهديد والإنذار والتسخير وكمال القدرة. ومثل لكل منها وجعل مثال التعجيز -الذي لم يذكره الغزالى قوله سبحانه ﴿كُونُوا حِجَارَةً﴾ (٣). ثم قال: وقد اتفقوا على أن الصيغة مجاز فيما سوى الطلب والتهديد والإباحة غير أنهم اختلفوا فمنهم من قال مشتركة كاشتراك لفظ القرء - بين الطلب للفعل وبين التهديد المستدعى

стр. 8632

لترك الفعل وبين الإباحة المخيرة بين الفعل والترك. ومنهم من قال إنها حقيقة في الإباحة مجاز فيما سواها ومنهم من قال أنها حقيقة فى الطلب ومجاز فيما سواه. وهذا هو الأصح. وذلك لأننا إذا سمعنا أن أحدا قال لغيره افعل كذا وتجرد ذلك عن جميع القرائن وفرضناه كذلك فإنه يسبق إلى الأفهام منه طلب الفعل واقتضاؤه من غير توقف على أمر خارج دون التهديد المستدعى لترك الفعل والإباحة المخيرة بين الفعل والترك ولو كان مشتركًا أو ظاهرًا في الإباحة لما كان كذلك وإذا كان الطلب هو السابق إلى الفهم عند عدم القرائن مطلقًا دل ذلك على كون صيغة افعل ظاهرة فيه. ثم أورد سؤالًا مقتضاه أنه يحتمل أن يكون دلالته طلب الفعل مبنيًا على عرف طارئ على الوضع اللغوى كما في لفظ الغائط والدابة وإن سلم دلالته ما ذكرتموه على الظهور في الطلب غير أنه معارض بما يدل على ظهوره في الإباحة لكونها أقل الدرجات فكانت مستيقنة. وعقب على ذلك فقال: جواب الأول أن الأصل عدم العرف الطارئ وبقاء الوضع الأصلى بحاله وجواب الثاني لا نسلم أن الإباحة متيقنة إذ هي مقابلة للطلب والتهديد لكونها غير مستدعية للفعل ولا للترك. والطلب مستدع للفعل والتهديد مستدع لترك الفعل فلا تيقن لواحد منهما. (١) ثم انتقل الآمدى إلى تقسيم مدلول الصيغة فقال: إذا ثبت أن صيغة افعل ظاهرة في الطلب والاقتضاء فالفعل المطلوب لابد وأن يكون فعله راجحًا على تركه فإن كان ممتنع الترك كان واجبا وإن لم يكن ممتنع الترك فإما أن يكون لمصلحة أخروية فهو المندوب أو دنيوية فهو الإرشاد. ثم قال: إن الأصوليين اختلفوا فمنهم من قال إنه مشترك بين الكل وهو مذهب الشيعة ومنهم من قال إنه لا دلالة له على الوجوب والندب بخصوصه وإنما هو حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو ترجيح الفعل على الترك ومنهم من قال إنه حقيقة في الوجوب مجاز فيما عداه وهذا هو مذهب الشافعي ﵁ والفقهاء وجماعة من المتكلمين كأبى الحسين البصرى وهو قول الجباتى في أحد قوليه. ومنهم من قال إنه بحقيقة في الندب وهو مذهب أبى هاشم وكثير من التكلمين من المعتزلة وغيرهم وجماعة من الفقهاء وهو أيضا منقول عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى. ومنهم من توقف وهو مذهب الأشعرى ﵀ ومن تابعه من أصحابه كالقاضى أبى بكر والغزالى وغيرهما وهو الأصح. (٢) ٣ - رأى البيضاوى والإسنوى ذكر البيضاوى (٣) أن صيغة افعل ترد لستة عشر معنى وقد جعل نحو "كل مما يليك" داخلًا في الندب ومثل التعجيز بقوله سبحانه ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ وجعل من التهديد قوله سبحانه ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾ ومثل للإباحة قوله سبحانه ﴿كُلُوا﴾ وذكر مما لم يورده الغزالى والآمدى الاحتقار نحو قوله سبحانه ﴿بَلْ أَلْقُوا﴾ وهو حكاية عن قول

стр. 8633

موسى ﵇ للسحرة حين خيروه بين أن يبدأ بالإلقاء أو أن يبدأوا. وكذلك التكوين نحو قوله سبحانه ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١) أيضًا الخبر مثل قوله ﵇ "إذا لم تستح فاصنع ما شئت" وجعل عكس ذلك قوله سبحانه ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ (٢) وقوله ﵇ "لا تنكح المرأة المرأة". (٣) ويقول الإسنوى في هذا المقام (٤): إن هذه المعانى لصيغ يمتاز بعضها عن بعض بالقرائن ثم يقول: وسيأتي أن إطلاقها على ما عدا الإيجاب من هذه المعانى مجاز والمجاز لابد فيه من علاقة. واعترض الإسنوى على التمثيل للإباحة بقوله سبحانه ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ (٥) فإن الأكل والشرب واجبان لإحياء النفس فالصواب حمل كلام المصنف على إرادة قوله تعالى ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾. (٦) ثم إنه يجب أنْ تكون الإباحة معلومة من غير الأمر حتى تكون قرينة لحمله على الإباحة كما وقع به العلم هنا والعلاقة هي الإذن وهى مشابهة معنوية أيضا (٧) وقد أطال الإسنوى بذكر علاقات المجاز واستطرادات أخرى في المقام منها بيان الفرق بين الإباحة والامتنان والكلام في أن الأدب من المندوب أو قريب منه وأن الأكل مما يليه واجب والفرق بين التكوين والتسخير وبين الاحتقار والإهانة. ثانيًا: الحنفية يقول اليزدوى: (٨) إن من الناس من قال: إن الأمر مجمل في حق الحكم لا يجب به حكم إلا بدليل زائد، واحتجوا بأن صيغة الأمر استعملت في معان مختلفة: الإيجاب والندب والإباحة والتقريع والتوبيخ فإذا اختلفت وجوهه لم يجب العمل به إلا بدليل. وعلق البخارى على ذلك بأن المشهور في الوجوه التي تستعمل فيها صيغة الأمر لها ثمانية عشر: الوجوب. والندب. والإرشاد، والإباحة، والإكرام والامتنان، والإهانة، والتسوية، والتعجب، والتكوين وكمال القدرة، والاحتقار والإخبار والتهديد ويقرب منه الإنذار، والتعجيز، والتسخير، والتمنى، والتأديب، والدعاء وقد قال البخارى إن التكوين وكمال القدرة شئ واحد وإن عبر بعضهم بالتكوين وبعضهم بكمال القدرة مع أن التمثيل مشترك وهو قوله تعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. وقد فرق بين الإرشاد والندب بما فرق به الغزالى مما تقدم ومثل للتعجب بقوله سبحانه ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ (٩) أي ما أسمعهم وما أبصرهم. وأما ابن الملك فإنه لم يتعرض لهذا الموضوع إلا على سبيل الاستطراد في بيان أن هذه

стр. 8634

الصيغة قد تكون للتهديد والتعجيز ونحو ذلك. (١) ثالثًا: المتأخرون وهم الذين جمعوا بين طريقتى علماء الكلام والفقهاء. يقول عبيد الله بن مسعود عن بيان مذهب ابن سريج الذي يقول بالتوقف في موجب الصيغة حتى يتبين المراد: (٢) إن الأمر يستعمل في ستة عشر معنى وأوردها على طريقة المنهاج للبيضاوى ولكنه اعتبر التأديب منفصلًا عن الندب ولم يذكر الدلالة على الخبر. ويعلق التفتازانى على ذلك (٣) فيقول: إنهم اختلفوا المدلول الحقيقى لصيغة "افعل" فذهب ابن سريج من أصحاب الشافعي إلى أن موجب الأمر أي الأثر الثابت به التوقف لأنه يستعمل في معان كثيرة بعضها حقيقة اتفاقًا وبعضها مجاز اتفاقًا فعند الإطلاق يكون محتملًا لمعان كثيرة والاحتمال يوجب التوقف إلى أن يتبين المراد. فالتوقف عنده في تعيين المراد عند الاستعمال لا في تعيين الموضوع له لأنه عنده موضوع بالاشتراك اللفظى للوجوب والندب والإباحة والتهديد. وذهب الغزالى وجماعة من المحققين إلى التوقف في تعيين الموضوع له أنه الوجوب فقط أو الندب فقط أو مشترك بينهما لفظًا. وأما ابن السبكى فإنه يختلف عن غيره في هذا الموضوع (٤) فقد زاد في صيغة الأمر الإذن كقولك لمن يطرق الباب "ادخل" والتكذيب نحو قوله سبحانه ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٥). والمشورة كقوله سبحانه حكاية عن قول إبراهيم الخليل ﵇ ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾. والاعتبار مثل قوله تعالى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ (٦) وإرادة الامتثال كقولك لآخر عند العطش "اسقنى ماء"، والتفويض نحو قوله تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ (٧) والإنعام كقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (٨). وأوضح العطار في حاشيته على جمع الجوامع معنى إرادة الامتثال في قول العطشان "اسقنى" فقال: إن ذلك العطشان لا غرض له من الطلب إلا إرادة الامتثال وقال: إن ذلك مقيد بما إذا لم يكن الطالب ممن تجب طاعته كالسيد وإلا كانت للوجوب أو الندب بمعنى الطلب الجازم أو غيره لا الوجوب الشرعى. وعلق على كون الصيغة في مثل قولك للطارق "ادخل" بمعنى الإذن بأن هذا إذا كانت الصيغة من غير الشارع. وهناك بعض تصويرات وإيضاحات لبعض الفروق فيما يشتبه أحيانا كالتكوين وكمال القدرة والامتنان والإباحة وتصور الإنعام بأنه التذكير بالنعمة وغير ذلك مما لا مجال للإطالة بذكره (٩).

стр. 8635

رابعًا: الزيدية يقول الشوكانى بعد أن أوضح الخلاف بين علماء الأصول في صيغة افعل وما في معناه هل هي حقيقة في الوجوب أو فيه مع غيره أو في غيره. (١) "اعلم أن هذا النزاع إنما هو في المعنى الحقيقى للصيغة وأما مجرد استعمالها فقد تستعمل في معان كثيرة". ثم قال بعد أن نقل عن الرازى في المحصول خمسة عشر وجها بأمثلتها: "فهذه خمسة عشر معنى ومن جعل التأديب والإنذار معنيين مستقلين جعلها سبعة عشر معنى. وجعل بعضهم من المعانى: الإذن نحو ﴿كُلُوا مِنْ الطَيِّبَاتِ﴾ والخبر نحو ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ والتفويض نحو ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ (٢) والمشورة كقوله ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ (٣) والاعتبار نحو ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ (٤) والتكذيب نحو ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ (٥) والالتماس كقولك لنظيرك "افعل" والتلهيف نحو ﴿مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ والتبصير نحو ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾ (٦) فتكون جملة المعانى ستة وعشرين معنى. خامسًا: الشيعة الجعفرية والإباضية يصور الكاظمى مسلك الشيعة الجعفرية في كتابه فوائد الأصول إذ أنهى معاني صيغة الأمر إلى أربعة وعشرين معنى عد منها الطلب والتعجيز والتهديد وغير ذلك مما لا يخرج عما سبق إيراده (٧) وأما الإباضية فيقول صاحب طلعة الشمس: "حكم الأمر المعرف بأن طلب فعل غير كف لا على وجه الدعاء هو الوجوب وضعًا وشرعا ما لم تصرفه عن معنى الوجوب قرينة. (٨) فإن قامت قرينة تمنع الأمر من إرادة الوجوب صرف إلى ما تقتضيه القرينة من المعانى مجازًا كما صرف إلى الندب والإباحة والإرشاد وإرادة الامتثال والإذن والتأديب والامتنان والتهديد ومثل لكل من هذه المعانى. (٩) ما تفيده الصيغة على سبيل الحقيقة " اتفق الأصوليون على أن صيغة افعل مجاز فيما سوى الطلب والتهديد والإباحة غير أنهم اختلفوا فمنهم من قال إنها مشتركة بين الطلب للفعل وبين التهديد المستدعى لترك الفعل وبين الإباحة المخيرة بين الفعل والترك. ومنهم من قال إنها حقيقة في الإباحة مجاز فيما سواها. ومنهم من قال أنها حقيقة فى الطلب مجاز فيما سواه". هذا هو تلخيص الآمدى للمسألة وقد علق على الرأى الأخير بقوله: "وهو الأصح" (١٠) وفيما يلى آراء الأصوليين.

стр. 8636

القائلون بأن صيغة الأمر تفيد الوجوب على سبيل الحقيقة جاء في المنهاج وشرحه: (١) إن مذهب الجمهور في صيغة الأمر أنها إذا تجردت من القرائن تدل على الوجوب حقيقة وقد نقله في المحصول عن أكثر الفقهاء والمتكلمين وقال إنه الحق وفى الإحكام للآمدى والبرهان لإمام الحرمين أنه مذهب الشافعي وفى شرح اللمع للشيخ أبى إسحق الشيرازى أنه الذي أملاه الأشعرى على أصحاب أبى إسحق الإسفرايينى ببغداد. ولكن هل يدل على الوجوب بوضع اللغة أو الشرع فيه مذهبان محكيان في شرح اللمع: الأول: وهو كونه بوضع اللغة نقله في البرهان عن الشافعي ثم اختار هو أنه بالشرع وفى المستوعب قول ثالث أنه بالفعل. وفيما يلي مسلك كل فريق من أرباب هذه المذاهب. ١ - البيضاوى يستدل البيضاوى على مذهب الجمهور بخمسة أوجه بينها الإسنوى في شرحه: (٢) الأول: أن الله سبحانه ذم إبليس على مخالفته قوله ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ فقال سبحانه ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ (٣) لأن هذا الاستفهام ليس على حقيقته فإنه تعالى عالم بالمانع فتعين أن يكون للتوبيخ والذم وإذا ثبت الذم على ترك المأمور به ثبت أن الأمر للوجوب إذ لو لم يكن للوجوب لكان لإبليس أن يقول له سبحانه: إنك ما ألزمتنى ففيم ألزم؟ وأيضا لو لم يكن للوجوب لما توجه الذم على أبليس على الترك لأنه غير الواجب لا يذم تاركه. الدليل الثاني: قوله تعالى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ (٤) أي صلوا. قال الإسنوى: وتقريره كالذى قبله (٥). الدليل الثالث: أن تارك الأمر - أي المأمور به - مخالف لذلك الأمر والمخالف عرضة للعذاب يقول الله سبحانه ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٦) فقد أمر سبحانه مخالف أمره بالحذر من العذاب ولا يكون ذلك إلا بعد قيام المقتضى لوقوع العذاب فثبت أن تارك الأمر عرضة لوقوع العذاب ولا معنى للوجوب إلا هذا. الدليل الرابع: أن تارك الأمر عاص لقوله سبحانه حكاية عن قول موسى لهارون ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ وقوله تعالى ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ (٧) وكل عاص يستحق النار لقوله سبحانه ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ (٨) عبر بمن التي هي للعموم فدل على ما قلنا فينتج أن تارك الأمر يستحق النار ولا معنى للوجوب إلا ذلك. الدليل الخامس: أن النبي ﵇ دعا أبا سعيد الخدرى وهو في الصلاة فلم يجبه فقال الرسول ﵇: ما منعك أن تجيب

стр. 8637

وقد سمعت الله سبحانه يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ (١) وهذا الاستفهام ليس على حقيقته لأنه ﵊ علم أنه في الصلاة فتعين أن يكون للتوبيخ والذم فدل على أن الأمر يفيد الوجوب (٢). وقد ذكر البيضاوى الإسنوى عددًا من الاعتراضات على هذه الأدلة وتولى الرد عليها بما لا تدعو الحاجة إلى ذكره. ٢ - البزدوي وأما الإمام البزدوى الحنفى فإنه يستدل على إفادة الأمر الوجوب بقوله (٣). إذا ثبت أن الأمر موضوع لمعناء المخصوص به كان الكمال أصلًا فيه فثبت أعلاه على احتمال الأدنى إذ لا قصور في الصيغة ولا في ولاية المتكلم. وقد أوضح عبد العزيز البخارى ذلك فقال: إذا ثبت أن الأمر موضوع لمعناه المخصوص وهو طلب الفعل كان الكمال أصلا في ذلك المعنى لأن الناقص ثابت في وجه دون وجه وكماله بالوجوب لا بالندب لأن استحقاق العقاب لما ترتب على ترك المأمور به كترتب الثواب على فعله دل على أن إتيان الفعل مطلوب من كل وجه فيثبت به كمال الطلب من جانبه. وكذا المطلوب وهو إتيان الفعل يحصل به من جنب المأمور غالبًا. فأما الندب ففيه نقصان في جانب الطلب لعدم ترتب العقاب على تركه وكذا لا يؤدى إلى وجود المطلوب غالبًا وإذا كان كمال الطلب في الوجوب وجب القول به إذ لا قصور في دلالة الصيغة على الطلب لأنها موضوعة لذلك. ولا في ولاية الأمر لأنه مفترض الطاعة يملك الإلزام. وأيد ذلك بما نقله عن أبى اليسر من أن الأمر لفظ فكان المراد به خاصًّا كاملًا لأن الأصل في الأشياء الكمال والنقصان عارض والكمال إنما يكون بالوجوب لأن الوجوب يحمله على الوجود فكان الوجود بواسطة الوجوب مضافًا إلى الأمر السابق فمن جعل الأمر للإباحة أو الندب جعل النقصان أصلًا والكمال نعارض. وهذا قلب القضية. ثم قال البزدوى: والحجة لعامة العلماء القائلين بالوجوب من الكتاب والإجماع والدليل المعقول. أما الكتاب فقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٤) ثم قال: إن هذا مبنى على أنه أريد به ذكر الأمر بكلمة "كن" والتكلم بها على سبيل الحقيقة وقد أجرى سنته في الإيجاد بعبارة الأمر ولو لم يكن الوجود مقصودًا بالأمر لما استقام قرينة للإيجاد بعبارة الأمر (١٢). وأيد البخارى ذلك بقوله: إن الفاء في قوله سبحانه "فيكون" لبيان أنه نتيجة للأول ثابت به كما يقال: أطعمه فأشبعه وسقاه فأرواه فلو لم يكن الوجود مستفادًا بالأمر في قوله "كن" لكان قوله "كن فيكون" بمنزلة قولك: سقيته فأشبعته وأطعمته فأرويته أي أنه لا يكون هناك ارتباط

стр. 8638

للسابق مع اللاحق وهذا لا يجوز من الشارع. واستدل البزدوى لهم من الكتاب أيضا بقوله سبحانه ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ (١) فقد نسب وأضاف القيام إلى الأمر وذلك دليل أن الوجود معقود بالأمر (٢). وقال البخارى: إن المراد بالقيام الوجود في بعض التأويلات فيصير الأمر سببًا للوجود واستدل اليزدوى أيضًا بآية ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ (٣) الآية وقد سبق إيرادها فيما استدل به البيضاوى وقد وجه البخارى الاستدلال بها يمثل ما وجهه الإسنوى وأشار إلى أن الاستدلال في هذه الآية معترض بعدة اعتراضات لم يذكرها ثم استدل اليزدوى بالإجماع فقال: (٤) وكذلك دلالة الإجماع حجة لأن من أراد طلب فعل لم يكن في وسعه إلا أن يطلبه بلفظ الأمر. ويعلق البخارى على ذلك بقوله: إن العقلاء أجمعوا على أن من أراد أن يطلب فعلًا من غيره لا يجد لفظًا موضوعًا لإظهار مقصوده سوى صيغة الأمر فهذا الإجماع يدل على أن المطلوب من الأمر وجود الفعل وأنه موضوع له وإلا لم يستقم طلبهم الفعل من المأمور بهذه الصيغة. هذا هو المراد بدلالة الإجماع والدلالة تعمل عمل الصريح إذا لم يوجد صريح يخالفه ثم ذكر اليزدوى الدليل المعقول فقال: (٥) إن تصاريف الأفعال وضعت لمعان على الخصوص كسائر العبارات فصار مغنى المضى للماضى حقًّا لازمًا لا ينصرف عنه إلا بدليل وكذا الحال، واحتمال أن يكون للاستقبال لا يخرجه عن موضوعه وهو الحال، فكذلك صيغة الأمر لطلب المأمورية فتكون المأمورية حقًّا لازمًا بالأمر في أصل الوضع ليفيد الأمر فائدته. فقضية الأمر لغة ألا يثبت إلا بالامتثال. ٣ - النسفى وابن الملك: (٦) يصور النسفى وشارحه ابن الملك ذلك الرأى فيقول: إن موجب الأمر المطلق الوجوب لانتفاء الخيرة عن المأمور بالأمر بالنص وهو قول عامة العلماء واستحقاق الوعيد لتاركه. وقد بين ابن الملك كلمة "النص" بأن قوله تعالى ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ (٧) بعد قوله ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ فإنه ورد في معرض الذم على المخالفة فعلم أنه لا اختيار للمأمور فيما أُمر به وهو دليل الوجوب. وقيل إن المراد بالنص آية ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٨). وقد علق على ذلك الرهاوى بقوله: إن هذا النص هو المناسب للمقام والمعنى: ما صح للمؤمنين والمؤمنات إذا حكم الله ورسوله حكمًا أن يختاروا من أمرهما شيئا ويتمكنوا من تركه بل يجب عليهم المطاوعة في جميع أوامرهما وإذا انتفت الخيرة عن المأمور تُيقّن الوجوب.

стр. 8639

واستدل النسفى وشارحه أيضًا على الوجوب باستحقاق الوعيد لتاركه في قوله "فليحذر الذين يخالفون" (١). كما استدلا بدلالة الإجماع والمعقول (٢) ولم يخرجا عما نقلناه عن الإسنوى واليزدوى وشارحه إلا في بعض استطراد غير جوهرى فمن شاء فليرجع إلى ما كتبا. ٤ - ويقول الكمال بن الهمام: واختار الكمال بن الهمام أيضًا أن صيغة الأمر حقيقة في الوجوب فقط وبعد أن استدل على ذلك بما لا يخرج عما سبق إيراده قال: (٣) لنا على المختار - وهو الأول - "الوجوب" أنه تكرر استدلال السلف بصيغة الأمر مجردة عن القرائن على الوجوب استدلالًا شائعًا بلا نكير. فأوجب العلم العادى باتفاقهم على أنها له كالإجماع القولى على ذلك. وقد نهج نفس منهجه البهارى في كتابه مسلم الثبوت (٤). ٥ - وقال ابن السبكى والمحلى وصدر الشريعة: وقد أيد هذا الاتجاه كل من صدر الشريعة وابن السبكى والمحلى فيقول صدر الشريعة (٥): إن أكثرهم على الوجوب ثم يسوق أدلتهم السابقة. ويقول ابن السبكى والمحلى (٦): الجمهور قالوا هي حقيقة في الوجوب فقط واختلفوا في أن ذلك مفاد الصيغة لغة أو شرعًا أو عقلًا: ثم قال المحلى: وجه أولها الصحيح عند الشيخ أبى إسحاق الشيرازى أن أهل اللغة يحكمون باستحقاق مخالف أمر سيده مثلًا بصيغة افعل للعقاب. ومن قال إن مفاد الصيغة الوجوب عقلًا قال: إن ما تفيده لغة من الطلب يتعين أن يكون الوجوب لأن حمله على الندب يصير المعنى "افعل إن شئت" وليس هذا القيد مذكورًا وقوبل بمثله في الحمل على الوجوب فإنه يصير المعنى "افعل من غير تجويز ترك". ٦ - الظاهرية: يقول ابن حزم في كتاب الإحكام (٧): إن جميع أصحاب الظاهر على أن صيغة الأمر تدل على الوجوب حتى يقوم دليل صارف عن ذلك. وهذا هو الذي لا يجوز غيره. ثم قال (٨): إن أول الأدلة على أن صيغة الأمر تدل على الوجوب ما لم يقم دليل صارف عن ذلك أنه لا يعقل أحد من أهل كل لغة - أي لغة كانت - من لفظة افعل أو اللفظة التي يعبر بها في كل لغة عن معنى افعل غير الوجوب. ثم يقول (٩): اعلم أن الوعيد من الله قد اقترن بجميع أوامر نبيه في قوله سبحانه ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ

стр. 8640

يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ (١) فاقترن التحذير من الفتنة والوعيد بكل من خالف عن آمره ﷺ . ثم قال: وإن ما خرج من الأوامر عن استحقاق العذاب المنصوص في الآية على تركه بخروجه إلى معنى الندب إنما هو مستثنى من جملة ما جاءت الآية به بمنزلة المنسوخ الخارج عن الوجوب فلا يبطل ذلك بقاء سائر الشريعة على الاستعمال. وكذلك خروج ما خرج بدليله إلى الندب ليس بمبطل بقاء ما لا دليل على أنه ندب على استحقاق العذاب على تركه إلا أن الوعيد قد حصل مقرونًا بالأوامر كلها إلا ما جاء إجماع متيقن أو نص منقول إلى النبي ﷺ بأنه لا وعيد عليه لأنه غير واجب ولا يسقط شئ من كلام الله تعالى إلا ما أسقطه وحى له تعالى آخر فقط. (٢) ثم أورد من الأدلة قول النبي ﵇: "كل أمتى يدخلون الجنة إلا من أبى" قالوا يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: "من أطاعنى دخل الجنة ومن عصانى فقد أبى". ثم قال: إن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ (٣) ولا عصيان أعظم من أن يقول الله ورسوله افعل كذا فيقول المأمور: لا أفعل إلا إن شئت أن أفعل ومباح لى أن أترك ما أترك ما أمرتمانى به. واستدل أيضًا بحديث: "إن الله فرض عليكم الحج" فقال رجل: أفى كل عام يا رسول الله؟ وكرر ذلك فقال ﵇: "لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ما قمتم بها فإذا أمرتكم بالشئ فخذوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه" فبين ﵇ أن كل ما أمر به فهو واجب ولو لم يقدر عليه. وأطال في بيان ذلك ثم قال: (٤) وليس يقابل الأمر الوارد إلا بأحد ثلاثة أوجه لا رابع لها نعلم ذلك بضرورة الطبيعة وبيديهة العقل: إما الوجوب وهو قولنا. وإما الندب والتخيير في فعل أو ترك وقد أبطل الله هذا الوجه في قوله تعالى ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٥). وإما الترك وهو المعصية فأخبر تعالى أن من فعل ذلك فقد ضل ضلالًا مبينا. فارتفع الإشكال كله. ٧ - الزيدية: اختار الشوكانى ما ذهب إليه الجمهور من أن صيغة افعل وما في معناه حقيقة في الوجوب (٦) وأورد أدلتهم على نحو ما سبق للبيضاوى ومما أورد منها: ما صح عنه ﷺ من قوله "لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" وكلمة لولا تفيد انتفاء الشئ لوجود غيره فهنا تفيد انتفاء الأمر لوجود المشقة فهذا يدل على أنه لم يوجد الأمر بالسواك عند كل صلاة والإجماع قائم على أنه مندوب فلو كان المندوب مأمورًا به لكان الأمر قائمًا عند كل صلاة فلما لم يوجد الأمر علمنا أن المندوب غير مأمور به. وبما وقع في قصة بريرة لما رغبها رسول الله ﷺ فى الرجوع إلى زوجها فقالت: أتأمرنى

стр. 8641

بذلك؟ فقال: "لا إنما أنا شافع" فنفى ﵇ الأمر منه مع ثبوت الشفاعة الدالة على الندب وذلك يدل على أن المندوب غير مأمور به وإذا كان كذلك وجب أن لا يتناول الأمر الندب. وبما استدلوا به من أن لفظ افعل إما أن يكون حقيقة في الوجوب فقط أو في الندب فقط أو فيهما معًا أو فى غيرهما والأقسام الثلاثة الآخرة باطلة فتعين الأول. لأنه لو كان للندب فقط لما كان الواجب مأمورًا به فيمتنع أن يكون الأمر للندب فقط ولو كان لهما لزم الجمع بين الراجح فعله مع جواز تركه وبين الراجح فعله مع المنع من تركه والجمع بينهما محال. ولو كان حقيقة في غيرهما لزم أن يكون الواجب والمندوب غير مأمور بهما وأن يكون الأمر حقيقة فيما لا ترجح فيه وهو باطل. ومعلوم أن الأمر يفيد رجحان الوجود على العدم وإذا كان كذلك وجب أن يكون مانعًا من الترك. (١). ثم قال: إذا تقرر لك هذا عرفت أن الراجح ما ذهب إليه القائلون بأنها حقيقة في الوجوب فلا تكون لغيره من المعانى إلا بقرينة لما ذكرناه من الأدلة. ومن أنكر استحقاق العبد المخالف لأمر سيده للزم وأنه يطلق عليه بمجرد هذه المخالفة اسم العصيان فهو مكابر ومباهت فهذا يقطع النزاع باعتبار الفعل. وأما باعتبار ما ورد في الشرع وما ورد من حمل أهله للصيغ المطلقة من الأوامر على الوجوب ففيما ذكرناه سابقًا ما يغنى عن التطويل. ولم يأت من خالف هذا بشئ يعتد به أصلا (٢). ٨ - الشيعة الجعفرية والإباضية: يقول صاحب قوانين الأصول: (٣) إن صيغة افعل مع قطع النظر عن القرائن تفيد الوجوب اللغوى وبضميمة المقام يتم الوجوب الاصطلاحى وهذا هو مراد القائل بكونها حقيقة في الوجوب. وتكلم عن اختلاف الأصوليين في حكم الصيغة (٤) واختار أنها للوجوب قائلًا إنها الأقرب ثم قال: (٥) التحقيق أن لفظ الأمر حقيقة في الطلب الاستعلائى على سبيل الوجوب وهو المتبادر منه عرفًا وصيغة افعل كثيرًا ما تستعمل في غيرها هذا المعنى فكون الأمر حقيقة في الوجوب لا يستلزم كون افعل حقيقة فيه. ولذلك أفردوا البحث في كل منهما فما اخترناه من كون الصيغة الوجوب إنما هو للتبادر في الصيغة لا من أجل كونها مصداقًا للأمر وإن كنا نقول يكون الأمر أيضًا حقيقة في الوجوب. وساق من الأدلة ما لا يخرج عما سبق إيراده. وأما الإباضية فيقرر مذهبهم صاحب طلعة الشمس إذ يقول (٦): إن حكم الأمر المعروف بأنه طلب فعل غير كف لا على وجه الوفاء هو الوجوب وضعًا وشرعًا ما لم تصرفه عن معنى الوجوب قرينة فإن القول الطالب وإن كان شاملًا في ذاته للوجوب والندب

стр. 8642

لأن كلا منهما مطلوب فالوجوب إنما تعين بأدلة خارجة عن ذات الطلب. واستدل ببعض ما سبق وبنى عليه أنه إذا ثبت ذلك "ثبت المطلوب وهو أن الأمر المطلق "صيغة افعل التي لم تقيد بقرينة" للوجوب بالكتاب والسنة (١) ثم قال: إن ذلك هو ما عليه الجمهور (٢). وقد تبين من هذه النقول مذهب الجمهور فيما تفيده الصيغة على سبيل الحقيقة وأدلتهم على اختلاف مناهج الاستدلال مع اتفاقهم على أنها حقيقة في الوجوب ما لم تصرف عن إفادته بعض القرائن. القائلون بأن صيغة الأمر تدل حقيقة على غير الوجوب وأما غير الجمهور فإنهم يختلفون عنهم في ذلك: - فمنهم من يرى أن صيغة الأمر حقيقة في الندب. - ومنهم من يرى أن صيغة الأمر حقيقة في الإباحة. - ومنهم من يقول إنها مشترك لفظى بين الوجوب والندب. - ومنهم من يقول إنها مشترك لفظى بين الثلاثة الوجوب والندب والإباحة. - ومنهم من يقول إنها مشترك لفظى بين هذه الثلاثة وبين التهديد. - ومنهم من قال إنها مشترك بين الوجوب والندب والإرشاد. - وقيل هي مشتركة بين الوجوب والندب والإباحة والتهديد والإرشاد. - وقيل مشتركة بين الأحكام الخمسة: "الوجوب والندب والتحريم. والكراهة والإباحة". - ومنهم من قال بالتوقف بين مختلف هذه الدلالات. - ومنهم من قال إنها مشترك معنوى بين مطلق طلب الفعل الذي يصدق على الوجوب وعلى الندب. ١ - القول بأنها حقيقة في الندب: ينسب هذا إلى أبى هاشم الجبائى وعامة المعتزلة وجماعة من الفقهاء وهو رواية عن الشافعي (٣) وقد مال إليه اليزدوى في كتابه (٤) ولخص حجة القائلين به في أن معنى الإباحة أو الندب من الوجوب بعضه في التقرير كأنه قاصر لا مغاير لأن الوجوب ينتظمه. ثم قال: وهذا أصح. وعلق البخارى على ذلك مشيرًا إلى أن الشيخ قد جمع في قوله بين الإباحة والندب وبين الخلاف فيهما على نمط واحد. ثم نقل شبهة القائلين بأن الأمر حقيقة في الندب وهم بعض أصحاب الشافعي وجمهور أصحاب الحديث فقال: وشبهتهم أن المندوب بعض الواجب لأن الواجب هو ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه والندب ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه

стр. 8643

فإذا أريد به الندب فقد أريد بعض ما يشتمل عليه الوجوب فكان حقيقة فيه كما لو أريد من العام بعضه يكون حقيقة فيه وكما لو أطلق لفظ الإنسان على الأعمى والأشل ومقطوع الرجل يكون حقيقة وإن مات بعضه. وأيضًا فإن من شرط المجاز أن يكون المعنى المجازى مغايرًا للمعنى الحقيقى وهذا هو عين المعنى الحقيقى لأنه جزؤه إلا أنه قاصر فكيف يكون اللفظ فيه مجازًا. ومن أدلتهم النقلية على ذلك أن النبي ﵇ قال: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" لأن النبي ﵇ رد الأمر إلى مشيئتنا وهو معنى الندب (١). ويرد على الدليل النقلى ابن أمير الحاج (٢) بأن قوله "رده إلى مشيئتنا" مع روايتهم الحديث بلفظ "ما استطعتم" ذهول عظيم. ويضيف الآمدى (٣) في رده: لا يلزم من قوله "ما استطعتم" تفويض الأمر إلى مشيئتنا فإنه لم يقل فافعلوا ما شئتم بل قال ما استطعتم وليس خاصية للندب فإن كل واجب كذلك. ويرد على حجتهم العقلية بأن المندوب لا يمكن أن يدخل في الواجب فإن الواجب هو المطلوب على سبيل الإلزام وهذا القيد يخرج المندوب لا محالة. وأيضًا لو كان تنزيل لفظ الأمر على المتيقن لازمًا لكان جعله حقيقة في رفع الحرج عن الفعل أولى لكونه متيقنًا بخلاف المندوب فإنه متميز بِكَوْن الفعل مترجحا على الترك وهو غير متيقن (٤). ولا يخرج كلام ابن الملك في تصوير كون الأمر حقيقة في الندب عما نقله البخارى عنهم (٥). حيث يقول: إن الندب جزء من الواجب لأن الواجب ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه والمندوب ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه فكان حقيقة فيهما كما لو أريد من العام بعضه. وفى المسودة لآل تيمية (٦) عند ذكر القول بأنه حقيقة في الندب قالوا "وهو اختيار أكثر أصحابنا، القاضي أبى يعلى وابن عقيل وهو نص الشافعي حكاه أبو الطيب الطبرى وهو الصحيح من مذهبه". ثم نقلوا عن أحمد بن حنبل (٧) أن ما أمر به النبي ﵇ عنده أسهل مما نهى عنه وقالوا: ظاهر هذا يمنع من الوجوب ويفيد أنه على الندب. وفى موضع آخر قالوا: (٨) يحتمل أنه أراد على الندب وهو بعيد لمخالفته منصوصاته الكثيرة. وزعم أبو الخطاب أن هذا يدل على أن إطلاق الأمر مقتضى الندب. ويقول المحلى تعليقًا على قول ابن السبكى: "وقيل هي حقيقة في الندب": (٩)

стр. 8644

إن ذلك لأنه المتيقن من قسمى الطلب. وعلل ذلك العطار في حاشيته على جمع الجوامع بقوله: لأن المنع من الترك المختصَّ بالوجوب أمر زائد لم تتحقق إرادته ثم قال: وعارض هذا القائلون بالوجوب بأن الموضوع للشئ محمول على الكامل إذ الأصل في الأشياء الكمال. وأيضًا: فالمتيقن أصل الطلب وأما كونه للندب أو الوجوب فأمر زائد على الأصل. ويصور السعد حجة القائلين بأنه حقيقة في الندب بقوله: (١) إن الصيغة لطلب الفعل فلابد من رجحان جانبه على جانب الترك وأدناه الندب لاستواء الطرفين في الإباحة. وكون المنع عن الترك أمرًا زائدًا على الرجحان. ٢ - القول بأنها حقيقة في الإباحة: نقل القول بأن صيغة الأمر حقيقة في الإباحة جماعة من الأصوليين منهم الآمدى في الإحكام ولم يعين أصحابه وقال: إنهم يقولون إن صيغة الأمر حقيقة في الإباحة مجاز فيما سواها (٢). ونقل السعد أنه قول بعض أصحاب مالك (٣). وعلل الإسنوى لهذا المذهب بأن الجواز محقق والأصل عدم الطلب (٤). وأكثر الأصوليين لا يتعرض لهذا القول وخير تعليق على أن الأمر حقيقة في الندب أو الإباحة ما أورده الرهاوى حيث قال: (٥) والمناقشة في أمثال ذلك مما لا يليق بهذه الصناعة ألا نرى أنهم يقولون الأمر حقيقة في الوجوب ليس معناه أن وجوب القيام مثلًا هو المدلول المطابق للفظ "قم" بل معناه أنه لطلب القيام على سبيل اللزوم والمنع عن الترك. ٣ - القائلون بالاشتراك: وأما القائلون بالاشتراك فمنهم من يقول بالاشتراك اللفظى ومنهم من يقول بالاشتراك المعنوى. ويختلف القائلون بالاشتراك اللفظى: فمنهم من يقول إن الصيغة مشتركة بين الوجوب والندب ونقله أمير باد شاه عن الشافعي (٦). ونقل ابن السبكى هذا المذهب في جمع الجوامع ولم ينسبه هو إلى أحد كما لم ينسبه شارحه المحلى (٧). ودليلهم أن الصيغة تستعمل في لسان العرب في كل من الوجوب والندب والأصل في الإطلاق الحقيقة فتكون الصيغة مشتركًا لفظيًا بينهما. ومنهم من قال إنها مشترك بين الوجوب والندب والإباحة ونقله الكمال وشارحه ولم ينسباه إلى أحد ونسبه في مسلم الثبوت إلى الروافض (٨) ودليلهم أن الصيغة تستعمل في لسان العرب في كل من الوجوب والندب والإباحة والأصل في الإطلاق الحقيقة. وهذا القول ينسب إلى بعض الحنابلة (٩).

стр. 8645

ومن الأصوليين من يقول إن الصيغة مشتركة بين هذه الثلاثة والتهديد وحكاه الكمال عن الشيعة (١) وحجتهم الاستعمال في لسان العرب في الأربعة كما سبق. ومنهم من يقول هي مشتركة بين الوجنوب والندب والإرشاد نقله الآمدى في الإحكام ونسبه إلى الشيعة (٢). وقد رد الشوكانى على القائلين بالاشتراك بأن المجاز أولى من الاشتراك - كما تقرر في مواضعه من كتب الأصول. وأيضًا كان يلزم أن تكون الصيغة حقيقة في جميع معاني الأمر - التي سبق بيانها - لأنه قد أطلق عليها ولو نادرا ولا قائل بذلك. (٣) كذلك يختلف القائلون بالاشتراك المعنوى: فمنهم من يذهب إلى أن صيغة الأمر موضوعة للقدر المشترك بين الوجوب والندب وهو الطلب الذي يساوى في معناه ترجيح الفعل على الترك. وهو منقول عن أبى منصور الماتريدى ومنسوب إلى مشايخ سمرقند كما بينه أمير باد شاه (٤) وقد بين المحلى وجهة نظر هؤلاء فقال: (٥) إنهم ذهبوا إلى ذلك حذرا من الاشتراك والمجاز لأن استعمالها في كل منهما من حيث إنه طلب استعمال حقيقى. يقول صاحب مسلم الثبوت: (٦) الاستدلال لمذهبهم بأنه ثبت الرجحان أو الإذن بالضرورة الاستقرائية فلم يثبت الزائد من الحرج في الترك لعدم الدليل عليه فلا مدلول إلا ذلك. ورد عليهم بأن الزيادة التي ادعوا عدم ثبوتها قد ثبتت بالأدلة التي أوردها أصحاب القول بالوجوب. فعدم الدليل على الزيادة ممنوع. ومن القائلين بالاشتراك المعنوى من يذهب إلى أن صيغة افعل للقدر المشترك بين الثلاثة - الوجوب والندب والإباحة - يتمثل ذلك في الإذن الذي هو رفع الحرج عن الفعل. نقل ذلك الكمال وشارحه (٧) ونسب هذا المذهب أمير باد شاه إلى المرتضى من الشيعة. واحتج أصحاب هذا المذهب - كما في مسلم الثبوت - بدعوى ثبوت الإذن بالضرورة الإستقرائية أيضًا فلم يثبت الزائد. ورد عليهم بأن الزائد ثبت بالأدلة المتقدمة فعدم الدليل منموع أيضًا (٨). وفي هذا المقام يقول البزدوى - من علماء الحنفية بعد بيان أن الصيغة حقيقة في الوجوب: إنه إذا أريد بالأمر الإباحة أو الندب فهل يكون حقيقة؟. قال الكرخى والجصاص: إنه مجاز لأن اسم الحقيقة لا يتردد بين النفى والإثبات. فلما جاز أن يقال إنى غير مأمور بالفعل دل على أن الأمر به يكون مجازًا. ثم وجه القول بأنه حقيقة بأن معنى الإباحة والندب من الوجوب بعضه في التقدير. لأن الوجوب ينتظم كلا من الإباحة والندب (٩).

стр. 8646

وقال البخارى تعليقًا على ذلك ونقلًا عن أبى اليسر: إنه إذا أريد بالأمر الندب فهو مجاز عند أبى حنيفة وأصحابه وعامة الفقهاء. وذهب بعض أصحاب الشافعي وجمهور أصحاب الحديث إلى أنه حقيقة فيه وإليه مال فخر الإسلام. ويوضح صدر الشريعة وجهة فخر الإسلام في اختباره كون استعمال الأمر في كل من الندب والإباحة حقيقة بقوله: (١) إن تأويله أن المجاز في اصطلاحه لفظ أريد به معنى خارج عن الموضوع فإذا أريد به جزء الموضوع له فلا يكون مجازًا. يدل على ذلك قوله في هذا الموضوع: إن معنى الإباحة أو الندب من الوجوب بعضه في التقدير أما في اصطلاح غيره من العلماء فالمجاز لفظ أريد به غير ما وضع له سواء كان جزءه أو معنى خارجًا عنه. ثم قال: وحاصل الخلاف في هذه المسألة أن إطلاق الأمر على الإباحة أو الندب أهو بطريق إطلاق اسم الكل على الجزء أم بطريق الاستعارة؟ ومعنى الاستعارة أن تكون علاقة المجاز وصفًا بينًا مشتركًا بين المعنى الحقيقى والمجازى كالشجاعة بين الإنسان الشجاع والأسد. وقد نقل السعد تأويلًا لكلام فخر الإسلام بأن الأمر حقيقة للوجوب خاصة عند الإطلاق وللندب أو الإباحة عند انضمام القرينة ثم قال (٢). لما كان فساد هذا التأويل ظاهرًا لتأديه إلى إبطال المجاز بالكلية بأن يكون مع القرينة حقيقة في المعنى المجازى ولأنه يجب في الحقيقة استعمال اللفظ فيما وضع له أي دل عليه بلا قرينة ذكروا له تأويلًا آخر وهو أن اللفظ المستعمل في جزء ما وضع له ليس بمجاز بناء على أنه يجب في المجاز استعمال اللفظ في غير ما وضع له. واستطرد في هذا ثم قال: (٣) فيؤول الخلاف إلى أن استعمال صيغة الأمر في الندب أو الإباحة من قبيل الاستعارة ليكون مجازًا أو من قبيل إطلاق اسم الكل على الجزء ليكون حقيقة قاصرة. وأوضحه بمثل ما سبق ثم علق على الموضوع بقوله: والمناقشة في أمثال ذلك مما لا يليق بهذه الصناعة. ٤ - القائلون بالوقف: أجمل الشوكانى مذاهب القائلين بالوقف فقال: (٤) وقال الأشعرى والقاضى الباقلانى بالوقف فقيل إنهما توقفا في أنه موضوع للوجوب والندب وقيل توقفا بأن قالا: لا ندرى بما هو حقيقة فيه أصلًا. وحكى السعد في التلويح عن الغزالى وجماعة من المحققين أنهم ذهبوا إلى الوقف في تعيين المعنى الموضوع له حقيقة. وحكى أيضًا عن ابن سريج الوقف في تعيين المعنى المراد عند الاستعمال لا في تعيين الموضوع له عنده لأنه موضوع عنده بالاشتراك للوجوب والندب والإباحة والتهديد.

стр. 8647

كما أجمل حجتهم بقوله: (١) واحتج القائلون بالوقف بأنه لو ثبت تعيين الصيغة لمعنى من المعانى لثبت بدليل ولا دليل. وبالرجوع إلى ما كتب وجدنا عبارته هكذا: (٢) ذهب ابن سريج من أصحاب الشافعي إلى أن موجب الأمر أي الأثر الثابت به التوقف لأنه يستعمل في معان كثيرة بعضها حقيقة اتفاقًا وبعضها مجاز اتفاقًا فعند الإطلاق يكون محتملًا لمعان كثيرة والاحتمال يوجب التوقف إلى أن يتبين المراد فالتوقف عنده في تعيين المراد عند الاستعمال لا في تعيين الموضوع له لأنه عنده موضوع بالاشتراك اللفظى للوجوب والندب والإباحة والتهديد. وذهب الغزالى وجماعة من المحققين إلى أن التوقف في تعيين الموضوع له أنه الوجوب فقط أو الندب فقط أو مشترك بينهما لفظًا. ويعلق الفزى على قوله: إن الأمر عند الإطلاق يكون محتملًا لمعان كثيرة فيقول: (٣) الظاهر أن ليس المراد من احتمال المعانى الكثيرة الاحتمال للمعانى الحقيقية والمجازية لرجحان الحقيقة على المجاز وتعينها عند عدم القرينة كتعينه عندها بل المراد احتمال المعانى الحقيقية ضرورة أنها متعددة أيضًا لأنه عنده موضوع بالاشتراك اللفظى. وأما الإسنوى فيعلق على قول البيضاوى: "وقيل لأحدهما ولا نعرفه وهو قول حجة الإسلام الغزالى" فيقول: (٤) السادس من أقوال الأصوليين أنها - الصيغة - حقيقة في أحدهما أي الوجوب أو الندب لكن لا يعرف هل هو حقيقة في الوجوب مجاز في الندب أو بالعكس ونقله المصنف - البيضاوى - عن حجة الإسلام الغزالى تبعًا لصاحب الحاصل. وليس كذلك فإن الغزالى نقل في المستصفى عن قوم أنه حقيقة في الوجوب فقط وعن قوم أنه حقيقة في الندب فقط وعن قوم أنه مشترك بينهما كلفظ العين. ثم نقل عن قوم التوقف بين هذه المذاهب. ونقله في المحصول عنه على الصواب وقال في المنخول: وظاهر الأمر الوجوب وما عداه فالصيغة مستعارة فيه. هذا لفظه وهو مخالف لكلامه في المستصفى. وأما ابن الملك فيقول في تصويره لمذهب التوقف الوارد في كلام النسفى: (٥) إن طائفة ذهبت إلى أن الأمر مشترك بين الثلاثة: الوجوب والندب والإباحة لأنه يستعمل في هذه المعانى من غير ترجيح أحدها، والأصل في الاستعمال الحقيقة فإذا صدر أمر لابد أن يتوقف فيه ما لم توجد قرينة تعين أحدها. ويرى عزمى زادة في تعليقه على هذا التصوير أن الأمر يحتاج إلى بيان أكثر دقة فيقول: قال أبو الحسن الأشعرى والقاضى الباقلانى والغزالى ومن تبعهم: لا ندرى أنها حقيقة في الوجوب فقط أو في الندب فقط أو فيهما معًا

стр. 8648

بالاشتراك فعلى قول هؤلاء جميعًا لا حكم له أصلًا بدون قرينة إلا التوقف. ويقول الكمال وشارحه: (١) توقف الأشعرى والقاضى في أن الأمر موضوع للوجوب أو الندب وقيل توقفا فيه بمعنى لا يدرى مفهومه أصلًا. وبالرجوع إلى كلام الغزالى في المستصفى وجدناه يصور مذهب الوقف ورأيه فيقول: (٢) قال قوم يتوقف فيه ثم منهم من قال هو مشترك كلفظ العين ومنهم من قال لا ندرى أهو مشترك أو وضع لأحدهما واستعمل في الثاني مجازًا. والمختار أنه متوقف فيه. والدليل القاطع فيه أن كونه موضوعًا لواحد من الأقسام لا يخلو إما أن يعرف عن عقل أو نقل ونظر العقل إما ضرورى أو نظرى ولا مجال للعقل في اللغات. والنقل إما متواتر أو آحاد ولا حجة في الآحاد والتواتر في النقل لا يعدو أربعة أقسام فإنه إما أن ينقل عن أهل اللغة عند وضعهم أنهم حرصوا بأنا وضعناه لكذا أو أقروا به بعد الوضع وإما أن ينقل عن الشارع الإخبار عن أهل اللغة بذلك أو تصديق من ادعى ذلك وإما أن ينقل عن أهل الإجماع وإما أن يذكر بين يدى جماعة يمتنع عليهم السكوت على الباطل. فهذه الوجوه الأربعة هي وجوه تصحيح النقل ودعوى شئ من ذلك في قوله افعل أو في قوله أمرتك بكذا أو قول الصحابي أمرنا بكذا لا يمكن فوجب التوقف فيه. ثم تناول بعض شبه المخالفين بالرد عليها بعد أن أوردها موضحًا أنه لا يقول إن الأمر مشترك لكن يتوقف في كونه مشتركًا وأنه لا يدرى هل وضع لأحدهما وتجوز به عن الآخر أو وضع لهما معًا. وهو يبطل مذهب القائلين بالندب محتجين بأنه أقل مراتب الاشتراك بين الوجوب والندب فيقول (٣). إن هذا فاسد من ثلاثة اوجه: الأول: أن هذا استدلال والاستدلال لا مدخل له في اللغات وليس هذا نقلًا عن أهل اللغة أن قول افعل للندب. الثاني: أنه لو وجب تنزيل الألفاظ على الأقل المستيقن لوجب تنزيل هذا على الإباحة والإذن: إذ قد يقال أذنت لك في كذا فافعله فهو الأقل المشترك. أما حصول الثواب بفعله فليس بمعلوم كلزوم العقاب بتركه لاسيما على مذهب المعتزلة فالمباح عندهم حسن ويجوز أن يفعله الفاعل لحسنه وبأمر به وكذلك يلزم تنزيل صيغة الجمع على أقل الجمع ولم يذهبوا إليه. الثالث: وهو التحقيق أن ما ذكروه إنما يستقيم أن لو كان الوجوب ندبًا وزيادة فتسقط الزيادة المشكوك فيها ويبقى الأصل ليس كذلك بل يدخل في حد الندب جواز تركه فهل تعلمون أن المقول فيه افعل يجوز تركه أم لا فإن لم تعلموه فقد شككتم في كونه ندبًا وإن علمتموه فمن أين ذلك واللفظ لا يدل على لزوم المأثم بتركه فلا يدل على سقوط المأثم بتركه أيضًا.

стр. 8649

ويرد على الشبهة الثانية التي تمسك بها القائلون بالندب وهى قوله ﵇: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شئ فانتهوا" ففوض الأمر إلى استطاعتنا ومشيئتنا وجزم في النهى بطلب الانتهاء: فقال: هذا اعتراف بأنه من جهة اللغة والوضع للندب واستدلال بالشرع ولا يثبت مثل ذلك بخبر الواحد لو صحت دلالته. كيف ولا دلالة له إذ لم يقل فافعلوا ما شئتم بل قال ما استطعتم كما قال: "فاتقوا الله ما استطعتم" وكل إيجاب مشروط بالاستطاعة. وأما قوله: "فانتهوا" كيف دل على وجوب الانتهاء وقوله "فانتهوا" صيغة أمر وهو محتمل للندب (١). وأما شبهة الصائرين إلى أن الأمر للوجوب فقد اعتبر في إبطالها جميع ما ذكره في إبطال مذهب الندب وأضاف إلى هذا: أن الندب داخل تحت الأمر حقيقة ولو حمل على الوجوب لكان مجازًا في الندب وكيف يكون مجازًا فيه مع وجود حقيقته إذ حقيقة الأمر ما يكون ممتثله مطيعًا والممتثل مطيع بفعل المندوب. وأوضح ما أجمله في هذا الرد فقال: قولهم إن المأمور في اللغة والشرع جميعًا يفهم وجوب المأمور به حتى لا يستحق الذم والعقاب عند المخالفة ولا الوصف بالعصيان وهو اسم ذم ولذلك فهمت الأمة وجوب الصلاة والعبادات ووجوب السجود لآدم بقوله ﴿اسْجُدُوا﴾. ورده على ذلك أن هذا كله نفس الدعوى وحكاية المذهب وليس شئ منه مسلمًا وكل ذلك علم بالقرائن فقد تكون للآمر عادة مع المأمور وعهد وتقترن به أحوال وأسباب بها يفهم الشاهد الوجوب واسم العصيان لا يسلم إطلاقه على وجه الذم إلا بعد قرينة الوجوب لكن قد يطلق لا على وجه الذم كما يقال أشرت عليك فعصيتنى وخالفتني (٢). وقال: إنهم يقولون إن الإيجاب من المهمات في التخاطب فإن لم يكن افعل مثلًا عبارة عنه فلا يبقى له ما يدل عليه ومحال أن يهمل العرب ذلك. ورد ذلك بأنه منقوض بالمندوب فإن الندب أمر مهم أيضًا فليكن افعل عبارة عنه كذلك. ومن الشبه التي استندوا إليها أيضًا أن قولة افعل إما أن تفيد المنع أو التخيير أو الدعاء فإذا بطل التخيير والمنع تعين الدعاء والإيجاب ورد عليها بأنه يبقى قسم رابع وهو أن لا يفيد واحدًا من الأقسام إلا بقرينة كالألفاظ المشتركة. ثم رد على شبهتهم من جهة السنة وقال: (٣) إن تمسكهم بأخبار آحاد لو كانت صريحة صحيحة لم يثبت بها مثل هذا الأصل وليس شئ منها صريحا. فمنها قوله ﵇ لبريرة وقد عتقت تحت عبد وكرهته لو راجعتيه فقالت بأمرك يا رسول الله؟ فقال لا إنما أنا شافع فقالت:

стр. 8650

لا حاجة لى فيه. فقد علمت أنه لو كان أمرًا لوجب وكذلك عقلت الأمة. ورد على هذه الحجة بأن هذا وضع على بريرة وتوهم فليس في قولها إلا استفهام أنه أمر شرعى من جهة الله تعالى حتى تطيع طلبًا للثواب أو شفاعة لسبب الزوج حتى تؤثر غرض نفسها عليه. فإن قيل شفاعة الرسول: ﵇ أيضًا مندوب إلى إجابتها وفيها ثواب قلنا: وكيف قالت لا حاجة لى فيه والمسلم يحتاج إلى الثواب فلا يقول ذلك لكنها اعتقدت أن الثواب في طاعته في الأمر الصادر عن الله تعالى وفيما هو لله لا فيما يتعلق بالأغراض الدنيوية أو علمت أن ذلك في الدرجة دون منا ندبت إليه فاستفهمت أو أفهمت بالقرينة أنها شكت في الوجوب فعبرت بالأمر عن الوجوب فأفهمت. ومنها قوله ﵇ "لولا أنى أخاف أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" قول على أنه للوجوب وإلا فهو مندوب. قلنا لما كان قد حثهم على السواك ندبًا قبل ذلك أفهم أنه أراد بالأمر ما هو شاق أو كان قد أوحى إليه أنك لو أمرتهم بقولك استاكوا لأوجبنا ذلك عليهم فعلمنا أن ذلك يجب بإيجاب الله تعالى عند إطلاقه صيغة الأمر. ومنها قوله ﵇ لأبى سعيد الخدرى لما دعاه وهو في الصلاة فلم يجبه: "أما سمعت الله تعالى يقول ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (١) فكان هذا التوبيخ على مخالفة أمره. قلنا لم يصدر منه أمر بل مجرد نداء وكان قد عرفهم بالقرائن تفهيمًا ضروريًا وجوب التعظيم له وأن ترك جواب النداء تهاون وتحقير بأمره بدليل أنه كان في الصلاة وإتمام الصلاة واجب ومجرد النداء لا يدل على ترك واجب بل يجب تركه بما هو أوجب منه كما يجب ترك الصلاة لإنقاذ الغرقى ومجرد النداء لا يدل عليه. ومنها قول الأقرع بن حابس: أحجنا هذا لعامنا هذا أم للأبد فقال ﵇: "للأبد ولو قلت نعم لوجب" فدل على أن جميع أوامره للإيجاب. قلنا قد كان عرف وجوب الحج بقوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (٢) وبأمور أخر صريحة لكن شك في أن الأمر للتكرار أو للمرة الواحدة فإنه متردد بينهما ولو عين الرسول ﵇ أحدهما لتعين وصار متعينًا في حقنا ببيانه فمعنى قوله لو قلت نعم لوجب أي لو عينت لتعين. وآخر الشبه التي تولى الرد عليها من جهة الإجماع قال (٣): زعموا أن الأمة لم تزل في جميع الأعصار ترجع في إيجاب العبادات وتحريم المحظورات إلى الأوامر والنواهى كقوله ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ وأمثاله. والجواب أن هذا وضع وتقول على الأمة ونسبة لهم إلى الخطأ ويجب تنزيههم عنه نعم يجوز أن يصدر ذلك من طائفة ظنوا أن ظاهر الأمر للوجوب وإنما فهم المحصلون وهم الأقلون
следующие страницы →