وقال البخارى تعليقًا على ذلك ونقلًا عن أبى اليسر: إنه إذا أريد بالأمر الندب فهو مجاز عند أبى حنيفة وأصحابه وعامة الفقهاء. وذهب بعض أصحاب الشافعي وجمهور أصحاب الحديث إلى أنه حقيقة فيه وإليه مال فخر الإسلام.
ويوضح صدر الشريعة وجهة فخر الإسلام في اختباره كون استعمال الأمر في كل من الندب والإباحة حقيقة بقوله: (١)
إن تأويله أن المجاز في اصطلاحه لفظ أريد به معنى خارج عن الموضوع فإذا أريد به جزء الموضوع له فلا يكون مجازًا.
يدل على ذلك قوله في هذا الموضوع: إن معنى الإباحة أو الندب من الوجوب بعضه في التقدير أما في اصطلاح غيره من العلماء فالمجاز لفظ أريد به غير ما وضع له سواء كان جزءه أو معنى خارجًا عنه. ثم قال:
وحاصل الخلاف في هذه المسألة أن إطلاق الأمر على الإباحة أو الندب أهو بطريق إطلاق اسم الكل على الجزء أم بطريق الاستعارة؟
ومعنى الاستعارة أن تكون علاقة المجاز وصفًا بينًا مشتركًا بين المعنى الحقيقى والمجازى كالشجاعة بين الإنسان الشجاع والأسد.
وقد نقل السعد تأويلًا لكلام فخر الإسلام بأن الأمر حقيقة للوجوب خاصة عند الإطلاق وللندب أو الإباحة عند انضمام القرينة ثم قال (٢).
لما كان فساد هذا التأويل ظاهرًا لتأديه إلى إبطال المجاز بالكلية بأن يكون مع القرينة حقيقة في المعنى المجازى ولأنه يجب في الحقيقة استعمال اللفظ فيما وضع له أي دل عليه بلا قرينة ذكروا له تأويلًا آخر وهو أن اللفظ المستعمل في جزء ما وضع له ليس بمجاز بناء على أنه يجب في المجاز استعمال اللفظ في غير ما وضع له. واستطرد في هذا ثم قال: (٣)
فيؤول الخلاف إلى أن استعمال صيغة الأمر في الندب أو الإباحة من قبيل الاستعارة ليكون مجازًا أو من قبيل إطلاق اسم الكل على الجزء ليكون حقيقة قاصرة. وأوضحه بمثل ما سبق ثم علق على الموضوع بقوله: والمناقشة في أمثال ذلك مما لا يليق بهذه الصناعة.
٤ - القائلون بالوقف:
أجمل الشوكانى مذاهب القائلين بالوقف فقال: (٤)
وقال الأشعرى والقاضى الباقلانى بالوقف فقيل إنهما توقفا في أنه موضوع للوجوب والندب وقيل توقفا بأن قالا: لا ندرى بما هو حقيقة فيه أصلًا. وحكى السعد في التلويح عن الغزالى وجماعة من المحققين أنهم ذهبوا إلى الوقف في تعيين المعنى الموضوع له حقيقة. وحكى أيضًا عن ابن سريج الوقف في تعيين المعنى المراد عند الاستعمال لا في تعيين الموضوع له عنده لأنه موضوع عنده بالاشتراك للوجوب والندب والإباحة والتهديد.
стр. 8647
كما أجمل حجتهم بقوله: (١)
واحتج القائلون بالوقف بأنه لو ثبت تعيين الصيغة لمعنى من المعانى لثبت بدليل ولا دليل.
وبالرجوع إلى ما كتب وجدنا عبارته هكذا: (٢)
ذهب ابن سريج من أصحاب الشافعي إلى أن موجب الأمر أي الأثر الثابت به التوقف لأنه يستعمل في معان كثيرة بعضها حقيقة اتفاقًا وبعضها مجاز اتفاقًا فعند الإطلاق يكون محتملًا لمعان كثيرة والاحتمال يوجب التوقف إلى أن يتبين المراد فالتوقف عنده في تعيين المراد عند الاستعمال لا في تعيين الموضوع له لأنه عنده موضوع بالاشتراك اللفظى للوجوب والندب والإباحة والتهديد.
وذهب الغزالى وجماعة من المحققين إلى أن التوقف في تعيين الموضوع له أنه الوجوب فقط أو الندب فقط أو مشترك بينهما لفظًا.
ويعلق الفزى على قوله: إن الأمر عند الإطلاق يكون محتملًا لمعان كثيرة فيقول: (٣)
الظاهر أن ليس المراد من احتمال المعانى الكثيرة الاحتمال للمعانى الحقيقية والمجازية لرجحان الحقيقة على المجاز وتعينها عند عدم القرينة كتعينه عندها بل المراد احتمال المعانى الحقيقية ضرورة أنها متعددة أيضًا لأنه عنده موضوع بالاشتراك اللفظى.
وأما الإسنوى فيعلق على قول البيضاوى: "وقيل لأحدهما ولا نعرفه وهو قول حجة الإسلام الغزالى" فيقول: (٤)
السادس من أقوال الأصوليين أنها - الصيغة - حقيقة في أحدهما أي الوجوب أو الندب لكن لا يعرف هل هو حقيقة في الوجوب مجاز في الندب أو بالعكس ونقله المصنف - البيضاوى - عن حجة الإسلام الغزالى تبعًا لصاحب الحاصل. وليس كذلك فإن الغزالى نقل في المستصفى عن قوم أنه حقيقة في الوجوب فقط وعن قوم أنه حقيقة في الندب فقط وعن قوم أنه مشترك بينهما كلفظ العين. ثم نقل عن قوم التوقف بين هذه المذاهب. ونقله في المحصول عنه على الصواب وقال في المنخول: وظاهر الأمر الوجوب وما عداه فالصيغة مستعارة فيه. هذا لفظه وهو مخالف لكلامه في المستصفى.
وأما ابن الملك فيقول في تصويره لمذهب التوقف الوارد في كلام النسفى: (٥)
إن طائفة ذهبت إلى أن الأمر مشترك بين الثلاثة: الوجوب والندب والإباحة لأنه يستعمل في هذه المعانى من غير ترجيح أحدها، والأصل في الاستعمال الحقيقة فإذا صدر أمر لابد أن يتوقف فيه ما لم توجد قرينة تعين أحدها.
ويرى عزمى زادة في تعليقه على هذا التصوير أن الأمر يحتاج إلى بيان أكثر دقة فيقول:
قال أبو الحسن الأشعرى والقاضى الباقلانى والغزالى ومن تبعهم: لا ندرى أنها حقيقة في الوجوب فقط أو في الندب فقط أو فيهما معًا
стр. 8648
بالاشتراك فعلى قول هؤلاء جميعًا لا حكم له أصلًا بدون قرينة إلا التوقف.
ويقول الكمال وشارحه: (١)
توقف الأشعرى والقاضى في أن الأمر موضوع للوجوب أو الندب وقيل توقفا فيه بمعنى لا يدرى مفهومه أصلًا.
وبالرجوع إلى كلام الغزالى في المستصفى وجدناه يصور مذهب الوقف ورأيه فيقول: (٢)
قال قوم يتوقف فيه ثم منهم من قال هو مشترك كلفظ العين ومنهم من قال لا ندرى أهو مشترك أو وضع لأحدهما واستعمل في الثاني مجازًا. والمختار أنه متوقف فيه.
والدليل القاطع فيه أن كونه موضوعًا لواحد من الأقسام لا يخلو إما أن يعرف عن عقل أو نقل ونظر العقل إما ضرورى أو نظرى ولا مجال للعقل في اللغات. والنقل إما متواتر أو آحاد ولا حجة في الآحاد والتواتر في النقل لا يعدو أربعة أقسام فإنه إما أن ينقل عن أهل اللغة عند وضعهم أنهم حرصوا بأنا وضعناه لكذا أو أقروا به بعد الوضع وإما أن ينقل عن الشارع الإخبار عن أهل اللغة بذلك أو تصديق من ادعى ذلك وإما أن ينقل عن أهل الإجماع وإما أن يذكر بين يدى جماعة يمتنع عليهم السكوت على الباطل. فهذه الوجوه الأربعة هي وجوه تصحيح النقل ودعوى شئ من ذلك في قوله افعل أو في قوله أمرتك بكذا أو قول الصحابي أمرنا بكذا لا يمكن فوجب التوقف فيه.
ثم تناول بعض شبه المخالفين بالرد عليها بعد أن أوردها موضحًا أنه لا يقول إن الأمر مشترك لكن يتوقف في كونه مشتركًا وأنه لا يدرى هل وضع لأحدهما وتجوز به عن الآخر أو وضع لهما معًا.
وهو يبطل مذهب القائلين بالندب محتجين بأنه أقل مراتب الاشتراك بين الوجوب والندب فيقول (٣).
إن هذا فاسد من ثلاثة اوجه:
الأول: أن هذا استدلال والاستدلال لا مدخل له في اللغات وليس هذا نقلًا عن أهل اللغة أن قول افعل للندب.
الثاني: أنه لو وجب تنزيل الألفاظ على الأقل المستيقن لوجب تنزيل هذا على الإباحة والإذن: إذ قد يقال أذنت لك في كذا فافعله فهو الأقل المشترك. أما حصول الثواب بفعله فليس بمعلوم كلزوم العقاب بتركه لاسيما على مذهب المعتزلة فالمباح عندهم حسن ويجوز أن يفعله الفاعل لحسنه وبأمر به وكذلك يلزم تنزيل صيغة الجمع على أقل الجمع ولم يذهبوا إليه.
الثالث: وهو التحقيق أن ما ذكروه إنما يستقيم أن لو كان الوجوب ندبًا وزيادة فتسقط الزيادة المشكوك فيها ويبقى الأصل ليس كذلك بل يدخل في حد الندب جواز تركه فهل تعلمون أن المقول فيه افعل يجوز تركه أم لا فإن لم تعلموه فقد شككتم في كونه ندبًا وإن علمتموه فمن أين ذلك واللفظ لا يدل على لزوم المأثم بتركه فلا يدل على سقوط المأثم بتركه أيضًا.
стр. 8649
ويرد على الشبهة الثانية التي تمسك بها القائلون بالندب وهى قوله ﵇: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شئ فانتهوا" ففوض الأمر إلى استطاعتنا ومشيئتنا وجزم في النهى بطلب الانتهاء: فقال: هذا اعتراف بأنه من جهة اللغة والوضع للندب واستدلال بالشرع ولا يثبت مثل ذلك بخبر الواحد لو صحت دلالته. كيف ولا دلالة له إذ لم يقل فافعلوا ما شئتم بل قال ما استطعتم كما قال: "فاتقوا الله ما استطعتم" وكل إيجاب مشروط بالاستطاعة.
وأما قوله: "فانتهوا" كيف دل على وجوب الانتهاء وقوله "فانتهوا" صيغة أمر وهو محتمل للندب (١).
وأما شبهة الصائرين إلى أن الأمر للوجوب فقد اعتبر في إبطالها جميع ما ذكره في إبطال مذهب الندب وأضاف إلى هذا:
أن الندب داخل تحت الأمر حقيقة ولو حمل على الوجوب لكان مجازًا في الندب وكيف يكون مجازًا فيه مع وجود حقيقته إذ حقيقة الأمر ما يكون ممتثله مطيعًا والممتثل مطيع بفعل المندوب.
وأوضح ما أجمله في هذا الرد فقال:
قولهم إن المأمور في اللغة والشرع جميعًا يفهم وجوب المأمور به حتى لا يستحق الذم والعقاب عند المخالفة ولا الوصف بالعصيان وهو اسم ذم ولذلك فهمت الأمة وجوب الصلاة والعبادات ووجوب السجود لآدم بقوله ﴿اسْجُدُوا﴾.
ورده على ذلك أن هذا كله نفس الدعوى وحكاية المذهب وليس شئ منه مسلمًا وكل ذلك علم بالقرائن فقد تكون للآمر عادة مع المأمور وعهد وتقترن به أحوال وأسباب بها يفهم الشاهد الوجوب واسم العصيان لا يسلم إطلاقه على وجه الذم إلا بعد قرينة الوجوب لكن قد يطلق لا على وجه الذم كما يقال أشرت عليك فعصيتنى وخالفتني (٢).
وقال: إنهم يقولون إن الإيجاب من المهمات في التخاطب فإن لم يكن افعل مثلًا عبارة عنه فلا يبقى له ما يدل عليه ومحال أن يهمل العرب ذلك.
ورد ذلك بأنه منقوض بالمندوب فإن الندب أمر مهم أيضًا فليكن افعل عبارة عنه كذلك.
ومن الشبه التي استندوا إليها أيضًا أن قولة افعل إما أن تفيد المنع أو التخيير أو الدعاء فإذا بطل التخيير والمنع تعين الدعاء والإيجاب ورد عليها بأنه يبقى قسم رابع وهو أن لا يفيد واحدًا من الأقسام إلا بقرينة كالألفاظ المشتركة.
ثم رد على شبهتهم من جهة السنة وقال: (٣)
إن تمسكهم بأخبار آحاد لو كانت صريحة صحيحة لم يثبت بها مثل هذا الأصل وليس شئ منها صريحا. فمنها قوله ﵇ لبريرة وقد عتقت تحت عبد وكرهته لو راجعتيه فقالت بأمرك يا رسول الله؟ فقال لا إنما أنا شافع فقالت:
стр. 8650
لا حاجة لى فيه. فقد علمت أنه لو كان أمرًا لوجب وكذلك عقلت الأمة.
ورد على هذه الحجة بأن هذا وضع على بريرة وتوهم فليس في قولها إلا استفهام أنه أمر شرعى من جهة الله تعالى حتى تطيع طلبًا للثواب أو شفاعة لسبب الزوج حتى تؤثر غرض نفسها عليه.
فإن قيل شفاعة الرسول: ﵇ أيضًا مندوب إلى إجابتها وفيها ثواب قلنا:
وكيف قالت لا حاجة لى فيه والمسلم يحتاج إلى الثواب فلا يقول ذلك لكنها اعتقدت أن الثواب في طاعته في الأمر الصادر عن الله تعالى وفيما هو لله لا فيما يتعلق بالأغراض الدنيوية أو علمت أن ذلك في الدرجة دون منا ندبت إليه فاستفهمت أو أفهمت بالقرينة أنها شكت في الوجوب فعبرت بالأمر عن الوجوب فأفهمت.
ومنها قوله ﵇ "لولا أنى أخاف أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" قول على أنه للوجوب وإلا فهو مندوب.
قلنا لما كان قد حثهم على السواك ندبًا قبل ذلك أفهم أنه أراد بالأمر ما هو شاق أو كان قد أوحى إليه أنك لو أمرتهم بقولك استاكوا لأوجبنا ذلك عليهم فعلمنا أن ذلك يجب بإيجاب الله تعالى عند إطلاقه صيغة الأمر.
ومنها قوله ﵇ لأبى سعيد الخدرى لما دعاه وهو في الصلاة فلم يجبه: "أما سمعت الله تعالى يقول ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (١) فكان هذا التوبيخ على مخالفة أمره.
قلنا لم يصدر منه أمر بل مجرد نداء وكان قد عرفهم بالقرائن تفهيمًا ضروريًا وجوب التعظيم له وأن ترك جواب النداء تهاون وتحقير بأمره بدليل أنه كان في الصلاة وإتمام الصلاة واجب ومجرد النداء لا يدل على ترك واجب بل يجب تركه بما هو أوجب منه كما يجب ترك الصلاة لإنقاذ الغرقى ومجرد النداء لا يدل عليه.
ومنها قول الأقرع بن حابس: أحجنا هذا لعامنا هذا أم للأبد فقال ﵇: "للأبد ولو قلت نعم لوجب" فدل على أن جميع أوامره للإيجاب.
قلنا قد كان عرف وجوب الحج بقوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (٢) وبأمور أخر صريحة لكن شك في أن الأمر للتكرار أو للمرة الواحدة فإنه متردد بينهما ولو عين الرسول ﵇ أحدهما لتعين وصار متعينًا في حقنا ببيانه فمعنى قوله لو قلت نعم لوجب أي لو عينت لتعين.
وآخر الشبه التي تولى الرد عليها من جهة الإجماع قال (٣): زعموا أن الأمة لم تزل في جميع الأعصار ترجع في إيجاب العبادات وتحريم المحظورات إلى الأوامر والنواهى كقوله ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ وأمثاله.
والجواب أن هذا وضع وتقول على الأمة ونسبة لهم إلى الخطأ ويجب تنزيههم عنه نعم يجوز أن يصدر ذلك من طائفة ظنوا أن ظاهر الأمر للوجوب وإنما فهم المحصلون وهم الأقلون
стр. 8651
ذلك من القرائن والأدلة بدليل أنهم قطعوا بوجوب الصلاة وتحريم الزنا والأمر محتمل للندب وإن لم يكن موضوعًا له والنهى يحتمل التنزيه. وكيف قطعوا مع الاحتمال لولا أدلة قاطعة. وما قولهم إلا كقول من يقول الأمر للندب بالإجماع لأنهم حكموا بالندب في الكتابة والاستشهاد وأمثاله لصيغة الأمر. والأوامر التي حملتها الأمة على الندب أكثر فإن النوافل والسنن والآداب أكثر من الفرائض إذ ما من فريضة إلا ويتعلق بها وبإتمامها وبآدابها سنن كثيرة.
أو نقول هي للإباحة بدليل حكمهم بالإباحة في قوله ﴿فَاصْطَادُوا﴾ وقوله ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (١) وإن كان ذلك للقرائن فكذلك الوجوب.
فإن قيل وما تلك القرائن؟ قلنا: أما في الصلاة فمثل قوله تعالى ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٢) وما ورد من التهديدات في ترك الصلاة وما ورد من تكليف الصلاة في حال شدة الخوف والمرض إلى غير ذلك. وأما الزكاة فقد اقترن بقوله تعالى ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٣) إلى قوله ﴿فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾. وأما الصوم فقوله ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (٤) وقوله ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وإيجاب تداركه على الحائض. وكذلك الزنا والقتل ورد فيها تهديدات ودلالات تواردت على طول مدة النبوة لا تحصى.
فلذلك قطعوا به لا بمجرد الأمر الذي منتهاه أن يكون ظاهرًا فيتطرق إليه الاحتمال وقد رأى الآمدى أن التوقف هو الأصح فقال: (٥)
ومنهم من توقف وهو مذهب الأشعرى ﵀ ومن تابعه من أصحابه كالقاضى أبى بكر والغزالى وغيرهما وهو الأصح.
وذلك لأن وضعه مشتركًا أو حقيقة في البعض مجازًا في البعض إما أن يكون مُدركه عقليًا أو نقليًا: الأول محال إذ العقول لا مدخل لها في المنقول لا ضرورة ولا نظرًا والثاني إما أن يكون قطعيًا أو ظنيًا والقطعى غير متحقق فيما نحن فيه والظنى إنما ينفع أن لو كان إثبات مثل هذه المسألة مما يُقنع فيه بالظن وهو غير مسلم فلم يبق غير التوقف.
ثم قال: إن أبا الحسين البصرى ذكر في الرد على الوقف ما يناهز ثلاثين شبهة دائرة بين غث وسمين.
وقد سلك مسلك الغزالى في إيراد الشبه الشرعية واللغوية والعقلية ونقضها غير أنه أوسع دائرة البحث بما لا يخرج عن مسلك الغزالى فليراجعه من أراد التوسع (٦).
وأشهر من تصدى لمذهب الوقفيين ابن حزم فقد ذكر مذهبهم وأطال في الرد عليهم قال: (٧)
قال بعض الحنفيين وبعض المالكيين وبعض الشافعيين إن أوامر القرآن والسنن ونواهيهما على الوقف حتى يقوم دليل على حملها إما على وجوب في العمل أو في التحريم وإما على ندب
стр. 8652
وإما على إباحة وإما على كراهة.
وعمدة ما موهوا به أن قالوا: لو كان لفظ
الأمر موضوعًا للإيجاب لم يوجد أبدًا إلا كذلك
لكن لما وجدنا بلا خلاف منكم لنا أوامر معناها الندب أو الإباحة ووجدنا نواهى بلا خوف منكم لنا معناها الكراهة وجب أن لا تصرف الألفاظ إلى بعض ما تحتمله من المعانى دون بعض إلا بدليل. قالوا وألفاظ الأوامر عندنا من الألفاظ المشتركة التي لا تختص بمعنى واحد كما بمنزلة رِجْل وعين فإن قولك رجل ليس هو بأن يوقع على العضو أولى منه بأن يوقع على جماعة الجراد وقولك عين ليس بأن يوقع على عين النظر أولى من أن يوقع على عين الماء. فكذلك قول القائل "افعل" لما وجد يراد به الندب ووجد يراد به الإيجاب لم يكن إيقاعه على الإيجاب أولى من إيقاعه على الندب إلا بدليل.
ورد عليهم بقوله: إن لكل مسمى من عرض أو جسم اسما يختص به يتبين به مما سواه من الأشياء ليقع بها التفاهم ولو لم يكن ذلك لما كان تفاهم أبدًا ولبطل خطاب الله تعالى لنا.
وقد قال الله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (١) ولو لم يكن لكل معنى اسم متفرد به لما صح البيان أبدًا لأن تخليط المعانى هو الإشكال نفسه فإذن الأصل - الذي هو اختصاص كل معنى باسمه - ما ذكرنا بضرورة العقل وبنص القرآن.
ومضى في رده فقال: (٢) ثم نقول لهم يلزمكم إن صححتم دليلكم أنكم قد وجدتم آيات كثيرة وأحاديث كثيرة منسوخات لا يحل العمل بها أن تتوقفوا في كل آية وفى كل حديث لاحتمال كل شئ منها في نفسه أن يكون منسوخًا كاحتمال كل أمر في نفسه أن يكون ندبًا فإن التزمتم ذلك كفرتم وإن أبيتم التزامه أصبتم وكنتم قد أبطلتم دليلكم في أنه لما وجدت أوامر معناها الندب وجب التوقف عن جميع الأوامر حتى يصح أنها إما إيجاب أو ندب.
الأمر مع القرينة
مما سبق يتضح أن الخلاف بين الأصوليين إنما يكون إذا تجردت صيغة الأمر عن القرينة أما إذا وجدت القرينة فإنها تعين المعنى المقصود من الأمر.
ولما كان المعنى الحقيقى لا يحتاج إلى قرينة فإن عامة الأصوليين الذين ذهبوا إلى أن الصيغة تفيد الوجوب على سبيل الحقيقة يذهبون هذا المذهب إذا تجردت الصيغة عن القرينة فإذا وجدت قرينة تفيد الوجوب كانت مؤكدة للمعنى الأصلى أما إذا دلت على معنى آخر من المعانى المجازية للصيغة صرفته عن معناه الحقيقى.
ومثل ذلك ينطبق على مذهب القائلين بأن الصيغة حقيقة في الندب أو أنها حقيقة في الإباحة.
وأما القائلون بالاشتراك فهم لا يتوقفون في المعنى الوضعى للصيغة إذ أنها عندهم موضوعة لكل معنى من المعانى التي تدل عليها الصيغة بالاشتراك ولكن المشترك تتوقف دلالته على أحد معانيه الحقيقية بخصوصه على وجود القرينة فالقرينة عند من قال بالاشتراك هي التي تحدد
стр. 8653
المعنى المقصود.
وأما القائلون بالوقف فإنهم يتوقفون عند عدم وجود القرينة فإذا وجدت زال التوقف.
ويقول الرهاوى في حاشيته على المنار (١).
إن الأمر لا حكم له أصلًا بدون القرينة إلا التوقف مع اعتقاد أن ما أراد صاحب الشرع منها حق لأنها مجملة لازدحام المعانى. وحكم المجمل التوقف.
الأمر بعد الحظر
هذا البحث يتصل بمذهب جمهور الأصوليين الذين اتفقوا على أن الأصل في حقيقة الأمر هو الوجوب، وقد تكلم هؤلاء فيما إذا ورد مطلقًا بعد التحريم أي مسبوقًا بتحريم المأمور به وبحثوا عن حقيقته حينئذ ثم اختلفوا في أن الأمر؛ أيفيد الوجوب حينئذ كإفادته إياه قبل التحريم أم يفيد الإباحة أم الندب. ومنهم من توقف ويتضح هذا من تورده بعد.
أولًا: رأى الشافعية والمالكية:
١ - الغزالى:
ينقل الغزالى في هذه المسألة عن قوم أنهم قالوا: لا تأثير لتقديم الحظر أصلًا على الأمر (٢).
وينقل عن قوم آخرين أنهم قالوا: إن تقديم الحظر على الأمر قرينة تصرف الصيغة إلى الإباحة ثم قال: والمختار أنه ينظر فإن كان الحظر السابق عارضًا لعلة وعلقت صيغة افعل بزواله كقوله سبحانه ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (٣) فعرف الاستعمال يدل على أنه لرفع الذم فقط حتى يرجع حكمه إلى ما قبله وإن احتمل أن يكون رفع هذا الحظر بندب وإباحة لكن الأغلب ما ذكرناه كقوله تعالى ﴿فَانْتَشِرُوا﴾ وكقوله ﵇ "كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحى فادخروا".
أما إذا لم يكن الحظر عارضًا لعلة ولا صيغة افعل علق بزوالها فيبقى موجب الصيغة على أصل التردد بين الندب والإباحة. ونزيح ههنا احتمال الإباحة ويكون هذا قرينةً تُزِيح هذا الاحتمال وإن لم تعينه إذ لا يمكن دعوى عرف الاستعمال في هذه الصيغة حتى يغلب العرف الوضع أما إذا لم ترد صيغة "افعل" لكن قال فإذا حللتم فأنتم مأمورون بالاصطياد فهذا يحتمل الوجوب والندب ولا يحتمل الإباحة لأنه عرف في هذه الصورة وقوله أمرتكم بكذا يضاهى قوله افعل في جميع المواضع إلا في هذه الصورة وما يقرب منها.
٢ - الآمدى:
ويصور الآمدى هذه المسألة في قوله: (٤)
إنه إذا وردت صيغة افعل بعد الحظر فمن قال أنها للوجوب قبل الحظر اختلفوا فمنهم من أجراها على الوجوب ولم يجعل لسبق الحظر تأثيرًا كالمعتزلة ومنهم من قال إنها للإباحة ورفع الحجر لا غير وهم أكثر الفقهاء ومنهم من توقف كإمام الحرمين وغيره.
والمختار أنها وإن كانت ظاهرة في الطلب
стр. 8654
والاقتضاء وموقوتة بالنسبة إلى الوجوب والندب إلا أنها محتملة للإباحة والإذن في الفعل.
فإذا وردت بعد الحظر احتمل أن تكون مصروفة إلى الإباحة ورفع الحجر كما في قوله تعالى ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (١) ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ (٢) وقوله ﷺ "كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحى فادخروا" واحتمل أن تكون مصروفة إلى الوجوب كما لو قيل للحائض والنفساء: إذا زال عنك المانع فصلى وصومى.
وعند هذا فإما أن يقال بتساوى الاحتمالين أو بترجيح أحدهما على الآخر فإن قيل بالتساوى امتنع الجزم بأحدهما ووجب التوقف وإن قيل بالترجيح وامتناع التعارض من كل وجه فليس اختصاص الوجوب أولى من الإباحة إلا أن يقوم الدليل على التخصيص. والأصل عدمه. وعلى هذا أيضًا فيجب التوقف. كيف وأن احتمال الحمل على الإباحة أرجح نظرا إلى غلبة ورود مثل ذلك للإباحة دون الوجوب. وعلى كل تقدير فيمتتع الصرف إلى الوجوب.
٣ - البيضاوى والإسنوى:
يصور كل من البيضاوى وشارحه الإسنوى هذا المقام بما يوضحه قول الإسنوى (٣) إن القائلين إن الأمر للوجوب إذا ورد بعد التحريم ففيه عندهم مذهبان أصحهما عند الإمام الرازى وأتباعه ومنهم البيضاوى أن الأمر يكون أيضًا للوجوب ونقله ابن برهان في الوجيز عن القاضي والآمدى عن المعتزلة.
والثانى أن يكون للإباحة وهو الذي نص عليه الشافعي كما نقله ابن برهان في الوجيز عن أكثر الفقهاء والمتكلمين ورجحه ابن الحاجب وتوقف إمام الحرمين.
واستدل البيضاوى للقائلين بالوجوب بأن الأمر يفيده إذ التفريع عليه ووروده بعد الحرمة ليس معارضًا حتى يدفع ما ثبت له لأن الوجوب والإباحة منافيان للتحريم ومع ذلك لا يمتنع الانتقال من التحريم إلى الإباحة فكذلك الوجوب.
ثم قال الإسنوى: احتج الخصم بورودها للإباحة كقوله سبحان ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ وأورد عددًا من الأمثلة المشابهة ثم قال:
وجوابه أن هذه الأدلة معارضة بقوله ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٤) فإن القتال فرض كفاية بعد أن كان حراما وكذلك قوله ﵇ "فإذا أدبرت الحيضة فاغسلى عنك الدم وصلى" فإذا تعارضا تساقطا وبقى دليلنا سالما عن المنع فيفيد الوجوب.
ثانيًا: رأى الحنفية:
١ - البزدوى والبخارى:
يقول البزدوى: (٥) إن الأمر بعد الحظر عند الحنفية للإيجاب إلا بدليل استدلالا بأصله وصيغته. ومنهم من قال بالندب والإباحة لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ لكن ذلك عندنا بقوله تعالى ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ (٦) لا بصيغة الأمر.
стр. 8655
وقال البخارى في تعليقه: (١)
إن جمهور الأصوليين على أن موجب الأمر المطلق قبل الحظر وبعده سواء فمن قال بأن موجبه التوقف أو الندب أو الإباحة قبل الحظر فكذلك يقول بعده ومن قال إن موجبه الوجوب قبل الحظر فعامتهم على أن موجبه الوجوب بعد الحظر أيضًا. وذهبت طائفة إلى أن موجبه قبل الحظر الوجوب وبعده الإباحة وعليه دل ظاهر قول الشافعي في أحكام القرآن. ثم قال: إن هذا هو المشهور المذكور في عامة الكتب. واستدرك على هذا بقوله: رأيت في نسخة من أصول الفقه أن الفعل إن كان مباحًا في أصله ثم ورد حظر معلق بغاية أو بشرط أو لعلة عرضت فالأمر الوارد بعد زوال ما علق الحظر به يفيد الإباحة عند جمهور أهل العلم كقوله تعالى ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ لأن الصيد كان حلالًا على الإطلاق ثم حرم بسبب الإحرام فكان قوله تعالى ﴿فَاصْطَادُوا﴾ إعلامًا بأن سبب التحريم قد ارتفع وعاد الأمر إلى أصله.
وإن كان الحظر واردًا ابتداء غير معلل بعلة عارضة ولا معلق بشرط ولا غاية فالأمر الوارد بعده هو المختلف فيه.
ثم نقل عن المعتمد أن الأمر إذا وجد بعد حظر عقلى أو شرعى أفاد ما يفيده لو لم يتقدمه حظر من وجوب أو ندب. وقال بعض الفقهاء إنه يفيد بعد الحظر الشرعى الإباحة.
واحتج من قال إنه يفيد الإباحة بأن هذا النوع من الأمر يفيد الإباحة في أغلب الاستعمال وساق أمثلة من الكتاب والأحاديث تدل على ذلك ثم أورد مثالًا عرفيًا وهو قول الرجل لعبده ادخل الدار بعد أن قال له لا تدخل فإنه يفهم منه الإباحة دون الوجوب لأن الحظر المتقدم قرينة دالة على أن المقصود رفع الحظر لا الإيجاب. كما أن عجز المأمور قرينة دالة على أن المقصود إظهار عجزه لا وجود الفعل فصار كأن الآمر قال: قد كنت منعتك عن كذا فرفعت ذلك المنع وأذنت لك فيه.
وقال: إن العامة تحتج بأن المقتضى للوجوب قائم وهو الصيغة الدالة على الوجوب إذ الوجوب هو الأصل فيها والعارض الموجود لا يصلح معارضًا لذلك لأنه كما جاز الانتقال من المنع إلى الإذن جاز الانتقال منه إلى الإيجاب. كيف وقد ورد الأمر بعد الحظر للوجوب أيضًا كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢) وقوله ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾ وكأمر الحائض والنفساء بالصلاة والصوم بعد زوال المانع وغير ذلك من الأمثلة. ثم قال: فهذا كله يفيد الوجوب وإن كان بعد الحظر.
فثبت بما ذكرنا أن الحظر المتقدم لا يصلح قرينة لصرف الصيغة عن الوجوب إلى الإباحة كما أن الإيجاب المتقدم لا يصلح قرينة لصرف النهى الوارد بعده عن التحريم إلى الكراهة والتنزيه بالاتفاق. وإنما فهمت الإباحة فيما استدلوا به بقرائن غير الحظر المتقدم فإنه لولا الحظر المتقدم لفهم منها الإباحة أيضًا.
وعلق البخارى على قول البزدوى: "ومنهم من قال بالندب والإباحة" فقال: (٣) إنما جمع الشيخ
стр. 8656
بين الندب والإباحة وإن لم يوجد القول بالندب في عامة الكتب. وإنما وقع ذلك من البزدوى لتأثره بما قيل في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ (١) أن الأمر للندب حتى قيل إنه يستحب إجراء العقود في هذه الساعة لندب الله إليه. ونقل عن سعيد بن جبير أنه قال: إذا انصرفت من صلاة الجمعة فساوم بشئ وإن لم تشتره.
ثالثًا: المتأخرون من الأصوليين:
قال صدر الشريعة: (٢)
إن الأمر بعد الحظر كالأمر قبله للأدلة التي أوردناها قبل ذلك للقائلين بذلك. وهناك رأى يقول إنه بعد الحظر للندب كما يدل عليه قوله سبحانه: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ وقيل للإباحة كما في آية ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾. (٣)
ثم رد ذلك بأن كلا من الندب والإباحة في الآيتين ثبت بالقرينة فإن الابتغاء والاصطياد إنما أمر بهما لحق العباد ومنفعتهم فلا ينبغى أن يثبتا على وجه تنقلب المنفعة مضرة بأن يجب عليهم.
وعلق السعد على ذلك فقال:
اختلف القائلون بأن الأمر للوجوب في موجب الأمر بالشئ بعد حظره وتحريمه فالمختار أنه أيضًا للوجوب بالدلائل المذكورة فإنه لا يفرق بين الواردة بعد الحظر وغيره.
ولقائل أن يقول: الدلائل المذكورة إنما هي في الأمر المطلق والورود بعد الحظر قرينة على أن المقصود رفع التحريم لأنه المتبادر إلى الفهم وهو حاصل الإباحة. والوجوب أو الندب زيادة لابد لها من دليل.
وقيل للندب كالأمر بطلب الرزق وكسب المعيشة بعد الانصراف من الجمعة وعن سعيد بن جبير ﵁ "إذا انصرفت من الجمعة فساوم بشئ وإن لم تشتره".
وقيل للإباحة كالأمر بالاصطياد بعد الإحلال.
وأجيب بأن المثال الجزئى لا يصحح القاعدة الكلية لجواز أن يثبت الندب والإباحة في الآيتين بمعونة القرينة وهى أن مثل الكسب والاصطياد إنما شرع حقًّا للعبد فلو وجب لصار حقًّا لله تعالى عليه فيعود على موضوعه بالنقص.
وذكر الإمام السرخسى أن قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ للإيجاب لما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: "طلب الكسب بعد الصلاة فريضةً بعد الفريضة" وتلى قوله تعالى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾.
واعلم أن المشهور في كتب الأصول أن الأمر المطلق بعد الحظر للإباحة عند الأكثرين وللوجوب عند البعض وذهب البعض إلى التوقف. وليس القول بكونه للندب مما ذهب إليه البعض.
ولا نزاع في الحمل على ما يقتضيه المقام عند انضمام القرينة.
وأما ابن السبكى والمحلى فيتجهان (٤) إلى أن صيغة "افعل" إن وردت بعد حظر لمتعلقه فللإباحة حقيقة لتبادرها إلى الذهن في ذلك
стр. 8657
لغلبة استعماله فيها حينئذ والتبادر علامة للحقيقة.
ونقلًا عن أبى الطيب والشيرازى والرازى أنه للوجوب حقيقة كما في غير ذلك وأن غلبة الاستعمال في الإباحة لا تدل على الحقيقة فيها.
وأضاف العطار في حاشيته قولًا آخر وهو الندب ومثل له بقوله ﵇ للمغيرة بن شعبة - وقد خطب امرأة: "انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما" فإنه أمر وارد بعد الحظر وهو تحريم النظر إلى الأجنبية عند خوف الفتنة.
ثم إنهما ذكرا قولا خامسًا وهو إسقاط الحظر والرجوع إلى ما كان عليه من وجوب أو غيره.
ونقل الكمال بن الهمام (١) أن أكثر المتفقين على الوجوب لصيغة الأمر حقيقة يرون أن صيغة الأمر بعد الحظر للإباحة باستقراء الاستعمالات الشرعية فوجب الحمل على الإباحة عند التجرد عن الموجب لغيره لوجوب الحمل على الغالب لصيرورته كالأصل بالنسبة إلى غيره ما لم يعلم أن المحمول ليس من الغالب.
ثم قال: "ولا مخلص من القول بأنه للإباحة للاستقراء المذكور إلا بمنع صحة الاستقراء إن تم منع صحته وهو محل نظر. وما قيل من أن أمر الحائض والنفساء بالصلاة والصوم بعد تحريمهما عليهما في الحيض والنفاس يفيد الوجوب لا الإباحة غلط لأن أمرهما بهما مطلق عن الترتيب على سبق الحظر والكلام في أن الأمر بعد الحظر للإباحة إنما هو في المتصل بالنهى على سبيل الإخبار كقوله ﷺ "كنت نهيتكم" وفى الأمر المعلق بزوال سبب الحظر كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ﴾.
ورد الاعتراض بقوله: "ويدفع هذا التخليط بورود الأمر للحائض في الصلاة معلقًا بزوال سبب الحظر في قوله: "فإذا أدبرت الحيضة فاغسلى عنك الدم وصلى" فعلق الأمر بالصلاة على زوال سبب حرمتها وهو انقطاع الحيض.
وانتهى إلى القول (٢): بأن الحق أن الاستقراء دل على أن الأمر بعد الحظر لما كان عليه المأمور به قبل المنع فإن اعترض الحظر على الإباحة ثم وقع الأمر بذاك المباح أولا "كاصطادوا" فالأمر للإباحة أو اعترض على الوجوب "كاغسلى عنك وصلى" فالأمر للوجوب فلنختر ذلك التفصيل.
رابعًا: الحنابلة:
إذا وردت صيغة الأمر بعد الحظر اقتضت الإباحة وهو ظاهر قول الشافعي. وقال أكثر الفقهاء والمتكلمين: تفيد ما كانت تفيده لولا الحظر لعموم أدلة الوجوب ولأنها صيغة أمر مجردة عن قرينة فأشبهت ما لم يتقدمه حظر ولأن صيغة الأمر اقتضت نسخ الحظر وقد ينسخ بإيجاب وينسخ بإباحة. وإذا احتمل الأمرين بقى الأمر على مقتضاه في الوجوب. ولأن النهى بعد الأمر يقتضى ما كان مقتضيًا له فكذلك الأمر بعد الحظر.
стр. 8658
وقال قوم إن ورد الأمر بعد الحظر بلفظة "افعل" يكون للإباحة لأن العرف يقتضى ذلك وإن ورد بغير هذه الصيغة يكون لما قبل الحظر من وجوب أو إباحة (١).
دليلنا أن عرف الاستعمال في الأمر بعد الحظر الإباحة بدليل أكثر أوامر الشرع بعد الحظر للإباحة كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (٢) ونحوها من الأمثلة.
فإن قيل فقد قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣) قلنا ما استفيد وجوب القتل بهذه الآية بل بقوله: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ﴿وَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾.
وأما أدلة الوجوب فإنما تدل على اقتضائه مع عدم القرائن الصادقة له بدليل المندوبات وغيرها وتقدم الحظر قرينة صادقة لما ذكرناه.
وقولهم إن النسخ يكون بالإيجاب قلنا إن النسخ إنما يكون بالإباحة التي تضمنها الإيجاب والإيجاب زائد لا يلزم من النسخ ولا يستدل به عليه (٤).
خامسًا: الظاهرية:
يصوره قول ابن حزم (٥):
إذا نسخ الحظر نظرنا إن جاء نسخه بلفظ الأمر فهو فرض واجب بعد أن كان حرامًا ثم قال:
وقد ادعى بعض من سلف أنه تتبع الأوامر كلها الواردة بعد الحظر فوجدها كلها اختيارًا أو إباحة وذكر من ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (٦) و"نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" "وعن الانتباذ في الظروف فانتبذوا" ثم رد ذلك بما يؤيد مذهبه في إفادة الوجوب.
سادسًا: الشيعة الجعفرية:
إذا وقع الأمر بعد الحظر في مقام ظنة أو تهمة فاختلف القائلون بدلالته على الوجوب في كونه حقيقة في الوجوب أو مجازًا في الندب أو الإباحة أو التوقف أو تابعيتها لما قبل الحظر إذا علق الأمر بزوال علة عروض النهى (٧).
والأقوى كونه للإباحة بمعنى الرخصة في الفعل ويلزمه بينًا رفع المنع السابق للتبادر بمعنى أرجحيته في النظر من الوجوب إذ ما تقدم من تقدم الحقيقة على المجاز اتفاقًا إنما هو إذا دار الأمر المعنى الحقيقى والمجازى إذا خلا المقام عن قرينة مرجحة لأحدهما. وأما مع القرينة الموجبة للجزم بإرادة المجاز فيقدم المجاز اتفاقًا وكذا مع إفادتها الظن به مع كون الأصل الحقيقة في النظر أيضًا فالمقصود أن ملاحظة المقام والالتفات إلى هذه القرينة - أعنى وقوع الصيغة عقيب الحظر - يوجب تقديم إرادة المعنى المجازى وهو الإباحة على الحقيقى فيدور ترجيح المعنى الحقيقى أو المجازى مع القرينة على حصول الترجيح والظهور.
стр. 8659
ثم رد المصنف على أدلة القائلين بالوجوب وقد سبق إيراد هذه الأدلة ثم قال (١):
إن المراد من الأمر هنا مجرد رفع الحظر لما ذكرنا فلا دلالة فيها على أزيد من ذلك وأن الوجوب ليس من جهة هذا الأمر.
سابعًا: الإباضية:
جاء في الألفية (٢):
وحكمه إن جاء بعد الحظر والندب حكم ما مضى فلتدر.
ويقول الشارع (٣):
حكم الأمر إن ورد بعد الحظر أو بعد الندب هو كحكمه إن ورد ابتداء. أي إذا حرم الله سبحانه شيئًا ثم أمر به فذلك الأمر للوجوب إلا لقرينة تصرفه عن حقيقته وكذا إذا ندب لشئ ثم أمر به فالأمر به للوجوب إلا لقرينة كما كان ذلك في الأمر ابتداء.
ثم تصدى لأدلة القائلين بالوجوب أو بالإباحة وقال:
أما الاستدلال بالأغلبية فهو أمر ظنى يثبت عند عدم الذي هو أقوى منه أما عند الدليل القاطع فإنه يرد إليه فما قامت فيه قرينة أنه للإباحة فهو لها وما لم تقم فيه قرينة رد إلى أصله المعلوم قطعًا.
دلالة الأمر على التكرار أو المرة
أولًا: طريقة المتكلمين:
١ - الإمام الغزالى:
إن قول القائل: صم كما أنه في نفسه يتردد بين الوجوب والندب فهو بالإضافة إلى الزمان يتردد بين الفور والتراخى وبالإضافة إلى المقدار يتردد بين المرة الواحدة واستغراق العمر وقد قال قوم هو للمرة ويحتمل التكرار وقال قوم هو للتكرار والمختار أن المرة الواحدة معلومة وحصول براءة الذمة بمجردها مختلف فيه واللفظ بوضعه ليس فيه دلالة على نفى الزيادة ولا على إثباتها. وقياس مذهب الواقفية التوقف فيه لتردد اللفظ كتردده بين الوجوب والندب. لكنى أقول: ليس هذا ترددًا في نفس اللفظ على نحو تردد اللفظ المشترك بل اللفظ خال عن التعرض لكمية المأمور به لكن يحتمل الإتمام ببيان الكمية كما أنه يحتمل أن تتممه لسبع مرات أو خمس. وليس في نفس اللفظ تعرض للعدد ولا هو موضوع لآحاد الأعداد وضع اللغة كالمشترك (٤).
ثم قال (٥): والأظهر عندنا أنه إن فسره بعدد مخصوص كتسعة أو عشرة فهو إتمام بزيادة لس تفسيرًا إذ اللفظ لا يصلح للدلالة على تكرر وعدد وإن أراد استغراق العمر فقد أراد كلية الصوم في حقه وكأن كلية الصوم شئ فرد إذ له حد واحد وحقيقة واحدة فهو واحد بالنوع كما أن اليوم الواحد واحد بالعدد فاللفظ يحتمله ويكون ذلك بيانًا للمراد لا استئناف زيادة. ولهذا لو قال: أنت طالق ولم يخطر بباله عدد كانت الطلقة الواحدة ضرورة لفظه فيقتصر عليها ولو نوى الثلاث بعد لأنه كلية الطلاق فهو كالواحد بالجنس أو النوع.
ثم أورد ثلاث شبه للمخالفين القائلين بالتكرار وتولى الرد عليها:
стр. 8660
الأولى: قولهم: قوله ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (١) يعم قتل كل مشرك فقوله "صم. وصل" ينيغى أن يعم كل زمان لأن إضافته إلى جميع الأزمان واحد كإضافة لفظ المشترك إلى جميع الأشخاص.
وأجاب عن ذلك: بأننا إن سلمنا صفة العموم فليس هذا نظيرًا له بل نظيره أن يقال: صم الأيام وصل الأوقات. أما مجرد قوله صم فلا يتعرض للزمان لا بعموم ولا بخصوص لكن الزمان من ضرورته كالمكان ولا يجب عموم الأماكن بالفعل وإن كان نسبة الفعل إلى كل مكان على وتيرة واحدة وكذلك الزمان.
الثانية: قولهم: إن قوله "صم" كقوله "لا تصم" وموجب النهى ترك الصوم أبدًا فليكن موجب الأمر فعل الصوم أبدًا.
ورد ذلك بأن قياسهم الأمر على النهى باطل من خمسة أوجه:
القياس:
١ - أن القياس باطل في اللغات لأنها تثبت توقيفًا.
٢ - أنا لا نسلم في النهى لزوم الانتهاء مطلقًا بمجرد اللفظ.
٣ - أنا نقرن بأن الأمر يدل على أن المأمور ينبغى أن يوجد مطلقًا والنهى يدل على أن ينبغى أن لا يوجد مطلقًا والنفى المطلق يعم والوجود المطلق لا يعم فكل ما وجد مرة فقد وجد مطلقًا وما انتفى مرة فما انتفى مطلقًا.
٤ - أنه لو حمل الأمر على التكرار لتعطلت الأشغال كلها وحمل النهى على التكرار لا يفضى إليه إذ يمكن الانتهاء في حالة واحدة عن أشياء كثيرة مع الاشتغال بشغل ليس ضد المنهى عنه.
٥ - أن النهى يقتضى قبح المنهى عنه ويجب الكف عن القبيح كله والأمر يقتضى الحسن ولا يجب الإتيان بالحسن كله وهذا أيضًا فاسد فإن الأمر والنهى لا يدلان على الحسن والقيح فإن الآمر بالقبيح تسميه العرب آمرًا فتقول أمر بالقبيح وما كان ينبغى أن يأمر به. وأما الأمر الشرعى فقد ثبت أنه لا يدل على الحسن ولا النهى عن القبيح فإنه لا معنى للحسن والقبح بالإضافة إلى ذوات الأشياء بل الحسن ما أمر به والقبيح ما نهى عنه فيكون الحسن والقبح تابعًا للأمر والنهى لا علة ولا متبوعًا.
الثالثة: أن أوامر الشرع في الصوم والصلاة والزكاة حملت على التكرار فتدل على أنه موضوع له وأجاب: بأنه قد حمل الحج على الوحدة فليدل على أنه موضوع له.
٢ - الآمدى:
اختلف الأصوليون في الأمر العرى عن القرائن فذهب الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايينى وجماعة من الفقهاء والمتكلمين إلى أنه مقتض للتكرار المستوعب لزمان العمر مع الإمكان، وذهب آخرون إلى أنه للمرة الواحدة ومحتمل للتكرار ومنهم من نفى احتمال التكرار وهو اختيار أبى الحسين البصرى وكثير من الأصوليين، ومنهم من توقف في الزيادة عن المرة ولم يقض فيها بنفى ولا إثبات وإليه ميل إمام الحرمين والواقفية.
стр. 8661
والمختار أن المرة الواحدة لابد منها في الامتثال وهو معلوم قطعًا والتكرار محتمل فإن اقترن به قرينة أشعرت بإرادة المتكلم التكرار حمل عليه وإلا كان الاقتصار على المرة الواحدة كافيًا (١).
والدليل على ذلك أنه إذا قال له "صل أو صم" فقد أمره بإيقاع فعل الصلاة والصوم وهو مصدر افعل والمصدر محتمل للاستغراق والعدد ولهذا يصح تفسيره به فإنه لو قال لزوجته أنت طالق ثلاثًا وقع به لما كان تفسيرًا للمصدر وهو الطلاق ولو اقتصر على قوله أنت طالق لم يقع سوى طلقة واحدة مع احتمال اللفظ للثلاث. فإذا قال "صل" فقد أمره بإيقاع المصدر وهو الصلاة والمصدر محتمل للعدد فإن اقترنت به قرينةٌ مشعرة بإرادة العدد حمل عليها وإلا فالمرة الواحدة تكون كافية. ولهذا فإنه لو أمر عبده أن يتصدق صدقة أو يشترى خبزًا أو لحمًا فإن يكتفى منه بصدقة واحدة وشراء واحد ولو زاد على ذلك فإنه يستحق اللوم والتوبيخ لعدم القرينة الصادقة إليه. وإن كان اللفظ محتملًا. وإنما كان كذلك لأن حال الأمر متردد بين إرادة العدد وعدم إرادته وإنما يجب العدد مع ظهور الإرادة ولا ظهور إذ الفرض فيما إذا عدمت القرائن المشعرة به فقد بطل القول بعدم إشعار اللفظ بالعدد مطلقًا وبطل القول بظهوره فيه وبالوقف أيضًا. والاعتراض هنا يختلف باختلاف مذاهب الخصوم.
ثم أورد شبه القائلين بالتكرار والقائلين بامتناع احتمال التكرار وشبه القائلين بالوقف ورد عليها بمثل ما نقلناه عن الغزالى في جملته وإن كان قد زاد عليه في عدد من الاعتراضات والردود بما لا يحتمل المقام إيراده (٢).
٣ - مسلك البيضاوى والإسنوى:
إذا ورد الأمر مقيدًا بالمرة أو التكرار حمل عليه وإن ورد مقيدًا بصفة أو شرط فإنه يتكرر قياسًا لا لفظًا وإن كان مطلقًا عن القيود ففيه مذاهب (٣).
أحدها: أنه لا يدل على تكرار ولا على مرة بل يفيد طلب الماهية من غير إشعار بتكرار أو مرة إلا أنه لا يمكن إدخال تلك الماهية في الوجود بأقل من المرة الواحدة فصارت المرة من ضروريات الإتيان بالمأمور به لا جرم أنه يدل عليها من هذا الوجه. وهذا المذهب اختاره الإمام الرازى وأتباعه ونقله عن الأقلين واختاره أيضًا الآمدى وابن الحاجب والبيضاوى.
الثاني: أنه يدل على التكرار المستوعب لزمان العمر وهو رأى الأستاذ - أبو إسحاق الإسفرابينى - وجماعة من الفقهاء والمتكلمين لكن بشرط الإمكان كما قاله الآمدى.
الثالث: أنه يدل على المرة وهو قول أكثر أصحابنا "الأشاعرة" ونقل عن أبى حامد أنه مقتضى قول الشافعي.
الرابع: أنه مشترك بين التكرار والمرة فيتوقف إعماله في أحدهما على وجود القرينة.
стр. 8662
الخامس: أنه لأحدهما ولا نعرفه فعلى هذا يتوقف أيضًا واختار إمام الحرمين التوقف ثم قال (١):
والدليل على ما قلناه - الأمر بذاته لا يدل على تكرار أو مرة - من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يصح أن يقال افعل ذلك مرة أو مرات وليس فيه تكرار ولا نقض إذ لو كان للمرة لكان تقييده بالمرة تكرارًا لما تفيده الصيغة من بالمرة ولكان تقييده بالمرات نقضًا ولو كان للتكرار لكان تقييده به تكرارًا وبالمرة نقضًا.
الثاني: أن الأمر المطلق ورد تارة مع التكرار شرعًا كآية الصلاة وعرفا نحو احفظ دابتى وورد تارة للمرة شرعًا كآية الحج وعرفا كقوله ادخل الدار فيكون حقيقة في القدر المشترك بين التكرار والمرة وهو طلب الإتيان بالفعل مع قطع النظر عن التكرار والمرة لأنه لو كان حقيقة في كل منهما لزم الاشتراك وإن كان في أحدهما فقط لزم المجاز وهما خلاف الأصل.
الثالث: وهو دليل على إبطال التكرار خاصة أنه لو كان للتكرار لعم الأوقات كلها لعدم أولوية وقت دون وقت والتعميم باطل لأنه تكليف بما لا يطاق ولأنه يلزم أن ينسخه كل تكليف يأتى بعده لا يمكن أن يجامعه في الوجود لأن الاستغراق الثابت بالأول يزول بالاستغراق الثابت بالثانى.
ثم أورد البيضاوى والإسنوى أدلة القائلين بأنه يفيد التكرار وردا عليها فقالا (٢):
احتج من قال بأن الأمر يفيد التكرار بثلاثة أوجه:
الأول: أن أهل الردة لما منعوا الزكاة تمسك أبو بكر الصديق ﵁ في وجوب تكرارها بقوله تمالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ولم ينكر عليه أحد من الصحابة فكان ذلك إجماعًا منهم على أنها للتكرار.
والجواب أنه لعل النبي ﵇ بين للصحابة أن هذه الآية للتكرار فإن قيل الأصل عدمه قلنا لما أجمعوا على التكرار مع أن الصيغة المجردة لا تقتضى ذلك تعين ما قلناه جمعًا بين الأدلة.
الثاني: النهى يقتضى التكرار فكذلك الأمر قياسًا عليه والجامع أن كلا منهما للطلب.
وجوابه أن الانتهاء عن الشئ أبدًا ممكن لأن فيه بقاء على العدم وأما الاشتغال به أبدًا فغير ممكن.
الثالث: لو لم يدل على التكرار بل دل على المرة لم يجز ورود النسخ لأن وروده إن كان بعد فعلها فهو محال لأنه تكليف وإن كان قبله فهو يدل على البداء وهو ظهور المصلحة بعد خفائها أو بالعكس وهو على الله تعالى محال. لكن ورود النسخ جائز فدل على أنه للتكرار.
وجوابه أن النسخ لا يجوز وروده على الأمر الذي يقتضى مرة واحدة لكن إذا ورد على الأمر المطلق صار ذلك قرينة في أنه كان المراد به التكرار. وحمل الأمر على التكرار لقرينة جائز.
ثم انتقلا إلى دليل القائلين بأنه مشترك بين التكرار والمرة والإجابة عليه فقالا (٣):
стр. 8663
استدل من قال بأن الأمر مشترك بين التكرار والمرة بأنه يحسن الاستفسار فيه فيقال للآمر أردت بالأمر مرة واحدة أم دائمًا؟ ولذلك قال سراقة للنبى ﵇: أحجنا هذا لعامنا أم للأبد؟ مع أنه من أهل اللسان وأقره عليه فلو كان الأمر موضوعًا في لسان العرب للتكرار أو للمرة لاستغنى عن الاستفسار.
وجوابه أن ما قاله ممنوع فإنه قد يُستفسر عن أفراد المتواطئ - الصادق بالمرة والتكرار - كما إذا قال اعتق رقبة فتقول: أمؤمنة أم كافرة؟ سليمة أم معيبة؟
ثانيًا: الحنفية:
١ - البزدوى والبخارى:
اعلم أن القائلين بالوجوب في الأمر المطلق اختلفوا في إفادته التكرار (١):
فقال بعضهم إنه يوجب التكرار المستوعب لجميع العمر إلا إذا قام دليل يمنع منه ويحكى هذا عن المزنى وهو اختيار أبي إسحاق الإسفرايينى من أصحاب الشافعي وعبد القاهر البغدادى من أصحاب الحديث وغيرهم وبعض أصحاب الشافعي يرون أنه لا يوجب التكرار ولكن يحتمله ويروى هذا عن الشافعي. والفرق بين الموجب والمحتمل أن الموجب يثبت من غير قرينة والمحتمل لا يثبت بدونها.
وقال بعض مشايخنا؛ الأمر المطلق لا يوجب التكرار ولا يحتمله. لكن المعلق بشرط كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٢) أو المفيد بوصف كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ (٣) ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ (٤) يتكرر بتكرره وهو قول بعض أصحاب الشافعي ممن قال إنه لا يوجب التكرار ولكن يحتمله.
وهذا القول يستقيم على أصلهم لأن الأمر لما احتمل التكرار عندهم كان تعليقه بالشرط أو بالوصف قرينة دالة على ثبوت ذلك المحتمل. فأما من قال إنه لا يحتمل التكرار في ذاته فهذا القول منه غير مستقيم لأنه لا أثر للتعليق والتقييد في إثبات ما لا يحتمله اللفظ.
ثم قال البخارى: والمذهب الصحيح عندنا أنه لا يوجب التكرار ولا يحتمله سواء كان مطلقًا أو معلقًا بشرط أو مخصوصًا بوصف إلا أن الأمر بالجنس يقع على أقل جنسه وهو أدنى ما يعد ممتثلًا به ويحتمل كل الجنس بدليله وهو النية وهو قول المحققين من أصحاب الشافعي.
وحاصل هذا القول أن العموم ليس بموجب للأمر ولا بمحتمل ولكنه يثبت في ضمن موجبه بدليل يدل عليه.
ثم ذكر البزدوى دليل القائلين بالتكرار فقال (٥):
وجهه أن لفظ الأمر مختصر من طلب الفعل بالمصدر الذي هو اسم لجنس الفعل والمختصر من الكلام والمطول سواء. واسم الفعل عام لجنسه فوجب العمل بعمومه كسائر الفاظ العموم.
ووضح البخارى معنى الاختصار في كلام البزدوى فقال:
стр. 8664
لفظ الأمر مختصر من طلب الفعل بمصدر ذلك الأمر فإن "اضرب" مختصر من قولك "أطلب منك الضرب" كما أن "ضَرَبَ" مختصر من قوله "فعل الضرب في الزمان الماضي" والمختصر من الكلام والمطول في إفادة المعنى سواء فإن قولك: هذا جوهر مضئ محرق وقولك هذا نار سواء.
وانتقل البزدوى إلى دليل القائلين بالاحتمال فقال:
إن دليلهم هو دليل القائلين بالتكرار غير أن المصدر اسم نكرة في موضع الإثبات فأوجب الخصوص على احتمال العموم ألا ترى أن نية الثلاث صحيحة وهو عدد لا محالة فكذلك المثنى. ألا ترى إلى قول أقرع بن حابس في: السؤال عن الحج: ألعامنا هذا أم للأبد؟
وأما القائلون بأن الصيغة لا توجب التكرار ولا تحتمله إلا أن يكون معلقًا بشرط أو مخصوصًا بوصف فاستدلوا بالنصوص الواردة من الكتاب والسنة مثل قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (١) ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٢).
ثم انتقل بعد ذلك إلى دليل الحنفية فقال (٣):
إن لفظ الأمر صيغة اختصرت لمعناها من طلب الفعل لكن لفظ الفعل فرد وكذلك سائر الأسماء المفردة والمصادر مثل قول الرجل لامرأته: طلقى أو أوقعى طلاقًا أو افعلى تطليقًا أو التطليق وهما اسمان فردان ليسا بصيغتى جمع ولا عدد وبين الفرد والعدد تناف. وكما لا يحتمل العدد معنى الفرد لم يحتمل الفرد معنى العدد أيضًا وكذلك الأمر بسائر الأفعال كقولك: اضرب أي اكتسب ضريًا أو الضرب وهو فرد بمنزلة زيد وعمرو فلا يحتمل العدد إلا أنه اسم جنس، له كل وبعض فالبعض منه الذي هو أقله فرد حقيقة وحكما.
وأما الطلقات الثلاث فليست لفرد حقيقة بل هي جزئيات متعددة ولكنها فرد حكما لأنها جنس واحد فصارت من طريق الجنس واحدًا.
وإنما أشكل على الأقرع بن حابس لأنه اعتبر ذلك بسائر العبادات. وعلى هذا يخرج أن كل اسم فاعل دل على المصدر لغة مثل قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ لم يحتمل العدد حتى قلنا لا يجوز إن أراد بالآية إلا الإيمان لأن كل السرقات غير مراد بالإجماع قصار الواحد مرادًا بالفعل الواحد لا يقطع إلا واحد.
وقد أطال البخارى في التعليق على كلام البزدوى وفى إيراد بعض الاعتراضات الواردة والرد عليها بما لا نرى حاجة إلى إيراده (٤).
٢ - النسفى وابن الملك:
أورد النسفى وابن الملك مذاهب الأصوليين بمثل ما جاء في مسلك البزدوى والبخارى ثم قالا (٥):
لا يقتضى الأمر المطلق التكرار ولا يحتمله سواء كان معلقًا بالشرط أو مخصوصًا بالوصف أو لم يكن.
لكن مفهوم الأمر يقع على أقل جنس الفعل المأمور به وهو الفرد حقيقة بلا نية ويحتمل كل
стр. 8665
الجنس من حيث إنه فرد اعتبارى حتى إذا قال الزوج لامرأته "طلقى نفسك" فإنه يقع على الواحدة إلا أن ينوى الزوج الثلاث فيقع الثلاث إن طلقت نفسها ثلاثًا.
وإنما احتيج فيه إلى النية لأنه يحتمل ولا تعمل نية الثنتين فلو نوى الزوج من قوله "طلقى نفسك" طلقتين لا يصح لأنه ليس بفرد حقيقة ولا اعتبارًا.
والحاصل أن الفرد الحقيقى موجبه والاعتبارى محتمله والعدد لا موجبه ولا محتمله والأصل أن موجب اللفظ يثبت باللفظ ولا يفتقر إلى النية ومحتمل اللفظ لا يثبت إلا إذا نوى وما لا يحتمله اللفظ لا يثبت وإن نوى.
إلا أن تكون المرأة أمَة فتصح نية الثنتين لأنهما جنس طلاقها لأن صيغة الأمر مختصرة من طلب الفعل بالمصدر الذي هو فرد سواء فرد معرفًا أو منكرًا.
ثم قال ابن الملك (١):
هذا دليل المذهب المختار وهو أن الأمر لا يوجب التكرار ولا يحتمله وبين الفرد والعدد تناف لأن الفرد ما لا تركيب فيه والعدد مركب فالفرد لا يقع على العدد.
ثالثًا: رأى المتأخرين من الحنفية والشافعية:
١ - قال صدر الشريعة:
مطلق الأمر عند عامة علمائنا لا يحتمل العموم أو التكرار أصلًا لأن لفظ المصدر فرد إنما يقع على الواحد الحقيقى وهو مستيقن أو مجموع الأفراد لأنه واحد من حيث المجموع وذا محتمل لا يثبت إلا بالنية لا على العدد المحض.
ففى قوله "طلقى نفسك" يوجب الثلاث على مذهب القائلين بأنه يوجب العموم في الأفراد والتكرار في الزمان ويحتمل الاثنين والثلاث عند الشافعي القائل بأنه لا يوجب العموم والتكرار ولكن يحتمله. وعندنا يقع على الواحد ويصح نية الثلاث لا الاثنتين لأن الثلاث مجموع أفراد الطلاق فيكون واحدًا اعتباريًا ولا يصح فيه الاثنان لأن الاثنين عدد محض لا دلالة لاسم الفرد على العدد.
وهذه المسألة لبيان ثمرة الخلاف بين المذاهب الثلإثة. ومسألة أخرى لبيان ثمرة الخلاف بين المذهب وبين القائلين بأن الأمر لا يحتمل التكرار إلا أن يكون معلقًا بشرط وهى قوله: "إن دخلت الدار فطلقى نفسك" فعلى ذلك المذهب ينبغى أن يثبت التكرار لا عندنا (٢).
ويعلق السعد على ذلك فيقول (٣):
مذهب عامة علماء الحنفية أن الأمر لا يحتمل العموم والتكرار بل هو للخصوص والمرة سواء كان مطلقًا مثل ادخل الدار أو معلقًا بشرط أو وصف مثل إن دخلت السوق فاشتر اللحم لا يقتضى إلا اشتراء اللحم مرة واحدة وإنما يستفاد العموم والتكرار من دليل خارجى كتكرار السبب مثلًا. وهذا معنى قول الإمام السرخسى: المذهب الصحيح عندنا أنه لا يوجب التكرار ولا
стр. 8666
يحتمله سواء كان مطلقًا أو معلقًا بشرط أو مخصوصًا بصفة إلا أن الأمر بالفعل يقع على أقل جنسه وهو أدنى ما يعد به ممتثلًا ويحتمل كل الجنس بدليل وهو النية.
وذلك لأن الأمر يدل على مصدر مفرد والمفرد لا يقع على العدد بل على الواحد حقيقة.
وهو المتيقن فيتعين، أو اعتبارًا أعنى المجموع من حيث هو مجموع فإنه يقال: الحيوان جنس واحد من الأجناس والطلاق جنس واحد من التصرفات وكثرة الأجزاء أو الجزئيات لا تمنع الوحدة الاعتبارية وهو محتمل فلا يثبت إلا بالنية.
٢ - الكمال بن الهمام:
إن الصيغة لمطلق الطلب لا يقيد مرة ولا تكرار ولا تحتمله وهو المختار عند الحنفية (١) ثم نقل أن كثيرًا من الأصوليين قال إنه للمرة وعلق على ذلك ابن أمير الحاج بأنه منسوب إلى أكثر الشافعية وأن الإسفراييني يقول "إنه مقتضى كلام الشافعي وأنه الصحيح الأشبه بمذاهب العلماء" ثم يستدرك عليه بما يقوله السبكى من أن "النقلة لهذا المذهب عن أصحاب الشافعي لا يفرقون بينه وبين الرأى المختار. وليس غرضهم إلا نفى التكرار والخروج عن العهدة بالمرة ولهذا لم يحك أحد منهم المذهب المختار مع حكاية هذا فهو عندهم هو هو".
وبعد أن استوفى الكمال وشارحه نقل المذاهب المختلفة بمثل ما سبق إيراده انتقل إلى إيراد أدلة المذهب المختار فقال:
دليلنا "إطباق أهل العربية على أن هيئة الأمر لا دلالة لها إلا على الطلب في خصوص زمان وخصوص المطلوب من قيام وقعود وغيرهما إنما هو من المادة ولا دلالة لها على غير مجرد الفعل فلزم من مجموع ذلك أن تمام مدلول الصيغة طلب الفعل فقط والبراءة بمرة لوجوده أي والخروج عن عهدة الأمر بفعل المأمور به مرة واحدة لضرورة إدخاله في الوجود لأنه لا يوجد بأقل منها فاندفع دليل المرة وهو أن الامتثال يحصل بالمرة فيكون الأمر موضوعًا لها بهذا.
٣ - ابن السبكى والمحلى:
أورد ابن السبكى وشارحه المحلى مذاهب العلماء التي سبق إيرادها ثم قال المحلى (٢):
"ومنشأ الخلاف استعمال الأمر فيهما كأمر الحج والعمرة وأمر الصلاة والزكاة والصوم فهل هو حقيقة فيهما لأن الأصل في الاستعمال الحقيقة أو في أحدهما حذرًا من الاشتراك ولا نعرفه أو هو للتكرار لأنه الأغلب أو المرة لأنها المتيقن أو في القدر المشترك بينهما حذرًا من الاشتراك والمجاز وهو الأول الراجح".
وهو يشير بذلك إلى القول الذي أورده مع المصنف من أن الأمر لطلب الماهية لا لتكرار ولا مرة والمرة ضرورية إذ لا توجد الماهية بأقل منها فيحمل عليها.
رابعًا: الحنابلة:
بعد أن أورد صاحب روضة الناظر مذاهب
стр. 8667
الأصوليين في هذا المجال تكلم عن مذهب الحنابلة فقال (١):
الأمر خال عن التعرض لكمية المأمور به إذ ليس في نفس اللفظ تعرض للمسدد ولا هو موضوع لآحاد الأعداد كوضع اللفظ المشترك لكنه محتمل للإتمام ببيان الكمية فهو كقوله "اقتل".
لا تقول هو مشترك بين زيد وعمرو ولا فيه تعرض لهما فتفسيره بهما أو بأحدهما زيادة على كلام ناقص بإتمامه بلفظ دل على تلك الزيادة لا بمعنى البيان فحصل من هذا أنه ذمته تبرأ بالمرة الواحدة لأن وجوبها معلوم والزيادة لا دليل عليها ولم يتعرض اللفظ لها فصار الزائد كما كان قبل الأمر فإنا كنا نقطع بانتقاء الوجوب فقوله "صم" أزال القطع في مرة واحدة فصار كما كان.
ويقصد هذا باليمين والنذر والوكالة والخبر بيانه أنه لو قال: والله لأصومن أو لله على أن أصوم بر بصوم يوم.
وعلق صاحب نزهة الخاطر على الدليل الذي ساقه المصنف فقال (٢):
حاصل ما ذكره من الدليل على عدم التكرار وجهان:
أحدهما: أن صيغة الأمر لا دلالة لها إلا على مجرد إدخال ماهية الفعل في الوجود ولا دلالة لها على كمية أي على مقداره من حيث العدد. فإذا قال له صل فإنما اقتضى ذلك إيقاع حقيقة الصلاة لا على عدد معين ولا مطلق حتى يجب لأجله التكرار وحقيقة الصلاة تحصل بالمرة الواحدة فيخرج بها عن العهدة فلا يجب ما زاد عليها وذلك معنى قولهم أنه لا يقتضى التكرار.
الثاني: أن الأمر لو اقتضى التكرار لكان قول القائل "صل مرة" تناقضًا لأن "صل" بوضعه يقتضى التكرار وبقوله مرة قد نقض مقتضاء في التكرار وكذا لو قال صل مرارًا لكان تكرارًا لان صل بوضعه يقتضى التكرار فقوله مرارًا لم يفد فائدة زائدة فكان تكرارًا لكن قوله صل مرة أو مرارًا ليس نقضًا ولا تكرارًا.
٤ - الظاهرية:
قال ابن حزم (٣):
إذا ورد اختلف الناس في الأمر بفعل ما هل يخرج من فعله مرة واحدة عن اسم المعصية؟ أم يتكرر عليه الأمر أبدًا فيلزمه التكرار ما أمكنه؟
ثم قال والصواب أن المطيع غير العاصى ومحال أن يكون الإنسان مطيعًا عاصيًا من وجه واحد.
فمن أمر بفعل ما ولم يأت نص بإيجاب تكراره ففعله فقد استحق اسم المطيع وارتفع عنه اسم عاص بيقين وكل شئ بطل بيقين فلا يعود إلا بيقين من نص أو إجماع.
ثم يقول: إن الذي تكلم في هذه المسألة هم القائلون بقول الشافمى ﵀ في تكرار الصلاة على النبي ﷺ في كل صلاة لأجل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٤) ولو كان ما احتجوا به من
стр. 8668
وجوب التكرار صحيحًا لما كان موضع الجلوس الآخر من الصلاة أحق به من القيام والسجود وسائر أحوال الإنسان. وهم إنما أوجبوا ذلك بعد التشهد الأخير من الصلاة فقط مما يدل على أنه لا صلة بين التكرار وبين الوجوب في التشهد الأخير.
ولو كان قوله صحيحًا لزمك أن ترد السلام على من حياك ردًا متكررًا ابدًا عملًا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (١) ولا خلاف أنه بمرة واحدة يخرج من فرض الرد.
ثم قال (٢)
وصحيح القول في هذه المسألة هو ما قلنا من أن يفعل مرة واحدة يؤدى المرء ما عليه ولا يلزمه تكرار الفعل. إلا أن ترتفع تلك الحال التي فيها ذلك الأمر ثم تعود فإن الأمر يعود ولا بد كمرض المسلم تجب عيادته فبمرة واحدة يخرج من الفرض ما دام في تلك العلة. فإن أفاق ثم مرض عاد حكم العيادة أيضًا.
٥ - الزيدية:
لخص الشوكانى أقوال أصحاب المذاهب المختلفة في هذه المسألة ثم قال (٣):
"إذا عرفت جميع ما حررناه تبين أن القول الأول هو الحق الذي لا محيص عنه وأنه لم يأت أهل الأقوال المخالفة له بشئ يعتد به".
والقول الأول الذي اختاره الشوكانى والذي بدأ به بحثه هو (٤): "أن صيفة الأمر باعتبار الهيئة الخاصة موضوعة لمطلق الطلب من غير إشعار بالوحدة والكثرة إلا أنه لا يمكن تحصيل المأمور به بأقل من مرة فصارت المرة من ضروريات الإتيان بالمأمور به لا الأمر يدل عليها بذاته".
٦ - الجعفرية:
استعرض صاحب قوانين الأصول مذاهب العلماء في دلالة الصيغة فقال (٥): المشهور أن صيغة افعل لا تدل إلا على طلب الماهية وقيل تدل على التكرار مدة العمر إن أمكن عقلا وشرعا ويكون تركه إثما وقيل على المرة.
ويظهر من بعضهم أن مراد القائلين بالمرة هو الدلالة على الماهية المقيدة بالوحدة لا بشرط التكرار ولا عدمه. فالزائد على المرة لا يكون امتثالًا ولا مخالفة.
ثم استطرد في الكلام عن هذا الخلاف وثمرته وقال (٦):
والأقرب عندى أنها لا تدل إلا على طلب الماهية وأن الامتثال إنما يحصل بالمرة الأولى لأن الأمر يقتضى الإجزاء والإتيان به ثانيا وثالثا تشريع محرم لكون أحكام الشرع توقيفية موقوفة على التوظيف دليلنا أن الأوامر وسائر المشتقات مأخوذة من المصادر الخالية عن اللام والتنوين وهى حقيقة في الطبيعة لا بشرط شئ اتفاقًا كما صرح به السكاكى. وما قيل من أن اسم
стр. 8669
الجنس موضوع للماهية مع قيد الوحدة المطلقة فإنما يسلم إذا كان مع التنوين. والوحدة والتكرار مثل سائر صفات الطبيعة قيود خارجة عنها فلا دلالة للفظ الدال على الطبيعة الكلية على شئ من قيودها لأن العام لا يدل على الخاص والهيئة العارضة لهذه المادة لا تفيد أزيد من طلبها بحكم العرف والتبادر بعنوان الإيجاب والإلزام والأصل عدم إرادة شئ آخر معها.
وأطال في استدلالهم والتعرض لأدلة المخالفين والرد عليها بما لا يخرج في جملته عما سبق إيراده.
٧ - الإباضية:
يقول صاحب طلعت الشمس (١):
إذا تجرد الأمر عن القيود والقرائن دل على طلب حقيقة الفعل المأمور به ولا يدل على طلب إيقاعه مرة واحدة ولا على طلبه متكررًا لكن يدل على طلب حقيقة المأمور به فقط. وهذه الأشياء إنما تستفاد من القيود والقرائن.
واحتج البدر الشماخى على أن الأمر المجرد عن القيود والقرائن لا يدل إلا على طلب الحقيقة بأن مدلولات الفعل أجناس والأجناس لا تشعر بالوحدة ولا بالكثرة. ومن ثم لم تثن ولم تجمع وحسن استعمالها في القليل والكثير بلفظ واحد.
ثم قال: وهذا المذهب هو قول كثير من أهل التحقيق.
стр. 8670
دلالة الأمر على الفور أو التراخى
أولا: المتكلمون:
١ - الغزالى (١):
مطلق الأمر يقتضى الفور عند قوم ولا يقتضيه عند قوم وتوقف فيه من الواقفية قوم ثم منهم من قال: التوقف في المؤخِّر. هل هو ممتثل أم لا؟ وأما المبادر فممتثل قطعا. ومنهم من غلا فقال: يتوقف في المبادر أيضا.
والمختار أنه لا يقتضى إلا الامتثال ويستوى فيه البدار والتأخير.
وبرهن على بطلان الوقف، فوجه الكلام إلى المتوقف فقال: هل المبادر يعد ممتثلا عندك أم لا؟ فإن توقفت فقد خالفت إجماع الأمة قبلك فإنهم على أن المسارع إلى الامتثال مبالغ في الطاعة مستوجب جميل الثناء، والمأمور إذا قيل له قم فقام يعلم نفسه ممتثلا ولا يعد به مخطئا باتفاق أهل اللغة قبل ورود الشرع وقد أثنى الله تعالى على المسارعين فقال: "وسارعوا إلى مغفرة من ربكم" وقال جل شأنه: "يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون".
وإذا بطل هذا التوقف فتقول: لا معنى للتوقف في المؤخر لأن قوله: اغسل هذا الثوب مثلا لا يقتضى إلا طلب الغسل والزمان من ضرورة الغسل كالمكان وكالشخص في القتل والضرب والسوط والسيف في الضرب؛ ثم لا يقتضى الأمر بالضرب مضروبا مخصوصا ولا سوطا ولا مكانا للأمر. فكذلك الزمان لأن الآمر ساكن عن التعرض للزمان والمكان فهما سيان.
ثم قال (٢): إن مدعى الفور متحكم وهو محتاج إلى أن ينقل عن أهل اللغة أن قولهم "افعل" للبدار ولا سبيل إلى نقل ذلك لا تواترا ولا آحادا. ولهم شبهتان:
الأولى: أن الأمر للوجوب وفى تجويز التأخير ما ينافى الوجوب إما بالتوسع وإما بالتخيير في فعل لا بعينه من جملة الأفعال الواقعة في الأوقات. والتوسع والتخيير كلاهما يناقض الوجوب. قلنا قد بينا في القطب الأول أن الواجب المخير والموسع جائز ويدل عليه أنه لو صرح وقال: اغسل الثوب أي وقت شئت أوجبته عليك لم يتناقض. ثم لا نسلم أن الأمر للوجوب ولو كان للوجوب إما بنفسه أو بقرينة فالتوسع لا ينافيه.
الشبهة الثانية: أن الأمر يقتضى وجوب الفعل واعتقا الوجوب والمزم على الامتثال ثم وجوب الاعتقاد والعزم على الفور فليكن كذلك الفعل.
قلنا القياس باطل في اللغات ثم هو منقوض بقوله: افعل أي وقت شئت. فإن الاعتقاد والعزم فيه على الفور دون الفعل. ثم تقول: وجوب الفور في العزم والاعتقاد معلوم بقرينة وأدلة دلت على التصديق للشارع والعزم على الانقياد له ولم يحصل ذلك بمجرد الصيغة.
٢ - الآمدى
استعرض الآمدى مذاهب الفقهاء في هذه المسألة فقال: (٣)
стр. 8671
ذهب الحنفية والحنابلة وكل من قال بحمل الأمر على التكرار إلى وجوب التعجيل، وذهبت الشافعية والقاضى أبو بكر وجماعة من الأشاعرة والجبائى وابنه وأبو الحسين البصرى إلى التراخى وجواز التأخير عن أول وقت الإمكان.
وأما الواقفية فقد توقفوا لكن منهم من قال: التوقف إنما هو في المؤخر هل هو ممتثل أم لا؟ وأما المبادر فإنه ممتثل قطعا. لكن هل يأثم بالتأخير؟ اختلفوا فيه فمنهم من قال بالتأثيم وهو اختيار إمام الحرمين. ومنهم من لم يؤثمه. ومنهم من توقف في المبادر أيضا وخالف في ذلك إجماع السلف.
ثم قال: والمختار أنه مهما فعل كان مقدما أو مؤخرا كان ممتثلا للأمر ولا إثم عليه بالتأخير والدليل على ذلك أن الأمر حقيقة في طلب الفعل لا غير، فمهما أتى بالفعل في أي زمان كان: مقدما أو مؤخرا كان آتيا بمدلول الأمر فيكون ممتثلا للأمر ولا إثم عليه بالتأخير لكونه آتيا بما أمر به على الوجه الذي أمر به.
وبيان أن مدلول الأمر طلب الفعل لا غير وجهان:
الأول: أنه دليل على طلب الفعل بالإجماع والأصل عدم دلالته على أمر خارج. والزمان وإن كان لابد منه من ضرورة وقوع الفعل المأمور ولا يلزم أن يكون داخلا في مدلول الأمر فإن اللازم من الشئ أعم من الداخل في معناه؛ ولا أن يكون متعينا كما لا تتعين الآلة في الضرب. ولا الشخص المضروب وإن كان ذلك من ضرورات امتثال الأمر بالضرب.
الثاني: أنه يجوز ورود الأمر بالفعل على الفور وعلى التراخى. ويصح مع ذلك أن يقال بوجود الأمر في الصورتين. والأصل في الإطلاق الحقيقة ولا مشترك بين الصورتين سوى طلب الفعل لأن الأصل عدم ما سواه؛ فيجب أن يكون هو مدلول الأمر في الصورتين دون ما به الاقتران من الزمان وغيره. نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ.
تم تكلم عن خمس شبه تؤيد القائلين بدخول الوقت في مقتضى الأمر (١)
الأولى: أنه إذا قال السيد لعبده "اسقنى الماء" فإنه يفهم منه تعجيل السقى حتى أنه يحسن لوم العبد وذمه في نظر العقلاء بتقدير التأخير ولولا أنه من مقتضيات الأمر لما كان كذلك إذ الأصل عدم القرينة.
الثانية: أن مدلول الأمر وهو الفعل المأمور به لا يقع إلا في وقت وزمان فوجب أن يكون الأمر مقتضيا للفعل في أقرب زمان كالمكان.
وكما لو قال لزوجته أنت طالق ولعبده أنت حر فإن مدلول لفظه يقع على الفور في أقرب زمان.
الثالثة: أن الأمر مشارك للنهى في مطلق الطلب والنهى مقتض للامتثال على الفور فوجب أن يكون الأمر كذلك.
стр. 8672
الرابعة: الأمر بالشئ نهى عن جميع أضداده والنهى عن أضداد المأمور به مقتض للانتهاء عنها على الفور وذلك متوقف على فعل المأمور به على الفور، فكان الأمر مقتضيا له على الفور.
الخامسة: أنه تعالى عاتب إبليس ووبخه على مخالفة الأمر بالسجود لآدم في الحال بقوله ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ (١) ولو لم يكن الأمر بالسجود مقتضيا له في الحال لما حسن توبيخه عليه ولكان ذلك عذرا لإبليس في تأخيره.
وأجاب عن هذه الشبه عن الأولى بما يفيد أن مسألة فهم التعجيل من أمر السيد مستفاد من العرف إذا الظاهر أنه لا يطلب سقى الماء من غير حاجة إليه وعن الثانية أن تعيين أقرب الأماكن والأزمنة دعوى لا دليل؛ وعن الثالثة والرابعة أن تشبيه الأمر بالنهى قياس في اللغة وهو ممتنع؛ وعن الخامسة أن توبيخه لإبليس إنما كان لإبائه واستكباره ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ (٢) ولتخيره على آدم بقوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (٣) ولا يمكن إضافة التوبيخ إلى مطلق الأمر من حيث هو أمر لأنه منقسم إلى أمر يجاب واستحباب ولا توبيخ عن مخالفة أمر الاستحباب إجماعا.
٣ - البيضاوى والإسنوى
يقول البيضاوى إن الأمر المطلق لا يفيد الفور خلافا للحنفية ولا التراخى خلافا لقوم وقيل مشترك (٤) وحكى الإسنوى في توضيح كلام البيضاوى أربعة مذاهب (٥).
أحدها: أنه لا يدل لا على الفور ولا على التراخى بل يدل على طلب الفعل. قال في البرهان: وهذا ما ينسب إلى الشافعي وأصحابه وقال في المحصول: إنه الحق واختاره الآمدى وابن الحاجب والمصنف.
الثاني: أنه يفيد الفور وجوبا وهو مذهب الحنفية.
الثالث: أنه يفيد التراخى جوازا ونقل عن الشيخ أبى إسحق أنه غلط وعن البرهان أنه لفظ مدخول فإن مقتضى إفادته التراخى أنه لو فرض الامتثال على الفور لم يعتد به وليس هذا معتقد أحد. نعم حكى ابن برهان عن غلاة الواقعية أنا لا نقطع بامتثاله بل يتوقف فيه إلى ظهور الدلائل لاحتمال إرادة التأخير.
قال: وذهب المعتقدون منهم إلى القطع بامتثاله وحكاه في البرهان أيضا.
الرابع: وهو مذهب الواقعية أنه مشترك بين الفور والتراخى ومنشأ الخلاف في هذه المسألة من كلامهم في الحج.
واستدل لما ذهبا إليه بما سبق أن أوضحه من أن الأمر المطلق لا يقتضى التكرار. وأشار إلى أمرين أحدهما أنه يصح تقييده بالفور وبالتراخى من غير تكرار ولا نقض.
стр. 8673
والثانى أنه ورد الأمر مع الفور ومع عدده فيجعل حقيقة في القدر المشترك وهو طلب الإتيان به دفعا للاشتراك والمجاز.
ثم ناقش أدلة القائلين بالفور بما لا يخرج في جملته عما جاء في كلام الآمدى.
ثانيا: الحنفية
١ - البزدوى والبخارى
يقول البزدوى: (١) الأمر المطلق عن الوقت على التراخى خلافا للكرخى.
وتولى البخارى توضيح ذلك فاستعرض مذاهب العلماء بما لا يخرج عما سبق إيراده.
ثم قال: ومعنى قولنا على الفور أنه يجب تعجيل الفعل في أول أوقات الإمكان. ومعنى قولنا على التراخى انه يجوز تأخيره عنه عن أول أوقات الإمكان وليس معناه أنه يجب تأخيره عنه حتى لو أتى به فيه لا يعتد به لأن هذا ليس مذهبا لأحد.
ونعرض لأدلة القائلين بالفور فقال:
تمسك القائلون بالفور بأن الأمر يقتضى وجوب الفعل في أول أوقات الإمكان بدليل أنه لو أتى به فيه يسقط الفرض عنه بالاتفاق، فجواز تأخيره عنه نقض لوجوبه إذ الواجب ما لا يسع تركه. ولا شك أن تأخيره ترك لفعله في وقت وجوبه ولأن التأخير تفويت لأنه لا يدرى أيقدر على الأداء في الوقت الثاني أو لا يقدر وبالاحتمال لا يثبت التمكن من الأداء إلا على وجه يكون معارضا للمتيقن به فيكون تأخيره عن أول أوقات الإمكان تفويتا ولهذا يستحسن ذمه على ذلك إذا عجز عن الأداء.
ثم انتقل إلى أدلة القائلين بالتراخى فقال:
تمسك القائلون بالتراخى بأن صيغة الأمر ما وضعت إلا لطلب الفعل بإجماع أهل اللغة فلا تقيد زيادة على موضوعها كسائر الصيغ الموضوعة للأشياء. وهذا لأن قوله افعل ليس فيه تعرض للوقت بوجه كما لا تعرض لقوله "فعل ويفعل" على زمان قريب أو بعيد؛ ومتقدم أو متأخر. فكما لا يجوز تغيير الماضي والمستقبل بزمان لا يجوز تغيير الأمر به أيضا. لأن التغيير في المطلق يجرى مجرى النسخ ولهذا لم يتغير بمكان دون مكان.
ويزيد ما قلنا إيضاحا أن مدلول الصيغة طلب الفعل. والفور والتراخى خارجيان إلا أن الزمان من ضرورات حصول الفعل لأن الفعل لا يوجد من العباد إلا في زمان والزمان الأول والثاني والثالث في صلاحيته الحصول واحد فاستوت الأزمنة كلها وصار كما لو قيل افعل في أي زمان شئت فيبطل تخصيصه وتقييده بزمان دون زمان. ألا ترى أنه لو أمره بالضرب مطلقا لا يتقيد بآلة دون آلة وشخص دون شخص وإن كان ذلك من ضروراته فكذا الزمان. فثبت أن الأمر بصيغته لا يفيد الفور.
وكذا الحكم وهو الوجوب لأن الفعل يجوز أن يكون واجبا وإن كان المكلف في أول الوقت مخيرا بين فعله وتركه فيجوز له التأخير ما لم يغلب على ظنه فواته. إن لم يفعله فيكون هذا الأمر مقتضيا طلب الفعل في مدة عمره بشرط أن لا يخلى زمان العمر منه فيثبت الوجوب عليه بوصف التوسع لا بوصف التطبيق.
стр. 8674
واستشعر اعتراضا على هذا بعدم جواز التكليف فأثبت جوازه بالدليل العقلى والشرعى ثم انتقل إلى الرد على القائلين بالفور فقال: (١)
قولهم: في جواز التأخير نقض الوجوب إذ الواجب ما لا يسع تركه.
قلنا: ما ذكرتم حكم الواجب المضيق فأما الموسع فحكمه جواز التأخير إلى وقت مثله بشرط أن لا يخلى الوقت عنه ولو أخلى عصى وأثم. فلا يلزم من التأخير نقض الوجوب.
وقولهم: في التأخير تفويت وذلك حرام.
قلنا: الفوات لا يتحقق إلا بموته. وليس في مجرد التأخير تفويت لأنه يتمكن من الأداء في جزء يدركه من الوقت بعد الجزء الأول حسب تمكنه في الجزء الأول. وموت الفجاءة نادر لا يصلح لبناء الأحكام عليه، فيجوز له التأخير إلي إذا يغلب علي ظنه بأمارة أنه إذا أخر بفوت المأمور به. والظن عن أمارة دليل من دلائل الشرع كالاجتهاد في الأحكام فيجوز بناء الحكم عليه.
فإن قيل: في قولكم فيمن مات بغتة أيموت عاصيا أم غير عاص؟ فإن قلتم يموت عاصيا فمحال لأنا إذا أطلقنا له التأخير واختر منه المنية من غير أن يحس بحضورها لم يتصور إطلاق وصف العصيان عليه؛ لأن العصيان بالتأخير مع إطلاق التأخير محال، وإن قلتم يموت غير عاص فلم يبق للوجوب فائدة.
قلنا: اختلف الأصوليون فيه فمنهم من قال: إذا مات بعد تمكنه من الأداء يموت عاصيا لأن التأخير إنما أبيح له بشرط أن لا يكون تفويتا وتغيير المباح بشرط مستقيم في الشرع كالرمى إلى الصيد يباح بشرط أن لا يصيب آدميا؛ وهذا لأنه متمكن من ترك الترخص بالتأخير بالمسارعة إلى الأداء التي هي مندوب إليها فقلنا بأنه يتمكن من البناء على الظاهر ما دام يرجو الحياة عادة وإن مات كان مفرطا لتمكنه من ترك الترخص بالتأخير.
ومنهم من قال: لا يموت عاصيا ولكنه لا يدل على بطلان فائدة الوجوب وهذا لما بينا أن التأخير عن الوقت الأول إلى وقت مثله لم يحرم عليه لأنه ليس فيه تفويت المأمور به ثم إذا أحس بالفوات بظهور علامات الموت منعناه من التأخير لأنه تفويت بعد ذلك، فإذا مات بغتة وفجأة فهو غير مفوت للمأمور به لأنه أخر عن وقت إلى وقت مثله. وقد أطلقنا له ذلك فصار الفوات عند موته بغتة من غير ظهور أمارت الموت مضافا إلى صنع الله تعالى لا إلى العبد لأنه قد فعل ما كان مطلقا له فلم يصح وصف فعله بالتفويت فلم يجز أن يوصف بالعصيان. ثم عدم وصفه بالعصيان لم يدل على فوات فائدة الوجوب لأنا فحققنا صفة الواجبية فيما يرجع إلى فعل العبد من منعه من التفويت فبوجود الفوات من الله تعالى لا تبطل فائدة الوجوب.
على أننا تقول يجب اعتقاد وجوبه على التوسع كما يلزم فعله على التوسع فإذا وجب الفعل عل حسب ما يعتقده من الوجوب ووجب
стр. 8675
الاعتقاد على حسب ما يلزمه من الفعل لم يقع الفرق بينهما بوجه.
٢ - النسفى وابن الملك
يقول النسفى: (١)
الأمر نوعان مطلق عن الوقت كالزكاة وصدقة الفطر. وهو على التراخى خلافا للكرخى لئلا يعود على موضوعه بالنقض. ومقيد به وهو إما أن يكون الوقت ظرفا للمؤدى وشرطا للأداء وسببا للوجوب كوقت الصلاة. وهو إما أن يضاف إلى الجزء الأول أو إلى ما يلى ابتداء الشروع أو إلى الجزء الناقص عند ضيق الوقت أو إلى جملة الوقت أو يكون معيارا له وسببا لوجوبه كشهر رمضان أو يكون معيارا لا سببا كقضاء رمضان والنذر المطلق فيشترط فيه نية التعيين أو يكون مشكلا يشبه المعيار والظرف كالحج.
ويعلق ابن الملك على قول المصنف "لئلا يعود على موضوعه بالنقض" فيقول: (٢)
هذا دليل على أنه للتراخى يعنى أن الأمر وضع لطلب الفعل فقط بالإجماع وذلك إنما يوجد في الزمان والزمان الأول والثانى في صلاحية حصول الفعل سواء ولو اقتضى الفور يصير كأنه قال: افعل الساعة فلم يكن مطلقا فيعود على موضوعه بالنقض أي يكون ناقضا لما وضع له وهو الإطلاق.
وإشار إلى دليل الكرخى في أن الأمر المطلق عنده للفور بأن الأمر يقتضى وجوب الفعل في أول وقت الإمكان ولهذا لو أتى به سقط عنه الفرض اتفاقا فتأخيره عنه نقض لوجوبه إذ الواجب لا يجوز تركه عن وقته.
ثالثا: المتأخرون
١ - صدر الشريعة والتفتازاتى من الحنفية
يقول صدر الشريعة: (٣) المأمور به نوعان مطلق ومؤقت. أما المطلق فعلى التراخى لأنه جاء للفور وجاء للتراخى فلا يثبت الفور إلا بالقرينة وحيث عدمت يثبت التراخى لا أن الأمر يدل عليه.
وعلل التفتازانى لذلك بأن المراد بالفور الموجوب في الحال والمراد بالتراخى عدم التغيير بالحال لا التغيير بالمستقبل حتى لو أداه في الحال يخرج عن العهدة فالفور يحتاج إلى القرينة لا التراخى.
ويعلق الفزى على أن الأمر المطلق على التراخى (٤) فيقول:
اختلفوا في موجب الأمر فذهب كثير إلى أن حقه الفور والمختار أنه لا يدل على الفور ولا على التراخى بل كل منهما بالقرينة. وهؤلاء يعنون بالفور امتثال المأمور به عقب ورود الأمر وبالتراخى الإتيان به متأخرا عن ذلك الوقت.
стр. 8676
والصحيح من مذهب العلماء الحنفية أنه التراخى إلا أن مرادهم بالتراخى عدم التغيير بالحال لا التغيير بالاستقبال فالتراخى عندهم أعم من الفور وغيره وذلك لأنه لما استدل على كون مطلق الأمر للتراخى بأن الأمر جاء للفور وجاء للتراخى فلا يثبت الفور إلا بالقرينة فعند الإطلاق وعدم القرينة يثبت التراخى بضرورة عدم قرينة الفور لا بد لالة الأمر.
٢ - الكمال بن الهمام وابن أمير الحاج (١)
الفور للأمر ضرورى للقائل بالتكرار له لأنه من لازم استغراق الأوقات بالفعل المأمور به مرة بعد أخرى وأما غير القائل بالتكرار: فإما أن يكون المأمور به مقيدا بوقت يفوت الأداء بفوته أو غير مقيد بوقت الأداء بفوته وإن كان واقعا في وقت لا محالة.
فغير المقيد المذكور لمجرد الطلب فيجوز التأخير على وجه لا يفوت المأمور به أصلا كما يجوز البدار به وهو الصحيح عند الحنفية وعزى إلى الشافعي وأصحابه واختاره الرازى والآمدى وابن الحاجب والبيضاوى وقال ابن برهان: لم ينقل عن الشافعي وأبى حنيفة نص وإنما فروعهما تدل على ذلك.
وقد يعبر عنه بالتراخى والمراد به أنه جائز كالبدار لا أن البدار لا يجوز فإنه خلاف الإجماع.
وقيل يوجب الفور أول أوقات الإمكان للفعل المأمور به وهو معزو إلى المالكية والحنابلة وبعض الحتفية والشافعية. وقال القاضي الباقلانى: الأمر يوجب فعل المأمور يه على الفور أو العزم عليه في ثانى الحال وتوقف إمام الحرمين في إنه لغة للفور أم لا فيجوز التراخى ولا يحتمل وجوب التراخى فيمتثل بكل من الفور والتراخى مع التوقف في إثمه بالتراخى. وقيل بالوقف في الامتثال إن بادر به للتوقف فيه كما يتوقف في الفور لاحتمال وجوب التراخى.
واستدل للمختار الذي ذهبا إليه وهو أنه لمجرد الطلب. بأنه لا يزيد دلالة على مجرد الطلب من فور أو تراخ لا بحسب المادة ولا بحسب الصيغة بالوجه السابق: بأن إطباق العربية على أن هيئة الأمر لا دلالة لها إلا على الطلب وكونه دالا على الفور أو التراخى خارج عن مدلوله.
رابعا: ابن الحاجب
يستعرض العضد. شرحا لكلام ابن الحاجب.
مذاهب الفقهاء في ذلك ثم يقول (٢).
وهو لا يدل على الفور ولا على التراخى بل على مطلق الفعل وأيهما حصل كان مجزئا. وهذا هو الصحيح.
ويستدل للمذهب بمثل ما استدل به أصحاب هذا الرأى ويرد على أدلة المعارضين بما لا يخرج عما سبق إيراده.
خامسا: الحنابلة
يقول صاحب روضة الناظر (٣):
الأمر المطلق المجرد عن القرينة يقتضى فعل المأمور به على الفور في ظاهر المذهب خلافا لأحمد فإنه قد نقل عنه أن الحج على التراخى مع أنه مأمور به وهو يدل على الخلاف في هذا الأصل.
стр. 8677
وقد سبق إيراد الأدلة على هذا الرأى. ومما ذكره منها:
أنه لابد من زمان يقع الفعل فيه وأول الأزمنة ما كان عقب الأمر لأنه يكون ممتثلا يقينا وسالما من الخطر قطعا. ولأن الأمر سبب للزوم الفعل فيجب أن يتعقبه حكمه كالبيع والطلاق وسائر الإيقاعات. ولذلك يعقبه العزم على الفعل وإيجاده.
سادسا: الظاهرية
قال ابن حزم: (١)
فرض الأوامر البدار إلا ما أباح التراخى فيه نص آخر أو إجماع. وهذا هو الذي لا يجوز غيره.
ووضح في استدلاله بالآيتين "وسارعوا" "فاستبقوا الخيرات" رأيه فقال:
إن أحدا لا يؤتى المغفرة إلا بعمل صالح يقتضى له وعد الله تعالى بالرحمة والمغفرة. وعلمنا ذلك يقينا أن مراد الله تعالى بالآية الأولى إنما هو سارعوا إلى الأعمال الموجبة للمغفرة من ربكم إذ لا سبيل إلى المسارعة إلى المغفرة إلا ذلك. وهذا من الحذف الذي دلت عليه الحال. وإنما قلت هذا لوجهين:
أحدهما: النص الجلى الوارد في أنه لا يجزى أحد بمغفرة ولا غيرها إلا بحسب عمله.
الثاني: النص الوارد بأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها وليس في وسع أحد المسارعة إلى نيل المغفرة المجردة دون توسط عمل صالح فهذان الظاهران نصا أن في تلك الآية حذفا دلت عليه الحال. فما كان مرتبطا بوقت واحد كصيام رمضان فقد جاء النص بإيجاب تأخيره إلى وقته، فإذا خرج الوقت فقد ثبت العجز عن تأديته كما أمرنا إلا بأن يأتى في شئ من ذلك نص آخر فيوقف عنده. وما كان مرتبطا بوقت فيه مهلة فقد جاء النص بإباحة تأخيره إلى آخر وقته وإيجاب تأخيره إلى أول وقته؛ فإذا خرج الوقت فالكلام فيه كما قلنا في الذي قبله ولا فرق. وذلك كأوقات الصلاة. وما لم يأت مرتبطا بوقف ففرضه البدار في أول أوقات الإمكان إلا أن الأمر به لا يسقط عن المأمور به لعصيانه في تأخيره. وكذلك ما كان مرتبطا بوقت له أول محدود ولم يحد آخره أو ما كان مرتبطا بوقت محدود متكرر.
فالنوع الأول كقضاء صيام المريض والمسافر لأيام رمضان فذلك لازم في أول أوقات القدرة عليه فإن بادر المرء إليه فقد أدى ما عليه وإن أخره لغير عذر كان عاصيا بالتأخير وكان الأمر عليه ثابتا أبدا.
والنوع الثاني كوجوب الزكاة فإن لوقتها أولا وهو انقضاء الحول وليس قبل ذلك أصلا. وليس الآخر وقتها آخر محدود بل هو باق أبدا إلى وقت العرض على الله لأن النص لم يأت في ذلك بانتهاء.
стр. 8678
النوع الثالث كالحج فإنه مرتبط بوقت من العام محدود وليس ذلك على الإنسان في عام بعينه بل هو ثابت على كل مستطيع إلى وقت العرض على الله .
وقد أطال ابن حزم في استنباط الاعتراضات والرد عليها وعلى أدلة مخالفيه كما استطرد إلى أدلة أخرى من الكتاب والسنة تحيل من شاء الاستقصاء إليها في كتابه.
سابعا: الزيدية
استقصى الشوكانى المذاهب المختلفة في هذا المقام ولخص أدلة كل فريق وما ناقض به مخالفيه وأنهى البحث بقوله (١): الحق قول من قال إن الأمر لمطلق الطلب من غير تقييد بفور ولا تراخ ولا ينافى هذا اقتضاء بعض الأوامر للفور كقول القائل "اسقنى. أطعمنى" فإنما ذلك من حيث إن مثل هذا الطلب يراد منه الفور فكان ذلك قرينة على إرادته به. وليس النزاع في مثل هذا إنما النزاع في الأوامر المجردة عن الدلالة على خصوص الفور أو التراخى كما عرفت.
ثامنا: الإباضية:
يقول صاحب طلعت الشمس (٢)
إذا تجرد الأمر عن القيود والقرائن دل على طلب حقيقة الفعل المأمور به ولا يدل على طلب إيقاعه مرة واحدة ولا على طلبه متكررا ولا على طلب إيقاعه فورا أي في أقرب ما يمكن من الوقت ولا على طلب إيقاعه متراخيا أي في أي وقت يكون. لكن يدل على طلب حقيقة المأمور به فقط. وهذه الأشياء إنما تستفاد من القيود والقرائن لأن (٣) مدلولات الفعل أجناس والأجناس لا تشعر بالوحدة ولا بالكثرة ومن ثم لم تثن ولم تجمع وحسن استعمالها في القليل والكثير بلفظ واحد.
وهذا المذهب هو قول كثير من أهل التحقيق.
ثم ذكر المذاهب التي سبق ذكرها كما ذكر أدلة كل مذهب وناقض مخالفيه بما لا يخرج عما سبق.
تاسعا: الجعفرية:
قال الفقيه أبو القاسم الغمى: (٤)
لا دلالة لصيغة الأمر على وجوب الفور كما ذهب إليه جماعة؛ وليست مشتركة بينه وبين جواز التراخى كما ذهب إليه بعض علماء المذهب. بل هي لطلب الماهية وأيهما حصل حصل الامتثال كما ذهب إليه جماعة من المحققين. وأما القول بتعيين التراخى فلم نقف على مصرح به.
واستدل بمثل ما استدل به القائلون بهذا الرأى وبما سيذكره في مبحث الأمر المعلق بشرط أو صفة وأطال في مناقشة أدلة القائلين بالفور. ومما جاء في رده عليهم قوله: (٥)
стр. 8679
وأما وجوبه فورا فيحتاج إلى دليل. نعم يتم ذلك على القول بوجوب الاحتياط مع احتمال وجوب الفور أما اشتراطه في الصحة أو في مجرد حصول الإثم فهو ممنوع وكيف كان فهذا الدليل مع تمامه لا يدل على كون الصيغة للفور بل يدل على وجوب العمل بالفور من الخارج.
وفى رده على استدلالهم بالاستقراء وأن مقتضى النسب الخبرية والإنشائية قَصد الحال فكذا الأمر إلحاقا له بالأعم الأغلب. قال: (١)
التحقيق أن مطلوب المستدل إن كان حصل له من الاستقراء أن النسب الخيرية والإنشائية الصادرة عن المتكلم حاصلة في الحال الحاضر فهو لا يجريه لأنه لا إشكال في أن النسبة الإنشائية في الأمر وهى الطلب القائم بنفس المتكلم حاصلة في الحال فلا يمكن النزاع فيه.
وإن كان أن مفاد تلك الجمل ومدلولاتها حاصلة في الحال كقيام زيد وطلاق هند فهو مع أنه متقوض بمثل كان زيد قائما وعمرو سوف يجئ وموقوف على كون المشتق حقيقة في الحال المقابل للاستقبال لا حال التلبس كائنا ما كان. والتحقيق خلافه. لا يمكن الوقوف على مثل هذا الاستقراء في إثبات اللغة.
وأشار إلى أن هناك طريقا آخر يمكن إثبات الفور به وهو أن النحاة ذكروا أن الأمر للحال وغرضهم من اقتران معنى الفعل بأحد الأزمنة هو المعنى الحدثى؛ وإن شئت قلت انتسابه إلى الفاعل مقترن بأحد الأزمنة وأما نسبة المتكلم فكلها واقعة للحال لغة فيثبت الفور. ولكنه مرفوع بأن كلام النحاة مع أنه لم يثبت اتفاقهم على ذلك يضعفه خلاف علماء الأصول والبيان فالظاهر أن نظرهم إلى الأغلب مع إمكان حصول الطبيعة في الحال.
والحاصل أن الأمر مأخوذ من المضارع ولا فرق بينهما في الاشتراك بين الحال والاستقبال.
وأطال بعد ذلك في مناقشة الاستدلال بالآيات المتقدمة واختتم البحث بما نقله عن اختلاف القائلين بأن الأمر للفور في ثبوت التكليف على من ترك الامتثال فورا في الزمان المتأخر وعدمه وأنهم فرعوا على ذلك أن معنى افعل هو افعل في الزمان الثاني وإن لم تفعل ففى الثالث وهكذا أو معناه افعل في الزمان الثاني مع السكوت عما بعده. وأما كون عدم الفعل في الزمان المتأخر فلم تقف على مصرح به.
الأمر بالشئ نهى عن ضده والخلاف في ذلك:
ذهب الجمهور من أهل الأصول ومن الحنفية والشافعية والمحدثين إلى أن الشئ المعين إذا أمر به كان ذلك الأمر نهيا عن الشئ والمعين المضاد له؛ سواء كان الضد واحدا كما إذا أمره بالإيمان فإنه يكون نهيا عن الكفر وإذا أمره بالحركة فإنه يكون نهيا عن السكون. أو كان الضد متعددا كما إذا أمره بالقيام فإنه يكون نهيا عن العقود والاضطجاع والسجود وغير ذلك (٢).
وفى المسألة مذاهب مختلفة تتضح مما يلى
стр. 8680
أولا: المتكلمون:
١ - يصوره قول الآمدى: (١).
الأمر بالشئ على التعيين: هل هو نهى عن أضداده؟ اختلفوا فيه وتفصيل المذاهب أما أصحابنا فالأمر عندهم هو الطلب القائم بالنفس. وقد اختلفوا: فمنهم من قال: الأمر بالشئ بعينه نهى عن أضداده وإن طلب الفعل بعينه طلبُ ترك أضداده. وهو قول القاضي أبى بكر في أول اقواله.
ومنهم من قال: هو نهى عن أضداده بمعنى أنه يستلزم النهى عن الأضداد لا أن الأمر هو عين النهى. وهو آخر ما اختاره القاضي.
ومنهم من منع من ذلك مطلقا وإليه ذهب إمام الحرمين والغزالى.
وأما المعتزلة فالأمر عندهم نفس صيغة "افعل" وقد اتفقوا على أن عين صيغة "افعل" لا تكون نهيا لأن صيغة النهى "لا تفعل" وليس إحداهما عين الأخرى. وإنما اختلفوا في أن الأمر بالشئ هل يكون نهيا عن أضداده من جهة المعنى؟
فذهب القدماء من مشايخ المعتزلة إلى منعه ومن المعتزلة من صار إليه كالعارضى وأبى الحسين البصرى وغيرهما من المعتبرين منهم.
ومعنى كونه نهيا عن الأضداد من جهة المعنى عندهم أن صيغة الأمر تقتضى إيجاد الفعل والمنع من كل ما يمنع منه.
ومنهم من فصل بين أمر الإيجاب والندب وحكم بأن أمر الإيجاب يكون نهيا عن أضداده ومقبحا لها لكونها مانعة من فعل الواجب بخلاف المندوب. ولهذا فإن أضداد المندوب من الأفعال المباحة غير منهى عنها لا نهى تحريم ولا نهى تنزيه.
والمختار إنما هو التفصيل وهو إما أن نقول بجواز التكليف بما لا يطاق أولا نقول فإن قلنا بجوازه. على ما هو مذهب الشيخ أبى الحسن الأشعرى. رحمة الله عليه. كما سبق تقريره فالأمر بالفعل لا يكون بعينه نهيا عن أضداده ولا مستلزما للنهى عنها. بل جائز أن تؤمر بالفعل وبضده في الحالة الواحدة فضلا عن كونه لا يكون منهيا عنه.
وإن منعنا ذلك فالمختار أن الأمر بالشئ يكون مستلزما للنهى عن أضداده. لا أن يكون عين الأمر هو عين النهى عن الضد. وسواء كان الأمر أمر إيجاب أو ندب.
أما أنه مستلزم للنهى عن الأضداد فلأن فعل المأمور به لا يتصور إلا بترك أضداده. وما لا يتم فعل المأمور به دون تركه فهو واجب الترك إن كان الأمر للإيجاب؛ ومندوب إلى تركه إن كان الأمر للندب على ما سبق تقريره. وهو معنى كونه منهيا عنه. غير أن النهى عن أضداد الواجب يكون نهى تحريم وعن أضداد المندوب نهى كراهة وتنزيه.
وأما أنه لا يكون عينَ الأمر هو عين النهى
стр. 8681
فظاهر على ما سبق:
فإن قيل: لو كان الأمر بالفعل مستلزما للنهى عن أضداده لكان الأمر بالعبادة مستلزما للنهى عن جميع المباحات المضادة لها والتي لا يمكن التلبس بها أثناء فعلها، ويلزم من ذلك أن تكون حراما إن كان النهى نهى تحريم أو مكروهة إن كان النهى نهى تنزيه؛ وأن يخرج المباح عن كونه مباحا كما ذهب إليه الكعبى من المعتزلة. بل ويلزم منه أن يكون ماعدا العبادة المأمور بها من العبادات المضادة لها منهيا عنها أيضا ومحرمة أو مكروهة وهو محال.
كيف وأن الآمر بالفعل قد يكون غافلا عن أضداده، والغافل عن الشئ لا يكون ناهيا عنه لأن النهى عن الشئ يستدعى العلم به، والعلم بالشئ مع الذهول عنه محال.
سلمنا أنه مستلزم للنهى عن الأضداد لكن يمتنع أن يكون النهى عن الأضداد غير الأمر بل يجب أن يكون هو هو بعينه. كما قاله القاضي أبو بكر في أحد قوليه.
ومأخذه أنه إذا وقع الاتفاق على أنه يلزم من الأمر بالفعل النهى عن أضداده فذلك النهى إن كان هو غير الأمر فإما أن يكون ضدا له أو مثلا أو خلافا.
لا جائز أن يقال بالمضادة ولا لما اجتمعا وقد اجتمعا.
ولا جائز أن يكون مثلا لأن المتماثلات أضداد على ما عرف في الكلاميات.
ولا جائز أن يكون خلافا وإلا جاز وجود أحدهما دون الآخر كما في العلم والإرادة ونحوهما. ولجاز أن يوجد أحدهما مع ضد الآخر كما يوجد العلم بالشئ مع الكراهة المضادة لإرادته. ويلزم من ذلك أنه إذا أمر بالحركة المضادة للسكون إذا كان النهى عن السكون مخالفا للأمر بالحركة أن يجتمع الأمر بالحركة والأمر بالسكون المضاد المنهى عنه. وفيه الأمر بالضدين معا. وهو ممتنع على ما وقع به الفرض. وإذا بطلت المغايرة تعين الاتحاد. وعلى هذا فالحركة عين ترك السكون، وشغل الجوهر بحيز هو عين تفريقه لغيره. وعين القرب من المشرق بالفعل الواحد هو عين البعد من المغرب، فطلب أحدهما بعينه طلب الآخر لاتحاد المطلوب.
فالجواب عن السؤال الأول: أنا لا نمنع من كون المباحات بل الواجبات المضادة المأمور بها منهيا عنها من جهة كونها مانعة من فعل المأمور به لا في ذاتها كما تقول في فعل الصلاة في الدار المغصوبة فإنه في ذاته غير منهى عنه وإن كان منهيا عنه من جهة ما يتعلق به من شغل ملك الغير. ولا التفات إلى ما يهول من خروج المباحات. عن كونها مباحة فإن ذلك إنما يلزم أن لو قيل بكونها منهيا عنها في ذواتها وأما إذا قيل بكونها منهيا عنها من جهة كونها مانعة من فعل المأمور به فلا.
وقولهم: إنه قد يأمر بالفعل من هو غافل عن أضداده.
стр. 8682
قلنا: لا نسلم أن الآمر بالشئ عند كونه آمرا به يتصور أن يكون غافلا عن طلب ترك ما يمنع من فعل المأمور به من جهة الجملة وإن كان غافلا عن تفصيله. ونحن إنما نريد بقولنا إن الأمر بالشئ يستلزم النهى عن الأضداد من جهة الجملة لا من جهة التفصيل.
وقولهم: إنه يمتنع أن يكون النهى عن الأضداد غير الأمر. قلنا: دليله ما سبق.
وما ذكره القاضي أبو بكر من الدليل فالمختار منه إنما هو قسم التخالف ولا يلزم من ذلك جواز انفكاك أحدهما عن الآخر لجواز أن يكونا من قبيل المختلفات المتلازمة كما في المتضايفات. وكل متلازمين من الطرفين. وبه يمتنع الجمع بين وجود أحدهما وضد الآخر. ولا يلزم من جواز ذلك في بعض المختلفات جوازه في الباقي.
وإذا بطل ما ذكره من دليل الاتحاد بطل ما هو مبنى عليه.
٢ - ابن الحاجب:
حكى العضد في شرحه لمختصر ابن الحاجب المذاهب المختلفة في هذه المسألة وبين محل النزاع فقال: (١)
"وليس الكلام في هذين المفهومين - مفهوم الأمر والنهى - لتغايرهما لاختلاف الإضافة قطعا. ولا في اللفظ، إنما النزاع في أن الشئ المعين إذا أمر به فهل ذلك الأمر نهى عن الشئ المعين المضاد له؟ أو لا فإذا قال: تحرك فهل هو في المعنى بمثابة أن يقول: لا تسكن؟.
ثم أورد مذاهب العلماء في ذلك وأدلة كل منهم فيما ذهب إليه. وأضاف إلى ما ذكره الآمدى استدلالا لما ذهب إليه أبو بكر الباقلانى وتفصيلا لما أورد ابن الحاجب في هذا المقام. من القول بأن الأمر بالشئ يتضمن النهى عن ضده فقال:
القائلون بأن الأمر بالشئ يتضمن النهى عن ضده لهم حجتان:
الأولى: أن أمر الإيجاب طلب فعل يذم على تركه اتفاقا؛ ولا ذم إلا على فعل لأنه المقدور وهو هنا الكف عن الضد أو فعل ضده؛ وكلاهما ضد للفعل. والذم بأيهما كان. فالأمر بالشئ يستلزم النهى عن ضده إذ لا ذم بما لم ينه عنه لأن الذم معناه النهى كما فسره السعد في حاشيته على العضد وقال: معنى ذلك أن النهى عنه ما يذم فاعله وإلا فحقيقة النهى طلب الكف عن الفعل الثانية: أنه لا يتم الواجب وهو فعل المأمور به إلا يترك ضده. وهذا الترك إما أن يكون الكف عن الضد أو نفى الضد على الرأيين. "المطلوب بالنهى الكف عن الفعل أو نفى الفعل". وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب فالكف عن الضد أو نفى الضد واجب وهو معنى النهى عنه.
ثانيا: الحنفية
نكتفى بالبحث الذي عقده الكمال بن الهمام وشارحه ابن أمير الحاج لهذه المسألة وفيه (٢)
стр. 8683
اختلف القائلون بالنفسى فاختيار الإمام الغزالى وابن الحاجب أن الأمر بالشئ فورا ليس نهيا عن ضده ولا يقتضيه عقلا والمنسوب إلى العامة من الشافعية والحنفية والمحدثين أنه نهى عنه إن كان الضد واحدا وإلا فهو نهى عن الأضداد كلها.
وقيل نهى عن واحد غير معين من أضداده وهو بعيد ظاهر البعد وأن النهى أمر بالضد المتحد؛ فالنهى عن الكفر أمر بالإيمان. فإذا كان له أضداد فقال بعض الحنفية والمحدثين هو أمر بأضداده كلها.
وفيه بعد، والعامة من الحنفية والشافعية والمحدثين هو أمر بواحد غير معين من أضداده، وحكى قولى القاضي أبى بكر الباقلانى وقد سبقا في كلام الآمدى والعضد. ثم قال:
ومنهم من اقتصر على الأمر فقال: الأمر بالشئ نهى عن ضده وسكت عن النهى، وهو معزو إلى أبى الحسن الأشعرى ومتابعيه وعمم الأمر في إنه نهى عن العضد في الإيجابى والندبى. فالأمر الإيجابى نهى تحريمى عن الضد والأمر الندبى نهى تنزيهى عن الضد.
ومنهم من خص أمر الوجوب فجعله نهيا تحريميا عن الضد دون الندب.
واتفق المعتزلة - لنفيهم الكلام النفسى على نفى العينية فيهما بمعنى أن الأمر بالشئ ليس نهيا عن ضده ولا بالعكس لعدم إمكان ذلك فيهما لفظا واختلفوا:
هل يوجب كل من صيغتى الأمر والنهى حكما في الضد؟.
قال أبو هاشم وأتباعه: لا بل الضد مسكوت عنه.
وقال أبو الحسين وعبد الجبار: الأمر يوجب حرمة الضد.
وتفيد عبارة طائفة: أن الأمر يدل على حرمة الضد.
كما تفيد عبارة طائفة أخرى: أن الأمر يقتضى حرمة ضده.
ووضح ابن أمير الحاج ذلك فقال: (١)
والحاصل أن حرمة الضد لما لم تكن عندهم من موجبات صيغة الأمر فرارا من أن يكون الأمر نهيا عن ضده تنوعت إشارتهم إلى ذلك على ما قالوا:
فمن قال يوجب أشار إلى أن حرمة الضد تثبت ضرورة تحقق حكم الأمر. كالنكاح أوجب الحل في حق الزوج بصيغته والحرمة في حق الغير بحكمه دون صيغته.
ومن قال بدل أشار إلى أنها تثبت بطريق الدلالة لأن الصيغة تدل على الحرمة وإن لم تكن الحرمة من موجباتها كالنهى عن التأفيف يدل على حرمة الضرب وإن لم تكن حرمته من موجبات لفظ التأفيف.
ومن قال يقتضي أشار إلى أنها تثبيت بطريق الضرورة المنسوبة إلى غير لفظ الأمر لأن المقتضى يثبت زيادة على اللفظ بطريق الضرورة.
стр. 8684
وأضاف إلى المذاهب السابقة قول فخر الإسلام والقاضى أبى زيد وشمس الأئمة السرخسى وصدر الإسلام واتباعم من المتأخرين أن الأمر يقتضى كراهة الضد ولو كان إيجابا، والنهى يقتضى كون الضد سنة مؤكدة ولو كان النهى تحريما.
وعلق الشارح عليه بقوله: والظاهر أن اللفظى هو المراد لفخر الإسلام ومن معه ومراده غير أمر الفور لتنصيصه على تحريم الضد المفوت. يعنى إذا كان الأمر للوجوب. ونقل عن الفخر قوله: "وفائدة هذا الأصل أن التحريم إذا لم يكن مقصودا بالأمر لم يعتبر إلا من حيث يفوت الأمر، فإذا لم يفوته كان مكروها كالأمر بالقيام. ليس بنهى عن المقصود قصدا حتى إذا قعد لم تفسر صلاته بنفس القعود ولكنه يكره".
ولو كان مراده أمر الفور إما بناء على أنه له كما ذهب إليه الرازى أو لأنه مضيق ابتداء كما في صوم رمضان أو بسبب ضيق الوقت كالأمر بالصلاة عند ضيق الوقت لم يتأت القول بكراهية الضد لأنه ما من ضد إلا والاشتغال به مفوت للمأمور به حينئذ (١).
وعلى هذا الذي تحرر مرادا لفخر الإسلام ينبغى تقييد الضد بالمفوت ثم إطلاق الأمر عن كونه فوريا فيقال: الأمر بالشئ نهى عن ضده المفوت أو يستلزمه فيئول في المعنى إلى قول صدر الشريعة: إن الصحيح أن الضد إن فوت المقصود بالأمر يحرم وإن فوت عدمه المقصود بالنهى يجب وإن لم يفوت فالأمر يقتضى كراهته.
وحاصل هذا الكلام كما قال التفتازانى: أن وجوب الشئ يدل على حرمة تركه وحرمة الشئ تدل على وجوب تركه وهذا مما لا يتصور فيه نزاع.
ثم علق المصنف وشارحه على هذا الخلاف بما يلى:
"وحرر أن المسألة في أمر الفور لا التراخى ذكره شمس وصدر الإسلام وصاحب القواطع وغيرهم وفى الضد الوجودى المستلزم للترك لا الترك ذكره الشيخ سراج الدين الهندى والسبكى وغيرهما. ثم قالوا: وليس النزاع في لفظهما بأن يطلق لفظ أحدهما على الآخر ولا في أن مفهوم أحدهما عين مفهوم الآخر أو في ضمنه للتغاير للقطع بأن مفهوم كل منهما غير مفهوم الآخره بل النزاع في أن طلب الفعل الذي هو الأمر عين طلب ترك ضده الذي هو النهى.
فالجمهور يقول: نعم فالمتعلّق واحد والمتعلق شيئان متلازمان. فهو عندهم كالعلم المتعلق بمعلومين متلازمين. فكما يستحيل أن يتحقق العلم بأحدهما ويجهل الآخر يستحيل أن يتحقق الاقتضاء النفسى لفعل دون اقتضائه لترك ضده.
والقاضى أبو بكر الباقلانى آخرا يقول: لا، إلا أنه يثنى المتعلّق والمتعلق به جميعا فيرى أن الأمر النفسى يقارنه نهى نفسى أيضا، فيكون وجود القول النفسى الذي هو اقتضاء القيام ويعبر عنه
стр. 8685
"بقم" متضمنا وجود قول آخر في النفس يعبر عنه "بلا تقعد" ويكون القول المعبر عنه بقم متضمنا للقول الثاني ومقارنه حتى لا يوجد منفردا عنه ويجرى مجرى الجوهر والعرض من حيث إنه لا يمكن انفصالهما.
والإمام والغزالى ومن وافقهما يقولان: لا أيضا إلا أنهم يوحدون المتعلِّق والمتعلق به هذا وذهب الغزالى أيضا ووافقه أبو نصر القشيرى إلى أن غيرية أحدهما للآخر إنما هي في غير كلام الله تعالى فقال: طلب القيام هل هو بعينه طلب ترك القعود؟ وهذا لا يمكن فرضه في حق الله تعالى فإن كلامه واحد وهو أمر ونهى ووعد ووعيد فلا تتطرق الغيرية إليه فليفرض في المخلوق وهو أن طلبه للحركة هل هو بعينه كراهة السكون وطلب لتركه.
وأجيب بأنه لا شك في أنه في ذاته واحد ولكنه متعدد باعتبار المتعلقات وكلامنا في الغيرية بهذا المعنى.
وذيلا ذلك بقولهما: (١)
وفائدة الخلاف في كون الأمر بالشئ نهيا عن ضده أو يستلزمه أو لا تظهر إذا ترك المأمور به وفعل ضده الذي لم يقصد بنهى من حيث استحقاق العقاب بترك المأمور يه فقط كما هو لازم القول بأنه ليس نهيا عن ضده ولا يستلزمه أو استحقاق العقاب بترك المأمور به وبفعل الضد حيث عصى أمرا ونهيا كما هو لازم القول بأنه نهى عن ضده أو يستلزمه. كما تظهر فائدة الخلاف في كون النهى عن الشئ أمرا بضده على هذا النحو.
ثم سار في الاستدلال والرد إلى ما لا يخرج عن كلام الآمدى السابق في جملته وانتهى إلى القول (٢) بأن الأوجه أن الأمر بالشئ مستلزم للنهى عن تركه غير مقصود استلزاما بالمعنى الأعم فيه وإن الأمر بالشئ نهي عن الضد المفوت لخطوره كذلك على معنى أن تعقل مفهوم الضد المفوت وتعقل معنى طلب الترك حكم به فيه وبلزومه له؛ فإن العقاب بفعل الضد لتفويته المأمور به لا مطلقا فأما ضد بخصوصه إذا كان للمأمور به ضد غيره فليس لازما عادة وذلك للقطع بعدم خطور الأكل "مثلا" من تصور الصلاة في العادة.
ثالثا: الظاهرية:
قال ابن حزم: (٣)
الأمر نهى عن فعل كل ما خالف الفعل المأمور به وعن كل ضد له خاص أو عام فإنك إذا أمرته بالقيام فقد نهيته عن القعود والاضطجاع والاتكاء والانحناء والسجود وعن كل هيئة حاشا القيام بخلاف النهى عنده.
وإنما كان هكذا لأن ترك أفعال كثيرة مختلفة في وقت واحد واجب موجود ضرورة لأن من قام