فظاهر على ما سبق:
فإن قيل: لو كان الأمر بالفعل مستلزما للنهى عن أضداده لكان الأمر بالعبادة مستلزما للنهى عن جميع المباحات المضادة لها والتي لا يمكن التلبس بها أثناء فعلها، ويلزم من ذلك أن تكون حراما إن كان النهى نهى تحريم أو مكروهة إن كان النهى نهى تنزيه؛ وأن يخرج المباح عن كونه مباحا كما ذهب إليه الكعبى من المعتزلة. بل ويلزم منه أن يكون ماعدا العبادة المأمور بها من العبادات المضادة لها منهيا عنها أيضا ومحرمة أو مكروهة وهو محال.
كيف وأن الآمر بالفعل قد يكون غافلا عن أضداده، والغافل عن الشئ لا يكون ناهيا عنه لأن النهى عن الشئ يستدعى العلم به، والعلم بالشئ مع الذهول عنه محال.
سلمنا أنه مستلزم للنهى عن الأضداد لكن يمتنع أن يكون النهى عن الأضداد غير الأمر بل يجب أن يكون هو هو بعينه. كما قاله القاضي أبو بكر في أحد قوليه.
ومأخذه أنه إذا وقع الاتفاق على أنه يلزم من الأمر بالفعل النهى عن أضداده فذلك النهى إن كان هو غير الأمر فإما أن يكون ضدا له أو مثلا أو خلافا.
لا جائز أن يقال بالمضادة ولا لما اجتمعا وقد اجتمعا.
ولا جائز أن يكون مثلا لأن المتماثلات أضداد على ما عرف في الكلاميات.
ولا جائز أن يكون خلافا وإلا جاز وجود أحدهما دون الآخر كما في العلم والإرادة ونحوهما. ولجاز أن يوجد أحدهما مع ضد الآخر كما يوجد العلم بالشئ مع الكراهة المضادة لإرادته. ويلزم من ذلك أنه إذا أمر بالحركة المضادة للسكون إذا كان النهى عن السكون مخالفا للأمر بالحركة أن يجتمع الأمر بالحركة والأمر بالسكون المضاد المنهى عنه. وفيه الأمر بالضدين معا. وهو ممتنع على ما وقع به الفرض. وإذا بطلت المغايرة تعين الاتحاد. وعلى هذا فالحركة عين ترك السكون، وشغل الجوهر بحيز هو عين تفريقه لغيره. وعين القرب من المشرق بالفعل الواحد هو عين البعد من المغرب، فطلب أحدهما بعينه طلب الآخر لاتحاد المطلوب.
فالجواب عن السؤال الأول: أنا لا نمنع من كون المباحات بل الواجبات المضادة المأمور بها منهيا عنها من جهة كونها مانعة من فعل المأمور به لا في ذاتها كما تقول في فعل الصلاة في الدار المغصوبة فإنه في ذاته غير منهى عنه وإن كان منهيا عنه من جهة ما يتعلق به من شغل ملك الغير. ولا التفات إلى ما يهول من خروج المباحات. عن كونها مباحة فإن ذلك إنما يلزم أن لو قيل بكونها منهيا عنها في ذواتها وأما إذا قيل بكونها منهيا عنها من جهة كونها مانعة من فعل المأمور به فلا.
وقولهم: إنه قد يأمر بالفعل من هو غافل عن أضداده.
стр. 8682
قلنا: لا نسلم أن الآمر بالشئ عند كونه آمرا به يتصور أن يكون غافلا عن طلب ترك ما يمنع من فعل المأمور به من جهة الجملة وإن كان غافلا عن تفصيله. ونحن إنما نريد بقولنا إن الأمر بالشئ يستلزم النهى عن الأضداد من جهة الجملة لا من جهة التفصيل.
وقولهم: إنه يمتنع أن يكون النهى عن الأضداد غير الأمر. قلنا: دليله ما سبق.
وما ذكره القاضي أبو بكر من الدليل فالمختار منه إنما هو قسم التخالف ولا يلزم من ذلك جواز انفكاك أحدهما عن الآخر لجواز أن يكونا من قبيل المختلفات المتلازمة كما في المتضايفات. وكل متلازمين من الطرفين. وبه يمتنع الجمع بين وجود أحدهما وضد الآخر. ولا يلزم من جواز ذلك في بعض المختلفات جوازه في الباقي.
وإذا بطل ما ذكره من دليل الاتحاد بطل ما هو مبنى عليه.
٢ - ابن الحاجب:
حكى العضد في شرحه لمختصر ابن الحاجب المذاهب المختلفة في هذه المسألة وبين محل النزاع فقال: (١)
"وليس الكلام في هذين المفهومين - مفهوم الأمر والنهى - لتغايرهما لاختلاف الإضافة قطعا. ولا في اللفظ، إنما النزاع في أن الشئ المعين إذا أمر به فهل ذلك الأمر نهى عن الشئ المعين المضاد له؟ أو لا فإذا قال: تحرك فهل هو في المعنى بمثابة أن يقول: لا تسكن؟.
ثم أورد مذاهب العلماء في ذلك وأدلة كل منهم فيما ذهب إليه. وأضاف إلى ما ذكره الآمدى استدلالا لما ذهب إليه أبو بكر الباقلانى وتفصيلا لما أورد ابن الحاجب في هذا المقام. من القول بأن الأمر بالشئ يتضمن النهى عن ضده فقال:
القائلون بأن الأمر بالشئ يتضمن النهى عن ضده لهم حجتان:
الأولى: أن أمر الإيجاب طلب فعل يذم على تركه اتفاقا؛ ولا ذم إلا على فعل لأنه المقدور وهو هنا الكف عن الضد أو فعل ضده؛ وكلاهما ضد للفعل. والذم بأيهما كان. فالأمر بالشئ يستلزم النهى عن ضده إذ لا ذم بما لم ينه عنه لأن الذم معناه النهى كما فسره السعد في حاشيته على العضد وقال: معنى ذلك أن النهى عنه ما يذم فاعله وإلا فحقيقة النهى طلب الكف عن الفعل الثانية: أنه لا يتم الواجب وهو فعل المأمور به إلا يترك ضده. وهذا الترك إما أن يكون الكف عن الضد أو نفى الضد على الرأيين. "المطلوب بالنهى الكف عن الفعل أو نفى الفعل". وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب فالكف عن الضد أو نفى الضد واجب وهو معنى النهى عنه.
ثانيا: الحنفية
نكتفى بالبحث الذي عقده الكمال بن الهمام وشارحه ابن أمير الحاج لهذه المسألة وفيه (٢)
стр. 8683
اختلف القائلون بالنفسى فاختيار الإمام الغزالى وابن الحاجب أن الأمر بالشئ فورا ليس نهيا عن ضده ولا يقتضيه عقلا والمنسوب إلى العامة من الشافعية والحنفية والمحدثين أنه نهى عنه إن كان الضد واحدا وإلا فهو نهى عن الأضداد كلها.
وقيل نهى عن واحد غير معين من أضداده وهو بعيد ظاهر البعد وأن النهى أمر بالضد المتحد؛ فالنهى عن الكفر أمر بالإيمان. فإذا كان له أضداد فقال بعض الحنفية والمحدثين هو أمر بأضداده كلها.
وفيه بعد، والعامة من الحنفية والشافعية والمحدثين هو أمر بواحد غير معين من أضداده، وحكى قولى القاضي أبى بكر الباقلانى وقد سبقا في كلام الآمدى والعضد. ثم قال:
ومنهم من اقتصر على الأمر فقال: الأمر بالشئ نهى عن ضده وسكت عن النهى، وهو معزو إلى أبى الحسن الأشعرى ومتابعيه وعمم الأمر في إنه نهى عن العضد في الإيجابى والندبى. فالأمر الإيجابى نهى تحريمى عن الضد والأمر الندبى نهى تنزيهى عن الضد.
ومنهم من خص أمر الوجوب فجعله نهيا تحريميا عن الضد دون الندب.
واتفق المعتزلة - لنفيهم الكلام النفسى على نفى العينية فيهما بمعنى أن الأمر بالشئ ليس نهيا عن ضده ولا بالعكس لعدم إمكان ذلك فيهما لفظا واختلفوا:
هل يوجب كل من صيغتى الأمر والنهى حكما في الضد؟.
قال أبو هاشم وأتباعه: لا بل الضد مسكوت عنه.
وقال أبو الحسين وعبد الجبار: الأمر يوجب حرمة الضد.
وتفيد عبارة طائفة: أن الأمر يدل على حرمة الضد.
كما تفيد عبارة طائفة أخرى: أن الأمر يقتضى حرمة ضده.
ووضح ابن أمير الحاج ذلك فقال: (١)
والحاصل أن حرمة الضد لما لم تكن عندهم من موجبات صيغة الأمر فرارا من أن يكون الأمر نهيا عن ضده تنوعت إشارتهم إلى ذلك على ما قالوا:
فمن قال يوجب أشار إلى أن حرمة الضد تثبت ضرورة تحقق حكم الأمر. كالنكاح أوجب الحل في حق الزوج بصيغته والحرمة في حق الغير بحكمه دون صيغته.
ومن قال بدل أشار إلى أنها تثبت بطريق الدلالة لأن الصيغة تدل على الحرمة وإن لم تكن الحرمة من موجباتها كالنهى عن التأفيف يدل على حرمة الضرب وإن لم تكن حرمته من موجبات لفظ التأفيف.
ومن قال يقتضي أشار إلى أنها تثبيت بطريق الضرورة المنسوبة إلى غير لفظ الأمر لأن المقتضى يثبت زيادة على اللفظ بطريق الضرورة.
стр. 8684
وأضاف إلى المذاهب السابقة قول فخر الإسلام والقاضى أبى زيد وشمس الأئمة السرخسى وصدر الإسلام واتباعم من المتأخرين أن الأمر يقتضى كراهة الضد ولو كان إيجابا، والنهى يقتضى كون الضد سنة مؤكدة ولو كان النهى تحريما.
وعلق الشارح عليه بقوله: والظاهر أن اللفظى هو المراد لفخر الإسلام ومن معه ومراده غير أمر الفور لتنصيصه على تحريم الضد المفوت. يعنى إذا كان الأمر للوجوب. ونقل عن الفخر قوله: "وفائدة هذا الأصل أن التحريم إذا لم يكن مقصودا بالأمر لم يعتبر إلا من حيث يفوت الأمر، فإذا لم يفوته كان مكروها كالأمر بالقيام. ليس بنهى عن المقصود قصدا حتى إذا قعد لم تفسر صلاته بنفس القعود ولكنه يكره".
ولو كان مراده أمر الفور إما بناء على أنه له كما ذهب إليه الرازى أو لأنه مضيق ابتداء كما في صوم رمضان أو بسبب ضيق الوقت كالأمر بالصلاة عند ضيق الوقت لم يتأت القول بكراهية الضد لأنه ما من ضد إلا والاشتغال به مفوت للمأمور به حينئذ (١).
وعلى هذا الذي تحرر مرادا لفخر الإسلام ينبغى تقييد الضد بالمفوت ثم إطلاق الأمر عن كونه فوريا فيقال: الأمر بالشئ نهى عن ضده المفوت أو يستلزمه فيئول في المعنى إلى قول صدر الشريعة: إن الصحيح أن الضد إن فوت المقصود بالأمر يحرم وإن فوت عدمه المقصود بالنهى يجب وإن لم يفوت فالأمر يقتضى كراهته.
وحاصل هذا الكلام كما قال التفتازانى: أن وجوب الشئ يدل على حرمة تركه وحرمة الشئ تدل على وجوب تركه وهذا مما لا يتصور فيه نزاع.
ثم علق المصنف وشارحه على هذا الخلاف بما يلى:
"وحرر أن المسألة في أمر الفور لا التراخى ذكره شمس وصدر الإسلام وصاحب القواطع وغيرهم وفى الضد الوجودى المستلزم للترك لا الترك ذكره الشيخ سراج الدين الهندى والسبكى وغيرهما. ثم قالوا: وليس النزاع في لفظهما بأن يطلق لفظ أحدهما على الآخر ولا في أن مفهوم أحدهما عين مفهوم الآخر أو في ضمنه للتغاير للقطع بأن مفهوم كل منهما غير مفهوم الآخره بل النزاع في أن طلب الفعل الذي هو الأمر عين طلب ترك ضده الذي هو النهى.
فالجمهور يقول: نعم فالمتعلّق واحد والمتعلق شيئان متلازمان. فهو عندهم كالعلم المتعلق بمعلومين متلازمين. فكما يستحيل أن يتحقق العلم بأحدهما ويجهل الآخر يستحيل أن يتحقق الاقتضاء النفسى لفعل دون اقتضائه لترك ضده.
والقاضى أبو بكر الباقلانى آخرا يقول: لا، إلا أنه يثنى المتعلّق والمتعلق به جميعا فيرى أن الأمر النفسى يقارنه نهى نفسى أيضا، فيكون وجود القول النفسى الذي هو اقتضاء القيام ويعبر عنه
стр. 8685
"بقم" متضمنا وجود قول آخر في النفس يعبر عنه "بلا تقعد" ويكون القول المعبر عنه بقم متضمنا للقول الثاني ومقارنه حتى لا يوجد منفردا عنه ويجرى مجرى الجوهر والعرض من حيث إنه لا يمكن انفصالهما.
والإمام والغزالى ومن وافقهما يقولان: لا أيضا إلا أنهم يوحدون المتعلِّق والمتعلق به هذا وذهب الغزالى أيضا ووافقه أبو نصر القشيرى إلى أن غيرية أحدهما للآخر إنما هي في غير كلام الله تعالى فقال: طلب القيام هل هو بعينه طلب ترك القعود؟ وهذا لا يمكن فرضه في حق الله تعالى فإن كلامه واحد وهو أمر ونهى ووعد ووعيد فلا تتطرق الغيرية إليه فليفرض في المخلوق وهو أن طلبه للحركة هل هو بعينه كراهة السكون وطلب لتركه.
وأجيب بأنه لا شك في أنه في ذاته واحد ولكنه متعدد باعتبار المتعلقات وكلامنا في الغيرية بهذا المعنى.
وذيلا ذلك بقولهما: (١)
وفائدة الخلاف في كون الأمر بالشئ نهيا عن ضده أو يستلزمه أو لا تظهر إذا ترك المأمور به وفعل ضده الذي لم يقصد بنهى من حيث استحقاق العقاب بترك المأمور يه فقط كما هو لازم القول بأنه ليس نهيا عن ضده ولا يستلزمه أو استحقاق العقاب بترك المأمور به وبفعل الضد حيث عصى أمرا ونهيا كما هو لازم القول بأنه نهى عن ضده أو يستلزمه. كما تظهر فائدة الخلاف في كون النهى عن الشئ أمرا بضده على هذا النحو.
ثم سار في الاستدلال والرد إلى ما لا يخرج عن كلام الآمدى السابق في جملته وانتهى إلى القول (٢) بأن الأوجه أن الأمر بالشئ مستلزم للنهى عن تركه غير مقصود استلزاما بالمعنى الأعم فيه وإن الأمر بالشئ نهي عن الضد المفوت لخطوره كذلك على معنى أن تعقل مفهوم الضد المفوت وتعقل معنى طلب الترك حكم به فيه وبلزومه له؛ فإن العقاب بفعل الضد لتفويته المأمور به لا مطلقا فأما ضد بخصوصه إذا كان للمأمور به ضد غيره فليس لازما عادة وذلك للقطع بعدم خطور الأكل "مثلا" من تصور الصلاة في العادة.
ثالثا: الظاهرية:
قال ابن حزم: (٣)
الأمر نهى عن فعل كل ما خالف الفعل المأمور به وعن كل ضد له خاص أو عام فإنك إذا أمرته بالقيام فقد نهيته عن القعود والاضطجاع والاتكاء والانحناء والسجود وعن كل هيئة حاشا القيام بخلاف النهى عنده.
وإنما كان هكذا لأن ترك أفعال كثيرة مختلفة في وقت واحد واجب موجود ضرورة لأن من قام
стр. 8686
فقد ترك كل فعل خالف القيام في حال قيامه.
ألا ترى أن من سافر فإنما يمشى إلى جهة واحدة وهو تارك لكل جهة غير التي توجه نحوها ولا يمكنه أن يتوجه إلى جهتين في وقت واحد بفعله نفسه.
ومن أورده اعتراضا على مذهبه قول القائل: قد يرد أمر ليس فيه نهى عن شئ أصلا وهو أمر الإباحة. (١)
وأجاب بأن أمر الإباحة معناه إن شئت افعل وإن شئت لا تفعل فليس مائلا إلى الأمر إلا كميله إلى النهى ولا فرق.
رابعا: الزيدية:
نقل الشوكانى في إرشاد الفحول مذاهب الفقهاء في هذه المسألة (٢) وحرر الخلاف بين المعتزلة الذي حكاه الآمدى وابن الهمام فقال: (٣)
واتفق المعتزلة على أن الأمر بالشئ ليس نهيا عن ضده والنهى عن الشئ ليس أمرا بضده وذلك لنفيهم الكلام النفسى. ومع اتفاقهم على نفى كون كل واحد منهما عينا لإثبات ضده أو نفيه اختلفوا:
هل يوجب كل من الصيغتين حكما في الضد أم لا؟ أبو هاشم الجباتى ومتابعوه قالوا: لا يوجب شئ منها حكما في الضد بل الضد مسكوت عنه وأبو الحسين وعبد الجبار قالا: الأمر يوجب حرمة الضد. وفى عبارة أخرى عنهم يدل عليها وفى عبارة ثالثة عنهم يقتضيها.
وبعد أن حكى أقوال الرازى وموافقيه والقاضى أبى زيد وموافقيه قال:
وفائدة الخلاف في كون الأمر بالشئ نهيا عن ضده استحقاق العقاب بترك المأمور به فقط إذا قيل بأنه ليس نهيا عن ضده؛ أو استحقاقه بتركه وبفعل الضد إذا قيل بأنه نهى عن فعل الضد لأنه خالف أمرا ونهيا وعصى بهما. وهكذا في النهى.
ثم استوفى الشوكاني الكلام عن أدلة كل فريق وانهى البحث بقوله: (٤)
إذا عرفت ما حررناه من الأدلة والردود بها فاعلم أن الأرجح في هذه المسألة أن الأمر بالشئ يستلزم النهى عن ضده بالمعنى الأعم فإن اللازم بالمعنى الأعم هو أن يكون تصور الملزوم واللازم معا كافيا في الجزم باللزوم؛ بخلاف اللازم بالمعنى الأخص فإن العلم بالملزوم هناك يستلزم العلم باللازم. وهكذا النهى عن الشئ فإنه يستلزم الأمر بضده بالمعنى الأعم.
خامسا: الإباضية:
يقول صاحب طلعة الشمس: (٥)
لا يدل الأمر بالشئ على النهى عن ضد ذلك الشئ المأمور به فلا يكون الأمر بالشئ نهيا عن ضده.
стр. 8687
وحكى المذاهب المخالفة وشبه القائلين بأن الأمر يدل على النهى عن ضدء دلالة التزام باعتبارها أقوى الشبه وتولي الرد عليها بما ملخصه أن الاستلزام لا يدل على العينية. ثم قال (١).
اعلم أن المذهب الذي اخترناه هو مذهب كثير من الأصوليين ونسب إلى الغزالى والجوينى واعلم أيضا أن قول من قال إن الأمر بالشئ نهى عن ضده لا يخلو إما أن يكون المراد أنه نهى عن ضده من طريق اللفظ وهو باطل لاتفاق أهل اللغة على أن الأمر بالشئ لا يسمى نهيا عن ضده وإما أن يريدوا أن الأمر بالشئ نهى عن ضده في المعنى بحيث يكون ضد المأمور به مكروها للآمر وقبيحا عنده. وهذا باطل أيضا لأن النوافل مأمور بها وضدها ليس بمنهى عنه.
فإن قيل إن الأمر بالنوافل أمر مجازى والكلام في الأمر الحقيقى قلنا: لا نسلم ذلك بل الأمر بالنوافل خقيقى أيضا وأطال في ذلك بما ليس من غرض البحث.
سادسا: الجعفرية
ذهب صاحب قوانين الأصول إلى الرأى الذي قال به الجمهور فقال: (٢)
الحق أن الأمر بالشئ لا يقتضى النهى عن ضده الخاص وأما الضد العام فيقتضيه التزاما.
وأوضح ذلك بعدة مقدمات أهمها:
١ - أن الضد الخاص للمأمور به وهو كل واحد من الأمور الوجودية المضادة له عقلا أو شرعا. وأما العام فتارة يطلق على أحد هذه الأضداد الوجودية لا بعينه. وهو بهذا المعنى لا يختلف عن الضد الخاص. وتارة يطلق على الترك. إما بجمله مرادفا للكف أو مجازا للمناسبة والمجاورة.
والمراد في هذا البحث هو المعنى الثاني وهو الضد بالمعنى العام مرادا به الترك.
٢ - أن ترك الضد مما يتوقف عليه فعل المأمور به لاستحالة وجود الضدين في محل واحد، فوجود أحدهما يتوقف عليه انتفاء الآخر عقلا.
واتجه إلى قصر الكلام في مقامين:
الأول: أن الأمر بالشئ يقتضى النهى عن ترك المأمور به التزاما لا تضمنا كما توهم بعضهم.
فالصيغة تدل عليه التزاما بينا بالمعنى الأعم. والقول بعدم الدلالة منقول عن بعض علماء المذهب محتجين بأن الآمر قد يكون غافلا فلا يتحقق النهى.
ورد ذلك بأن الغفلة مطلقا حتى إجمالا ممنوع وهذا كاف ولذلك قلنا؛ يكون اللزوم بينا بالمعنى الأعم وكما أن القول بالعينية في الضد الخاص إفراط فهذا القول تفريط.
الثاني: الحق عدم دلالة الأمر بالشئ علي النهى عن الضد الخاص. والمثبتون بين من يظهر
стр. 8688
منه الالتزامية اللفظية ومن يظهر منه الالتزامية العقلية.
ثم استدل لمن يقول بعدم دلالته على الضد الخاص فقال:
إننا إذا قلنا أزل النجاسة عن المسجد فإنه لا يدل على قولنا لا تصل ونحوه بإحدى الدلالات الثلاث. وأطال في بيان ذلك ثم قال:
واحتج المدعون للدلالة اللفظية بأن أمر الإيجاب طلب فعل يذم على تركه اتفاقا. ولا ذم إلا على فعل لأنه المقدور وهو ليس إلا الكف أو فعل ضده. والذم بأيهما كان يستلزم النهى عنه إذ لا ذم بما لم ينه عنه لأنه معناه.
ورد ذلك بمنع انحصار الذم على الفعل بأن مطلق ترك الفعل مقدور بسبب القدرة على استمراره ولا يحتاج إلى الكف. وأطال في ذلك.
كما احتج القائلون بالدلالة العقلية بوجوه منها:
أن ترك الضد لا يتم فعل المأمور به إلا به فيكون فعله حراما وهو معنى النهى وأن فعل الضد مستلزم لترك المأمور به المحرم والمستلزم للمحرم محرم.
وتعرض المصنف لأبحاث لا يحتمل المقام ذكرها.
стр. 8689
الأمر المعلق بشرط أو صفة
أولا: طريقة المتكلمين
١ - الغزالى (١)
اختلف الصائرون إلى أن الأمر ليس للتكرار في الأمر المضاف إلى شرط: فقال قوم لا أثر للإضافة وقال قوم يتكرر بتكرر الشرط. والمختار أنه لا أثر للشرط. لأن قوله "اضريه" أمر ليس يقتضى التكرار فقوله "اضربه إن كان قائما. أو إذا كان قائما" لا يقتضيه أيضا بل لا يريد إلا اختصاص الضرب الذي يقتضيه الإطلاق بحالة القيام. وهو كقوله لوكيله "طلق زوجتى إن دخلت الدار" لا يقتضى التكرار بتكرر الدخول. بل لو قال "إن دخلت الدار فأنت طالق" لم يتكرر بتكرر الدخول إلا أن يقول "كما دخلت الدار". وكذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وقوله ﷺ : "إذا زالت الشمس فصل" كقول الرجل لزوجاته: فمن شهدت منكن الشهر فهى طالق. ومن زالت عليها الشمس فهى طالق وللقائلين بالتكرر شبهتان:
الأولى: أن الحكم يتكرر بتكرر العلة والشروط كالعلة فإن علل الشرع علامات.
وأجاب عن ذلك: بأن العلة إن كانت عقلية فهى موجبة لذاتها ولا يعقل وجود ذاتها دون المعلول. وإن كانت شرعية فلسنا نسلم تكرر الحكم بمجرد إضافة الحكم إلى العلة ما لم تقترن به قرينة أخرى وهو التعبير بالقياس. ومعنى التعبير بالقياس الأمر باتباع الملة وكأن الشرع يقول: الحكم يثبت بها فاتبعوها.
الشبهة الثانية: أن أوامر الشرع إنما تتكرر بتكرر الأسباب كقوله تعالي ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾.
وأجاب بأن ذلك ليس بموجب اللغة ومجرد الإضافة بل بدليل شرعى في كل شرط فقد قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ولا يتكرر الوجوب بتكرر الاستطاعة. فإن أحالوا ذلك على الدليل أحلنا ما يتكرر أيضا على الدليل كيف ومن قام إلى الصلاة غير محدث فلا يتكرر عليه ومن كان جنبا فليس عليه أن يتطهر إذا لم يرد الصلاة فلم يتكرر مطلقا لكن اتبع فيه موجب الدليل.
٢ - الآمدى
الأمر المعلق بشرط كقوله إذا زالت الشمس فصلوا أو صفة كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ هل يقتضى تكرار المأمور به بتكرر الشرط والصفة أم لا؟ (٢) من قال إن الأمر المطلق يقتضى التكرار فهو هنا أولى. ومن قال إن الأمر المطلق لا يقتضى التكرار اختلفوا هنا فمنهم من أوجبه ومن من نفاه.
ولخص محل النزاع فقال: (٣)
ما علق به المأمورية من الشرط أو الصفة إما أن يكون قد ثبت كونه علة في نفس الأمر لوجوب الفعل المأمور به كالزنا أو لا يكون كذلك بل الحكم متوقف عليه من غير تأثير له فيه كالإحصان الذي يتوقف عليه الرجم في الزنا. فإن كان الأول فالاتفاق واقع على تكرر الفعل بتكرره نظرا إلى تكرر العلة ووقوع الاتفاق على
стр. 8690
التعبير باتباع العلة مهما وجدت فالتكرار مستند إلى تكرار العلة لا إلى الأمر. وإن كان الثاني فهو محل خلاف.
ثم قال: والمختار أنه لا تكرار.
ولم يقتنع الآمدى بحجج القائلين بالرأى الذي اختاره فذكر منها ثلاث حجج تولى هو الرد عليها ثم قال:
والمعتمد في ذلك أن يقال: لو وجب التكرار لم يخل إما أن يكون المقتضى له نفس الأمر أو الشرط أو مجموع الأمرين.
لا جائز أن يقال بالأول لما سبق في دلالة الأمر على التكرار أو المرة - ولا بالثانى لأن الشرط غير مؤثر في المشروط بحيث يلزم من وجوده وجوده بل إنما تأثيره في انتفاء المشروط عند انتفائه. وحيث قيل بملازمة المشروط لوجود الشرط في قوله لزوجته: إن دخلت الدار فأنت طالق. إنما كان لضرورة وجود الموجب وهو قوله "أنت طالق لا لنفس دخول الدار وإلا كان دخول الدار موجبا للطلاق مطلقا وهو محال.
ولا جائز أن يقال بالثالث أجمعنا على انه لوقال لعبده: إذا دخلت السوق فاشتر لحما أنه لا يقتضى التكرار وذلك إما أن يكون مع تحقق الموجب للتكرار أولا مع تحققه. لا جائز أن يقال بالأول وإلا فانتفاء التكرار إما لمعارض أولا لمعارض والأول ممتنع لما فيه من المعارضة وتعطيل الدليل عن إعماله وهو خلاف الأصل. والثانى أيضا باطل لما فيه من مخالفة الدليل من غير معارض فلم يبق سوى الثاني وهو المطلوب.
ثم تناول حجج المعارضين وتولى الرد عليها وهى:
الحجة الأولى:
أنه قد وجد في كتاب الله تعالى أوامر متعلقة بشروط وصفات وهى متكررة بتكررها كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ الآيات ولو لم يكن ذلك مقتضيا للتكرار لما كان متكررا.
وأجاب عن ذلك بأنه إذا ثبت بما ذكرناه أن الأمر المعلق بالشرط أو الصفة غير مقتض للتكرار فحيث قضى بالتكرار إما أن يكون الشرط والصفة علة للحكم المكرر في نفس الأمر كما في الزنا والسرقة أو لا يكون علة له. فإن كان الأول فالتكرار إنما كان لتكرر العلة الموجية للحكم ولا كلام فيه وإن كان الثاني فيجب اعتقاد كونه متكررا لدليل اقتضاه غير الأمر المعلق بالشرط والصفة لما ذكرناه من عدم اقتضائه. كيف وإنه كما قد يتكرر الفعل المأمور به يتكرر الشرط فقد لا يتكرر كالأمر بالحج فإنه مشروط بالاستطاعة وهو غير متكرر بتكررها.
الحجة الثانية:
إن العلة بتكرر الحكم بتكررها إجماعا والشرط أقوى من العلة لانتفاء الحكم بانتفائه بخلاف العلة فكان اقتضاؤه للتكرار أولى.
وأجاب: إنه لا يلزم من تكرر الحكم بتكرر العلة لكونها موجبة للحكم تكرره بتكرر الشرط مع أنه غير موجب للحكم كما تقرر.
الحجة الثالثة:
أن نسبة الحكم إلى أعداد الشرط المعلق عليه نسبة واحدة ولا اختصاص له بالموجود الأول منها
стр. 8691
دون ما بعده وعند ذلك فإما أن يلزم من انتفاء الحكم مع وجود الشرط ثانيا وثالثا انتفاؤه مع وجود الشرط الأول أو من وجوده مع الأول الوجود مع الثاني وما بعده ضرورة التسوية. والأول خلاف الإجماع والثانى هو المطلوب.
الحجة الرابعة:
أنه لو لم يكن الأمر مقتضيا لتعليق الحكم بجميع الشروط بل بالأول منها فيلزم أن يكون فعل العبادة مع الشرط الثاني دون الأول قضاء وكانت مفتقرة إلى دليل آخر وهو ممتنع.
وأجاب: عنهما معا: بأنه إنما يلزم القائلين بالوجوب على الفور وليس كذلك عندنا بل الأمر مقتض للامتثال مع استواء التقديم والتأخير فيه إذا علم تجدد الشرط وغلب على الظن بقاء المأمور ويكون الأمر قد اقتضى تعلق المأمور به على الشروط كلها على طريق البدل من غير اختصاص له ببعضها دون البعض.
وأما إن لم يغلب عن الظن تجدد الشرط ولا بقاء المأمور إلى حالة وجود الشرط الثاني فقد تعين اختصاص المأمور بالشرط الأول لعدم تحقق ما سواه.
الحجة الخامسة:
أن النهى المعلق بالشرط مفيد للتكرار كما إذا قال: إن دخل زيد الدار فلا نعطه درهما. والأمر ضد النهى فكان مشاركا له في حكمه ضرورة اشتراكهما في الطلب والاقتضاء.
وأجاب: بأن حاصله يرجع إلى قياس الأمر على النهى في اللغة وهو باطل عندنا كيف وإنا لا نسلم أن النهى المضاف إلى الشرط يتكرر بتكرر الشرط بل ما اقتضاه النهى إنما هو دوام المنع عند تحقق الشرط الأول سواء تجدد الشرط ثانيا أو لم يتجدد.
الحجة السادسة:
أن تعليق الأمر على الشرط الدائم موجب لدوام المأمور به بدوامه كما لو قال:
إذا وجد شهر رمضان فصمه فإن الصوم يكون دائما بدوام الشهر وتعليق الأمر على الشرط المتكرر في معناء فكان دائما.
وأجاب: عن ذلك بأن الشرط المستشهد به وإن كان له دوام في زمان معين والحكم موجود معه فهو واحد والمشروط به غير متكرر بتكرره وعند ذلك فلا يلزم من لزوم وجود المشروط عند تحقق شرطه من غير تكرر لزوم التكرر بتكرر الشرط في محل النزاع.
٣ - البيضاوى والإسنوي
يقول البيضاوى: (١)
رد الأمر المعلق بشرط أو صفة مثل: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ لا يقتضى التكرار لفظا ويقتضيه قياسا.
أما الأول فلأن ثبوت الحكم مع الصفة أو الشرط يحتمل التكرار وعدمه ولأنه لو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق لم يتكرر.
وأما الثاني فلأن الترتيب يفيد العلية فيتكرر الحكم بتكررها، وإنما لم يتكرر الطلاق لعدم اعتبار تعليله.
стр. 8692
وعلق على ذلك الإسنوى فقال: (١)
الأمر المعلق بشرط أو بصفة يقتضى تكرار المأمور به عند تكرر شرطه أو صفته. إن قلنا الأمر المطلق يقتضيه فإن قلنا إنه لا يقتضيه ولا يدفعه فهل يقتضيه هنا؟
فيه ثلاثة مذاهب.
أحدها: يقتضيه من جهة اللفظ أي أن هذا اللفظ قد وضع للتكرار.
الثاني: لا يقتضيه أي لا من جهة اللفظ ولا من جهة القياس وهذا هو القائل بأن ترتيب الحكم على الوصف لا يدل على العلية.
الثالث: أنه لا يقتضيه لفظا ويقتضيه من جهة ورود الأمر بالقياس، واختاره في المحصول فلذلك جزم به المصنف. واختار الآمدى وابن الحاجب أنه لا يدل عليه قالا: ومحل الخلاف فيما لم يثبت كونه علة كالإحصان فإن ثبت كالربا فإنه يتكرر بتكرر علته اتفاقا.
وهذا مناف لكلام الإمام الرازى حيث مثل بالسرقة والجنابة مع أنه قد ثبت التعليل بهما ثم قال الإسنوى: الدليل على الأول وهو أنه لا يقتضي التكرار لفظا من وجهين:
أحدهما: أن ثبوت الحكم مع الصفة أو الشرط يحتمل التكرار وعدمه فإن اللفظ إنما دل على تعليق شئ على شئ وهو أعم من تعليقه عليه في كل الصور أو في صورة واحدة. بدليل صحة تقسيمه إليها والأعم لا يدل على الأخص بخصوصه فلزم من ذلك أن التعليق لا يدل على التكرار.
الثاني: أنه لو قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق فإن الطلاق لا يتكرر بتكرر الدخول. ولو كان يدل عليه من جهة اللفظ لكان يتكرر. كما لو قال "كلما".
وأما الدليل على الثاني - وهو أنه يقتضي التكرار قياسا - فلأن ترتب الحكم على الصفة أو الشرط يفيد عليه الشرط أو الصفة لذلك الحكم كما سيأتي في القياس في مباحث الإيماء فيتكرر الحكم بتكرر ذلك لأن المعلول يتكرر بتكرر علته.
وعلق الإسنوى على قول البيضاوى السابق "وإنما لم يتكرر الطلاق" فقال: إن هذا جواب عن سؤال مقرر توجيهه أن يقال:
لو كان تعليق الحكم بالشرط دالا على تكراره بالقياس لكان يلزم تكرار الطلاق بتكرار القيام فيما إذا قال: إن قمت فأنت طالق. وليس كذلك.
وجوابه أن تعبيره بذلك دال على أنه جعل القيام علة للطلاق ولكن المعتبر تعليل الشارع لأن وقوع الطلاق حكم شرعى وأحاد الناس لا عبرة بتعليلهم في أحكام الله تعالى لأن من نصب علة لحكم فإنما يتكرر حكمه بتكرر علته لا حكم غيره فلذلك لم يتكرر الطلاق منه. ألا ترى أنه لو صرح بالتعليل فقال طلقها لقيامها لم تطلق امرأة أخرى له قامت.
ثانيا: طريقة الحنفية
١ - البزدوى والبخارى
يقول البزدوى: (٢)
إن بعض مشايخ المذهب يقول بأنه يوجب التكرار وعامة مشايخه لا يوجبه ولا يحتمله.
стр. 8693
ويعلق البخارى على هذا فيقول: (١)
قال بعض مشايخنا إن الأمر المعلق بشرط كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ أو المقيد بوصف كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ يتكرر بتكرره وهو قول بعض أصحاب الشافعي ممن قال إن الأمر المطلق لا يوجب التكرار ولكن يحتمله. والمذهب الصحيح عندنا أنه لا يوجب التكرار ولا يحتمله سواء كان مطلقا أو معلقا بشرط أو مخصوصا بوصف.
وعلل البخارى للمذهب ورد على القائلين بالتكرار بما لا يخرج عما جاء في كلام الغزالى والآمدى بقوله: (٢)
إنه لا أثر للشرط في التكرار لأن قوله، اضربه إن لم يقتض التكرار فقوله: اضربه قائما أو إن كان قائما لا يقتضيه أيضا بل لا يزيده إلا اختصاص الضرب إلى يقتضيه الإطلاق بحالة القيام وهو كقوله لوكيله: طلق زوجتى دخلت الدار لا يقتضى التكرار بتكرر الدخول فكذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وقوله ﵇: "وإذا زالت الشمس فصل، كقول الرجل لزوجاته "من شهدت منكن الشهر فلتطلق نفسها. فمن زالت عليها الشمس فلتطلق نفسها.
وأما تكرار أوامر الشرع فليس من موجب اللغة بل بدليل شرعى في كل شرط فقد قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ولا يتكرر الوجوب بتكرر الاستطاعة. فإن أحالوا ذلك على الدليل أحلنا ما تكرر أيضا على الدليل. كيف ومن كان جنبا فليس عليه أن يطهر إذا لم يرد الصلاة فلم يتكرر مطلقا لكن اتبع فيه موجب الدليل كذا ذكر الغزالى ﵀
وأما اعتبارهم الشرط بالعلة فضعيف لأن العلة موجبة للحكم والموجب لا ينفك عن الموجب. قأما الشرط فليس بموجب. ولهذا يوجد الشرط بدون المشروط والمشروط بدون الشرط عندنا.
يوضح الفرق بينهما أن الحكم يقتصر ثبوته على العلة ولا يحتاج إلى أمر آخر. وثبوت المشروط لا يقتصر على الشرط بل يحتاج إلى موجب يوجبه وهو العلة. وأما الشروط المذكورة فيما استشهدوا فعلل أو في معنى العلل فلهذا تكررت الأوامر يتكررها.
٢ - النسفى وابن الملك .
لا يخرج مسلكهما عن مسلك البزدوى والبخاري (٣).
ثالثا: المتأخرون
١ - صدر الشريعة:
يقول صدر الشريعة: (٤) "إذا كان الأمر معلقا بشرط أو مخصوصا بوصف فهو يقتضى التكرار والعموم عند بعض علمائنا - الحنفية" وعلل ذلك بأنه لتجدد السبب لا لمطلق الأمر. ثم قال: "وعند عامة علمائنا لا يحتملهما أصلا".
ويعلق على ذلك التفتازانى فيقول عن المذهب الأول: (٥).
стр. 8694
ظاهر عبارة المصنف أن المعلق بالشرط أو الوصف يحتمل التكرار، والحق أنه يوجبه على هذا المذهب حتى لا ينتفى إلا بدليل كما صرح به المصنف في مسألة "إن دخلت الدار فطلقى نفسك" ولهذا عبر في التقديم عن هذا المذهب: بأن الأمر المطلق لا يقتضى تكرارا لكن المعلق بشرط أو وصف يتكرر بتكرره.
كما علق على مذهب عامة علماء الحنفية بقوله: (١)
مذهب عامة علماء الحنفية أن الأمر لا يحتمل العموم والتكرار بل هو للخصوص والمرة سواء كان مطلقا أو معلقا بشرط أو وصف. وإنما يستفاد العموم والتكرار من دليل خارجى كتكرار السبب.
٢ - الكمال بن الهمام وابن أمير الحاج: (٢)
القائل بأن الأمر المعلق على شرط أو صفة يدل على التكرار يستدل بأنه قد تكرر المأمور به في نحو: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ فتكرر وجوب الإطهار بتكرر الجنابة.
وأجاب عن ذلك: بأن الشرط هنا علة فيتكرر موجب الأمر بتكررها اتفاقا ضرورة تكرر المعلول بتكرر علته بالصيفة. وأما غيره مما لا يكون علة "كإذا دخل الشهر فاعتق" فخلاف في كونه للتكرار. والحق نفى التكرار فيه.
وقد أورد اعتراضا هنا على الحنفية وأجاب عنه فقال: (٣)
كيف نفى تكرر الحكم بتكرر الوصف الذي هو علته بعض الحنفية في ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ فلم يقطعوا في المرة الثالثة يد السارق اليسرى إذا كان قد قطع في الأولى يده اليمنى والثانية رجله اليسرى مع أن السرقة علة القطع. وجلدوا الزانى بكرا أبدا مع أن الزنا علة الجلد؟ ومضى فقال:
فالجواب: أما مانعوا تخصيص العلة فلم يعلق القطع عندهم بعلة هي السرقة لأن عدم قطع يده في الثانية إجماعا نقض لكونها علة لتخلف حكمها عنها فوجب عدم الاعتبار لها علة له. فيفى موجبه أي النص "القطع مرة مع السرقة: بخلاف الجلد في الزنا فإنه علق بعلة هي الزنا فتكرر بتكرره.
والوجه العام أي على القول بجواز تخصيص العلة بعدم جوازه بين هذين أن نص القطع مؤول إذ حقيقته قطع اليدين بسرقة واحدة وهى غير معمول بها إجماعا، بل صرف النص عنه إلى واحدة هي اليمنى بالسنة وقراءة ابن مسعود: "فاقطعوا أيمانهما" على ما في غير موضع من تَفسير البيضاوى أو: "والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم" على ما في تفسير الزجاج والكشاف. والقراءة الشاذة حجة على الصحيح. وبدليل الإجماع.
فظهر بهذه الأدلة أن المراد من النص انقسام الآحاد على الآحاد: أي كل سارق فاقطعوا يده اليمنى بموجب حمل المطلق على المقيد.
على أنا نقول: فلو فرضت السرقة علة للقطع تعذر القطع في الثانية لفوت محل الحكم الذي هو القطع وهو اليمنى في الثانية لقطعها في الأولى. بخلاف الجلد فإنه يتكرر بتكرر الزنا لعدم فوت محله وهو البدن بالجلد السابق.
стр. 8695
ثم أورد سؤال الأقرع بن حابس في مسألة الحج وناقشه بما لا يخرج عما سبق إيراده.
رابعا: ابن الحاجب:
يقول ابن الحاجب: (١)
الأمر إذا علق على علة ثابتة وجب تكرره بتكررها اتفاقا للإجماع على اتباع العلة لا الأمر فإن علق على غير علة فالمختار لا يقتضى:
لنا القطع بأنه إذا قال "إن دخلت السوق فاشتر كذا" عد ممتثلا بالمرة مقتصرا قالوا: ثبت ذلك في أوامر الشرع: "إذا قمتم - الزانى والزانية - وإن كنتم جنبا".
قلنا: في غير العلة بدليل خاص.
قالوا: تكرار للعلة فالشرط أولى لانتفاء المشروط.
قلنا: العلة مقتضية معلولها.
وشرح العضد ذلك فقال: (٢)
القائلون بأن الأمر لا يدل على التكرار اتفقوا على أن الأمر إذا علق على علة ثابتة عليتها بالدليل مثل أن يقول: "إن زنى فاجلدوه" فالاتفاق على أنه يجب تكرر الفعل بتكرر العلة للإجماع على وجوب اتباع العلة، وإثبات الحكم بثبوتها، فإذا تكررت تكرر. وليس التكرار هاهنا مستفادا من الأمر لما ذكرنا. فإن علق على غير علة أي أمر لم تثبت عليته مثل أن يقول "إذا دخل الشهر فأعتق عبدا من عبيدى" فالمختار أنه لا يقتضى تكرار الفعل بتكرار ما علق به.
لنا: أن السيد إذا قال لعبده "إن دخلت السوق فاشتر كذا" فاشتراه مرة مقتصرا عليها غير مكرر لها بتكرار دخول السوق غير ممتثل. وذلك معلوم قطعا. ولو وجب تكرار الفعل بتكرر ما علق به لما كان كذلك.
القائلون بأنه يتكرر في غير العلة قالوا: مستدلين ثبت ذلك أي تكرر الفعل بتكرر ما علق به في أوامر الشرع نحو، "إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا - الزانية والزانى فاجلدوا والسارق والسارقة فاقطعوا - وإن كنتم جنبا فاطهروا" والاستقراء يدل على أنه فهم التكرار من نفس التعليق.
الجواب: أما ما ثبت عليه مثل الزنا والسرقة والجنابة فليس محل النزاع. وأما غيره فلا يثبت فيه التكرار إلا بدليل خاص. ولذلك لم يتكرر الحج وإن علق بالاستطاعة.
القائلون بأنه لا يتكرر في العلة قالوا: لو تكرر الفعل بتكرر العلة لتكرر بتكرر الشرط بالطريق الأولى. إذ الشرط يلزم من عدمه عدم المشروط يخلاف العلة لجواز أن يخلفها علة أخرى كما يجئ في تعليل الحكم بعلتين مستقلتين.
الجواب: التكرر في العلة إنما كان باعتبار أن وجوده مقتض لوجود المعلول وذلك منتف في الشرط فإن وجوده لا يقتضى وجود المشروط، واقتضاء انتفائه بانتفائه لا يوجب التكرر بتكرره.
خامسًا: الزيدية
يقول الشوكانى: (٣)
إذا كان الأمر معلقا بعلة أو صفة أو شرط، فإن كان معلقا على علة فقد وقع الإجماع على وجوب اتباع العلة وإثبات الحكم بثبوتها فإذا تكررت تكرر وليس التكرار مستفادا ههنا من الأمر.
стр. 8696
وإن كان معلقا على شرط أو صفة فقد ذهب كثير ممن قال إن الأمر لا يفيد التكرار إلى أنه مع هذا التعليق يقتضى التكرار لا من حيث الصيغة بل من حيث التعليق لها على ذلك الشرط أو الصفة إن كان في الشرط أو الصفة ما يقتضى ذلك وإلا فلا تكرار كقول السيد لعبده "اشتر اللحم إن دخلت السوق" وقول الرجل لامرأته "إن دخلت الدار فأنت طالق" وكذا لو قال "أعط العالم درهما أو أعط الرجل الفقير درهما".
ويختتم البحث في هذا وفى كون صيغة الأمر موضوعة لمطلق الطلب من غير إشعار بالوحدة والكثرة فقال: (١)
والحاصل أنه لا دلالة للصيغة على التكرار إلا بقرينة تفيد وتدل عليه فإن حصلت حصل التكرار وإلا فلا، فلا يتم استدلال المستدلين عن التكرار بصورة خاصة اقتضى الشرع أو اللغة أن الأمر فيها يفيد التكرار لأن ذلك خارج عن محل النزاع، وليس النزاع إلا في مجرد دلالة الصيغة مع عدم القرينة فالتطويل في مثل هذا المقام بذكر الصور التي ذكرها أهل الأصول لا يأتى بفائدة.
سادسا: الجعفرية:
يقول صاحب قوانين الأصول: (٢)
الأمر المعلق على شرط أو صفة يتكرر الشرط والصفة عند القائلين بدلالته على التكرار قولا واحدا لوجود المقتضى وعدم المانع. غاية الأمر تقليل التكرار بالنسبة إلى الأمر المطلق.
وأما غيرهم فذهبوا إلى أقوال ثالثها دلالته عليه مع فهم العلية يعنى كون الشرط أو الوصف علة فيكون من باب المنصوص العلة خلافا للمرتضى حيث لا يرى التكرار مطلقا لعدم اعتباره المنصوص العلة مطلقا. والأقرب التفصيل.
وتحرير المقام أن كل ما دل على العموم من أدوات الشرط مثل "كلما ومهما" ونحوهما فلا ينبغى التأمل في تكرر الأمر بتكرر الشرط.
وأما ما لم يدل على العموم مثل "إن وإذا" فلا يقيد التكرار أصلا إلا أن يقال بحملهما على العموم لوقوعهما في كلام الحكيم وكون الشرط لغوا لولاه.
وأما الصفة فهى أيضا لما لم تدل على العلية على ما هو التحقيق إلا أن فيها إشعارا بالعلية والمعتبر هو العلة الثابتة كما صرحوا به فلا اعتبار بها أيضا. وأما إذا أفهم العلية الثابتة بمعونة الخارج فيفيد العموم والتكرار العلة سواء كان في الشرط أو الصفة مثل "الزانية والزانى فاجلدوا" "وإن زنا فاجلدوا" ونحوهما.
واحتج القائلون بالتكرار مطلقا بالاستقراء فإن قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ إلى غير ذلك من الآيات والأخبار التي يتكرر الأمر فيها بتكرر الشرط فكذا فيما يحصل الشك إلحاقا بالغالب.
وفيه أن حمله على التكرار فيما ذكر إنما هو لأجل فهم العلية وهو مسلم عندنا.
والاحتجاج بمثل: "إن دخلت السوق فاشتر اللحم أو أعط هذا درهما إن دخل الدار" فلا
стр. 8697
يفهم منه التكرار. وفيه أن ذلك لعدم فهم العلية.
وذلك لا يستلزم الاطراد.
وقيل إن ذلك للقرينة فإن من قال لعبده، إذا شبعت فاحمد الله فهم منه التكرار. وهو مغلوب عليه بل ذلك أيضا لفهم العلية.
سابعًا: الإباضية: (١)
إذا علق الأمر على وصف اعتبر ذلك الوصف الذي علق عليه الأمر، فإن كان من الأوصاف المؤثرة في الحكم الثابتة بالدليل فإن الأمر يتكرر بتكرارها، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ وكما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ فإن عرف أهل الشرع قد اقتضى تكرار الأمر المعلق بنحو ما ذكر في الآيتين لقيام الدليل على طلب تكراره.
وإن كان من الأوصاف غير الثابتة بالدليل فلا يفيد الأمر المعلق بها تكرارا إلا بدليل آخر يقتضى التكرار. وذلك نحو: حج بيت الله راكبا، واصعد السطح إن كان السلم مركوزا. فإن الحج لا يتكرر بتكرار الركوب. وصعود السطح لا يتكرر بتكرار ركوز السلم.
أما المعلق على صفة ثابتة بالدليل فلا خلاف فيه بين أحد من العلماء، وأما المعلق على الصفة غير الثابتة بالدليل فالأكثر على أنه لا يتكرر وهو اختيار البدر الشماخى - رحمه الله تعالى - وقال الإسفرايينى: بل يجب تكرره - وحجته في ذلك قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية قال هو ومن تابعه على ذلك إنه يجب الوضوء على من أراد القيام للصلاة وهو محدث.
وأجيب بأن تكرره في الآية بدليل خاص لا بمجرد الأمر ولا بنفس تعلقه بذلك الوصف. وهو على هذا داخل تحت ما علق على صفة ثابته بالدليل، وكلامنا فيما علق على غير الثابت بالدليل.
وأجاب أيضا عن استدلالهم بآية الزنا بان هذا من القبيل الأول أيضا وكلامنا في غيره فالتكرار عنده بدليل والدليل أعم من القرينة فيشملها وغيرها وهو يشترط في الدليل أن يكون مقصودا في كونه مقتضيا تكرار الأمر فيخرج بذلك النائم والساهى والمجنون فإنه لا يعتبر بأمرهم فكيف بقرائنه. وذلك أن تخرج أيضا ما قامت القرينة الحالية أو المقالية على تخصيصه من ذلك فإن قول القائل كلما دخلت السوق فاشتر اللحم يعلم من حاله أنه إذا دخل كل ساعة أو في أوقات لا يوجد فيها اللحم مثلا أو في أوقات ليست محلا لشراء اللحم أن هذا كله غير مراد للقائل، فيثبت تكراره بحسب ما قصد من دليل التكرار.
قضاء الواجب بالأمر الأول والخلاف في ذلك
إذا ورد الأمر بعبادة في وقت مقرر فلم تفعل فيه لعذر أو لغير عذر أو فعلت فيه على نوع من الخلل. اختلف العلماء في وجوب قضائها بعد ذلك الوقت. هل هو بالأمر الأول؟ "أمر الأداء" أو بأمر مجدد؟ (٢) ويتضح الخلاف فيما نورده بعد:
أولا: طريقة المتكلمين
١ - الغزالى (٣)
مذهب بعض الفقهاء أن وجوب القضاء
стр. 8698
لا يفتقر إلى أمر مجدد، ومذهب المحصلين أن الأمر بعبادة في وقت لا يقتضى القضاء، لأن تخصيص العبادة بوقت الزوال أو شهر رمضان كتخصيص الحج بعرفات، وتخصيص الزكاة بالمساكين وتخصيص الضرب والقتل بشخص وتخصيص الصلاة بالقبلة، فلا فرق بين الزمان والمكان والشخص فإن جميع ذلك تقييد للمأمورية بصفة والعارى عن تلك الصفة لا يتناوله اللفظ. بل يبقى على ما كان قبل الأمر.
فإن قيل: الوقت للعبادة كالأجل للدين فكما لا يسقط الدين بانقضاء الأجل لا تسقط الصلاة الواجبة في الذمة بانقضاء المدة "الوقت المحدد للأداء".
قلنا: مثال الأجل الحول في الزكاة لا جرم لا تسقط الزكاة بانقضائه لأن الأجل مهلة لتأخير المطالبة حتى ينجز بعد المدة. أما الوقت فقد صار وصفا للواجب كالمكان والشخص، ومن أوجب عليه شئ بصفة. فإذا أتى به لا على تلك الصفة لم يكن ممتثلا. نعم يجب القضاء في الشرع إما بنص كقوله "من نام عن صلاة أو نسيها فليصليها إذا ذكرها" أو بقياس، فإنا نقيس الصوم إذا نسيه على الصلاة إذا نسيها ونراه في معناها. ولا نقيس عليه الجمعة ولا الأضحية فإنهما لا يقضيان في غير وقتهما، وفى رمى الجمار تردد، أنه بأى الأصلين أشبه، ولا نقيس صلاه الحائض على صومها في القضاء لفرق النص، ولا نقيس صلاة الكافر وزكاته على صلاة المرتد وإن تساويا في أصل الأمر والوجوب عندنا.
٢ - الآمدي:
يجب القضاء بالأمر الأول عند الحنابلة وكثير من الفقهاء (١)، والفقهاء بأمر مجدد هو مذهب المحققين من أصحابنا - أهل السنة والمعتزلة ونقل عن أبى زيد الديدس "من الحنفية" أنه قال بوجوب القضاء بقياس الشرع وإن ورد مطلقا غير مقيد بوقت.
فمن قال بحمله على الفور اختلفوا فيما إذا وقع الإخلال به في أول وقت الإمكان: هل يجب قضاؤء بنفس الأمر الأول؟ أو بأمر مجدد؟.
والمختار أنه مهما قيد الأمر بوقت فالقضاء بعده لا يكون إلا بأمر مجدد وبيانه من وجوه:
الوجه الأول: أنه لو كان الأمر الأول مقتضيا للقضاء لكان مشعرا به، وهو غير مشعر به فإنه إذا قال صم في يوم الخميس أو صل في وقت الزوال فإنه لا إشعار له بإيقاع الفعل في غير ذلك الوقت لغة.
الوجه الثاني: أنه إذا علق الفعل بوقت معين فلابد أن يكون ذلك لحكمة ترجع إلى المكلف إذ هو الأصل في شرع الأحكام سواء ظهرت الحكمة أم لم تظهر وتلك الحكمة إما أن تكون حاصلة من الفعل في غير ذلك الوقت أو غير حاصلة. وليست حاصلة لثلاثة أمور ذكرها الوجه الثالث: أن العبادات المأمور بها منقسمة إلى ما يجب قضاؤة كالصوم والصلاة وإلى ما لا يجب قضاؤه كالجمعة والجهاد. فلو كان الأول مقتضيا للقضاء لكان القول بعدم القضاء فيما فرض من الصور على خلاف الدليل وهو ممتنع.
стр. 8699
الوجه الرابع: قوله: ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" أمر بالقضاء ولو كان مأمورًا به بالأمر الأول لكانت فائدة الخبر التأكيد ولو لم يكن مأمورا به لكانت فائدة الأمر التأسيس وهو أولى من التأكيد لعظم فائدته ثم ذكر معارضة المخالفين من عدة أوجه:
أولها: قوله ﷺ : إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" ومن فاته الوقت الأول فهو يستطيع الفعل في الثاني:
وأجاب عن ذلك بأن الخبر دليل على وجوب الإتيان بما أستطيع من المأمور به وهذا إنما يفيد لو كان الفعل في الوقت الثاني داخلا تحت الأول وهو محل النزاع.
الوجه الثاني: أن الأمر إنما يدل على طلب الفعل وليس الزمان مطلوبا به فاختلاله لا يؤثر في مقتضى الأمر وهو الفعل.
وأجاب: بأن الأمر اقتضى مطلق الفعل أو فعلا مخصوصا بصفة وقوعه في وقت معين. الأول ممنوع والثانى مسلم.
الوجه الثالث: أن الغالب من المأمورات في الشرع إنما هو القضاء بتقدير فوات أوقاتها المعينة ولابد لذلك من مقتض والأصل عدم كل ما سوى الأمر السابق فكان هو المقتضى.
وأجاب: بأن القضاء فيما قيل بقضائه إنما كان بناء على آدلة أخرى لا بالأمر الأول. وأما قولهم "الأصل عدم ما سوى الأمر الأول" فمردود بأن الأصل عدم دلالة الأمر الأول عليه.
الوجه الرابع: أنه لو وجب القضاء بأمر مجدد لكان آداء كما في الأمر الأول وما كان لتسميته اقضاء معنى.
وأجاب: بأنه إنما سمى قضاء لكونه مستدركا لما فات من مصلحة الفعل المأمور به أولا أو مصلحة وصفه كما تقدم تحقيقه.
الوجه الخامس: أن العبادة حق لله تعالى والوقت المفروض كالأجل لها ففوات أجلها لا يوجب سقوطها كما في الدين للآدمى، ولأنه لو سقط وجوب الفعل بفوات الوقت لسقط المأثم لأنه من أحكام وجوب الفعل ولأن الأصل بقاء الوجوب فالقول بالسقوط بفوات الأجل على خلاف مقتضى الأصل.
وأجاب بمنع كون الوقت أجلا للفعل المأمور به إذ الأجل عبارة عن وقت مهلة وتأخير المطالبة الواجب من أوله إلى آخره كما في الحول بالنسبة إلى وجوب الزكاة ولذلك لا يأتم بإخراج وقت الأجل عن قضاء الدين وإخراج الحول عن أداء الزكاة فيه ولا كذلك الوقت المقدر للصلاة بل هو صفة الفعل الواجب ومن وجب عليه فعل بصفة لا يكون مؤديا له دون تلك الصفة.
٣ - ابن الحاجب:
قال العضد توضيحا لكلام ابن الحاجب في هذا المقام (١).
إن الأمر بفعل في وقت معين لا يقتضى فعله فيما بعد ذلك الوقت لا أداء ولا قضاء، فلو ثبت قضاء فبأمر مجدد نحو "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها". وقال بعض الفقهاء القضاء بالأمر الأول.
دليلنا: أنه لو وجب القضاء بالأمر الأول لكان
стр. 8700
مقتضيا للقضاء واللازم منتف. أما الملازمة فبينة إذ الوجوب أخص من الاقتضاء وثبوت الأخص يستلزم ثبوت الأعم.
وأما انتفاء اللازم فلأنا قاطعون بأن قول القائل صم يوم الخميس لا يقتضى صوم يوم الجمعة بوجه من وجوه الاقتضاء ولا تعرض له به ولا تداول أصلا.
ولنا أيضا لو وجب به لاقتضاه ولو اقتضاه لكان أداء وكان بمشابة أن بقول صم إما يوم الخميس وإما يوم الجمعة وهو تخيير بينهما. والثانى أداء برأسه لا قضاء للأول.
ولنا أيضا يلزم أن يكونا سواء فلا يعصى بالتأخير.
وللخصم أن يقول: إنى أدعى أنه أمر بالصلاة أو بإيقاعها في يوم الخميس، فلما فات إيقاعها فيه بقى الوجوب مع نقص فيه فلا يلزم اقتضاء خصوص الجمعة ولا كونها أداء ولا كونهما سواء.
قالوا: أولا، الزمان ظرف من ضرورة المأمور به فلا يؤثر اختلاله في سقوطه.
الجواب: أن الكلام في الفعل المقيد بوقته بحيث لو قدم لم يعتد به كالصلاة. والوقت في مثله داخل في المأمور به وقيد له وإلا لجاز التقديم.
قالوا ثانيا: الوقت المأمور به كالأجل للدين فكما أن الدين لا يسقط بألا يؤدى في أجله ويجب الأداء بعده فكذا المأمور به إذا لم يؤد في وقته وجب الأداء بعده.
الجواب أنا لا نسلم كونه كأجل الدين لما تقدم أنه لو قدم لم يعتد به بخلاف أداء الدين.
قالوا ثالثا: لو وجب بأمر جديد لكان أداء لأنه أمر بالفعل بعد الوقت فيكون مأتيا به في وقته لا بعده وهو الأداء.
والجواب أنه إنما سمى قضاء لأنه استدراك مصلحة ما فات أولا حاصله منع للملازمة إذ يشترط في الأداء ألا يكون استدراكا لمصلحة فاتت.
ثم قال العضد:
إن هذه المسألة مبنية على أن المقيد هو المطلق والقيد وهما شيئان كما في التعقل والتلفظ أو ما صدقا عليه وهما شئ واحد يعبر عنه بالمركب من متعدد.
ثانيا: طريقة الحنفية .
صور البزدوي المسألة بقوله: (١)
اختلف المشايخ في القضاء: أيجب بنص مقصود "قصد به إيجاب القضاء ابتداء" أم بالسبب "الأمر" الذي يوجب الأداء؟.
فقال بعضهم بنص مقصود لأن القربة عرفت قرية بوقتها، وإذا فاتت عن وقتها ولا يعرف لها مثل إلا بالنص كيف يكون لها مثل بالقياس وقد ذهب وصف فضل الوقت. وقال عامتهم يجب بذلك السبب.
وبيان ذلك أن الله تعالى أوجب القضاء في الصوم بالنص فقال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وجاءت السنة بالقضاء في الصلاة قال النبى ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها".
فقلنا نحن: وجب القضاء في هذا بالنص وهو مفعول فإن الأداء كان فرضا فإذا فات فات
стр. 8701
مضمونا وهو قادر على تسليم مثله من عنده لكون الفعل مشروعا له من جنسه أمر يصرف ما له إلى ما عليه. وسقط فضل الوقت إلى غير مثل وإلى غير ضمان إلا بالإثم إن كان عامدا للعجز فإذا عقل هذا وجب القياس به في قضاء المنذورات المتعينة من الصلاة والصيام والاعتكاف وهذا أقيس وأشبه بمسائل أصحابنا.
وقال البخارى تعليقا على قول البزدوى: (١)
يدل على صحة الوجه الأول ما ذكره الشيخ ﵀ في شرح التقويم: "ثم اختلف أصحابنا قال بعضهم القضاء يجب بأمر مبتدأ "مجدد" من الله تعالى. وقال بعضهم لا يحتاج إلى أمر مبتدأ بل يجب المثل إذا فات المضمون بالكتاب والسنة والإجماع". ويدل على ذلك أيضا ما ذكره صاحب الميزان فيه حيث قال: "اختلف مشايخنا في الأمر المؤقت إذا خرج الوقت قبل تحصيل الفعل حتى وجب القضاء أنه يجب بالأمر السابق أو يجب بأمر مبتدأ. قال بعضهم يجب بالأمر السابق وقال بعضهم يجب بأمر مبتدأ. وعليه يدل سياقه كلام شمس الأئمة السرخى ﵀ أيضا. وذكر صدر الإسلام أبو اليسر: قال عامة الفقهاء إن الوقت متى فات لا يبقى المأمور به دينا في الذمة ويجب القضاء في وقت آخر بدليل أخر. وقال بعض الناس يبقى دينا في الذمة بعد خروج الوقت بحكم ذلك الأمر.
والحاصل أن وجوب القضاء لا يتوقف على أمر جديد. وإنم يجب بالأمر الأول عند القاضي الإمام أبى زيد وشمس الأئمة والمصنف ومن تابعهم وإليه ذهب بعض أصحاب الشافعي والحنابلة وعامة أصحاب الحديث. وعند العراقيين من أصحابنا وصدر الإسلام أبى اليسر وصاحب الميزان أنه لا يجب بالأمر الأول بل بأمر آخر وبدليل آخر وهو مذهب عامة أصحاب الشافعي وعامة المعتزلة.
والخلاف إنما هو في القضاء بمثل معقول، فأما القضاء بمثل غير معقول فلا يمكن إيجابه إلا بنص جديد بالاتفاق (٢)
احتج من قال بأنه يجب بأمر مبتدأ بأن الواجب بالأمر الأول أداء العبادة ولا مدخل للرأى في معرفتها وإنما يعرف بالنص، فإذا كان الأمر مقيدا بوقت كان كون المأمور به عبادة مقيدا به أيضا ضرورة توقفة على الأمر. فإن العبادة مفسرة بأنها فعل يأتى به المرء على وجه التعظيم لله تعالى بأمره. وإذا كان كذلك لا يكون الفعل في توفت آخر عبادة بهذا الأمر لعدم دخوله تحت الأمر كمن قال لغيره: افعل كذا يوم الجمعة لا يتناول هذا الأمر ما عدا الجمعة بحكم الصيغة كما لو كان مقيدا بالمكان بأن قيل اضرب من كان في الدار لا يتناول من لم يكن فيها، وإذا لم يتناوله الأمر كان الفعل بعد الوقت وقبله سواء فيحتاج إلى أمر آخر ضرورة. ولا يمتتع أن يكون الفعل مصلحة في وقت دون غيره، ولهذا كانت الصلوات مخصوصة بأوقات والصوم كذلك.
ولا يقال نحن لا ندعى أنه يتناوله من حيث الصيغة لأنه لو كان كذلك لما سمى قضاء. ولكنا
стр. 8702
نقول: المأمور به لما فات يضمن بالمثل من غير توقف على أمر آخر كما في حقوق العباد. لأنا نقول من شرط إيجاب الضمان المماثلة ولا مدخل للراى في مقادير العبادات وهيأتها فلا يمكن إثبات المماثلة فيها بالرأى. وكيف يمكن ذلك والأداء مشتمل على الفعل وإحراز فضيلة الوقت. ولهذا لم يجز قبل الوقت، وقد فاتت فضيلة الوقت بحيث لا يمكن تداركها. قال ﷺ : "من فاته صوم يوم من رمضان لم يقضه صيام الدهر كله" فكيف يكون الفعل بعد الوقت مثلا للفعل في الوقت. ولما لم يمكن إيجابه بالأمر الأول توقف على دليل آخر ضرورة.
قال أبو اليسر ﵀: إن إقامة الفعل في الوقت إنما عرفت قرية شرعا بخلاف القياس فلا يمكننا إقامة مثل هذا الفعل في وقت آخر مقام هذا الفعل بالقياس عند الفوات كما في الجمعة فإن أداء الركمتين لما عرف قرية بحلاف القياس لا يمكننا أن نقيم مثل هاتين الركعتين مقامهما في وقت آخر بالقياس عند الفوات وكما في تكبيرات التشريق فإنها لما عرفت قرية في تلك الأيام شرعا بخلاف القياس لا يمكننا أن نقيم مثل هذه التكبيرات في غير تلك الأيام مقامها عند الفوات.
واحتج من قال بأنه يجب بالأمر الأول بالقياس وهو أن الشرع ورد بوجوب القضاء في الصوم والصلاة قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ أي فأفطر فعليه عدة من أيام آخر وقال ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" وما ورد فيه معقول المعنى فوجب إلحاق غير المنصوص به.
وبيانه أن الأداء قد صار مستحقا عليه بالأمر في الوقت ومعلوم بالاستقراء أن المستحق لا يسقط عن المستحق عليه إلا بالأداء أو بالإسقاط أو بالعجز ولم يوجد الكل فبقى كما كان قبله. أما عدم وجود الأداء فظاهر وكذا عدم الإسقاط لأنه لم يوجد صريحا بيقين ولا دلالة الأنه لم يحدث إلا خروج الوقت وهو بنفسه لا يصلح مسقطا، لأن بخروج الوقت تقرر ترك الامتثال وذلك لا يجوز أن يكون مسقطا بل هو تقرر ما عليه من العهدة. وإنما يصلح الخروج مسقطا باعتبار العجز ولم يوجد العجز إلا في حق إدراك الفضيلة لبقاء القدرة على أصل العبادة لكونه متصور الوجود منه حقيقة وحكما فبقدر السقوط بقدر العجز فيسقط عنه استدراك شرف الوقت إلى الإثم إن تعمد التفويت إلى عدم الثواب "أي ثواب الأداء" إن لم يكن تعمد العجز ويبقى أصل العبادة الذي هو المقصود مضمونا عليه لقدرته عليه فيطالب بالخروج عن عهدته بصرف المثل إليه كما في حقوق العباد.
فإن قيل: لا نسلم أن القدرة على أصل الواجب تبقى بعد فوات الوقت لأن الأمر مقيد بالوقت بحيث لو قدم الأداء عليه لا يصح فيكون الواجب فعلا موصوفا بصفة، ومن وجب عليه فعل موصوف بصفة لا يبقى بدون تلك الصفة كالواجب بالقدرة الميسرة لا تبقى بعد فوات تلك القدرة لفوات وصفه وهو اليسر.
قلنا: هذا إذا كان الوصف مقصودا ونحن نعلم أن نفس الوقت ههنا ليس بمقصود لأن معنى
стр. 8703
العبادة في كون الفعل عملا بخلاف هوى النفس أو في كونه تعظيما لله تعالى وثناء عليه. وهذا لا يختلف باختلاف الأوقات كما لا يختلف باختلاف الأماكن.
وأما عدم صحة الأداء قبل الوقت فليس لكونه مقصودا بل لكونه سببا للوجوب والأداء قبل السبب لا يجوز. ولما كان الوقت تبعا غير مقصود لم يجز أن يسقط بسقوطه ما هو المقصود الكلى وهو أصل العبادة.
ثم قال: (١)
ونا ثبت أن النص معقول المعنى تعدى الحكم وهو وجوب القضاء به إلى الفروع وهى الواجبات بالنذر المؤقت من الصلاة والصيام والاعتكاف وغيرها.
وبما ذكرنا خرج الجواب عن قولهم: "إن مثل العبادة لا يصير عبادة إلا بالنص" لأنا قد سلمنا ذلك ولكن الكلام في أن الفعل الذي قد شرع عبادة في غير هذا الوقت حقا للعبد. هل يجب مقام الفعل الواجب في الوقت عند فواته؟ فنقول بأنه يجب لأن الشرع قد أقامه في الصوم والصلاة بمعنى معقول فيقاس عليها غيرهما.
وقد خرج الجواب أيضا عن الجمعة وتكبيرات التشريق لأن سقوطهما لعجز لأن إقامة الخطبة مقام ركعتين غير مشروع للعبد بعد مضى الوقت وكذا الجهد بالتكبير دبر الصلوات: غير مشروع للعبد في غير أيام التكبير بل هو منهى عنه لكونه بدعة فبمضى الوقت يتحقق الفوات فيه فيسقط كما قال شمس الأئمة ﵀ ولا يقال: لما وجب القضاء في الصلاة والصوم بالنص - إذ لولاه لما عرف وجوب القضاء فكيف يستقيم قولكم القضاء بالأمر الذي يوجب الأداء.
لأنا نقول: قد عرفنا بالنص الموجب للقضاء أن الواجب لم يكن سقط بخروج الوقت. وأن هذا النص طلب لتفريغ الذمة عن ذلك الواجب بالمثل ولهذا سمى قضاء، ولو وجب به ابتداء لما صح تسميته قضاء حقيقة. وهذا كمن غصب شيئا وهلك عنده يجب الضمان لورود النصوص الموجبة له ولكنه يضاف إلى الغصب السابق الموجب للأداء وهو رد العين والنصوص لطلب التفريغ عن ذلك الواجب هكذا هنا.
ثم قال البخارى: (٢) إن كلام فخر الإسلام يشير إلى أن ثمرة الخلاف تظهر فيما ذكره من المنذورات المتعينة فعند العامة يجب قضاؤها بالقياس وعند الفريق الأول لا يجب لعدم وجود نص مقصود فيه. لكن ذكر أبو اليسر في أصوله أنه إذا نذر صوم هذا الشهر أو نذر أن يصلى هذا اليوم أربع ركعات فمضى اليوم والشهر ولم يف فالقضاء واجب بالإجماع بين الفريقين لكن على قول الفريق الأول بسبب آخر مقصود غير النذر وهو التفويت وعلى القول الآخر بالنذر ثم قال، واعلم أن التفويت إنما يوجب القضاء عندهم لأنه بمنزلة نص مقصود فكأنه إذا فوت فقد التزم المنذور ثانيا.
فعلى هذا إذا فات لا بالتفويت بأن مرض أو جن في الشهر المنذور صومه أو أغمى عليه في اليوم المنذور فيه الصلاة يجب أن لا يقضى عندهم لعدم النص المقصود صريحا أو دلالة. فيظهر ثمرة الخلاف ثم استدرك على ما أورده فقال:
стр. 8704
ولكن ما ذكره شمس الأئمة من أن وجوب القضاء بدليل آخر وهو تفويت الواجب عن الوقت على وجه هو معذور فيه أو غير معذور يشير إلى أن الفوات بمنزلة التفويت عندهم في إيجاب القضاء. فحينئذ لا يظهر فائدة الاختلاف في الأحكام بين أصحابنا وإنما يظهر في التخريج.
ثالثا: الحنابلة .
قال في روضة الناظر (١):
الواجب المؤقت لا يسقط بفوات وقته ولا يفتقر القضاء إلى أمر جديد وهو قول بعض الفقهاء وقد أورد الرأى المخالف في المسألة ودليله ثم برهن على اختيار المذهب الأول فقال: (٢)
دليلنا أن الأمر اقتضى الوجوب في الذمة فلا يبرأ منه إلا بأداء أو إبراء كما في حقوق الآدميين وخروج الوقت ليس بواحد منهما - بمعنى لا بعدة أداء ولا إبراء.
وعلق على هذا شارح الروضة بقوله:
وتقديره أن الذمة إذا شغلت بواجب للشرع أو لآدمى لم تبرأ منه إلا بامتثال وهو الأداء أو إبراء عنك هذه العبادة. أو الآدمى أبرأتك من هذا الدين وإذا كانت الذمة مشغولة بالواجب ما لم يوجد أداء له أو إبراء من مستحقه فقد أجمعنا على أن الذمة مشغولة بالواجب المؤقت في وقته. والأصل بقاء ما كان فيه على ما كان. والتقدير أن المكلف لم يوجد منه أداء ولا من الشرع إبراء فوجب القول ببقاء شغل الذمة به فتكون براءتها منه موقوفة على الأداء أو الإبراء لكن الإبراء صار بعد انقراض زمن التراخى ممتنع فتعين الأداء لبراءة الذمة لكن وقت الأداء اصطلاحًا قد فات بالتأخير فتعين القضاء فيما بعد لإبراء الذمة وذلك يقتضى أن يكون بالأمر الأول لأنه يدل عنه.
ثم قال المصنف: (٣)
والفرق بين الزمان والمكان أن الزمن الثاني تابع للأول فما ثبت فيه لسحب على جميع الأزمنة التي بعده بخلاف الأمكنة والأشخاص.
وعلق على ذلك الشارح فقال:
هذا إبطال لقياسهم تعلق الفعل بالزمان على تعلقه بالمكان. وبيانه أن الزمان حقيقة سبالة غير قارة فالمتأخر منه تابع للمتقدم فما ثبت فيه ثبت فيما بعده بطريق التبع له بخلاف الأمكنة والأشخاص والجهات فإنها حقائق قارة ليس بعضها تابعا لبعض حتى يتعلق بعضها بما تعلق بغيره.
وحاصل مأخذ المسألة أننا تقول إن الواجب الواقع في زمن القضاء، هو جزء الواجب في زمن الأداء والخصم يقول: هو غيره.
رابعا: الظاهرية
قال ابن حزم: (٤)
الأمر المرتبط بوقت لا قسمة فيه غير جائز تعجيل أدائه قبل وقته ولا تأخيره عن وقته، وذلك مثل صيام شهر رمضان. فإن جاء نص بالتعويض عنه وأدائه في وقت آخر وقف عنده وكان ذلك عملا آخر مأمورا به، وإن لم يأت بذلك نص
стр. 8705
ولا إجماع فلا يجوز أن يؤدى شئ منه في غير وقته. وكذلك كل عمل مرتبط بوقت محدود الطرفين كأوقات الصلوات وما جرى هذا المجرى فلا يجوز أداء شئ من ذلك بل دخول وقته، ولا بعد خروج وقته. ومن شبه ذلك ديون الآدميين لزمه أن يجيز صيام رمضان في شعبان قياسا على تعجيل ديون الناس قبل حلول أوقاتها، ولزمه أن يجيز تقديم الصلوات قبل وقتها قياسا على ذلك، وعلى ما أجازوا من تعجيل الزكاة قبل حلول وقتها.
ولا فرق بين من أجاز أداء الأمر بعد انقضاء وقته وبين من أجازه قبل دخول وقته هذا على أن بعضهم قد أجاز للمريض الذي يخاف تغير عقله تعجيل الصلاة قبل وقتها. فإن ادعوا أن الإجماع منعهم من ذلك عارضهم قول ابن عباس فإنه يجيز أداء الصلاة قبل دخول وقتها. وصلاة الظهر قبل زوال الشمس. ولا فرق في ديون الناس بين أدائها بعد وقتها وحلول أجلها وبين آدائها قبل وقتها وحلول أجلها.
وأطال ابن حزم في المقارنة بين الواجبات الشرعية وبين ديون الناس ثم قال (١):
فإذا كان حكم الأموال والعبادات ما ذكرنا فلا خلاف في أن الوقت إنما معناه زمان العمل. وأنه لا يفهم من قول الله ورسوله ﷺ : اعملوا عمل، كذا في وقت كذا. وصلوا صلاة كذا من حين كذا إلى حين كذا. إلا أن هذا الزمان المحدود هو الذي أمرنا فيه بالعمل المذكور فنقول حينئذ للمخالف: ما معنى خروج الوقت؟ فلابد ضرورة من أنه انقضاء زمن العمل فإذا ذهب زمان العمل فلا سبيل إلى العمل إذ لا يتشكل في العقول كون شئ في غير زمانه الذي جعله الله تعالى زمانا له ولم يجعل له زمانا غيره.
وقد يقال إنا وجدنا أوامر معلة (٢) بزمان ينوب عنها تأدية ذلك العمل في زمان آخر فنقول إذا جاء بذلك نص أو إجماع فقد علمنا أن الله مد ذلك الوقت وعلق ذلك الأمر بذلك الزمان الثاني وجعله وقتا له.
ونحن لا ننكر ذلك بل نقر به إذا أمرنا به لا إذا نهينا عنه وقد جاء مثل ذلك في الأمكنة كمن نذر صلاة في بيت المقدس فإنه إن صلى بمكة أجزاء للنص في ذلك: ولا يجزئ ذلك فيما لم يرد فيه نص.
خامسا: الزيدية .
صور الشوكانى ما قاله الأصوليون فيما فيه أداء وقضاء واختار مذهب الجمهور وأيد أدلته وقال إنه الحق ثم أبرز مسألة في الأمر غير المقيد بوقت فقال (٣):
الأمر المطلق وهو أن يقول افعل ولا يقيده بزمن معين فإذا لم يفعل المكلف ذلك في أول أوقات الإمكان فهل يجب فعله فيما بعد أو يحتاج إلى دليل؟. فمن لم يقل بالفور يقول: إن ذلك الأمر المطلق يقتضى الفعل فلا يخرج المكلف عن العهدة إلا بفعله. ومن قال بالفور قال إنه يقتضى الفعل بعد أول أوقات الإمكان وبه قال أبو بكر الرازى. ومن القائلين بالفور من يقول إنه لا يقتضيه بل لابد في ذلك من دليل زائد.
стр. 8706
قال في المحصول: ومنشأ الخلاف أن قول القائل لغيره افعل: هل معناه افعل في الزمان الثاني فإن عصيت ففى الثالث فإن عصيت ففى الرابع ثم كذلك أبدًا، أو معناء في الثاني من غير بيان حال الزمان الثالث والرابع. فإن قلنا بالأول اقتضى الأمر الأول الفعل في سائر الأزمان وإن قلنا بالثانى لم يقتضه.
والحق أن الأمر المطلق يقتضى الفعل من غير تقييد بزمان فلا يخرج المكلف عن عهدته إلا بفعله وهو أداء وإن طال التراخى لأن تعيين بعض أجزاء الوقت له لا دليل عليه. واقتضاؤه الفور لا يستلزم أنه بعد أول أوقات الإمكان قضاء بل غاية ما يستلزمه أن يكون المكلف آثما بالتأخير عنه إلى وقت آخر.
سادسا: الإباضية:
قال صاحب طلعت الشمس: (١)
إذا فات وقت الفرض المؤقت بعذر كان في تأخير الفعل أو المكلف الفعل بلا عذر منه فإنه يجب عليه تداركه بالقضاء اتفاقا. واختلفوا في الدليل الذي وجب به القضاء.
فذهب أكثر العلماء والبدر الشماخى إلى أن الدليل الذي وجب به القضاء هو شئ غير الدليل الذي وجب به الأداء. واستدلوا بآية الصوم وحديث النوم عن الصلاة ونسيانها.
ثم قال: فقوله تعالى ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ دليل لوجوب القضاء وهو غير الدليل الذي وجب به الصوم ابتداء فإن وجوب الصوم ابتداء إنما وجب بقوله تعالى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٢) وكذا قوله ﷺ : "فليصلها إذا ذكرها"، فإن هذا الأمر دليل لوجوب القضاء للصلاة وهو غير الأمر الذي وجب به أداء الصلاة فإن أداءها وجب بقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٣) ونحوه. فظهر أن الأمر الذي وجب به القضاء هو غير الأمر الذي وجب به الأداء وحكى رأى المخالفين ونقض أدلتهم.
سابعا: الجعفرية:
ذكر صاحب قوانين الأصول للمذهب المختار له وهو رأى الجمهور فقال: (٤)
الحق أن الأمر لا يقتضى إلا الإتيان بالمأمور به في الوقت ووجوب القضاء يحتاج إلى أمر جديد. ثم ساق ما بنى عليه العضد المسألة في شرحه للمختصر. فقال:
بلى العضد المسألة على أن قولهم صم يوم الخميس مركب في اللفظ والزمن من شيئين:
هل المأمور به فيه شيئان يبقى أحدهما بعد انتفاء الآخر؟ أو شئ واحد؟
وقال: إن هذا الخلاف مبنى على الخلاف في أن الجنس والفصل متمايزان في الوجود الخارجى أم لا وعلق على ذلك بقوله: الظاهر أن مراد العضد التنظير لأن قيد الزمان في قولنا صم الخميس خارج عن الماهية ثم قال:
ورده بعض المحققين بأن كونهما شيئين في الخارج لا يقتضى كون القضاء بالفرض الأول ولا يتنافى كونه بفرض جديد لاحتمال أن يكون غرض الآمر الإتيان بهما مجتمعين، فمع انتفاء أحدهما ينتفى الاجتماع. وكذلك لا يجدى كونهما
стр. 8707
شيئا واحدا في نفى كون القضاء بالفرض الأول. وإثبات كونه بفرض جديد لاحتمال كون المراد المطلق لا بشرط الخصوصية. وذكر الخاص يكونه محصلا للمطلق بلا نظرٍ إلى خصوصية الشئ المذكور فلا ينتفى المطلق بانتفاء هذا القيد. فمن نفى كون القضاء بالفرض الأول مستظهر لثبوت الاحتمال غير المستلزم للقضاء. وعلى المثبت نفى ذلك الاحتمال.
ثم أورد احتمالات عدة لنصرة كل فريق يطول المقام بذكرها.
وأورد بعد ذلك على العضو أيضا أن مجرد التحايز بين الجنس والفصل في الخارج لا يؤيد كون القضاء بالفرض الأول إلا إذا ثبت جواز انفكاك أحدهما عن الآخر.
وبعد أن أطال في هذه المناقشة انتهى إلى أن التحقيق (١) أن الفرق بين ما نحن فيه وبين الجنس والفصل واضح ولا يصح التنظير ولا التفريع. أن المتبادر أن القيد هو شئ واحد والتبادر هو الحجة فلا نفهم من قول الشارع صم الخميس إلا شيئًا واحدا والزائد منفى بالأصل.
الإتيان بالمأمور به يدل على الإجزاء
الإتيان بالمأمور به على وجه الذى أمر به الشارع قد وقع الخلاف فيه بين أهل الأصول: أيوجب الإجزاء أم لا؟ ويتضح الخلاف مما يلى:
أولا: طريقة المتكلمين
١ - الغزالى:
قال: (٢) ذهب بعض الفقهاء إلى أن الأمر يقتضى وقوع الإجزاء بالمأمور به إذا امتثل. وقال بعض المتكلمين لا يدل على الإجزاء لا بمعنى أنه لا يدل على كونه طاعة وقرية وسبب ثواب وامتثالا. لكن بمعنى أنه لا يمنع الامتثال من وجوب القضاء ولا يلزم حصول الإجزاء بالأداء بدليل أن من أفسد حجه فهو مأمور بالإتمام ولا يجزئه بل يلزمه القضاء. ومن ظن أنه متطهر فهو مأمور بالصلاة وممتثل إذا صلى ومطيع ومتقرب ويلزمه القضاء فلا يمكن إنكاره كونه مأمورا ولا إنكار كونه ممتثلا حتى يسقط العقاب. ولا إنكار كونه مأمورا بالقضاء فهنه أمور مقطوع بها.
والصواب عندنا أن نفصل ونقول إذا ثبت أن القضاء يجب بأمر متجدد وأنه مثل الواجب الأول فالأمر بالشئ لا يمنع إيجاب مثله بعد الامتثال وهذا لا شك فيه ولكن ذلك المثل إنما يسمى قضاء إذا كان فيه تدارك لفائت من أصل العبادة أو وصفها، وإن لم يكن فوات وخلل استحال تسميته قضاء. فنقول الأمر يدل على إجزاء المأمور به إذا أدى بكمال وصفه وشرطه من غير بخلل، وإن تطرق إليه خلل كما في الحج الفاسد والصلاة غلى غير الطهارة فلا يدل الأمر على إجزائه بمعنى إيجاب القضاء.
فإن قيل: فالذى ظن أنه متطهر مأمور بالصلاة على تلك الحالة أو مأمور بالطهارة فإن كان مأمورا بالطهارة مع تتجز الصلاة فينبغي أن يكون عاصيا وإن كان مأمورا بالصلاة على حالته فقد امتثل من غير خلل. فيم عقل إيجاب القضاء؟ وكذلك المأمور بإتمام الحج الفاسد أتم كما أمر؟
قلنا: هذا مأمور بالصلاة مع الخلل بضرورة نسيانه فقد أتى بصلاة مختلة فاقدة شرطها
стр. 8708
لضرورة حاله فعقل الأمر لتدارك الخلل. أما إذا لم يكن الخلل لا عن قصد ولا عن نسيان فلا تدارك فيه فلا يعقل إيجاب قضائه، وهو المعنى بإجزائه. وكذلك مفسد الحج مأمور بحج خال عن فساد وقد فوت على نفسه ذلك فيقضيه.
٢ - الآمدى:
حقق الآمدى معنى الإجزاء فقال: (١)
كون الفعل مجزئا قد يطلق بمعنى أنه امتثل به الأمر إذا أتى به على الوجه الذى أمر به وقد يطلق بمعنى أنه مسقط للقضاء. ثم قال: (٢)
اتفق الكل على أن الإتيان بالمأمور به على الوجه الذى أمر به يكون مجزئا بمعنى كونه امتثالا للأمر. وخالف القاضي عبد الجبار في كونه مجزئا بمعنى أنه لا يسقط القضاء، ولا يمتنع مع فعله من الأمر بالقضاء.
وانتقل إلى صاحب المسألة فقال: (٣)
الفعل المأمور به لا يخلو إما أن يكون قد أتى به المأمور على نحو ما أمر به من غير خال ولا نقص في صفته وشرطه أو أتى به على نوع من الخلل.
والقسم الثاني لا نزاع في كونه غير مجزئ ولا مسقط للقضاء. وإنما النزاع في القسم الأول وليس النزاع فيه أيضا من جهة أنه يمتنع ورود أمر مجدد بعد خروج الوقت نفعل مثل ما أمر به أولا. وإنما النزاع في ورود الأمر بالفعل متصفا بصفة القضاء. والحق نفيه لأن القضاء عبارة عن استدراك ما فات من مصلحة الأداء أو مصلحة صفته أو شرطه. وإذا كان المأمور به قد فعل على وجهة الكمال والتمام من غير نقص ولا خلل فوجوب القضاء استدراكا لما قد حصل تحصيل للحاصل. وهو مخال. ومن ينفى القضاء إنما ينفيه بهذا التفسير وهذا مما يتعذر مع تحقيقه المنازعة فيه. وإن كان لا ينكر إمكان ورود الأمر خارج الوقت بمثل ما فعل أولا. غير أنه لا نسميه قضاء، ومن سماء قضاء فحاصل النزاع معه آئل إلى اللفظ دون المعنى.
ويتضح الرأى مما أجاب به على شبه الخصوم وهى:
الأولى: أن من صلى وهو يظن أنه متطهر ولم يكن متطهرا مأمور بالصلاة فإن كان مأمورا بها مع الطهارة حقيقة فهو عاص آثم بصلاته حيث لم يكن متطهرا. وإن كان مأمورا بالصلاة على حسب حاله فقد أتى بما أمر به على الوجه الذي أمر به ومع ذلك يجب عليه القضاء إذ لم يكن متطهرا وكذلك المفسد للحج مأمور بمضيه في حجة الفاسد ويجب عليه القضاء.
ومما أجاب به عن ذلك أن القضاء إنما تم استدراكا لمصلحة ما أمر به أولا من الصلاة مع الطهارة والحج العرى عن الفساد.
الثانية: أن الأمر لا يدل على غير طلب الفعل ولا دلالة له على امتناع التكليف بمثل فعل ما أمر به فلا يكون مقتضيا له.
وأجاب بأنا لا نمنع من ورود أمر يدل على مثل ما فعل أولا وإنما المدعى انه إذا أتى المأمور يفعل المأمور به على نحو ما أمر به امتنع وجوب القضاء.
الثالثة: أن الأمر مثل النهى في الطلب والنهى لا دلالة فيه على فساد المنهى عنه فالآمر لا يدل على كون المأمور به مجزئا.
стр. 8709
واجاب بأنه قياس في اللغة وقد أبطلناه وإن سلم صحته فإنا لا نقول بأن الأمر يدل على الإجزاء بمعنى امتناع وجوب القضاء بل امتثال الأمر هو المانع من وجوب القضاء على ما تقرر وفرق بين الأمرين.
٣ - ابن الحاجب:
صور ابن الحاجب المسألة تصوير الآمدى لها وقال العضد في تعليقه عليه: (١)
المختار أن الإتيان بالمأمور به يستلزم الإجزاء على معنى سقوط القضاء لأنه لو لم يستلزمه لم يعلم امتثال أبدا وهو باطل.
واستدل للملازمة بأنه على تقدير الصحة يجوز أن يأتى بالمأمور به ولا يسقط عنه القضاء وهو باطل وذلك شئ معلوم قطعا واتفاقا.
ثم ناقش أدلة المخالفين بما لا يخرج عما سبق.
ثانيا: الحنفية:
١ - الكمال بن الهمام وابن أمير الحاج:
تناول الكمال وشارحه هذا البحث في تتمة لمباحث الحكم (٢) عرف فيها الصحة وتطرق إلى أن فعل المأمور به مستجمعا لما يتوقف عليه هو معنى الإجزاء. ويقول الفقهاء إن معناه اندفاع وجوب القضاء كمن الصحة.
ثم قال: (٣)
إن صلاة ظان الطهارة مع عدمها مجزئة على قول المتكلمين لموافقة الأمر على ظن المكلف المعتبر شرعا بقدر وسمه وليست مجزئة على قول الفقهاء لعدم سقوط القضاء لها مع الاتفاق على وجوب القضاء عند ظهور عدم الطهارة.
وأورد أن الإجزاء لا يوصف به وبعدمه إلا ما يحتمل الإجزاء وعدمه من العبادات كالصلاة والصوم والحج بخلاف معرفة الله تعالى فإنها لا تحتمل وجهين.
ونقل عن بعضهم أن مقتضى كلام الفقهاء أن الإجزاء لا يختص بالواجب بدليل حديث أبى بردة في ذبح وقع منه قبل الصلاة فقال النبى - صلي الله عليه وسلم -: "لا يُجزئ عنك".
وفى نهاية البحث تطرق الشارح إلى إيراد مناقشات بين المتكلمين والفقهاء لا تخرج عما نقلناه عن الغزالى والآمدى.
٢ - صاحب مسلم الثبوت وشارحه:
قالا: (٤)
الإتيان بالمأمور على وجهه: هل يستلزم الإجزاء أم لا؟ فإن فسر الإجزاء بالامتثال فيستلزمه اتفاقا لأن الامتثال الإتيان بالمأمور به على وجه لا غير وإن عرف الإجزاء بسقوط القضاء عن الذمة فالمختار عند جمهور الأصوليين أنه يستلزمه ولا قضاء على الذمة وقال القاضي عبد الجبار لا يستلزمه.
واستدل لذلك بوجوه:
أولا: لا بقاء للاقتضاء بعد الإتيان في اللغة والعرف بالضرورة في المعاملات كأداء الديون والمعاملات فكذا في غيرها من العبادات فلا يبقى الطلب بعد الإتيان لأن الوضع واحد في الأوامر كلها.
стр. 8710
وثانيها: لو لم يستلزم سقوط القضاء لم يعلم امتثال أبدا وهو باطل اتفاقًا.
وثالثا: لو لم يسقط القضاء لزم تحصيل الحاصل فإن المأمور به قد حصل فأى شئ يطلب بعده.
ورابعا: القضاء استدراك لما فات والمفروض أنه حصل المطلوب بتمامه ولم يفت منه شئ وقد ذكر عدة مناقشات لهذه المقدمات وأورد أدلة المخالفين وردها بما لا يتسع المقام لإيراده.
ثالثا: الحنابلة:
قال صاحب روضة الناظر: (١)
ذهب بعض الفقهاء إلى أن الأمر يقتضى الإجزاء بفعل المأمور به إذا امتثل المأمور بكمال وصفه وشروطه وقال بعض المتكلمين لا يقتضي الإجزاء ولا يمتنع وجوب القضاء مع حصول الامتثال بدليل المضى في الحج الفاسد مع وجوب القضاء وأن من ظن أنه متطهر فإنه مأمور بالصلاة وإذا صلى فهو ممتثل مطيع ويجب عليه القضاء ولأن القضاء إنما يجب بأمر جديد، والأمر بالشئ لا يمنع إيجاب مثله. بدليل أن الأمر إنما يدل على اقتضاء المأمور وطلبه لا غير. والإجزاء أمر زائد لا يدل عليه الأمر ولا يقتضيه.
واستدل للمختار عنده ان امرأة سنان بن مسلمة الجهنى أمرت أن تسأل رسول الله ﷺ أن أمها ماتت ولم تحج أفيجزى عنها أن تحج عنها قال نعم ولو كان على أمها دين فقضته ألم يكن يجزى عنها فلتحج عنها وهذا يدل على أن الإجزاء بالقضاء كان مقررا عندهم. ولأن الأصل براءة الذمة. وإنما اشتغلت بالمأمور به وطريق الخروج عن عهدته الإتيان به. فإذا أتى به يجب أن تعود ذمته بريئة كديون الآدميين. ولأنه لو لم يخرج عن العهدة للزمه الامتثال أبدا فإذا قال له: صم يوما فصامه فالأمر يتوجه إليه بصوم يوم كما كان قبل منه ذلك أبدا وهو خلاف الإجماع.
رابعا: الزيدية:
صور الشوكانى في هذه المسألة تبعا للآمدى وغيره ونقل عن صاحب المحصول قوله، إن فعل المأمور به يقتضى الإجزاء. واختار هذا الرأى وساق أدلته وعارض أدلة مخالفيه. (٢)
خامسا: الإباضية:
قال صاحب طلعت الشمس: (٣)
يدل الأمر دلالة التزام على أن فاعل المأمور به يجزئه ذلك الفعل ويكون ممتثلا، ويتحقق بفعله ذلك أن ليس عليه قضاء بعد ذلك سواء في هذه الدلالة كان الأمر مفيدا بأحد القيود المتقدم ذكرها أم خاليا عنها لأن الإجزاء إنما هو ثمرة الأمر ونتيجته مع قطع النظر عن كونه مطلقا أو مقيدا. هذا مذهب الأكثر من العلماء وصححه البدر الشماخى وقال بعده: هو مبنى على قول من قال: إن القضاء بأمر مجدد أي أن القول بأن الأمر يستلزم سقوط القضاء مبنى على أن القضاء بأمر ثان غير الأمر الذي وجب به الأداء.
واعترض المصنف على تعليل البدر الشماخى ثم قال:
وجه ترتبه على القول بأنه وجب بأمر ثان هو أن القائلين بهذا الرأى معترفون بأن القضاء إنما
стр. 8711
هو فعل الفرض بعد وقته المقدر له استدراكا لمسافات أو فوت الوقت. فذلك الفائت أو المفوت سبب لوجوب هذا القضاء وإن كان القضاء بأمر ثان.
وساق أدلة المخالفين ونقضها وعقب بأدلة المذهب بما لا يخرج في جملته عما سبق.
سادسا: الجعفرية:
قال صاحب قوانين الأصول: (١)
الحق أن الأمر يقتضى الإجزاء وتحقيق هذا الأصل يقتضى رسم مقدمات:
الأولى: تكلم فيها عن معنى الإجزاء والاختلاف في تقديره.
الثانية: تناول فيها كيف يكون الأمر مقتضيا للإجزاء وبين ذلك بأن اقتضاءه للإجزاء يتحقق إذا أتى به المكلف على ما هو مقتضى الأمر مستجمعا لشرائطه الشرعية بحسب فهمه وعلى مقتضى تكليفه، لكن الإشكال في حقيقة الأمر وتعيينه فإن التكليف قد يكون بشئ واحد في نفس الأمر وقد حصل العلم به للمكلف واستجمع جميع الأمور المعتبرة فيه على سبيل اليقين. وقد يكون كذلك ولكن المكلف لم يحصل له سوى الظن به. وباستجماع تلك الأمور كما يحصل للمجتهد في الفتاوى. وقد يكون كذلك ولكن الشارع نص بالخصوص على كفاية الظن عن اليقين كالطهارة المظنونة بسبب الشك في حصول الحدث. وكذلك قد يكون التكليف بشئ أولا مع الإمكان وببدله ثانيا مع الإمكان كالتيمم عن الماء.
والإشكال في أن المكلف بالعمل بالظن ما دام غير متمكن من اليقين ومحكوم بإجراء عمل كذلك أو مطلقًا.
ثم قال: إن الظاهر أن التكليف يتعدد بحسب اختلاف الأزمان والأحوال. والمكلف به في الأوامر المطلقة إنما هو الطبيعة لا بشرط المدة ولا التكرار. والطبيعة تتحصل بوجود فرد منها.
وأطال في ذلك.
الثالثة: تحرير محل النزع.
الرابعة: بيان معنى القضاء.
ثم قال: (٢)
إذا تمهد ذلك فتقول: اختلف الأصوليون في أن إتيان المأمور به على وجهه هل يقتضى الإجزاء بمعنى سقوط القضاء بعد اتفاقهم على اقتضائه الامتثال على قولين:
المشهور نعم. وخالف فيه أبو هاشم الجبانى والقاضى عبد الجبار.
واستدل للمشهور بأن الأمر لا يقتضى إلا طلب الماهية المطلقة بدون اعتبار مرة ولا تكرار ومعناه أن المطلوب به إيجاد الطبيعة وهو يحصل بإيجاد فرد منه والمفروض حصوله فحصل المطلوب فلا يبقى طلب آخر، فقد سقط الوجوب بل المشروعية أيضا.
واستكمال الأدلة في هذ المقام بما لا يخرج عما تقدم.
تعاقب الأوامر
أولا: طريقة المتكلمين:
١ - الآمدى . قال: (٢)
الأمران المتعاقبان إما ان لا يكون الثاني معطوفا على الأول أو يكون معطوفا:
стр. 8712
فإن كان الأول، فإما أن يختلف المأمور به أو يتماثل.
فإن اختلف فلا خلاف في اقتضاء المأمورين.
على اختلاف المذاهب في الوجوب والندب والوقف وسواء أمكن الجمع بينهما كالصلاة مع الصوم، أم لا يمكن الجمع كالصلاة في مكانين. أو الصلاة مع أداء الزكاة.
وإن تماثل: فإما أن يكون المأمور به قابلا للتكرار أو لا يكون قابلا له، فإن لم يكن قابلا له كقوله: "صم يوم الجمعة. صم يوم الجمعة" فإنه للتأكيد المحض. وإن كان قابلا للتكرار، فإن كانت العادة مما تمنع من تكرره كقول السيد لعبده: "اسقنى ماء. اسقنى ماء" أو كان الثاني منهما معرفا كقوله: "أعط زيدا درهما. أعط زيدا الدرهم" فلا خلاف أيضا في كون الثاني مؤكد للأول وإنما الخلاف فيما لم تكن المادة مانعة من التكرار والثانى غير معرف كقوله: "صل ركعتين صل ركعتين" فقال القاضي عبد الجبار: إن الثاني يعتبر غير ما أفادة الأول ويلزم الإتيان بأربع ركعات مصيرا منه إلى أن الأمر الثاني لو انفرد أفاد اقتضاء الركعتين. فكذلك إذا تقدمه أمر آخر، لأن الاقتضاء لا يختلف. وخالفه أبو الحسن البصرى بالذهاب إلى الوقف والتردد بين حمل الأمر الثاني على الوجوب أو التأكيد للأول.
والأظهر أنه إذا لم تكن المادة مانعة من التكرار ولم يكن الثاني معرفا أن مقتضى الثاني غير مقتضى الأول. وسواء قلنا إن مقتضى الأمر الوجوب أم الندب أم هو موقوف بين الوجوب والندب. لأنه لو كان مقتضيا عين ما اقتضاه الأول لكانت فائدته التأكيد ولو كان مقتضيا غير ما اقتضاه الأول لكانت فائدته التأسيس، والتأسيس أصل. والتأكيد فرع وحمل اللفظ على الفائدة الأصلية أولى.
فإن قيل إلا أنه يلزم منه تكثير مخالفة النفى الأصلى، ودليل براءة الذمة من القدر الزائد وليس أحد الأمرين أولى من الآخر، فهو معارض بما يلزم من التأكيد من مخالفة ظاهر الأمر فإنه إما أن يكون ظاهرا في الوجوب أو الندب أو هو متردد بينهما على وجه لا خروج له عنهما على اختلاف لمذاهب. وحمله على التأكيد خلاف ما هو الظاهر من الأمر. وإذا تعارض الترجيحان سلم لنا ما ذكرناه أولا. كيف وإنه يحتمل أن يكون للوجوب في نفس الأمر وفى تركه محذور فوات المقصود من الواجب وتحصيل مقصود التأكيد.
ولا يخفى أن تفويت مقصود التأكيد وتحصيل مقصود الواجب أولى.
وأما إذا كان الأمر الثاني معطوفا على الأول، إن كان المأمور به مختلفا فلا نزاع أيضا في اقتضائهما للمأمورين. أمكن الجمع بينهما أو لم يمكن. وإن تماثلا فالمأمور به إن لم يقبل التكرار فالأمر الثاني للتأكيد من غير خلاف كقول: "صم يوم الجمعة وصم يوم الجمعة" وإن كان قابلا للتكرار فإن لم تكن العادة مانعة من التكرار وليس الثاني معرفا فالحكم على ما تقدم فيما إذا لم يكن حرف عطف، ويزيد آخر وهو موافقة الظاهر من حروف العطف وذلك كقوله "صل ركعتين وصل ركعتين". وأما إن كانت العادة تمنع من التكرار كقوله "اسقنى ماء واسقنى ماء" أو كان الثاني معرفا كقوله: "صل ركعتين وصل الركعتين" فقد تعارض الظاهر من حروف العطف
стр. 8713
مع اللام المعرف أو مع منع العادة من التكرار. ويبقى الأمر على ما ذكرنا فيما إذا لم يكن حرف عطف ولا ثم تعريف ولا عادة مانعة من التكرار. وقد عرف ما فيه.
وأما إن اجتمع التعريف والعادة المانعة من التكرار في معارضة حرف العطف كقوله "اسقنى ماء واسقنى الماء" فالظاهر الوقف لأن حرف العطف مع ما ذكرناه من الترجيح السابق الموجب لحمل الأمر الثاني على التأسيس واقع في مقابلة المادة المانعة من التكرار ولام التعريف ولا يبعد ترجيح أحد الأمرين بما يقترن به من ترجيحات آخر.
٢ - الإسنوى والبيضاوى:
أورد الإسنوى هذه المسألة باختصار ضمن فروع عقب بها على مباحث الأمر فقال: (١)
إذا كرر الأمر فقال "صل ركعتين" فقيل يكون أمرا بتكرر الصلاة ونقله في المستوعب عن عامة أصحاب الشافعي وقال الصيرفى الثاني تأكيد وقال الآمدى بالوقف.
وانظر أيضا شرح مختصر المنتهى للعضد جـ ٢ ص ٩٤.
ثانيًا: الحنفية:
١ - الكمال بن الهمام وابن أمير الحاج .
ذكر التقسيمات السابقة في كلام الآمدى لكنه رجح اعتبار التأكيد فيما إذا اجتمع التعريف والعادة المائعة من التكرار فقال: (٢)
إنه في العطف كصل ركعتين وصل ركعتين يعمل بهما مما لأن التأكيد بواو العطف لم يعهد إلا أن يترجح التأكيد بمرجح عادى من تعريف أو غيره ولا معارض يمنع منه فيعمل بالتأكيد أو يوجد التعادل بين ترجيح كونه تأسيسا أو تأكيدا فيعمل بمقتضى خارج عنهما إن وجد وإلا فالوقف كاسقنى ماء واسقنى الماء لأن العادة والتعريف في مقابلة العطف والتأسيس.
وأطال في رد ترجيح التأسيس ثم قال:
لكن ذكر الفرانى أن الثاني إذا كان ضد الأول يشترط فيه أن يكون في وقتين نحو أكرم زيدا وأهنه فإن اتحد الوقت حمل على التخيير ولا يحمل على الفسخ لأن من شرطه التراخى حتى يستقر الأمر الأول ويقع التكليف والامتحان به ويكون الواو حينئذ بمعنى أو حتى يحصل التخيير ثم نقل عن المحصول أنه إن كان أحدهما عاما والآخر خاصا نحو صم كل يوم صم يوم الجمعة فإن كان الثاني غير معطوف كان تأكيدًا وإن كان معطوفا فهو محل خلاف.
ثم قال: هذا كله في المتعاقبين فإن تراخى أحدهما عن الآخر عمل بهما سواء تماثلا أو اختلفا وسواء كان الثاني معطوفا أو غير معطوف.
وانظر أيضا مسلم الثبوت وشرحه فواتح الرحموت ج ١ ص ٧٤١ بهامش المستصفى للغزالى.
ثالثا: الظاهرية:
قال ابن حزم: (٣)
قد يعطف أوامر مفروضات على غير مفروضات. ويعطف غير مفروضات على
стр. 8714
مفروضات. والأصل في ذلك أن كل أمر فهو فرض إلا ما خرج عن ذلك بضرورة حس أو بنص أو إجماع. فإذا كانت أوامر معطوفات فخرج بعضها بأحد الدلائل التي ذكرنا عن الوجوب بقى سائرها على حكم المفهوم من الأوامر في الجملة. ولا نبالى كان الخارج عن معهود حكمه هو الأمر الأول في الذكر أو الآخر أو الأوسط كل ذلك سواء. وهو بمعزلة ما لو خرج بنسخ فإن سائرها يبقى على حكم الوجوب والطاعة. ضمن ذلك قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (١) فلولا الإجماع على أن الأكل من الثمر ليس فرضا لقلنا إنه فرض. ولكن لما خرج عن أن يكون فرضا بدليل الإجماع بقى الفعل المعطوف عليه على حكم الوجوب وهو قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. ومن ذلك: أيضا: "فانتبزوا ولا تشربوا مسكرا" "وزوروها - يعنى القبور ولا تقولوا هجرا" الأمر الأول ندب بالإجماع والثانى فرض، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (٢) كان السعى خاصا للرجال دون النساء ولم يمنع ذلك الأمر بترك البيع من أن يكون فرضا على ظاهره وعاما لكل أحد من رجل أو امرأة. ومثل هذا كثير ووافقنا على ذلك أصحاب مالك.
رابعا: الزيدية:
ذكر الشوكانى الخلاف في المسألة فقال: (٣)
اختلفوا إذا تعاقب أمران بمتماثلين: هل يكون الثاني للتأكيد فيكون المطلوب الفعل مرة واحدة أو للتأسيس فيكون المطلوب الفعل مكررا فقال الجبائى وبعض إنه للتأكيد ذهب الأكثر إلى أنه للتأسيس. وقال أبو بكر الصيرفى بالوقف في كونه تأسيسا وتأكيدا وبه قال أبو الحسين البصرى وأورد الشوكانى أدلة القائلين بأنه للتأكيد ونقضها ورجح أدلة أكثر الأصوليين ثم قال:
أما لو لم يكن الفعلان من نوع واحد فلا خلاف أن العمل بهما متوجه نحو صل ركعتين صم يوما وهكذا إذا كانا من نوع واحد ولكن قامت القرينة الدالة على أن المراد التأكيد نحو صم اليوم صم اليوم ونحو صل ركعتين صل الركعتين فإن التقييد باليوم وتعريف يعتبران أن المراد بالثانى هو الأول. وهكذا إذا اقتضت العادة أن المراد التأكيد كقوله اسقنى ماء واسقنى ماء وهكذا إذا كان التأكيد بحرف العطف نحو صل ركعتين وصل كتين لأن التكرار المقيد للتأكيد لم يعهد إيراده خرف العطف وأقل الأحوال أن يكون قليلا والحمل على الأكثر أولى. أما لو كان الثاني مع العطف معرفا فالظاهر التأكيد نحو صل ركعتين وصل الركعتين لإن دلالة اللام على إرادة التأكيد أقوى من دلالة حرف العطف على إرادة التأسيس.
خامسا: الإباضية:
قال صاحب طلعت الشمس: (٤)
إذا تكرر الأمر فإما أن يتفق المأمور به "كصل ركعتين. صل ركعتين" وإما أن يختلف المأمور به نحوه صل ركعتين. صل أربع ركعات "فإن اختلف المأمور به فكلا الأمرين واجب اتفاقا وإن اتفق المأمور به ففى وجوبهما معا مذاهب.
اختار المصنف القول بأن كلا الأمرين واجب
стр. 8715
فيجب الامتثال لكل واحد منهما، فالواجب في قول القائل "صل ركعتين. صل ركعتين" أربع ركعات، وجوب كل ركعتين بالأمر إلا إذا صرفته عن ذلك قرينة. والقرينة إما عقلية "كاقتل زيدا اقتل زيدا" فإن العقل يأبى تكرر القتل فهو قرينة في أن الثاني تأكيد للأول. وإما شرعية نحو "صم اليوم. صم اليوم" "واعتق عبدك أعتق عبدك" فإن الشرع لم يجعل في اليوم الواحد صومين، ولم يجعل للرقبة الواحدة عتقين. وإما عادية وذلك أن يعلم من أحد عادة في تكرير الكلام فإن تكراره يحتمل على عادته. وإما حالية نحو قول السيد لعبده "اسقنى ماء. اسقنى ماء" فإن المعلوم من حال الآمر أنه لم يرد تكرر السقى وإنما كرر الأمر تأكيدا لتعجيل الامتثال. وإما أن تكون القرينة تعريفا وذلك أن يعاد الأمر الثاني لتفهم المأمور وتبين المطلوب منه مخافة أن لا يكون فهيمه من الأمر الأول وقد تجئ القرينة لفظية وذلك نحو صل ركعتين صل الركعنتين إذ المعلوم أن الركعتين الأخيرتين هما الركعتان الأوليان بقرينة "أل" وهى لفظ كما ترى.
ثم قال: (١)
وذلك: "أن حكم الأمر هو الوجوب حقيقة وأن هذا الحكم لا بفارقة سواء كان مفردا أو مكررا إلا بدليل ولا دليل لغير الوجوب في الحالين أي في الأمر الأول والثانى إذ ليس تكراره دليلا على انتقاله عن حكمه الأصلى الثابت بالدليل القطعى. وكون التكرار محتملا للتأكيد فهو احتمال لا يكفى أن تترك الحقائق لأجله. وأيضا فالتأكيد اللفظى قليل الدوران في كلام العرب فقلما يؤكدون زيدا بلفظه فإن أرادوا تأكيده أكدوه بالنفس أو العين. وبقلة دورانه على السنة العرب يغلب في الظن أنه غير مراد. فإن وجد بين الأمرين عطف نحو صل ركعتين وصل ركعتين ازداد الحمل على التأكيد ضعفا فوق ضعفه الأول لأن ما بعد العاطف مغاير لما قبله إذ لا يصح أن يعطف الشئ على نفسه فلا تقول جاء زيد وزيد إلا إذا كان زيد الثاني غير الأول نعم إن اختلف اللفظان جاز العطف وإن اتحد المعنى تنزيلا للثانى منزلة التفسير للأول نحو: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ (٢) وإذا لحظت ما بين المتعاطفين هنا رأيت المغايرة موجودة فيهما قطعًا فإن المفسر غير المفسر واللفظ الثاني غير الأول وباعتبار هذه المغايرة جاز العطف. وما نحن بصدده هو شئ غير هذا: لا يقال إن الخاص بعض العام وشئ منه وصح عطفه عليه ولا مغاية بينهما نحو قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (٣). لأنا نقول إن الخاص الذي عطف على العام هو غير العام المعطوف عليه، وذلك أن خصوصيته بالذكر وعطفة على ما قبله دليل على أن المراد بالعام هو ما عدا هذا المعطوف فصح التغاير بهذا الاعتبار.
الأمر بالأمر: هل يكون أمرا ؟
أولا: طريقة المتكلمين .
١ - الغزالي: (٤)
الأمر بالأمر بالشئ وليس أمرا بالشئ ما لم يدل عليه دليل. مثاله قوله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ (٥)
стр. 8716
لا يدل على وجوب الأداء بمجردة على الأمة.
وربما ظن ظان أنه يدل على الوجوب وليس الأمر كذلك، لكن دل الشرع على أن أمر النبي ﷺ واجب الطاعة وأنهم لو كاتوا مأذونين في المنع لكان ذلك تحقيرا للنبى ﷺ وتنفيرًا للأمة عنه. وذلك يغض من قدره، ويشوش مقصود الشرع وإلا فلا يستحيل أن يقال للزوج الشافعي إذا قال لزوجته أنت بائن على نية الطلاق راجعها وطالبها بالوطء، ويقال للحنفية التي ترى أنها بائنة يجب عليك المنع، ويقال للولى الذي يرى أن لطفله على طفل غيره شيئا: طلبه، ويقال للمدعى عليه إذا عرف أنه لا شئ على طفله: لا تعطه ومانعه ويقول السيد لأحد العبدين: أوجبت عليك أن تأمر العبد الآخر ويقول للآخر أوجبت عليك العصيان له. وبهذا تعرف أن قوله ﵊: "مروهم بالصلاة لسبع" ليس خطابا من الشرع مع الصبى ولا إيجايا علي مع أن الأمر واجب على الولى.
فإن قيل: فلو قال للنبى أوجبت عليك أن توجب على الأمة، وقال للأمة أوجبت عليكم خلافه.
قلنا: ذلك يدل على أن الواجب على النبي أن يقول أوجبت لا على حقيقة الإيجاب، فإن أراد حقيقة الإيجاب فهو متناقض بخلاف قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (١) فإن ذلك لا يناقضه أمرهم بالمنع.
فإن قيل: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب والتسلم لا يتم إلا بالتسليم.
قلنا: لا يجب التسلم بل يجب الطلب فقط ثم إن وجب التسلم فذلك يتم التسليم المحرم وإنما يناقض التسليم انتفاء التسليم في نفسه لانتفاء علته وحكمه.
وبالجملة كما أن من أمر زيدا بضرب عمرو فلا يطلب من عمرو شيئا فكذلك إذا أمره بأمر عمدا فلا يطلب من عمرو شيئا.
٢ - الآمدى
سار الآمدى على منهج الغزالى في هذه المسألة وضمن كلامه بعض الإضافات. فقد صور الاستدلال بقوله (٢) "إنه لو كان أمرا لذلك الغير لكان ذلك مقتضاء لغة"، ولو كان كذلك لكان أمره ﷺ لأولياء الصبيان بقوله "مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع" أمرا للصبيان بالصلاة من الشارع وليس كذلك لوجهين.
الأول أن الأمر الموجه نحو الأولياء أمر تكليف ولذلك يدم الولى بتركه شرعا فلو كان ذلك أيضا أمرا للصبيان لكانوا مكلفين بأمر الشارع فيلحقهم الذم بالمخالفة وهو غير متصور في حقهم لعدم فهمهم لخطاب الشارع بدليل الحديث "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبى حتى يبلغ" وأضاف أنه يمكن رد ذلك بأن يقال الأمر للولى والصبى وإن كان واحدا غير أن نسبته إليهما مختلفة فلا يمتنع اختلافهما في الذم بسبب ذلك.
"الثاني: أنه لو كان أمرا للصبى لم يخل إما أن يكون أهلا لفهم الخطاب أولا. فإن كان الأول فلا حاجة لأمر الولى له إلا أن يكون أحد الأمرين تأكيدا. وهو خلاف الأصل. وإن لم يكن أهلا فأمره وخطابه ممتنع بالإجماع.
стр. 8717
ثانيا: عامة الأصوليين وغيرهم ما عدا الجعفرية .
لا يخرج ما أورده بقية الأصوليين فيما عدا الجعفرية في استدلالهم ومناقشاتهم عما أورده الغزالى والآمدى في هذه المسألة. ويرجع في ذلك إلى:
١ - مختصر المنتهى لابن الحاجب بشرح العضد جـ ٢ ص ٩٣.
التقرير والتحبير للكمال بن الهمام وابن أمير الحاج جـ ١ ص ٣١٩.
روضة الناظر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل جـ ٢ ص ٩٦.
٤ - إرشاد الفحول للشوكانى ص ١٠٧.
٥ - شرح طلعت الشمس على ألفية الأصول للإباضية جـ ١ ص ٥٨ وقد أوجز المقام في نهاية بحثه جامعا للمعتمد من رأيهم بقوله (١): "حاصل المقام أننا لا نمنع من أن يكون الأمر بالأمر بالشئ أمر بذلك الشئ إذا دلت القرينة على ذلك وإنما نمنع ذلك عند عدم القرائن".
ثالثا: الجعفرية:
قال صاحب قوانين الأصول: (٢)
الأظهر أن الأمر بالأمر أمر فإذا قال القائل لغيره: مر فلانا أن يفعل كذا أو قل له أن يفعل كذا فهذا أمر للثالث مثل أن يقول: ليفعل فلان كذا لفهم العرف والتبادر. واحتمال أن يكون المراد أوجب عليه من قبل نفسك بعيد مرجوح.
ويؤيدة أنا مأمورون بأوامر الرسول ﷺ عن الله تعالى بل إذا اطلع الثالث على الأمر قبل أن يبلغه الثاني ولم يفعل واطلع الآمر على ذلك فيصح أن يعاقبه على الترك وأن يذمه العقلاء على ذلك.
وذكر أنه احتج المخالفون بقوله ﷺ : "مروهم بالصلاة" الحديث فإنه لا وجوب على الصبيان إجماعا. وبأن القائل لو قال لغيره مر عبدك بأن يتجر لم يتعد، ولو قال لذلك العبد لا تتجر لم يناقض كلامه الأول.
والجواب عن الأول أن الإجماع أوجب الخروج عن الظاهر وعن الثاني أن القرينة دالة على أنه للإرشاد. ولذلك نقول باستحباب عبارة الصبى ونضعف كونها محض التحريم.
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم المرسلين.
стр. 8718
مصطلح "إمساك "
تعريف الإمساك لغة:
الإمساك مصدر أمسك، تقول: أمسك الشئ يمسكه إمساكا أي حبسه وأمسك عن الأمر كفّ عنه، وأمسك عن الكلام سكت ...... ومسك بالشئ وأمسك به وتمسّك وتماسك واستمسك وامتسك كله بمعنى احتبس واعتصم به. وفى التنزيل: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ (١) أي يؤمنون به ويحكمون بما فيه.
وأمسكت واستمسكت وتماسكت أن أقع عن الدابة وغيرها. والمُسّك والمُسْكة ما يتمسك به وما يمسك الأبدان من الطعام والشراب أوما يتبلغ به منهما.
ومُسْك جمع مُسّكة كهُمَزَةِ وهو يقال لمن إذا أمسك بالشئ لم يقدر أحد على تخليصه منه ومن المجاز: به إمساك، وهو ممسك ومِسّيك بخيل (٢).
تعريفه شرعا:
لم يخرج استعمال الفقهاء لكلمة الإمساك عن استعمال أهل اللغة لها، فقد عرفوا الإمساك الذي هو ركن الصوم الشرعى بأنه الكف عن المفطرات. وفى ذلك قال صاحب المجموع من الشافعية: "الصوم هو الإمساك لغة وشرعا، ولا يتميز الشرعى عن اللغوى إلا بالنيّة" (٣).
وعبروا عن حبس الجوارح من السباع أو الطير للصيد بإمساكها له على صاحبه، متابعة لما جاء به القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٤).
وعبروا أيضا عن حبس المحرِم للصيد في يده أو في ملكه بإمساكه له. ومثل ذلك إمساك الشخص شخصا آخر لمن يجنى عليه في نفسه أو ماله. وإمساك الزوج زوجته مع الإضرار في معاشرتها حتى تفتدى نفسها بما يريده الزوج من مال أو غيره في مقابل طلاقها متابعة لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ (٥) وقوله سبحانه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٦). كما عبروا أيضا بالإمساك في حبس المعقود عليه لاستيفاء الثمن أو الأجرة أو للحفظ وغيره وغير ذلك كثير سيأتي تفصيل أحكامه في هذا البحث (٧).
стр. 8719
حكم الإمساك عن تناول المفطرات في رمضان وغير رمضان:
مذهب الحنفية
اتفق الحنفية على أن الإمساك - أي الكف والامتناع - عن الأكل والشرب والجماع حقيقة أو حكما هو ركن الصوم الشرعى، لأن الله تعالى أباح الأكل والشرب والجماع في ليالى رمضان بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ أي حتى حتى يتبين لكم ضوء النهار من ظلمة الليل من الفجر ثم أمر بالإمساك عن هذه الأشياء في النهار بقوله : ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (١) فدل على أن ركن الصوم هو الإمساك فلا يوجد الصوم بدونه (٢).
والإمساك عن المفطرات المذكورة في أول النهار يقع صوما عندهم سواء وجدت فيه النية أو لم توجد، لأن وقت النية إنما يكون وقت وجود ركن الصوم وهو الإمساك وقت الغداء المتعارف، والإمساك في أول النهار شرط وليس بركن. لأن ركن العبادة ما يكون شاقا على البدن مخالفا للعادة وهوى النفس وذلك هو الإمساك وقت الغداء المتعارف فأما الإمساك في أول النهار فمعتاد فلا يكون ركنا بل يكون شرطا. لأنه وسيلة إلى تحقيق معنى الركن إلا أنه لا يعرف كونه وسيلة في الحال لجواز ألا ينوى وقت الركن. فإذا نوى ظهر كونه وسيلة من حين وجوده، والنية تشترط لصيرورة الإمساك الذي هو ركن عبادة لا لما يصير عبادة بطريق الوسيلة (٣).
ويجرى هذا في كل صوم فرضا كان أن نفلا، لأن الصوم لا يتجزأ، ويصير الصائم صائما أول النهار لكن بالنية الموجودة وقت الركن وهو الإمساك وقت الغداء المتعارف. لما ذكرنا أما إذا نوى بعد زوال الشمس فقد خلا بعض الركن عن الشرط فلا يصير صائما شرعا. (٤)
هذا كله فيما إذا كان الصوم عينا لصوم رمضان وصوم التطوع خارج رمضان والمنذور المعين. أما إذا كان الصوم دينا كقضاء رمضان وقضاء ما أفسده من نفل وصوم الكفارات بأنواعها والنذر المطلق فلا بد فيه من تعيين النية وتلبيتها ليلا أو وقت طلوع الفجر لتعتبر وما عن ذلك وإلا كان تطوعا (٥) ويجب الإمساك بقية اليوم تشبها بالصائمين ونفيا للتهمة على كل من كان له عذر في صوم رمضان في أول النهار مانع من الوجوب أو قبيح للفطر ثم زال عذره في أثناء النهار وصار بحال لو كان عليه في أول النهار لوجب عليه الصوم ولا يباح له الفطر، وذلك كالحائض والنفساء يطهران بعد طلوع الفجر أو معه.
وكذلك يجب الإمساك على الصبى إذا بلغ والكافر إذا أسلم والمريض إذا برأ من مرضه في خلال نهار رمضان. كما يجب الإمساك على
стр. 8720
المسافر في رمضان إذا أقام بعد نصف النهار أو قبله بعد الأكل. أما إذا أقام قبل فوات نصف النهار وقبل الأكل فيه فإنه يجب عليه الصوم وإن كان نوى الفطر.
ومثل ذلك المجنون إذا أفاق بعد الأكل أو بعد فوات وقت النية فإنه يجب عليه الإمساك وأما إذا أفاق قبل الأكل وقبل فوات النية فإنه يجب عليه أن يصوم كل من وجب عليه الصوم في أول النهار لوجود سبب الوجوب والأهلية ثم تعذر عليه المضى فيه بأن أفطر متعمدا أو خطأ أو مكرّها أو أصبح يوم الشك مضطرا ثم تبين أنه من رمضان، أو تسحر على ظن أن الفجر لم يطلُع ثم تبين له أنه طلع، أو أفطر وهو يظن أن الشمس قد غربت ثم تبين له خلافه فإنه يجب عليه الإمساك في بقية اليوم تشبها بالصائمين.
لأنه إذا لم يمسك وأكل ولا عذر به اتهمه الناس بالفسق. والتحرز عن مواضع التهم واجب، لقوله ﷺ : "من كان يؤمن الله واليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم".
وقيل: إمساكهم مستحب لا واجب، ذكر هذا محمد بن شجاع وبعض المشايخ، لقول أبى حنيفة في الحائض تطهر نهارا: لا يحسن أن تأكل وتشرب والناس صيام، ولأنهم مفطرون فعلا فكيف يجب عليهم الكف عن المفطرات والصحيح هو وجوب الإمساك عن المفطرات في كل ذلك، قال ذلك الإمام الصفّار وبعض مشايخ المذهب، لأن محمد بن الحسن ذكر في كتاب الصوم: فليصم بقية يومه والأمر للوجوب، وقال في الحائض إذا طهرت في أثاء النهار: فلتدع الأكل والشرب وهذا أمر أيضا.
ومعنى قول أبى حنيفة: "لا يَحْسُنُ لها أن تأكل" تعليل للوجوب: أي لا يحسن بل تَقْبُح. وترك القبيح شرعا من الواجبات، وهذا هو الموافق للدليل. وهو ما ثبت من أمره قل بالإمساك لمن أكل في يوم عاشوراء حين كان صومه فرضا (١). وأجيب عن المعقول: بأن زمان رمضان وقت شريف فيجب تعظيم هذا الوقت بالقدر الممكن إذا كان الشخص أهلا للتشبه. ونفيا لتعريض نفسه للتهمة والإمساك الواجب هنا لا يجب خلفا عن الصوم حتى ينافى الإفطار المتقدم بل يجب قضاء لحق الوقت وحرمته بالتشبه بالصائمين.
أما المسافر والمريض فلهما الأكل جهرا رواية واحدة.
وفيما عدا هذا لا يجب الإمساك بل يستحب.
فقد أجمعوا على أن الإمساك لا يجب على الحائض والنفساء والمريض والمسافر حال قيام الحيض والنفاس والمرض والسفر.
وهل تأكل الحائض والنفساء سرا أو جهرا؟. قيل سرا. وقيل: جهرا ولا يجب عليها التشبه بالصائم حال قيام العذر، لأن صومها حرام والتشبه بالحرام حرام.
وكذلك يجب الإمساك على الصبى إذا بلغ والكافر إذا أسلم والمريض إذا برأ من مرضه في