← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 8716–8755 · переход к 8721.

стр. 8716

لا يدل على وجوب الأداء بمجردة على الأمة. وربما ظن ظان أنه يدل على الوجوب وليس الأمر كذلك، لكن دل الشرع على أن أمر النبي ﷺ واجب الطاعة وأنهم لو كاتوا مأذونين في المنع لكان ذلك تحقيرا للنبى ﷺ وتنفيرًا للأمة عنه. وذلك يغض من قدره، ويشوش مقصود الشرع وإلا فلا يستحيل أن يقال للزوج الشافعي إذا قال لزوجته أنت بائن على نية الطلاق راجعها وطالبها بالوطء، ويقال للحنفية التي ترى أنها بائنة يجب عليك المنع، ويقال للولى الذي يرى أن لطفله على طفل غيره شيئا: طلبه، ويقال للمدعى عليه إذا عرف أنه لا شئ على طفله: لا تعطه ومانعه ويقول السيد لأحد العبدين: أوجبت عليك أن تأمر العبد الآخر ويقول للآخر أوجبت عليك العصيان له. وبهذا تعرف أن قوله ﵊: "مروهم بالصلاة لسبع" ليس خطابا من الشرع مع الصبى ولا إيجايا علي مع أن الأمر واجب على الولى. فإن قيل: فلو قال للنبى أوجبت عليك أن توجب على الأمة، وقال للأمة أوجبت عليكم خلافه. قلنا: ذلك يدل على أن الواجب على النبي أن يقول أوجبت لا على حقيقة الإيجاب، فإن أراد حقيقة الإيجاب فهو متناقض بخلاف قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (١) فإن ذلك لا يناقضه أمرهم بالمنع. فإن قيل: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب والتسلم لا يتم إلا بالتسليم. قلنا: لا يجب التسلم بل يجب الطلب فقط ثم إن وجب التسلم فذلك يتم التسليم المحرم وإنما يناقض التسليم انتفاء التسليم في نفسه لانتفاء علته وحكمه. وبالجملة كما أن من أمر زيدا بضرب عمرو فلا يطلب من عمرو شيئا فكذلك إذا أمره بأمر عمدا فلا يطلب من عمرو شيئا. ٢ - الآمدى سار الآمدى على منهج الغزالى في هذه المسألة وضمن كلامه بعض الإضافات. فقد صور الاستدلال بقوله (٢) "إنه لو كان أمرا لذلك الغير لكان ذلك مقتضاء لغة"، ولو كان كذلك لكان أمره ﷺ لأولياء الصبيان بقوله "مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع" أمرا للصبيان بالصلاة من الشارع وليس كذلك لوجهين. الأول أن الأمر الموجه نحو الأولياء أمر تكليف ولذلك يدم الولى بتركه شرعا فلو كان ذلك أيضا أمرا للصبيان لكانوا مكلفين بأمر الشارع فيلحقهم الذم بالمخالفة وهو غير متصور في حقهم لعدم فهمهم لخطاب الشارع بدليل الحديث "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبى حتى يبلغ" وأضاف أنه يمكن رد ذلك بأن يقال الأمر للولى والصبى وإن كان واحدا غير أن نسبته إليهما مختلفة فلا يمتنع اختلافهما في الذم بسبب ذلك. "الثاني: أنه لو كان أمرا للصبى لم يخل إما أن يكون أهلا لفهم الخطاب أولا. فإن كان الأول فلا حاجة لأمر الولى له إلا أن يكون أحد الأمرين تأكيدا. وهو خلاف الأصل. وإن لم يكن أهلا فأمره وخطابه ممتنع بالإجماع.

стр. 8717

ثانيا: عامة الأصوليين وغيرهم ما عدا الجعفرية . لا يخرج ما أورده بقية الأصوليين فيما عدا الجعفرية في استدلالهم ومناقشاتهم عما أورده الغزالى والآمدى في هذه المسألة. ويرجع في ذلك إلى: ١ - مختصر المنتهى لابن الحاجب بشرح العضد جـ ٢ ص ٩٣. التقرير والتحبير للكمال بن الهمام وابن أمير الحاج جـ ١ ص ٣١٩. روضة الناظر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل جـ ٢ ص ٩٦. ٤ - إرشاد الفحول للشوكانى ص ١٠٧. ٥ - شرح طلعت الشمس على ألفية الأصول للإباضية جـ ١ ص ٥٨ وقد أوجز المقام في نهاية بحثه جامعا للمعتمد من رأيهم بقوله (١): "حاصل المقام أننا لا نمنع من أن يكون الأمر بالأمر بالشئ أمر بذلك الشئ إذا دلت القرينة على ذلك وإنما نمنع ذلك عند عدم القرائن". ثالثا: الجعفرية: قال صاحب قوانين الأصول: (٢) الأظهر أن الأمر بالأمر أمر فإذا قال القائل لغيره: مر فلانا أن يفعل كذا أو قل له أن يفعل كذا فهذا أمر للثالث مثل أن يقول: ليفعل فلان كذا لفهم العرف والتبادر. واحتمال أن يكون المراد أوجب عليه من قبل نفسك بعيد مرجوح. ويؤيدة أنا مأمورون بأوامر الرسول ﷺ عن الله تعالى بل إذا اطلع الثالث على الأمر قبل أن يبلغه الثاني ولم يفعل واطلع الآمر على ذلك فيصح أن يعاقبه على الترك وأن يذمه العقلاء على ذلك. وذكر أنه احتج المخالفون بقوله ﷺ : "مروهم بالصلاة" الحديث فإنه لا وجوب على الصبيان إجماعا. وبأن القائل لو قال لغيره مر عبدك بأن يتجر لم يتعد، ولو قال لذلك العبد لا تتجر لم يناقض كلامه الأول. والجواب عن الأول أن الإجماع أوجب الخروج عن الظاهر وعن الثاني أن القرينة دالة على أنه للإرشاد. ولذلك نقول باستحباب عبارة الصبى ونضعف كونها محض التحريم. والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم المرسلين.

стр. 8718

مصطلح "إمساك " تعريف الإمساك لغة: الإمساك مصدر أمسك، تقول: أمسك الشئ يمسكه إمساكا أي حبسه وأمسك عن الأمر كفّ عنه، وأمسك عن الكلام سكت ...... ومسك بالشئ وأمسك به وتمسّك وتماسك واستمسك وامتسك كله بمعنى احتبس واعتصم به. وفى التنزيل: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ (١) أي يؤمنون به ويحكمون بما فيه. وأمسكت واستمسكت وتماسكت أن أقع عن الدابة وغيرها. والمُسّك والمُسْكة ما يتمسك به وما يمسك الأبدان من الطعام والشراب أوما يتبلغ به منهما. ومُسْك جمع مُسّكة كهُمَزَةِ وهو يقال لمن إذا أمسك بالشئ لم يقدر أحد على تخليصه منه ومن المجاز: به إمساك، وهو ممسك ومِسّيك بخيل (٢). تعريفه شرعا: لم يخرج استعمال الفقهاء لكلمة الإمساك عن استعمال أهل اللغة لها، فقد عرفوا الإمساك الذي هو ركن الصوم الشرعى بأنه الكف عن المفطرات. وفى ذلك قال صاحب المجموع من الشافعية: "الصوم هو الإمساك لغة وشرعا، ولا يتميز الشرعى عن اللغوى إلا بالنيّة" (٣). وعبروا عن حبس الجوارح من السباع أو الطير للصيد بإمساكها له على صاحبه، متابعة لما جاء به القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٤). وعبروا أيضا عن حبس المحرِم للصيد في يده أو في ملكه بإمساكه له. ومثل ذلك إمساك الشخص شخصا آخر لمن يجنى عليه في نفسه أو ماله. وإمساك الزوج زوجته مع الإضرار في معاشرتها حتى تفتدى نفسها بما يريده الزوج من مال أو غيره في مقابل طلاقها متابعة لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ (٥) وقوله سبحانه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٦). كما عبروا أيضا بالإمساك في حبس المعقود عليه لاستيفاء الثمن أو الأجرة أو للحفظ وغيره وغير ذلك كثير سيأتي تفصيل أحكامه في هذا البحث (٧).

стр. 8719

حكم الإمساك عن تناول المفطرات في رمضان وغير رمضان: مذهب الحنفية اتفق الحنفية على أن الإمساك - أي الكف والامتناع - عن الأكل والشرب والجماع حقيقة أو حكما هو ركن الصوم الشرعى، لأن الله تعالى أباح الأكل والشرب والجماع في ليالى رمضان بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ أي حتى حتى يتبين لكم ضوء النهار من ظلمة الليل من الفجر ثم أمر بالإمساك عن هذه الأشياء في النهار بقوله : ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (١) فدل على أن ركن الصوم هو الإمساك فلا يوجد الصوم بدونه (٢). والإمساك عن المفطرات المذكورة في أول النهار يقع صوما عندهم سواء وجدت فيه النية أو لم توجد، لأن وقت النية إنما يكون وقت وجود ركن الصوم وهو الإمساك وقت الغداء المتعارف، والإمساك في أول النهار شرط وليس بركن. لأن ركن العبادة ما يكون شاقا على البدن مخالفا للعادة وهوى النفس وذلك هو الإمساك وقت الغداء المتعارف فأما الإمساك في أول النهار فمعتاد فلا يكون ركنا بل يكون شرطا. لأنه وسيلة إلى تحقيق معنى الركن إلا أنه لا يعرف كونه وسيلة في الحال لجواز ألا ينوى وقت الركن. فإذا نوى ظهر كونه وسيلة من حين وجوده، والنية تشترط لصيرورة الإمساك الذي هو ركن عبادة لا لما يصير عبادة بطريق الوسيلة (٣). ويجرى هذا في كل صوم فرضا كان أن نفلا، لأن الصوم لا يتجزأ، ويصير الصائم صائما أول النهار لكن بالنية الموجودة وقت الركن وهو الإمساك وقت الغداء المتعارف. لما ذكرنا أما إذا نوى بعد زوال الشمس فقد خلا بعض الركن عن الشرط فلا يصير صائما شرعا. (٤) هذا كله فيما إذا كان الصوم عينا لصوم رمضان وصوم التطوع خارج رمضان والمنذور المعين. أما إذا كان الصوم دينا كقضاء رمضان وقضاء ما أفسده من نفل وصوم الكفارات بأنواعها والنذر المطلق فلا بد فيه من تعيين النية وتلبيتها ليلا أو وقت طلوع الفجر لتعتبر وما عن ذلك وإلا كان تطوعا (٥) ويجب الإمساك بقية اليوم تشبها بالصائمين ونفيا للتهمة على كل من كان له عذر في صوم رمضان في أول النهار مانع من الوجوب أو قبيح للفطر ثم زال عذره في أثناء النهار وصار بحال لو كان عليه في أول النهار لوجب عليه الصوم ولا يباح له الفطر، وذلك كالحائض والنفساء يطهران بعد طلوع الفجر أو معه. وكذلك يجب الإمساك على الصبى إذا بلغ والكافر إذا أسلم والمريض إذا برأ من مرضه في خلال نهار رمضان. كما يجب الإمساك على

стр. 8720

المسافر في رمضان إذا أقام بعد نصف النهار أو قبله بعد الأكل. أما إذا أقام قبل فوات نصف النهار وقبل الأكل فيه فإنه يجب عليه الصوم وإن كان نوى الفطر. ومثل ذلك المجنون إذا أفاق بعد الأكل أو بعد فوات وقت النية فإنه يجب عليه الإمساك وأما إذا أفاق قبل الأكل وقبل فوات النية فإنه يجب عليه أن يصوم كل من وجب عليه الصوم في أول النهار لوجود سبب الوجوب والأهلية ثم تعذر عليه المضى فيه بأن أفطر متعمدا أو خطأ أو مكرّها أو أصبح يوم الشك مضطرا ثم تبين أنه من رمضان، أو تسحر على ظن أن الفجر لم يطلُع ثم تبين له أنه طلع، أو أفطر وهو يظن أن الشمس قد غربت ثم تبين له خلافه فإنه يجب عليه الإمساك في بقية اليوم تشبها بالصائمين. لأنه إذا لم يمسك وأكل ولا عذر به اتهمه الناس بالفسق. والتحرز عن مواضع التهم واجب، لقوله ﷺ : "من كان يؤمن الله واليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم". وقيل: إمساكهم مستحب لا واجب، ذكر هذا محمد بن شجاع وبعض المشايخ، لقول أبى حنيفة في الحائض تطهر نهارا: لا يحسن أن تأكل وتشرب والناس صيام، ولأنهم مفطرون فعلا فكيف يجب عليهم الكف عن المفطرات والصحيح هو وجوب الإمساك عن المفطرات في كل ذلك، قال ذلك الإمام الصفّار وبعض مشايخ المذهب، لأن محمد بن الحسن ذكر في كتاب الصوم: فليصم بقية يومه والأمر للوجوب، وقال في الحائض إذا طهرت في أثاء النهار: فلتدع الأكل والشرب وهذا أمر أيضا. ومعنى قول أبى حنيفة: "لا يَحْسُنُ لها أن تأكل" تعليل للوجوب: أي لا يحسن بل تَقْبُح. وترك القبيح شرعا من الواجبات، وهذا هو الموافق للدليل. وهو ما ثبت من أمره قل بالإمساك لمن أكل في يوم عاشوراء حين كان صومه فرضا (١). وأجيب عن المعقول: بأن زمان رمضان وقت شريف فيجب تعظيم هذا الوقت بالقدر الممكن إذا كان الشخص أهلا للتشبه. ونفيا لتعريض نفسه للتهمة والإمساك الواجب هنا لا يجب خلفا عن الصوم حتى ينافى الإفطار المتقدم بل يجب قضاء لحق الوقت وحرمته بالتشبه بالصائمين. أما المسافر والمريض فلهما الأكل جهرا رواية واحدة. وفيما عدا هذا لا يجب الإمساك بل يستحب. فقد أجمعوا على أن الإمساك لا يجب على الحائض والنفساء والمريض والمسافر حال قيام الحيض والنفاس والمرض والسفر. وهل تأكل الحائض والنفساء سرا أو جهرا؟. قيل سرا. وقيل: جهرا ولا يجب عليها التشبه بالصائم حال قيام العذر، لأن صومها حرام والتشبه بالحرام حرام. وكذلك يجب الإمساك على الصبى إذا بلغ والكافر إذا أسلم والمريض إذا برأ من مرضه في

стр. 8721

خلال نهار رمضان. كما يجب الإمساك على المسافر في رمضان إذا أقام بعد نصف النهار أو قبله بعد الأكل. أما إذا أقام قبل فوات نصف النهار وقبل الأكل فيه فإنه يجب عليه الصوم وإن كان نوى الفطر. ومثل ذلك المجنون إذا أضاق بعد الأكل أو بعد فوات وقت النية فإنه يجب عليه الإمساك وأما إذا أضاق قبل الأكل وقبل فوات وقت النية فإنه يجب عليه الصوم في الظاهر كالمسافر، فينوى من وقته هذا ويصوم. وقيل: إمساك هؤلاء مستحب لا واجب. ذكر هذا محمد بن شجاع وبعض المشايخ. لقول أبى حنيفة في الحائض تطهر نهارًا: لا يحسن أن تأكل وتشرب والناس صيام، ولأنهم مفطرون فعلا فكيف يجب عليهم الكف عن المفطرات. والصحيح هو وجوب الإمساك عن المفطرات عليهم. قال ذلك الإمام الصفار وبعض مشايخ المذهب، لأن محمد بن الحسن ذكر في كتاب الصوم فليصم بقية يومه والأمر للوجوب، وقال في الحائض إذا طهرت في أثاء النهار: فلتدع الأكل والشرب، وهذا أمر أيضا. ومعنى قول أبى حنيفة: لا يحسن لها أن تأكل. تعليل للوجوب، أي لا يحسن بل يقبح. وترك القبيح شرعًا من الواجبات وهذا هو الموافق للدليل. وهو ما ثبت من أمره ﷺ بالإمساك لمن أكل في يوم عاشوراء حين كان صومه فرضا. وأجيب عن المعقول - وهو كونهم مفطرين فعلا - بأن زمان رمضان وقت شريف فيجب تعظيم هذا الوقت بالقدر الممكن إذا كان الشخص أهلا للتشبه ونفيا لتعريض نفسه للتهمة. والإمساك الواجب هنا لا يجب خلفا عن الصوم حتى ينافى الإفطار المتقدم. بل يجب قضاء لحق الوقت وحرمته تشبها بالصائمين. وكذلك يجب الإمساك عن المفطرات في بقية اليوم تشبها بالصائمين بدون خلاف على كل من وجب عليه الصوم في أول النهار لوجود سبب الوجوب والأهلية ثم تعذر عليه المضيّ فيه بأن أفطر متعمدا أو خطأ أو مكرها أو أصبح يوم الشك مضطرا ثم تبين أنه من رمضان أو تسحر على ظن أن الفجر لم يطلع ثم تبين له أنه طلع، أو أفطر وهو يظن أن الشمس قد غربت ثم تبين له عدم غروبها، لأنه إذا لم يمسك وأكل ولا عذر به اتهمه الناس بالفسق والتحرز عن مواضع التهم واجب. لقوله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم". وفيما عدا هذا لا يجب الإمساك. فقد أجمعوا، على أن الإمساك لا يجب على الحائض والنفساء والمريض والمسافر أثاء قيام الحيض والنفاس والمرض والسفر ووجه ذلك بالنسبة للحائض والنفساء أن الصوم عليها حرام والتشبه بالحرام حرام. وأما المريض والمسافر فلأن الرخصة في حقهما باعتبار الحرج في الصوم فلو لزمناهما التشبه بالصائم عاد ذلك على موضمه بالنقض. ولا يجب الإمساك بقية اليوم تشبها بالصائمين على من قال: لله على أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان فقدم بعد ما أكل الناذر فيه. لأن الوقت لا يستحق التعظيم حتى يجب قضاء حقه بإمساك بقية اليوم.

стр. 8722

وكل من لزمه الإمساك ممن سبق ذكره يجب عليه قضاء ما فاته، سواء أمسك فيه أو لم يمسك إلا الصبى إذا بلغ والكافر إذا أسلم فإنهما إذا أفطرا في يوم البلوغ والإسلام فلا قضاء عليهما لهذا اليوم الذي لم يمسكا بقية نهاره في الظاهر. لأن الصوم غير واجب فيه عليهما بل الإمساك هو الواجب ولا قضاء إلا للصوم. وسواء زال الصبا أو الكفر عنهما قبل الزوال أو بعده في الظاهر. لأن الصوم. لا يتجزأ. وقال أبو يوسف: إذا زال الكفر أو الصبا قبل الزوال فعليه القضاء، لأنه أدرك وقت النية (١). ولا يجب الإمساك على من قال لله عليّ أن أصوم اليوم الذي يُقْدُم فيه فلان، فَقَدَمَ بعد ما أكل الناذر فيه، فلا يجب عليه إمساك بقية اليوم، لأن الوقت لا يستحق التعظيم حتى يجب قضاء حقه بإمساك بقية اليوم. مذهب المالكية: الإمساك عن شهوتى الفم والفرج أو ما يقوم مقامهما في جميع أجزاء النهار مع النية قبل الفجر أو معه إن أمكن هما ركنا الصوم الشرعى. وإذا ثبت رمضان في أثناء النهار كان يثبت بالنقل أنه رأى الهلال في الليلة الماضية عدلان أو جماعة مستفيضة أو حكم حاكم بثبوته وجب الإمساك على المكلف والإمساك، هو المنع والكف عن المفطرات في حق من أفطر فعلا في ذلك اليوم، وكذلك في حق من لم يفطر فيه، لحرمة الزمن. ثم يجب عليه القضاء حتى ولو كان قد نوى الصيام من الليل ولم يفطر لعدم الجزم بالمنوى وإذا ثبت رمضان نهارا وأمسك المكلف عن المفطرات فإنه يمسك من غير نية صوم لأن وقت نية الصوم لابد أن يكون بعد الغروب، فإن نوى نهارا كانت كالعدم فعلى هذا لو أمسك بعد ثبوت رمضان نهارا ونوى صوم رمضان في ذلك الوقت عند إمساكه ولم يُجَدِّد تلك النية لبقية الشهر في وقتها كان صومه كله باطلا. فإن لم يمسك وأفطر متعمدا بأكل أو جماع فإنه يلزمه أن يكفر إن انتهك حرمة رمضان مع علمه بوجوب الإمساك. أما إن كان غير منتهك ذلك بأن اعتقد أنه لما لم يجزه صومه جاز له فطره فلا كفارة عليه. لأن اعتقاده هذا - وإن كان فاسدا - تأويل قريب يرفع عنه عقوية التكفير. ويستحب للمكلف أن يمسك عن الإفطار في أول يوم الشك وهو صبيحة ليلة الثلاثين من شعبان إذا كانت السماء مغيّمة ليلتها ولم تثبت رؤية الهلال فيها - ويستمر على إمساكه هذا بقدر ما جرت العادة فيه بثبوت شهر رمضان من المارِّين في الطريق من المسافرين ونحوهم، وذلك بارتفاع النهار، لأجل أن يتحقق الأمر فيه فإن

стр. 8723

ثبت أنه من رمضان وجب الإمساك والقضاء. وإن لم يثبت أنه من رمضان فإنه يفطر. ولو شهد اثنان عند القاضي برؤية هلال رمضان واحتاج الأمر إلى تزكيتهما والكشف عن حالهما فإنه لا يستحب الإمساك لأجل تزكية الشهود زيادة على الإمساك السابق للتحقق المذكور وهذا مقيد بما إذا كان الكشف عن حالهما يتأخر بعض الوقت. وأما إذا كان ذلك قريبا فاستحباب الإمساك متعين كما قال الحطاب. بل هو آكد من الإمساك في الفرع السابق. قال الدسوقي فى حاشيته على الشرح الكبير: "واعلم أنه إذا كانت الشهادة بالرؤية نهارا أو ليلا وكانت السماء مصحية وأُخر أمرّ التزكية للنهار فلا إمساك أصلا، ولا يجب تبييت نية الصوم وإن كانت السماء مغيِّمة وأخر أمر التزكية للنهار فالمنفى إنما هو الإمساك الزائد على ما يتحقق فيه الأمر. وإن زكيا بعد ذلك أمر الناس بالإمساك والقضاء". وكذلك لا يستحب الإمساك لمن كان مفطرا لأجل عذر يباح لأجله الفطر مع العلم برمضان ثم زال عذره. وذلك مثل ما إذا قدم المسافر من سفره الذي يجوز له الفطر فيه نهارا حالة كونه مضطرا، أو طهرت الحائض أو النفساء في أثناء نهار رمضان فإنه يباح لهم الأكل في بقية يومهم ولا يستحب لهم الإمساك فيه. وكذلك مجنون ومغمى عليه أفاقا ومُرْضِعُ مات ولدُها خلال نهار رمضان. ومريض صح من مرضه؛ ومضطرٌ لفطر بسبب جوع أو عطش فأفطر لذلك. وصبي بلغ في أثاء النهار وكان قد بيّت نية الفطر أو بيت نية الصوم وأفطر عمدا قبل بلوغه أو لم ينو صوما ما ولا فطرا، فكل هؤلاء لا يستحب لواحد منهم الإمساك ويجوز لهم التمادى على تعاطى المفطر، سواء كان أكلا أو شربا أو جماعا. أما لو بيّت الصبى نية الصوم واستمر صائما حتى بلغ أو أفطر ناسيا وأمسك فإنه يجب عليه الإمساك في هاتين الصورتين. ولا قضاء عليه فيهما ولا قضاء عليه أيضا في الصور الثلاث السابقة التي لا يستحب إمساكه فيها. وكذلك يجب الإمساك على من أفطر مكرها ثم زال الإكراه فإذا أفطر المكرّه بعد زوال الإكراه وجب عليه القضاء والكفارة إلا أن يتأوَّل. كما يجب الإمساك على من أفطر ناسيا أو لكون اليوم يوم شك ثم ثبت أنه من رمضان لأن كلا من النسيان والشك عذر يباح لأجله الفطر لكن لا مع العلم برمضان وإذا أسلم الكافر في أثناء نهار رمضان فإنه يستحب له الإمساك في بقية ذلك اليوم لتظهر علامة الإسلام بسرعة، وإنما لم يجب عليه الإمساك ترغيبا للإسلام، ويستحب له أيضا قضاء هذا اليوم، سواء أمسك بقية اليوم أو لم يمسك، وهو الظاهر من كلامهم. ومن أكل أو شرب فتبين أنه فعل ذلك وقت طلوع الفجر يمسك عن الأكل والشرب ويجزيه الصومُ فلا يكون عليه قضاء هذا اليوم على المشهور. وهذا كله في إمساك المفطر لعذر ثم زال عذره.

стр. 8724

أما إذا كان الشخص صائما فعلا وأفطر لغير عذر فإنه يترتب على إفطاره هذا عدة أمور: منها الإمساك. وغير المعذور هو من أفطر عمدا أو غَلبَةٌ أو نسيانا. وحكم إمساك هذا الشخص يختلف باختلاف الصوم الذي أفطر فيه. فإما أن يكون نفلا أو فرضاء والفرض إما معين أو غير معيّن؛ وغير المعيّن إما واجب التتابع أو غير واجب التتابع. فالصوم التطوع والنفل يجب فيه الإمساك إن كان الفطر فيه غلبة أو نسيانا. وكذا إن كان عمدا على قول مرجوح أنكره ابن عرفة. قال: لا يجب الإمساك إن أفطر فيه عمداء وهو الراجح، لعدم الفائدة مع وجوب القضاء. والفرض المعين كرمضان والنذر المعين يجب فيه الإمساك بقية اليوم مطلقا اتفاقا، سواء كان عمدا أو سهوا وإن كان فرضا لم يتعين وقته فإن وجب تتابعه ككفارة الظهار والقتل ولم يتعمد الفطر بأن أفطر غلبة أو نسيانا في أول يوم فإنه يستحب له الإمساك بقية يومه ثم يستأنف صيام الشهرين، لعدم الفائدة، إذ هو يجب قضاؤه ولا يؤدى إفطاره لفساد شئ أما إن أفطر ناسيا في أثناء الشهرين فبناء على قول من قال: إن الفطر ولو نسيانا يقطع التتابع ويُسقط حكمٌ الصوم الماضي له أن يفطر. والأولى الإمساك. وأما على القول الآخر بأن الفطر نسيانًا لا يقطع تتابع هذه الصوم - وهو الراجح فيجب الإمساك كالفطر نسيانا في التطوع. فإن تعمد الفطر لم يكن عليه إمساك لا وجوبا ولا ندبا لفساد جميع صومه الذي فعله ولو كان فطره في آخر يوم منه؛ فلا فائدة في إمساكه حينئذ. أما إذا كان الصوم فرضا لم يتعين وقته ولم يجب تتابعه ككفارة اليمين والنذر المضمون أي غير المعين وقضاء رمضان وجزاء الصيد وفدية الأذى فإنه يكون بالخيار بين الإمساك وعدمه وإن كان يستحب له الإمساك بقية اليوم في الظاهر. وسواء في كل هذا أن يكون عمدا أو نسيانا أو غلبة؛ لأنه يجب عليه القضاء في الجميع هذا ويجب قضاء الفرض من كل هذا على تفصيل ينظر في (مصطلح صوم). (١) مذهب الشافعية: إمساك المسلم المميز عن المفطرات من أول النهار إلى آخره بالنية سالما من الحيض والنفاس ومن الإغماء والسكر في بعضه من أركان الصوم الشرعى (٢). وجاء في تحفة المحتاج. أن الإمساك هذا يعتبر أيضا شرطا لصحة الصوم (٣) ويجب إمساك جزء من الليل بعد غروب الشمس ليتحقق به استكمال النهار (٤). والأصح أن الإمساك يجب على من أفطر يوم الشك - وهو يوم الثلاثين من

стр. 8725

شعبان إذا ثبت في أثناء النهار كونه من رمضان، لأن صومه كان واجبا عليهم إلا انهم جَهِلوه فيلزمهم الإمساكُ وجوبا بقية النهار. وقيل: لا يجب عليهم الإمساك؛ لأنهم أفطروا لعذر، فلم يلزمهم الإمساك بقية النهار كالحائض إذا طهرت خلال نهار رمضان. ولو ثبت أن يوم الشك من رمضان قبل الأكل فحكى المتولى في وجوب الإمساك القولين وجزم الماوردى بوجوب الإمساك قولا واحدا، وبوجوبه أيضا قطع الأكثرون من العراقيين والخراسانيين. ويستحب لهم نية الصيام إن ثبت أن يوم الشك من رمضان قبل إفطارهم: قال المتولى: "وإذ أوجبنا الإمساك فأمسك فهل هو صوم شرعى أم لا؟. فيه وجهان حكاهما صاحب الحاوى وصاحب الشامل وآخرون، واتفقوا على أن الصحيح أن الإمساك ليس بصوم شرعى وإنما هو إمساك شرعى لأنه لا يجزئه عن صوم رمضان ولا عن غيره، فالمعتمد وجوب قضاء هذا اليوم فورا عقب يوم العيد. قال صاحب الشامل: وحكى الشيخ أبو حامد عن أبى إسحاق المروزى: إنه إذا لم يكن أكل ثم أمسك يكون صائما من حين أمسك. ويكون إمساكه صوما شرعيا وذكر مثل ذلك أيضا صاحب الحاوى. ولا يجب الإمساك على أحد برؤية الهلال نهارا يوم الثلاثين من شعبان ولو قبل زوال الشمس؛ لأن رؤيته نهارا تكون لليلة المستقبلة لا الماضية، فلا يمسك من رآه عن المفطرات. ومن أصبح معيّدا في بلد رؤى فيه هلال شوال ثم سافر إلى بلد مَطلَعُه مخالف لمطلع بلده فوجد أهلها صائمين لأنهم لم يروا الهلال فإنه يجب عليه الإمساك بقية اليوم في الأصح لأنه بالانتقال إليهم صار منهم. وقيل: لا يجب عليه الإمساك، لأنه لزمه حكم البلد الأول فيستمر عليه. قال الرافعى: وتتصور هذه المسألة في صورتين؛ (إحداهما) أن يكون ذلك اليوم هو يوم الثلاثين من صوم أهل البلدين لكن المنتقل إليهم لم يروا هلال شوال. (والثانية) أن يكون هذا اليوم هو التاسع والعشرين من صوم المنتَقَلَ إليهم لتأخر ابتداء صومهم بيوم عن صوم أهل البلد التي سافر منها. ولو كان الأمر عكس ذلك بأن أصبح صائما فسارت به سفينة أو نحوها إلى قوم معيِّدين لرؤيتهم هلال شوال فإن عممنا الحكم أو قلنا له حكم البلد المنتقل إليها أفطر وعَيَّد معهم ولزمه قضاء يوم، لأنه لم يصم إلا ثمانية وعشرين يوما. وإن قلنا له حكم البلد الأول ولم نعمم الحكم لزمه الصوم. ومن أفطر في نهار رمضان من غير عذر عامدا مختارا عالما بالتحريم بأن أكل أو شرب أو باشر فيما دون الفرج وانزل أو استمنى فأنزل أو ارتد يجب عليه إمساك بقية النهار، لحرمة الوقت وتشبيها بالصائمين مع عدم العذر فيه. ولأنه بعض ما كان يجب عليه. وذلك مع الاثم ووجوب القضاء وكذلك يجب الإمساك على من نوى الخروج من الصوم على القول بأن الصائم

стр. 8726

يخرج من صومه إذا نوى ذلك ولو لم يفطر فعلا. وكذلك من نسى نية صوم يوم من رمضان ليلا حتى طلع الفجر فإنه يلزمه الإمساك أيضا على الأظهر لأن نسيانه النية يشعر بعدم الاهتمام بأمر العبادة فهو نوع تقصير، ويجب قضاء هذا اليوم لأنه لم يصمه. وكذلك يجب الإمساك على من ظن بقاء الليل فأكل أو جامع ثم ظهر أنه فعل ذلك بعد طلوع الفجر. ويستحب الإمساك بقية النهار لمريض شفى من مرضه في أثناء نهار رمضان، ولمسافر قدم من سفره كذلك حالة كونهما مفطرين، لحرمة الوقت. وإنما لم يجب عليهما الإمساك، لأن الفطر مباح لهما مع العلم بحال اليوم؛ وزوال العذر بعد الترخص لا أثر له. فإن لم يمسكا يستحب لهما إخفاء الإفطار لثلا يتعرضا إلى التهمة أو العقوبة ومحل هذا فيمن يخشى عليه ذلك دون من ظهر سفره أو مرضه الزائل بحيث لا يخشى عليه ذلك. ولو زال عذرهما قبل أن يتناولا مفطرا ولم ينويا الصيام بالليل فكذلك لا يجب عليهما الإمساك في المذهب. لأن من أصبح تاركا للنية فقد أصبح مفطرا حقيقة فكان كمن أكل فعلا. وقيل: يجب عليهما الإمساك، حرمة لليوم. ومنهم من قطع بالأول، وهو عدم وجوب الإمساك عليهما. قال ذلك القاضي أبو الطيب في المجرد والدارمى والماوردي وآخرون. أما إذا نويا الصيام ليلا فالأصح عند القاضي أبى الطيب وجمهور الأصحاب أنه يجب عليهما إتمام صومهما ولا يجوز لهما الفطر فيه. ومن أفطر لجوع أو عطش خاف ضرره فنقل بعضهم عن بعض شروح الحاوى الصغير: أنه يلزمه الإمساك بعد إفطاره لدفع ذلك الضرر. وقيل: لا يلزمه الإمساك كالمسافر والمريض بجامع عدم التعدى بالفطر، وعدم التقصير وهذا هو ما يؤخذ من كلام مشايخ المذهب. ولو بلغ الصبى مفطرا أو أضاق المجنون أو أسلم الكافر في أثناء نهار يوم من رمضان لم يلزمه الإمساك في الأصح، لعدم التزامهم بالصوم، والإمساك تبع له ولأن غير الكافر منهم أفطر بعذر فأشبه المريض المسافر. وكذلك الكافر وإن أفطر لغير عذر إلا أنه لما أسلم جعل كالمعذور فيما فعل في حال الكفر. وكذلك لا قضاء عليهم أيضا في الأصح، لأنهم لم يُدركوا زمنا يسع الأداء وإتمامه خارج الوقت غير ممكن. وقيل: يلزمهم الإمساك والقضاء. وقيل: يلزمهم الإمساك دون القضاء. وقيل: يلزمهم القضاء فقط. أما الإمساك فلا يلزمهم. ويستحب لهم الإمساك والقضاء خروجا من الخلاف. وكذلك إن طهرت الحائض والنفساء في أثناء نهار رمضان فإنه يستحب لكل منهما الإمساك عن المفطرات بقية النهار ولا يلزمهما ذلك. لما سبق ذكره من دليل. هذا هو المذهب في حكم إمساكهما. وبه قطع

стр. 8727

الجمهور. ونقل إمام الحرمين وغيره اتفاق الأصحاب عليه. وحكى صاحب العدة في وجوب الإمساك عليهما خلافا كالمجنون والصبى. وهو شاذ مردود. هذا في حال ما إذا طهرت في خلال نهار رمضان أما في حال الحيض أو النفاس فيحرم عليها الصوم ويجب قضاؤه بالإجماع. ولو أمسكت عن المفطرات حال الحيض أو النفاس بدون نية الصوم لم تأثم. وإنما تأثم إذا نوت الصوم وإن كان لا ينعقد. والقادر على صوم بعض يوم دون كله لا يلزمه إمساكه. وإذا كان لا يلزم الإمساك واحدا من هؤلاء المذكورين فإنه يستحب له ألا يأكل أمام من لا يعرف عذره، لأنه إذا تظاهر بالأكل عرّض نفسه للتهمة وعقوية الحاكم. ولو بلغ الصبى في خلال نهار رمضان صائما بأن نوى الصيام ليلا وأصبح صائما فعلا فإنه يلزمه إتمامه. ويستحب قَضاؤه، لأنه صار من أهل الوجوب في أثثاء العبادة فلزمه إتمامها، فإن أفطر فيه بعد بلوغه لزمه قضاؤه. وقيل: يستحب له إتمامه، لأنه صوم نفل فاستحب إتمامه، ويجب قضاؤه والإمساك عن المفطرات بقية النهار تشبيها بالصائمين من خواص شهر رمضان. لشرف وقته ولأن وجوب الصوم فيه بطريق الأصالة بخلاف صوم النذر والقضاء والكفارة ونحوه. فلا إمساك على صائم ذلك بقية النهار حتى ولو أفطر بدون عذر لانتفاء شرف الوقت عنه، ولذا لم تجب في إفساد صوم ذلك كفارة. وهذا كله متفق عليه. ولو أصبح الشخص ممسكا فنذر صوم يومه هذا ففى لزوم الوفاء بهذا النذر قولان: قال إمام الحرمين: والذي أراه لزوم الوفاء، وأقره الشيخان - الرافعى والنووى والممسك عن المفطرات خلال نهار رمضان ليس في صوم شرعى، ومع ذلك يثبت له أحكام الصائمين. فيكره له شم الرياحين ونحوهاء ويؤيده كراهة السواك في حق الممسك بعد زوال الشمس على المعتمد. والمأمور بالإمساك عن المفطرات تشبيها بالصائمين يشاب على فعله وإن لم يكن في صوم بشرعى فإن ارتكب خلال الإمساك محظورا أو تضاف فلم يمسك فلا شئ عليه في ذلك، بلا خلاف سوى الإثم، لمخالفته الواجب. (١) وذلك إذا كان الإمساك واجبا. مذهب الحنابلة: الإمساك عن المفطرات مع النية هما الصوم الشرعى. فمن نوى الصوم ليلا ثم جن أو أغمى عليه جميع النهار لم يصح صومه لأن الصوم عبارة عن الإمساك مع النية، ولم يوجد إمساك عن قصد، كما دل عليه قوله في الحديث القدسى: "إنه ترك طعامه وشرابه من أجلى" فلم تعتبر النية متفردة عن الإمساك. وإن أفاق

стр. 8728

المجنون أو المغمى عليه جزءا من اليوم الذي بيّت له النية صح صومه، لقصد الإمساك في جزء من النهار كما لو نام بقية يومه. وإذا قامت البينة برؤية هلال رمضان في أثناء النهار ولو في موضع آخر فإنه يجب الإمساك بقية النهار عن كل ما يفسد الصوم على كل من يجب عليه الصوم ولو لم يبيتوا النية أو أفطروا فيه جهلا، وذلك لتعذر إمساك جميع النهار فوجب أن يأتوا بما يقدرون عليه، لحديث:"إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". ويلزمهم القضاء لثبوته من رمضان، ولم يأتوا فيه بصوم صحيح فلزمهم قضاؤه. وهذا الإمساك خاص بشهر رمضان، لحرمة وقته. أما إن نذر صوم شهر معين فلا يجب عليه الإمساك إذا ثبتت رؤية هلاله في أثناء النهار على من أكل فيه أو لم يبيت النية. ويلزم الإمساك كلّ من أفطر والصوم واجب عليه كالفطر لغير عذر، ومن ظن أن الفجر لم يطلع ثم تبين أنه طلع، أو أن الشمس قد غابت ولم تغب، والناسي للنية ونحوهم بغير خلاف بينهم. وإن بلغ الصغيرُ ذكرا كان أو أنثى - في أثناء يوم من رمضان وهو مفطر أو أفاق المجنون أو أسلم الكافر في خلال النهار فإنه يلزمهم الإمساك في إحدى الروايتين، لأنه معنى لو وجد قبل الفجر أو جبال الصيام فإذا طرأ بعد الفجر أوجب الإمساك كقيام البينة برؤية الهلال. والثانية - لا يلزمهم الإمساك لأنه أبيح له الفطر أول النهار ظاهرا وباطنا، فإذا أفطر كان استدامة الفطر كما لو دام العذر. وهل يجب عليهم قضاء هذا اليوم؟ فيه روايتان أيضا. وذلك ما لم يبلغ الصبي صائما وقد نوى الصيام من الليل فيتم صومه ويجزي عنه، فلا قضاء عليه عند القاضي، لأنه نوى الصيام من الليل فأجزأه كالبالغ، ولا يمتنع أن يكون أوّله نفلا وباقيه فرضا. واختار أبو الخطاب وجوب القضاء عليه، لأنها عبادة بدينة بلغ في أثنائها بعد مضى بعض أركانها فلزمه إعادتها كالصلاة والحج. وكذلك كل من صار في أثناء يوم من رمضان أهلا لوجوب الصوم عليه، فإنه يلزمه إمساك ذلك اليوم وقضاؤه لحرمة الوقت، ولإدراكه جزءا من وقته. وإن طهرت الحائض أو النفساء أو قدم المسافر مفطرا فعليهم القضاء. وفي الإمساك روايتان سبق ذكر وجهيهما والاختلاف في ذلك كالاختلاف في مسألة الصبي إذا بلغ مفطرا والكافر إذا أسلم والمجنون إذا أفاق فكذلك الحكم في هؤلاء. وإن تعمد مقيم الفطر، أو تعمدت طاهرة الفطر فسافر المقيم بعد فطره هذا أو حاضت أو نفست الطاهرة بعد فطرها هذا فإنه يلزم كل

стр. 8729

منهما إمساك ذلك اليوم مع السفر والحيض والنفاس نصا عقوبة، وكذلك يلزمهما القضاء. وكل من لزمه الإمساك - كمن لم يعلم برؤية الهلال إلا بعد طلوع الفجر أو نسى النية أو أكل عامدا - إذا جامع فعليه الكفارة لهتكه حرمة زمن رمضان بذلك. فإذا كفّر ثم أعاد الجماع في نفس اليوم الذي لزمه الإمساك فيه فإنه تلزمه كفارة أخرى. والإمساك عن المفطرات وكلِّ ما يفسد الصوم خاص بشهر رمضان، فلا يلزم الإمساك من أفطر في صوم واجب غير رمضان. لعدم حرمة الوقت. والإمساك عن المفطرات دون الصوم الشرعى خصوصا فيما فيه خلاف في وجوبه. (١) مذهب الظاهرية: قال ابن حزم: الإمساك عن الأكل والشرب وتعمد القئ وعن الجماع والمعاصى مع النية هما الصوم الشرعى. (٢) ولا معنى للإمساك عن المفطرات في يوم الشك - وهو اليوم الأخير من شهر شعبان انتظارا لظهور كونه من رمضان أم لا، لأنه إن كان إمساكه بنية الصوم فقد خالف أمر النبي ﷺ بترك صومه وواقع النهى. فقد روى عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا يتقدمّن أحدُكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجلٌّ كان يصوم صوما فليصمه" (٣). وإن كان انتظاره وإمساكه بغير نية الصوم فهو عناء لا مُعنى له. وترك المفطرِ الأكلّ عمل فارغا (٤). ومن نسى أن ينوى الصيام من الليل في رمضان فأى وقت ذكر من النهار التالى لتلك الليلة - سواء أكل وشرب وجامع أو لم يفعل شيئا من ذلك فإنه ينوى الصوم من وقت تذكره، ويمسك عما يمسك عنه الصائم، ويجزئه صومه ذلك تاما. ولا قضاء عليه حتى ولو لم يبق عليه من النهار إلا مقدار النية فقط فإن لم ينو كذلك لا صوم له، وهو عاص لله تعالى متعمد لإبطال صومه ولا يقدر على القضاء. وكذلك من جاءه الخبر بأن هلال رمضان رؤى البارحة أو اليوم قبل زوال الشمس فسواء أكل وشرب وجامع أو لم يفعل شيئا من ذلك، في أي وقت جاء الخبر من ذلك اليوم ولو في آخره كما

стр. 8730

سبق - فإنه ينوى الصوم ساعة صح الخبر عنده ويمسك عما يمسك عنه الصائم ويجزئه صومه. ولا قضاء عليه فإن لم يفعل فصومه باطل وكذلك أيضا من عليه صوم نذر معين في يوم بعينه فنسى النية وتذكرها بالنهار فكما قلنا ولا فرق. وكذلك من نسى النية في ليلة من ليالى الشهرين المتتابعين الواجبين ثم تذكر بالنهار وكذلك من نام قبل غروب الشمس في رمضان فلم ينتبه إلا بعد طلوع الفجر أو في شئ من نهار ذلك اليوم ولو في آخره فكما قلنا أيضا آنفا سواء بسواء ولا فرق في شئ أصلا. وبرهان ذلك قول الله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم﴾ (١) وكذلك قول رسول الله ﷺ : "رفع عن آمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" وكل مَنْ ذكر ناسٍ أو مخطئ غير عامد فلا جناح عليه. ولِمَا روى عن الرُبَيِّع بنت مُعَوِّذ قالت: "أرسل رسول الله ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة "من كان أصبح صائما فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطرا فليتم بقية يومه" (٢). ولما روى عن سلمة بن الأكوع قال: "أمر النبي ﷺ رجلا من أسلم أن أذن في الناس: أن من أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم فإن اليوم يوم عاشوراء". (٣) وروى أن قوما شهدوا بالهلال بعد ما أصبحوا فقال عمر بن عبد العزيز: "من أكل فليمسك عن الطعام، ومن لم يأكل فليصم بقية يومه". ورُوى مثل هذا عن عطاء وغيره (٤). ومن أسلم بعد ما تبين الفجر له أو بلغ كذلك أو رأت المرأة الطهر من الحيض أو من النفاس كذلك أو أفاق المجنون أو برأ المريض أو قدم المسافر بعد الفجر فإنهم يأكلون باقى نهارهم ويجامعون من نسائهم من لم تبلغ أو من طهرت في يومها ذلك، ويستأنفون الصوم من غدٍ، لأنه صح أنهم في هذا اليوم غيرُ صائمين أصلا، وإذا كانوا غير صائمين فلا معنى لإمساكهم ولا أن يُؤمَروا بصوم ليس صوما أصلا ولا هم مؤدون به فرضا لله تعالى ولاهم عاصون له بتركه.

стр. 8731

ولا قضاء على من أسلم أو بلغ أما غيرهما ممن ذكر فيجب عليهم قضاء هذا اليوم وغيره مما سبق خلال قيام عذرهم. (١) ومن تعمد الفطر في يوم من رمضان عاصيا لله تعالى فإنه يلزمه الإمساك عن المفطرات في باقى ذلك اليوم فلا يحلّ له أن يأكل ولا أن يشرب ولا أن يجامع في باقيه وهو عاص لله تعالى إن فعل .. وهو مع ذلك غير صائم بخلاف من ذكر قبل هذاء لأنه إما شخص منهى عن الصوم وإما مباح له ترك الصوم فهم في إفطارهم مطيعون لله تعالى غير عاصين له بذلك. وأما من تعمد الفطر عاصيا فهو مفترض عليه بلا خلاف صوم ذلك اليوم ومحرم عليه فيه كل ما يحرم على الصائم، ولم يأت نص ولا إجماع بإباحة الفطر له إذا عصى بتعمد الفطر، فهو باق على ما كان حراما عليه، وهو متزيّد من المعصية متى تزيد فطرا، ولا صوم له مع ذلك (٢). مذهب الزيدية: الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس مع النية من شرائط الصوم الشرعى (٣). ولا يجب الإمساك عن المفطرات في يوم الشك وهو يوم الثلاثين من شعبان مع الغيم فإن انكشف يوم الشك من رمضان بأى سبب من الأسباب أمسك من حصل له هذا الانكشاف عن المفطرات وجوبا في بقية يومه وإن كان قد أفطر بناء على أنه يوم الشك وإنما وجب الإمساك ولو قد أفطر. لأنه بمنزلة من أفطر ناسيا في وسط النهار، والجامع بينهما أنهما مخطئان بالأكل في علم الله، وعليه أن يقطع بالنية. إذ لا يكفى الإمساك بدون قطع. وأما إذا لم يكن قد أفطر فإنه يلزمه إتمام الصوم وينوى أنه من رمضان مهما بقى جزء من النهار يسع النية، ويجزيه ذلك عن رمضان ولو كان قد نواه عن غيره. وهذا عند من لم يشترط تبييت نية الصوم. أما عند من شرط ذلك فوجهان: (أحدهما) - يلزمه الإمساك، إذ لا عذر له، ولا يجزيه إمساكه هذا عن رمضان بناء على وجوب تبييت النية، كال ذلك المؤيد بالله. (والثانى) لا يلزمه الإمساك أيضا كحائض طهرت في خلال نهار رمضان. (٤) وكل من جاز له الإفطار لعذر فزال ذلك العذر وفى اليوم بقية فإنه يستحب له أن يمسك عن المفطرات بقية اليوم وإن كان قد أفطر قبل ذلك، رعاية لحرمة شهر رمضان. ولئلا تلحقه تهمة المفطر عمدا، وذلك كالحائض أو النفساء إذا طهرت في خلال نهار رمضان فإنها تمسك استحبابا، إذ بطل صوم أول اليوم؛ ويلزمها قضاء الصوم. وكذلك الصبى إذا بلغ في خلال نهار رمضان والمجنون الأصلى إذا أفاق والكافر إذا أسلم لا

стр. 8732

يلزمهم الإمساك وإن كان يستحب لهم. وقال الإمام يحيى: يلزم الكافر فقط إذا أسلم الإمساكُ تشبها بالصائم. لأنه ترك أول اليوم بدون عذر. ولا يقضى الصبى هذا اليوم الذي بلغ في خلاله على المذهب، إذ القضاء فرع الوجوب واليوم لا يتبعض. وقال أبو طالب: وكذا كافر أسلم في خلال يوم من رمضان لا يجب عليه أن يقضيه وقال الإمام يحيى: يجب على الكافر قضاء اليوم الذي أسلم في خلاله إذ كان مكلفا كالحائض. وكذلك يستحب الإمساك عن المفطرات لمن أكره على الفطر فأفطر؛ ومن خشى العطش فأفطر ومن أفطر عمدا في خلال نهار رمضان فإنه يلزمه الإمساك عن المفطرات بقية اليوم للحرمة وكذلك إذا أفطر ناسيا أو جامع ناسيا فإنه يجب عليه الإمساك عن المفطرات بقية اليوم؛ لحرمة الوقت، وعدم فساد صومه. وقيل: لا يجب عليه الإمساك. لفساد صومه. لأنه لم يمسك عن المفطرات، وإذا لم يمسك عنها لم يكن صائما، ويلزمه قضاء الصيام. أما من يقضى صوما وأفطر عمدًا أو نسيانا في خلال نهار صومه فلا يلزمه الإمساك عن المفطرات بقية يومه الذي أفطر فيه، لأنه لا حرمة لوقته .. وصيام النذر الممين كرمضان في كل ذلك. وكذلك يلزم الإمساكُ عن المفطرات مسافرا ومريضا لم يفطرا في أول اليوم حتى زال عذرهما وهما ممسكان. لإمكان الإنشاء. وكذلك من جن جنونا طارئا أول اليوم يلزمه الإمساك إذا أفاق في أثنائه قبل أن يفطر لأن الجنون العارض يشبه المرض. وكذلك كل من رخص له في الإفطار ولو صام صح منه الصوم كالمرتد إذا ارتد بعد عقد الصوم فإنه يلزمه الإمسااك إذا أسلم قبل أن يفطر: لانعقاد الصوم منه في أول اليوم، وكذلك المكرَه إذا زال عذره قبل أن يفطر. وأما المرضعة أو الحامل إذا خافت الضرر في أول اليوم على الرضيع أو الجنين وأمنت عليهما في آخره ولم تفطر فإنه يلزمها الإمساك عن المفطرات وتنويه عن رمضان مع أنه لا يصح منها الصوم في أول اليوم. وإذا خرج المسافر من العمران فلو خرج من الميل فأفطر ثم أضرب عن السفر لم يلزمه الإمساك عن المفطرات بقية اليوم بل يستحب فقط، ذكر هذا السيد يحيى لأنه بمنزلة المسافر الذي انقطع سفره في خلال نهار رمضان فإنه لا يلزمه الإمساك بقية اليوم الذي انقطع فيه سفره إذا كان قد أفطر بالفعل، لأنه غير مخطئ في علم الله. وإنما يستحب له ذلك. وكذلك يستحب الإمساك للمريض إذا صح من مرضه في خلال نهار رمضان بعد إفطاره. وإذا أمسك المكلف عن المفطرات بنية صوم الوصل كان ذلك الصوم - أي صوم اليوم الثاني - محظورا.

стр. 8733

والإمساك عند من شرطه وجعله واجبا في بعض المواضع ليس صوما شرعيا. وفى الثواب على الإمساك عن المفطرات بدون نية الصوم وجهان. (١) مذهب الإمامية: الإمساك عن المفطرات من أول طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس مع النية هو الصوم الشرعى وتجب نية الإمساك عن جميع المفطرات فإن نوى الإمساك عن بعض المفطرات دون البعض بطل صومه وإن تخيل أن هذا البعض غير مفطر. وإذا أصبح المكلف يوم الشك - وهو يوم الثلاثين من شعبان - بنية الإفطار ثم ثبت أنه من شهر رمضان لقيام البينة على ذلك فإن كان بعد. زوال الشمس وجب عليه الإمساك بقية النهار، ويجب عليه قضاء هذا اليوم وإن لم يتناول شيئا من المفطرات المذكورة. وإن ثبت ذلك قبل زوال الشمس وقبل أن يتناول شيئا من المفطرات المذكورة فإنه ينوى الصيام من وقت ثبوت ذلك ويصوم، ويجزئه صيامه فلا يجب عليه قضاؤه. أما إذا أصبح يوم الشك مفطرا ثم ظهر أن هذا اليوم من رمضان فإنه يجب عليه إمساك باقيه؛ ويجب عليه قضاؤه. (٢) ولو أصبح المكلف بنية الإفطار مع علمه بأن هذا اليوم من شهر رمضان ووجوبه عليه ثم جدد نية الصوم خلال النهار لم يجزئه ذلك سواء كان ذلك قبل الزوال أو بعده ووجب عليه الإمساك هذا اليوم؛ سواء أفطر فيه أو لم يفطر. ولو ترك المكلف النية عامدا حتى زالت الشمس وجب عليه الإمساك والقضاء قال صاحب تحرير الأحكام: وهل يثاب على الإمساك؟، الوجه عندى أنه يثاب ثواب الإمساك لا ثواب الصوم. ولو منع مكلفٌ مكلفًا عما يجب الإمساك عنه من المفطرات فإن نوى الصوم مع ذلك كان في حكم الصائم، وإن لم ينوه وجب القضاء (٣). ولو قدم المسافر بلده أو بلدا نوى الإقامة فيه عشرا قبل الزوال. أو برئ المريض قبل الزوال وهما ممسكان لم يتناولا شيئا من مفسدات الصوم فإنه يجب عليهما إتمام الصوم ويجرئهما. (٤) ولو عرف المسافر أنه يصل بلده أو موضعَ إقامته قبل زوال الشمس جاز له الإفطار وإن أمسك حتى دخل بلده وأتم صومه كان أفضل. (٥) والإمساك عن المفطرات تشبيها بالصائمين واجب أيضا على كل متعمد بالإفطار في شهر رمضان وإن كان إفطاره للشك؛ وذلك لحرمة الوقت. (٦)

стр. 8734

ويستحب الإمساك عن المفطرات بقية النهار في سبعة مواطن: (الأول) المسافر إذا قدم بلده أو بلدا يعزم الإقامة فيه عشرا فما زاد بعد الزوال أو قبله وكان قد تناول مفطرا. (الثاني) المريض إذا برأ قبل الزوال أو بعده وقد أفطر. وكذلك يستحب لهما الاستمرار على الإمساك إذا زال عذرهما بعد زوال الشمس وهما ممسكان بدون نية الصوم. أما إذا كانا قد نويا صيام ذلك اليوم فبالنسبة للمسافر يجب عليه الإمساك ويعتد بصومه هذا. أما المريض فيستحب له الإمساك أيضا، لأن صومه لا يصح، وفى كل الأحوال يلزمهما القضاء فيما عدا الصورة التي يعتد بصوم المسافر فيها. (الثالث) و (الرابع) الحائض والنفساء إذا طهرتا في أثاء نهار رمضان. سواء كان قبل زوال الشمس أم بعده، وسواء كانتا قد تناولتا مفطرا قبل الطهر أم لا وكذلك يستحب الإمساك تأدبًا للطاهرة إذا جاءها أحد الدمين ولو في آخر جزء من النهار ويبطل صوم ذلك اليوم،؛ فلو أمسكت إحداهما ونوت الصوم لم ينعقد؛ سواء علمت بالتحريم أم لم تعلم، ويجب عليهما القضاء عن الطهر في كل الأحوال وإن أمسكتا. (الخامس) الصبى إذا بلغ بعد طلوع الفجر الثاني، ويستحب له الإمساك سواء كان مفطرا أو صائما، ولا قضاء عليه، ذكر هذا صاحب تحرير الأحكام. وقال صاحب الخلاف في الفقه: إن كان الصسبى نوى الصوم من أول اليوم الذي بلغ في أثنائه وجب عليه الإمساك. (السادس) المجنون أو المغمى عليه إذا أفاق بعد طلوع الفجر وإن لم يتناول مفطرا. (السابع) الكافر إذا أسلم بعد طلوع الفجر. وقيل: إذا أسلم الكافر قبل الزوال وجب عليه الصوم. فإن تركه قضى. والأول وهو استحباب الإمساك له - أشبه (١). مذهب الإباضية: إمساك المكلف بالنية من الليل عن تناول الطعام والشراب وكل ما يصل الجوف، والاستمناء والجماع والكبائر من الفجر إلى المغرب تقربا إلى الله تعالى هو الصوم الشرعى. (٢) ويستحب الإمساك يوم الشك عما يفسد الصوم إلى رجوع الرّعاة ضحى، لعله يوجد خبر من راع أو غيره يزيل الشك عن هذا اليوم.

стр. 8735

والإمساك إلى ذلك الوقت هو من السنّة اتفاقا وليس بواجب. وقيل: يندب الإمساك عن المفطرات المذكورة يوم الشك إلى أن يشتد وقع الشمس على الدواب. وقيل: يندب الإمساك يوم الشك كلّه. وإذا أمسك المكلف يوم الشك ثم ثبت أن ذلك اليوم من رمضان ففى صحة صومه وعدم قضائه بعد ذلك قولان: (الأول) يصح صومه ولا يقضيه بعد ذلك، سواء ثبت أنه من رمضان في أول النهار أو في آخره. (الثاني) لا يصح صومه حتى ولو ثبت أنه من رمضان في أول النهار فيقضيه بعد ذلك وهو الصحيح. ومن لم يمسك يوم الشك وفعل فيه ما يفسد الصوم بعد مجئ الخبر بأنه من رمضان فإنه يهلك بذلك وتلزمه الكفارة والإعادة. وإن شهد في يوم الشك شهود بأنه من رمضان فلم يمسك وأكل قبل أن تعرف عدالتهم قضى هذا اليوم. (١) وكذلك يجب الإمساك عن كل ما يفسد الصوم على الصبى إذا بلغ في خلال نهار رمضان. وعلى الكافر إذا أسلم والمجنون إذا أفاق نهارا وقد بقى من النهار بقية، فيمسكون بقية النهار لكن لا يكفى هذا الإمساك الواجب في صوم هذا اليوم فيجب عليهم إعادته. وقيل: لا يعاد. وقيل: يجوز الأكل بقية اليوم والمختار المنع. وبناء على المختار إذا لم يمسك هؤلاء عن المفطرات هلكوا وتلزمهم الكفارة والإعادة. (٢) ويستحب لحائض أو نفساء طهرت في خلال نهار رمضان أن تمسك بقية اليوم عن المفطرات، تعظيما لشهر رمضان. فإن لم تمسكا فلا بأس" وعليهما إعادة ذلك اليوم؛ سواء أمسكتا أم لم تمسكا. (٣) ويكره لمسافر أصبح على نية الإفطار ثم قدم بلده أن يأكل بقية يومه بمنزله أو يفعل ما لا يجوز للصائم فعله كالشرب والجماع. وظاهره أن ذلك يكره فقط خارج الأميال في يومه. والمشهور أنه يجب عليه الإمساك عن كل ما يفسد الصوم إن لم يأكل خارج الأميال فإن لم يمسك عن ذلك هلك ولزمته الكفارة والإعادة. ولا بأس - أي لا كراهة - في أكله بقية يومه إن كان قد أكل أو شرب في ذلك اليوم خارج أمياله. وغير الأكل والشرب مثلهما كالجماع.

стр. 8736

وقيل: يأكل سرا. لئلا يبيح البراءة من نفسه، وهو مباح له الفطر وجوز البعض أن يأكل بقية يومه في منزله إن أكل داخل الأميال قبل دخول المنزل وكذلك إذا صح من مرضه في خلال نهار رمضان وكان قد أفطر قبل ذلك فلا بأس عليه في الأكل فيما بقى من ذلك النهار كالمسافر. وعليهما الإعادة أيضا لذلك اليوم، سواء أمسكا فيه أم لم يمسكا. (١) إمساك المال أو الإنسان للجناية عليه وأثره: مذهب الحنفية: لو أمسك شخص شخصا هاربا من عدوه حتى لحق به عدوه وقتله عمدا وهو ممسك به فالقصاص على الذي باشر القتل. أما الممسك فلا قصاص ولا ضمان عليه؛ لأنه تسبب في القتل فقط لكن يحبس في السجن ويعاقب. (٢) ولو قتل وليُّ القتيل الممسك فعليه القصاص سواء قضى القاضي بسقوط القصاص عن الممسك أولم يقض به، لأن عصمة دم الممسك وحرمة قتله أمر لا يخفى على أحد من الناس ولا يشكل عليهم. (٣) وإن قَمَطَ شخص شخصا - أي أمسكه وشد يديه ورجليه - وطرحه أمام أسد أو سبع من السباع فقتله السبع لم يكن على الذي فعل ذلك قصاص ولا دية ولكنه يعزر ويضرب ويحبس حتى يموت. وجاء في الفتاوى البزازية: أنه روى عن الإمام أبى حنيفة لزوم الدية على عاقلته. وكذلك لو قمطه فنهشته حيّة أو لسعته عقرب أو ألقاه في الشمس أو البرد حتى مات. ولو قمطه وألقاه في البحر فرسب وغرق كما ألقاه فعلى عاقلة الملقى الدية مغلظة عند أبى حنيفة لأنه غرق بطرحه في الماء ولو سبح ساعة ثم غرق أو كان يُعرف بإجادة السباحة فلا دية، لأنه غرق بعجزه، ولو أنه رسَب في الماء حين طُرح ولا يدرى مات أو خرج ولم ير له أثر فلا شئ على من أمسكه وطرحه ما لم يعلم أنه مات. (٤) ولو أن رجلا أمسك رجلا فقيده وحبسه في بيت حتى مات جوعا أو عطشا فقال محمد بن الحسن: أوجعه عقوبة والدية على عاقلته، والفتوى على قول أبى حنيفة أنه لا يضمن شيئا (٥). وجاء في شرح الحموى عن خزانة المفتين: أن قول محمد هو المختار في زماننا لمنع الظلمة من الظلم. (٦) وإن أخذ رجل بيد إنسان وأمسكها ليصافحه فجذب يده من يد الممسك فانقلب فمات فلا شئ على الممسك، لأنه غير متعد في الإمساك للمصافحة بل هو مقيمُ سنّة. وإنما الجاذب هو

стр. 8737

الذي تعدى على نفسه حيث جذب يده لا لدفع ضرر لحقه من الممسك بها. وإن كان أمسك يده ليَعُصِرَها فآذاه فجر يده فانقلب فمات ضمن الممسك ديته. لأنه هو المعتدى وإنما صاحب اليد دفع الضرر عن نفسه بجريده وله ذلك فكان الضمان على المتعدى. وإن انكسرت يد الممسك وهو الآخذ بالجذب لم يضمن الجاذب، لأن التعدى من الممسك فكان جانيا على نفسه فلا ضمان على غيره وكذلك إذا كان طفل في يد أبيه فجذبه شخص من يده والأب يمسكه حتى مات فديته على الذي جذبه ويرثه أبوه، لأن الأب محق في إمساكه. والجاذب متعد في الجذب فالضمان عليه. (١) ولو تجاذب رجلان صبيا وأحدهما يدعى أنه ابنه والآخر يدعى أنه عبده فمات من جذبهما فعلى الذي يدعى أنه عبده ديته، لأنه متعد في الجذب. لأن المتنازعين في الصبى إذا زعم أحدهما أنه أبوه فهو أولى به من الذي يدعى أنه عبده فكان إمساكه بحق وجذب الآخر بغير حق فيضمن. (٢) ولو أمسك رجل كلبه في داره فعقر من دخلها بإذن أو بغير إذن لا يضمن صاحب الكلب شيئا، لأن فعل الكلب هدر، ولم يوجد من صاحبه التسبيب إلى العقر، إذ لم يوجد منه إلا الإمساك في البيت وهو مباح، قال الله ﵎: ﴿أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ (٣) ولو أن رجلا أعطى صبيا سلاحا ليمسكه فعطب الصبى بذلك تجب دية الصبى عاقلة المعطى وإن لم يقل له أمسكه لى المختار أنه يضمن أيضا وليس المراد تعطب الصبى أن الصبى قتل نفسه وإنما المراد به أنه سقط من يده على بعض بدنه وعطبت به أما لو دفع السلاح إلى الصبى فقتل الصبى نفسه أو غيره لا يضمن الدافع بالإجماع (٤). وإذا حمل رجل صبيا حرا على دابة وقال له: أمسكها لى - والحامل ليس بولى الصغير - فسقط الصبى عن الدابة ومات بدون أن يحدث منه تسيير للدابة كان على عاقلة من حمله ديته، سواء كان الصبى ممن يركب مثله عليها أم لا، لأنه صار مستعملا للصبى في عمل من أعماله. وهو إمساك الدابة بغير إذن وليه، ومن استعمل صبيا بغير إذن وليه وهلك بسبب استعماله يضمن. وكذا إن سقط عنها وهى تسير بسير صاحبها فديته على عاقلة صاحبها الذي حمله عليها،

стр. 8738

سواء كان الصبى يستمسك عليها أو لا يستمسك. لأن السير مضاف إلى صاحبها حينئذ وكذا لو حمله عليها مع نفسه وسقط ومات. سواء كان يستمسك أم لا، وسواء سقط حال سيرها أو قبله أو بعده (١). أما إذا حمله على الدابة وهى واقفة وقال له: امسكها لى، ثم سيرها الصبيُّ فوقع ومات فلا ضمان على من حمله عليها، لأن السير رمضاف إلى الصبى لا إلى حمله على الدابة لأنه لم يأمره بتسييرها بل أمره بإمساكها فقط. وكذلك لا ضمان على الحامل إذا سارت الدابة بنفسها. لأن المتلف حينئذ هي فيكون هدرا (٢). ومن أمسك رجلا حتى جاء آخر وأخذ ما معه من مال فضمان المال على الآخذ لا على الممسك. (٣) وكذلك لو أمسك رجل مدينا له فأطلقه إنسان من يده لم يضمن. لأنه قد تسبب بين المُطْلِق وبين ضياع حق الدائن فعلُ فاعل مختار وهو هروب المدين، فلا يضاف التلف إلى مُطَلِقه من يد دائنه. (٤) ولو أن رجلا في يده ثوب فأمسكه آخر وتشبث به فجذبه صاحب الثوب من يده فخرق الثوب ضمن الممسك نصف الخرق، لأن حق صاحب الثوب في دفع الممسك وعليه دفعه لغير جذب؛ فإذا جذب فقد حصل التلف من فعلهما فانقسم الضمان عليهما (٥) ومن ذبح شاة غيره ونحوها مما يؤكل لحمه خير المالك بين إمساكها وتضمين الغاصب النقصان وإنشاء تركها على الغاصب وضمنه قيمتها. وكذلك يثبت الخيار للمالك بين الإمساك والترك إذا قطع يدها أو طرفا من أطرافها ويثبت له هذا الخيار أيضا في غير مأكولة اللحم وإن كان بينهما فرق من حيث أنه إذا أمسك المأكولة له أن يُضمِّن الغاصب النقصان، لأنه إتلاف من وجه لفوات بعض المنافع كالحمل والدر والنسل وبقاء بعضها وهو اللحم، بخلاف غير المأكولة إذا اختار مالكها إمساكها لا يُضمِّنُه شيئا، وعليه الفتوى، لوجود الاستهلاك من كل وجمل (٦). وإن فقأ عينى مأكول اللحم خير المالك كذلك فإن شاء تركه على الفاقئ وضمنه قيمته وإن شاء أمسكه وضمنه النقصان (٧). ويكره إمساك الحمامات ولو في برجها إن كان يضر بالناس بنظر أو جلب حمامات أخر مملوكة لغيره وإذ جلب حماما ولم يَدْرِ صاحبها فالاحتياط أن يتصدق بها ثم يشتريها أو توهب

стр. 8739

له. وإن أمسكها ليطيِّرها فوق السطح مطلِعًا على عورات المسلمين ومكسرا زجاجات الناس برميه تلك الحمامات عزر ومنع أشد المنع فإن لم يمتنع بذلك ذبحها المحتسب ثم يلقيها مالكها. وأما إمساك الطيور للاستئناس بها فمباح كشراء عصافير ليعتقها؛ وممسكها لذلك عدل مقبول الشهادة قال في المجتبى: لا بأس بحبس الطيور والدجاج في بيته؛ ولكن يعلفها وهو خير من إرسالها في السكك. وجاء في القنية؛ لو حبس بلبلا في القفص وعلفها لا يجوز. وفى فتاوى العلامة قارئ الهداية: سئل هل يجوز حبس الطيور المفردة، وهل يجوز عتقها، وهل في ذلك ثواب؟ فأجاب: يجوز حبسها للاستئناس بها، وأما إعتاقها فليس فيه ثواب. وعلق على ذلك ابن عابدين فى حاشيته على الدر المختاز بقوله: ولعل الكراهة في الحبس في القفص لأنه سجن وتعذيب دون غيره كما يؤخذ من مجموع ما ذكر، وبه يحصل التوفيق. وإذا أمسك الطيور ليعتقها فلا تخرج عن ملكه بإعتاقه. فإذا وجدها بعد الإعتاق في يد غيره فله أخذها إلا إذا كان قال: من أخذها فهى له. يكره لمن أمسك طيرا ونحوه أن يعتقه أو يسيّبه، لأنه تضييع المال، جاء ذلك في جامع الفتاوى. (١) ولكل من أهل السكة غير النافذة إمساك الدواب على باب داره، لأن إمساك الدواب في بلادنا من السكنى إذ الرسم في بلادنا إمساك الدواب على الأبواب ولو نافذة. فلكل من أهلها إمساك الدابة على باب داره بشرط السلامة. (٢) ومن له دعوى على آخر فلم يجده فأمسك أهله للظَّلمة فحبسوهم وغرَّموهم عذِّر الممسك. (٣). ولو فرّ شخص من ظالم فأمسكه رجل حتى أدركه الظالم وغرّمه ففى قول يضمن الممسك. والمفتى به هو عدم الضمان. أما لو فر من سلطان أو اختفى فأمسكه رجل حتى أخذ وغرِّم لا يضمن الممسك في ظاهر الرواية. (٤) ولو دخل بيت شخص بإذنه فأمسك إناء لينظر إليه فوقع لا يضمن وإن أخذه بلا إذنه بخلاف ما لو دخل في سوق يباع فيه بالإناء فأخذ إناء بلا إذن فوقع ضمن. (٥) وفى إمساك الحاكم للمال وأخذ الحاكم له من مالكه تعزيرا اختلاف ائمة المذهب، فقال أبو حنيفة ومحمد: لا يجوز للحاكم ولا للقاضى ذلك وقال أبو يوسف: يجوز. قال في المجتبى: ولم يذكر كيفية الأخذ، وأرى أن يأخذ كل منهما المال فيمسكه. فإن أَيس من

стр. 8740

توبته صرفه إلى ما يرى. وجاء في الفتاوى البزازية: أن معنى التعزير بأخذ المال على القول به إمساك شئ من مال المعزَّر مدة لينزجر ثم يعيده الحاكم إليه لا أن يأخذه الحاكم لنفسه أو لبيت المال كما يتوهمه الظلمة. إذ لا يجوز لأحد من المسلمين أخذ مال أحد بغير سبب شرعى. واستظهر ابن عابدين فى حاشيته على الدر المختار ضعف تلك الرواية عن أبى يوسف. ونقل عن صاحب الشرنبلالية قوله: ولا يفتى بهذا أي بما روى عن أبى يوسف. لما فيه من تسليط الظلمة على أخذ مال الناس فيأكلونه. ومثله في شرح الوهبانية عن ابن وهبان. وجاء في شرح الآثار: أن التعزير بأخذ المال وإمساكه عن مالكه كان في ابتداء الإسلام ثم نسخ. (١) ولو أمسك الحاكم من اعتاد القتل بالخنق وتكرر ذلك منه فإن كان إمساكه له قبل توبته قتله سياسة ولا تقبل توبته بعد ما أمسكة الحاكم ووقع في يده. أما إن تاب قبل إمساكه فتقبل توبته ولا يقتل. (٢) ويجرى هذا على كل من كان كذلك كاللوطيّ والساحر والزنديق والسارق ونحو ذلك من الجرائم التي لا قتل فيها وتعظم بالتكرار وشرع القتل في جنسها (٣). وفى إمساك الزانى المحصن حال إقامة الحد عليه بالرجم قال صاحب البدائع: لا ينبغى أن يربط المرجوم ولا أن يمسك ولا أن يحضر له إذا كان رجلا يقام عليه الحد قائما؛ لأن ما عزا لم يربط ولم يمسك ولا حفر له؛ ألا يرى أنه هرب من أرض قليلة الحجارة إلى أرض كثيرة الحجارة. ولو ريط أو أمسك أو حفر له لما قدر على الهرب وإن كان المرجوم امرأة فإن شاء الإمام حفر لها، لأنه أستر لها وإن شاء لم يحفر لأنها مستورة بثيابها التي لا تجرد منها عند إقامة الحد عليها. (٤) وكذلك لا يمسك المحدود بالجلد حال توقيع العقوبة عليه ولا يربط لكنه يترك قائما إلا أن يعجزهم فيشد ويمسك حينئذ (٥). مذهب المالكية إذا أمسك شخص شخصا ليقتله آخر فقتله فإنه يقتص من القاتل لمباشرته القتل. كما يقتص من الممسك أيضا بقيود ثلاثة وهى: (أولا) أن يمسكه لأجل القتل. (ثانيا) أن يعلم أن الطالب قاصد قتله لرؤيته آلة القتل بيده مثلا. (ثالثا) وإن تبين أنه لولا إمساكه لما قدر القاتل على قتله أما إن أمسكه لأجل أن يضربه ضربا معتادا أو لم يعلم أنه يقصد قتله، أو كان قتله لا يتوقف على إمساكه له فإنه يقتل المباشر للقتل

стр. 8741

وحده وأما الممسك فإنه يعاقب أشد العقوبة بالضرب وغيره، ويحبس سنة. وقيل: يحبس باجتهاد القاضي، وقيل: يجلد مائة فقط (١). ومن طرح إنسانا معصوم الدم في نهر وهو لا يحسن العوم في نفس الأمر على وجه العداوة والقتل فإنه يقتل به ولا قسامة خلافا لابن الحاجب. وسواء علم الطارح أن المطروح يحسن العوم أم لا. وإن لم يكن الطرح عداوة بل كان على وجه اللعب وشبهه وهو لا يحسن العوم، أو كان يحسنه سواء كان على وجه العداوة أو اللعب فلا يقتل به. وله عليه دية مخففة لا مغلظة (٢). ولو ألقى شخص شخصا للسبع ونحوه فقتله فإن الملقى يقتل به بلا خلاف (٣). وأن اتخذ شخص كلبا عرف عنه العَقْر بقِصِد قتل شخص معيّن وقتله فعلا فإنه يقتص ممن أمسكه لذلك. سواء تقدم له إنذار عن اتخاذه هذا الكلب من حاكم أو غيره أم لا أما إن قتل الكلب شخصا آخر غير المعيّن فلا قصاص على ممسكه وإنما تجب الدية فقط وكذلك تجب الدية إن اتخذ الكلب بقصد قتل غير معين وقتل شخصا، سواء تقدم له فيه إنذار أم لا وأما إذا اتخذه ولم يقصد بذلك ضرر أحد فقتل إنسانا فإن كان اتخذه لوجه جائز كدفع سبع أو حيوان صائل فلا شئ عليه إن لم يتقدم له فيه إنذار فإن تقدم له فيه إنذار قبل القتل ضمن الدية. وإن أمسكه واتخذه لا لوجه جائز ضمن ما أتلف سواء تقدم له فيه إنذار أم لا حيث عرف أنه عقور وإلا لم يضمن لأن فعله حينئذ كفعل العجماء. (٤) ولا يختص ذلك بالكلب بل يشاركه فيه كل حيوان مؤذ أمسكه صاحبه واتخذه لذلك. (٥) ومن يقام عليه حد الزنا أو القذف أو الشرب لا يُمسك حال إقامة الحد عليه ولا يربط ولا تشد يداه إلا أن يضطرب المضروب اضطرابا يجعل الضرب لا يصل إلى موضعه فيربط أو يُشد حينئذ ولا يجوز التعزير بأخذ مال المعزّر إجماعا. إلا أن يكون المال ثمنًا لما باعه مغشوشا فيجوز حينئذ أخذه والتصدق به جبرا (٦). وإن أمسك شخص وثيقة بمال أو بعفو عن دم من صاحبها فضاع الحق بسبب ذلك فإن الممسك لا يضمنه بلا خلاف. وهذا إذا كان شاهدُ الوثيقة لا يشهد إلا بها أو نسى الشاهد ما تشهد به ولا يذكر الواقعة إلا بالوثيقة. ومحل ذلك كله إذا لم يكن لها سجل يتيسر إخراج نظيرها منه وإلا لم يضمن ممسكها إلا ما

стр. 8742

يغرمه صاحبها على إخراجها من السجل فقط. (١) مذهب الشافعية: لو أمسك شخص إنسانا ولو للقتل فقتله آخر فالقصاص على القاتل فقط دون الممسك وذلك لما روى ابن عمر أن النبى ﷺ قال: "إذا أمسك الرجلُ الرجلّ وقتله الآخر يقتل الذي قتل، ويحبس الذي أمسك" (٢). ولأن المباشرة أقوى من الشرطة وهو الإمساك - لأنه أي الإمساك لا يؤثر في الهلاك ولا يحصِّله بل يحصل التلف بغيره ويتوقف تأثير ذلك الغير عليه ولأن فعل المباشر يقطع أثر فعل الممسك لكن على الممسك الإثم والتعزير، لأنه فعل معصية لا حَدَّ فيها ولا كفارة. وهذا كله إذا كان القاتل أهلا للضمان. أما إن كان القاتل غير أهل لذلك أو منع مانع من تعلق القصاص به كأن كان القاتل مجنونا هائجا أو سبعا ضاريا أو حية فلا أثر له في قطع فعل الممسك. لأن القاتل حينئذ يعتبر كالآلة في يد الممسك، فيتعلق القصاص بالممسك، لأنه يعد قاتله عرفا، ولأن المباشرة هنا غير مستقلة لوجود الإمساك معها. (٣) فإن كان المجنون هادئا أو كل من السبع والحية غير ضارٍ فلا قصاص على الممسك ولا دية ولا كفارة ويضمن المجنون في ماله ويُهدَر المقتول عند قتل الحية أو السبع له لأن عدم الضراوة في واحد من المذكورين لا يجعله كالآلة في يد الممسك. وهذا إذا كان المقتول حرا. أما إذا كان عبدا وأمسكه شخص ليقتله آخر فإن الممسك للعبد يضمنه حينئذ إذا مات بسبب إمساكه له. إلا أن استقرار الضمان في النهاية يكون على من باشر القتل. فيطالبه به الممسك إذا دفعه من ماله (٤). ولو أمسك شخص شخصا وحبسه ومنعه الطعامَ والشرابَ أو أحَدَهما مدة يموت مثله فيها غالبا من الجوع أو العطش ومات فعلا فإنه يجب القصاص على الحابس. لظهور قصد الإهلاك به فيكون قتلا عمدا. وتختلف المدة باختلاف الممسك المحبوس قوة وضعفا والزمان حرا وبردا، ففقد الماء في الحر ليس كفقده في البرد. (٥) وإن أمسك شخصًا وكتفه وطرحه في أرض مَسْبَعة - أي كثيرة السباع - أو طرحه بين يدى سبع فقتله لم يجب القصاص، سواء كان المقتول كبيرا أم صغيرا، لأنه لم يلجئه إلى قتله وإنما قتله السبع باختياره، فصار لمن أمسكه على من يقتله فقتله؛ ولأن السبع ينفُر بطبعه من الآدمى في الموضع المتسع فجعل إغراؤه له كالعدم" نعم إن كان السبع المغرى ضاريا شديد العدّوِ ولا يتأتى الهرب منه

стр. 8743

وجب القصاص على ما نقله الرافعى عن القاضي حسين وغيره وهو المعتمد وكذلك يجب القصاص إن طرحه ولو غير مكتوف في مضيق مع سبع يقتل غالبا كنمر وذئب أو حبسه مع السبع في بيت صغير أو بئر فقتله أو جرحه جرحا يقتل غالبا ومات به؛ لأنه ألجأ السبع إلى قتله، لأن الحيوان الضارى حينئذ يصير كالآلة. وإن كتفه وتركه في موضع فيه حيَّات فعضته فمات لم يجب القصاص سواء كان المكان ضيقا أو متسعا، لأن الحية تهرب بطبعها من الآدمى فلم يكن تركه معها ملجئا إلى قتله بخلاف السبع فإنه يثبت عليه في المضيق دون المتسع (١). وإن أمسك شخصا وكتفه وألقاء مكتوفا في ماء مغرق فمات وجب القصاص، لأن إلقاءه فيه مع عدم تمكنه من النجاة مهلك غالبا. وسواء كان يجيد السباحة أم لا، لأنه لا يقدر عليها مكتوفا. وكذلك الحكم إن كان الماء لا يعد غرقا ويمكنه الخلاص منه عادة إذا مات بدون تقصير منه. وكذلك يجب القصاص إن ألقاه غير مكتوف وهو لا يحسن السباحة أو كان زمنا أو ضعيفا فمات. وإن منعه من السباحة التي يحسنها عارض بعد الإلقاء كريح وموج مات فشبه عمد تترتب عليه آثاره. وإن أمكنه السباحة فتركها خوفا أو عنادا فلا دية ولا كفارة في الأظهر لأنه المهلك لنفسه، إذ الأصل عدم الدهشة. ولو ألقاه مكتوفا بالساحل فزاد الماء وأغرقه فإن كان بمحل تعلم زيادته فيه غالبا فقتل عمد يوجب القصاص، وإن كانت الزيادة نادرة فشبه عمد؛ وإن كان لا يتوقع زيادة فيه فاتُّفِق سيلٌ نادرٌ فخطأ محض تجب فيه الدية مخفّفة. (٢) وإن أمسك شخصٌ كلبا عقورا أو نحوه كدابة رموح (٣) وربطه بباب داره أو دِهْليزها (٤) ودعا إليه رجلا فعقره الكلب أو رفسته الدابة فمات فلا ضمان على من أمسك الكلب لا بقصاص ولا دية ولا كفارة. لأن الكلب ونحوه ظاهر يمكن دفعه بعصا ونحوها (٥). وكذلك إن أمسك الكلبّ أو الدابة بداخل داره ودخلها رجل بغير إذن أو بإذن ولكنه أعلمه بحال الكلب أو الدابة فعضه الكلب أو رفسته الدابة فلا ضمان على الممسك لأن الداخل حينئذ هو المتسبب: في هلاك نفسه. أما إن دخل الدار بإذن صاحبها ولم يعلمه بحال الكلب أو الدابة فعضّه الكلب أو رفسته الدابة فإنه يضمن وإن كان الداخل بصيرا كما لو وضع بين يديه طعاما مسموما فأكله (٦). ويجوز إمساك الخمر المحترمة وهى التي يقصد بعصيرها الخل فإذا استحكمت الخمرة

стр. 8744

المحترمة وأيس أهل الصنعة من عودها خلّا إلا بصنع آدمى قال ابن الرفعة: الأشبه فيما نظنه أنه لا يجوز إمساكها. وقال الرملى الكبير في حاشيته على أسنى المطالب: قد يقال: لما كانت محترمة لا يمتنع إمساكها لمنافع قد تعرض من إطفاء نار وعجن طين ونحوه (١). وإذا أمسك شخص خمرا عمدا مع علمه بحرمتها فإن ذلك لا يوجب رد شهادته لأنه ربما قصد بإمساكها التخليل أو التخلل. (٢) وإذا أمسك شخص امرأة ليزنى بها آخر فإن الزانى هو الذي يحد دون الممسك (٣) ولا تشديدا المجلود حال إقامة الحد عليه ليتمكن من الاتقاء بيديه، لما روى عن عبد الله بن مسعود - رضى الله عنه - قال: ليس في هذه مدّ ولا تجريد ولا غَلّ ولا صفد" (٤). وظاهر كلامهم حرمة ذلك إن تأذى به المجلود وإلا كان مكروها. (٥) وإمساك الحمام للبيض أو الفرخ أو الأنس به أو حمل الكتب مباح. ويكره إمساكه للعب به بالتطيير والمسابقة، ولا ترد شهادة الشخص بإمساكه لأجل ذلك إلا إذا انضم إليه قمار أو نحوُه فترد به الشهادة حينئذ (٦) وسئل القفال عن حبس الطيور وإمساكها في أقفاص لسماع أصواتها وغير ذلك فأجاب بالجواز إذا تعهدها مالكها بما تحتاج إليه، لأنها كالبهيمة تربط (٧) والراجح في إمساك الحيّات ونحوها ولو لِلّعب بها الحلّ إن غلبت السلامة في ذلك وإلا حرم. (٨) ولو أمسك شخص شخصا وحبسه ولو ظلما عن ماشيته فهلكت جوعا أو عطشا بسبب حبسه فلا ضمان على الحابس وإن قصد منعه عنها، إذ لم تثبت يده على الماشية. ويجرى هذا الحكم على غير الماشية من الأموال. (٩) وليس للغاصب إمساك العين المغصوبة وحبسها عن مالكها إذا عادت إليه بعد ضياعها أو سرقتها من يده وبعد أداء قيمتها لمالكها - لاسترداد القيمة التي دفعها للمالك. بل يلزمه أن يرد العين لمالكها أولا. لأنه عين حقه ثم يسترد قيمته كما أن المالك عليه أن يرد القيمة ويسترد عين حقه. (١٠)

стр. 8745

مذهب الحنابلة: إن أمسك شخص إنسانًا لآخر فقتله الآخر فلا خلاف أن القاتل يقتل قصاصًا لأنه قتل من يكافئه عمدًا بغير حق. وأما الممسك فإن لم يعلم أن القاتل يقتله فلا شيء عليه، لأنه متسبب والقائل مباشر فسقط حكم المتسبب بالمباشر. وإن أمسكه ليقتله مثل أن أمسكه حتى ذبحه فاختلفت الرواية فيه عن أحمد: فروى عنه أنه يحبس الممسك حتى يموت، ولا قصاص على الممسك ولا دية، لما روى الدارقطنى بإسناده عن ابن عمر مرفوعًا أن النبى ﷺ قال "إذا أمسك الرجل وقتله الآخر يقتل الذي قتل؛ ويحبس الذي أمسك". (١) وروى الشافعي عن علي رضى الله عنه أنه قضى في رجل قتل رجلًا متعمدًا وامسكه آخر قال: "يقتل القاتل ويحبس الآخر في السجن حتى يموت". (٢) ولأنه حبسه إلى الموت فيحبس الآخر إلى الموت كما لو حبسه عن الطعام والشراب حتى مات فإنه يفعل به ذلك حتى يموت. قال صاحب كشاف القناع: "ومقتضى كلام المصنف. أي صاحب فن الإقناع. أن الممسك يطعم ويسقى في حبسه؛ وفى المبدع: يحبس عن الطعام والشراب حتى يموت". وروى عن أحمد أيضا: أن الممسك يقتل أيضا، قال سليمان بن أبى موسى: الاجتماع فنيا أن يقتل الممسك، لأنه لو لم يمسكه ما قدر القاتل على قتله. وبإمساكه تمكن من قتله فالقتل حاصل بفعل القائل والممسك فيكونان شريكين فيه فيجب عليهما القصاص كما لو جرحاه. وكذا لو أمسك شخص إنسانًا وفتح فمه فسقاه آخر سمًا فيقتل الساقى. ويحبس الممسك حتى يموت ولو قتل وليّ القتيل الممسك قال القاضي أبو يعلى: يجب عليه القصاص، لأنه تعمد قتله بغير حق في قتله وخالفه المجد في ذلك وصحح سقوط القصاص، لأن له شبهة في قتله، وهى اختلاف العلماء بناء على الروايتين السابقتين عن أحمد. (٣) وإن كتف شخص شخصًا وطرحه في أرض ذات سباع أو أرض ذات حيّات فقتلته السباع أو الحيات فحكمه حكم الممسك أي يلزمه القصاص، لأنه فعل ما يقتل غالبًا. ذكر هذا القاضي والصحيح أنه لا قصاص فيه؛ وتجب فيه الدية؛ لأنه فعل فعلا متعمدًا لا يقتل غالبًا فتلف به فهو شبه عمد. (٤)

стр. 8746

أما إن أمسكه وكتفه وألقاه في أرض غير كثيرة السباع أو الحيات فأكله سبع أو نهشته حية فمات فشبه عمد بالاتفاق فيضمنه بالدية على عاقلته والكفارة في ماله. لأنه فعل فعلا تلف به وهو لا يقتل مثله غالبًا. وكذلك إن ألقاء مشدودًا في موضع لم يعهد وصول زيادة الماء إليه أو موضع تحتمل زيادة الماء وعدمها فيه فوصلت الزيادة ومات بها فشبه عمد، لما سبق ذكره. وإن كان يعلم زيادة الماء في ذلك الوقت وألقاه مشدودًا فمات فهو عمد يوجب القصاص لأنه يقتل غالبًا. وكذلك إن ألقاه في ماء يغرقه أو نار لا يمكنه التخلص منهما إما لكثرتهما أو لعجزه عن التخلص لمرض أو ضعف أو صغر أو كان مربوطًا ونحو هذا فمات فعمد يوجب القصاص، لأن الموت حصل بعد فعل يغلب على الظن إسناد القتل إليه فوجب كونه عمدًا. وكذا لو حبسه في بيت وأوقد فيه نارًا وسد المنافذ التي للبيت حتى اشتد الدخان وضاق به النفس فمات فعمد أيضا يوجب القصاص. ويجب القصاص أيضا إن حبسه ومنعه الطعام والشراب أو أحدهما أو منعه الدفء في الشتاء ولياليه الباردة حتى مات جوعًا أو عطشًا أو بردًا في مدة يموت في مثلها غاليًا بشرط أن يتعذر عليه الطلب؛ لأن الله تعالى أجرى العادة بالموت عند ذلك فإذا تعمده الإنسان فقد تعمد القتل. فإن لم يتعذر على المحبوس الطلب وتركه حتى مات فهدر؛ لأنه المهلك لنفسه. وإن كان حبسه مع منعه الطعام والشراب في مدة لا يموت فيها غالبا فهو عمد الخطأ لا يوجب القصاص وتختلف المدة التي يموت فيها غالبا باختلاف الناس والزمان والأحوال. وفى حالة الشك في كون المدة يموت فيها غالبا أم لا لم يجب القصاص، لعدم تحقق موجبه. (١) وإن حبس صغيرًا حرًا عن أهله فنهشته حية أو أصابته صاعقة ففيه الدية؛ لأنه تلف في يده العادية. وإن كان قَنًا ففيه القيمة. وإن قيد حرا مكلفا وغله حتى مات بصاعقة أو حية وجبت الدية. كما تقدم في الصغير (٢). وإن أمسك مقاتل مسلم في أثناء الحرب كافرًا محاربًا أو عانقه حتى جاء مسلم آخر فقتله فالسلب للقاتل فقط. لأنه هو الذي المسلمين شره فأشبه ما لو لم يعانقه الآخر (٣). وإمساك الحيّة محرم وجناية توجب التعزير

стр. 8747

لمن يمسكها. لأنه إلقاء بالنفس إلى الهلاك، وقال تعالى: "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" (١). ولو قتلت الحية ممسكها من مدعى المشيخة ونحوه فهو قاتل نفسه، لأنه فعل بها ما يقتل غالبا. (٢) وكذلك يحرم إمساك الحمام لمن يلعب به بتطييره أو ليصيد به حمام غيره أو يراهن به، وترد شهادته بذلك. لأنه سفه ودناءه وقلة مروءة، ويتضمن أذى الجيران بطيره وإشرافه على دورهم ورميه إياهم بالحجارة، وقد رأى النبي ﷺ رجلًا يتبع حمامًا فقال: "شيطان يتبع شيطانة". رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة. كما يكره إمساك طير وحبسه لنغمته، لأنه نوع تعذيب له. وقال مهنا؛ سألت أبا عبد الله عن بروج الحمام التي تكون بالشام فكرهها. أما إن اتخذ الحمام لطلب فراخها أو لحمل الكتب أو للأنس بصوتها من غير أذى يتعدى إلى الناس فيباح له ذلك ولا ترد شهادته به. وقد روى عبادة بن الصامت أن رجلا جاء إلى النبى ﷺ فشكى إليه الوحشة فقال: "اتخذ زوجا من الحمام". (٣) ولا يربط المحدود حال إقامة الحد عليه ولا تشديده ولا يمسك. لقول ابن مسعود: "ليس في ديننا قد ولا قيد ولا تجريد". وهذا إذا كان المحدود رجلا. أما إذا كان امرأة فتمسك يداها وتشد عليها ثيابها، لأن المرأة عورة وهذا أستر لها لئلا تنكشف. (٤) وإمساك مال الشخص الذي وجب عليه التعزير أو أخذه أو إتلافه عليه لا يجوز لأن الشرع لم يرد بشيء من ذلك عن أحد يقتدى به، ولأن الواجب بالتعزيز أدب والأدب لا يكون بالإتلاف. (٥) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "التعزير بالمال سائغ إتلافا وأخذا، وهو جاز على أصل أحمد لأنه لم يختلف أصحابه أن العقوبات في الأموال غير منسوخة كلها. وقول الشيخ أبي محمد المقدسى لا يجوز أخذ مال المعزر فإشارة منه إلى ما يفعله الولاة الظلمة". (٦) "وقد استدل ابن تيمية على جواز ذلك في

стр. 8748

كتابه الحسبة في الإسلام. بأدلة متعددة منها أمر عمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب رضى الله عنهما بأخذ شطر مال مانع الزكاة، وأمرهما أيضا بتحريق المكان الذي يباع فيه الخمر. وما فعله عمر بن الخطاب حيث رأى رجلا قد شاب اللبن بالماء للبيع فأراقه عليه. (١) وإن غضب شخص شخصًا حرا وحبسه مدة فعليه أجرة مثله ولو كان ذا صنائع وجب له أجرة أعلاها، لأن منفعة مال يجوز أخذ العوض عنها فضمنت كمنافع العبد (٢) ولا يضمن الغاصب مهر الأمة لو أمسكها وحبسها عن النكاح حتى فات نكاحها لكبرها، لأن النفع إنما يضمن بالتفويت إذا كان مما تصح المعاوضة عليه بالإجارة والبضع ليس كذلك. (٣) ولا يضمن الغاصب ربحا فات بإمساك مال تجارة وحبسه عن مالكه مدة يمكن أن يربح فيها لأنه لا وجود له. (٤) وليس للغاصب إمساك العين المنصوبة وحبسها عن مالكها إذا عادت إليه بعد ضياعها وبعد أداء قيمتها لاسترداد القيمة بل يدفعان المغصوب وقيمته إلى عدل ينصبه القاضي يسلم كل واحد ماله قطعا للنزاع كما سيأتي في إمساك المبيع لاستيفاء الثمن. (٥) ولو أمسك شخص شخصا وحبسه عن رعاية دوابه التي يملكها مثلا فتلفت الدواب بسبب ذلك لم يضمن حابسه الدواب. قال في المبدع: وينبغى أن يفرق بين الحبس بحق أو غيره. (٦) وإن دخل طير مملوك لإنسان برج شخص فأغلق صاحب البرج عليه الباب ناويا إمساكه لنفسه ضمن لتعديه وإن لم يغلق عليه أو أغلقه غير ناوٍ إمساكه لنفسه بأن لم يعلم به أو نوى إمساكه لصاحبه فلا ضمان عليه لعدم تعديه. لكن عليه إعلام مالكه فورا إن علمه. (٧) ولو أزال يد إنسان عن حيوان فهرب ضمنه إذا كان الحيوان مما يذهب بزوال اليد عنه كالطير والبهائم الوحشية والبعير الشارد. وكذا لو ضرب إنسان يد آخر وهو ممسك فيها دينارا مثلا فضاع الدينار ضمنه الضارب. لتسببه في إضاعته. (٨) مذهب الظاهرية:

стр. 8749

قال ابن حزم: إذا أمسك شخص إنسانا للقتل فلا قصاص على الممسك، وذلك لأن النبي صلى عليه وسلم قد نص على أنه "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل ترك دينه، أو زنى بعد إحصان أو قتل نفسا" (١) والممسك لا يسمى في اللغة ولا في الشريعة قاتلا. فالممسك ليس قاتلا لكنه حبس إنسانا حتى مات، وقد قال الله تعالى: ﴿والحرمات قصاص﴾ (٢) فكان الممسك للقتل سببا ومتعديا فعليه مثل ما فعل فواجب أن يفعل به مثل ما فعل فيمسك محبوسا حتى يموت. وهو قول على بن أبى طالب ولا يعرف له مخالف من الصحابة. ولا عبرة بطول المدة أو قصرها إذا لم يأت بمراعاة ذلك نص ولا إجماع. وقد روى في ذلك أثر مرسل عن إسماعيل بن أمية قال: "قضى رسول الله ﷺ في رجل يمسكه رجل لآخر فقتله بأن يقتل القاتل، ويحبس الممسك" (٣) كما روى أيضا خبرا أثبته أن رسول الله ﷺ قال" يحبس الصابر للموت كما حبس ويقتل القاتل" (٤) يعنى يحبس الذي أمسك. وتفريق الرسول ﷺ بين حكم الحابس وبين حكم القاتل بيان جليّ (٥). ومن أمسك آخر حتى فقئت عينه أو قطع عضوه أو ضرب فإن القصاص يكون على من باشر ذلك منه بمثل ما فعل أما الآخر الذي أمسكه فيعاقب عقوبة موجعة منكلة ويسجن على ما يراه القاضي. لقول الرسول ﷺ "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده" (٦). ولأمره بالتعزير في كل ما دون الحد عشرة أسواط فأقل. ولا يخالف هذا شيئا مما سبق في الإمساك للقتل، لأن الحكم في هذا قول الله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ (٧) فكل من فعل فعلا يوصف به وكان به متعديا فإنه يجب أن يعتدى عليه بمثله بأمر الله تعالى. فالممسك آخر حتى قتل ممسك له وحابس حتى مات وليس قاتلا فالواجب أن يحبس حتى يموت فهو مثل ما اعتدى به (٨) وإذا أمسك شخص امرأة حتى يزنى بها غيره أقيم الحد على من باشر الزنى أما من أمسك المرأة فليس زانيا ولا يسمى زانيا ولا يقام عليه حد الزنى. لأن الممسك لا يسمى باسم الفاعل على ما أمسك له (٩). ولو أمسك شخص شخصا لأسر فقتله، أو

стр. 8750

لمجنون فقتله فالممسك هنا هو القاتل فعليه القصاص بخلاف إمساكه إياء ليقتله من يعقل. وكذلك يلزمه القصاص إن أمسكه وطرحه إلى الأسد أو الكلب (١). وإن حبس شخص شخصا بلا طعام ولا شراب حتى يموت حبس حتى يموت لا يطعم ولا يسقى ولا تراعى المدة أصلا (٢). وإن خرج رجل في طلب دابة فنادى رجلا: أمسكها أو احبسها على، فصدمته فقتلته فلا ضمان على الذي أمره بحبسها، لأنه لم يتعد عليه ولا باشر إتلافه بذلك. وكذلك من ضم صغيرا إلى دابة - أي أمسكها بجوارها - فرفسته الدابة فقتلته فلا ضمان عليه لأنه لم يباشر إتلافه و "جرح العجماء جبار". وكذلك لا ضمان على من حمل صبيا فسقط في مهواة فمات الصبى إن كان موته من الوقعة لا من وقوع حامله عليه. (٣) ولا ضمان على صاحب البهيمة فيما جنته فى مال أو دم ليلا أو نهارا لكن يؤمر صاحبها بضبطها فإن ضبطها فذاك. وإن عاد ولم يضبطها بيعت عليه (٤). ومن ترك دابته بفلاة ضائعة فأخذها إنسان فقام عليها فصلحت، أو عطب في بحر أو نهر فرمى البحر متاعه فأخذه إنسان أو غاص عليه إنسان فاخذه فكل ذلك لصاحبه الأول ولا حق فيه لمن أخذ شيئا منه، لقول رسول الله ﷺ : "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام" (٥). من وجد متاعه إذا أخذه أن يؤدى إلى الذى وجده عنده ما أنفق عليه، لأنه لم يأمره فهو متطوع بما أنفق. (٦) وإذا أمسك الرجل حبلا يتعلق به آخر في بئر ونحوه فإن انقطع الحبل أو ضعف الممسك عن إمساكه فسقط المتعلق فمات فلا شَيْء على الممسك في كل ذلك. لأن المتعلق في انقطاع الحبل جان على نفسه بجذب الحبل فإنما انقطع من فعله لا من فعل الممسك الواقف على البئر. وأما انفلات الحبل من يد الممسك الواقف على رأس البئر فإنه لم يتول إلقاءه لكن غلب عليه فلم يباشر فيه شيئا أصلا. وكذلك لو كان يمسك بالحبل ليستقى من البئر فغلب فلم يقدر على إمساك الدَلو ففتح يديه فوقع الدلو على إنسان يعمل في البئر فقتله فلا شيء عليه في ذلك. لأنه لم يباشر قتله ولا

стр. 8751

عمل شيئا. أما إن كان ذلك لضعف الحبل فهو قاتل خطأ والدية على العاقلة. وعليه الكفارة لأنه مباشر لقتله. (١) مذهب الزيدية: لو أمسك رجل رجلا أو صبره - أي حبسه - حتى جاء غيره ممن تضمن خبايته كالآدميّ فقتله فالقصاص على من باشر القتل لا على الممسك والحابس، لقوله تعالى: ﴿فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ (٢) ولحديث: "يقتل القاتل ويصبر الصابر" (٣). هذا ويجب على الممسك والحابس التوبة من ارتكاب هذا الإثم. كما يجب على الإمام تأديبهما إذا كانا متعديين. لقوله ﷺ "من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة لقى الله مكتوبا بين عينيه آيس من ﵀" رواه ابن ماجة والأصبهانى، وروى البيهقى نحوه. وأما لو أمسكه أو حبسه حتى قتله من لا تضمن جنايته كالسبع ونحوه فيضمن الممسك أو الحابس دية المقتول إذا لم يلجئ السبع إليه، ويلزمه القصاص إذا ألجأه إليه بأن جمع بينه وبين السبع في مكان ضيق. (٤) ومن أمسك غريقا يريد إنقاذه فثقل عليه وخشى إن أتم الإمساك أن يتلفا معا فأرسله من يده لخشية تلفهما معا فهلك فإنه يضمن وإن كان في الأصل محسنا بإرادة إنقاذه. لأنه مباشر في هذه الجنايه بالإرسال. ولا يجوز له أن يستفدى نفسه بقتل غيره، ولهذا وجب الضمان للفريق ذكر ذلك الفقيه حسن. قال مولانا ﵇: وهو موافق للقياس قياسا على المكره. إلا أنا نقول: إن كان قد أخرج رأسه من الماء فلما أرسله انغمس فهلك فذلك صحيح. وإن أرسله قبل أن يخرج رأسه من الماء ففى تضميته نظر، لأنه لم يهلك بإرسال الممسك حينئذ بل برسوبه في الماء وانسداد منافسه وهو حاصل من قبل إمساكه وإرساله. فالأقرب عندى أنه لا يضمن بإرساله بعد إمساكه في هذه الصورة. فإن كان الفريق هو الممسك (بكسر السين) واستفدى نفسه بالإرسال فلا ضمان مطلقا. فإن هلك الممسك (بفتح السين) بإمساك الفريق ضمنه من ماله في تركته. أما إن هلك الممسك (بفتح السين) ونجى الفريق فإنه يقتل به: وفى جواز إرسال الفريق بعد إمساكه رأيان: قيل: يجوز إرساله ويضمن. لأنه صار هالكا بكل حال فجاز له الارسال لئلا يهلكا معا. وقيل: لا يجوز كالمكره على قتل الغير. قال صاحب الأثمار: يجوز إرسال الغريق بعد إمساكه لخشية تلفهما بل لا يبعد وجوبه

стр. 8752

ولا ضمان مطلقا، لأن الإمساك لم يكن منجيا له من الغرق. (١) ومن حبس شخصا حتى مات جوعا أو عطشا أو بردا أو حرا فإنه يجب عليه القصاص لأنه قاتل عمدا عدوانا وإن لم يكن القتل بفعله. والفرق بين هذا وما سبق أن في الأول قد وجد من يتعلق به الضمان بالمباشرة وهو القاتل. ولا شيء على المسبب مع وجود المباشر. وأما هنا فإنه لم يوجد من يتعلق به الضمان إلا المسبب وهو الحابس. ومن ربط غيره بين يدى سبع فقتله السبع أو في أرض مسبعة فقتلته السباع فلا قصاص عليه، لأن من طبع السبع النفور عن الإنسان فأكله له حينئذ باختياره فهو مباشر كالقاتل مع الممسك. ولا دية عليه أيضا في هذه الحالة. وقيل: يضمن الدية؛ إِذْ لم يوجد من يتعلق به الضمان. أما إذا ربطه وجمع بينه وبين السبع في موضع ضيق فإنه يلزمه القصاص. لأنه ألجأ السبع إليه. هذا في السبع. أما الحيَّة ونحوها فلا قصاص على من ربط غيره بين يديها أو في أرض تكثر بها أو جمع بينه وبينها في مضيق فقتلته، لأن الحية لا تشجع في مضيق بخلاف السبع. (٢) ولو ضم شخص صبيًا ضمًا غير معتاد فمات فهو مباشر لقتله غير مسبب فيجب القصاص عليه أو الدية إن عفا عنه، وذلك حيث قصد القتل أو لم يقصد القتل أو لم يقصده لكن مثله يقتل في العادة. وأما إذا ضمه ضمًا معتادًا فهلك الصبى فهى جناية خطأ مضمونة. (٣) وكذلك يضمن الصبى إذا أعطاه شخص شيئًا كسكين أو نار فجنى على نفسه. (٤) وإن أمسك شخص بدابة وجنت جناية برأسها أو فمها فعلى الممسك ضمان ذلك (٥) ويجب على متولى الحفظ -أي الممسك- للحيوان من مالك أو مستأجر أو مستعير أو مرتهن لزمه الحفظ ضمان جناية غير الكلب ليلًا لا نهارًا. فإذا جنى الحيوان في الليل سواء كان عقورًا أم ضمن متولى الحفظ حيث فرط، لأن الحفظ في الليل واجب عليه حيث جرى العرف بحفظها في الليل وإرسالها في النهار، فإن جرت العادة بعكس ذلك انعكس الحكم. ولا شيء من الضمان إذا جرت العادة بعدم

стр. 8753

حفظ الدواب. وأما الكلب فإنه لا يمسك في الليل بل يرسل فيه؛ فلا يضمن ما جناء ولو في الطريق ونحوها؛ لأنه محتاج إلى إرساله بالليل للحفظ دون النهار فيجب حفظه بربطه في النهار فإن جنى خلال النهار ضمنت جنايته ولو غير عقور حيث لا يعتاد إرساله في النهار وعلى متولى الحفظ ضمان جناية البهيمة العقور من كلب أو فرس أو ثور أو نحوه وإنما يضمن حيث كان مفرطًا في حفظه حفظ مثله مع علمه بأنه عقور مطلقًا أي سواء كانت الجناية في مرعاها أم في غيره ليلا أم نهارًا في غير الكلب حتى ولو جنى ذلك العقور على أحد في ملك صاحبه وكان داخلًا بإذن المالك، لأنه مع الإذن غار له بالدخول إذ لم يخبره أن العقور فيه. فإن كان المالك جاهلًا وجوده في ذلك المكان أو جاهلًا كونه عقورًا أو دخل الداخل بغير إذن لم يضمن ذو الحفظ - أي الممسك. (١) ولا تشد يدا المجلود حدًا أو تعزيرًا إلى عنقه بل ترسل عند الضرب. وكذا لا تقيد رجلاه. ولا يمد على بطنه. وسواء في ذلك الرجل والمرأة. وكذلك تترك لهما -أي المرأة والرجل- أيديهما يتوقِيان بها الحجارة في حال إقامة حد الزنى بالرجم بالحجارة. (٢) ويجوز إمساك الحمام واتخاذه للأنس برنّته وهديله. "لأمره ﷺ منْ شكا الوحشة باتخاذ زوج حمام" (٣). وقول الهادى والناصر بأن إمساك الشخص للحمام يجرح عدالته محمولٌ على إمساكها واتخاذها للمسابقة على جهة القمار. وكذلك يجوز إمساكها بفرض استنتاجها لأكل أولادها وللتجارة كغيرها. (٤) وليس لمن تعذر عليه استيفاء حقه إمساك وحبس حق خصمه ولا استيفاؤه إلا بحكم لقوله ﷺ : "أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك". (٥)

стр. 8754

مذهب الإمامية: من أمسك إنسانًا حتى جاء آخر فقتله فالقصاص على القاتل دون الممسك، لكن يحبس الممسك أبدا حتى يموت. ولو أمسكه وكتفه وألقاه في أرض مسبعة فافترسه الأسد فلا قصاص ويضمن ديته اتفاقًا (١) والمجنون الضارى كالسبع. ولو حبسه عن الطعام وجوّعه حتى مات جوعًا وجب القصاص. وكذا لو حبسه مدة عن الشراب لا يحتمل مثله الصبر عنه فمات لزمه القصاص. (٢) وإذا أخذ صغيرًا فحبسه ظلمًا فوقع عليه حائط أو قتله سبع أو لسعته حية أو عقرب فمات كان عليه ضمانه. وأما إذا مات حتف أنفه فلا ضمان عليه. وإذا طرح شخصًا في النار على وجهه لا يمكنه الخروج منها فمات كان عليه القصاص بلا خلاف فإن طرحه بحيث يمكنه الخروج فلم يخرج حتى مات لم يكن عليه قصاص. وكذا إذا ألقاه في لُجَّة البحر فهلك وجب عليه القصاص؛ سواء كان يحسن السباحة أو لم يكن يحسنها. وإن ألقاه بقرب الساحل وكان مكتوفًا فمثل ذلك. سواء كان يحسن السباحة أم لا (٣) وإن ألقاه في ماء فأمسك نفسه تحت الماء مع القدرة على الخروج حتى مات فلا قصاص ولا دية على من ألقاه (٤). وإن أمسك يد إنسان وعضها فأنتزع المعضوض يده فسقطت أسنان العاض كانت هدرًا. ولو عدل إلى تخليص نفسه بلكمة أو جرحه إن تعذر التخلص بالأخف جاز ولو تعذر ذلك جاز أن يبعجه بسكين أو خنجر. ومتى قدر على التخلص بالأسهل فتخطى إلى الأشق بضمن. (٥) وإذا دخل رجل دار قوم بإذنهم فعقره كلبهم - الممسك بدارهم - كان عليهم ضمانه. (٦) ولو أمسك شخص صانعًا وحبسه عن مزاولة صنعته لم يضمن الممسك أجرته ما لم ينتفع به لأن منافعه في قبضته. ولو حبس مالك الماشية عن حراستها فاتفق تلفها ففى الضمان تردد؛ وكذا لو غصب شاة فمات ولدها جوعًا (٧)

стр. 8755

مذهب الإباضية: يقتص ممن أمسك إنسانًا لواحد أو جماعة ليقتلوه وهو يعلم ذلك. كما يقتص أيضا ممن باشر القتل واحدًا كان أو جماعة. أما إن أمسكه واحد يظن أنهم يؤدبونه فقتلوه فلا يقتل الممسك (١) وإن ربط شخص شخصًا أو حبسه حتى قتله سبع أو حية أو عقرب أو نحوهما من الهوام القاتلة. أو قتله بردٌ أو عطشٌ أو نحوهما كحرق وغرق وهدم فعليه ديته ولا يقتل وكذا إن حصل بذلك زوال عضو من أعضائه فعليه أرش ذلك العضو ولا قصاص. وإن أمسكه ورماه على حيّة ونحوها أو على سبع أو في بئر أو في بحر أو من عمال فمات من ذلك قتل به. ومن أعطى لطفل أو مجنون ونحوه من كل من لا يعرف ما يضر حيّة فلسعته أو عقربًا أو نحوها فمات لزمته الدية لا القصاص. ومن أركب طفل غيره أو نحوه على الداية فهلك ضمنه. (٢) ويكره للذابح أن يمسك الذبيحة بعد ذبحها بل يدعها تتحرك حتى تموت إلا إن رجالها سلامة في ذلك أكثر من تركها فلا يكره. وإن كان الإمساك يعين على موتها عادة فهو من المفسدات وإلا فلا تفسد به فتؤكل. ومن المحفوظ: أنه إن أمسك أرجل الذبيحة كلها فسدت فلا تؤكل. أما إن أطلق بعضها فلا تفسد (٣) ومن ذبح شاة أو غيرها وأمسكها حتى ماتت فسدت إن لم تتحرك بعد ترك إمساكها، سواء كانت مريضة أم لا؛ لاحتمال أنها قد ماتت قبل الذبح. فإن تحرك ما أمسكه منها أو غيره حلت. وإن لم يتحرك احتمل أنه منع من تحرك ما أمسكه منها إمساكه؛ واحتمل أنه لا يتحرك حتى ولو أطلقه فلم يتيقن تحركه ولا عدمه فلم يحكم بحلها. والمختار: أن تؤكل إن كانت صحيحة مطلقا، سواء تحركت بعد الإطلاق أم لا. وسواء أمسكها أم لم يمسكها أصلا ما دام قد ذكاها. أما إن كانت مريضة فلا تؤكل حتى تتحرك، سواء أمسكها أم لم يمسكها. (٤) إمساك المحرم الصيد وإمساكه الصيد بالجوارج مذهب الحنفية: لو أصاب الحلال صيدًا ثم أحرم فإن كان ممسكًا إياه بيده وجب عليه إطلاقه ليعود به إلى الأمن الذي استحقه بالإحرام. فإن لم يرسله حتى هلك في يده يضمن قيمته وإن أرسله إنسان من يده ضمن له قيمته في قول أبى حنيفة. لأنه أتلف صيدًا مملوكًا للمحرم لأنه أخذه وهو حلال فيضمن المرسل كما لو أتلفه قبل الإحرام.
следующие страницы →