← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 8751–8790 · переход к 8756.

стр. 8751

عمل شيئا. أما إن كان ذلك لضعف الحبل فهو قاتل خطأ والدية على العاقلة. وعليه الكفارة لأنه مباشر لقتله. (١) مذهب الزيدية: لو أمسك رجل رجلا أو صبره - أي حبسه - حتى جاء غيره ممن تضمن خبايته كالآدميّ فقتله فالقصاص على من باشر القتل لا على الممسك والحابس، لقوله تعالى: ﴿فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ (٢) ولحديث: "يقتل القاتل ويصبر الصابر" (٣). هذا ويجب على الممسك والحابس التوبة من ارتكاب هذا الإثم. كما يجب على الإمام تأديبهما إذا كانا متعديين. لقوله ﷺ "من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة لقى الله مكتوبا بين عينيه آيس من ﵀" رواه ابن ماجة والأصبهانى، وروى البيهقى نحوه. وأما لو أمسكه أو حبسه حتى قتله من لا تضمن جنايته كالسبع ونحوه فيضمن الممسك أو الحابس دية المقتول إذا لم يلجئ السبع إليه، ويلزمه القصاص إذا ألجأه إليه بأن جمع بينه وبين السبع في مكان ضيق. (٤) ومن أمسك غريقا يريد إنقاذه فثقل عليه وخشى إن أتم الإمساك أن يتلفا معا فأرسله من يده لخشية تلفهما معا فهلك فإنه يضمن وإن كان في الأصل محسنا بإرادة إنقاذه. لأنه مباشر في هذه الجنايه بالإرسال. ولا يجوز له أن يستفدى نفسه بقتل غيره، ولهذا وجب الضمان للفريق ذكر ذلك الفقيه حسن. قال مولانا ﵇: وهو موافق للقياس قياسا على المكره. إلا أنا نقول: إن كان قد أخرج رأسه من الماء فلما أرسله انغمس فهلك فذلك صحيح. وإن أرسله قبل أن يخرج رأسه من الماء ففى تضميته نظر، لأنه لم يهلك بإرسال الممسك حينئذ بل برسوبه في الماء وانسداد منافسه وهو حاصل من قبل إمساكه وإرساله. فالأقرب عندى أنه لا يضمن بإرساله بعد إمساكه في هذه الصورة. فإن كان الفريق هو الممسك (بكسر السين) واستفدى نفسه بالإرسال فلا ضمان مطلقا. فإن هلك الممسك (بفتح السين) بإمساك الفريق ضمنه من ماله في تركته. أما إن هلك الممسك (بفتح السين) ونجى الفريق فإنه يقتل به: وفى جواز إرسال الفريق بعد إمساكه رأيان: قيل: يجوز إرساله ويضمن. لأنه صار هالكا بكل حال فجاز له الارسال لئلا يهلكا معا. وقيل: لا يجوز كالمكره على قتل الغير. قال صاحب الأثمار: يجوز إرسال الغريق بعد إمساكه لخشية تلفهما بل لا يبعد وجوبه

стр. 8752

ولا ضمان مطلقا، لأن الإمساك لم يكن منجيا له من الغرق. (١) ومن حبس شخصا حتى مات جوعا أو عطشا أو بردا أو حرا فإنه يجب عليه القصاص لأنه قاتل عمدا عدوانا وإن لم يكن القتل بفعله. والفرق بين هذا وما سبق أن في الأول قد وجد من يتعلق به الضمان بالمباشرة وهو القاتل. ولا شيء على المسبب مع وجود المباشر. وأما هنا فإنه لم يوجد من يتعلق به الضمان إلا المسبب وهو الحابس. ومن ربط غيره بين يدى سبع فقتله السبع أو في أرض مسبعة فقتلته السباع فلا قصاص عليه، لأن من طبع السبع النفور عن الإنسان فأكله له حينئذ باختياره فهو مباشر كالقاتل مع الممسك. ولا دية عليه أيضا في هذه الحالة. وقيل: يضمن الدية؛ إِذْ لم يوجد من يتعلق به الضمان. أما إذا ربطه وجمع بينه وبين السبع في موضع ضيق فإنه يلزمه القصاص. لأنه ألجأ السبع إليه. هذا في السبع. أما الحيَّة ونحوها فلا قصاص على من ربط غيره بين يديها أو في أرض تكثر بها أو جمع بينه وبينها في مضيق فقتلته، لأن الحية لا تشجع في مضيق بخلاف السبع. (٢) ولو ضم شخص صبيًا ضمًا غير معتاد فمات فهو مباشر لقتله غير مسبب فيجب القصاص عليه أو الدية إن عفا عنه، وذلك حيث قصد القتل أو لم يقصد القتل أو لم يقصده لكن مثله يقتل في العادة. وأما إذا ضمه ضمًا معتادًا فهلك الصبى فهى جناية خطأ مضمونة. (٣) وكذلك يضمن الصبى إذا أعطاه شخص شيئًا كسكين أو نار فجنى على نفسه. (٤) وإن أمسك شخص بدابة وجنت جناية برأسها أو فمها فعلى الممسك ضمان ذلك (٥) ويجب على متولى الحفظ -أي الممسك- للحيوان من مالك أو مستأجر أو مستعير أو مرتهن لزمه الحفظ ضمان جناية غير الكلب ليلًا لا نهارًا. فإذا جنى الحيوان في الليل سواء كان عقورًا أم ضمن متولى الحفظ حيث فرط، لأن الحفظ في الليل واجب عليه حيث جرى العرف بحفظها في الليل وإرسالها في النهار، فإن جرت العادة بعكس ذلك انعكس الحكم. ولا شيء من الضمان إذا جرت العادة بعدم

стр. 8753

حفظ الدواب. وأما الكلب فإنه لا يمسك في الليل بل يرسل فيه؛ فلا يضمن ما جناء ولو في الطريق ونحوها؛ لأنه محتاج إلى إرساله بالليل للحفظ دون النهار فيجب حفظه بربطه في النهار فإن جنى خلال النهار ضمنت جنايته ولو غير عقور حيث لا يعتاد إرساله في النهار وعلى متولى الحفظ ضمان جناية البهيمة العقور من كلب أو فرس أو ثور أو نحوه وإنما يضمن حيث كان مفرطًا في حفظه حفظ مثله مع علمه بأنه عقور مطلقًا أي سواء كانت الجناية في مرعاها أم في غيره ليلا أم نهارًا في غير الكلب حتى ولو جنى ذلك العقور على أحد في ملك صاحبه وكان داخلًا بإذن المالك، لأنه مع الإذن غار له بالدخول إذ لم يخبره أن العقور فيه. فإن كان المالك جاهلًا وجوده في ذلك المكان أو جاهلًا كونه عقورًا أو دخل الداخل بغير إذن لم يضمن ذو الحفظ - أي الممسك. (١) ولا تشد يدا المجلود حدًا أو تعزيرًا إلى عنقه بل ترسل عند الضرب. وكذا لا تقيد رجلاه. ولا يمد على بطنه. وسواء في ذلك الرجل والمرأة. وكذلك تترك لهما -أي المرأة والرجل- أيديهما يتوقِيان بها الحجارة في حال إقامة حد الزنى بالرجم بالحجارة. (٢) ويجوز إمساك الحمام واتخاذه للأنس برنّته وهديله. "لأمره ﷺ منْ شكا الوحشة باتخاذ زوج حمام" (٣). وقول الهادى والناصر بأن إمساك الشخص للحمام يجرح عدالته محمولٌ على إمساكها واتخاذها للمسابقة على جهة القمار. وكذلك يجوز إمساكها بفرض استنتاجها لأكل أولادها وللتجارة كغيرها. (٤) وليس لمن تعذر عليه استيفاء حقه إمساك وحبس حق خصمه ولا استيفاؤه إلا بحكم لقوله ﷺ : "أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك". (٥)

стр. 8754

مذهب الإمامية: من أمسك إنسانًا حتى جاء آخر فقتله فالقصاص على القاتل دون الممسك، لكن يحبس الممسك أبدا حتى يموت. ولو أمسكه وكتفه وألقاه في أرض مسبعة فافترسه الأسد فلا قصاص ويضمن ديته اتفاقًا (١) والمجنون الضارى كالسبع. ولو حبسه عن الطعام وجوّعه حتى مات جوعًا وجب القصاص. وكذا لو حبسه مدة عن الشراب لا يحتمل مثله الصبر عنه فمات لزمه القصاص. (٢) وإذا أخذ صغيرًا فحبسه ظلمًا فوقع عليه حائط أو قتله سبع أو لسعته حية أو عقرب فمات كان عليه ضمانه. وأما إذا مات حتف أنفه فلا ضمان عليه. وإذا طرح شخصًا في النار على وجهه لا يمكنه الخروج منها فمات كان عليه القصاص بلا خلاف فإن طرحه بحيث يمكنه الخروج فلم يخرج حتى مات لم يكن عليه قصاص. وكذا إذا ألقاه في لُجَّة البحر فهلك وجب عليه القصاص؛ سواء كان يحسن السباحة أو لم يكن يحسنها. وإن ألقاه بقرب الساحل وكان مكتوفًا فمثل ذلك. سواء كان يحسن السباحة أم لا (٣) وإن ألقاه في ماء فأمسك نفسه تحت الماء مع القدرة على الخروج حتى مات فلا قصاص ولا دية على من ألقاه (٤). وإن أمسك يد إنسان وعضها فأنتزع المعضوض يده فسقطت أسنان العاض كانت هدرًا. ولو عدل إلى تخليص نفسه بلكمة أو جرحه إن تعذر التخلص بالأخف جاز ولو تعذر ذلك جاز أن يبعجه بسكين أو خنجر. ومتى قدر على التخلص بالأسهل فتخطى إلى الأشق بضمن. (٥) وإذا دخل رجل دار قوم بإذنهم فعقره كلبهم - الممسك بدارهم - كان عليهم ضمانه. (٦) ولو أمسك شخص صانعًا وحبسه عن مزاولة صنعته لم يضمن الممسك أجرته ما لم ينتفع به لأن منافعه في قبضته. ولو حبس مالك الماشية عن حراستها فاتفق تلفها ففى الضمان تردد؛ وكذا لو غصب شاة فمات ولدها جوعًا (٧)

стр. 8755

مذهب الإباضية: يقتص ممن أمسك إنسانًا لواحد أو جماعة ليقتلوه وهو يعلم ذلك. كما يقتص أيضا ممن باشر القتل واحدًا كان أو جماعة. أما إن أمسكه واحد يظن أنهم يؤدبونه فقتلوه فلا يقتل الممسك (١) وإن ربط شخص شخصًا أو حبسه حتى قتله سبع أو حية أو عقرب أو نحوهما من الهوام القاتلة. أو قتله بردٌ أو عطشٌ أو نحوهما كحرق وغرق وهدم فعليه ديته ولا يقتل وكذا إن حصل بذلك زوال عضو من أعضائه فعليه أرش ذلك العضو ولا قصاص. وإن أمسكه ورماه على حيّة ونحوها أو على سبع أو في بئر أو في بحر أو من عمال فمات من ذلك قتل به. ومن أعطى لطفل أو مجنون ونحوه من كل من لا يعرف ما يضر حيّة فلسعته أو عقربًا أو نحوها فمات لزمته الدية لا القصاص. ومن أركب طفل غيره أو نحوه على الداية فهلك ضمنه. (٢) ويكره للذابح أن يمسك الذبيحة بعد ذبحها بل يدعها تتحرك حتى تموت إلا إن رجالها سلامة في ذلك أكثر من تركها فلا يكره. وإن كان الإمساك يعين على موتها عادة فهو من المفسدات وإلا فلا تفسد به فتؤكل. ومن المحفوظ: أنه إن أمسك أرجل الذبيحة كلها فسدت فلا تؤكل. أما إن أطلق بعضها فلا تفسد (٣) ومن ذبح شاة أو غيرها وأمسكها حتى ماتت فسدت إن لم تتحرك بعد ترك إمساكها، سواء كانت مريضة أم لا؛ لاحتمال أنها قد ماتت قبل الذبح. فإن تحرك ما أمسكه منها أو غيره حلت. وإن لم يتحرك احتمل أنه منع من تحرك ما أمسكه منها إمساكه؛ واحتمل أنه لا يتحرك حتى ولو أطلقه فلم يتيقن تحركه ولا عدمه فلم يحكم بحلها. والمختار: أن تؤكل إن كانت صحيحة مطلقا، سواء تحركت بعد الإطلاق أم لا. وسواء أمسكها أم لم يمسكها أصلا ما دام قد ذكاها. أما إن كانت مريضة فلا تؤكل حتى تتحرك، سواء أمسكها أم لم يمسكها. (٤) إمساك المحرم الصيد وإمساكه الصيد بالجوارج مذهب الحنفية: لو أصاب الحلال صيدًا ثم أحرم فإن كان ممسكًا إياه بيده وجب عليه إطلاقه ليعود به إلى الأمن الذي استحقه بالإحرام. فإن لم يرسله حتى هلك في يده يضمن قيمته وإن أرسله إنسان من يده ضمن له قيمته في قول أبى حنيفة. لأنه أتلف صيدًا مملوكًا للمحرم لأنه أخذه وهو حلال فيضمن المرسل كما لو أتلفه قبل الإحرام.

стр. 8756

وعند أبى يوسف ومحمد: لا يضمن لأن الإرسال كان واجبًا على الملحرم حقًّا لله فإذا أرسله الأجنبى فقد احتسب بالإرسال فلا يضمن كما لو أخذه وهو محرم فأرسله إنسان من يده. وإن كان ممسكًا إياء في قفص معه أو في بيته لا يجب إرساله حتى أنه لو لم يرسله فمات لا يضمن. لأن ملكه لم يزل عنه بطروء الإحرام. وهذا التفصيل فيما إذا كان طيرًا أو وحشًا وإلا فيجب إرساله للحلّ على وجه غير مضيع له كأن يودعه أو يرسله في قفص ونحوه. وهذا كله فيما إذا أمسكه وهو حلال ثم أحرم أو دخل الحرم ممسكًا به ولو حلالًا أما إذا أمسكه في الحلّ أو الحرم وهو محرم أو في الحرم وهو حلال فإنه يجب عليه إطلاقه بالإجماع؛ سواء كان ممسكًا إياه في يده أو في قفص معه أو في بيته، لأن الصيد استحق الأمن بإحرامه وفى الحرم؛ وقد فوت عليه الأمن بالأخذ فيجب عليه إعادته إلى حالة الأمن التي كان عليها وذلك بإطلاقه وإرساله. ولو لم يرسله حتى هلك فعليه الجزاء. وإن أرسله محرم من يده فلا شيء على المرسل لأن الصائد لم يملك الصيد بإمساكه له فلم يصر بالإرسال متلفًا ملكه وإنما وجب عليه الإرسال ليعود إلى حالة الأمن فإذا أرسله فقد فعل ما وجب عليه. وإن قتله فعلى كل واحد منهما جزاء أما القاتل فلأنه محرم من قتل صيدًا وأما الآخر فلأنه فوت الأمن على الصيد بالأخذ وإنه سبب لوجوب الضمان. إلا أنه يسقط بالإمساك فإذا تعذر الإرسال، ويسقط وللآخذ أن يرجع بما ضمن على القاتل عند أصحابنا الثلاثة. وأما الممسك فلأنه فوت الأمن على الصيد بإمساكه له وهو سبب لوجوب الضمان. إلا أنه يسقط بالإرسال فإذا تعذر الإرسال لم يسقط والممسك أن يرجع بما ضمن على القاتل عند أبى حنيفة وصاحبه خلافًا لزفر. وإذا ملك الصيد وهو حلال وأرسله لإحرامه أو دخوله الحرم فإنه يكون له إمساكه في الحل. وله أخذه من إنسان أخذه من الحل أو الحرم، لأنه لم يخرج عن ملكه لأنه ملكه وهو حلال بخلاف ما لو أخذه وهو محرم فليس له إمساكه بعد إرساله وليس له أخذه منه؛ لأنه لم يملكه ولأنه لم يرسله عن اختيار لأن الشرع ألزمه بإرساله فكان مضطرًا شرعًا إليه. (١)

стр. 8757

هذا في إمساك الصيد في الحرم أو للمحرم ولو في الحلّ. وأما بالنسبة لإمساك الصيد بواسطة الجوارح من الحيوانات التي يصطاد بها لغير المحرمين فهذه تنقسم إلى قسمين: (الأول منهما) ذو الناب من السباع كالكلب والفهد. (والثانى) ذو المخلب من الطير كالصقر والبازى فأما الأول وهو الكلب ونحوه فيشترط في حل الصيد به ليؤكل صيده أن يكون معلمًا إمساك الصيد لصاحبه. فإذا تحقق ذلك دل على أنه قد صار معلمًا فيحل أكل صيده ودليل ذلك من القرآن قوله : ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (١) ففى الآية الكريمة إشارة إلى أن حدّ تعليم الكلب وما هو في معناه ما ذكر وهو الإمساك على صاحبه وترك الأكل منه؛ لأنه شرط التعليم ثم أباح أكل ما أمسك علينا فكان هذا إشارة إلى إن التعليم هو أن يمسك علينا الصيد ولا يأكل منه. ومن السنّة ما روي عن عديّ بن حاتم الطائي عن النبى ﷺ قال: "إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله فكل مما أمسكن عليك إلا أن يأكل الكلب فلا تأكل. فإنى أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه" (٢). وأما المعقول فمن وجهين: (أحدهما) أن أخذ الصيد وقتله مضافٌ إلى صاحبه وإنما الكلب آلة الأخذ والقتل. وإنما يكون مضافا إليه إذا أمسك لصاحبه لا لنفسه؛ لأن العامل لنفسه يكون عمله مضافا إليه لا إلى غيره والإمساك على صاحبه أن يترك الأكل منه. (الثاني) أن تعليم الكلب ونحوه هو تبديل طبعه وفطامه عن العادة المألوفة ولا يتحقق ذلك إلا بإمساك الصيد لصاحبه وترك الأكل منه لأن الكلب ونحوه من السباع من طبعه أنه إذا أخذ صيدًا فإنما يأخذه لنفسه ولا يصبر على عدم التناول منه، فإذا أخذ الصيد ولم يتناول منه دل ذلك على أنه ترك عادته حيث أمسك لصاحبه ولم يأكل منه فإذا أكل منه دل على إنه على عادته فثبت أن معنى التعليم لا يتحقق إلا بما ذكر وهو أن يمسك الصيد لصاحبه ولا يأكل منه. ونظرًا لأن حال الكلب ونحوه في إمساك التقتيد وترك الأكل منه يختلف فقد يمسك للتعليم وقد يمسك للشبع لم يدر فيه الإمام أبو حنيفة تقديرًا معينًا بل قال في الرواية المشهورة عنه: يرجع في ذلك إلى أهل الصناعة. وقال أبو يوسف ومحمد: إذا أمسك لصاحبه وترك الأكل ثلاث مرات دلّ على أنه معلم فيؤكل ما أمسكه من صيد بعد ذلك. ولو أمسك الكلب الصيد وجرحه وشرب من دمه يؤكل. لأنه قد أمسك الصيد على صاحبه وذلك من غاية تعلمه حيث تناول ما لا يصلح لصاحبه وامسك عليه الطيّب الذي يصلح له.

стр. 8758

وكذلك يؤكل الصيد لو أخذه صاحب الكلب بعد إمساك الكلب له ثم وثب الكلب على الصيد فأخذ منه قطعة فأكلها والصيد في يد صاحبه؛ لأن الأكل بعد ثبوت يد الآدمى عليه بمنزلة الأكل من غيره فلا يقدح في تعليمه ولا في إمساكه على صاحبه. وأما النوع الثاني وهو الصقر ونحوه من كل ذى مخلب فلا يشترط لحل أكل صيده الإمساك على صاحبه حتى لو أخذ الصيد فأكل منه فلا بأس بأكل صيده. لأن التعليم يترك العادة والطبع والصقر من عادته التوحش من الناس والتنفر منهم بطبعه فألفه الناس وإجابته صاحبه إذا دعاه يكفى دليلًا على تعلمه بخلاف الكلب فإنه ألوف بطبعه فلابد من زيادة أمر فيه وهو ترك الأكل. (١) ولا يعتبر إمساك الكلب وغيره للصيد بدون الإثخان أي الجرح حتى لو أرسل شخص صقره فأمسك الصيد بمخلبه ولم يثخنه فأرسل آخر فقتله فهو للثانى، لأن يد الصقر ليست بيد حافظة لتقام مقام يد المالك. (٢) مذهب المالكية: لا يجوز للمحرم إمساك الصيد حالة الإحرام، وإذا أحرم وكان معه صيد فإنه يجب عليه إرساله؛ سواء كان بيده ولو في قفص أو غيره أو كان يقوده أو مع رفقته في السفر والمشهور أن ملك صاحبه يزول عنه حالًا وما لا بنفس الإحرام فلو أرسله صاحبه فأخذه غيره وظل في يده حتى حل صاحبه من إحرامه فليس لصاحبه أخذه ممن أخذه وهو لآخده. وإن أمسك المحرم الصيد وأبقاء بيده حتى حل من إحرامه فكذلك يجب عليه إرساله. وإن أمسكه وأبقاه بيده حتى مات أو ذبحه فإنه يلزمه جزاؤه. وهذا إذا كان ممسكًا بالصيد معه على الوجه المذكور. أما من أحرم وفى بيته صيد فلا شيء عليه ولا يرسله؛ سواء أحرم من منزله أو من ميقاته وهو المذهب. والفرق بين إمساكه للصيد في بيته حيث يجوز وبين إمساكه في قفص بيده حيث لا يجوز أن القفص حامل له وينتقل بانتقاله وحينئذ فالصيد الذي فيه كالصيد الذي في يده وأما بيته فهو مرتحل عنه وغير مصاحب له. وإذا أمسك المحرم الصيد ليرسله لا ليقتله فعدا عليه غيره فقتله فإن كان القائل محرمًا أو حلالًا في الحرم فجزاؤه على القاتل ولا شيء على الممسك. وإن كان القاتل له حلالًا في الحلّ فجزاؤه على المحرم الذي أمسكه لئلا يخلو الصيد الذي مع المحرم من جزاء؛ ويغرم القاتل للمحرم الممسك الأقل من قيمة الصيد طعامًا.

стр. 8759

ومثله يرجع عليه به إن أطعم أو أخرج المثل. أما إن صام المحرم الممسك فلا رجوع له على الحلال القاتل بشيء. وإن أمسك المحرم الصيد لأجل أن يقتله فقتله محرم آخر فهما شريكان في قتله وعلى كل منهما جزاء كامل نظرًا إلى التسبب والمباشرة. وأما لو قتله خلال فإما أن يقتله في الحل أو في الحرم فإن قتله في الحرم فعلى كل منهما جزاء كامل وإن قتله في الحلّ فجزاؤه على المحرم الذي أمسكه؛ ويغرم الحلال له قيمته طعامًا إن كانت قيمته أقلّ من جزائه. (١) هذا في إمساك الصيد بالنسبة للمحرم أو في الحرم مطلقًا. أما بالنسبة لإمساك الصيد بواسطة الجوارح التي يرسلها أصحابها عليه فلا يشترط في إمساك الجارح للصيد وإباحة أكله أن يمسكه على صاحبه، فليس من شرط الجارح سواء كان كلبًا أو غيره ألا يأكل من الصيد بعد إمساكه؛ وذلك لما روى عن عيد الله بن عمر، أن أبا ثعلبة الخشنى قال: يا رسول الله إن لى كلابا مكبلة فافتنى في صيدها، قال: إن كانت لك كلاب مكبلة فكل مما أمسكت عليك، فقال: يا رسول الله ذكى وغير ذكى؟ قال: ذكى وغير ذكى. قال وإن أكل منه؟ قال: وإن أكل منه" (٢). وقال بعض متأخرى المالكية: إن مجرد إرسالنا الكلب إمساك علينا؛ لأن الكلب لا نية له فليس الأكل بدليل على أنه لم يمسك لصاحبه. ولا الإمساك لصاحبه شرط في الذكاة؛ لأن نية الكلب غير معلومة. وقد يمسك لصاحبه ثم يبدو له فيمسك لنفسه. (٣) وإذا أرسل الصائد كلبه على صيد فأمسكه ثم أرسل صقرا أو كلبا بعد إمساك الأول للصيد فقتل الثاني الصيد فلا يؤكل. لأنه بعد أن أمسكه الأول صار أسيرا مقدورا عليه. وكذا لو قتلاه جميعا في هذه الصورة لا يؤكل أيضا للشك في المبيح. أما لو أرسل الجارح الثاني بعد إمساك الأول فقتله الأول قبل وصول الشانى إليه فلا شك أنه يؤكل للعجز عنه حين إرسال قاتله. وكذلك لو أرسل الثاني قبل إمساك الأول له فقتله الثاني قبل إمساك الأول أو بعده أو قتلاه مما ولو أمسك صيدا بحباله مثلا وصار تحت يده ثم رماه آخر بسهم فقتله فلا يؤكل لأنه بالأمساك صار أسيرا مقدورا عليه. وحينئذ فلا يؤكل إلا بزكاة شرعية كالشاة ويضمن هذا الذي رماة فقتله للأول قيمته مجروحا. وإذا أمسك كلب المسلم الصيد وعاونه في إمساكه كلب الكافر فإنه يؤكل وذلك لأنه الممسك كلبه بعد إمساك كلب الكافر الصيد. (٤)

стр. 8760

مذهب الشافعية: يحرم إمساك صيد الحرم على المحرم وغيره فلو أمسكه شخص لزمه إرساله فإن ظل ممسكا به حتى تلف في يده ضمنه كالغاصب، لحرمة إمساكه. (١) أما إن اصطاد الحلال صيدا في الحل وأدخله الحرم فإنه يجوز له إمساكه فيه وذبحه والتصرف فيه كيف شاء؛ لأنه من صيد الحل فلم يمنع من التصرف فيه. قال الشافعي في الإملاء: إذا أمسك الحلال صيدا في الحل وله فرخ في الحرم فمات الصيد في يده ومات الفرخ ضمن الممسك الفرخ، لأنه مات في الحرم بسبب من جهته ولا يضمن الأم، لأنه صيد في الحل مات في يد الحلال (٢) ولو أمسك محرم صيدا فقتله محرم آخر ضمن القاتل. لأنه مباشر ولا أثر للإمساك مع المباشرة. وإذا أحرم الشخص وفى ملكه صيدا. أي مأكول برى وحشى ولو في بلده زال ملكه عنه بإحرامه ولزمه إرساله. لأنه لا يراد للدوام فتحرم استدامته. فإن ظل ممسكا به حتى تحلل من إحرامه فإنه يلزمه إرساله أيضا ويضمن إن مات في يده؛ لأن الملك لا يعود بعد التحلل. بخلاف من أمسك خمرا غير محترمة حتى تخللت لا يلزمه إراقتها والفرق أن الخمرة انتقلت من حال إلى حال. فإن مات الصيد في يد المحرم قبل إرساله ضمنه ولو لم يتمكن من إرساله قبل موته لأنه كان يمكنه إرساله قبل الإحرام. وإذا زال ملكه عنه صار مباحا لآخذه. فلا غرم له إذا قتله الغير أو أرسله. ومن أخذه ولو قبل إرسال مالكه له وليس لآخذ محرما فإنه يملكه. وإذا أمسك المحرم الصيد وأخذه تخليصا له من سبع ونحوه أو مداويا له فمات في يده لم يضمن لأنه قصدا المصلحة فجعلت يده وديعة (٣). وأما إمساك الصيد بواسطة الجوارح من السباع أو الطير ككلب وفهد وصقر فإن من شروط حل أكل ما قتله الجارح منها أن يمسك الصيد المرسل عليه -أي يحبسه- لصاحبه فإذا جاء صاحبه خلى بينه وبينه من غير مدافعة، ولا يأكل منه بعد إمساكه قبل قتله أو بعده. وظاهر كلامهم -على ما ذكره ابن حجر في تحفة المحتاج- أنه لا فرق بين أكله عقب إمساكه أو بعده وإن طال الفصل.

стр. 8761

وقال البلقينى: إذا أكل الجارح من الصيد عقب قتله له أو قتله مع حصول القتل لم يحل. أما إذا كان بعد أن أمسكه وقتله. أو أكله ولم يقتله فإن هذا لا يضر في التعليم كما لا يؤثر في تحريم ما أكل منه فيحل أكله. واشتراط إمساك الصيد لصاحبه مع عدم الأكل منه هو ما نص عليه الشافعي كما نقله البلقينى وغيره؛ ثم قال ولم يخالفه أحد من الأصحاب. إلا أن ظاهر كلام المنهاج والروضة يخالف ذلك حيث خص ذلك بجارحة السباع فقط. أما جارحة الطير فيشترط فيها ترك الأكل من الصيد فقط؛ أما إمساك الصيد لصاحبها فلا تشترط فيها. ولو أراد الصائد أخذ الصيد من الجارح بعد إمساكه له وقبل أن يأكل منه فامتنع وصار يقاتل دونه فإنه يعتبر أنه أمسك على نفسه فلا يحل أكله. أما إن لعق من دم الصيد فلا يضر. ولو أمسك الجارح صيدا أرسل عليه ثم عَن له آخر ولو بعد الإرسال فأمسكه حل أكله في الأصح، سواء كان الصيد موجودا حالة الإرسال أم لا، لأن المعتبر أن يرسله على صيد وقد وجد. ولو تحاملت الجارحة على صيد فقتلته بقوة إمساكها حل أكله في الأظهر؛ لإطلاق قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ ولأنه يعسر تعليم الجارح ألّا يقتل إلا جرحًا ويحرم أكل الصيد إذا أمسكه كلب مجوسيّ ونحوه ممن لا تحل ذبيحته؛ وكذا إذا شارك كلب أحدهم كلب المسلم أو شاركه كلب غير معلم أو كلب معلمٌ عدا بنفسه. وإن أمسك مجوسى لمسلم صيدًا فذبحه لم يحرم أكله، لأن المقصود الفعل وقد حصل ممن يحل ذبحه فلا يؤثر فيه الإمساك (١). مذهب الحنابلة: إن أمسك الصيد محرم بالحرم أو الحلّ؛ أو أمسكه حلال بالحرم فذبحه المحرم ولو بعد حلّه من إحرامه، أو ذبحه ممسكه ولو بعد إخراجه من الحرم إلى الحلّ ضمنه؛ لأنه تلف بسبب كان في إحرامه أو في الحرم. إن أمسك المحرم صيدًا حتى تحلل من إحرامه لزمه إرساله لعدوان يده عليه. فإن تلف الصيد من يده قبل إرساله ضمنه لما ذكر. ومن أمسك صيدًا في الحلّ فأدخله الجرم المكى لزمه إرساله؛ لأنه صار صيد حرمٍ بحلوله فيه. وكذلك من أمسك صيدًا في الحرم فأخرجه إلى الحل لزمه إرساله اعتبارًا بحال السبب. فإن تلف في يده ضمنه كصيد الحل في حق المحرم إذا أمسكه حتى تحلل.

стр. 8762

وإن أمسك حلال طائرًا في الحل فهلك فراخه في الحرم فإنه يضمن الفراخ في أصح الروايتين لأنه بإمساكه أتلف صيدًا حرميًا فيضمنه كما لو كان في الحرم، ولا يضمن الأم لأنها من صيد الحلّ وهو حلال. أما إن أمسك حمامة مثلًا في الحرم فهلك فراخها في الحل فلا ضمان عليه. لأن الأصل الإباحة وليس من صيد الحرم فليس بمعصوم. وإن أمسك المحرم الصيد ليخلص من رجله خيطًا فتلف بذلك لم يضمنه لأنه فعل أبيح لحاجة الحيوان فلم يضمنه. ولو أمسك المحرم الصيد ليداويه فهو وديعة عنده فلا ضمان عليه إن تلف بلا تعد ولا تفريط لأنه محسن. وإن أحرم الشخص وفى يده صيد أو دخل الحرم المكيّ بصيد لم يزل ملكه عنه؛ فيرده من أخذه منه لاستدامة ملكه عليه؛ ويضمنه من قتله كسائر الأموال المحترمة. إلا أنه يلزم من أحرم وفى يده صيد أو دخل الحرم وفى يده صيد إرساله في موضع يمتنع فيه لأن في عدم ذلك إمساكًا للصيد فلم يجر كحالة الابتداء. ويلزمه إزالة يده المشاهدة عنه مثل ما إذا كان في قبضته أو رحله أو خيمته أو قفصه أو كان مربوطًا بحبل معه ونحوه. أما إن كان الصيد في يده الحكمية فلا يلزمه إزالتها مثل أن يكون الصيد في بيته أو بلده أو في يد نائبه الحلال في غير مكانه؛ لأنه لم يفعل في الصيد فعلًا فلم يلزمه شيء كما لو كان في ملك غيره وعكس هذا إذا كان في يده المشاهدة، لأنه فعل الإمساك في الصيد فكان ممنوعًا منه كحالة الابتداء فإن استدامة الإمساك إمساك بدليل أنه لو حلف لا يمسك شيئًا فاستدام إمساكه حنث. ولا يضمنه إذا تلف بيده الحكمية، لأنه لا تلزمه إزالتها ولم يوجد منه سبب في تلفه وللمحرم نقل الملك في الصيد الذي بيده الحكمية بالبيع وغيره كسائر أملاكه. ومن غصبه لزمه رده إلى مالكه. لاستمرار ملكه عليه. ولو تلف الصيد في يد المحرم المشاهدة قبل التمكن من إرساله لم يضمنه لعدم ما يقتضيه من تعد وتقصد. أما إن تمكن من إرساله ولم يرسله فتلف فإنه يضمنه. لأنه تلف تحت يده المعتدية فلزمه الضمان كمال الآدمى. وإن أرسل الصيد إنسان من يد المحرم المشاهدة قهرًا لم يضمنه. لأنه فعل ما تعين على المحرم فعله في هذه العين خاصة. لأن اليد قد زال حكمها وحرمتها.

стр. 8763

ولو أمسك المحرم الصيد المملوك له قبل إحرامه بيده المشاهدة حتى تحلل من إحرامه فإن ملكه يظل باقيًا عليه؛ واعتبره في المغنى والشرح الكبير كعصير تخمر ثم تخلل قبل إراقته وفى الكافى وجزم به في الرعايه؛ أنه يلزمه إرساله بعد حلّه كما لو أمسكه حال إحرامه ومن أدخل المدينة صيدًا فله إمساكه وذبحه نصًا، لقول أنس "كان النبي ﷺ أحسن الناس خلقًا وكان لى أخ يقال له أبو عمير قال أحسبه فطيمًا وكان إذا جاء قال: يا أبا عمير ما فعل النّغير" (١) متفق عليه. وإن اشترك جماعة في قتل صيد وكان بعضهم ممسكًا للصيد والآخر قاتلًا فعليهم جزاء واحد (٢) هذا في إمساك الصيد في الحرم أو في حالة الإحرام. أما إمساك الصيد بواسطة الجوارح المعلمة فيشترط فيما يصيد بنابه منها كالكلب أنه إذا أمسك الصيد لم يأكل منه لقوله ﷺ : "فإن أكل فلا تأكل فإنى أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه" (٣) فإن أكل منه حرم لأنه إنما أمسكه على نفسه وإن أمسكه وشرب من دمه ولم يأكل منه لم يحرم؛ لأنه لم يأكل منه. أما ما يصيد بمخلبه كالصقر فلا يشترط فيه هذا. ولو أمسك الصائد الصيد وثبتت يده عليه ثم انفلت منه فإن ملكه لا يزول عنه بانفلاته. ولو أمسك كلب مجوسيّ الصيد فقتله كلب المسلم حل أكله لانفراد جارح المسلم بقتله كما لو أمسك مجوسيّ شاة فذبحها مسلم. وكذلك لو ذبح مسلم صيدًا أمسكه له مجوسيّ بكلبه وقد جرحه كلب المجوسيّ جرحًا غير قاتل حلّ لحصول ذكاته المعتبرة من المسلم. (٤) مذهب الظاهرية: قال ابن حزم: كل من أحرم وفى يده صيد قد ملكه قبل ذلك أو فى منزله قريبا أو بعيداً أو فى قفص معه فهو حلال له - كما كان - أكله وذبحه وملكه وبيعه. وإنما يحرم عليه ابتداء التصيد للصيد وتملكه وذبحه حينئذ فقط؛ ولو أنتزعه حلال من يده لكان للذى انتزعه منه ولا يملكه المحرم وإن أحل من إحرامه إلا بأن يحدث له تملكًا بعد إحلاله وكل

стр. 8764

ما صاده المحل في الحل فأدخله في الحرم أو وهبه لمحرم أو اشتراه محرم فحلال للمحرم ولمن فى الحرم ملكه وذبحه وأكله. (١) هذا بالنسبة لإمساك الصيد للمحرم بالحج أو في الحرم مطلقًا. أما بالنسبة لإمساك الصيد بواسطة الجوارح المعلمة فقال ابن حزم: إذا أمسك الجارح الصيد ولم يأكل منه شيئًا فحلال أكل ما أمسكه مما أطلقه عليه صاحبه. لأن الله سبحانه لم يبح لنا ما أمسكن فقط ولا ما أمسكن على أنفسهن بل ما أمسكن علينا فقط وبالمشاهدة ندرى أنه إذا أكل منه فعلى نفسه أمسك ولها صاد فهو حرام وسواء في ذلك الكلب وغيره من سباع الدواب والبازى وغيره من سباع الطير ولا فرق (٢). وإن شرب الجارح من دم الصيد لم يضر ذلك شيئًا وحل أكل ما قتل، لأن النبي ﷺ حرم علينا أكل ما قتل إذا أكل وإذا لم يأكل من الصيد فقد أمسكه على مرسله. (٣) وإن أمسك الجارح الصيد ونازع صاحبه إلى الأكل منه لم يحلّ أكل الصيد أصلًا لأننا على يقين حينئذ من أنه أمسك على نفسه لا على صاحبه (٤). ولو أمسك الجارح الصيد وقتله ولم يأكل منه شيئًا وهو قادر على الأكل منه ثم أكل منه فباقيه حلال، لأننا على يقين من أنه لم يأكل منه وهو قادر على الأكل منه فلم يمسك على نفسه وإنما أمسك على مرسله وما كان بهذه الصفة فهو حلال بنص القرآن والسنة. وإذ قد صح تحليله بذلك وتمت ذكاته فلا يضره أن يأكل منه بعد ذلك؛ لأنه قد بدا له أن يأكل مما قد صح أنه أمسكه على مرسله وقد يحدث له جوع يأكل به ما وجد وإنما المراعى إمساكه على صاحبه فيؤكل وإن قتل. أو إمساكه على نفسه فلا يؤكل ما قتل فقط كما أمر الله تعالى على لسان رسوله ﷺ في القرآن والسنن الثابتة (٥). وكذلك لو أمسكه وقتله ولم يأكل ثم أخذه صاحبه فقطع له قطعة فأكلها أو خلاه بين يده يأكله فأكل منه فالباقى حلال، لأنه صح إمساكه على صاحبة فتمت ذكاته بذلك (٦). مذهب الزيدية: من محظورات الإحرام إمساك الصيد وقتله بسبب هذا الإمساك نحو أن يمسكه المحرم حتى مات عنده أو حتى قتله غيره؛ ويلزمه حينئذ الجزاء والإثم. وإذا أمسك المحرم صيدًا ثم أرسله لزمه أن يتصدق بطعام يرجع في تقديره قلّة وكثرة إلى قدر ما رأى من إفزاعه.

стр. 8765

وإذا أمسك المحرم الصيد استخلاصًا له من فم هرة أو سبع فتلف في يده فوجهان: أصحهما لا ضمان عليه. إذ ما على المحسنين من سبيل. قال في البحر الزخار: إلا أن يكون قد تمكن من إرساله على وجه يسلم به ولم يفعل ثم مات فإنه يلزمه الجزاء. وإذا أمسك المحرم صيدًا وحمله إلى بلده لزمه رده ورد ما أخذه معه من أولاد وبيض إلى موضعه الذي أخذه فيه. سواء كان في الحرم أو في الحلّ، وإذا مات شيء من الأولاد لزمه الجزاء ولو كان الموت بعد إحلال المحرم من إحرامه. (١) ومن أمسك صيدًا وحبسه في الحل فمات فرخه في الحرم ضمن الممسك الفرخ. وفى عكس ذلك يضمنهما جميعًا إن كان مُحرمًا وإلا سقط ضمان الذي في الحلّ ولو أخذ الحلال الصيد من ممسكه المحرم فأرسله فلا شيء عليهما سوى التصديق بطعام ولو قتل الحلال ما أمسكه المحرم ضمنه المحرم، لأن قتله محرّم فقرار الضمان عليه إذ هو مباشر والممسك ذو سبب. قال صاحب البحر الزخار: وقياس المذهب تضمنهما جميعًا (٢). وبناء على أنه لا يجوز للمحرم إمساك الصيد بعد الإحرام فإنه يخرج عن ملكه إن كان ممسكًا له قبل الإحرم؛ سواء كان في يده أم في بيته ويجب عليه إرساله فإن تلف في يده أو في بيته بعد التمكن من إرساله لزمه الجزاء. والصيد يخرج عن ملك ممسكه المحرم حال إحرامه فقط فإذا حل من إحرامه رجع في ملكه فلو أمسكه غيره أو أخذه آخذ غير محرم قبل أن يحلّ مالكه الأول من إحرامه جاز ذلك. فإن حل مالكه الأول من إحرامه قبل أن يتلفه الآخذ له رجع إلى ملكه، لأن له فيه حقًّا يعيده في ملكه. وإن أتلفه الآخذ قبل إحلال الأول فلا ضمان عليه. (٣) وكما لا يجوز إمساك الصيد في حرم مكه لا يجوز في حرم المدينة والاستفهام في حديث "يا أبا عمير ما فعل النُغيْر" (٤) ليس بتقرير لجواز إمساك الصيد في حرم المدينة. (٥) هذا بالنسبة لإمساك الصيد في الحرم وللمحرم. أما بالنسبة لإمساك الصيد بواسطة الجوارح المعلمة فإنه يحرم ما أمسكه الجارح على نفسه ويعرف ذلك بقرائن من أقواها الأكل من مصيده. وذلك قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ فظاهره يدل على أنه إذا أكل فقد أمسك على نفسه.

стр. 8766

وما روى الشعبي عن عدى بن حاتم أن رسول الله ﷺ قال: "ما علمت من كلب أو بازٍ ثم أرسلته وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك قلت وإن قتل قال: وإن قتل ولم يأكل منه شيئًا فإنما أمسكه عليك" (١). وفى رواية شاذة عن علي ﵇: أنه يحل ما أمسكه إذا أكل منه بعد أن ثبت تعليمه من قبلء واحتج أهل هذا القول الثاني بحديث أبى ثعلبة الخشنى قال: "قال رسول الله ﷺ في صيد الكلب: إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل وإن أكل منه وكل ما ردت عليك يدك" (٢) (أي كل ما صدته بيدك لا بشئ من الجوارح ونحوها). وجمع بعضهم بين أدلة القولين بأن حديث عديّ محمول على كراهة التنزيه. وحديث أبى ثعلية لبيان أصل الجواز. قيل ويناسبه أن عديًا كان موسرًا فاختير له الأولى بخلاف أبى ثعلبة فإنه كان من الأعراب المعسرين. وإطلاق قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ يتناول ما قتله بنابه أو ظفره أو بثقله ولو بالفم الرصن أو نحوه؛ إذ يصدق عليه أنه قتله ممسكًا له على صاحبه ولم يذكر فيه بجراحة ولا غيرها. ولما في حديث عدى في رواية عند مسلم أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله إن أمسك عليك فأدركته حيًا فاذبحه. وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله فإن أخذ الكلب ذكاة، وهو دليل على الإباحة سواء قتله الكلب جرحًا أو خنقًا (٣). وهو مذهب الحسن بن زياد. وذهبت القاسمية إلى اشتراط الخرق بناب أو ظفر. (٤) وإذا أمسك الجارح الصيد وقتله بدون إرسال لم يحل أكله. لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، وهذا ممسك لنفسه لا على صاحبه. ولو أمسك الصيد ذو ناب من الجوارح غير معلم حتى قتله ذو ناب معلم لم يحل أكله. وفارق هذا ما إذا أمسك الكافر حيوانًا حتى ذبحه المسلم فإنه يحل. لأنه ذكاة محققة بخلاف ذلك (٥) وإن أمسك الصيد كلبان لمسلم وكافر حرم أكله أيضا تغليبًا للخطر، إذ هو الأصل في الحيوان فلا ينتقل عنه بالشك. وإن انفلت الصيد من الكلب مثلًا بعد إمساكه له فوجهان:

стр. 8767

(أحدهما) - يملكه الصائد إن كان قد أمكنه أخذه؛ إذ قد حازه. (وثانيهما) - لا يملكه؛ إن لم تثبت له يد عليه ولا أزال امتناعه. (١) وما وقع من الصيد في الشبكة والحظيرة وانفلت قبل لبثه فيها قدرًا يمكن إمساكه فهو لمن أخذه (٢). مذهب الإمامية: لو أمسك المحرم صيدًا في الحل فذبحه محرم آخر لزم كلّ واحد منهما فداء كامل. ولو كانا في الحرم تضاعف الفداء، ولو كانا حلالين في الحرم لم يتضاعف، ولو كان أحدهما محرمًا تضاعف الفداء في حقه. ولو أمسكه المحرم في الحل فذبحه الحلال ضمن فداءه المحرم خاصة. ومن دخل الحرم وهو ممسك بصيد وجب عليه إرساله. ومن كان معه صيد فأحرم زال ملكه عنه ووجب إرساله، فلو مات قبل إرساله لزمه ضمانه. وهذا إذا أمسكه معه في يده ونحوها. أما إن كان بعيدًا عنه في منزله أو بلده فلا يزول ملكه عنه. وإذا أمسك المحرم صيدًا له فرح فتلف الفرخ بإمساكه لأمه ضمن. وكذلك لو أمسك الحلال صيدًا له فرخ في الحرم (٣). هذا بالنسبة لإمساك الصيد في الحرم وللمحرم. أما إمساك الصيد بواسطة الكلب فمن شرائط حلّ أكل صيده أنه إذا أمسك الصيد وقتله بالجرح لا بالصدم ونحوه ألا يأكل منه. فإن أكل نادرًا لم يقدح ذلك في إباحة ما يقتله وكذا لو شرب من دم الصيد واقتصر. وهذا الشرط خاص بالكلب المعلم دون غيره من الجوارح السباع والطير. فلو اصطاد بغيره - سواء كان سبعًا أو طيرًا - لم يل منه إلا ما يدرك ذكاته بعد إمساكه وقبل قتله له وسواء كان معلمًا أو غير معلم. وإذا أمسك الصائد الصيد بيده أو بما يعتاد الاصطياد به فإنه يملكه ولا يخرج عن ملكه بانفلاته أو إطلاقه من يده بعد إمساكه. وإذا أمكن الصيد التحامل طائرًا أو عاديًا بحيث لا يقدر عليه إلا بالاتباع المتضمن للإسراع لم يملكه الأول وكان لمن أمسكه (٤).

стр. 8768

مذهب الإباضية: يحرم على الحلال والمحرم تناول صيد البر في الحرم بالإمساك. وإذا أحرم الإنسان وفى يده صيد وجب عليه أن يرسله من يده (١). هذا بالنسبة لإمساك الصيد في الحرم وللمحرم. أما بالنسبة لإمساك الصيد بواسطة الجوارح المعلمة فيشترط في الجارحة أن تمسك الصيد لصاحبها بألا تأكل الجارحة من الصيد. قال صاحب شرح النيل: ويستثنى عندى ما إذا أمسك الصيد وانتظر صاحبه مدة ثم أكل منه لأن انتظاره علامة أنه لم يصد لنفسه بل لصاحبها. (٢) وإذا أمسك الكلب الصيد وولغ في دمه -أي لحسه بلسانه- فلا يؤكل ما أمسك خلافًا للبعض. أما إن ولغ في الدم المنصب في الأرض أكل ما أمساك (٣). وإن وجد الصائد الصيد حيًّا ولم يستطع ذكاته لإمساك إنسان أو غيره له؛ فلا يؤكل إن مات في يد ممسكه. لأنه قد قدر عليه فلم يذبحه ولم ينحره (٤). وإن أمسك الصائد صيدًا بجارحة غيره فالصيد لصاحب الجارحة. وإن دخل صيدٌ بيتًا فأمسكه فيه صاحب البيت فهو له ولا يحل لغيره أخذه. ولا يحل ساقط من شبكة صياد أو وعائه بعد إمساك صاحب الشبكة أو الوعاء له. هذا الإمساك في الشبكة قبض فلا يحل ما فيها إلا بإذنه. وهذا في شبكه البحر خاصة بخلاف شبكة الأرض إذا ذهب ما فيها بعد إمساكه (٥). إمساك الزوجة مع الإضرار بها لأجل الخلع وغيره مذهب الحنفية: أن أمسك الزوج زوجته مسيئًا عشرتها لأجل الخلع فخالعته على مال نفذ الخلع واستحق المال وكذلك إن أمسكها لأجل إرثها ورثها (٦). ولو اختلعت الزوجة من زوجها على أن تمسك ولده منها إلى وقت البلوغ صح هذا إذا كان أنثى. أما إذا كان غلامًا فلا يصح. لأن الغلام يحتاج إلى معرفة آداب الرجال والتخلق بأخلاقهم فإذا طال مكثه مع الأم بأخلاق النساء، وفى ذلك من الفساد ما لا يخفى.

стр. 8769

أما بالنسبة للأنثى فلا يتحقق فيها ذلك إذا أمسكتها أمها عندها إلى البلوغ. فإذا تزوجت الأم فللأب أن يأخذ الولد منها ولا يتركه عندها وإن اتفقا على ذلك لأنه حق الولد؛ لأن إمساكها له عند زوجها الأجنبى مضر بالولد ولذا سقط حقها في الحضانه. وينظر إلى أجر مثل إمساك الولد في تلك المدة فيرجع الأب عليها به. وإن خلع امرأته وبينهما ولد صغير على أن يكون الولد عند الأب يمسكه سنين معلومة صح الخلع ويبطل الشرط؛ لأن كون الولد الصغير عند الأم حق الولد فلا يبطل بإبطالهما. وجاء في الخلاصة والفتاوي الهندية: أن الزوجة لو اختلعت من زوجها على مهرها ونفقة عدتها وعلى أن تمسك ولدها منه ثلاث سنين أو عشر سنين بنفقة صح الخلع ويجب ذلك وإن كان قدر النفقة مجهولا. فإن تركت الولد على زوجها وهربت ووارت نفسها حتى تمت المدة ثم ظهرت رجع الزوج عليها بقيمة نفقة الولد في المدة التي لم تمسك الولد؛ لأنها امتنعت عن إيفاء بدل الخلع فيجب قيمته. وكذا لو أمسكت الولد سنة أو سنتين ثم ردت الولد على الزوح فإنها تجبر على أن تمسك الولد بنفقته ما بقيت المدة؛ وإن لم تفعل كان عليها أجر إمساك الولد إلى نهاية المدة المتفق عليها. ولها أن تطالبه بكسوة الصبي، إلا إن اختلعت على إمساكه بنفقته وكسوته فليس لها أن تطالبه بالكسوة وإن كانت الكسوة مجهولة. وسواء كان الولد رضيعًا أو فطيمًا. ولو اختلعت على دراهم ثم استأجرها ببدل الخلع على إمساك الفطيم بنفقته وكسوته لا يجوز، وإن استأجرها به على إمساك الرضيع في مقابل إرضاعه جاز. وإنما يصح الخلع على إمساك الولد إذا بين المدة فإن لم يبين لا يصح، سواء كان الولد رضيعًا أو فطيمًا. وفى المنتقى: إن كان الولد رضيعًا صح وإن لم المدة وترضع الحولين (١).

стр. 8770

وإذا اختلعت الزوجة الذمية من زوجها الذمي أمسكها وأقام معها من غير عقد فرفعته إلى القاضي فإنه يفرق بينهما. لأن إمساكها ظلم وما أعطيناهم العهد على تقريرهم على الظلم وكذا إذا طلقها ثلاثًا ثم أمسكها قبل أن يتزوج بها آخر وقبل تجديد عقد النكاح عليها فإنه يفرق بينهما أيضا إذا رفعته إلى القاضي. لأنهم يعتقدون أن الطلاق مزيل للملك وإن لم يعتقدوا خصوص عدد. ونقل صاحب البحر عن المحيط: أنه لا يشترط توقف التفريق بينهما في المسألتين على المرافعة فيفرق بينهما ون لم يترافعا إلى القاضي (١). وإن وهبت امرأة لزوجها مهرها علي أن يمسكها ولا يطلقها فقبل الزوج ذلك. قال الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل: "إن لم تكن وقتت للإمساك وقتًا فلا يعود مهرها على الزوج إن طلقها. وإن وقتت وقتًا فطلقها قبل ذلك الوقت كان المهر عليه على حاله. فقيل له: إذا لم توقت لذلك وقتًا كان قصدها أن يمسكها ما عاش، قال: نعم إلا أن العبرة لإطلاق اللفظ" (٢). مذهب المالكية: لا يحل للزوج إمساك زوجته مع مضاررتها. حتى ولو علم زناها. لأجل أن تفتدى. ولا يحل له ما أخذ منها عند مضاررتها بضرر يجوز لها التطليق به. أما إن كان الضرر مما لا يجوز لها التطليق به كتأديبها على ترك الصلاة والغسل من الجنابة فإنه يكون بالخيار بين إمساكها وتأديبها وبين أن يفارقها ويحل له حينئذ ما أخذ منها (٣). ويجوز إعطاء الزوجة شيئًا لزوجها على إمساكها في عصمته وعدم طلاقها، أو على حسن عشرته معها إذا أساء عشرته معها، فيجوز هذا وليس من أكل أموال الناس بالباطل. وكذلك يجوز العكس. أي يجوز للزوج أن يعطى زوجته شيئًا لأجل أن تمسكه ولا تفارقه عند إرادتها الفراق أو لأجل أن تحسن عشرته (٤). ويجوز للزوج أن يخالع زوجته على أن تمسك ولدها منه وتتفق عليه مدة الرضاع فقط. لأن الرضيع قد لا يقبل غير أمه خلال هذه الفترة أما إذا خالعها على شرط أن تتفق على ولدها الرضيع مدة بعد مدة الرضاع فإنه يسقط عنها ذلك الزائد سواء كانت المدة معينة أو غير معينة، وسواء وقع الشرط من الزوج أو منها (٥).

стр. 8771

ويجوز للمرأة أن تخالع زوجها على إسقاط حضانة ولدها وإمساكه للأب؛ لأن المعتمد أن التفرقة بين الأم وولدها الصغير حق للأم، فيسقط حقها من الحضانة وينتقل الحق فيها للأب ولو كان هناك من يستحقها قبله. إلا أن هذا مقيد بألا يخشى على المحضون ضررًا ما بعلوق قلبه بأمه؛ أو لأن مكان الأب غير حصين فلا يسقط حينئذ ذلك اتفاقًا؛ ويقع الطلاق مع هذا. وقيده بعضهم بألا يكون الأب على صفة من لا يستحق الحضانة لمانع قام به. وهذا بخلاف ما إذا أعتق السيد أمته على أن تسلم له ولدها منه فيمسكه هو بدلا منها فإنه يلزم العتق ولا يلزمها ذلك، لتشوف الشارع إلى الحرية المترتبة على إعتاقه لها بخلاف الطلاق المترتب على الخلع فإنه أمر مبغوض شرعا (١). وإذا ادعت المرأة بعد المخالعة أنها ما خلعت زوجها إلا عن ضرر يجوز لها التطليق به كأن يوقعه بها إمساكه لها في عصمته حتى تفتدى نفسها وأقامت بينة سماع أو قطع على ذلك فإن الزوج يلزمه أن يرد لها ما خلعها به وقد بانت منه؛ وكذا يسقط عنها ما التزمته من رضاع أولدها ونفقة حمل أو إسقاط حضانة. (٢) مذهب الشافعية: لو أمسك الزوج زوجته مسيئا عشرتها لأجل إرثها ورثها في الأصح وكذلك لو كرهها. لا لزناها. فأمسكها مسيئا عشرتها بمنع حقها لأجل الخلع حتى اختلعت نفذ الخلع في الأصح إلا أنه يكون مكروها ويأثم بفعله ذلك. أما إن كرهها لزناها ونحوه من كل محرم فأمسكها في عصمته وأساء عشرتها حتى اختلعت لم يكره الخلع وإن أثم بفعله، وعليه حمل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٣). ويصح الخلع أيضا على إمساك الزوجة ولد الزوج منها أو من غيرها لإرضاعه وحضانته مدة معلومة، سواء كانت طويلة أو قصيرة. فإن امتنع الطفل من الارتضاع أو مات انفسخ العقد في الباقى من المدة فقط ويرجع الزوج عليها بقسْط الباقى من مهر مثلها (٤) ومن خولعت بحضانة ولدها من زوجها وإمساكه سنة مثلا ثم تزوجت في أثنائها لم ينزع الولد منها لأن ذلك إجارة والإجارة عقد لازم (٥)

стр. 8772

مذهب الحنابلة: ينبغى للزوج إمساك زوجته مع الكراهة لها، لقوله تعالى ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (١) قال ابن عباس: ربما رزق منها ولدا فجعل الله فيه خيرا كثيرا (٢). وإن أمسك الزوج زوجته وعضلها أو ضارها بالضرب والتضييق عليها أو منعها حقوقها من القسم والنفقة ونحو ذلك كما لو نقصها شيئا من ذلك ظلما لتفتدى نفسها فالخلع باطل والعوض مردود والزوجة بحالها، لقوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٣). ولأن ما تفتدى به نفسها مع ذلك عوض أكرهت على بذله بغير حق فلم يستحق أخذه منها للنهى عنه؛ والنهى يقتضى الفساد. وإن أجابها بلفظ طلاق أو لفظ خلع مع نية الطلاق يقع الطلاق رجعيا ولا تبين منه لفساد العوض. وهذا كله إن أمسك الزوج زوجته وفعل معها ذلك لتفتدي نفسها. أما إن أمسك الزوج زوجته وفعل معها ما ذكر من المضارة بالضرب والتضييق والمنع من الحقوق لا لتفتدى منه فالخلع صحيح. لأنه لم يعضلها ليذهب ببعض مالها، ولكن عليه إثم الظلم. وكذلك يكون الخلع صحيحا لو أمسكها وفعل معها ما ذكر تأديبا لها بسبب زناها أو نشوزها أو تركها فرضًا كصلاة أو الصوم، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ ويقاس الباقى عليها؛ ويباح له عوضه. لأنه بحق. (٤). لو خالعت الزوجة زوجها على إمساك ولده المعين -منها أو من غيرها- لإرضاعه مطلقا أو كفالته والإنفاق عليه مدة معينه كعشر سنين ونحوها صح الخلع ولو لم يصف النفقة، ويرجع إلى العرف والعادة في ذلك والأولى أن يذكر مدة الرضاع من تلك المدة وأن يذكر صفة النفقة في تلك المدة؛ فلو لم تنته المدة حتى ماتت من خالعته على إرضاع ولده أو كفالته أو الإنفاق عليه؛ أو جفّ لبنها أو مات الولد رجع الزوج ببقية حقه أنه عوض معين تلف قبل قبضه فوجب بدله. ولو أراد الزوج أن يأتيها لطفل آخر تمسكه لترضعه أو تَكْفله بدلا من الذي مات وأبت ذلك أو أرادت هي أن يأتيها برضيع آخر ترضعه أو تكفله فأبى لم يلزم المخلوعة ذلك في الأولى ولا المخالع في الثانية لأن ما يستوفى من اللبن أو الكفالة إنما يتقدر بحاجة الصبى وحاجة الصبيان تختلف ولا تنضبط فلم يجز أن يقوم غيره مقامه. (٥). مذهب الظاهرية: قال ابن حزم: لا يحل الافتداء -وهو الخلع- إلا بأحد أمرين أو باجتماعهما).

стр. 8773

أحدهها - إذا كرهت المرأة زوجها فخافت ألا توفيه حقه. الثاني - إذا خافت أن يبغضها فلا يوفيها حقها. فلها أن تفتدى منه ويطلقها إن رضى هو وإلا لم يجبر هو ولا أجبرت هي إنما يجوز تراضيهما. فإن وقع بغيرهما كما إذا أمسك الزوج زوجتة وهو مضاربها لتبذل له فداءها فبذلته ليطلقها فطلقها فالخلع باطل. ويرد عليها ما أخذ منها، وهى امراته كما كانت ويبطل طلاقه؛ ويمنع من ظلمها ومضاررتها فقط. واحتج لذلك كله بقول الله : ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (١). مذهب الزيدية: إذا أمسك الزوج زوجته وضارها لتعطيه شيئا من مالها لأجل الخلع كان الخلع محظورًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ (٢)، فيقع الطلاق رجعيا وهذا إن لم يكن سبب مضارته لها هو ارتكابها الفاحشة. أما إن ارتكبت فاحشة فأمسكها في ذمته ومنعها حقها فخالعته فوجهان: أحدهما - يصح الخلع؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٣). والثانى - لا يصح وهو الأصح، لأن الخلع عقد فلا يصح مع الإكراه. وما ذكر منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (٤) وقد جعل الله لهن سبيلا بالجلد والرجم. (٥). ويحرم على الزوج إمساك زوجته التي ثبت أنها فسقت بالزنى،؛ كما يحرم عليه مداناتها ويجب عليه تطليقها مع تيقنه بالزنى لا بمجرد التهمة وكلام الناس فيندب طلاقها فإن أمسكها في ذمته مع رضاه بذلك صار ديوثا أي قوادًا يجوز قتله وذلك ما لم تتب عن الزنى فإن تابت لم يجب عليه تطليقها وهذا كله إذا فسقت بالزنى خاصة أما إذا فسقت بغير الزنى فإنه يجوز له إمساكها ولا يجب عليه تطليقها (٦). ويصح الخلع على إمساك الأولاد لتربيتهم ونفقتهم ونفقة العدة؛ وتغتفر الجهالة في ذلك لصحة الخلع على مهر المثل على جهالة فيه. وإذا أطلق الرضاع فحولان والتربية سبع سنين أو ثمانى سنين، إذ لا يستقل الصبى بنفسه دونها.

стр. 8774

وإن مات الصبى خلال إمساكها له أو ماتت هي خلال ذلك فللأب أجرة ما بقى من الحضانة وقدر نفقتها (١). وإن نشز الزوج عما يعتاده من طيب عشرته لزوجته وهو ممسك لها فلها استرضاؤه بترك بعض حقوقها المالية له؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (٢) ويطيب له ذلك ما لم يخل بواجب (٣). مذهب الإمامية: لو أمسك الزوج زوجته ومنعها شيئا من حقوقها أو أغارها -تزوج عليها- لتبذل له مالا ليخلعها فبذلت أثم وصح الخلع وصح قبوله للمال، ولم يكن ذلك إكراها نعم لو أمسكها وأكرهها على الفدية فعل حراما، ولو طلق به وقع الطلاق. ولم تسلم إليه الفدية بالبذل منها فعليه رد ما أخذه عوضا لبطلان تصرف المكره. وطلاقها في هذه الحالة يكون رجعيا، لبطلان الفدية. ولا ينافى في هذا إنه قد يكون بائنا من جهة أخرى ككونها غير مدخول بها أو كون الطلقة ثالثة إن اتفقت. نعم لو أتت بفاحشة مبينة - وهى الزنا، وقيل: ما يوجب الحد مطلقا، وقيل: كل معصية - جاز له إمساكها وعضلها - وهو منعها من بعض حقوقها أو جميعها - من غير أن يفارقها لتفتدى نفسها، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٤) والاستثناء من النفى إباحة. ولأنها إذا زنت لم يأمن أن تُلحق به ولدا من غيره وتفسدّ فراشه فلا تقيم حدود الله تعالى في حقه فيدخل في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٥) وقيل: لا يصح ذلك، ولا يستبيح المبذول مع العضل، لأنه في معنى الإكراه؛ ولقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٦) وقيل: إن الآية الأولى منسوخة بآية الحد. وأجيب بأن ذلك لم يثبت إذ لا منافاة بين الآيتين والأصل عدم النسخ. وللزوجة ترك بعض حقوقها الواجبة لها على أزوجها من قسم ونفقة استمالة له لأجل إمساكها أو ليحسن عشرتها خلال إمساكه لها في ذمته. ويحل للزوج قبول هذا ولو كان الفداء إمساكها لولده لإرضاعه أو الإنفاق عليه صح بشرط تعيين مدة الرضاع وقدر النفقة التي يحتاج إليها ولو مات الولد قبل تمام المدة كان للمطلق استيفاء ما بقى فإن كان رضاعا رجع بأجرة مثله. وإن كان إنفاقا رجع بمثل ما كان يحتاج إليه في تلك المدة مثلا أو قيمة. ولا يجب عليها دفعه دفعة بل أدوارا في المدة كما كان يستحق عليها خلال إمساكها له لو بقى حيا. وفى حالة موت الطفل خلال إمساكها يكون من حق المطلق أن يأتى بغيره لتمسكه للرضاع أو النفقة.

стр. 8775

ولو لم يحمل المطلق الصبى إليها للرضاع مع إمكانه حتى انقضت المدة ففى استحقاقه العوض نظر (١)!! مذهب الإباضية: من أمسك زوجته في ذمتة وتغلب عليها فحملها مالا تطيقه من تضييع حقوق وضيق معيشة وسوء معاشرة بلسان أو بدن أو نحو ذلك حتى افتدت منه لم يحل له أخذ هذا الفداء فيما بينه وبين الله ، سواء كان تحميله إياها ما لا تُطيق لتفتدى منه أو لغير ذلك لكن افتدت منه بسبب تحميله أو لذلك جميعا. أما في الحكم والقضاء فيجوز له أخذ الفداء كما في الديوان. وقيل: لا يجوز ذلك في الحكم والقضاء أيضًا كما ذكر ابن وصاف. ويلزمه رد ما أخذ من الفداء بسبب ذلك إن تاب وإلا لزمه الرد والتوبة جميعًا ولها أن تأخذه من ماله خفية. وفى بعض الآثار: لا حد لكثرة الضرر وقلّته وإذا وجد الضرر منه وأصر عليه حل لها الفداء؛ وكذا هي إن ضرته (٢) فإن قالت: لا أصلى ولا أصوم ولا أغتسل من جنابة حل له الفداء. ويثبت الضرر بالشهود لمجاورتهم أو لكونهم أقارب أو بحيث تحققوا الشهادة والشهرة عن الجيران والخدم والأهل. وإن افتدت فطلقها ثم ادعت أنه ضرها خلال إمساكه لها حتى افتدت رده لها وصح الطلاق، وذلك إن صح الضرر ببينة أو إقرار وإلا فلا يرده وإذا بينت أو أقرّ فلتحلف أنها إنما افتدت للإضرار. وقيل: لا يلزمها يمين (٣). إمساك المعقود عليه لاستيفاء الثمن أو الأجرة أو غيرهما وما يترتب عليه: مذهب الحنفية: "إمساك المبيع " للبائع حق إمساك المبيع وحبسه عن المشترى لاستيفاء الثمن؛ لأن المعاوضات مبناها على المساواة عادة وحقيقة؛ ولا تتحقق المساواة إلا بتقديم تسليم الثمن لأن المبيع متعين قبل التسليم أما الثمن فلا يتعين إلا بالتسليم فلابد من تسليمه أولا تحقيقا للمساواة. ويشترط لثبوت هذا الحق للبائع شيئان: (أحدهما) - أن يكون أحد البدلين عينا والآخر دينا فإن كانا عينين أو دينين فلا يثبت حق إمساك المبيع وحبسه للبائع بل يسلمان معا. (الثاني) - أن يكون الثمن حالا، فإن كان مؤجلًا لا يثبت حق الحبس للبائع، لأن ولاية الحبس تثبت حقا للبائع لطلبه المساواة عادة؛ ولما باع بثمن مؤجل فقد أسقط حق نفسه فبطلت ولاية الحبس.

стр. 8776

ولو كان الثمن مؤجلا في العقد فلم يقبض المشترى المبيع حتى حل الأجل فله أن يقبضه قبل نقد الثمن؛ وليس للبائع حق حبس المبيع وإمساكه عنه لأنه أسقط حق نفسه بالتأجيل والساقط متلاشى فلا يحتمل العود. وكذلك لو طرأ الأجل على العقد بأن أخّر الثمن بعد العقد فلم يقبض المشترى المبيع حتى حل الأجل له أن يقبضه قبل نقد الثمن ولا يملك البائع حبسه. لما ذكر. ولو كان بعض الثمن حالًا وبعضه مؤجلا فالبائع حق حبس المبيع حتى يستوفى الحال. وأما بيان ما يبطل به حق الحبس بعد ثبوته وما لا يبطل به فذكروا فضلا عما سبق أنه إذا نقد المشترى الشمن كله أو أبرأه البائع عن كله بطل حق الحبس، لأن حق الحبس لاستيفاء الثمن واستيفاء الثمن ولا ثمن محال .. ولو نقد الثمن كله إلا درهما أو أقل كان له حق حبس المبيع جميعه لاستيفاء الباقى. لأن المبيع في استحقاق الحبس بالثمن لا يتجزأ. وكذا لو باع شيئين صفقة واحدة وسمى لكل واحد منهما ثمنًا ففقد المشترى حقه أحدهما أو أبرأه منها كان للبائع حبسهما حتى يقبض ثمن الآخر. وكذلك لو باع لاثنين فنقد أحدهما حصته كان للبائع حق حبس المبيع حتى يقبض ما على الآخر. في ظاهر الرواية. وروى عن أبى يوسف في النوادر: أنه إن نقد أحدهما نصف الثمن يأخذ نصف المبيع لأن الواجب على كل واحد منهما نصف الثمن فإذا أدى نصف الثمن فقد أدى ما وجب عليه فلا معنى لتوقف حقه في قبض المبيع على أداء صاحبه. ووجه ظاهر الرواية: أن المبيع في حق الاستحقاق لحبس الثمن لا يحتمل التجزى فكان استحقاق بعض الثمن استحقاقه كله. ولأن الصفقة واحدة فلا تحتمل التفريق في البعض. فإن كان أحدهما حاضرًا والآخر غائبًا فدفع الحاضر كل الثمن وقبض المبيع قال أبو حنيفة ومحمد: للحاضر أن يحبس المبيع عن الشريك الغائب حتى يستوفى ما نقد عنه ولا يكون متبرعا لأنه قضى دين صاحبه بأمره دلالة؛ ولو هلك في يده قبل الحبس يرجع على شريكه بنصف الثمن وقال أبو يوسف: ليس له أن يحبسه عن شريكه؛ لأنه قضى دين غيره بغير أمره فكان متبرعًا والرهن بالثمن والكفالة به لا يبطلان حق الحبس؛ لأنهما لا يسقطان الثمن عن ذمة المشترى ولا حق المطالبة به فكانت الحاجة إلى تعيينه بالقبض قائمة فيبقى حق الحبس لاستيفائه. وأما الحوالة بالثمن فتبطل حق الحبس عند أبى يوسف. سواء كانت الحوالة من المشترى بأن أحال المشترى البائع بالثمن على إنسان وقبل المحال عليه الحوالة. أو من البائع بأن أحال دائنا له على المشترى وقال محمد: إن كانت الحوالة من المشترى لا يبطل حق الحبس فللبائع أن يحبس المبيع حتى يستوفى الثمن من المحال عليه. وإن كانت من البائع فإن كانت مطلقة لا تبطل حق الحبس أيضا. وإن كانت مقيدة بما عليه تبطله. فأبو يوسف اعتبر بقاء الحبس على بقاء الدين في ذمة المشترى وذمته برئت من الدين بالحوالة فيبطل حق الحبس. ومحمد اعتبر بقاء حق

стр. 8777

المطالبة لبقاء حق الحبس وحق المطالبة لم يبطل بحوالة المشترى. والصحيح اعتبار محمد؛ لأن حق الحبس في الشرع يدور مع حق المطالبة بالثمن لا مع قيام الثمن في ذاته بدليل أن الثمن إذا كان مؤجلا لا يثبت حق الحبس والثمن في ذمة المشترى قائم وإنما سقطت المطالبة؛ فدل هذا على أن حق الحبس يتبع حق المطالبة بالثمن لا قيام الثمن في ذاته. ولو أعار البائع المبيع للمشترى أو أودعه بطل حق الحبس، حتى لا يملك استرداده وحبسه في ظاهر الرواية؛ لأن العارية والوديعة أمانة في يد المشترى وهو لا يصلح نائبا عن البائع في اليد لأنه أصل في الملك فكان أصلا في اليد فإذا وقعت العارية أو الوديعة في يده وقعت بجهة الأصالة وهى يد الملك؛ ويد الملك لازمة فلا يملك إبطالها بالاسترداد وروى عن أبى يوسف أن حق الحبس لا يبطل، وللبائع أن يسترده ليحبسه عنه لأن عقد الإعارة والإيداع ليس بعقد لازم فكان له ولاية الاسترداد. ولو قبض المشترى المبيع بإذن البائع بطل حق الحبس، لأنه أبطل حقه بالإذن بالقبض وكذا إذا قبضه والبائع يراه ولا ينهاه ليس للبائع أن يسترده ليحبسه. أما إن قبضة بغير إذن البائع لم يبطل حق الحبس وللبائع أن يسترده ليحبسه. لأن حق الإنسان لا يجوز إبطاله عليه من غير رضاه. ولو كان المشترى تصرف فيه نظّر في ذلك إن كان تصرفا يحتمل الفسخ كالبيع والهبة والرهن ونحوه فسخه البائع واسترده؛ لأنه تعلق به حقه. وإن كان تصرفا فلا يحتمل الفسخ كالإعتاق والتدبير والاستيلاء بطل حق الحبس أصلا فلا يملك الاسترداد والإعادة إلى الحبس؛ لأن هذه التصرفات لا تحتمل النقض. وفى المنتقى: اشترى بابا فقبضه بغير إذن البائع وسمره بمسامير حديد أو كان ثوبا فصبغه أو أرضا فبناها وغرسها فلبائع أن يأخذها ويحبسها. فإن قال البائع: أنا أنزع المسمار وأقلع الكرم لتصير الأرض كما كانت فإن لم يكن في نزعه ضرر فله أن ينزعه وإن كان في نزعه ضرر فلا، فإذا هلك في يد البائع ضمن البائع قيمة المسمار والصبغ: ولو نقد المشترى الثمن فوجده البائع زيوفا أو رصاصا أو مستحقا ونحوه؛ أو وجد بعضه. كذلك فهذا لا يخلو إما أن يكون المشترى قبض المبيع وإما أن يكون لم يقبض فإن كان لم يقبضه كان له حق الحبس في الفصول كلها؛ لأنه تبين أنه ما استوفى حقه وإن كان قبضه المشترى بغير إذن البائع فللبائع أن يسترده ويحبسه في الفصول كلها وإن كان قبضه بإذن البائع فينظر إن وجده زيوفا فردها لا يملك استرداد المبيع وحبسه عند أبي حنيفة وصاحبه. لأنه استوفى جنس حقه من حيث الأصل وإنما الفائت صفة الجودة.

стр. 8778

وعند زفر: له أن يسترد المبيع ويحبسه عن المشترى. لأنه ما رضى بزوال حق الحبس إلى بوصول حقه إليه؛ وحقه في الثمن السليم لا في المعيب. وإن وجده رصاصا أو مستحقا وأخذ منه له أن يسترد المبيع ويحبسه بخلاف الزيوف لأن البائع لم يستوف حقه أصلًا ورأسًا لأن الرصاص ليس من جنس حقه (١) وما لم يسلم المبيع فهو في ضمان البائع في جميع زمان حبسه وإمساكه؛ فلو هلك في يد البائع بفعله أو بفعل المبيع نفسه بأن يكون حيوانا فقتل نفسه أو بأمر سماوى بطل البيع فإن كان قبض الثمن أعاده إلى المشترى، وإن كان بفعل المشترى فعليه ثمنه إن كان البيع مطلقا أو بشرط الخيار للمشترى. وإن كان الخيار للبائع أو كان البيع فاسدا لزمه ضمان مثله إن كان مثليا وقيمته إن كان قيميا. وإن هلك بفعل أجنبى فالمشترى بالخيار إن شاء فسخ البيع وعاد المبيع إلى ملك البائع ويضمن له الجاني في المثليّ المثل وإلا فالقيمة. فإن كان الضمان من جنس الثمن وفيه فضل لا يطيب له؛ وإن كان من خلافه طاب وإن شاء اختار إمضاء البيع وَدَفْعَ الثمن واتبع الجانى في الضمان فإن له ذلك فإن كان في الضمان فضل فعلى ذلك التفضيل (٢). وإذا اطلع المشترى على عيب في المبيع فليس له أن يمسكه ويأخذ نقصان العيب. لأن الأوصاف لا يقابلها شيء من الثمن في مجرد العقد. وهو بالخيار إن شاء أخذه بجميع الثمن وإن شاء رده، لأن مطلق العقد يقتضى وصف السلامة فعند فواته يتخير (٣) وذلك ما لم يتعين إمساكه وعدم رده فإذا وجد ما يمنع الرد تعين الإمساك وذلك كما إذا اشترى أحد الجلالين من الآخر صيدا ثم أحرما أو أحدهما ثم وجد المشترى به عيبا امتنع رده ورجع بالنقصان، ونحو ما إذا اشترى من آخر حيوانا وباعه لغيره ثم اشتراه من ذلك الغير فرأى عيبا كان عند البائع الأول أمسكه ولم يرده على الذي اشتراه منه؛ لأنه غير مفيد؛ إذ لو رده يرده الآخر عليه ولا يرده أيضا على البائع الأول لأن هذا الملك غير مستفاد من جهته؛ وكذا يتعين إمساكه لو وهبه البائع الثمن ثم وجد بالمبيع عيبا (٤). وكذلك يجوز للمشترى أن يمسك المبيع ويحبسه في البيع الفاسد حتى يسترد الثمن الذي دفعه لأن المبيع مقابل به فيصير محبوسا به. وعلى هذا الإجارة الضاسدة والرهن الفاسد اعتبارًا بالمقد الجائز إذا تفاسخا فللمستأجر أن يمسك ما استأجر حتى يأخذ الأجرة التي دفعها للمؤجر، وكذا المرتهن حتى يقبض الدين. لأن هذه عقود معاوضة فتجب التسوية بين البدلين. وهذا إذا كان قد أقبض الثمن فملا. أما إذا اشترى من مدينة حصانا مثلا بدين سابق شراء فاسد وقبضه بالإذن فأراد البائع أخذه بحكم الفساد ليس للمشترى إمساكه وحبسه لاستيفاء

стр. 8779

دينه. وكذلك لو آجر من داينه إجارة فاسدة. (١) وإذا أصر البائع والمشترى على إمساكهما للثمن والمبيع في البيع الفاسد نفاذًا للعقد وعلم به القاضي فسخه جبرا عليهما حقا للشرع. أما إذا أصر أحدهما فقط على إمساكه للثمن أو المبيع فللآخر أن يفسخ البيع بعلم الممسك لا برضاه، وفسخه هذا لا يحتاج إلى حكم القاضي لأنه يجب على كل واحد منهما فسخه قبل القبض أو بعده ما دام المبيع بحاله في يد المشترى إعداما للفساد؛ لأنه معصية فيجب شرعا رفعها (٢). الوكيل بالشراء إذا نقد الثمن من مال نفسه أن يمسك المبيع ويحبسه عن الموكل إلى أن يعطيه جميع الثمن ولو بقى منه درهم، لأن الوكيل بمنزلة البائع للموكل، وللبائع حق إمساك المبيع لقبض الثمن، وسواء كان الوكيل دفع الثمن إلى البائع أو لم يدفع على الصحيح وقال زفر: ليس له إمساك المبيع وحبسه عن الموكل. لأن الموكل صار قابضا بقبض الوكيل فكأنه سلمه إليه فيسقط حق الحبس. فإن أمسكه وحبسه - بناء على القول الأول - فهلك كان مضمونا ضمان الرهن عند أبى يوسف لأنه مضمون بالحبس للاستيفاء بعد أن لم يكن وهو الرهن بعينه. وضمان المبيع عند أبى حنيفة ومحمد. لأنه بمنزلة البائع من الموكل فكان حبسه لاستيفاء الثمن فيسقط بهلاكه. وضمان الغصب عند زفر لأنه إمساك ومنع بغير حق. مثله أو قيمته بالغة ما بلغت (٣). هذا في إمساك المبيع لاستيفاء الثمن. إمساك العين للأجرة أما إمساك العين لاستيفاء الأجرة فقالوا: إن كل صانع لعمله أثر ظاهر في العين كالخياط والقصار والصباغ والإسكاف له أن يمسك العين ويحبسها حتى يستوفى الأجر لأن المعقود عليه هو ذلك الأثر وهو صيرورة الثوب مخيطا أو مقصورا؛ وهو وصف قائم في الثوب وهو ظاهر والمعقود عليه جاز حبسه لاستيفاء البدل كما في المبيع؛ والوصف لا ينفك عن العين فجاز حبسها لذلك. ولو حبسه فضاع لا ضمان عليه عند أبى حنيفة لأنه غير متعد في الحبس فبقى أمانة كما كان عنده. ولا أجر له لهلاك المعقود وعليه قبل التسليم وعند أبى يوسف ومحمد: العين كانت مضمونة عليه قبل الحبس فبعد الحبس أولى لكنه بالخيار إن شاء ضمنه قيمته غير معمول ولا أجر له وإن شاء ضمنه معمولا وله الأجر وإن لم يكن لعمل الصانع أثر ظاهر في العين كالحمال والملاح والمكارى فليس له أن يمسك العين ويحبسها لاستيفاء الأجرة. لأن المعقود عليه هنا هو نفس العمل وهو غير قائم بالعين فلا يتصور حبسه، فليس له ولاية الحبس. ولو حبسه فهلك قبل التسليم لا تسقط الأجرة ويضمن لأنه حبسه بغير حق فصار غاصبا

стр. 8780

بالحبس؛ ونص محمد على الغصب فقال: فإن الحبس الحمال المتاع في يده فهو غاصب ووجهه: أن العين كانت أمانة في يده فإذا حبسها بدينه فقد صار غاصبا (١). وليس للمؤجر حبس الدار المستأجرة لاستيفاء الأجرة؛ كذا ذكره الإمام التمرتاشى (٢). ولو مات المؤجر وعليه ديون فللمستأجر حبس الدار المستأجرة له و هو أحق بثمنها من سائر الدائنين وذلك إذا كانت الدار بيد المستأجر وكان قد دفع الأجرة وانفسخ عقد الإجارة بموت المؤجر. بخلاف ما إذا عجل الأجرة ولم يقبض الدار حتى مات المؤجر فإنه لا يكون له إمساك الدار وحبسها حتى يستوفى ما دفعه من أجرة بل يكون أسوة لباقى الدائنين (٣). ولو أمسك المستأجر العين المستأجرة - حيوانًا كانت أو غيره - بعد انتهاء الإجارة في بيته أو غيره لم يضمن إن هلكت، لأنه لا يجب عليه ردها للمؤجر بل على المؤجر أخذها (٤). ولو استأجر دابة ليركبها إلى مكان كذا فأمسكها في بيته لا يجب الأجر وضمن لو هلكت وكذلك الحكم لو أمسكها في المصر. ولو استأجرها ليركبها في المصر يوما إلى الليل فأمسكها ولم يركب يجب الأجر ولا يضمن. كذا في الفتاوى الصغرى. وفى الذخيرة: لو استأجرها من بلد إلى بلد فأمسكها في بيته فهلكت فلو أمسكها قدر ما الناس ليهيؤا أمورهم يبرأ من الضمان ويجب الأجر ولو أمسكها أكثر من ذلك ضمن ولو استأجرت قميصا لتلبسه فأمسكته ووضعته في بيتها حتى مضى اليوم يجب الأجر ولا تضمن لو هلك ولو استأجرت حليا لتلبسه يوما إلى الليل فحبسته أكثر من يوم وليلة صارت غاصبة قالوا: هذا لو حبسته بعد الطلب أو حبسته مستعملة. أما لو حبسته حفظ لا تصير غاصبة قبل الطلب، إذا أنه بقى أمانة فلا تضمن إلا باستعمال أو بمنع بعد الطلب. والفاصل بين إمساك الحفظ وإمساك الاستعمال أنه لو أمسك في موضع يمسك للاستعمال فهو استعمال. ولو أمسك في موضع لا يمسك فيه للاستعمال فهو حفظ فعلى هذا لو تسورت بخلخال؛ أو تخلخلت بسوار؛ أو تعمم بقميص، أو وضع العمامة على عاتقه. فهذا كله إمساك حفظ لا استعمال (٥). إمساك الوديعة: إذا شرط المودع "بكسر الدال" على المودع "بفتح الدال" أن يحفظ الوديعة بيده ليلا ونهارا أولا يضمها من يده فالشرط باطل حتى لو وضعها في بيته أو فيما يحرز فيه ماله عادة فضاعت لا ضمان عليه، لأن إمساك الوديعة بيده بحيث لا يضعها أصلا غير مقدور له عادة

стр. 8781

فكان شرطا لا يمكن مراعاته فيلغو (١). ولا يجوز للمودع "بفتح الدال" أن يمسك الوديعة ويحبسها عن صاحبها في مقابل دين له عليه؛ فإن أمسكها لذلك ضمنها إن هلكت (٢). وكذلك لا يجوز له إمساكها عن صاحبها بعد طلبها فإن أمسكها بعده فضاعت ضمن (٣). أما إذا أمسك المودع الوديعة بعد مضى المدة المحددة لها في عقد الإيداع فلا يضمن لأن الإمساك في الوديعة لمصلحة الملك. سواء كان قبل مضى الوقت المحدد أم بعده لأنه بعد مضى الوقت بنى على القبض السابق وهو كان لمصلحة المالك؛ بخلاف العارية كما سيأتي ولأن مؤنة رد الوديعة على المالك فالتقصير منه (٤). وإن غاب رب الوديعة ولا يدرى أحى هو أو ميت فلا يؤثر هذا في إمساك المودع للوديعة بل يظل ممسكًا لها. وإن أنفق عليها خلال إمساكه لها بدون أمر القاضي فهو متطوع. ويسأله القاضي البينة على كونها وديعة عنده وعلى كون المالك غائبا؛ فإن برهن على ذلك فلو كانت الوديعة مما يؤجر وينفق عليها من غلتها أمره به. وإلا يأمره بالإنفاق يوما أو يومين أو ثلاثة رجاء أن يحضر المالك لا أكثر. فإن لم يحضر أمره بالبيع وإمساك الثمن لحين حضور مالكها وإن أمره بالبيع ابتداء فلصاحبها الرجوع عليه به إذا حضر. ولو اجتمع عنده خلال إمساكه لها من ألبانها مثلًا شيء كثير أو كانت أرضا فأثمرت وخاف فساده فباعه بلا أمر القاضي فلو في المصر أو موضع يتوصل إلى القاضي قبل أن يفسد ذلك ضمن (٥). إمساك اللقطة: وللملتقط إمساك اللقطة وحبسها عن صاحبها ليستوفى النفقة التي أنفقها عليها بأمر القاضي، لأنها ظلت حية فصار كأنه استفاد الملك من جهته فأشبه إمساك المبيع لاستيفاء الثمن فإن لم يعطه باعها القاضي وأعطى الملتقط نفقته ورد على صاحبها الباقى. فإن ملكت اللقطة بعد إمساك الملتقط وحبسه لها عن صاحبها لم يضمن وسقطت النفقة لأنها تصير بالحبس كالرهن من حيث تعلق حقه به. ذكر هذا صاحب الكافى تبعا لصاحب الهداية ولم يحك فيه خلافا فيفهم أنه المذهب، وجعله القدورى قول زفر، قال في التقريب "قال أصحابنا لو أنفق على اللقطة بأمر القاضي وحبسها بالنفقة فهلكت لم تسقط النفقة خلافا لزفر، لأنها دين غير بدل عن عين ولا عن عمل منه فيها، ولا يتناولها أي العين. عقد يوجب الضمان، أي أن الدين ثابت وليست العين الملتقطة رهنا ليسقط الدين بهلاكها إذ لم يتناولها عقد رهن. وصرح في الينابيع بعدم سقوط النفقة عند الأئمة الثلاثة أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد خلافا لزفر.

стр. 8782

قال ابن عابدين: وظاهر فتح القدير اعتماد ما ذكره القدورى فإنه قال: إنه المنقول. وكذا نقل في الشرنبلالية عن خط العلامة قاسم أن ما في الهداية ليس بمذهب لأحد من علمائنا الثلاثة، وإنما هو قول زفر. ثم نقل عن المقدسى أنه يمكن أن يكون عن علمائنا فيه روايتان؛ أو اختار في الهداية قول زفر، وعلى ما في الهداية جرى في الملتقى والدرر والنقاية وغيرها (١). إمساك الآبق: إذا أخذ شخص عبدا آبقا لصاحبه فإن شاء الآخذ أمسكه على صاحبه حتى يجئ فيأخذه وإن شاء ذهب به إلى صاحبه فرده عليه. فإن فأمسكه حتى يجئ صاحبه فجاء شخص وادعى أنه عبده دفعه إليه إن أقام البينة، أو أقر العبد بذلك. وأخذ منه كفيلا. لجواز أن يجئ آخر فيدعيه ويقيم البينة. إذا جاء بالآبق إلى صاحبه فله أن يمسكه لاستيفاء الجعل، أنه إذا جاء به فقد استحق الجعل على مالكه فكان له حق إمساكه وحبسه بالجعل كما يحبس المبيع لاستيفاء الثمن. فإن مات في يده خلال إمساكه فلا ضمان عليه لكن يسقط الجعل وسواء مات بعدما قضى له القاضي بإمساكه في مقابل الجعل، أم مات قبل المرافعة إلى القاضي وللقاضى أن يحبسه عن صاحبه لدين نفقته التي أنفقها عليه مدة حبسه من بيت المال (٢). إمساك العارية: لو كانت العارية مؤقتة فأمسكها المستعير بعد انقضاء الوقت مع إمكان الرد ضمن حتى ولو لم يستعملها بعد الوقت هو المختار، وسواء توقتت نصا أو دلالة حتى أن من استعار قدوما ليكسر حطبا فكسره وأمسك القدوم حتى هلك يضمن ولو لم يوقت. وكذلك من استعار قدرًا لغسل الثياب فغسل وأمسكه حتى سرق ليلا ضمن، والمكث المعتاد عفو، وذلك لأن إمساك العارية بعد مضي الوقت لنفسه لأنه بنى على القبض السابق وذاك كان لنفسه وعدم الضمان في الوقت كان للإذن فلم يوجد بعد مضيه بخلاف إمساك الوديعة بعد الوقت على ما سبق. واختار صاحب المحيط وشيخ الإسلام أنه إنما يضمن إذا أمسكها واستعملها بعد الوقت أما إذا لم يستعملها فلا ضمان. كما في الشرنبلالية عن المجمع (٣). وكذلك يضمن المستعير العارية إذا أمسكها بعد طلب المعير لها ولو قبل انقضاء المدة المنصوص عليها عند عقد الإعارة. وذلك لأن العارية واجبة الرد في هاتين الحالتين، لقول ﷺ "العارية مؤداة" (٤). وقوله تؤديه" (٥). ولأن حكم العقد انتهى بانقضاء المدة أو الطلب فصارت العارية بإمساكها في يده بعد ذلك كالمغصوب. والمغصوب مضمون الرد حال قيامه. ومضمون القيمة حال هلاكه (٦).

стр. 8783

وإن طلبها المعير من المستعير فقال: نعم أدفع ومضى شهر حتى هلكت فإن كان قادرا وقت الطلب على الرد وصرح المعين بالكراهة والسخط في الإمساك وأمسك المستعير يضمن وكذا إن سكت. وإن صرح المعير بالرضا بالإمساك بأن قال: لا بأس مثلا لا يضمن. وكذا لا يضمن إن كان عاجزا وقت الطلب عن الرد (١). ولو قيد المعير الإعارة بالاستعمال بأن قال: على أن يستعمل العارية فأمسكها المستعير ولم يستعملها حتى هلكت يضمن. لأن الإمساك من خلاف فيوجب الضمان (٢). ولو استعار دابة للذهاب فأمسكها في بيته فهلكت ضمن. لأنه أعارها للذهاب لا للإمساك في البيت فكان به متعديا. وعلق على ذلك ابن عابدين فى حاشيته على الدر المختار بقوله: لكن قد يقال: إنه خالف إلى خير لا إلى شر فكان الظاهر أن لا يضمن. إلا أن يقال: إن إمساك الدابة في المكان ضرر بها عادة. ثم قال ولعل في المسألة روايتين (٣). ولو نزل المستعير عن الدابة المستعارة ليصلى في الصحراء وأمسكها فانفلتت منه لم يضمن وهذه المسألة دليل على أن المعتبر في إمساكها ألا يغيبها عن بصره كذا في الظهيرية ولو دفعها إلى رجل ليمسكها حتى يصلى ضمن لو شرط أن يركب بنفسه وإلا فلا يضمن (٤) وهلاك المستعار (العارية) بسبب سوء إمساكه باليد موجب للضمان. فلو دخل رجل الحمام فسقطت قصعة الحمام من يده وانكسرت في الحمام أو انكسر كوز الفقاعيّ من يده قال أبو بكر البلخى: لا يكون ضامنا، قيل: هذا إذا لم يكن من سوء إمساكه فإن كان من سوء إمساكه يكون ضامنا كذا في فتاوى قاضيخان (٥). إمساك متاع المضاربة: إذا اشترى المضارب بالمال متاعا فقال المضارب: أنا أمسكه حتى أجد ربحا كثيرا وأراد رب المال بيعه فهذا على وجهين: إما أن يكون في مال المضاربة فضل بأن كان رأس المال ألفا فاشترى به متاعا يساوى ألفين أو لم يكن في المال فضل بأن كان رأس المال ألفا واشترى به متاعا يساوى ألفا. ففى الوجهين جميعا لا يكون للمضارب حق إمساك المتاع من غير رضا رب المال إلا أن يعطى لرب المال رأس المال إن لم يكن فيه فضل، ورأس المال وحصته من الربح إن كان فيه فضل فحينئذ له حق إمساكه. فإن لم يعط ذلك ولم يكن له حق إمساكه فإن كان في المال ربح أجبر على البيع إلا أن يدفع للمالك رأس ماله مع حصته من الربح. وإن لم يكن في المال ربح لا يجبر على البيع ويقال لرب المال: المتاع كله خالص ملكك فأما أن تأخذه برأس مالك أو تبيعه حتى تصل إلى رأس مالك. أما إذا أراد المالك أن يمسك المتاع والمضارب يريد بيعه فله بيعه ولا يملك المالك فسخ المضاربة ولا تخصيص الإذن لأنه عزل من وجه. وإنما لا يملك ذلك لأن للمضارب حقا في الربح (٦).

стр. 8784

مذهب المالكية: "إمساك المبيع " يجوز للبائع إمساك المبيع وحبسه عن المشترى لأجل قبض الثمن. وذلك إذا كان الثمن حالا. كما يجوز له حبس المبيع عن المشترى لأجل أن يشهد على تسليم المبيع للمشترى، أو على أن الثمن حالّ في ذمته ولم يقبضه منه أو مؤجل. وإذا حبس البائع المبيع لكل ذلك فإنه يضمنه إذا هلك خلال ذلك ضمان الرهن أي فيفرق بين ما يغاب عليه وهو ما يمكن إخفاءه. وما لا يغاب عليه. فما لا يغاب عليه لا ضمان عليه فيه إذا ادعى تلفه أو هلاكه إلا أن يظهر كذبه. وما يغاب عليه هو في ضمانه إلا أن يقيم بينة أنه تلف بغير سببه فإنه لا ضمان عليه حينئذ. وأما إذا كان الثمن مؤجلًا فليس للبائع حينئذ حبس المبيع عن المشترى كما قال ابن بشير وبناء عليه لو حبسه عن المشترى بغير رضاه لكان متعديا فيضمن مطلقا. وإذا كان الثمن مؤجلا وحلّ والمبيع في يد البائع لم يقبضه المشترى فقيل: ليس له حبسه كذلك، لأنه رضى ابتداء بتسليمه دون قبض الثمن، وقيل: له حبسه، ويعتبر الثمن كالحال حينئذ. وإذا تنازع البائع والمشترى في التسليم أوَّلًا بأن قال البائع للمشترى: لا أدفع المبيع حتى أقبض الثمن، وقال المشترى للبائع: لا أدفع لك الثمن حتى أقبض المبيع فإن المشترى يجبر على تسليم الثمن أوَّلًا. قال ابن رشد: "من حق البائع ألا يدفع ما باع حتى يقبض ثمنه، لأن ذلك في يده كالرهن بالثمن فمن حقه ألا يدفع إليه ما باع منه ولا يزنه ولا يكيله له إن كان مكيلا أو موزونا حتى يقبض ثمنه". وهذا إذا بيع عرض أو مثليّ بنقد. أما إن كان بيع دراهم بدراهم أو دنانير بدنانير مراطلة أو مبادلة أو دراهم بدنانير على وجه الصرف أو بيع عرض بعرض أو مثلى بمثليّ أو عرض بمثليّ لم يجبر واحد على التبدئة، بل يوكل القاضي. إن كان بحضرته. في المراطلة شخصا يمسك الميزان ثم يأخذ كل منهما مال الآخر. وفى الصرف يوكل من يقبض لهما ويفسد العقد بالتراخى في النقود، وفى بيع العرض بمثله يوكل أيضا أو يتركا حتى يصطلحا، لأن العقد لا يفسد بالتراضى إن كانا عرضين أو مثليين. وإذا استحق من المبيع جزء شائع يثبت للمشترى الخيار بين إمساك الباقى والرجوع بحقه المستحق وبين الرد والرجوع بجميع الثمن. وسواء قل الجزء المستحق أو كثر. ولا يحرم عليه إمساك الأقل. أما إذا استحق من المبيع جزء معين فينظر في الباقى بعد الاستحقاق فإن كان النصف فأكثر لزم إمساكة بحصته من الثمن إن تعدد المبيع وإن كان أقل من النصف وجب رده عندئذ وحرم إمساك الأقل الباقى، لاختلال البيع باستحقاق أكثره فإمساك المشترى باقيه عندئذ يكون كانشاء عقد بثمن مجهول، إذا لا يعلم ما يخص الباقى إلا بعد تقويم الجميع ثم النظر فيما يخص كل جزء على انفراده. وهذا إذا كان المبيع غير مثلى. أما إذا كان مثليا فلا يحرم على المشترى إمساك الأقل لكن التخيير يكون بين الفسخ وإمساك الباقى بحصته من الثمن، لأن منابه من الثمن معلوم (١).

стр. 8785

وكذلك يخير المشترى بين إمساك الدابة المصرّاة وبين ردها على البائع مع صاع من غالب قوت محل المشترى عوضا عن اللبن الذي حلبه المشترى منها ولو كثر، وذلك لما روى أبو هريرة أن النبى ﷺ قال: "لا تُقُّدو الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردّها وصاعا من تمر" متفق عليه وللبخارى وأبى داود: "من اشترى غنما مصراة فاحتلبها فإن رضيها أمسكها وإن سخطها ففى حَلبتها صاع من تمر" (١). والتصرية هي ترك حلب الناقة أو الشاة أو البقرة حتى يجتمع لبنها فيكثر فيظن المشترى أن ذلك عادتها فيزيد في ثمنها لما يرى من كثرة لبنها. ويثبت له هذا الخيار إن لم يعلم أنها مصراة، أما إن اشترَاها وهو عالم أنها مصراة لم يكن له رد إلا أن وجدها تحلب دون المعتاد. ولو علم بعد شرائها وقبل حلبها وأمسكها ليختبر حلابها حلف أنه لم يرد إمساكها رضا بها وكان له ردها، ولو أشهد أنه أمسكها للاختبار لم يحلف وكذا لو علم بعد حلابها وأمسكها ليحلبها ثانيا لأجل أن يعلم عادتها. وكذلك الحكم في كل مبيع وقع فيه تغرير فِعْلى من تصرية وغيرها يرد لبائعه أو يمسك لكن ما وقع فيه التصرية من الأنعام فقط يرد مع صاع من غالب قوت محل المشترى (٢). على تفصيل ينظر في مصطلح "بيع" و"خيار". إمساك الوديعة: إذا قال المودع (بكسر الدال) للمودع (بفتحها): اربط الوديعة في كمك فأمسكها في يده أو وضعها في جيبه فلا ضمان عليه إن سقطت أو أخذها غاصب من يده، لأن إمساكها في اليد أحفظ من الكم إلا أن يكون المودع (بكسر الدال) أراد إخفاءها عن عين الغاصب فرآها لما جعلها المودع (بفتح الدال) في يده. وكذلك لا ضمان على المودَع إن سقطت أو غصبت من جيبه اللهم إلا أن يكون شأن السُرَّاق قصد الجيوب. وعدم الضمان هنا بناء على ما اختاره اللخمى ورجحه ابن عبد السلام خلافا لما في الزاهى لابن شعبان من أنه يضمن (٣). إمساك اللقطة: إذا أمسك الملتقط اللقطة سنة ولم يعرفها ثم عرفها في الثانية فهلكت ضمنها وكذلك إذا أمسكها ولم يعرفها وهلكت في السنة الأولى ضمنها إذا تبين أن صاحبها من أهل الموضع الذي وجد فيه وإن كان من غيره فغاب بقرب ضياعها ولم يقدم في الوقت الذي ضاعت فيه لم يضمن (٤). وللملتقط إمساك اللقطة وحبسها لصاحبها بعد تعريفها السنة، أو التصدق بها أو تملكها. هذا إذا كان الملتقط غير الإمام. وأما الإمام

стр. 8786

فليس له إلا حبسها أو بيعها لصاحبها وإمساك ثمنها في بيت المال (١). وللملتقط إمساك اللقطة وحبسها عن صاحبها حتى يستوفى النفقة التي أنفقها عليها قال الدسوقي فى حاشيته على الشرح الكبير: لو أنفق اللمتقط على اللقطة من عنده كل النفقة أو بعضها كما لو أكراها فنقص الكراء عن نفقتها وكمل الملتقط نفقتها من عنده فصاحبها مخير بين أن يسلم له اللقطة في نفقته، أو يفتديها من الملتقط بدفع ماله من النفقة. وذلك لأن النفقة في ذات اللقطة لا في ذمة صاحبها (٢). إمساك العبد الآبق: جاء في المدونة: ومن أخذ آبقا رفعه إلى الإمام ويوقفه - أي ليمسكه ويحفظه - سنة، وينفق عليه ويكون الإمام فيما أنفق عليه كالأجنبى فإن جاء صاحبه أخذ منه النفقة وألا باعه وأخذ من ثمنه ما أنفق وحبس بقية الثمن لصاحبه في بيت المال وللملتقط ألا يرفعه إلى الإمام وأن يفعل ما يفعله الإمام، وكذلك جاء فيها بالنسبة لضوال الإبل ونحوها أنها تحبس ثم تباع فتمسك أثمانها لأصحابها وهذا. أي حبس الضوال والآبق ثم بيعهما وإمساك الثمن. أو لى من إرسالهما كما قال البعض، لئلا يأبق ثانية أو يضيع الحيوان علي صاحبه (٣). انظر مصطلح "جعالة" إمساك العين المستأجرة: يضمن المستأجر إن أمسك الدابة المستأجرة له وحبسها عند صاحبها بعد انقضاء المدة المشترطة في الإجارة، وصاحبها حينئذ مخير بين أمرين: أحدهما) - أن يأخذ أجرتها عن المدة الزائدة التي حبسها فيها مع الأجر الأول، سواء استعملها المستأجر خلال حبسه هذا أم لا. الثاني) - أن يأخذ قيمتها يوم تعدي المستأجر بحبسها عنه مع الأجر الأول وسواء تغيرت الدابة أو لم تتغير له أخذ القيمة أو الأجرة على المشهور انظر مصطلح إجارة، ومحل خياره هذا فيما إذا حبسها المستأجر كثيرا كشهر ونحوه، أو حبسها حتى تغير سوقها الذي تراد له إجارة أو بيعا كحبسها عن صاحبها عند خروج القوافل إلى الشام مثلا. أما إذا حبسها المستأجر زمنا يسيرا كاليوم ونحوه فليس لصاحبها سوى أجرة هذا اليوم الزائد مع الأجر الأول (٤). مذهب الشافعية " إمساك المبيع والثمن " لكل من العاقدين إمساك عوضه وحبسه حتى يقبض مقابله إن خاف فوته يهرب أو غيره سواء كان الثمن معينا أو في الذمة.

стр. 8787

فإن لم يخف فوته فإن تنازعا في الابتداء بالتسليم فقال كل منهما: لا أسلم عوضى حتى يسلمنى عوضه أجبر الحاكم كلا منهما بإحضار عوضه إليه أو إلى عدل فإن فعل كل منهما ذلك سلم الثمن للبائع والمبيع للمشترى يبدأ بأيهما شاء وهذا إذا كان الثمن عينا كالمبيع أما إذا كان الثمن في الذمة فالبائع يجبر على الابتداء بالتسليم لأنه رضى بتعلق حقه بالذمة. فإذا سلم البائع المبيع أجبر المشترى على تسليم الثمن إن كان الثمن حاضرا في مجلس العقد والمراد من حضور الثمن حضور عينة إن كان معينا أو نوعه الذي يقضى منه إن كان في الذمة فإن ما في الذمة قبل قبضه لا يسمى ثمنا إلا مجازا. وإن لم يكن الثمن حاضرا فإن أعسر المشترى به بأن لم يكن له مال يفى بثمنه وحكم بإفلاسه فللبائع حقّ الفسخ وأخذ المبيع. وإن كان المشترى موسرا فإن لم يكن ماله بمسافة قصر حجر عليه القاضي في أمواله كلها حتى يسلم الثمن لئلا يتصرف في أمواله بما يبطل حق البائع. وإن كان ماله بمسافة قصر فللبائع حق الفسخ وأخذ المبيع لتعذر تحصيل الثمن لا يكلف الصبر إلى إحضار المال لتضرره بذلك فإن صبر إلى إحضاره حجر القاضي على المشترى في أمواله. أما الثمن المؤجل فليس للبائع حبس المبيع به لرضاه بتأخيره ولو حل قبل التسليم فلا حبس له أيضا. ولو كان أحد العاقدين وكيلا أو وليا أو ناظر وقت أو عامل مضاربة فلا يجبر على التسليم بل لا يجوز له ذلك حتى يقبض الثمن الحال ولو تبايع نائبان عن الغير لم يتأت إجبارهما أيضا. وإن اشترى بوكالة اثنين شيئا ووفَّى نصف الثمن عن أحدهما فللبائع إمساك المبيع حتى يستوفى كل الثمن، بناء على أن الاعتبار بالعاقد. أما إن باع لهما ولكل منهما نصف فأعطى أحدهما البائع نصف الثمن سلم إليه البائع حصته من المبيع، لأنه سلمه جميع ما عليه فليس له أن يمسكه عنه. وليس للبائع استرداد المبيع من المشترى وحبسه عنه لاستيفاء الثمن إن كان قد سلمه له متبرعا ولو عارية لسقوط حقه في حبسه عنه بالتسليم. إلا إن أودعه له فله استرداده وحبسه إذ ليس له في الإيداع تسليط بخلاف الإعارة وهذا إذا حصل الإيداع بعد البيع أما لو كان المتبيع مودّعا عنده حالة البيع ففى التتمة أنه لا حبس للبائع. وله استرداد المبيع وحبسه عن المشترى أيضا إذا خرج الثمن زيوفا ذكره ابن الرفعة وغيره وجزم به في الأنوار (١). وفى خلال إمساك البائع للمبيع وحبسه عنه لاستيفاء الثمن ينفذ من المشترى قبل القبض العتق والاستيلاء والتزويج والوقف إن لم يحتج قبولا سواء كان للبائع حق الحبس أم لا ويصير المشترى قابضا بتصرفه هذا ما عدا التزويج. فإن لم يرفع البائع يده بعد الوقف ضمنه بالقيمة لا بالثمن (٢).

стр. 8788

وللمشترى إمساك المبيع وحبسه عن البائع بعد الإقالة لاسترداد الثمن، سواء أقلنا إنها فسخ أم بيع صرح به الأصل ونقله السبكى عن القاضي حسين: لأنا إن قلنا إنه بيع فللبائع الحبس، وإن إنه فسخ فكالرد بالعيب وله الحبس أيضا. وهذا يخالف ما نقله النووى في مجموعة في الخيار عن الرويانى وأقره من أنه ليس لواحد من العاقدين بعد التفاسخ في مدة الخيار الحبس بل إذا طالب أحدهما الآخر لزم الآخر الدفع إليه ثم يدفع كان بيده بخلاف اختلافهما في البداءة في البيع فإن لكل حبس ما بيده حتى يدفع إليه الآخر لأن الفسخ هنا رفع حكم العقد وبقى التسليم بحكم اليد وهى توجب الرد، وهناك التسليم بالعقد وهو يوجب التسليم من الجانبين. وإن ضمن شخص الثمن مثلا للبائع بالإذن وأداه له ثم انفسخ العقد بتلف المبيع قبل القبض أو برده بعيب أو غيرهما رجع الضامن علي الأصيل بما أداه ورجع الأصيل علي البائع بما أخذه بأن يرجع فيه بعينه إن كان باقيا ويبدله إن كان تالفا، وليس للبائع إمساك ما أخذه ورد بدله كما لو رَد المبيع بعيب وعَين ثمنه عند البائع فأراد البائع إمساكه ورد مثله (١). وليس للوكيل إذا دفع الثمن من ماله أن يمسك المبيع ويحبسه عن الموكل لاستيفاء الثمن منه وإن كان يستحق الرجوع عليه به، لأن العقد يقع ابتداء للموكل (٢). ولو وجد وليّ الصغير أو المجنون بما اشتراه لهما عيبا وبه غبطة. أي فائدة كنقصان ثمنه عن ثمن مثله. جاز له إمساكه، لما فيه من الغبطة (٣). والمبيع خلال إمساك البائع له وقبل قبضه من ضمان البائع، فإن تلف بآفة سماوية انفسخ البيع وسقط الثمن عن المشترى. إلا إذا أتلفه المشترى قبل قبضه ولو جاهلا به فإنه يكون قبضا منه للمبيع. ولا ينفسخ البيع أيضا إذا أتلفه أجنبى لقيام بدله مقامه، بل يتخير المشترى بين الفسخ والرجوع عليه بالقيمة أو المثل، وحيث أجاز المشترى العقد ليس للبائع طلب القيمة أو المثل لإمساكه في مقابل الثمن كالمشترى إذا أتلف المبيع لا يغرم القيمة ليحبسها البائع، ولأن الحبس غير مقصود بالعقد حتى ينتقل إلى البدل (٤). وإذا اشترى ناقة أو شاة أو بقرة مصراة ثم علم أنها مصراة فهو بالخيار بين أن يمسك وبين أن يرد، لما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا تَصَرُّوا الإبل والغنم للبيع فمن ابتاعها بعد ذلك فهو يخير النظرين بعد أن يحلبها ثلاثا إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعا من تمر" (٥). وكذلك يثبت للمشترى الخيار بين إمساك المبيع وبين ردّه على بائعه إذا وجد به عيبا لم يعلم به وقت شرائه، لأنه بذل الثمن ليسلم له مبيع سليم ولم يسلم له ذلك فثبت له الرجوع بالثمن. وإن قال البائع للمشترى: أمسك المبيع وأنا أعطيك أرش العيب لم يجبر المشترى علي قبوله، لأنه لم يرض إلا بمبيع سليم بجميع الثمن فلا يجبر على إمساك معيب ببعض الثمن. وإن

стр. 8789

قال المشترى للبائع: اعطنى الأرش لأمسك المبيع لم يجير البائع على دفع الأرش، لأنه لم يبذل المبيع إلا بجميع الثمن فلا يجبر على تسليمه ببعض الثمن وإن وجد العيب وقد زاد المبيع زيادة منفصلة كما إذا كان المبيع بهيمة فحملت عند المشترى وولدت أو شجرة فأثمرت عنده كان للمشترى أن يرد الأصل ويمسك الولد والثمرة لأنه نماء منفصل حدث في ملكه فجاز أن يمسكه ويرد الأصل (١) ولتفصيل هذا انظر مصطلح بيع وخيار. إمساك العين المستأجرة والأجرة: لكل من المؤجر والمستأجر إمساك عوضه حتى يقبض مقابله علي التفصيل السابق في إمساك المبيع، وتعتبر العين المستأجرة بمنزلة المبيع، وتعتبر الأجرة بمنزلة الثمن (٢). ولو تفاسخا الإجارة كان للمستأجر أن يحبس العين المستأجرة لقبض الأجرة (٣) وإن أمسك المؤخر أو غيره حتى انقضت المدة انفسخت الإجارة لفوات المعقود عليه قبل قبضه. وإن أمسكها حتى انقضى بعض المدة ثم سلمها انفسخ العقد في الماضي، ويثبت الخيار في الباقى كما لو تلف بعض المبيع قبل قبضه ولا يبدل زمان بزمان (٤). ولو استأجر صباغا أو قصارا لعمل ثوب وسلمه له كان للمستأجر إمساك الثوب وحبسه عن صاحبه لاستيفاء الأجرة. وكذلك يكون له إمساكه لتمام العمل أيضا. وليس لصاحب الثوب أن يبيعه خلال فترة إمساكه هذه ما لم يكن سلم الأجرة (٥) ولو أمسك المستأجر الدابة المستأجرة وترك الانتفاع بها وقت الانتفاع بها كالنهار فتلفت بسبب لو انتفع بها فيه لسلمت كانهدام سقف عليها خلال إمساكه لها فإنه يضمن لتقصيره بترك استعماله لها فيه بخلاف ما إذا تلفت بإمساك لا يُعد مقصرا فيه كأن انهدم عليها السقف في ليل لم تجر العادة باستعمالها فيه. ولو أمسكها وترك الانتفاع بها في وقت الانتفاع لمرض أو خوف قد عرض له فتلفت بذلك فالظاهر الذي اقتضاه التعليل السابق عدم الضمان كما بحثه الأذرعيّ في الخوف أخذا من كلام إمام الحرمين (٦). إمساك الوديعة: إن قال صاحب الوديعة للمودّع: اربط الدراهم في كمك فأمسكها في يده فتلفت فالمذهب أنه إن ضاعت أو سقطت منه بسبب نوم أو نسيان ضمن، لأنه لو ربطها لم تضع بهذا السبب فالتلف حاصل بالمخالفة، وإن تلفت بأخذ غاصب فلا ضمان لأن اليد أحرز وأمنع من الربط بالنسبة إلى الغصب، والربط أمنع وأحرز بالنسبة إلى التلف بالضياع أو السقوط، وسواء كان قد نهاه صراحة عن إمساكها في يده أم لا، ذكر ذلك الرملى الكبير في حاشيته على أسنى

стр. 8790

المطالب شرح روض الطالب وجاء في تحفة المحتاج: أنه إن نهاه عن إمساكها في يده ضمن مطلقا. وإن امتثل أمره وربطها في كمه لم يضمن، لأنه احتاط في الحفظ، بخلاف ما إذا ربطها فيه ولم يمسكها بيده فيضمن إن تلفت (١) وإن أمسكها في يده بلا ربط في كمه فأخذها غاصب لم يضمن، وإن ضاعت في غفلة أو نوم ضمن (٢). وإن أخّر المودّع (بفتح الدال) ردّ الوديعة - أي أمسكها - بعد طلب صاحبها لها ضمن لتقصيره. وهذا إذا كان إمساكه لها بدون عذر. أما إن أخره بعذر كاحتياجه إلى الخروج مما هو فيه وهو في ظلام والوديعة بخزانة لا يتأتى فتحها إذ ذاك، أو في حمام أو مطر أو على طعام ونحوه مما لا يطول زمنه غالبا كصلاة وقضاء حاجة وطهارة وملازمة مدين يخاف هربه فلا يضمن حينئذ لعدم تقصيره (٣). ولو قال له مالكها بلا طلب لها: لى عندك وديعة، فأنكر أو سكت لم يضمن، لأنه لم يمسكها لنفسه بهذا الإنكار، وقد يكون له في الإنكار غرض صحيح كما إذا أمر ظالم مالكها بطلبها من الوديع فطلبها منه وهو يحب جحودها فجحدها المودع (بفتح الدال) بخلافه بعد طلبها (٤). ولو اشترى شخص عينا وأمسكها البائع على الثمن ثم أودعها عند المشترى فتلفت ولو من غير تعد منه فإنها من ضمانه ويتقرر عليه الثمن. قال ذلك الزركشيّ وقال الرملى الكبير في حاشيته علي أسنى المطالب: الأصح خلافه. فإن تلفه في يد المشترى حينئذ كتلفه في يد بائعه (٥). إمساك الوكيل العين الموكل بقبضها: لو كان لإنسان عين معارة أو مؤجرة أو مغصوبة فوهبها لآخر فقبلها وأذن له الواهب في قبضها ثم إن الموهوب له وكّل في قبضها المستعير أو المستأجر أو الغاصب اشترط قبوله للوكاله لفظا ولا يكتفى بالفعل وهو الإمساك، لأنه استدامة لما سبق فلا دلالة فيه على الرضا بقبضه عن الغير (٦). إمساك متاع المضاربة: إن اقتضت مصلحة عقد المضاربة إمساك ما اشتراه عامل المضاربة معيبا فليس للمالك ولا للعامل ردّه في الأصح، لإخلاله بمقصود العقد. وقيل: للعامل الرد كالوكيل. وجوابه أن الوكيل ليس له شراء المعيب بخلاف عامل المضاربة إذا رأى فيه ربحا فيمسك ما فيه المصلحة ولا يرده بخلاف الوكيل. فإن فقدت المصلحة في إمساكه ولو مع فقد المصلحة في الرد أيضا فلكل منهما رده وإن رضى بإمساكه الآخر وإنما لم يُؤثر رضى المالك بإمساكه، لأن العامل صاحب حق في المال بخلاف الوكيل. وإن اختلف العامل والمالك في
следующие страницы →