← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 8786–8825 · переход к 8791.

стр. 8786

فليس له إلا حبسها أو بيعها لصاحبها وإمساك ثمنها في بيت المال (١). وللملتقط إمساك اللقطة وحبسها عن صاحبها حتى يستوفى النفقة التي أنفقها عليها قال الدسوقي فى حاشيته على الشرح الكبير: لو أنفق اللمتقط على اللقطة من عنده كل النفقة أو بعضها كما لو أكراها فنقص الكراء عن نفقتها وكمل الملتقط نفقتها من عنده فصاحبها مخير بين أن يسلم له اللقطة في نفقته، أو يفتديها من الملتقط بدفع ماله من النفقة. وذلك لأن النفقة في ذات اللقطة لا في ذمة صاحبها (٢). إمساك العبد الآبق: جاء في المدونة: ومن أخذ آبقا رفعه إلى الإمام ويوقفه - أي ليمسكه ويحفظه - سنة، وينفق عليه ويكون الإمام فيما أنفق عليه كالأجنبى فإن جاء صاحبه أخذ منه النفقة وألا باعه وأخذ من ثمنه ما أنفق وحبس بقية الثمن لصاحبه في بيت المال وللملتقط ألا يرفعه إلى الإمام وأن يفعل ما يفعله الإمام، وكذلك جاء فيها بالنسبة لضوال الإبل ونحوها أنها تحبس ثم تباع فتمسك أثمانها لأصحابها وهذا. أي حبس الضوال والآبق ثم بيعهما وإمساك الثمن. أو لى من إرسالهما كما قال البعض، لئلا يأبق ثانية أو يضيع الحيوان علي صاحبه (٣). انظر مصطلح "جعالة" إمساك العين المستأجرة: يضمن المستأجر إن أمسك الدابة المستأجرة له وحبسها عند صاحبها بعد انقضاء المدة المشترطة في الإجارة، وصاحبها حينئذ مخير بين أمرين: أحدهما) - أن يأخذ أجرتها عن المدة الزائدة التي حبسها فيها مع الأجر الأول، سواء استعملها المستأجر خلال حبسه هذا أم لا. الثاني) - أن يأخذ قيمتها يوم تعدي المستأجر بحبسها عنه مع الأجر الأول وسواء تغيرت الدابة أو لم تتغير له أخذ القيمة أو الأجرة على المشهور انظر مصطلح إجارة، ومحل خياره هذا فيما إذا حبسها المستأجر كثيرا كشهر ونحوه، أو حبسها حتى تغير سوقها الذي تراد له إجارة أو بيعا كحبسها عن صاحبها عند خروج القوافل إلى الشام مثلا. أما إذا حبسها المستأجر زمنا يسيرا كاليوم ونحوه فليس لصاحبها سوى أجرة هذا اليوم الزائد مع الأجر الأول (٤). مذهب الشافعية " إمساك المبيع والثمن " لكل من العاقدين إمساك عوضه وحبسه حتى يقبض مقابله إن خاف فوته يهرب أو غيره سواء كان الثمن معينا أو في الذمة.

стр. 8787

فإن لم يخف فوته فإن تنازعا في الابتداء بالتسليم فقال كل منهما: لا أسلم عوضى حتى يسلمنى عوضه أجبر الحاكم كلا منهما بإحضار عوضه إليه أو إلى عدل فإن فعل كل منهما ذلك سلم الثمن للبائع والمبيع للمشترى يبدأ بأيهما شاء وهذا إذا كان الثمن عينا كالمبيع أما إذا كان الثمن في الذمة فالبائع يجبر على الابتداء بالتسليم لأنه رضى بتعلق حقه بالذمة. فإذا سلم البائع المبيع أجبر المشترى على تسليم الثمن إن كان الثمن حاضرا في مجلس العقد والمراد من حضور الثمن حضور عينة إن كان معينا أو نوعه الذي يقضى منه إن كان في الذمة فإن ما في الذمة قبل قبضه لا يسمى ثمنا إلا مجازا. وإن لم يكن الثمن حاضرا فإن أعسر المشترى به بأن لم يكن له مال يفى بثمنه وحكم بإفلاسه فللبائع حقّ الفسخ وأخذ المبيع. وإن كان المشترى موسرا فإن لم يكن ماله بمسافة قصر حجر عليه القاضي في أمواله كلها حتى يسلم الثمن لئلا يتصرف في أمواله بما يبطل حق البائع. وإن كان ماله بمسافة قصر فللبائع حق الفسخ وأخذ المبيع لتعذر تحصيل الثمن لا يكلف الصبر إلى إحضار المال لتضرره بذلك فإن صبر إلى إحضاره حجر القاضي على المشترى في أمواله. أما الثمن المؤجل فليس للبائع حبس المبيع به لرضاه بتأخيره ولو حل قبل التسليم فلا حبس له أيضا. ولو كان أحد العاقدين وكيلا أو وليا أو ناظر وقت أو عامل مضاربة فلا يجبر على التسليم بل لا يجوز له ذلك حتى يقبض الثمن الحال ولو تبايع نائبان عن الغير لم يتأت إجبارهما أيضا. وإن اشترى بوكالة اثنين شيئا ووفَّى نصف الثمن عن أحدهما فللبائع إمساك المبيع حتى يستوفى كل الثمن، بناء على أن الاعتبار بالعاقد. أما إن باع لهما ولكل منهما نصف فأعطى أحدهما البائع نصف الثمن سلم إليه البائع حصته من المبيع، لأنه سلمه جميع ما عليه فليس له أن يمسكه عنه. وليس للبائع استرداد المبيع من المشترى وحبسه عنه لاستيفاء الثمن إن كان قد سلمه له متبرعا ولو عارية لسقوط حقه في حبسه عنه بالتسليم. إلا إن أودعه له فله استرداده وحبسه إذ ليس له في الإيداع تسليط بخلاف الإعارة وهذا إذا حصل الإيداع بعد البيع أما لو كان المتبيع مودّعا عنده حالة البيع ففى التتمة أنه لا حبس للبائع. وله استرداد المبيع وحبسه عن المشترى أيضا إذا خرج الثمن زيوفا ذكره ابن الرفعة وغيره وجزم به في الأنوار (١). وفى خلال إمساك البائع للمبيع وحبسه عنه لاستيفاء الثمن ينفذ من المشترى قبل القبض العتق والاستيلاء والتزويج والوقف إن لم يحتج قبولا سواء كان للبائع حق الحبس أم لا ويصير المشترى قابضا بتصرفه هذا ما عدا التزويج. فإن لم يرفع البائع يده بعد الوقف ضمنه بالقيمة لا بالثمن (٢).

стр. 8788

وللمشترى إمساك المبيع وحبسه عن البائع بعد الإقالة لاسترداد الثمن، سواء أقلنا إنها فسخ أم بيع صرح به الأصل ونقله السبكى عن القاضي حسين: لأنا إن قلنا إنه بيع فللبائع الحبس، وإن إنه فسخ فكالرد بالعيب وله الحبس أيضا. وهذا يخالف ما نقله النووى في مجموعة في الخيار عن الرويانى وأقره من أنه ليس لواحد من العاقدين بعد التفاسخ في مدة الخيار الحبس بل إذا طالب أحدهما الآخر لزم الآخر الدفع إليه ثم يدفع كان بيده بخلاف اختلافهما في البداءة في البيع فإن لكل حبس ما بيده حتى يدفع إليه الآخر لأن الفسخ هنا رفع حكم العقد وبقى التسليم بحكم اليد وهى توجب الرد، وهناك التسليم بالعقد وهو يوجب التسليم من الجانبين. وإن ضمن شخص الثمن مثلا للبائع بالإذن وأداه له ثم انفسخ العقد بتلف المبيع قبل القبض أو برده بعيب أو غيرهما رجع الضامن علي الأصيل بما أداه ورجع الأصيل علي البائع بما أخذه بأن يرجع فيه بعينه إن كان باقيا ويبدله إن كان تالفا، وليس للبائع إمساك ما أخذه ورد بدله كما لو رَد المبيع بعيب وعَين ثمنه عند البائع فأراد البائع إمساكه ورد مثله (١). وليس للوكيل إذا دفع الثمن من ماله أن يمسك المبيع ويحبسه عن الموكل لاستيفاء الثمن منه وإن كان يستحق الرجوع عليه به، لأن العقد يقع ابتداء للموكل (٢). ولو وجد وليّ الصغير أو المجنون بما اشتراه لهما عيبا وبه غبطة. أي فائدة كنقصان ثمنه عن ثمن مثله. جاز له إمساكه، لما فيه من الغبطة (٣). والمبيع خلال إمساك البائع له وقبل قبضه من ضمان البائع، فإن تلف بآفة سماوية انفسخ البيع وسقط الثمن عن المشترى. إلا إذا أتلفه المشترى قبل قبضه ولو جاهلا به فإنه يكون قبضا منه للمبيع. ولا ينفسخ البيع أيضا إذا أتلفه أجنبى لقيام بدله مقامه، بل يتخير المشترى بين الفسخ والرجوع عليه بالقيمة أو المثل، وحيث أجاز المشترى العقد ليس للبائع طلب القيمة أو المثل لإمساكه في مقابل الثمن كالمشترى إذا أتلف المبيع لا يغرم القيمة ليحبسها البائع، ولأن الحبس غير مقصود بالعقد حتى ينتقل إلى البدل (٤). وإذا اشترى ناقة أو شاة أو بقرة مصراة ثم علم أنها مصراة فهو بالخيار بين أن يمسك وبين أن يرد، لما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا تَصَرُّوا الإبل والغنم للبيع فمن ابتاعها بعد ذلك فهو يخير النظرين بعد أن يحلبها ثلاثا إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعا من تمر" (٥). وكذلك يثبت للمشترى الخيار بين إمساك المبيع وبين ردّه على بائعه إذا وجد به عيبا لم يعلم به وقت شرائه، لأنه بذل الثمن ليسلم له مبيع سليم ولم يسلم له ذلك فثبت له الرجوع بالثمن. وإن قال البائع للمشترى: أمسك المبيع وأنا أعطيك أرش العيب لم يجبر المشترى علي قبوله، لأنه لم يرض إلا بمبيع سليم بجميع الثمن فلا يجبر على إمساك معيب ببعض الثمن. وإن

стр. 8789

قال المشترى للبائع: اعطنى الأرش لأمسك المبيع لم يجير البائع على دفع الأرش، لأنه لم يبذل المبيع إلا بجميع الثمن فلا يجبر على تسليمه ببعض الثمن وإن وجد العيب وقد زاد المبيع زيادة منفصلة كما إذا كان المبيع بهيمة فحملت عند المشترى وولدت أو شجرة فأثمرت عنده كان للمشترى أن يرد الأصل ويمسك الولد والثمرة لأنه نماء منفصل حدث في ملكه فجاز أن يمسكه ويرد الأصل (١) ولتفصيل هذا انظر مصطلح بيع وخيار. إمساك العين المستأجرة والأجرة: لكل من المؤجر والمستأجر إمساك عوضه حتى يقبض مقابله علي التفصيل السابق في إمساك المبيع، وتعتبر العين المستأجرة بمنزلة المبيع، وتعتبر الأجرة بمنزلة الثمن (٢). ولو تفاسخا الإجارة كان للمستأجر أن يحبس العين المستأجرة لقبض الأجرة (٣) وإن أمسك المؤخر أو غيره حتى انقضت المدة انفسخت الإجارة لفوات المعقود عليه قبل قبضه. وإن أمسكها حتى انقضى بعض المدة ثم سلمها انفسخ العقد في الماضي، ويثبت الخيار في الباقى كما لو تلف بعض المبيع قبل قبضه ولا يبدل زمان بزمان (٤). ولو استأجر صباغا أو قصارا لعمل ثوب وسلمه له كان للمستأجر إمساك الثوب وحبسه عن صاحبه لاستيفاء الأجرة. وكذلك يكون له إمساكه لتمام العمل أيضا. وليس لصاحب الثوب أن يبيعه خلال فترة إمساكه هذه ما لم يكن سلم الأجرة (٥) ولو أمسك المستأجر الدابة المستأجرة وترك الانتفاع بها وقت الانتفاع بها كالنهار فتلفت بسبب لو انتفع بها فيه لسلمت كانهدام سقف عليها خلال إمساكه لها فإنه يضمن لتقصيره بترك استعماله لها فيه بخلاف ما إذا تلفت بإمساك لا يُعد مقصرا فيه كأن انهدم عليها السقف في ليل لم تجر العادة باستعمالها فيه. ولو أمسكها وترك الانتفاع بها في وقت الانتفاع لمرض أو خوف قد عرض له فتلفت بذلك فالظاهر الذي اقتضاه التعليل السابق عدم الضمان كما بحثه الأذرعيّ في الخوف أخذا من كلام إمام الحرمين (٦). إمساك الوديعة: إن قال صاحب الوديعة للمودّع: اربط الدراهم في كمك فأمسكها في يده فتلفت فالمذهب أنه إن ضاعت أو سقطت منه بسبب نوم أو نسيان ضمن، لأنه لو ربطها لم تضع بهذا السبب فالتلف حاصل بالمخالفة، وإن تلفت بأخذ غاصب فلا ضمان لأن اليد أحرز وأمنع من الربط بالنسبة إلى الغصب، والربط أمنع وأحرز بالنسبة إلى التلف بالضياع أو السقوط، وسواء كان قد نهاه صراحة عن إمساكها في يده أم لا، ذكر ذلك الرملى الكبير في حاشيته على أسنى

стр. 8790

المطالب شرح روض الطالب وجاء في تحفة المحتاج: أنه إن نهاه عن إمساكها في يده ضمن مطلقا. وإن امتثل أمره وربطها في كمه لم يضمن، لأنه احتاط في الحفظ، بخلاف ما إذا ربطها فيه ولم يمسكها بيده فيضمن إن تلفت (١) وإن أمسكها في يده بلا ربط في كمه فأخذها غاصب لم يضمن، وإن ضاعت في غفلة أو نوم ضمن (٢). وإن أخّر المودّع (بفتح الدال) ردّ الوديعة - أي أمسكها - بعد طلب صاحبها لها ضمن لتقصيره. وهذا إذا كان إمساكه لها بدون عذر. أما إن أخره بعذر كاحتياجه إلى الخروج مما هو فيه وهو في ظلام والوديعة بخزانة لا يتأتى فتحها إذ ذاك، أو في حمام أو مطر أو على طعام ونحوه مما لا يطول زمنه غالبا كصلاة وقضاء حاجة وطهارة وملازمة مدين يخاف هربه فلا يضمن حينئذ لعدم تقصيره (٣). ولو قال له مالكها بلا طلب لها: لى عندك وديعة، فأنكر أو سكت لم يضمن، لأنه لم يمسكها لنفسه بهذا الإنكار، وقد يكون له في الإنكار غرض صحيح كما إذا أمر ظالم مالكها بطلبها من الوديع فطلبها منه وهو يحب جحودها فجحدها المودع (بفتح الدال) بخلافه بعد طلبها (٤). ولو اشترى شخص عينا وأمسكها البائع على الثمن ثم أودعها عند المشترى فتلفت ولو من غير تعد منه فإنها من ضمانه ويتقرر عليه الثمن. قال ذلك الزركشيّ وقال الرملى الكبير في حاشيته علي أسنى المطالب: الأصح خلافه. فإن تلفه في يد المشترى حينئذ كتلفه في يد بائعه (٥). إمساك الوكيل العين الموكل بقبضها: لو كان لإنسان عين معارة أو مؤجرة أو مغصوبة فوهبها لآخر فقبلها وأذن له الواهب في قبضها ثم إن الموهوب له وكّل في قبضها المستعير أو المستأجر أو الغاصب اشترط قبوله للوكاله لفظا ولا يكتفى بالفعل وهو الإمساك، لأنه استدامة لما سبق فلا دلالة فيه على الرضا بقبضه عن الغير (٦). إمساك متاع المضاربة: إن اقتضت مصلحة عقد المضاربة إمساك ما اشتراه عامل المضاربة معيبا فليس للمالك ولا للعامل ردّه في الأصح، لإخلاله بمقصود العقد. وقيل: للعامل الرد كالوكيل. وجوابه أن الوكيل ليس له شراء المعيب بخلاف عامل المضاربة إذا رأى فيه ربحا فيمسك ما فيه المصلحة ولا يرده بخلاف الوكيل. فإن فقدت المصلحة في إمساكه ولو مع فقد المصلحة في الرد أيضا فلكل منهما رده وإن رضى بإمساكه الآخر وإنما لم يُؤثر رضى المالك بإمساكه، لأن العامل صاحب حق في المال بخلاف الوكيل. وإن اختلف العامل والمالك في

стр. 8791

الرد والإمساك رفع الأمر إلى القاضي ليعمل بالمصلحة، لأن لكل منهما حقا (١). ويجب على العامل في المضاربة إمساك المبيع حتى يقبض الثمن الحال، فإن سلم المبيع قبل قبض الثمن ضمن إلا أن يأذن له المالك في ذلك فلا يضمن للإذن (٢) ولو حبس المالك العامل ومنعه التصرف لم يكن ذلك فسخا لعقد المضاربة بينهما لعدم دلالة ذلك على الفسخ (٣). إمساك المتعاقد على رده لاستيفاء الجعل والنفقة: إذا رد العامل في الجعالة لشئ المتعاقد على رده من ضالة أو عبد أو نحوهما من الأعمال فليس له إمساكه وحبسه عن الجاعل لاستيفاء الجعل، لأن استحقاق العامل الجعل إنما يكون بتسليمه المتعاقد عليه للجاعل فلا يكون له حبسه قبل الاستحقاق وكذلك لا يحق للعامل أن يحبس المردود عن الجاعل لاستيفاء ما أنفقه عليه وإن كان إنفاقه بإذن المالك أو القاضي (٤). إمساك اللقطة: لو أمسك الملتقط لقطة الحيوان وأراد الإنفاق عليه ليرجع به على صاحبه عند ظهوره فيشترط لذلك أخذ الإذن بالإنفاق من القاضي إن كان هناك قاض. فإن لم يجده أشهد أن ينفق عليه غير متبرع، وكان له أن يرجع حينئذ (٥). وإن رأى الشخص لقطة مطروحة فدفعها برجله وتركها ولم يمسكها حتى ضاعت لم يضمنها لأنها لم تحصل في يده. ولو قال الملتقط للمالك بعد تلف اللقطة: كنت أمسكتها لك وقلنا أنه لا يملكها إلا باختيار التملك لم يضمنها (٦). مذهب الحنابلة: "إمساك المبيع والثمن " ليس للبائع إمساك المبيع وحبسه لاستيفاء ثمنه من المشترى وكذلك من اشترى شراء فاسدا أو قبض المبيع وسلم الثمن فليس للمشترى حبس المبيع لاسترداد الثمن فإن تنازع المتعاقدان أيهما يسلم أولًا فقال البائع: لا أسلم المبيع حتى أتسلم الثمن، وقال المشترى: لا أسلم الثمن حتى أتسلم المبيع، فإن كان الثمن معينا في العقد من نقد أو عرض جُعل بينهما عدلٌ ينصبه القاضي فيقبض منهما ثم يسلم إليهما قطعا للنزاع، لأنهما استويا في تعلق حقهما بعين الثمن والمثمن، فيسلّم العدلُ المبيعَ أوّلًا للمشترى ثم يسلم الثمنَ للبائع، لأن قبض المبيع من تتمات البيع في بعض الصور واستحقاق الثمن مرتب على تمام البيع، ولجريان العادة بذلك. ومن امتنع منهما من تسليم ما عقدا عليه من مبيع أو ثمن مع إمكان تسليمه حتى تلف ضمنه كغاصب، لتعديه بإمساكه ومنعه. وأيهما بدأ بالتسليم أجبر الآخر. وإن كان الثمن دينا حالًا فنص أحمد على أنه لا يحْبِس البائع المبيع على قبض ثمنه، لأن حق المشترى تعلق بعين المبيع وحق البائع تعلق بالذمة

стр. 8792

فوجب تقديم ما تعلق بالعين كحق المرتهن على سائر الدائنين. فيجبر بائع على تسليم مبيع ثم يجبر مشتر على تسليم ثمنه الحالّ إن كان معه في المجلس. وإن كان الثمن غائبا عن المجلس في البلد حجر القاضي على المشترى في المبيع وفى بقية ماله من غير فسخ للبيع حتى يحضر الثمن كله ويسلمه للبائع، لئلا يتصرف في ماله تصرفا يضر البائع. وكذلك الحكم إن كان مال المشترى خارج البلد دون مسافة القصر، لأنه في حكم البلد. أما إن كان ماله ببلد بعيد مسافة قصر فصاعدا أو كان المشترى معسرا ولو ببعض الثمن فللبائع الفسخ في الحال ولو بدون حكم قاض، لأن في التأخير ضررا عليه؛ وله الرجوع في عين ماله بعد الفسخ كمفلس باع له البائع جاهلًا بالحجر عليه. وإن كان المشترى موسرا مماطلا بالثمن فليس للبائع الفسخ. لأن ضرره يزول بحجر القاضي عليه ووفائه من ماله. وقال الشيخ -ابن تيمية-: للبائع الفسخ إذا كان المشترى مُماطلا دفعا لضرر المخاصمة قال في الإنصاف: وهو الصواب. وقال صاحب كشاف القناع: خصوصا في زماننا هذا، هذا إذا كان الثمن حالا. أما إذا كان مؤجلا فلا خلاف أيضا أنه ليس للبائع إمساك المبيع لاستيفاء الثمن، فيجبر البائع على تسليم المبيع ولا يطالب بالثمن حتى يجيء أجله (١). وإذا وجد المشترى البهيمة المشتراة مصراة -أي محبوسة اللبن- ولم يعلم بذلك حال الشراء ثبت له الخيار ثلاثة أيام منذ علم بين إمساكها بلا أرش وبين ردها مع صاع من تمر لقوله ﵊: "من اشترى مُصَرَّاة فهو منها بالخيار ثلاثة أيام إن شاء أمسكها وإن شاء ردّها ومعها صاعا من تمر" (٢). وكذلك يثبت للمشترى الخيار بين إمساك المبيع وبين رده إذا وجد بالمبيع تدليسا يزيد به الثمن أو وجد به عيبا إلا أنه إذا أمسك المبيع في خيار التدليس أمسكه مجانا بدون أرش. أما في خيار العيب فيمسكه مع أرش العيب على البائع، سواء رضى البائع بدفع الأرش أو سخطه. وذلك ما لم يفض الإمساك مع الأرش إلى ربا كشراء حلي بزنته دراهم أو شراء قفيز مما يجرى فيها الربا بمثله ثم وجد معيبا قله الرد أو الإمساك مجانًا من غير أرش، لأن أخذ الأرش مع الإمساك يؤدى إلى ربا الفضل (٣). مصطلح "بيع" و "خيار" والوكيل بالبيع يجب عليه إمساك المبيع وحبسه عن المشترى فلا يسلمه له قبل قبض ثمنه حيث جاز له قبض الثمن، لأنه إذا لم يمسكه لذلك يعد مُفرِّطا فيضمنه. وكذا وكيل في شراء وقبض مبيع لا يسلم الثمن حتى يتسلم المبيع. فإن أخر الوكيل تسليم الثمن وأمسكه بلا عذر ضمنه إذا تلف، لتفريطه بإمساكه (٤).

стр. 8793

إمساك العين المستأجرة: وكذلك ليس للمؤجر بنقد حال إمساك العين المستأجرة لاستيفاء الأجرة فإن تنازعا أيهما يسلم قبل الآخر فالحكم على التفصيل السابق في تنازع البائع والمشترى (١) وفى خلال إمساك المالك للعين المستأجرة إن تصرف فيها قبل تسليمها أو امتنع من التسليم حتى انقضت المدة انفسخت الإجارة بذلك، لأن العاقد قد أتلف المعقود عليه قبل تسليمه فأشبه تلف الطعام قبل قبضه وإن سلمها إلى المستأجر في أثناء المدة - أي بعد إمساكها عنه فترة انفسخت الإجارة فيما مضى من مدة الإجارة وتجب أجرة الباقى بالقسط من المسمى (٢). وكذا لو انهدم البعض من الدار المتسأجرة ونحوها وأمسك المتسأجر البقية التي لم تهدم فبالقسط من الأجرة. أي تقسم الأجرة على ما انهدم وعلى ما بقى ويلزمه قسط الباقى (٣). وإمساك المستأجر للدابة المستأجرة وحبسها مدة الإجارة يوجب الأجرة (٤). قال صاحب كشاف القناع: وتستقر الأجرة أيضا ببذل تسليم عين العمل في الذمة إذا مضت مدة يمكن الاستيفاء فيها كما لو قال: اكتريت منك هذه الدابة لأركبها إلى بلد كذا بكذا ذهابا وإيابا وسلمها إليه المؤجر ومضت مدة يمكن فيها ذهابه إلى ذلك البلد ورجوعه على العادة ولم يفعل، نقل ذلك في المغنى عن الأصحاب، لأن المنافع تلفت تحت يده باختياره فاستقر الضمان عليه (٥). ويلزم المؤجر إمساك البعير ونحوه للمستأجر لينزل لقضاء حاجة الإنسان من بول أو غائط ويلزمه أيضا إمساكه له لينزل لأجل الطهارة، ويدع البعير واقفا حتى يفعل ذلك، أي يقضى حاجته ويتطهر ويصلى الفرض، لأنه لا يمكنه فعل شي من ذلك على ظهر الدابة ولابد له منه بخلاف نحو أكل وشرب مما يمكنه راكبا. فإن أراد المستأجر إتمام الصلاة فطالبه الجمّال بقصرها لم يلزمه القصر، لأنه رخصة بل تكون الصلاة خفيفة في تمام جمعا بين الفرضين (٦). وإن أمسك الصانع الثوب وحبسه عن صاحبه لاستيفاء أجرته بعد عمله -أي بعد قصره أو خياطته أو صبغه ونحوه- فتلف ضمنه، لأن صاحبه لم يرهنه عنده ولا أذن له في إمساكه فلزمه الضمان كالغاصب. إلا أنه يحق له إمساكه وحبسه عن صاحبه في صورة ما لو اشترى شخص ثوبا مثلا ودفعه لصانع ليعمل فيه شيئا فعمله ثم أفلس المشترى وجاء بائعه له يطلبه بعد فسخه البيع لوجود متاعه عند من أفلس فللصانع في هذه الصورة إمساك الثوب وحبسه لاستيفاء أجرته. لأن العمل الذي هو عوضها موجود في عين الثوب فملك حبسه مع ظهور عسرة المستأجر كمن أجر دابته أو نحوها لإنسان بأجرة حالة ثم ظهر إعسار المستأجر فإن للمؤجر إمساكها وحبسها عنه وفسخ الإجارة. ثم إن كانت أجرته أكثر مما زادت.

стр. 8794

به قيمته أخذ الزيادة وقاسم الدائنين بما بقى له من الأجرة (١). وفى جواز إمساك المستأجر لنماء العين المستأجرة كالولد بدون إذن المالك وجهان: فقيل: بجواز إمساكه بدون إذن المالك تبعا لأصله. وقيل: لا يجوز ذلك. خرج ذلك القاضي وابن عقيل. وإن أمسك المستأجر العين المستأجرة بعد انقضاء مدة الإجارة وبعد طلب المؤجر لها بغير عذر صارت مضمونة عليه كالمغصوبة. وكذلك الحكم إذا أمسك نماء العين المستأجرة بعد طلب المالك له (٢). وقال أبو الحارث عن أحمد في رجل استأجر دابة في عشرة أيام بعشرة دراهم فإن حبسها أكثر من ذلك فله بكل يوم درهم فهو جائز (٣). إمساك مال المضاربة والشركة: للمضارب أن يشترى المعيب -وله إمساكه- إذا رأى المصلحة فيه، لأن المقصود الربح وقد يكون الربح في المعيب. فإن اشتراه يظنه سليما فبان معيبا فله فعل ما يرى المصلحة فيه من رده بالعيب أو إمساكه وأخذ أرش العيب. وإن اختلف العامل وصاحب المال في الإمساك والرد فعل ما فيه النظر والحظ لأن المقصود تحصيل الحظ فيحمل الأمر على ما فيه الحظ والمصلحة. وأما الشريكان إذا اختلفا في رد معيب وإمساكه فإنه يكون لطالب الردّ رد نصيبه وللآخر إمساك نصيبه إلا أن يكون البائع لم يعلم أن الشراء لهما جميعا فلا يلزمه قبول رد بعضه، لأن ظاهر الحال أن العقد لمن وليه فلم يجز إدخال الضرر على البائع بتبعيض الصفقة عليه. ولو أراد الذي ولى العقد رد بعض المبيع وإمساك البعض كان حكمه حكم ما لو أراد شريكه ذلك على ما فصلناه (٤). إمساك الشقص المشفوع: وإذا أخذ الشفيع بالشفعة فللمشترى إمساك الشقص المشفوع وحبسه عن الشفيع. حتى يقبض الثمن، فإن كان موجودا سلمه، وإن تعذر في الحال قال أحمد في رواية حرب: ينظر الشفيع يوما أو يومين بقدر ما يرى القاضي فإن كان أكثر فلا (٥) انظر مصطلح شفعة. إمساك الوديعة: إن عين صاحب الوديعة جيب المودَع (بفتح الدال) لحفظ الوديعة بأن قال له: اجعلها في جيبك ضمن إن ضاعت وقد أمسكها في يده أو جعلها في كمه، لأن الجيب أحرز وربما نسى فسقطت من يده أو كمه، ولا يضمن في عكسه بأن عيّن له إمساكها في يده أو كمه فجعلها في جيبه، لأنه أحرز. وإن قال صاحب الوديعة للمودّع: اجعلها في كمك فأمسكها في يده ضمنها، لأن اليد يسقط منها الشئ بالنسيان بخلاف الكمّ. وكذلك يضمن في عكسه بأن قال له: أمسكها في يدك فجعلها في كمه، لأن الكم

стр. 8795

يتطرق إليه البسط بخلاف اليد فكل منهما أدنى من الآخر حفظا من وجه فضمن لمخالفته. وقال صاحب المغنى: إن أمره بشدها في كمه فأمسكها في يده عند المغالبة لم يضمن وإن فعل ذلك عند غير المغالبة ضمن. وقال القاضي أبو يعلى أيضا: اليد أحرز عند المغالبة والكم أحرز عند عدمها. هذا إذا عيّن طريقة حفظها أما إذا أطلق فلم يأمره بوضعها في شيء بعينه فتركها المودَع في جيبه وكان مزرورا أو ضيق الفم أو أمسكها في يده أو شدها في كمه أو في عضده أو تركها في وسطه وشد عليها سراويله لم يضمن إن ضاعت، لأنه لا يعد مفرّطا (١) وإن جاءه بالوديعة في السوق مثلا فقال له: احفظها في بيتك فأمسكها في دكانه أو ثيابه ولم يحملها إلى بيته مع إمكانه فتلفت ضمنها. ويحتمل أنه متى تركها عنده إلى وقت مضيّه إلى منزله في العادة فتلفت لم يضمنها، لأن العادة أن الإنسان إذا أودع شيئًا وهو في دكانه أمسكه في دكانه أو في ثيابه إلى وقت مضيه إلى منزله فيستصحبه معه (٢). وإن مات شخص وعنده وديعة معلومة بعينها فليس لورثته إمساكها لأن صاحبها لم يأتمنهم عليها وإنما حصل مال غيرهم في أيديهم ويجب عليهم تمكين صاحبها من أخذها إن كان عالما بموته فإن لم يعلم وجب عليهم إعلامه فإن أخروا الإعلام مع الإمكان ضمنوا (٣) وإن أمسك المودَع الوديعة وحبسها عن صاحبها بعد طلبه لها بدون ضرورة فتلفت ضمنها، لأنه صار غاصبا لكونه أمسك مال غيره بغير إذنه بفعل محرم فأشبه الغاصب. أما إن طلبها في وقت لم يمكن دفعها إليه لبعدها أو لمخافة في طريقها أو للعجز عن حملها أو غير ذلك لم يكن متعديا في إمساكها وترك تسليمها، لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها، وإن تلفت في خلال إمساكه هذا لم يضمنها لعدم عدوانه. وإن قال: امهلونى حتى أقضى صلاتى أو آكل فإنى جائع أو أنام فإنى ناعس أو ينهضم عنى الطعام فإنى ممتلئ أمهل بقدر ذلك (٤). إمساك اللقطة والضالة: إذا ردّ العامل - في الجعالة - اللقطة أو الحيوان الضائع ونحوه كالعبد الآبق لم يكن له إمساك المردود وحبسه عن الجاعل لاستيفاء الجعل، فإنْ حَبَسَه لاستيفاء ذلك وتلف ضمنه (٥) ويحرم التقاط وإمساك الضوال التي تمتنع من صغار السباع لكبر جثتها كإبل وخيل أو لطيرانها أو لسرعة عدوها كظباء، لقول الرسول ﷺ : "دعها فإن معها حذاءها وسقاءها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها". وهذا النوع لا يملكه ملتقطه بتعريفه، لأنه متعد بأخذه كالغاصب لعدم إذن المالك والشارع وإن أنفق الملتقط على ما ذكر لم يرجع على ربه بما أنفق عليه، لتعديه بالتقاطه وإمساكه (٦).

стр. 8796

مذهب الظاهرية: قال ابن حزم: ومن باع شيئا فقال المشترى: لا أدفع الثمن حتى أقبض ما ابتعت وقال البائع: لا أدفع حتى أقبض أجبرا معا على دفع المبيع والثمن معا، لأنه ليس أحدهما أحقَّ بالإنصاف والانتصاف من الآخر وبيد كل واحد منهما حق للآخر وفرض على كل واحد منهما أن يعطى الآخر حقه، فلا يجوز أن يخص أحدهما بالتقدم، وفعل ذلك جور وحيف وظلم. فإن أبى المشترى من أن يدفع الثمن على هذا الوجه. أي مع قبضه لما اشترى وقال: لا أدفع الثمن إلا بعد أن أقبض ما اشتريت لا معه. فللبائع أن يمسك ما باع ويحبسه حتى ينتصف وينصف معا. فإن تلف المبيع عنده خلال حبسه هذا له من غير تعد منه فهو من مصيبة المشترى وعليه دفع الثمن. ولا ضمان على البائع فيما هلك عنده من غير تعديه، لأنه احتبس بحق قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (١). إلا أن يكون في بعض ما حبس وفاء بالثمن فإنه يضمن ما زاد على هذا المقدار، لأنه متعد باحتباسه أكثر مما تعدى عليه فيه الآخر. هذا إذا كان مما يمكن أن ينقسم. فإن كان مما لا يمكن قسمته إلا بفساده أو حط ثمنه فلا ضمان عليه أصلا. ولو قال البائع: لا أدفع المبيع إلا بعد قبض الثمن ودعاه المشترى إلى أن يقبض ويدفع معا فأبى فهو هنا ضامن، لأنه متعد باحتباسه ما حبس وقد دُعِى إلي الإنصاف فأبى (٢). ومن اشترى سلعة على السلامة من العيوب فوجدها معيبة فهى صفقة مفسوخة لا خيار له في إمساكها إلا بأن يجددا فيها بيعا آخر بتراض منهما، لأن المعيب غيرُ السالم، وهو إنما اشترى سالما فأعطى معيبا فالذى أعطى غير الذي اشترى فلا يحل له إمساكه ما لم يشتر لأنه أكل مال بالباطل (٣). فإن لم يشترط السلامة ولا بين له معيب فوجد عيبا فهو مخير بين إمساك الصفقة كلها أو ردها فإن أمسك فلا رجوع له بشيء، لأنه قد رضى بعين ما اشترى فله أن يستصحب رضاه وله أن يرد جميع الصفقة، لأنه وجد خديعة وغشا وغبنا، والغش والخديعة حرامان وليس له أن يمسك ما اشترى ويرجع بقيمة العيب، لأنه إنما له ترك الرضا بما غبن فقط ولأنه لم يُوجب له حقا في مال البائع قرآن ولا سنةٌ بل ماله عليه حرام وليس له رد البعض وإمساك البعض، لأن نفس المعامل لم تطب له ببعض ما باع له دون البعض. ولا يحل مال أحد إلا بتراض أو بنص يوجب إحلاله لغيره، وسواء كان المعيب وجه الصفقة أو أكثرها أو أقلّها، لأنه لم يأت بالفرق بين شئ من ذلك قرآن ولا سنة (٤). وهذا حكم كل معيب حاشا المُصَرَّاة فقط فإن حكمها أن من اشترى مصراة. وهى ما كان يحلب

стр. 8797

من إناث الحيوان وهو يظنها لبونا فوجدها قد رُبط ضَرْعُها حتى اجتمع اللبن فلما حلبها افتضح له الأمر فله الخيار ثلاثة أيام فإن شاء أمسك ولا شيء له، وإن شاء ردها ورد معها صاعا من تمر، (١). انظر مصطلح بيع وخيار، ومن وكل وكيلا ليبتاع له شيئًا سماه فابتاعه له بغبن لا يتغابن الناس في مثله أو وجده معيبا عيبا يحط به من الثمن الذي اشتراه به فكذلك له الرد أو الإمساك، على ما ذكر من قبل سواء بسواء، لأن يد وكيله هي يده (٢). ومن اشترى من اثنين فأكثر سلعة واحدة صفقة واحدة فوجد عيبا فله أن يرد حصة من شاء ويتمسك بحصة من شاء وله أن يرد الجميع إن شاء، أو يمسك الكل كذلك لأن بيع كل واحد منهما أو منهم حصته هو عقد غير عقد الآخر (٣). وكذلك لو اشترى اثنان فصاعدا سلعة من واحد فوجدا عيبا فأيهما شاء أن يرد ردّ وأيهما شاء أن يمسك أمسك، لأن صفقة كل واحد منهما غير صفقة الآخر (٤). ومن اطلع فيما اشترى على عيب يجب به الرد فله أن يرد ساعة يجد العيب، وله أن يمسك ثم يرد متى شاء طال ذلك الأمد أم قرب، ولا يسقط ما وجب له من الرد إلا أحد خمسة أوجه منها نطقه بالرضا بإمساكه، أما استخدامه للمبيع خلال إمساكه له أو ركوبه أو لبسه أو سكناه أو عرضه للبيع أو محاولة إزالة العيب فلا يسقط ما وجب له من الرد ولو بعد علمه بالعيب (٥). ومن قال حين يبيع أو يبتاع: لا خلابة. فله الخيار ثلاث ليال بما في خلالهن من أيام إن شاء أمسك المبيع، وإن شاء رده بعيب أو بغير عيب، أو بخديعة أو بغير خديعة وبغبن أو بغير غبن، فإذا انقضت الليالى الثلاث بطل خياره ولزمه البيع فيمسكه ولا رد له إلا من عيب إن وجده (٦). مذهب الزيدية: "إمساك المبيع " للبائع إمساك المبيع حتى يستوفى ثمنه من المشترى أو من غيره نيابة أو تبرعا عنها (٧) وهذا عند أبى العباس قال: يقدم تسليم الثمن على تسليم المبيع، لأنه قد تعين حق المشترى وهو المبيع، فيعيّن حق البائع أيضا في الثمن، وهو المذهب. وقال المنصور بالله: يقدم تسليم المبيع، لأن البائع مسلط على التصرف في الثمن فيسلط المشترى على المبيع (٨). وهذا إذا كان الثمن حالا ولم يأذن البائع في قبض المبيع. أما إن كان مؤجلا فليس له حبسه وللمشترى أن يقبضه سواء أذن البائع أم لا، وهذا في العقد الصحيح دون الفاسد فلابد فيه من الإذن. ولا يمنع منه حينئذ إلا ذو حق في المبيع كالمستأجر فإن له منعه حتى تنقضى مدة الإجارة

стр. 8798

أما الغاصب والسارق والمستعير الذي ليس له حبس المستعار والوديع فليس لهؤلاء إمساك المبيع وحبسه عن المشترى بعد علمهم بالبيع وتوفير الثمن في البيع الصحيح أو لإذن من البائع بالقبض. وأما إذا لم يكن قد سلم المشترى الثمن أو سلمه والعقد فاسد ولم يكن قد أذن له البائع بالقبض فلكل ممن هو في يده أن يحبسه ويمنعه منه، سواء كان في يده بحق أم لا كالغاصب، لأنه مأمور بحفظه ورده إلى البائع (١). وكذلك للبائع إمساك الفوائد الحادثة بعد البيع وقبل التسليم كالولد ونحوه مع إمساك المبيع حتى يقبض الثمن. وذلك تبعا للأصل وهو المبيع. فلو تلفت في يد البائع ولم يتلف المبيع لم تكن مضمونة عليه، لأنها لم تشارك المبيع في جزء الثمن وهو السبب الموجب للضمان. قال صاحب الوافى: إن استعمل البائع المبيع خلال إمساكه له فلا تلزمه أجرة للمشترى. والصحيح أنها تلزمه الأجرة إلا إذا تلف المبيع قبل القبض النافذ فلا تلزم، لأنه يبطل البيع. ولو امتنع البائع بعد توفير الثمن له من تسليم المبيع ثم سلمه لزمته الأجرة أيضا كالغاصب ولو لم يستعمله. وإن تعيب المبيع خلال إمساكه قبل القبض سواء كان باستعمال أم بغيره ثبت الخيار للمشترى فإن شاء فسخ، وإن شاء قبضه ولا أرش له إلا إذا كان العيب بفعل غير البائع رجع بالأرش على الجانى (٢). وإن أمسك البائع المبيع لاستيفاء الثمن من المشترى وتعذر قبض الثمن منه لإعساره أو تمرده أو الحجر عليه فللبائع فسخ البيع وفسخ تصرفات المشترى التي لا تنفذ إن كان قد تصرف ويبطل العقد ويعود للبائع. أمّا إذا تعذر قبض الثمن بعد أن وقف المشترى المبيع قبل قبضه استغل البائع الموقوف حتى يستوفى القيمة فإن كان الثمن أزيد منها يبقى الزائد للبائع في ذمة المشترى. ويرجع ناظر الوقف وبما أخذ من الغلة على الواقف هذا إذا لم يكن الوقف مسجدا أو مقبرة قد قبر فيها وإلا بقى الثمن في ذمة المشترى إلى أن يمكن استيفاؤه منه، وذلك لتعذر استغلالها (٣). وإذا فسخ البيع الفاسد فللمشترى إمساك المبيع وحبسه حتى يعود له الثمن، وإذ هو أحق به إذا أفلس، قال هذا الإمام يحيى، وهو المذهب. وقال الناصر: ليس له إمساكه، بناء على أن الفاسد باطل (٤). والوكيل بالبيع يلزمه إمساك المبيع حتى يقبض الثمن فلا يسلمه قبل ذلك، إذ قد تعين المبيع فلزم تعيين الثمن، وله تقديم تسليمه إذا جرت العادة بذلك إلا أن ينهاه الموكل صراحة عن فمل ذلك، أو كان المشترى داعرا (٥). هذا وأما إمساك المشترى للمبيع إذا وجد فيه عيبا أو غشا ونحوهما فيه تفصيل طويل ينظر في مصطلح "بيع" و "خيار". إمساك النصيب المشفوع: إن لم يكن المشترى قد سلم ثمن الشيء المشفوع فللبائع حبس المبيع عن الشفيع حتى يوفر الثمن إليه أو إلى المشترى، لأنه يرجع عليه (٦).

стр. 8799

وكذلك للمشترى حبسه حتى يسلم له الشفيع الثمن. ومثلهما في استحقاق ذلك كل من كان المبيع في يده ويجوز له حبسه كالوديع (١). وإذا طلب الشفيع الشفعة كان للمشترى مطالبة الشفيع ومرافقته إلى القاضي ليضرب له أجلا إلى ثلاثة أيام أو أزيد حسبما يراه القاضي كافيا لتحصيل الثمن، أو يأخذ منه كفيلا بذلك ويشترط القاضي على الشفيع بطلان شفعته إن لم يأت بالثمن في الوقت المضروب فإن عجز عن تحصيل الثمن أبطل القاضي شفعته ولو لم يقبل الشرط (٢). أما إن دفع الشفيع الثمن فلا حق لأحد في حبسه وإمساكه عنه فله أخذه من المشترى إجماعا وكذا لو كان بيد البائع عند القاسمية. إذ الحق يتعين فيه فيؤخد من حيث وجد. وقال الناصر: بل يجبره القاضي على تسليمه للمشترى والمشترى على التسليم للشفيع، إذ قد ملكه المشترى فلا يكون الأخذ إلا منه. وجوابه أن الحق متعين في المبيع ولا حق لأحد بجبسه فجاز اخذه قسرا من حيث وجد كالغصب والوديعة (٣). والمبيع في يد المشترى بعد الحكم بالشفعة كالأمانة مع صاحبها في أنه يجب على المشترى تسليمه إلا أن له حبسه حتى يسلم له الشفيع الثمن على ما سبق (٤). إمساك العين المستأجرة: لو أمسك المستأجر العين المستأجرة ولم ينتفع بها حتى مضت المدة المعينة في عقد الإجارة ضمن الأجرة، لتلف المنافع في يده (٥). وللأجير سواء كان خاصا أو مشتركا إمساك العين -لا فوائدها- لاستيفاء الأجرة، ولا يحتاج في ذلك إلى حكم من القاضي، لأنها عين تعلق بها حق فأشبهت الرهن، وسواء في ذلك المصنوع والمحمول، لأنه لا وجه للفرق وفى خلال حبس العين لاستيفاء الأجرة إن غرم الحابس عليها شيئا من نفقة ونحوها فله الرجوع بما غرمه على المؤجر إن نوى ذلك. وإن تلفت العين خلال حبسها فلا ضمان علي الحابس ولا أجرة له. وهذا كله إذا كانت الأجرة حالة. فإن كانت مؤجلة فليس له حبسها. فإن حبسها فتلفت فعليه قيمتها. وكذلك كل عين تعلق بها حق كالمزارعة الفاسدة فإن له الحبس في هذه الصورة حتى يسلم ما هو له من ثمرة أو أجرة (٦). ولا يجوز للمستأجر إمساك العين المستأجرة بعد استيفاء الحق منها أو بعد انقضاء مدتها ويجب عليه ردها فورا بعد ذلك، إذ لا وجه لإمساكها بعد ذلك كالعارية وقال المؤيد: لا يجب عليه ردها. إذ هي أمانة كالوديعة وجوابه أن الموْدَع (بفتح الدال) يمسكها للمودع (بكسر الدال) لا لمصلحة فافترقا. وبناء على الأول إن أمسكها ولم يردها ضمنها وضمن أجرتها وأن لم ينتفع، لتعديه في الإمساك بدون حق كالغاصب، إلا إن كان الإمساك لعذر كغيبة المالك أو المستأجر أو لعذر خوف ونحوه. لأنه لا تعدى حينئذ، لكن يفرغها حيث أمكن ويُشْهد (٧). إمساك مال المضاربة للمضارب شراء المعيب وإمساكه، إذ قد يربح فيه بخلاف الوكيل. وله الفسخ بالخيارات بشرط

стр. 8800

المصلحة. فإن نازعه المالك فأراد إمساك العين المشتراة وأراد المضارب ردها أو العكس رجع إلى نظر القاضي في الأصلح، لاشتراكهما وإذا مات المضارب فلا يجوز لوارثه إمساك أموال المضارية بل يجب عليه ردها فورًا وإلا ضمن لأنه ليس مأذونًا بالإمساك إلا لعذر. فإن غاب المالك رد الوارث إلى الحاكم أو أمسكه بإذنه (١). إمساك الوديعة: إذا غاب مالك الوديعة أمسكها المودَع إلى انقضاء العمر الطبيعى ثم تكون للوارث ثم للفقراء، قال هذا الهادى وأبو طالب. وقال المؤيد بالله والإمام يحيى: بل يصرفها عند ظنه الموت أو إياسه من معرفته ولو عاد، لئلا تفوت منفعتها. قال صاحب البحر الزخار: وهو قوى رعاية للمصلحة. وللوديع إمساك الوديعة - عن مالكها - حيث خشى من ردها أن يأخذها الظالم، قاله قاضى القضاة أبو رشيد (٢). وإمساك الوديعة من الدراهم ونحوها في اليد حال التصرف في البلد يعتبر حرزًا وحفظًا وليس بتفريط لو ضاعت. ومثل اليد في ذلك إمساكها في الكم والجيب (٣). ويعتبر من التعدى على الوديعة الموجب لضمانها إن تلفت - إمساكُها بعد طلب ردها من مالكها والمراد بالردّ هنا التخلية بينها وبين مالكها (٤). وقال أبو جعفر: لو نهى المودع الوديع عن إمساك الوديعة ولم يعلم الوديعة بنهيه حتى تلفت لم يضمن، لثلا يحصل الضرر في التعامل (٥). وإذا مات الوديع فليس لورثته إمساك الوديعة، ويلزمهم ردها فورًا، إِذْ لم يؤذنوا بإمساكها وإلا ضمنوا (٦). إمساك المال المردود واللقطة: إذا أنفق على الضالة ممسكُها كان له أن يرجع بما أنفق بنيته ولو كان المالك حاضرًا وكذا يرجع بأجرة الحفظ إذا كان لمثله أجرة، ولا يحتاج إلى أمر الإمام ولا القاضي والقول قوله في المعتاد، إذ لا يعرف إلا من جهته وعليه اليمين إن طلبت. وله حبسها عن مالكها حتى يستوفى ذلك منه، ولا يصير ضامنًا بالحبس بل تظل أمانة كما كان عليه الحال قبل حبسها، لأنه غير متعد بحبسها لذلك (٧). وكذا للملتقط حبس اللقطة لاستيفاء ما أنفقه عليها (٨). والعبد الآبق في حبسه عن سيده لاستيفاء النفقة كاللقطة، وذلك إن لم يكن له كسب ينفق عليه منه (٩).

стр. 8801

مذهب الإمامية: "إمساك المبيع والثمن ": يجوز للبائع إمساك المبيع وحبسه عن المشترى ليتقابضا أو ليقبض الثمن حيث شرط تقدم قبضه. وكذلك يجوز للمشترى ذلك بالنسبة للثمن (١). وإذا أطلق المتعاقدان عقد البيع عن شرط تأخير أحد العوضين أو تأخيرهما إذا كانا عينين أو أحدهما اقتضى ذلك وجوب تسليم المبيع والثمن فيتقابضا معًا لو تمانعا من التقدم، سواء كان الثمن عينًا أو دينًا. وإنما لم يكن أحدهما أولى بالتقدم لتساوى الحقين عند وجوب تسليم كل منهما إلى مالكه. فإن امتنع أحدهما أجبره القاضي وإن امتنعا أجبرا معًا من غير أولوية في تقديم الإجبار. وقال الطوسى: على القاضي أن يجبر البائع على تسليم المبيع أولًا، لأن الثمن تابع للمبيع ثم يجبر المشترى على تسليم الثمن بعد ذلك إن كان موسرًا. وإن كان معسرًا فللبائع فسخ البيع بغير قضاء القاضي. وإن كان غائبًا عن البلد احتفظ على السلعة فإن تأخر فللبائع فسخ البيع أو الصبر إلى أن يحضر. والرأى الأول أشبه ويضعف الثاني باستواء العقد في إفادة الملك لكل منهما. ولو تلف المبيع خلال إمساك البائع له وقبل قبض المشترى فمن ضمان البائع مطلقًا مع أن النماء المنفصل المتجدد بين العقد والتلف للمشترى. وإن تلف البعض أو تعيّب من قبل الله سبحانه أو من قبل البائع تخير المشترى بين الإمساك مع أرش العيب وبين الفسخ. ولو كان العيب من قبل أجنبى فالأرش عليه للمشترى إن أمسك المبيع وللبائع إن فسخ البيع؛ وإن كان من قبل المشترى استقر الثمن في ذمته إن لم يكن البائع قبضه، وإن كان قبضه لم يرجع به المشترى ويضمن البائع أجرة المبيع إذا أمسكه عن المشترى بغير حق. أما لو أمسكه وحيسه عنه ليتقابضا أو ليقبض الثمن الذي شرط تقدم قبضه فلا أجرة عليه، وذلك للإذن في إمساكه شرعًا. وحيث يكون الإمساك سائغًا فالنفقة على المبيع خلال إمساكه تكون على المشترى، لأنه ملكه. فإن امتنع من الإنفاق رفع البائع آمره إلى القاضي ليجبره عليه. فإن تعذر أنفق بنية الرجوع ورجع كنظائره (٢). ولو اشترى شخص شيئين صفقة واحدة فوجد بأحدهما عيبًا لم يكن له رد المعيب وإمساك الآخر بل يتخير في ردهما معًا أو إمساكهما وأخذ أرش العيب، سواء كانا مما ينقصهما التفريق أم لا، وسواء حصل القبض أم لا (٣). ولو اشترى اثنان شيئا صفقة فوجداه معيبًا كان لهما الرد بالعيب جميعًا. وإن أراد أحدهما

стр. 8802

أن يرد نصيبه وأراد الآخر إمساكه لم يكن لمن أراد الرد أن يرد نصيبه حتى يتفقا (١) ولو باعه أرضًا على أنها مساحة معلومة فنقصت تخير المشترى بين الرد والإمساك ولا يبطل البيع، فإن رد استرجع الثمن، وإن أمسك فللشيخ الطوسى فيه قولان: (أحدهما) الإمساك بجميع الثمن، (والثانى) الإمساك بما يخصه من الثمن. وبناء على القول الثاني قيل: يتحير البائع وفيه قوة ولو أمسكه المشترى بجميع الثمن سقط خيار البائع (٢). وتصرية الشاة والناقة والبقرة تدليس يثبت به الخيار بين الرد والإمساك. ويرد معها مثل لبنها أو قيمته مع التعذر (٣). وكذلك إذا حدث عيب في السلعة قبل القبض والتمكين منه كان المشترى بالخيار بين الرد والإمساك، وفى الأرش مع الإمساك تردد (٤). في هذا الموضوع تفصيل انظر مصطلح "بيع" و "خيار". إمساك العين المستأجرة: إذا استأجر شخص دابة مثلًا لقطع مسافة فأمسكها قدر قطعها من غير تسيير استقرت الأجرة عليه، ولا ضمان عليه خلال إمساكه لها بدون انتفاع طوال مدة الإجارة حتى ولو تلفت الدابة بوقوع سقف الإصطبل أو انهدام جدرانه عليها. أما إذا أمسكها بعد انقضاء مدة الإجارة ففى وجوب ضمانها إذا تلفت ومؤنتها ومؤنة ردها إشكال؟ ويلوح من كلام الشيخ - الطوسى - وجوب ذلك كله عليه. ولو طلب العين المستأجرة صاحبُها بعد المدة وجب ردها مع المكنة، فإن امتنع ضمنها، وعليه أجرة المثل من وقت الإمساك وإن لم يستعملها. ولو استأجر دابة عشرة أيام بعشرة دراهم فإن أمسكها أكثر من ذلك فللمؤجر بكل يوم درهم لم يجز ذلك ويكون له أجرة المثل بعد العشرة أيام. ولو أمسك الصانع الثوب وحبسه عن صاحبه لاستيفاء الأجرة فتلف ضمنه إلا أن يجعله صاحبه رهنًا (٥). وإن امتنع المؤجر من تسليم العين المستأجرة وحبسها عن المستأجر مدة الإجارة بطلت الإجارة. ولو منع الظالم المستأجر من الانتفاع بعد القبض لم تبطل وكان للمستأجر الدرك على الظالم (٦). إمساك النصيب المشفوع: يجوز للمشترى إمساك الشقص المشفوع حتى يسلمه الشفيع الثمن الذي وقع عليه العقد فإن امتنع الشفيع لم يجب على المشترى التسليم حتى

стр. 8803

يقبض فإن عجز الشفيع عن الثمن أو ماطل بطلت الشفعة (١). ولو ظهر في المبيع عيب فأمسكه المشترى معيبًا ولم يطالب بالأرش أخذه الشفيع بالثمن أو ترك وإن أخذ المشترى أرشه أخذه الشفيع بما بعد الأرش (٢). إمساك متاع المضاربة: إطلاق الإذن للمضارب في عقد المضاربة يبيح له شراء المعيب وإمساكه مع الحظ - أي المصلحة - بخلاف الوكيل. فإذا اشترى المضارب شيئًا فبان معيبًا كان له الرد بالعيب والإمساك بأرش أو بدون أرش فإن كان الحظ في الإمساك لم يرد وإن كان الحظ في الرد لم يمسك. ولو حضر المالك واختلفا في الرد والإمساك قدم القاضي قول من الحظ معه (٣). إمساك الوديعة: لو قال المودِع [بكسر الدال] للمودَع [بفتحها]: ضع الوديعة في جيبك أو كمك فأمسكها في يده ضمن إن سقطت. ولو غصبت فكذلك على إشكال!!! ولو أمره بحفظها مطلقًا فوضعها في جيبه أو أمسكها في يده لم يضمن إلا أن تسقط من يده لاسترخائه بنوم أو نسيان. ومما يوجب ضمان الوديعة إمساك المودَع لها بعد مطالبة صاحبها لها وإمكان الدفع. أما إن كان إمساكه لها بعد الطلب لعدم إمكان دفعها لبعدها أو لمخافة في طريقها أو للعجز عن حملها أو غير ذلك لم يكن متعديًا بإمساكها فلا يضمنها إن تلفت ولو مات شخص وعنده وديعة معلومة بعينها فعلى ورثته تمكين صاحبها من أخذها، ولو لم يعلم المالك بالموت وجب على الورثة إعلامه. وليس لهم إمساكها، لعدم الإذن وكذا لو أطارت الريح إلى دار شخص ثوبًا مثلًا وعلم به فعليه إعلام المالك وليس له إمساكه (٤). إمساك اللقطة والضوال: لا يجوز لأحد إمساك الضوال في العمران، سواء كانت ممتنعة كالإبل الكبيرة أو لم تكن كالصغير من الإبل والبقر. فإن أخذها كان بالخيار بين إمساكها لصاحبها أمانة، وعليه نفقتها من غير رجوع بها على المالك، وبين رفعها إلى الحاكم، فإن لم يجد حاكمًا أنفق ورجع بالنفقة وإن كان شاةً أمسكها ثلاثة أيام فإن لم يأت صاحبها باعها الواجد وتصدق بثمنها (٥). مذهب الإباضية: "إمساك المبيع ": جاء في شرح النيل: يجبر البائع أوَّلًا بأن يسلم المبيع للمشترى ثم يجبر المشترى على قبضه ونقد الثمن - أي إحضاره للبائع حينئذ - إن كان حالًا. أما إن كان مؤجلًا فلا يجبر على نقده للبائع إلا حين يحل الأجل (٦).

стр. 8804

ويُحْبَس البائع حتى يسلّم المبيع، والمشترى حتى يقبضه إن امتنعا. وقيل: لا يحكم بتسليم العروض حتى يوفى المشترى الثمن. وقيل: لا يحكم على المشترى بإحضار الثمن للبائع حتى مشتراه. وقيل: يحكم بتسليم المبيع ونقد الثمن معًا لا قبل ولا بعد فيهما - أي في التسليم والقبض مع نقد الثمن (١). وإذا أمسك البائع المبيع حتى يقبض الثمن أو يشهد أو يثبت أو نحو ذلك فتلف المبيع خلال ذلك فإنه يتلف عليه كالرهن. إلا أن الظاهر أن عليه للمشترى مثله أو قيمته، لانعقاد البيع ودخول المبيع في ملك المشترى، وعلى المشترى حينئذ نقد الثمن للبائع (٢). وإذا وجد المشترى بالمبيع عيبًا خيّر بين إمساكه ولا شئ له من أرش العيب، وبين أن يرده ويأخذ ثمنه من البائع إن كان قد دفعه له، والدليل على هذا حديث المصراة المشهور الذي قال فيه رسول الله ﷺ : "من اشترى شاة مُحَفَّلة فهو فيها بالخيار والنظر إلى ثلاثة أيام فإن شاء ردّها وردّ على صاحبها صاعًا من تمر" متفق عليه. فقد جعل ﷺ له الخيار إن شاء ردها وإن شاء أمسكها ورضى بعيبها ولا شيء له. وذلك التخيير بين الإمساك والرد إن لم يتغير المبيع بعيب حادث عند المشترى في قول الأكثر ولا حد لردّه ما لم يقبله ولو مكث أيامًا إن لم يستعمله ولم يعمل ما يدل على رضاه بعد اطلاعه على العيب (٣). وإذا اشترى المشترى أنواعًا من المبيعات في صفقة واحدة فوجد في أحدها عيبًا فالمختار أنه إن لم يسم لكل واحد من تلك الأنواع ثمنًا يكون بالخيار بين إمساك الكل بلا أرش أو رد الكلّ. وقال قوم: له أن يرد المعيب فقط بحصته من جملة الثمن إن أراد الرد وإلا أمسك الكل بلا أرش (٤). وكذلك يخير المشترى بين إمساك الكل بلا أرش أو رد الكل إن اشترى أشياء من بائعين متعددين بعقد واحد فوجد عيبًا في البعض وقد اتحدت الصفقة واتحد الثمن. أما إن عيّن لمعيب ثمنًا فله ردّه وحده أو إمساكُه بلا أرش. وكذلك إن اشترى رجلان أو أكثر من رجل أو أكثر شيئًا فخرج معيبًا قليس لأحدهما رد سهمه دون الآخر. وقيل: له أن يرد سهمه إن شاء بقيمته. وإن عُيِّن سهمُ كلٍّ في الصفقة بالحد من كذا إلى كذا لا بالتسمية فله ردّ سهمه (٥). ومن بيده حرام غصبه أو سرقه أو دخل يدَه وقد علمه حرامًا ولا يعرف صاحبه ندب له بيعه

стр. 8805

في موضع لا يُعرف فيه أنه حرام، وينفقُ ثمنه على الفقراء قصدًا لصاحبه (١). ويحرم على مشتريه إمساكه إن علم وقت البيع أنه حرام، ويلزمه ردّه لصاحبه الأول - أي المغصوب منه ونحوه (٢). أما إن علم المشترى بعد الشراء أن المبيع مسروق مثلًا وقد غرم السارق ثمنه لصاحبه فهل يحل له إمساكُه أو يردُّه على السارق ويأخدُ منه ثمنه ويَفْسَدُ البيعُ قولان؟ وقيل فيمن اشتراه وهو يعلم أنه حرام: إنه يمسكه إذا علم أن البائع غرم قيمته لصاحبه. وإخراج المتعدى بالسرقة أو بالغصب ونحوِه ذلك من يده بهبة أو صداق أو أجرة ونحوه كإخراجه بالبيع في الفصل كله. ففى الديوان: وكل ما كان في يده ففعل ما يضمنه به فضاع فغرم قيمته لصاحبه فرجع الشئ في يده فلا يمسكه ويرده لصاحبه ويسترد منه ما أعطاه سواء كان في يده أوّلًا بالتعدى أو بغيره. وقيل: يمسكه حيث أعطى قيمته (٣). ومن راب مبيعًا - أي ظن حرمته - بعد شرائه فقيل: يمسكه ولا يبالى. وقيل: يبيعه ويمسك قدر الثمن الذي دفعه وينفق الباقى على الفقراء. قال البراء: وهذا هو الأقيس، لأنه علم بالريبة فلا يكون كمن لم يعلمها. وإن كان المبيع ثمنًا أبدله بثمن آخر أو مثمن وأمسك قدر الثمن الذي دفعه فقط (٤). إمساك الأجير محل عمله: يجوز للأجير إمساك ما بيده ومنعُه من صاحبه حتى يأخذ أجرته، فللراعى مثلًا منع الضأن والمعز وإمساكُها عن صاحبها حتى يأتيه بالأجرة عند تمام الشهر مثلًا. وإذا أمسك الأجير ذلك بعد تمام العمل وحبسه عن صاحبه حتى يأخذ أجرته فتلف بأمر غير غالب لا يعذر فيه فإنه يضمن قيمته معمولا لصاحبه. ويأخذُ أجرة عمله. لأنه تلف وهو معمول والعمل نفع لصاحبه. وقيل: يضمن قيمته غير معمول، لأن عمله لم يتصل بيد صاحبه، ولم يخرج من يد عامله بل أبطله عامله فكأنه لم يكن من أول الأمر، ولا أجرة له حينئذ. وقيل: إن تلف بلا تعد وقد حبسه لأجرته ضمنه وذهب أجره من القيمة، ويدفع ما بقي من القيمة. أما إن تلف بأمر غالب يعذر فيه كسرقة أو حرق أو سيل أو مكابرة فلا ضمان عليه وله أجرته حتى ولو كان قد حبسه لاستيفاء أجرته، لأن ذلك مصيبة نزلت بصاحبه. جاء هذا في شرح النيل كما جاء فيه أن هذا هو الأصح لأنه كان في يد الأجير بأمر صاحبه، وتلف بما لا سبب له فيه ولا طاقة له عليه فلا يذهب عمله باطلًا (٥).

стр. 8806

وجاء في حاشية ابن السعيد على الإيضاح: أن الظاهر أنه إن حبسه لأجل استيفاء أجرته فتلف فلا أجرة له لأنه حيث حبسه لذلك صار بمنزله الرهن عنده قياسًا على السلعة إذا حبسها البائع في شئ من الثمن فإنهم ذكروا أنها بمنزلة الرهن (١). وإن حبسه عن صاحبه بعد قبض الأجرة بدون عذر مانع من إيصاله فإنه يلزمه ضمانه حتى ولو سرق أو أحرق أو كوبر عليه ونحو ذلك من الأمور الغالبة، لأنه قد أخذ عليه الأجرة ولا وجه لإمساكه عنده وقد انفصل عنه بتمام العمل وقبض الأجرة فكان في ضمانه. ومعنى إمساكه له في هذه المسألة أنه لم يوصله إلى صاحبه ولم يقبضه صاحبه وكان قد أخذه من دار صاحبه وليس المعنى أنه طليه صاحبه فمنعه منه، ولو كان هذا فمن باب أولى الضمان (٢). وكذلك لا يجوز للأجير أن يحبس ما بيده لأمر آخر غير الأجرة - التي لم يقبضها - فإن حبسه لغيرها وضاع ولو بلا تعد ضمنه غير معمول ولا أجرة له. وقيل: يجوز للأجير حبس ما بيده في مقابل دين له جحده صاحب المال أو تباعة كذلك فإن ضاع حسب من دينه أو تباعته معمولًا. وإن تلف ما بيد الأجير قبل العمل ضمنه غير معمول على قول الضمان، سواء نوى حبسه بعد تمام العمل لاستيفاء أجرته أم لم ينو ذلك (٣). إمساك العين المستأجرة: وإن استأجر شخص من شخص دابة مثلًا لعمل معين كحرث أو طحن أو ما أشبه ذلك من الأعمال، أو استأجرها للعمل مطلقًا كذا يومًا فذهب بها المستأجر إلى بيته فحبسها أيامًا في داره ولم يعمل بها شيئًا ولم يعلم بذلك صاحبها - أي لم يعلم بأنه حبسها وتركها بلا عمل - فله على المستأجر أجرة مثلها في تلك الأيام التي حبسها فيها في داره ينظر أهل العدل وهذا الراجح، لأنه عطل صاحبها عن الانتفاع بها خلال تلك الفترة وقد أخذها على الإجارة. وقال بعض: ليس على المستأجر شئ من أجرتها إذا لم يكن استعملها، لأنه استأجرها للعمل ولم يحصل من ذلك، ونسبه صاحب التاج إلى الأكثر. وقيل: لصاحبها الأجر كلُّه سواء حبسها المستأجر بلا عمل أو عمل بها، لأن ذلك جاء من قبله. وإن استعملها المستأجر بعد حبسها فترة فلصاحبها الأجر كله أيضًا. أما إن علم صاحبها بأن المستأجر حبسها بلا عمل فلا أجر له ويعد راضيًا بعدم الأجر حيث علم وسكت (٤). ولا يجوز للمستأجر أن يمسك على الدابة المستأجرة شيئًا من أموال الناس كالسلاح كما لا يمسك عليها مصحفًا ولا كتابًا ليقرأه (٥).

стр. 8807

بحث مصطلح "أمن " التعريف في اللغة: أمن مصدر الفعل أمن جاء في لسان العرب (١) أمن: الأمان والأمانة بمعنى وقد أمنت فأنا آمن وأمنت غيرى من الأمن والأمان. والأمن ضد الخوف والأمانة ضد الخيانة والإيمان ضد الكفر. والإيمان بمعنى التصديق ضده التكذيب يقال: آمن به قوم وكذب به قوم. فأما آمنته المتعدى فهو ضد أخفته. وفى التنزيل العزيز. ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٢)﴾. ابن سيده: الأمن نقيض الخوف، أمن فلان بأمن أمَنًا وأمْنا، حكى هذه الزجاج وأمَنةً وأمانا فهو أمِنْ. والأمنة: الأمن ومنه: أمنة نعاسا. ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ (٣) نصب أمنةً لأنه مفعول له كقولك: فقلت ذلك حذر الشر، قال ذلك الزجاج وفى حديث نزول المسيح، على نبينا وعليه الصلاة والسلام: وتقع الأمنة في الأرض أي الأمن، يريد أن الأرض تمتلئ بالأمن فلا يخاف أحد من الناس والحيوان. وفى اصطلاح الفقهاء: لا يخرج عن معناه في اللغة، وقد تحدث الفقهاء عن الأمن المقصود به إعطاء الأمان لأهل الحرب وينظر ذلك في مصطلح أمان، وتحدثوا كذلك عن الأمن باعتباره شرطًا لمريد الحج وبيان المذاهب في ذلك على الوجه الآتى: أمن الطريق بالنسبة لمريد الحج . مذهب الحنفية: أمن الطريق من شرائط فرضية الحج جاء في بدائع الصنائع عند تعداد شرائط فرضية الحج قال (٤): ومنها أمن الطريق وإنه من شرائط الوجوب عند بعض أصحابنا بمنزلة الزاد والراحلة وهكذا روى ابن شجاع عن أبى حنيفة وقال بعضهم إنه من شرائط الأداء لا من شرائط الوجوب وفائدة هذا الاختلاف تظهر في وجوب الوصية إذا خاف الغوث فمن قال إنه من شرائط الأداء يقول إنه تجب الوصية إذا خاف الغوث ومن قال إنه شرط الوجوب يقول لا تجب الوصية لأن الحج لم يجب عليه ولم يصر دينًا في ذمته فلا تلزمه الوصية ووجه قول من قال إنه من شرائط الأداء ما روينا أن رسول الله ﷺ فسر الاستطاعة بالزاد والراحلة ولم يذكر أمن الطريق ووجه من قال إنه شرط الوجوب وهو الصحيح أن الله شرط الاستطاعة ولا استطاعة بدون أمن الطريق كما لا استطاعة بدون الزاد والراحلة إلا أن النبي ﷺ بين الاستطاعة بالزاد والراحلة بيان كفاية ليستدل بالمنصوص عليه على غيره لاستوائهما في المعنى وهو إمكان الوصول إلى البيت ألا ترى أنه كما لم يذكر أمن الطريق لم يذكر صحة الجوارح وزوال سائر الموانع الحسية وذلك شرط الوجوب على أن الممنوع عن الوصول إلى البيت لا زاد له ولا راحلة معه فكان شرط الزاد والراحلة شرطًا

стр. 8808

لأمن الطريق عند الضرورة ثم قال الكاسانى: أما الذي يخص النساء أن يكون مع المرأة زوجها أو محرم لها والمحرم هو أن يكون ممن لا يجوز له نكاحها على التأبيد إما بالقرابة أو الرضاع أو لأن الحرمة المؤبدة تزيل في الخلوة فإن لم يوجد أحدهما لا يجب عليها الحج بدليل ما روى عن ابن عباس - رضى الله عنه - عن رسول الله ﷺ أنه قال: ألا لا تحجن امرأة إلا ومعها محرم. ولأنها إذا لم يكن معها زوج ولا محرم لا يؤمن عليها إذ النساء لحم على وضم (١) إلا مازب عنه وقول الله : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٢) لا تتناول النساء حال عدم الزواج والمحرم لأن المرأة لا تقدر على الركوب والنزول بنفسها فتحتاج إلى من يركبها وينزلها ولا يجوز ذلك لغير الزوج والمحرم فلم تكن مستطيعة في هذه الحالة فلا يتناولها النص فإن امتتنع الزوج أو المحرم عن الخروج فلا يجبرانه على الخروج ولو امتنع من الخروج لإرادة زاد وراحلة هل يلزمها ذلك ذكر القدورى في شرحه مختصر الكرفى أنه يلزمها ذلك ويجب عليها الحج وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوى أنه لا يلزمها ذلك ولا يجب الحج عليها وجه ما ذكره القدورى أن المحرم أو الزوج من ضرورات حجها بمنزلة الزاد والراحلة إذ لا يمكنها الحج بدونه كما لا يمكنها الحج بدون الزاد والراحلة ولا يمكن إلزام ذلك الزوج أو المحرم من ماله نفسه فيلزمها ذلك كما يلزمها الزاد والراحلة لنفسها ووجه ما ذكره القاضي أن هذا من شرائط وجوب الحج عليها ولا يجب على الإنسان تحصيل شرط الوجوب بل إن وجد الشرط وجب وإلا فلا. ألا ترى أن الفقير لا يلزمه تحصيل الزاد والراحلة فيجب عليه الحج ولهذا قالوا في المرأة التي لا زوج لها ولا محرم أنه لا يجب عليها أن تتزوج من يحج بها كذا هذا ولو كان معها محرم فلها أن تخرج مع المحرم في حجة الفرض من غير إذن زوجها عند الحنفية. وجاء في حاشية ابن عابدين على الدر المختار (٣) أنه اختلف في سقوط الحج إذا لم يكن بد من ركوب البحر فقيل يسقط وقال الكرمانى إن كان الغالب فيه السلامة من موضع جرت العادة بركوبه يجب وإلا فلا وهو الأصح قال في الفتح والذي يظهر أنه يعتبر مع غلبة السلامة عدم غلبة الخوف حتى لو غلب لوقوع النهب والغلبة من المحاربين مرارًا أو سمعوا أن طائفة تعرضت للطريق ولها شوكة والناس يستضعفون أنفسهم عنهم لا يجب وما أفتى به الرازى من سقوطه عن أهل بغداد وقول الاسكافى في سنة ست وثلاثين وستمائة لا أقول إنه فرض في زماننا وقول الثلجى ليس على أهل خراسان منذ كذا كذا سنة حج إنما كان وقت غلبة النهب والخوف في الطريق ثم زال ولله تعالى المنعة. وقال السيد أبو السعود إن قتل بعض الحجاج في كل عام أو في غالب الأعوام عذر وحينئذ فلا تكون السلامة غالبة. قال ابن عابدين فيه نظر فإن غلبة السلامة ليس المراد بها لكل واحد بل

стр. 8809

للمجموع وهى لا تنتفى إلا بقتل الأكثر أو الكثير أما قتل اللصوص لبعض قليل من جمع كثير سيما إذا كان بتقريطه بنفسه وخروجه من بينهم فالسلامة فيه غالبة. نعم إذا كان القتل بمحاربة القطاع من الحجاج فهو عذرا إذا غلب الخوف. مذهب المالكية: جاء في الحطاب يجب الحج باستطاعة وبإمكان الوصول بلا مشقة عظمت وأمن على نفس ومال (١) وقال في الشامل (٢): وعلى المال من لصوص على المشهور (٣) وما ذكر أن يعتبر الأمن على المال استثنى من ذلك ما إذا كان عدم الأمن عليه إنما هو لأن في الطريق مكاسا يأخذون من المال شيئًا قليلًا ولا ينكث بعد أخذه لذلك القليل. فذكر أن في ذلك قولين أظهرهما عدم سقط الحج والثانى سقوطه قال في التوضيح (٤) إن كان ما يأخذه المكاس غير معين أو معينًا لحجنا سقط الوجوب وفى غير المجحف قولان أظهرهما عدم السقوط وهو قول الأبهرى واختاره ابن العربى وغيره والآخر ابن القصار عن بعض الأصحاب وظاهر الكلام في التوضيح أنه إذا كان المكاس يأخذ ما يجحف سقط الحج من غير خلاف وظاهر ما نقله التادلي عن ابن العربى أنه يختار عدم السقوط سواء طلب ما يجحف أم لا يجحف خلاف ما نقله عنه في التوضيح ونصه قال صاحب السراج فإن طلب منه الظالم في طريق أو في دخول مكة مالًا فقال بعض الناس لا يدخل ولا يعطيه وليرجع والذي أراه أن يعطيه ولا ينبغى أن يدخل في ذلك خلاف فإن الرجل بإجماع الأمة يجوز له أن يمنع عرضه ممن يهتكه بحاله قالوا كل ما وقى به المرء عرضه فهو صدقة فكذلك أن يشترى دينه ممن يمنعه إياه ولو أن ظالمًا قال لرجل لا أمكنك من الوضوء والصلاة إلا بجعل لوجب عليه أن يعطيه إياه وصاحب السراج هو ابن العربى فظاهر كلامه هذا أنه لم يفرق بين ما يجحف وما لا يجحف كما نقله صاحب التوضيح وفى كلام ابن عبد السلام ميل إلى هذا فإنه قال وتقدم أنه لا يعتبر بقاؤه فقيرًا أو أنه يبيع عروضه وأنه يترك ولده للصدقة وذلك يقتضى أنه لا يراعى ما يجحف فضلًا عما لا يجحف قال المصنف في التوضيح بعد نقله كلام ابن عبد السلام وقد يفرق بأن في الإعطاء هنا إعانة للظالم على ظلمه وبغيه ويمكن أن يفرق بأن تلك الأمور لابد منها ولا يمكن الوصول إلا بها بخلاف هذه فتأمله وظاهر كلام المصنف هنا أن محل الخلاف إذا كان المأخوذ قليلًا وأما إن كان المكاس يطلب الكثير فإنه يسقط الحج ولو كان ذلك الكثير لا يجحف بالمأخوذ منه وهو ظاهر كلام اللخمى أو صريحه وظاهر كلام المصنف في توضيحه ومناسكه أن محل الخلاف ما لا يجحف ولو كان في نفسه كثيرًا وهو ظاهر كلام القاضي عبد الوهاب والقرافى وغيرهما. قال النادلى قال

стр. 8810

القرافى يسقط فرض الحج إذا كان في الطريق عدو يطلب النفس أو من المال ما لا يتحدد أو يتحدد ويجحف وفى غير المجحف خلاف ولا شك في تغاير العبارتين لأن المجحف وغير المجحف يختلفان باختلاف الناس فرب شخص يجحف به الدينار وآخر لا يجحف به العشرة ولهذا قال ابن عرفة لا يسقط بعدم اليسير قال وظاهر قول القاضي ولا بكثير لا يجحف وممن قال بسقوط الحج بغير المجحف أبو عمران الفاسى فإنه أفتى جماعة مشوا معه للحج فطلب منهم أعرابى على كل جمل ثمن درهم بأن يرجعوا فرجعوا ذكره الزناتى في شرح الرسالة ونقله ابن فرحون والنادلى وغيرهما ولما ذكر (١) أن المعتبر في الاستطاعة إمكان الوصول خشى أن يتوهم أن ذلك خاص بالبر فقال: والبحر كالبر يعنى أن البحر طريق إلى الحج كالبر فيجب سلوكه إذا تعين ولم يكن ثمة طريق سواه ثم ذكر المصنف أنه يشترط في كون البحر طريقًا إلى الحج أن لا يطلب العطب فيه لأن من شرط الاستطاعة الأمن على النفس والمال فإذا غلب العطب فيه حرم ركوبه قال في التوضيح فيحرم ركوبه إذا عرض الخوف على النفس أو الدين. مذهب الشافعية: جاء في المجموع (٢): قال أصحابنا يشترط لوجوب الحج أمن الطريق في ثلاثة أشياء: النفس والمال والبضع، فأما البضع فمتعلق بحج المرأة والخنثى قال إمام الحرمين: وليس للأمن المشترط أمنًا قطعيًا قال ولا يشترط الأمن الغالب في الحضر بل الأمن في كل مكان بحسب ما يليق به فأما النفس فمن خاف عليها من سبع أو عدو كافر أو مسلم أو غير ذلك لم يلزمه الحج إن لم يجد طريقًا آخر آمنًا فإن لزمه سواء كان مثل طريقه أو أبعد إذا وجد ما يقطعه به وفيه وجه شاذ ضعيف أنه لا يلزمه سلوك الأبعد حكاه المتولى والراضعى والصحيح الأول وبه قطع الجمهور وأما المال فلو خاف على ماله في الطريق من عدو أو رصدى أو غيره لم يلزمه الحج سواء طلب الرصدى شيئًا قليلًا أو كثيرًا إذا تعين ذلك الطريق ولم يجد غيره سواء كان العدو إلى يخافه مسلمين أو كفارًا لكن قال أصحابنا إن كان العدو كفارًا وأطاق الحاج مقاومتهم استحب لهم الخروج إلى الحج ويقاتلونهم لينالوا الحج والجهاد جميعًا وإن كانوا مسلمين لم يستحب الخروج ولا القتال. قال أصحابنا ويكره بذل المال للرصديين لأنهم يحرضون على التعرض للناس بسبب ذلك. هكذا صرح به القاضي حسين والمندلى والبنوى ونقله الرافعى وغيرهم ولو وجدوا من يخفرهم بأجر وغلب على الظن أمنهم ففى وجوب استئجاره ووجوب الحج وجهان حكاهما إمام الحرمين أصحهما عنده

стр. 8811

وجوبه لأنه من جملة أهب الطريق فهو كالراحلة. والوجه الثاني: لا يجب لأن سبب الحاجة إلى ذلك خوف الطريق وخروجها عن الاعتدال وقد ثبت أن أمن الطريق شرط هكذا ذكر الوجهين إمام الحرمين وتابعه الغزالى والرافعى والذي ذكره المصنف وجماهير الأصحاب من العراقيين والخراسانيين أنه إذا احتاج إلى خفارة لم يجب الحج فيحمل على أنهم أرادوا بالخفارة ما يأخذه الرصديون في المراصد وهذا لا يجب الحج معه بلا خلاف ولا يكونون متعرضين لمثله قال إمام الحرمين ويحتمل أنهم أرادوا الصورتين فيكون خلاف ما قاله ولكن الاحتمال الأول أصح وأظهر في الدليل فيكون الأصح على الجملة وجوب الحج إذا وجدوا من يصحبهم الطريق بخفارة ودليله ما ذكره الإمام وقد صححه إمامان من محققى متّأخرى أصحابنا أبو القاسم الرافعى وأبو عمرو بن الصلاح مع اطلاعهما على عبارة الأصحاب التي ذكرناها والله أعلم ولو امتنع محرم المرأة من الخروج معهما إلا بأجرة قال إمام الحرمين هو مقيس على أجرة الخفير واللزوم في المحرم أظهر لأن الداعى إلى الأجرة معنى في المرأة فهو كمؤنة المحمل في صد المحتاج إليه والله أعلم. ثم قال المصنف رحمه الله تعالى وإن لم يكن له طريق إلا في البحر فقد قال في الأم لا يجب عليه وقال في الإملاء إن كان أكثر معاشه في البحر لزمه. فمن أصحابنا من قال فيه قولان أحدهما يجب لأنه طريق مسلوك فأشبه البر والقول الثاني لا يجب لأن فيه تغريرًا بالنفس والمال فلا يجب كالطريق المخوف ومنهم من قال إن كان الغالب منه السلامة لزمه وإن كان الغالب من الهلاك لم يلزمه كطريق البر ومنهم من قال إن كان له عادة بركوبه لزمه وإن لم يكن له عادة بركوبه لم يلزمه لأن من له عادة لا يشق عليه ومن لا عادة له يشق عليه واختلفت نصوص الشافعي في ركوب البحر فقال في الأم والإملاء ما ذكره المصنف. وقال في المختصر ولا يتبين لى أن أوجب عليه ركوب البحر قال أصحابنا إن كان في البحر طريق يمكن سلوكه قريب أو بعيد لزمه الحج بلا خلاف وإن لم يكن ففيه طرق أصحها وبه قال أبو إسحاق المرندى وأبو سعيد الاصطخرى وغيرهما فيما حكاه صاحب الشامل والتتمة وغيرهما أنه إن كان الغالب منه الهلاك إما لخصوص ذلك البحر وإما لهيجان الأمواج لم يجب الحج وإن غلبت السلامة وجب وإن استويا فوجهان أصحهما أنه لا يجب. مذهب الحنابلة: في الكشاف (١) أن من شروط وجوب الحج والعمرة الاستطاعة ثم قال (٢) ومن الاستطاعة أمن طريق يمكن سلوكه لأن إيجاب الحج مع عدم بيان ذلك ضرر وهو منفى شرعًا ولو كان الطريق الممكن سلوكه بحرًا لحديث "لا تركبوا البحر إلا حاجًا أو معتمرًا أو غازيًا في سبيل الله" رواه أبو داود وسعيد ولأنه يجوز ركوبه مع غلبة السلامة للتجارة فيه حتى بأموال اليتامى وما روى عن النهى عن ركوبه محمول على ما إذا لم تغلب فيه السلامة أو كان الطريق غير معتاد لأن

стр. 8812

قصاراه أنه مشقة وهو لا يمنع الوجوب كبعد البلد جدًّا ويشترط في الطريق إمكان سلوكه بلا خفارة فإن لم يمكن سلوكه إلا بها لم يجب ولو يسيره في ظاهر كلامه لأنها رشوة ولا يتحقق الأمن ببذلها وأن يوجد فيه الماء والعلف على المعتاد بالمنازل في الأسفار لأنه لو كلف حمل مائه وعلف بهائمه فوق المعتاد من ذلك أدى إلى مشقة عظيمة فإن وجد على العادة ولو بحمل من منهل إلى آخر أو العلف من موضع إلى آخره لزمه لأنه معتاد. مذهب الزيدية: جاء في شرح الأزهار (١): يجب الحج على المكلف الحر بالاستطاعة التي شرطها الله تعالى بقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٢) ثم قال (٣) ومن الاستطاعة أمن الطريق وحد الأمن أن يكون بحيث لا يخشى على نفسه تلفًا ولا ضررًا ولا يخشى أن يؤخذ منه فوق معتاد الرصد ونحوه فأما ما يعتاد من الجباء فلا يسقط الوجوب والبحر كالبر عندنا. وجاء في شرح الأزهار وحاشيته أن من أركان الاستطاعة في الحج أمن الطريق وحد الأمن أن يكون بحيث لا يخشى على نفسه تلفًا ولا ضررًا قال في الحاشية يعنى ماله الذي هو الزاد لا مال التجارة إذ مال التجارة يمكن تركه ثم قال في شرح الأزهار: ولا يخشى أن يؤخذ منه فوق معتاد الرصد ونحوه قال في الحاشية: فإن امتنع الرصد أن يأخذوا إلا بزائد على المعتاد سقط الحج حتى تثبت لهم العادة في سنتين أو في سنة وأخذت مرتين والرصد هم الذين يحفظون الطريق بأجرة المارة والجباء هو الذي يؤخذ من المارة على غير حفظ الشئ والرفيق الذي يمضى مع المارة بأجرة، قال الإمام ولا يجب بذل المال لطلب الأمن بخلاف ما إذا كان يجد طريقا آمنًا وهى بعيدة تحتاج فيه إلى زاد كثير وهو يجده فإنه يجب عليه الحج وذكر في كشف المعضلات عن السيدين أن أمن الطريق من شرائط الأداء لا من شرائط الوجوب ورواه في شرح الإبانة وقال في الزوائد إن الخلاف فيه كالمحرم أما بالنسبة للبحر فهو كالبر لابد فيه من اشتراط الأمن أما بالنسبة للمرأة (٤) فلابد من محرم مسلم وسواء كان من نسب أو رضاع ولابد أن يكون مميزًا فلا يكفى طفل صغير ولا يشترط المحرم إلا للشابة فأما العجوز التي من القواعد فلا يعتبر المحرم في حقها عندنا. مذهب الإمامية: جاء في العروة الوثقى (٥) أنه يشترط في الحج الاستطاعة السربية بأن لا يكون في الطريق مائع لا يمكن معه الوصول إلى الميقات أو إلى تمام

стр. 8813

الأعمال وإلا لم يجب وكذا لو كان غير مأمون بأن يخاف على نفسه أو بدنه أو عرضه أو ماله وكان الطريق منحصرًا فيه أو كان جميع الطرق كذلك ولو كان هناك طريقان أحدهما أقرب ولكنه غير مأمون وجب الذهاب من الأبعد المأمون ولو كان جميع الطرق مخوفًا إلا أنه يمكنه الوصول إلى الحج بالدوران في البلاد مثل ما إذا كان من أهل العراق ولا يمكنه إلا أن يمشى إلى كرمان ومنه إلى خراسان ومنه إلى بخارى ومنه إلى الهند ومنه إلى بوشهر ومنه إلى جدة مثلًا ومنه إلى المدينة ومنها إلى مكة فهل يجب أو لا وجهان أقواهما عدم الوجوب لأنه يصدق عليه أنه مخلى السرب وجاء في شرائع الإسلام (١) أن الحاج إن كان له طريقان فمنع من إحداهما سلك الأخرى سواء كانت أبعد أو أرب ولو كان في الطريق عدو لا يندفع إلا بمال قيل يسقط وإن قل ولو قيل يجب التحمل مع المكنة كان حسنًا ولو بذل له باذل وجب عليه الحج كزوال المائع نعم لو قال له اقبل وادفع أنت لم يجب، وطريق البحر كطريق البر فإن غلب ظن السلامة وإلا سقط ولو أمكن الوصول بالبر والبحر فإن تساويا في غلبة السلامة كان مخيرًا وإن اختص أحدهما تعين وإن تساويا في رجحان العطب سقط الفرض وجاء في العروة الوثقى (٢) أنه لو توقف الحج على قتال العدولم يجب حتى مع ظن الغلبة عليه والسلامة وقد يقال بالوجوب في هذه الصورة ولو انحصر الطريق في البحر وجب ركوبه إلا مع خوف الفرق أو المرض أو استلزامه الإخلال بصلاته أو إيجابه لأكل البخس أو شريه. ولو حج مع هذا صح حجه لأن ذلك في المقدمة وهى المشى إلى الميقات كما إذا ركب دابة عضبية إلى الميقات. مذهب الإباضية: ذهبت الإباضية إلى أن من لا يجد أمان الطريق إلا بغرم المال سقط عنه الحج وكذا إن كان يؤخذ منه بعض ماله قهرًا وقيل يلزمه الحج في الوجهين إلا إن كان يؤخذ من ماله حتى يجحف به وهو الظاهر إن كان ماله يقوم بذلك (٣).

стр. 8814

بحث مصطلح إمهال تعريفه: مهَّله تمهيلا: تأنى به ولم يعجل عليه. وأمهله إمهالا: مَهَّله (١). ويقال: أمهله الله: لم يعاجله. ومشى على مُهلته. يضم فسكون. أي على رسله (٢). وأمهلته ومهَّلته -بتشديد الهاء- انظرته ولم أعاجلها (٣). ومهَّله تمهيلًا: أجَّله والاستمهال: الاستنظار (٤) والمَهل -بفتحتين- التؤدة والتباطؤ. والاسم: المهلة. بضم الميم. ويقال مهَّلته وأمهلته: أي سكنته وأخرته (٥). أما تعريف الإمهال في اصطلاح الفقهاء فهو لا يخرج عن المعنى اللغوى. إمهال الخصم لرفع الدعوى والإثبات فيما قدم للإثبات مذهب الحنفية: جاء في "البحر الرائق" لابن نجيم: ولو قال المدعى لى بينة حاضرة. وطلب اليمين. لم يستحلف، وقيل لخصمه: إعطه كفيلا بنفسك ثلاثة أيام فإن أبى لازمه، أي دار معه حيث دار، وفى حاشية "منحة الخالق على البحر الرائق" لابن عابدين: "لكى لا يغيب نفسه فيضيع حقه. وأخذ الكفيل بمجرد الدعوة استحسانا لأن فيه نظرا للمدعى، وليس فيه كثير ضرر بالمدعى عليه .. والتقدير بثلاثة أيام يروى عن ابن حنيفة، وهو الصحيح كذا في الكافى. وصحح في الخانية أنه إلى جلوس القاضي مجلسا آخر .. كما جاء بالحاشية المذكورة. ولو قال المدعى لا بينة لى أو شهودى غيب لا يكفل لعدم الفائدة كذا في الهداية وفى المجتبى لو قال المشترى لى بينة على الإيفاء لا يجبره على الإيفاء بل يمهله ثلاثة أيام بشرط أن يدعى حضور الشهود، ولو قال شهودى غيب يقضى عليه بغير إمهال ولو ادعى الإبراء وقال لى بينة حاضرة يمهله ثلاثة أيام وقال الطواديس يؤجله إلى آخر المجلس، ولو أدعى القاتل أن له بينة حاضرة على العفو أجل ثلاثة أيام فإن مضت ولم يأت بالبينة أو قال لى بينة غائبة يقضى بالقصاص قياس كالأموال في الاستحسان يؤجل استفطاما لأمر الدم. مذهب المالكية: إذا كان هناك امرأة خالية من الموانع الشرعية، ادعى عليها رجل أنه تزوج بها، وأكذبته في ذلك (٦) وزعم أن له بذلك بينة غائبة غيبة قريبية؛ لا ضرر على المرأة في انتظارها ورأى الحاكم لدعواء وجها، بأن ادعى نكاح امرأة تشبة نساءه، فإن الحاكم بأمر المرأة بانتظاره ليأتى ببينته، فإن أتى بها عمل بمقتضاها، ويثبت النكاح، وإن لم يأت بها. أو كانت بعيدة الغيبة، فإن المرأة لا تؤمر بانتظاره للضرر الذي يلحقها في الانتظار، وتتزوج متى شاءت … والمدعى على هذه المرأة قال: لى بينة قريبة، وأنره الحاكم ليأتى بها، ثم عجَّزه بعد التلوم والإعذار. أي حكم بعدم قبول بينته حالة كونه مدعيًا أن له حجة، ثم أتى ببينة. فإنها لا تسمع منه، ولا يلتفت إليهاء وسواء تزوجت المرأة أم لا (٧).

стр. 8815

"ومن استمهل: أي طلب المهلة، لدفع بينه أقيمت عليه. بحق أو لحساب ونحوه، كما لو طلب المهلة ليفتش على الوثيقة. أو دفتر الحساب بينهما، أو ليسأل من كان حاضرا بينهما، ليكون على بصيرة في جوابه بإقراره أو إنكاره؛ أو طلب المدعى المهلة لإقامة شاهد ثان، وأبى أن يحلف وقع الأول الذي أقامه. أمهل الطالب بالاجتهاد من الحاكم، ولا يتقيد بجمعة، بكفيل بالمال في جميع ما تقدم؛ ولا يكفى حميل بالوجه أن أبى المطلوب: وأما لو طلب المدعى إقامة بينة على أصل دعواه، وطلب من المدعى عليه حميلا، فيكفى حميل الوجه اتفاقا. وفيها أيضا: أنه لا يجاب المدعى لحميل بالوجه، وهو الراجع (١) ". مذهب الشافعية: في كتاب "فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب": "فإن لم يحلف المدعى يمين الرد -ولا عذر- سقط حقه في اليمين والمطالبة، لإعراضه عن اليمين، ولكن تسمع حجته .. فإن أبدى عذرا، كإقامة حجة وسؤال فقيه ومراجعة حساب .. أمهل ثلاثة أيام فقط، لئلا تطول مدافعته، والثلاثة مدة مغتفرة شرعا، وهل هذا الإمهال واجب أو مستحب: وجهان. ولا يمهل خصمه لذلك - أي لعذر - حين يستحلف، إلا برضا المدعى، لأنه مقهور بطلب الإقرار، أو اليمين، بخلاف المدعى. وإن استمهل الخصم - أي طلب الإمهال - في ابتداء الجواب لذلك. أي لعذر. أمهل إلى آخر المجلس إن شاء المدعى أو القاضي (٢). مذهب الحنابلة: جاء (٣) في الملقى لابن قدامه: إن قال المدعى لى بينة غائبة قال له الحاكم لك يمينه فإن شئت فاستحلفه وإن شئت أخرته إلى أن تحضر ببينتك وليس لك مطالبته بكفيل ولا ملازمته حتى تحضر البينة قضى عليه أحمد لقول رسول الله ﷺ "شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذلك" فإن أحلفه ثم حضرت بينته حكم بها ولم تكتم يمينه مزيلة للحق لأن اليمين إنما يصار إليها عند عدم البينة فإذا وجدت البينة بطلت اليمين وتبين كذبها. وأن قال لى بينة حاضرة وأريد يمينه ثم أقيم بينتى لم يملك ذلك والدليل وقوله ﷺ "شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذلك". مذهب الظاهرية: كل من ادعى على أحد، وأنكر المدعى عليه، فكلف المدعى البينة، فقال: لى بينة غائية. أو قال: لا أعرف لنفسى بينة. أو قال: لا بينة لى. قيل له: إن شئت فدع تحليفه حتى تحضر بينتك، أو لعلك تجد بينة، وإن شئت حلَّفته، وقد سقط حكم بينتك الغائية جملة، فلا يقضى لك بها أبدًا، وسقط حكم كل بينة تأتى بها بعد هذا عليه. ليس لك إلا هذا فقط. فأى الأمرين اختار قضى له به، ولم يلتفت له إلى بينة في تلك الدعوى بعدها، إلا أن يكون تواتر يوجب صحة العلم ويقينه أنه حلف

стр. 8816

كاذبا فيقضى عليه بالحق أو يقر بعد أن يكون قد حلف فيلزمه ما أقر به. (١) مذهب الزيدية: جاء في كتاب (التاج المُذهب): "ولا يوقف خصم لمجئ بينة عليه غائبة إلا لمصلحة، فإذا ادعى رجل على رجل حقاء فأنكره المدعى عليه؛ فزعم المدعى أن له بينة غائبة عن مجلس الحكم؛ وطلب منع المدعى عليه عن السفر حتى يأتى ببينة؛ فإن الحاكم لا يجيبه إلى توقيف المدعى عليه لأجل ذلك. ولا يجب عليه إلا اليمين فقط. إلا أن يرى الحاكم في ذلك صلاحا، والصلاح أن يظهر صدق المدعى بقرينة تظهر إما بحجة فيها ثبوت الحق، وخط الشهود. أو بحضور شاهد واحد. ولأجل أن المدعى فاضل. ورع، لا يدعى إلا الحق. أو نحو ذلك، كأن يكون البينة وقفه، أو يطلب منه الكفيل بوجهه؛ فيكفل عشرة أيام في دعوى المال. ومن دعوى المال النفقة؛ وشهرا في النكاح وتوابعه كالظهار والإيلاء والطلاق. وهذا إذا كان توقيفه قبل حلفه، وأما إذا كان بعد أن حلف فمقدار مجلس الحكم فقط، لأن الحق قد ضعف باليمين. وتحديد المدة في الأزهار إنما هي على سبيل التقريب لا التحديد. فإلى نظر الحاكم ويحتاط في النكاح ما لا يحتاط في غيره؛ وأما في القصاص وحد القذف فقرر المجلس فقط (٢). الشهود فسته وغلب الظن بصدقهم وله شهود آخرون. فإذا رأى الحاكم مصلحة في توقيفه حتى تحضر. مذهب الإمامية قيل مذهب الإباضية. مذهب الإمامية: جاء فى كتاب "شرائع الاسلام": "لو كان للمدعى بينة لم يقل الحاكم له أحضرها لأن الحق للمدعى في ذلك إحضار بينته وقيل: يجوز للحاكم أن يطلب منه إحضارها وهو حسن ومع حضورها لا يسألها الحاكم ما لم يلتمس المدعى سؤالها ومع الإقامة للشهادة لا يحكم بها إلا بطلب المدعى أيضا، وبعد أن يعرف عدالة البينة يقول للمدعى عليه هل عندك جرح؟ فإن قال: نعم، وسأل الإنظار في إثباته انظره ثلاثًا فإن تعذر الجرح حكم بعد سؤال المدعى (٣). ذهب الإباضية: جاء في (٤) شرح النيل: أن من ادعى حقا بيد أحد وله شاهد واحد أمهل لأجل حتى يأتى بشاهد آخر ويترك الحق في يد من هو في يده لا يخرجه عن ملكه ولا يصدمه ولا يغيره إلا بإصلاح الفساد وتوقف غلته كذلك وإن خيف فسادها بيعت وحفظ ثمنها وقيل يؤجل بشاهد واحد وإن كان المدعى فيه مما يسرع إليه الفساد كالفاكهة الرطبة واللحم بيع ووقف ثمنه إن لم

стр. 8817

يقبل التأخير وإن قبله وقف حتى يخاف عليه الفساد فيباع ويوقف الثمن؛ ومن وجد عبدا أو غيره بيد أحد وادعى أنه له وأقام بينة أنه كان ينشد عبدا أو غيره أو قامت بينة ولو بالسماع أنه ابن له عبد أو ضل له كذا وادعى أن له بينة وطلب التوقيف ليأتى ببينة غير بعيدة أجل له الأجل اليسير كالخمسة والستة والسبعة أو دون ذلك لا أكثر وإن طلب بينة بعيدة حلف المدعى عليه أنه لايعلم له فيه حقا ويترك بيده وكذا أن قال أن لى شهادة بعيدة تشهد لى بأنى أنشد عبدا أو غيره حلف المدعى عليه ما يعلم فيه حقا له وإن كانت قريبة أجل له الأجل اليسير. إمهال المرتد مذهب الحنفية: جاء في بدائع الصنائع (١) في أحكام المرتدين أنه يستحب أن يستتاب المرتد ويعرض عليه الإسلام لاحتمال أن يسلم لكن لا يجب لأن الدعوة قد بلغته فإن أسلم فمرحبا وأهلا بالإسلام وإن أبى نظر الإمام في ذلك فإن طمع في توبته أو سأل هو التأجيل أجله ثلاثة أيام وإن لم يطمع في توبته ولم يسأل هو التأجيل قتله من ساعته والأصل فيه ما روى عن سيدنا عمر رضى الله عنه أنه قدم عليه رجل من جيش المسلمين فقال هل هندكم من مغرية خبر قال نعم رجل كفر بالله تعالى بعد إسلامه فقال سيدنا عمر رضى الله عنه ماذا فعلتم به قال قريناه فضربنا عنقه فقال سيدنا عمر رضى الله عنه هلا طينتم عليه بيتا ثلاثًا وأطعمتموه كل يوم رغيفا واستتبتموه لعله يتوب ويرجع إلى الله اللهم إنى لم أحضر ولم آمر ولم أرض إذ بلغنى وهكذا روى عن سيدنا على كرم الله وجهه أنه قال كان يستتاب المرتد ثلاثا وتلا هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ (٢) ولأن من الجائز أنه عرضت له شبهة حملته على الردة فيؤجل ثلاثا لعلها تتكشف في هذه المدة فكانت الاستتابة ثلاثا وسيلة إلى الإسلام عسى تندب إليها فإن قتله إنسان قبل الاستتابة يكره له ذلك ولا شئ عليه لزوال عصمته بالردة وتوبته أن يأتى بالشهادتين ويبرأ عن الدين الذي انتقل إليه فإن تاب ثم ارتد ثانيا فحكمه في المرة الثانية كحكمه في المرة الأولى أنه إن تاب في المرة الثانية قبلت توبته وكذا في المرة الثالثة والرابعة لوجود الإيمان ظاهرا في كل كرة لوجود ركنه وهو إقرار العاقل وقال الله ﵎ ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ فقد أثبت الإيمان بعد وجود الردة منه والإيمان بعد وجود الردة لا يحتمل الرد إلا انه إذا تاب في المرة الرابعة يضربه الإمام ويخلى سبيله وروى عن أبى حنيفة رضى الله عنه أنه إذا تاب في المرة الثالثة حبسه الإمام ولم يخرجه من السحن حتى يرى عليه أثر خشوع التوبة والإخلاص. وأما المرأة فلا يباح ومنها إذا ارتدت ولا تقتل عندنا ولكنها تجبر على الإسلام وإجبارها على الإسلام أن تحبس وتخرج في كل يوم فتستتاب ويعرض عليها الإسلام فإن أسلمت وإلا حُبست ثانيا هكذا إلى أن تسلم أو تموت.

стр. 8818

مذهب المالكية: جاء في شرح الخرشى على مختصر خليل: المرتد عن الإسلام - أصليا أو طارئا - يجب على الإمام. أو على نائبه أن يستتيبه ثلاثة أيام بلا جوع ولا عطش، وبلا معاقبة، وإن لم يتب قتل بغروب الشمس من اليوم الثالث. لا فرق بين الحر والعبد، والذكر والأنثى .. ولا يحسب اليوم الأول ثم إن الثلاثة تحسب من يوم ثبوت الكفر عليه، لا من يوم الكفر، ولا من يوم الرفع إلى الحاكم. وعلى هذا لا يحسب اليوم الذي وقع فيه الثبوت، كما أن الأيام هنا لا تلفق. وإنما كانت الاستتابة ثلاثة أيام، لأن الله ﵎ آخّر قوم صالح ذلك القدر، فكونها ثلاثة واجب، فلو حكم الإمام بقتله قبل الثلاثة أيام مضي، لأنه حكم مختلف فيه .. والمرأة إذا ارتدت وكانت متزوجة أو مطلقة طلاقًا رجعيًا -أو كانت سرية- فإنها لا تقتل حتى تُستبرأ بحيضة واحدة، وما زاد عن الحيضة بالنسبة إلى الحرة. فإنه تعبد لا يحتاج إليه؛ وأما إذا ارتدت وهى ترضع، فإنها لا تقتل حتى يوجد من يرضع ولدها، ويقبل غير أمه. (١) وجاء في مواهب الجليل: يستتاب المرتد ثلاثة أيام، وظاهر المذهب أن تأخيره ثلاثة أيام واجب. وقال ابن العربي: ألا ترى أن المرتد استحب له العلماء الإمهال تعله إنما ارتد لريب، فيتريص به مدة لعله أن يراجع الشك باليقين. والجهل بالعلم؛ ولا يجب ذلك لحصول العلم بالنظر الصحيح أولًا. وقال القاضي عبد الوهاب: عرض التوبة واجب على الظاهر من المذهب (٢). وجاء في كتاب (بلغة السالك): يستتاب المرتد وجوابا ثلاثة أيام بلياليها، وابتداء الثلاثة من يوم الحكم، أي ثبوت الردة عليه لا من يوم الكفر، ولا من يوم الرفع؛ ويلغى يوم الثبوت إن سبق بالفجر .. فإن تاب تُرك، وإلا يتب قُتل بغروب الثالث. أي بعد غروب شمس اليوم الثالث (٣). مذهب الشافعية: في "الأشباه والنظائر" للسيوطى في باب "ما افترق فيه المرتد والكافر الأصلى": أن المرتد لا يمهل في الاستتابة (٤). وفى "فتح الوهاب": لو ارتد فجُنَّ أمهل احتياطا، فَلا يُقَتَلَ في جنونه؛ لأنه قد يعقل ويعود للإسلام؛ فإن قُتل فيه هُدر دمه؛ لأنه مرتد، لكن يعزر قاتل لتفويته الاستتابة الواجبة (٥). مذهب الحنابلة في كتاب "المغنى" لابن قدامة: المرتد لا يقتل حتى يستتاب ثلاثا، فقد روى أن

стр. 8819

رجلا قدم على عمر من قبل أبى موسى؛ فسأله عمر: هل كان من مغرية خبر؟. قال: نعم رجل كفر بعد إسلامه. فقال: ما فعلتم به؟ قال: قربناه فضربنا عنقه. فقال عمر: هلا حبستموه ثلاثا، فأطعمتموه كل يوم رغيفا، واستتبتموه لعله يتوب أو يراجع أمر الله؟ اللهم إنى لم أحضر، ولم آمر، ولم أرض إذ بلغنى. وذلك لأن الردة إنما تكون لشبهة؛ ولا تزول في الحال. فوجب أن ينتظر مدة يرتضى فيها، وأولى ذلك ثلاثة أيام، للأثر فيها؛ وأنها مدة قريبة. وينبغى أن يضيق عليه في مدة الاستتابة، ويحبس لقول عمر: هلا حبستموه وأطعمتموه كل يوم رغيفًا ويكرر دعايته، لعله يتعاطف قلبه، فيراجع دينة (١). وفى "المغنى" أيضا: أن الصبى إذا أسلم قبل البلوغ، ثم ارتد لا يقتل حتى يبلغ ويجاوز بعد بلوغه ثلاثة أيام، فإن ثبت على كفره قتل. وجملته أن الصبى لا يقتل سواء قلنا بصحة ردته، أو لم نقل، لأن الغلام لا يجب عليه عقوبة بدليل أنه لا يتعلق به حكم الزنى والسرقة وفى سائر الحدود؛ ولا يقتل قصاصا. فإذا بلغ فثبت على ردته ثبت حكم الردة، فيستتاب ثلاثا، فإن تاب وإلا قُتل. سواء قلنا إنه كان مرتدا قبل بلوغه، أو لم نقل، وسواء كان مسلما أصليا فارتد، أو كان كافرا فأسلم صبيا ثم ارتد (٢). مذهب الظاهرية جاء في "المحلى" (٣) أما من قال يستتاب (أي المرتد) فإنهم انقسموا أقساما، فطائفة قالت: نستتيبه مرة، فإن تاب وإلا قتلناه، وطائفة قالت: نستتيبه ثلاث مرات. فإن تاب وإلا قتلناه. وقالت طائفة نستتيبه شهرا، فإن تاب وإلا قتلناه، وطائفة قالت نستتيبه ثلاثة أيام، فإن تاب وإلا قتلنا، وطائفة قالت: نستتيبه مائة مرة، فإن تاب وإلا قتلناه، وطائفة قالت: يستتاب أبدا ولا يقتل (٤). مذهب الزيدية: أما بالنسبة لإمهال المرتد: جاء في (٥) الأزهار وأما بيان حكم المرتدين فهو أن يقتل مكلفهم ولو من أحد السبعة غير الصبى. إن طولب بعد الردة بالرجوع إلى الإسلام ثم لم يسلم وسواء كان المكلف رجلًا أو إمرأة. مذهب الإمامية: من أسلم عن كفر، ثم ارتد فهذا يستتاب، فإن امتنع قتل، واستتابته واجبة، وكم يستتاب؟ قيل ثلاثة أيام؛ وقيل القدر الذي يمكن معه الرجوع، والأول مروى وهو حسن لما فيه من التأنى لإزالة

стр. 8820

عذره (١) وولده في حكم المسلم فإن بلغ مسلما فلا بحث فإن اختار الكفر بعد بلوغه استتيب، فإن تاب قبلت توبته وإلا قتل ولو ولد بعد إمهال المدين الردة وكانت أمه مسلمة كان حكمه حكم الأول. مذهب الإباضية: جاء في شرح النيل (٢) أنه يقتل مرتد إن لم يتب ذكرا كان أو أنثى وقيل يستتاب ثلاثة فإن لم يتب قتل وقال على يستتاب شهرا وقال بعض يستتاب أبدا فإن تاب وإلا قتل والمرأة كالرجل تقتل وجاء به حديث وقيل عن علي تسترق وجاء في موضع آخر (٣) قال ابن عباس رضى الله عنه قال ﷺ "من بدل دينه فاقتلوه" وعن معاذ جيل في رجل أسلم ثم تهود لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله فأمر به فقتل وفى رواية أبي داود وكان قد استتيب قبل ذلك وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي ﷺ وتقع فيه فينهاها فلا تنتهى فلمًا كان ذات يوم أخذ المعول فجعله في بطنها واتكأ عليها فقتلها فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال ألا اشهدوا أن دمها هدر. إمهال المدين مذهب الحنفية: جاء في شرح تنوير الأبصار (٤) على حاشية ابن عابدين لو قال من يراد حبسه أبيع عرضى وأقضى دينى أجله القاضي يومين أو ثلاثة أيام ولايحبسه لأن الثلاثة أيام مدة ضربت لإبلاء الأعذار وعلق على هذا صاحب حاشية ابن عابدين على قوله أبيع عرضى بقوله ما فائدة التقييد بالعرض فإن القضاء كذلك فيما يظهر وكذلك لو قال أمهلنى ثلاثا لأدفعه وهذا أعم من أن يدفعه ببيع عرض أو عقار أو باستقراض أو استيهاب أو غير ذلك. مذهب المالكية: أجمعت الأمة على أن صاحب الدين على المعسر مخير بين النظرة والإبراء. وأن الإبراء أفضل في حقه وأحدهما واجب حتما، وهو ترك المطالبة والإبراء ليس بواجب والسبب في هذا أن الإبراء يتضمن النظرة وترك المطالبة فصار من باب الأقل والأكثر. (٥) مذهب الشافعية: وجاء في كتاب التفليس من كتاب المهذب جـ ١ صـ ٣١٩، ٢٢٠ ما نصه إذا كان على رجل دين فإن كان مؤجلا لم يكن يجز مطالبته لأن لو جوزنا مطالبته سقطت فائدة التأجيل فإن أراد سفرا قبل حلول الدين للغريم منعه ومن أصحابنا من قال إن كان السفر مخوفا كان له منعه لأنه لا يأمن أن يموت فيضيع دينه والصحيح هو الأول لأنه لا حق له عليه قبل حلول الدين وجواز أن يموت لا يمنع من التصرف في نفسه قبل الحلول كما يجوز في الحضر أن يهرب ثم لا يملك حبسه

стр. 8821

بجواز الهرب وإن قال أقم لى كفيلا بالمال لم يلزمه لأنه لم يحل عليه الدين فلم يملك المطالبة بالكفيل كما لو لم يرد السفر وإن كان الدين حالا نظر فإن كان معسرا فلم يجز مطالبته لقوله تعالى "وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة" ولا يملك ملازمته لأن كل دين لا يملك المطالبة به لا يملك الملازمة كالدين المؤجل فإن كان يحسن صنعه فطلب الغريم أن يؤجر نفسه ليكسب ما يعطيه لم يجبر على ذلك لأنه إجبار على التكسب فلم يجز كالإجبار على التجارة وإن كان موسرا جازت مطالبته لقوله تعالى "وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة" دلت على أنه إذا لم يكن ذا عسرة لم يجب إنظاره، فإن لم يقضه ألزمه الحاكم فإن امتتع فإن كان له مال ظاهر باعه عليه. وإذا استمهل من قامت عليه البينة -أي طلب الإمهال- ليأتى بدافع، من نحو أداء أو إبراء، أمهل ثلاثة أيام، لأنها مدة قريبة لا يعظم فيها الضرر (١). مذهب الحنابلة: في كتاب "المغنى" لابن قدامة: من وجبت عليه نفقة امرأته، وكان له عليها دين، فأراد أن يحتسب عليها بدينه مكان نفقتها، فإن كانت موسرة فله ذلك، لأن من عليه حق فله أن يقضيه من أي أمواله شاء، وهذا من ماله. وإن كانت معسرة لم يكن ذلك، لأن قضاء الدين إنما يجب في الفاضل من قوته، وهذا لا يفضل عنها، ولأن الله تعالى أمر بإنظار المعسر بقوله سبحانه "وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة (٢) " فيجب إنظارها بما عليها (٣). جاء في كشاف القناع (٤) إن كان للمدين سلعة فطلب من رب الحق أن يمهله حتى يبيعها ويوفيه الدين من ثمنها أمهل بقدر ذلك أي بقدر ما يتمكن من بيعها والوفاء وكذا إن طولب بمسجد أو سوق وماله بداره أو مودع ببلد أخر فيمهل بقدر ما يحضره فيه وكذلك إن أمكن المدين أن يحتال لوفاء دينه باقتراض ونحوه فيمهل بقدر ذلك ولا يحبس لعدم امتناعه من الأداء ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. وإن خاف رب الحق هربه احتاط بملازمته أو كفيل وإن طلب المدين أن يرسم عليه حتى يفعل ذلك أي ما يتمكن به من الوفاء وجبت إجابته إلى ذلك دفعا لضرره ولم يجز منعه من الوفاء بحبسه لأنه عقوبة لا محوج إليها وكذا إن طلب شخص محبوس تمكينه من الوفاء فيمكن أو حضر وكيل عنه في وفاء الدين كما يمهل الموكل ولو مطل المدين رب الحق حتى شكى عليه فما غرمه رب الحق فعلى المدين المماطل إذا كان غرمه على المعتاد ذكره في الاختيارات لأنه تسبب في غرمة بغير حق. مذهب الظاهرية: من كان له دين حال أو مؤجل فحلَّ، فرغب إليه الذى عليه الحق فى أن ينظره أيضا إلى أجل مسمى ففعل أو أنظره كذلك بغير رغبة، وأشهد أو لم يشهد ولم يلزمه من ذلك شئ، والدين حال، يأخذه به متى شاء. وكذلك لو أن امرأ عليه

стр. 8822

دين مؤجل: فاشهد على نفسه. أنه قد أسقط الأجل وجعله حالا، فإنه لا يلزمه ذلك. والدين إلى أجله كما كان (١). مذهب الزيدية: في "التاج المذهب" من صور الريا أن يكون لرجل دَيْن على غيره، فيزيد من عليه الدين شيئا ليمهله. أو يكون إذا جنى عبد المفلس فكان المجنى عليه أولى به ولو أراد مولاه فكه كان للغرماء منعه ويلحق بذلك النظر في حقه ولا يجوز حيس المعسر مع ظهور إعساره يثبت ذلك بموافقة الغريم أو قيام البينة وإن تناكرا وكان له مال ظاهر أمر بالتسليم فإن امنتع فالحاكم بالخيار بين حبسه حتى يوفى ويبيع أمواله وقسمتها بين غرمائه. له دراهم فيقول: إن لم تسلمها لوقت كذا، كان عليك بكل قدر من الدراهم كذا من الطعام أو غيره (٢). وفى "التاج المذهب" أيضا: من أحكام القرض أنه لا يصح الإنظار فيه، فإذا قال المقرض للمستقرض: قد أنظرتك مدة كذا لم يلزمه، فإذا طلبه بعد ذلك فورًا وجب رد مثله. ولا حكم لإنظاره، وسواء أنظره حال القرض أم بعده، وكذا لو نذر عليه بالتأجيل أو أوصى له به، فإنه لا يصح ولا يلزمه، ولكن يجوز له الإنظار، ويستحب الوفاء بما أنظر فيه. وكذلك لا يلزم الإنظار في كل دين لم يلزم بعقد كأروش الجنايات (٣) وقيم المتلفات والغصب، لأنه لا يدخلها التأجيل. وإنما يدخل ويلزم فيما لزم بعقد صحيح كالثمن والمهر والأجرة، إذا كان الإنظار إلى وقت معلوم. لا ما لزم بعقد فاسد، فلا يصح إلا الإنظار فيه، ولا يلزمه لو أنظر (٤). مذهب الإمامية: لو ادعى المدين الإعسار كُشف عن حاله. فلئن استبان فقره انظره القاضي، وفى تسليمه إلى غرمائه للعمل أو لمؤاجرة روايتان، أشهرهما الإنظار حتى يوسر (٥). وجاء في كتاب المفلس وينظر العسر ولا يجوز إلزامه ولا مؤاجرته وفى رواية أخرى مطروحة لما جاء بنفس المرجع. مذهب الإباضية: جاء في شرح النيل (٦): أنه يجوز لزوم غريم بدين وإن كان لزوم لوكيل خليفة أو مأمور من جانب اللازم أو من جانب الملزوم والمراد بالجواز مقابل المع فيصدق بالإباحة والوجوب كما إذا كان صاحب الحق نائبا عن غيره بخلافة أو وكالة أو أمر يجب عليه اللزوم إذا تكفل الوكيل أو المأمور بالقبض بعد حلول أجله إن أيسر أي حصل له ما يجب به الخلاص بسهولة بلا وقوع في تهلكة. ثم قال روى (٧) مسلم عن أبى اليسر قال سمعت رسول الله ﷺ يقول من أنذر معسرا أو وضع عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله بل أخبرنا الله الرحمن الرحيم أن الصدقة على المعسر بما في

стр. 8823

ذمته خير من إنذاره إلى ميسرة لقوله تعالى ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (١) وجاء في موضع (٢) آخر: أن من عليه دين وليس له ما يقضى به إلا ما يساوى قيمة أصله من الأعيان فإنه يؤجل شهرا أو شهرين لبيعه وذلك مظنة بلوغ الخبر لمن يريد الشراء غالبا ويجوز للحاكم أن يجمع الآجال ويفصله شيئا فشيئًا وإن ادعى رجل عبدا فأنكر العبودية أو قال لست عبدك أو امرأة زوجة فأنكرت ذلك فأجل له حاكم أجلا لبيانه فلم يبين عند الأجل فحجر عليه الحاكم؛ أن لا يقرب مدعاه، لا يقرب العبد بالاستخدام أو البيع أو التملك أو الإمساك ولا المرأة بالجماع أو المس أو النظر ولا بالإمساك ولم ينفعه بيانه بعد الأجل والتحجر ولو بين بعدول أنه عبده وأنها زوجة فهو أي التحجير أي لأن التحجير كحكم الحاكم ولا يقبل البيان بعد التأجيل والحكم وقيل حتى تتم ثلاثة آجال ويعجز عنه كل منها وقيل أربعة. إمهال الزوجة لدعوى التطليق مذهب المالكية إذا ملك الزوج زوجته طلاقها، أو خيَّرها في طلاقها. فإنها لا تُمهل، بل يحال بينها وبينه. حتى تجيب بما تقتضى. ردا أو أخذًا (٣). إمهال الزوج لعدم الإنفاق مذهب الحنفية: جاء في المبسوط (٤): كل امرأة قضى لها بالنفقة على زوجها وهو صغير أو كبير معسر لا يقدر على شئ فإنها تؤمر بأن تستدين ثم ترجع عليه ولا يحبسه القاضي إذا علم عجزه وعسرته لأن الحبس إنما يكون في حق من ظهر ظلمه ليكون زاجرا له عن الظلم وقد ظهر هنا عذره فلا يحبسه ولكن ينظر لها بأن يأمرها بالاستدانة فإذا استدانت بأمر القاضي كان كاستدانتها بأمر الزوج فترجع بذلك عليه إذا أيسر وإن كان القاضي لا يعلم من الزوج عسره فسألت المرأة حبسه بالنفقة لم يحبسه القاضي في أول مرة لأن الحبس عقوبة لا يستوجبها إلا الظالم ولم يظهر حيفه وظلمه في أول مرة فلا يحبسه ولكن يأمره بأن ينفق عليها ويخبره أنه يحبسه إن لم يفعل فإن عادت إليه مرتين أو ثلاثا حبسه لظهور ظلمه بالامتناع من ايفاء ما هو مستحق عليه فإن علم أنه محتاج خلى سبيله لأنه مستحق للنظره إلى ميسرة بالنص وليس بظالم في الامتناع من الإيفاء مع العجزه وينبغى للقاضى (٥) إذا حبس الرجل شهرين أو ثلاثة في نفقة أو دين أن يسأل عنه وفى بعض المواضع ذكر أربعة أشهر وفى رواية الحسن عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى قدر ذلك بستة أشهر وذكر الصحادى عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى أن أدنى المدة فيه شهر والحاصل أنه ليس فيه تقدير لازم لأن الحبس للاضجار وذلك مما تختلف فيه أحوال الناس عادة فالرأى فيه إلى القاضي حتى إذا وقع في أكبر رأيه أنه يضجر بهذه المدة ويظهر مالًا إن كان فله أن يسأل عن حاله بعد ما حبسه ولم يعتبر في ذلك مدة فإذا سأل عنه فأخبر أنه معسر خلى سبيله لأن ما صار معلوما بخبر المدول فهو بمنزلة الثابت بإقرار الخصم ولا يحول بين الطالب وبين ملازمته

стр. 8824

عندنا وكان إسماعيل بن حماد رحمه الله تعالى يقول ليس للطالب أن يلازمه وبه أخذ الشافعي ﵀ لأنه منظر بإنظار الله تعالى فهو بمنزلة ما لو أجله الخصم أو أبرأه منه كما لا يلازمه هناك فكذلك لا يلازمه هنا ولكنا نستدل بما روى أن النبى ﷺ اشترى من أعرابى بعيرًا بثمن مؤجل فلما حل الأجل طالبه الإعرابى فقال: ليس عندنا شئ فقال الإعرابى: واغدراه فهمّ به الصحابة رضى الله تعالى عليهم فقال ﷺ دعوه فإن لصاحب الحق اليد واللسان والمراد باللسان التقاضى وباليد الملازمة ولأن قضاء الدين مستحق على المديون من كسبه وماله فكما أنه إذا كان له مال كان للطالب أن يطالبه بقضاء الدين منه فكذلك إذا كان له كسب كان له أن يطالبه بقضاء الدين من كسبه وذلك إنما يتحقق بالملازمة حتى إذا فضل من كسبه شئ عن نفقته أخذه بدينه ولسنا نعنى بهذه الملازمة أن يقعده في موضع فإن ذلك حبس ولكن لا يمنعه من التصرف بل يدور معه حيثما دار، وإن كان الرجل غنيا لم يخرجه القاضي من السجن أبدا حتى يؤدى النفقة والدين لقول النبي ﷺ : ليُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته ولأنه حال بين صاحب الحق وبين حقه مع قدرته على إيفائه فيجازى بمثله وذلك بالحيلولة بينه وبين نفسه وتصرفه حتى يوفى ما عليه وإن كان له مال حاضر آخذ القاضي الدراهم والدنانير من ماله وأدى منها النفقه والدين لأن صاحب الحق إذا ظفر بجنس حقه كان له أن يأخذه فللقاضى أن يعينه على ذلك أيضا وكذلك إذا ظفر بطعامه في النفقة لأنه عين ما عليه من الحق والمرأة تتمكن من أخذه إذا قدرت عليه فيعينها القاضي على ذلك، ولا يبيع القاضي عروضه في النفقة والدين في قول أبى حنيقة رحمه الله تعالى وفى قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى ببيع ذلك كله وهو بناء على مسألة الحجر فإن عند أبى حنيفه رحمه الله تعالى القاضي لا يحجر على المدين بسبب الدين، وبيع المال عليه نوع حجر فلا يفعله القاضي. وعندهما القاضي يحجر عليه بسبب الدين فيبيع عليه ماله واستدلا في ذلك بما روى أن النبى ﷺ حجر على معاذ رضى الله تعالى عنه وباع عليه ماله وقسم ثمنه على غرمائه بالحصص، ولأبى حنيفة: ما روى أن رجلا من جهينة أعتق جزءا من عبد بينه وبين آخر فحبسه رسول الله ﷺ حتى باع غنيمة له وأدى ضمان نصيب شريكه ومعلوم أن النبى ﷺ كان قد علم بيساره حين ألزمه بضمان العتق ثم اشتغل بحبسه ولم يبع عليه ماله فلو كان ذلك جائزا لاشتغل به ثم قال صاحب المبسوط (١) وإذا كان لرجل نسوة فرضت النفقة لهن عليه بحسب الكفاية فإن كانت إحداهن كتابية أو: أمة قد بوأها مولاها معه بيتا فرض عليه لكل واحدة منهن ما يكفيها ولا تزاد الحرة المسلمة على الأمة والذمية شيئا لأن النفقة مشروعة للكفاية وهذا لايختلف باختلاف الدين ولا باختلاف الحال في الرق والحزية فإن فرض ذلك وهو ميسر وعلم القاضي ذلك منه أمرهن بالاستدانة عليه ففى هذا يعتدل النظر من الجانبين وإن كان الزوج غائبا فقد كان أبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول أولا: يأمرهن بالاستدانة عليه إذا كان يعلم النكاح بينه وبينهن وهو قول زفر رحمه الله تعالى كما يفعل ذلك عند حضرته ثم رجع فقال لا يأمر بذلك وهو قولهما لأن فيه قضاء على الغائب وليس له ذلك وإن أمرهن بالاستدانة فلم يجدن ذلك لم يفرق بينه وبينهن

стр. 8825

ولم يجبره على طلاقهن عندنا (١) وحجتنا في ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٢) فهذا تنصيص على أن المعسر منظر ولو أجلته في ذلك لم يكن لها أن تطالب بالفرقة فكذلك إذا استحق النظرة شرعا إلا أن المستحق بالنص التأخير فلا يلحق به ما يكون إبطالا لأن ذلك فوق المنصوص وفى حق المملوك يكون إبطالا لأنه لا يثبت للمملوك على مولاه دين فإما في حق الزوجية يكون تأخيرا لا إبطالا وبهذا يتبين أنه غير عاجز عن معروف يليق بحاله وهو الالتزام في الذمة فإن المعروف في النفقة على الموسع قدره وعلى المقتر قدره وهو الإلتزام في الذمة. مذهب المالكية: في "الفروق" للقرافى: المعسر يفسخ عليه نكاحه بطلاق في حق من ثبت لها الإنفاق جناء في التاج والإكليل (٣) أن ابن الحاجب قال في المختصر: ويثبت للمرأة حق الفسخ بالعجز عن النفقة الحاضرة لا الماضية حرين كان الزوجان أو عبدين أو مختلفين ما لم تكن عرفت فقره ورضيت به قبل العقد أو عرفت أنه من السؤال فيأمره الحاكم بالإنفاق أو الطلاق فإن أبى طلق عليه بعد التلوم ومدة التلوم شهر وروى ثلاثة والصحيح أنه يختلف برجاء يسره وجاء في الحطاب (٤) أنه إن أثبت الزوج عسره تلوم له القاضي باجتهاده قال في التوضيح ولا يمين على الرجل إن صدقته المرأة على عسره إذ لا يحتاج إلى إقامة بينه وأما إن لم تصدقه فلابد من بينة على الإعسار واليمين ثم يتلوم له القاضي على القول المشهور المعمول به وقيل: يُطلق عليه من غير تلوم وعلى المشهور اختلف في مقدار التلوم فلمالك في المبسوط أنه اليوم ونحوء مما لا يُضر بها الجوع، ولمالك في الواضحة الثلاثية الأيام والصحيح أنه يختلف بالرجاء وعدمه (أي رجاء يسره وعدمه) وهو مذهب المدونة قال فيها ويختلف التلوم فيمن يرجى له وفيمن لا يرجى له ثم قال في الحطاب (٥): من لم يثبت عسره وامتنع من الإنفاق والطلاق فتارة يقر بالملاءة وتارة يدعى العسر فإن ادعى العسر تلوم له وإن أقر بالملاءة حكى بن عرفه في ذلك قولين أحدهما أنه يعجل عليه الطلاق والثانى أنه يسجن حتى ينفق وعليه إن كان له مال ظاهر أخذت النفقة منه كرها وقال المنبطى وغيره من الموثقين: إن ادعى العدم وصدقته نظر في تأجيله وإن كذبته فبعد إثبات عدمه وحلفه. وحكم الغائب في الطلاق بعدم النفقة كحكم الحاضر قال في التوضيح وهو المشهور وقال القابس لا يطلق على غائب لأنه لم يستوف حجته وعلى الأول فلابد أن تكتب الزوجة وأنه قد دخل بها أو دعا إلى الدخول والغيبة بحيث لا يعلم موضعه أو علم ولم يمكن الإعذار إليه فيه وأما إن علم وأمكن الإعذار إليه فإنه يعذر إليه ولابد أن تشهد لها البينة بأنها لا تعلم أن الزوج ترك لها نفقه ولا كسوة ولا أنه بعث إليها بشئ وصل إليها في علمهم إلى هذا الحين ثم بعد ذلك يضرب لها أجلا على حسب ما يراه ثم يحلفها على ما شهدت لها البينة وحينئذ إن دعت إلى الطلاق طلقها هو أو أباح لها التطليق وفى الإعسار بالمهر جاء في الحطاب (٦) إن كان الزوج الذي منعته إليه.
следующие страницы →